تفسير سورة البقرة الآيات ١٩٨-١٩٩ عند زاد المسير

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 2 البقرة > الآيات ١٩٨-١٩٩

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَـٰتٍۢ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ١٩٨ ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٩٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَّقُونَ البُيُوعَ والتِّجارَةَ في المَوْسِمِ، ويَقُولُونَ: أيّامُ ذِكْرٍ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

والِابْتِغاءُ: الِالتِماسُ.

والفَضْلُ هاهُنا: التِماسُ الرِّزْقِ بِالتِّجارَةِ والكَسْبِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أفَضْتُمْ، بِمَعْنى: دَفَعْتُمْ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: دَفَعْتُمْ بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: أفاضَ القَوْمُ في الحَدِيثِ: إذا انْدَفَعُوا فِيهِ، وأكْثَرُوا التَّصَرُّفَ.

وَفِي تَسْمِيَةِ عَرَفاتٍ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ جِبْرِيلَ إلى إبْراهِيمَ فَحَجَّ بِهِ، فَلَمّا أتى عَرَفاتَ قالَ: قَدْ عَرَفْتُ، فَسُمِّيَتْ "عَرَفَةَ" قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

والثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِماعِ آَدَمَ وحَوّاءَ، وتَعارُفِهِما بِها قالَهُ الضَّحّاكُ.

، قالَهُ الزَّجّاجُ: والمَشْعَرُ، المَعْلَمُ سَمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّ الصَّلاةَ عِنْدَهُ.

والمُقامُ والمَبِيتُ والدُّعاءُ مِن مَعالِمِ الحَجِّ، وهو مُزْدَلِفَةُ، وهي جَمْعٌ يُسَمّى بِالِاسْمَيْنِ.

قالَ ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ: المَشْعَرُ الحَرامُ: المُزْدَلِفَةُ كُلُّها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ ﴾ أيْ: جَزاءُ هِدايَتِهِ لَكم، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ تَكْرِيرِ الذِّكْرِ؟

قِيلَ: فِيهِ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كَرَّرَهُ لِلْمُبالَغَةِ في الأمْرِ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ وصَلَ بِالذِّكْرِ الثّانِي: ما لَمْ يَصِلْ بِالذِّكْرِ الأوَّلِ، فَحَسُنَ تَكْرِيرُهُ.

فالمَعْنى اذْكُرُوهُ بِتَوْحِيدِهِ كَما ذَكَّرَكم بِهِدايَتِهِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ كَرَّرَهُ لِيَدُلَّ عَلى مُواصَلَتِهِ، والمَعْنى: اذْكُرُوهُ ذِكْرًا بَعْدَ ذِكْرٍ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ النَّحْوِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّ الذِّكْرَ في قَوْلِهِ: ﴿ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ ﴾ هُوَ: صَلاةُ المَغْرِبِ والعَشاءِ اللَّتانِ يُجْمَعُ بَيْنَهُما بِالمُزْدَلِفَةِ.

والذِّكْرُ في قَوْلِهِ: ﴿ كَما هَداكُمْ ﴾ هو الذِّكْرُ المَفْعُولُ عِنْدَ الوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ غَداةَ جَمْعٍ، حَكاهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الهُدى، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآَنِ، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ ﴾ قالَتْ عائِشَةُ: كانَتْ قُرَيْشٌ ومَن يَدِينُ بِدِينِها، وهُمُ الحَمْسُ، يَقِفُونَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالمُزْدَلِفَةِ، يَقُولُونَ: نَحْنُ قَطَنُ البَيْتِ، وكانَ بَقِيَّةُ العَرَبِ والنّاسِ يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: سُمُّوا الحَمْسَ لِأنَّهم تَحَمَّسُوا في دِينِهِمْ، أيْ: تَشَدَّدُوا.

والحَماسَةُ: الشِّدَّةُ في كُلِّ شَيْءٍ.

وَفِي المُرادِ بِالنّاسِ هاهُنا أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم جَمِيعُ العَرَبِ غَيْرُ الحَمْسِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عائِشَةَ، وهو قَوْلُ عُرْوَةَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ هاهُنا: إبْراهِيمُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ الضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ آَدَمُ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

وقَدْ قَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو نَهِيكٍ، ومُورِقٌ العِجْلِيُّ: "النّاسِي" بِإثْباتِ الياءِ.

والرّابِعُ: أنَّهم أهْلُ اليَمَنِ ورَبِيعَةُ، فَإنَّهم كانُوا يُفِيضُونَ مِن عَرَفاتٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِقُرَيْشٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ، وهو يَخْرُجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: النّاسُ آَدَمُ، أوْ إبْراهِيمُ.

والإفاضَةُ هاهُنا عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ: هي الإفاضَةُ مِنَ المُزْدَلِفَةِ إلى مِنى صَبِيحَةَ النَّحْرِ، إلّا أنَّ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها الإفاضَةُ مِن عَرَفاتٍ، فَظاهِرُ الكَلامِ لا يَقْتَضِي ذَلِكَ، كَيْفَ يُقالُ: ﴿ فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ ثُمَّ أفِيضُوا مِن عَرَفاتٍ؟!

غَيْرَ أنِّي أقُولُ: وجْهُ الكَلامِ عَلى ما قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: أنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ، فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ.

و"الغَفُورُ" مِن أسْماءِ اللَّهِ، عَزَّ وجَلَّ، وهو مِن قَوْلِكَ: غَفَرْتُ الشَّيْءَ: إذا غَطَّيْتُهُ، فَكَأنَّ الغَفُورَ هو السّاتِرُ لِعَبْدِهِ بِرَحْمَتِهِ، أوِ السّاتِرُ لِذُنُوبِ عِبادِهِ.

والغَفُورُ: هو الَّذِي يُكْثِرُ المَغْفِرَةَ، لِأنَّ بِناءَ المَفْعُولِ لِلْمُبالَغَةِ مِنَ الكَثْرَةِ، كَقَوْلِكَ: صَبُورٌ، وضَرُوبٌ، وأكُولٌ.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله