الآية ١٠ من سورة العاديات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 100 العاديات > الآية ١٠ من سورة العاديات

وَحُصِّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ ١٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 66 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠ من سورة العاديات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠ من سورة العاديات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال ابن عباس وغيره يعني أبرز وأظهر ما كانوا يسرون في نفوسهم.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) وقوله: ( وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ) يقول: وميز وبين, فأبرز ما في صدور الناس من خير وشر.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثني علي, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: ( وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ) يقول: أبرز.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان ( وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ) يقول: ميز.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وحصل ما في الصدور أي ميز ما فيها من خير وشر ; كذا قال المفسرون : وقال ابن عباس : أبرز .

وقرأ عبيد بن عمير وسعيد بن جبير ويحيى بن يعمر ونصر بن عاصم وحصل بفتح الحاء وتخفيف الصاد وفتحها ; أي ظهر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ } أي: ظهر وبان [ما فيها و] ما استتر في الصدور من كمائن الخير والشر، فصار السر علانية، والباطن ظاهرًا، وبان على وجوه الخلق نتيجة أعمالهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"وحصل ما في الصدور"، أي: ميز وأبرز ما فيها من خير أو شر.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وحصِّل» بين وأفرز «ما في الصدور» القلوب من الكفر والإيمان.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واستُخرج ما استتر في الصدور من خير أو شر.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَحُصِّلَ مَا فِي الصدور ) أى : وجمع ما فى القلوب من خير وشر وأظهر ما كانت تخفيه ، وأبرز ما كان مستورا فيها ، بحيث لا يبقى لها سبيل إلى الإِخفاء أو الكتمان .وأصل التحصيل : إخراج اللب من القشر ، والمراد به هنا : إظهار وإبراز ما كانت تخفيه الصدور ، والمجازاة على ذلك .

ومفعول ( يعلم ) محذوف ، لتذهب النفس فيه كل مذهب ويجول الفكر فى استحضاره وتقديره .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال أبو عبيدة، أي ميز ما في الصدور، وقال الليث: الحاصل من كل شيء ما بقي وثبت وذهب سواه، والتحصيل تمييز ما يحصل والاسم الحصيلة قال لبيد: وكل امرئ يوماً سيعلم سعيه *** إذا حصلت عند الإله الحصائل وفي التفسير وجوه: أحدها: معنى حصل جمع في الصحف، أي أظهرت محصلاً مجموعاً.

وثانيها: أنه لابد من التمييز بين الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والمحظور، فإن لكل واحد ومنه قيل للمنخل: المحصل.

وثالثها: أن كثيراً ما يكون باطن الإنسان بخلاف ظاهره، أما في يوم القيامة فإنه تتكشف الأسرار وتنتهك الأستار، ويظهر ما في البواطن، كما قال: ﴿ يَوْمٍ تبلى السرائر  ﴾ .

واعلم أن حظ الوعظ منه أن يقال: إنك تستعد فيما لا فائدة لك فيه، فتبني المقبرة وتشتري التابوت، وتفصل الكفن، وتغزل العجوز الكفن، فيقال: هذا كله للديدان، فأين حظ الرحمن!

بل المرأة إذا كانت حاملاً فإنها تعد للطفل ثياباً، فإذا قلت لها: لا طفل لك فما هذا الاستعداد؟

فتقول: أليس يبعثر ما في بطني؟

فيقول الرب لك: ألا يبعثر ما في بطن الأرض، فأين الاستعداد، وقرئ (وحصل) بالفتح والتخفيف بمعنى ظهر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أقسم بخيل الغزاة تعدو فتضبح.

والضبح: صوت أنفاسها إذا عدون.

وعن ابن عباس أنه حكاه فقال: أح أح.

قال عنترة: وَالْخَيْلُ تَكْدَحُ حِينَ تَضْ ** بَحُ فِي حِيَاضِ الْمَوْتِ ضَبْحَا وانتصاب ضبحا على: يضبحن ضبحا، أو بالعاديات، كأنه قيل: والضابحات؛ لأن الضبح يكون مع العدو.

أو على الحال، أي: ضابحات ﴿ فالموريات ﴾ توري نار الحباحب وهي ما ينقدح من حوافرها ﴿ قَدْحاً ﴾ قادحات صاكات بحوافرها الحجارة.

والقدح: الصك.

والإيراء: إخراج النار.

تقول: قدح فأورى، وقدح فأصلد، وانتصب قدحاً بما انتصب به ضبحا ﴿ فالمغيرات ﴾ تغير على العدوّ ﴿ صُبْحاً ﴾ في وقت الصبح ﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (4) ﴾ فهيجن بذلك الوقت غباراً ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ ﴾ بذلك الوقت، أو بالنقع، أي: وسطن النقع الجمع.

أو فوسطن ملتبسات به ﴿ جَمْعاً ﴾ من جموع الأعداء.

ووسطه بمعنى توسطه.

وقيل: الضمير لمكان الغارة.

وقيل: للعدوّ الذي دلّ عليه ﴿ والعاديات ﴾ ويجوز أن يراد بالنقع: الصياح، من قوله عليه الصلاة والسلام: «ما لم يكن نقع ولا لقلقة» وقول لبيد: فَمَتَى يَنْقَعْ صُراخٌ صَادِق أي: فهيجن في المغاز عليهم صياحاً وجلبة.

وقرأ أبو حيوة: ﴿ فأثرن ﴾ بالتشديد، بمعنى: فأظهرن به غباراً؛ لأنّ التأثير فيه معنى الإظهار.

أو قلب ثورّن إلى وثرن، وقلب الواو همزة، وقرئ: ﴿ فوسطن ﴾ بالتشديد للتعدية.

والباء مزيدة للتوكيد، كقوله: ﴿ وَأُتُواْ بِهِ ﴾ [البقرة: 25] وهي مبالغة في وسطن.

وعن ابن عباس: كنت جالساً في الحجر فجاء رجل فسألني عن ﴿ والعاديات ضَبْحاً (1) ﴾ ففسرتها بالخيل، فذهب إلى عليّ وهو تحت سقاية زمزم فسأله وذكر له ما قلت: فقال: ادعه لي، فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك به، والله إن كانت لأوّل غزوة في الإسلام بدر، وما كان معنا إلاّ فرسان: فرس الزبير وفرس للمقداد ﴿ العاديات ضَبْحاً (1) ﴾ الإبل من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى؛ فإن صحّت الرواية فقد استعير الضبح للإبل، كما استعير المشافر والحافر للإنسان، والشفتان للمهر، والثغر للثورة وما أشبه ذلك.

وقيل: الضبح لا يكون إلاّ للفرس والكلب والثعلب.

وقيل: الضبح بمعنى الضبع، يقال: ضبحت الإبل وضبعت: إذا مدّت أضباعها في السير، وليس بثبت.

وجمع: هو المزدلفة.

فإن قلت: علام عطف (فأثرن)؟

قلت: على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه؛ لأنّ المعنى: واللاتي عدون فأورين، فأغرن فأثرن.

الكنود: الكفور.

وكند النعمة كنوداً.

ومنه سمي: كندة، لأنه كند أباه ففارقه.

وعن الكلبي: الكنود بلسان كندة: العاصي، وبلسان بني مالك: البخيل، وبلسان مضر وربيعة: الكفور، يعني: أنه لنعمة ربه خصوصاً لشديد الكفران؛ لأن تفريطه في شكر نعمة غير الله تفريط قريب لمقاربة النعمة، لأن أجلّ ما أنعم به على الإنسان من مثله نعمة أبويه، ثم إن عُظماها في جنب أدنى نعمة الله قليلة ضئيلة ﴿ وإنه ﴾ وإن الإنسان ﴿ على ذلك ﴾ على كنوده ﴿ لَشَهِيدٌ ﴾ يشهد على نفسه ولا يقدر أن يجحده لظهور أمره.

وقيل: وإنّ الله على كنوده لشاهد على سبيل الوعيد ﴿ الخير ﴾ المال من قوله تعالى: ﴿ إِن تَرَكَ خَيْرًا ﴾ [البقرة: 180] والشديد: البخيل الممسك.

يقال: فلان شديد ومتشدّد.

قال طرفة: أَرَى الْمَوْتَ يَعْتَامُ الْكِرَامَ وَيَصْطَفِي ** عَقِيلَةَ مَالِ الْفَاحِشِ المَتَشَدِّدِ يعني: وإنه لأجل حب المال وأن إنفاقه يثقل عليه: لبخيل ممسك.

أو أراد بالشديد: القوي، وإنه لحب المال وإيثار الدنيا وطلبها قوي مطيق، وهو لحب عبادة الله وشكر نعمته ضعيف متقاعس.

تقول: هو تشديد لهذا الأمر، وقويٌّ له: إذا كان مطيقاً له ضابطاً.

أو أراد: أنه لحب الخيرات غير هش منبسط، ولكنه شديد منقبض ﴿ بُعْثِرَ ﴾ بعث.

وقرئ: ﴿ بحثر ﴾ وبحث، وبحثر.

وحصل: على بنائهما للفاعل.

وحصل: بالتخفيف.

ومعنى (حصلّ) جمع في الصحف، أي: أظهر محصلاً مجموعاً.

وقيل: ميز بين خيره وشره.

ومنه قيل للمنخل: المحصل.

ومعنى علمه بهم يوم القيامة: مجازاته لهم على مقادير أعمالهم؛ لأنّ ذلك أثر خبره بهم.

وقرأ أبو السمال: ﴿ إن ربهم بهم يومئذ خبير ﴾ .

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من قرأ سورة والعاديات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من بات بالمزدلفة وشهد جمعاً»

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ﴾ بُعِثَ.

﴿ ما في القُبُورِ ﴾ مِنَ المَوْتى وقُرِئَ «بُحْثِرَ» و «بُحِثَ».

﴿ وَحُصِّلَ ﴾ جُمِعَ مُحَصَّلًا في الصُّحُفِ أوْ مُيِّزَ.

﴿ ما في الصُّدُورِ ﴾ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وتَخْصِيصُهُ لِأنَّهُ الأصْلُ.

﴿ إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ.

﴿ لَخَبِيرٌ ﴾ عالِمٌ بِما أعْلَنُوا وما أسَرُّوا فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، وإنَّما قالَ ما ثُمَّ قالَ بِهِمْ لِاخْتِلافِ شَأْنِهِمْ في الحالَيْنِ، وقُرِئَ «أنَّ» و «خَبِيرٌ» بِلا لامٍ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ والعادِيّاتِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن باتَ بِالمُزْدَلِفَةِ وشَهِدَ جَمْعًا» .

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَحُصِّلَ مَا فِى الصدور} ميز ما فيها من الخير والشر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ ﴾ أيْ جُمِعَ ما في القُلُوبِ مِنَ العَزائِمِ المُصَمِّمَةِ، وأُظْهِرَ كَإظْهارِ اللُّبِّ مِنَ القِشْرِ، وجَمَعَهُ أوْ مَيَّزَ خَيْرَهُ مِن شَرِّهِ؛ فَقَدِ اسْتُعْمِلَ حَصَّلَ الشَّيْءَ بِمَعْنى مَيَّزَهُ مِن غَيْرِهِ كَما في البَحْرِ.

وأصْلُ التَّحْصِيلِ إخْراجُ اللُّبِّ مِنَ القِشْرِ، كَإخْراجِ الذَّهَبِ مِن حَجَرِ المَعْدِنِ والبُرِّ مِنَ التِّبْنِ وتَخْصِيصُ ما في القُلُوبِ لِأنَّهُ الأصْلُ لِأعْمالِ الجَوارِحِ ولِذا كانَتِ الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ وكانَ أوَّلُ الفِكْرِ آخِرَ العَمَلِ، فَجَمِيعُ ما عُمِلَ تابِعٌ لَهُ، فَيَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ صَرِيحًا وكِنايَةً، وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ ومُحَمَّدُ بْنُ أبِي مَعْدانَ: «وحَصَّلَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُهُ عَزَّ وجَلَّ.

وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ ونَصْرٌ أيْضًا: «حَصَلَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ خَفِيفَ الصّادِ فَما عَلَيْهِ هو الفاعِلُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ فيه جواب القسم أقسم الله تعالى بهذه الأشياء وفيه بين ذكر فضل الغازي وفضل فرس الغازي على تفسير من فسر الآية على الفرس حين أقسم الله تعالى بالتراب الذي يخرج والنار التي تخرج من تحت حوافر فرس الغازي لأنه ليس عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله تعالى.

ومن فسر الآية على الإبل ففي الآية بيان فضل الحاج وفضل دواب الحاج حيث أقسم الله تعالى بالتراب الذي يخرج من تحت أخفاف إبل الحاج والنار التي تخرج منها حيث صارت في أرض الحجارة إن الإنسان لربه لكنود يعني: لبخيل قال مقاتل نزلت في قرط بن عبد الله وقال معنى «الكنود» بلسان كندة وبني حضرموت هو العاصي سيده وبلسان بني كنانة البخيل ويقال هو الوليد بن المغيرة ويقال هو أبو حباحب ويقال كان ثلاثة نفر في العرب في عصر واحد أحدهم آية في السخاء وهو حاتم الطائي والثاني آية في البخل وهو أبو حباحب والثالث آية في الطمع وهو أشعب، كان طماعاً، وكان من طمعه إذا رأى عروساً تزف إلى موضع جعل يكنس باب داره لكي تدخل داره وكان إذا رأى إنساناً يحك عنقه فيظن أنه ينزع القميص ليدفعه إليه ويقال «الكنود» الذي يمنع وفده ويجمع أهله ويضرب عبده ويأكل وحده ولا يعبأ للنائرة في قومه أي المصيبة، وقال الحسن: الكنود الذي يذكر المصائب وينسى النعم، ويقال الكنود الذي لا خير فيه، ويقال: الأرض التي غلب عليها السبخة ولا يخرج منها البذر أرض كنود.

قوله تعالى وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ يعني: الله تعالى حفيظ على صنعه عالم به وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ يعني: الإنسان على جمع المال حريص وقال القتبي معناه إنه لحب المال لبخيل والشدة البخل ها هنا وقال الزجاج معناه أنه من أجل حب المال لبخيل وهذا موافق لما قال القتبي ثم قال عز وجل أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ يعني: أفلا يعلم هذا البخيل إذا بعث الناس من قبورهم وعرضوا على الله تعالى بعثر يعني: أخرج وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ يعني: بين ما في القلوب من الخير والشر إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ يعني: عالم بهم وبأعمالهم وبنيَّاتهم ومن أطاعه في الدنيا ومن عصاه فيها وفي الآية دليل أن الثواب يستوجب على قدر النية ويجري به لأنه قال عز وجل (وحصل ما فى الصدور) يعني: يحصل له من الثواب بقدر ما كان في قلبه من النية إن نوى بعمله وجه الله تعالى والدار الآخرة يحصل له الثواب على قدره والله أعلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لأَن المُورِيَ هُوَ القَادِح، انتهى، فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً قال علي وابن مسعود هي: الإبلُ مِنْ مزدلفةَ إلى مِنًى، وفي بدرٍ، وقال ابن عباس وجماعة كثيرة: هي الخيلُ، واللَّفْظَةُ منَ الغَارَةِ في سبيلِ اللَّهِ وغير ذلك من سير الأُمَمِ وعُرْفُ الغَارَاتِ أنَّها مَعَ الصَّبَاحِ، والنقع الغبارُ الساطِعُ المثَارُ، والضمير في بِهِ ظاهرُه أَنَّه للصُّبْحِ المذكورِ، ويحتملُ أنْ يكونَ للمكانِ والموْضِع الذي يقتضيه المعنى، ومشهورٌ إثارةُ النَّقْعِ هو للخيل، وقال علي: هو هنا للإبل.

فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً قال علي وابن مسعود هي: الإبل، وجَمْعاً هي المزدلفة، وقال ابن عباس وجماعة: هي الخيلُ، والمرادُ جَمْعٌ مِنَ الناسِ هم المَغْزُوُّونَ، والقَسَمُ واقِع على قوله: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الكَنُودُ؟

قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هُوَ الكَفُورُ الَّذِي يَأْكُلُ وَحْدَهُ، وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ، وَيَضْرِبُ عَبْدَهُ» ، وقد يَكُونُ في المؤمِنينَ الكَفُورُ بالنِّعْمَةِ فتقديرُ الآيةِ: إنَّ الإنْسَانَ لِنعمةِ ربِّه لَكَنُودٌ، وأَرْضٌ كَنُودٌ: لاَ تُنْبِتُ شَيْئاً، والكَنُودُ: العَاصِي بلُغَةِ كِنْدَة، ويقال للبخيل: كَنُودٌ، وفي البخاريِّ عن مجاهدٍ: الكنود الكفور، انتهى «١» .

وقوله تعالى: وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ يحتملُ الضميرُ أنْ يعودَ عَلَى اللَّهِ تعالى وقالَهُ قتادة «٢» ، ويحتملُ أَنْ يَعُودَ على الإنسان أَنَّه شَاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ وهذا قول مجاهد وغيره» .

وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ أي: وإنَّ الإنسانَ لحبِّ الخَيْرِ، والمعنى من أجْلِ حبِّ الخَيْرِ، لَشَدِيدٌ أي: بَخِيلٌ بالمَالِ ضَابِطٌ له، والخيرُ هنا المالُ، ويحتملُ أن يُرَادُ هنا الخيرُ الدنيويُّ من مالٍ، وصحةٍ، وجاهٍ عندَ الملوك، ونحوه لأَنَّ الكفارَ والجُهَّال لا يعرفونَ غَيْرَ ذلكَ، وأَمَّا [الحُبُّ في خَيْرِ الآخرة فَمَمْدُوحٌ مَرّجُوٌّ لَه الفوزُ، وقَال الفراء: معنى الآية: أنّ

الإنسانَ لشديدُ الحبِّ لِلْخَيْرِ ولما تَقَدَّمَ] الخيرُ قَبْلَ «شديدٍ» حُذَف مِنْ آخِره لأَنه قَدْ جَرَى ذِكْرهُ ولرؤوسِ الآي، انتهى.

وقوله تعالى: أَفَلا يَعْلَمُ تَوْقِيفٌ، أي: أفلا يعلم مآلَه ومصيرَه فيستعدّ لَهُ.

وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ، أي: مُيِّزَ وأبْرزَ مَا فِيها ليقعَ الجزاءُ عليه، ويفسّر هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم: «يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» وفي قولِه تعالى: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ وَعِيدٌ، - ص-: والعَامِلُ في يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ على تضمينِه مَعْنى: لَمُجازٍ لأنّه تعالى خبير دائما، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ العادِياتِ وَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ.

والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والعادِياتِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، والسُّدِّيُّ.

ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: ﴿ والعادِياتِ ضَبْحًا ﴾ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ، إلى مِنًى.

ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ هَذا في صِفَةِ وقْعَةِ بَدْرٍ.

قالَ: وما كانَ مَعَنا يَوْمَئِذٍ إلّا فَرَسٌ.

وفي بَعْضِ الحَدِيثِ أنَّهُ كانَ مَعَهم فَرَسانِ.

والثّانِي: أنَّها الخَيْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وعَطِيَّةُ، والرَّبِيعُ، واللُّغَوِيُّونَ.

وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا كانَ في سَرِيَّةٍ، فَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  بَعَثَ خَيْلًا، فَلَمْ يَأْتِهِ خَبَرُها شَهْرًا، فَنَزَلَتْ ﴿ والعادِياتِ ضَبْحًا ﴾ ضَبَحَتْ بِمَناخِرِها ﴿ فالمُورِياتِ قَدْحًا ﴾ قَدَحَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَأوْرَتْ نارًا ﴿ فالمُغِيراتِ صُبْحًا ﴾ صَبَّحَتِ القَوْمَ بِغارَةٍ ﴿ فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴾ أثارَتْ بِحَوافِرِها التُّرابَ ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾ قالَ: صَبَّحَتِ الحَيَّ جَمِيعًا.» وقالَ مُقاتِلٌ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  سَرِيَّةً إلى حَيَّيْنِ مِن كِنانَةَ واسْتَعْمَلَ عَلَيْها المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ، فَأبْطَأ عَنْهُ خَبَرُها، فَجَعَلَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ إذا رَأوْا رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  تَناجَوْا، فَيَظُنُّ الرَّجُلُ أنَّهُ قَدْ قُتِلَ أخُوهُ أوْ أبُوهُ، أوْ عَمُّهُ، فَيَجِدُ مِن ذَلِكَ حُزْنًا، فَنَزَلَتْ: ﴿ والعادِياتِ ضَبْحًا ﴾ فَأخْبَرَ اللَّهُ كَيْفَ فَعَلَ بِهِمْ.» قالَ الفَرّاءُ: الضَّبْحُ: أصْواتُ أنْفاسِ الخَيْلِ إذا عَدَوْنَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الضَّبْحُ: صَوْتُ حُلُوقِها إذا عَدَتْ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ضَبَحُها: صَوْتُ أجْوافِها إذا عَدَتْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالمُورِياتِ قَدْحًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

قالَ الزَّجّاجُ: إذا عَدَتِ الخَيْلُ بِاللَّيْلِ، فَأصابَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ، انْقَدَحَتْ مِنها النِّيرانُ.

والثّانِي: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا أُوقِدَتْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: مَكْرُ الرِّجالِ في الحَرْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والرّابِعُ: نِيرانُ الحَجِيجِ بِالمُزْدَلِفَةِ، قالَهُ القُرَظِيُّ.

والخامِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ عَلى الحَقِّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالمُغِيراتِ صُبْحًا ﴾ هي الَّتِي تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ عِنْدَ الصَّباحِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فالمُغِيراتُ صُبْحًا حِينَ يُفِيضُونَ مِن جَمْعٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأثَرْنَ بِهِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ بِالوادِي ولَمْ يَذْكُرْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وهَذا جائِزٌ، لِأنَّ الغُبارَ لا يُثارُ إلّا مِن مَوْضِعٍ.

والنَّقْعُ: الغُبارُ، ويُقالُ: التُّرابُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَأثَّرْنَ بِمَكانِ عَدْوِهِنَّ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ المَكانِ، ولَكِنْ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: تَوَسَّطْنَ جَمْعًا مِنَ العَدْوِ، فَأغارَتْ عَلَيْهِمْ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾ ، يَعْنِي مُزْدَلِفَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.

والإنْسانُ هاهُنا: الكافِرُ.

قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في قُرْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ.

وَفِي " الكَنُودِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

والثّانِي: أنَّهُ الكَفُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: لَوّامٌ لِرَبِّهِ يَعُدُّ المُصِيباتِ، ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأرْضُ الكَنُودُ: الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، [تَقْدِيرُهُ]: وإنَّ اللَّهَ عَلى كُفْرِهِ لَشَهِيدٌ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الإنْسانِ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ كَنُودٌ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ ﴿ لِحُبِّ الخَيْرِ ﴾ يَعْنِي: المالَ ﴿ لَشَدِيدٌ ﴾ .

وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وإنَّهُ مِن أجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ، ومُتَشَدِّدٌ.

قالَ طُرْفَةُ: أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الباخِلِ المُتَشَدِّدِ والثّانِي: وإنَّهُ لِلْخَيْرِ لَشَدِيدُ الحُبِّ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ.

قالَ: فَكَأنَّ الكَلِمَةَ لَمّا تَقَدَّمَ فِيها الحُبُّ، وكانَ مَوْضِعُهُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ " شَدِيدٌ "، حُذِفَ الحُبُّ مِن آخِرِهِ لَمّا جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِهِ، ولِرُؤُوسِ الآيِ.

ومِثْلُهُ ﴿ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ  ﴾ فَلَمّا جَرى ذِكْرُ الرِّيحِ قَبْلَ اليَوْمِ طُرِحَتْ مِن آخِرِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا يَعْلَمُ ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ المَذْكُورَ ﴿ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ ﴾ أيْ: أُثِيرَ وأُخْرِجَ ﴿ وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ ﴾ أيْ: مُيِّزَ واسْتُخْرِجَ.

والتَّحْصِيلُ: تَمْيِيزُ ما يَحْصُلُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُبْرِزَ ما فِيها، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُيِّزَ ما فِيها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: المَعْنى: لَوْ عَلِمَ الإنْسانُ الكافِرُ ما لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ لَزَهِدَ في الكُفْرِ، وبادَرَ إلى الإسْلامِ.

ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾ وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قُرِئَتْ " إنَّ " بِالكَسْرِ لِأجْلِ اللّامِ، ولَوْلاها كانَتْ مَفْتُوحَةً بِوُقُوعِ العِلْمِ عَلَيْها.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ اللَّهُ خَبِيرًا بِهِمْ في كُلِّ حالٍ، فَلِمَ خَصَّ ذَلِكَ اليَوْمَ؟

فالجَوابُ أنَّ المَعْنى: أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ومِثْلُهُ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ  ﴾ ، مَعْناهُ: يُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، ومِثْلُهُ: ﴿ يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ  ﴾ .

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ العادِيّاتِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ: هي مَدَنِيَّةٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والعادِياتِ ضَبْحًا ﴾ ﴿ فالمُورِياتِ قَدْحًا ﴾ ﴿ فالمُغِيراتِ صُبْحًا ﴾ ﴿ فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴾ ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾ ﴿ إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ ﴿ أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ ﴾ ﴿ وَحُصِّلَ ما في الصُدُورِ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالعادِياتِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: أرادَ الخَيْلَ لِأنَّها تَعْدُو بِالفُرْسانِ وتَضْبَحُ بِأصْواتِها، قالَ بَعْضُهُمْ: وسَبَبُها «أنَّ رَسُولَ اللهِ  بَعَثَ خَيْلًا إلى بَنِي كِنانَةَ سَرِيَّةً فَأبْطَأ أمْرُها عَلَيْهِ حَتّى أرْجَفَ بَعْضُ المُنافِقِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» مُعْلِمَةُ أنَّ خَيْلَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ فَعَلَتْ جَمِيعَ ما في الآياتِ.

وقالَ آخَرُونَ: القَسَمُ هو بِالخَيْلِ جُمْلَةٌ لِأنَّها تَعْدُو ضابِحَةً قَدِيمًا وحَدِيثًا، وهي حاصِرَةُ البِلادِ وهادِمَةُ المَمالِكِ وفي نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ في هَذِهِ الآيَةِ الإبِلُ لِأنَّها تَضْبَحُ في عَدْوِها، وقالَ عَلَيٌّ: والقَسَمُ بِالإبِلِ العادِياتِ مِن عَرَفَةَ ومِن مُزْدَلِفَةَ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِإبِلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الغَزْوَةِ غَيْرُ فَرَسَيْنِ، فَرَسُ المِقْدادِ وفَرَسُ الزُبَيْرِ.

و"الضِبْحُ" تَصْوِيتُ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَيْسَ يُضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرُ الخَيْلِ والكِلابِ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وَذَلِكَ أنَّ الإبِلَ تُضْبَحُ، والأُسُودُ مِنَ الحَيّاتِ، والبُومُ والصَدى والأرْنَبُ والثَعْلَبُ والفَرَسُ، هَذِهِ كُلُّها قَدِ اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَبْحَ، وأنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: حَنّانَة مَن نَشَمٍ أو تَأْلَبِ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحَ الثَعْلَبِ والظاهِرُ في الآيَةِ أنَّ القَسَمَ بِالخَيْلِ أو بِالإبِلِ أو بِهِما.

قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُورِياتِ قَدْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ، وذَلِكَ أنَّها في عَدْوِها تَرْجُمُ الحَصى بِالحَصى فَتَتَطايَرُ مِنهُ النارُ، فَذَلِكَ القَدَحُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الخَيْلُ، وذَلِكَ بِحَوافِرِها في الحِجارَةِ، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المُوِرِياتُ قَدْحًا هي الألْسُنُ، فَهَذا عَلى الِاسْتِعارَةِ، أيْ أنَّها بِبَيانِها تَقْدَحُ الحُجَجَ وتُظْهِرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المُورِياتُ قَدْحًا يُرادُ بِهِ مَكْرُ الرِجالِ، وقالَ قَتادَةُ: المُورِياتُ الخَيْلُ تُشْعِلُ الحَرْبَ، فَهي أيْضًا عَلى الِاسْتِعارَةِ البَيِّنَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الكَلامُ عامٌّ يَدْخُلُ في القَسَمِ كُلُّ مَن يَظْهَرُ بِقَدْحِهِ نارًا، وذَلِكَ شائِعٌ في الأُمَمِ طُولَ الدَهْرِ، وهو نَفْعٌ عَظِيمٌ مِنَ اللهِ تَعالى وقَدْ وقَفَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ  ﴾ ، ومَعْناهُ: تَظْهَرُونَ بِالقَدَحِ، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: فَقَدَحْنا زِنادَنا ووَرَيْنا فَوْقَ جُرْثُومَةٍ مِنَ الأرْضِ نارًا قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُغِيراتِ صُبْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنى، أو في بَدْرٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أغارُ" إذا عَدا حَرْبًا، ونَحْوَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: هي الخَيْلُ، واللَفْظَةُ مِنَ الغارَةِ في سَبِيلِ اللهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سَيْرِ الأُمَمِ، وعُرْفُ الغاراتِ أنَّها مَعَ الصَباحِ لِأنَّها تَسْرِي لَيْلَةَ الغارَةِ.

و"النَقْعُ": الغُبارُ الساطِعُ المُثارُ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَأثَّرْنَ" بِشَدِّ الثاءِ، والضَمِيرُ في "بِهِ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلصُّبْحِ المَذْكُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمَكانِ والمَوْضِعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى وإنْ كانَ لَمْ يَجِرْ لَهُ ذِكْرٌ، ولِهَذا أمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، ومَشْهُورَةٌ "إثارَةُ النَقْعِ" هو لِلْخَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: يُخْرِجْنَ مِن فُرُجاتِ النَقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْرافُ أقْلامِ وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو هُنا لِلْإبِلِ تُثِيرُ النَقْعَ بِأخْفافِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾ ، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبى طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي الإبِلُ، و"جَمْعٌ" هي المُزْدَلِفَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: هي الخَيْلُ، والمُرادُ جَمْعٌ مِنَ الناسِ هُمُ المَغْزُوُّونَ، وقَرَأ عَلَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: "فَوَسَّطْنَ" بِشَدِّ السِينِ، وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ: فَوَسَّطْنَ جَمْعُهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ وَذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ تَفْسِيرَ هَذِهِ الألْفاظِ ويَقُولُ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ والأُمَّةِ مُفَسِّرُونَ لَها كَما ذَكَرْنا.

والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ ، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ  أنَّهُ قالَ: « "أتُدْرُونَ ما الكَنُودُ"؟

قالُوا: لا يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "الكَنُودُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رَفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ"،» وقَدْ يَكُونُ في المُؤْمِنِينَ الكَفُورُ بِالنِعْمَةِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: إنَّ الإنْسانَ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ لِكَنُودٌ، و"أرْضٌ كَنُودٌ": لا تُنْبِتُ شَيْئًا، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الكَنُودُ: اللائِمُ لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ، الَّذِي يَعُدُّ السَيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ، والكَنُودُ: العاصِي بِلُغَةِ كِنْدَةَ، ويُقالُ لِلْخَيْلِ: كَنُودٌ، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ: إنْ تَفْتِنِي فَلَمْ أطِبْ عنكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أمْنى بِدَهْرٍ كَنُودٍ وقالَ الفُضَيْلُ: الكَنُودُ هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةٍ، ويُعامِلُ اللهُ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ يَحْتَمِلُ الضَمِيرُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، وقالَهُ قَتادَةُ، أيْ: ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، ونَفْسُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي الشَهادَةَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الإنْسانِ أيْ: أفْعالُهُ وأقْوالُهُ وحالُهُ المَعْلُومَةُ مِن هَذِهِ الأخْلاقِ تَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَهو شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ ، عائِدٌ عَلى الإنْسانِ لا غَيْرُ والمَعْنى: مِن أجْلِ حُبِّ الخَيْرِ لِشَدِيدٌ، أيْ: بَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفُّ ∗∗∗ عَقَيْلَةَ مالَ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ و"الخَيْرُ" المالُ عَلى عُرْفِ ذَلِكَ في كِتابِ اللهِ تَعالى، قالَ عِكْرِمَةُ: الخَيْرُ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ فَهو المالُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ هُنا الخَيْرَ الدُنْيَوِيَّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَلا يَعْلَمُ" تَوْقِيفٌ عَلى المَآلِ والمَصِيرِ، أيْ: أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ومَصِيرَهُ فَيَسْتَعِدُّ لَهُ؟

و"بَعْثَرَةُ ما في القُبُورِ"، نَقْضُهُ مِمّا يَسْتُرُهُ والبَحْثُ عنهُ، وهى عِبارَةٌ عَنِ البَعْثِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بَحْثُ ما في القُبُورِ"، وفي حِرْفِ أُبَيٍّ "وَبَحْثَرَتِ القُبُورُ".

و"تَحْصِيلُ ما في الصُدُورِ": تَمْيِيزُهُ وكَشْفُهُ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ ونِيَّةٍ، ويُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَيُبْعَثُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ"،» وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِفَتْحِ الحاءِ والصادِ.

ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الخَبَرُ الصادِقُ الجَزْمُ بِأنَّ اللهَ تَعالى خَبِيرٌ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا، لَكِنْ خَصَّصَ يَوْمَئِذٍ لِأنَّهُ يَوْمُ المُجازاةِ، فَإلَيْهِ طَمَحَتِ النُفُوسُ، وفى هَذا وعِيدٌ مُصَرَّحٌ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ "العادِيّات" والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

فُرع على الإِخبار بكنود الإِنسان وشحه استفهام إنكاري عن عدم علم الإِنسان بوقت بعثرة ما في القبور وتحصيل ما في الصدور فإنه أمر عجيب كيف يغفل عنه الإِنسان.

وهمزة الاستفهام قدمت على فاء التفريع لأن الاستفهام صدر الكلام.

وانتصب ﴿ إذا ﴾ على الظرفية لمفعول ﴿ يعلم ﴾ المحذوف اقتصاراً، لِيَذْهَبَ السامع في تقديره كلَّ مذهب ممكن قصداً للتهويل.

والمعنى: ألا يعلم العذابَ جزاءً له على ما في كنوده وبخله من جناية متفاوتة المقدار إلى حد إيجاب الخلود في النار.

وحُذف مفعولا ﴿ يعلم ﴾ ولا دليل في اللفظ على تعيين تقديرهما فيوكل إلى السامع تقدير ما يقتضيه المقام من الوعيد والتهويل ويسمى هذا الحذف عند النحاة الحذف الاقتصاري، وحذف كلا المفعولين اقتصاراً جائز عند جمهور النحاة وهو التحقيق وإن كان سيبويه يمنعه.

و ﴿ بُعثِر ﴾ : معناه قُلب من سفل إلى علوّ، والمراد به إحياء ما في القبور من الأموات الكاملة الأجساد أو أجزائها، وتقدم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ وإذا القبور بعثرت ﴾ في سورة الانفطار (4).

و ﴿ حُصِّل ﴾ : جُمع وأُحصي.

و ﴿ ما في الصدور ﴾ : هو ما في النفوس من ضمائر وأخلاق، أي جُمع عَدُّه والحسابُ عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ العادِياتِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وجابِرٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وقَتادَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والعادِياتِ ضَبْحًا ﴾ في العادِياتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ في الجِهادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسٌ والحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وطَعْنَةٍ ذاتِ رَشاشٍ واهِيَهْ طَعَنْتُها عِنْدَ صُدُورِ العادِيَهْ يَعْنِي الخَيْلَ.

الثّانِي: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وابْنُ مَسْعُودٍ ومِنهُ قَوْلُ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا صَدَعَ الغُبارُ يَعْنِي الإبِلَ، وسُمِّيَتِ العادِياتِ لِاشْتِقاقِها مِنَ العَدْوِ، وهو تُباعُدُ الرِّجْلِ في سُرْعَةِ المَشْيِ; وفي قَوْلِهِ ﴿ ضَبْحًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الضَّبْحَ حَمْحَمَةُ الخَيْلِ عِنْدَ العَدْوِ، قالَهُ مَن زَعَمَ أنَّ العادِياتِ الخَيْلُ.

الثّانِي: أنَّهُ شِدَّةُ النَّفْسِ عِنْدَ سُرْعَةِ السَّيْرِ، قالَهُ مَن زُعِمَ أنَّها الإبِلُ، وقِيلَ إنَّهُ لا يَضْبَحُ بِالحَمْحَمَةِ في عَدْوِهِ إلّا الفَرَسُ والكَلْبُ، وأمّا الإبِلُ فَضَبْحُها بِالنَّفَسِ; وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَبْحُها: قَوْلُ سائِقِها أجَّ أجَّ; وهَذا قَسَمٌ، ﴿ فالمُورِياتِ قَدْحًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ مِن شِدَّةِ الوَقْعِ، قالَهُ عَطاءٌ.

الثّانِي: أنَّها نِيرانُ الحَجِيجِ بِمُزْدَلِفَةَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

الثّالِثُ: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا اشْتَعَلَتْ فَكَثَّرَتْ نِيرانَها إرْهابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّها تَهَيُّجُ الحَرْبِ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الخامِسُ: أنَّهُ مَكْرُ الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ; يَعْنِي في الحُرُوبِ.

السّادِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ وأُوضَحَ بِها الحَقُّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وهو قَسَمٌ ثانٍ.

﴿ فالمُغِيراتِ صُبْحًا ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ صُبْحًا، أيْ عَلانِيَةً، تَشْبِيهًا بِظُهُورِ الصُّبْحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها الإبِلُ حِينَ تَعْدُو صُبْحًا مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

﴿ فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَأثَرْنَ بِهِ غُبارًا، والنَّقْعُ الغُبارُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفِي كَداءِ الثّانِي: النَّقْعُ ما بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ بَطْنُ الوادِي، فَلَعَلَّهُ يَرْجِعُ إلى الغُبارِ المُثارِ مِن هَذا المَوْضِعِ.

﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: جَمْعُ العَدُوِّ حَتّى يَلْتَقِيَ الزَّحْفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّها مُزْدَلِفَةُ تُسَمّى جَمْعًا لِاجْتِماعِ الحاجِّ لَها وإثارَةِ النَّقْعِ في الدَّفْعِ إلى مِنًى، قالَهُ مَكْحُولٌ.

﴿ إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَكَفُورٌ قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى أحْدِثْ لَها تَحْدُثْ لِوَصْلِكَ إنَّها ∗∗∗ كُنُدٌ لِوَصْلِ الزّائِرِ المُعْتادِ وَقِيلَ: إنَّ الكَنُودَ هو الَّذِي يَكْفُرُ اليَسِيرَ ولا يَشْكُرُ الكَثِيرَ.

الثّانِي: أنَّهُ اللَّوّامُ لِرَبِّهِ، يَذْكُرُ المَصائِبَ ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو قَرِيبٌ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ.

الثّالِثُ: أنَّ الكَنُودَ الجاحِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ إنَّما سُمِّيَتْ كِنْدَةَ لِأنَّها جَحَدَتْ أباها، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ زُهَيْرٍ الشّاعِرُ دَعِ البُخَلاءَ إنْ شَمَخُوا وصَدُّوا ∗∗∗ وذِكْرى بُخْلِ غانِيَةٍ كَنُودِ الرّابِعُ: أنَّ الكَنُودَ العاصِي بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ، وذَكَرَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الخامِسُ: أنَّهُ البَخِيلُ بِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَنُودُ بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ: البَخِيلُ.

السّادِسُ: أنَّهُ يُنْفِقُ نِعَمَ اللَّهِ في مَعاصِي اللَّهِ.

السّابِعُ: ما رَواهُ القاسِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «الكَنُودُ الَّذِي يَضْرِبُ عَبْدَهُ ويَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ»، وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ بِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ السُّورَةِ.

﴿ وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُفْرِ الإنْسانِ لَشَهِيدٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ كَنُودٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ يَعْنِي الإنْسانَ، وفي الخَيْرِ ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: المالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

الثّانِي: الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الخَيْرَ ها هُنا الِاخْتِيارُ، ويَكُونُ مَعْناهُ: وإنَّهُ لِحُبِّ اخْتِيارِهِ لِنَفْسِهِ لَشَدِيدٌ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ لَشَدِيدٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، وشِدَّةُ الحُبِّ قُوَّتُهُ وتَزايُدُهُ.

الثّانِي: لَشَحِيحٌ بِالمالِ يَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مِنهُ، قالَهُ الحَسَنُ، مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ شَدِيدٌ أيْ شَحِيحٌ.

﴿ أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَن فِيها مِنَ الأمْواتِ.

الثّانِي: مَعْناهُ ماتَ.

الثّالِثُ: بُحِثَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (بُحْثِرَ ما في القُبُورِ( .

﴿ وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُيِّزَ ما فِيها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: اسْتُخْرِجَ ما فِيها.

الثّالِثُ: كُشِفَ ما فِيها.

﴿ إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾ أيْ عالِمٌ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَخَبِيرٌ بِما في نُفُوسِهِمْ.

الثّانِي: لَخَبِيرٌ، بِما تَؤُولُ إلَيْهِ أُمُورُهم.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت والعاديات بمكة.

وأخرج أبو عبيد في فضائله عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ إذا زلزلت ﴾ [ الزلزلة: 1] تعدل بنصف القرآن ﴿ والعاديات ﴾ تعدل بنصف القرآن» .

وأخرج محمد بن نصر من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ إذا زلزلت ﴾ تعدل نصف القرآن ﴿ والعاديات ﴾ تعدل نصف القرآن و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ [ الاخلاص] تعدل ثلث القرآن و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ [ سورة الكافرون: 1] تعدل ربع القرآن» .

وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني في الافراد وابن مردويه عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلاً فاستمرت شهراً لا يأتيه منها خبر فنزلت ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ ضبحت بأرجلها ولفظ ابن مردويه ضبحت بمناخيرها ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قدحت بحوافرها الحجارة فأورت ناراً ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ صبحت القوم بغارة ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ أثارت بحوافرها التراب ﴿ فوسطن به جمعاً ﴾ صبحت القوم جميعاً.

وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى العدو فأبطأ خبرها، فشق ذلك عليه، فأخبره الله خبرهم، وما كان من أمرهم فقال: ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: هي الخيل، والضبح: نخير الخيل حتى تنخر ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قال: حين تجري الخيل توري ناراً أصابت بسنابكها الحجارة ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ قال: هي الخيل أغارت فصبحت العدو ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ قال: هي الخيل أثرن بحوافرها يقول تعدو الخيل، والنقع الغبار ﴿ فوسطن به جمعاً ﴾ قال: الجمع العدوّ» .

وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح قال: تقاولت أنا وعكرمة في شأن العاديات فقال: قال ابن عباس هي الخيل في القتال، وضبحها حين ترخي مشافرها إذا أعدت ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قال: أرت المشركين مكرهم ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ قال: إذا صبحت العدو ﴿ فوسطن به جمعاً ﴾ قال: إذا توسطت العدو.

قال أبو صالح: فقلت: قال عليّ: هي الإِبل في الحج، ومولاي كان أعلم من مولاك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس قال: بينما أنا في الحجر جالس إذ أتاني رجل فسأل عن العاديات ضبحاً فقلت: الخيل حين تغير في سبيل الله ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم ويورون نارهم، فانفتل عني فذهب عني إلى علي بن أبي طالب وهو جالس تحت سقاية زمزم، فسأله عن العاديات ضبحاً.

فقال: سألت عنها أحداً قبل؟

قال نعم.

سألت عنها ابن عباس.

فقال: هي الخيل حين تغير في سبيل الله.

فقال: اذهب فادعه لي.

فلا وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك والله إن أول غزوة في الإِسلام لبدر، وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود، فكيف يكون العاديات ضبحاً إنما العاديات ضبحاً من عرفة إلى المزدلفة، فإذا أدوا إلى المزدلفة أوروا إلى النيران ﴿ والمغيرات صبحاً ﴾ من المزدلفة إلى منى فذلك جمع وأما قوله: ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ فهو نقع الأرض حين تطؤه بخفافها وحوافرها.

قال ابن عباس فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال عليّ.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق الأعمش عن إبراهيم عن عبد الله ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: الإِبل قال إبراهيم: وقال علي بن أبي طالب: هي الإِبل.

وقال ابن عباس: هي الخيل فبلغ علياً قول ابن عباس فقال: ما كانت لنا خيل يوم بدر.

قال ابن عباس: إنما كان ذلك في سرية بعثت.

وأخرج عبد بن حميد عن عامر قال: تمارى عليّ وابن عباس في العاديات ضبحاً فقال ابن عباس: هي الخيل، وقال عليّ: كذبت يا ابن فلانة، والله ما كان معنا يوم بدر فارس إلا المقداد، وكان على فرس أبلق.

قال: وكان عليّ يقول: هي الإِبل.

فقال ابن عباس: ألا ترى أنها تثير نقعاً فما شيء تثيره إلا بحوافرها.

وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: الخيل ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قال: الرجل إذا أورى زنده ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ قال: الخيل تصبح العدوّ ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ قال: التراب ﴿ فوسطن به جمعاً ﴾ قال: العدو ﴿ إن الإِنسان لربه لكنود ﴾ قال: لكفور.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: قال ابن عباس في القتال، وقال ابن مسعود: في الحج.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: ليس بشيء من الدواب يضبح إلا كلب أو فرس ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قال: هو مكر الرجل قدح فأورى ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ قال: غارت الخيل صبحاً ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ قال: غبار وقع سنابك الخيل ﴿ فوسطن به جمعاً ﴾ قال: جمع العدو.

قال عمرو: وكان عبيد بن عمير يقول: هي الإِبل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: الخيل ضبحها زجرها ألم تر أن الفرس إذا عدا قال: أح أح فذاك ضبحها.

وأخرج ابن جرير عن علي قال: الضبح من الخيل الحمحمة ومن الإِبل النفس.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: هي الخيل تعدو حتى تضبح ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قال: قدحت النار بحوافرها ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ غارت حين أصبحت ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ قال: غبار ﴿ فوسطن به جمعاً ﴾ قال: جمع القوم ﴿ إن الإِنسان لربه لكنود ﴾ قال: لكفور.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: الخيل ألم تر إلى الفرس إذا أحري كيف يضبح، وما ضبح بعير قط ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قال: المكر تقول العرب إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه: أما والله لأقدحن لك، ثم لأورين ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ قال: الخيل ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ قال: التراب مع وقع الخيل ﴿ فوسطن به جمعاً ﴾ قال: جمع العدو ﴿ إن الإِنسان لربه لكنود ﴾ قال: لكفور.

وأخرج عبد بن حميد عن عطية ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: الخيل ألم ترها إذا عدت تزحر يقول تنحر ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قال: الكر ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ قال: الخيل ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ قال: الغبار ﴿ فوسطن به جمعاً ﴾ قال: جمع المشركين ﴿ إن الإِنسان لربه لكنود ﴾ قال: لكفور.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قال: كان مكر المشركين إذا مكروا قدحوا النار حتى يروا أنهم كثير.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ قال: النقع ما يسطع من حوافر الخيل.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت حسان بن ثابت وهو يقول: عدمنا خيلنا إن لم تروها ** تثير النقع موعدها كداء قال: فأخبرني عن قوله: ﴿ إن الإِنسان لربه لكنود ﴾ قال: الكنود الكفور للنعمة وهو الذي يأكل وحده ويمنع رفده ويجيع عبده.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: شكرت له يوم العكاظ نواله ** ولم أك للمعروف ثم كنودا وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: هي الإِبل في الحج ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ إذا استفت الحصى بمناسمها تضرب الحصى بعضه بعضاً فيخرج منه النار ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ حين يفيضون من جمع ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ قال: إذا صرن يثرن التراب.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: الإِبل ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قال: الخيل ﴿ فوسطن به جمعاً ﴾ قال: القوم ﴿ إن الإِنسان لربه لكنود ﴾ قال: لكفور.

وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب القرظي ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: الدفعة من عرفة ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قال: النيران تجمع ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ قال: الدفعة من جمع ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ قال: بطن الوادي ﴿ فوسطن به جمعاً ﴾ قال: جمع منى.

وأخرج عبد بن حميد وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: الكنود بلساننا أهل البلد الكفور.

وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إن الإِنسان لربه لكنود ﴾ قال: لكفور.

وأخرج عبد بن حميد والبخاري في الأدب والحكيم الترمذي وابن مردويه عن أبي أمامة قال: الكنود الذي يمنع رفده وينزل وحده ويضرب عبده.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر بسند ضعيف عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما الكنود؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: هو الكفور الذي يضرب عبده ويمنع رفده ويأكل وحده» .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن قتادة والحسن في قوله: ﴿ إن الإِنسان لربه لكنود ﴾ قال: الكفور للنعمة، البخيل بما أعطى، والذي يمنع رفده ويجيع عبده ويأكل وحده، ولا يعطي النائبة تكون في قومه، ولا يكون كنوداً حتى تكون هذه الخصال فيه.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن ﴿ إن الإِنسان لربه لكنود ﴾ قال: لكفور يعدد المصيبات وينسى نعم ربه عز وجل.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وإنه على ذلك لشهيد ﴾ قال: الإِنسان ﴿ وإنه لحب الخير ﴾ قال: المال.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وإنه على ذلك لشهيد ﴾ قال: الله عز وجل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وإنه على ذلك لشهيد ﴾ قال: هذه من مقاديم الكلام يقول وإن الله على ذلك لشهيد، وإن الإِنسان لحب الخير لشديد.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وإنه لحب الخير ﴾ قال: هو المال.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب ﴿ وإنه على ذلك لشهيد ﴾ قال: الإِنسان شاهد على نفسه ﴿ أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور ﴾ قال: حين يبعثون ﴿ وحصل ما في الصدور ﴾ قال: أخرج ما في الصدور.

وأخرج ابن عساكر من طريق البختري بن عبيد عن أبيه عن أبي هريرة قال: «قال رجل يا رسول الله: ما العاديات ضبحاً؟

فأعرض عنه ثم رجع إليه من الغد فقال: ما الموريات قدحاً؟

فأعرض عنه، ثم رجع إليه الثالثة فقال: ما المغيرات صبحاً؟

فرفع العمامة والقلنسوة عن رأسه بمخصرته فوجده مقرعاً رأسه فقال: لو وجدتك حالقاً رأسك لوضعت الذي فيه عيناك ففزع الملأ من قوله، فقالوا يا نبي الله ولم؟

قال: إنه سيكون أناس من أمتي يضربون القرآن بعضه ببعض ليبطلوه ويتبعون ما تشابه ويزعمون أن لهم في أمر ربهم سبيلاً، ولكل دين مجوس، وهم مجوس أمتي وكلاب النار» فكأنه يقول: هم القدرية.

قال الذهبي في الميزان: البختري ضعفه أبو حاتم وأعله غيره وقال أبو نعيم: روي عن أبيه موضوعات.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ﴾ قال أبو عبيدة: (مُيَّز (١) (٢) قال الليث (٣) (٤) وكل امرئٍ يِوْمًا سيعلم سَعْيه ...

إذا حصلَتْ عندَ الإلَهِ الحصائِلُ (٥) (٦) (٧) قال ابن عباس (٨) (٩) وقال الكلبي: بين (١٠) (١) ساقط من (أ).

(٢) "مجاز القرآن" 2/ 308.

(٣) ساقط من (أ).

(٤) ساقط من (أ).

(٥) غير مقروءة في: (ع).

(٦) ورد في "ديوانه" ص 132 برواية: (كشفت) بدلاً من (حصلت)، و (المحاصل) بدلاً من (الحصائل)، والحصائل هي الحسنات والسيآت معاً.

كما ورد في: "تهذيب اللغة" 4/ 241 (حصل)، و"التفسير الكبير" 32/ 68.

(٧) ما بين القوسين نقله عن "تهذيب اللغة" 4/ 241 (حصل) بتصرف.

(٨) ورد معنى قوله في: "جامع البيان" 30/ 280، و"زاد المسير" 8/ 297، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 580، وروايته: أبرز ما فيها، وقال أيضًا: أبرز وأظهر.

(٩) "تفسير مقاتل" 248 ب.

(١٠) ورد معنى قوله في: "النكت والعيون" 6/ 326 وعبارته: ميز ما فيها.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ هذا جواب القسم والكنود الكفور للنعمة فالتقدير: إن الإنسان لنعمة ربه لكفور، والإنسان جنس، وقيل: الكنود العاصي، وقال بعض الصوفية: الكنود هو الذي يعبد الله على عوض ﴿ وَإِنَّهُ على ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ الضمير للإنسان أي هو شاهد على نفسه بكنوده، وقيل: هو الله تعالى على معنى التهديد: والأول أرجح لأن الضمير الذي بعده الإنسان بإتفاق، فيجري الكلام على نسق واحد ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخير لَشَدِيدٌ ﴾ الخبر هنا المال، كقوله: ﴿ إِن تَرَكَ خَيْراً ﴾ [البقرة: 180] والمعنى أن الإنسان شديد الحب للمال، فهو ذم لحبه والحرص عليه، وقيل: الشديد: البخيل، والمعنى على هذا أنه بخيل من أجل حب المال، والأول أظهر، ﴿ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القبور ﴾ اي بحث عند ذلك عبارة عن البعث ﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي الصدور ﴾ أي جمع ما في الصحف وأظهر محصلاً أو ميز خيره من شره ﴿ إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ ﴾ الضمير في ربهم وبهم يعود على الإنسان، لأنه يراد به الجنس وفي هذه الجملة وجهان: أحدهما أن هذه الجملة معمول ﴿ أفلا يعلم ﴾ فكان الأصل أن تفتح إن، ولكنها كسرت من أجل اللام التي في خبرها، الثاني: أن تكون هذه الجملة مستأنفة ويكون معمول ﴿ أفلا يعلم ﴾ محذوفاً ويكون الفاعل ضميراً يعود على الإنسان والتقدير: أفلا يعلم الإنسان حاله وما يكون منه إذا بعثر ما في القبور؟

وهذا هو الذي قاله ابن عطية: ويحتمل عندي أن يكون فاعل ﴿ أفلا يعلم ﴾ ضميراً يعود على الله، والمفعول محذوف والتقدير: أفلا يعلم الله أعمال الإنسان إذا بعثر ما في القبور، ثم استأنف قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ ﴾ على وجه التأكيد، أو البيان للمعنى المتقدم، والعامل في إذا بعثر على هذا الوجه هو: أفلا يعلم، والعمل فيه على مقتضى قول ابن عطية هو المعفول المحذوف، وإذا هنا ظرفية بمعنى حين ووقت وليست بشرطية، والعامل في يومئذ خبير، وإنما حض ذلك بيوم القيامة لأنه يوم الجزاء بقصد التهديد، مع أن الله خبير على الإطلاق.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ بالإدغام: أبو عمر وغير عباس ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ أبو عمرو غير عباس وخلاد عن حمزة.

الوقوف: ﴿ ضبحا ﴾ ه لا ﴿ قدحا ﴾ ه لا ﴿ صبحا ﴾ ه لا ﴿ نقعاً ﴾ ه لا ﴿ جمعاً ﴾ ه لا ﴿ لكنود ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح عطفاً واستئنافاً ﴿ لشهيد ﴾ ه لذلك ﴿ لشديد ﴾ ه ط ﴿ القبور ﴾ لا ﴿ الصدور ﴾ ه لا ﴿ لخبير ﴾ ه.

التفسير: إنه  ذكر في هذه السورة رداءة ما عليه جبلة الإنسان من قلة الشكر والصبر والحرص على المال بحيث يكاد يشغله عن تحصيل الكمال الحقيقي، وعن المعاد الذي إليه مآل حال العباد، فأقسم على ذلك بالأمور والتي هي مركوزة في خزانة خيالهم ولا تكاد تخلو في الأغلب عن الخطور ببالهم.

وفي تفسيرها قولان مرويان: الأول أن العاديات هي الإبل.

يروى عن ابن عباس أنه قال: بينا أنا جالس في الحجر إذ جاء رجل فسألني عن ﴿ العاديات ضبحاً ﴾ ففسرتها بالخيل فذهب إلى علي  وهو بجنب سقاية زمزم فسأله وذكر له ما قلت فقال: ادعه لي فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك به والله إن كانت لأول غزوة في الإسلام يعني بدراً وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد.

﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ الإبل تعدو من عرفة إلى مزدلفة ومن المزدلفة إلى منى، والضبح على هذا مستعار لأن أصل استعماله في الخيل وهو صوت أنفاسها إذا عدون وهذا الصوت غير الصهيل وغير الحمحمة، وانتصابه على " يضبحن ضبحاً " أو بالعاديات لأن العدو لا يخلو عن الضبح، أو على الحال.

وهكذا القول في ﴿ الموريات قدحاً ﴾ لأن الإبل قلما توري أخفافها.

يقال: قدح فاورى وقدح فأصلد ﴿ فالمغيرات ﴾ أي المسرعات يندفعون صبيحة يوم النحر مسرعين إلى منى ﴿ فأثرن ﴾ من الإثارة أي هيجن وهو حكاية الماضي أو هو نحو ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ ﴿ به ﴾ أو بالعدو أو بذلك الوقت ﴿ نقعاً ﴾ غباراً ﴿ فوسطن ﴾ أي توسطن ﴿ به ﴾ بذلك الوقت أو بالعدو أو متلبسة بالنقع ﴿ جمعاً ﴾ وهو المزدلفة لاجتماع الحاج بها.

القول الثاني عن مجاهد وقتادة والضحاك وأكثر المحققين أن العاديات الخيل، ويروى ذلك مرفوعاً.قال الكلبي: بعث رسول الله  سرية إلى ناس من كنانة فمكثت ما شاء الله أن تمكث لا يأتيه منهم خبر، فتخوف عليها فنزل جبرائيل بخبر مسيرها.

وعلى هذا فاللام في ﴿ العاديات ﴾ للعهد.

ويحتمل أن يكون للجنس ويدخل خيل السرية فيها دخولاً أولياً.

وقوله ﴿ فالمغيرات ﴾ على هذا يكون من أغار على العدو إذا شن عليهم الغارة والجمع جماعة الغزاة أو الكفرة.

وقيل: الإيراء عبارة عن شبيب نيران الحرب وإيقادها كقوله ﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله  ﴾ وقيل: هي نيران الغزاة بالليل لحاجة طعامهم أو غيره.

وعن عكرمة: هي الأسنة.

وقيل: هي المنجحات في الأمور فيحتمل أن تكون الخيل أو الإبل لأنه وجد بها المقصود من الغزو والحج.

ويحتمل أن يراد جماعة الغزاة أنفسهم.

يقال للمنجح يف حاجته ورى زنده.

وفي إقسام الله  بالإبل دلالة على عظم شأنهن وكثرة منافعهن ديناً ودنيا كما قال ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت  ﴾ ﴿ وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون  ﴾ كذا في الإقسام في بالخيل وذلك مشاهد من عدوها وكرها وفرها بحسب مشيئة الراكب ولأمر ما قال  " الخيل معقود بنواصيها الخير" وقالت العقلاء: ظهرها حرز وبطنها كنز.

قال الواحدي: أصل الكنود منع الحق والخير بهذا فسر ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة الكنود قالوا: ومنه سمي الرجل المشهور بكندة لأنه كند أباه ففارقه.

وعن الكلبي: الكنود بلسان كندة العاصي، وبلسان بني مالك البخيل، وبلسان مضر وربيعة الكفور، وروى أبو أمامة عن النبي  " أن الكنود الكفور الذي يمنع رفده، ويأكل وحده، ويضرب عبده " وفي تقديم الظرف مزيد تقريع يعني أنه لنعمة ربه خصوصاً لشديد الكفران فكيف نعمة غيره مثل الأبوين ونحوهما؟

وقال الحسن: الكنود اللوام لربه بعد المحن والمصائب وينسى النعم والراحات، والأكثرون على أن الإنسان هو الكافر لقوله بعد ذلك ﴿ أفلا يعلم ﴾ ويحتمل أن يراد أن جسن الإنس مفطور على ذلك إلا من عصمه الله بلطه وتوفيقه ﴿ أفلا يعلم ﴾ يجوز أن يكون توبيخاً على أنه لا يعمل بعلمه.

والضمير في قوله ﴿ وإنه على ذلك ﴾ أما أن يعود إلى الرب وهو أقرب فيكون كالوعيد من حيث إن الله يحصى عليه أعماله، وإما أن يعود إلى الإنسان أي أنه على كنوده ﴿ لشهيد ﴾ لا يقدر أن يجحده لظهور أماراتها عليه، وقد يرجح هذا الوجه بأن الضمير في قوله ﴿ وإنه لحب الخير ﴾ للإنسان فناسب أن يكون الأول له أيضاً لئلا ينخرم النسق.

والخير المال كقوله ﴿ إن ترك خيراً  ﴾ والشديد البخيل الممسك يريد إنه لأجل حب المال لبخيل وقيل: الشديد القوي أي إنه لأجل إيثار الدنيا وطلب ما فيها مطيق قوي، ولأجل عبادة ربه عاجز ضعيف.

أو إنه لحب الخيرات الحقيقية غير ميسر منبسط ولكنه شديد منقبض.

وقال الفراء: إنه لحب الخير لشديد الحب أي أنه يحب المال ويحب كونه محباً له فاكتفى بالحب الأول من الثاني.

وقال قطرب: اللام بمنزلة قولك " إنه لزيد ضروب ".

والتقدير إنه شديد حب الخير.

ثم وبخه وخوفه بالعلم التام الأزلي الأبدي الشامل لأحوال مبدأ الإنسان ومعاده ﴿ وبعثر ﴾ مثل بحثر كما مر في "انفطرت " وإنما لم يقل من في القبور بل قال ﴿ ما في القبور ﴾ بحكم التغليب فإن أكثر ما في الأرض ليسوا مكلفين، والذين هم مكلفون يجوز أن يكونوا حال البعثرة أمواتاً غير عقلاء ويصيروا أحياء بعد البعثرة، قال أبو عبيدة ﴿ وحصل ما في الصدور ﴾ أي ميز ما فيها فلكل واحد من الواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحظور حكم خاص.

وقيل: معناه جمع ما في الصدور في الصحف أي أظهر محصلاً مجموعاً.

وقيل: يكشف ما في البواطن من الأخبار وما في الأستار من الأسرار ويندرج فيه أعمال الجوارح تبعاً.

وإنما لم يقل ما في القلوب لأن القلب مطية الروح وهو بالطبع محب لمعرفة اله  إنما المنازع في هذا الباب هو النفس ومحلها ما يقرب من الصدر، وإنما جمع الضمير في قوله ﴿ إن ربهم بهم ﴾ حملاً على معنى الإنسان.

ومعنى تقييد العلم بذلك الزمان حيث قال ﴿ يومئذ ﴾ وهو عالم بأحوالهم أزلاً وأبداً التوبيخ وكأنه  قال: إن من لم يكن عالماً في الأزل فإنه يصير بعد الاختبار عالماً، فالذي هو عالم في الأزل كيف لا يكون خبيراً بهم في الأبد؟

ويجوز أن يكون سبب التقييد هو أن ذلك وقت المجازاة على حسب العلم بالأعمال والأقوال والأحوال وإليه المصير والمآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً ﴾ إلى آخره.

قال على - كرم الله وجهه - وعبد الله -  ما -: هي الإبل.

وقال ابن عباس -  - وغيره من أهل التأويل: هي الخيل؛ غير أن عليا -  - قال: ذلك يوم بدر.

وقال ابن مسعود -  -: ذلك في الحج.

ومن قال: هي الخيل، قال: ذلك في سرية بعثها رسول الله  ، فأبطأ عليه خبرها؛ فاغتم لذلك رسول الله  ، فنزل جبريل -  - بخبرها على ما ذكر ووصف؛ فسر بذلك المؤمنون.

فإن كان في أمر السرية والخيل على ما قاله ابن عباس -  ما - فجهة القسم بذلك تحتمل وجوها: أحدها: أنه من علم الغيب؛ إذ لا يعلم بحالهم وما وصف من أمر الخيل لا يكون إلا بالوحي من السماء، أو لمن شهد ذلك، فإذا لم يحضرهم أحد ممن شهدها، ثم أخبر بذلك رسول الله  ، ثم ظهر عندهم على ما أخبر رسول الله  ، علموا بذلك أنه رسول الله  وأنه إنما عرف بالوحي من الله  إليه، وذلك من أعظم آيات الرسالة.

أو أن يكون القسم بما ذكر من شدة الخيل وقوتها وحدة بصرها؛ حيث عدت في ليل مظلم، لا قمر فيه، ولا نور - عدوا يخرج النار من شدة عدوها من الحجارة التي تضرب بحوارفها ما لا يقدر الإنسان العدو في مكان مستو، فضلا أن يقدر على ذلك من الصعود والهبوط، وما ذكر من إثارة النقع من شدة عدوها، وتوسطها في العدو.

أو يذكر موافقة مرادهم وحصول عرضهم في الإغارة على عدوهم في أغفل ما يكون العدو، وهو وقت الصبح.

ثم القسم بقوله: ﴿ وَٱلْعَادِيَاتِ ﴾ ، وما ذكر من الموريات وغيره، هو صفة العاديات ونعوتها.

وفيه بشارات ثلاثة: أحدها: أنه لم تحجدث لهم حادثة.

والثاني: الإغارة على العدو.

والثالث: أنهم قد توسطوا العدو.

ومن قال: هي الإبل، وذلك في أمر الحج، يذكر سرعة سيرها، وشدة عدوها في الليلة المظلمة التي فيها الأودية والهبوط والصعود.

ثم قوله: ﴿ فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً ﴾ على هذا التأويل، أي: تضرب الحجر بالحجر؛ فتخرج منه النار من شدة سيرها وعدوها، وفي الخيل شدة ضرب الحوافر على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْمُغِيرَاتِ صُبْحاً ﴾ على هذا التأويل، يقول بعضهم: نزولهم في تلك المغارات والأودية في وقت الصبح.

والأشبه أن يكون خروجهم من تلك المغارات والأودية في ذلك الوقت؛ لأن ذلك الوقت وقت الخروج منها والدفع، لا وقت المقام.

أو يكون قد استقبلهم العدو هنالك، ومن [أراد بهم] الشر؛ فتكون المغيرات على الإغارة عليهم؛ إن كان ثم عدو.

﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً ﴾ على هذا التأويل: الجمع في الحجج، وهو الجمع المعروف.

ومن قال: ذلك في ال خيل، يكون توسطهن في جمع العدو.

ثم الذي وقع به القسم قوله -  - ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ ، أي: الإنسان لنعم ربه لكفور، لا يشكرها، وهو أن الإنسان يذكر مصائبه وما يصيبه من الشدة في عمره أبدا، وينسى جميع ما أنعم الله عليه، وإن لا يفارقه طرفة عين؛ ولذلك قال الحسن: الكنود: هو الذي يعد المصائب وينسى النعم.

وقيل: الكنود: القتور البخيل الشحيح في الإنفاق، ويجب أن يكون وصف كل إنسان ما ذكر، لكن المؤمن يتكلف شكر نعم الله -  - ويجتهد في ذلك، ويصبر على المصائب، وهو كقوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً  ﴾ ، وخلق ﴿ عَجُولاً  ﴾ ، هو كل إنسان، ثم استثنى المصلين منهم، وهم المؤمنون؛ أي: كذلك خلق وطبع كل إنسان، لكن المؤمن يتكلف إخراج نفسه من ذلك الطبع الذي أنشئ عليه، وطبع إلى غيرها من الطبائع؛ كالبهائم والسباع التي طبعها النفور من الناس بالاستيحاش عنهم، ثم تصير بالرياضة ما تستقر عندهم وتجيبهم عند دعوتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ ، قال بعضهم: إن ذلك الإنسان على ما فعله في الدنيا لشهيد في الآخرة على [ما جمعه]؛ أي: يشهد ذلك ويعلمه؛ كقوله: ﴿ بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ وَإِنَّهُ ﴾ ، أي: ذلك الإنسان لبخله وامتناعه عن الإنفاق ﴿ لَشَهِيدٌ ﴾ ، أي: يتولى حفظ ماله وإحصاءه بنفسه، لا يثق بغيره.

وقال بعضهم: ﴿ وَإِنَّهُ ﴾ يعني: الله  ﴿ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ أي: عالم، يحصيه؛ ويحفظه، كقوله: ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا...

 ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ ، أي: ذلك الإنسان لشديد الحب للمال، فذكر بخله، وشحه في المال، في ترك الإنفاق والبذل، وعلى ذلك طبع كل إنسان؛ على ما ذكرنا، لكن المؤمن يتكلف إخراج نفسه مما طبع بالرياضة، ويجتهد في الإنفاق، والحب هاهنا: حب إيثار، أي: يؤثر لنفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي ٱلْقُبُورِ ﴾ ، يقول - والله أعلم -: فهلا يعلم قدرة ربه وسلطانه وحكمته في إنشائه أنه يستخرج ما في القبور ويحييهم.

أو يكون قوله: ﴿ أَفَلاَ يَعْلَمُ ﴾ ، أي: فيعلم ﴿ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي ٱلْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ ﴾ ، أي: إن ربهم يومئذ لخبير بما كان منهم في الدنيا، ﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ يقول: فهلا يعلم - أيضا - أنه يميز ما في الصدور، ويبين ويظهر ما فيها، لا يترك غير مميز، ولا مبين، بل يظهر ويميز، كقوله: ﴿ يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ  ﴾ .

ثم قوله: ﴿ نَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ ﴾ ، أي: عن علم له بذلك يأذخهم، ويجزيهم بما يجزيهم.

وفي قوله -  -: ﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ دلالة أن حصول الأعمال وخلوصها وما يثاب عليها ويعاقب بالقلوب وبالنيات، لا بنفس الأعمال؛ حيث قال: ﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ .

قال أهل اللغة وأبو عوسجة: ﴿ ضَبْحاً ﴾ : الضبح: صوت في الصدر؛ ضبح يضبح ضبحا، فهو ضابح.

﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً ﴾ ، أي: هيجن الغبار بحوافرهن، والنقع: الغبار، والنقوع: جماعة، ﴿ فَوَسَطْنَ ﴾ من التوسط، أي: صرن في الوسط، و ﴿ لَكَنُودٌ ﴾ : كفور، ﴿ وَحُصِّلَ ﴾ ، أي: اختبر؛ يقال: حصلت: أي: اختبرت.

وقال بعضهم والقتبي: ﴿ وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً ﴾ : الخيل، والضبح: صوت حلوقها إذا عدت.

وقيل: الضبح والضبع واحد في السير؛ يقال: ضبحت الناقة، وضبعت.

﴿ فَٱلمُورِيَاتِ ﴾ ، أي: أورت النار بحوافرها، والأرض الكنود: التي لا تنبت شيئا، ويقال: بعثرت، أي: قلبت، فجعل أسفلها أعلاها.

﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ ، أي: ميز ما فيها من الخير والشر، والشك، واليقين، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأُبْرِز وبُيِّن ما في القلوب من النيات والاعتقادات وغيرها.

<div class="verse-tafsir" id="91.Zd6W4"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

(والعاديات ضبحًا).

العاديات: جمع عادية، من العدو، وهو الجري.

والضبح: صوت أنفاس الخيل عند جريها.

يقسم جل شأنه بالخيل التي تعدو وتجري، وهي من شدة الجري تضبح ضبحًا، ويسمع لها زفير شديد.

(فالموريات قدحًا).

الموريات: جمع مورية من الإيراء، وهو إخراج النار بنحو الزناد.

والقدح: هو الضرب لإخراج النار، كضرب الزناد بالحجر.

يذكر سبحانه وصفًا من أوصاف الخيل العاديات يحصل لها عند العدو، ولذلك رتبه بالفاء وهو ما يكون من إخراجها النار بحوافرها أثناء الجري.

أي يقسم بالعاديات التي يتطاير الشرر من حوافرها عند عدوها وهي تقدح بحوافرها الأرض قدحًا.

(فالمغيرات صبحًا).

المغيرات: جمع مغيرة، من أغار على العدو إذا هجم عليه ليقتله أو يأسره أو يستلب ماله.

وهو وصف عرض للخير من الغاية التي أُجريت لها، أي أنها تعدو ويشتد عدوها حتى يخرج الشرر من حوافرها لتهجم على عدو وقت الصباح -وهو وقت المفاجأة- لأخذ العدو وهو على غير أهبة.

﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا  ﴾ .

الإثارة: التهييج وتحريك الغبار.

والنقع: الغبار.

والفعل معطوف على وصف المغيرات، لأنه في معنى الفعل: كأنه قال فاللاتي أغرن صبحًا فأثرن في وقت الصبح غبارًا لشدة عدوهن.

(فوسطن به جمعًا).

أي فتوسطن ودخلن في وسط جمع من الأعداء ففرقته وشتته.

أقسم بالخير متصفة بصفاتها التي ذكرها، آتية بالأعمال التي سردها، لينوه بشأنها ويعلي من قدرها في نفوس المؤمنين أهل العمل والجد ليعنوا بقنيتها وتدريبها على الكر والفر وليحملهم أنفسهم على العناية بالفروسية والتدريب على ركوب الخيل والإغارة بها ليكون كل واحد منهم مستعدًا في أي وقت كان لأن يكون جزءًا من قوة الأمة إذا اضطرت إلى صد عدو، أو بعثها باعث على كسر شوكته.

وكان في هذه الآيات القارعات، وفي تخصيص الخيل بالذكر في قوله: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ  ﴾ ، وفيما ورد من الأحاديث التي لا تكاد تحصر، ما يحمل كل فرد من رجال المسلمين على أن يكون في مقدمة فرسان الأرض مهارة في ركوب الخيل، ويبعث القادرين منهم على قنية الخيل على التنافس في عقائلها، وأن يكون فن السباق عندهم يسبق بقية الفنون إيقانًا.

أفليس من أعجب العجب أن ترى أممًا هذا كتابها قد أهملت شأن الخيل والفروسية إلى أن صار يشار إلى راكبها بينهم بالهزؤ والسخرية، وأخذت كرام الخيل تهجر بلادهم إلى بلاد أخرى؟!

أليس من أغرب ما يستغرب أن أناسًا يزعمون أن هذا الكتاب كتابهم، يكون طلاب العلوم الدينية منهم أشد الناس رهبة من ركوب الخيل، وأبعدهم عن صفات الرجولة، حتى وقع من أحد أساتذتهم المشار إليهم بالبنان -عندما كنت أكلمه في منافع بعض العلوم وفوائدها في علم الدين- أن قال: "إذا كان كل ما يفيد في الدين نعلمه لطلبة العلم كان علينا إذن أن نعلمهم ركوب الخيل"؟!.

يقول ذلك ليفحمني، وتقوم به الحجة علي، كأن تعليم ركوب الخيل مما لا يليق، ولا ينبغي لطلبة العلم.

وهم يقولون إن العلماء ورثة الأنبياء.

فهل هذه الأعمال وهذه العقائد تتفق مع الإيمان بهذا الكتاب؟

أنصف ثم أحكم.

يقسم الله بالخيل صاحبة تلك الصفات التي رفع ذكرها ليؤكد الخبر الذي جاء في قوله: ﴿ إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ  ﴾ الكنود: هو الكفور.

يقال: كند النعمة، كفرها ولم يشكرها.

وروي عن النبي  : "الكنود الذي يأكل وحده ويضرب عبده ويمنع رفده".

كأنه بذلك لا يعطي مما أنعم الله به عليه، ولا يرأف بعباد الله كما رأف الله به، فهو كافر بنعمة ربه.

غير أن الآية عامة، والمراد منها ذكر حالة من حالات الإنسان التي تلازمه في أغلب أفراده، إلا الذين يروضون أنفسهم على الفضائل.

وهي حقيقة لا ريب فيها لأن في طبع الإنسان أن يستغرق فيما حضره فيصعب عليه أن يجعل نصب عينيه شيئا من ماضيه، أو مما عساه يستقبله، فتحيط به الغفلة.

فهو إذا غمزته من الله نعمة غمرته بها غفلة، وأدخلت إلى قلبه ضربًا من قسوة، وأحدثت في طبعه شوبًا من جفوة.

وأكد الله هذا الخبر لزعم كثير من أهل الكنود أنهم شاكرون، فأكد لهم الخبر ليرجعوا إلى أنفسهم، ويمتحنوا أعمالهم ليتبين لهم أن الغرور هو الذي غشهم في معرفة حالهم، فيفزعوا إلى الله بالشكر، ولا يكون الشكر إلا بالبذل في الحق الذي يبقى أثره، ويجمل عند العقلاء ذكره.

ثم يزيد الأمر تأكيدًا بقوله ﴿ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ  ﴾ !

أي وإن الإنسان لشهيد على كنوده وكفره لنعمة ربه، لأنه يفخر بالقسوة على من دونه وبقوة الحيلة من فوقه، وبكثرة ما في يده من المال من الحذق في توفيره، وقلما يفتخر بالرحمة وكثرة البذل والحذق في اختيار المواضع -اللهم إلا أن يريد غشًا للسامع- وفي ذلك كله شهادة على نفسه بالكنود، لأن ما يفتخر به ليس من حق شكر النعمة، بل من آيات كفرها.

﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ  ﴾ الخير: هو المال مثله في قوله تعالى ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ  ﴾ .

وزعم عكرمة أن الخير -حيث وقع في القرآن- هو المال.

وليس يصح في بعض المواضعٍ.

والشديد: القوي.

ويقال: هو شديد لهذا الأمر، وقوي له، إذا كان مطيقًا له قادرًا على ضبطه.

قال ذلك الزمخشري.

وأطلق الحب، وأراد به الكسب، لأن كسب شيء والسعي في تحصيله إنما يكون كما ينبغي إذا كان منشؤه حبه.

فقوة الإنسان واقتداره على تحصيل المال وتوفيره إنما جاءت له من شدة محبته له، لهذا جعل الشدة وقوة الاحتمال لحب المال، وهي في الحقيقة لكسبه.

لكن إذا عرض له سبيل لفعل ما هو خير على الحقيقة، والنهوض بأمر مما طلبه الله منه، تراه يضعف وتتضاءل قوته حتى لا يستطيع أن يخطو خطوة في ذلك السبيل إلا من رحم ربك وقد فسر الشديد بالبخيل.

والمعنى على ذلك: وإنه لبخيل شحيح بسبب حبه للمال.

﴿ أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ  وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ  ﴾ .

بعثرة ما في القبور: إخراج موتاها منها.

وتحصيل ما في الصدر: إظهاره وإبرازه، بحيث لا يبقى سبيل إلى إخفائه.

ومفعول يعلم محذوف، حذف لتجول الفكرة في استحضاره، ولو ذكر فربما مر على اللسان دون الالتفات إليه.

أما وقد حذف فلا تجد النفس محيصًا عن البحث عنه حتى يتم الكلام ويفهم.

وقد دل عليه ببعثرة ما في القبور وتحصيل ما في الصدور.

أي أفلا يعلم الكنود الحريص ما يكون حالة في الحياة الأخرى يوم تكشف السرائر؟

أفلا يعلم ظهور ما كان يخفى من قسوة وتحيل؟

أفلا يعلم أنه سيحاسب عليه؟

أفلا يعلم أنه سيوفى جزاء ما كفر نعمة ربه؟!

﴿ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ  ﴾ إن الله خبير بهم يومئذ -وفي هذا اليوم كذلك- ولكنه كنى عن مجازاتهم على ما كسبوا بالخبرة بهم.

كما تقول في تهديد شخص أو وعيده سأعرف لك عملك هذا مع أنك تعرفه الآن قطعًا.

وإنما عرفانه الآتي هو ظهور أثر المعرفة، كما قال تعالى ﴿ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا  ﴾ .

مع أن الكتب حاصل منه الآن، والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله