تفسير سورة الانشقاق الآيات ١-٢٥ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 84 الانشقاق > الآيات ١-٢٥

إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ ١ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٢ وَإِذَا ٱلْأَرْضُ مُدَّتْ ٣ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ٤ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٥ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَـٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًۭا فَمُلَـٰقِيهِ ٦ فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًۭا يَسِيرًۭا ٨ وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ مَسْرُورًۭا ٩ وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهْرِهِۦ ١٠ فَسَوْفَ يَدْعُوا۟ ثُبُورًۭا ١١ وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا ١٢ إِنَّهُۥ كَانَ فِىٓ أَهْلِهِۦ مَسْرُورًا ١٣ إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ ١٤ بَلَىٰٓ إِنَّ رَبَّهُۥ كَانَ بِهِۦ بَصِيرًۭا ١٥ فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ ١٦ وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ١٧ وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ ١٨ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍۢ ١٩ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٢٠ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ ۩ ٢١ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُكَذِّبُونَ ٢٢ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ٢٣ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢٤ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍۭ ٢٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 15 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

انشقاق السماء: مثل انفطارها الذي مر تفسيره في سورة الانفطار ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ  ﴾ ، وهو فساد تركيبها واختلال نظامها عندما يريد الله خراب هذا العالم الذي نحن فيه، وهو يكون بحادثة من الحوادث التي قد ينجر إليها سير العالم، كأن يمر كوكب في سيره بالقرب من آخر فيتجاذبا فيتصادما فيضرب نظام الشمس بأسره، ويحدث من ذلك غمام وأي غمام، يظهر في مواضع متفرقة من الجو والفضاء الواسع، فتكون السماء قد تشققت بالغمام، واختل نظامها حال ظهوره.

﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا  ﴾ أي استمعت لأمر ربها، وفعلت -حين أراد انشقاقها- فعل المطواع الذي إذا أورد عليه الأمر من جهة آمره أنصت له وأذعن، فكأن قال: امتثلت له.

(وحقت) أي حق لها أن تمتثل، أي يجدر بها ذلك، وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع لأنها مخلوقة له وهي في قبضته، وهو الذي يمسكها أن تزول، فإذا أراد تبديد نظامها بدده، وما يكون لها أن تعصى إرادته.

ومتى فسد نظام السماء، فتساقط من كواكبها بعض على بعض، أصاب الأرض من ذلك أشد ما يصيبها من الاضطراب فتدك جبالها، وتنقطع أوصالها، وتفقد التماسك بينها فلا يبقى لها هذا الاندماج الذي هي عليه الآن، فتمد مد الأديم العكاظي كما روي عن ابن عباس ولا تكون إلا كتلة مائرة تتساوى أعاليها وأسافلها، وعظمت بهذا الانتفاش، وزادت أقطار حجمها، فهذا قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ  ﴾ .

ولا ريب أن هذا المد يتبعه أن جميع ما في جوف الأرض ينقذف إلى خارج، وربما قذفته الحركة العنيفة إلى ما يبعد عن سطحها فتخلو الأرض منه حتى لا يبقى له أثر في باطنها، وهذا هو قوله تعالى: ﴿ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ  ﴾ .

وهي في ذلك كله تحت سلطان الجلال الإلهي وقهره، خاضعه لأوامره، منقادة، لمشيئته كما قال: ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ  ﴾ .

ولا يخفى أن الاستماع والطاعة من السماء والأرض تمثيل لكونهما في قبضة القدرة الإلهية تصرفهما في الفناء كما تصرفت فيهما بالابتداء، كما قال: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ ، أي أنه خلقهما على الوجه الذي أراد دون أن يكون منه جهد أو كد، أو يصيبه عناء أو نصب، كما يتوهم ضعفاء العقول إذا سمعوا بأن واحدًا وحده يخلق هذا الخلق العظيم، أو يدمر هذا الكون الجسيم، وكما زعم اليهود أن اللَّه ابتدأ الخلق يوم الأحد، واستراح يوم السب، واستلقى على العرش.

قال اللَّه في آية أخرى لإفادة المعنى على الحقيقة دون تمثيل: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ  ﴾ وكل قول أو فعل ينسب إلى من لايصدر عنه في المعروف، فنسبته إليه على طريق التمثيل، إلا أن يكون هناك سبب يسوغ النسبة في عرف الخطاب.

جاء في هذه السورة بشرطين: أحدهما يتعلق بالسماء، والآخر يتعلق بالأرض، وفي ضمن كل منهما ما هو من لوازمه، ولم يأت بجواب للشرطين، بل أعقب قوله: ﴿ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ  ﴾ إلخ، بقوله ﴿ يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ  ﴾ .

وهو من عجائب إيجاز القرآن حيث يظن لزوم الاطناب فيأتي الايجاز بما لا يأتي به الإطناب.

فإن اللَّه تعالى قد بيّن في سور أخر كثيرًا مما يكون يوم القيامة من الأهوال والشدائد، وحضور الأعمال، وشهود الجزاء، والوقوع في ورطة الحساب، وما يأتي بعد ذلك من شقاء ونعيم، فذكر اللَّه بداية ذلك اليوم في هذين الشرطين: انشقاق السماء، وتصدع الأرض وانتفاشها وقذفها لما في جوفها - وترك الجواب يذهب فيه السامع ما شاء من المذاهب، حتى يمر بذهنه جميع ما ورد من حوادث ذلك اليوم، وفي هذا من التهويل ما ربما لا يفيده التطويل.

وقد يقال إن الجواب محذوف يدل عليه ما يفهم من قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ  ﴾ إلخ، كأنه قال: ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ  ﴾ إلخ، ﴿ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ  ﴾ إلخ، لاقى الإنسان ربه فوفاه حسابه.

(كادح) من الكدح، وهو العمل والسعي والكسب والخدش.

والكدح عمل الإنسان لنفسه من خير أو شر، ووصل الوصف (بالي) إذ قال ﴿ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ  ﴾ ولم يقل (لربك) ليدل على أنه أراد من الكدح معنى فيه سير وانتهاء، كأنه يقول -والله أعلم- يا أيها الإنسان السادر في غلوائه، الصادر في عمله عن أهوائه، الغافل عن مصيره، الجائر عن جادة الحق في مسيره .

.

لا تظن أنك خالد، وأنك مقيم فيما أنت جاهد له، وأنك إن آذيت الخلق، وازدريت الحق، واغتررت بالحول والقوة، وسلمت عنانك للشهوة، ضمنت لنفسك التمتع بما تكسب، والبقاء فيما فيه تتعب وتنصب.

كلا.

إنك مجد في السير إلى ربك وإن كنت لا تشعر بجدك، أو إن شعرت به لهوت عنه، وكل خطوة في عملك فهي في الحقيقة خطوة إلى أجلك، فكل جهد وتعب يحدث في القوي أثر ضعف، ولا يزال الضعف يتبع بعضه بعضًا حتى ينتهي إلى الموت الذي لا محيد عنه، وهناك لقاء اللَّه، فإن الموت يكشف عن الروح غطاء الغفلة، ويجلو لها وجه الحق، فتعرف من اللَّه ما كانت تنكره، فقد لقيته كما يلاقي الغائب من يقدم هو عليه.

وما بعد الموت من رجعة إلا يوم البعث، يوم يقوم الناس للعرض على ملك يوم الدين، كما قال: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ  ﴾ .

وهناك يرتفع الالتباس، ويعرف كل عامل ما جر إليه عمله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ  فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا  ﴾ والذين يؤتون كتبهم بأيمانهم هم الصالحون، أهل البر وفعلة الخير ممن ذكر اللَّه أوصافهم وأعمالهم في الآيات الأخر.

﴿ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا  ﴾ أي يرجع إلى من هم من قبيله من المؤمنين الصادقين العاملين مسرورًا بما لاقاه من سهولة الحساب والنجاة من العقاب، أما الذي يؤتى كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورًا، أي يقول: واثبوراه!

أي واهلاكاه!

فهو يتمنى أن يهلك بأن يموت ويفقد الشعور بما يلقاه كقوله يا ليتني كنت ترابًا، ﴿ وَيَصْلَى سَعِيرًا  ﴾ يقاسى حر نار شديدة اللذع والاحراق.

﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ  ﴾ وقبيله من أمثاله ﴿ مَسْرُورًا  ﴾ بما كان فيه من الترف والنعيم ومعاقرة اللذات ومداعبة الشهوات، فاليوم ينعكس عليه حاله، ويسوء مآله، ويجد حزنًا بدل سرور، وألمًا مكان لذة.

والحساب اليسير السهل أن تعرض عليه أعماله فيعرف منها ما يسر نسبته إليه، وما قد يؤاخذ عليه، ثم لا يناقش ولا يعترض بما يسوءه ويشق عليه.

أما الكلام في إيتاء الكتاب باليمين أو وراء الظهر فإليك ما يليق منه بكتاب اللَّه وحكمته الباهرة.

اليمين تذكر في كتاب اللَّه عبارة عن القوة أو اليمن والخير، قال اللَّه تعالى في سورة الصافات: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ  قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ  قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ  ﴾ .

قال صاحب الكشاف، بعد أن ذكر شرف اليمين وما يناط بها من الأعمال، واستعيرت لجهة الخير وجانبه، فقيل أتاه عن اليمين -أي من قبل الخير وناحيته- فصده عن وأضله .

وقال البيضاوي: عن أقوى الوجوه وأيمنها، أو عن الدين أو الخير.

وجاء في الكشاف أيضًا: وجاء في بعض التفاسير: من أتاه الشيطان من جهة اليمين أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق، ومن أتاه من جهة الشمال أتاه من قبل الشهوات، ومن أتاه من بين يديه أتاه من قبل التكذيب بالقيامة وبالثواب والعقاب، ومن أتاه خلفه خوفه الفقر على نفسه وعلى من يخلف بعده فلم يصل رحمًا ولم يود زكاة.

وقال في سورة الحاقة: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ  لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ  ﴾ أي لو أدعى علينا شيئًا لم نقله لقتلناه صبرًا.

قال البيضاوي: وهو تصدير لإهلاكه بأفظع ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه، وقيل اليمين بمعنى القوة.

وقال البيضاوي في تفسير قوله ﴿ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ  ﴾ .

تقييده باليمين للدلالة على قوته، لأن قوة الآلة تستدعي قوة الفعل.

فاذا استعملت اليمين لتمثيل القوة قابلتها اليسار أو الشمال في تصوير الضعف، وكذلك يقال في الخير أو الشر وما يقابلهما.

ثم مما لا يحتاج إلى بيان أن اليمين هنا آلة الأخذ لا آلة الإعطاء، لأنها مضافة إلى ضمير العبد، فيكون المعنى: فأما من أوتي كتابه فأخذه أو تناوله بيمينه، فكأنه يقول: فأما من عرض عليه كتابه، وقدم إليه سجل أعماله، فتناوله بيمينه فأمره كيت وكيت.

ومن يتناول شيئًا بيمينه يكون قد توجه إليه بعزمه، واندفع نحوه بقوة نفسه -بخلاف من يتناول ما يعطاه ويأخذ بيساره، فإن مد اليسار إليه دليل كراهته له.

وأظهر في الدلالة على الكراهة النفور مما يعرض عليه أن يستدبره ويعرض عنه فيكون وراء ظهره.

فمعنى آية الحاقة والآية التي نحن بصددها: فأما من عرض عليه كتابه، وقدم إليه ليأخذه، فاندفع إليه بعزيمة نفسه لشعوره بأنه مستودع الصالحات وسجل البر والمكرمات فشأنه كذا، وأما من قدم إليه كتابه، وعرض عليه عمله، فخزيت نفسه، وخارت عزيمته، فمد إليه يساره لعله لا يستطيع ضبطه فيسقط منه فلا يرى ما فيه، أو يعرض عنه فيوليه ظهره لشعوره بأنه ديوان السيئات وسجِّين المخازي، فأمره كيت وكيت.

ويرشد إلى ذلك ما رد من التفصيل في سورة الحاقة فإنه قال: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ  إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ  ﴾ .

ودعوة الناس إلى القراءة دليل الفرح والنشاط وقوة العزيمة.

﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ  وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ  يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ  مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ  هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ  ﴾ ، وهذا قول المخذول الكاره لما عرض عليه.

فإيتاء الكتاب باليمين أو اليسار أو وراء الظهر تمثيل وتصوير لحالة المطلع على أعماله في ذلك اليوم، فمن الناس من إذا كشف له عمله ابتهج واستبشر-وهو التناول باليمين- ومنهم من إذا تكشفت له سوابق أعماله عبس وبسر، وأعرض عنها وأدبر، وتمنى لو لم تكشف له -وهذا هو التناول باليسار أو وراء الظهر-، وبهذا اتفق المعنيان في الآيتين، ولم تبق حاجة إلى الجمع بين الشمال ووراء الظهر باختراع معنى لا يليق بكتاب اللَّه كما جرى عليه كثير من المفسرين.

﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ  ﴾ أي رجح في حكمه أن لن يرجع إلى ربه فيحاسبه على ما يقترف من ذنبه، أو يثيبه على الأفضل من كسبه.

وفي الآية شهادة بأن المسخرين لشهواتهم وأهوائهم في أعمالهم لا يمكن أن يكونوا ظانين، فضلًا من كونهم موقنين بأنهم يرجعون إلى اللَّه ليحاسبهم، بل الراجح عندهم أن لا يحاسبون، أو أن اللَّه مخلف وعده، وهذا هو الذي ينسيهم ذكره عند كل جرم يجرمونه، فهم -وإن كانوا يزعمون الإيمان باللَّه وبوعده ووعيده- يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ويبتلون دائمًا بسوء الخاتمة والعياذ باللَّه (بلى) إيجاب لما بعد النفي في لنيحور، أي بلى ليحورن وليرجعن إلى ربه، وليحاسبن على عمله، فيجزى عليه: الخير بالخير، والشر بالشر.

ثم علل ذلك بقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا  ﴾ والبصر بالشيء تمام العلم به نشأة وغاية، والذي يخلق الإنسان مستعدًا لما لا يتناهى من الكمال بما وهبه من العقل الذي لا يقف عند حد في العلم، وإرسال أشعة الفهم إلى أسرار الكائنات ودقائق الموجودات، لا ينشئه هذه النشأة الرفيعة لتكون غايته غاية سائر الحيوان، ممن لم يعط استعداده، ولم يمد إمداده، بل تقضي حكمته في هذا الخلق العظيم أن يجعل له حياة بعد هذه الحياة، يستثمر فيها أعماله ويوافي فيها كماله.

ولو أنه أسدى إلى الإنسان من المواهب ما أسدى، ثم تركه بعد ذلك سدى، لم يكن ذلك إلا من عمل الجزاف، الخالي من البصر والحكمة، بل من العدل والانصاف.

وهذا الذي فسرنا به هو الأليق بنسق الكلام، دون الذي سبقنا إليه بعض قصار الأفهام.

ولتأكيد ذلك أقسم اللَّه بآيات له في الكائنات، ظاهرات باهرات، ليدل على عظم شأنه في وضع الكون عليها، وقد تقدم أن ﴿ فَلَا أُقْسِمُ  ﴾ عبارة من عبارات القسم.

والشفق النهار في رأي الزجَّاج، وبقية ضوء الشمس والحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة عند غيره، والنهار زمان يسعى فيه الكاسبون لتحصيل أرزاقهم، والأبرار يشغلونه بإصلاح أحوالهم وأحوال غيرهم، وتكميل عقولهم وأخلاقهم.

ففيه الشفق، وهو الخوف من الإخفاق، فيجدر أن يسمى شفقًا، وما يبقى في الأفق من الحمرة وقليل من البياض ينذرك بليل لا تدرى ما يكون فيه، فله من مسمى الشفق -وهو الخوف- نصيب.

و(وسق)، أي ضم وجمع، ولا يخفى عليك أن ما انتشر بالنهار يجتمع بالليل حتى أن جناحيك اللذين تمدها إلى العمل بياض النهار تضمها إلى جنبيك للراحة سواد الليل.

والغادون في النهار يروحون بالليل، والليل يضم الأمهات إلى أفراخها، ويرد السائمات إلى مناخها، وبالجملة كل ما نشره النهار بالحركة يضمه الليل ويجمعه بالسكون.

﴿ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا  ﴾ .

واتساق القمر تمامه واجتماع نوره ليلة أربع عشرة أو ليلة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة.

ولا يخفى ما للناس من المنافع في هذه الأمور الثلاثة التي أقسم اللَّه بها، وما فيها من الآيات الناطقة بحكمة واضع نظامها، فهي جديرة أن يقسم اللَّه بها لينبه الغافلين إلى ما أودع فيها.

﴿ لَتَرْكَبُنَّ  ﴾ قرئ بفتح الباء خطاب للإنسان، وبضمها خطاب للناس.

( والطبق) عند ابن الأعرابي الحال على اختلافها.

وقال الزجَّاج في معنى الآية: لتركبن حالًا بعد حال حتى تصيروا إلى اللَّه، والأحوال هي: الإحياء الأول، ثم الإماتة، ثم البعث، وقد قارب الزجَّاج في تفسيره، وأصل المادة طبق فيها المطابقة والمساواة.

والمعنى الذي يعول عليه لتركبن حالة بعد حالة، على أن الحالة الثانية تطابق الحالة الأولى، أي لتكونن في حياة أُخرى تماثل هذه الحياة التي أنتم فيها وتطابقها من حيث الحس والإدراك والألم واللذة على الإطلاق، أي أنها حياة حقيقية وإن خالفت في بعض شؤونها هذه الحياة الأولى.

فإذا كان اللَّه قد خلق الإنسان على أن تكون له حياتان -وقد أقام الدليل على ذلك من طريقة تكوينه، ثم أقسم عليه في صادق كلامه- ﴿ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ  وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ  ﴾ وهو المنبه لسماع حديث الفطرة، الصارف إلى داعي الغريزة ﴿ لَا يَسْجُدُونَ  ﴾ لا يستكينون ولا يخضعون، لا تظن أن قرع القرآن لم يكسر أغلاق قلوبهم، ولم يبلغ صوته أعماق ضمائرهم، بلى قد بلغ، وأقنع فيما بَلَّغ، ولكن العناد هو الذي يمنعهم عن الإيمان، ويصدهم عن الإذعان فليس منشأ التكذيب قصور الدليل، وإنما هو تقصير المستدل وإعراضه عن هدايته.

فالإضراب في قوله ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ  ﴾ يرمي إلى محذوف من القول يدل عليه السابق واللاحق.

﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ  ﴾ أي بما يجمعون في صدورهم من الإعراض والجحود والحسد والبغي.

﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ جزاء لهم على إعراضهم عن الأدلة القائمة لهم من أنفسهم ومن بين أيديهم، وإصرارهم على سيء العمل وفاسد الاعتقاد، أما الذين أصلحوا اعتقادهم بالإيمان الصادق القائم على الدليل الصحيح المستمد من الوجدان الفطري، واستقاموا في عملهم على النهج الواضح في العمل الصالح، فلهم أجر لا ينقطع، فالاستثناء في ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا  ﴾ منقطع، كأنه قال لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر إلخ.

ولهذا جاء قوله: ﴿ لَهُمْ أَجْرٌ  ﴾ بغير فاء، و ﴿ غَيْر مَمْنُونٍ  ﴾ أي غير مقطوع.

واللَّه أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله