الإسلام > القرآن > سور > سورة 101 القارعة > الآية ١٠ من سورة القارعة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 46 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠ من سورة القارعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
ولهذا قال تعالى مفسرا للهاوية : ( وما أدراك ما هيه نار حامية ) قال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى : حدثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الأشعث بن عبد الله الأعمى قال : إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين ، فيقولون : روحوا أخاكم ، فإنه كان في غم الدنيا .
قال : ويسألونه : وما فعل فلان ؟
فيقول : مات ، أوما جاءكم ؟
فيقولون : ذهب به إلى أمه الهاوية وقد رواه ابن مردويه من طريق أنس بن مالك مرفوعا ، بأبسط من هذا .
وقد أوردناه في كتاب صفة النار ، أجارنا الله منها بمنه وكرمه .
وقوله: ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ) يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أشعرك يا محمد ما الهاوية.
وما أدراك ما هيه الأصل ( ما هي ) فدخلت الهاء للسكت .
وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وابن محيصن ( ما هي نار ) بغير هاء في الوصل ، ووقفوا بها .
وقد مضى في سورة الحاقة بيانه .
{ وَمَا أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ } وهذا تعظيم لأمرها،
( وما أدراك ما هيه ) يعني الهاوية ، وأصلها : ما هي ، أدخل الهاء فيها للوقف والاستراحة
«وما أدراك ماهيه» أي ما هاوية.
وما أدراك -أيها الرسول- ما هذه الهاوية؟
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، بما يزيد من هول هذه الهاوية فقال : ( وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ .
نَارٌ حَامِيَةٌ )أى : وأى شئ يخبرك بكنه تلك النار السحيقة؟
إننا نحن الذين نخبرك بذلك فنقول لك - أيها المخاطب - على سبيل التحذير من العمل الذى يؤدى إليها .
أما قوله تعالى: ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أن الهاوية من أسماء النار وكأنها النار العميقة يهوى أهل النار فيها مهوى بعيداً، والمعنى فمأواه النار، وقيل: للمأوى أم على سبيل التشبيه بالأم التي لا يقع الفزع من الولد إلا إليها.
وثانيها: فأم رأسه هاوية في النار ذكره الأخفش، والكلبي، وقتادة قال: لأنهم يهوون في النار على رؤوسهم.
وثالثها: أنهم إذا دعوا على الرجل بالهلاك قالوا: هوت أمه لأنه إذا هوى أي سقط وهلك فقد هوت أمه حزناً وثكلاً، فكأنه قيل: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ موازينه ﴾ فقد هلك.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ ما هيه ﴾ قال صاحب الكشاف: (هيه) ضمير الداهية التي دل عليها قوله: ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾ في التفسير الثالث: أو ضمير (هاوية): والهاء للسكت فإذا وصل جاز حذفها والاختيار الوقف بالهاء لاتباع المصحف والهاء ثابتة فيه، وذكرنا الكلام في هذه الهاء عند قوله: ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ ﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ ﴿ مَا أغنى عَنّى مَالِيَهْ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
الظرف نصب بمضمر دلّت عليه القارعة، أي: تقرع ﴿ يَوْمَ يَكُونُ الناس كالفراش المبثوث (4) ﴾ شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف والذلة، والتطاير إلى الداعي من كل جانب، كما يتطاير الفراش إلى النار.
قال جرير: إنَّ الْفَرَذْدَقَ مَا عَلِمْتُ وَقَوْمَهُ ** مِثْلُ الْفَرَاشِ غَشِينَ نَارَ الْمُصْطَلِي وفي أمثالهم: أضعف من فراشة وأذل وأجهل.
وسمى فراشا: لتفرّشه وانتشاره.
وشبه الجبال بالعهن وهو الصوف المصبغ ألواناً؛ لأنها ألوان، وبالمنفوش منه؛ لتفرّق أجزائها.
وقرأ ابن مسعود: ﴿ كالصوف ﴾ .
الموازين: جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله.
أو جمع ميزان.
وثقلها: رجحانها.
ومنه حديث أبي بكر لعمر رضي الله عنهما في وصيته له: «وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقلها في الدنيا، وحق لميزان لا توضع فيه إلاّ الحسنات أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينه لاتباعهم الباطل وخفتها في الدنيا، وحق لميزان لا توضع فيه إلاّ السيئات أن يخف» ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) ﴾ من قولهم إذا دعوا على الرجل بالهلكة: هوت أمّه؛ لأنه إذا هوى أي: سقط وهلك، فقد هوت أمّه ثكلاً وحزناً قال: هَوَتْ أُمُّهُ مَا يَبْعَثُ الصُّبْحُ غَادِياً ** وَمَاذَا يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ فكأنه قيل: وأما من خفت موازينه فقد هلك.
وقيل: ﴿ هَاوِيَةٌ ﴾ من أسماء النار، وكأنها النار العميقة لهوي أهل النار فيها مهوى بعيداً، كما روي: «يهوي فيها سبعين خريفاً» أي: فمأواه النار.
وقيل: للمأوى: أمّ، على التشبيه؛ لأنّ الأمّ مأوى الولد ومفزعه.
وعن قتادة: فأمّه هاوية، أي: فأمّ رأسه هاوية في قعر جهنم، لأنه يطرح فيها منكوساً (هيه) ضمير الداهية التي دلّ عليها قوله: ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) ﴾ في التفسير الأوّل.
أو ضمير هاوية والهاء للسكت، وإذا وصل القارئ حذفها.
وقيل: حقه أن لا يدرج لئلا يسقطها الإدراج، لأنّها ثابتة في المصحف.
وقد اجيز إثباتها مع الوصل.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة القارعة ثقل الله بها ميزانه يوم القيامة» .
سُورَةُ القارِعَةِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها ثَمانِي آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿ القارِعَةُ ﴾ ﴿ ما القارِعَةُ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ ﴾ سَبَقَ بَيانُهُ في «الحاقَّةِ».
﴿ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ ﴾ في كَثْرَتِهِمْ وذِلَّتِهِمْ وانْتِشارِهِمْ واضْطِرابِهِمْ، وانْتِصابُ يَوْمَ بِمُضْمَرٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ القارِعَةُ.
﴿ وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ ﴾ كالصُّوفِ ذِي الألْوانِ.
﴿ المَنفُوشِ ﴾ المَندُوفِ لِتَفَرُّقِ أجْزائِها وتَطايُرِها في الجَوِّ.
﴿ فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ﴾ بِأنْ تَرَجَّحَتْ مَقادِيرُ أنْواعِ حَسَناتِهِ.
﴿ فَهُوَ في عِيشَةٍ ﴾ في عَيْشٍ.
﴿ راضِيَةٍ ﴾ ذاتِ رِضًا أوْ مَرَضِيَّةٍ.
﴿ وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ ﴾ بِأنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْبَأُ بِها، أوْ تَرَجَّحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ.
﴿ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ﴾ فَمَأْواهُ النّارُ المُحْرِقَةُ والهاوِيَةُ مِن أسْمائِها ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ وَما أدْراكَ ما هِيَهْ ﴾ ﴿ نارٌ حامِيَةٌ ﴾ ذاتُ حِمًى.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ القارِعَةِ ثَقَّلَ اللَّهُ بِها مِيزانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ» .
وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠)
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} الضمير يعود إلى هَاوِيَةٌ والهاء للسكت ثم فسرها فقال
﴿ وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ ﴾ بِأنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْتَدُّ بِها أوْ ثَقُلَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ ﴿ فَأُمُّهُ ﴾ أيْ: فَمَأْواهُ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ ﴿ هاوِيَةٌ ﴾ أُرِيدَ بِها النّارُ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما أدْراكَ ما هِيَهْ ﴾ ﴿ نارٌ حامِيَةٌ ﴾ .
فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ لَها بَعْدَ إبْهامِها والإشْعارِ بِخُرُوجِها عَنِ المَعْهُودِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ.
وذُكِرَ أنَّ إطْلاقَ ذَلِكَ عَلَيْها لِغايَةِ عُمْقِها وبُعْدِ مَهْواها، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ أهْلَ النّارِ تَهْوِي فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا وخَصَّها بَعْضُهم بِالبابِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ وعَبَّرَ عَنِ المَأْوى بِالأُمِّ عَلى التَّشْبِيهِ بِها فالأُمُّ مَفْزَعُ الوَلَدِ ومَأْواهُ وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِ.
وقِيلَ: شَبَّهَ النّارَ بِالأُمِّ في أنَّها تُحِيطُ بِهِ إحاطَةَ رَحِمِ الوَلَدِ بِالأُمِّ.
وعَنْ قَتادَةَ وأبِي صالِحٍ وعِكْرِمَةَ والكَلْبِيِّ وغَيْرِهِمْ: المَعْنى فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في قَعْرِ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّهُ يُطْرَحُ فِيها مَنكُوسًا.
وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ قَتادَةَ هو مِن قَوْلِهِمْ إذا دَعَوْا عَلى الرَّجُلِ بِالهَلَكَةِ: هَوَتْ أُمُّهُ؛ لِأنَّهُ إذا هَوى أيْ سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ ثُكْلًا وحُزْنًا ومِن ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الغَنَوِيِّ: هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا وماذا يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَؤُوبُ وفِي الكَشْفِ أنَّ هَذا أحْسَنُ لِيُطابِقَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ وما فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ.
وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ الأظْهَرُ ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ.
والضَّمِيرُ أعْنِي هي عَلَيْهِ لِلدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها الكَلامُ، وعَلى ما قَدَّمْنا لِ «هاوِيَةٌ».
وعَلى الوَجْهِ الثّانِي لِما يُشْعِرُ بِهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في نارٍ وما أدْراكَ ماهِيَهْ إلَخْ.
والهاءُ المُلْحَقَةُ في ﴿ هِيَهْ ﴾ هاءُ السَّكْتِ، وحَذَفَها في الوَصْلِ ابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ، وأثْبَتَها الجُمْهُورُ.
ورُفِعَ ﴿ نارٌ ﴾ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي نارٌ.
و«حامِيَةٌ» نَعْتٌ لَها وهو مِنَ الحُمّى اشْتِدادُ الحُرِّ قالَ في القامُوسِ: حَمى الشَّمْسُ والنّارُ حَمْيًا وحُمِيًّا وحَمْوًا اشْتَدَّ حَرُّهُما.
وجَعَلَهُ بَعْضُهم عَلى ما قِيلَ مِن حَمِيَتِ القِدْرُ فَهي مَحْمِيَّةٌ، فَفَسَّرَهُ بِذاتِ حُمّى، وهو كَما تَرى.
وقَرَأ طَلْحَةُ: «فَإمُّهُ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ وحَكى ابْنُ دُرَيْدٍ أنَّها لُغَةٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَيَقُولُونَ: لا يَجُوزُ كَسْرُ الهَمْزَةِ إلّا أنْ يَتَقَدَّمَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ.
واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
مختلف فيها وهي إحدى عشرة آية مكية قوله تعالى الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ يعني: القيامة والساعة ما الساعة وهذا من أسماء يوم القيامة مثل الحاقة والطامة والصاخة، وإنما سميت القارعة لأنها تنزع القلوب بالأهوال ويقال سماها قارعة لثلاثة: لأنها تقرع في أذن العبد بما علم وسمعه والثاني تقرع أركان العبد بعضه في بعض والثالث تقرع القلوب كما تقرع القصار الثوب ثم قال عز وجل: وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ تعظيماً لشدتها ثم وصفها فقال يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ يعني: كالجراد كالفراش يجول بعضهم في بعض كما قال في آية أخرى كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ [القمر: 7] ويقال شبههم بالفراش لأنهم يلقون أنفسهم في النار كما يلقي الفراش نفسه في النار وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ يعني: كالصوف المندوف وهي تمر مَرَّ السحاب فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ يعني: رجحت حسناته على سيئاته ويقال ثقلت موازينه بالعمل الصالح بالصلاة والزكاة وغيرها من العبادات فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ يعني: في عيش مرضي يعني: في الجنة لا موت فيها ولا فقر ولا مرض ولا خوف ولا جنون يعني: آمن من كل خوف وفقر وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ يعني: رجحت سيئاته على حسناته يعني: الكافر ويقال من خفت موازينه يعني: لا يكون له عمل صالح فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ يعني: مصيره إلى النار قال قتادة هي أمهم ومأواهم وإنما سميت الهاوية لأن الكافر إذا طرح فيها يهوي على هامته وإنما سميت أمه لأنه مصيره إليها ومسكنه فيها ثم وصفها فقال وَما أَدْراكَ مَا هِيَهْ تعظيماً لشدتها ثم أخبر عنها فقال نارٌ حامِيَةٌ يعني: حارة قد انتهى حرها وأصله ما هي فأدخلت الهاء للوقف كقوله اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [الحاقة: 19] وأصله كتابي قرأ حمزة والكسائي وما أدراك ما هي بغير هاء في الوصل وبالهاء عند الوقف وقرأ الباقون بإثباتها في الوصل والوقف والله تعالى أعلم بالصواب.
سُورَةُ القارِعَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ فاتِحَتِها في أوَّلِ " الحاقَّةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ ﴾ اليَوْمُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ.
المَعْنى: يَكُونُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ ﴿ كالفَراشِ المَبْثُوثِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ غَوْغاءُ الجَرادِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: غَوْغاءُ الجَرادِ: صِغارُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِعامَّةِ النّاسِ: غَوْغاءُ.
والثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذِبّانٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما تَهافَتَ في النّارِ مِنَ البَعُوضِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: ما يُرى كَصِغارِ البَقِّ يَتَهافَتُ في النّارِ.
وشَبَّهَ النّاسَ في وقْتِ البَعْثِ بِهِ وبِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، لِأنَّهم إذا بُعِثُوا ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ لِلْكُفّارِ، فَهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ تَهافُتَ الفَراشِ.
فَأمّا ﴿ المَبْثُوثِ ﴾ فَهو المُنْتَشِرُ المُتَفَرِّقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [سَألَ سائِلٌ: ٩]، و " المَنفُوشُ " الَّذِي قَدْ نُدِفَ.
قالَ مُقاتِلٌ: وتَصِيرُ الجِبالُ كالصُّوفِ المَندُوفِ.
فَإذا رَأيْتَ الجَبَلَ قُلْتَ: هَذا جَبَلٌ: فَإذا مَسَسْتَهُ لَمْ تَرَ شَيْئًا، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ﴾ ، أيْ: رَجَحَتْ بِالحَسَناتِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ الآيَةَ في أوَّلِ [الأعْرافِ: ٨] وبَيَّنّا مَعْنى ﴿ عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ في [الحاقَّةِ: ٢١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ﴾ ، قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والجَحْدَرِيُّ " فَإمُّهُ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ، يَعْنِي: أنَّهُ يَهْوِي في النّارِ عَلى رَأْسِهِ، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأبِي صالِحٍ.
والثّانِي: أنَّها كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ، كانَ الرَّجُلُ إذا وقَعَ في أمْرٍ شَدِيدٍ قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى، فَمَسْكَنُهُ النّارُ.
وإنَّما قِيلَ لِمَسْكَنِهِ: أمُّهُ، لِأنَّ الأصْلَ السُّكُونُ إلى الأُمَّهاتِ.
فالنّارُ لِهَذا كالأُمِّ، إذْ لا مَأْوى لَهُ غَيْرُها، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: «إذا ماتَ العَبْدُ تَلْقى رُوحُهُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ، فَتَقُولُ لَهُ: ما فَعَلَ فُلانٌ؟
فَإذا قالَ: ماتَ، قالُوا: ذُهِبَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ، وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما هِيَهْ ﴾ يَعْنِي: الهاوِيَةَ.
قَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ " ما هي " بِحَذْفِ الهاءِ الأخِيرَةِ في الوَصْلِ، وإثْباتِها في الوَقْفِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الهاءُ في " هِيَهْ " دَخَلَتْ في الوَقْفِ، لِتَبْيِينِ فَتْحَةِ الياءِ، فالوَقْفُ " هِيَهْ " والوَصْلُ هي نارٌ.
والَّذِي يَجِبُ اتِّباعُ المُصْحَفِ.
والهاءُ فِيهِ ثابِتَةٌ فَتُوقَفُ عَلَيْها، ولا تُوصَلُ، ﴿ نارٌ حامِيَةٌ ﴾ أيْ: حارَّةٌ قَدِ انْتَهى حَرُّها.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القارِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ القارِعَةُ ﴾ ﴿ ما القارِعَةُ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَكُونُ الناسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ ﴾ ﴿ وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ ﴾ ﴿ فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ﴾ ﴿ فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ ﴿ وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ ﴾ ﴿ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما هِيَهْ ﴾ ﴿ نارٌ حامِيَةٌ ﴾ قَرَأ: "القارِعَةُ، ما القارِعَةُ" بِالنَصْبِ عِيسى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: القارِعَةُ: القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القارِعَةُ: صَيْحَةُ النَفْخَةِ في الصُورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ﴾ تَعْظِيمٌ لِأمْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلَهُ.
و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "القارِعَةُ".
وأمالَ أبُو عَمْرٍو "القارِعَةَ"، و"الفَرّاشُ" طَيْرٌ دَقِيقٌ يَتَساقَطُ في النارِ ويَقْصِدُها ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "وَأنا آخِذٌ بِحُجُزِكم عَنِ النارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقاحُمَ الفَراشِ والجَنادِبِ"،» وقالَ الفَرّاءُ: الفِراشُ في الآيَةِ غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ فِي الأرْضِ والهَواءِ، و"المَبْثُوثِ" هُنا مَعْناهُ: المُتَفَرِّقُ جَمْعُهُ وجُمْلَتُهُ مَوْجُودَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الناسُ أوَّلُ قِيامِهِمْ مِنَ القُبُورِ كالفَراشِ المَبْثُوثِ؛ لِأنَّهم يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، ثُمَّ يَدْعُوهُمُ الداعِي فَيَتَوَجَّهُونَ إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، فَهم حِينَئِذٍ كالجَرادِ المُنْتَشِرِ؛ لِأنَّ الجَرادَ إنَّما تُوَجِّهُهُ أبَدًا إلى ناحِيَةٍ مَقْصُودَةٍ.
واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ فِي: "العِهْنِ"، فَقِيلَ: هو الصُوفُ عامًّا، وقِيلَ: هو الصُوفُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: هو الصُوفُ المُلَوَّنُ ألْوانًا، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ: كَأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنا لَمْ يُحَطَّمِ والفَنا: عِنَبُ الثَعْلَبِ، وحَبُّهُ قَبْلَ التَحَطُّمِ مِنهُ الأخْضَرُ والأحْمَرُ والأصْفَرُ، وكَذَلِكَ الجِبالُ جُدَدٌ بِيضٍ وحُمْرٌ وصُفْرٌ وسُودٌ، فَجاءَ التَشْبِيهُ مُلائِمًا، وكَوْنُ الجِبالِ كالعِهْنِ إنَّما هو قَبْلَ وقْتِ التَفْتِيتِ قَبْلَ النَسْفِ ومَصِيرُها هُنا، وهي دَرَجاتٌ.
و"النَفْشُ": خَلْخَلَةُ الأجْزاءِ وتَفْرِيقُها عن تَراصِّها، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: "كالصُوفِ المَنفُوشِ".
و"المَوازِينُ" هي الَّتِي في القِيامَةِ، قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ والفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ: مِيزانُ القِيامَةِ بِعَمُودٍ وكِفَّتَيْنِ لِيُبَيِّنَ اللهُ تَعالى أمْرَ العِبادِ بِما عَهِدُوهُ وتَيَقَّنُوهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ ثَمَّ مِيزانٌ، إنَّما هو العَدْلُ مَثَلٌ ذَكَرَهُ بِالمِيزانِ؛ إذْ هو أعْدَلُ ما يَدْرِي الناسُ، وجُمِعَتِ المُوازِينُ لِلْإنْسانِ لَمّا كانَتْ لَهُ مَوْزُوناتٌ كَثِيرَةٌ مُتَغايِرَةٌ، وثِقَلُ هَذا المِيزانِ هو بِالإيمانِ والأعْمالِ، وخِفَّتُهُ بِعَدَمِها وقِلَّتِها، ولَنْ يَخِفَّ خِفَّةً مُوبِقَةً مِيزانُ مُؤْمِنٍ.
و"عِيشَةٍ راضِيَةٍ" مَعْناهُ: ذاتُ رِضًى، عَلى النَسَبِ، هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ﴾ ، قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالأُمِّ نَفْسُ الهاوِيَةِ، وهي دَرْكُ مَن أدْراكَ النارَ، وهَذا كَما يُقالُ لِلْأرْضِ: "أُمُّ الناسِ" لِأنَّها تُؤْوِيهِمْ، وكَما قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: "فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا" فَجَعَلَ اللهُ تَعالى الهاوِيَةَ أُمُّ الكافِرِ لَمّا كانَتْ مَأْواهُ، وقالَ آخَرُونَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ فِيهِ تَجَوُّزٌ، كَما قالُوا: "أُمُّهُ ثاكِلٌ" و"هَوى نَجْمُهُ"، وقالَ أبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ أُمُّ رَأْسِهِ لِأنَّهم يَهْوُونَ عَلى رُؤُوسِهِمْ.
وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَأُمُّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّ المِيمِ مُشَدَّدَةً.
ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى نَبِيَّهُ عَلى دِرايَةِ أمْرِها وتَعْظِيمِهِ، ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّها نارٌ حامِيَةٌ، وقَرَأ: "ما هِيَ" بِطَرْحِ الهاءِ في الوَصْلِ ابْنُ إسْحاقَ والأعْمَشُ، ورَوى المُبَرِّدُ «أنَّ النَبِيَّ قالَ لِرَجُلٍ: "لا أُمَّ لَكَ"، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، تَدْعُونِي إلى الهُدى وتَقُولُ: لا أُمَّ لَكَ؟
فَقالَ: إنَّما أُرِيدُ لا نارَ لَكَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ﴾ .» كَمُلَ تَفْسِيرُ [القارِعَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
تفصيل لما في قوله: ﴿ يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ﴾ [القارعة: 4] من إجمال حال الناس حينئذ، فذلك هو المقصود بذكر اسم الناس الشامل لأهل السعادة وأهل الشقاء فلذلك كان تفصيله بحالين: حال حَسَن وحال فظيع.
وثقل الموازين كناية عن كونه بمحل الرضى من الله تعالى لكثرة حسناته، لأن ثقل الميزان يستلزم ثقل الموزون وإنما توزن الأشياء المرغوب في اقتنائها، وقد شاع عند العرب الكناية عن الفضل والشرف وأصالة الرأي بالوزن ونحوهِ، وبضد ذلك يقولون: فلان لا يقام له وزن، قال تعالى: ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً ﴾ [الكهف: 105]، وقال النابغة: وميزانه في سُورة المجد مَاتِع *** أي راجح وهذا متبادر في العربية فلذلك لم يصرح في الآية بذكر ما يُثقل الموازين لظهور أنه العمل الصالح.
وقد ورد ذكر الميزان للأعمال يوم القيامة كثيراً في القرآن، قال ابن العربي في «العواصم»: لم يرد حديث صحيح في الميزان.
والمقصودُ عدم فوات شيء من الأعمال، والله قادر على أن يجعل ذلك يوم القيامة بآلة أو بعمل الملائكة أو نحو ذلك.
والعيشة: اسم مصدر العَيش كالخِيفة اسم للخوف.
أي في حياة.
ووصف الحياة ب ﴿ راضية ﴾ مجاز عقلي لأن الراضي صاحبها راض بها فوصفت به العيشة لأنها سبب الرضى أو زمان الرضى.
وقوله: ﴿ فأمه هاوية ﴾ إخبار عنه بالشقاء وسوء الحال، فالأم هنا يجوز أن تكون مستعملة في حقيقتها.
وهاوية: هالكة، والكلام تمثيل لحال من خفّت موازينه يومئذ بحال الهالك في الدنيا لأن العرب يكنون عن حال المرء بحال أمه في الخير والشر لشدة محبتها ابنها فهي أشد سروراً بسروره وأشد حزناً بما يحزنه.
صلّى أعرابي وراءَ إمام فقرأ الإِمام: ﴿ واتخذ اللَّه إبراهيم خليلاً ﴾ [النساء: 125] فقال الأعرابي: «لقد قَرَّت عينُ أمِّ إبراهيم» ومنه قول ابن زيابة حين تهدده الحارث بن همَّام الشيباني: يا لهفَ زيّابة للحارث الصا *** بح فالغَانم فالآيب ويقولون في الشر: هَوتْ أمه، أي أصابه ما تَهلك به أمه، وهذا كقولهم: ثكلته أمه، في الدعاء، ومنه ما يستعمل في التعجب وأصله الدعاء كقول كعب بن سعد الغَنوي في رثاء أخيه أبي المِغوار: هَوَتْ أمُّه ما يَبعث الصبحُ غادياً *** وماذا يَرُدُّ الليلُ حينَ يؤوب أي ماذا يبعث الصبحُ منه غادياً وما يردُّ الليلُ حينَ يؤوب غانماً، وحذف منه في الموضعين اعتماداً على قرينة رفع الصبح والليل وذِكر: غادياً ويؤوب و(مِن) المقدَّرة تجريدية فالكلام على التجريد مثل: لقيت منه أسداً.
فاستعمل المركب الذي يقال عند حال الهلاك وسوء المصير في الحالة المشبهة بحال الهلاك، ورمز إلى التشبيه بذلك المركب، كما تضرب الأمثال السائرة.
ويجوز أن يكون «أمه» مستعاراً لمقره ومآله لأنه يأوي إليه كما يأوي الطفل إلى أمه.
و ﴿ هاوية ﴾ المكان المنخفض بين الجبلين الذي إذا سقط فيه إنسان أو دابة هلك، يقال: سقط في الهاوية.
وأريد بها جهنم، وقيل: هي اسم لجهنم، أي فمأواه جهنم.
ويجوز أن يكون «أمه» على حذف مضاف، أي أم رأسه، وهي أعلى الدماغ، و ﴿ هاوية ﴾ ساقطة من قولهم سقط على أم رأسه، أي هلك.
﴿ وما أدراك ما هيه ﴾ : تهويل كما تقدم آنفاً.
وضمير ﴿ هِيه ﴾ عائد إلى ﴿ هاوية ﴾ ، فعلى الوجه الأول يكون في الضمير استخدام، إذ معاد الضمير وصف هالكة، والمرادُ منه اسم جهنم كما في قول معاوية بن مالك الملقَّب معوِّذَ الحُكماء: إذا نزل السماءُ بأرض قوم *** رَعْينَاه وإنْ كانوا غضاباً وعلى الوجه الثاني يعود الضمير إلى ﴿ هاوية ﴾ وفسرت بأنها قعر جهنم.
وعلى الوجه الثالث يكون في ﴿ هِيه ﴾ استخدام أيضاً كالوجه الأول.
والهاء التي لحقت ياء (هِي) هاءُ السكت، وهي هاء تُجلب لأجل تخفيف اللفظ عند الوقف عليه، فمنه تخفيف واجب تجلب له هاء السكت لزوماً، وبعضه حسن، وليس بلازم وذلك في كل اسم أو حرف بآخره حركة بناء دائمة مثل: هو، وهي، وكيف، وثم، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا كِتابيه ﴾ في سورة الحاقة (19).
وجمهور القراء أثبتوا النطق بهذه الهاء في حالتي الوقف والوصل، وقرأ حمزة وخلف بإثبات الهاء في الوقف وحذفها في الوصل.
وجملة: نار حامية } بيان لجملة: ﴿ وما أدراك ما هيه ﴾ ، والمعنى: هي نار حامية.
وهذا من حذف المسند إليه الذي اتّبع في حذفه استعمال أهل اللغة.
ووصف ﴿ نار ﴾ ب ﴿ حامية ﴾ من قبيل التوكيد اللفظي لأن النار لا تخلو عن الحَمْي فوصفها به وصف بما هوَ من معنى لفظ ﴿ نار ﴾ فكانَ كذكر المرادف كقوله تعالى: ﴿ نار اللَّه الموقدة ﴾ [الهمزة: 6].
سُورَةُ القارِعَةِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ القارِعَةُ ﴾ ﴿ ما القارِعَةُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها العَذابُ، لِأنَّها تَقْرَعُ قُلُوبَ النّاسِ بِهَوْلِها.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّها الصَّيْحَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ بِشَدائِدِها.
وَقَدْ تُسَمّى بِالقارِعَةِ كُلُّ داهِيَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ ﴾ قالَ الشّاعِرُ مَتى تُقْرَعْ بِمَرْوَتِكم نَسُؤْكم ولَمْ تُوَقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ ﴿ ما القارِعَةُ ﴾ تَعْظِيمًا لَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿ الحاقَّةُ ﴾ ﴿ ما الحاقَّةُ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ ﴾ وفي الفَراشِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، قالَهُ الفَرّاءُ، الثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ يَتَساقَطُ في النّارِ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذُبابٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وقَتادَةُ.
وَفي ﴿ المَبْثُوثِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ المَبْسُوطُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: المُتَفَرِّقُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يُحَوَّلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَإنَّما شَبَّهَ النّاسَ الكَفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالفَراشِ المَبْثُوثِ لِأنَّهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ كَتَهافُتِ الفَراشِ.
﴿ وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ ﴾ والعِهْنِ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (كالصُّوفِ) .
وقالَ ﴿ كالعِهْنِ المَنفُوشِ ﴾ لِخِفَّتِهِ، وضَعْفِهِ، فَشَبَّهَ بِهِ الجِبالَ لِخِفَّتِها، وذَهابِها بَعْدَ شِدَّتِها وثَباتِها.
وَيُحْتَمُلُ أنْ يُرِيدَ جِبالَ النّارِ تَكُونُ كالعِهْنِ لِحُمْرَتِها وشِدَّةِ لَهَبِها، لِأنَّ جِبالَ الأرْضِ تَسِيرُ ثُمَّ تُنْسَفُ حَتّى يَدُكَّ بِها الأرْضَ دَكًّا.
﴿ فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مِيزانٌ ذُو كِفَّتَيْنِ تُوزَنُ بِهِ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وحَقٌّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا.
الثّانِي: المِيزانُ هو الحِسابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ: اللِّسانُ وزْنُ الإنْسانِ، وقالَ الشّاعِرُ قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ ايْ كَلامٌ أُعارِضُهُ بِهِ.
الثّالِثُ: أنَّ المَوازِينَ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، واسْتُشْهِدَ فِيهِ بِالشِّعْرِ المُتَقَدِّمِ.
وَفي المَوازِينِ وجْهانِ: أحَدُهُما: جَمْعُ مِيزانٍ.
الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ مَوْزُونٍ.
﴿ فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي في عِيشَةٍ مَرَضِيَّةٍ، قالَ قَتادَةُ: وهي الجَنَّةُ.
الثّانِي: في نَعِيمٍ دائِمٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ المَعاشِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ العَيْشِ.
﴿ وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ ﴾ ﴿ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الهاوِيَةَ جَهَنَّمُ، سَمّاها أُمًّا لَهُ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ.
فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمُّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرَنا وفِيها نُولَدُ وَسُمِّيَتِ النّارُ هاوِيَةً لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أُمَّ رَأْسِهُ يَهْوِي عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَقالَ الشّاعِرُ ؎ يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْحامُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةُ.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة القارعة بمكة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: القارعة من أسماء يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ﴾ قال: هذا هو الفراش الذي رأيتم يتهافت في النار، وفي قوله: ﴿ وتكون الجبال كالعهن المنفوش ﴾ قال: كالصوف، وفي قوله: ﴿ فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية ﴾ قال: هي الجنة ﴿ وأما من خفت موازينه فأمه هاوية ﴾ قال: هي النار مأواهم وأمهم ومصيرهم ومولاهم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأمه هاوية ﴾ قال: مصيره إلى النار، وهي الهاوية.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ فأمه هاوية ﴾ كقولك هويت أمه.
وأخرج ابن المنذر عن قتادة قال: هي كلمة عربية إذا وقع رجل في أمر شديد قالوا: هويت أمه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي خالد الوالبي ﴿ فأمه هاوية ﴾ قال: أم رأسه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: أم رأسه هاوية في جهنم.
وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال: يهوون في النار على رؤوسهم.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: الهاوية النار هي أمه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الأشعث بن عبد الله الأعمى قال: إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى روح المؤمنين فتقول: روحوا لأخيكم فإنه كان في غم الدنيا ويسألونه ما فعل فلان؟
ما فعل فلان؟
فيخبرهم فيقول صالح حتى يسألوه ما فعل فلان فيقول: مات أما جاءكم فيقولون: لا ذهب به إلى أمه الهاوية.
وأخرج الحاكم عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات العبد تلقى روحه أرواح المؤمنين فيقولون له: ما فعل فلان فإذا قال مات قالوا: ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية» .
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات المؤمن تلقته أرواح المؤمنين يسألونه ما فعل فلان؟
ما فعلت فلانة؟
فإن كان مات ولم يأتهم قالوا خولف به إلى أمه الهاوية بئست الأم وبئست المربية، حتى يقولوا: ما فعل فلان.
هل تزوج؟
ما فعلت فلانة هل تزوجت فيقولون: دعوه فيستريح فقد خرج من كرب الدنيا» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن نفس المؤمن إذا قبضت تلقتها أهل الرحمة من عباد الله كما يلقون البشير من أهل الدنيا فيقولون: انظروا صاحبكم يستريح فإنه كان في كرب شديد، ثم يسألونه ما فعل فلان وفلانة هل تزوجت؟
فإذا سألوه عن الرجل قد مات قبله فيقول هيهات قد مات ذاك قبلي، فيقولون: إنا لله وإنه إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية» .
وأخرج ابن المبارك عن أبي أيوب الأنصاري قال: إذا قبضت نفس العبد تلقاها أهل الرحمة من عباد الله كما يلقون البشير في الدنيا فيقبلون عليه ليسألوه فيقول بعضهم لبعض: انظروا أخاكم حتى يستريح، فإنه كان في كرب، فيقبلون عليه يسألونه ما فعل فلان ما فعلت فلانة هل تزوجت؟
فإذا سألوه عن الرجل مات قبله قال لهم: إنه قد هلك فيقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم وبئست المربية، فيعرض عليهم أعمالهم، فإذا رأوا حسناً فرحوا واستبشروا وقالوا: هذه نعمتك على عبدك فأتمها وإن رأو سوءاً قالوا: اللهم راجع عبدك.
قال ابن المبارك ورواه سلام الطويل عن ثور فرفعه.
وأخرج ابن المبارك عن سعيد بن جبير أنه قيل له: هل يأتي الأموات أخبار الأحياء؟
قال: نعم، ما من أحد له حميم إلا يأتيه أخبار أقاربه، فإن كان خيراً سرّ به وفرح به، وإن كان شراً ابتأس لذلك وحزن، حتى إنهم ليسألون عن الرجل قد مات فيقال: ألم يأتكم؟
فيقولون: لقد خولف به إلى أمه الهاوية.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: مر عيسى عليه السلام بقرية قد مات أهلها إنسها وجنها وهوامها وأنعامها وطيورها، فقام ينظر إليها ساعة، ثم أقبل على أصحابه فقال: مات هؤلاء بعذاب الله، ولو ماتوا بغير ذلك ماتوا متفرقين، ثم ناداهم: يا أهل القرية.
فأجابه مجيب: لبيك يا روح الله.
قال: ما كان جنايتكم؟
قالوا عبادة الطاغوت وحب الدنيا.
قال: وما كانت عبادتكم الطاغوت؟
قال: الطاعة لأهل معاصي الله تعالى.
قال: فما كان حبكم الدنيا؟
قالوا: كحب الصبيّ لأمه.
كنا إذا أقبلت فرحنا، وإذا أدبرت حزنا مع أمل بعيد وإدبار عن طاعة الله وإقبال في سخط الله.
قال: وكيف كان شأنكم؟
قالوا: بتنا ليلة في عافية وأصبحنا في الهاوية.
فقال عيسى: وما الهاوية؟
قال: سجين.
قال: وما سجين؟
قال: جمرة من نار مثل أطباق الدنيا كلها دفنت أرواحنا فيها.
قال: فما بال أصحابك لا يتكلمون؟
قال: لا يستطيعون أن يتكلموا ملجمون بلجام من نار.
قال: فكيف كلمتني أنت من بينهم؟
قال: إني كنت فيهم ولم أكن على حالهم، فلما جاء البلاء عمني معهم، فأنا معلق بشعرة في الهاوية لا أدري أكردس في النار أم أنجو.
فقال عيسى: بحق أقول لكم لأكل خبز الشعير وشرب ماء القراح والنوم على المزابل مع الكلاب كثير مع عافية الدنيا والآخرة.
وأخرج أبو يعلى قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه فإن كان غائباً دعا له، وإن كان شاهداً زاره، وإن كان مريضاً عاده.
ففقد رجلاً من الأنصار في اليوم الثالث فسأل عنه فقالوا: تركناه مثل الفرخ لا يدخل في رأسه شيء إلا خرج من دبره.
قال: عودوا أخاكم فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نعوده، فلما دخلنا عليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تجدك؟
قال: لا يدخل في رأسي شيء ألا خرج من دبري.
قال: ومم ذاك؟
قال يا رسول الله: مررت بك وأنت تصلي المغرب فصليت معك، وأنت تقرأ هذه السورة ﴿ القارعة ما القارعة ﴾ إلى آخرها ﴿ نار حامية ﴾ فقلت: اللهم ما كان من ذنب أنت معذبي عليه في الآخرة فعجل لي عقوبته في الدنيا فنزل بي ما ترى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس ما قلت، ألا سألت الله أن يؤتيك في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ويقيك عذاب النار، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بذلك ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم، فقام كأنما نشط من عقال» .
(قوله) (١) ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ﴾ يعني الهاوية، و"الهاء" في "ما هيه" للوقف، فإذا وصل جاز حذفها (٢) (٣) (٤) وذكرنا الكلام في هذه "الهاء" عند قوله: ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ ، و ﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ ، ﴿ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ﴾ (٥) ثم فسرها الله تعالى وأخبر عنها فقال: ﴿ نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾ أي هي نار حامية، قال الكلبي (٦) (٧) ﴿ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴾ .
(١) ساقط من (ع).
(٢) قرأ حمزة ويعقوب: "وما أدراك ماهية" بحذف الهاء في الوصل، وقرأ الباقون بإثبات الهاء في الوصل.
"المبسوط" ص 414، و"حجة القراءات" ص 770.
(٣) في (أ): (باقية).
(٤) ممن قال بالوقف: النحاس في "القطع والائتناف" 2/ 816، والداني في "المكتفي في الوقف والابتداء" ص 627.
انظر: "علل الوقوف" للسجاوندي 3/ 1153، والأشموني في: "منار الهدى في بيان الوقف والابتداء" ص 433، وأبي يحيى زكريا الأنصاري في: "المقصد لتلخيص ما في المرشد في الوقف والابتداء" ص 433، وهو مذيل بكتاب الأشموني.
وقال النحاس: ويستحب الوقف على "هيه"، لأنه إن وصل بغير هاء خالف السواد، وإن وصل بالهاء لحن، فالوقف عليها أسلم، الوقف في الابتداء: 2/ 816.
وعن السجاوندي -في بيان علة الوقف- قال لتمام الجملة.
انظر "علل الوقوف" 3/ 1153.
(٥) سورة الحاقة: 28.
وفي الكلام عن "الهاء" يراجع سورة الحاقة: 28.
(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٧) "تفسير مقاتل" 249/ أ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ هو جمع ميزان أو جمع موزون، وميزان الأعمال يوم القيامة له لسان وكفتان عند الجمهور، وقال قوم: هو عبارة عن العدل ﴿ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴾ معناه ذات رضا عند سيبويه: وثقل الموازين بكثرة الحسنات وخفتها بقلتها، ولا يخف ميزان مؤمن خفة موبقة لأن الإيمان يوزن فيه ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدهما أن الهاوية جهنم سميت بذلك لأن الناس يهوون فيها أي يسقطون، وأمه معناه مأواه كقولك: المدينة أم فلان أي مسكنه على التشبيه بالأمّ الوالدة لأنها مأوى الولد ومرجعه.
الثاني أن الأم هي الوالدة، وهاوية ساقطة وذلك عبارة عن هلاكه كقولك: أمه ثكلى إذا هلك، الثالث أن المعنى أم رأسه هاوية في جهنم، أي ساقطة فيها، لأنه يطرح فيها منكوساً، وروي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: لا أمّ لك.
فقال: يا رسول الله تدعوني إلى الهدى وتقول لي لا أمّ لك؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أردت لا نار لك» ، قال الله تعالى: ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾ وهذا يؤيد القول الأول ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ﴾ الهاء للسكت والضمير لجهنم على القول بأنها الهاوية، وهو للفعلة والخصلة التي يراد بها العذاب على القول الثاني والثالث، والمقصود تعظيمها ثم فسرها بقوله: ﴿ نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾ .
القراءات: ﴿ ما هي ﴾ بغير هاء السكت في الوصل: حمزة وسهل ويعقوب.
الآخرون: بالهاء وإن كانت وصلاً إتباعاً لخط المصحف.
الوقوف: ﴿ القارعة ﴾ ه لا ﴿ ما القارعة ﴾ ه لا ﴿ المبثوث ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ المنقوش ﴾ ه ط للابتداء بالشرط ﴿ موازينه ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب فأما ﴿ راضية ﴾ ه ط ﴿ موازينه ﴾ ه لا ﴿ هاوية ﴾ ه ط ﴿ ماهية ﴾ ه ط ﴿ حامية ﴾ ه.
التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بأحوال المعاد ذكر في هذه السورة بعض أحوال الآخرة، والقرع الاصطكاك بشدة واعتماد ثم سميت الحادثة الهائلة قارعة والمراد ههنا القيامة ولا أهول منها ولذلك قال في الإخبار عنها ﴿ ما القارعة ﴾ لأنه يفيد زيادة التهويل ثم قال ﴿ وما أدراك ما القارعة ﴾ وانتصب ﴿ يوم ﴾ بفعل محذوف دل عليه القارعة أي تقرع الناس يوم كذا، وهذا القرع عبارة عن الصيحة التي يموت فيها الخلائق ثم يحييهم عند النفخة الثانية كما روي ان الصور له ثقب على عدد الأموات لكل واحد ثقبة معلومة فيحيى الله بتلك النفخة الواصلة إليه من تلك الثقبة المعينة.
وقيل: القرع هو اصطكاك الأجرام العلوية والسفلية حين التخريب والتبديل، أو هو نفس انفطارها وانتثارها واندكاكها قاله الكلبي وقال مقاتل: إنها تقرع أعداء الله بالعذاب، وأما أولياؤه فهم من القرع آمنون.
والفراش اسم لهذه الدواب التي تتهافت فتقع في النار سمي فراشاً لتفرشه وانتشاره وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ المبثوث ﴾ وشبه الناس يومئذ بها لكثرتهم وانتشارهم ذاهبين في كل أوب كما شبههم بالجراد المنتشر في موضع آخر لذلك لا لصغر الجثة والنحول والضعف.
وجوز بعضهم أن يكونوا أولاً أكبر جثة فشبههم وقتئذ بالجراد ثم يؤل حالهم إلى الهزل والضعف لحر الشمس ولسائر أصناف المتاعب، فشبهوا للضعف بالفراش.
ويمكن أن يكون وجه التشبيه الذلة والضعف كقوله " "الناس اثنان: عالم ومتعلم وسائر الناس همج " وشبه الجبال بالعهن لاختلاف أجزائها في الحمرة والبياض والسواد كما مر في " المعارج ".
وزاد ههنا وصفه بالمنقوش لتفرق أجزائها وزوال تأليفها ثم قسم الناس فيه إلى قسمين بحسب ثقل موازين أعمالهم وخفتها وقد مر تحقيقه في " الأعراف".
وقوله ﴿ راضية ﴾ من الإسناد المجازي كما مر في " الحاقة ".
وأما قوله ﴿ فأمه هاوية ﴾ ففيه وجوه أحدها: أن الأم هي المعروفة والهاوية والهالكة وهذا من مستعملات العرب يقولون: هوت أمه أي هلكت وسقطت يعنون الدعاء عليه بالويل والثبور والخزي والهوان.
وقال الأخفش والكلبي وقتادة: فأم رأسه هاوية في النار لأنهم يهوون ي النار على رؤوسهم.
وقيل: الأم الأصل والهاوية من أسماء النار لأنها نار عتيقة والمعنى: منزلة ومأواه الذي يأوى إليه هو النار ويؤيد هذا الوجه قوله ﴿ ماهية ﴾ أي ما الهاوية، هذا هو الظاهر.
والأولون قالوا: الضمير للداهية التي يدل عليها قوله ﴿ فأمه هاوية ﴾ وفي قوله ﴿ نار حامية ﴾ إشارة إلى نيران الدنيا بالنسبة إلى نار الآخرة غير حامية والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْقَارِعَةُ ﴾ قال: القارعة عندهم هي الداهية الشديدة من الأمور، وهي في هذا الموضع وصف لشدة هول يوم القيامة، وهو من الله - - تذكير لعباده، وتعجيب لهم عما يكون في ذلك اليوم من الأهوال في [الأحوال والأفعال] وسمى الله - - في كتابه ذلك اليوم بما يكون فيه من اختلاف الأحوال، نحو قوله: ﴿ ٱلْحَاقَّةُ ﴾ ، و ﴿ ٱلْوَاقِعَةُ ﴾ ، وما أشبه ذلك، فكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْقَارِعَةُ ﴾ \[تذكير لهم\] بما وصف من حال ذلك اليوم وشدته؛ ليتفكروا في العواقب، ويتدبروا ما يستقبلهم في الأواخر من العذاب؛ فيمتنعوا بذلك عما نهاهم الله - - عنه.
ثم إن الله - - خلق [في] بني أدم نفسا يدرك بها الشهوات واللذات في الدنيا، وعقلا يتذكر به عواقب الأمور وأواخرها، ويزيده ذلك تيقضا وتبصرا، ثم العقل مرة يدعوه إلى نفسه حتى يميل إلى ما يدعوه في جزاء ما أطمع في العاقبة، والنفس مرة تدعوه إليها؛ فيصير هواه وميله فيما يتلذذ [به] من الشهوات في دنياه، وعلى ذلك تأويل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ...
﴾ ، أي: [يرحمه ويعصمه] عن اختيار السوء.
أو رحمه حتى جعل هواه فيما توجبه العواقب من الجزاء والثواب؛ فذلك ذكر الله - - عباده بما يستقبلهم من الأهوال في ذلك اليوم؛ ليعلموا عقولهم في أفكاره، والتذكر عنه؛ فيزدجروا عما زجرهم عنه.
أو يتذكروا ما وعد لهم من الجزاء في ذلك اليوم؛ فيزدادوا بذلك حرصا في الخيرات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ ﴾ ، اختلفوا في تأويله من وجوه، ولكنه في الحاصل يرجع إلى معنى واحد: فمنهم من قال: أي: كالجراد المنتشر حين أرادت الطيران.
ومنهم من قال: كالجراد الذي يموج بعضه في بعض.
ومنهم من قال: كالفراش [المبثوث] الذي يتهافت في النار؛ فيحترق؛ وكل ذلك يؤدي معنى الحيرة والاضطراب من هو ذلك اليوم.
وأصل ذلك قوله - -: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ ، فكأن الله - - قال: إنهم يصيرون في الحيرة من هول ذلك اليوم وشدته كالطائر الذي لا يدري أين يطير؟
وأين يثبت؟
وأين ينزل؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ ﴾ قال بعضهم: كالصوف المصبوع.
وقال بعضهم: كالمندوف من الصوف.
فإن كان على التأويل [الأول] فمعناه - والله أعلم -: أن الجبال في ذلك اليوم تتلون ألوانا من شدة ذلك اليوم بلون العهن؛ ألات تراه يقول: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً ﴾ ، وقال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ﴾ ؛ فكذلك هذا على ذلك المعنى.
وإن كان على التأويل الآخر، فمعناه: أن الجبال مع شدتها وصلابتها، تصير في الرخاوة والضعف من هول ذلك اليوم كالصوف المندوف؛ إذ ذلك أضعف أحواله.
وقال قتادة: شبههم بغنم لا راعي لها، ذكر العهن كناية عن الغنم.
وقوله - عزو جل -: ﴿ فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴾ ، اختلفوا في تأويل الميزان من وجوه، ولكنَّ أقربها عندنا وجهان: أحدهما: أن يكون المراد من قوله: ﴿ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ جملة المؤمنين، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾ جملة الكفار، ويكون الوجه في ذلك أن المؤمن لما عظم حق الله - - وأقام حدوده كان له ميزان وقيمة وخطر عند الله - - في ذلك اليوم، والكافر لما ترك ذلك، خف وزنه وقيمته وخطره، وقد يطلق - والله أعلم - هذا الكلام على معنى الجاه والمنزلة، يقال: لفلان عند فلان وزن وقيمة، وليس عنده ذلك الوزن، فكذلك هذا.
والوجه الثاني: من وزن السرائر التي لم يطلع الله - - ملائكته الذين يكتبون أعمال بني آدم ذلك، ومعلوم أن ذلك إنما يحصل من المؤمنين دون الكفرة، وقد وصفنا مسألة الميزان وبيناها؛ فلذلك اختصرنا الكلام في ذا الموضع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴾ ، منهم من قال: مرضية، يرضى أهل الجنة بتلك العيشة؛ فهي مرضية.
ومنهم من قال: ذات رضاء كقوله: ﴿ مَّآءٍ دَافِقٍ ﴾ ، أي: ذات اندفاق.
ومنهم من قال: إنه أضاف الرضاء إلى العيش؛ لأنه به يرضى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾ منهم من قال: سمى النار: أما للكافر؛ لأنه إليها يأوي.
ومنهم من قال: المراد من الأم: أم رأسه؛ أي: يلقى في جهنم على أم رأسه مكنوسا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَاوِيَةٌ ﴾ ، أي: تهوي به؛ حيث لا يكون له ثبات ولا قرار.
وقوله - عزو جل -: ﴿ نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾ ، أي: تحميه، وتنضجه.
ومنهم من قال: ﴿ نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾ ، شديدة الحر، والله أعلم، [وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصبحه أجمعين].
وما أعلمك -أيها الرسول- ما هي؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.VldYx"
﴿ الْقَارِعَةُ ﴾ اسم من أسماء القيامة: كالحاقة والصاخة والطامة والغاشية.
وهي قارعة لأنها تقرع القلوب بهولها.
(ما القارعة)؟
استفهام عن حقيقتها قصد به تهويل أمرها، كأنها -لشدة ما يكون فيها، مما تفزع له النفوس، وتدهش له العقول- يصعب تصورها.
﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴾ أي: أي شيء يعرفك بها؟
زيادة في تعظيم تلك الحادثة العظيمة كأن لا شيء يحيط بها ويفيدك برسمها.
ثم أخذ يعرفها بزمانها وما يحدث للناس فيه، فقال: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ﴾ الفراش: هو ذلك الطير الذي تراه يترامى على ضوء السراج ليلًا.
وهو مثل في الحيرة والجهل بالعاقبة.
والناس من هول ذلك اليوم يكونون منتشرين حيارى هائمين لا يدرون ماذا يصنعون، ولا ما يصنع بهم، وقال في آية أُخرى: ﴿ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ ﴾ .
﴿ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ﴾ العهن: هو الصوف.
والمنفوش: الذي نفشته بيدك أو بآلة أُخرى ففرقت شعراته بعضها عن بعض، فهو على حاله يطير مع أضعف ريح.
والجبال لتفتتها وتفرق أجزائها، لم تبق لها إلا صورة الصوف المنفوش لا تلبث أن تتطاير وتذهب.
ومن العلوم أن ذلك هو اليوم الذي تبتدئ فيه الحياة الآخرة، وفيها تعرف مقادير الأعمال وما تستحقه من الجزاء ﴿ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴾ .
ثقل ميزانك: أي كان لك قدر وقيمة، كأنك إذا وضعت في كفة ميزان كان لها بك رجحان.
وإنما يكون المقدار والقيمة لأهل الأعمال الصالحة والفضائل الراجحة، فهؤلاء يجزون بالنعيم الدائم.
ولا ريب في أن معيشتهم فيه تكون معيشة تمتع ولذه وهي التي تسمى العيشة الراضية الهنيئة.
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾ خفت ميزانك: سقطت قيمتك، فكأنك لست بشيء حتى ولو وضعت في كفة ميزان لم ترجح بك عن أُختها.
ومن كان في هذه الحياة الدنيا كثير الشر قليل الخير، لم يبلغ بنفسه منازل الإخلاص لله في القول والعمل، ولم يرتفع بها عن دنايا الأمور وسفاسفها، ولم ينزل عقله عن الإشراك، ولم يطهر قلبه عن رذائل الأخلاق، فذلك كان من الناس أخًا للعدم والفناء!
فماذا يكون في الآخرة؟
لا ريب أنه لا يكون شيئًا.
فلا وزن له، ولا ترجح به كفة ميزان لو وضع فيها.
وهذا المعنى قد صرح به في القرآن في قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾ .
وبهذا صح نسبة الثقل والخفة إلى الموازين بأجمعها.
أما لو كان المعنى على ما قالوه فهو ما لا تدل عليه العبارة، وكان من حق التعبير: من رجحت كفة أعماله، أو خفت كفة أعماله.
فإذا أرادوا إرجاع لفظ الآية إلى ما فهموه احتاجوا إلى تأويل كثير كما هو ظاهر.
وتقدير الله الأعمال وما تستحقه من الجزاء في ذلك اليوم، إنما يكون على حسب ما يعلم لا على طريقة ما نعلم.
فعلينا أن نفوض الأمر فيه إليه سبحانه مع الإيمان به.
ومن عجيب ما قاله بعض المفسرين: "أنه ميزان بلسان وكفتين كأطباق السموات والأرض، ولا يعلم ماهيته إلا الله"!
فماذا بقي من ماهيته بعد لسانه وكفتيه حتى يفوض العلم فيه إلى الله؟
والكلام فيه جراءة على غيب الله بغير نص صريح متواتر عن المعصوم، ولم يرد في الكتاب إلا كلمة الميزان.
وقد عرفت ما يمكننا أن نفهم منها لننتفع بما نعتقد، وما عدا ذلك فعلمه إلى الله سبحانه.
وقد قالوا: إن منكر الميزان بالمعنى المعروف لا يكفر، خصوصًا إذا كان القائل به يحدد له لسانًا وكفتين!
مع أن البشر قد اخترعوا من الموازين ما هو أتقن من ذلك وأضبط وأوفى بيان الموزون .
أفيأبى الحكيم الخبير إلا استعمال ذلك الميزان الخشن الناقص الذي هدى العلم عقول البشر إلى ما هو أدق منه؟!
أيأبى عالم الغيب والشهادة أن يستعمل في وزن المعاني والمعقولات إلا ذلك الميزان الذي اخترعه بعض البشر قبل أن يبلغ بهم العلم ما بلغ بأهل العصر الحاضر وما سيبلغ بأهل العصور المقبلة؟!
على أن جميع ما اخترع البشر وما يخترعون -مهما دق ولطف- إنما هو معيار للأثقال الجسمانية والأوزان المحسوسة.
وهل يكون الأليق بالمقام الإلهي أن يكون ميزان المعاني المعقولة لديه أسمى وأعلى من أن يكون على نمط ما يستعمله البشر مهما ارتقت المعارف وسمت بهم العلوم؟
وهل يليق بمن يخاف مقام ربه أن يجرؤ على القول بوجوب الاعتقاد بأن الميزان الذي تستعمله القبائل التي لم تزل في مهد الإنسانية الأولى: ميزان ضعفاء العقول، قصار الأنظار الذين لا يعرفون قيمة للإيمان بالغيب ولا لحياء العقل من الله، وإطراقه عن أن ينظر إلى ما تشامخ من غيوب الله تعالى علمه وتعاظمت قدرته؟
عليك أيها المؤمن المطمئن إلى ما يخير الله به أن توقن أن الله يزن الأعمال ويميز لكل عمل مقداره.
ولا تسل كيف يزن، ولا كيف يقدر، فهو أعلم بغيبه.
والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
(فأمه هاوية): هو مرجعه الذي يأوي إليه -كما يأوي الولد إلى أمه- هاوية: أي مهواة سحيقة يهوى فيها.
وسميت هاوية مع أنها يهوى فيها، كما سميت العيشة راضية مع أنها يرضى بها.
(وما أدراك ما هيه)؟
أي: ما الذي يخبرك بما هي تلك الهاوية، وأي شيء تكون؟
(نار حامية): هي نار ملتهبة يهوى فيها ليلقى جزاء ما قدم من عمل.
والله اعلم.