تفسير محمد عبده سورة المطففين

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة المطففين

تفسيرُ سورةِ المطففين كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 20 دقيقة قراءة

تفسير سورة المطففين كاملةً (محمد عبده)

وَيْلٌۭ لِّلْمُطَفِّفِينَ ١ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ٢ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ٣ أَلَا يَظُنُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ٤ لِيَوْمٍ عَظِيمٍۢ ٥ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٦ كَلَّآ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍۢ ٧ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا سِجِّينٌۭ ٨ كِتَـٰبٌۭ مَّرْقُومٌۭ ٩ وَيْلٌۭ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُكَذِّبِينَ ١٠ ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ ١١ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ١٢ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَـٰتُنَا قَالَ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ١٣ كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ١٤ كَلَّآ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍۢ لَّمَحْجُوبُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا۟ ٱلْجَحِيمِ ١٦ ثُمَّ يُقَالُ هَـٰذَا ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ١٧ كَلَّآ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ ١٨ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا عِلِّيُّونَ ١٩ كِتَـٰبٌۭ مَّرْقُومٌۭ ٢٠ يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ٢١ إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ٢٢ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ٢٣ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ ٢٤ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍۢ مَّخْتُومٍ ٢٥ خِتَـٰمُهُۥ مِسْكٌۭ ۚ وَفِى ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ ٢٦ وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسْنِيمٍ ٢٧ عَيْنًۭا يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ ٢٨ إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ كَانُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَضْحَكُونَ ٢٩ وَإِذَا مَرُّوا۟ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ٣٠ وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُوا۟ فَكِهِينَ ٣١ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوٓا۟ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ ٣٢ وَمَآ أُرْسِلُوا۟ عَلَيْهِمْ حَـٰفِظِينَ ٣٣ فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ٣٤ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ٣٥ هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ٣٦

سورة المطففين قيل مكية كما ذكر، وقيل مدنية، نزلت في حال أهل المدينة حين قدمها النبي  ، حيث كانوا أخبث الناس كيلًا كما رواه البيهقي وغيره عن ابن عباس.

(والمطففون) قد بينهم اللَّه في قوله: ﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ  ﴾ ، أي إذا كان لهم عند الناس في شىء يكال أو يوزن، وأرادوا أخذه منهم لا يأخذونه إلا تامًا كاملًا.

ولهذا عدى ﴿ اكْتَالُوا  ﴾ بعلى، فقال اكتالو عليهم ولم يقل منهم لأن؛ ما يأخذونه حق على الناس يستوفونه منهم ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ  ﴾ ، أي إذا كان للناس حق عندهم في مكيل أو موزون أعطوهم ذلك الحق مع النقص والخسار، ولما كان المعنى على الإعطاء، عدى (كال) إلى الضمير بدون حرف.

وقد يكون على حذف الجار والإيصال كما في قوله: ولقد جنيتك أكمؤًا وعساقلًا ولقد نهيتك عن بنات الآوبر أي جنيت لك، والأصل كالوا لهم.

والأكمؤ: جمع كمأة، وهي ما يعرف عند العامة الآن بعيش الغراب.

والعساقل ضرب منه أبيض، وقيل لونه بين البياض والحمرة.

وبنات الآوبر: ضرب منه كذلك رديء الطعم.

وإنما سمي من يبخس الكيل في حال ويملؤه أو يزيد عليه في حال مطففًا، لأنه يبلغ في كيله طفاف الكيل كسحاب أي ما يقرب من ملئه ولا يملأه في الحالة الأولى، ويبلغ الطفاف أو الطفافة بالضم -وهي ما فوق المكيال- في الحالة الثانية، ولأنه يطلب الغنى بشىء طفيف، وهو ما يأخذه من البخس إذا اكتال منك، ومن الزيادة إذا اكتال عليك.

وقد ذكر اللَّه في هذه السورة تفصيلًا لما أجمله في السورة السابقة، فقد جاء بنوع من أنواع الفجور، وهو التطفيف في المكيال، ثم جاء بنوع آخر وهو التكذيب بيوم الدين، وبمنشأ ذلك التكذيب وهو الاعتداء وملازمة الآثام، وأتبع ذلك بأثر من آثار التكذيب وهو دعوى أن آيات اللَّه في كتابه هي أساطير الأولين.

كل هذا بيان للفجور المؤدي بصاحبه إلى الجحيم، ثم زاد ما يلاقونه في الآخرة تفصيلًا من حيث ذكر أين يكون كتابهم، وذكر حجبهم عن ربهم، وما يقال لهم من قوارع التبكيت، وكذلك فصل في نعيم الأبرار ما أجمله في السورة المتقدمة كما ترى.

بعد أن قال: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ  ﴾ أي هلاك لهم عظيم ونكال ينتظرهم، قال: ﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ  ﴾ أي إن تطفيف الكيل واختلاس مال الناس بوسيلة هذا العمل مما لا يصدر إلا عن شخص لا يظن أنه يبعث يوم القيامة، ويحاسب على عمله، ولو ظن البعث والحساب لما طفف ولا بخس الميزان.

ولهذا تنزل حالة المطفف منزلة حال من يجهل ظنه بالحياة الآخرة، فضلًا عن اعتقاده فيها، فيستفهم عنه، كما قال: إلا يظن أولئك أنهم مبعوثون لذلك اليوم العظيم، أي فيه؟

﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ ، أي يقفون للعرض عليه، ويطول بهم الموقف إعظامًا لجلاله وإجلالًا لمقامه جل شأنه.

واعتبار المطفف كأنه لا يظن سيبعث للقيام بين يدي ربه، وتنزيله منزلة المنكر للبعث، اعتبار حق لا يجادل فيه إلا مغرور باللَّه، أو جاهل بدينه، بل منكر لحقيقته.

وكيف يصر على إيذاء الناس والغض من حقهم من يظن بعض الظن أنه سيقوم بين يدي رب العالمين، وخالق الخلق أجمعين، القاهر الجبار، ليحاسب على النقير والقطمير والحبة والذرة ؟.

(كلا) لا يقيم على ذلك إلا منكر لما أوعد به، أو متأول فيها يدفع عنه العقاب وينجيه من الحساب، لا يبعد به تأوله عن منزلة المنكر، بل يسقطه مع صاحبه في النار وبئس القرار.

هذا ما ينذر اللَّه به المطففين الراضين بالقليل من السحت، فما ظنك بأولئك الذين يأكلون أموال الناس بلا كيل ولا وزن، بل يسلبونهم ما بأيديهم، ويغلبونهم على ثمار أعمالهم فيحرمونهم حق التمتع بها اعتمادًا على قوة الملك أو نفوذ السلطان، أو باستعمال طرق الحيلة؟

فهل يعد هؤلاء من الشاكين في يوم البعث، فضلًا عن الظانين أو الموقنين؟

لا ريب أن هؤلاء لا يحسبون إلا في عداد الجاحدين المنكرين، وإن زعموا بلسانهم أنهم من الموحدين المؤمنين.

يروى أن أعرابيًا قال لعبد الملك بن مروان: "سمعت ما قال اللَّه في المطففين"؟!

أراد بذلك أن قد حق الوعيد على المطفف على النحو الذي سمعت من التهويل والتعظيم، فما ظنك بنفسك وأنت تنهب وتسلب وتنتزع الأموال من أيدي أربابها بالقوة والقهر لا بالحيلة والخدعة، استعظامًا لقوتك، وغفلة عن جبروت اللَّه، وتكبرًا على الناس، ولا تكتفي من ذلك بالقليل كما هو شأن المطفف، ولا ترضى بما دون استئصال الأموال ومسح ما يبقى من غبارها بأيدي أهلها؟

فالويل كل الويل لك ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ .

قرىء (يوم يقوم) بالفتح والجر، وعلى الثاني هو بدل من يوم عظيم، وعلى الأول ظرفًا لـ (مبعوثون)، أو منصوبًا على الاختصاص، وهو ما نختاره لأن المقام له.

كلا ردع لهم عن التطفيف الذي يقترفونه لغفلتهم عن يوم الحساب، وضعف اعتقادهم به فإن ذلك غرور منهم لا يرجعون فيه إلى سند، وذلك أنهم بعلمهم هذا يعدون من الفجار، والفجار يحاسبون على أعمالهم لا يغفل منها شيء، فإن لهم كتابًا تحصى فيه أعمالهم خفيها وجليها، حقيرها وعظيمها، وذلك الكتاب يسمى بسجين وهو مرقوم، أي قد أُثبت فيه العلامات الدالة على الأعمال.

ويفهم من استعمال اللفظ في اللغة، ومن مقابلته بكتاب الأبرار الذي في عليين، أن فيه معنى التسفل، كما أن مقابله معنى التعلي، وقد رأيت في بعض كتب أهل البحث في اللغات أن الوحل يسمى في اللغة الأثيوبية سنجون (بالجيم العجمية مع إمالة في حركة الواو)، ولا يخفى ما في معنى الوحل من التسفل، وقد يكون هذا اللفظ من استعمال عرب اليمن، فإن فيها كثيرًا من الألفاظ الأثيوبية لكثرة المخالطة بينهم وبين أهل الحبشة، استعملوه فيما يقارب الوحل، فلا يبعد أن يقال إن الكتاب فيه أي أنه مكتوب به، أو على التصوير والتمثيل، أي إن الأعمال -لخبثها- تصور وتمثل كأنها مكتوبة به ويكون معنى كون الوحل وما يقاربه كتابًا مرقومًا، أن الأعمال بعد أن خطت به صار ذلك المداد القبيح كتابًا مرموقًا.

وعلى أن سجينًا اسم لما تحصى فيه الأعمال يجوز أن يكون لفظ (كتاب) الأول مصدرًا، أي أن كتبهم وإثبات أسمائهم وأعمالهم هو في ذلك الكتاب الذي هو كالسجل لتلك الأسماء والأعمال، ويقال كتب اللَّه فلانًا في الأشقياء أو في السعداء، أي أدرج اسمه بين أسمائهم فيما قد لهم، فكذلك يقال كتب الفجار في سجين، أي أودع أسماءهم فيه مقرونة إلى أعمالهم.

ويجوز أن يكون كتاب بمعنى المكتوب، ومعنى كونه في سجين أن سجينًا هو ذلك السجل العام المسمى بسجين.

﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ  ﴾ إعادة للوعيد الأول في قوله ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ  ﴾ بعبارة أدل على عظم الجرم وأعم تشمل تلك الجريمة وغيرها، وذلك أنه قال في المطففين ﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ  لِيَوْمٍ عَظِيمٍ  ﴾ ليبين أن الإصرار على ذلك العمل القبيح يدل على ارتفاع الظن بالبعث، ثم أعاد الوعيد بلفظ المكذبين الذي يشمل أولئك المطففين وغيرهم، وهو الذين يكذبون بيوم الدين، أي يوم الجزاء، سواء كان التكذيب بجحد الخبر به مباشرة أو كان بعدم المبالاة بما يكون فيه من عقاب وعذاب.

وعدم المبالاة هو التكذيب المستبطن في النفس الذي تجري عليه في أعمالها، وإن كانت لا تظهره في أقوالها، وأعظم دليل على عدم المبالاة هو الإصرار على الجرائم، والمداومة على اقتراف السيئات.

ولهذا جعل الاعتداء والإثم مناط التكذيب في قوله ﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ  ﴾ ، فإن من كان ميالًا إلى العدل في خلائقه وأفعاله، واقفًا عندما حدد اللَّه لعباده في شرائعه وسننه، لا يعتدي حدو النصفة، فأيسر شيء عليه التصديق باليوم الآخر، وهو أعون له على ما مال إليه، أما من اعتدى الحق، وعمي عن الإنصاف، واعتاد ارتكاب الآثام وإتيان ما فيه الغض من حقوق الناس والإضرار بهم والإخلال بنظامهم فذلك الذي يصعب، بل يكاد يمتنع عليه الإذعان بأخبار الآخرة، لأنه يأبى النظر في أدلتها وتدبر البينات القائمة على صدقها، لأن في ذلك قضاء على نفسه بالسفه، وحكما عليها بالظلم -ذلك فيما مضى لها- ثم فيه تخويف لها من ارتكاب مثل عملها فيما يستقبل، وهي جامحة طامحة، فهو لا يريد إلا أن يعللها بالإنكار، ويهون عليها الأمر بالتغافل أو التعلق بالأماني، من نصرة الأولياء، أو توسط الشفعاء.

فلذلك إذا تليت عليه الآيات المنزلة الناطقة بأصدق الخبر عما يكون في ذلك اليوم مما لا مفر منه ﴿ قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ  ﴾ .

والأساطير أحاديث لا نظام لها، أي ذلك كلام مكرر الحكاية، يؤثره الآخر عن الأول، والخلف عن السلف، ولكنه ما لاينطبق على الواقع، فهو مما تعودت النفوس سماعه وتعودت سماعه وتعودت ألا تتأثر منه وألا تحلى منه بطائل، فلا يستحق النظر فيه.

هكذا حال القوم يتلى عليهم كتاب اللَّه، وفيه ما ينعى عليهم حالهم ويكشف لهم ما لبسوا على أنفسهم، وبينّ لهم سيئات أعمالهم، فيقولون هذا مفهوم ولكن من ذا الذي يعمل به؟

ولم لم يعمل فلان وفلان حتى كنا نسلك مسلكهم، ونستقيم على طريقهم؟

فهؤلاء واصفون لكتاب اللَّه بأنه أساطير الأولين، وإن لم ينطقوا باللفظ الدال على الوصف ليعللوا أنفسهم بأنهم مسلمون، وأنهم مع فجورهم ناجون.

(كلا) إن هذه الآيات ليست بأساطير تسطر، وأقاصيص تحكى، وتؤثر وتعاد وتكرر بدون حقيقة ولا أثر، بل هي الحق الذي لا مراء فيه، عرفه منها أهل العدل المتعرضون للرحمة والفضل، وإنما الذي غطى قلوب المكذبين، وحجبها عن فهم ما جاءت به الآيات، تلك الملكات الرديئة، والعادات السيئة والأعمال الخبيثة التي كانوا يكسبونها.

وران على قلبه: أي ركبه وغطاه، ومعنى رين الذنب وركوبه القلب حتى يحجبه عن الفهم هو ما ذكرناه لك من أن المسيء الذي ضربت نفسه بالقبيح يسعى جهده في البعد عن كل ما يكدر صفوه، فهو يعرض عن كل ما يجد فيه تهجينًا لعمله، أو تخويفًا من عاقبة فعله.

وهل يغنيهم هذا العمى من الحق شيئًا؟

(كلا) إنهم سيكونون يوم القيامة في المكان الدون، وموقف الهون، و ﴿ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ  ﴾ .

ولا يحجب عن الرب الكريم إلا المخذول المرذول، الذليل المهين ﴿ ثُمَّ إِنَّهُمْ  ﴾ -بعد أن يطردوا عن أبواب الكرامة- يقذف بهم حيث لا يلقون إلا الأسف والندامة، يقذف بهم في الجحيم يصلونها ويقاسون حرها ﴿ ثُمَّ يُقَالُ  ﴾ لهم ﴿ هَذَا  ﴾ هو العذاب ﴿ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ  ﴾ ، تبكيتًا لهم، وزيادة في التنكيل بهم، فإن أشد شيء على الإنسان إذا أصابه مكروه أن يذكر -وهو يتألم له- بأن وسائل النجاة من مصابه كانت بين يديه فأهملها، وأسباب التفصي عنه كانت في مكنته فأغفلها.

(كلا) ردع عن التكذيب المذكور في قوله: ﴿ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ  ﴾ ، وإنما يجب تجنبه طلبًا للكرامة في ملازمة التصديق الذي هو ضده، فإن كتاب الأبرار في عليين إلخ.

وقد بينا في السور السابقة معنى (الأبرار)، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات المفصلة في السور والآيات، فهؤلاء لا يضيع عمل عامل منهم، بل كل ما عمله فقد أحصاه اللَّه في كتاب مرقوم، اسمه عليون.

والكلام على لفظ كتاب الأول كالكلام عليه فيما سبق، وقد رأيت عن بعض الباحثين في اللغات الشرقية أن لفظ علوًا في اللغة الأثيوبية (الحبشية القديمة) معناه النقش باللون الأحمر، فإن لم يكن العليون من العلو فمن الجائز أن اللفظ دخل في لغة أهل اليمن وعرب الجنوب على معنى الزينة، ثم أطلق على كل مزين لطيف، وقد يدل على ذلك تخالف البناء والوزن مع ما هو من معنى العلو.

وهذه الكتب التي تكتب فيها أعمال المجرمين أو أعمال الأبرار مما استأثر اللَّه بعلم حقيقته، "فسجين" و "عليون" موجودان، أودعهما اللَّه أعمال الخاسرين والناجين وليس علينا أن نعرف أنها من أوراق أو أخشاب أو معادن أخر، أو من أرواح غير أجسام، كل ذلك مما لا حاجة إلى البحث فيه لاستكمال الإيمان، وقد يكشفه اللَّه للمصطفين من عباده.

ولهذا قال ﴿ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ  ﴾ وجاء بهذه الصفة ليدل بها على أنه أمر محقق الثبوت، حتى أن المقرب ليشهده شهود العيان إذا وصل من القرب إلى الحد الذي يكشف له فيه ذلك الكتاب وأمثاله.

ولما كان المقصود من شهود المقربين هو ما ذكرنا واللَّه أعلم، ظهر وجه ذكر هذه الصفة في جانب كتاب الأبرار، وعدم ذكر مثلها في جانب كتاب الفجار، لأن الفجار لا يشهدهم اللَّه كتبهم وكتب غيرهم لتسفل أرواحهم وتدنسها بأوضار الفجور، فأنَّى يكون لها الاطلاع إلى غيب لا تدنو منه إلا النفوس العالية، والعقول الصافية.

وقيل المراد بالقربين الملائكة، وعليه لا يظهر تخصيص كتاب الأبرار بذلك، فإن كتاب الفجار مشهود لهم كذلك.

بعد أن أكد الخبر بإحصاء أعمال الأبرار، وأن إحصاءها في كتاب رفيع مكرم جليل، أخذ يفصل ما ينالونه من الجزاء على البر والإحسان فقال: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ  ﴾ .

والنعيم والنعمى والنعماء والنعمة كله الخفض والدعة، وما فيه لذة وراحة وليس فيه ألم وعناء، وهو ضد البأساء والبؤس.

و ﴿ الْأَرَائِكِ  ﴾ هي الأسرة في الحجال، والحجال جمع حجلة مثل القبة، وحجلة العروس بيت -أي خيمة- يزين بالثياب والأسرة والستور.

وقوله: ﴿ يَنْظُرُونَ  ﴾ أي يمدون أعينهم إلى ما شاءوا، لا يغضى الخري من أبصارهم.

و(نضرة النعيم) بهجته وماؤه ورونقه.

و(الرحيق) الشراب الخالص الذي لا غش فيه، وهو قول الزجاج، وقيل هو أعتق الخمر وأفضلها، وقيل هو صفوتها، وهي معان كلها متقاربة.

و(مختوم) ختمت أوانيه وسدت، وكان ختامها المسك مكان الطينة.

وقيل المراد من (ختامه)، مقطعه بعد الشرب، أي أن الشارب يجد منه رائحة المسك بعد أن يشربه، ولا يجد تلك الرائحة الخبيثة التي يجدها شارب الخمر.

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ  ﴾ ، أي في ذلك النعيم وما تلاه يرغب الراغبون، ويسبق بعضهم بعضًا إليه بالأعمال التي تقرب منه.

وهذه الجملة معترضة ذكرها عقب أنواع النعيم المتقدمة قبل أن يأتي على بقية أوصاف الرحيق، إسراعًا إليك بالترغيب في التسابق إلى ما عد من أنواع السعادة، وقد يعود اسم الإشارة في ذلك إلى الرحيق المختوم، تمييزًا له من بين أنواع النعيم السابقة بالترغيب فيه، والجملة اعتراض على كل حال، وكل نوعين اختلطا فأحدهما مزج صاحبه ومزاجه.

فبعد أن قال: ﴿ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ  خِتَامُهُ مِسْكٌ  ﴾ بيّن ما يمزج بذلك الرحيق إذا رغب راغب أن يمزجه بشيء، ودل على أن مزاجه يكون من التسنيم: وهو ماء يأتي من الأعالي واسمه التسنيم، ليطابق الاسم مسماه، ثم زاده بيانًا بقوله: ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ  ﴾ .

فعينًا منصوب على الاختصاص بالمدح، وفيه من البيان ما لا يخفى.

﴿ يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ  ﴾ أي يشربون بها الرحيق مزاجًا له إذا أرادوا.

و(المقربون) هم الأبرار بعينهم، ذكرهم بهذا الوصف زيادة في تكريمهم.

كل هذه الأنواع من النعيم التي ذكرت في الآيات مما ترغب فيه الأنفس، وتتسابق إليه الهمم، لهذا حفز اللَّه بها عزائم المحسنين ليزدادوا إحسانًا، وليطمع فيها الواقف على أول الطريق، فليزم الجادة الواضحة، ويدع المعوجة الملتبسة، ويسلك سبيل السابقين، وليرد بها من جار على النهج ويقيمه على الصراط المستقيم.

هذا والمفهوم منها ما يشبه ما نحن فيه، فما ظنك بها لو كانت أرقى وأكمل، وأعلى وأفضل وأنه لا يدانيها شيء مما نعهده في الدنيا إلا في الاسم، أو ضرب من الشبه البعيد، كما هو حقيقة أمرها والحق في شأنها؟!

بعد أن ذكر ما أوعد به (الفجار) وهو أهل الجرائم ومقترفو السيئات، وما وعد به (المتقون) وهو أهل البر والإحسان، وما سيلاقيه كل من الفريقين في الدار الآخرة جزاء على عمله -أخذ يذكر ما كان لأحد الفريقين إلى الآخرة في الدنيا، وما سيكون من شأن الفريق الآخر مع الفريق الأول في الآخرة، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا  ﴾ وهو المعتدون الأثمة، الذين شريت نفوسهم في الشر، وصمت آذانهم عن سماع دعوة الحق، هؤلاء كانوا يضحكون من الذين آمنوا، ذلك لأنه حين رحم اللَّه هذا العالم ببعثه النبي  كان كبار القوم وعرفاؤهم على رأي الدهماء وفي ضلال العامة، وكانت دعوة الحق خافتة لا يرتفع بها إلا صوته  ، ثم يهمس بها بعض من يلبيه ويجيب دعوته من الضعفاء الذين لم تطمس أهواؤهم سبيل الحق إلى قلوبهم، فيسر بها إلى من يرجوه، ولا يستطيع الجهر بها لمن يخافه.

ومن شأن القوي المستعز بالقدرة والكثرة أن يضحك ممن يخالفه في المنزع، ويدعوه إلى غير ما يعرفه وهو أضعف منه قوة وأقل عددًا.

كذلك كان شأن جماعة من قريش -كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأشياعهم- وهكذا يكون شأن أمثالهم في كل زمان متى عمت البدع وتفرقت الشيع، وخفي طريق الحق بين طرق الباطل، وجهل معنى الدين، وأزهقت روحه من عباراته وأساليبه، ولم يبق إلا ظواهر لا تطابقها البواطن، وحركات أركان لا تشايعها السرائر، وتحكمت الشهوات فلم تبق رغبة تحدو بالناس إلى العمل إلا ما تعلق بالطعام والشراب والزينة والرياش والمناصب والألقاب، وتشبثت الهمم بالمجد الكاذب، وأحب كل واحد أن يحمد لما لم يفعل، وذهب الناقص يستكمل ما نقص منه بتنقيص الكامل، واستوى في ذلك الكبير والصغير، والأمير والمأمور، والجاهل والملقب بلقب العالم -إذا صار الناس إلى هذه الحال، ضعف صوت الحق، وأزدرى السامعون منهم بالداعي إليه، وانطبق عليهم نص الآية الكريمة ﴿ وَإِذَا مَرُّوا  ﴾ بأحد من أهل الحق يغمز بعضهم بعضًا هزوءًا به.

وإذا انقلب هؤلاء الضالون إلى أهلهم، ورجعوا إلى بيوتهم، ورجعوا إليهم فكهين متلذين بحكاية ما يعيبون به أهل الإيمان، إذ يرمونهم بالسخافة وقلة العقل، كأن يقولوا: عجبًا!

هذا فلان يقول لا تدعوا إلا إلهًا واحدًا، ولا تتوجهوا بالطلب فيما يفوق طاقتكم إلا إلى اللَّه وحده خالق السموات والأرض، فأين الأولياء والشفعاء؟

وكم فعلوا وتركوا، وضروا ونفعوا، وهو ينكر جميع ذلك، كأن الناس جميعًا في ضلال وهو وحده يعرف الحق!

.

.

ونحو ذلك مما يعدونه فكاهة يتلذذون بحكايته.

وإذا رأوا المؤمنين قالوا: إن هؤلاء لضالون، لأنهم طرحوا ما عليه العامة وذهبوا يعيبون العقائد والأعمال المتوارثة عن الآباء والأجداد.

﴿ وَمَا أُرْسِلُوا  ﴾ : أي لم يرسل المؤمنون الصادقون الداعون إلى الحق لأن يكونوا ﴿ حَافِظِينَ  ﴾ عليهم، أي على الكافرين والمبتدعين المجرمين، أي لم يمنحهم اللَّه تلك المزية وهي: أن يكونوا رقباء عليهم، يعظونهم ويدعونهم إلى الخير وهجر الشر، فليسوا ملزمين بسماع دعوتهم والإصاخة لأدلتهم، فجملة (وما أرسلوا) وهي من كلام الذين أجرموا، حجدًا لحق المؤمنين في وعظهم وإرشادهم.

ذلك ما كان من معاملة المجرمين للمؤمنين في الدنيا: يهزأون بهم، ويضحكون منهم، ويجعلونهم أحاديث لهو ولغو -فانظر ما تكون معاملة المؤمنين لهم يوم القيامة.

(فاليوم) أي يوم الدين والجزاء ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ  ﴾ ، لا ضحك الجاهل المغرور، بل ضحك الموقن المسرور، ضحك من وصل به يقينه إلى مشاهدة الحق فسر به.

انكشف لهم بالعيان ما كانوا يرجونه من إكرام اللَّه لهم، وخذلانه لأعدائهم، فسروا بذلك وضحكوا من أولئك المغرورين الجحدة الذين تجلت لهم عاقبة أعمالهم، وظهر لهم سفه عقولهم وفساد أقوالهم فنكست أعناقهم لخزيهم وذلهم، فما أعظم مجد المؤمنين في ذلك اليوم!

﴿ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ  ﴾ إلى صنع اللَّه بأعدائهم، وتذليله لمن كان يفخر عليهم، وتنكيله بمن كان يهزأ بهم جزاء وفاقًا!

فجملة (هل ثوب) متعلقة بينظرون، ليتحققوا: هلى جوزي الكفار ما كانوا يفعلونه بهم في الدنيا؟

(وثوب) -مثل أثاب- بمعنى جازى.

يقع في الخير وفي الشر، وإن كان قد غلب الثواب في الخير أي: هلى جوزي الكفار إلخ، ويجوز أن يكون استئنافًا واستفهامًا تقريريًا، كأنه خطاب للمؤمنين.

أي: هل رأيتم كيف جازى اللَّه الكافرين بأعمالهم؟

أي أنه فعل وجازاهم شر الجزاء وأنتم تعلمون ذلك.

والأول أظهر كما لا يخفى.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله