تفسير سورة عبس الآيات ١-٤٢ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 80 عبس > الآيات ١-٤٢

عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ ١ أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ ٢ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ ٣ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰٓ ٤ أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ ٥ فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ ٦ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ ٧ وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ ٨ وَهُوَ يَخْشَىٰ ٩ فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ ١٠ كَلَّآ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌۭ ١١ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ ١٢ فِى صُحُفٍۢ مُّكَرَّمَةٍۢ ١٣ مَّرْفُوعَةٍۢ مُّطَهَّرَةٍۭ ١٤ بِأَيْدِى سَفَرَةٍۢ ١٥ كِرَامٍۭ بَرَرَةٍۢ ١٦ قُتِلَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَآ أَكْفَرَهُۥ ١٧ مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ ١٨ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ ١٩ ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُۥ ٢٠ ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقْبَرَهُۥ ٢١ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُۥ ٢٢ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُۥ ٢٣ فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَـٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦٓ ٢٤ أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبًّۭا ٢٥ ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلْأَرْضَ شَقًّۭا ٢٦ فَأَنۢبَتْنَا فِيهَا حَبًّۭا ٢٧ وَعِنَبًۭا وَقَضْبًۭا ٢٨ وَزَيْتُونًۭا وَنَخْلًۭا ٢٩ وَحَدَآئِقَ غُلْبًۭا ٣٠ وَفَـٰكِهَةًۭ وَأَبًّۭا ٣١ مَّتَـٰعًۭا لَّكُمْ وَلِأَنْعَـٰمِكُمْ ٣٢ فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ ٣٣ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ٣٤ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ ٣٥ وَصَـٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ ٣٦ لِكُلِّ ٱمْرِئٍۢ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍۢ شَأْنٌۭ يُغْنِيهِ ٣٧ وُجُوهٌۭ يَوْمَئِذٍۢ مُّسْفِرَةٌۭ ٣٨ ضَاحِكَةٌۭ مُّسْتَبْشِرَةٌۭ ٣٩ وَوُجُوهٌۭ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌۭ ٤٠ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ٤١ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ ٤٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 17 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

نزلت هذه السورة في "ابن أم مكتوم"، وهو ابن خال خديجة رضي اللَّه عنها.

قيل اسمه عمرو بن قيس، وقيل عبد اللَّه بن عمرو، وقيل عبد اللَّه بن شريح بن مالك.

والأول أشهر، كما جاء في جامع الأصول.

وأم مكتوم لقب أمه، واسمها عاتكة بنت عبد اللَّه المخزومية.

وكان أعمى.

قيل ولد كذلك، وقيل عمي بعد بصر.

وهو من المهاجرين الأولين، واستخلفه  على المدينة يصلي بالناس مرارًا، وكان يؤذن بعد بلال.

أتى إلى النبي  وهو بمكة ومعه صناديد قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم، فقال ابن أم مكتوم: يا رسول اللَّه، أقرئني وعلمني مما علمك اللَّه.

وكرر ذلك وهو لا يعلم تشاغله  بالقوم، فكره الرسول قطعه لكلامه، فظهرت الكراهة في وجهه فعبس وأعرض عنه، فنزلت الآيات.

يذكر اللَّه نبيه، في صورة عتاب، بأن ضعف ذلك الأعمى وفقره لا يصح أن يكون حاملًا على كراهة كلامه والإعراض عنه، فإنه حي القلب ذكي الفؤاد، إذا سمع الحكمة وعاها، فيتطهر بها من أوضار الآثام وتصفو بها نفسه من كدر الوساوس، أو يذكر بها ويتعظ فتنفعه العظة في مستقبل أمره، فلا يقع في مأثم.

أما أولئك الأغنياء الأقوياء فأكثرهم الجحدة الأغبياء، فلا ينبغي الانصراف إليهم، والتصدي لهم لمجرد الطمع في إقبالهم على الأمر يرجون فيه فيتبعهم غيرهم، فإن قوة الإنسان في حياة قلبه وذكاء لبه، والإذعان للحق إذا ظهر، والانقياد للدليل إذا بهر.

أما المال والنسب والعصبة والحسب والحشم والأعوان والأكاليل والتيجان فهي عواري تغدو وترتحل، وتقر حينًا ثم تنتقل، فكأنه يقول: يا أيها النبي، إن أقبلت فأقبل على العقل الذكي، والقلب النقي، وإياك أن تنصرف عنه إلى ذي الجاه القوي والمكان العلي فذلك إنسان بنفسه، حي بطبعه، وهذا غائب عن حسه، معدوم بذاته، موجود بجمعه.

وفي ذلك من تأديب اللَّه لأمة محمد  ما لو تأدبوا به لكانوا اليوم أرشد الأمم.

هداهم اللَّه.

(العبوس) معروف المعنى.

(وتولى) أعرض (أن جاءه) أي لأجل أن جاءه، أي كان عبوسه وإعراضه لأجل أنَّ الأعمى جاءه وقطع كلامه.

(وما يدريك) أي وأي شيء يعرفك بحال هذا الأعمى، وأنه مستعد لأن يتطهر بما تعلمه من أحكام اللَّه (أو يذكر) منها ما غفل عنه، فيتعظ بوعظك (فتنفعه) هذه (الذكرى) وتلك الموعظة؟

وذكر خبر العبوس والتولي بالحكاية عن الغائب ليلفته إلى النظر في العمل في ذاته صادرًا من أي شخص نسب إليه، ثم أقبل عليه بالخطاب بعد هذا الاستدعاء تشديدًا في العتاب.

ثم بعد ذلك حصر شأنه في تلك الحادثة في أمرين ذكرهما بقوله: (أما من استغنى إلخ) أي أن ما صدر منك كان هكذا على التفصيل الذي سيذكر: (أما من استغنى) بماله وقوته عن سماع القرآن (فأنت له تصدى) أي تتعرض بالإقبال عليه، مع أنك رسول وما عليك إلا البلاغ.

فإن كان المغرور قد ظن في ماله غنى عن هداية اللَّه، ورضي لنفسه أن يبقى في دنس الكفر، فما عليك عيب في بقائه كذلك، وألا يتطهر من دون الغرور ووسخ الجهالة (وأما من جاءك يسعى) إليك طالبًا للهداية، (وهو يخشى) اللَّه ويخاف من الغواية، وما دفعه إليك إلا حبه لأن يتطهر من الجهل، ويستضيء بضياء العلم، وخوفه الوقوع في ظلمات الضلالة، فأنت تتلهى عنه وتتغافل عن إجابته إلى طلبته.

ثم أراد أن يبيّن أن الهداية التي يسوقها اللَّه إلى البشر على ألسن الرسل ليست مما يحتال لتقريره في النفوس وإيجاده في القلوب، وإنما هي تذكرة تنبه الغافل إلى ما غرز اللَّه في فطرته من الخير، وأودعه غريزته من وجدان معرفة الخالق في الخلقة، فمن صد عنها فإنما هو معاند مقاوم لما يدعوه إليه سره، وتنزع به إليه نفسه.

فما عليك إلا أن تبلغ ما عرفت عن ربك لتذكر به الناسي وتنبه الغافل.

أما أن تحابي القوي المعاند ظنًا منك أن مداجاته ترده من عناده، فذلك ليس من عملك، فذكر إن نفعت الذكرى.

(كلا) حرف ردع للزجر عن التصدي للمستغني والتلهي عن المستهدي.

وعلل للزجر بقوله (إنها) أي الهداية المودعة في الكتب الإلهية، وأجلها القرآن، والضمير في (من شاء ذكره) يعود إلى اللَّه تعالى، لأن أعظم الهداية أن يذكر وحده لا شريك له، ولظهور الدليل وشعور الوجدان لا يتوقف ذكره ومعرفته سبحانه إلا على مشيئة الذاكر بعد التذكير، فمتى وردت التذكرة نبهت وجدانه، ولا يمنعه عن الاهتداء إلا عدم المشيئة بالعناد.

ثم قال تلك الهداية (في صحف مكرمة)، وهي صحف الكتب الإلهية.

(مرفوعة) أي عالية شريفة (مطهرة) من النقص والضلالة (بأيدي سفرة) جمع سافر، وهو من يسفر بين الناس بالصلح والسلام، وهم الملائكة أو الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

ومعنى كون الكتب بأيدي الملائكة، أن الملائكة هم الواسطة في حملها إلى الأنبياء.

ومعنى كونه بأيدي الأنبياء، أنها تنزل بالوحي عليهم وهم يبلغونها للناس، وكل من الملائكة والأنبياء يصح إطلاق اسم السفير عليه، كما صح إطلاق اسم الرسول على كل منهما.

و(البررة) جمع بار، وهو صانع البر والخير.

ثم أراد أن يزيدنا بيانًا، ويوضح لنا أن معرفة اللَّه وتوحيده ليسا من العقائد التي يلزم أن تنشأ في القلوب، بل هما مركوزتان في الجبلة ولا تحتاجان إلا إلى التذكير.

فإذا ذكرت النفس ذكرت، ولا يمنعها عن الاعتراف والإقرار إلا منازعة الهوى.

فإذا خالفت سلطانه لم يكن بينها وبين الإقرار إلا أن تشاءه فقال (قتل الإنسان ما أكفره) دعاء على الإنسان بأشنع دعواتهم، على ما هو المعروف في لسانهم، وهو كناية عن قبح حاله، وأنه قد بلغ منه مبلغًا لا يستحق معه أن يبقى حيًا.

ومنشأ الشناعة ومناطها نسيانه لما يتقلب فيه من النعم، وذهوله عن مسديها حتى إذا ذكر به فهو يعرض عن الذكر، فما أشد كفره بإحسان من غمره في نعمته من مبدأ إيجاده إلى ساعة معاده!!

انظر من أي شيء خلقه (من نطفة) أي ماء لا حياة فيه (فقدره) فقد أنشأ بدنه من ذلك الماء في أطوار مختلفة، كما بينه في آيات أخر، وقدره بمقداره، فأتم خلقه بأعضاء متناسبة تلائم حاجاته مدة بقائه، وأودع فيه من القوى ما يمكنه من استعمال تلك الأعضاء وتصريفها فيما خلقت له، وجعل كل ذلك بمقدار محدود على حسب ما يقتضيه كمال نوعه.

ثم بعد أن قدره هذا التقدير، وأكمل بدنه على هذا المقياس الخاص بنوعه، وهبه العقل الذي يقود تلك القوى عند تصريفها للأعضاء، وبالعقل قد يسره سبيل الخير، وأوضح له جادة الرشاد (ثم أماته) فلم يتركه كما يميت سائر الحيوان، لكنه قد تفضل عليه (فأقبره) أي جعل له قبرًا يوارى فيه تكرمة له، ولم يجعل في غريزة الإنسان أن يترك ميته مطرحًا على الأرض جزرًا للسباع.

هذا ما يراه الإنسان من نعم ربه عليه في نفسه..

ولا ريب أن سليم الفطرة لا يحتاج في الإذعان به إلا إلى مجرد التذكير.

ثم إن اللَّه سبحانه أتبع هذه النعم المرئية الدالة على قدرته ووحدانيته بأمر البعث والنشور، وجاء به كأنه من المشهودات التي ينبغي للإنسان أن يعتبر بها ليشير إلى أن الحياة الآخرة مما ركز الشعور به في الطباع كذلك، وإن لم يدرك كنهه ولم يوقف على تفصيل حقيقته.

وقوله (إذا شاء أنشره) أي إنه ينشره ويبعثه بعد موته وإقباره في الوقت الذي يريد أن يبثه فيه.

ثم أخذ يؤكد ما دل عليه قوله (قتل الإنسان ما أكفره) فقال (كلا) أي حقًا إن الإنسان قد بلغ في كفره بالنعمة الإلهية مبلغًا يقضي بالعجب، فإنه بعد ما رأى في نفسه مما عددناه من آيات ربه، وبعد أن مضى على نوعه تلك السنون الطوال في الأرض، وهو يتقلب في أدوار وأطوار يشاهد فيها من جلائل الآثار ما يحرك الأنظار، ويسير بها إلى الصواب من الآراء، والصحيح من الأفكار.

بعد هذا كله لا يزال إذا ذُكِّر لا يذكر، وإذا أنعم عليه لا يشكر، فهو إلى الآن لم يقض ما أمره اللَّه به: سواء كان الأمر بالإلهام وهداية الفطر بما أشهده في نفسه من دلائل القدرة وعلائم الإحسان والنعمة، أو كان بالوحي على ألسنة الأنبياء والمرسلين.

فإن اللَّه لم يدع الإنسان منذ زمان طويل سدى، ولم يهمله من إرسال الهداة إثر الهداة.

غير أن الإنسان -في ضلاله وانقياده للأهواء الفاسدة- لم يقض شيئًا مما أمره اللَّه به.

وكيف يكون قد قضى شيئًا من ذلك وهو لا يزال في غفلة منه، يدعو معه غيره، ويشرك فيه الاستعانة سواه، ويأبى من فظائع الأعمال ما لا يرضاه.

فإن زعم الإنسان أنه لم يشهد خلق نفسه، ورمى عينيه بالعمى عما في بدنه، وعقله بالغباوة عما في ذاته، وعما كان من أمرها في بدايتها ونهايتها، وعلل هواه في الغواية بأن شيئًا مما في خلقه لا يقوم دليلًا على وحدانية خالقه وانفراده بالإحسان إليه، لأنه لم يشهد تلك النشأة.

إن خطر ذلك ببال أحد من أفراد الإنسان (فلينظر) إلى ما بين يديه من أقرب الأشياء إليه: (إلى طعامه) الذي يقيم بنيته، ويجد لذته، ويحفظ به متنه ماذا صنعنا في إحداثه وتهيئته لأن يكون غذاء صالحًا؟

(أنا صببنا الماء) من المزن (صبًا) شديدًا ظاهرًا، (ثم) بعد أن كانت الأرض رتقًا متماسكة الأجزاء شققناها شقًا مرئيًا مشهودًا، كما تراه في الأرض بعد الري، أو شققناها بالكراب على البقر بأيدي الإنسان.

والكراب قلب الأرض للحرث وشق الأرض سواء كان بالحرث أو بغيره ليدخل الهواء والضياء في جوفها، فيحلل أجزاءها ويهيئها لتغذية النبات، فينبت فيها.

وقيل المراد شق الأرض بالنبات.

كأنه قال: ثم شققنا الأرض شقًا بالنبات.

ثم فضل النبات فقال (فأنبتنا فيها حبًا إلخ) ولا بأس به أيضًا.

ولما كان مرجع كل موجود إلى مصدر الوجود، وهو الذي سبب الأسباب، وقدر الأفعال، وأقدر عليها.

كان إسناد الصب والشق إليه صحيحًا على كل حال كإسناد الإنبات.

و(الحب) كل ما حصد من نحو الحنطة والشعير وغيرهما (والقضب) الرطبة وهو ما أكل من النبات غَضًّا.

وسمي قضبًا لأنه يقضب أي يقطع مرة بعد أخرى.

(والزيتون والنخل) معروفان لكل عربي.

(والحدائق) جمع حديقة، وهي البساتين ذات الأشجار المثمرة عليها حوائط تحيط بها و(غلبا) جمع غلباء بالمد أي ضخمة عظيمة.

وعظم الحدائق بكثرة أشجارها والتفاتها.

وقد يكون العظم في نفس الأشجار بأن تكون كل شجرة غليظة عظيمة.

وذكر الحدائق بوصفها ذلك لبيان أن النعمة فيها تشتمل عليه الحدائق برمته.

فالنعمة في الأشجار بجملتها لا في ثمرها خاصة.

فمن أخشابها ما ينفع للإحراق في تدبير الطعام، ومن أوراقها ما تأكله الحيوانات، ومن النعمة في الحدائق أنواع النبات مما يأكله الناس وترعاه الماشية.

وإنما تدخل ثمار الأشجار في الفاكهة تبعًا، ثم خصص الفاكهة بالذكر بعد ذلك لأنها مما يتمتع به الإنسان خاصة فقال (وفاكهة) ثم ذكر الأب لأنه مما ينفع الحيوان خاصة بقوله (وأبا).

والأب المرعى لأنه يؤب أي يؤم وينتجع.

روي أن أبا بكر الصديق  سئل عن الأب فقال: "أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب اللَّه ما لا علم لي به".

وعن عمر  أنه قرأ هذه الآية فقال: "كل هذا قد عرفنا فما الأب؟" ثم رفض عصا كانت بيده- أي كسرها غصبًا على نفسه وقال: "هذا لعمر اللَّه التكلف.

وما عليك يا ابن أم عمر أن لا تدري ما الأب".

ثم قال: "اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب، وما لا فدعوه".

إذا سمعت هذه الروايات فلا تظن أن سيدنا عمر بن الخطاب ينهى عن تتبع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته، ولكنه يريد أن يعلمك أن الذي عليك من حيث أنت مؤمن إنما هو فهم جملة المعنى.

فالمطلوب منك في هذه الآيات هو أن تعلم أن اللَّه يمن عليك بنعم أسداها إليك في نفسك، وتقويم حياتك، وجعلها متاعًا لك ولأنعامك.

فإذا جاء في سردها لفظ لم تفهمه لم يكن من جد المؤمن أن ينقطع لطلب هذا المعنى بعد فهم المراد من ذكره، بل الواجب على أهل الجد والعزيمة أن يعتبروا بتعداد النعم، وأن يجعلوا معظم همهم الشكر والعمل.

هكذا كان شأن الصحابة  ، ثم خلف من بعدهم خلف وقفوا عند الألفاظ وجعلوها شغلًا شاغلًا لا يهمهم إلا التشدق بتصريفها وتأويلها وتحميلها ما لا تحمله، وقد تركوا قلوبهم خالية من الفكر والذكر، وأعضاءهم معطلة عن العمل الصالح والشكر.

(متاعًا لكم): إما مفعول له، أي فعل ذلك تمتيعًا لكم، أو مصدر حذف فعله وجرد من الزوائد، أي متعكم بذلك متاعًا.

والمعنى على كل حال أن فيما عدده ما يأكله وينتفع به الإنسان، ومنه ما يأكله الحيوان.

والأنعام: الماشية، وكل ما ينتفع به الإنسان من الحيوان.

(الصخ): الضرب بالحديد على الحديد، والعصا الصلبة على شيء مصمت.

وصخ الصخرة وصخيخها صوتها إذا ضربتها بحجر أو غيره.

والصاخة ههنا -كالقارعة في سورتها- هي الحادثة العظمى التي عبر عنها بالطامة الكبرى، يكون نذيرها ذلك الصوت الهائل، الذي يحدث من تخريب الكون ووقع بعض أجرامه على بعض.

ولكون هذه الحادثة تأتي بذلك الصوت المفزع سميت صاخة وقارعة، أو إنها سميت صاخة لأنها بما تأتي به من ذلك الصوت تصخ الآذان أي تصمها.

يقال صخ الصوت الأذن يصخها صخًا فلا تسمع النفوس شيئًا في ذلك الوقت إلا ما تنادي به، وتدعى إلى الحياة والنشور.

وهذه الأسماء كلها أسماء للقيامة العظمى، يوم ينكشف للأرواح مشهد الجبروت الأعظم، فيشغل كل نفس ما يصيبها من هيبة الجلال الإلهي، وتود لو نجت بنفسها، فهي تفر من كل من تتوهم أنه يتعلق بها ويطلب معونتها على ما هو فيه، فيتوارى كل امرئ من أخيه، بل من أمه وأبيه، بل من صاحبته التي هي ألصق الناس به، وقد يبذل في الدفاع عنها حياته لو مكن من ذلك، ويفر من بنيه وكان في الدنيا يفديهم بماله وروحه- ذلك كله لأن لكل واحد مما يجد من الرعب، وما يرهب من الهول، وما يخشى من مناقشة الحساب شأنًا يغنيه، أي يكفي لصرف جميع قواه، فليس عنده فضل فكر وقوة يمد بها غيره.

وجواب إذا في قوله (فإذا جاءت الصاخة) محذوف، ليذهب الفكر فيه مذاهبه، ويستورد منه على النفس غرائبه.

كأنه يقول: قتل الإنسان ما أكفره بنعمة ربه: هذه نفسه لم يشرق عليها نور الوجود إلا من فيض الجود، وهذا طعامه وما يقيم حياته إلى الأجل المحدود، إنما يساق إليه بتدبير الشكور الودود.

ومع ذلك فقد ضربت الغفلة بينه وبين ربه حجابًا، فهو إذا ذكر لا يتذكر، وإذا عرض عليه الدليل لا يفكر، وربما جهل قدره فشمخ واستكبر، وظن أنه القوي فلا يغلب، والعزيز فلا يقهر.

فإذا ذهبت هذه الحياة الدنيا، وجاءت الطامة الكبرى في ذلك اليوم العظيم، فماذا يكون شأن ذلك الإنسان؟

هل يبقى في غفلته، وهل يجد في نفسه شيئًا من عظمته؟

أو فما أعظم أسفه، وما أشد ندمه، إن انجلت أوهامه، وبطلت ظنونه، أو ما يشبه ذلك مما فيه تهويل عليه أو تقريع له.

(الوجوه المسفرة) المضيئة المتهللة، الضاحكة (المستبشرة) التي يظهر عليها الفرح والسرور لما تجد من برد اليقين بأنها ستوفى ما وعدت به جزاء إيمانها، وما قدمت من صالح أعمال وشكر آلاء ونعم -تلك الوجوه هي وجوه الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

أما الوجوه الأخر- وهي التي (عليها غبرة) أي يعلوها الغبار و(ترهقها قترة) أي يغشاها سواد، وقد يكون الغبار والسواد على حقيقتهما تمييزًا لهم بأرْدَأ الحالات، وقد يكون الغبار غبار الذل، والسواد سواد الغم والحزن، وهو ما يقابل الإسفار والاستبشار- تلك الوجوه هي وجوه (الكفرة) الذين لا يؤمنون باللَّه وبما جاء به أنبياؤه.

(الفجرة) الذين قد خرجوا عن حدود شرائعه واقترفوا السيئات في حياتهم الدنيا.

نسأل اللَّه أن يعاملنا بلطفه ورحمته.

ويجنبنا التعرض لغضبه ونقمته.

وقوله: وجوه يومئذ إلخ ابتداء كلام لبيان حال الناس يوم يأتي اللَّه بذلك الحادث العظيم حادث الانقلاب في نظام الكون العام أو نظام الحياة الإنسانية فينشأ الناس نشأة أخرى ينكشف لهم فيها ما كان قد أنبهم عليهم في حياتهم الأولى، ويتبين لهم من الأمر ما كانوا فيه يختصمون، ويأتيهم اليقين بما كانوا فيه يمترون.

فمن كان في هذه الحياة الدنيا طلابًا للحق، نظارًا في الدليل، لا تحجبه عن الاعتبار غفلة، ولا تأخذه عن الحق إذا ذكر به أنفه.

ولا تنفره منه عادة، ولا تباعده عنه ألفة- فهو لا يعقد لنفسه عقيدة إلا بعد تقريرها على المقدمات الصحية المستمدة من حكم البديهة، ليس فيها رأي فلان، أو قيل سابق في زمان، إلا قول رسول كريم قامت على عصمته براهين يقبلها العقل السليم، ويؤيدها الذكر الحكيم.

ثم أخذ نفسه بالعمل على ما يطابق عقيدته، فهو كما يعتقد بالحق يعمل للحق.

من كان هذا شأنه في حياته هذه فما الذي يلاقيه إذا جاءت الصاخة، يوم ينكشف الحجاب ويزول الارتياب؟..

ما كان قد أيقن به في حياته الدنيا يشهد بالعيان أنه هو، فيطمئن إلى ما عرف، وتسكن نفسه إلى ما ألف، وما كان لا يزال في طلبه والبحث في الأدلة للوقوف عليه وأدركه الموت قبل الوصول إليه، ظهر ما كان يطلب منه حاضرًا بين يديه فيفرح به فرح المحب يلقى محبوبه، والراغب الحريص يصادف مرغوبه، وفي الحالين يتهلل وجهه ويسفر ويضحك ويستبشر.

وأما من احتقر عقله، ورضي جهله، وصرفه عن الدليل ما أخذه عن آبائه وتلقاه عن سلفه ورؤسائه، وشغل نفسه بالجدال والمراء في تصحيح الأهواء والتماس الحيل لتقرير الباطل وترويج الفاسد، كما كان يفعل أعداء الأنبياء، ولا يزال يأتيه السفهاء لينصروا به أهواء الأغبياء، ثم يتبع ذلك بأعمال تطابق ما يهوى وتخالف ما يزعم: يزعم الغيرة على الدين، ولا تجد عملًا من أعماله ينطبق على أصل قرره الدين.

الدين ينهي عن الفواحش وهو يقترفها.

الدين يأمر بصيانة مصالح العامة وهو يفتك بها.

الدين يطالب أهله ببذل المال في سبل الخير وهو يسلب المال ليكنزه، فإن أنفق منه شيئًا صرفه في سبيل الشر.

الدين يأمر بالعدل وهو أظلم الظالمين.

الدين يأمر بالصدق وهو يكذب ويحب الكاذبين.

من كان هذا شأنه فماذا يكون حاله يوم يتجلى الجبار؟

ويرتفع الستار؟

يجد كل شيء على خلاف ما كان يعرفه.

يجد الحق غير ما كان يعتقد.

يجد أن الباطل هو ما كان يعتمد، يتحقق أن ما كان يظنه من العمل خيرًا لنفسه صار وبالًا عليها.

يرى الخبث حشو أعماله، والخيبة حلف آماله، فيملك الهم نفسه لشر ما يتوقع.

ويظهر أثر ذلك على وجهه، فتعلوه الغبرة، وتغشاه القترة، لأنه من الكفرة الفجرة.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله