الإسلام > القرآن > تفسير > الوسيط > تفسير سورة عبس
تفسيرُ سورةِ عبس كاملةً من التفسير الوسيط (محمد سيد طنطاوي). آيةً آية: نصُّ الآية ثم تفسيرُها؛ اضغط على أيِّ آيةٍ لقراءة تفسيرها وحدها.
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 23 دقيقة قراءةقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات ملخصها : " أن النبى صلى الله عليه وسلم كان جالسا فى أحد الأيام ، مع جماعة من زعماء قريش يدعوهم إلى الإِسلام ، ويشرح لهم تعاليمه ، فأقبل عبد الله بن أم مكتوم - وكان كفيف البصر - فقال : أقرئنى وعلمن مما علمك الله ، يا رسول الله ، وكرر ذلك ، وهو لا يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم مشغول بدعوة هؤلاء الزعماء إلى الإِسلام ، رجاء أن يسلم بسبب إسلامهم خلق كثير .
.فلما أكثر عبد الله من طلبه ، أعرض عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآيات التى عاتب الله - تعالى - فيها نبيه صلى الله عليه وسلم على هذا الإِعراض .
.
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه ، إذا رآه ، ويقول له : " مرحبا بمن عاتبنى فيه ربى " ويبسط له رداءه .
.
"قال الآلوسى : وعبد الله بن أم مكتوم ، هو ابن خال السيدة خديجة ، واسمه عمرو بن قيس .
وأم مكتوم كنية أمه ، واسها عاتكة بنت عبد الله المخزومية ، واستخلفه صلى الله عليه وسلم على المدينة أكثر من مرة .
.
وهو من المهاجرين الأولين .
قيل : مات بالقادسية شهيدا نوح فتح المدائن أيام عمر بن الخطاب - رضى الله عنه .
.ولفظ " عبس " - من باب ضرب - مأخوذ من العبوس ، وهو تقطيب الوجه ، وتغير هيئته مما يدل على الغضب .وقوله ( وتولى ) مأخوذ من التولى وأصله تحول الإِنسان عن مكانه الذى هو فيه إلى مكان آخر ، والمراد به هنا الإِعراض عن السائل وعدم الإِقبال عليه .وحذف متعلق التولى ، لمعرفة ذلك من سياق الآيات ، إذ من المعروف أن إعراضه صلى الله عليه وسلم كان عن عبد الله ابن أم مكتوم الذى قاطعه خلال حديثه مع بعض زعماء قريش .
وأل فى قوله - تعالى - : ( الأعمى ) للعهد .
والمقصود بهذا الوصف : التعريف وليس التنقيص من قدر عبد الله بن أم مكتوم - رضى الله عنه - وكذلك فى هذا الوصف إيماء إلى أن له عذرا فى مقاطعة الرسول صلى الله عليه وسلم عند حديثه مع زعماء قريش ، فهو لم يكن يراه وهو يحادثهم ويدعوهم إلى الإِسلام .وجاء الحديث عن هذه القصة بصيغة الحكاية ، وبضمير الغيبة ، للإِشعار بأن هذه القصة ، من الأمور التى لا يحب الله - تعالى - أن يواجه بها نبيه صلى الله عليه وسلم على سبيل التكريم له ، والعطف عليه ، والرحمة به .
وجملة ( وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى ) فى موضع الحال ، وفيها التفات من الغيبة إلى الخطاب ، و " ما " استفهامية مبتدأ ، وجملة " يدريك " خبره .والكاف مفعول أول ، وجملة الترجى سادة مسد المفعول الثانى .
والضمير فى ( لعله ) يعود إلى عبد الله ابن أم مكتوم المعبر عنه بالأعمى .والمعنى : عبس صلى الله عليه وسلم وضاق صدره ، وأعرض بوجهه ، لأن جاءه الرجل الأعمى ، وجعل يخاطبه وهو مشغول بالحديث مع غيره .( وَمَا يُدْرِيكَ ) أى : وأى شئ يجعلك - أيها الرسول الكريم - داريا بحال هذا الأعمى الذى عبست فى وجهه ( لَعَلَّهُ يزكى ) أى : لعله بسبب ما يتعلمه منك يتطهر ويتزكى ، ويزداد نقاء وخشوعا لله رب العالمين .
( أو ) لعله ( يذكر ) أى : يتذكر ما كان فى غفلة عنه ( فَتَنفَعَهُ الذكرى ) أى : فتنفعه الموعظة التى سمعها منك .قال الآلوسى ما ملخصه : وفى التعبير عنه صلى الله عليه وسلم بضمير الغيبة إجلال له .
.
كما أن فى التعبير عنه صلى الله عليه وسلم بضمير الخطاب فى قوله - تعالى - : ( وَمَا يُدْرِيكَ .
.
.
) إكرام له - أيضا - لما فيه من الإِيناس بعد الإِيحاش والإِقبال بعد الإِعراض .
.
ثم فصل - سبحانه - ما كان منه صلى الله عليه وسلم بالنسبة لهذه القصة فقال : ( أَمَّا مَنِ استغنى فَأَنتَ لَهُ تصدى وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يزكى .
وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يسعى .
وَهُوَ يخشى .
فَأَنتَ عَنْهُ تلهى ) أى : أما من استغنى عن الإِيمان ، وعن إرشادك - أيها الرسول الكريم - واعتبر نفسه فى غنى عن هديك .
.
( فَأَنتَ لَهُ تصدى ) أى : فأنت تتعرض له بالقبول ، وبالإِصغاء لكلامه ، رجاء أن يسلم ، فيسلم بعده غيره .يقال : تصدَّى فلان لكذا ، إذا تعرَّض له ، وأصله تصدَّدَ من الصَّدَد ، وهو ما استقبلك وصار قبالتك .
.
( وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يزكى ) أى : وأى شئ عليك فى أن يبقى على كفره ، بدون تطهر؟
إنه لا حرج عليك فى ذلك ، فأنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب و ( إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ .
.
.
) و " ما " نافية " وعليك " خبر مقدم ، وقوله ( أَلاَّ يزكى ) مبتدأ مؤخر .
( وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يسعى ) أى : من جاءك مسرعا فى طلب الخير والهداية والعلم ، وهو هذا الأعمى ، الذى لم يمنعه فقدانه لبصره من الحرص على التفقه فى الدين .
( وَهُوَ يخشى ) أى : وهو يخشى الله ، ويخاف عقابه ، ويرجو ثوابه .
( فَأَنتَ عَنْهُ تلهى ) أى : فأنت عنه تتشاغل ، وتفرغ جهدك مع هؤلاء الزعماء ، طمعا فى إيمانهم .ويلاحظ أن هذه الآيات الكريمة ، أكثر حدة فى العتاب من سابقتها ، حيث ساق - سبحانه - هذه الآيات فى صورة أشبه ما تكون بالتعجيب ممن يفعل ذلك .
.
ثم ساق - سبحانه - ما هو أشد فى العتاب وفى التحذير فقال : ( كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ) .أى : كلا - أيها الرسول الكريم - ليس الأمر كما فعلت ، من إقبالك على زعماء قريش طمعا فى إسلامهم ، ومن تشاغلك وإعراضك عمن جاء يسعى وهو يخشى ..الضمير فى قوله ( إنها ) يعود إلى آيات القرآن الكريم ، أى : إن آيات القرآن الكريم لمشتملة على التذكير بالحق ، وعلى الموعظة الحكيمة التى ينبغى على كل عاقل أن يعمل بموجبها ، وأن يسير بمقتضاها .
( فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ ) أى : فمن شاء أن يتعظ ويعتبر وينتفع بهذا التذكير فاز وربح ، ومن شاء غير ذلك خسر وضاع ، فالجملة الكريمة لتهديد الذين يعرضون عن الموعظة ، وليست للتخبير كما يتبادر من فعل المشيئة .وهى معترضة للترغيب فى حفظ هذه الآيات ، وفى العمل بما اشتملت عليه من هدايات .وجاء الضمير مذكرا فى قوله : ( فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ ) لأن التذكرة هنا بمعنى التذكير والاتعاظ .أى : فمن شاء التذكير والاعتبار ، تذكر واعتبر وحفظ ذلك دون أن ينساه .
.
وقوله : ( فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ ) خبر ثان لقوله ( إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ) وما بينهما اعتراض .
.أى : إن آيات القرآن تذكرة ، مثبتة أو كائنة فى صحف عظيمة ( مكرمة ) عند الله - تعالى - لأنها تحمل آياته .
هذه الصحف - أيضا - ( مرفوعة ) أى : ذات منزلة رفيعة ( مطهرة ) أى : منزهة عن أن يمسهها ما يدنسها .
وهى كائنة ( بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ) وهم الملائكة الذين جعلهم الله - تعالى - سفراء بينه وبين رسله : جمع سافر بمعنى سفير .
أى : رسول وواسطة ، أو هم الملائكة الذين ينسخون ويكتبون هذه الآيات بأمره - تعالى - جمع سافر بمعنى كاتب ، يقال : سفَر فلان يَسْفِره ، إذا كتبه .
( كِرَامٍ بَرَرَةٍ ) أى : هذه الآيات بأيدى سفرة من صفاتهم أنهم مكرمون ومعظمون عنده - تعالى - ، وأنهم أتقياء مطيعون الله - تعالى - كل الطاعة ، جمع بَرّ ، وهو من كان كثير الطاعة والخشوع لله - عز وجل - .
.هذا والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها قد اشتملت على كثير من الآداب والأحكام ، ومن ذلك : أن شريعة الله - تعالى - تجعل التفاضل بين الناس ، أساسه الإِيمان والتقوى ، فمع أن عبد الله ابن أم مكتوم ، كان قد قاطع الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتشاغل عنه إلا لحرصه على جذب هؤلاء الزعماء إلى الإِسلام .مع كل ذلك ، وجدنا الآيات الكريمة ، تعاتب النبى صلى الله عليه وسلم عتابا تارة فيه رقة .
وتارة فيه شدة .
وذلك لأن الميزان الذى أنزله الله - تعالى - للناس مع الرسل ، لكى يبنوا عليه حياتهم ، هو : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ ) ولقد استجاب الرسول الكريم لهذا التوجيه الحكيم ، فبنى حياته كلها بعد ذلك على هذا الميزان العادل ، ومن مظاهر ذلك : إكرامه لابن أم مكتوم ، وقوله له كلما رآه : " أهلا بمن عاتبنى فيه ربى " .وفعل صلى الله عليه وسلم ما يشبه ذفلك ، مع جميع المؤمنين الصادقين الذين كانوا من فقراء المسلمين ، ولم يكونوا أصحاب جاه أن نفوذ أو عشيرة قوية .لقد جعل زيد بن حارثة - وهو الغريب عن مكة والمدينة ، أميرا على الجيش الإِسلامى فى غزوة مؤتة ، وكان فى هذا الجيش عدد كبير من كبار الصحابة .وقال صلى الله عليه وسلم فى شأن سلمان الفارسى : " سلمان منا أهل البيت " .وقال صلى الله عليه وسلم فى شأن عمار بن ياسر ، عندما استأذن عليه فى الدخول : " ائذنوا له .
مرحبا بالطيب المطيب " .وكان من مظاهر تكريمه لعبد الله بن مسعود ، أن جعله كأنه واحد من أهله بيته .فعن أبى موسى الأشعرى قال : قدمت أنا وأخى من اليمن ، فمكثنا حينا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثرة دخولهم على رسول الله ، ولزومهم له .
.وقال صلى الله عليه وسلم لأبى بكر الصديق عندما حدث كلام بينه وبين سلمان وصهيب وبلال فى شأن أبى سفيان : يا أبا بكر لعلك أغضبتهم ، لئن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك .فقد أخرج الإِمام مسلم فى صحيحه .
.
" أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال فى نفر ، فقالوا : ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها ، فقال أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟فأتى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبر فقال : " يا أبا بكر لعلك أغضبتهم .
لئن كنت أغضبتهم فقد أغضب ربك " فأتاهم فقال : يا إخوتاه أأغضبتكم؟
قالوا : لا .
ويغفر الله لك يا أخى .
.
"ولقد سار خلفاؤه صلى الله عليه وسلم على هذه السنة ، فكانوا يكرمون الفقراء ، فأبوا بكر - رضى الله عنه - أذن لصهيب وبلال فى الدخول عليه ، قبل أن يأذن لأبى سفيان وسهيل بن عمرو .
.وعمر - رضى الله عنه - يقول فى شأن أبى بكر : " هو سيدنا وأعتق سيدنا " يعنى : بلال ابن رباح .
.قال صاحب الكشاف عند تفسيره ، لهذه الآيات : ولقد تأدب الناس بأدب الله فى هذا تأدبا حسنا ، فقد روى عن سفيان الثورى - رحمه الله - ، أن الفقراء كانوا فى مجلسه أمراء .
.
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك ، إلى الحديث عن جانب من نعم الله - تعالى - على خلقه ، وموقفهم من هذه النعم ، فقال - تعالى - :( قُتِلَ الإنسان مَآ .
.
.
) .قال الإِمام الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما بدأ بذكر القصة المشتملة على ترفع صناديد قريش على فقراء المسملين ، عجب عباده المؤمنين من ذلك ، فكأنه قيل : وأى سبب فى هذا العجب والترفع؟
مع أن أوله نطفة قذرة ، وآخره جيفة مذرة ، وفيما بين الوقتين حمال عذرة ، فلا عجب أن ذكر الله - تعالى - ما يصلح أن يكون علاجا لعجبهم وما يصلح أن يكون علاجا لكفرهم ، فإن خلقه الإِنسان يستدل بها على وجود الصانع ، وعلى القول بالبعث والحشر والنشر .
.والمراد بالإِنسان هنا : الإِنسان الكافر الجاحد لنعم ربه .
ومعنى " قتل " لعن وطرد من رحمة الله - تعالى - ، ويصح أن يكون المراد به الجنس ، ويدخل فيه الكافر دخولا أوليا أى : لعن وطرد من رحمة الله - تعالى - ذلك الإِنسان الذى ما أشده كفره وجحوده لنعم الله - تعالى - .والدعاء عليه باللعن من الله - تعالى - ، المقصود به : التهديد والتحقير من شأن هذا الإِنسان الجاحد ، إذ من المعلوم أن الله - سبحانه - هو الذى يتوجه إليه الناس بالدعاء ، وليس هو - سبحانه - الذى يدعو على غيره ، إذ الدعاء فى العادة إنما يكون من العاجز ، وجل شأن الله - تعالى - عن العجز .وجملة " ما أكفره " تعليل لاستحقاق هذا الإِنسان الجاحد التحقير والتهديد .وهذه الآية الكريمة المتأمل فيها يراها - مع بلوغها نهاية الإِيجاز - قد بلغت - أيضا - نهاية الإِعجاز فى أسلوبها ، حيث جمعت أشد ألوان الذم والتحقير بأبلغ أسلوب وأوجزه .ولذ قال صاحب الكشاف : ( قُتِلَ الإنسان ) دعاء عليه ، وهى من أشنع دعواتهم ، لأن القتل قصارى شدائد الدنيا وفظائعها ( مَآ أَكْفَرَهُ ) تعجيب من إفراطه فى كفران نعمة الله ، ولا ترى أسلوبا أغلظ منه ولا أخشن متنا ، ولا أدل على سخط ، ولا أبعد فى المذمة ، مع تقارب طرفيه ، ولا أجمع لِلائمةٍ ، على قصر متنه .
.
ثم فصل - سبحانه - جانبا من نعمه ، التى تستحق من هذا الإِنسان الشكر لا الكفر فقال : ( مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ ) أى : من أى شئ خلق الله - تعالى - هذ الإِنسان الكافر الجحود ، حتى يتكبر ويتعظم عن طاعته ، وعن الإِقرار بتوحيده ، وعن الاعتراف بأن هناك بعثا وحسابا وجزاء .
.
؟
ثم وضح - سبحانه - كيفية خلق الإِنسان فقال : ( مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ) أى : خلق الله - تعالى - الإِنسان من نطفة ، أى : من ماء قليل يخرج من الرجل إلى رحم المرأة - ( فقدره ) أى : فأوجد الله - تعالى - الإِنسان بعد ذلك إيجادا متقنا محكما ، حيث صير بقدرته النطفة علقة فمضغة .
.
ثم أنشأه خلقا آخر ثُمَّ خَلَقْنَا( فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين ) .
( ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ ) أى : ثم بعد أن خلقه فى أحسن تقويم ، ومنحه العقل الذى يتمكن معه من التفكير السليم .
يسر - سبحانه - له طريق النظر القويم ، الذى يميز به بين الحق والباطل ، والخير والشر ، والهدى والضلال .قال ابن كثير : قوله ( ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ ) قال العوفى عن ابن عباس : ثم يسر عليه خروجه من بطن أمه .
وهكذا قال عكرمة .
.
واختاره ابن جرير .وقال مجاهد : هذه الآية كقوله : ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) أى بيناه له ووضحناه وسهلنا عليه علما .
.
وهذا هو الأرجح .وجاء العطف " بثم " هنا ، للإِشعار بالتراخى الرتبى ، لأن تيسير معرفة طريق الخبر والشر ، أعجب وأجل على قدرة الله - تعالى - وبديع صنعه من أى شئ آخر .ولفظ " السبيل " منصوب على الاشتغال بفعل مقدر ، أى : ثم يسر السبيل يسره ، فالضمير فى يسره يعود إلى السبيل .
أى : سهل - سبحانه - الطريق للإِنسان .
( ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ) أى : ثم أمات - سبحانه - هذا الإِنسان ، بأن سلبه الحياة ( فأقبره ) أى : فجعله ذا قبر يوارى فيه جسده تكريما له ، ولم يتركه مطروحا على وجه الأرض ، بحيث يستقذره الناس ، ويكون عرضة لاعتداء الطيور والحيوانات عليه .يقال : قبر فلان الميت يقبره - بكسر الباء وضمها - ، إذا دفنه بيده فهو قابر .
ويقال : أقبره ، إذا أمر بدفنه ، أو مكن غيره من دفنه .وفى الآية الكريمة إشارة إلى أن مواراة الأجساد فى القبور من سنن الإِسلام ، أما تركها بدون دفن ، أو حرقها .
.
فيتنافى مع تركيم هذه الأجساد .
( ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ ) أى : ثم بعد أن خلق الله خلق الله هذا الخلق البديع ، وهداه النجدين ، وأمر بستر جسده فى القبر بعد موته .
.
بعد كل ذلك إذا شاء أحياه بعد الموت ، للحساب والجزاء .
يقال : أنشر الله - تعالى - الموتى ونشرهم ، إذا بعثهم من قبورهم .وقال - سبحانه - ( إِذَا شَآءَ ) للإِشعار بأن هذا البعث إنما هو بإرادته ومشيئته ، وفى الوقت الذى يختاره ويريده ، مهما تعجله المتعجلون .
ثم زجر - سبحانه - هذا الإِنسان زجرا شديدا لتقصيره فى أداء حق خالقه ، فقال - تعالى - : ( كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ ) أى : كلا ن هذا الإِنسان الجاحد المغرور .
.
لم يقض ولم يؤد ما أمره الله - تعالى - به من تكاليف ومن شكر لخالقه ، ومن تأمل فى آياته ، ومن طاعة لرسله .
.
بل استمر فى طغيانه وعناده .فالمقصود بهذه الآية الكريمة : ردع هذا الإِنسان الجاحد وزجره ، وبيان أن هذا الردع سببه إهماله لحقوق خالقه ، وعدم اهتماه بأدائها .
ثم ساقت الآيات بعد ذلك ألوانا من نعمه - تعالى - على خلقه فقال : ( فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ ) والفاء هنا للتفريع على ما تقدم ، مع إفادتها معنى الفصيحة .أى : إذا أراد أن يقى ويؤدى ما أمره الله - تعالى - من تكاليف ، فلينظر هذا الإِنسان إلى طعامه ، وكيف أوجده - سبحانه - له ورزقه إياه ، ومكنه منه .
فإن فى هذا النظر والتدبر والتفكر ، ما يعينه على طاعة خالقه ، وإخلاص العبادة له .
ثم بين - سبحانه - مظاهر تهيئة هذا الطعام للإِنسان .
.
فقال : ( أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّا ) .قال الجمل : قرأ الكوفيون ( أنا ) بالفتح .
على البدل من طعامه ، فيكون فى محل جر بدل اشتمال ، بمعنى أن صب الماء سبب فى إخراج الطعام فهو مشتمل عليه .وقرأ غيرهم بكسر الهمزة على الاستئناف المبين لكيفية إحداث الطعام .
.والصب : إنزال الماء بقوة وكثرة .
أى : إنا أنزلنا المطر من السماء إنزالا مصحوبا بالقوة والكثرة ، لحاجتكم الشديدة إليه فى حياتكم .
( ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً ) أى : ثم شققنا الأرض بالنبات شقا بديعا حكيما ، بحيث تخرج النباتات من باطنها خروجها يبهج النفوس ، وتقر به العيون .
( فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً ) أى : فأنبتنا فى الأرض حبا كثيرا ، تقتاتون منه ، وتدخرونه لحين حاجتكم إليه ، والحب : يشمل الحنطة والشعير والذرة .
( وَعِنَباً وَقَضْباً .
وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً .
وَحَدَآئِقَ غُلْباً .
وَفَاكِهَةً وَأَبّاً ) أى : وأنبتنا فى الأرض - أيضا - بقدرتنا ورحمتنا ( عنبا ) وهو ثمر الكرم المعروف بلذة طعمه .( وقضبا ) وهو كل ما يؤكل من النبات رطبا ، كالقثاء والخيار ونحوهما ، وقيل : هو العلف والرطب الذى تأكله والدواب ، وسمى قضبا ، لأنه يقضب - أى يقطع - بعد ظهوره مرة بعد أخرى .
وأنبتنا فيها كذلك ( وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً ) وهما شجرتان معروفتان بمنافعهما الجمة ، وبثمارهما المفيدة .
( وَحَدَآئِقَ غُلْباً ) والحدائق جمع حديقة وهى البستان الملئ بالزورع والثمار .و ( غلبا ) جمع غلباء .
أى : وأنبتنا فى الأرض حدائق عظيمة ، ذات أشجار ضخمة ، قد التف بعضها على بعض لكثرتها وقوتها .
فقوله ( غلبا ) بمعنى عظاما ، وأصلها من ( الغَلَب ) - بفتحتين - ، بمعنى الغلظ ، يقال شجرة غلباء ، وهضبة غلباء .
أى : عظيمة مرتفعة .
ويقال : حديقة غلباء ، إذا كانت عظيمة الشجر .
ويقال : رجل أغلب ، إذاكان غليظ الرقبة .وأنبتنا فيها - أيضا - بقدرتنا وفضلنا.
( وَفَاكِهَةً وَأَبّاً ) .
.
والفاكهة : اسم للثمار التى يتناولها الإِنسان على سبيل التفكه والتلذذ ، مثل الرطب والعنب والتفاح .والأب : اسم للكلأ الذى ترعاه الأنعام ، مأخوذ من أبَّ فلان الشئ ، إذا قصده واتجه نحوه ، لحاجته إليه .
.
والكلأ والعشب يتجه إلأيه الإِنسان بدوابه للرعى .
.قال صاحب الكشاف : والأب : المرعى ، لأنه يؤب ، أى : يؤم وينتجع .
.
.
وعن أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - أنه سئل عن الأب فقال : أى سماء تظلنى ، وأى أرض تقلنى ، إذا قلت فى كتاب الله مالا علم لى به .
.وعن عمر - رضى الله عنه - أنه قرأ هذه الآية فقال : كل هذا قد عرفنا ، فما الأب؟
ثم رفع عصا كانت فى يده وقال : هذا لعمر الله التكلف ، وما عليك يا بن أم عمر أن لا تدرى ما الأب؟
ثم قال : اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب ، وما لا فدعوه .فإن قلت : فهذا يشبه النهى عن تتبع معانى القرآن والبحث عن مشكلاته؟
قلت : لم يذهب إلى ذلك ، ولكن القوم كانت أكبر همتهم عاكفة عن العمل ، وكان التشاغل بشئ من العلم لا يعمل به تكلفا عندهم ، فأراد أن الآية مسوقة فى الامتنان على الإِنسان بمطعمه ، واستدعاء شكره ، وقد علم من فحوى الآية ، أن الأبَّ بعض ما أنبته الله للإِنسان متاعا له أو لأنعامه فعليك؟
بما هو أهم ، من النهوض بالشكر لله - تعالى - على ما تبين لك أو لم يشكل ، مما عدد من نعمه ، ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأب ، ومعرفة النبات الخاص الذى هو اسم له ، واكتف بالمعرفة الجملية ، إلى أن يتبين لك فى غير هذا الوقت .
.وقال بعض العلماء : والذى يتبين لى فى انتفاء علم الصديق والفاروق بمدلول لفظ الأب ، وهما من خلص العرب لأحد سببين :إما لأن اللفظ كان قد تنوسى من استعمالهم ، فأحياه القرآن لرعاية الفاصلة ، فإن الكلمة قد تشتهر فى بعض القبائل أو فى بعض الأزمان وتنسى فى بعضها ، مثل اسم السكين عند الأوس والخزرج .
فقد قال أنس بن مالك : ما كنا نقول إلا المدية ، حتى سمعت قول الرسول صلى الله عليه وسلم يذكر أن سليمان قال : " ائتونى بالسكين أقسم الطفل بينهما نصفين " .وإما لأن كلمة الأب تطلق على أشياء كثيرة ، منها النبت الذى ترعاه الأنعام ، ومنها التبن .
ومنها يابس الفاكهة ، فكان إمساك أبى بكر وعمر عن بيان معناه ، لعدم الجزم بما أراد الله منه على التعيين ، وهل الأب مما يرجع إلى قوله ( مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ )
( مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ )أى : أنبت لكم تلك الزورع والثمار .
.
لتكون موضع انتفاع لكم ولأنعامكم إلى حين من الزمان .إذ المتاع : هو ما ينتفع به الإِنسان إلى حين ثم ينتهى ويزول ، ولفظ " متاعا " منصوب بفعل محذوف ، أى : فعل ذلك متاعا لكم ، أو متعكم بذلك تمتيعا لكم ولأنعامكم .أو قوله ( مَّتَاعاً لَّكُمْ ) حال من الألفاظ السابقة : العنب والقضب والزيتون والنخل .أى : حالة كون هذه المذكورات موضع انتفاع لكم ولأنعامكم .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحديث عن أحوال الناس فى يوم القيامة فقال - تعالى - :( فَإِذَا جَآءَتِ .
.
.
) .الفاء فى قوله - سبحانه - ( فَإِذَا جَآءَتِ الصآخة ) للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها من فنون النعم .
وجواب ( إذا ) محذوف يدل عليه قوله - تعالى - بعد ذلك : ( لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) ، ويصح أن يكون جوابه قوله : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ) .والصاخة : الصحية الشديدة التى تصُخُّ الآذان ، أى تزلزلها لشدة صوتها ، وأصل الصخ : الصك الشديد ، والمراد بها هنا : النفخة الثانية التى بعدها يبعث الناس من قبورهم .
.أى : فإذا جاءت الصحية العظيمة التى بعدها يخرج الناس من قبورهم للحساب والجزاء ، كان ما كان من سعادة أقوام ، ومن شقاء آخرين .
وقوله - سبحانه - : ( يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ .
وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ) بدل مما قبله وهو قوله ( فَإِذَا جَآءَتِ الصآخة ) والفرار : الهروب من أجل التخلص من شئ مخيف .والمعنى : يوم يقوم الناس من قبورهم للحساب والجزاء يكونون فى كرب عظيم ، يجعل الواحد منهم ، يهرب من أخيه الذى هو من ألصق الناس به .
ويهرب كذلك من أمه وأبيه .
ومن صاحبته - وهى زوجه - وبنيه الذين هم فرع عنه .والمراد بفراره منهم : عدم اشتغاله بشئ يتعلق بهم ، وعدم التفكير فيهم وفى الالتقاء بهم ، لاشتغاله بحال نفسه اشتغالا ينسيه كل شئ سوى التفكير فى مصيره .
.
وذلك لشدة الهول ، وعظم الخطب .وخص - سبحانه - هؤلاء النفر بالذكر ، لأنهم أخص القرابات ، وأولاهم بالحنو والرأفة ، فالفرار منهم لا يكون إلا فى أشد حالات الخوف والفزع .قال صاحب الكشاف : " يفر " منهم لاشتغاله بما هو مدفوع إليه ، ولعلمه بأنهم لا يغنون عنه شيئا : وبدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه ثم بالصاحبة والبنين ، لأنهم أقرب وأحب كأنه قال : يفر من أخيه ، بل من أبويه ، بل من صاحبته وبنيه .
.
وجملة : ( لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) مستأنفة ، واردة لبيان سبب الفرار وللمبالغة فى تهويل شأن هذا اليوم .أى : لكل واحد منهم فى هذا اليوم العظيم ، شأن وأمر يغنيه ويكفيه عن الاشتغال بأى أمر آخر سواه ، يقال : فلان أغنى فلاناً عن كذا ، إذا جعله فى غنية عنه .وقد ساق ابن كثير - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية عدد من الأحاديث ، منها ما رواه النسائى عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تحشرون فاة عراة غُرْلا " - بضم فسكون - جمع أغرل ، وهو الأقلف غير المختون - قال ابن عباس : فقالت زوجته : يا رسول الله ، أو يرى بعضنا عورة بعض؟
قال : " لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " .
أو قال : " ما أشغله عن النظر " .
ثم بين - سبحانه أقسام الناس فى هذا اليوم فقال : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ .
ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ) أى : وجوه كثيرة فى هذا اليوم تكون مضيئة مشرقة ، يعلوها السرور ، والاستبشار والانشراح ، لما تراه من حسن استقبال الملائكة لهم .وقوله : ( وُجُوهٌ ) مبتدأ وإن كان نكرة ، إلا أنه صح الابتداء به لكونه فى حيز التنويع و ( مُّسْفِرَةٌ ) خبره ، وقوله ( يَوْمَئِذٍ ) متعلق به ، والإِسفار : النور والضياء .والمراد أن هذه الوجوه متهللة فرحا ، وعليها أثر النعيم .
أما القسم المقابل لهذا القسم ، فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله : ( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ) أى : عليها غبار ، من شدة الهم والكرب والعم الذى يعلوها .
( تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ) أى : تغشاها وتعلوها ظلمة وسواد ، وذلة وهوان ، من شدة ما أصابها من خزى وخسران .
يقال : فلان رهقِه الكرب ، إذا اعتراه وغشيه .
( أولئك ) يعنى أصحاب تلك الوجوه التى يعلوها الغبار والسواد ( هُمُ الكفرة الفجرة ) أى : الجامعون بين الكفر الذى هو فساد الاعتقاد ، وبين الفجور الذى هو فساد القول والفعل .نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من أصحاب الوجه المسفرة ، الضاحكة المستبشرة .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
.