الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 28 القصص > الآيات ٢٩-٣٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ ﴾ رَوى ابْن عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ سُئِلَ: أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى، قالَ: أوْفاهُما وأطْيَبهما» .
قالَ مُجاهِدٌ مَكَثَ بَعْدَ قَضاءِ الأجَلِ عِنْدَهم عَشْرًا أُخَرَ.
وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أقامَ عِنْدَهم بَعْدَ أنْ أدْخَلَ عَلَيْهِ امْرَأتَهُ سِنِينَ، وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ [طَهَ: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ أوْ جَذْوَةٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: " جِذْوَةً " بِكَسْرِ الجِيمِ.
وقَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِها.
وقَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، والوَلِيدُ عَنِ ابْن عامِرٍ بِضَمِّها، وكُلُّها لُغاتٌ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجَذْوَةُ: قِطْعَةُ حَطَبٍ فِيها نارٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنَ الحَطَبِ لَيْسَ فِيها لَهَبٌ، وهي مِثْلُ الجَذْمَةِ مِن أصْلِ الشَّجَرَةِ، قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها جَزْلَ الجِذا غَيَّرَ خُوّارٍ ولا دَعْرِ والدَّعْرُ: الَّذِي قَدْ نَخِرَ، ومِنهُ رَجُلٌ داعِرٌ، أيْ: فاسِدٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ ﴾ وهو: جانِبُهُ ﴿ الأيْمَنِ ﴾ وهو الَّذِي عَنْ يَمِينِ مُوسى ﴿ فِي البُقْعَةِ ﴾ وهي القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ ﴿ المُبارَكَةِ ﴾ بِتَكْلِيمِ اللَّهِ مُوسى فِيها ﴿ مِنَ الشَّجَرَةِ ﴾ أيْ: مِن ناحِيَتِها.
وفي تِلْكَ الشَّجَرَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّها] شَجَرَةُ العُنّابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: عَوْسَجَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ﴾ أيْ: مِن أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْلُكْ يَدَكَ ﴾ أيْ: أُدْخِلُها، ﴿ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ ﴾ قَدْ فَسَّرْنا الجَناحَ في (طَهَ: ٢٢) إلّا أنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ خالَفَ بَيْنَ تَفْسِيرِ اللَّفْظَيْنِ، فَشَرَحْناهُ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَناحُهُ: الذِّراعُ والعَضُدُ والكَفُّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الجَناحُ هاهُنا: العَضُدُ، ويُقالُ لِلْيَدِ كُلِّها: جَناحٌ.
وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: الجَناحُ هاهُنا: العَصا.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الجَناحُ لِلْإنْسانِ مُشَبَّهٌ بِالجَناحِ لِلطّائِرِ، فَفي حالٍ تُشَبِّهُ العَرَبُ رِجْلَيِ الإنْسانِ بِجَناحِي الطّائِرِ، فَيَقُولُونَ: قَدْ مَضى فُلانٌ طائِرًا في جَناحَيْهِ، يَعْنُونَ ساعِيًا عَلى قَدَمَيْهِ، وفي حالٍ يَجْعَلُونَ العَضُدَ مِنهُ بِمَنزِلَةِ جَناحَيِ الطّائِرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ ﴾ ، وفي حالٍ يَجْعَلُونَ العَصا بِمَنزِلَةِ الجَناحِ، لِأنَّ الإنْسانَ يَدْفَعُ بِها عَنْ نَفْسِهِ كَدَفْعِ الطّائِرِ عَنْ نَفْسِهِ بِجَناحِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ﴾ ، وإنَّما يُوقَعُ الجَناحُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ تَشْبِيهًا واسْتِعارَةً، كَما يُقالُ: قَدْ قَصَّ جَناحَ الإنْسانِ، وقَدْ قُطِعَتْ يَدُهُ ورِجْلُهُ: إذا وقَعَتْ بِهِ جائِحَةٌ أبْطَلَتْ تَصَرُّفَهُ؛ ويَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أنْتِ يَدِي ورِجْلِي، أيْ: أنْتَ مَن بِهِ أُصِلُ إلى مُحابِّي، قالَ جَرِيرٌ: سَأشْكُرُ أنْ رَدَّدَتْ إلَيَّ رِيشِي وأنْبَتَّ القَوادِمَ في جَناحِي وَقالَتْ امْرَأةٌ مِنَ العَرَبِ تَرْثِي زَوْجَها الأغَرَّ: يا عِصْمَتِي في النّائِباتِ ويا ∗∗∗ رُكْنِيَ [الأغَرَّ] ويا يَدِي اليُمْنى ∗∗∗ لا صُنْتُ وجْهًا كُنْتُ صائِنَهُ ∗∗∗ أبَدًا ووَجْهُكَ في الثَّرى يَبْلى فَأمّا الرَّهْبُ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: " مِنَ الرَّهَبِ " بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مِنَ الرُّهْبِ " بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ.
وقَرَأ حَفْصٌ [وَأبانُ] عَنْ عاصِمٍ: " مِنَ الرَّهْبِ " بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ [وَهِيَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ السَّمَيْفَعِ] .
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: بِضَمِّ الرّاءِ والهاءِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الرُّهْبُ، والرَّهَبُ بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ الرُّشْدِ، والرَّشَدِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرُّهْبُ والرَّهْبَةُ بِمَعْنًى الخَوْفِ والفَرَقِ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الرَّهْبُ، والرُّهُبُ، والرَّهَبُ، مِثْلُ الشَّغْلِ، والشُّغُلِ، والشَّغَلِ والبَخْلِ، والبُخُلِ، والبَخَلِ، وتِلْكَ لُغاتٌ تَرْجِعُ إلى مَعْنى الخَوْفِ والفَرَقِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا هَرَبَ مِنَ الحَيَّةِ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ جَناحَهُ لِيَذْهَبَ عَنْهُ الفَزَعُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: اضْمُمْ يَدَكَ إلى صَدْرِكَ مِنَ الخَوْفِ ولا خَوْفَ عَلَيْكَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ مَن فَزِعَ فَضَمَّ جَناحَهُ إلَيْهِ ذَهَبَ عَنْهُ الفَزَعُ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا هالَهُ بَياضُ يَدِهِ وشُعاعُها، أمَرَ أنْ يُدْخِلَها في جَيْبِهِ، فَعادَتْ إلى حالَتِها الأُولى.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: سَكَنَ رَوْعُكَ، وثَبَتَ جَأْشُكَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَيْسَ يُرادُ بِهِ الضَّمُّ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، إنَّما أمْرٌ بِالعَزْمِ [عَلى ما أُمِرَ بِهِ] والجَدِّ فِيهِ، ومِثْلُهُ: اشْدُدْ حَيازِيمَكَ لِلْمَوْتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذانِكَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " فَذانِكَ " بِالتَّشْدِيدِ.
وقَرَأ الباقُونَ: " فَذانِكَ " بِالتَّخْفِيفِ.
قالَ الزَّجّاجُ: التَّشْدِيدُ تَثْنِيَةُ " ذَلِكَ "، والتَّخْفِيفُ تَثْنِيَةُ " ذاكَ "، فَجَعَلَ اللّامَ في " ذَلِكَ " بَدَلًا مِن تَشْدِيدِ النُّونِ في " ذانِكَ "، ﴿ بُرْهانانِ ﴾ أيْ: بَيانانِ اثْنانِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: " فَذانِكَ " يَعْنِي العَصا واليَدَ، حُجَّتانِ مِنَ اللَّهِ لِمُوسى عَلى صِدْقِهِ، ﴿ إلى فِرْعَوْنَ ﴾ أيْ: أرْسَلْنا بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ إلى فِرْعَوْنَ.
وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ ما بَعْدَ هَذا [الشُّعَراءِ: ١٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ هُوَ أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا ﴾ أيْ: أحْسَنُ بَيانًا، لِأنَّ مُوسى كانَ في لِسانِهِ أثَرُ الجَمْرَةِ الَّتِي تَناوَلَها، ﴿ فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: " رِدْءًا " بِسُكُونِ الدّالِ وبَعْدَها هَمْزَةٌ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: " رَدًّا " بِفَتْح الدّالِ وألِفٍ بَعْدَها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ولا هَمْزٍ؛ وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ نَوَّنَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الرَّدْءُ: العَوْنُ، يُقالُ: رَدَأْتُهُ أرْدَؤُهُ رَدْءًا: إذا أعَنْتُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُصَدِّقُنِي ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: " يُصَدِّقُنِي " بِضَمِّ القافِ.
وقَرَأ الباقُونَ.
بِسُكُونِ القافِ قالَ الزَّجّاجُ: مَن جَزَمَ " يُصَدِّقْنِي " فَعَلى جَوابِ المَسْألَةِ: أرْسِلْهُ يُصَدِّقْنِي؛ ومَن رَفَعَ؛ فالمَعْنى: رَدْءًا مُصَدِّقًا لِي.
وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ أشارَ بِقَوْلِهِ: " يُصَدِّقُنِي " إلى هارُونَ؛ وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: لِكَيْ يُصَدِّقَنِي فِرْعَوْنُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: سَنُعِينُكَ بِأخِيكَ، ولَفْظُ العَضُدِ عَلى جِهَةِ المَثَلِ، لِأنَّ اليَدَ قِوامُها عَضُدُها، وكُلُّ مُعَيَّنٍ فَهو عَضُدٌ، ﴿ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا ﴾ أيْ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ.
وقِيلَ لِلزَّيْتِ: السَّلِيطُ، لِأنَّهُ يُسْتَضاءُ بِهِ؛ والسُّلْطانُ: أبْيَنُ الحُجَجِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما ﴾ أيْ: بِقَتْلٍ ولا أذًى.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ بِآياتِنا ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ المَعْنى: تَمْتَنِعانِ مِنهم بِآياتِنا وحُجَجِنا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما.
والثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، فالمَعْنى: بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ، أيْ: تَغْلِبُونَ بِآياتِنا.
والثّالِثُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا بِآياتِنا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما.
<div class="verse-tafsir"