الآية ٤ من سورة العاديات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 100 العاديات > الآية ٤ من سورة العاديات

فَأَثَرْنَ بِهِۦ نَقْعًۭا ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة العاديات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة العاديات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يعني غبارا فى مكان معترك الخيول.

وقالوا كلهم في قوله : ( فأثرن به نقعا ) هو : المكان الذي إذا حلت فيه أثارت به الغبار ، إما في حج أو غزو .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ) يقول تعالى ذكره: فرفعن بالوادي غبارا; والنقع: الغبار, ويقال: إنه التراب.

والهاء في قوله " به " كناية اسم الموضع, وكنى عنه, ولم يجر له ذكر, لأنه معلوم أن الغبار لا يثار إلا من موضع, فاستغنى بفهم السامعين بمعناه من ذكره.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ) قال: الخيل.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا وكيع, عن واصل, عن عطاء وابن زيد, قال: النقع: الغبار.

حدثنا هناد, قال: ثنا أبو الأحوص, عن سماك, عن عكرِمة ( فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ) قال: هي أثارت الغبار, يعني الخيل.

حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, قال: ثنا أبو رجاء, قال: سئل عكرِمة, عن قوله ( فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ) قال: أثارت التراب بحوافرها.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران عن سعيد, عن قتادة ( فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ) قال: أثرن بحوافرها نقع التراب.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, مثله.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ) قال: أثرن به غبارا.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني أبو صخر, عن أبي معاوية البجلي, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: قال لي علي: إنما العاديات ضبحا من عرفة إلى المزدلفة, ومن المزدلفة إلى منى ( فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ) : الأرض حين تطؤها بأخفافها وحوافرها.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن مغيرة, عن إبراهيم, عن عبد الله ( فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ) قال: إذا سرن يثرن التراب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فأثرن به نقعا أي غبارا ; يعني الخيل تثير الغبار بشدة العدو في المكان الذي أغارت به .

قال عبد الله بن رواحة :عدمت بنيتي إن لم تروها تثير النقع من كنفي كداءوالكناية في به ترجع إلى المكان أو إلى الموضع الذي تقع فيه الإغارة .

وإذا علم المعنى جاز أن يكنى عما لم يجر له ذكر بالتصريح ; كما قال حتى توارت بالحجاب .

وقيل : فأثرن به ، أي بالعدو نقعا .

وقد تقدم ذكر العدو .

وقيل : النقع : ما بين مزدلفة إلى منى ; قاله محمد بن كعب القرظي .

وقيل : إنه طريق الوادي ; ولعله يرجع إلى الغبار المثار من هذا الموضع .

وفي الصحاح : النقع : الغبار ، والجمع : نقاع .

والنقع : محبس الماء ، وكذلك ما اجتمع في البئر منه .

وفي الحديث : أنه نهى أن يمنع نقع البئر .

والنقع الأرض الحرة الطين يستنقع فيها الماء ; والجمع : نقاع وأنقع ; مثل بحر وبحار وأبحر .قلت : وقد يكون النقع رفع الصوت ، ومنه حديث عمر حين قيل له : إن النساء قد اجتمعن يبكين على خالد بن الوليد ; فقال : وما على نساء بني المغيرة أن يسفكن من دموعهن وهن جلوس على أبي سليمان ، ما لم يكن نقع ، ولا لقلقة .

قال أبو عبيد : يعني بالنقع رفع الصوت ; على هذا رأيت قول الأكثرين من أهل العلم ; ومنه قول لبيد :فمتى ينقع صراخ صادق يحلبوها ذات جرس وزجلويروى يحلبوها أيضا .

يقول : متى سمعوا صراخا أحلبوا الحرب ، أي جمعوا لها .

وقوله ( ينقع صراخ ) : يعني رفع الصوت .

وقال الكسائي : قوله نقع ولا لقلقة النقع : صنعة الطعام ; يعني في المأتم .

يقال منه : نقعت أنقع نقعا .

قال أبو عبيد : ذهب بالنقع إلى النقيعة ; وإنما النقيعة عند غيره من العلماء : صنعة الطعام عند القدوم من سفر ، لا في المأتم .

وقال بعضهم : يريد عمر بالنقع : وضع التراب على الرأس ; يذهب إلى أن النقع هو الغبار .

ولا [ ص: 142 ] أحسب عمر ذهب إلى هذا ، ولا خافه منهن ، وكيف يبلغ خوفه ذا وهو يكره لهن القيام .

فقال : يسفكن من دموعهن وهن جلوس .

قال بعضهم : النقع : شق الجيوب ; وهو الذي لا أدري ما هو من الحديث ولا أعرفه ، وليس النقع عندي في الحديث إلا الصوت الشديد ، وأما اللقلقة : فشدة الصوت ، ولم أسمع فيه اختلافا .

وقرأ أبو حيوة ( فأثرن ) بالتشديد ; أي أرت آثار ذلك .

ومن خفف فهو من أثار : إذا حرك ; ومنه وأثاروا الأرض .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَأَثَرْنَ بِهِ } أي: بعدوهن وغارتهن { نَقْعًا } أي: غبارًا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فأثرن به ) أي هيجن بمكان [ سيرهن ] كناية عن غير مذكور ، لأن المعنى مفهوم ، ( نقعا ) غبارا ، والنقع : الغبار .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فأثرن» هيجن «به» بمكان عدوهن أو بذلك الوقت «نقعا» غبارا بشدة حركتهن.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فهيَّجْنَ بهذا العَدْو غبارًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً ) أى : هيجن وأثرن " النقع " أى : الغبار من شدة الجرى .

تقول : أثرت الغبار أثيره ، إذا هيجته وحركته .

والنون فى " أثرن " ضمير العاديات .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ففيه مسائل: المسألة الأولى: في النقع قولان: أحدهما: أنا هو الغبار وقيل: إنه مأخوذ من نقع الصوت إذا ارتفع، فالغبار يسمى نقعاً لارتفاعه، وقيل: هو من النقع في الماء، فكأن صاحب الغبار غاص فيه، كما يغوص الرجل في الماء والثاني: النقع الصباح من قوله عليه الصلاة والسلام: «مالم يكن نقع ولا لقلقة» أي فهيجن في المغار عليهم صياح النوائح، وارتفعت أصواتهن، ويقال: ثار الغبار والدخان، أي ارتفع وثار القطا عن مفحصه، وأثرن الغبار أي هيجنه، والمعنى أن الخيل أثرن الغبار لشدة العدو في الموضع الذي أغرن فيه.

المسألة الثانية: الضمير في قوله: ﴿ به ﴾ إلى ماذا يعود؟

فيه وجوه: أحدها: وهو قول الفراء أنه عائد إلى المكان الذي انتهى إليه، والموضع الذي تقع فيه الإغارة، لأن في قوله: ﴿ فالمغيرات صُبْحاً ﴾ دليلاً على أن الإغارة لابد لها من وضع، وإذا علم المعنى جاز أن يكنى عما لم يجز ذكره بالتصريح كقوله: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةِ القدر  ﴾ .

وثانيها: إنه عائد إلى ذلك الزمان الذي وقعت فيه الإغارة، أي فأثرن في ذلك الوقت نقعاً.

وثالثها: وهو قول الكسائي أنه عائد إلى العدو، أي فأثرن بالعدو نقعاً، وقد تقدم ذكر العدو في قوله: ﴿ والعاديات ﴾ .

المسألة الثالثة: فإن قيل: على أي شيء عطف قوله: ﴿ فَأَثَرْنَ ﴾ قلنا: على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه، والتقدير واللائي عدون فأورين، وأغرن فأثرن.

المسألة الرابعة: قرأ أبو حيوة: ﴿ فَأَثَرْنَ ﴾ بالتشديد بمعنى فأظهرن به غباراً، لأن التأثير فيه معنى الإظهار، أو قلب ثورن إلى وثرن وقلب الواو همزة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أقسم بخيل الغزاة تعدو فتضبح.

والضبح: صوت أنفاسها إذا عدون.

وعن ابن عباس أنه حكاه فقال: أح أح.

قال عنترة: وَالْخَيْلُ تَكْدَحُ حِينَ تَضْ ** بَحُ فِي حِيَاضِ الْمَوْتِ ضَبْحَا وانتصاب ضبحا على: يضبحن ضبحا، أو بالعاديات، كأنه قيل: والضابحات؛ لأن الضبح يكون مع العدو.

أو على الحال، أي: ضابحات ﴿ فالموريات ﴾ توري نار الحباحب وهي ما ينقدح من حوافرها ﴿ قَدْحاً ﴾ قادحات صاكات بحوافرها الحجارة.

والقدح: الصك.

والإيراء: إخراج النار.

تقول: قدح فأورى، وقدح فأصلد، وانتصب قدحاً بما انتصب به ضبحا ﴿ فالمغيرات ﴾ تغير على العدوّ ﴿ صُبْحاً ﴾ في وقت الصبح ﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (4) ﴾ فهيجن بذلك الوقت غباراً ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ ﴾ بذلك الوقت، أو بالنقع، أي: وسطن النقع الجمع.

أو فوسطن ملتبسات به ﴿ جَمْعاً ﴾ من جموع الأعداء.

ووسطه بمعنى توسطه.

وقيل: الضمير لمكان الغارة.

وقيل: للعدوّ الذي دلّ عليه ﴿ والعاديات ﴾ ويجوز أن يراد بالنقع: الصياح، من قوله عليه الصلاة والسلام: «ما لم يكن نقع ولا لقلقة» وقول لبيد: فَمَتَى يَنْقَعْ صُراخٌ صَادِق أي: فهيجن في المغاز عليهم صياحاً وجلبة.

وقرأ أبو حيوة: ﴿ فأثرن ﴾ بالتشديد، بمعنى: فأظهرن به غباراً؛ لأنّ التأثير فيه معنى الإظهار.

أو قلب ثورّن إلى وثرن، وقلب الواو همزة، وقرئ: ﴿ فوسطن ﴾ بالتشديد للتعدية.

والباء مزيدة للتوكيد، كقوله: ﴿ وَأُتُواْ بِهِ ﴾ [البقرة: 25] وهي مبالغة في وسطن.

وعن ابن عباس: كنت جالساً في الحجر فجاء رجل فسألني عن ﴿ والعاديات ضَبْحاً (1) ﴾ ففسرتها بالخيل، فذهب إلى عليّ وهو تحت سقاية زمزم فسأله وذكر له ما قلت: فقال: ادعه لي، فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك به، والله إن كانت لأوّل غزوة في الإسلام بدر، وما كان معنا إلاّ فرسان: فرس الزبير وفرس للمقداد ﴿ العاديات ضَبْحاً (1) ﴾ الإبل من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى؛ فإن صحّت الرواية فقد استعير الضبح للإبل، كما استعير المشافر والحافر للإنسان، والشفتان للمهر، والثغر للثورة وما أشبه ذلك.

وقيل: الضبح لا يكون إلاّ للفرس والكلب والثعلب.

وقيل: الضبح بمعنى الضبع، يقال: ضبحت الإبل وضبعت: إذا مدّت أضباعها في السير، وليس بثبت.

وجمع: هو المزدلفة.

فإن قلت: علام عطف (فأثرن)؟

قلت: على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه؛ لأنّ المعنى: واللاتي عدون فأورين، فأغرن فأثرن.

الكنود: الكفور.

وكند النعمة كنوداً.

ومنه سمي: كندة، لأنه كند أباه ففارقه.

وعن الكلبي: الكنود بلسان كندة: العاصي، وبلسان بني مالك: البخيل، وبلسان مضر وربيعة: الكفور، يعني: أنه لنعمة ربه خصوصاً لشديد الكفران؛ لأن تفريطه في شكر نعمة غير الله تفريط قريب لمقاربة النعمة، لأن أجلّ ما أنعم به على الإنسان من مثله نعمة أبويه، ثم إن عُظماها في جنب أدنى نعمة الله قليلة ضئيلة ﴿ وإنه ﴾ وإن الإنسان ﴿ على ذلك ﴾ على كنوده ﴿ لَشَهِيدٌ ﴾ يشهد على نفسه ولا يقدر أن يجحده لظهور أمره.

وقيل: وإنّ الله على كنوده لشاهد على سبيل الوعيد ﴿ الخير ﴾ المال من قوله تعالى: ﴿ إِن تَرَكَ خَيْرًا ﴾ [البقرة: 180] والشديد: البخيل الممسك.

يقال: فلان شديد ومتشدّد.

قال طرفة: أَرَى الْمَوْتَ يَعْتَامُ الْكِرَامَ وَيَصْطَفِي ** عَقِيلَةَ مَالِ الْفَاحِشِ المَتَشَدِّدِ يعني: وإنه لأجل حب المال وأن إنفاقه يثقل عليه: لبخيل ممسك.

أو أراد بالشديد: القوي، وإنه لحب المال وإيثار الدنيا وطلبها قوي مطيق، وهو لحب عبادة الله وشكر نعمته ضعيف متقاعس.

تقول: هو تشديد لهذا الأمر، وقويٌّ له: إذا كان مطيقاً له ضابطاً.

أو أراد: أنه لحب الخيرات غير هش منبسط، ولكنه شديد منقبض ﴿ بُعْثِرَ ﴾ بعث.

وقرئ: ﴿ بحثر ﴾ وبحث، وبحثر.

وحصل: على بنائهما للفاعل.

وحصل: بالتخفيف.

ومعنى (حصلّ) جمع في الصحف، أي: أظهر محصلاً مجموعاً.

وقيل: ميز بين خيره وشره.

ومنه قيل للمنخل: المحصل.

ومعنى علمه بهم يوم القيامة: مجازاته لهم على مقادير أعمالهم؛ لأنّ ذلك أثر خبره بهم.

وقرأ أبو السمال: ﴿ إن ربهم بهم يومئذ خبير ﴾ .

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من قرأ سورة والعاديات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من بات بالمزدلفة وشهد جمعاً»

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ والعادِيّاتِ مُخْتَلَفٌ فِيها، وآيُها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿ والعادِياتِ ضَبْحًا ﴾ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِخَيْلِ الغُزاةِ تَعْدُو فَتَضْبَحُ ضَبْحًا، وهو صَوْتُ أنْفاسِها عِنْدَ العَدْوِ ونَصْبُهُ بِفِعْلِهِ المَحْذُوفِ، أوْ بِ العادِيّاتِ فَإنَّها تَدُلُّ بِالِالتِزامِ عَلى الضّابِحاتِ، أوْ ضَبْحًا حالٌ بِمَعْنى ضابِحَةً.

﴿ فالمُورِياتِ قَدْحًا ﴾ فالَّتِي تُورِي النّارَ، والإيراءُ إخْراجُ النّارِ يُقالُ: قَدَحَ الزَّنْدَ فَأوْرى.

﴿ فالمُغِيراتِ ﴾ يُغِيرُ أهْلُها عَلى العَدُوِّ.

﴿ صُبْحًا ﴾ أيْ في وقْتِهِ.

﴿ فَأثَرْنَ ﴾ فَهَيَّجْنَ.

﴿ بِهِ ﴾ بِذَلِكَ الوَقْتِ.

﴿ نَقْعًا ﴾ غُبارًا أوْ صِياحًا.

﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ ﴾ فَتَوَسَّطْنَ بِذَلِكَ الوَقْتِ أوْ بِالعَدُوِّ، أوْ بِالنَّقْعِ أيْ مُلْتَبِساتٍ بِهِ.

﴿ جَمْعًا ﴾ مِن جُمُوعِ الأعْداءِ، رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَ خَيْلًا فَمَضَتْ أشْهَرٌ لَمْ يَأْتِهِ مِنهم خَبَرٌ فَنَزَلَتْ.» وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ القَسَمُ بِالنُّفُوسِ العادِيَّةِ أثَرَ كَمالُهُنَّ المُورِياتِ بِأفْكارِهِنَّ أنْوارَ المَعارِفِ، والمُغِيراتِ عَلى الهَوى والعاداتِ إذا ظَهَرَ لَهُنَّ مِثْلُ أنْوارِ القُدْسِ، فَأثَرْنَ بِهِ شَوْقًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا مِن جُمُوعِ العِلِّيِّينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً} فهيجن بذلك الوقت غباراً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَأثَرْنَ بِهِ ﴾ مِنَ الإثارَةِ وهي التَّهْيِيجُ وتَحْرِيكُ الغُبارِ ونَحْوِهِ.

والأصْلُ: أثْوَرْنَ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى ما قَبْلَها وقُلِبَتْ ألِفًا وحُذِفَتْ لِاجْتِماعِ السّاكِنَيْنِ، والفِعْلُ عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ قَبْلَهُ وهو العادِياتُ، أوْ ما بَعْدَهُ لِأنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ وهو في مَعْنى الفِعْلِ خُصُوصًا إذا وقَعَ صِلَةً فَكَأنَّهُ قِيلَ: فاللّاتِي عَدَوْنَ فَأوْرَيْنَ فَأغَرْنَ فَأثَرْنَ.

ولا شُذُوذَ في مِثْلِهِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ تابِعٌ فَلا يَلْزَمُ دُخُولُ ألْ عَلَيْهِ ولا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ هو مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ الَّذِي وُضِعَ اسْمُ الفاعِلِ مَوْضِعَهُ.

والحِكْمَةُ في مَجِيءِ هَذا فِعْلًا بَعْدَ اسْمِ فاعِلٍ عَلى ما قالَ ابْنُ المُنَيِّرِ تَصْوِيرُ هَذِهِ الأفْعالِ في النَّفْسِ؛ فَإنَّ التَّصْوِيرَ يَحْصُلُ بِإيرادِ الفِعْلِ بَعْدَ الِاسْمِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّخالُفِ وهو أبْلَغُ مِنَ التَّصْوِيرِ بِالأسْماءِ المُتَناسِقَةِ وكَذَلِكَ التَّصْوِيرُ بِالمُضارِعِ بَعْدَ المُضارِعِ كَقَوْلِ ابْنِ مَعْدِ يكَرِبَ: بِأنِّي قَدْ لَقِيتُ الغُولَ يَهْوِي بِشُهْبٍ كالصَّحِيفَةِ صَحْصَحانِ فَآخُذُهُ فَأضْرِبُهُ فَخَرَّتْ ∗∗∗ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْجِرانِ وخُصَّ هَذا المَقامُ مِنَ الفائِدَةِ عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ أنَّ الخَيْلَ وُصِفَتْ بِالأوْصافِ الثَّلاثَةِ لِيُرَتِّبَ عَلَيْها ما قَصَدَ مِنَ الظَّفَرِ بِالفَتْحِ فَجِيءَ بِهَذا الفِعْلِ الماضِي وما بَعْدَهُ مُسَبَّبَيْنِ عَنْ أسْماءِ الفاعِلِينَ فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ تِلْكَ المُداوَمَةَ أنْتَجَتْ هاتَيْنِ البُغْيَتَيْنِ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الفاءَ لِتَفْرِيعِ ما بَعْدَها عَمّا قَبْلَها وجَعْلِهِ مُسَبَّبًا عَنْهُ وسَيَأْتِي الكَلامُ فِيها قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وضَمِيرُ «بِهِ» لِلصُّبْحِ، والباءُ ظَرْفِيَّةٌ أيْ فَهَيَّجْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿ نَقْعًا ﴾ أيْ: غُبارًا، وتَخْصِيصُ إثارَتِهِ بِالصُّبْحِ لِأنَّهُ لا يَثُورُ أوْ لا يَظْهَرُ ثَوَرانُهُ بِاللَّيْلِ، وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ الإيراءَ الَّذِي لا يَظْهَرُ في النَّهارِ واقِعٌ في اللَّيْلِ.

وفي ذِكْرِ إثارَةِ الغُبارِ إشارَةٌ بِلا غُبارٍ إلى شِدَّةِ العَدْوِ وكَثْرَةِ الكَرِّ والفَرِّ وكَثِيرًا ما يُشِيرُونَ بِهِ إلى ذَلِكَ ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ رَواحَةَ: عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفَيْ كَداءِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: النَّقْعُ رَفْعُ الصَّوْتِ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ: فَمَتى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ∗∗∗ يَحْلِبُوهُ ذاتَ جَرْسٍ وزَجَلْ وقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقَدْ قِيلَ لَهُ يَوْمَ تُوُفِّيَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ: إنَّ النِّساءَ قَدِ اجْتَمَعْنَ يَبْكِينَ عَلى خالِدٍ: ما عَلى نِساءِ بَنِي المُغِيرَةِ أنْ يَسْفِكْنَ عَلى أبِي سُلَيْمانَ دُمُوعَهُنَّ وهُنَّ جُلُوسٌ ما لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ ولا لَقْلَقَةٌ.

والمَعْنى عَلَيْهِ فَهَيَّجْنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ صِياحًا وهو صِياحُ مَن هُجِمَ عَلَيْهِ وأُوقِعَ بِهِ.

والمَشْهُورُ المَعْنى الأوَّلُ، وجُوِّزَ كَوْنُ ضَمِيرِ «بِهِ» لِلْعَدُوِّ الدّالِّ عَلَيْهِ «العادِياتِ» أوْ لِلْإغارَةِ الدّالِّ عَلَيْها «المُغِيراتِ» والتَّذْكِيرِ لِتَأْوِيلِها بِالجَرْيِ ونَحْوِهِ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ وجُوِّزَ كَوْنُها ظَرْفِيَّةً أيْضًا والضَّمِيرُ لِلْمَكانِ الدّالِّ عَلَيْهِ السِّياقُ والأوَّلُ أظْهَرُ وألْطَفُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مختلف فيها وهي إحدى عشرة آية مكية قوله تعالى: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً قال مقاتل: وذلك أن النبيّ  بعث سرية إلى بني كنانة واستعمل عليهم المنذر به عمرو، الساعدي، فأبطأ عليه، خبرهم فاغتم لذلك فنزل عليه جبريل-  - بهذه السورة يخبر رسول الله  ويعلمه عن حالهم فقال: (والعاديات ضبحاً) يعني: أفراس أصحابك يا محمد  إنهم يسبحون في عدوهم فَالْمُورِياتِ قَدْحاً يعني: النار التي تسطع من حوافر الفرس إذا عدت في مكان ذي صخور وأحجار فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً يعني: أصحابك يغيرون على العدوّ عند الصبح فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً يعني: يثيرون بحوافرهن التراب إذا عدت الفرس في مكان سهل يهيج التراب والغبار (نقعاً) يعني: أطراحاً على الأرض فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً يعني: أصحابك أصبحوا في وسط العدو مع الظفر والغنيمة فلا تغتم وقال الكلبي (والعاديات ضبحاً) يعني: أنفاس الخيل حين تتنفس إذا اجتهدت وقال ابن مسعود  (والعاديات ضبحاً) يعني: الإبل بعرفات إذا دخل الحجاج مكة وروى عطاء عن ابن عباس في قوله (والعاديات ضبحاً) قال الخيل وما أصبح دابة قط إلا كلب أو خنزير وهو يلهث كما يلهث الكلب وقال علي بن أبي طالب  : هي الإبل تذهب إلى وقعة بدر.

وقال أبو صالح تقاولت مع عكرمة في قوله وَالْعادِياتِ ضَبْحاً قال عكرمة قال ابن عباس هي الخيل في القتال فقلت مولاي- يعني: علي بن أبي طالب  - أعلم من مولاك إنه كان يقول هي الإبل التي تكون بمكة حين تفيض من عرفات إلى جمع، وقال أهل اللغة: الضبح صوت حلوقها إذا عدت، والضبح والضبع واحد، يقال: ضبحت النوق وضبعت إذا عدت في المسير.

وهذا قسم أقسم الله تعالى بهذه الأشياء وجوابه قوله تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) [العاديات: 6] وقال بعضهم (فالموريات قدحاً) معناه فالمنجيات عملاً وهذا مثل ضربه الله تعالى فكما أن الأقداح تنجي الرجل المسلم من برد الشتاء والهلاك وإذا لم يكن معه الزند فيهلك في البرد فكذلك العمل الصالح ينجي العبد يوم القيامة ومن العذاب الهلاك وإذا لم يكن معه عمل صالح يهلك في العذاب ويقال (فالموريات قدحاً) يعني: ناراً لأبي حباحب كان رجل في بعض أحياء العرب من أبخل الناس ولم يوقد ناراً حتى ينام كل ذي عين ثم يوقدها فإذا استيقظ أحد أطفأها لكي لا ينتفع بناره أحد بخلاً منه فكذلك الخيل حين اشتدت على الأرض الحصاة فقدحت النار بحوافرها لا ينتفع بها كما لا ينتفع بنار أبي حباحب ثم قال (فالمغيرات صُبْحاً) يعني: الخُصَماء يغيرون على حسنات العبد يوم القيامة بمنزلة ريح عاصف يجيء ويرفع التراب الناقع من حوافر الدواب فذلك قوله تعالى (فأثرن به نقعاً) ويقال هي الإبل ترجع من عرفات إلى مزدلفة ثم يرجعن إلى منى ويذبح هناك ويقسم الخمر ويوجد اللحم كأنهم أغاروها (فأثرن به نقعا) يعني: هيّجن بالوادي غباراً حين يرجعون من مزدلفة إلى منى وقوله تعالى (به) كناية عن الوادي فكأنه يقول (فأثرن به نقعاً) أي: غباراً ثم قال (فوسطن به جمعا) يعني: فوقعن بالوادي ويقال بالمكان جمعاً أي اجتمع الحاج بمنى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لأَن المُورِيَ هُوَ القَادِح، انتهى، فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً قال علي وابن مسعود هي: الإبلُ مِنْ مزدلفةَ إلى مِنًى، وفي بدرٍ، وقال ابن عباس وجماعة كثيرة: هي الخيلُ، واللَّفْظَةُ منَ الغَارَةِ في سبيلِ اللَّهِ وغير ذلك من سير الأُمَمِ وعُرْفُ الغَارَاتِ أنَّها مَعَ الصَّبَاحِ، والنقع الغبارُ الساطِعُ المثَارُ، والضمير في بِهِ ظاهرُه أَنَّه للصُّبْحِ المذكورِ، ويحتملُ أنْ يكونَ للمكانِ والموْضِع الذي يقتضيه المعنى، ومشهورٌ إثارةُ النَّقْعِ هو للخيل، وقال علي: هو هنا للإبل.

فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً قال علي وابن مسعود هي: الإبل، وجَمْعاً هي المزدلفة، وقال ابن عباس وجماعة: هي الخيلُ، والمرادُ جَمْعٌ مِنَ الناسِ هم المَغْزُوُّونَ، والقَسَمُ واقِع على قوله: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الكَنُودُ؟

قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هُوَ الكَفُورُ الَّذِي يَأْكُلُ وَحْدَهُ، وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ، وَيَضْرِبُ عَبْدَهُ» ، وقد يَكُونُ في المؤمِنينَ الكَفُورُ بالنِّعْمَةِ فتقديرُ الآيةِ: إنَّ الإنْسَانَ لِنعمةِ ربِّه لَكَنُودٌ، وأَرْضٌ كَنُودٌ: لاَ تُنْبِتُ شَيْئاً، والكَنُودُ: العَاصِي بلُغَةِ كِنْدَة، ويقال للبخيل: كَنُودٌ، وفي البخاريِّ عن مجاهدٍ: الكنود الكفور، انتهى «١» .

وقوله تعالى: وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ يحتملُ الضميرُ أنْ يعودَ عَلَى اللَّهِ تعالى وقالَهُ قتادة «٢» ، ويحتملُ أَنْ يَعُودَ على الإنسان أَنَّه شَاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ وهذا قول مجاهد وغيره» .

وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ أي: وإنَّ الإنسانَ لحبِّ الخَيْرِ، والمعنى من أجْلِ حبِّ الخَيْرِ، لَشَدِيدٌ أي: بَخِيلٌ بالمَالِ ضَابِطٌ له، والخيرُ هنا المالُ، ويحتملُ أن يُرَادُ هنا الخيرُ الدنيويُّ من مالٍ، وصحةٍ، وجاهٍ عندَ الملوك، ونحوه لأَنَّ الكفارَ والجُهَّال لا يعرفونَ غَيْرَ ذلكَ، وأَمَّا [الحُبُّ في خَيْرِ الآخرة فَمَمْدُوحٌ مَرّجُوٌّ لَه الفوزُ، وقَال الفراء: معنى الآية: أنّ

الإنسانَ لشديدُ الحبِّ لِلْخَيْرِ ولما تَقَدَّمَ] الخيرُ قَبْلَ «شديدٍ» حُذَف مِنْ آخِره لأَنه قَدْ جَرَى ذِكْرهُ ولرؤوسِ الآي، انتهى.

وقوله تعالى: أَفَلا يَعْلَمُ تَوْقِيفٌ، أي: أفلا يعلم مآلَه ومصيرَه فيستعدّ لَهُ.

وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ، أي: مُيِّزَ وأبْرزَ مَا فِيها ليقعَ الجزاءُ عليه، ويفسّر هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم: «يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» وفي قولِه تعالى: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ وَعِيدٌ، - ص-: والعَامِلُ في يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ على تضمينِه مَعْنى: لَمُجازٍ لأنّه تعالى خبير دائما، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ العادِياتِ وَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ.

والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والعادِياتِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، والقُرَظِيُّ، والسُّدِّيُّ.

ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: ﴿ والعادِياتِ ضَبْحًا ﴾ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ، ومِنَ المُزْدَلِفَةِ، إلى مِنًى.

ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ هَذا في صِفَةِ وقْعَةِ بَدْرٍ.

قالَ: وما كانَ مَعَنا يَوْمَئِذٍ إلّا فَرَسٌ.

وفي بَعْضِ الحَدِيثِ أنَّهُ كانَ مَعَهم فَرَسانِ.

والثّانِي: أنَّها الخَيْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وعَطِيَّةُ، والرَّبِيعُ، واللُّغَوِيُّونَ.

وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا كانَ في سَرِيَّةٍ، فَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  بَعَثَ خَيْلًا، فَلَمْ يَأْتِهِ خَبَرُها شَهْرًا، فَنَزَلَتْ ﴿ والعادِياتِ ضَبْحًا ﴾ ضَبَحَتْ بِمَناخِرِها ﴿ فالمُورِياتِ قَدْحًا ﴾ قَدَحَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ فَأوْرَتْ نارًا ﴿ فالمُغِيراتِ صُبْحًا ﴾ صَبَّحَتِ القَوْمَ بِغارَةٍ ﴿ فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴾ أثارَتْ بِحَوافِرِها التُّرابَ ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾ قالَ: صَبَّحَتِ الحَيَّ جَمِيعًا.» وقالَ مُقاتِلٌ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  سَرِيَّةً إلى حَيَّيْنِ مِن كِنانَةَ واسْتَعْمَلَ عَلَيْها المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ، فَأبْطَأ عَنْهُ خَبَرُها، فَجَعَلَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ إذا رَأوْا رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  تَناجَوْا، فَيَظُنُّ الرَّجُلُ أنَّهُ قَدْ قُتِلَ أخُوهُ أوْ أبُوهُ، أوْ عَمُّهُ، فَيَجِدُ مِن ذَلِكَ حُزْنًا، فَنَزَلَتْ: ﴿ والعادِياتِ ضَبْحًا ﴾ فَأخْبَرَ اللَّهُ كَيْفَ فَعَلَ بِهِمْ.» قالَ الفَرّاءُ: الضَّبْحُ: أصْواتُ أنْفاسِ الخَيْلِ إذا عَدَوْنَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الضَّبْحُ: صَوْتُ حُلُوقِها إذا عَدَتْ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ضَبَحُها: صَوْتُ أجْوافِها إذا عَدَتْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالمُورِياتِ قَدْحًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

قالَ الزَّجّاجُ: إذا عَدَتِ الخَيْلُ بِاللَّيْلِ، فَأصابَتْ بِحَوافِرِها الحِجارَةَ، انْقَدَحَتْ مِنها النِّيرانُ.

والثّانِي: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا أُوقِدَتْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: مَكْرُ الرِّجالِ في الحَرْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والرّابِعُ: نِيرانُ الحَجِيجِ بِالمُزْدَلِفَةِ، قالَهُ القُرَظِيُّ.

والخامِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ عَلى الحَقِّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالمُغِيراتِ صُبْحًا ﴾ هي الَّتِي تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ عِنْدَ الصَّباحِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فالمُغِيراتُ صُبْحًا حِينَ يُفِيضُونَ مِن جَمْعٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأثَرْنَ بِهِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ بِالوادِي ولَمْ يَذْكُرْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وهَذا جائِزٌ، لِأنَّ الغُبارَ لا يُثارُ إلّا مِن مَوْضِعٍ.

والنَّقْعُ: الغُبارُ، ويُقالُ: التُّرابُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَأثَّرْنَ بِمَكانِ عَدْوِهِنَّ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ المَكانِ، ولَكِنْ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: تَوَسَّطْنَ جَمْعًا مِنَ العَدْوِ، فَأغارَتْ عَلَيْهِمْ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾ ، يَعْنِي مُزْدَلِفَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ.

والإنْسانُ هاهُنا: الكافِرُ.

قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في قُرْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ.

وَفِي " الكَنُودِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رِفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

والثّانِي: أنَّهُ الكَفُورُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: لَوّامٌ لِرَبِّهِ يَعُدُّ المُصِيباتِ، ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأرْضُ الكَنُودُ: الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، [تَقْدِيرُهُ]: وإنَّ اللَّهَ عَلى كُفْرِهِ لَشَهِيدٌ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الإنْسانِ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ كَنُودٌ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ ﴿ لِحُبِّ الخَيْرِ ﴾ يَعْنِي: المالَ ﴿ لَشَدِيدٌ ﴾ .

وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وإنَّهُ مِن أجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ، ومُتَشَدِّدٌ.

قالَ طُرْفَةُ: أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الباخِلِ المُتَشَدِّدِ والثّانِي: وإنَّهُ لِلْخَيْرِ لَشَدِيدُ الحُبِّ، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ.

قالَ: فَكَأنَّ الكَلِمَةَ لَمّا تَقَدَّمَ فِيها الحُبُّ، وكانَ مَوْضِعُهُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ " شَدِيدٌ "، حُذِفَ الحُبُّ مِن آخِرِهِ لَمّا جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِهِ، ولِرُؤُوسِ الآيِ.

ومِثْلُهُ ﴿ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ  ﴾ فَلَمّا جَرى ذِكْرُ الرِّيحِ قَبْلَ اليَوْمِ طُرِحَتْ مِن آخِرِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا يَعْلَمُ ﴾ يَعْنِي: الإنْسانَ المَذْكُورَ ﴿ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ ﴾ أيْ: أُثِيرَ وأُخْرِجَ ﴿ وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ ﴾ أيْ: مُيِّزَ واسْتُخْرِجَ.

والتَّحْصِيلُ: تَمْيِيزُ ما يَحْصُلُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُبْرِزَ ما فِيها، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُيِّزَ ما فِيها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: المَعْنى: لَوْ عَلِمَ الإنْسانُ الكافِرُ ما لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ لَزَهِدَ في الكُفْرِ، وبادَرَ إلى الإسْلامِ.

ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾ وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قُرِئَتْ " إنَّ " بِالكَسْرِ لِأجْلِ اللّامِ، ولَوْلاها كانَتْ مَفْتُوحَةً بِوُقُوعِ العِلْمِ عَلَيْها.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ اللَّهُ خَبِيرًا بِهِمْ في كُلِّ حالٍ، فَلِمَ خَصَّ ذَلِكَ اليَوْمَ؟

فالجَوابُ أنَّ المَعْنى: أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ومِثْلُهُ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ  ﴾ ، مَعْناهُ: يُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، ومِثْلُهُ: ﴿ يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ  ﴾ .

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ العادِيّاتِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ: هي مَدَنِيَّةٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والعادِياتِ ضَبْحًا ﴾ ﴿ فالمُورِياتِ قَدْحًا ﴾ ﴿ فالمُغِيراتِ صُبْحًا ﴾ ﴿ فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴾ ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾ ﴿ إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ ﴿ أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ ﴾ ﴿ وَحُصِّلَ ما في الصُدُورِ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالعادِياتِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: أرادَ الخَيْلَ لِأنَّها تَعْدُو بِالفُرْسانِ وتَضْبَحُ بِأصْواتِها، قالَ بَعْضُهُمْ: وسَبَبُها «أنَّ رَسُولَ اللهِ  بَعَثَ خَيْلًا إلى بَنِي كِنانَةَ سَرِيَّةً فَأبْطَأ أمْرُها عَلَيْهِ حَتّى أرْجَفَ بَعْضُ المُنافِقِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» مُعْلِمَةُ أنَّ خَيْلَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ فَعَلَتْ جَمِيعَ ما في الآياتِ.

وقالَ آخَرُونَ: القَسَمُ هو بِالخَيْلِ جُمْلَةٌ لِأنَّها تَعْدُو ضابِحَةً قَدِيمًا وحَدِيثًا، وهي حاصِرَةُ البِلادِ وهادِمَةُ المَمالِكِ وفي نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: العادِياتُ في هَذِهِ الآيَةِ الإبِلُ لِأنَّها تَضْبَحُ في عَدْوِها، وقالَ عَلَيٌّ: والقَسَمُ بِالإبِلِ العادِياتِ مِن عَرَفَةَ ومِن مُزْدَلِفَةَ إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبِإبِلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الغَزْوَةِ غَيْرُ فَرَسَيْنِ، فَرَسُ المِقْدادِ وفَرَسُ الزُبَيْرِ.

و"الضِبْحُ" تَصْوِيتُ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ الشَدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا رُغاءٍ ولا نُباحٍ، بَلْ هو غَيْرُ المُعْتادِ مِن صَوْتِ الحَيَوانِ الَّذِي يَضْبَحُ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَيْسَ يُضْبَحُ مِنَ الحَيَوانِ غَيْرُ الخَيْلِ والكِلابِ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وَذَلِكَ أنَّ الإبِلَ تُضْبَحُ، والأُسُودُ مِنَ الحَيّاتِ، والبُومُ والصَدى والأرْنَبُ والثَعْلَبُ والفَرَسُ، هَذِهِ كُلُّها قَدِ اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ لَها الضَبْحَ، وأنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ في صِفَةِ قَوْسٍ: حَنّانَة مَن نَشَمٍ أو تَأْلَبِ تَضْبَحُ في الكَفِّ ضِباحَ الثَعْلَبِ والظاهِرُ في الآيَةِ أنَّ القَسَمَ بِالخَيْلِ أو بِالإبِلِ أو بِهِما.

قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُورِياتِ قَدْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ، وذَلِكَ أنَّها في عَدْوِها تَرْجُمُ الحَصى بِالحَصى فَتَتَطايَرُ مِنهُ النارُ، فَذَلِكَ القَدَحُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الخَيْلُ، وذَلِكَ بِحَوافِرِها في الحِجارَةِ، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المُوِرِياتُ قَدْحًا هي الألْسُنُ، فَهَذا عَلى الِاسْتِعارَةِ، أيْ أنَّها بِبَيانِها تَقْدَحُ الحُجَجَ وتُظْهِرُها، وقالَ مُجاهِدٌ: المُورِياتُ قَدْحًا يُرادُ بِهِ مَكْرُ الرِجالِ، وقالَ قَتادَةُ: المُورِياتُ الخَيْلُ تُشْعِلُ الحَرْبَ، فَهي أيْضًا عَلى الِاسْتِعارَةِ البَيِّنَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الكَلامُ عامٌّ يَدْخُلُ في القَسَمِ كُلُّ مَن يَظْهَرُ بِقَدْحِهِ نارًا، وذَلِكَ شائِعٌ في الأُمَمِ طُولَ الدَهْرِ، وهو نَفْعٌ عَظِيمٌ مِنَ اللهِ تَعالى وقَدْ وقَفَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ  ﴾ ، ومَعْناهُ: تَظْهَرُونَ بِالقَدَحِ، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: فَقَدَحْنا زِنادَنا ووَرَيْنا فَوْقَ جُرْثُومَةٍ مِنَ الأرْضِ نارًا قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُغِيراتِ صُبْحًا"، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الإبِلُ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنى، أو في بَدْرٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أغارُ" إذا عَدا حَرْبًا، ونَحْوَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ: هي الخَيْلُ، واللَفْظَةُ مِنَ الغارَةِ في سَبِيلِ اللهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سَيْرِ الأُمَمِ، وعُرْفُ الغاراتِ أنَّها مَعَ الصَباحِ لِأنَّها تَسْرِي لَيْلَةَ الغارَةِ.

و"النَقْعُ": الغُبارُ الساطِعُ المُثارُ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَأثَّرْنَ" بِشَدِّ الثاءِ، والضَمِيرُ في "بِهِ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلصُّبْحِ المَذْكُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمَكانِ والمَوْضِعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى وإنْ كانَ لَمْ يَجِرْ لَهُ ذِكْرٌ، ولِهَذا أمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، ومَشْهُورَةٌ "إثارَةُ النَقْعِ" هو لِلْخَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: يُخْرِجْنَ مِن فُرُجاتِ النَقْعِ دامِيَةً ∗∗∗ كَأنَّ آذانَها أطْرافُ أقْلامِ وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو هُنا لِلْإبِلِ تُثِيرُ النَقْعَ بِأخْفافِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾ ، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبى طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي الإبِلُ، و"جَمْعٌ" هي المُزْدَلِفَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: هي الخَيْلُ، والمُرادُ جَمْعٌ مِنَ الناسِ هُمُ المَغْزُوُّونَ، وقَرَأ عَلَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ: "فَوَسَّطْنَ" بِشَدِّ السِينِ، وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ: فَوَسَّطْنَ جَمْعُهم وأفْلَتَ حاجِبٌ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبارِ الأقْتَمِ وَذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ تَفْسِيرَ هَذِهِ الألْفاظِ ويَقُولُ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ والأُمَّةِ مُفَسِّرُونَ لَها كَما ذَكَرْنا.

والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ ، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ  أنَّهُ قالَ: « "أتُدْرُونَ ما الكَنُودُ"؟

قالُوا: لا يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "الكَنُودُ الَّذِي يَأْكُلُ وحْدَهُ، ويَمْنَعُ رَفْدَهُ، ويَضْرِبُ عَبْدَهُ"،» وقَدْ يَكُونُ في المُؤْمِنِينَ الكَفُورُ بِالنِعْمَةِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: إنَّ الإنْسانَ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ لِكَنُودٌ، و"أرْضٌ كَنُودٌ": لا تُنْبِتُ شَيْئًا، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الكَنُودُ: اللائِمُ لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ، الَّذِي يَعُدُّ السَيِّئاتِ ويَنْسى الحَسَناتِ، والكَنُودُ: العاصِي بِلُغَةِ كِنْدَةَ، ويُقالُ لِلْخَيْلِ: كَنُودٌ، وقالَ أبُو زُبَيْدٍ: إنْ تَفْتِنِي فَلَمْ أطِبْ عنكَ نَفْسًا ∗∗∗ غَيْرَ أنِّي أمْنى بِدَهْرٍ كَنُودٍ وقالَ الفُضَيْلُ: الكَنُودُ هو الَّذِي تُنْسِيهِ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ حَسَناتٍ كَثِيرَةٍ، ويُعامِلُ اللهُ عَلى عَقْدِ عِوَضٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ يَحْتَمِلُ الضَمِيرُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، وقالَهُ قَتادَةُ، أيْ: ورَبُّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِ، ونَفْسُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي الشَهادَةَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الإنْسانِ أيْ: أفْعالُهُ وأقْوالُهُ وحالُهُ المَعْلُومَةُ مِن هَذِهِ الأخْلاقِ تَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَهو شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ ، عائِدٌ عَلى الإنْسانِ لا غَيْرُ والمَعْنى: مِن أجْلِ حُبِّ الخَيْرِ لِشَدِيدٌ، أيْ: بَخِيلٌ بِالمالِ ضابِطٌ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفُّ ∗∗∗ عَقَيْلَةَ مالَ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ و"الخَيْرُ" المالُ عَلى عُرْفِ ذَلِكَ في كِتابِ اللهِ تَعالى، قالَ عِكْرِمَةُ: الخَيْرُ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ فَهو المالُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ هُنا الخَيْرَ الدُنْيَوِيَّ مِن مالٍ وصِحَّةٍ وجاهٍ عِنْدَ المُلُوكِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ الكُفّارَ والجُهّالَ لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأمّا المُحِبُّ في خَيْرِ الآخِرَةِ فَمَمْدُوحٌ مَرْجُوٌّ لَهُ الفَوْزُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَلا يَعْلَمُ" تَوْقِيفٌ عَلى المَآلِ والمَصِيرِ، أيْ: أفَلا يَعْلَمُ مَآلَهُ ومَصِيرَهُ فَيَسْتَعِدُّ لَهُ؟

و"بَعْثَرَةُ ما في القُبُورِ"، نَقْضُهُ مِمّا يَسْتُرُهُ والبَحْثُ عنهُ، وهى عِبارَةٌ عَنِ البَعْثِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بَحْثُ ما في القُبُورِ"، وفي حِرْفِ أُبَيٍّ "وَبَحْثَرَتِ القُبُورُ".

و"تَحْصِيلُ ما في الصُدُورِ": تَمْيِيزُهُ وكَشْفُهُ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ ونِيَّةٍ، ويُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَيُبْعَثُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ"،» وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِفَتْحِ الحاءِ والصادِ.

ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الخَبَرُ الصادِقُ الجَزْمُ بِأنَّ اللهَ تَعالى خَبِيرٌ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وهو تَعالى خَبِيرٌ دائِمًا، لَكِنْ خَصَّصَ يَوْمَئِذٍ لِأنَّهُ يَوْمُ المُجازاةِ، فَإلَيْهِ طَمَحَتِ النُفُوسُ، وفى هَذا وعِيدٌ مُصَرَّحٌ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ "العادِيّات" والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أقسم الله ب ﴿ العاديات ﴾ جمع العادية، وهو اسم فاعل من العَدْو وهو السيْر السريع يطلق على سير الخيل والإِبل خاصة.

وقد يوصف به سير الإِنسان وأحسب أنه على التشبيه بالخيل ومنه عَدَّاؤو العرب، وهم أربعة: السُّلَيْك بن السُّلَكَة، والشَّنْفَرى، وتَأَبَّطَ شَرّاً، وعَمْرو بن أمية الضّمْري.

يضرب بهم المثل في العَدْو.

وتأنيث هذا الوصف هنا لأنه من صفات ما لا يعقل.

والضَّبح: اضطراب النفَس المتردد في الحنجرة دون أن يخرج من الفم وهو من أصوات الخيل والسباع.

وعن عطاء: سمعت ابن عباس يصف الضبح أحْ أحْ.

وعن ابن عباس ليس شيء من الدواب يضبح غير الفرس والكلْب والثعلب، وهذا قول أهل اللغة واقتصر عليه في «القاموس».

روى ابن جرير بسنده إلى ابن عباس قال: «بينما أنا جالس في الحِجْر جاءني رجل فسألني عن ﴿ العاديات ضبحاً ﴾ فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم ويُورون نارهم، فانفتل عني فذهب إلى علي بن أبي طالب وهو تحت سِقاية زمزم فسأله عنها، فقال: سألتَ عنها أحداً قبلي؟

قال: نعم، سألتُ ابن عباس فقال: الخيلُ تغزو في سبيل الله، قال: اذهب فادعُه لي، فلما وقفتُ عند رأسه.

قال: تُفتي الناس بما لا علم لك به واللَّهِ لَكانتْ أول غزوة في الإِسلام لبدر وما كان معَنا إلا فَرسَان فرسٌ للزبير وفرس للمِقداد فكيف تكون العادياتتِ ضَبحا، إنما العاديات ضَبحا الإِبل من عَرفة إلى المزدلفة ومن المزدلفة إلى منى (يعني بذلك أن السورة مكية قبل ابتداء الغزو الذي أوله غزوة بدر) قال ابن عباس: فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي».

وليس في قول علي رضي الله عنه تصريح بأنها مكية ولا مدنية وبمثل ما قال علي قَال ابن مسعود وإبراهيمُ ومجاهد وعُبيد بن عمير.

والضبح لا يطلق على صوت الإِبل في قول أهل اللغة.

فإذا حمل ﴿ العاديات ﴾ على أنها الإِبل، فقال المبرد وبعض أهل اللغة: من جعلها للإِبل جعل ﴿ ضبحا ﴾ بمعنى ضَبعا، يقال: ضبحت الناقة في سيرها وضبَعت، إذا مدت ضبعيها في السير.

وقال أبو عبيدة: ضبحت الخيل وضبعت، إذا عَدَت وهو أن يمد الفرس ضبعيه إذا عدا، أي فالضبح لغة في الضبع وهو من قلب العين حاء.

قال في «الكشاف»: «وليس بثبت».

ولكن صاحب «القاموس» اعتمده.

وعلى تفسير ﴿ العاديات ﴾ بأنها الإِبل يكون الضبح استعير لصوت الإِبل، أي من شدة العدو قويت الأصوات المتردّدة في حناجرها حتى أشبهت ضبح الخيل أو أريد بالضبح الضبع على لغة الإِبدال.

وانتصب ﴿ ضبحاً ﴾ فيجوز أن يجعل حالاً من ﴿ العاديات ﴾ إذا أريد به الصوت الذي يتردد في جوفها حين العدو، أو يجعل مبيناً لنوع العدو إذا كان أصله: ضبحا.

وعلى وجه أن المقسم به رواحل الحج فالقَسم بها لتعظيمها بما تُعين به على مناسك الحج.

واختير القسم بها لأن السامعين يوقنون أن ما يقسم عليه بها محقق، فهي معظمة عند الجميع من المشركين والمسلمين.

والموريات: التي توري، أي توقد.

والقَدْح: حكّ جسم على آخر ليقدح ناراً، يقال: قدح فأورَى.

وانتصب ﴿ قدحا ﴾ على أنه مفعول مطلق مُؤكّد لعامله.

وكل من سنابك الخيل ومناسم الإِبل تقدح إذا صَكَّت الحجر الصَّوَّان ناراً تسمى نار الحُباحب، قال الشنفرى يشبِّه نفسه في العدو ببعير: إذا الأمْعَز الصَّوَّان لاقَى مَناسمي *** تَطَايَر منه قَادح ومُفلَّل وذلك كناية عن الإِمعان في العدو وشدة السرعة في السير.

ويجوز أن يراد قَدح النيرَان بالليل حين نزولهم لحاجتهم وطعامهم، وجُوز أن يكون ﴿ الموريات قدحاً ﴾ مستعار لإِثارة الحرب لأن الحرب تشبَّه بالنار.

قال تعالى: ﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها اللَّه ﴾ [المائدة: 64]، فيكون ﴿ قدحاً ﴾ ترشيحاً لاستعارة ﴿ الموريات ﴾ ومنصوباً على المفعول المطلق ل ﴿ الموريات ﴾ وجُوز أن يكون ﴿ قدحاً ﴾ بمعنى استخراج المرق من القِدر في القداح لإِطعام الجيش أو الركْب، وهو مشتق من اسم القَدَح، وهو الصحفة فيكون ﴿ قدحاً ﴾ مصدراً منصوباً على المفعول لأجله.

والمغيرات: اسم فاعل من أغار، والإِغارة تطلق على غزو الجيش داراً وهو أشهر إطلاقها فإسناد الإِغارة إلى ضمير ﴿ العاديات ﴾ مجاز عقلي فإن المغيرين راكبوها ولكن الخيل أو إبل الغزو أسباب للإِغارة ووسائل.

وتطلق الإِغارة على الاندفاع في السير.

و ﴿ صبحاً ﴾ ظرف زمان فإذا فسر «المغيرات» بخيل الغزاة فتقييد ذلك بوقت الصبح لأنهم كانوا إذا غزوا لا يغيرون على القوم إلا بعد الفجر ولذلك كان مُنذر الحَيِّ إذا أنذر قومه بمجيء العدوّ نادى: يا صَبَاحاه، قال تعالى: ﴿ فإذا نَزَل بساحتهم فساء صباح المنذرين ﴾ [الصافات: 177].

وإذا فسر «المغيرات» بالإِبل المسرعات في السير، فالمراد: دفعها من مزدلفة إلى منى صباحَ يوم النحر وكانوا يدفعون بكرة عندما تُشرق الشمس على ثبير ومن أقوالهم في ذلك: «أشْرِق ثَبير كيما نغير».

«وأثَرنَ به نقعاً»: أصعَدْن الغبار من الأرض من شدة عدْوِهن، والإِثارة: الإِهاجة، والنقع: الغبار.

والباء في ﴿ به ﴾ يجوز أن تكون سببية، والضمير المجرور عائد إلى العَدْوِ المأخوذ من ﴿ العاديات ﴾ .

ويجوز كون الباء ظرفية والضمير عائداً إلى ﴿ صبحاً ﴾ ، أي أثرن في ذلك الوقت وهو وقت إغارتها.

ومعنى: «وسَطْن»: كُنَّ وسط الجمع، يقال: وسط القومَ، إذا كان بينهم.

و ﴿ جمعاً ﴾ مفعول: «وسَطْن» وهو اسم لجماعة الناس، أي صِرْن في وسط القوم المغزوون.

فأما بالنسبة إلى الإِبل فيتعين أن يكون قوله: ﴿ جمعاً ﴾ بمعنى المكان المسمى ﴿ جمعاً ﴾ وهو المزدلفة فيكون إشارة إلى حلول الإِبل في مزدلفة قبل أن تغير صبحاً منها إلى عرفة إذ ليس ثمة جماعة مستقرة في مكان تصل إليه هذه الرواحل.

ومن بديع النظم وإعجازه إيثار كلمات «العاديات وضبحاً والموريات وقدحا، والمغيرات وصبحاً، ووسطن وجمعاً» دون غيرها لأنها برشقاتها تتحمل أن يكون المقسم به خيل الغزو ورواحل الحج.

وعطفت هذه الأوصاف الثلاثة الأولى بالفاء لأن أسلوب العرب في عطف الصفات وعطف الأمكنة أن يكون بالفاء وهي للتعقيب، والأكثر أن تكون لتعقيب الحصول كما في هذه الآية، وكما في قول ابن زيَّابة: يا لهفَ زيَّابةَ للحارِث الصَّ *** ابح فالغانم فالآيب وقد يكون لمجرد تعقيب الذِّكر كما في سورة الصافات.

والفاء العاطفة لقوله: ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ عاطفة على وصف «المغيرات».

والمعطوف بها من آثار وصف المغيرات.

وليست عاطفة على صفة مستقلة مثل الصفات الثلاث التي قبلها لأن إثارة النقع وتوسط الجمع من آثار الإِغارة صُبحاً، وليسا مُقْسماً بهما أصالةً وإنما القَسم بالأوصاف الثلاثة الأولى.

فلذلك غُير الأسلوب في قوله: ﴿ فأثرن به نقعاً فوسطن به جمعاً ﴾ فجيء بهما فعلين ماضيين ولم يأتيا على نسق الأوصاف قبلهما بصيغة اسم الفاعل للإِشارة إلى أن الكلام انتقل من القَسَم إلى الحكاية عن حصول ما تَرتَّبَ على تلك الأوصاف الثلاثة ما قُصد منها من الظفَر بالمطلوب الذي لأجله كان العَدو والإِيراء والإِغارة عقبه وهي الحلُول بدار القوم الذين غزَوهم إذَا كان المراد ب ﴿ العاديات ﴾ الخيل، أو بلوغُ تمام الحج بالدفع عن عرفة إذا كان المراد ب ﴿ العاديات ﴾ رواحل الحجيج، فإن إثارة النقع يشعرون بها عند الوصول حين تقف الخيل والإِبل دفعة، فتثير أرجلها نقعاً شديداً فيما بينهما، وحينئذ تتوسطن الجمع من الناس.

وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿ جمعاً ﴾ اسم المزدلفة حيث المشعر الحرام.

ومناسبة القسم بهذه الموصوفات دون غيرها إن أريد رواحل الحجيج وهو الوجه الذي فسر به علي بن أبي طالب هو أن يصدّق المشركون بوقوع المقسم عليه لأن القسم بشعائر الحج لا يكون إلا باراً حيث هم لا يصدقون بأن القرآن كلام الله ويزعمونه قول النبي صلى الله عليه وسلم وإن أريد ب ﴿ العاديات ﴾ وما عطف عليها خيل الغزاة، فالقسم بها لأجل التهويل والترويع لإِشعار المشركين بأنَّ غارة تترقبهم وهي غزوة بدر، مع تسكين نفس النبي صلى الله عليه وسلم من التردد في مصير السرية التي بعث بها مع المُنذر بن عَمْرو إذا صحّ خبرها فيكون القسم بخصوص هذه الخيل إدماجاً للاطمئنان.

وجملة: ﴿ إن الإنسان لربه لكنود ﴾ جواب القسم.

والكَنود: وصف من أمثلة المبالغة من كَند ولغات العرب مختلفة في معناه فهو في لغة مضر وربيعةَ: الكفور بالنعمة، وبلغة كنانة: البخيل، وفي لغة كِندة وحضرموت: العاصي.

والمعنى: لشديد الكفران لله.

والتعريف في ﴿ الإنسان ﴾ تعريف الجنس وهو يفيد الاستغراق غالباً، أي أن في طبع الإنسان الكُنود لربه، أي كفرانَ نعمته، وهذا عارض يعرض لكل إنسان على تفاوتتٍ فيه ولا يسلم منه إلا الأنبياء وكُمَّل أهل الصلاح لأنه عارض ينشأ عن إيثار المرء نفسه وهو أمر في الجبلة لا تدفعه إلا المراقبة النفسية وتذكّرُ حق غيره.

وبذلك قد يذهل أو ينسَى حق الله، والإِنسان يحس بذلك من نفسه في خطراته، ويتوانى أو يغفل عن مقاومته لأنه يشتغل بإرضاء داعية نفسه والأنفس متفاوتة في تمكن هذا الخُلق منها، والعزائم متفاوتة في استطاعة مغالبته.

وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ وإنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد ﴾ فلذلك كان الاستغراق عرفياً أو عامّاً مخصوصاً، فالإِنسان لا يخلو من أحوال مآلها إلى كفران النعمة، بالقول والقصد، أو بالفعل والغفلة، فالإِشراك كنود، والعِصيان كنود، وقِلة ملاحظة صَرف النعمة فيما أعطيت لأجله كنود، وهو متفاوت، فهذا خلق متأصل في الإِنسان فلذلك أيقظ الله له الناس ليَريضوا أنفسهم على أمانة هذا الخلق من نفوسهم كما في قوله تعالى: ﴿ إن الإنسان خلق هلوعاً ﴾ [المعارج: 19] وقوله: ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ [الأنبياء: 37] وقوله: ﴿ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴾ [العلق: 6، 7] وقد تقدمت قريباً.

وعن ابن عباس: تخصيص الإنسان هنا بالكافر فهو من العموم العرفي.

وروي عن أبي أمامة الباهلي بسند ضعيف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الكنود هو الذي يأكل وحْدَه ويمنع رفده ويضْرب عبده» وهو تفسير لأدنى معاني الكنود فإن أكله وحده، أي عدم إطعامه أحداً معه، أو عدم إطعامه المحاويج إغضاء عن بعض مراتب شكر النعمة، وكذلك منعه الرفد، ومثله: ضربه عبده فإن فيه نسياناً لشكر الله الذي جعل العبد ملكاً له ولم يجعله ملكاً للعبد فيدل على أن ما هو أشد من ذلك أولى بوصف الكَنود.

وقيل التعريف في ﴿ الإنسان ﴾ للعهد، وأن المراد به الوليد بن المغيرة، وقيل: قرطة بن عبد عمرِو بن نوفل القرشي.

واللام في ﴿ لربه ﴾ لام التقوية لأن (كَنود) وصف ليس أصيلاً في العمل، وإنما يتعلق بالمعمولات لمشابهته الفعل في الاشتقاق فيكثر أن يقترن مفعوله بلام التقوية، ومع تأخيره عن معموله.

وتقديم ﴿ لربه ﴾ لإِفادة الاهتمام بمتعلق هذا الكنود لتشنيع هذا الكنود بأنه كنود للرب الذي هو أحق الموجودات بالشكر وأعظم ذلك شرك المشركين، ولذلك أكد الكلام بلام الابتداء الداخلة على خبر (إنَّ) للتعجيب من هذا الخبر.

وتقديم ﴿ لربه ﴾ على عامله المقترن بلام الابتداء وهي من ذوات الصدر لأنهم يتوسعون في المجرورات والظروف، وابنُ هشام يرى أن لام الابتداء الواقعة في خبر (إنَّ) ليست بذات صدارة.

وضمير ﴿ وإنه على ذلك لشهيد ﴾ عائد إلى الإنسان على حسب الظاهر الذي يقتضيه انتساق الضمائر واتحاد المتحدث عنه وهو قول الجمهور.

والشهيد: يطلق على الشاهد وهو الخبر بما يُصدَّق دعوى مدع، ويطلق على الحاضر ومنه جاء إطلاقه على العالم الذي لا يفوته المعلوم، ويطلق على المقر لأنه شهد على نفسه.

والشهيد هنا: إما بمعنى المقر كما في «أشْهد أن لا إله إلا الله».

والمعنى: أن الإنسان مقر بكنوده لربه من حيث لا يقصد الإِقرار، وذلك في فلتات الأقواللِ مثل قول المشركين في أصنامهم: ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللَّه زلفى ﴾ [الزمر: 3].

فهذا قول يلزمه اعترافهم بأنهم عبدوا ما لا يستحق أن يُعبد وأشركوا في العبادة مع المستحق للانفراد بها، أليس هذا كنوداً لربهم، قال تعالى: ﴿ وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ﴾ [الأنعام: 130]، وفي فلتات الأفعال كما يعرض للمسلم في المعاصي.

والمقصود من هذه الجملة تفظيع كنود الإنسان بأنه معلوم لصاحبه بأدنى تأمل في أقواله وأفعاله.

وعلى هذا فحرف ﴿ على ﴾ متعلق ب«شهيد» واسم الإِشارة مُشار به إلى الكُنود المأخوذ من صفة «كَنود».

ويجوز أن يكون «شهيد» بمعنى (عليم) كقول الحارث بن حِلَّزة في عمرو بن هند: وهو الربُّ والشهيدُ على يَوْ *** م الخيَارَيْننِ والبَلاء بَلاء ومتعلق «شهيد» محذوفاً دلّ عليه المقام، أي عليم بأن الله ربه، أي بدلائل الربوبية، ويكون قوله: ﴿ على ذلك ﴾ بمعنى: مع ذلك، أي مع ذلك الكُنود هو عليم بأنه ربه مستحق للشكر والطاعة لا للكنود، فحرف ﴿ على ﴾ بمعنى (مع) كقوله: ﴿ وآتى المال على حبه ﴾ [البقرة: 177] و ﴿ يطعمون الطعام على حبه ﴾ [الإنسان: 8] وقول الحارث بن حلزة: فبقِينَا على الشَّناءَةِ تنْمِ *** نَا حصون وعِرة قعساء والجار والمجرور في موضع الحال وذلك زيادة في التعجيب من كنود الإِنسان.

وقال ابن عباس والحسن وسفيان: ضمير ﴿ وإنَّه ﴾ عائد إلى «ربه»، أي وأن الله على ذلك لشهيد، والمقصود أن الله يعلم ذلك في نفس الإِنسان، وهذا تعريض بالتحذير من الحساب عليه.

وهذا يسوغه أن الضمير عائد إلى أقرب مذكور ونقل عن مجاهد وقتادة كلا الوجهين فلعلهما رأيا جواز المحملين وهو أولى.

وتقديم ﴿ على ذلك ﴾ على «شهيد» للاهتمام والتعجيب ومراعاة الفاصلة.

والشديد: البخيل.

قال أبو ذؤيب راثياً: حَذَرْنَاه بأثواب في قَعر هوة *** شَديدٍ على ما ضُمَّ في اللحد جُولُها والجول بالفتح والضَّم: التراب، كما يقال للبخيل المتشدد أيضاً قال طرفة: عقيلة مال الفاحش المتشدد *** واللام في ﴿ لحب الخير ﴾ لام التعليل، والخير: المال قال تعالى: ﴿ إن ترك خيراً ﴾ [البقرة: 18].

والمعنى: إن في خُلق الإِنسان الشُّحّ لأجل حبه المال، أي الازدياد منه قال تعالى: ﴿ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ [الحشر: 9].

وتقديم ﴿ لحب الخير ﴾ على متعلَّقه للاهتمام بغرابة هذا المتعلق ولمراعاة الفاصلة، وتقديمه على عامله المقترن بلام الابتداء، وهي من ذوات الصدر لأنه مجرور كما علمت في قوله: ﴿ لربه لكنود ﴾ .

وحب المال يبعث على منع المعروف، وكان العرب يعيِّرون بالبخل وهم مع ذلك يبْخَلون في الجاهلية بمواساة الفقراء والضعفاء ويأكلون أموال اليتامى ولكنهم يسرفون في الإِنفاق في مظان السمعة ومجالس الشرب وفي الميسر قال تعالى: ﴿ ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلاً لما وتحبون المال حباً جماً ﴾ [الفجر: 18 20].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ العادِياتِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وجابِرٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وقَتادَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والعادِياتِ ضَبْحًا ﴾ في العادِياتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ في الجِهادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسٌ والحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وطَعْنَةٍ ذاتِ رَشاشٍ واهِيَهْ طَعَنْتُها عِنْدَ صُدُورِ العادِيَهْ يَعْنِي الخَيْلَ.

الثّانِي: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وابْنُ مَسْعُودٍ ومِنهُ قَوْلُ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا صَدَعَ الغُبارُ يَعْنِي الإبِلَ، وسُمِّيَتِ العادِياتِ لِاشْتِقاقِها مِنَ العَدْوِ، وهو تُباعُدُ الرِّجْلِ في سُرْعَةِ المَشْيِ; وفي قَوْلِهِ ﴿ ضَبْحًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الضَّبْحَ حَمْحَمَةُ الخَيْلِ عِنْدَ العَدْوِ، قالَهُ مَن زَعَمَ أنَّ العادِياتِ الخَيْلُ.

الثّانِي: أنَّهُ شِدَّةُ النَّفْسِ عِنْدَ سُرْعَةِ السَّيْرِ، قالَهُ مَن زُعِمَ أنَّها الإبِلُ، وقِيلَ إنَّهُ لا يَضْبَحُ بِالحَمْحَمَةِ في عَدْوِهِ إلّا الفَرَسُ والكَلْبُ، وأمّا الإبِلُ فَضَبْحُها بِالنَّفَسِ; وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَبْحُها: قَوْلُ سائِقِها أجَّ أجَّ; وهَذا قَسَمٌ، ﴿ فالمُورِياتِ قَدْحًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ مِن شِدَّةِ الوَقْعِ، قالَهُ عَطاءٌ.

الثّانِي: أنَّها نِيرانُ الحَجِيجِ بِمُزْدَلِفَةَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

الثّالِثُ: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا اشْتَعَلَتْ فَكَثَّرَتْ نِيرانَها إرْهابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّها تَهَيُّجُ الحَرْبِ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الخامِسُ: أنَّهُ مَكْرُ الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ; يَعْنِي في الحُرُوبِ.

السّادِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ وأُوضَحَ بِها الحَقُّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وهو قَسَمٌ ثانٍ.

﴿ فالمُغِيراتِ صُبْحًا ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ صُبْحًا، أيْ عَلانِيَةً، تَشْبِيهًا بِظُهُورِ الصُّبْحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها الإبِلُ حِينَ تَعْدُو صُبْحًا مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

﴿ فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَأثَرْنَ بِهِ غُبارًا، والنَّقْعُ الغُبارُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفِي كَداءِ الثّانِي: النَّقْعُ ما بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ بَطْنُ الوادِي، فَلَعَلَّهُ يَرْجِعُ إلى الغُبارِ المُثارِ مِن هَذا المَوْضِعِ.

﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: جَمْعُ العَدُوِّ حَتّى يَلْتَقِيَ الزَّحْفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّها مُزْدَلِفَةُ تُسَمّى جَمْعًا لِاجْتِماعِ الحاجِّ لَها وإثارَةِ النَّقْعِ في الدَّفْعِ إلى مِنًى، قالَهُ مَكْحُولٌ.

﴿ إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَكَفُورٌ قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى أحْدِثْ لَها تَحْدُثْ لِوَصْلِكَ إنَّها ∗∗∗ كُنُدٌ لِوَصْلِ الزّائِرِ المُعْتادِ وَقِيلَ: إنَّ الكَنُودَ هو الَّذِي يَكْفُرُ اليَسِيرَ ولا يَشْكُرُ الكَثِيرَ.

الثّانِي: أنَّهُ اللَّوّامُ لِرَبِّهِ، يَذْكُرُ المَصائِبَ ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو قَرِيبٌ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ.

الثّالِثُ: أنَّ الكَنُودَ الجاحِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ إنَّما سُمِّيَتْ كِنْدَةَ لِأنَّها جَحَدَتْ أباها، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ زُهَيْرٍ الشّاعِرُ دَعِ البُخَلاءَ إنْ شَمَخُوا وصَدُّوا ∗∗∗ وذِكْرى بُخْلِ غانِيَةٍ كَنُودِ الرّابِعُ: أنَّ الكَنُودَ العاصِي بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ، وذَكَرَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الخامِسُ: أنَّهُ البَخِيلُ بِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَنُودُ بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ: البَخِيلُ.

السّادِسُ: أنَّهُ يُنْفِقُ نِعَمَ اللَّهِ في مَعاصِي اللَّهِ.

السّابِعُ: ما رَواهُ القاسِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «الكَنُودُ الَّذِي يَضْرِبُ عَبْدَهُ ويَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ»، وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ بِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ السُّورَةِ.

﴿ وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُفْرِ الإنْسانِ لَشَهِيدٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ كَنُودٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ يَعْنِي الإنْسانَ، وفي الخَيْرِ ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: المالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

الثّانِي: الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الخَيْرَ ها هُنا الِاخْتِيارُ، ويَكُونُ مَعْناهُ: وإنَّهُ لِحُبِّ اخْتِيارِهِ لِنَفْسِهِ لَشَدِيدٌ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ لَشَدِيدٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، وشِدَّةُ الحُبِّ قُوَّتُهُ وتَزايُدُهُ.

الثّانِي: لَشَحِيحٌ بِالمالِ يَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مِنهُ، قالَهُ الحَسَنُ، مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ شَدِيدٌ أيْ شَحِيحٌ.

﴿ أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَن فِيها مِنَ الأمْواتِ.

الثّانِي: مَعْناهُ ماتَ.

الثّالِثُ: بُحِثَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (بُحْثِرَ ما في القُبُورِ( .

﴿ وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُيِّزَ ما فِيها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: اسْتُخْرِجَ ما فِيها.

الثّالِثُ: كُشِفَ ما فِيها.

﴿ إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾ أيْ عالِمٌ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَخَبِيرٌ بِما في نُفُوسِهِمْ.

الثّانِي: لَخَبِيرٌ، بِما تَؤُولُ إلَيْهِ أُمُورُهم.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت والعاديات بمكة.

وأخرج أبو عبيد في فضائله عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ إذا زلزلت ﴾ [ الزلزلة: 1] تعدل بنصف القرآن ﴿ والعاديات ﴾ تعدل بنصف القرآن» .

وأخرج محمد بن نصر من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ إذا زلزلت ﴾ تعدل نصف القرآن ﴿ والعاديات ﴾ تعدل نصف القرآن و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ [ الاخلاص] تعدل ثلث القرآن و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ [ سورة الكافرون: 1] تعدل ربع القرآن» .

وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني في الافراد وابن مردويه عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلاً فاستمرت شهراً لا يأتيه منها خبر فنزلت ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ ضبحت بأرجلها ولفظ ابن مردويه ضبحت بمناخيرها ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قدحت بحوافرها الحجارة فأورت ناراً ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ صبحت القوم بغارة ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ أثارت بحوافرها التراب ﴿ فوسطن به جمعاً ﴾ صبحت القوم جميعاً.

وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى العدو فأبطأ خبرها، فشق ذلك عليه، فأخبره الله خبرهم، وما كان من أمرهم فقال: ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: هي الخيل، والضبح: نخير الخيل حتى تنخر ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قال: حين تجري الخيل توري ناراً أصابت بسنابكها الحجارة ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ قال: هي الخيل أغارت فصبحت العدو ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ قال: هي الخيل أثرن بحوافرها يقول تعدو الخيل، والنقع الغبار ﴿ فوسطن به جمعاً ﴾ قال: الجمع العدوّ» .

وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح قال: تقاولت أنا وعكرمة في شأن العاديات فقال: قال ابن عباس هي الخيل في القتال، وضبحها حين ترخي مشافرها إذا أعدت ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قال: أرت المشركين مكرهم ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ قال: إذا صبحت العدو ﴿ فوسطن به جمعاً ﴾ قال: إذا توسطت العدو.

قال أبو صالح: فقلت: قال عليّ: هي الإِبل في الحج، ومولاي كان أعلم من مولاك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس قال: بينما أنا في الحجر جالس إذ أتاني رجل فسأل عن العاديات ضبحاً فقلت: الخيل حين تغير في سبيل الله ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم ويورون نارهم، فانفتل عني فذهب عني إلى علي بن أبي طالب وهو جالس تحت سقاية زمزم، فسأله عن العاديات ضبحاً.

فقال: سألت عنها أحداً قبل؟

قال نعم.

سألت عنها ابن عباس.

فقال: هي الخيل حين تغير في سبيل الله.

فقال: اذهب فادعه لي.

فلا وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك والله إن أول غزوة في الإِسلام لبدر، وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود، فكيف يكون العاديات ضبحاً إنما العاديات ضبحاً من عرفة إلى المزدلفة، فإذا أدوا إلى المزدلفة أوروا إلى النيران ﴿ والمغيرات صبحاً ﴾ من المزدلفة إلى منى فذلك جمع وأما قوله: ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ فهو نقع الأرض حين تطؤه بخفافها وحوافرها.

قال ابن عباس فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال عليّ.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق الأعمش عن إبراهيم عن عبد الله ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: الإِبل قال إبراهيم: وقال علي بن أبي طالب: هي الإِبل.

وقال ابن عباس: هي الخيل فبلغ علياً قول ابن عباس فقال: ما كانت لنا خيل يوم بدر.

قال ابن عباس: إنما كان ذلك في سرية بعثت.

وأخرج عبد بن حميد عن عامر قال: تمارى عليّ وابن عباس في العاديات ضبحاً فقال ابن عباس: هي الخيل، وقال عليّ: كذبت يا ابن فلانة، والله ما كان معنا يوم بدر فارس إلا المقداد، وكان على فرس أبلق.

قال: وكان عليّ يقول: هي الإِبل.

فقال ابن عباس: ألا ترى أنها تثير نقعاً فما شيء تثيره إلا بحوافرها.

وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: الخيل ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قال: الرجل إذا أورى زنده ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ قال: الخيل تصبح العدوّ ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ قال: التراب ﴿ فوسطن به جمعاً ﴾ قال: العدو ﴿ إن الإِنسان لربه لكنود ﴾ قال: لكفور.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: قال ابن عباس في القتال، وقال ابن مسعود: في الحج.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: ليس بشيء من الدواب يضبح إلا كلب أو فرس ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قال: هو مكر الرجل قدح فأورى ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ قال: غارت الخيل صبحاً ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ قال: غبار وقع سنابك الخيل ﴿ فوسطن به جمعاً ﴾ قال: جمع العدو.

قال عمرو: وكان عبيد بن عمير يقول: هي الإِبل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: الخيل ضبحها زجرها ألم تر أن الفرس إذا عدا قال: أح أح فذاك ضبحها.

وأخرج ابن جرير عن علي قال: الضبح من الخيل الحمحمة ومن الإِبل النفس.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: هي الخيل تعدو حتى تضبح ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قال: قدحت النار بحوافرها ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ غارت حين أصبحت ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ قال: غبار ﴿ فوسطن به جمعاً ﴾ قال: جمع القوم ﴿ إن الإِنسان لربه لكنود ﴾ قال: لكفور.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: الخيل ألم تر إلى الفرس إذا أحري كيف يضبح، وما ضبح بعير قط ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قال: المكر تقول العرب إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه: أما والله لأقدحن لك، ثم لأورين ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ قال: الخيل ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ قال: التراب مع وقع الخيل ﴿ فوسطن به جمعاً ﴾ قال: جمع العدو ﴿ إن الإِنسان لربه لكنود ﴾ قال: لكفور.

وأخرج عبد بن حميد عن عطية ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: الخيل ألم ترها إذا عدت تزحر يقول تنحر ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قال: الكر ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ قال: الخيل ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ قال: الغبار ﴿ فوسطن به جمعاً ﴾ قال: جمع المشركين ﴿ إن الإِنسان لربه لكنود ﴾ قال: لكفور.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قال: كان مكر المشركين إذا مكروا قدحوا النار حتى يروا أنهم كثير.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ قال: النقع ما يسطع من حوافر الخيل.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت حسان بن ثابت وهو يقول: عدمنا خيلنا إن لم تروها ** تثير النقع موعدها كداء قال: فأخبرني عن قوله: ﴿ إن الإِنسان لربه لكنود ﴾ قال: الكنود الكفور للنعمة وهو الذي يأكل وحده ويمنع رفده ويجيع عبده.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: شكرت له يوم العكاظ نواله ** ولم أك للمعروف ثم كنودا وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: هي الإِبل في الحج ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ إذا استفت الحصى بمناسمها تضرب الحصى بعضه بعضاً فيخرج منه النار ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ حين يفيضون من جمع ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ قال: إذا صرن يثرن التراب.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: الإِبل ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قال: الخيل ﴿ فوسطن به جمعاً ﴾ قال: القوم ﴿ إن الإِنسان لربه لكنود ﴾ قال: لكفور.

وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب القرظي ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ قال: الدفعة من عرفة ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ قال: النيران تجمع ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ قال: الدفعة من جمع ﴿ فأثرن به نقعاً ﴾ قال: بطن الوادي ﴿ فوسطن به جمعاً ﴾ قال: جمع منى.

وأخرج عبد بن حميد وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: الكنود بلساننا أهل البلد الكفور.

وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إن الإِنسان لربه لكنود ﴾ قال: لكفور.

وأخرج عبد بن حميد والبخاري في الأدب والحكيم الترمذي وابن مردويه عن أبي أمامة قال: الكنود الذي يمنع رفده وينزل وحده ويضرب عبده.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر بسند ضعيف عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما الكنود؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: هو الكفور الذي يضرب عبده ويمنع رفده ويأكل وحده» .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن قتادة والحسن في قوله: ﴿ إن الإِنسان لربه لكنود ﴾ قال: الكفور للنعمة، البخيل بما أعطى، والذي يمنع رفده ويجيع عبده ويأكل وحده، ولا يعطي النائبة تكون في قومه، ولا يكون كنوداً حتى تكون هذه الخصال فيه.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن ﴿ إن الإِنسان لربه لكنود ﴾ قال: لكفور يعدد المصيبات وينسى نعم ربه عز وجل.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وإنه على ذلك لشهيد ﴾ قال: الإِنسان ﴿ وإنه لحب الخير ﴾ قال: المال.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وإنه على ذلك لشهيد ﴾ قال: الله عز وجل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وإنه على ذلك لشهيد ﴾ قال: هذه من مقاديم الكلام يقول وإن الله على ذلك لشهيد، وإن الإِنسان لحب الخير لشديد.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وإنه لحب الخير ﴾ قال: هو المال.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب ﴿ وإنه على ذلك لشهيد ﴾ قال: الإِنسان شاهد على نفسه ﴿ أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور ﴾ قال: حين يبعثون ﴿ وحصل ما في الصدور ﴾ قال: أخرج ما في الصدور.

وأخرج ابن عساكر من طريق البختري بن عبيد عن أبيه عن أبي هريرة قال: «قال رجل يا رسول الله: ما العاديات ضبحاً؟

فأعرض عنه ثم رجع إليه من الغد فقال: ما الموريات قدحاً؟

فأعرض عنه، ثم رجع إليه الثالثة فقال: ما المغيرات صبحاً؟

فرفع العمامة والقلنسوة عن رأسه بمخصرته فوجده مقرعاً رأسه فقال: لو وجدتك حالقاً رأسك لوضعت الذي فيه عيناك ففزع الملأ من قوله، فقالوا يا نبي الله ولم؟

قال: إنه سيكون أناس من أمتي يضربون القرآن بعضه ببعض ليبطلوه ويتبعون ما تشابه ويزعمون أن لهم في أمر ربهم سبيلاً، ولكل دين مجوس، وهم مجوس أمتي وكلاب النار» فكأنه يقول: هم القدرية.

قال الذهبي في الميزان: البختري ضعفه أبو حاتم وأعله غيره وقال أبو نعيم: روي عن أبيه موضوعات.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله (تعالى) (١) ﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴾ .

(يقال: ثار الغبارُ والدُّخان، إذا ارتفع، وثار القطا (٢) (٣) (٤) (٥) أثرْن الغُبارَ (٦) (٧) "والنقع" الغبار.

قال جرير: لقومي أحمى في الحقيقة منكم ...

وأضرب للجبار والنقع سَاطع (٨) قال المفسرون (٩) (١٠) ثكلت جيادنا إن لم تروها ...

تُثيرُ النَّقْعَ من جبلي كداء (١١) (١٢) ﴿ بِهِ ﴾ قال الكلبي: بالمكَان الذي انتهى إليه (١٣) قال الفراء: ﴿ بِهِ ﴾ يريد الوادي، ولم يذكر قبل، وهو جائز إذا عرف اسم الشيء كنى عنه، صمن لم يَجْرِ له ذكر قال الله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ  ﴾ .

يعني القرآن، وهو استئناف سورة (١٤) وهذا على قول من يقول: إن هذه الآيات في ذكر إبل الحجاج (١٥) (١٦) وقال أبو إسحاق: فأثرن بمكان عدوها (١٧) (١٨) (١٩) وعطف ﴿ فَأَثَرْنَ ﴾ على معنى: فالمغيرات، ومعناهَا: فاللاتي أغرن صبحًا فأثرن.

(١) ساقط من (ع).

(٢) القطا: هو طير، والواحدة: قطاة، سمي بذلك لثِقل مَشْيه.

"تهذيب اللغة" 9/ 240 (قطا)، و"لسان العرب" 14/ 189 (قطا).

(٣) (مجمثه): هكذا وردت في "تهذيب اللغة" بدلاً من: مفحصه.

(٤) مفحص القطاة حيث تُفَرّخ فيها من الأرض، والدجاجة تفحص برجليها وجناحيها في التراب: تتخذ لنفسها أفحوصة تبيض أو تجثم فيه، وأفاحيص القطا التي تفرخ فيها.

"تهذيب اللغة" 4/ 259 (فحص).

(٥) ما بين القوسين نقله عن "تهذيب اللغة" 15/ 112 (ثار) (٦) في (أ): (غبارًا).

(٧) شطره الأول: مِسَحِّ إذا ما السابحاتُ على الوَنى وقد ورد في "ديوانه": 53.

دار صادر.

ومعناه: سح يسح: بمعنى صب يصب؛ أي أنه يصب الجري، والعدو صباً بعد صب.

السابح من الخيل: الذي يمد يديه في عدوه؛ شبه بالسابح في الماء.

الواني: الفتور، الكديد: الأرض الصلبة المطمئنة.

المركل: من الركل: وهو الدفع بالرجل، والضرب بها، والمركل الذي يركل مرة بعد أخرى.

ديوانه: المرجع السابق.

(٨) لم أجده في ديوانه.

(٩) قال بذلك: مجاهد، وابن عباس، وعطاء، وابن زيد، وعكرمة، وقتادة، وعبد الله بن مسعود.

"تفسير عبد الرزاق" 2/ 390، و"جامع البيان" 30/ 176، و"الدر المنثور" 8/ 603.

وقال محمد بن كعب: النقع ما بين مزدلفة إلى مني.

"النكت والعيون" 6/ 325.

(١٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(١١) في (أ): (لداء).

(١٢) ورد البيت في "ديوانه" ص 8، ط.

دار صادر برواية: عَدِمْنَا خيلنا إن لم تَرَوهْاَ ...

تُثير النقع موعدها كداء= "النكت والعيون" 6/ 325 برواية: عدمت بُنَيتيّ من كنفي كَداء و"الدر المنثور" 8/ 602 وعزاه إلى الطيالسي، وبرواية: (عدمنا موعدها كداء)، و"روح المعاني" 30/ 216.

النقع: الغبار، وكداء الثنية العليا بمكة مما يلي المقابر، وهو المعلى.

وقوله: (عدما خيلنا) هو كقولك: لا حملتني رجلي إن لم تسر إليك، ولا نفعني مالي إن لم أنفقه عليك "شرح ديوان حسان" ص 58، تح: عبد الرحمن البرقوقي: 57 بإيجاز.

(١٣) لم أعثر على مصدر لقوله.

(١٤) "معاني القرآن" 3/ 285 مختصرًا.

(١٥) في (ع): الحاج.

(١٦) وادي مُحَسَّرُ: وهو موضع ما بين مكة وعرفة، وهو مَسيلٌ.

"معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع" للبكري: 4/ 1190 و"معجم البلدان" لياقوت الحموي 5/ 62.

(١٧) في مقروءة في: (أ).

(١٨) في (أ): (المكان).

(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 353 بتصرف.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

اختلف في العاديات والموريات والمغيرات هل يراد بها الخيل أو الإبل؟

وعلى القول بأنها الخيل اختلف هل يعني خيل المجاهدين أو الخيل على الاطلاق؟

وعلى القول بأنها الإبل اختلف هل يعني إبل غزوة بدر أو إبل المجاهدين مطلقاً، أو إبل الحجاج أو الإبل على الاطلاق؟

ومعنى العاديات التي تعدو في مشيها، والضبح هو تصويت جهير عند العدو الشديد، ليس بصهال.

وهو مصدر منصوب على تقدير: يضبحن ضبحاً أو هو مصدر في موضع الحال تقديره: العاديات في حال ضبحها، والموريات من قولك أوريت النار إذا أوقدتها، والقدح هو صك الحجارة فيخرج منها شعلة نار.

وذلك عند ضرب الأرض لأرجل الخيل أو الإبل، وإعراب قدحاً كإعراب صبحاً، والمغيرات من قولك: أغارات الخيل إذا خرجت للإغارة على الأعداء، وصبحاً ظرف زمان لأن عادة أهل الغارة في الأكثر أن يخرجوا في الصباح ﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً ﴾ هذه الجملة معطوفة على العاديات وما بعده لأنه تقدير التي تعدو، والنقع: الغبار والضمير المجرور للوقت المذكور وهو الصبح، فالباء ظرفية أو لكان الذي تقتضيه المعنى، فالباء أيضاً ظرفية أو للعَدْو، وهو المصدر الذي يقتضيه العاديات.

فالباء سببية، ومعنى أثرن حركن والضمير الفاعل للإبل أو للخيل أي حركن الغبار عند مشيهن ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً ﴾ معنى وسطن توسطن، وجمعاً اختلف هل المراد به جمع من الناس أو المزدلفة لأن اسمها جمع والضمير المجرور للوقت أو للمكان أو للعدو أو للنقع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ بالإدغام: أبو عمر وغير عباس ﴿ فالمغيرات صبحاً ﴾ أبو عمرو غير عباس وخلاد عن حمزة.

الوقوف: ﴿ ضبحا ﴾ ه لا ﴿ قدحا ﴾ ه لا ﴿ صبحا ﴾ ه لا ﴿ نقعاً ﴾ ه لا ﴿ جمعاً ﴾ ه لا ﴿ لكنود ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح عطفاً واستئنافاً ﴿ لشهيد ﴾ ه لذلك ﴿ لشديد ﴾ ه ط ﴿ القبور ﴾ لا ﴿ الصدور ﴾ ه لا ﴿ لخبير ﴾ ه.

التفسير: إنه  ذكر في هذه السورة رداءة ما عليه جبلة الإنسان من قلة الشكر والصبر والحرص على المال بحيث يكاد يشغله عن تحصيل الكمال الحقيقي، وعن المعاد الذي إليه مآل حال العباد، فأقسم على ذلك بالأمور والتي هي مركوزة في خزانة خيالهم ولا تكاد تخلو في الأغلب عن الخطور ببالهم.

وفي تفسيرها قولان مرويان: الأول أن العاديات هي الإبل.

يروى عن ابن عباس أنه قال: بينا أنا جالس في الحجر إذ جاء رجل فسألني عن ﴿ العاديات ضبحاً ﴾ ففسرتها بالخيل فذهب إلى علي  وهو بجنب سقاية زمزم فسأله وذكر له ما قلت فقال: ادعه لي فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك به والله إن كانت لأول غزوة في الإسلام يعني بدراً وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد.

﴿ والعاديات ضبحاً ﴾ الإبل تعدو من عرفة إلى مزدلفة ومن المزدلفة إلى منى، والضبح على هذا مستعار لأن أصل استعماله في الخيل وهو صوت أنفاسها إذا عدون وهذا الصوت غير الصهيل وغير الحمحمة، وانتصابه على " يضبحن ضبحاً " أو بالعاديات لأن العدو لا يخلو عن الضبح، أو على الحال.

وهكذا القول في ﴿ الموريات قدحاً ﴾ لأن الإبل قلما توري أخفافها.

يقال: قدح فاورى وقدح فأصلد ﴿ فالمغيرات ﴾ أي المسرعات يندفعون صبيحة يوم النحر مسرعين إلى منى ﴿ فأثرن ﴾ من الإثارة أي هيجن وهو حكاية الماضي أو هو نحو ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ ﴿ به ﴾ أو بالعدو أو بذلك الوقت ﴿ نقعاً ﴾ غباراً ﴿ فوسطن ﴾ أي توسطن ﴿ به ﴾ بذلك الوقت أو بالعدو أو متلبسة بالنقع ﴿ جمعاً ﴾ وهو المزدلفة لاجتماع الحاج بها.

القول الثاني عن مجاهد وقتادة والضحاك وأكثر المحققين أن العاديات الخيل، ويروى ذلك مرفوعاً.قال الكلبي: بعث رسول الله  سرية إلى ناس من كنانة فمكثت ما شاء الله أن تمكث لا يأتيه منهم خبر، فتخوف عليها فنزل جبرائيل بخبر مسيرها.

وعلى هذا فاللام في ﴿ العاديات ﴾ للعهد.

ويحتمل أن يكون للجنس ويدخل خيل السرية فيها دخولاً أولياً.

وقوله ﴿ فالمغيرات ﴾ على هذا يكون من أغار على العدو إذا شن عليهم الغارة والجمع جماعة الغزاة أو الكفرة.

وقيل: الإيراء عبارة عن شبيب نيران الحرب وإيقادها كقوله ﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله  ﴾ وقيل: هي نيران الغزاة بالليل لحاجة طعامهم أو غيره.

وعن عكرمة: هي الأسنة.

وقيل: هي المنجحات في الأمور فيحتمل أن تكون الخيل أو الإبل لأنه وجد بها المقصود من الغزو والحج.

ويحتمل أن يراد جماعة الغزاة أنفسهم.

يقال للمنجح يف حاجته ورى زنده.

وفي إقسام الله  بالإبل دلالة على عظم شأنهن وكثرة منافعهن ديناً ودنيا كما قال ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت  ﴾ ﴿ وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون  ﴾ كذا في الإقسام في بالخيل وذلك مشاهد من عدوها وكرها وفرها بحسب مشيئة الراكب ولأمر ما قال  " الخيل معقود بنواصيها الخير" وقالت العقلاء: ظهرها حرز وبطنها كنز.

قال الواحدي: أصل الكنود منع الحق والخير بهذا فسر ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة الكنود قالوا: ومنه سمي الرجل المشهور بكندة لأنه كند أباه ففارقه.

وعن الكلبي: الكنود بلسان كندة العاصي، وبلسان بني مالك البخيل، وبلسان مضر وربيعة الكفور، وروى أبو أمامة عن النبي  " أن الكنود الكفور الذي يمنع رفده، ويأكل وحده، ويضرب عبده " وفي تقديم الظرف مزيد تقريع يعني أنه لنعمة ربه خصوصاً لشديد الكفران فكيف نعمة غيره مثل الأبوين ونحوهما؟

وقال الحسن: الكنود اللوام لربه بعد المحن والمصائب وينسى النعم والراحات، والأكثرون على أن الإنسان هو الكافر لقوله بعد ذلك ﴿ أفلا يعلم ﴾ ويحتمل أن يراد أن جسن الإنس مفطور على ذلك إلا من عصمه الله بلطه وتوفيقه ﴿ أفلا يعلم ﴾ يجوز أن يكون توبيخاً على أنه لا يعمل بعلمه.

والضمير في قوله ﴿ وإنه على ذلك ﴾ أما أن يعود إلى الرب وهو أقرب فيكون كالوعيد من حيث إن الله يحصى عليه أعماله، وإما أن يعود إلى الإنسان أي أنه على كنوده ﴿ لشهيد ﴾ لا يقدر أن يجحده لظهور أماراتها عليه، وقد يرجح هذا الوجه بأن الضمير في قوله ﴿ وإنه لحب الخير ﴾ للإنسان فناسب أن يكون الأول له أيضاً لئلا ينخرم النسق.

والخير المال كقوله ﴿ إن ترك خيراً  ﴾ والشديد البخيل الممسك يريد إنه لأجل حب المال لبخيل وقيل: الشديد القوي أي إنه لأجل إيثار الدنيا وطلب ما فيها مطيق قوي، ولأجل عبادة ربه عاجز ضعيف.

أو إنه لحب الخيرات الحقيقية غير ميسر منبسط ولكنه شديد منقبض.

وقال الفراء: إنه لحب الخير لشديد الحب أي أنه يحب المال ويحب كونه محباً له فاكتفى بالحب الأول من الثاني.

وقال قطرب: اللام بمنزلة قولك " إنه لزيد ضروب ".

والتقدير إنه شديد حب الخير.

ثم وبخه وخوفه بالعلم التام الأزلي الأبدي الشامل لأحوال مبدأ الإنسان ومعاده ﴿ وبعثر ﴾ مثل بحثر كما مر في "انفطرت " وإنما لم يقل من في القبور بل قال ﴿ ما في القبور ﴾ بحكم التغليب فإن أكثر ما في الأرض ليسوا مكلفين، والذين هم مكلفون يجوز أن يكونوا حال البعثرة أمواتاً غير عقلاء ويصيروا أحياء بعد البعثرة، قال أبو عبيدة ﴿ وحصل ما في الصدور ﴾ أي ميز ما فيها فلكل واحد من الواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحظور حكم خاص.

وقيل: معناه جمع ما في الصدور في الصحف أي أظهر محصلاً مجموعاً.

وقيل: يكشف ما في البواطن من الأخبار وما في الأستار من الأسرار ويندرج فيه أعمال الجوارح تبعاً.

وإنما لم يقل ما في القلوب لأن القلب مطية الروح وهو بالطبع محب لمعرفة اله  إنما المنازع في هذا الباب هو النفس ومحلها ما يقرب من الصدر، وإنما جمع الضمير في قوله ﴿ إن ربهم بهم ﴾ حملاً على معنى الإنسان.

ومعنى تقييد العلم بذلك الزمان حيث قال ﴿ يومئذ ﴾ وهو عالم بأحوالهم أزلاً وأبداً التوبيخ وكأنه  قال: إن من لم يكن عالماً في الأزل فإنه يصير بعد الاختبار عالماً، فالذي هو عالم في الأزل كيف لا يكون خبيراً بهم في الأبد؟

ويجوز أن يكون سبب التقييد هو أن ذلك وقت المجازاة على حسب العلم بالأعمال والأقوال والأحوال وإليه المصير والمآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً ﴾ إلى آخره.

قال على - كرم الله وجهه - وعبد الله -  ما -: هي الإبل.

وقال ابن عباس -  - وغيره من أهل التأويل: هي الخيل؛ غير أن عليا -  - قال: ذلك يوم بدر.

وقال ابن مسعود -  -: ذلك في الحج.

ومن قال: هي الخيل، قال: ذلك في سرية بعثها رسول الله  ، فأبطأ عليه خبرها؛ فاغتم لذلك رسول الله  ، فنزل جبريل -  - بخبرها على ما ذكر ووصف؛ فسر بذلك المؤمنون.

فإن كان في أمر السرية والخيل على ما قاله ابن عباس -  ما - فجهة القسم بذلك تحتمل وجوها: أحدها: أنه من علم الغيب؛ إذ لا يعلم بحالهم وما وصف من أمر الخيل لا يكون إلا بالوحي من السماء، أو لمن شهد ذلك، فإذا لم يحضرهم أحد ممن شهدها، ثم أخبر بذلك رسول الله  ، ثم ظهر عندهم على ما أخبر رسول الله  ، علموا بذلك أنه رسول الله  وأنه إنما عرف بالوحي من الله  إليه، وذلك من أعظم آيات الرسالة.

أو أن يكون القسم بما ذكر من شدة الخيل وقوتها وحدة بصرها؛ حيث عدت في ليل مظلم، لا قمر فيه، ولا نور - عدوا يخرج النار من شدة عدوها من الحجارة التي تضرب بحوارفها ما لا يقدر الإنسان العدو في مكان مستو، فضلا أن يقدر على ذلك من الصعود والهبوط، وما ذكر من إثارة النقع من شدة عدوها، وتوسطها في العدو.

أو يذكر موافقة مرادهم وحصول عرضهم في الإغارة على عدوهم في أغفل ما يكون العدو، وهو وقت الصبح.

ثم القسم بقوله: ﴿ وَٱلْعَادِيَاتِ ﴾ ، وما ذكر من الموريات وغيره، هو صفة العاديات ونعوتها.

وفيه بشارات ثلاثة: أحدها: أنه لم تحجدث لهم حادثة.

والثاني: الإغارة على العدو.

والثالث: أنهم قد توسطوا العدو.

ومن قال: هي الإبل، وذلك في أمر الحج، يذكر سرعة سيرها، وشدة عدوها في الليلة المظلمة التي فيها الأودية والهبوط والصعود.

ثم قوله: ﴿ فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً ﴾ على هذا التأويل، أي: تضرب الحجر بالحجر؛ فتخرج منه النار من شدة سيرها وعدوها، وفي الخيل شدة ضرب الحوافر على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْمُغِيرَاتِ صُبْحاً ﴾ على هذا التأويل، يقول بعضهم: نزولهم في تلك المغارات والأودية في وقت الصبح.

والأشبه أن يكون خروجهم من تلك المغارات والأودية في ذلك الوقت؛ لأن ذلك الوقت وقت الخروج منها والدفع، لا وقت المقام.

أو يكون قد استقبلهم العدو هنالك، ومن [أراد بهم] الشر؛ فتكون المغيرات على الإغارة عليهم؛ إن كان ثم عدو.

﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً ﴾ على هذا التأويل: الجمع في الحجج، وهو الجمع المعروف.

ومن قال: ذلك في ال خيل، يكون توسطهن في جمع العدو.

ثم الذي وقع به القسم قوله -  - ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ ، أي: الإنسان لنعم ربه لكفور، لا يشكرها، وهو أن الإنسان يذكر مصائبه وما يصيبه من الشدة في عمره أبدا، وينسى جميع ما أنعم الله عليه، وإن لا يفارقه طرفة عين؛ ولذلك قال الحسن: الكنود: هو الذي يعد المصائب وينسى النعم.

وقيل: الكنود: القتور البخيل الشحيح في الإنفاق، ويجب أن يكون وصف كل إنسان ما ذكر، لكن المؤمن يتكلف شكر نعم الله -  - ويجتهد في ذلك، ويصبر على المصائب، وهو كقوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً  ﴾ ، وخلق ﴿ عَجُولاً  ﴾ ، هو كل إنسان، ثم استثنى المصلين منهم، وهم المؤمنون؛ أي: كذلك خلق وطبع كل إنسان، لكن المؤمن يتكلف إخراج نفسه من ذلك الطبع الذي أنشئ عليه، وطبع إلى غيرها من الطبائع؛ كالبهائم والسباع التي طبعها النفور من الناس بالاستيحاش عنهم، ثم تصير بالرياضة ما تستقر عندهم وتجيبهم عند دعوتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ ، قال بعضهم: إن ذلك الإنسان على ما فعله في الدنيا لشهيد في الآخرة على [ما جمعه]؛ أي: يشهد ذلك ويعلمه؛ كقوله: ﴿ بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ وَإِنَّهُ ﴾ ، أي: ذلك الإنسان لبخله وامتناعه عن الإنفاق ﴿ لَشَهِيدٌ ﴾ ، أي: يتولى حفظ ماله وإحصاءه بنفسه، لا يثق بغيره.

وقال بعضهم: ﴿ وَإِنَّهُ ﴾ يعني: الله  ﴿ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ أي: عالم، يحصيه؛ ويحفظه، كقوله: ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا...

 ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ ، أي: ذلك الإنسان لشديد الحب للمال، فذكر بخله، وشحه في المال، في ترك الإنفاق والبذل، وعلى ذلك طبع كل إنسان؛ على ما ذكرنا، لكن المؤمن يتكلف إخراج نفسه مما طبع بالرياضة، ويجتهد في الإنفاق، والحب هاهنا: حب إيثار، أي: يؤثر لنفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي ٱلْقُبُورِ ﴾ ، يقول - والله أعلم -: فهلا يعلم قدرة ربه وسلطانه وحكمته في إنشائه أنه يستخرج ما في القبور ويحييهم.

أو يكون قوله: ﴿ أَفَلاَ يَعْلَمُ ﴾ ، أي: فيعلم ﴿ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي ٱلْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ ﴾ ، أي: إن ربهم يومئذ لخبير بما كان منهم في الدنيا، ﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ يقول: فهلا يعلم - أيضا - أنه يميز ما في الصدور، ويبين ويظهر ما فيها، لا يترك غير مميز، ولا مبين، بل يظهر ويميز، كقوله: ﴿ يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ  ﴾ .

ثم قوله: ﴿ نَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ ﴾ ، أي: عن علم له بذلك يأذخهم، ويجزيهم بما يجزيهم.

وفي قوله -  -: ﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ دلالة أن حصول الأعمال وخلوصها وما يثاب عليها ويعاقب بالقلوب وبالنيات، لا بنفس الأعمال؛ حيث قال: ﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ .

قال أهل اللغة وأبو عوسجة: ﴿ ضَبْحاً ﴾ : الضبح: صوت في الصدر؛ ضبح يضبح ضبحا، فهو ضابح.

﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً ﴾ ، أي: هيجن الغبار بحوافرهن، والنقع: الغبار، والنقوع: جماعة، ﴿ فَوَسَطْنَ ﴾ من التوسط، أي: صرن في الوسط، و ﴿ لَكَنُودٌ ﴾ : كفور، ﴿ وَحُصِّلَ ﴾ ، أي: اختبر؛ يقال: حصلت: أي: اختبرت.

وقال بعضهم والقتبي: ﴿ وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً ﴾ : الخيل، والضبح: صوت حلوقها إذا عدت.

وقيل: الضبح والضبع واحد في السير؛ يقال: ضبحت الناقة، وضبعت.

﴿ فَٱلمُورِيَاتِ ﴾ ، أي: أورت النار بحوافرها، والأرض الكنود: التي لا تنبت شيئا، ويقال: بعثرت، أي: قلبت، فجعل أسفلها أعلاها.

﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ ، أي: ميز ما فيها من الخير والشر، والشك، واليقين، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فحركن بجريهن غبارًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.qWR38"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

(والعاديات ضبحًا).

العاديات: جمع عادية، من العدو، وهو الجري.

والضبح: صوت أنفاس الخيل عند جريها.

يقسم جل شأنه بالخيل التي تعدو وتجري، وهي من شدة الجري تضبح ضبحًا، ويسمع لها زفير شديد.

(فالموريات قدحًا).

الموريات: جمع مورية من الإيراء، وهو إخراج النار بنحو الزناد.

والقدح: هو الضرب لإخراج النار، كضرب الزناد بالحجر.

يذكر سبحانه وصفًا من أوصاف الخيل العاديات يحصل لها عند العدو، ولذلك رتبه بالفاء وهو ما يكون من إخراجها النار بحوافرها أثناء الجري.

أي يقسم بالعاديات التي يتطاير الشرر من حوافرها عند عدوها وهي تقدح بحوافرها الأرض قدحًا.

(فالمغيرات صبحًا).

المغيرات: جمع مغيرة، من أغار على العدو إذا هجم عليه ليقتله أو يأسره أو يستلب ماله.

وهو وصف عرض للخير من الغاية التي أُجريت لها، أي أنها تعدو ويشتد عدوها حتى يخرج الشرر من حوافرها لتهجم على عدو وقت الصباح -وهو وقت المفاجأة- لأخذ العدو وهو على غير أهبة.

﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا  ﴾ .

الإثارة: التهييج وتحريك الغبار.

والنقع: الغبار.

والفعل معطوف على وصف المغيرات، لأنه في معنى الفعل: كأنه قال فاللاتي أغرن صبحًا فأثرن في وقت الصبح غبارًا لشدة عدوهن.

(فوسطن به جمعًا).

أي فتوسطن ودخلن في وسط جمع من الأعداء ففرقته وشتته.

أقسم بالخير متصفة بصفاتها التي ذكرها، آتية بالأعمال التي سردها، لينوه بشأنها ويعلي من قدرها في نفوس المؤمنين أهل العمل والجد ليعنوا بقنيتها وتدريبها على الكر والفر وليحملهم أنفسهم على العناية بالفروسية والتدريب على ركوب الخيل والإغارة بها ليكون كل واحد منهم مستعدًا في أي وقت كان لأن يكون جزءًا من قوة الأمة إذا اضطرت إلى صد عدو، أو بعثها باعث على كسر شوكته.

وكان في هذه الآيات القارعات، وفي تخصيص الخيل بالذكر في قوله: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ  ﴾ ، وفيما ورد من الأحاديث التي لا تكاد تحصر، ما يحمل كل فرد من رجال المسلمين على أن يكون في مقدمة فرسان الأرض مهارة في ركوب الخيل، ويبعث القادرين منهم على قنية الخيل على التنافس في عقائلها، وأن يكون فن السباق عندهم يسبق بقية الفنون إيقانًا.

أفليس من أعجب العجب أن ترى أممًا هذا كتابها قد أهملت شأن الخيل والفروسية إلى أن صار يشار إلى راكبها بينهم بالهزؤ والسخرية، وأخذت كرام الخيل تهجر بلادهم إلى بلاد أخرى؟!

أليس من أغرب ما يستغرب أن أناسًا يزعمون أن هذا الكتاب كتابهم، يكون طلاب العلوم الدينية منهم أشد الناس رهبة من ركوب الخيل، وأبعدهم عن صفات الرجولة، حتى وقع من أحد أساتذتهم المشار إليهم بالبنان -عندما كنت أكلمه في منافع بعض العلوم وفوائدها في علم الدين- أن قال: "إذا كان كل ما يفيد في الدين نعلمه لطلبة العلم كان علينا إذن أن نعلمهم ركوب الخيل"؟!.

يقول ذلك ليفحمني، وتقوم به الحجة علي، كأن تعليم ركوب الخيل مما لا يليق، ولا ينبغي لطلبة العلم.

وهم يقولون إن العلماء ورثة الأنبياء.

فهل هذه الأعمال وهذه العقائد تتفق مع الإيمان بهذا الكتاب؟

أنصف ثم أحكم.

يقسم الله بالخيل صاحبة تلك الصفات التي رفع ذكرها ليؤكد الخبر الذي جاء في قوله: ﴿ إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ  ﴾ الكنود: هو الكفور.

يقال: كند النعمة، كفرها ولم يشكرها.

وروي عن النبي  : "الكنود الذي يأكل وحده ويضرب عبده ويمنع رفده".

كأنه بذلك لا يعطي مما أنعم الله به عليه، ولا يرأف بعباد الله كما رأف الله به، فهو كافر بنعمة ربه.

غير أن الآية عامة، والمراد منها ذكر حالة من حالات الإنسان التي تلازمه في أغلب أفراده، إلا الذين يروضون أنفسهم على الفضائل.

وهي حقيقة لا ريب فيها لأن في طبع الإنسان أن يستغرق فيما حضره فيصعب عليه أن يجعل نصب عينيه شيئا من ماضيه، أو مما عساه يستقبله، فتحيط به الغفلة.

فهو إذا غمزته من الله نعمة غمرته بها غفلة، وأدخلت إلى قلبه ضربًا من قسوة، وأحدثت في طبعه شوبًا من جفوة.

وأكد الله هذا الخبر لزعم كثير من أهل الكنود أنهم شاكرون، فأكد لهم الخبر ليرجعوا إلى أنفسهم، ويمتحنوا أعمالهم ليتبين لهم أن الغرور هو الذي غشهم في معرفة حالهم، فيفزعوا إلى الله بالشكر، ولا يكون الشكر إلا بالبذل في الحق الذي يبقى أثره، ويجمل عند العقلاء ذكره.

ثم يزيد الأمر تأكيدًا بقوله ﴿ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ  ﴾ !

أي وإن الإنسان لشهيد على كنوده وكفره لنعمة ربه، لأنه يفخر بالقسوة على من دونه وبقوة الحيلة من فوقه، وبكثرة ما في يده من المال من الحذق في توفيره، وقلما يفتخر بالرحمة وكثرة البذل والحذق في اختيار المواضع -اللهم إلا أن يريد غشًا للسامع- وفي ذلك كله شهادة على نفسه بالكنود، لأن ما يفتخر به ليس من حق شكر النعمة، بل من آيات كفرها.

﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ  ﴾ الخير: هو المال مثله في قوله تعالى ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ  ﴾ .

وزعم عكرمة أن الخير -حيث وقع في القرآن- هو المال.

وليس يصح في بعض المواضعٍ.

والشديد: القوي.

ويقال: هو شديد لهذا الأمر، وقوي له، إذا كان مطيقًا له قادرًا على ضبطه.

قال ذلك الزمخشري.

وأطلق الحب، وأراد به الكسب، لأن كسب شيء والسعي في تحصيله إنما يكون كما ينبغي إذا كان منشؤه حبه.

فقوة الإنسان واقتداره على تحصيل المال وتوفيره إنما جاءت له من شدة محبته له، لهذا جعل الشدة وقوة الاحتمال لحب المال، وهي في الحقيقة لكسبه.

لكن إذا عرض له سبيل لفعل ما هو خير على الحقيقة، والنهوض بأمر مما طلبه الله منه، تراه يضعف وتتضاءل قوته حتى لا يستطيع أن يخطو خطوة في ذلك السبيل إلا من رحم ربك وقد فسر الشديد بالبخيل.

والمعنى على ذلك: وإنه لبخيل شحيح بسبب حبه للمال.

﴿ أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ  وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ  ﴾ .

بعثرة ما في القبور: إخراج موتاها منها.

وتحصيل ما في الصدر: إظهاره وإبرازه، بحيث لا يبقى سبيل إلى إخفائه.

ومفعول يعلم محذوف، حذف لتجول الفكرة في استحضاره، ولو ذكر فربما مر على اللسان دون الالتفات إليه.

أما وقد حذف فلا تجد النفس محيصًا عن البحث عنه حتى يتم الكلام ويفهم.

وقد دل عليه ببعثرة ما في القبور وتحصيل ما في الصدور.

أي أفلا يعلم الكنود الحريص ما يكون حالة في الحياة الأخرى يوم تكشف السرائر؟

أفلا يعلم ظهور ما كان يخفى من قسوة وتحيل؟

أفلا يعلم أنه سيحاسب عليه؟

أفلا يعلم أنه سيوفى جزاء ما كفر نعمة ربه؟!

﴿ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ  ﴾ إن الله خبير بهم يومئذ -وفي هذا اليوم كذلك- ولكنه كنى عن مجازاتهم على ما كسبوا بالخبرة بهم.

كما تقول في تهديد شخص أو وعيده سأعرف لك عملك هذا مع أنك تعرفه الآن قطعًا.

وإنما عرفانه الآتي هو ظهور أثر المعرفة، كما قال تعالى ﴿ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا  ﴾ .

مع أن الكتب حاصل منه الآن، والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد