الآية ٢ من سورة القارعة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 101 القارعة > الآية ٢ من سورة القارعة

مَا ٱلْقَارِعَةُ ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 43 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة القارعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٢ من سورة القارعة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال معظما أمرها ومهولا لشأنها : ( وما أدراك ما القارعة ) ؟

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( مَا الْقَارِعَةُ ) يقول تعالى ذكره معظما شأن القيامة والساعة التي يقرع العباد هولها: أيّ شيء القارعة، يعني بذلك: أيّ شيء الساعة التي يقرع الخلق هولها: أي ما أعظمها وأفظعها وأهولها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

استفهام ; أي أي شيء هي القارعة ؟

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

عظَّم أمرها وفخمه

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"ما القارعة"، تهويل وتعظيم.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ما القارعة» تهويل لشأنها وهما مبتدأ وخبر القارعة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أيُّ شيء هذه القارعة؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

و " القارعة " : مبتدأ ، و " ما " : مبتدأ ثان ، و " القارعة " : خبر المبتدأ الثانى ، وجملة المبتدأ الثانى وخبره فى محل رفع خبر المبتدأ الأول .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن فيه مسائل: المسألة الأولى: القرع الضرب بشدة واعتماد، ثم سميت الحادثة العظيمة من حوادث الدهر قارعة، قال الله تعالى: ﴿ وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ  ﴾ ومنه قولهم: العبد يقرع بالعصا، ومنه المقرعة وقوارع القرآن وقرع الباب، وتقارعوا تضاربوا بالسيوف، واتفقوا على أن القارعة اسم من أسماء القيامة، واختلفوا في لمية هذه التسمية على وجوه: أحدها: أن سبب ذلك هو الصيحة التي تموت منها الخلائق، لأن في الصيحة الأولى تذهب العقول، قال تعالى: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي السموات وَمَن فِي الأرض  ﴾ وفي الثانية تموت الخلائق سوى إسرافيل، ثم يميته الله ثميحييه، فينفخ الثالثة فيقومون.

وروى أن الصور له ثقب على عدد الأموات لكل واحد ثقبة معلومة، فيحيي الله كل جسد بتلك النفخة الواصلة إليه من تلك الثقبة المعينة، والذي يؤكد هذا الوجه قوله تعالى: ﴿ مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحدة  ﴾ ﴿ فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ واحدة  ﴾ .

وثانيها: أن الأجرام العلوية والسفلية يصطكان اصطكاكاً شديداً عند تخريب العالم، فبسبب تلك القرعة سمي يوم القيامة بالقارعة.

وثالثها: أن القارعة هي التي تقرع الناس بالأهوال والإفزاع، وذلك في السموات بالانشقاق والإنفطار، وفي الشمس والقمر بالتكور، وفي الكواكب بالانتثار، وفي الجبال بالدك والنسف، وفي الأرض بالطي والتبديل، وهو قول الكلبي.

ورابعها: أنها تقرع أعداء الله بالعذاب والخزي والنكال، وهو قول مقاتل، قال بعض المحققين وهذا أولى من قول الكلبي لقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ  ﴾ .

المسألة الثانية: في إعراب قوله: ﴿ القارعة مَا القارعة ﴾ وجوه: أحدها: أنه تحذير وقد جاء التحذير بالرفع والنصب تقول: الأسد الأسد، فيجوز الرفع والنصب.

وثانيها: وفيه إضمار أي ستأتيكم القارعة على ما أخبرت عنه في قوله: ﴿ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القبور  ﴾ .

وثالثها: رفع بالابتداء وخبره: ﴿ مَا القارعة ﴾ وعلى قول قطرب الخبر.

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا القارعة ﴾ فإن قيل: إذا أخبرت عن شيء بشيء فلابد وأن تستفيد منه علماً زائداً، وقوله: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ ﴾ يفيد كونه جاهلاً به فكيف يعقل أن يكون هذا خبراً؟

قلنا: قد حصل لنا بهذا الخبر علم زائد، لأنا كنا نظن أنها قارعة كسائر القوارع، فبهذا التجهيل علمنا أنها قارعة فاقت القوارع في الهول والشدة.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا القارعة ﴾ فيه وجوه: أحدها: معناه لا علم لك بكنهها، لأنها في الشدة بحيث لا يبلغها وهم أحد ولا فهمه، وكيفما قدرته فهو أعظم من تقديرك كأنه تعالى قال: قوارع الدنيا في جنب تلك القارعة كأنها ليست بقوارع، ونار الدنيا في جنب نار الآخرة كأنها ليست بنار، ولذلك قال في آخر السورة: ﴿ نَارٌ حَامِيَةٌ  ﴾ تنبيهاً على أن نار الدنيا في جنب تلك ليست بحامية، وصار آخر السورة مطابقاً لأولها من هذا الوجه.

فإن قيل: هاهنا قال: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ ما القارعة ﴾ وقال في آخر السورة: ﴿ فَأُمُّهُۥ هَاوِيَةٌ  وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا هِيَهْ  ﴾ ولم يقل: وماأدراك ما هاوية فما الفرق؟

قلنا: الفرق أن كونها قارعة أمر محسوس، أما كونها هاوية فليس كذلك، فظهر الفرق بين الموضعين.

وثانيها: أن ذلك التفصيل لا سبيل لأحد إلى العلم به إلا بأخبار الله وبيانه، لأنه بحث عن وقوع الوقعات لا عن وجوب الواجبات، فلا يكون إلى معرفته دليل إلا بالسمع.

المسألة الرابعة: نظير هذه الآية قوله: ﴿ ٱلْحَآقَّةُ  مَا ٱلْحَآقَّةُ  وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحَآقَّةُ  ﴾ ثم قال المحققون قوله: ﴿ القارعة * مَا القارعة ﴾ أشد من قوله: ﴿ الحاقة * مَا الحاقة ﴾ لأن النازل آخراً لابد وأن يكون أبلغ لأن المقصود منه زيادة التنبيه، وهذه الزيادة لا تحصل إلا إذا كانت أقوى، وأما بالنظر إلى المعنى، فالحاقة أشد لكونه راجعاً إلى معنى العدل، والقارعة أشد لما أنها تهجم على القلوب بالأمر الهائل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الظرف نصب بمضمر دلّت عليه القارعة، أي: تقرع ﴿ يَوْمَ يَكُونُ الناس كالفراش المبثوث (4) ﴾ شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف والذلة، والتطاير إلى الداعي من كل جانب، كما يتطاير الفراش إلى النار.

قال جرير: إنَّ الْفَرَذْدَقَ مَا عَلِمْتُ وَقَوْمَهُ ** مِثْلُ الْفَرَاشِ غَشِينَ نَارَ الْمُصْطَلِي وفي أمثالهم: أضعف من فراشة وأذل وأجهل.

وسمى فراشا: لتفرّشه وانتشاره.

وشبه الجبال بالعهن وهو الصوف المصبغ ألواناً؛ لأنها ألوان، وبالمنفوش منه؛ لتفرّق أجزائها.

وقرأ ابن مسعود: ﴿ كالصوف ﴾ .

الموازين: جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله.

أو جمع ميزان.

وثقلها: رجحانها.

ومنه حديث أبي بكر لعمر رضي الله عنهما في وصيته له: «وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقلها في الدنيا، وحق لميزان لا توضع فيه إلاّ الحسنات أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينه لاتباعهم الباطل وخفتها في الدنيا، وحق لميزان لا توضع فيه إلاّ السيئات أن يخف» ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) ﴾ من قولهم إذا دعوا على الرجل بالهلكة: هوت أمّه؛ لأنه إذا هوى أي: سقط وهلك، فقد هوت أمّه ثكلاً وحزناً قال: هَوَتْ أُمُّهُ مَا يَبْعَثُ الصُّبْحُ غَادِياً ** وَمَاذَا يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ فكأنه قيل: وأما من خفت موازينه فقد هلك.

وقيل: ﴿ هَاوِيَةٌ ﴾ من أسماء النار، وكأنها النار العميقة لهوي أهل النار فيها مهوى بعيداً، كما روي: «يهوي فيها سبعين خريفاً» أي: فمأواه النار.

وقيل: للمأوى: أمّ، على التشبيه؛ لأنّ الأمّ مأوى الولد ومفزعه.

وعن قتادة: فأمّه هاوية، أي: فأمّ رأسه هاوية في قعر جهنم، لأنه يطرح فيها منكوساً (هيه) ضمير الداهية التي دلّ عليها قوله: ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) ﴾ في التفسير الأوّل.

أو ضمير هاوية والهاء للسكت، وإذا وصل القارئ حذفها.

وقيل: حقه أن لا يدرج لئلا يسقطها الإدراج، لأنّها ثابتة في المصحف.

وقد اجيز إثباتها مع الوصل.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة القارعة ثقل الله بها ميزانه يوم القيامة» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ القارِعَةِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها ثَمانِي آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿ القارِعَةُ ﴾ ﴿ ما القارِعَةُ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ ﴾ سَبَقَ بَيانُهُ في «الحاقَّةِ».

﴿ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ ﴾ في كَثْرَتِهِمْ وذِلَّتِهِمْ وانْتِشارِهِمْ واضْطِرابِهِمْ، وانْتِصابُ يَوْمَ بِمُضْمَرٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ القارِعَةُ.

﴿ وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ ﴾ كالصُّوفِ ذِي الألْوانِ.

﴿ المَنفُوشِ ﴾ المَندُوفِ لِتَفَرُّقِ أجْزائِها وتَطايُرِها في الجَوِّ.

﴿ فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ﴾ بِأنْ تَرَجَّحَتْ مَقادِيرُ أنْواعِ حَسَناتِهِ.

﴿ فَهُوَ في عِيشَةٍ ﴾ في عَيْشٍ.

﴿ راضِيَةٍ ﴾ ذاتِ رِضًا أوْ مَرَضِيَّةٍ.

﴿ وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ ﴾ بِأنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْبَأُ بِها، أوْ تَرَجَّحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ.

﴿ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ﴾ فَمَأْواهُ النّارُ المُحْرِقَةُ والهاوِيَةُ مِن أسْمائِها ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ وَما أدْراكَ ما هِيَهْ ﴾ ﴿ نارٌ حامِيَةٌ ﴾ ذاتُ حِمًى.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ القارِعَةِ ثَقَّلَ اللَّهُ بِها مِيزانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ» .

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

مَا الْقَارِعَةُ (٢)

{مَا} مبتدأ ثانٍ {القارعة} خبره والجملة خبر المبتدأ الأول وكان حقه ما هي وإنما كرر تفخما لشأنها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ القارِعَةِ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، وآيُها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً في الكُوفِيِّ وعَشْرٌ في الحِجازِيِّ وثَمانٍ في البَصْرِيِّ والشّامِيِّ ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أظْهَرُ مِن أنْ تُذْكَرَ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ القارِعَةُ ﴾ ﴿ ما القارِعَةُ ﴾ ﴿ وما أدْراكَ ما القارِعَةُ ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّها القِيامَةُ نَفْسُها ومَبْدَؤُها النَّفْخَةُ الأُولى ومُنْتَهاها فَصْلُ القَضاءِ بَيْنَ الخَلائِقِ، وقِيلَ: صَوْتُ النَّفْخَةِ.

وقالَ الضَّحّاكُ: هي النّارُ ذاتُ التَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وأيًّا ما كانَ فَهي مِنَ القَرْعِ وهو الضَّرْبُ بِشِدَّةٍ بِحَيْثُ يَحْصُلُ مِنهُ صَوْتٌ شَدِيدٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها وكَذا ما يُعْلَمُ مِنهُ إعْرابُ ما ذُكِرَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الحاقَّةُ ﴾ ﴿ ما الحاقَّةُ ﴾ ﴿ وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ ﴾ وقَرَأ عِيسى: «القارِعَةَ» بِالنَّصْبِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ؛ أيِ اذْكُرِ القارِعَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مختلف فيها وهي إحدى عشرة آية مكية قوله تعالى الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ يعني: القيامة والساعة ما الساعة وهذا من أسماء يوم القيامة مثل الحاقة والطامة والصاخة، وإنما سميت القارعة لأنها تنزع القلوب بالأهوال ويقال سماها قارعة لثلاثة: لأنها تقرع في أذن العبد بما علم وسمعه والثاني تقرع أركان العبد بعضه في بعض والثالث تقرع القلوب كما تقرع القصار الثوب ثم قال عز وجل: وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ تعظيماً لشدتها ثم وصفها فقال يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ يعني: كالجراد كالفراش يجول بعضهم في بعض كما قال في آية أخرى كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ [القمر: 7] ويقال شبههم بالفراش لأنهم يلقون أنفسهم في النار كما يلقي الفراش نفسه في النار وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ يعني: كالصوف المندوف وهي تمر مَرَّ السحاب فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ يعني: رجحت حسناته على سيئاته ويقال ثقلت موازينه بالعمل الصالح بالصلاة والزكاة وغيرها من العبادات فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ يعني: في عيش مرضي يعني: في الجنة لا موت فيها ولا فقر ولا مرض ولا خوف ولا جنون يعني: آمن من كل خوف وفقر وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ يعني: رجحت سيئاته على حسناته يعني: الكافر ويقال من خفت موازينه يعني: لا يكون له عمل صالح فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ يعني: مصيره إلى النار قال قتادة هي أمهم ومأواهم وإنما سميت الهاوية لأن الكافر إذا طرح فيها يهوي على هامته وإنما سميت أمه لأنه مصيره إليها ومسكنه فيها ثم وصفها فقال وَما أَدْراكَ مَا هِيَهْ تعظيماً لشدتها ثم أخبر عنها فقال نارٌ حامِيَةٌ يعني: حارة قد انتهى حرها وأصله ما هي فأدخلت الهاء للوقف كقوله اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [الحاقة: 19] وأصله كتابي قرأ حمزة والكسائي وما أدراك ما هي بغير هاء في الوصل وبالهاء عند الوقف وقرأ الباقون بإثباتها في الوصل والوقف والله تعالى أعلم بالصواب.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ القارِعَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ فاتِحَتِها في أوَّلِ " الحاقَّةِ " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ ﴾ اليَوْمُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ.

المَعْنى: يَكُونُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ ﴿ كالفَراشِ المَبْثُوثِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ غَوْغاءُ الجَرادِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: غَوْغاءُ الجَرادِ: صِغارُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِعامَّةِ النّاسِ: غَوْغاءُ.

والثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذِبّانٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما تَهافَتَ في النّارِ مِنَ البَعُوضِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: ما يُرى كَصِغارِ البَقِّ يَتَهافَتُ في النّارِ.

وشَبَّهَ النّاسَ في وقْتِ البَعْثِ بِهِ وبِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، لِأنَّهم إذا بُعِثُوا ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ.

وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ لِلْكُفّارِ، فَهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ تَهافُتَ الفَراشِ.

فَأمّا ﴿ المَبْثُوثِ ﴾ فَهو المُنْتَشِرُ المُتَفَرِّقُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [سَألَ سائِلٌ: ٩]، و " المَنفُوشُ " الَّذِي قَدْ نُدِفَ.

قالَ مُقاتِلٌ: وتَصِيرُ الجِبالُ كالصُّوفِ المَندُوفِ.

فَإذا رَأيْتَ الجَبَلَ قُلْتَ: هَذا جَبَلٌ: فَإذا مَسَسْتَهُ لَمْ تَرَ شَيْئًا، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ﴾ ، أيْ: رَجَحَتْ بِالحَسَناتِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ الآيَةَ في أوَّلِ [الأعْرافِ: ٨] وبَيَّنّا مَعْنى ﴿ عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ في [الحاقَّةِ: ٢١] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ﴾ ، قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والجَحْدَرِيُّ " فَإمُّهُ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.

وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ، يَعْنِي: أنَّهُ يَهْوِي في النّارِ عَلى رَأْسِهِ، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأبِي صالِحٍ.

والثّانِي: أنَّها كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ، كانَ الرَّجُلُ إذا وقَعَ في أمْرٍ شَدِيدٍ قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى، فَمَسْكَنُهُ النّارُ.

وإنَّما قِيلَ لِمَسْكَنِهِ: أمُّهُ، لِأنَّ الأصْلَ السُّكُونُ إلى الأُمَّهاتِ.

فالنّارُ لِهَذا كالأُمِّ، إذْ لا مَأْوى لَهُ غَيْرُها، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: «إذا ماتَ العَبْدُ تَلْقى رُوحُهُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ، فَتَقُولُ لَهُ: ما فَعَلَ فُلانٌ؟

فَإذا قالَ: ماتَ، قالُوا: ذُهِبَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ، وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما هِيَهْ ﴾ يَعْنِي: الهاوِيَةَ.

قَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ " ما هي " بِحَذْفِ الهاءِ الأخِيرَةِ في الوَصْلِ، وإثْباتِها في الوَقْفِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الهاءُ في " هِيَهْ " دَخَلَتْ في الوَقْفِ، لِتَبْيِينِ فَتْحَةِ الياءِ، فالوَقْفُ " هِيَهْ " والوَصْلُ هي نارٌ.

والَّذِي يَجِبُ اتِّباعُ المُصْحَفِ.

والهاءُ فِيهِ ثابِتَةٌ فَتُوقَفُ عَلَيْها، ولا تُوصَلُ، ﴿ نارٌ حامِيَةٌ ﴾ أيْ: حارَّةٌ قَدِ انْتَهى حَرُّها.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القارِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ القارِعَةُ ﴾ ﴿ ما القارِعَةُ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَكُونُ الناسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ ﴾ ﴿ وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ ﴾ ﴿ فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ﴾ ﴿ فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ ﴿ وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ ﴾ ﴿ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما هِيَهْ ﴾ ﴿ نارٌ حامِيَةٌ ﴾ قَرَأ: "القارِعَةُ، ما القارِعَةُ" بِالنَصْبِ عِيسى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: القارِعَةُ: القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القارِعَةُ: صَيْحَةُ النَفْخَةِ في الصُورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ﴾ تَعْظِيمٌ لِأمْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلَهُ.

و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "القارِعَةُ".

وأمالَ أبُو عَمْرٍو "القارِعَةَ"، و"الفَرّاشُ" طَيْرٌ دَقِيقٌ يَتَساقَطُ في النارِ ويَقْصِدُها ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "وَأنا آخِذٌ بِحُجُزِكم عَنِ النارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقاحُمَ الفَراشِ والجَنادِبِ"،» وقالَ الفَرّاءُ: الفِراشُ في الآيَةِ غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ فِي الأرْضِ والهَواءِ، و"المَبْثُوثِ" هُنا مَعْناهُ: المُتَفَرِّقُ جَمْعُهُ وجُمْلَتُهُ مَوْجُودَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الناسُ أوَّلُ قِيامِهِمْ مِنَ القُبُورِ كالفَراشِ المَبْثُوثِ؛ لِأنَّهم يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، ثُمَّ يَدْعُوهُمُ الداعِي فَيَتَوَجَّهُونَ إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، فَهم حِينَئِذٍ كالجَرادِ المُنْتَشِرِ؛ لِأنَّ الجَرادَ إنَّما تُوَجِّهُهُ أبَدًا إلى ناحِيَةٍ مَقْصُودَةٍ.

واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ فِي: "العِهْنِ"، فَقِيلَ: هو الصُوفُ عامًّا، وقِيلَ: هو الصُوفُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: هو الصُوفُ المُلَوَّنُ ألْوانًا، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ: كَأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنا لَمْ يُحَطَّمِ والفَنا: عِنَبُ الثَعْلَبِ، وحَبُّهُ قَبْلَ التَحَطُّمِ مِنهُ الأخْضَرُ والأحْمَرُ والأصْفَرُ، وكَذَلِكَ الجِبالُ جُدَدٌ بِيضٍ وحُمْرٌ وصُفْرٌ وسُودٌ، فَجاءَ التَشْبِيهُ مُلائِمًا، وكَوْنُ الجِبالِ كالعِهْنِ إنَّما هو قَبْلَ وقْتِ التَفْتِيتِ قَبْلَ النَسْفِ ومَصِيرُها هُنا، وهي دَرَجاتٌ.

و"النَفْشُ": خَلْخَلَةُ الأجْزاءِ وتَفْرِيقُها عن تَراصِّها، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: "كالصُوفِ المَنفُوشِ".

و"المَوازِينُ" هي الَّتِي في القِيامَةِ، قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ والفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ: مِيزانُ القِيامَةِ بِعَمُودٍ وكِفَّتَيْنِ لِيُبَيِّنَ اللهُ تَعالى أمْرَ العِبادِ بِما عَهِدُوهُ وتَيَقَّنُوهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ ثَمَّ مِيزانٌ، إنَّما هو العَدْلُ مَثَلٌ ذَكَرَهُ بِالمِيزانِ؛ إذْ هو أعْدَلُ ما يَدْرِي الناسُ، وجُمِعَتِ المُوازِينُ لِلْإنْسانِ لَمّا كانَتْ لَهُ مَوْزُوناتٌ كَثِيرَةٌ مُتَغايِرَةٌ، وثِقَلُ هَذا المِيزانِ هو بِالإيمانِ والأعْمالِ، وخِفَّتُهُ بِعَدَمِها وقِلَّتِها، ولَنْ يَخِفَّ خِفَّةً مُوبِقَةً مِيزانُ مُؤْمِنٍ.

و"عِيشَةٍ راضِيَةٍ" مَعْناهُ: ذاتُ رِضًى، عَلى النَسَبِ، هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ﴾ ، قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالأُمِّ نَفْسُ الهاوِيَةِ، وهي دَرْكُ مَن أدْراكَ النارَ، وهَذا كَما يُقالُ لِلْأرْضِ: "أُمُّ الناسِ" لِأنَّها تُؤْوِيهِمْ، وكَما قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: "فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا" فَجَعَلَ اللهُ تَعالى الهاوِيَةَ أُمُّ الكافِرِ لَمّا كانَتْ مَأْواهُ، وقالَ آخَرُونَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ فِيهِ تَجَوُّزٌ، كَما قالُوا: "أُمُّهُ ثاكِلٌ" و"هَوى نَجْمُهُ"، وقالَ أبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ أُمُّ رَأْسِهِ لِأنَّهم يَهْوُونَ عَلى رُؤُوسِهِمْ.

وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَأُمُّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّ المِيمِ مُشَدَّدَةً.

ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى نَبِيَّهُ  عَلى دِرايَةِ أمْرِها وتَعْظِيمِهِ، ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّها نارٌ حامِيَةٌ، وقَرَأ: "ما هِيَ" بِطَرْحِ الهاءِ في الوَصْلِ ابْنُ إسْحاقَ والأعْمَشُ، ورَوى المُبَرِّدُ «أنَّ النَبِيَّ  قالَ لِرَجُلٍ: "لا أُمَّ لَكَ"، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، تَدْعُونِي إلى الهُدى وتَقُولُ: لا أُمَّ لَكَ؟

فَقالَ: إنَّما أُرِيدُ لا نارَ لَكَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ﴾ .» كَمُلَ تَفْسِيرُ [القارِعَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الافتتاح بلفظ ﴿ القارعة ﴾ افتتاح مهول، وفيه تشويق إلى معرفة ما سيخبر به.

وهو مرفوع إما على الابتداء و ﴿ ما القارعة ﴾ خبره ويكون هناك منتهى الآية.

فالمعنى: القارعة شيء عظيم هي.

وهذا يجري على أن الآية الأولى تنتهى بقوله: ﴿ ما القارعة ﴾ .

وإمّا أن تكون ﴿ القارعة ﴾ الأولُ مستقلاً بنفسه، وعُدّ آية عند أهل الكوفة فيقدر خبرٌ عنه محذوف نحو: القارعة قريبة، أو يقدر فعل محذوف نحو أتتْ القارعة، ويكون قوله: ﴿ ما القارعة ﴾ استئنافاً للتهويل، وجُعل آية ثانية عند أهل الكوفة، وعليه فالسورة مسمطة من ثلاث فواصل في أولها وثلاث في آخرها وفاصلتين وسطها.

وإعادة لفظ ﴿ القارعة ﴾ إظهار في مقام الإِضمار عدل عَنْ أن يقال: القارعة ماهِيهْ، لما في لفظ القارعة من التهويل والترويع، وإعادة لفظ المبتدأ أغنت عن الضمير الرابط بين المبتدأ وجملة الخبر.

والقارعة: وصف من القرع وهو ضرب جسم بآخر بشدة لها صوت.

وأطلق القرع مجازاً على الصوت الذي يتأثر به السامع تأثُّر خوف أو اتعاظ، يقال: قَرع فُلاناً، أي زجره وعَنَّفه بصوت غضب.

وفي المقامة الأولى: «ويقرع الأسماع بزواجر وعظه».

وأطلقت ﴿ القارعة ﴾ على الحدث العظيم وإن لم يكن من الأصوات كقوله تعالى: ﴿ ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة ﴾ [الرعد: 31] وقيل: تقول العرب: قرعت القوم قارعة، إذا نزل بهم أمر فظيع ولم أقف عليه فيما رأيت من كلام العرب قبل القرآن.

وتأنيث ﴿ القارعة ﴾ لتأويلها بالحادثة أو الكائنة.

و ﴿ ما ﴾ استفهامية، والاستفهام مستعمل في التهويل على طريقة المجاز المرسل المركب لأن هول الشيء يستلزم تساؤل الناس عنه.

ف ﴿ القارعة ﴾ هنا مراد بها حادثة عظيمة.

وجمهور المفسرين على أن هذه الحادثة هي الحشر فجعلوا القارعة من أسماء يوم الحشر مثل القيامة، وقيل: أريد بها صيحة النفخة في الصُّور، وعن الضحاك: القارعة النار ذات الزفير، كأنه يريد أنها اسم جهنم.

وهذا التركيب نظير قوله تعالى: ﴿ الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة ﴾ [الحاقة: 1 3] وقد تقدم.

ومعنى ﴿ وما أدراك ما القارعة ﴾ زيادة تهويل أمر القارعة و ﴿ ما ﴾ استفهامية صادقة على شخص، والتقدير: وأي شخص أدراك، وهو مستعمل في تعظيم حقيقتها وَهَوْلها لأن هول الأمر يستلزم البحث عن تعرفة.

وأدراك: بمعنى أعلمك.

و ﴿ ما القارعة ﴾ استفهام آخر مستعمل في حقيقته، أي ما أدراك جواب هذا الاستفهام.

وسدّ الاستفهام مَسدَّ مفعولي ﴿ أدراك ﴾ .

وجملة: ﴿ وما أدراك ما القارعة ﴾ عطف على جملة ﴿ ما القارعة ﴾ .

والخطاب في ﴿ أدراك ﴾ لغير معين، أي وما أدراك أيها السامع.

وتقدم نظير هذا عند قوله تعالى: ﴿ الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة ﴾ [الحاقة: 1 3] وتقدم بعضه عند قوله تعالى: ﴿ وما أدراك ما يوم الدين ﴾ في سورة الانفطار (17).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ القارِعَةِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ القارِعَةُ ﴾ ﴿ ما القارِعَةُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها العَذابُ، لِأنَّها تَقْرَعُ قُلُوبَ النّاسِ بِهَوْلِها.

وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّها الصَّيْحَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ بِشَدائِدِها.

وَقَدْ تُسَمّى بِالقارِعَةِ كُلُّ داهِيَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ  ﴾ قالَ الشّاعِرُ مَتى تُقْرَعْ بِمَرْوَتِكم نَسُؤْكم ولَمْ تُوَقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ ﴿ ما القارِعَةُ ﴾ تَعْظِيمًا لَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿ الحاقَّةُ ﴾ ﴿ ما الحاقَّةُ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ ﴾ وفي الفَراشِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، قالَهُ الفَرّاءُ، الثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ يَتَساقَطُ في النّارِ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذُبابٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وقَتادَةُ.

وَفي ﴿ المَبْثُوثِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ المَبْسُوطُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: المُتَفَرِّقُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يُحَوَّلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَإنَّما شَبَّهَ النّاسَ الكَفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالفَراشِ المَبْثُوثِ لِأنَّهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ كَتَهافُتِ الفَراشِ.

﴿ وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ ﴾ والعِهْنِ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (كالصُّوفِ) .

وقالَ ﴿ كالعِهْنِ المَنفُوشِ ﴾ لِخِفَّتِهِ، وضَعْفِهِ، فَشَبَّهَ بِهِ الجِبالَ لِخِفَّتِها، وذَهابِها بَعْدَ شِدَّتِها وثَباتِها.

وَيُحْتَمُلُ أنْ يُرِيدَ جِبالَ النّارِ تَكُونُ كالعِهْنِ لِحُمْرَتِها وشِدَّةِ لَهَبِها، لِأنَّ جِبالَ الأرْضِ تَسِيرُ ثُمَّ تُنْسَفُ حَتّى يَدُكَّ بِها الأرْضَ دَكًّا.

﴿ فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مِيزانٌ ذُو كِفَّتَيْنِ تُوزَنُ بِهِ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وحَقٌّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا.

الثّانِي: المِيزانُ هو الحِسابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ: اللِّسانُ وزْنُ الإنْسانِ، وقالَ الشّاعِرُ قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ ايْ كَلامٌ أُعارِضُهُ بِهِ.

الثّالِثُ: أنَّ المَوازِينَ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، واسْتُشْهِدَ فِيهِ بِالشِّعْرِ المُتَقَدِّمِ.

وَفي المَوازِينِ وجْهانِ: أحَدُهُما: جَمْعُ مِيزانٍ.

الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ مَوْزُونٍ.

﴿ فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي في عِيشَةٍ مَرَضِيَّةٍ، قالَ قَتادَةُ: وهي الجَنَّةُ.

الثّانِي: في نَعِيمٍ دائِمٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ المَعاشِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ العَيْشِ.

﴿ وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ ﴾ ﴿ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الهاوِيَةَ جَهَنَّمُ، سَمّاها أُمًّا لَهُ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ.

فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمُّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرَنا وفِيها نُولَدُ وَسُمِّيَتِ النّارُ هاوِيَةً لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أُمَّ رَأْسِهُ يَهْوِي عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَقالَ الشّاعِرُ ؎ يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْحامُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة القارعة بمكة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: القارعة من أسماء يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ﴾ قال: هذا هو الفراش الذي رأيتم يتهافت في النار، وفي قوله: ﴿ وتكون الجبال كالعهن المنفوش ﴾ قال: كالصوف، وفي قوله: ﴿ فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية ﴾ قال: هي الجنة ﴿ وأما من خفت موازينه فأمه هاوية ﴾ قال: هي النار مأواهم وأمهم ومصيرهم ومولاهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأمه هاوية ﴾ قال: مصيره إلى النار، وهي الهاوية.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ فأمه هاوية ﴾ كقولك هويت أمه.

وأخرج ابن المنذر عن قتادة قال: هي كلمة عربية إذا وقع رجل في أمر شديد قالوا: هويت أمه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي خالد الوالبي ﴿ فأمه هاوية ﴾ قال: أم رأسه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: أم رأسه هاوية في جهنم.

وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال: يهوون في النار على رؤوسهم.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: الهاوية النار هي أمه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الأشعث بن عبد الله الأعمى قال: إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى روح المؤمنين فتقول: روحوا لأخيكم فإنه كان في غم الدنيا ويسألونه ما فعل فلان؟

ما فعل فلان؟

فيخبرهم فيقول صالح حتى يسألوه ما فعل فلان فيقول: مات أما جاءكم فيقولون: لا ذهب به إلى أمه الهاوية.

وأخرج الحاكم عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات العبد تلقى روحه أرواح المؤمنين فيقولون له: ما فعل فلان فإذا قال مات قالوا: ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات المؤمن تلقته أرواح المؤمنين يسألونه ما فعل فلان؟

ما فعلت فلانة؟

فإن كان مات ولم يأتهم قالوا خولف به إلى أمه الهاوية بئست الأم وبئست المربية، حتى يقولوا: ما فعل فلان.

هل تزوج؟

ما فعلت فلانة هل تزوجت فيقولون: دعوه فيستريح فقد خرج من كرب الدنيا» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن نفس المؤمن إذا قبضت تلقتها أهل الرحمة من عباد الله كما يلقون البشير من أهل الدنيا فيقولون: انظروا صاحبكم يستريح فإنه كان في كرب شديد، ثم يسألونه ما فعل فلان وفلانة هل تزوجت؟

فإذا سألوه عن الرجل قد مات قبله فيقول هيهات قد مات ذاك قبلي، فيقولون: إنا لله وإنه إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية» .

وأخرج ابن المبارك عن أبي أيوب الأنصاري قال: إذا قبضت نفس العبد تلقاها أهل الرحمة من عباد الله كما يلقون البشير في الدنيا فيقبلون عليه ليسألوه فيقول بعضهم لبعض: انظروا أخاكم حتى يستريح، فإنه كان في كرب، فيقبلون عليه يسألونه ما فعل فلان ما فعلت فلانة هل تزوجت؟

فإذا سألوه عن الرجل مات قبله قال لهم: إنه قد هلك فيقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم وبئست المربية، فيعرض عليهم أعمالهم، فإذا رأوا حسناً فرحوا واستبشروا وقالوا: هذه نعمتك على عبدك فأتمها وإن رأو سوءاً قالوا: اللهم راجع عبدك.

قال ابن المبارك ورواه سلام الطويل عن ثور فرفعه.

وأخرج ابن المبارك عن سعيد بن جبير أنه قيل له: هل يأتي الأموات أخبار الأحياء؟

قال: نعم، ما من أحد له حميم إلا يأتيه أخبار أقاربه، فإن كان خيراً سرّ به وفرح به، وإن كان شراً ابتأس لذلك وحزن، حتى إنهم ليسألون عن الرجل قد مات فيقال: ألم يأتكم؟

فيقولون: لقد خولف به إلى أمه الهاوية.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: مر عيسى عليه السلام بقرية قد مات أهلها إنسها وجنها وهوامها وأنعامها وطيورها، فقام ينظر إليها ساعة، ثم أقبل على أصحابه فقال: مات هؤلاء بعذاب الله، ولو ماتوا بغير ذلك ماتوا متفرقين، ثم ناداهم: يا أهل القرية.

فأجابه مجيب: لبيك يا روح الله.

قال: ما كان جنايتكم؟

قالوا عبادة الطاغوت وحب الدنيا.

قال: وما كانت عبادتكم الطاغوت؟

قال: الطاعة لأهل معاصي الله تعالى.

قال: فما كان حبكم الدنيا؟

قالوا: كحب الصبيّ لأمه.

كنا إذا أقبلت فرحنا، وإذا أدبرت حزنا مع أمل بعيد وإدبار عن طاعة الله وإقبال في سخط الله.

قال: وكيف كان شأنكم؟

قالوا: بتنا ليلة في عافية وأصبحنا في الهاوية.

فقال عيسى: وما الهاوية؟

قال: سجين.

قال: وما سجين؟

قال: جمرة من نار مثل أطباق الدنيا كلها دفنت أرواحنا فيها.

قال: فما بال أصحابك لا يتكلمون؟

قال: لا يستطيعون أن يتكلموا ملجمون بلجام من نار.

قال: فكيف كلمتني أنت من بينهم؟

قال: إني كنت فيهم ولم أكن على حالهم، فلما جاء البلاء عمني معهم، فأنا معلق بشعرة في الهاوية لا أدري أكردس في النار أم أنجو.

فقال عيسى: بحق أقول لكم لأكل خبز الشعير وشرب ماء القراح والنوم على المزابل مع الكلاب كثير مع عافية الدنيا والآخرة.

وأخرج أبو يعلى قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه فإن كان غائباً دعا له، وإن كان شاهداً زاره، وإن كان مريضاً عاده.

ففقد رجلاً من الأنصار في اليوم الثالث فسأل عنه فقالوا: تركناه مثل الفرخ لا يدخل في رأسه شيء إلا خرج من دبره.

قال: عودوا أخاكم فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نعوده، فلما دخلنا عليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تجدك؟

قال: لا يدخل في رأسي شيء ألا خرج من دبري.

قال: ومم ذاك؟

قال يا رسول الله: مررت بك وأنت تصلي المغرب فصليت معك، وأنت تقرأ هذه السورة ﴿ القارعة ما القارعة ﴾ إلى آخرها ﴿ نار حامية ﴾ فقلت: اللهم ما كان من ذنب أنت معذبي عليه في الآخرة فعجل لي عقوبته في الدنيا فنزل بي ما ترى.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس ما قلت، ألا سألت الله أن يؤتيك في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ويقيك عذاب النار، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بذلك ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم، فقام كأنما نشط من عقال» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ القارعة ﴾ من أسماء القيامة لأنها تقرع القلوب بهولها، وقيل: هي النفخة في الصور لأنها تقرع الأسماع ﴿ مَا القارعة ﴾ مبتدأ وخبر في موضع خبر القارعة، والمراد به تعظيم شأنها، كذلك ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة ﴾ ﴿ يَوْمَ يَكُونُ الناس كالفراش المبثوث ﴾ العامل في الظرف محذوف دل عليه القارعة تقديره، تقرع في يوم، والفراش هو الطير الصغير الذي يشبه البعوض، ويدور حول المصباح.

والمبثوث هو المنتشر المفترق.

شبّه الله الخلق يوم القيامة به في كثرتهم وانتشارهم وذلتهم، ويحتمل أنه شبههم به لتساقطهم في جهنم.

كما يتساقط الفراش في المصباح.

قال بعض العلماء: الناس في أول قيامهم من القبور كالفراش المبثوث، لأنهم يجيئون ويذهبون على غير نظام، ثم يدعوهم الداعي فيتوجهون إلى ناحية المحشر؛ فيكونون حينئذ كالجراد المنتشر.

لأن الجراد يقصد إلى جهة واحدة، وقيل: الفراش هنا الجراد الصغير وهو ضعيف ﴿ وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش ﴾ العهن هو الصوف، وقيل: الصوف الأحمر وقيل: الصوف الملون ألواناً، شبّه الله الجبال يوم القيامة به، لأنها تنسف فتصير لينة، وعلى القول بأنه الملون يكون التشبيه أيضاً من طريق اختلاف ألوان الجبال؛ لأن منها بيضاء وحمراء وسوداء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ما هي ﴾ بغير هاء السكت في الوصل: حمزة وسهل ويعقوب.

الآخرون: بالهاء وإن كانت وصلاً إتباعاً لخط المصحف.

الوقوف: ﴿ القارعة ﴾ ه لا ﴿ ما القارعة ﴾ ه لا ﴿ المبثوث ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ المنقوش ﴾ ه ط للابتداء بالشرط ﴿ موازينه ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب فأما ﴿ راضية ﴾ ه ط ﴿ موازينه ﴾ ه لا ﴿ هاوية ﴾ ه ط ﴿ ماهية ﴾ ه ط ﴿ حامية ﴾ ه.

التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بأحوال المعاد ذكر في هذه السورة بعض أحوال الآخرة، والقرع الاصطكاك بشدة واعتماد ثم سميت الحادثة الهائلة قارعة والمراد ههنا القيامة ولا أهول منها ولذلك قال في الإخبار عنها ﴿ ما القارعة ﴾ لأنه يفيد زيادة التهويل ثم قال ﴿ وما أدراك ما القارعة ﴾ وانتصب ﴿ يوم ﴾ بفعل محذوف دل عليه القارعة أي تقرع الناس يوم كذا، وهذا القرع عبارة عن الصيحة التي يموت فيها الخلائق ثم يحييهم عند النفخة الثانية كما روي ان الصور له ثقب على عدد الأموات لكل واحد ثقبة معلومة فيحيى الله بتلك النفخة الواصلة إليه من تلك الثقبة المعينة.

وقيل: القرع هو اصطكاك الأجرام العلوية والسفلية حين التخريب والتبديل، أو هو نفس انفطارها وانتثارها واندكاكها قاله الكلبي وقال مقاتل: إنها تقرع أعداء الله بالعذاب، وأما أولياؤه فهم من القرع آمنون.

والفراش اسم لهذه الدواب التي تتهافت فتقع في النار سمي فراشاً لتفرشه وانتشاره وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ المبثوث ﴾ وشبه الناس يومئذ بها لكثرتهم وانتشارهم ذاهبين في كل أوب كما شبههم بالجراد المنتشر في موضع آخر لذلك لا لصغر الجثة والنحول والضعف.

وجوز بعضهم أن يكونوا أولاً أكبر جثة فشبههم وقتئذ بالجراد ثم يؤل حالهم إلى الهزل والضعف لحر الشمس ولسائر أصناف المتاعب، فشبهوا للضعف بالفراش.

ويمكن أن يكون وجه التشبيه الذلة والضعف كقوله  " "الناس اثنان: عالم ومتعلم وسائر الناس همج " وشبه الجبال بالعهن لاختلاف أجزائها في الحمرة والبياض والسواد كما مر في " المعارج ".

وزاد ههنا وصفه بالمنقوش لتفرق أجزائها وزوال تأليفها ثم قسم الناس فيه إلى قسمين بحسب ثقل موازين أعمالهم وخفتها وقد مر تحقيقه في " الأعراف".

وقوله ﴿ راضية ﴾ من الإسناد المجازي كما مر في " الحاقة ".

وأما قوله ﴿ فأمه هاوية ﴾ ففيه وجوه أحدها: أن الأم هي المعروفة والهاوية والهالكة وهذا من مستعملات العرب يقولون: هوت أمه أي هلكت وسقطت يعنون الدعاء عليه بالويل والثبور والخزي والهوان.

وقال الأخفش والكلبي وقتادة: فأم رأسه هاوية في النار لأنهم يهوون ي النار على رؤوسهم.

وقيل: الأم الأصل والهاوية من أسماء النار لأنها نار عتيقة والمعنى: منزلة ومأواه الذي يأوى إليه هو النار ويؤيد هذا الوجه قوله ﴿ ماهية ﴾ أي ما الهاوية، هذا هو الظاهر.

والأولون قالوا: الضمير للداهية التي يدل عليها قوله ﴿ فأمه هاوية ﴾ وفي قوله ﴿ نار حامية ﴾ إشارة إلى نيران الدنيا بالنسبة إلى نار الآخرة غير حامية والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْقَارِعَةُ ﴾ قال: القارعة عندهم هي الداهية الشديدة من الأمور، وهي في هذا الموضع وصف لشدة هول يوم القيامة، وهو من الله -  - تذكير لعباده، وتعجيب لهم عما يكون في ذلك اليوم من الأهوال في [الأحوال والأفعال] وسمى الله -  - في كتابه ذلك اليوم بما يكون فيه من اختلاف الأحوال، نحو قوله: ﴿ ٱلْحَاقَّةُ ﴾ ، و ﴿ ٱلْوَاقِعَةُ  ﴾ ، وما أشبه ذلك، فكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْقَارِعَةُ ﴾ \[تذكير لهم\] بما وصف من حال ذلك اليوم وشدته؛ ليتفكروا في العواقب، ويتدبروا ما يستقبلهم في الأواخر من العذاب؛ فيمتنعوا بذلك عما نهاهم الله -  - عنه.

ثم إن الله -  - خلق [في] بني أدم نفسا يدرك بها الشهوات واللذات في الدنيا، وعقلا يتذكر به عواقب الأمور وأواخرها، ويزيده ذلك تيقضا وتبصرا، ثم العقل مرة يدعوه إلى نفسه حتى يميل إلى ما يدعوه في جزاء ما أطمع في العاقبة، والنفس مرة تدعوه إليها؛ فيصير هواه وميله فيما يتلذذ [به] من الشهوات في دنياه، وعلى ذلك تأويل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ...

 ﴾ ، أي: [يرحمه ويعصمه] عن اختيار السوء.

أو رحمه حتى جعل هواه فيما توجبه العواقب من الجزاء والثواب؛ فذلك ذكر الله -  - عباده بما يستقبلهم من الأهوال في ذلك اليوم؛ ليعلموا عقولهم في أفكاره، والتذكر عنه؛ فيزدجروا عما زجرهم عنه.

أو يتذكروا ما وعد لهم من الجزاء في ذلك اليوم؛ فيزدادوا بذلك حرصا في الخيرات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ ﴾ ، اختلفوا في تأويله من وجوه، ولكنه في الحاصل يرجع إلى معنى واحد: فمنهم من قال: أي: كالجراد المنتشر حين أرادت الطيران.

ومنهم من قال: كالجراد الذي يموج بعضه في بعض.

ومنهم من قال: كالفراش [المبثوث] الذي يتهافت في النار؛ فيحترق؛ وكل ذلك يؤدي معنى الحيرة والاضطراب من هو ذلك اليوم.

وأصل ذلك قوله -  -: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ  ﴾ ، فكأن الله -  - قال: إنهم يصيرون في الحيرة من هول ذلك اليوم وشدته كالطائر الذي لا يدري أين يطير؟

وأين يثبت؟

وأين ينزل؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ ﴾ قال بعضهم: كالصوف المصبوع.

وقال بعضهم: كالمندوف من الصوف.

فإن كان على التأويل [الأول] فمعناه - والله أعلم -: أن الجبال في ذلك اليوم تتلون ألوانا من شدة ذلك اليوم بلون العهن؛ ألات تراه يقول: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً  ﴾ ، وقال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً  ﴾ ؛ فكذلك هذا على ذلك المعنى.

وإن كان على التأويل الآخر، فمعناه: أن الجبال مع شدتها وصلابتها، تصير في الرخاوة والضعف من هول ذلك اليوم كالصوف المندوف؛ إذ ذلك أضعف أحواله.

وقال قتادة: شبههم بغنم لا راعي لها، ذكر العهن كناية عن الغنم.

وقوله - عزو جل -: ﴿ فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴾ ، اختلفوا في تأويل الميزان من وجوه، ولكنَّ أقربها عندنا وجهان: أحدهما: أن يكون المراد من قوله: ﴿ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ جملة المؤمنين، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾ جملة الكفار، ويكون الوجه في ذلك أن المؤمن لما عظم حق الله -  - وأقام حدوده كان له ميزان وقيمة وخطر عند الله -  - في ذلك اليوم، والكافر لما ترك ذلك، خف وزنه وقيمته وخطره، وقد يطلق - والله أعلم - هذا الكلام على معنى الجاه والمنزلة، يقال: لفلان عند فلان وزن وقيمة، وليس عنده ذلك الوزن، فكذلك هذا.

والوجه الثاني: من وزن السرائر التي لم يطلع الله -  - ملائكته الذين يكتبون أعمال بني آدم ذلك، ومعلوم أن ذلك إنما يحصل من المؤمنين دون الكفرة، وقد وصفنا مسألة الميزان وبيناها؛ فلذلك اختصرنا الكلام في ذا الموضع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴾ ، منهم من قال: مرضية، يرضى أهل الجنة بتلك العيشة؛ فهي مرضية.

ومنهم من قال: ذات رضاء كقوله: ﴿ مَّآءٍ دَافِقٍ  ﴾ ، أي: ذات اندفاق.

ومنهم من قال: إنه أضاف الرضاء إلى العيش؛ لأنه به يرضى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾ منهم من قال: سمى النار: أما للكافر؛ لأنه إليها يأوي.

ومنهم من قال: المراد من الأم: أم رأسه؛ أي: يلقى في جهنم على أم رأسه مكنوسا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَاوِيَةٌ ﴾ ، أي: تهوي به؛ حيث لا يكون له ثبات ولا قرار.

وقوله - عزو جل -: ﴿ نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾ ، أي: تحميه، وتنضجه.

ومنهم من قال: ﴿ نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾ ، شديدة الحر، والله أعلم، [وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصبحه أجمعين].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ما هذه الساعة التي تقرع قلوب الناس لعظم هولها؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.EY6pZ"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ الْقَارِعَةُ  ﴾ اسم من أسماء القيامة: كالحاقة والصاخة والطامة والغاشية.

وهي قارعة لأنها تقرع القلوب بهولها.

(ما القارعة)؟

استفهام عن حقيقتها قصد به تهويل أمرها، كأنها -لشدة ما يكون فيها، مما تفزع له النفوس، وتدهش له العقول- يصعب تصورها.

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ  ﴾ أي: أي شيء يعرفك بها؟

زيادة في تعظيم تلك الحادثة العظيمة كأن لا شيء يحيط بها ويفيدك برسمها.

ثم أخذ يعرفها بزمانها وما يحدث للناس فيه، فقال: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ  ﴾ الفراش: هو ذلك الطير الذي تراه يترامى على ضوء السراج ليلًا.

وهو مثل في الحيرة والجهل بالعاقبة.

والناس من هول ذلك اليوم يكونون منتشرين حيارى هائمين لا يدرون ماذا يصنعون، ولا ما يصنع بهم، وقال في آية أُخرى: ﴿ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ  ﴾ .

﴿ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ  ﴾ العهن: هو الصوف.

والمنفوش: الذي نفشته بيدك أو بآلة أُخرى ففرقت شعراته بعضها عن بعض، فهو على حاله يطير مع أضعف ريح.

والجبال لتفتتها وتفرق أجزائها، لم تبق لها إلا صورة الصوف المنفوش لا تلبث أن تتطاير وتذهب.

ومن العلوم أن ذلك هو اليوم الذي تبتدئ فيه الحياة الآخرة، وفيها تعرف مقادير الأعمال وما تستحقه من الجزاء ﴿ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ  فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ  ﴾ .

ثقل ميزانك: أي كان لك قدر وقيمة، كأنك إذا وضعت في كفة ميزان كان لها بك رجحان.

وإنما يكون المقدار والقيمة لأهل الأعمال الصالحة والفضائل الراجحة، فهؤلاء يجزون بالنعيم الدائم.

ولا ريب في أن معيشتهم فيه تكون معيشة تمتع ولذه وهي التي تسمى العيشة الراضية الهنيئة.

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ  ﴾ خفت ميزانك: سقطت قيمتك، فكأنك لست بشيء حتى ولو وضعت في كفة ميزان لم ترجح بك عن أُختها.

ومن كان في هذه الحياة الدنيا كثير الشر قليل الخير، لم يبلغ بنفسه منازل الإخلاص لله في القول والعمل، ولم يرتفع بها عن دنايا الأمور وسفاسفها، ولم ينزل عقله عن الإشراك، ولم يطهر قلبه عن رذائل الأخلاق، فذلك كان من الناس أخًا للعدم والفناء!

فماذا يكون في الآخرة؟

لا ريب أنه لا يكون شيئًا.

فلا وزن له، ولا ترجح به كفة ميزان لو وضع فيها.

وهذا المعنى قد صرح به في القرآن في قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا  ﴾ .

وبهذا صح نسبة الثقل والخفة إلى الموازين بأجمعها.

أما لو كان المعنى على ما قالوه فهو ما لا تدل عليه العبارة، وكان من حق التعبير: من رجحت كفة أعماله، أو خفت كفة أعماله.

فإذا أرادوا إرجاع لفظ الآية إلى ما فهموه احتاجوا إلى تأويل كثير كما هو ظاهر.

وتقدير الله الأعمال وما تستحقه من الجزاء في ذلك اليوم، إنما يكون على حسب ما يعلم لا على طريقة ما نعلم.

فعلينا أن نفوض الأمر فيه إليه سبحانه مع الإيمان به.

ومن عجيب ما قاله بعض المفسرين: "أنه ميزان بلسان وكفتين كأطباق السموات والأرض، ولا يعلم ماهيته إلا الله"!

فماذا بقي من ماهيته بعد لسانه وكفتيه حتى يفوض العلم فيه إلى الله؟

والكلام فيه جراءة على غيب الله بغير نص صريح متواتر عن المعصوم، ولم يرد في الكتاب إلا كلمة الميزان.

وقد عرفت ما يمكننا أن نفهم منها لننتفع بما نعتقد، وما عدا ذلك فعلمه إلى الله سبحانه.

وقد قالوا: إن منكر الميزان بالمعنى المعروف لا يكفر، خصوصًا إذا كان القائل به يحدد له لسانًا وكفتين!

مع أن البشر قد اخترعوا من الموازين ما هو أتقن من ذلك وأضبط وأوفى بيان الموزون .

أفيأبى الحكيم الخبير إلا استعمال ذلك الميزان الخشن الناقص الذي هدى العلم عقول البشر إلى ما هو أدق منه؟!

أيأبى عالم الغيب والشهادة أن يستعمل في وزن المعاني والمعقولات إلا ذلك الميزان الذي اخترعه بعض البشر قبل أن يبلغ بهم العلم ما بلغ بأهل العصر الحاضر وما سيبلغ بأهل العصور المقبلة؟!

على أن جميع ما اخترع البشر وما يخترعون -مهما دق ولطف- إنما هو معيار للأثقال الجسمانية والأوزان المحسوسة.

وهل يكون الأليق بالمقام الإلهي أن يكون ميزان المعاني المعقولة لديه أسمى وأعلى من أن يكون على نمط ما يستعمله البشر مهما ارتقت المعارف وسمت بهم العلوم؟

وهل يليق بمن يخاف مقام ربه أن يجرؤ على القول بوجوب الاعتقاد بأن الميزان الذي تستعمله القبائل التي لم تزل في مهد الإنسانية الأولى: ميزان ضعفاء العقول، قصار الأنظار الذين لا يعرفون قيمة للإيمان بالغيب ولا لحياء العقل من الله، وإطراقه عن أن ينظر إلى ما تشامخ من غيوب الله تعالى علمه وتعاظمت قدرته؟

عليك أيها المؤمن المطمئن إلى ما يخير الله به أن توقن أن الله يزن الأعمال ويميز لكل عمل مقداره.

ولا تسل كيف يزن، ولا كيف يقدر، فهو أعلم بغيبه.

والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

(فأمه هاوية): هو مرجعه الذي يأوي إليه -كما يأوي الولد إلى أمه- هاوية: أي مهواة سحيقة يهوى فيها.

وسميت هاوية مع أنها يهوى فيها، كما سميت العيشة راضية مع أنها يرضى بها.

(وما أدراك ما هيه)؟

أي: ما الذي يخبرك بما هي تلك الهاوية، وأي شيء تكون؟

(نار حامية): هي نار ملتهبة يهوى فيها ليلقى جزاء ما قدم من عمل.

والله اعلم.

مزيد من التفاسير لسورة القارعة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد