الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 64 التغابن > الآيات ١-٦
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةسُورَةُ التَّغابُنِ وَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الجُمْهُورُ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكُمْ ﴾ واللَّتانِ بَعْدَها.
وَقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ فاتِحَتِها إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ خَلَقَ بَنِي آدَمَ مُؤْمِنًا وكافِرًا، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والأحادِيثُ تُعَضِّدُ هَذا القَوْلَ،كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "خُلِقَ فِرْعَوْنُ في بَطْنِ أُمِّهِ كافِرًا، وخُلِقَ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا في بَطْنِ أُمِّهِ مُؤْمِنًا"،» وقَوْلُهُ: « "فَيُؤْمَرُ المَلَكُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وأجَلِهِ، وعَمِلِهِ، وشِقِيٍّ أمْ سَعِيدٍ.» والثّانِي: أنَّ تَمامَ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ ثُمَّ وصَفَهُمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿ فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ ﴾ ، واخْتَلَفَ أرْبابُ هَذا القَوْلِ فِيهِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: فَمِنكم كافِرٌ يُؤْمِنُ، ومِنكم مُؤْمِنٌ يَكْفُرُ، قالَهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: فَمِنكم كافِرٌ في حَياتِهِ مُؤْمِنٌ في العاقِبَةِ، ومِنكم مُؤْمِنٌ في حَياتِهِ كافِرٌ في العاقِبَةِ، قالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.
والثّالِثُ: فَمِنكم كافِرٌ بِاللَّهِ مُؤْمِنٌ بِالكَواكِبِ، ومِنكم مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ كافِرٌ بِالكَواكِبِ، قالَهُ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وعَنى بِذَلِكَ شَأْنَ الأنْواءِ.
والرّابِعُ: فَمِنكم كافِرٌ بِاللَّهِ خَلْقِهِ، ومُؤْمِنٌ بِاللَّهِ خَلْقِهِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
والكُفْرُ بِالخَلْقِ مَذْهَبُ الدَّهْرِيَّةِ، وأهْلِ الطَّبائِعِ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: خَلَقَكم أحْسَنَ الحَيَوانِ كُلِّهِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ (صِوَرَكُمْ) بِكَسْرِ الصّادِ.
ويُقالُ في جَمْعِ صُورَةٍ: صُوَرٌ، وصِوَرٌ، كَما يُقالُ في جَمْعِ لِحْيَةٍ: لِحًى، ولُحًى.
وذَكَرَ ابْنُ السّائِبِ أنَّ مَعْنى ﴿ فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ أحْكَمَها.
وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ ﴾ ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ ( يُسِرُّونَ ) و ( يُعْلِنُونَ ) بِالياءِ فِيهِما ﴿ ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ﴾ هَذا خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ خَوَّفَهَمْ ما نَزَلَ بِالكُفّارِ قَبْلَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ﴾ أيْ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ، وهو ما أصابَهم مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا ﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ في الآخِرَةِ "ذَلِكَ" الَّذِي أصابَهم ﴿ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ ﴾ فَيُنْكِرُونَ ذَلِكَ، ويَقُولُونَ: ﴿ أبَشَرٌ ﴾ أيْ: ناسٌ مِثْلُنا ﴿ يَهْدُونَنا ﴾ ؟!
والبَشَرُ اسْمُ جِنْسٍ مَعْناهُ الجَمْعُ، وإنْ كانَ لَفْظُهُ واحِدًا ﴿ فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا ﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ ﴿ واسْتَغْنى اللَّهُ ﴾ عَنْ إيمانِهِمْ وعِبادَتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"