الإسلام > القرآن > تفسير > النيسابوري > تفسير سورة الشعراء
تفسيرُ سورةِ الشعراء كاملةً من غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) (نظام الدين النيسابوري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 78 دقيقة قراءةالقراءات: ﴿ طسم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد.
وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وقرأ حمزة ويزيد مظهرة النون عند الميم ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ ويضيق ولا ينطلق ﴾ بالنصب فيهما: يعقوب.
﴿ أرجه ﴾ مثل ما في "الأعراف" ﴿ أين لنا ﴾ بالمد وبالياء.
يزيد وأبو عمرو وزيد وقالون.
وقرأ ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد بهمزة ثم ياء، وعن قنبل ﴿ إن لنا ﴾ على الخبر.
الباقون بهمزتين.
هشام يدخل بينهما مدة.
﴿ آمنتم ﴾ بالمد: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ آمنتم ﴾ على الخير: حفص غير الخزاز.
الأخرون ﴿ أأمنتم ﴾ بهمزتين.
﴿ بعبادي إنكم ﴾ بفتح الياء: نافع وأبو جعفر ﴿ حاذرون ﴾ بالألف: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.
الباقون بغير الألف ﴿ فاتبعوهم ﴾ بالتشديد: زيد عن يعقوب.
الباقون بقطع الهمزة وسكون التاء ﴿ تراءى الجمعان ﴾ بكسر الراء والهمزة في الوصل: حمزة ونصير وهبيرة في طريق الخزاز.
واختلفوا في الوقف؛ فعن الكسائي بكسر الراء والهمزة على وزن "تريعى" وفي رواية أخرى عنه "ترائى" اي ترائى، والمشهور عنه "ترأ" بكسر الراء وفتح الهمزة، وأما حمزة فإنه يقف "ترى" بترك الهمزة وكسر الراء ويمد ويشير إلى موضع الهمزة وهو المصدر.
وأما هبيرة فإنه يقف "تريا" بكسر الراء ويشير إلى فتح الهمزة.
الباقون يقفون "تراءى" على وزن "تراعى" ﴿ معي ربي ﴾ بفتح الياء: حفص.
الوقوف: ﴿ طسم ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ خاضعين ﴾ ه ﴿ معرضين ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للابدال أو البيان تسجيلاً عليهم بالظلم ﴿ فرعون ﴾ ط للعدول عن الأمر إلى الاستفهام ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يكذبون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ ويضيق ﴾ بالرفع على الاستئناف ﴿ هرون ﴾ ط ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ قال كلا ﴾ لا للعطف معنى لا لفظاً ﴿ مستمعون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ بني إسرائيل ﴾ ط ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وما بينهما ﴾ ط لأن جواب الشرط محذوف اي إن كنتم موقنين فلا تكذبوني ﴿ موقنين ﴾ ه ﴿ تستمعون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه ﴿ وما بينهما ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المسجونين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ للناظرين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ بسحره ﴾ ق قد قيل: بناء على أن ما بعده قول الملأ لفرعون والجمع للتعظيم، والأصح أنه من تتمة قول فرعون.
﴿ تأمرون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه لا لأن ما يتلوه جواب.
﴿ عليم ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه لا للعطف ﴿ مجتمعون ﴾ لا لاتصال المعنى ﴿ الغالبين ﴾ ه ﴿ لمن المقربين ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ ما يأفكون ﴾ ه للآية وللدلالة على إسراعهم في السجود ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ وهرون ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ه للابتداء بأن مع اتحاد القول ﴿ السحر ﴾ ط للفاء ولام الابتداء ﴿ فلسوف تعلمون ﴾ ه لتقدير القسم ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ لا ضير ﴾ ط توقية لحق "إن" وإلا فالأصل هو الوصل لأن ما بعده هو القول في الحقيقة كما في "الأعراف" ﴿ منقلبون ﴾ ه ج للآية مع اتحاد المقول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ متبعون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه للآية مع أن التقدير بأن هؤلاء ﴿ قليلون ﴾ ه ﴿ لغائظون ﴾ ه ﴿ حاذرون ﴾ ه ط لابتداء الخبر من الله ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا لتعلق الكاف ﴿ كذلك ﴾ ط أي كما وعدنا بني إسرائيل إيراثها ثم أخبر عن وقوع الموعود لبني إسرائيل ﴿ مشرقين ﴾ ه ﴿ لمدركون ﴾ ه ووجه الوصل الإسراع في تداركهم عن خوف الإدراك ﴿ كلا ﴾ ج لاحتمال أن يكون للردع وأن يكون بمعنى حقاً ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ البحر ﴾ ط لأجل الفاء الفصيحة أي فضرب فانفلق ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه الآية ط ﴿ مأمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه.
التفسير: قال جار الله: معنى طسم إن آيات هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين وقد مر مثله في أول "يوسف".
والبخع الإهلاك وقد مر في اول "الكهف".
عزاه وعرفه أن غمه وحزنه لا ينفع كما أن وجود الكتاب على بيانه ووضوحه لا ينفع.
ثم بين أنه قادر على تنزيل آية ملجئة إلى الإيمان ولكن المشيئة والحكمة تقتضيان بناء الأمر على صورة الاختبار.
قال صاحب الكشاف: وجه عطف ﴿ فظلت ﴾ على ﴿ ننزل ﴾ كما قيل في قوله ﴿ فَأَصَّدَّقَ وأكن ﴾ كأنه قيل: أنزلنا فظلت.
وأقول: الظاهر أن الفاء في ﴿ فظلت ﴾ لسببية بدليل عدم المستتر فيه كما في ﴿ ننزل ﴾ .
ووجه العدول إلى الماضي كما قيل في ﴿ ونادى ﴾ ﴿ وسيق ﴾ وجه مجيء ﴿ خاضعين ﴾ خبراً عن الأعناق إذ الأعناق تكون مقحماً لبيان موضع الخضوع.
وأصل الكلام: فظلوا لها خاضعين أي حين وصفت الأعناق بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل ﴿ خاضعين ﴾ كقوله ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ﴾ وقيل: أعناقهم رؤساؤهم كما يقال لهم الرؤوس والصدور.
وقيل: اراد جماعاتهم.
يقال: جاءنا عنق من الناس لفوج منهم.
عن ابن عباس: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية.
قال: ستكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد عزة.
ومعنى ﴿ ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث ﴾ قد مر في سورة الأنبياء.
نبه بذلك على أنه مع اقتداره على أن يجعلهم ملجئين على الإيمان حكيم يأتيهم بالقرآن حالاً بعد حال رعاية لقاعدة التكليف.
ثم ذكر أنه لا يحدد لهم توجيه موعظة وتذكير إلا جددوا ما هو نقيض المقصود، وذلك النقيض هو الإعراض والتكذيب والاستهزاء وهذا ترتيب في غاية الحسن كأنه قيل حين أعرضوا عن الذكر: فقد كذبوا به وحين كذبوا به فقد خف عندهم قدره حتى صار عرضة للاستهزاء.
وهذه درجات من أخذ في الشقاء فإنه يعرض أوّلاً، ثم يصرح بالتكذيب ثانياً، ثم يبلغ في التكذيب والإنكار إلى حيث يستهزئ.
وفي قوله ﴿ فسيأتيهم ﴾ وعيد لهم بعذاب بدر أو يوم القيامة وقد مر مثله في أول "الأنعام".
ثم بين أنه مع حكمته في إنزال القرآن حالاً بعد حال رحيم يظهر من الدلائل الحسية ما يكفي للمتأمل في باب النظر والاستدلال.
والزوج الصنف والكريم نعت لكل ما يرضى ويحمد في بابه منه "وجه كريم" إذا رضي في حسنه وجماله، و"كتاب كريم" مرضي في مبانيه، و"نبات كريم" مرضي فيما يتعلق به من المنافع، فما من نبت إلا وفيه نفع وفائدة من جهة وإن كانت فيه مضرة من جهة أخرى.
ويحتمل أن يراد بالكريم النافع منه وتكون المضارّ مسلوبة عنه.
قال جار الله: معنى الجمع بين "كم" و"كل" دون أن يقول "كم أنبتنا فيها من زوج كريم" هو أن "كلا" قد دل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و"كم" دل على أن هذا محيط مفرط الكثرة.
قلت: فالحاصل أن خلق النوع يصدق بخلق فرد واحد منه كما يصدق بخلق أفراد كثيرة.
فقوله ﴿ كل زوج ﴾ إشارة إلى خلق كل نوع من أنواع النبات، وقوله ﴿ كم أنبتنا ﴾ إشارة إلى كثرة افراد كل نوع منه وفيه تنبيه على كمال القدرة ونهاية الجود والرحمة ولهذا ختم الكلام بقوله ﴿ إن في ذلك ﴾ الإنبات أو في كل واحد من تلك الأزواج ﴿ الآية ﴾ على الإبداء والإعادة ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ لأن الله طبع على قلوبهم ﴿ وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ فمن عزته قدر على عقوبتهم ومن رحمته بين لهم الدلائل ليتفكروا ويعتبروا، والرحمة إذا صدرت عن القدرة كانت أعظم موقعاً، واعلم أنه كرر بعض الآيات في هذه السورة لأجل التأكيد و"التقرير"؛ فمن ذلك أنه كرر قوله ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ إلى قوله ﴿ الرحيم ﴾ في ثمانية مواضع: أولها في ذكر النبي ، والثانية في قصة موسى، ثم إبراهيم، ثم نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم لوط، ثم شعيب.
ومن ذلك قوله ﴿ ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ﴾ وهو مذكور في خمسة مواضع: في قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب.
ومن ذلك أنه كرر ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ في قصة نوح وهود وصالح وليس في ذكر النبي : ﴿ ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاَّ على رب العالمين ﴾ لذكرها في مواضع من غير هذه السورة.
وليس في قصة موسى لأنه رباه فرعون حيث قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ ولا في قصة إبراهيم لأن اباه في المخاطبين حيث يقول: ﴿ إذ قال لأبيه وقومه ﴾ وهو قد ربَّاه فاستحيا موسى وإبراهيم أن يقولا ﴿ وما أسألكم عليه من أجر ﴾ وإن كانا منزهين من طلب الأجر.
ثم إنه أعاد في هذه السورة قصص الأنبياء المشهورين مع أممهم اعتباراً لهذه الأمة، وبدأ بقصة موسى لما فيها من غرائب الأحوال وعجائب الأمور.
والنداء المسموع عند الأشعري هو الكلام القديم الذي لا يشبه الحروف والأصوات، وعند المعتزلة وإليه ميل أبي منصور الماتريدي أنه من جنس الحروف والأصوات وأنه وقع على وجه علم به موسى أنه من قبل الله وقد عرفه أنه سيظهر عليه المعجزات إذا طولب بذلك.
قال جار الله: قوله ﴿ ألا يتقون ﴾ كلام مستأنف فيه تعجيب لموسى من حالهم الشنعاء في قلة خوفهم وكثرة ظلمهم، أو حال أدخلت عليه همزة الإنكار.
ثم إن موسى خاف أن يذكب عند أداء الرسالة فاستظهر بهارون.
وفي قراءة النصب خاف التكذيب المستتبع لضيق الصدر المستلزم لاحتباس اللسان عن الجريان في الكلام، ولعله اراد بهذه الحبسة عقدة في لسانه قبل إجابة دعوته أو بقية يروى أنها بقيت بعد الإجابة كما مر في "طه".
ومعنى ﴿ فأرسل إلى هارون ﴾ أرسل إليه جبريل واجعله نبياً يصدقني في أمري فاختصر الكلام اختصاراً.
ثم ذكر أن لهم عليه ذنباً فسمى جزاء الذنب ذنباً، أو المضاف محذوف اي تبعه ذنب وهو قود قتل القبطي كما سيجيء تفصيله في سورة القصص.
فيمكن أن يقتل قبل أداء الرسالة فلا يتمكن من المقصود، وهذا قد جوزه الكعبي وغيره من البغداديين.
وقال الأكثرون: الأقرب من حال الأنبياء أنهم يعلمون إذا حملهم الله الرسالة أنه يمكنهم من أدائها فلا معنى للخوف من القتل قبل الأداء.
نعم لو خاف بعد الأداء جاز وذلك لما جبل عليه طبع الإنسان من التنفر عن القتل فيسأل الله الأمان من ذلك وقد جمع الله له بقوله ﴿ كلا ﴾ الكلاءة وبقوله ﴿ فاذهبا ﴾ استنباء أخيه كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهارون ﴿ ومعكم ومستمعون ﴾ خبران لأن أو الخبر ﴿ مستمعون ﴾ و ﴿ معكم ﴾ متعلق به.
ولا يخفى ما في المعية من المجاز لأن المصاحبة من صفات الأجسام، فالمراد معية النصرة والمعونة، وأما الاستماع فمجاز أيضاً وإن كان إطلاق السمع على الله حقيقة لأن الاستماع جار مجرى الإصغاء ولا بد فيه من الجارحة.
فحاصل الآية إنا لكما ولعدوّكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه.
وإنما وحد الرسول في قوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ لأنه أراد كل واحد أو أراد الرسول بمعنى المصدر أي ذو رسالة رب العالمين.
يقال: أرسلتهم برسول اي برسالة أو جعلا لاتفاقهما واتحاد مطلبهما كرسول واحد.
وههنا إضمار دل عليه سياق الكلام أي فأتيا فرعون فقالا له ذلك.
يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن ههنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين.
فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه.
فأديا إليه الرسالة فعرف أنه موسى فعند ذلك قال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ أي صبياً وذلك لقرب عهده من الولادة.
قيل: مكث فيهم ثلاثين سنة من أول عمره.
وقيل: وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة ففر منهم.
والفعلة الوكزة عدد عليه نعمه، ثم وبخه بقتل نفس منهم وسماه كافراً لنعمه بسبب ذلك.
وجوز جار الله أن يراد وأنت إذ ذاك ممن يكفر بالساعة فيكون قد افترى على موسى أو جهل أمره لأنه كان يعايشهم بالتقية.
وإنما قلنا إنه افتراء أو جهل لأن الكفر غير جائز على الأنبياء ولو قبل النبوة، ويجوز أن يراد أنه من الكافرين بفرعون وإلهيته أو بآلهة كانوا يعبدونها.
قال : ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ ثم إن موسى ما أنكر تربيته ولكن أنكر الكفر فلم ينسب نفسه إلا إلى الضلال وأراد به الذهاب عن الصواب، أو أراد النسيان أو الخطأ وعدم التدبر في أدبار الأمور.
ثم ذكر موهبة ربه في حقه حين فر من فرعون وملئه المؤتمرين بقتله.
والحكم العلم بالتوحيد وكمال العقل والرأي، ولا تدخل فيه النبوة ظاهراً لئلا يلزم شبه التكرار بقوله: ﴿ وجعلني من المرسلين ﴾ قال جار الله ﴿ وتلك ﴾ إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدري ما هي إلا بعد أن فسرت بقوله ﴿ أن عبدت ﴾ نظيره قوله ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع ﴾ والمعنى تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها عليّ كأنه أبى أن يسمي نعمته إلا نقمة لأن تعبيدهم أي تذليلهم واتخاذهم عبيداً وقصدهم.
بذبح أبنائهم صار هو السبب في حصوله عنده وفي تربيته فلهذا قال الزجاج: "أن" مع ما بعده في موضع نصب أي إنما صارت نعمة عليّ لأن عبدت بني إسرائيل إذ لو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليم ومن هنا قال جار الله: إن قول موسى ﴿ فعلتها إذن ﴾ جواب لقول فرعون ﴿ وفعلت فعلتك ﴾ وجزاء له كأن فرعون قال: جازيت نعمتي بما فعلت.
فقال موسى: فعلتها مجازياً لك وإن نعمتك جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء.
وقال الحسن: أراد أنك استعبدتهم وأخذت أموالهم ومنها أنفقت عليّ فلا نعمة لك بالتربية على أن التربية كانت من قبل أمي وعشيرتي ولم يكن منك إلا أنك لم تقتلني.
وقيل: اراد أنك كنت تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على العبد في الإطعام والكسوة.
واعلم أن للعلماء خلافاً في نعمة الكافر فقيل: إنها لا تستحق الشكر لأن الكافر يستحق الإهانة بكفره فلو استحق الشكر لإنعامه لزم الجمع بين الإهانة والتعظيم في حق شخص واحد في وقت واحد.
وقيل: لا يبطل بالكفر إلا الثواب والمدح الذي يستحقه على الإيمان، وفي الآية نوع دلالة على كل من القولين.
ثم إن موسى حين أدى رسالته من قوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ ﴿ قال فرعون وما رب العالمين ﴾ وقد سبق مراراً أن كفره احتمل أن يكون كفر عناد وأ، يكون كفر جهالة، والذي يختص بالمقام هو أن ما يطلب به حقيقة الشيء وماهيته، وهذا هو الذي قصده فرعون بسؤاله ولم يعرف أن الماهية لا تطلق على ذاته تعالى إذ لا أجزاء لها حدية ولا تقديريه ولا بأي وجه فرض ضرورة انتهاء الكل إليه واستغنائه عن الكل من كل الوجوه، فلا يصح أن يسأل عنه بما هو ولا بكيف هو ولا بأي شيء هو ولا بهل هو، غاية ذلك أن ينبه على وجوده الذي هو أظهر الأشياء بلوازمه وآثاره على وجه يعم الكل كما يقال: إنه رب السموات والأرض وما بينهما، أو بأخص من ذلك بأن يقال مثلاً: ﴿ ربكم ورب آبائكم الأولين ﴾ وهو الاستدلال بالأنفس أو يقال ﴿ رب المشرق والمغرب وما بينهما ﴾ من الجهات المفروضة على السماء من لدن طلوع الكواكب إلى غروبها وبالعكس وهو الاستدلال بالآفاق.
وقد راعى في الجواب الأول طريقة اللطف فختم بقوله ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ أي إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به لظهوره وجلائه.
وخاشنهم في الأخير بقوله ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله: ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله ﴿ إن رسولكم ﴾ ويمكن أن يراد بقوله ﴿ وما بينهما ﴾ ثانياً ما بين المشرق والمغرب من المخلوقات فيكون الفرق بين هذا الاستدلال وبين الأول أن الأول هو الاستدلال بالإمكان على طريقة الحكيم، والثاني هو الاستدلال بالحدوث على طريقة المتكلمين، والأول أقرب إلى اليقين فلهذا قال ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ والثاني أقرب إلى الحس فلهذا قال ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ ولما انجر الكلام إلى حد العناد والمخاشنة هدده فرعون بقوله: ﴿ لئن اتخذت إلهاً غيري لاجعلنك من المسجونين ﴾ وهذا أبلغ من أن لو قال: "لأسجننك" والمعنى لأجعلنك واحداً ممن عرفت حالهم في سجوني وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه يطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فرداً لا يبصر فيها ولا يسمع، وحينئذ عدل موسى إلى الحجة الأصلية في الباب وهو ادعاء المعجز المنبئ عن صدقه فقال ﴿ أولو جئتك ﴾ أي أتفعل فيَّ ذلك ولو جئتك بشيء أي جائياً بالمعجزة.
وفي قوله ﴿ إن كنت من الصادقين ﴾ إن سلم أنه قاله جداً لا هزلاً وجدالاً دلالة على ما ركز في العقول من أن دعوى الرسالة إن اقترنت بظهور المعجزة على يده تحقق صدقها.
وقد شنع في الكشاف ههنا أن في أهل القبلة من خفي عليهم ما لم يخف على فرعون حتى جوزوا القبيح عليه ولزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات.
وفي التخطئة سهو من وجهين: أحدهما: أنه لا قبيح عند الأشاعرة عقلاً.
والثاني أنه على تقدير التسليم لا يلزم تجويز كل قبيح وهذا من ذلك للزوم الاشتباه.
وباقي القصة سبق نظيرها في "الأعراف" فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالسورة.
قوله ﴿ قال للملأ حوله ﴾ قال في الكشاف: الظرف في محل النصب على الحال.
وأقول: الأصوب أن يجعل نعتاً للملأ أي الأشراف حوله على طريقة قوله: ولقد أمرّ على اللئيم يسبني *** قوله ﴿ لمقيات يوم معلوم ﴾ اليوم يوم الزينة وميقاته وقت الضحى كما مر في "طه".
قوله ﴿ هل أنتم مجتمعون ﴾ استبطاء لهم في الاجتماع وحث عليه كقول الرجل لغلامه: هل أنت منطلق إذا أراد أن يحثه على الانطلاق.
قوله ﴿ لعلنا نتبع السحرة ﴾ لم يكن غرضهم اتباع السحرة في دينهم وإنما غرضهم الأصلي أن لا تتبعوا موسى، فساقوا الكلام مساق المجاز لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا متبعين لموسى.
قوله ﴿ بعزة فرعون ﴾ هي من أيمان الجاهلية ولا يصح الحلف في الإسلام إلا بالله وبصفاته كما مر في "البقرة" و"المائدة".
وقوله ﴿ فألقى السحرة ﴾ لم يسم فاعله وهو الله في الحقيقة حين ألقى داعية الإيمان في قلوبهم ويجوز أن ينسب إلى ما عاينوا من المعجزات الباهرة ولك أن لا تقدر فاعلاً أي خروا.
قوله ﴿ لا ضير ﴾ أي لا ضير علينا فيما يتوعدنا به من القتل.
قوله ﴿ إنا نطمع ﴾ الطمع في هذا الموضع يحتمل اليقين كقوله إبراهيم ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي ﴾ ويحتمل الظن بناء على أن المرء لا يعلم ما يختاره أو يؤل إليه عند الوفاة.
ومعنى ﴿ أن كنا ﴾ لأن كنا وكانوا أوّل طائفة مؤمنين من أهل زمانهم أو من قوم فرعون أو من أهل المشهد.
قوله: ﴿ إِنكم متبعون ﴾ تعليل للإسراء أي بنيت تدبير أمركم على أن تتقدموا لو يتبعكم فرعون وجنوده إلى أن يغشاهم من اليم ما يغشاهم.
قوله: ﴿ لشرذمة ﴾ هي الطائفة القليلة.
ثم وصفهم بالقلة واختار جمع السلامة ليدل على أن كل حزب منهم في غاية القلة، وذلك بالنسبة إلى عسكره وإلا فهم كثير في أنفسهم.
يروى أن فرعون أرسل في اثرهم الف ألف وخمسمائة الف ملك مسور مع كل ملك الف وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت على مقدّمته سبعمائة ألف كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة، وكان قوم موسى إذ ذاك ستمائة ألف وسبعين ألفاً.
ويجوز أن يريد بالقلة الذلة والحقارة لا قلة العدد.
قوله: ﴿ وإنهم لنا لغائطون ﴾ معناه أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم ولكنهم يفعلون أفعالاً لغيظنا كأخذ الحلي وادّعاء الاستقلال والاستخلاص عن ذل الاستخدام ونحن قوم مجموعون كلمة وائتلافاً، ومن عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور.
فالحذر المتيقظ وهو يفيد الثبات والحاذر الذي يجدد حذره.
وقيل: هو تام السلاح لأنه فعل ذلك حذراً واحتياطاً لنفسه، وكل هذه المعاذير لأجل أن لا يظن به العجز وخلاف ما ادّعاه من القهر والتسلط.
وقرئ ﴿ حادرون ﴾ بالدال غير المعجمة، والحادر السمين القوي أراد أنهم أقوياء أشدّاء.
﴿ فأخرجناهم من جنات ﴾ أي بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة.
قال مجاهد: سماها كنوزاً لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله .
والمقام الكريم المنازل الحسنة والمجالس البهية.
وقال الضحاك: المنابر.
وقيل: السرر في الحجال.
﴿ كذلك ﴾ يحتمل النصب أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا، والجر على الوصف أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، ولارفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك، وعلى هذا فيوقف على ﴿ كريم ﴾ .
﴿ فأتبعوهم ﴾ اي فلحقوهم.
ومن قرأ بالتشديد فظاهر.
والإشراق الدخول في وقت الشروق ﴿ فلما تراءى الجمعان ﴾ أي رأى قوم موسى قوم فرعون وحصل كل من الفريقين بمرأى للآخر ﴿ قال أصحاب موسى ﴾ خوفاً وفزعاً ﴿ إنا لمدركون ﴾ لملحقون.
قال موسى تثبيتاً لهم وردعاً عماهم عليه من الجزع والفزع ﴿ كلا إن معي ربي ﴾ بالنصرة والمعونة ﴿ سيهدين ﴾ سبيل النجاة والخلاص كما وعدني.
ثم بين أنه كيف هداه بقوله ﴿ فأوحينا ﴾ الآية.
ومعنى ﴿ فانفلق ﴾ فضرب فانفلق ﴿ فكان كل فرق ﴾ اي كل جزء متفرق منفلق منه ﴿ كالطود ﴾ وهو الجبل العظيم ومع ذلك وصفه بالعظيم ﴿ وأزلفنا ثم ﴾ أي قربنا حيث انفلق البحر ﴿ الآخرين ﴾ وهم قوم فرعون والمقرب منه بنو إسرائيل أو قوم فرعون أيضاً أي أدنينا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد، ويجوز أن يراد قدمانهم إلى البحر.
وقرئ ﴿ وأزلقنا ﴾ بالقاف أي أزللنا أقدامهم حساً بأن لم يكن لهم البحر يبساً كما كان لبني إسرائيل، أو عقلاً أي أذهبنا عزهم.
والبحر بحر القلزم أو بحر من وراء مصر يقال له أساف.
قالت الأشاعرة: إنه أضاف الإزلاف إلى نفسه مع أن اجتماعهم في طلب موسى كفر.
أجاب الجبائي بأن قوم فرعون تبعوا بني إسرائيل وبنو إسرائيل إنما فعلوا ذلك بأمر الله ، فلما كان مسيرهم بتدبير الله وهؤلاء تبعوهم اضافه إلى نفسه توسعاً، وهذا كما يتعب أحدنا في طلب غلام له فيجوز أن يقول: أتعبني الغلام لما حدث ذلك عند فعله.
أو المراد أزلفناهم إلى الموت والأجل.
وقال الكعبي: أراد أنه جمع تفرقهم كيلا يصلوا إلى موسى وقومه، أو اراد أنه حلم عنهم وترك لهم لابحر يابساً حتى طمعوا في دخوله.
واعترض بأن كل ذلك لا بد أن يكون له أثر في استجلاب داعية قوم فرعون إلى الذهاب خلفهم فيعود المحذور.
﴿ إن في ذلك ﴾ الذي حدث في البحر من إنجاء البعض وإغراق البعض أو في ذلك أي ذكر من القصة بطولها ﴿ لآية ﴾ عجيبة للمتدبر المتفكر في الأمور الإلهية ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ حين سألوا بعد النجاة أن يجعل لهم موسى إلهاً غير الله، واتخذوا العجل، واقترحوا اقتراحات خارجة عن قانون الأدب.
ويحتمل أن يعود الضمير إلى هذه الأمة بدليل ﴿ واتل عليهم ﴾ وفيه تسلية لرسول الله فقد كان يغتم بتكذيب قومه بعد ظهور المعجزات ونزول الآيات.
التأويل: الطاء طوله في كمال عظمته، والسين سلامته عن كل عيب ونقص، والميم مجده الذي لا نهاية له.
أو الطاء طهارة قلب نبيه عن تعلقات الكونين، والسين سيادته على الأنبياء والمرسلين، واليمم مشاهدته جمال رب العالمين.
أو الطاء طيران الطائرين بالله، والسين سير السائرين إلى الله، والميم مشي الماشين لله الذين يمشون على الأرض هوناً.
﴿ إن نشأ ننزل ﴾ من سماء قلوبهم ﴿ آية ﴾ من واردات الحق ﴿ فظلت ﴾ أعناق نفوسهم ﴿ لها خاضعين ﴾ ﴿ فسيأتيهم ﴾ بعد مفارقة الأرواح الأجساد ﴿ أنباء ما كانوا به يستهزؤن ﴾ لظهور نتائج معاملاتهم الخبيثة على أرواحهم ﴿ أو لم يروا إلى ﴾ أرض قلوب العارفين ﴿ كما أنبتنا فيها ﴾ من اشجار أصناف الإيمان والتوكل واليقين والإخلاص وسائر الأخلاق الكريمة ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ لأن جناب الحق لعزته يجل عن أن يكون شرعة لكل وارد ﴿ وإن ربك لهو العزيز ﴾ الذي لا يوجد بالسعي ﴿ الرحيم ﴾ حين أدرك أولياءه بجذبات العناية كما أدرك موسى حين ناداه من الشجرة، وذلك لأنه جعله مظهر لطفه كما أ نه جعل فرعون مظهر قهره فصار من العتوّ والاستكبار في غاية الكمال.
ويعلم منه أن الإنسان له استعداد في مظهرية صفة القهر ليس لإبليس فلذلك عاند إبليس آدم وقال أنا خير منه وعاند فرعون الرب وقال أنا ربكم الأعلى.
وأن له استعداداً في مظهرية صفة اللطف ليس للملك ولهذا صار الإنسان مسجوداً للملائكة.
﴿ أن أرسل معنا بني إسرائيل ﴾ فيه أن موسى القلب مرسل إلى فرعون النفس لئلا تستعيد الصفات الروحانية فإن لفرعون النفس في البداية استيلاء على موسى القلب والصفات الروحانية فاستعملهم في قضاء حوائجه وتحصيل مقاصده فعرفه فرعون النفس وقال ﴿ ألم نربك فينا وليداً ﴾ فإن موسى القلب كان في حجر فرعون النفس إلى أن بلغ أوان الحلم وهي خمس عشرة سنة، فقتل قبطي الشهوة حين كفر بإله الهوى وكان قبل القتل ضالاً عن حضرة الربوبية ﴿ ففرت منكم ﴾ غلى الله لما خفت أن تقطعوا عليّ الطريق إلى الله.
رب سموات القلوب وأرض البشرية وما بينهما من المنازل ﴿ قال لمن حوله ﴾ من صفات النفس ﴿ الا تستمعون ﴾ ﴿ قال موسى ﴾ القلب لتعارفه بربه ﴿ ربكم ورب آبائكم الأوّلين ﴾ يعني الآباء العلوية الرحانية.
وفي قوله ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ إشارة إلى كمال ضدية القلب والنفس فما يصدر عن القلب تعده النفس من الجنون وبالعكس.
﴿ رب ﴾ مشرق الروح من أفق البدن ﴿ ورب ﴾ مغربه فيه ﴿ وما بينهما ﴾ من مدة التعلق وقد مر نظيره في محاجة إبراهيم في "البقرة" ﴿ لأجعلنك من المسجونين ﴾ في سجن حب الدنيا فإن القلب إذا توجه إلى الله فلا استيلاء للنفس عليه إلا بشبكة حب النجاة والرياسة فإنها آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين.
فقال موسى القلب: لا تقدر على أن تسجنني فإن معي عصا الذكر واليد المنزعة عما سوى الله.
وباقي التأويل قد سبق قوله: ﴿ فأخرجناهم ﴾ أي ﴿ من جنات ﴾ صفات الأوصاف الروحانية ﴿ وعيون ﴾ الحكمة ﴿ وكنوز ﴾ المعارف ﴿ ومقام كريم ﴾ في حضرة أكرم الأكرمين ﴿ وأورثاها بني إسرائيل ﴾ فيه أن النفس إذا فنيت ورث القلب منها صفاتها وبقوتها تصير إلى مقامات لم يمكنه الوصول إليها بقوة صفاته، ولو مات القلب ورثت النفس منه صفاته وبقوتها تتنزل إلى دركات لم يمكنها الوصول إليها بمجرد صفاتها ﴿ فأتبعوهم ﴾ أي لحق أوصاف النفس أوصاف القلب عند إشراق شمس الروح ﴿ فكان كل فرق ﴾ فيه أن كل صفة من أوصاف الروح كجبل عظيم في العبور عنه.
﴿ وأزلفنا ثم الآخرين ﴾ أي قربنا صفات النفس بتبعية صفات القلب إلى بحر الروح.
﴿ وأنجينا موسى ومن معه ﴾ من الأوصاف في بحر الروح بالوصول إلى الحضرة ﴿ ثم أغرقنا ﴾ أوصاف النفس في بحر الروحانية فإن الوصول إلى الحضرة من خواص القلب وغاية سير النفس هو الاستغراق في بحر الروحانية ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ لأرباب العرفان ﴿ وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾ بهذه المنازل فإنه لا يصير إليها إلا الشاذ من المجذوبين بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ جعلنا الله من المستعدين لها والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لي إلا ﴾ ﴿ واغفر لأبي إنه ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع ﴿ وأجري إلا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص: ﴿ وأتباعك ﴾ على أنه جمع تابع أو تبع: يعقوب ﴿ أنا إلا ﴾ بالمد: أبو نشيط عن قالون ﴿ معي من المؤمنين ﴾ بفتح ياء المتكلم: حفص وورش.
الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" طرف ﴿ اتل ﴾ وإنما هو منصوب باذكر ﴿ ما تعبدون ﴾ ه ﴿ عاكفين ﴾ ه ﴿ تدعون ﴾ ه ﴿ يضرون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا لأن الضمير بعده توكيد ﴿ الأقدمون ﴾ ه والوصل أولى للفاء ﴿ العالمين ﴾ ه لا لأن ﴿ الذي ﴾ صفة الرب ﴿ يهدين ﴾ ه لا ﴿ يشفين ﴾ ه ﴿ ويسقين ﴾ ه ﴿ يحيين ﴾ ه لا ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ بالصالحين ﴾ ه لا ﴿ الآخرين ﴾ ه لا ﴿ النعيم ﴾ ه لا ﴿ الضالين ﴾ ه لا ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ ولا بنون ﴾ ه لا ﴿ سليم ﴾ ه ط بناء على أن ما بعده إلى آخر أحوال الجنة والنار هو من كلام الله وهو الظاهر.
وقيل: هو من تتمة كلام إبراهيم ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ شافعين ﴾ ه ﴿ حميم ﴾ ه ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الاية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ج لأن "إذ" تصلح ظرفاً للتكذيب مفعولاً لا ذكر ﴿ تتقون ﴾ ج ه لأن ما بعده من تمام المقول ﴿ أمين ﴾ ه لا للفاء ﴿ وأطيعون ﴾ ج ه ﴿ من أجر ﴾ ج ﴿ العالمين ﴾ ج ه ﴿ وأطيعون ﴾ ه لا ﴿ الأرذلون ﴾ ه ط ﴿ يعملون ﴾ ج ه لأن ما بعده من تمام المقول ﴿ تشعرون ﴾ ه لذلك ﴿ المؤمنين ﴾ ج ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ المرجومين ﴾ ه ط ﴿ كذبون ﴾ ه ج ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المشحون ﴾ ج ه ﴿ الباقين ﴾ ه ﴿ الآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ط ﴿ الرحيم ﴾ ه.
التفسير: القصة الثانية قصة إبراهيم وكان يعلم عبدة أصنام ولكنه سألهم للإلزام والتبكيت.
ومثله أهل المعاني بأن يقول أحد للتاجر: ما مالك؟
وهو يعلم أن ماله الرقيق ثم يقول له الرقيق: جمال وليس بمال.
وإنما قال في سورة الصافات ﴿ ماذا تعبدون ﴾ بزيادة "ذا" لأنه أراد هناك مزيد التوبيخ ولذلك بنى الكلام على الزيادة ثم اردفه بقوله ﴿ أئفكا آلهة دون الله تريدون ﴾ وحين صرح هنالك بالتوبيخ لم يجيبوه وههنا ظنوا أنه يريد الاستفهام حقيقة فأجابوه ولكنهم بسطوا الكلام بسطاً ولم يقتصروا على ﴿ أصناماً ﴾ بل زادوا ناصبه وعقبوه بقولهم ﴿ فنظل لها عاكفين ﴾ إظهاراً للابتهاج والافتخار.
قال في الكشاف: وإنما قالوا ﴿ فنظل ﴾ لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل.
قلت: وهذا مبني على النقل الصحيح والظن به حسن.
قال: لا بد في ﴿ يسمعونكم ﴾ من تقدير حذف المضاف معناه هل يسمعون دعاءكم؟
قلت: ويحتمل أن يكون المحذوف مفعولاً ثانياً أي هل يسمعونكم تدعون إذ تدعون وهو حكاية حال ماضية لأن "إذ" للمضي ومعناه استحضار الأحوال الماضية التي كانوا يدعونها فيها.
وحين تمسكوا في الجواب بطريقة التقليد قائلين على سبيل الإضراب ﴿ بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ﴾ نبههم إبراهيم بقوله ﴿ أفرأيتم ﴾ على أن الباطل لا يتغير بأن يكون قديماً أو حديثاً ولا بأن يكون في مرتكبيه كثرة أو قلة، وصرح بأن معبوديه أعداء لقوله ﴿ كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً ﴾ أو لأن الذي يغري على عبادتها هو الشيطان وهو أعدى عدو للإنسان، وإنما لم يقل عدوّ لكم لأنه أراد تصوير المسألة في نفسه ليكون أدل على النصح وأقرب إلى القبول كأنه قال: إني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدوّ.
ويحكى عن الشافعي أن رجلاً واجهه بشيء فقال: لو كنت بحيث أنت لاحتجت إلى أدب.
وقوله ﴿ إلا رب العالمين ﴾ استثناء منقطع أي لكن رب العالمين حبيب لي.
ثم وصف لهم الرب بأنه ﴿ الذي خلقني فهو يهدين ﴾ أي خلق بدني على كماله الممكن له ثم يهدين في الاستقبال إلى ضروب مصالح الدين والدنيا كامتصاص الدم في البطن والثدي بعد الولادة نظيره ما مر في "طه" ﴿ الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ .
ثم نبه بقوله ﴿ والذي هو يطعمني ويسقين ﴾ أن الذي يتعلق به قوام البدن من الاغتذاء بالطعام والإساغة بالشراب هو من جملة إنعام الله لأنه خلق هناك قوى جاذبة وماسكة وهاضمة ودافعة وغيرها، ولولاها لما تم أمر الانتفاع بالغذاء بل نفس الغذاء من جملة نعمه الشاملة، ثم قال ﴿ وإذا مرضت فهو يشفين ﴾ وذلك أن البدن ليس دائماً على النهج الطبيعي بحيث تصدر عنه الأفعال الموضوع هو لها سليمة فاسترداد الصحة بعد زوالها ليس إلا بإذن الله وبما خلق لكل داء دواء وإنما لم يقل أمرضني لأن كثيراً من اسباب المرض يحدث بإسراف الإنسان في المطعم والمشرب.
وأيضاً الصحة تحتاج إلى سبب قاهر يقسر الأخلاط والقوى على النسبة المطلوبة، أما المرض فإنه بسبب تنافر الأخلاط وطلب كل منها مركزه الأصلي.
وأيضاً فيه رعاية الأدب في مقام المدح وتعداد النعم وإنما لم يراع هذه النكتة في قوله ﴿ والذي يميتني ﴾ لأن الإماتة ليست بضر كالمرض.
إما بعدم الإحساس وقتئذ، وإما لأنها مقدمة الوصول إلى عالم الخير والراحة.
وإنما زاد لفظة "هو" في الإطعام والشفاء لأنهما قد ينسبان إلى الإنسان فيقال: زيد يطعم وعمرو يداوي.
فأكد إعلاماً بأن ذلك في الحقيقة من الله، واما الإماتة والإحياء فلا يدعيهما مدع فأطلق: ثم اشار إلى ما بعد الإحياء من المجازاة بقوله ﴿ والذي أطمع ﴾ فحمل الأشاعرة الطمع على مجرد الظن والرجاء بناء على أنه لا يجب لأحد على الله شيء.
وحمله المعتزلة على اليقين تارة وعلى هضم النفس والتواضع وتعليم الأمة أخرى، كما أنه أضاف الخطيئة إلى نفسه لمثل ذلك.
وقد تحمل الخطيئة على المعاريض المنسوبة إليه من قوله ﴿ إني سقيم ﴾ وقوله ﴿ بل فعله كبيرهم ﴾ وقوله لسارة "هي أختي" وإنما علق المغفرة بيوم الدين لأن أثرها يتبين يومئذ وهو في الدنيا خفي.
قال بعضهم: فائدة زيادة "لي" هي أن يعلم أن المغفرة فائدتها تعود إليه والله لا يستفيد بذلك كمالاً لم يكن له.
والمراد: أطمع أن يغفر لي لمجرد عبوديتي له واحتياجي إليه لا بواسطة شفيع كما قال لجبرائيل: أما إليك فلا.
وحين قدم الثناء شرع في الدعاء تعليماً لأمته إذا أرادوا مسألة فقال ﴿ رب هب لي حكماً ﴾ وهو إشارة إلى كمال القوة النظرية ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ وهو إشارة إلى كمال القوة العملية.
ولقد اجابه حيث قال ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ وقيل: الحكم النبوة إذ النبي ذو حكمة وذو حكم.
بين عباد الله وزيف بأنه كان حاصلاً فكيف يطلبه؟
والظاهر أنه اراد بالحكم النسب الذهنية المطابقة للخارجية أعني العلوم النظرية كما بينا.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على مسألة خلق الأعمال، إنه طلب العلم من الله فلولا أن العلم بخلقه وإلا كان السؤال عبثاً.
وحمله المعتزلة على منح الألطاف.
قيل: الحكم المطلوب بالدعاء إن كان هو العلم بغير الله لزم أن يكون سائلاً لما يشغله عن الله وهو باطل، وإن كان العلم بالله بقدر ما هو شرط صحة الإيمان لزم طلب ما هو حاصل لأدنى المؤمنين فضلاً عن إبراهيم، فإذن هو العلم الزائد على ما هو ضروري في الإيمان وهو الوقوف على حقيقة الذات والصفات، ثم لا يكشف المقال عنها غير الخيال وبه يصير المؤمن من الواصلين إلى العين دون السامعين إلى الأثر.
ثم طلب الذكر الجميل بقوله ﴿ واجعل لي لسان صدق ﴾ والإضافة فيه كقوله ﴿ قدم صدق ﴾ وقال ابن عباس: وقد أعطاه الله ذلك لقوله ﴿ وتركنا عليه في الآخرين ﴾ ولهذا اتفق أهل الأديان قاطبة على حبه وادعاء متابعته.
ومدح الكافر ليس مقصوداً لذاته من حيث هو كافر وإنما المقصود أن يكون ممدوح كل إنسان ومحموداً بكل لسان.
وفائدة الثناء على الشخص بعد وفاته هو انصراف الهمم إلى ما به يحصل له عند الله زلفى وقد يصبر ذلك المدح داعياً للمادح أو لمن يسمعه إلى اكتساب مثل تلك الفضائل.
وقيل: سأل ربه أن يجعل من ذريته في آخر الزمان من يكون داعياً إلى ملته وهو محمد .
ثم سأل ما هو غاية كل سعادة فقال ﴿ واجعلني من ورثة جنة النعيم ﴾ وقد مر معنى هذه الوراثة في قوله ﴿ وتلك الجنة التي أورثتموها ﴾ وكذلك في سورة مريم ﴿ تلك الجنة التي نورث من عبادنا ﴾ ثم طلب السعادة الحقيقية لأشد الناس التصاقاً به وهو ابوه قائلاً ﴿ واغفر لأبي ﴾ وقد سبق في آخر التوبة وفي مريم" ما يتعلق به من المباحث.
وههنا سؤال: وهو أنه متى حصلت الجنة بدعائه امتنع حصول الخزي فكيف قال بعده ﴿ ولا تخزني ﴾ وايضاً قال ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ وما كان نصيب الكافر كيف يستجير منه المعصوم؟
أجاب عنه في التفسير الكبير كما أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فكذلك درجات الأبرار دركات المقربين، وخزي كل واحد ما يليق بحاله فكأنه سأل الشركة أوّلاً ثم الخصوصية ثانياً.
وأقول: يحتمل أن يكون هذا الدعاء من تتمة دعائه لأبيه أي لا تخزني ولا تفضحني بسبب تعذيب ابي يوم يبعث الضالون أو العباد كلهم، ومثل هذا الضمير مما يعلم عوده بالقرينة.
ويجوز أن يكون سأل الجنة بشرط التعظيم والإجلال، ويجوز أن يكون أخر هذا الدعاء لما يعقبه من حديث يوم القيامة وأهوالها وأحوالها فاراد أن لا ينقطع نظم الكلام.
وفي قوله ﴿ إلا من أتى الله بقلب سليم ﴾ إشارة إلى ما وصفه الله به في قوله ﴿ وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم ﴾ وفي هذا الاستثناء وجوه منها: أنه منقطع والمضاف محذوف أي إلا حال من أتى الله بقلب سليم والمراد بالحال سلامة القلب والمعنى: أن المال والبنين لا ينفعان وإنما ينفع سلامة القلب عن الأمراض الروحانية كالجهل وسائر الأخلاق الذميمة، ويندرج في سلامة القلب سلامة سائر الجوارح لأنه رئيسها.
ولا شك أن المال والبنين ليسا من جنس سلامة القلب فيكون الاستثناء منقطعاً.
ومنها أنه متصل وذلك على وجهين: أحدهما لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه.
وثانيهما أن يجعل من باب قولهم: تحية بينهم ضرب وجيع *** والمضاف المحذوف الحال أو السلامة نظيره أن يقال لك: هل لزيد مال وبنون؟
فتقول: ماله وبنوه سلامة قلبه تريد نفي المال والبنين عنه وإثبات سلامة القلب له بدلاً عن ذلك.
ومنها أن يكون الموصول مفعولاً لينفع والاستثناء مفرغ أي لا ينفع مال ولا بنون أحداً إلا رجلاً سلم قلبه مع ماله وبنيه حيث أنفقه في طاعة الله وما قصر في باب تأديبهم وإرشادهم، أو سلم قلبه من فتنة المال والبنين فلم يكفر ولم يعص.
وقد يفسر السليم بالذائب من خشية الله .
وحين أنجرّ الكلام إلى ذكر يوم القيامة وصف الله أو إبراهيم أحواله وأهواله فقال ﴿ وأزلقت الجنة للمتقين ﴾ قال المفسرون: الجنة تقرب من موقف السعداء ليكون لهم فرجاً معجلاً، وتجعل النار بارزة مكشوفة للأشقياء ليزدادوا غماً وحسرة، ولمثل هذا اليوم وبخهم بقوله ﴿ إينما كنتم تعبدون ﴾ يعني الآلهة التي كنتم تعبدونها ﴿ من دون الله هل ينصرونكم ﴾ بنصرتهم لكم أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لأنهم وآلهتهم وقود النار وذلك قوله ﴿ فكبكبوا فيها هم ﴾ أي الآلهة ﴿ والغاوون ﴾ الذين عبدوهم قال جار الله: الكبكبة تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلاً على التكرير في المعنى كأنه إذا ألقى في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها أعاذنا الله منها.
والمراد بجنود إبليس شياطينهم أو متبعوه من عصاة الجن والإنس.
﴿ قالوا ﴾ يعني الغاوين وجنود إبليس ﴿ وهم ﴾ يعني والحال أن الأصنام وعبدتهم ﴿ فيها يختصمون ﴾ قال أكثر المفسرين: يجوز أن ينطق الله الأصنام بحيث يصح منها التخاصم.
وقيل: إن هذا التخاطب بين العصاة والشياطين إذ سووهم برب العالمين.
والمراد بالمجرمين على التفسيرين الرؤساء والكبراء.
وعن السدي: الأولون الذين سنوا الشرك.
وعن ابن جريج: إبليس وقابيل لأنه سن القتل وأنواع المعاصي: ﴿ فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ﴾ خالص يهمه ما يهمنا وفيه نفي الشفعاء والصديق راساً أو نفي للذين كانوا عدّوهم شفعاء واصدقاء من الأصنام والرؤساء، أو نفي للانتفاع بهم قصدوا بنفيهم ما يتعلق بهم من الفائدة، فكل عديم النفع حكمه حكم المعدوم.
قال جار الله: إنما جمع الشافع ووحد الصديق لكثرة الشفعاء لأجل الخشية عادة، ولكن الصديق الصادق أعز من الكبريت الأحمر حتى زعم بعض الحكماء أنه اسم لا معنى له.
وجوز أن يكون الصديق في معنى الجمع والكرة الرجعة إلى الدنيا "ولو" في معنى التمني.
وقوله ﴿ فنكون ﴾ جواب التمني أو عطف في المعنى على ﴿ كرة ﴾ أي ليت لنا كرة فإن نكون، وعلى هذا جاز أن تكون "لو" على أصل الشرط والجواب محذوف وهو لفعلنا كيت وكيت.
ثم بين أن فيما كره من قصة إبراهيم لآية لمن يريد أن يستدل بذلك وما كان أكثر قوم إبراهيم بمؤمنين.
القصة الثالثة قصة نوح: ولا ريب أن نبأه عظيم فقد كان يدعوهم الف سنة غلا خمسين عاماً، ومع ذلك لم يزد قومه إلا التكذيب.
والقوم مؤنث بدليل قوله ﴿ كذبت ﴾ وكان أميناً فيهم مشهوراً كمحمد في قريش.
وكرر قوله ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ تأكيداً وتقريراً في النفوس مع أنه علق كل واحد بسبب وهو الأمانة في الأول وقطع الطمع في الثاني نظيره قول الرجل لغيره: ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيراً؟
ألا تتقي الله في عقوقي وقد علمتك كبيراً؟
وقدم الأمر بتقوى الله على الأمر بطاعته لأن تقوى الله علة طاعته.
قوله ﴿ وما علمي ﴾ يريد ايّ شيء علمي ومعناه انتفاء علمه بإخلاص أعمالهم لله عز وجل واطلاعه على باطنهم ومكنون ضميرهم كأنهم طعنوا في إيمانهم ايضاً فذكر أن حسابهم على الله وأنه لم يبعث إلا للنذارة.
ويجوز أن يكون فسر لهم الرذالة بما هو الرذالة عنده من سوء الأعمال وفساد العقائد فبنى جوابه على ذلك وقال: ما علمي إلا اعتبار الظاهر والله يتولى السرائر.
وفي قوله ﴿ لو تشعرون ﴾ إشارة إلى أنهم لا يصدقون بالحساب والجزاء، وفيه إنكار أن يسمى المؤمن رذلاً وإن كان أفقر الناس وأوضعهم فالغني غني الدين والنسب نسب التقوى.
﴿ رب أن قومي كذبون ﴾ ليس إخباراً لأنه علام الغيوب وإنما هو تمهيد مقدمة لطلب الفتح والحكومة.
والفلك المشحون المملوء من كل زوجين اثنين مع نوح وأهله.
التأويل: ﴿ واتل عليهم نبأ إبراهيم ﴾ القلب ﴿ إذ قال لأبيه وقومه ﴾ وهو الروح وما يتولد منه ﴿ نعبد أصناماً ﴾ وهو ما سوى الله ﴿ فنظل لها عاكفين ﴾ إلا أن أدركتنا العناية فنعرض عنها: ﴿ بل وجدنا آباءنا ﴾ وهم الأرواح والآباء العلوية كذلك يتعلق بعضهم ببعض ﴿ فإنهم عدوّ لي ﴾ إن تعلقت فصرت محجوباً بهم عن الله ﴿ خلقني فهو يهدين ﴾ إلى حضرته و ﴿ يطعمني ﴾ من طعام العبودية الذي يعيش القلوب، ويسقيني من شراب طهور التجلي ﴿ وإذا مرضت ﴾ بتعلقات الكونين ﴿ فهو يشفين ﴾ بالجذبة الإلهية ﴿ والذي يميتني ﴾ عن أوصاف البشرية ﴿ ثم يحيين ﴾ بأوصاف الروحانية ويميتني عن أوصاف الروحانية ثم يحيين بالأوصاف الربانية ثم يميتني عن أنانيتي ثم يحيين بهويته ﴿ والذي أطمع أن ﴾ يستر ظلمة خطيئة وجودي بطلوع شمس نهار الدين ﴿ رب هب لي ﴾ من ربوبيتك ﴿ حكماً ﴾ على بذل وجودي فيهويتك ﴿ وألحقني ﴾ بالذين صلحوا لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة.
﴿ واجعل لي لسان صدق في الآخرين ﴾ من النفس وصفاتها ليعرضوا عما سوى الله ﴿ واغفر لأبي ﴾ الروح ﴿ إنه كان من الضالين ﴾ حين رد من العالم العلوي إلى السفلي من قولهم "ضل الماء في اللبن" ﴿ ولا تخزني ﴾ بتعلقات الكونين ﴿ قال نوح ﴾ القلب ﴿ وما علمي بما كانوا يعملون ﴾ يعني أراذل الجسد والأعضاء لأنهم عملة عالم الشهادة وأنا من عملة عالم الغيب ﴿ إن حسابهم إلا على ربي ﴾ فيما يعملون من الأعمال الحيوانية لحاجة ضرورية يعفو عنها والشهوة حيوانية يؤاخذهم بها ﴿ لو تشعرون ﴾ الفرق بينهما ﴿ قالوا ﴾ أي النفس وصفاتها ﴿ لئن لم تنته يا نوح ﴾ القلب عما تدعونا إليه على خلاف إرادتنا ﴿ لنكونن من المرجومين ﴾ بأحجار الوساوس والهواجس ﴿ في الفلك المشحون ﴾ أي في فلك الشريعة المملوء بالأوامر والنواهي والحكم والمواعظ والأسرار والحقائق ﴿ ثم أغرقنا الباقين ﴾ بطوفان استيلاء الأخلاق الذميمة وآفات الدنيا الدنية، وباقي القصص إشارات إلى رسول القلب المسلم من الله وقومه النفس وصفاتها وإليه المرجع والمآب لما قررناه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أوعظت ﴾ مدغماً: عباس ونصير ﴿ خلق الأولين ﴾ بفتح الخاء وسكون اللام: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد وعليّ ﴿ كذبت ثمود ﴾ مثل ﴿ بعدت ثمود ﴾ ﴿ فارهين ﴾ بالألف: ابن عامر وعاصم وحمزة وعليّ وخلف.
الوقوف: ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ أجر ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ تعبثون ﴾ ه لا ﴿ تخلدون ﴾ ه ج ﴿ جبارين ﴾ ه ﴿ وأطيعون ﴾ ه ج ﴿ تعلمون ﴾ ه ج ﴿ وبنين ﴾ ه لا ﴿ وعيون ﴾ ه ج ﴿ عظيم ﴾ ه ط ﴿ الواعظين ﴾ ه لا للحتراز عن الابتداء بمقولهم ﴿ الأولين ﴾ ه لا لذلك ﴿ بمعذبين ﴾ ه ج ﴿ فأهلكناهم ﴾ ط ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ أجر ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ آمنين ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ هضيم ﴾ ه ﴿ فارهين ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ وأطيعون ﴾ ه ج لذلك ﴿ المسرفين ﴾ ه لا لأن ﴿ الذين ﴾ صفتهم ﴿ ولا يصلحون ﴾ ه ﴿ المسحرين ﴾ ه ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول ﴿ مثلنا ﴾ ز ﴿ من الصادقين ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ج ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ نادمين ﴾ ه لا ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا ﴿ ألا تتقون ﴾ ه ج ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وأطيعون ﴾ ه ج ﴿ أجر ﴾ ج ﴿ العالمين ﴾ ه ط ﴿ من العالمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ من أزواجكم ﴾ ه ﴿ عادون ﴾ ط ﴿ المخرجين ﴾ ه ﴿ القالين ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ج ﴿ مطر المنذرين ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه.
التفسير: القصة الرابعة قصة هود ولنذكر من تفسيرها ما هو غير مكرر.
الريع بالكسر وقرئ بالفتح المكان المرتفع ومنه الغلة لارتفاعها.
والآية العلم وفي هذا البناء وجوه: فعن ابن عباس أنهم كانوا يبنون بكل موضع مرتفع علماً يعبثون فيه بمن يمر بالطريق إلى هود.
وقيل: كانوا يبنون ذلك ليعرف به فخرهم وغناهم فنهوا عنه ونسبوا إلى العبث وقيل: كانوا يقتنون الحمام قاله مجاهد.
والمصانع مآخذ الماء.
وقيل: القصور المشيدة والحصون.
ومعنى ﴿ لعلكم تخلدون ﴾ ترجون الخلود في الدنيا أو ظلماً وعلواً فوصفوا بكونهم إذ ذاك جبارين.
وقيل: الجبار الذي يقتل ويضرب على الغضب.
وعن الحسن: اراد أنهم يبادرون العذاب من غير تفكر في العواقب.
والحاصل أن اتخاذ الأبنية الرفيعة يدل على حب العلوّ، واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء، والبطش الشديد يدل على حب التفرد بالعلوّ فكأنهم أحبوا العلوّ وبقاء العلوّ والتفرد بالعلوّ وكل هذه لمن له الصفات الإلهية لا العبدية.
ثم بالغ في تنبيههم على نعم الله حيث أجملها بقوله ﴿ واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون ﴾ إيقاظاً لهم عن سنة الغفلة مستشهداً بعلمهم ثم فصلها بقوله ﴿ أمدكم بأنعام ﴾ عليها تدور معايشكم ﴿ وبنين ﴾ بهم يتم أمر حفظها والقيام بها ﴿ وجنات ﴾ يحصل بها التفكه والتنزه ﴿ وعيون ﴾ بمائها يكمل النماء.
ثم ختم الكلام بتخويفهم تنبيهاً على أنه كما قدر أن يتفضل عليهم بهذه النعم الجسام فهو قادر على العذاب فيكون فيه مزيد حث على التقوى وكمال تنفر عن العصيان.
ثم شرع في حكاية جواب القوم وأنهم قالوا: إن وعظه وعدم وعظه بالنسبة إليهم سيان.
وإنما لم يقل "أوعظت أم لم تعظ" مع كونه أخصر لأن المراد سواء علينا افعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أو لم تكن من مباشريه وذويه راساً وهذا أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه.
منقرأ ﴿ خلق الأولين ﴾ بفتح الخاء فمعناه أن هذا إلا اختلاق الأولين وأكاذيبهم، أو ما هذا إلا خلق الأقدمين نحيا ونموت ولا بعث ولا جزاء.
والقراءة الأخرى معناها لسنا نحن إلا على دين الأولين من آبائنا، أو ليس ما نحن عليه من الحياة والموت إلا عادة جارية لا خرق لها، أو ما هذا الذي جئت به من تلفيق الأكاذيب.
إلا عادة مستمرة من المتنبين.
ثم أكدوا إنكارهم المعاد بقولهم ﴿ وما نحن بمعذبين ﴾ فأظهروا بذلك جلادتهم وقوة نفوسهم فأخبر الله عن إهلاكهم وقد سبقت كيفية ذلك مراراً.
القصة الخامسة قصة صالح.
قال جار الله: الهمزة في ﴿ أتتركون ﴾ يجوز أن تكون للإنكار اي لا تتركون مخلدين في الأمن والراحة ولكل نعمة زوال، ويجوز أن تكون للتقرير أي قد تركتم في أسباب الأمن والفراغ، أجمل أولاً بقوله ﴿ فيما ههنا ﴾ أي في الذي استقر في هذا المكان من النعيم، ثم فسره بقوله ﴿ في جنات وعيون ﴾ وذكر النخل بعد ذكر الجنات إما تخصيص للجنات بغير النخل، وإما تخصيص للنخل بالذكر تنبيهاً على فضله ومزيته.
وطلع النخلة ما يبدو منها كنصل السيف وقد مر في "الأنعام".
والهضيم اللطيف الضامر من قولهم "كشح هضيم" أراد أنه وهب لهم أجود النخل وألطفه كالبرني مثلاً.
وقيل: وصف نخيلهم بالحمل الكثير فإنه إذا كثر الحمل هضم أي لطف.
وقيل: الهضيم اللين النضيج كأنه قال: ونخل قد ارطب ثمره.
والفراهة الكيس والنشاط ومنه "خيل فرهة" و ﴿ فارهين ﴾ حال من الناحتين.
قال علماء المعاني: جعل الأمر مطاعاً مجاز حكمي وإنما المطاع بالحقيقة هو الآمر.
وفي قوله ﴿ ولا يصلحون ﴾ إشارة إلى أن إفسادهم في الأرض غير مقترن بالإصلاح راساً.
والمسحر الذي سحر كثيراً حتى غلب على عقله.
وقيل: هو من السحر الرئة.
أرادوا أنه بشر ذو سحر وهو ضعيف لأنه يلزم التكرار بقوله: ﴿ ما أنت إلا بشر مثلنا ﴾ إلا أن يقال: إنه بيان.
والشرب النصيب من الماء كالسقي للحظ من السقي.
وقرئ بالضم عن قتادة إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله ولهم شرب يوم لا تشرب فيه الماء.
سؤال: لم أخذهم العذاب وقد ندموا والندم توبة؟
جوابه كان ندمهم ندم خوف من العقاب العاجل أو ندموا ندم توبة في غير أوانها وذلك عند عيان العذاب.
وقيل: ندموا على ترك عقر ولدها وفيه بعد.
واللام في العذاب إشارة إلى عذاب يوم عظيم.
القصة السادسة: قصة لوط: أنكر على قومه إتيانهم الذكور من الناس لا الإناث على كثرتهن، أو أنكر عليهم كونهم مختصين من العالمين بهذه الفاحشة.
فقوله: ﴿ من العالمين ﴾ يعود على الأول إلى المأتي، وعلى الثاني إلى الآتي.
والعالمون على هذا كل ما ينكح من الحيوان ولا شيء من الحيوان يرتكب هذه الفعلة إلا الإنسان.
قوله ﴿ من أزواجكم ﴾ إما بيان لما خلق وإما للتبعيض فيراد بما خلق العضو المباح منهن فلعلهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم.
والعادي المتجاوز الحد في ظلم اي ﴿ بل أنتم قوم عادون ﴾ في جميع المعاصي وهذه واحدة منها، أو بل أنتم قوم أحقاء بأن تنسبوا إلى العدوان حيث فعلتم هذه الجريمة العظيمة.
﴿ قالوا لئن لم تنته يا لوط ﴾ عن نهينا ﴿ لتكونن ﴾ من جملة من أخرجناه من بلدنا ولعلهم كانوا يطردون من خالف أراد أنه كامل في قلاهم عصبية للدين، أو أنه معدود في زمرة مبغضيهم كما تقول: فلان من العلماء.
فيكون أبلغ من قولك "هو عالم".
ثم طلب النجاة من عقوبة عملهم أو سأل العصمة عن مثل عملهم ولقد عصمهم الله ﴿ إلا عجوزاً ﴾ رضيت بفعلهم وأعانت على ذلك وكانت من أهله بحث الزواج وإن لم تشاركهم في الإيمان.
ومعنى ﴿ في الغابرين ﴾ إلا عجوزاص مقدراً غبورها أي بقاؤها في الهلاك.
واللام في ﴿ المنذرين ﴾ للجنس لتصلح الفاء علة فعل الذم والمخصوص محذوف أي ساء مطر جنس المنذرين مطر أولئك المعهودين والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ليكة ﴾ بلام مفتوحة بعدها ياء ساكنة وبفتح التاء على أنها ممتنعة من الصرف للعلمية والتأنيث، وكذلك في "صاد": اي جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر.
الآخرون ﴿ الأيكة ﴾ معرفاً مجروراً.
﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز.
الآخرون بسكونها ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ونزل به ﴾ مخففاً ﴿ الروح الأمين ﴾ مرفوعين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص وابو زيد عن المفضل وزيد عن يعقوب.
الباقون ﴿ نزل ﴾ مشدداً ﴿ الروح الأمين ﴾ منصوبين ﴿ أو لم تكن ﴾ بتاء التأنيث ﴿ آية ﴾ بالرفع: ابن عامر.
الباقون بالياء التحتانية ﴿ آية ﴾ بالنصب: ﴿ فتوكل ﴾ بالفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون بالواو ﴿ من تنزل الشياطين ﴾ بتشديد التاء وكذلك ﴿ تنزل ﴾ البزي وابن فليح ﴿ يتبعهم ﴾ بالتخفيف: نافع ﴿ وادي ﴾ بالياء في الوقف: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وقرأ قتيبة بالإمالة.
الوقوف: ﴿ المرسلين ﴾ ج ه ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وأطيعون ﴾ ه ج ﴿ أجر ﴾ ج ﴿ العالمين ﴾ ه ط ﴿ المخسرين ﴾ ج ه ﴿ المستقيم ﴾ ج ه ﴿ مفسدين ﴾ ج ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ط ﴿ المسحرين ﴾ ه لا ﴿ الكاذبين ﴾ ه ج ﴿ نصف آي القرآن ﴾ ﴿ الصادقين ﴾ ه ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الظلة ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لآية ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الأمين ﴾ ه لا ﴿ المنذرين ﴾ ه لا ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ط ه ﴿ الأعجمين ﴾ ه لا ﴿ مؤمنين ﴾ ه ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ط بناء على أن ﴿ لا يؤمنون ﴾ مستأنف للبيان ولو جعل حالاً فلا وقف ﴿ الأليم ﴾ ه لا ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا ﴿ منظرون ﴾ ه ط ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يوعدون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ ما أغنى ﴾ جملة نفي أو استفهام قامت مقام الشرط ﴿ يمتعون ﴾ ه ط ﴿ منذرون ﴾ ه وقد يوقف عليها بناء على أن ﴿ ذكرى ﴾ ليس بمفعول له والمراد ذكرناهم والوقف على ﴿ ذكرى ﴾ جائز ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه ﴿ يستطيعون ﴾ ه ط ﴿ المعزولون ﴾ ه ط ﴿ المعذبين ﴾ ج ه ﴿ الأقربين ﴾ ج ه للعطف ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ج ﴿ الرحيم ﴾ ه لا ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ه ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ أثيم ﴾ ج ه بناء على أن ﴿ يلقون ﴾ حال من ضمير ﴿ الشياطين ﴾ اي تنزل ملقين السمع أو صفة ﴿ لكل افاك ﴾ وإن جعل مستأنفاً كأن قائلاً قال: لم تنزل؟
فقيل: يفعلون كيت وكيت فلك الوقف.
﴿ كاذبون ﴾ ه ط ﴿ الغاوون ﴾ ه ط ﴿ يهيمون ﴾ ه لا ﴿ لا يفعلون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ ينقلبون ﴾ ه.
التفسير: القصة السابعة قصة شعيب وأنه كان أخاً مدين دون أصحاب الأيكة ولهذا لم يقل "أخوهم شعيب".
يروى أن اصحاب الأيكة كانوا اصحاب شجر ملتف وكان شجرهم الدوم وهي التي حملها المقل.
قال في الكشاف: قرئ ﴿ أصحاب ليكة ﴾ بتخفيف الهمزة وبالجر على الإضافة وهو الوجه، ومن قرأ بالنصب وزعم أن ﴿ ليكة ﴾ بوزن ليلة اسم بلد فتوهم قاد إليه خط المصحف في هذه السورة وفي سورة ص، ثم اعترض عليه بأن ﴿ ليكة ﴾ اسم لا يعرف.
قلت: إنه لا يلزم من عدم العلم بالشيء عدم ذلك الشيء، والظن بالمتواتر يجب أن يكون أحسن من ذلك.
أمرهم شعيب بإيفاء الكيل ونهاهم عن الإخسار وهو التطفيف وأن يجعل الشخص خاسراً فكأنه أمره بالإيفاء مرتين توكيداً ثم زاد في البيان بقوله ﴿ وزنوا بالقسطاطس المستقيم ﴾ وقد مر في سورة سبحان.
قال في الكشاف: إن كان من القسط وهو العدل وجعلت السين مكررة فوزنه "فعلاس" وإلا فهو رباعي.
قلت: إن كان مكرراً فوزنه "فعلال" أيضاً.
وقوله ﴿ ولا تبخسوا ﴾ تأكيداً آخر وقد سبق في "هود".
والجبلة الخليقة حذرهم الله الذي تفضل عليهم بخلقهم وخلق من تقدمهم ممن لولا خلقهم لما كانوا مخلوقين.
قال في الكشاف: الفرق بين إدخال الواو ههنا في قوله ﴿ وما أنت إلا بشر ﴾ وبين تركها في قصة ثمود هو أنه قصد ههنا معنيان منافيان عندهم للرسالة: كونه مسحراً وكونه بشراً وهناك جعل المعنى الثاني مقرراً للأول.
قلت: الفرق بين والإشكال في تخصصيص كل من القصتين بما خصت به، ولعل السبب فيه هو أن صالحاً قلل في الخطاب فقللوا في الجواب، وأكثر شعيب في الخطاب ولهذا قيل له خطيب الأنبياء فأكثروا في الجواب.
"وإن" في قولهم ﴿ وإن نظنك ﴾ هي المخففة من الثقيلة عملت في ضمير شأن مقدر.
واللام في قوله ﴿ لمن الكاذبين ﴾ هي الفارقة.
والكسف بالسكون والحركة جمع كسفة وهي القطعة وقد مر في سبحان في اقتراحات قريش.
والمعنى إن كنت صادقاً في دعوة النبوة فادع الله أن يسقط علينا قطع السماء.
وإنما طلبوا ذلك لاستبعادهم وقوعه فأرادوا بذلك إظهار كذبه فحلم عنهم شعيب ولم يدع عليهم بل فوض الأمر إلى الله بقوله: ﴿ ربي أعلم بما تعملون ﴾ يروى أن شعيباً بعث إلى أمتين: اصحاب مدين وأصحاب الأيكة.
فأهلكت مدين بصيحة جبرائيل، وأهلكت اصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة وذلك إنه حبس عنهم الريح سبعاً وسلط عليهم الحرّ فأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظلٍ ولا ماء ولا شراب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى الصحراء فأظلتهم سحابة وجدوا لها برداً ونسيماً فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا.
وحين سلى رسول الله بهذه القصص المؤكدة بالمكررات المختتمة بالمقررات عاد إلى مخاطبته قائلاً ﴿ وإنه ﴾ اي وإن الذي نزل عليك من الأخبار ﴿ لتنزيل رب العالمين ﴾ أي منزله.
والباء في ﴿ نزل به ﴾ علىالقراءتين للتعدية ولكنها في قراءة التشديد تقتضي مفعولاً آخر هو الروح أي جعل الله الروح الأمين نازلاً به على قلبك محفوظاً مفهوماً ﴿ لتكون من المنذرين ﴾ من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة: هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد .
ويجوز أن يكون قوله ﴿ لسان ﴾ متعلقاً ﴿ بنزل ﴾ أي نزله ﴿ بلسان عربي ﴾ لتنذر به فإنه لو نزله بالأعجمي لقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه.
ومن هذا الوجه ينشأ فائدة أخرى لقوله ﴿ على قلبك ﴾ أي نزلناه بحيث تفهمه ولو كان أعجمياً لكان نازلاً على سمعك دون قلبك.
والظاهر من نقل أئمة اللغة أن القلب والفؤاد مترادفان.
ونقل الإمام فخر الدين الرازي عن بعضهم أن القلب هو العلقة السوداء في جوف الفؤاد وذكر كلاماً طويلاً في أن محل العقل هو القلب دون الدماغ وهو المخاطب في الحقيقة فلهذا قال ﴿ نزله على قلبك ﴾ ونحن قد تركناه لقلة تعلقه بالمقام ولضعف دلائله مع مخالفته لما عليه معظم أرباب المعقول.
قوله ﴿ وإنه لفي زبر الأولين ﴾ يعني أن ذكر القرآن مثبت في الكتب السماوية للأمم المتقدمة، وإن معاني القرآن في تلك الزبر.
وقد يحتج به لأبي حنيفة في جواز القراءة بالفارسية في الصلاة.
وقيل: الضمير فيه وفي ﴿ أن يعلمه ﴾ للنبي وأنه حجة ثابتة على نبوته قد شهد بها علماء بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره من الذين أسلموا منهم واعترفوا أن نعته وصفته في كتبهم مذكور، وكان مشركو قريش يذهبون إلى اليهود يتعرفون منهم هذا الخبر.
من قرأ ﴿ يكن ﴾ بالتذكير و ﴿ آية ﴾ بالنصب على الخبر والاسم ﴿ أن يعلمه ﴾ فظاهر، ومن قرأ ﴿ تكن ﴾ بالتأنيث و ﴿ آية ﴾ بالرفع على الاسم والخبر ﴿ أن يعلمه ﴾ فقيل: ليست بقوية لوقوع النكرة اسماً والمعرفة خبراً.
ويمكن أن يجاب بأن الفعل المضارع مع أن ليس من المعارف الصريحة، وقد توجه هذه القراءة بتقدير ضمير القصة في ﴿ تكن ﴾ وجملته ﴿ آية أن يعلمه ﴾ و ﴿ لهم ﴾ لغواً أو ﴿ لهم آية ﴾ ﴿ وأن يعلمه ﴾ بدل من آية.
قال جار الله: إنما كتب علموء بالواو على لغة من يميل الألف إلى الواو ولذلك كتبت الصلوة والزكوة بالواو.
ثم أكد بقوله ﴿ ولو نزلناه ﴾ ما مر من آية لو نزله بالأعجمي فقرأه عليهم بعض الأعجمين لم يؤمنوا به لأنهم لم يكونوا يفهمونه.
وقال جار الله: معناه ولو نزلناه على بعض الأعاجم الذي لا يحسن العربية فضلاً أن يقدر على نظم مثله فقرأه عليهم هكذا فصيحاً معجزاً متحدّى به لكفروا به كما كفروا ولتمحلوا لجحودهم عذراً ولسموه سحراً.
ثم قال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل هذا السلك ﴿ سلكناه ﴾ في قلوبهم وقررناه فيها فعلى أيّ وجه دبر أمرهم فلا سبيل إلى تغييرهم عما هم عليه من الإنكار والإصرار، وقد سبق مثل هذه الآية في أول "الحجر".
والحاصل أنهم لا يزالون على التكذيب حتى يعاينوا الوعيد، وفيه تسلية لرسول الله فإن اليأس إحدى الراحتين.
قال في الكشاف: ليس الفاء في قوله ﴿ فيأتيهم بغتة فيقولوا ﴾ لأجل ترادف العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة، وإنما المعنى ترتيبها في الشدة كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم العذاب فما هو أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة.
فما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة.
نظيره قولك: إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله، لا تريد الترتيب في الوجود ولكن في الشدة.
قلت: هذا معنى صحيح ولكن لا مانع من إرادة الترتيب والتعذيب في الوجود يظهر بالتأمل إن شاء الله العزيز.
ثم نكرهم بقوله ﴿ أفبعذابنا يستعجلون ﴾ وفيه إنكار وتهكم أي كيف يستعجل العذاب من لا طاقة له به حتى استمهل بعد أن كان من العمر في مهلة؟
وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ يستعجلون ﴾ حكاية حال ماضية يوبخون بها عند استنظارهم، أو يكون متصلاً بما بعده وذلك أنهم اعتقدوا العذاب غير كائن فلذلك استعجلوه وظنوا أنهم يمتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن، فأنكر الله عليهم استعجالهم الصادر عن الأشر والبطر والاستهزاء والاتكال على طول الأمل.
ثم قال: هب أن الأمر كما ظنوه من التمتع والتعمير فإذا لحقهم الوعيد أو الأجل أو القيامة هل ينفعهم ذلك؟.
عن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له: عظني فتلا عليه هذه الآية فقال له ميمون: لقد وعظت فأبلغت.
ثم بين أنه ما أهلك قرية إلا بعد إلزام الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، وعلى هذا يكون ﴿ ذكرى ﴾ متعلقة ﴿ بأهلكنا ﴾ مفعولاً له.
ويجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً ﴿ لأنذر ﴾ بمعنى التذكرة فإن ﴿ أنذر ﴾ وذكر متقاربان، أو حالاً من الضمير في ﴿ منذرون ﴾ أو مفعولاً له متعلقاً به أي ينذرونهم ذوي تذكرة أو لأجل الموعظة والتذكير، أو التقدير: هذه ذكرى فالجملة اعتراض.
ويجوز أن يكون صفة ﴿ لمنذرون ﴾ على حذف المضاف أي ذوو ذكرى، أو جعلوا ذكرى لبلوغهم في التذكرة أقصى غاياتها.
والبحث عن وجود الواو وعدمه في مثل هذا التركيب قد مر في أول الحجر في قوله ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ﴾ إلا أنا نذكر ههنا سبب تخصيص تلك الآية بالواو وهذه بعدم الواو فنقول: لا ريب أن الواو تفيد مزيد الربط والاجتماع في الحال وفي الوصف إن جوزتا: فسواء قدرنا الجملتين أعني قوله ﴿ ولها كتاب معلوم ﴾ وقوله ﴿ لها منذرون ﴾ حالاً أو وصفاً فالمقام يقتضي ورود النسق على ما ورد، وذلك أن قوله ﴿ ولها كتاب ﴾ صفة لازمة للقرية فإن الكتب في اللوح وصف أزلي فناسب أن يكون في اللفظ ما يدل على اللزوم واللصوق وهو الواو، ثم زيد في التأكيد بقوله ﴿ معلوم ﴾ وبقوله ﴿ ما تسبق ﴾ وهذا بخلاف قوله ﴿ لها منذرون ﴾ فإنها صفة حادثة فأطلقت وجود صدر الجملة عن الواو لذلك والله أعلم.
ثم إنه لما احتج على صدق محمد بكون القرآن معجزاً منزلاً من رب العالمين مشتملاً على معاني كتب الأولين وكان الكفار يقولون إنه من إلقاء الجن كحال الكهنة أراد أن يزيل شبهتهم بقوله: ﴿ وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم ﴾ التنزل بالوحي ﴿ وما يستطيعون ﴾ .
ثم بين عدم اقتدارهم بقوله ﴿ إنهم عن السمع ﴾ أي عن سماع كلام أهل السماء ﴿ لمعزولون ﴾ وذلك بواسطة رجم الشهب كما أخبر عنه الصادق والمعجزات يتساند بعضها ببعض، ولو فرض أنهم غير مرجومين بالشهب فالعقل يدل على أن الاهتمام بشأن الصديق أقوى منه بشأن العدو، وكان محمد يلعن الشياطين ويأمر الناس بلعنهم فلو كان الغيب بإلقاء الشياطين لكان الكفار أولى بأن يحصل لهم ذلك.
وحين أثبت حقية القرآن أمر نبيه بجوامع مكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلاً ﴿ فلا تدع ﴾ والمراد أمته كما مر في نظائره من قوله ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ وغير ذلك ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ فيه أن الاهتمام بشأن من هو أقرب إلى المرء أولى.
وفيه أنه يجب أن لا يأخذه في باب التبليغ ما يأخذ القريب للقرب من المساهلة ولين الجانب.
"يروى أنه لما نزلت الآية صعد الصفا فنادى الأقرب فالأقرب فخذاً فخذاً وقال: يا بني عبد المطلب يا بني هاشم يا بني عبد مناف يا عباس عم النبي يا صفية عمة رسول الله: إني لا أملك لكم من الله شيئاً سلوني من المال ما شئتم" .
"وروي أنه جمع بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً، الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب العس على رجل شاة، فأكلوا وشربوا حتى شبعوا ثم أنذرهم فقال: يا بني عبد المطلب لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدقي؟
قالوا: نعم.
قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" .
قوله ﴿ واخفض جناحك ﴾ قد مر تفسيره في آخر "الحجر" وفي "سبحان" وزاد ههنا ﴿ لمن اتبعك ﴾ كيلا يذهب الوهم إلى أن خفض الجناح وهو التواضع ولين الجانب مختص بالمؤمنين من عشيرته.
وإنما لم يقتصر على قوله ﴿ لمن اتبعك ﴾ لأن كثيراً منهم كانوا يتبعونه للقرابة والنسب لا للدين.
وقال في الكشاف: سبب الجمع بين اللفظين هو أنه سماهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك، أو أراد بالمؤمنين المصدّقين بالألسنة فزاد قوله ﴿ لمن اتبعك ﴾ ليخرج من صدّق باللسان دون الجنان، أو صدق بهما ولم يتبعه في العمل.
وحين أمره بالتواضع لأهل الإخلاص في الإيمان أمره بالتبرئة من ارباب العصيان.
فاستدل الجبائي به على أن الله أيضاً بريء من عملهم فكيف يكون فاعلاً له؟!
وأجيب بأنه إن أراد ببراءة الله أنه ما أمر بها فمسلم، وإن أراد أنه لا يريدها فممنوع لانتهاء جميع الحوادث إلى إرادته ضرورة قوله ﴿ وتوكل ﴾ معطوف على قوله ﴿ فلا تدع ﴾ أو على قوله ﴿ فقل ﴾ أمره بتفويض الأمر في دفع أعاديه إلى العزيز الذي يقهر من ناوأ أولياءه الرحيم الذي لا يخذل من ينصر دينه.
قال بعض العلماء: المتوكل من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما فيه معصية الله عز وجل، ولو وقع في محنة واستعان في دفعها ببعض المخلوقين لم يخرج من حد المتوكلين، ثم عدد مواجب الرحمة وهي رؤيته قيامه وتقلبه في الساجدين أي في المصلين.
وللمفسرين فيه وجوه منها: ما روي أنه حين نسخ فرض التهجد طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه حرصاً عليهم وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات فوجدها كبيوت الزنانير ذكراً وتلاوة.
فالمراد بتقلبه في الساجدين تصفح أحوال المتهجدين من اصحابه ليطلع عليهم كيف يعملون لآخرتهم.
ومنها أن المراد تصرفه فما بين المؤمنين به بالقيام والركوع والسجود والقعود.
ويروى عن مقاتل أنه استدل به على وجود فضل صلاة الجماعة في القرآن.
ومنها أنه إشارة إلى ما جاء في الحديث "أتموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من خلف ظهري" فالتقلب تقلب بصره فيمن يصلي خلفه.
وقيل: أراد أنه لا يخفى علينا كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور الدين.
وقد احتج بالآية علماء الشيعة على مذهبهم أن آباء النبي لا يكونون كفاراً.
قالوا: أراد تقلب روحه من ساجد إلى ساجد كما في الحديث المعتمد عليه عندهم "لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" وناقشهم أهل السنة في التأويل المذكور وفي صحة الحديث.
والأصوب عندي أن لا نشتغل بمنع أمثال هذه الدعوى ونسرح إلى بقعة الإمكان على أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول.
ثم أكد قوله وما تنزلت به الشياطين بقوله ﴿ هل أنبئكم على من تنزل ﴾ قال في الكشاف: تقديره أعلى من تنزل؟
ليكون الاستفهام في صدر الكلام كقولك: أعلى زيد مررت؟
قلت: هذا تكلف بارد لأن لااستفهام في "من" ضمني لا يصرح به قط.
والأفاك الكثير الإفك، والأثيم مبالغة آثم وهم الكهنة والمتنبئة كسطيح ومسيلمة وأمثالهما.
والضمير في ﴿ يلقون ﴾ عائد إلى الشياطين كانوا قبل الرجم بالشهب يختطفون بعض الغيوب من الملأ الأعلى بإلقاء ﴿ السمع ﴾ أي بالإصغاء ثم يرجعون به إلى أوليائهم ﴿ وأكثرهم كاذبون ﴾ لأنهم يخلطون الحق المسموع بكلامهم الباطل كما جاء في الحديث "الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة" .
والقر الصب.
وقيل: السمع بمعنى السمموع أي يلقي الشياطين إلى أوليائهم ما يسمعونه من الملائكة.
ويحتمل أن يكون الضمير في: ﴿ يلقون ﴾ للأفاكين والسمع الأذن أو المسموع أي يلقونه السمع إلى لاشياطين فيتلقون وحيهم، أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس.
وإنما لم يقل "وكلهم كاذبون" لأن الكذوب قد يصدق فيصدق عليه انه صادق في الجملة لأن هذه عبارة الفصحاء لا يحكمون حكماً كلياً ما لم تدع إليه ضرورة.
والحاصل أنهم كانوا يقيسون حال النبي على حال الكهنة فقيل لهم: إن الأغلب على الكهنة الكذب ولم يظهر من أحوال محمد إلا الصدق، فكيف يكون كاهناً؟
ثم بين ما يعرف منه أن النبي ليس بشاعر كما أنه ليس بكاهن فقال ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ قيل: أي الشياطين.
والأظهر أنهم الذين يروون أشعارهم وكان شعراء قريش مثل عبد الله بن الزبعري وأمية بن ابي الصلت يهجون النبي ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم يستمعون أهاجيهم فنزلت.
ثم بين غوايتهم بقوله ﴿ ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ﴾ وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول يمدحون إنساناً معيناً تارة ويذمونه أخرى غالين في كلا الطرفين مستعملين التخيل في كل ما يرومونه.
وذكر من قبائح خصالهم ﴿ أنهم يقولون ﴾ عند الطلب والدعاوي ﴿ مالا يفعلون ﴾ ولعمري إنها خصلة شنعاء تدل على الدناءة واللؤم.
قالوا وما فعلوا وأين هم *** من معشر فعلوا وما قلوا وعن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله: فبتن بجانبيّ مصرعات *** وبت أفض أغلاق الختام فقال: وجب عليك الحد: قال: قد درأ الله عني الحد يا أمير المؤمنين وتلا الآية.
ثم استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين أغلب أحوالهم الذكر والفكر فيما لا بأس به من المواعظ والنصائح، ومدح الحق وذويه، ويكون هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم مثل عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن زهير كانوا ينافحون عن رسول الله .
"وعن كعب بن مالك أن رسول الله قال له: اهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل" .
وكان يقول لحسان: هاجهم وروح القدس معك.
والحاصل أن النظر في الشعر إلى المعنى لا على مجرد النظم والروي.
فإن كان المعنى صحيحاً مطابقاً للحق والصدق فلا بأس بإِدخاله في سلك النظم والقافية بل لعل النظم يروجه ويهيج الطبع على قبوله وهو الذي عناه "إن من الشعر لحكماً" .
وإن كان المعنى فاسداً والغرض غير صحيح فهو الذي توجه الذم إليه.
وللانتصار حد معلوم وهو أن لا يزيد على الجواب لقوله : { ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ وقال "المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يتعدى المظلوم" ثم ختم السورة بآية جامعة للوعيد كله فقال ﴿ وسيعلم الذين ظلموا ﴾ خصصه بعضهم بالشعراء إذا خرجوا عن حد الإنصاف، ومالوا إلى الجور والاعتساف، ولعله عام يتناول لكل من ظلم نفسه بالإعراض عن تدبر ما في السورة بل القرآن كله.
وقوله ﴿ أيّ منقلب ﴾ صفة لمصدر محذوف والعامل ﴿ ينقلبون ﴾ أي ينقلبون في الدركات السفلى انقلاباً أيّ منقلب ولا يعمل فيه ﴿ يعلم ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
وعن ابن عباس أنه قرأه بالفاء والتاء والمراد سيعلمون أنه ليس لهم وجه من وجوه الانفلات وهو النجاة.
التأويل: ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجميين ﴾ فيه إظهار القدرة من وجهين: الأول جعل الأعجمي بحيث يقرا العربي عليهم كقول القائل: أمسيت كردياً واصبحت عربياً.
والثاني أن أهل الإنكار لا يصيرون أهل الإقرار ولو أتاهم مثل هذا الإعجاز البين، وذلك لأن الله كذلك يسلكه في قلوبهم فيأتيهم عذاب البعد والطرد في الدنيا ﴿ بغتة وهم لا يشعرون ﴾ لأنهم نيام فإذا ماتوا انتبهوا فيقولون هل نحن منظرون.
﴿ وما ينبغي لهم وما يستطيعون ﴾ لأنهم خلقوا من النار والقرآن نور قديم فلا يكون للنار المخلوقة قوة حمل النور القديم، ولهذا تستغيث النار من نور المؤمن وتقول: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي.
﴿ فتكون من المعذبين ﴾ لأن كل من طلب مع الله شيئاً آخر حتى الجنة فله عذاب البعد والحرمان من الله.
﴿ وأنذر عشيرتك ﴾ فيه أن النسب نسب النفوس فإن أكل المرء يشبعه ولا يشبع ولده.
إلا إذا أكل الطعام كما أكل والده وهذا معنى المتابعة.
﴿ إني بريء مما تعملون ﴾ لم يقل "إني بريء منكم" لأن المراد لا تبرأ منهم وقل لهم قولاً جميلاً بالنصح والموعظة الحسنة حتى يرجعوا ببركة دعوتك إلى القول الحق، أو ينالوا الجنة بواسطة شفاعتك.
﴿ وتقلبك في الساجدين ﴾ بأن خلق روح كل ساجد من روحك.
﴿ إنه هو السميع ﴾ في الأزل مقالتك "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" لأن أرواحهم خلقت من روحك ﴿ العليم ﴾ باستحقاقك لهذه الكرامة الله حسبي.