الإسلام > القرآن > سور > سورة 101 القارعة > الآية ٥ من سورة القارعة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 50 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥ من سورة القارعة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
يعني قد صارت كأنها الصوف المنفوش الذي قد شرع في الذهاب والتمزق قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والضحاك والسدي " العهن " الصوف ثم أخبر تعالى عما يئول آليه عمل العاملين وما يصيرون إليه من الكرامة والإهانة بحسب أعماله فقال.
وقوله: ( وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ) يقول تعالى ذكره: ويوم تكون الجبال كالصوف المنفوش؛ والعِهْن: هو الألوان من الصوف.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ( وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ) قال: الصوف المنفوش.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: هو الصوف.
وذُكر أن الجبال تسير على الأرض وهي في صورة الجبال كالهباء.
قوله تعالى : وتكون الجبال كالعهن المنفوشأي الصوف الذي ينفش باليد ، أي تصير هباء وتزول ; كما قال - جل ثناؤه - في موضع آخر : هباء منبثا وأهل اللغة يقولون : العهن الصوف المصبوغ .
وقد مضى في سورة سأل سائل .
وأما الجبال الصم الصلاب، فتكون { كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ } أي: كالصوف المنفوش، الذي بقي ضعيفًا جدًا، تطير به أدنى ريح، قال تعالى: { وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ } ثم بعد ذلك، تكون هباء منثورًا، فتضمحل ولا يبقى منها شيء يشاهد، فحينئذ تنصب الموازين، وينقسم الناس قسمين: سعداء وأشقياء،
"وتكون الجبال كالعهن المنفوش"، كالصوف المندوف.
«وتكون الجبال كالعهن المنفوش» كالصوف المندوف في خفة سيرها حتى تستوي مع الأرض.
وتكون الجبال كالصوف متعدد الألوان الذي يُنْفَش باليد، فيصير هباء ويزول.
وقوله - سبحانه - : ( وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش ) بيان لحالة أخرى من الأحوال التى يكون عليها هذا الكون يوم القيامة .والعهن : الصوف ذو الألوان المتعددة ، والمنفوش : المفرق بعضه عن بعض .أى : وتكون الجبال فى ذلك اليوم ، كالصوف الذى ينفش ويفرق باليد ونحوها .
لخفته وتناثر أجزائه ، حتى يسهل غزله .والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ، يراها قد اشتملت على أقوا الأساليب وأبلغها ، فى التحذير من أهوال يوم القيامة ، وفى الحض على الاستعداد له بالإِيمان والعمل الصالح .لأنها قد ابتدأت بلفظ القارعة ، المؤذن بأمر عظيم ، ثم ثنت بالاستفهام المستعمل فى التهويل ، ثم أعادت اللفظ بذاته بدون إضمار له زيادة فى تعظيم أمره ، ثم جعلت الخطاب لكل من يصلح له ، ثم شبهت الناس فى تشبيها تقشعر منه الجلود ، ثم وصفت الجبال - وهى المعروفة بصلابتها ورسوخها - بأنها ستكون فى هذا اليوم كالصوف المتناثر الممزق .
ثم قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ الناس كالفراش * وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش ﴾ .
قال صاحب الكشاف: الظرف نصب بمضمر دلت عليه القارعة، أي تقرع يوم يكون الناس كذا.
واعلم أنه تعالى وصف ذلك اليوم بأمرين الأول: كون الناس فيه: كالفراش المبثوث قال الزجاج: الفراش هو الحيوان الذي يتهافت في النار، وسمي فراشاً لتفرشه وانتشاره، ثم إنه تعالى شبه الخلق وقت البعث هاهنا بالفراش المبثوث، وفي آية أخرى بالجراد المنتشر.
أما وجه التشبيه بالفراش، فلأن الفراش إذا ثار لم يتجه لجهة واحدة، بل كل واحدة منها تذهب إلى غير جهة الأخرى، يدل هذا على أنهم إذا بعثوا فزعوا، واختلفوا في المقاصد على جهات مختلفة غير معلومة، والمبثوث المفرق، يقال: بثه إذا فرقه.
وأما وجه التشبيه بالجراد فهو في الكثرة.
قال الفراء: كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضاً، وبالجملة فالله سبحانه وتعالى شبه الناس في وقت البعث بالجراد المنتشر، وبالفراش المبثوث، لأنهم لما بعثوا يموج بعضهم في بعض كالجراد والفراش، ويأكد ما ذكرنا بقوله تعالى: ﴿ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً ﴾ وقوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين ﴾ وقوله في قصة يأجوج ومأجوج: ﴿ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ﴾ فإن قيل: الجراد بالنسبة إلى الفراش كبار، فكيف شبه الشيء الواحد بالصغير والكبير معاً؟
قلنا: شبه الواحد بالصغير والكبير لكن في وصفين.
أما التشبيه بالفراش فبذهاب كل واحدة إلى غير جهة الأخرى.
وأما بالجراد فبالكثرة والتتابع، ويحتمل أن يقال: إنها تكون كباراً أولاً كالجراد، ثم تصير صغاراً كالفراش بسبب احتراقهم بحر الشمس، وذكروا في التشبيه بالفراش وجوهاً أخرى: أحدها: ما روى أنه عليه السلام قال: «الناس عالم ومتعلم، وسائر الناس همج رعاع» فجعلهم الله في الأخرى كذلك: جزاء وفاقاً.
وثانيها: أنه تعالى إنما أدخل حرف التشبيه، فقال: ﴿ كالفراش ﴾ لأنهم يكونون في ذلك اليوم أذل من الفراش، لأن الفراش لا يعذب، وهؤلاء يعذبون، ونظيره: ﴿ كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ الصفة الثانية: من صفات ذلك اليوم قوله تعالى: ﴿ وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش ﴾ العهن الصوف ذو الألوان، وقد مر تحقيقه عند قوله: ﴿ وَتَكُونُ الجبال كالعهن ﴾ والنفش فك الصوف حتى ينتفش بعضه عن بعض، وفي قراءة ابن مسعود: كالصوف المنفوش.
واعلم أن الله تعالى أخبر أن الجبال مختلفة الألوان على ما قال: ﴿ وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ ألوانها وَغَرَابِيبُ سُودٌ ﴾ ثم إنه سبحانه يفرق أجزاءها ويزيل التأليف والتركيب عنها فيصير ذلك مشابهاً للصوف الملون بالألوان المختلفة إذا جعل منفوشاً، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: إنما ضم بين حال الناس وبين حال الجبال، كأنه تعالى نبه على أن تأثير تلك القرعة في الجبال هو أنها صارت كالعهن المنفوش، فكيف يكون حال الإنسان عند سماعها فالويل ثم الويل لابن آدم إن لم تتداركه رحمة ربه، ويحتمل أن يكون المراد أن جبال النار تصير كالعهن المنفوش لشدة حمرتها.
المسألة الثانية: قد وصف الله تعالى تغير الأحوال على الجبال من وجوه أولها: أن تصير قطعاً، كما قال: ﴿ وحملت الأرض والجبال فدُكَّتا دَكّةً واحدة ﴾ .
وثانيها: أن تصير كثيباً مهيلاً، كما قال: ﴿ وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب ﴾ ثم تصير كالعهن المنفوش، وهي أجزاء كالذر تدخل من كوة البيت لا تمسها الأيدي، ثم قال: في الرابع تصير سراباً، كما قال: ﴿ وَسُيّرَتِ الجبال فَكَانَتْ سَرَاباً ﴾ المسألة الثالثة: لم يقل: يوم يكون الناس كالفراش المبثوث والجبال كالعهن المنفوش بل قال: ﴿ وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش ﴾ لأن التكوير في مثل هذا المقام أبلغ في التحذير.
<div class="verse-tafsir"
الظرف نصب بمضمر دلّت عليه القارعة، أي: تقرع ﴿ يَوْمَ يَكُونُ الناس كالفراش المبثوث (4) ﴾ شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف والذلة، والتطاير إلى الداعي من كل جانب، كما يتطاير الفراش إلى النار.
قال جرير: إنَّ الْفَرَذْدَقَ مَا عَلِمْتُ وَقَوْمَهُ ** مِثْلُ الْفَرَاشِ غَشِينَ نَارَ الْمُصْطَلِي وفي أمثالهم: أضعف من فراشة وأذل وأجهل.
وسمى فراشا: لتفرّشه وانتشاره.
وشبه الجبال بالعهن وهو الصوف المصبغ ألواناً؛ لأنها ألوان، وبالمنفوش منه؛ لتفرّق أجزائها.
وقرأ ابن مسعود: ﴿ كالصوف ﴾ .
الموازين: جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله.
أو جمع ميزان.
وثقلها: رجحانها.
ومنه حديث أبي بكر لعمر رضي الله عنهما في وصيته له: «وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقلها في الدنيا، وحق لميزان لا توضع فيه إلاّ الحسنات أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينه لاتباعهم الباطل وخفتها في الدنيا، وحق لميزان لا توضع فيه إلاّ السيئات أن يخف» ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) ﴾ من قولهم إذا دعوا على الرجل بالهلكة: هوت أمّه؛ لأنه إذا هوى أي: سقط وهلك، فقد هوت أمّه ثكلاً وحزناً قال: هَوَتْ أُمُّهُ مَا يَبْعَثُ الصُّبْحُ غَادِياً ** وَمَاذَا يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ فكأنه قيل: وأما من خفت موازينه فقد هلك.
وقيل: ﴿ هَاوِيَةٌ ﴾ من أسماء النار، وكأنها النار العميقة لهوي أهل النار فيها مهوى بعيداً، كما روي: «يهوي فيها سبعين خريفاً» أي: فمأواه النار.
وقيل: للمأوى: أمّ، على التشبيه؛ لأنّ الأمّ مأوى الولد ومفزعه.
وعن قتادة: فأمّه هاوية، أي: فأمّ رأسه هاوية في قعر جهنم، لأنه يطرح فيها منكوساً (هيه) ضمير الداهية التي دلّ عليها قوله: ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) ﴾ في التفسير الأوّل.
أو ضمير هاوية والهاء للسكت، وإذا وصل القارئ حذفها.
وقيل: حقه أن لا يدرج لئلا يسقطها الإدراج، لأنّها ثابتة في المصحف.
وقد اجيز إثباتها مع الوصل.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة القارعة ثقل الله بها ميزانه يوم القيامة» .
سُورَةُ القارِعَةِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها ثَمانِي آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( ﴿ القارِعَةُ ﴾ ﴿ ما القارِعَةُ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ ﴾ سَبَقَ بَيانُهُ في «الحاقَّةِ».
﴿ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ ﴾ في كَثْرَتِهِمْ وذِلَّتِهِمْ وانْتِشارِهِمْ واضْطِرابِهِمْ، وانْتِصابُ يَوْمَ بِمُضْمَرٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ القارِعَةُ.
﴿ وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ ﴾ كالصُّوفِ ذِي الألْوانِ.
﴿ المَنفُوشِ ﴾ المَندُوفِ لِتَفَرُّقِ أجْزائِها وتَطايُرِها في الجَوِّ.
﴿ فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ﴾ بِأنْ تَرَجَّحَتْ مَقادِيرُ أنْواعِ حَسَناتِهِ.
﴿ فَهُوَ في عِيشَةٍ ﴾ في عَيْشٍ.
﴿ راضِيَةٍ ﴾ ذاتِ رِضًا أوْ مَرَضِيَّةٍ.
﴿ وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ ﴾ بِأنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْبَأُ بِها، أوْ تَرَجَّحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ.
﴿ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ﴾ فَمَأْواهُ النّارُ المُحْرِقَةُ والهاوِيَةُ مِن أسْمائِها ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ وَما أدْراكَ ما هِيَهْ ﴾ ﴿ نارٌ حامِيَةٌ ﴾ ذاتُ حِمًى.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ القارِعَةِ ثَقَّلَ اللَّهُ بِها مِيزانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ» .
{وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش} وشبه الجبال بالعهن وهو الصوف المصبغ ألوانا لأنها ألوان وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مختلف ألوانها وبالمنفوش منه لتفرق أجزائها
﴿ وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ ﴾ أيِ الصُّوفِ مُطْلَقًا أوِ المَصْبُوغِ كَما قَيَّدَهُ الرّاغِبُ بِهِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ في المَعارِجِ وكانَ بِمَعْنى صارَ؛ أيْ: وتَصِيرُ جَمِيعُ الجِبالِ كالعِهْنِ.
﴿ المَنفُوشِ ﴾ المُفَرَّقِ بِالأُصْبُعِ ونَحْوِها في تَفَرُّقِ أجْزائِها وتَطايُرِها في الجَوِّ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ غَيْرُ آيَةٍ.
<div class="verse-tafsir"
مختلف فيها وهي إحدى عشرة آية مكية قوله تعالى الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ يعني: القيامة والساعة ما الساعة وهذا من أسماء يوم القيامة مثل الحاقة والطامة والصاخة، وإنما سميت القارعة لأنها تنزع القلوب بالأهوال ويقال سماها قارعة لثلاثة: لأنها تقرع في أذن العبد بما علم وسمعه والثاني تقرع أركان العبد بعضه في بعض والثالث تقرع القلوب كما تقرع القصار الثوب ثم قال عز وجل: وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ تعظيماً لشدتها ثم وصفها فقال يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ يعني: كالجراد كالفراش يجول بعضهم في بعض كما قال في آية أخرى كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ [القمر: 7] ويقال شبههم بالفراش لأنهم يلقون أنفسهم في النار كما يلقي الفراش نفسه في النار وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ يعني: كالصوف المندوف وهي تمر مَرَّ السحاب فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ يعني: رجحت حسناته على سيئاته ويقال ثقلت موازينه بالعمل الصالح بالصلاة والزكاة وغيرها من العبادات فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ يعني: في عيش مرضي يعني: في الجنة لا موت فيها ولا فقر ولا مرض ولا خوف ولا جنون يعني: آمن من كل خوف وفقر وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ يعني: رجحت سيئاته على حسناته يعني: الكافر ويقال من خفت موازينه يعني: لا يكون له عمل صالح فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ يعني: مصيره إلى النار قال قتادة هي أمهم ومأواهم وإنما سميت الهاوية لأن الكافر إذا طرح فيها يهوي على هامته وإنما سميت أمه لأنه مصيره إليها ومسكنه فيها ثم وصفها فقال وَما أَدْراكَ مَا هِيَهْ تعظيماً لشدتها ثم أخبر عنها فقال نارٌ حامِيَةٌ يعني: حارة قد انتهى حرها وأصله ما هي فأدخلت الهاء للوقف كقوله اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [الحاقة: 19] وأصله كتابي قرأ حمزة والكسائي وما أدراك ما هي بغير هاء في الوصل وبالهاء عند الوقف وقرأ الباقون بإثباتها في الوصل والوقف والله تعالى أعلم بالصواب.
سُورَةُ القارِعَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ فاتِحَتِها في أوَّلِ " الحاقَّةِ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ ﴾ اليَوْمُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ.
المَعْنى: يَكُونُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ ﴿ كالفَراشِ المَبْثُوثِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ غَوْغاءُ الجَرادِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: غَوْغاءُ الجَرادِ: صِغارُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِعامَّةِ النّاسِ: غَوْغاءُ.
والثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذِبّانٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما تَهافَتَ في النّارِ مِنَ البَعُوضِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: ما يُرى كَصِغارِ البَقِّ يَتَهافَتُ في النّارِ.
وشَبَّهَ النّاسَ في وقْتِ البَعْثِ بِهِ وبِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، لِأنَّهم إذا بُعِثُوا ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ لِلْكُفّارِ، فَهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ تَهافُتَ الفَراشِ.
فَأمّا ﴿ المَبْثُوثِ ﴾ فَهو المُنْتَشِرُ المُتَفَرِّقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [سَألَ سائِلٌ: ٩]، و " المَنفُوشُ " الَّذِي قَدْ نُدِفَ.
قالَ مُقاتِلٌ: وتَصِيرُ الجِبالُ كالصُّوفِ المَندُوفِ.
فَإذا رَأيْتَ الجَبَلَ قُلْتَ: هَذا جَبَلٌ: فَإذا مَسَسْتَهُ لَمْ تَرَ شَيْئًا، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ﴾ ، أيْ: رَجَحَتْ بِالحَسَناتِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ الآيَةَ في أوَّلِ [الأعْرافِ: ٨] وبَيَّنّا مَعْنى ﴿ عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ في [الحاقَّةِ: ٢١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ﴾ ، قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والجَحْدَرِيُّ " فَإمُّهُ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ، يَعْنِي: أنَّهُ يَهْوِي في النّارِ عَلى رَأْسِهِ، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وأبِي صالِحٍ.
والثّانِي: أنَّها كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ، كانَ الرَّجُلُ إذا وقَعَ في أمْرٍ شَدِيدٍ قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى، فَمَسْكَنُهُ النّارُ.
وإنَّما قِيلَ لِمَسْكَنِهِ: أمُّهُ، لِأنَّ الأصْلَ السُّكُونُ إلى الأُمَّهاتِ.
فالنّارُ لِهَذا كالأُمِّ، إذْ لا مَأْوى لَهُ غَيْرُها، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: «إذا ماتَ العَبْدُ تَلْقى رُوحُهُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ، فَتَقُولُ لَهُ: ما فَعَلَ فُلانٌ؟
فَإذا قالَ: ماتَ، قالُوا: ذُهِبَ بِهِ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الأُمُّ، وبِئْسَتِ المُرَبِّيَةُ.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما هِيَهْ ﴾ يَعْنِي: الهاوِيَةَ.
قَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ " ما هي " بِحَذْفِ الهاءِ الأخِيرَةِ في الوَصْلِ، وإثْباتِها في الوَقْفِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الهاءُ في " هِيَهْ " دَخَلَتْ في الوَقْفِ، لِتَبْيِينِ فَتْحَةِ الياءِ، فالوَقْفُ " هِيَهْ " والوَصْلُ هي نارٌ.
والَّذِي يَجِبُ اتِّباعُ المُصْحَفِ.
والهاءُ فِيهِ ثابِتَةٌ فَتُوقَفُ عَلَيْها، ولا تُوصَلُ، ﴿ نارٌ حامِيَةٌ ﴾ أيْ: حارَّةٌ قَدِ انْتَهى حَرُّها.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القارِعَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ القارِعَةُ ﴾ ﴿ ما القارِعَةُ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَكُونُ الناسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ ﴾ ﴿ وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ ﴾ ﴿ فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ﴾ ﴿ فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ ﴿ وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ ﴾ ﴿ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما هِيَهْ ﴾ ﴿ نارٌ حامِيَةٌ ﴾ قَرَأ: "القارِعَةُ، ما القارِعَةُ" بِالنَصْبِ عِيسى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: القارِعَةُ: القِيامَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القارِعَةُ: صَيْحَةُ النَفْخَةِ في الصُورِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ الأسْماعَ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ القُلُوبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ﴾ تَعْظِيمٌ لِأمْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلَهُ.
و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "القارِعَةُ".
وأمالَ أبُو عَمْرٍو "القارِعَةَ"، و"الفَرّاشُ" طَيْرٌ دَقِيقٌ يَتَساقَطُ في النارِ ويَقْصِدُها ولا يَزالُ يَتَقَحَّمُ عَلى المِصْباحِ ونَحْوِهِ حَتّى يَحْتَرِقَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "وَأنا آخِذٌ بِحُجُزِكم عَنِ النارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها تَقاحُمَ الفَراشِ والجَنادِبِ"،» وقالَ الفَرّاءُ: الفِراشُ في الآيَةِ غَوْغاءُ الجَرادِ، وهو صَغِيرُهُ الَّذِي يَنْتَشِرُ فِي الأرْضِ والهَواءِ، و"المَبْثُوثِ" هُنا مَعْناهُ: المُتَفَرِّقُ جَمْعُهُ وجُمْلَتُهُ مَوْجُودَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الناسُ أوَّلُ قِيامِهِمْ مِنَ القُبُورِ كالفَراشِ المَبْثُوثِ؛ لِأنَّهم يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ عَلى غَيْرِ نِظامٍ، ثُمَّ يَدْعُوهُمُ الداعِي فَيَتَوَجَّهُونَ إلى ناحِيَةِ المَحْشَرِ، فَهم حِينَئِذٍ كالجَرادِ المُنْتَشِرِ؛ لِأنَّ الجَرادَ إنَّما تُوَجِّهُهُ أبَدًا إلى ناحِيَةٍ مَقْصُودَةٍ.
واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ فِي: "العِهْنِ"، فَقِيلَ: هو الصُوفُ عامًّا، وقِيلَ: هو الصُوفُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: هو الصُوفُ المُلَوَّنُ ألْوانًا، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ: كَأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنا لَمْ يُحَطَّمِ والفَنا: عِنَبُ الثَعْلَبِ، وحَبُّهُ قَبْلَ التَحَطُّمِ مِنهُ الأخْضَرُ والأحْمَرُ والأصْفَرُ، وكَذَلِكَ الجِبالُ جُدَدٌ بِيضٍ وحُمْرٌ وصُفْرٌ وسُودٌ، فَجاءَ التَشْبِيهُ مُلائِمًا، وكَوْنُ الجِبالِ كالعِهْنِ إنَّما هو قَبْلَ وقْتِ التَفْتِيتِ قَبْلَ النَسْفِ ومَصِيرُها هُنا، وهي دَرَجاتٌ.
و"النَفْشُ": خَلْخَلَةُ الأجْزاءِ وتَفْرِيقُها عن تَراصِّها، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ: "كالصُوفِ المَنفُوشِ".
و"المَوازِينُ" هي الَّتِي في القِيامَةِ، قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ والفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ: مِيزانُ القِيامَةِ بِعَمُودٍ وكِفَّتَيْنِ لِيُبَيِّنَ اللهُ تَعالى أمْرَ العِبادِ بِما عَهِدُوهُ وتَيَقَّنُوهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ ثَمَّ مِيزانٌ، إنَّما هو العَدْلُ مَثَلٌ ذَكَرَهُ بِالمِيزانِ؛ إذْ هو أعْدَلُ ما يَدْرِي الناسُ، وجُمِعَتِ المُوازِينُ لِلْإنْسانِ لَمّا كانَتْ لَهُ مَوْزُوناتٌ كَثِيرَةٌ مُتَغايِرَةٌ، وثِقَلُ هَذا المِيزانِ هو بِالإيمانِ والأعْمالِ، وخِفَّتُهُ بِعَدَمِها وقِلَّتِها، ولَنْ يَخِفَّ خِفَّةً مُوبِقَةً مِيزانُ مُؤْمِنٍ.
و"عِيشَةٍ راضِيَةٍ" مَعْناهُ: ذاتُ رِضًى، عَلى النَسَبِ، هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ﴾ ، قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالأُمِّ نَفْسُ الهاوِيَةِ، وهي دَرْكُ مَن أدْراكَ النارَ، وهَذا كَما يُقالُ لِلْأرْضِ: "أُمُّ الناسِ" لِأنَّها تُؤْوِيهِمْ، وكَما قالَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ في الحَرْبِ: "فَنَحْنُ بَنُوها وهي أُمُّنا" فَجَعَلَ اللهُ تَعالى الهاوِيَةَ أُمُّ الكافِرِ لَمّا كانَتْ مَأْواهُ، وقالَ آخَرُونَ: هو تَفاؤُلٌ بِشَرٍّ فِيهِ تَجَوُّزٌ، كَما قالُوا: "أُمُّهُ ثاكِلٌ" و"هَوى نَجْمُهُ"، وقالَ أبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ أُمُّ رَأْسِهِ لِأنَّهم يَهْوُونَ عَلى رُؤُوسِهِمْ.
وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَأُمُّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّ المِيمِ مُشَدَّدَةً.
ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى نَبِيَّهُ عَلى دِرايَةِ أمْرِها وتَعْظِيمِهِ، ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّها نارٌ حامِيَةٌ، وقَرَأ: "ما هِيَ" بِطَرْحِ الهاءِ في الوَصْلِ ابْنُ إسْحاقَ والأعْمَشُ، ورَوى المُبَرِّدُ «أنَّ النَبِيَّ قالَ لِرَجُلٍ: "لا أُمَّ لَكَ"، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، تَدْعُونِي إلى الهُدى وتَقُولُ: لا أُمَّ لَكَ؟
فَقالَ: إنَّما أُرِيدُ لا نارَ لَكَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ﴾ .» كَمُلَ تَفْسِيرُ [القارِعَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
﴿ يوم ﴾ مفعول فيه منصوب بفعل مضمر دل عليه وصف القارعة لأنه في تقدير: تَقْرع، أو دل عليه الكلام كله فيقدر: تكون، أو تحصل، يوم يكون الناس كالفراش.
وجملة: ﴿ يوم يكون الناس ﴾ مع متعلقها المحذوف بيان للإِبهامين اللذين في قوله: ﴿ ما القارعة ﴾ [القارعة: 2] وقوله: ﴿ وما أدراك ما القارعة ﴾ [القارعة: 3].
وليس قوله: ﴿ يوم يكون الناس ﴾ خبراً عن ﴿ القارعة ﴾ إذ ليس سياق الكلام لتعيين يوم وقوع القارعة.
والمقصود بهذا التوقيت زيادة التهويل بما أضيف إليه ﴿ يوم ﴾ من الجملتين المفيدتين أحوالاً هائلة، إلا أن شأن التوقيت أن يكون بزمان معلوم، وإذ قد كان هذا الحال الموقت بزمانه غير معلوم مَداه.
كان التوقيت لهُ إطماعاً في تعيين وقت حصوله إذ كانوا يَسألون متى هذا الوعد، ثم توقيته بما هو مجهول لهم إبهاماً آخر للتهويل والتحذير من مفاجأته، وأبرز في صورة التوقيت للتشويق إلى البحث عن تقديره، فإذا باء الباحث بالعجز عن أخذ بحيطة الاستعداد لحلوله بما ينجيه من مصائبه التي قرَعتْ به الأسماع في آي كثيرة.
فحصل في هذه الآية تهويل شديد بثمانية طرق: وهي الابتداء باسم القارعة، المؤذن بأمر عظيم، والاستفهام المستعمل في التهويل، والإِظهار في مقام الإِضمار أول مرة، والاستفهامُ عما ينْبئ بكنه القارعة، وتوجيهُ الخطاب إلى غير معين، والإِظهار في مقام الإِضمار ثاني مرة، والتوقيتُ بزمان مجهوللٍ حصوله وتعريف ذلك الوقت بأحوال مهولة.
والفَراش: فرخ الجَراد حين يخرُج من بيضه من الأرض يَركب بعضه بعضاً وهو ما في قوله تعالى: ﴿ يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر ﴾ [القمر: 7].
وقد يطلق الفراش على ما يطير من الحشرات ويتساقط على النار ليْلاً وهو إطلاق آخر لا يناسب تفسيرُ لفظ الآية هنا به.
و ﴿ المبثوث ﴾ : المتفرق على وجه الأرض.
وجملة: ﴿ وتكون الجبال كالعهن المنفوش ﴾ معترضة بين جملة ﴿ يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ﴾ وجملة: ﴿ فأما من ثقلت موازينه ﴾ [القارعة: 6] الخ.
وهو إدماج لزيادة التهويل.
ووجه الشبه كثرة الاكتظاظ على أرض المحشر.
والعِهن: الصوف، وقيل: يختص بالمصبوغ الأحمر، أو ذي الألوان، كما في قول زهير: كأنَّ فُتات العِهن في كل منزلٍ *** نَزَلْنَ به حبُّ الفَنَا لم يُحَطَّمِ لأن الجبال مختلفة الألوان بحجارتها ونبتها قال تعالى: ﴿ ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ﴾ [فاطر: 27].
والمنفوش: المفرق بعض أجزائه عن بعض ليغزل أو تحشى به الحشايا، ووجه الشبه تفرق الأجزاء لأن الجبال تندكّ بالزلازل ونحوها فتتفرق أجزاءً.
وإعادة كلمة ﴿ تكون ﴾ مع حرف العطف للإِشارة إلى اختلاف الكونين فإن أولهما كونُ إيجاد، والثاني كون اضمحلال، وكلاهما علامة على زوال عالم وظهور عالم آخر.
وتقدم قوله تعالى ﴿ وتكون الجبال كالعهن ﴾ في سورة المعارج (9).
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ القارِعَةِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ القارِعَةُ ﴾ ﴿ ما القارِعَةُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها العَذابُ، لِأنَّها تَقْرَعُ قُلُوبَ النّاسِ بِهَوْلِها.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّها الصَّيْحَةُ لِقِيامِ السّاعَةِ، لِأنَّها تَقْرَعُ بِشَدائِدِها.
وَقَدْ تُسَمّى بِالقارِعَةِ كُلُّ داهِيَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ ﴾ قالَ الشّاعِرُ مَتى تُقْرَعْ بِمَرْوَتِكم نَسُؤْكم ولَمْ تُوَقَدْ لَنا في القِدْرِ نارُ ﴿ ما القارِعَةُ ﴾ تَعْظِيمًا لَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿ الحاقَّةُ ﴾ ﴿ ما الحاقَّةُ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ ﴾ وفي الفَراشِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الهَمَجُ الطّائِرُ مِن بَعُوضٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ الجَرادُ، قالَهُ الفَرّاءُ، الثّانِي: أنَّهُ طَيْرٌ يَتَساقَطُ في النّارِ لَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذُبابٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وقَتادَةُ.
وَفي ﴿ المَبْثُوثِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ المَبْسُوطُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: المُتَفَرِّقُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يُحَوَّلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَإنَّما شَبَّهَ النّاسَ الكَفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالفَراشِ المَبْثُوثِ لِأنَّهم يَتَهافَتُونَ في النّارِ كَتَهافُتِ الفَراشِ.
﴿ وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ ﴾ والعِهْنِ: الصُّوفُ ذُو الألْوانِ في قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (كالصُّوفِ) .
وقالَ ﴿ كالعِهْنِ المَنفُوشِ ﴾ لِخِفَّتِهِ، وضَعْفِهِ، فَشَبَّهَ بِهِ الجِبالَ لِخِفَّتِها، وذَهابِها بَعْدَ شِدَّتِها وثَباتِها.
وَيُحْتَمُلُ أنْ يُرِيدَ جِبالَ النّارِ تَكُونُ كالعِهْنِ لِحُمْرَتِها وشِدَّةِ لَهَبِها، لِأنَّ جِبالَ الأرْضِ تَسِيرُ ثُمَّ تُنْسَفُ حَتّى يَدُكَّ بِها الأرْضَ دَكًّا.
﴿ فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مِيزانٌ ذُو كِفَّتَيْنِ تُوزَنُ بِهِ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وحَقٌّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا.
الثّانِي: المِيزانُ هو الحِسابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ: اللِّسانُ وزْنُ الإنْسانِ، وقالَ الشّاعِرُ قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ ايْ كَلامٌ أُعارِضُهُ بِهِ.
الثّالِثُ: أنَّ المَوازِينَ الحُجَجُ والدَّلائِلُ، قالَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى، واسْتُشْهِدَ فِيهِ بِالشِّعْرِ المُتَقَدِّمِ.
وَفي المَوازِينِ وجْهانِ: أحَدُهُما: جَمْعُ مِيزانٍ.
الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ مَوْزُونٍ.
﴿ فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي في عِيشَةٍ مَرَضِيَّةٍ، قالَ قَتادَةُ: وهي الجَنَّةُ.
الثّانِي: في نَعِيمٍ دائِمٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ المَعاشِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ العَيْشِ.
﴿ وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ ﴾ ﴿ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الهاوِيَةَ جَهَنَّمُ، سَمّاها أُمًّا لَهُ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْها كَما يَأْوِي إلى أُمِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ.
فالأرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمُّنا ∗∗∗ فِيها مَقابِرَنا وفِيها نُولَدُ وَسُمِّيَتِ النّارُ هاوِيَةً لِأنَّهُ يَهْوِي فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أُمَّ رَأْسِهُ يَهْوِي عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَقالَ الشّاعِرُ ؎ يا عَمْرُو لَوْ نالَتْكَ أرْحامُنا ∗∗∗ كُنْتَ كَمَن تَهْوِي بِهِ الهاوِيَةُ.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة القارعة بمكة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: القارعة من أسماء يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ﴾ قال: هذا هو الفراش الذي رأيتم يتهافت في النار، وفي قوله: ﴿ وتكون الجبال كالعهن المنفوش ﴾ قال: كالصوف، وفي قوله: ﴿ فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية ﴾ قال: هي الجنة ﴿ وأما من خفت موازينه فأمه هاوية ﴾ قال: هي النار مأواهم وأمهم ومصيرهم ومولاهم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأمه هاوية ﴾ قال: مصيره إلى النار، وهي الهاوية.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ فأمه هاوية ﴾ كقولك هويت أمه.
وأخرج ابن المنذر عن قتادة قال: هي كلمة عربية إذا وقع رجل في أمر شديد قالوا: هويت أمه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي خالد الوالبي ﴿ فأمه هاوية ﴾ قال: أم رأسه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: أم رأسه هاوية في جهنم.
وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال: يهوون في النار على رؤوسهم.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: الهاوية النار هي أمه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الأشعث بن عبد الله الأعمى قال: إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى روح المؤمنين فتقول: روحوا لأخيكم فإنه كان في غم الدنيا ويسألونه ما فعل فلان؟
ما فعل فلان؟
فيخبرهم فيقول صالح حتى يسألوه ما فعل فلان فيقول: مات أما جاءكم فيقولون: لا ذهب به إلى أمه الهاوية.
وأخرج الحاكم عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات العبد تلقى روحه أرواح المؤمنين فيقولون له: ما فعل فلان فإذا قال مات قالوا: ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية» .
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات المؤمن تلقته أرواح المؤمنين يسألونه ما فعل فلان؟
ما فعلت فلانة؟
فإن كان مات ولم يأتهم قالوا خولف به إلى أمه الهاوية بئست الأم وبئست المربية، حتى يقولوا: ما فعل فلان.
هل تزوج؟
ما فعلت فلانة هل تزوجت فيقولون: دعوه فيستريح فقد خرج من كرب الدنيا» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن نفس المؤمن إذا قبضت تلقتها أهل الرحمة من عباد الله كما يلقون البشير من أهل الدنيا فيقولون: انظروا صاحبكم يستريح فإنه كان في كرب شديد، ثم يسألونه ما فعل فلان وفلانة هل تزوجت؟
فإذا سألوه عن الرجل قد مات قبله فيقول هيهات قد مات ذاك قبلي، فيقولون: إنا لله وإنه إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية» .
وأخرج ابن المبارك عن أبي أيوب الأنصاري قال: إذا قبضت نفس العبد تلقاها أهل الرحمة من عباد الله كما يلقون البشير في الدنيا فيقبلون عليه ليسألوه فيقول بعضهم لبعض: انظروا أخاكم حتى يستريح، فإنه كان في كرب، فيقبلون عليه يسألونه ما فعل فلان ما فعلت فلانة هل تزوجت؟
فإذا سألوه عن الرجل مات قبله قال لهم: إنه قد هلك فيقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم وبئست المربية، فيعرض عليهم أعمالهم، فإذا رأوا حسناً فرحوا واستبشروا وقالوا: هذه نعمتك على عبدك فأتمها وإن رأو سوءاً قالوا: اللهم راجع عبدك.
قال ابن المبارك ورواه سلام الطويل عن ثور فرفعه.
وأخرج ابن المبارك عن سعيد بن جبير أنه قيل له: هل يأتي الأموات أخبار الأحياء؟
قال: نعم، ما من أحد له حميم إلا يأتيه أخبار أقاربه، فإن كان خيراً سرّ به وفرح به، وإن كان شراً ابتأس لذلك وحزن، حتى إنهم ليسألون عن الرجل قد مات فيقال: ألم يأتكم؟
فيقولون: لقد خولف به إلى أمه الهاوية.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: مر عيسى عليه السلام بقرية قد مات أهلها إنسها وجنها وهوامها وأنعامها وطيورها، فقام ينظر إليها ساعة، ثم أقبل على أصحابه فقال: مات هؤلاء بعذاب الله، ولو ماتوا بغير ذلك ماتوا متفرقين، ثم ناداهم: يا أهل القرية.
فأجابه مجيب: لبيك يا روح الله.
قال: ما كان جنايتكم؟
قالوا عبادة الطاغوت وحب الدنيا.
قال: وما كانت عبادتكم الطاغوت؟
قال: الطاعة لأهل معاصي الله تعالى.
قال: فما كان حبكم الدنيا؟
قالوا: كحب الصبيّ لأمه.
كنا إذا أقبلت فرحنا، وإذا أدبرت حزنا مع أمل بعيد وإدبار عن طاعة الله وإقبال في سخط الله.
قال: وكيف كان شأنكم؟
قالوا: بتنا ليلة في عافية وأصبحنا في الهاوية.
فقال عيسى: وما الهاوية؟
قال: سجين.
قال: وما سجين؟
قال: جمرة من نار مثل أطباق الدنيا كلها دفنت أرواحنا فيها.
قال: فما بال أصحابك لا يتكلمون؟
قال: لا يستطيعون أن يتكلموا ملجمون بلجام من نار.
قال: فكيف كلمتني أنت من بينهم؟
قال: إني كنت فيهم ولم أكن على حالهم، فلما جاء البلاء عمني معهم، فأنا معلق بشعرة في الهاوية لا أدري أكردس في النار أم أنجو.
فقال عيسى: بحق أقول لكم لأكل خبز الشعير وشرب ماء القراح والنوم على المزابل مع الكلاب كثير مع عافية الدنيا والآخرة.
وأخرج أبو يعلى قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه فإن كان غائباً دعا له، وإن كان شاهداً زاره، وإن كان مريضاً عاده.
ففقد رجلاً من الأنصار في اليوم الثالث فسأل عنه فقالوا: تركناه مثل الفرخ لا يدخل في رأسه شيء إلا خرج من دبره.
قال: عودوا أخاكم فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نعوده، فلما دخلنا عليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تجدك؟
قال: لا يدخل في رأسي شيء ألا خرج من دبري.
قال: ومم ذاك؟
قال يا رسول الله: مررت بك وأنت تصلي المغرب فصليت معك، وأنت تقرأ هذه السورة ﴿ القارعة ما القارعة ﴾ إلى آخرها ﴿ نار حامية ﴾ فقلت: اللهم ما كان من ذنب أنت معذبي عليه في الآخرة فعجل لي عقوبته في الدنيا فنزل بي ما ترى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس ما قلت، ألا سألت الله أن يؤتيك في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ويقيك عذاب النار، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بذلك ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم، فقام كأنما نشط من عقال» .
قوله: ﴿ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ﴾ .
(العهن: الصوف ذو الألوان) (١) ﴿ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ﴾ .
(والنفش: مدك الصوف حتى ينتفش بعضه عن بعض) (٢) والمعنى: أنها تصير خفيفة في السير، كالصوف الذي نفش باليد.
ثم ذكر أحوال الناس بقوله: قوله (٣) (٤) قال مقاتل (٥) (٦) (٧) ﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴾ قال أبو إسحاق: أي ذات رضًى يرضاها صاحبها (٨) (قال أبو بكر) (٩) (١٠) (١١) ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾ أي رجحت سيئاته على حسناته.
قال أبو بكر: إنما ثقلت موازينهم باتباعهم الحق، وثقلت (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (وقوله) (١٦) ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾ قال الليث: الهاوية اسم من أسماء جهنم (١٧) (١٨) والمعنى: فمسكنه جهنم.
(وهذا معنى قول عطاء (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) قال أبو إسحاق: وقيل لمسكنه "أمُّه"؛ لأن الأصل في السكون إلى الأمهات، فقيل الذي له بدل ما يسكن إليه: "نار حامية" (٢٣) وهذا معنى (قول) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقال مقاتل: يقول يؤم الناس (٢٨) (٢٩) وذكر أهل المعاني قولين آخرين: أحدهما: إن المعنى خسرت نفسه وهلكت، والعرب تقول: هوت أمه، إذا هلك وعطب (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) وأنشد المبرد (٣٦) (٣٧) هَوَتْ أُمهم ماذا بهم يوم صُرِّعوا ...
بجيشان من أسباب مجد تَصَرما (٣٨) القول الثاني: (فأم (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) وروى معمر عنه قال: هذه كلمة عربية يقال: إذا وقع في أمر شديد هوت أمه (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) ويدل أيضًا على صحته أن الله تعالى قد أخبر عنها فقال: (١) ما بين القوسين قول أبي عبيدة نقله عنه من: "مجاز القرآن" 2/ 309، وقال بمعناه الأزهري: "تهذيب اللغة" 1/ 145 (عهن).
(٢) ما بين القوسين من قول الليث نقله عنه بنصه من "تهذيب اللغة" 11/ 376 (نفش).
(٣) في (ع): (بقوله).
(٤) ساقط من (ع).
(٥) "تفسير مقاتل" 249/ أ.
(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 355 بنحوه.
(٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(١٠) انظر: "الأصول في النحو" لأبي بكر السراج 3/ 83 (١١) عزاه الفخر إلى المفسرين: "التفسير الكبير" 32/ 73، وقال بمعنى ذلك قتادة، وقال: هي الجنة، وفسرها الماوردي فقال: يعني في عيشة مرضية.
وقد ورد قول قتادة أيضًا في: "جامع البيان" 30/ 282، و"الدر المنثور" 8/ 605 وعزاه إلى عبد ابن حميد، وعن مجاهد قال: في عيشة قد رضيها في الجنة.
"جامع البيان" المرجع السابق.
وقد ذهب إلى القول: مرضية: السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 505، والثعلبي في: "الكشف والبيان" 13/ 141/ أ.
وانظر أيضًا: "معالم التنزيل" 4/ 519، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 166، و"فتح القدير" 5/ 486، وقد ذكر الماوردي وجهًا آخر في الآية: وهو نعيم دائم، ونسبه إلى الضحاك، ثم قال: فيكون على الوجه الأول من المعاش، وعلى الوجه الثاني من العيش.
"النكت والعيون" 6/ 329.
(١٢) في (ع): (ثقله).
(١٣) ساقط من (أ).
(١٤) "التفسير الكبير" 32/ 73، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 167 بنحوه.
(١٥) بمعناه في "تفسيره": 249/ أ، و"التفسير الكبير" 32/ 73.
(١٦) ساقط من (ع).
(١٧) هذا من قول ابن المظفر، وليس الليث.
انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 490 (هوى).
(١٨) ما بين القوسين من قول الأزهري نقله عنه بنصه من: "تهذيب اللغة" المرجع السابق.
(١٩) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٢٠) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٢١) ممن قال بذلك: ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، انظر: "جامع البيان" 30/ 283، و"النكت والعيون" 6/ 329، و"الدر المنثور" 8/ 505 - 506 وعزاه ابن عطية إلى أكثر المفسرين: 4/ 581، وقال به: أيضًا ابن قتيبة في: "تفسير غريب القرآن" 537، و"الكشف والبيان" 13/ 141/ أ - ب وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 519 و"البحر المحيط" 8/ 507.
(٢٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٢٣) معاني القرن وإعرابه 5/ 356، بتصرف: (فقيل الذي له بدل ما يسكن إليه نار حامية) فيها ركاكة، والعبارة كما هي عند الزجاج على النحو الآتي: (فأبدل فيما يسكن إليه نار حامية)، (فأبدل فيما) بدلاً من: (فقيل الذي له بدل).
(٢٤) ساقط من (أ).
(٢٥) في (أ)، (ع): (تردي)، وأثبت ما جاء في مصدر القول.
(٢٦) في (أ): (منها).
(٢٧) "معاني القرآن" 3/ 287.
(٢٨) النار: (ع).
(٢٩) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٣٠) في (أ): (عصب).
(٣١) لم أعثر على مصدر لقولهما.
(٣٢) ساقط من (ع).
(٣٣) في (أ): (وما).
(٣٤) في (أ): (الل).
(٣٥) ورد البيت في "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 167.
"البحر المحيط" 8/ 507، برواية: (ما ينعبث) بدلاً من (من يبعث)، و (وماذا يرد الليل حين يؤون) بدلًا من (ماذا يؤدي الليل حين يؤوب)، و"روح المعاني" 30/ 222.
(٣٦) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٣٧) الكندية: هي أم صريح، شاعرة جاهلية قالت البيت ضمن قصيدة ترثي قومها وقد ماتوا يوم جيشان.
"معجم البلدان" 2/ 200، "ديوان الحماسة" 1/ 459.
(٣٨) "معجم البلدان" 2/ 200، و"ديوان الحماسة" 1/ 459، و"تهذيب اللغة" 15/ 489 (ناب) برواية: (...
ما ذامهم بنيسان من أنياب مجد تصرما).
(٣٩) ساقط من (أ).
(٤٠) "التفسير الكبير" 32/ 74، ورد معناه في "القرطبي" 20/ 167 بعبارة فمستقر، ثم قال القرطبي: والمعنى متقارب، يعني مع من قال يهوي فيها على أم رأسه.
(٤١) "التفسير الكبير" 32/ 74، وقد ورد بمثل قوله عن أبي صالح، و"جامع البيان" 30/ 282، و"الكشف والبيان" 13/ 141 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 519، و"المحرر الوجيز" 5/ 517.
(٤٢) "جامع البيان" 30/ 283، و"الكشف والبيان" ج 13/ 141 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 519 "تفسير القرآن العظيم" 4/ 580.
(٤٣) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 392، و"جامع البيان" 30/ 282 - 28، و"الكشف والبيان" 13/ 141 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 519، و"زاد المسير" 8/ 299، و"التفسير الكبير" 32/ 74، و"الدر المنثور" 8/ 606 وعزاه إلى ابن المنذر.
(٤٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٤٥) في (أ)، (ع): (فيسلونه).
(٤٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٤٧) أخرج النسائي بمعناه مطولاً، وقد إنفرد به من طريق أبي هريرة مرفوعًا 4/ 306 ح 1832 في الجنائز، والحاكم 2/ 533 عن الحسن مرفوعًا في التفسير، سورة القارعة، وقال: هذا حديث مرسل صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
كما ورد عند عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 392 من طريق معمر، عن أشعث بن عبد الله الأعمى.
وبنفس الطريق عند الطبري في "جامع البيان" 30/ 282، كما ورد عند القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 167 من طريق أبي هريرة، وإسناد عبد الرزاق في "تفسير القرآن العظيم" 4/ 580، و"الدر المنثور" 8/ 606 بطرق مختلفة، وفي "زاد المسير" 8/ 299 من غير ذكر الإسناد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ القارعة ﴾ من أسماء القيامة لأنها تقرع القلوب بهولها، وقيل: هي النفخة في الصور لأنها تقرع الأسماع ﴿ مَا القارعة ﴾ مبتدأ وخبر في موضع خبر القارعة، والمراد به تعظيم شأنها، كذلك ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا القارعة ﴾ ﴿ يَوْمَ يَكُونُ الناس كالفراش المبثوث ﴾ العامل في الظرف محذوف دل عليه القارعة تقديره، تقرع في يوم، والفراش هو الطير الصغير الذي يشبه البعوض، ويدور حول المصباح.
والمبثوث هو المنتشر المفترق.
شبّه الله الخلق يوم القيامة به في كثرتهم وانتشارهم وذلتهم، ويحتمل أنه شبههم به لتساقطهم في جهنم.
كما يتساقط الفراش في المصباح.
قال بعض العلماء: الناس في أول قيامهم من القبور كالفراش المبثوث، لأنهم يجيئون ويذهبون على غير نظام، ثم يدعوهم الداعي فيتوجهون إلى ناحية المحشر؛ فيكونون حينئذ كالجراد المنتشر.
لأن الجراد يقصد إلى جهة واحدة، وقيل: الفراش هنا الجراد الصغير وهو ضعيف ﴿ وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش ﴾ العهن هو الصوف، وقيل: الصوف الأحمر وقيل: الصوف الملون ألواناً، شبّه الله الجبال يوم القيامة به، لأنها تنسف فتصير لينة، وعلى القول بأنه الملون يكون التشبيه أيضاً من طريق اختلاف ألوان الجبال؛ لأن منها بيضاء وحمراء وسوداء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ما هي ﴾ بغير هاء السكت في الوصل: حمزة وسهل ويعقوب.
الآخرون: بالهاء وإن كانت وصلاً إتباعاً لخط المصحف.
الوقوف: ﴿ القارعة ﴾ ه لا ﴿ ما القارعة ﴾ ه لا ﴿ المبثوث ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ المنقوش ﴾ ه ط للابتداء بالشرط ﴿ موازينه ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب فأما ﴿ راضية ﴾ ه ط ﴿ موازينه ﴾ ه لا ﴿ هاوية ﴾ ه ط ﴿ ماهية ﴾ ه ط ﴿ حامية ﴾ ه.
التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بأحوال المعاد ذكر في هذه السورة بعض أحوال الآخرة، والقرع الاصطكاك بشدة واعتماد ثم سميت الحادثة الهائلة قارعة والمراد ههنا القيامة ولا أهول منها ولذلك قال في الإخبار عنها ﴿ ما القارعة ﴾ لأنه يفيد زيادة التهويل ثم قال ﴿ وما أدراك ما القارعة ﴾ وانتصب ﴿ يوم ﴾ بفعل محذوف دل عليه القارعة أي تقرع الناس يوم كذا، وهذا القرع عبارة عن الصيحة التي يموت فيها الخلائق ثم يحييهم عند النفخة الثانية كما روي ان الصور له ثقب على عدد الأموات لكل واحد ثقبة معلومة فيحيى الله بتلك النفخة الواصلة إليه من تلك الثقبة المعينة.
وقيل: القرع هو اصطكاك الأجرام العلوية والسفلية حين التخريب والتبديل، أو هو نفس انفطارها وانتثارها واندكاكها قاله الكلبي وقال مقاتل: إنها تقرع أعداء الله بالعذاب، وأما أولياؤه فهم من القرع آمنون.
والفراش اسم لهذه الدواب التي تتهافت فتقع في النار سمي فراشاً لتفرشه وانتشاره وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ المبثوث ﴾ وشبه الناس يومئذ بها لكثرتهم وانتشارهم ذاهبين في كل أوب كما شبههم بالجراد المنتشر في موضع آخر لذلك لا لصغر الجثة والنحول والضعف.
وجوز بعضهم أن يكونوا أولاً أكبر جثة فشبههم وقتئذ بالجراد ثم يؤل حالهم إلى الهزل والضعف لحر الشمس ولسائر أصناف المتاعب، فشبهوا للضعف بالفراش.
ويمكن أن يكون وجه التشبيه الذلة والضعف كقوله " "الناس اثنان: عالم ومتعلم وسائر الناس همج " وشبه الجبال بالعهن لاختلاف أجزائها في الحمرة والبياض والسواد كما مر في " المعارج ".
وزاد ههنا وصفه بالمنقوش لتفرق أجزائها وزوال تأليفها ثم قسم الناس فيه إلى قسمين بحسب ثقل موازين أعمالهم وخفتها وقد مر تحقيقه في " الأعراف".
وقوله ﴿ راضية ﴾ من الإسناد المجازي كما مر في " الحاقة ".
وأما قوله ﴿ فأمه هاوية ﴾ ففيه وجوه أحدها: أن الأم هي المعروفة والهاوية والهالكة وهذا من مستعملات العرب يقولون: هوت أمه أي هلكت وسقطت يعنون الدعاء عليه بالويل والثبور والخزي والهوان.
وقال الأخفش والكلبي وقتادة: فأم رأسه هاوية في النار لأنهم يهوون ي النار على رؤوسهم.
وقيل: الأم الأصل والهاوية من أسماء النار لأنها نار عتيقة والمعنى: منزلة ومأواه الذي يأوى إليه هو النار ويؤيد هذا الوجه قوله ﴿ ماهية ﴾ أي ما الهاوية، هذا هو الظاهر.
والأولون قالوا: الضمير للداهية التي يدل عليها قوله ﴿ فأمه هاوية ﴾ وفي قوله ﴿ نار حامية ﴾ إشارة إلى نيران الدنيا بالنسبة إلى نار الآخرة غير حامية والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْقَارِعَةُ ﴾ قال: القارعة عندهم هي الداهية الشديدة من الأمور، وهي في هذا الموضع وصف لشدة هول يوم القيامة، وهو من الله - - تذكير لعباده، وتعجيب لهم عما يكون في ذلك اليوم من الأهوال في [الأحوال والأفعال] وسمى الله - - في كتابه ذلك اليوم بما يكون فيه من اختلاف الأحوال، نحو قوله: ﴿ ٱلْحَاقَّةُ ﴾ ، و ﴿ ٱلْوَاقِعَةُ ﴾ ، وما أشبه ذلك، فكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْقَارِعَةُ ﴾ \[تذكير لهم\] بما وصف من حال ذلك اليوم وشدته؛ ليتفكروا في العواقب، ويتدبروا ما يستقبلهم في الأواخر من العذاب؛ فيمتنعوا بذلك عما نهاهم الله - - عنه.
ثم إن الله - - خلق [في] بني أدم نفسا يدرك بها الشهوات واللذات في الدنيا، وعقلا يتذكر به عواقب الأمور وأواخرها، ويزيده ذلك تيقضا وتبصرا، ثم العقل مرة يدعوه إلى نفسه حتى يميل إلى ما يدعوه في جزاء ما أطمع في العاقبة، والنفس مرة تدعوه إليها؛ فيصير هواه وميله فيما يتلذذ [به] من الشهوات في دنياه، وعلى ذلك تأويل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ...
﴾ ، أي: [يرحمه ويعصمه] عن اختيار السوء.
أو رحمه حتى جعل هواه فيما توجبه العواقب من الجزاء والثواب؛ فذلك ذكر الله - - عباده بما يستقبلهم من الأهوال في ذلك اليوم؛ ليعلموا عقولهم في أفكاره، والتذكر عنه؛ فيزدجروا عما زجرهم عنه.
أو يتذكروا ما وعد لهم من الجزاء في ذلك اليوم؛ فيزدادوا بذلك حرصا في الخيرات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ ﴾ ، اختلفوا في تأويله من وجوه، ولكنه في الحاصل يرجع إلى معنى واحد: فمنهم من قال: أي: كالجراد المنتشر حين أرادت الطيران.
ومنهم من قال: كالجراد الذي يموج بعضه في بعض.
ومنهم من قال: كالفراش [المبثوث] الذي يتهافت في النار؛ فيحترق؛ وكل ذلك يؤدي معنى الحيرة والاضطراب من هو ذلك اليوم.
وأصل ذلك قوله - -: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ ، فكأن الله - - قال: إنهم يصيرون في الحيرة من هول ذلك اليوم وشدته كالطائر الذي لا يدري أين يطير؟
وأين يثبت؟
وأين ينزل؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ ﴾ قال بعضهم: كالصوف المصبوع.
وقال بعضهم: كالمندوف من الصوف.
فإن كان على التأويل [الأول] فمعناه - والله أعلم -: أن الجبال في ذلك اليوم تتلون ألوانا من شدة ذلك اليوم بلون العهن؛ ألات تراه يقول: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً ﴾ ، وقال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ﴾ ؛ فكذلك هذا على ذلك المعنى.
وإن كان على التأويل الآخر، فمعناه: أن الجبال مع شدتها وصلابتها، تصير في الرخاوة والضعف من هول ذلك اليوم كالصوف المندوف؛ إذ ذلك أضعف أحواله.
وقال قتادة: شبههم بغنم لا راعي لها، ذكر العهن كناية عن الغنم.
وقوله - عزو جل -: ﴿ فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴾ ، اختلفوا في تأويل الميزان من وجوه، ولكنَّ أقربها عندنا وجهان: أحدهما: أن يكون المراد من قوله: ﴿ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ جملة المؤمنين، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾ جملة الكفار، ويكون الوجه في ذلك أن المؤمن لما عظم حق الله - - وأقام حدوده كان له ميزان وقيمة وخطر عند الله - - في ذلك اليوم، والكافر لما ترك ذلك، خف وزنه وقيمته وخطره، وقد يطلق - والله أعلم - هذا الكلام على معنى الجاه والمنزلة، يقال: لفلان عند فلان وزن وقيمة، وليس عنده ذلك الوزن، فكذلك هذا.
والوجه الثاني: من وزن السرائر التي لم يطلع الله - - ملائكته الذين يكتبون أعمال بني آدم ذلك، ومعلوم أن ذلك إنما يحصل من المؤمنين دون الكفرة، وقد وصفنا مسألة الميزان وبيناها؛ فلذلك اختصرنا الكلام في ذا الموضع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴾ ، منهم من قال: مرضية، يرضى أهل الجنة بتلك العيشة؛ فهي مرضية.
ومنهم من قال: ذات رضاء كقوله: ﴿ مَّآءٍ دَافِقٍ ﴾ ، أي: ذات اندفاق.
ومنهم من قال: إنه أضاف الرضاء إلى العيش؛ لأنه به يرضى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾ منهم من قال: سمى النار: أما للكافر؛ لأنه إليها يأوي.
ومنهم من قال: المراد من الأم: أم رأسه؛ أي: يلقى في جهنم على أم رأسه مكنوسا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَاوِيَةٌ ﴾ ، أي: تهوي به؛ حيث لا يكون له ثبات ولا قرار.
وقوله - عزو جل -: ﴿ نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾ ، أي: تحميه، وتنضجه.
ومنهم من قال: ﴿ نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾ ، شديدة الحر، والله أعلم، [وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصبحه أجمعين].
وتكون الجبال مثل الصوف المَنْدُوف في خفة سيرها وحركتها.
<div class="verse-tafsir" id="91.J081q"
﴿ الْقَارِعَةُ ﴾ اسم من أسماء القيامة: كالحاقة والصاخة والطامة والغاشية.
وهي قارعة لأنها تقرع القلوب بهولها.
(ما القارعة)؟
استفهام عن حقيقتها قصد به تهويل أمرها، كأنها -لشدة ما يكون فيها، مما تفزع له النفوس، وتدهش له العقول- يصعب تصورها.
﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴾ أي: أي شيء يعرفك بها؟
زيادة في تعظيم تلك الحادثة العظيمة كأن لا شيء يحيط بها ويفيدك برسمها.
ثم أخذ يعرفها بزمانها وما يحدث للناس فيه، فقال: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ﴾ الفراش: هو ذلك الطير الذي تراه يترامى على ضوء السراج ليلًا.
وهو مثل في الحيرة والجهل بالعاقبة.
والناس من هول ذلك اليوم يكونون منتشرين حيارى هائمين لا يدرون ماذا يصنعون، ولا ما يصنع بهم، وقال في آية أُخرى: ﴿ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ ﴾ .
﴿ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ﴾ العهن: هو الصوف.
والمنفوش: الذي نفشته بيدك أو بآلة أُخرى ففرقت شعراته بعضها عن بعض، فهو على حاله يطير مع أضعف ريح.
والجبال لتفتتها وتفرق أجزائها، لم تبق لها إلا صورة الصوف المنفوش لا تلبث أن تتطاير وتذهب.
ومن العلوم أن ذلك هو اليوم الذي تبتدئ فيه الحياة الآخرة، وفيها تعرف مقادير الأعمال وما تستحقه من الجزاء ﴿ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴾ .
ثقل ميزانك: أي كان لك قدر وقيمة، كأنك إذا وضعت في كفة ميزان كان لها بك رجحان.
وإنما يكون المقدار والقيمة لأهل الأعمال الصالحة والفضائل الراجحة، فهؤلاء يجزون بالنعيم الدائم.
ولا ريب في أن معيشتهم فيه تكون معيشة تمتع ولذه وهي التي تسمى العيشة الراضية الهنيئة.
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾ خفت ميزانك: سقطت قيمتك، فكأنك لست بشيء حتى ولو وضعت في كفة ميزان لم ترجح بك عن أُختها.
ومن كان في هذه الحياة الدنيا كثير الشر قليل الخير، لم يبلغ بنفسه منازل الإخلاص لله في القول والعمل، ولم يرتفع بها عن دنايا الأمور وسفاسفها، ولم ينزل عقله عن الإشراك، ولم يطهر قلبه عن رذائل الأخلاق، فذلك كان من الناس أخًا للعدم والفناء!
فماذا يكون في الآخرة؟
لا ريب أنه لا يكون شيئًا.
فلا وزن له، ولا ترجح به كفة ميزان لو وضع فيها.
وهذا المعنى قد صرح به في القرآن في قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾ .
وبهذا صح نسبة الثقل والخفة إلى الموازين بأجمعها.
أما لو كان المعنى على ما قالوه فهو ما لا تدل عليه العبارة، وكان من حق التعبير: من رجحت كفة أعماله، أو خفت كفة أعماله.
فإذا أرادوا إرجاع لفظ الآية إلى ما فهموه احتاجوا إلى تأويل كثير كما هو ظاهر.
وتقدير الله الأعمال وما تستحقه من الجزاء في ذلك اليوم، إنما يكون على حسب ما يعلم لا على طريقة ما نعلم.
فعلينا أن نفوض الأمر فيه إليه سبحانه مع الإيمان به.
ومن عجيب ما قاله بعض المفسرين: "أنه ميزان بلسان وكفتين كأطباق السموات والأرض، ولا يعلم ماهيته إلا الله"!
فماذا بقي من ماهيته بعد لسانه وكفتيه حتى يفوض العلم فيه إلى الله؟
والكلام فيه جراءة على غيب الله بغير نص صريح متواتر عن المعصوم، ولم يرد في الكتاب إلا كلمة الميزان.
وقد عرفت ما يمكننا أن نفهم منها لننتفع بما نعتقد، وما عدا ذلك فعلمه إلى الله سبحانه.
وقد قالوا: إن منكر الميزان بالمعنى المعروف لا يكفر، خصوصًا إذا كان القائل به يحدد له لسانًا وكفتين!
مع أن البشر قد اخترعوا من الموازين ما هو أتقن من ذلك وأضبط وأوفى بيان الموزون .
أفيأبى الحكيم الخبير إلا استعمال ذلك الميزان الخشن الناقص الذي هدى العلم عقول البشر إلى ما هو أدق منه؟!
أيأبى عالم الغيب والشهادة أن يستعمل في وزن المعاني والمعقولات إلا ذلك الميزان الذي اخترعه بعض البشر قبل أن يبلغ بهم العلم ما بلغ بأهل العصر الحاضر وما سيبلغ بأهل العصور المقبلة؟!
على أن جميع ما اخترع البشر وما يخترعون -مهما دق ولطف- إنما هو معيار للأثقال الجسمانية والأوزان المحسوسة.
وهل يكون الأليق بالمقام الإلهي أن يكون ميزان المعاني المعقولة لديه أسمى وأعلى من أن يكون على نمط ما يستعمله البشر مهما ارتقت المعارف وسمت بهم العلوم؟
وهل يليق بمن يخاف مقام ربه أن يجرؤ على القول بوجوب الاعتقاد بأن الميزان الذي تستعمله القبائل التي لم تزل في مهد الإنسانية الأولى: ميزان ضعفاء العقول، قصار الأنظار الذين لا يعرفون قيمة للإيمان بالغيب ولا لحياء العقل من الله، وإطراقه عن أن ينظر إلى ما تشامخ من غيوب الله تعالى علمه وتعاظمت قدرته؟
عليك أيها المؤمن المطمئن إلى ما يخير الله به أن توقن أن الله يزن الأعمال ويميز لكل عمل مقداره.
ولا تسل كيف يزن، ولا كيف يقدر، فهو أعلم بغيبه.
والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
(فأمه هاوية): هو مرجعه الذي يأوي إليه -كما يأوي الولد إلى أمه- هاوية: أي مهواة سحيقة يهوى فيها.
وسميت هاوية مع أنها يهوى فيها، كما سميت العيشة راضية مع أنها يرضى بها.
(وما أدراك ما هيه)؟
أي: ما الذي يخبرك بما هي تلك الهاوية، وأي شيء تكون؟
(نار حامية): هي نار ملتهبة يهوى فيها ليلقى جزاء ما قدم من عمل.
والله اعلم.