الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 55 الرحمن > الآيات ١-١٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةسُورَةُ الرَّحْمَنِ وَفِي نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُقاتِلٌ، والجُمْهُورُ، إلّا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: سِوى آيَةٍ: وهي قَوْلُهُ: ﴿ يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ .
والثّانِي: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ.
﴾ ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ ﴾ قالَ كُفّارُ مَكَّةَ: وما الرَّحْمَنُ؟!
فَأنْكَرُوهُ وقالُوا: لا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، فَقالَ تَعالى: "الرَّحْمَنُ" الَّذِي أنْكَرُوهُ هو الَّذِي "عَلَّمَ القُرْآنَ" .
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَلَّمَهُ مُحَمَّدًا، وعَلَّمَ مُحَمَّدٌ أُمَّتَهَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: يَسَّرَ القُرْآنَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، فالمَعْنى: خَلَقَ النّاسَ جَمِيعًا، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
فَعَلى هَذا، في "البَيانِ" سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: النُّطْقُ والتَّمْيِيزُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: الحَلالُ والحَرامُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: ما يَقُولُ وما يُقالُ لَهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
والرّابِعُ: الخَيْرُ والشَّرُّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والخامِسُ: [طُرُقُ] الهُدى، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والسّادِسُ: الكِتابَةُ والخَطُّ، قالَهُ يَمانٌ.
والثّانِي: أنَّهُ آدَمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.
فَعَلى هَذا في "البَيانِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أسْماءُ كُلِّ شَيْءٍ.
والثّانِي: بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ.
والثّالِثُ اللُّغاتُ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ، عَلَّمَهُ بَيانَ ما كانَ وما يَكُونُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ ﴾ أيْ: بِحِسابٍ ومَنازِلَ، لا يَعْدُوانِها؛ وقَدْ كَشَفْنا هَذا المَعْنى في [الأنْعامِ: ٩٦] .
قالَ الأخْفَشُ: أُضْمِرَ الخَبَرُ، وأظُنُّهُ- واللَّهُ أعْلَمُ- أرادَ: يَجْرِيانِ بِحُسْبانٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ في النَّجْمِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كُلُّ نَبْتٍ لَيْسَ لَهُ ساقٌ، وهو مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ، واللُّغَوِيِّينَ.
والثّانِي: أنَّهُ نَجْمُ السَّماءِ، والمُرادُ بِهِ: جَمِيعُ النُّجُومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
فَأمّا الشَّجَرُ: فَكُلُّ ما لَهُ ساقٌ.
قالَ الفَرّاءُ: سُجُودُهُما: أنَّهُما يَسْتَقْبِلانِ الشَّمْسَ إذْ أشْرَقَتْ، ثُمَّ يَمِيلانِ مَعَها حَتّى يَنْكَسِرَ الفَيْءُ.
وقَدْ أشَرْتُ في [النَّحْلِ: ٤٩] إلى مَعْنى سُجُودِ ما لا يَعْقِلُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وإنَّما ثُنِّيَ فِعْلُهُما عَلى لَفْظِهِما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّماءَ رَفَعَها ﴾ وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيَحْيا الحَيَوانُ وتَمْتَدَّ الأنْفاسُ، وأجْرى الرِّيحَ بَيْنَها وبَيْنَ الأرْضِ، كَيْما يَتَرَوَّحُ [الخَلْقُ] .
ولَوْلا ذَلِكَ لَماتَتِ الخَلائِقُ كَرْبًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَضَعَ المِيزانَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ العَدْلُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهم مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ واللُّغَوِيُّونَ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لِأنَّ المُعادَلَةَ: مُوازَنَةُ الأشْياءِ.
والثّانِي: أنَّهُ المِيزانُ المَعْرُوفُ، لِيَتَناصَفَ النّاسُ في الحُقُوقِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تَطْغَوْا ﴾ ذَكَرَ الزَّجّاجُ في "أنْ" وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى اللّامِ؛ والمَعْنى: لِئَلّا تَطْغَوْا.
والثّانِي: أنَّها لِلتَّفْسِيرِ، فَتَكُونُ "لا" لِلنَّهْيِ؛ والمَعْنى: أيْ: لا تَطْغَوْا، أيْ لا تُجاوِزُوا العَدْلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُخْسِرُوا المِيزانَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، أيْ: لا تَنْقُصُوا الوَزْنَ.
فَأمّا الأنامُ، فَفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ النّاسُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كُلُّ ذِي رُوحٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، والفَرّاءُ.
والثّالِثُ: الإنْسُ والجِنُّ، قالَهُ الحَسَنُ، والزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيها فاكِهَةٌ ﴾ أيْ، ما يُتَفَكَّهُ [بِهِ] مِن ألْوانِ الثِّمارِ "والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ" والأكْمامُ: الأوْعِيَةُ والغُلُفُ؛ وقَدِ اسْتَوْفَيْنا شَرْحَ هَذا في [حَم السَّجْدَةِ: ٤٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والحَبُّ ﴾ يُرِيدُ: جَمِيعَ الحُبُوبِ، كالبُرِّ والشَّعِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "والحَبَّ" بِنَصْبِ الباءِ "ذا العَصْفِ" بِالألِفِ "والرَّيْحانَ" بِنَصْبِ النُّونِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ إلّا ابْنَ أبِي سُرَيْجٍ، وخَلَفٌ: "والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانِ" بِخَفْضِ النُّونِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ النُّونِ.
وَفِي "العَصْفِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ تِبْنُ الزَّرْعِ ووَرَقُهُ الَّذِي تَعْصِفُهُ الرِّياحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: هو ورَقُ الزَّرْعِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَصْفُ: ورَقُ الزَّرْعِ، ثُمَّ يَصِيرُ إذا جَفَّ ويَبِسَ ودِيسَ تِبْنًا.
والثّانِي: أنَّ العَصْفَ: المَأْكُولُ مِنَ الحَبِّ، حَكاهُ الفَرّاءُ.
وَفِي "الرَّيْحانِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الرِّزْقُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: والسُّدِّيُّ.
قالَ الفَرّاءُ: الرَّيْحانُ في كَلامِ العَرَبِ: الرِّزْقُ، تَقُولُ: خَرَجْنا نَطْلُبُ رَيْحانَ اللَّهِ، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ لِلنَّمِرِ بْنِ تَوْلِبٍ: سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ورَحْمَتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ والثّانِي: أنَّهُ خُضْرَةُ الزَّرْعِ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: فَعَلى هَذا، سُمِّيَ رَيْحانًا، لِاسْتِراحَةِ النَّفْسِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ رَيْحانُكم هَذا الَّذِي يُشَمُّ، رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: "الرَّيْحانُ" ما أنْبَتَتِ الأرْضُ مِنَ الرَّيْحانِ، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ ما [لَمْ] يُؤْكَلْ مِنَ الحَبِّ، والعَصْفُ: المَأْكُولُ مِنهُ، حَكاهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ خاطَبَ اثْنَيْنِ، وإنَّما ذَكَرَ الإنْسانَ وحْدَهُ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ ذَكَرَهُما الفَرّاءُ.
أحَدُهُما: أنَّ العَرَبَ تُخاطِبُ الواحِدَ بِفِعْلِ الِاثْنَيْنِ كَما بَيَّنّا في قَوْلِهِ: ﴿ ألْقِيا في جَهَنَّمَ ﴾ والثّانِي: أنَّ الذِّكْرَ أُرِيدَ بِهِ: الإنْسانُ والجانُّ، فَجَرى الخِطابُ لَهُما مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى آخِرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ ما يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ مِن خَلْقِ الإنْسانِ وتَعْلِيمِ البَيانِ وخَلْقِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والسَّماءِ والأرْضِ، خاطَبَ الجِنَّ والإنْسَ، قالَ: "فَبِأيِّ آلاء رَبّكُما تَكْذِبانِ " أيْ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ، لِأنَّها كُلَّها مُنْعَمٌ بِها عَلَيْكم في دَلالَتِها إيّاكم عَلى وحْدانِيَّتِهِ وفي رِزْقِهِ إيّاكم ما بِهِ قِوامُكم.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الآلاءُ: النِّعَمُ، واحِدُها: ألًا، مِثْلُ: قَفًا، وإلًا، مِثْلُ: مِعًى.
<div class="verse-tafsir"