الآية ٨ من سورة التكاثر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 102 التكاثر > الآية ٨ من سورة التكاثر

ثُمَّ لَتُسْـَٔلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ ٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 134 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨ من سورة التكاثر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة التكاثر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) أي : ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم ، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك .

ما إذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا زكريا بن يحيى الخزاز المقري ، حدثنا عبد الله بن عيسى أبو خالد الخزاز ، حدثنا يونس بن عبيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه سمع عمر بن الخطاب يقول : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الظهيرة ، فوجد أبا بكر في المسجد فقال : " ما أخرجك هذه الساعة ؟

" قال : أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله .

قال : وجاء عمر بن الخطاب فقال : " ما أخرجك يا ابن الخطاب ؟

" قال أخرجني الذي أخرجكما .

قال : فقعد عمر وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثهما ، ثم قال : " هل بكما من قوة ، تنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان طعاما وشرابا وظلا ؟

" قلنا : نعم .

قال : " مروا بنا إلى منزل ابن التيهان أبي الهيثم الأنصاري " .

قال : فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أيدينا ، فسلم واستأذن - ثلاث مرات - وأم الهيثم من وراء الباب تسمع الكلام ، تريد أن يزيدها رسول الله صلى الله عليه وسلم من السلام ، فلما أراد أن ينصرف خرجت أم الهيثم تسعى خلفهم ، فقالت : يا رسول الله ، قد - والله - سمعت تسليمك ، ولكن أردت أن تزيدنا من سلامك .

فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خيرا " .

ثم قال : " أين أبو الهيثم ؟

لا أراه " .

قالت : يا رسول الله ، هو قريب ذهب يستعذب الماء ، ادخلوا فإنه يأتي الساعة إن شاء الله ، فبسطت - بساطا تحت شجرة ، فجاء أبو الهيثم ففرح بهم وقرت عيناه بهم ، فصعد على نخلة فصرم لهم أعذاقا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حسبك يا أبا الهيثم " .

قال : يا رسول الله ، تأكلون من بسره ، ومن رطبه ، ومن تذنوبه ، ثم أتاهم بماء فشربوا عليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا من النعيم الذي تسألون عنه " هذا غريب من هذا الوجه .

وقال ابن جرير : حدثني الحسين بن علي الصدائي ، حدثنا الوليد بن القاسم ، عن يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : بينما أبو بكر وعمر جالسان ، إذ جاءهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " ما أجلسكما هاهنا ؟

" قالا : والذي بعثك بالحق ما أخرجنا من بيوتنا إلا الجوع .

قال : " والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره " .

فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار فاستقبلتهم المرأة ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : " أين فلان ؟

" فقالت : ذهب يستعذب لنا ماء .

فجاء صاحبهم يحمل قربته فقال : مرحبا ، ما زار العباد شيء أفضل من شيء زارني اليوم .

فعلق قربته بكرب نخلة وانطلق فجاءهم بعذق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ألا كنت اجتنيت " ؟

فقال : أحببت أن تكونوا الذين تختارون على أعينكم .

ثم أخذ الشفرة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إياك والحلوب ؟

" فذبح لهم يومئذ ، فأكلوا .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لتسألن عن هذا يوم القيامة .

أخرجكم من بيوتكم الجوع ، فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا ، فهذا من النعيم " .

ورواه مسلم من حديث يزيد بن كيسان به ، ورواه أبو يعلى ، وابن ماجه من حديث المحاربي ، عن يحيى بن عبيد الله ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن أبي بكر الصديق به ، وقد رواه أهل السنن الأربعة ، من حديث عبد الملك بن عمير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، بنحو من هذا السياق وهذه القصة .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سريج ، حدثنا حشرج ، عن أبي نصرة ، عن أبي عسيب - يعني مولى رسول الله - قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا فمر بي ، فدعاني فخرجت إليه ، ثم مر بأبي بكر فدعاه فخرج إليه ، ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه ، فانطلق حتى أتى حائطا لبعض الأنصار ، فقال لصاحب الحائط : " أطعمنا " .

فجاء بعذق فوضعه ، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ثم دعا بماء بارد فشرب ، وقال : " لتسألن عن هذا يوم القيامة " .

قال : فأخذ عمر العذق فضرب به الأرض ، حتى تناثر البسر قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : يا رسول الله ، إنا لمسئول عن هذا يوم القيامة ؟

قال : " نعم ، إلا من ثلاثة : خرقة لف بها الرجل عورته ، أو كسرة سد بها جوعته ، أو جحر تدخل فيه من الحر والقر " تفرد به أحمد .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا حماد ، حدثنا عمار : سمعت جابر بن عبد الله يقول : أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رطبا ، وشربوا ماء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا من النعيم الذي تسألون عنه " .

ورواه النسائي من حديث حماد بن سلمة [ عن عمار بن أبي عمار ، عن جابر ] به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا محمد بن عمرو ، عن صفوان بن سليم ، عن محمود بن الربيع قال : لما نزلت : ( ألهاكم التكاثر ) فقرأ حتى بلغ : ( لتسألن يومئذ عن النعيم ) قالوا : يا رسول الله ، عن أي نعيم نسأل ؟

وإنما هما الأسودان الماء والتمر ، وسيوفنا على رقابنا ، والعدو حاضر ، فعن أي نعيم نسأل ؟

قال أما إن ذلك سيكون " .

وقال أحمد : حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو ، حدثنا عبد الله بن سليمان ، حدثنا معاذ بن عبد الله بن خبيب ، عن أبيه ، عن عمه قال : كنا في مجلس فطلع علينا النبي صلى الله عليه وسلم وعلى رأسه أثر ماء ، فقلنا : يا رسول الله ، نراك طيب النفس .

قال : " أجل " .

قال : ثم خاض الناس في ذكر الغنى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا بأس بالغنى لمن اتقى الله ، والصحة لمن اتقى الله خير من الغنى ، وطيب النفس من النعيم " .

ورواه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن خالد بن مخلد ، عن عبد الله بن سليمان به .

وقال الترمذي : حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا شبابة ، عن عبد الله بن العلاء ، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزم الأشعري قال : سمعت أبا هريرة يقول : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن أول ما يسأل عنه - يعني يوم القيامة - العبد من النعيم أن يقال له : ألم نصح لك جسمك ، ونروك من الماء البارد ؟

" .

تفرد به الترمذي .

ورواه ابن حبان في صحيحه ، من طريق الوليد بن مسلم ، عن عبد الله بن العلاء بن زير به .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا مسدد ، حدثنا سفيان ، عن محمد بن عمرو ، عن يحيى بن حاطب ، عن عبد الله بن الزبير قال : قال الزبير : لما نزلت : ( [ ثم ] لتسألن يومئذ عن النعيم ) قالوا : يا رسول الله ، لأي نعيم نسأل عنه ، وإنما هما الأسودان التمر والماء ؟

قال : " إن ذلك سيكون " .

وكذا رواه الترمذي وابن ماجه ، من حديث سفيان - هو ابن عيينة - به ، ورواه أحمد عنه ، وقال الترمذي : حسن .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبد الله الظهراني ، حدثنا حفص بن عمر العدني ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة قال : لما نزلت هذه الآية : ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) قالت الصحابة : يا رسول الله ، وأي نعيم نحن فيه ، وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير ؟

فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم : قل لهم : أليس تحتذون النعال ، وتشربون الماء البارد ؟

فهذا من النعيم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني ، عن ابن أبي ليلى - أظنه عن عامر - عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( [ ثم ] لتسألن يومئذ عن النعيم ) قال : " الأمن والصحة " .

وقال زيد بن أسلم ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) يعني : شبع البطون ، وبارد الشراب ، وظلال المساكن ، واعتدال الخلق ، ولذة النوم .

رواه ابن أبي حاتم بإسناده المتقدم ، عنه في أول السورة .

وقال سعيد بن جبير : حتى عن شربة عسل .

وقال مجاهد : عن كل لذة من لذات الدنيا .

وقال الحسن البصري : نعيم الغداء والعشاء ، وقال أبو قلابة : من النعيم أكل العسل والسمن بالخبز النقي .

وقول مجاهد هذا أشمل هذه الأقوال .

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) قال : النعيم : صحة الأبدان والأسماع والأبصار ، يسأل الله العباد فيما استعملوها ، وهو أعلم بذلك منهم ، وهو قوله تعالى : ( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ) [ الإسراء : 36 ] .

وثبت في صحيح البخاري ، وسنن الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ " .

ومعنى هذا : أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين ، لا يقومون بواجبهما ، ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه ، فهو مغبون .

وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا القاسم بن محمد بن يحيى المروزي ، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق ، حدثنا أبو حمزة ، عن ليث ، عن أبي فزارة ، عن يزيد بن الأصم ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما فوق الإزار ، وظل الحائط ، وخبز ، يحاسب به العبد يوم القيامة ، أو يسأل عنه " ثم قال : لا نعرفه إلا بهذا الإسناد .

وقال الإمام أحمد : حدثنا بهز وعفان ، قالا : حدثنا حماد - قال عفان في حديثه : قال إسحاق بن عبد الله ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يقول الله عز وجل - قال عفان : يوم القيامة - : يا ابن آدم ، حملتك على الخيل والإبل ، وزوجتك النساء ، وجعلتك تربع وترأس ، فأين شكر ذلك ؟

" تفرد به من هذا الوجه .

آخر تفسير سورة " التكاثر " [ ولله الحمد والمنة ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) يقول: ثم ليسألنكم الله عزّ وجلّ عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه، من أين وصلتم إليه، وفيم أصبتموه، وماذا عملتم به.

واختلف أهل التأويل في ذلك النعيم ما هو؟

فقال بعضهم: هو الأمن والصحة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عباد بن يعقوب، قال.

ثنا محمد بن سليمان، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبيّ، عن ابن مسعود، في قوله: ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) قال: الأمن والصحة.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا حفص، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبيّ، عن عبد الله، مثله.

حدثني علي بن سعيد الكنديّ، قال: ثنا محمد بن مروان، عن ليث، عن مجاهد ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) قال: الأمن والصحة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم.

قال: ثنا سفيان، قال: بلغني في قوله: ( لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) قال: الأمن والصحة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبد الله، قال: سمعت الشعبيّ يقول: النعيم المسئول عنه يوم القيامة: الأمن والصحة.

قال: ثنا مهران، عن خالد الزيات، عن ابن أبي ليلى، عن عامر الشعبيّ، عن ابن مسعود، مثله.

قال: ثنا مهران، عن سفيان ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) قال: الأمن والصحة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم لَيُسْئَلُنّ يومئذ عما أنعم الله به عليهم مما وهب لهم من السمع والبصر وصحة البدن.

* ذكر من قال ذلك.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) قال: النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار، قال: يسأل الله العباد فيم استعملوها، وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا .

حدثني إسماعيل بن موسى الفَزاريُّ، قال: أخبرنا عمر بن شاكر، عن الحسن قال: كان يقول في قوله: ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) قال: السمع والبصر، وصحة البدن.

وقال آخرون: هو العافية.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عباد بن يعقوب، قال: ثنا نوح بن درّاج، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) قال: العافية.

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك: بعض ما يطعمه الإنسان، أو يشربه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن بكير بن عتيق، قال: رأيت سعيد بن جُبَير أُبِيَ بشربة عسل، فشربها، وقال: هذا النعيم الذي تُسألون عنه.

حدثني عليّ بن سهل الرملي، قال: ثنا الحسن بن بلال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عَمَّار (2) بن أبي عمار، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: أتانا النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمرُ رضي الله عنهما، فأطعمناهم رطبا، وسقيناهم ماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هَذَا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسألون عَنْهُ" .

حدثنا جابر بن الكرديّ، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: أتانا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه.

حدثني الحسن بن عليّ الصُدائي، قال: ثنا الوليد بن القاسم، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: بينما أبو بكر وعمر رضى الله عنهما جالسان، إذ جاء النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: " ما أجْلَسَكُما ها هُنا؟" قالا الجوع، قال: " وَالَّذِي بَعَثَنِي بالْحَقّ ما أخْرَجَنِي غَيرُهُ"، فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار، فاستقبلتهم المرأة، فقال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم: " أيْنَ فُلانُ؟" فقالت: ذهب يستعذب لنا ماء، فجاء صاحبهم يحمل قربته، فقال: مرحبا، ما زار العباد شيء أفضل من شيء زارني اليوم، فعلق قربته بكَرَب نخلة، وانطلق فجاءهم بعِذْق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا كُنْتَ اجْتَنَيْتَ؟" فقال: أحببت أن &; 24-584 &; تكونوا الذين تختارون على أعينكم، ثم أخذ الشفرة، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " إيَّاكَ والْحَلُوبَ"، فذبح لهم يومئذ، فأكلوا، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا يَوْمَ القِيامَةِ، أخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الجُوعُ، فَلَمْ تَرْجِعُوا حتى أصَبْتُمْ هَذَا، فَهَذَا مِنَ النَّعِيمِ" .

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يحيى بن أبي بكير، قال ثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن عبد الملك بن عُمَير، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: " انْطَلِقُوا بِنا إلى أبي الهَيْثَم بنِ التَّيَّهانِ الأنْصَارِيّ"، فانطلق بهم إلى ظلّ حديقته، فبسط لهم بساطا، ثم انطلق إلى نخلة، فجاء بِقِنْوٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فَهَلا تَنَقَّيْتَ لَنا مِنْ رُطَبِهِ؟" فقال: أردت أن تَخَيَّرُوا من رطبه وبُسره، فأكلوا وشربول من الماء؛ فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيدهِ مِنَ النَّعِيمِ، الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ مَسْئُولُونَ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ، هَذَا الظِّلُّ البارِدُ، والرُّطَبُ البارِدُ، عَلَيْهِ الماءُ البارِدُ" .

حدثني صالح بن مسمار المروزي، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا شيبان، قال: ثنا عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه، إلا أنه قال في حديثه: " ظِلٌّ بارِدٌ، ورُطَبٌ بارِدٌ، وَماءٌ بارِدٌ" .

حدثنا عليّ بن عيسى البزاز، قال: ثنا سعيد بن سليمان، عن حشرج بن نباتة، قال: ثنا أبو بصيرة عن أبي عسيب، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: مرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى دخل حائطا لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط: " أطْعِمْنا بُسْرًا "، فجاء بعذق فوضعه، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم دعا بماء بارد فشرب، فقال: " لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا يَوْمَ القِيامَةِ"، فأخذ عمر العذق، فضرب به الأرض حتى تناثر البسر، ثم قال: يا رسول الله، إنا لمسئولون عن هذا؟

قال: " نَعَمْ، إلا مِنْ كِسْرَةٍ يُسَدُّ بِها جَوْعَةٌ، أوْ حُجْرٌ يُدْخَلُ فِيه مِنَ الحَرِّ والقَرِّ" .

حدثني سعيد بن عمرو السكونيّ، قال: ثنا بقية، عن حشرج بن نباتة، قال: حدثني أبو بصيرة، عن أبي عسيب مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: مرّ بي النبيّ صلى الله عليه وسلم، فدعاني وخرجت ومعه أبو بكر وعمر رضى الله عنهما ، فدخل حائطا لبعض الأنصار، فأُتِيَ بِبُسْرِ عِذْق منه، فوُضِع بين يديه، فأكل هو وأصحابه، ثم دعا بما بارد، فشرب، ثم قال: " لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا يَوْمَ القِيامَةِ"، فقال عمر: عن هذا يوم القيامة؟

فقال: " نَعَمْ، إلا مِنْ ثَلاثَةٍ: خِرْقَةٍ كَفَّ بِها عَوْرَتَهُ، أو كِسْرَةٍ سَدُّ بِها جَوْعَتَةُ، أوْ جُحْرٍ يَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الحَرِّ والقَرّ" .

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلية، عن الجريريّ، عن أبي بصيرة، قال: أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وناس من أصحابه أكلة من خبز شعير لم يُنْخَل، بلحم سمين، ثم شربوا من جدول، فقال: " هذا كله من النعيم الذي تُسْأَلُونَ عنه يوم القيامة " .

حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا محمد بن عمرو، عن صفوان بن سليم، عن محمد بن محمود بن لبيد، قال: " لما نـزلت (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) فقرأها حتى بلغ: ( لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) قالوا: يا رسول الله، عن أيّ النعيم نسأل ، وإنما هو الأسودان: الماء، والتمر، وسيوفنا على عواتقنا، والعدوّ حاضر!

قال: " إن ذلكَ سَيَكُونُ" .

حدثني يعقوب بن إبراهيم والحسين بن عليّ الصدائي، قالا ثنا شبابة بن سوّار، قال: ثني عبد الله بن العلاء أبو رَزِين الشامي، قال: ثنا الضحاك بن عَرْزَم، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ أولَ ما يُسْأَلُ عَنْهُ العَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ النَّعِيمِ أنْ يُقَالَ لَهُ: ألَم نُصِحَّ لَك جِسْمَكَ، وَتُروَ مِنَ الماءِ البارِدِ" ؟.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: ثنا ليث، عن مجاهد، قال: قال أبو معمر عبد الله بن سخبرة: ما أصبح أحد بالكوفة إلا ناعماً، إن أهونهم عيشا الذي يأكل خبز البرّ، ويشرب ماء الفرات، ويستظلّ من الظلّ، وذلك من النعيم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن إسماعيل بن عياش، عن عبد الرحمن بن الحارث التميميّ، عن ثابت البناني، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " النَّعِيم: المَسْئُولُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ: كِسْرَةٌ تُقَوّيهِ، وَماءٌ يُرْوِيهِ، وَثَوْبٌ يُوَارِيهِ" .

قال: ثنا مهران، عن إسماعيل بن عياش، عن بشر بن عبد الله بن بشار، قال: سمعت بعض أهل يمن يقول: سمعت أبا أُمامة يقول: النعيم المسئول عنه يوم القيامة: خبز البرّ، والماء العذب.

قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن بكير بن عتيق العامري، قال: أُتِيَ سعيد بن جُبير بشَربة عسل، فقال: أما إن هذا النعيم الذي نسأل عنه يوم القيامة ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) .

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن بكير بن عتيق، عن سعيد بن جُبير، أنه أتي بشربة عسل، فقال: هذا من النعيم الذي تُسألون عنه.

وقال آخرون: ذلك كلّ ما التذّه الإنسان في الدنيا من شيء.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) قال: عن كل شيء من لذّة الدنيا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) إن الله عزّ وجل سائل كلّ عبد عما استودعه من نِعَمه وحقه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) قال: إن الله تعالى ذكره سائل كلّ ذي نعمة فيما أنعم عليه.

وكان الحسن وقتادة يقولان: ثلاث لا يُسأَل عنهنّ ابن آدم، وما خلاهنّ فيه المسألة والحساب إلا ما شاء الله: كسوة يواري بها سوْأته، وكسرة يشدّ بها صلبه، وبيت يظله.

والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن الله أخبر أنه سائل هؤلاء القوم عن النعيم، ولم يخصص في خبره أنه سائلهم عن نوع من النعيم دون نوع، بل عمّ بالخبر في ذلك عن الجميع، فهو سائلهم كما قال عن جميع النعيم، لا عن بعض دون بعض.

آخر تفسير سورة ألهاكم

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ثم لتسألن يومئذ عن النعيمقوله تعالى : ثم لتسألن يومئذ عن النعيم روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم أو ليلة ، فإذا هو بأبي بكر وعمر ; فقال : " ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة ) ؟

قالا : الجوع يا رسول الله .

قال : " وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما قوما " فقاما معه ; فأتى رجلا من الأنصار ، فإذا هو ليس في بيته ، فلما رأته المرأة قالت : مرحبا وأهلا .

فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أين فلان " ؟

قالت : يستعذب لنا من الماء ; إذ جاء الأنصاري ، فنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه ، ثم قال : الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني .

قال : فانطلق ، فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب ، فقال : كلوا من هذه .

وأخذ المدية فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إياك والحلوب " فذبح لهم ، فأكلوا من الشاة ، ومن ذلك العذق ، وشربوا ; فلما أن شبعوا ورووا ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر وعمر : " والذي نفسي بيده لتسألن عن نعيم هذا اليوم ، يوم القيامة ، أخرجكم من بيوتكم الجوع ، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم " .

خرجه الترمذي ، وقال فيه : " هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة : ظل بارد ، ورطب طيب ، وماء بارد " وكنى الرجل الذي من الأنصار ، فقال : أبو الهيثم بن التيهان .

وذكر قصته .[ ص: 157 ] قلت : اسم هذا الرجل الأنصاري مالك بن التيهان ، ويكنى أبا الهيثم .

وفي هذه القصة يقول عبد الله بن رواحة ، يمدح بها أبا الهيثم بن التيهان :فلم أر كالإسلام عزا لأمة ولا مثل أضياف الإراشي معشرا نبي وصديق وفاروق أمةوخير بني حواء فرعا وعنصرا فوافوا لميقات وقدر قضيةوكان قضاء الله قدرا مقدرا إلى رجل نجد يباري بجودهشموس الضحى جودا ومجدا ومفخرا وفارس خلق الله في كل غارةإذا لبس القوم الحديد المسمرا ففدى وحيا ثم أدنى قراهمفلم يقرهم إلا سمينا متمراوقد ذكر أبو نعيم الحافظ ، عن أبي عسيب مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; قال : خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلا ، فخرجت إليه ، ثم مر بأبي بكر فدعاه ، فخرج إليه ، ثم مر بعمر فدعاه ، فخرج إليه ، فانطلق حتى دخل حائطا لبعض الأنصار ، فقال لصاحب الحائط : " أطعمنا بسرا " فجاء بعذق ، فوضعه فأكلوا ، ثم دعا بماء فشرب ، فقال : " لتسألن عن هذا يوم القيامة " قال : وأخذ عمر العذق ، فضرب به الأرض حتى تناثر البسر نحو وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يا رسول الله ، إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة ؟

قال : " نعم إلا من ثلاث : كسرة يسد بها جوعته ، أو ثوب يستر به عورته ، أو حجر يأوي فيه من الحر والقر " .واختلف أهل التأويل في النعيم المسئول عنه على عشرة أقوال :أحدها : الأمن والصحة ; قاله ابن مسعود .الثاني : الصحة والفراغ ; قاله سعيد بن جبير .

وفي البخاري عنه - عليه السلام - : نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ .الثالث : الإدراك بحواس السمع والبصر ; قاله ابن عباس .

وفي التنزيل : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا .

وفي الصحيح عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يؤتى بالعبد يوم القيامة ، فيقول له : ألم أجعل لك سمعا وبصرا ، ومالا وولدا .

.

.

" ، الحديث .

خرجه الترمذي وقال فيه : حديث حسن صحيح .الرابع : ملاذ المأكول والمشروب قاله جابر بن عبد الله الأنصاري .

وحديث أبي هريرة يدل عليه .[ ص: 158 ] الخامس : أنه الغداء والعشاء ; قاله الحسن .السادس : قول مكحول الشامي : أنه شبع البطون وبارد الشراب ، وظلال المساكن ، واعتدال الخلق ; ولذة النوم .

ورواه زيد بن أسلم عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لتسألن يومئذ عن النعيم يعني عن شبع البطون .

.

.

" .

فذكره .

ذكره الماوردي ، وقال : وهذا السؤال يعم الكافر والمؤمن ، إلا أن سؤال المؤمن تبشير بأن يجمع له بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة .

وسؤال الكافر تقريع أن قابل نعيم الدنيا بالكفر والمعصية .

وقال قوم : هذا السؤال عن كل نعمة ، إنما يكون في حق الكفار ، فقد روي أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال : يا رسول الله ، أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان ، من خبز شعير ولحم وبسر قد ذنب ، وماء عذب ، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه ؟

فقال - عليه السلام - : " ذلك للكفار ; ثم قرأ : وهل نجازي إلا الكفور " .

ذكره القشيري أبو نصر .

وقال الحسن لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار .

وقال القشيري : والجمع بين الأخبار : أن الكل يسألون ولكن سؤال الكفار توبيخ ; لأنه قد ترك الشكر .

وسؤال المؤمن سؤال تشريف ; لأنه شكر .

وهذا النعيم في كل نعمة .قلت : هذا القول حسن ; لأن اللفظ يعم .

وقد ذكر الفريابي قال : حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، في قوله تعالى : ثم لتسألن يومئذ عن النعيم قال : كل شيء من لذة الدنيا .

وروى أبو الأحوص عن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن الله تعالى ليعدد نعمه على العبد يوم القيامة ، حتى يعد عليه : سألتني فلانة أن أزوجكها ، فيسميها باسمها ، فزوجتكها " .

وفي الترمذي عن أبي هريرة قال : لما نزلت هذه الآية : ثم لتسألن يومئذ عن النعيم قال الناس : يا رسول الله ، عن أي النعيم نسأل ؟

فإنما هما الأسودان والعدو حاضر ، وسيوفنا على عواتقنا .

قال : " إن ذلك سيكون " .

وعنه قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن أول ما يسأل عنه يوم القيامة - يعني العبد - أن يقال له : ألم نصح لك جسمك ، ونرويك من الماء البارد " قال : حديث ابن عمر قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده ، فيوقفه بين يديه ، فيسأله عن جاهه كما يسأله عن ماله " .

والجاه من نعيم الدنيا لا محالة .

وقال مالك - رحمه الله - : إنه صحة البدن ، وطيب النفس .

وهو القول السابع .

وقيل : النوم مع الأمن والعافية .

وقال سفيان بن عيينة : إن ما سد الجوع وستر العورة من خشن [ ص: 159 ] الطعام واللباس ، لا يسأل عنه المرء يوم القيامة ، وإنما يسأل عن النعيم .

قال : والدليل عليه أن الله تعالى أسكن آدم الجنة .

فقال له : إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى .

فكانت هذه الأشياء الأربعة - ما يسد به الجوع ، وما يدفع به العطش ، وما يستكن فيه من الحر ، ويستر به عورته - لآدم - عليه السلام - بالإطلاق ، لا حساب عليه فيها لأنه لا بد له منها .قلت : ونحو هذا ذكره القشيري أبو نصر ، قال : إن مما لا يسأل عنه العبد لباسا يواري سوأته ، وطعاما يقيم صلبه ، ومكانا يكنه من الحر والبرد .قلت : وهذا منتزع من قوله - عليه السلام - : " ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال : بيت يسكنه ، وثوب يواري عورته ، وجلف الخبز والماء " خرجه الترمذي .

وقال النضر بن شميل : جلف الخبز : ليس معه إدام .

وقال محمد بن كعب : النعيم : هو ما أنعم الله علينا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - .

وفي التنزيل : لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم .

وقال الحسن أيضا والمفضل : هو تخفيف الشرائع ، وتيسير القرآن ، قال الله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج ، وقال تعالى : ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر .قلت : وكل هذه نعم ، فيسأل العبد عنها : هل شكر ذلك أم كفر .

والأقوال المتقدمة أظهر والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } الذي تنعمتم به في دار الدنيا، هل قمتم بشكره، وأديتم حق الله فيه، ولم تستعينوا به، على معاصيه، فينعمكم نعيمًا أعلى منه وأفضل.أم اغتررتم به، ولم تقوموا بشكره؟

بل ربما استعنتم به على معاصي الله فيعاقبكم على ذلك، قال تعالى: { وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ } الآية.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) قال مقاتل : يعني كفار مكة ، كانوا في الدنيا في الخير والنعمة ، فيسألون يوم القيامة عن شكر ما كانوا فيه ، ولم يشكروا رب النعيم حيث عبدوا غيره ، ثم يعذبون على ترك الشكر ، هذا قول الحسن .

وعن ابن مسعود رفعه قال : " لتسألن يومئذ عن النعيم " قال : " الأمن والصحة " .

وقال قتادة : إن الله يسأل كل ذي نعمة عما أنعم عليه أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي ، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي ، حدثنا إبراهيم بن خزيم الشاشي ، حدثنا عبد ، بن حميد ، حدثنا شبابة عن عبد الله بن العلاء عن الضحاك بن عزرم الأشعري قال : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن أول ما يسأل العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له : ألم نصح جسمك ؟

ونروك من الماء البارد " .

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني ، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي ، أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي ، أخبرنا أبو عيسى الترمذي ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا آدم بن أبي إياس ، حدثنا شيبان أبو معاوية ، حدثنا عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد ، فأتاه أبو بكر فقال : ما جاء بك يا أبا بكر ؟

فقال : خرجت لألقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنظر إلى وجهه وللتسليم عليه ، فلم يلبث أن جاء عمر ، فقال : ما جاء بك يا عمر ؟

قال : الجوع يا رسول الله ، قال [ النبي - صلى الله عليه وسلم - ] : " وأنا قد وجدت ، بعض ذلك " ، فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري ، وكان رجلا كثير النخل والشاء ، ولم يكن له خدم ، فلم يجدوه ، فقالوا لامرأته : أين صاحبك ؟

فقالت : انطلق ليستعذب لنا الماء ، فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها ماء فوضعها ، ثم جاء يلتزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويفديه بأبيه وأمه ، ثم انطلق بهم إلى حديقته فبسط لهم بساطا ، ثم انطلق إلى نخلة فجاء بقنو فوضعه ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أفلا تنقيت لنا من رطبه وبسره " ، فقال : يا رسول الله إني أردت أن تخيروا [ أو قال : أن تختاروا ] من رطبه وبسره ، فأكلوا وشربوا من ذلك الماء ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة ، ظل بارد ، ورطب طيب ، وماء بارد " ، فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاما فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لا تذبحن ذات در " ، فذبح لهم عناقا أو جديا فأتاهم بها ، فأكلوا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : هل لك خادم ؟

قال : لا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " فإذا أتانا سبي فأتنا " ، فأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - برأسين ليس معهما ثالث ، فأتاه أبو الهيثم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " اختر منهما " ، فقال : يا نبي الله اختر لي ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ، " إن المستشار مؤتمن ، خذ هذا ، فإني رأيته يصلي ، واستوص به معروفا " فانطلق به أبو الهيثم إلى امرأته فأخبرها بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت امرأته : ما أنت ببالغ فيه ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن تعتقه ، قال : فهو عتيق ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ، " إن الله تبارك وتعالى لم يبعث نبيا ولا خليفة إلا وله بطانتان ، بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر ، وبطانة لا تألوه خبالا ومن يوق بطانة السوء فقد وقي " .

وروي عن ابن عباس قال : النعيم : صحة الأبدان والأسماع والأبصار ، يسأل الله العبيد فيم استعملوها ؟

وهو أعلم بذلك منهم ، وذلك قوله : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ( الإسراء - 36 ) .

وقال عكرمة : عن الصحة والفراغ .

وقال سعيد بن جبير : عن الصحة والفراغ والمال .

أخبرنا الإمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي ، حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت ، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، حدثنا الحسين بن الحسن بمكة ، حدثنا عبد الله بن المبارك والفضل بن موسى ، قالا حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ " .

قال محمد بن كعب : يعني عما أنعم عليكم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - .

وقال أبو العالية : عن الإسلام والسنن .

وقال الحسين بن الفضل : تخفيف الشرائع وتيسير القرآن .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ثم لتسألُن» حذف منه نون الرفع لتوالي النونات وواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين «يومئذ» يوم رؤيتها «عن النعيم» ما يلتذ به في الدنيا من الصحة والفراغ والأمن والمطعم والمشرب وغير ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ما هكذا ينبغي أن يلهيكم التكاثر بالأموال، لو تعلمون حق العلم لانزجرتم، ولبادرتم إلى إنقاذ أنفسكم من الهلاك.

لتبصرُنَّ الجحيم، ثم لتبصرُنَّها دون ريب، ثم لتسألُنَّ يوم القيامة عن كل أنواع النعيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - السورة بقوله : ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم ) ، والمراد بالنعيم هنا : ما يتنعم به الإِنسان خلال حياته الدنيوية من مال وولد ، ومن طعام وشراب ، ومن متعه وشهوة .

.

من النعومة التى هى ضد الخشونة .أى : ثم إنكم بعد ذلك - أيها الناس - والله لتسألن يوم القيامة عن ألوان النعم التى منحكم الله - تعالى - إياها ، فمن أدى ما يجب عليه نحوها من شكر الله - تعالى - عليها كان من السعداء ، ومن جحدها وغمطها وشغلته عن طاعة ربه ، وتباهى وتفاخر بها .

.

كان من الأشقياء ، كما قال - تعالى - : ( وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) فالمراد بالسؤال إنما هو سؤال التكريم والتبشير للمؤمنين الشاكرين ، وسؤال الإِهانة والتوبيخ للفاسقين الجاحدين .والآية الكريمة دعوة حارة للناس ، إلى شكر نعمه - تعالى - واستعمالها فيما خلقت له .قال القرطبى ما ملخصه : والسؤال يكون للمؤمن والكافر .

.

والجمع بين الأخبار التى وردت فى ذلك : أن الكل يسألون ، ولكن سؤال الكافر توبيخ ، لأنه قد ترك الشكر ، وسؤال المؤمن سؤال تشريف ، لأنه قد شكر ، وهذا النعيم فى كل نعمة .

.نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده الشاكرين .

.وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه قولان: المسألة الأولى: في أن الذي يسأل عن النعيم من هو؟

فيه قولان: أحدهما: وهو الأظهر أنهم الكفار، قال الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار ويدل عليه وجهان الأول: ما روي أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية، قال يا رسول الله: أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم وبسر وماء عذب أن تكون من النعيم الذي نسأل عنه؟

فقال عليه الصلاة والسلام: «إنما ذلك للكفار»، ثم قرأ: ﴿ وَهَلْ نُجْزِى إِلاَّ الكفور  ﴾ والثاني: وهو أن ظاهر الآية يدل على ما ذكرناه، وذلك لأن الكفار ألهاهم التكاثر بالدنيا والتفاخر بلذاتها عن طاعة الله تعالى والاشتغال بشكره، فالله تعالى يسألهم عنها يوم القيامة حتى يظهر لهم أن الذي ظنوه سبباً لسعادتهم هو كان من أعظم أسباب الشقاء لهم في الآخرة.

والقول الثاني: أنه عام في حق المؤمن والكافر واحتجوا بأحاديث، روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة عن النعيم فيقال له: ألم نصحح لك جسمك ونروك من الماء البارد» وقال محمود بن لبيد: لما نزلت هذه السورة قالوا: يا رسول الله عن أبي نعيم: نسأل؟

إنما هما الماء والتمر وسيوفنا على عواتقنا والعدو حاضر، فعن أي نعيم نسأل؟

قال: إن ذلك سيكون وروي عن عمر أنه قال: أي نعيم نسأل عنه يا رسول الله وقد أخرجنا من ديارنا وأموالنا؟

فقال صلى الله عليه وسلم: «ظلال المساكن والأشجار والأخبية التي تقيكم من الحر والبرد والماء البارد في اليوم الحار».

وقريب منه: «من أصبح آمناً في سربه معافى في بدنه وعنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها».

وروي أن شاباً أسلم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمه رسول الله سورة ألهاكم ثم زوجه رسول الله امرأة فلما دخل عليها ورآى الجهاز العظيم والنعيم الكثير خرج وقال: لا أريد ذلك فسأله النبي عليه الصلاة والسلام عنه فقال: ألست علمتني: ﴿ ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم ﴾ وأنا لا أطيق الجواب عن ذلك.

وعن أنس لما نزلت الآية قام محتاج فقال: هل علي من النعمة شيء؟

قال: الظل والنعلان والماء البارد.

وأشهر الأخبار في هذا ما روي أنه عليه الصلاة والسلام خرج ذات ليلة إلى المسجد، فلم يلبث أن جاء أبو بكر فقال: ما أخرجك يا أبا بكر؟

قال: الجوع، قال: والله ما أخرجني إلا الذي أخرجك، ثم دخل عمر فقال: مثل ذلك، فقال: قوموا بنا إلى منزل أبي الهيثم، فدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الباب وسلم ثلاث مرات فلم يجب أحد فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت امرأته تصيح كنا نسمع صوتك لكن أردنا أن تزيد من سلامك فقال لها: خيراً، ثم قالت: بأبي أنت وأمي إن أبا الهيثم خرج يستعذب لنا الماء، ثم عمدت إلى صاع من شعير فطحنته وخبزته ورجع أبو الهيثم فذبح عناقاً وأتاهم بالرطب فأكلوا وشربوا فقال عليه الصلاة والسلام: هذا من النعيم الذي تسألون عنه وروى أيضاً: لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع عن عمره وماله وشبابه وعمله وعن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن العبد ليسأل يوم القيامة حتى عن كحل عينيه، وعن فتات الطينة بأصبعه، عن لمس ثوب أخيه».

واعلم أن الأولى أن يقال: السؤال يعم المؤمن والكافر، لكن سؤال الكافر توبيخ لأنه ترك الشكر، وسؤال المؤمن سؤال تشريف لأنه شكر وأطاع.

المسألة الثانية: ذكروا في النعيم المسئول عنه وجوهاً: أحدها: ما روي أنه خمس: شبع البطون وبارد الشراب ولذة النوم وإظلال المساكن واعتدال الخلق.

وثانيها: قال ابن مسعود: إنه الأمن والصحة والفراغ.

وثالثها: قال ابن عباس: إنه الصحة وسائر ملاذ المأكول والمشروب.

ورابعها: قال بعضهم: الانتفاع بإدراك السمع والبصر.

وخامسها: قال الحسن بن الفضل: تخفيف الشرائع وتيسير القرآن.

وسادسها: قال ابن عمر: إنه الماء البارد.

وسابعها: قال الباقر: إنه العافية، ويروى أيضاً عن جابر الجعفي قال: دخلت على الباقر فقال: ما تقول أرباب التأويل في قوله: ﴿ ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم ﴾ ؟

فقلت: يقولون الظل والماء البارد فقال: لو أنك أدخلت بيتك أحداً وأقعدته في ظل وأسقيته ماء بارداً أتمن عليه؟

فقلت: لا، قال: فالله أكرم من أن يطعم عبده ويسقيه ثم يسأله عنه، فقلت: ما تأويله؟

قال: النعيم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم أنعم الله به على هذا العالم فاستنقذهم به من الضلالة، أما سمعت قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً  ﴾ الآية.

القول الثامن: إنما يسألون عن الزائد مما لابد منه من مطعم وملبس ومسكن.

والتاسع: وهو الأولى أنه يجب حمله على جميع النعم، ويدل عليه وجوه: أحدها: أن الألف واللام يفيدان الاستغراق.

وثانيها: أنه ليس صرف اللفظ إلى البعض أولى من صرفه إلى الباقي لاسيما وقد دل الدليل على أن المطلوب من منافع هذه الدنيا اشتغال العبد بعبودية الله تعالى.

وثالثها: أنه تعالى قال: ﴿ يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ  ﴾ والمراد منه جميع النعم من فلق البحر والإنجاء من فرعون وإنزال المن والسلوى فكذا هاهنا.

ورابعها: أن النعيم التام كالشيء الواحد الذي له أبعاض وأعضاء فإذا أشير إلى النعيم فقد دخل فيه الكل، كما أن الترياق اسم للمعجون المركب من الأدوية الكثيرة فإذا ذكر الترياق فقد دخل الكل فيه.

واعلم أن النعم أقسام فمنها ظاهرة وباطنة، ومنها متصلة ومنفصلة، ومنها دينية ودنيوية، وقد ذكرنا أقسام السعادات بحسب الجنس في تفسير أول هذه السورة، وأما تعديدها بحسب النوع والشخص فغير ممكن على ما قاله تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا  ﴾ واستعن في معرفة نعم الله عليك في صحة بدنك بالأطباء، ثم هم أشد الخلق غفلة، وفي معرفة نعم الله عليك بخلق السموات والكواكب بالمنجمين، وهم أشد الناس جهلاً بالصانع، وفي معرفة سلطان الله بالملوك، ثم هم أجهل الخلق، وأما الذي يروى عن ابن عمر أنه الماء البارد فمعناه هذا من جملته، ولعله إنما خصه بالذكر لأنه أهون موجود وأعز مفقود، ومنه قول ابن السماك للرشيد: أرأيت لو احتجت إلى شربة ماء في فلاة أكنت تبذل فيه نصف الملك؟

فلا تغتر بملك كانت الشربة الواحدة من الماء قيمته مرتين؛ أو لأن أهل النار يطلبون الماء أشد من طلبهم لغيره، قال تعالى: ﴿ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الماء  ﴾ أو لأن السورة نزلت في المترفين، وهم المختصون بالماء البارد والظل، والحق أن السؤال يعم المؤمن والكافر عن جميع النعيم سواء كان مما لابد منه (أو لا)، وليس كذلك لأن كل ذلك يجب أن يكون مصروفاً إلى طاعة الله لا إلى معصيته، فيكون السؤال واقعاً عن الكل، ويؤكده ما روى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به فكل النعيم من الله تعالى داخل فيما ذكره عليه الصلاة والسلام.

المسألة الثالثة: اختلفوا في أن هذا السؤال أين يكون؟.

فالقول الأول: أن هذا السؤال إنما يكون في موقف الحساب، فإن قيل: هذا لا يستقيم، لأنه تعالى أخبر أن هذا السؤال متأخر عن مشاهدة جهنم بقوله: ﴿ ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ ﴾ وموقف السؤال متقدم على مشاهدة جهنم؟

قلنا: المراد من قوله: ﴿ ثُمَّ ﴾ أي ثم أخبركم أنكم تسألون يوم القيامة، وهو كقوله: ﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ  أَوْ إِطْعَٰمٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ  يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ  أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ  ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَتَوَاصَوْا بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِٱلْمَرْحَمَةِ  ﴾ .

القول الثاني: أنهم إذا دخلوا النار سئلوا عن النعيم توبيخاً لهم، كما قال: ﴿ كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا  ﴾ وقال: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ  ﴾ ولا شك أن مجيء الرسول نعمة من الله، فقد سئلوا عنه بعد دخولهم النار، أو يقال: إنهم إذا صاروا في الجحيم وشاهدوها، يقال لهم: إنما حل بكم هذا العذاب لأنكم في دار الدنيا اشتغلتم بالنعيم عن العمل الذي ينجيكم من هذه النار، ولو صرفتم عمركم إلى طاعة ربكم لكنتم اليوم من أهل النجاة الفائزين بالدرجات، فيكون ذلك من الملائكة سؤالاً عن نعيمهم في الدنيا، والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ألهاه عن كذا وأقهاه: إذا شغله.

و ﴿ التكاثر ﴾ التباري في الكثرة والتباهي بها، وأن يقول هؤلاء: نحن أكثر، وهؤلاء: نحن أكثر.

روي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا أيهم أكثر عدداً، فكثرهم بنو عبد مناف فقالت بنو سهم: إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعادّونا بالأحياء والأموات، فكثرتهم بنو سهم.

والمعنى: أنكم تكاثرتم بالأحياء حتى إذا استوعبتم عددهم صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات: عبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة المقابر تهكماً بهم.

وقيل: كانوا يزورون المقابر فيقولون: هذا قبر فلان وهذا قبر فلان عند تفاخرهم.

والمعنى: ألهاكم ذلك- وهو مما لا يعينكم ولا يجدي عليكم في دنياكم وآخرتكم- عما يعينكم من أمر الدين الذي هو أهم وأعني من كل مهم.

أو أراد ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد إلى أن متم وقبرتم.

منفقين أعماركم في طلب الدنيا والاستباق إليها والتهالك عليها، إلى أن أتاكم الموت لا همّ لكم غيرها، عما هو أولى بكم من السعي لعاقبتكم والعمل لآخرتكم.

وزيارة القبور: عبارة عن الموت.

قال: لَنْ يُخْلِصَ الْعَامَ خَلِيلٌ عِشْراً ** ذَاقَ الضِّمَادَ أَوْ يَزُورَ الْقَبْرا وقال: زَارَ الْقُبُورَ أَبُو مَالِكٍ ** فَأَصْبَحَ أَلأمَّ زُوَّارِهَا وقرأ ابن عباس: ﴿ أألهاكم ﴾ ؟

على الاستفهام الذي معناه التقرير ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع وتنبيه على أنه لا ينبغي للناظر لنفسه أن تكون الدنيا جميع همه ولا يهتم بدينه ﴿ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ إنذار ليخافوا فيتنبهوا من غفلتهم.

والتكرير: تأكيد للردع والأنذار عليهم.

و(ثم) دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأوّل وأشد، كما تقول للمنصوح: أقول لك ثم أقول لك: لا تفعل، والمعنى: سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدّامكم من هول لقاء الله، وإنّ هذا التنبيه نصيحة لكم ورحمة عليكم.

ثم كرّر التنبيه أيضاً وقال: ﴿ لَّوْ تَعْلَمُونَ ﴾ محذوف الجواب، يعني: لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر اليقين، أي: كعلمكم ما تستيقنونه من الأمور التي وكلتم بعملها هممكم: لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه؛ ولكنكم ضلال جهلة؛ ثم قال: ﴿ لَتَرَوُنَّ الجحيم (6) ﴾ فبين لهم ما أنذرهم منه وأوعدهم به؛ وقد مرّ ما في إيضاح الشيء بعد إبهامه من تفخيمه وتعظيمه، وهو جواب قسم محذوف، والقسم لتوكيد الوعيد، وأن ما أوعدوا به ما لا مدخل فيه للريب؛ وكرره معطوفاً بثم تغليظاً في التهديد وزيادة في التهويل.

وقرئ: ﴿ لترؤن ﴾ بالهمز وهي مستكرهة.

فإن قلت: لم استكرهت والواو المضمومة قَلَبَهَا همزة قياس مطرد؟

قلت: ذاك في الواو التي ضمتها لازمة، وهذه عارضة لالتقاء الساكنين.

وقرئ: ﴿ لترون ﴾ ولترونها: على البناء للمفعول ﴿ عَيْنَ اليقين ﴾ أي: الرؤية التي هي نفس اليقين وخالصته.

ويجوز أن يراد بالرؤية: العلم والإبصار ﴿ عَنِ النعيم ﴾ عن اللهو والتنعم الذي شغلكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه.

فإن قلت: ما النعيم الذي يسئل عنه الإنسان ويعاتب عليه؟

فما من أحد إلاّ وله نعيم؟

قلت: هو نعيم من عكف همته على استيفاء اللذات، ولم يعش إلاّ ليأكل الطيب ويلبس اللين، ويقطع أوقاته باللهو والطرب، لا يعبأ بالعلم والعمل، ولا يحمّل نفسه مشاقهما؛ فأما من تمتع بنعمة الله وأرزاقه التي لم يخلقها إلاّ لعباده، وتقوّى بها على دراسة العلم والقيام بالعمل، وكان ناهضاً بالشكر: فهو من ذاك بمعزل؛ وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي: أنه أكل هو وأصحابه تمر وشربوا عليه ماء فقال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ألهاكم التكاثر لم يحاسبه الله بالنعيم الذي أنعم به عليه في دار الدنيا، وأعطي من الأجر كأنما قرأ ألف آية» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، أوِ الأوْلى إذا رَأيْتَهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ والثّانِيَةُ إذا ورَدُوها، أوِ المُرادُ بِالأُولى المَعْرِفَةُ وبِالثّانِيَةِ الإبْصارُ.

﴿ عَيْنَ اليَقِينِ ﴾ أيِ الرُّؤْيَةَ الَّتِي هي نَفْسُ اليَقِينِ، فَإنَّ عِلْمَ المُشاهَدَةِ أعْلى مَراتِبِ اليَقِينِ.

﴿ ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ الَّذِي ألْهاكُمْ، والخِطابُ مَخْصُوصٌ بِكُلِّ مَن ألْهاهُ دُنْياهُ عَنْ دِينِهِ والنَّعِيمِ بِما يَشْغَلُهُ لِلْقَرِينَةِ والنُّصُوصِ الكَثِيرَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ ﴾ ﴿ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ وقِيلَ: يَعُمّانِ إذْ كُلٌّ يَسْألُ عَنْ شُكْرِهِ.

وقِيلَ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالكُفّارِ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ ألْهاكم لَمْ يُحاسِبْهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالنَّعِيمِ الَّذِي أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ في دارِ الدُّنْيا، وأُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَأنَّما قَرَأ ألْفَ آيَةٍ».»

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ثم لتسألن يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم} عن الأمن والصحة فيم أفنيتموهما عن ابن مسعود رضى الله عنه وقيل عن التنعيم الذي شغلكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه وعن الحسن ما سوى كنّ يؤويه وثوب يواريه وكسرة تقويه وقد روي مرفوعاً والله أعلم

سورة العصر مختلف فيها وهي ثلاث آيات

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ قِيلَ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ ومُقاتِلٍ واخْتارَهُ الطِّيبِيُّ.

و«النَّعِيمِ» عامٌّ لِكُلِّ ما يُتَلَذَّذُ بِهِ مِن مَطْعَمٍ ومَشْرَبٍ ومَفْرَشٍ ومَرْكَبٍ، وكَذا قِيلَ في الخِطاباتِ السّابِقَةِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ صَرَّحَ بِأنَّ الخِطابَ فِي: ﴿ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ، وحَمَلُوا الرُّؤْيَةَ عَلَيْهِ عَلى رُؤْيَةِ الدُّخُولِ، وحَمَلُوا السُّؤالَ هُنا عَلى سُؤالِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِما أنَّهم لَمْ يُشْرِكُوا ذَلِكَ بِالإيمانِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ، والسُّؤالُ قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ رُؤْيَةِ الجَحِيمِ ودُخُولِها كَما يُسْألُونَ كَذَلِكَ عَنْ أشْياءَ أُخَرَ عَلى ما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ما سَلَكَكم في سَقَرَ ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ إذْ ذاكَ أشَدُّ إيلامًا وأدْعى لِلِاعْتِرافِ بِالتَّقْصِيرِ، فَثُمَّ عَلى ظاهِرِها، وأنْ يَكُونَ في مَوْقِفِ الحِسابِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَتَكُونُ «ثُمَّ» لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ، وقِيلَ: الخِطابُ مَخْصُوصٌ بِكُلِّ مَن ألْهاهُ دُنْياهُ عَنْ دِينِهِ، والنَّعِيمُ مَخْصُوصٌ بِما شَغَلَهُ عَنْ ذَلِكَ لِظُهُورِ أنَّ الخِطابَ في ﴿ ألْهاكُمُ ﴾ إلَخْ لِلْمُلْهَيْنِ فَيَكُونُ قَرِينَةً عَلى ما ذُكِرَ ولِلنُّصُوصِ الكَثِيرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ ﴾ و ﴿ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ وهَذا أيْضًا يَحْمِلُ السُّؤالَ عَلى سُؤالِ التَّوْبِيخِ، ويَدْخُلُ فِيما ذِكْرُ الكُفّارِ وفَسَقَةِ المُؤْمِنِينَ.

وقِيلَ: الخِطابُ عامٌّ وكَذا السُّؤالُ يَعُمُّ سُؤالَ التَّوْبِيخِ وغَيْرَهُ، والنَّعِيمُ خاصٌّ، واخْتُلِفَ فِيهِ عَلى أقْوالٍ.

فَأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: ««هُوَ الأمْنُ والصِّحَّةُ»».

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: النَّعِيمُ العافِيَةُ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مَرْفُوعًا: «أكْلُ خُبْزِ البُرِّ، والنَّوْمُ في الظِّلِّ، وشُرْبُ ماءِ الفُراتِ مُبَرَّدًا»».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ مَرْفُوعًا: ««النَّعِيمُ المَسْؤُولُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ كَسْرَةٌ تَقُوتُهُ، وماءٌ يَرْوِيهِ، وثَوْبٌ يُوارِيهِ»».

وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُفَسِّرُهُ قالَ: «الخِصافُ والماءُ وفَلْقُ الكِسَرِ»».

ورُوِيَ عَنْهُ وعَنْ جابِرٍ أنَّهُ مَلاذُ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ.

وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هو تَخْفِيفُ الشَّرائِعِ وتَيْسِيرُ القُرْآنِ.

ويُرْوى عَنْ جابِرٍ الجَعْفِيِّ مِنَ الإمامِيَّةِ قالَ: دَخَلْتُ عَلى الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: ما يَقُولُ أرْبابُ التَّأْوِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ ؟

فَقُلْتُ: يَقُولُونَ: الظِّلُّ والماءُ البارِدُ.

فَقالَ: لَوْ أنَّكَ أدْخَلَتْ بَيْتَكَ أحَدًا وأقْعَدْتَهُ في ظِلٍّ، وسَقَيْتَهُ.

أتَمُنُّ عَلَيْهِ؟

قُلْتُ: لا.

فَقالَ: فاللَّهُ تَعالى أكْرَمُ مِن أنْ يُطْعِمَ عَبْدَهُ ويَسْقِيَهُ ثُمَّ يَسْألُهُ عَنْهُ.

قُلْتُ: ما تَأْوِيلُهُ؟

قالَ: النَّعِيمُ هو رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلى أهْلِ العالَمِ فاسْتَنْقَذَهم بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ، أما سَمِعْتَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا ﴾ .

ومِن رِوايَةِ العَيّاشِيِّ مِنَ الإمامِيَّةِ أيْضًا أنَّ أبا عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ لِأبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الآيَةِ: ما النَّعِيمُ عِنْدَكَ يا نُعْمانُ؟

فَقالَ: القُوتُ مِنَ الطَّعامِ والماءُ البارِدُ.

فَقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَئِنْ أوْقَفَكَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ يَدَيْهِ حَتّى يَسْألَكَ عَنْ كُلِّ أكْلَةٍ أكَلْتَها أوْ شَرْبَةٍ شَرِبْتَها لِيَطُولَنَّ وُقُوفُكَ بَيْنَ يَدَيْهِ.

فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: فَما النَّعِيمُ؟

قالَ: نَحْنُ -أهْلَ البَيْتِ- النَّعِيمُ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِنا عَلى العِبادِ وبِنا ائْتَلَفُوا بَعْدَ أنْ كانُوا مُخْتَلِفِينَ، وبِنا ألَّفَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وجَعَلَهم إخْوانًا بَعْدَ أنْ كانُوا أعْداءً، وبِنا هُداهم إلى الإسْلامِ وهو النِّعْمَةُ الَّتِي لا تَنْقَطِعُ واللَّهُ تَعالى سائِلُهم عَنْ حَقِّ النَّعِيمِ الَّذِي أنْعَمَ سُبْحانَهُ بِهِ عَلَيْهِمْ وهو مُحَمَّدٌ وعِتْرَتُهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وكِلا الخَبَرَيْنِ لا أرى لَهُما صِحَّةً وفِيهِما ما يُنادِي عَنْ عَدَمِ صِحَّتِهِما كَما لا يَخْفى عَلى مَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، والحَقُّ عُمُومُ الخِطابِ والنَّعِيمِ بَيْدَ أنَّ المُؤْمِنَ لا يُثَرَّبُ عَلَيْهِ في شَيْءٍ نالَهُ مِنهُ في الدُّنْيا، بَلْ يُسْألُ غَيْرَ مُثَرَّبٍ، وإنَّما يُثَرَّبُ عَلى الكافِرِ كَما ورَدَ ذَلِكَ في حَدِيثٍ رَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

ويَدُلُّ عَلى عُمُومِ الخِطابِ ما أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وآخَرُونَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذاتَ يَوْمٍ فَإذا هو بِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَقالَ: «ما أخْرَجَكُما مِن بُيُوتِكُما هَذِهِ السّاعَةَ؟».

قالا: الجُوعُ يا رَسُولَ اللَّهِ.

قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرَجَنِي الَّذِي أخْرَجَكُما فَقُومُوا».

فَقامُوا مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأتى رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَإذا هو لَيْسَ في بَيْتِهِ فَلَمّا رَأتْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَرْأةُ قالَتْ: مَرْحَبًا.

فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أيْنَ فُلانٌ؟» قالَتِ: انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنا الماءَ، إذْ جاءَ الأنْصارِيُّ فَنَظَرَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وصاحِبَيْهِ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ ما أحَدٌ اليَوْمَ أكْرَمَ أضْيافًا مِنِّي.

فانْطَلَقَ فَجاءَ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وتَمْرٌ، فَقالَ: كُلُوا مِن هَذا.

وأخَذَ المُدْيَةَ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إيّاكَ والحَلُوبَ».

فَذَبَحَ لَهم فَأكَلُوا مِنَ الشّاةِ ومِن ذَلِكَ العِذْقِ وشَرِبُوا.

فَلَمّا شَبِعُوا ورَوَوْا قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْألُنَّ عَنْ هَذا النَّعِيمِ يَوْمَ القِيامَةِ»».

وفِي رِوايَةِ ابْنِ حِبّانَ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وصاحِبَيْهِ انْطَلَقُوا إلى مَنزِلِ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ فَقالَتِ امْرَأتُهُ: مَرْحَبًا بِنَبِيِّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ، فَجاءَ أبُو أيُّوبَ فَقَطَعَ عِذْقًا فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما أرَدْتُ أنْ تَقْطَعَ لَنا هَذا ألا جَنَيْتَ مِن تَمْرِهِ؟» قالَ: أحْبَبْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ تَأْكُلُوا مِن تَمْرِهِ وبُسْرِهِ ورُطَبِهِ.

ثُمَّ ذَبَحَ جَدْيًا فَشَوى نِصْفَهُ وطَبَخَ نَصْفَهُ، فَلَمّا وُضِعَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخَذَ مِنَ الجَدْيِ فَجَعَلَهُ في رَغِيفٍ.

وقالَ: «يا أبا أيُّوبَ، أبْلِغْ هَذا فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها؛ فَإنَّها لَمْ تُصِبْ مِثْلَ هَذا مُنْذُ أيّامٍ، فَذَهَبَ بِهِ أبُو أيُّوبَ إلى فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، فَلَمّا أكَلُوا وشَبِعُوا قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «خُبْزٌ ولَحْمٌ وتَمْرٌ وبْسْرٌ ورُطَبٌ».

ودَمَعَتْ عَيْناهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ هَذا لَهو النَّعِيمُ الَّذِي تُسْألُونَ عَنْهُ.

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ فَهَذا النَّعِيمُ الَّذِي تُسْألُونَ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ».

فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «بَلى، إذا أصَبْتُمْ مِثْلَ هَذا فَضَرَبْتُمْ بِأيْدِيكم فَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، فَإذا شَبِعْتُمْ فَقُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أشْبَعَنا وأنْعَمَ عَلَيْنا وأفْضَلَ؛ فَإنَّ هَذا كَفافٌ بِذاكَ»».

ولَيْسَ المُرادُ في هَذا الخَبَرِ حَصْرَ النَّعِيمِ مُطْلَقًا فِيما ذُكِرَ بَلْ حَصْرُ النَّعِيمِ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي كانُوا فِيهِ جِياعًا وكَذا فِيما يَصِحُّ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي فِيها الِاقْتِصارُ عَلى شَيْءٍ أوْ شَيْئَيْنِ أوْ أكْثَرَ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ بِبَعْضِ أفْرادٍ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأمْرٍ اقْتَضاهُ الحالُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في غَيْرِ رِوايَةٍ عِنْدَ ذِكْرِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ: «هَذا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْألُونَ عَنْهُ بِمَن التَّبْعِيضِيَّةِ.

وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ: الحَقُّ أنَّ السُّؤالَ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ عَنْ جَمِيعِ النِّعَمِ سَواءٌ كانَ ما لا بُدَّ مِنهُ أوْ لا؛ لِأنَّ كُلَّ ما يَهَبُ اللَّهُ تَعالى يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَصْرُوفًا إلى طاعَتِهِ سُبْحانَهُ لا إلى مَعْصِيَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَكُونُ السُّؤالُ واقِعًا عَنِ الكُلِّ ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لا تَزُولُ قَدَما العَبْدِ حَتّى يُسْألَ عَنْ أرْبَعٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أفْناهُ، وعَنْ شَبابِهِ فِيمَ أبْلاهُ، وعَنْ مالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وفِيمَ أنْفَقَهُ، وعَنْ عِلْمِهِ ماذا عَمِلَ بِهِ»».

لِأنَّ كُلَّ نَعِيمٍ داخِلٌ فِيما ذَكَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُشْكِلُ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الإمامِ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ثَلاثٌ لا يُحاسَبُ بِهِنَّ العَبْدُ: ظِلُّ خُصٍّ يَسْتَظِلُّ بِهِ، وكِسْرَةٌ يَشُدُ بِها صُلْبَهُ، وثَوْبٌ يُوارِي بِهِ عَوْرَتَهُ»».

وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنْ صَحَّ فالمُرادُ لا يُناقَشُ الحِسابَ بِهِنَّ.

وقِيلَ: المُرادُ ما يُضْطَرُّ العَبْدُ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ لِحَياتِهِ فَتَأمَّلْ.

ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ الطَّعامَ الَّذِي يُؤْكَلُ مَعَ اليَتِيمِ لا يُسْألُ عَنْهُ، وكانَ ذَلِكَ لِأنَّ في الأكْلِ مَعَهُ جَبْرًا لِقَلْبِهِ وإزالَةً لِوَحْشَتِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الشُّكْرِ فَلا يُسْألُ عَنْهُ سُؤالَ تَقْرِيعٍ.

وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ ذَلِكَ شَيْءٌ.

واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مختلف فيها وهي ثمان آيات مكية قوله تعالى أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ قال الكلبي نزلت في حَيَّيْن من العرب أحدهما بنو عبد مناف والآخر بنو سهم تفاخرا في الكثرة فكثرتهم بنو عبد مناف فقال بنو سهم إنا البغي والقتال قد أهلكنا فقد أحيانا وأحياكم وأمواتنا وأمواتكم ففعلوا فكثرتهم بنو سهم فنزل (أَلْهَاكُمُ التكاثر) يعني: شغلكم وأذهلكم التفاخر حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ يعني: أتيتم وذكرتم وعددتم أهل المقابر يعني: حتى يدرككم الموت على تلك الحال وروي عن النبي  أنه قرأ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ ثم قال يقول بني آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فَأَفْنَيْتَ أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت ويقال معناه أغفلكم التفاخر والتكاثر عن الهاوية والنار الحامية حتى زرتم المقابر يعني: عددتم مَنْ في المقابر ثم قال كَلَّا وهو رد على صنيعكم ويقال (كلا) معناه أي لاَ تَدَعون الفخر بالأحساب حتى زرتم المقابر وقال الزجاج كلا ردع لهم وتنبيه يعني: ليس الأمر الذي أن يكون عليه التكاثر والذي ينبغي أن يكونوا عليه طاعة الله تعالى والإيمان بنبيه محمد  سَوْفَ تَعْلَمُونَ إذا نزل بكم الموت ويقال (كلا سوف تعلمون) إن سئلتم في القبر ثم قال ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ بعد الموت حين نزل بكم العذاب لأن الأحساب لا تنفعكم قوله تعالى كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ قال بعضهم معناه لا لا تؤمنون بالوعيد وقد تم الكلام ثم استأنف فقال عِلْمَ الْيَقِينِ يعني: لو تعلمون ما القيامة باليقين لألهاكم عن ذلك ويقال هذا موصول به كلا لو تعلمون يقول حقاً لو علمتم علم اليقين بأن المال والحسب والفخر لا ينفعكم يوم القيامة ما افتخرتم بالمال والعدد والحسب ثم قال عز وجل لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ قرأ ابن عامر والكسائي لَتَرَوُنَّ بضم التاء والباقون بالنصب فمن قرأ بالضم فهو على فعل ما لم يسم فاعله ونصب الجحيم على أنه مفعول به ثان، ومن قرأ بالنصب فعلى فعل المخاطبة ونصب الجحيم لأنه مفعول يعني: لترون الجحيم يوم القيامة عياناً ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ يعني: يدخلونها عياناً لا شك فيه ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ يعني: ولتسألن يوم القيامة عن النعيم قال علي بن أبي طالب  من أكل خبزاً يابساً وشرب الماء من الفرات فقد أصاب النعيم وقال ابن مسعود  هو الأمن والصحة وروى حماد بن سلمة عن أبيه عمار بن أبي عمار عن جابر أنه قال جاءنا رسول الله  وأبو بكر وعمر  ما فأطعمناهم رطباً وأسقيناهم الماء فقال رسول الله  «هذا من النعيم الذي تَسْأَلُونَ عَنْهُ» وروى صالح بن محمد عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال إن أبا بكر سأل رسول الله  عن أكلة أكلها مع رسول الله  في بيت أبي الهيثم بن التيهان من لحم وخبز وشعير وبسر مذنب وماء عذب فقال لرسول الله  : أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه فقال النبي  : «إنَّمَا ذلك لِلكُفَّارِ ثُمَّ قَالَ ثَلاَثَةٌ لا يَسْأَلُ الله تَعالَى عَنْهَا العَبْدَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَا يُوارِي عَوْرَتَهُ وَمَا يُقِيمُ بِهِ صُلْبُهُ وَمَا يَكُفُّهُ عَنِ الحَرِّ والقُرِّ وَهُوَ مَسْؤُولٌ بَعْدَ ذلك عَنْ كُلِّ نِعْمَةٍ» وروى الحسن عن رسول الله  أنه قال «مَا أَنْعَمَ الله تَعَالَى عَلَى العَبْدِ مِنْ نِعْمَةٍ صَغِيرَةٍ أوْ كَبِيرَةٍ فَيَقُولُ عَلَيْهَا الحَمْدُ لله إِلاَّ أَعْطَاهُ الله تَعَالى خَيْراً مِمَّا أَخَذَ» والله أعلم وعن رسول الله  أنه قال: «من قرأ سُورَةِ التَّكَاثُر لَمْ يُحَاسِبْهُ الله تَعَالَى بِالنَّعِيمِ الَّذِي أَنْعَمَ بِهِ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا وَأُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ كأنّما قرأ القرآن» .

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بهمزَتَيْنِ، ومعنى الاستفهامِ التوبيخُ والتقريرُ، انتهى، قال الفخر: اعْلَمْ أنَّ أهم الأمور وأولاها بالرعايةِ تَرْقِيقُ القلبِ، وإزالَةُ حُبِّ الدنيا منه، ومُشَاهَدَةُ القبورِ تُورِثُ ذلكَ كما ورد/ به الخَبَرُ، انتهى.

وقوله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ زَجْرٌ ووعيدٌ، ثم كُرِّرَ تَأكِيداً، ويأخذ كل إنسانٍ من هذا الزجرِ والوعيدِ المُكَرَّرِ على قدر حظِّهِ من التوغُّلِ فيما يُكْرَه هذا تأويل الجمهور، وقال عليٌّ: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القبرِ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في البَعْثِ «١» ، قال الفخر «٢» : وفي الآيةِ تَهْدِيدٌ عظيمٌ للعلماءِ فَإنها دالة على أنه لَوْ حَصَلَ اليقينُ لَتَرَكُوا التكاثُرَ والتَّفَاخُرَ فهذا يَقْتَضِي أنَّ مَنْ لا يتركُ التكاثرَ والتفاخرَ أنْ لاَ يكونَ اليقينُ حَاصِلاً له فالويلُ للعالمِ الذي لا يكون عاقلا ثم الويل له، انتهى.

وقوله تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ جوابُ «لو» محذوفٌ تقديرهُ لاَزْدُجِرْتُمْ، [وبَادَرْتُم] إنقاذَ أنفُسِكم من الهَلَكَةِ، واليقينُ أعلى مراتبِ العلم، ثم أخْبَرَ تعالى الناسَ أنَّهُم يَرَوْنَ الجحيمَ، وقال ابن عباس: هذا خطابٌ للمشركينَ والمَعْنَى على هذا التأويلِ: أنها رؤيةُ دخولٍ وصَلْيٍ وَهُوَ عينُ اليقينِ لَهُم «٣» ، وقال آخرونَ: الخطابُ للناسِ كلِّهم، فهي كقوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: ٧١] فالمعنى أنّ الجميعَ يَرَاها ويجوزُ النَّاجِي وَيَتَكَرْدَسُ فيها الكافرُ، - ص-: لَتَرَوُنَّ ابن عامر والكسائي- بضم التاء-، والباقون بفتحها «٤» ، انتهى.

وقوله تعالى: ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ تأكيدٌ في الخبرِ، وعينُ اليقينِ: حقيقتُه وغايتُه، ثم أخْبَر تعالى أنّ الناسَ مَسْؤولونَ يَوْمَئِذٍ عَنْ نعيمِهم في الدنيا كيفَ نالُوه ولِمَ آثَرُوهُ، وتَتَوَجَّهُ في هذا أسئلةٌ كَثِيرَةٌ بِحَسَبِ شَخْصٍ شَخْصٍ، وهِيَ مُنْقَادَةٌ لِمَنْ أُعْطِيَ فَهْماً في كتاب الله- عز وجل، - وقد قال صلّى الله عليه وسلّم/ لأصحابه: «والّذي نفسي بيده، لتسألنّ عن

نَعِيمِ هذا الْيَوْمِ» «١» ، الحديثُ في الصحيح إذْ ذَبَحَ لَهُمْ أبُو الهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ شَاةً وَأَطْعَمَهُمْ خُبْزاً وَرُطَباً، واستعذب لَهُمْ مَاءً، وَعَنْ أبي هريرةَ في حديثهِ في مسيرِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكرٍ وعمرَ إلى بَيْتِ أبي الهَيْثَمِ، وأكلهم الرطب واللّحم وشربهم الماء، وقوله صلّى الله عليه وسلّم هذا هُوَ النَّعِيمُ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وإنَّ ذَلِكَ كَبُرَ على أصحابهِ، وإنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَال: «إذا أَصَبْتُمْ مِثْلَ هذا وَضَرَبْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ، فَقُولُوا: باسم اللَّهِ، وعلى بَرَكَةِ اللَّهِ، وَإذَا شَبِعْتُمْ، فَقُولُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَشْبَعَنَا وَأَرْوَانَا، وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا وَأَفْضَلَ، فَإنَّ هذا كَفَافٌ [بِذَاكَ] » هذا مختصرٌ «٢» رواه الحاكم في المستدركِ، انتهى من «سلاح المؤمن» قال الداوديُّ: وعن الحسنِ وقَتَادَة: ثَلاَثٌ لا يَسْأَلُ اللَّهُ عنهنّ ابنَ آدمَ ومَا عَدَاهُنَّ فيه الحسابُ والسؤال إلا مَا شَاءَ اللَّهُ: كسوةٌ يوارِي بها سوءَتَه، وكِسْرَةٌ يَشُدَّ بِهَا صلبَه، وبيتٌ يُكِنُّه مِنَ الحرّ والبرد، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ التَّكاثُرِ وَفِي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ اليَهُودَ قالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ مِن بَنِي فُلانٍ، وبَنُو فُلانٍ أكْثَرُ مَن بَنِي فُلانٍ، فَألْهاهم ذَلِكَ حَتّى ماتُوا ضُلّالًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِيهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّ حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ: بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي سَهْمٍ كانَ بَيْنَهُما لِحاءٌ، فَقالَ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا، وأعَزُّ نَفَرًا.

وقالَ أُولَئِكَ مِثْلَ هَذا، فَتَعادُّوا السّادَةَ والأشْرافَ أيُّهم أكْثَرُ، فَكَثَّرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، ثُمَّ قالُوا: نَعُدُّ مَوْتانا، فَزارُوا القُبُورَ، فَعَدُّوا مَوْتاهُمْ، فَكَثَّرَهم بَنُو سَهْمٍ، لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِيهِمْ قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألْهاكُمُ ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ عِمْرانَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " أألْهاكم " بِهَمْزَتَيْنِ مَقْصُورَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ.

وقَرَأ مُعاوِيَةُ، وعائِشَةُ " آلْهاكم " بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ اسْتِفْهامًا أيْضًا.

ومَعْنى ألْهاكُمْ: شَغَلَكم عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ.

وفي المُرادِ بِالتَّكاثُرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: التَّفاخُرُ بِالقَبائِلِ والعَشائِرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ والتِّجارَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: حَتّى أدْرَكَكُمُ المَوْتُ عَلى تِلْكَ الحالِ، حَضَرْتُمْ في المَقابِرِ زُوّارًا تَرْجِعُونَ مِنها إلى مَنازِلِكم مِنَ الجَنَّةِ أوِ النّارِ، كَرُجُوعِ الزّائِرِ إلى مَنزِلِهِ.

والثّانِي: حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ فَعَدَدْتُمْ مَن فِيها مِن مَوْتاكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ.

والمَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ التَّكاثُرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ عاقِبَةَ تَكاثُرِكم وتَفاخُرِكم إذا نَزَلَ بِكُمُ المَوْتُ.

وقِيلَ: العِلْمُ الأوَّلُ: يَقَعُ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ.

والثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ القَبْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ ﴾ المَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ الأمْرَ عِلْمًا يَقِينًا لَشَغَلَكم ما تَعْلَمُونَ عَنِ التَّكاثُرِ، والتَّفاخُرِ.

وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ: وهو ما ذَكَرْنا.

ثُمَّ أوْعَدَهم وعِيدًا آخَرَ فَقالَ تَعالى: ﴿ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ " لَتَرَوُنَّ " " ثُمَّ لَتَرَوُنَّها " بِفَتْحِ التّاءِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " لَتُرَوُنَّ " " لَتُرَوُنَّها " بِضَمِّ التّاءِ فِيهِما مِن غَيْرِ هَمْزٍ ﴿ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ ﴾ أيْ: مُشاهَدَةً، فَكانَ المُرادُ بِـ ﴿ عَيْنَ اليَقِينِ ﴾ نَفْسَهُ، لِأنَّ عَيْنَ الشَّيْءِ: ذاتُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ اخْتَلَفُوا، هَلْ هَذا السُّؤالُ عامٌّ، أمْ لا؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خاصٌّ لِلْكُفّارِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: عامٌّ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالنَّعِيمِ عَشْرَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الأمْنُ والصِّحَّةُ، رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ  ، وتارَةً يَأْتِي مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ الماءُ البارِدُ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  .

والثّالِثُ: أنَّهُ خُبْزُ البُرِّ والماءُ العَذْبُ، قالَهُ أبُو أُمامَةَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ مَلاذُّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

والخامِسُ: أنَّهُ صِحَّةُ الأبْدانِ، والأسْماعِ، والأبْصارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ قَتادَةُ: هو العافِيَةُ.

والسّادِسُ: أنَّهُ الغَداءُ والعَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والسّابِعُ: الصِّحَّةُ والفَراغُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّامِنُ: كُلُّ شَيْءٍ مِن لَذَّةِ الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والتّاسِعُ: أنَّهُ إنْعامُ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ بِإرْسالِ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ القُرَظِيُّ.

والعاشِرُ: أنَّهُ صُنُوفُ النِّعَمِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والصَّحِيحُ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ نَعِيمٍ، وعامٌّ في جَمِيعِ الخَلْقِ، فالكافِرُ يُسْألُ تَوْبِيخًا إذا لَمْ يَشْكُرِ المُنْعِمَ، ولَمْ يُوَحِّدْهُ.

والمُؤْمِنُ يُسْألُ عَنْ شُكْرِها.

وفي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: " ثَلاثٌ لا أسْألُ عَبْدِي عَنْ شُكْرِهِنَّ وأسْألُهُ عَمّا سِوى ذَلِكَ، بَيْتٌ يُكِنُّهُ، وما يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ مِنَ الطَّعامِ، وما يُوارِي بِهِ عَوْرَتَهُ مِنَ اللِّباسِ» " .

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَكاثُرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ لا أعْلَمُ فِيها خِلافًا.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألْهاكُمُ التَكاثُرُ ﴾ ﴿ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ ﴾ ﴿ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ ﴾ ﴿ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ ﴾ ﴿ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ ﴾ ﴿ ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَعِيمِ ﴾ "ألْهاكُمْ" مَعْناهُ: شَغَلَكم بِلَذّاتِهِ، ومِنهُ "لَهْوُ الحَدِيثِ والأصْواتِ" واللهْوُ بِالنِساءِ، وهَذا خَبَرٌ فِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ وتَحَسُّرٌ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو صالِحٍ: "آلْهاكُمْ" عَلى الِاسْتِفْهامِ.

و"التَكاثُرُ" هو المُفاخَرَةُ بِالأمْوالِ والأولادِ والعَدَدِ جُمْلَةً، وهَذا هِجِّيرى أهْلِ الدُنْيا وأبْنائِها العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، لا يَتَخَلَّصُ مِنهُ إلّا العُلَماءُ المُتَّقُونَ، وقَدْ قالَ الأعْشى: ولِسْتُ بِالأكْثَرِ مِنهم حَصًى وإنَّما العِزَّةُ لِلْكاثِرِ وقالَ النَبِيُّ  : « "يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مالِي مالِي، وهَلْ لَكَ مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ، أو تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ"؟».

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ ﴾ ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: حَتّى ذَكَرْتُمُ المَوْتى في تَفاخُرِكم بِالآباءِ والسَلَفِ، وتَكَثَّرْتُمْ بِالعِظامِ الرَمِيمِ، وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: حَتّى مُتُّمْ وزُرْتُمْ بِأجْسادِكم مَقابِرَكُمْ، أيْ قَطَعْتُمْ بِالتَكاثُرِ أعْمارَهُمْ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ رُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: بُعِثَ القَوْمُ لِلْقِيامَةِ ورَبِّ الكَعْبَةِ، فَإنَّ الزائِرَ مُنْصَرِفٌ لا يُقِيمُ، وحَكى النَقّاشُ هَذِهِ النَزْعَة عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وقالَ آخَرُونَ: هَذا تَأْنِيبٌ عَلى الإكْثارِ مِن زِيارَةِ القُبُورِ، أيْ: جَعَلْتُمْ أشْغالَكُمُ القاطِعَةَ لَكم عَنِ العِلْمِ والتَعَلُّمِ زِيارَةُ القُبُورِ تَكَثُّرًا بِمَن سَلَفَ وإشادَةً بِذِكْرِهِ، وقالَ: ثُمَّ قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "كُنْتُ نَهَيْتُكم عن زِيارَةِ القُبُورِ فَزُورُوها ولا تَقُولُوا هَجْرًا".» فَكانَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في مَعْنى الآيَةِ، ثُمَّ أباحَ بَعْدُ لِمَعْنى الِاتِّعاظِ لا لِمَعْنى المُباهاةِ والِافْتِخارِ كَما يَفْعَلُ الناسُ في مُلازَمَتِها وتَسْنِيمِها بِالرُخامِ والحِجارَةِ، تَلْوِينُها سَرَفًا، وبُنْيانَ النَواوِيسِ عَلَيْها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ زَجْرٌ ووَعِيدٌ، ثُمَّ كَرَّرَ تَعالى: "كَلّا" تَأْكِيدًا، ويَأْخُذُ الناسَ مِن هَذا الزَجْرِ والوَعِيدِ المُكَرَّرَيْنِ كُلُّ أحَدٍ عَلى قَدْرِ حَظِّهِ مِنَ التَوَغُّلِ فِيما يَكْرَهُ، هَذا تَأْوِيلُ جُمْهُورِ الناسِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ "كَلّا سَتَعْلَمُونَ في القُبُورِ، كَلّا سَتَعْلَمُونَ في البَعْثِ، وقالَ الضَحّاكُ: الزَجْرُ الأوَّلُ وعِيدُهُ هو لِلْكُفّارِ والثانِي لِلْمُؤْمِنِينَ.

وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: "كَلّا سَيَعْلَمُونَ" فِيهِما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ ﴾ جَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ في القَوْلِ، أيْ: لازْدَجَرْتُمْ وبادَرْتُمْ إنْقاذَ أنْفُسِكم مِنَ الهَلَكَةِ، و"اليَقِينُ" أعْلى مَراتِبِ العِلْمِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى الناسَ أنَّهم يَرَوْنَ الجَحِيمَ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والكِسائِيُّ: "لَتُرَوْنَ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وهي الأرْجَحُ، وكَذَلِكَ في الثانِيَةِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِفَتْحِ التاءِ الأُولى وضَمِّها في الثانِيَةِ، ورُوِيَ ضَمُّها عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وعاصِمٍ.

و"تَرَوْنَ" أصْلُهُ تَرْأيُونَّ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى الراءِ، وقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِحَرَكَتِها بَعْدَ مَفْتُوحٍ ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ لِسُكُونِها وسُكُونِ الواوِ بَعْدَها ثُمَّ جُلِبَتِ النُونُ المُشَدَّدَةُ فَحُرِّكَتِ الواوُ بِالضَمِّ لِسُكُونِها وسُكُونِ النُونِ الأُولى مِنَ المُشَدَّدَةِ؛ إذْ قَدْ حُذِفَتْ نُونُ الإعْرابِ لِلْبِناءِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذا خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، فالمَعْنى -عَلى هَذا- أنَّها رُؤْيَةُ دُخُولِ وصْلِي، وهو عَيْنُ اليَقِينِ، وقالَ آخَرُونَ: الخِطابُ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ، فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها  ﴾ ، فالمَعْنى أنَّ الجَمِيعَ يَراها، ويَجُوزُ الناجِي ويَتَكَرْدَسُ فِيها الكافِرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ ﴾ تَأْكِيدٌ في الخَبَرِ، و"عَيْنَ اليَقِينِ" حَقِيقَتُهُ وغايَتُهُ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وأبِي عَمْرٍو أنَّهُما هَمْزا "لَتَرَؤُنَّ" و"لَتَرَؤُنَّها" بِخِلافٍ عنهُما، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "ثُمَّ لَتَرَوُنَّها" بِضَمِّ التاءِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الناسَ مَسْؤُولُونَ يَوْمَئِذٍ عن نَعِيمِهِمْ في الدُنْيا، كَيْفَ نالُوهُ؟

ولِمَ آثَرُوهُ؟

ويَتَوَجَّهُ في هَذا أسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ بِحَسَبِ شَخْصٍ شَخْصٍ، مِن مُنْقادَةٍ لِمَن أُعْطِيَ فَهُما في كِتابِ اللهِ تَعالى، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والشَعْبِيُّ، وسُفْيانُ، ومُجاهِدٌ: النَعِيمُ هو الأمْنُ والصِحَّةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو البَدَنُ والحَواسُّ، يُسْألُ المَرْءُ فِيما اسْتَعْمَلَها؟

وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو كُلُّ ما يُتَلَذَّذُ بِهِ مِن طَعامٍ وشَرابٍ، «وَأكَلَ رَسُولُ اللهِ  هو وبَعْضُ أصْحابِهِ رُطَبًا، وشَرِبُوا عَلَيْها ماءً فَقالَ لَهُمْ: هَذا مِنَ النَعِيمِ الَّذِي تَسْألُونَ عنهُ،»«وَمَضى عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يَوْمًا هو وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما -وَقَدْ جاعُوا- إلى مَنزِلِ أبِي الهَيْثَمِ بْنِ التِيهانِ، فَذَبَحَ لَهُما شاةً، وأطْعَمَهم خُبْزًا ورُطَبًا، واسْتَعْذَبَ لَهم ماءً، وكانُوا في ظِلٍّ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْألُنَّ عن نَعِيمِ هَذا اليَوْمِ".» ورُوِيَ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: « "النَعِيمُ المَسْئُوولُ عنهُ كَسْرَةٌ تَقُوتُهُ، وماءٌ يَرْوِيهِ، وثَوْبٌ يُوارِيهِ".» ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ  «أنَّ النَعِيمَ المَسْؤُولَ عنهُ الماءُ البارِدُ في الصَيْفِ،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مِن أكَلَ خُبْزَ البُرِّ، وشَرِبَ الماءَ البارِدَ في ظِلٍّ، فَذَلِكَ النَعِيمُ الَّذِي يُسْألُ عنهُ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "بَيْتٌ يُكَنِّكَ، وخِرْقَةٌ تُوارِيكَ، وكَسْرَةٌ تَشُدُّ قَلْبَكَ، وما سِوى ذَلِكَ فَهو نَعِيمٌ"».

وقالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "كُلُّ نَعِيمٍ فَهو مَسْؤُولٌ عنهُ، إلّا نَعِيمًا في سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ"».

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَكاثُرِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أعقب التوبيخ والوعيد على لهوهم بالتكاثر عن النظر في دعوة الإِسلام من حيث إن التكاثر صدهم عن قبول ما ينجيهم، بتهديدٍ وتخويف من مؤاخذتهم على ما في التكاثر من نعيم تمتعوا به في الدنيا ولم يشكروا الله عليه بقوله تعالى: ﴿ ثم لتسئلن يومئذٍ عن النعيم ﴾ ، أي عن النعيم الذي خولتموه في الدنيا فلم تشكروا الله عليه وكان به بَطركُم.

وعطف هذا الكلام بحرف ﴿ ثم ﴾ الدال على التراخي الرتبي في عطفه الجُملَ من أجل أن الحساب على النعيم الذي هو نعمة من الله أشدّ عليهم لأنهم ما كانوا يترقبونه، لأن تلبسهم بالإِشراك وهُم في نعيم أشد كفراناً للذي أنعم عليهم.

و ﴿ النعيم ﴾ : اسم لما يلذّ لإِنسان مما ليس ملازماً له، فالصحة وسلامة الحواس وسلامة الإِدراك والنوم واليقظة ليست من النعيم، وشرب الماء وأكل الطعام والتلذّذ بالمسموعات وبما فيه فخر وبرؤية المحاسن، تعد من النعيم.

والنعيم أخص من النعمة بكسر النون ومرادف للنَّعمة بفتح النون.

وتقدم النعيم عند قوله تعالى: ﴿ لهم فيها نعيم مقيم ﴾ في سورة براءة (21).

والخطاب موجه إلى المشركين على نسق الخطابات السابقة.

والجملة المضاف إليها (إذ) من قوله: يومئذ } محذوفة دل عليها قوله: ﴿ لترون الجحيم ﴾ [التكاثر: 6] أي يوم إذ ترون الجحيم فيغلظ عليكم العذاب.

وهذا السؤال عن النعيم الموجه إلى المشركين هو غير السؤال الذي يُسأله كل منعَم عليه فيما صرف فيه النعمة، فإن النعمة لما لم تكن خاصة بالمشركين خلافاً للتكاثر كان السؤال عنها حقيقاً بكل منعَم عليه وإن اختلفت أحوال الجزاء المترتب على هذا السؤال.

ويؤيده ما ورد في حديث مسلم عن أبي هريرة قال: " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فإذا هو بأبي بكر وعمر فقاما معه فأتى رجلاً من الأنصار فإذا هو ليس في بيته.

إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ثم قال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرمُ أضيافاً مني فانطلق فجاءهم بعِذْق فيه بُسْر وتَمر ورُطب وأخذ المدية فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لتُسألنَّ عن نعيم هذا اليوم يوم القيامة " الحديث.

فهذا سؤال عن النعيم ثبت بالسنة وهو غير الذي جاء في هذه الآية.

والأنصاري هو أبو الهيثم بن التَّيِّهان واسمه مالك.

ومعنى الحديث: لتُسألن عن شكر تلك النعمة، أراد تذكيرهم بالشكر في كل نعمة.

وسؤال المؤمنين سؤال لترتيب الثواب على الشكر أو لأجل المؤاخذة بالنعيم الحرام.

وذكر القرطبي عن الحسن: لا يُسأل عن النعيم إلا أهل النار، وروي «أن أبا بكر لما نَزَلَتْ هذه الآية قال: يا رسول الله أرأيتَ أكلة أكلتُها معك في بيت أبي الهيثم بن التيِّهان من خبز شعير ولحم وبُسر قد ذَنَّب وماء عذب، أنخاف أن يكون هذا من النعيم الذي نُسأل عنه؟

فقال عليه السلام: " ذلك للكُفار " ثم قرأ: ﴿ وهل يُجازَى إلا الكفور ﴾ [سبأ: 17].

قال القشيري: والجمع بين الأخبار أن الكلَّ يسألون، ولكن سؤال الكافر سؤال توبيخ لأنه قد ترك الشكر، وسؤال المؤمن سؤال تشريف لأنه شكر.

والجملة المضاف إليها (إذ) من قوله: ﴿ يومئذ ﴾ محذوفة دلّ عليها قوله: ﴿ لترون الجحيم ﴾ [التكاثر: 6] أي يوم إذ ترون الجحيم فيغلظ عليكم العذاب.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ التَّكاثُرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ ﴾ في ﴿ ألْهاكُمُ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: شَغَلَكم.

الثّانِي: أنْساكم، ومَعْناهُ ألْهاكم عَنْ طاعَةِ رَبِّكم وشَغَلَكم عَنْ عِبادَةِ خالِقِكم.

وَفي ﴿ التَّكاثُرُ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: التَّكاثُرُ بِالمالِ والأوْلادِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: التَّفاخُرُ بِالعَشائِرِ والقَبائِلِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: التَّشاغُلُ بِالمَعاشِ والتِّجارَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَتّى أتاكُمُ المَوْتُ فَصِرْتُمْ في المَقابِرِ زُوّارًا تَرْجِعُونَ مِنها كَرُجُوعِ الزّائِرِ إلى مَنزِلِهِ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ.

الثّانِي: ما حَكاهُ الكَلْبِيُّ وقَتادَةُ: أنَّ حَيَّيْنِ مِن قُرَيْشٍ، بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ، كانَ بَيْنَهُما مُلاحاةً فَتَعادَّوْا بِالسّادَةِ والأشْرافِ أيُّهم أكْثَرُ، فَقالَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ: نَحْنُ أكْثَرُ سَيِّدًا وعِزًّا وعَزِيزًا وأعْظَمُ نَفَرًا، وقالَ بَنُو سَهْمٍ مِثْلَ ذَلِكَ، فَكَثَرَهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، فَقالَ بَنُو سَهْمٍ إنَّ البَغْيَ أهْلَكَنا في الجاهِلِيَّةِ فَعُدُّوا الأحْياءَ والأمْواتَ، فَعَدُّوهم فَكَثَرَتْهم بَنُو سَهْمٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ ﴾ يَعْنِي بِالعَدَدِ ﴿ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ ﴾ أيْ حَتّى ذَكَرْتُمُ الأمْواتَ في المَقابِرِ.

﴿ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ هَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَكْرارُهُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ والتَّغْلِيظِ.

وَيَحْتَمِلُ أنْ يَعْدِلَ بِهِ عَنِ التَّأْكِيدِ فَيَكُونُ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ المُعايَنَةِ أنَّ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ حَقٌّ، ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ البَعْثِ أنَّ ما وعَدَتْكم صِدْقٌ.

الثّانِي: كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ عِنْدَ النُّشُورِ أنَّكم مَبْعُوثُونَ، ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القِيامَةِ أنَّكم مُعَذَّبُونَ.

﴿ كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ ﴾ مَعْناهُ لَوْ تَعْلَمُونَ في الحَياةِ قَبْلَ المَوْتِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ ما تَعْلَمُونَهُ بَعْدَ المَوْتِ مِنهُ.

﴿ عِلْمَ اليَقِينِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عِلْمُ المَوْتِ الَّذِي هو يَقِينِيٌّ لا يَعْتَرِيهِ شَكٌّ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: ما تَعْلَمُونَهُ يَقِينًا بَعْدَ المَوْتِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وَفي ﴿ كَلا ﴾ في هَذِهِ المَواضِعِ الثَّلاثَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى (إلّا)، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.

الثّانِي: أنَّها بِمَعْنى حَقًّا، قالَهُ الفَرّاءُ.

﴿ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ وجَبَتْ لَهُمُ النّارُ.

الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ، فالكافِرُ هي لَهُ دارٌ والمُؤْمِنُ يَمُرُّ عَلى صِراطِها.

رَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (يُرْفَعُ الصِّراطُ وسَطَ جَهَنَّمَ، فَناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَكْدُوسٌ في نارِ جَهَنَّمَ)» .

﴿ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ عَيْنَ اليَقِينِ المُشاهَدَةُ والعَيانُ.

الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الحَقِّ اليَقِينِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ تَكْرارُ رُؤْيَتِها وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الأوَّلَ عِنْدَ وُرُودِها.

والثّانِي: عِنْدَ دُخُولِها.

﴿ ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الأمْنُ والصِّحَّةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ; وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الصِّحَّةُ والفَراغُ، لِلْحَدِيثِ.

الثّانِي: الإدْراكُ بِحَواسِّ السَّمْعِ والبَصَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: مَلاذُّ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيُّ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الغَداءُ والعَشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الخامِسُ: هو ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكم بِمُحَمَّدٍ  ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

السّادِسُ: عَنْ تَخْفِيفِ الشَّرائِعِ وتَيْسِيرِ القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ أيْضًا والمُفَضَّلُ.

السّابِعُ: ما رَواهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ عَنْ شِبَعِ البُطُونِ وبارِدِ الماءِ وظِلالِ المَساكِنِ واعْتِدالِ الخَلْقِ ولَذَّةِ النَّوْمِ)»، وهَذا السُّؤالُ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، إلّا أنَّ سُؤالَ المُؤْمِنِ تَبْشِيرٌ بِأنْ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ نَعِيمِ الدُّنْيا ونَعِيمِ الآخِرَةِ، وسُؤالَ الكافِرِ تَقْرِيعٌ لِأنَّهُ قابَلَ نَعِيمَ الدُّنْيا بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَذْكِيرًا بِما أُوتُوهُ، لِيَكُونَ جَزاءً عَلى ما قَدَّمُوهُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت بمكة سورة ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ .

وأخرج الحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا يستطيع أحدكم أن يقرأ ألف آية في كل يوم؟

قالوا: ومن يستطيع أن يقرأ ألف آية؟

قال: أما يستطيع أحدكم أن يقرأ ألهاكم التكاثر؟» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن أبي هلال رضي الله عنه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمون ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ المغيرة.

وأخرج الطيالسي وسعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وابن مردويه عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ وفي لفظ وقد أنزلت عليه ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ وهو يقول: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت» .

وأخرج الطبراني عن مطرف عن أبيه قال: لما أنزلت ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت، أو أعطيت فأمضيت» .

وأخرج عبد بن حميد ومسلم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول العبد مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاثة ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأبقى.

وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس» .

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول ابن آدم مالي، وما له من ماله إلا ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأمضى» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: «قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني قارئ عليكم سورة ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ فمن بكى فقد دخل الجنة، فقرأها فمنا من بكى ومنا من لم يبك، فقال الذين لم يبكوا: قد جهدنا يا رسول الله أن نبكي فلم نقدر عليه.

فقال: إني قارئها عليكم الثانية فمن بكى فله الجنة، ومن لم يقدر أن يبكي فليتباك» .

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي وهو يقرأ ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ حتى ختمها.

وأخرج البخاري وابن جرير عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: كنا نرى هذا من القرآن لو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ثم يتوب الله على من تاب، حتى نزلت سورة ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ إلى آخرها.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ قال: قالوا: نحن أكثر من بني فلان وبنو فلان أكثر من بني فلان فألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ قال: نزلت في اليهود.

وأخرج الترمذي وحنيش بن أصرم في الاستقامة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: نزلت ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ في عذاب القبر.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمر بن عبد العزيز أنه قرأ ﴿ الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ﴾ ثم قال: ما أرى المقابر إلا زيارة، وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ قال: في الأموال والأولاد.

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أخشى عليكم الفقر، ولكن أخشى عليكم التكاثر، وما أخشى عليكم الخطأ ولكن أخشى عليكم التعمد» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ قال: يعني عن الطاعة ﴿ حتى زرتم المقابر ﴾ قال: يقول: حتى يأتيكم الموت ﴿ كلا سوف تعلمون ﴾ يعني لو قد دخلتم قبوركم ﴿ ثم كلا سوف تعلمون ﴾ يقول: لو قد خرجتم من قبوركم إلى محشركم ﴿ كلا لو تعلمون علم اليقين ﴾ قال: لو قد وقفتم على أعمالكم بين يدي ربكم ﴿ لترون الجحيم ﴾ وذلك أن الصراط يوضع وسط جهنم، فناج مسلم ومخدوش مسلم، ومكدوش في نار جهنم ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ يعني شبع البطون وبارد الشراب وظلال المساكن واعتدال الخلق ولذة النوم» .

وأخرج ابن مردويه عن عياض بن غنم «أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قوله: ﴿ ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ﴾ يقول: لو دخلتم القبور ﴿ ثم كلا سوف تعلمون ﴾ ، وقد خرجتم من قبوركم، ﴿ كلا لو تعلمون علم اليقين ﴾ في يوم محشركم إلى ربكم ﴿ لترون الجحيم ﴾ أي في الآخرة حق اليقين كرأي العين ﴿ ثم لترونها عين اليقين ﴾ يوم القيامة ﴿ ثم لتسألنّ يومئذ عن النعيم ﴾ بين يدي ربكم عن بارد الشراب وظلال المساكن وشبع البطون واعتدال الخلق ولذاذة النوم حتى خطبة أحدكم المرأة مع خطاب سواه فزوجها ومنعها غيره» .

وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ كلا سوف تعلمون ﴾ الكفار ﴿ ثم كلا سوف تعلمون ﴾ المؤمنين.

وكذلك كانوا يقرؤونها.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ كلا لو تعلمون علم اليقين ﴾ قال: كنا نحدث أن علم اليقين أن يعلم أن الله باعثه بعد الموت.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لو تعلمون علم اليقين ﴾ قال: كنا نحدث أنه الموت وفي قوله: ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال: إن الله سائل كل ذي نعمة فيما أنعم عليه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال: صحة الأبدان والأسماع والأبصار يسأل الله العباد فيم استعملوها وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله: ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً ﴾ [ الاسراء: 36] .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال: كل شيء من لذة الدنيا.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال: الأمن والصحة» .

وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود في الآية قال النعيم: الأمن والصحة.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عليّ بن أبي طالب ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال: النعيم العافية.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عليّ بن أبي طالب أنه سئل عن قوله: ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال: عن أكل خبز البر وشرب ماء الفرات مبرداً، وكان له منزل يسكنه، فذاك من النعيم الذي يسأل عنه.

وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال: ناس من أمتي يعقدون السمن والعسل بالنقى فيأكلونه» .

وأخرج عبد بن حميد عن حمران بن أبان عن رجل من أهل الكتاب قال: ما الله معط عبداً فوق ثلاث إلا سائله عنهم يوم القيامة: قدر ما يقيم به صلبه من الخبز، وما يكنه من الظل وما يواري به عورته من الناس.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال الصحابة: وفي أي نعيم نحن يا رسول الله؟

وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير فأوحى الله إلى نبيه أن قل لهم: أليس تحتذون النعال وتشربون الماء البارد؟

فهذا من النعيم.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وأحمد وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن محمود بن لبيد قال: «لما أنزلت ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ فقرأ حتى بلغ ثم ﴿ لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قالوا يا رسول الله: عن أي نعيم نسأل؟

وإنما هما الأسودان الماء والتمر وسيوفنا على رقابنا والعدوّ حاضر فعن أي نعيم نسأل؟

قال: أما إن ذلك سيكون» .

وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال الناس: يا رسول الله عن أي النعيم نسأل وإنما هما الأسودان والعدوّ حاضر وسيوفنا على عواتقنا؟

قال: أما إن ذلك سيكون» .

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن الزبير بن العوام قال: «لما نزلت ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قالوا يا رسول الله: وأي نعيم نسأل عنه وإنما هما الأسودان التمر والماء؟

قال: إن ذلك سيكون» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن الزبير قال: «لما نزلت ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال الزبير بن العوّام: يا رسول الله أي نعيم نسأل عنه؟

وإنما هما الأسودان الماء والتمر.

قال: أما إن ذلك سيكون» .

وأخرج عبد بن حميد عن صفوان بن سليم قال: «لما نزلت ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ إلى آخرها ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: عن أي نعيم نسأل؟

إنما هما الأسودان الماء والتمر وسيوفنا على عواتقنا.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه سيكون» .

وأخرج أبو يعلى عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قالوا يا رسول الله: أي نعيم نسأل عنه وسيوفنا على عواتقنا؟

وذكر الحديث.

وأخرج أحمد في زوائد الزهد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن حبان وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما يسأل العبد عنه يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسمك ونروك من الماء البارد» .

وأخرج هناد وعبد بن حميد والبخاري وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» .

وأخرج ابن جرير عن ثابت البناني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «النعيم المسؤول عنه يوم القيامة كسرة تقوته وماء يرويه وثوب يواريه» .

وأخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن جابر بن عبد الله قال: «جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فأطعمناهم رطباً وسقيناهم ماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا النعيم الذي تسألون عنه» .

وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال: «كان ليهودي على أبي تمر فقتل أبي يوم أحد وترك حديقتين، وتمر اليهودي يستوعب ما في الحديقتين.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك أن تأخذ العام بعضه وتؤخر بعضها إلى قابل فأبى اليهودي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا حضر الجذاذ فآذاني فآذنته، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فجعلنا نجذ ويكال له من أسفل النخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بالبركة حتى وفيناه جميع حقه من أصغر الحديقتين ثم أتيتهم برطب وماء فأكلوا وشربوا ثم قال: هذا من النعيم الذي تسألون عنه» .

وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟

قالا: الجوع يا رسول الله.

قال: والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، فقوموا، فقاما معه فأتى رجلاً من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحباً وأهلاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين فلان؟

قالت: انطلق يستعذب لنا الماء إذ جاء الأنصاري فنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فقال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني، فانطلق فجاء بعذق فيه بسر وتمر فقال: كلوا من هذا، وأخذ المدية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياك والحلوب فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا.

فلما شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة» .

وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً عند الظهيرة فوجد أبا بكر في المسجد جالساً فقال: ما أخرجك هذه الساعة؟

قال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله.

ثم إن عمر جاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن الخطاب ما أخرجك هذه الساعة؟

قال: أخرجني الذي أخرجكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل بكما من قوة فتنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان من طعام وشراب؟

فقلنا: نعم يا رسول الله، فانطلقنا حتى أتينا منزل مالك بن التيهان أبي الهيثم الأنصاري» .

وأخرج ابن حبان وابن مردويه عن ابن عباس قال: «خرج أبو بكر في الهاجرة إلى المسجد فسمع عمر، فخرج فقال لأبي بكر: ما أخرجك هذه الساعة؟

قال: أخرجني ما أجد في نفسي من حاق الجوع.

قال عمر: والذي نفسي بيده ما أخرجني إلى الجوع، فبينما هما كذلك إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أخرجكما هذه الساعة فقالا: والله ما أخرجنا إلا ما نجد في بطوننا من حاق الجوع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره، فقاموا فانطلقوا إلى منزل أبي أيوب الأنصاري فلما انتهوا إلى داره قالت امرأته: مرحباً بنبي الله وبمن معه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: أين أبو أيوب؟

فقالت امرأته: يأتيك يا نبي الله الساعة.

فجاء أبو أيوب فقطع عذقاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما أردت أن تقطع لنا هذا ألا اجتنيت الثمرة؟

قال: أحببت يا رسول الله أن تأكلوا من بسره وتمره ورطبه.

ثم ذبح جدياً فشوى نصفه وطبخ نصفه، فلما وضع بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من الجدي فجعله في رغيف وقال: يا أبا أيوب أبلغ بهذا فاطمة فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام، فذهب به أبو أيوب إلى فاطمة.

فلما أكلوا وشبعوا قال النبي صلى الله عليه وسلم: خبز ولحم وتمر وبسر ورطب ودمعت عيناه والذي نفسي بيده إن هذا لهو النعيم الذي تسألون عنه.

قال الله: ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ فهذا النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة، فكبر ذلك على أصحابه.

فقال: بلى إذا أصبتم هذا فضربتم بأيديكم فقولوا: بسم الله فإذا شبعتم فقولوا: الحمد لله الذي هو أشبعنا وأنعم علينا وأفضل، فإن هذا كفاف لها» .

وأخرج أحمد وابن جرير وابن عدي والبغوي في معجمه وابن منده في المعرفة وابن عساكر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي عسيب مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليلاً فمر بي فدعاني، فخرجت إليه ثم مر بأبي بكر فدعاه فخرج إليه، ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه، فانطلق حتى دخل حائطاً لبعض الأنصار فقال لصاحب الحائط: أطعمنا، فجاء بعذق فوضعه، فأكل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم دعا بماء بارد فشرب، وقال: لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، فأخذ عمر العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر ثم قال يا رسول الله: إنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة؟

قال: نعم إلا من ثلاث كسرة يسد بها الرجل جوعته، أو ثوب يستر به عورته، أو حجر يدخل فيه من الحر والبرد» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم على جدول فأتي برطب وماء بارد فأكل من الرطب وشرب من الماء، ثم قال: هذا من النعيم الذي تسألون عنه» .

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أبي بكر الصديق قال: «انطلقت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومعنا عمر إلى رجل يقال له الواقفي، فذبح لنا شاة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إياك وذات الدر، فأكلنا ثريداً ولحماً وشربنا ماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا من النعيم الذي تسألون عنه» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في ساعة لم يكن يخرج فيها، ثم خرج أبو بكر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أخرجك يا أبا بكر؟

قال: أخرجني الجوع.

قال: وأخرجني الذي أخرجك.

ثم خرج عمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أخرجك يا عمر؟

قال: أخرجني والذي بعثك بالحق الجوع.

ثم جاء أناس من أصحابه فقال: انطلقوا بنا إلى منزل أبي الهيثم فقالت لهم امرأته: إنه ذهب يستعذب لنا فدوروا إلى الحائط، ففتحت لهم باب البستان فدخلوا فجلسوا، فجاء أبو الهيثم، فقالت له امرأته: أتدري من عندك؟

قال: لا قالت له: عندك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فدخل عليهم فعلق قربته على نخلة ثم أخذ مخرفاً فأتى عذقاً له، فاخترف لهم رطباً فأتاهم به، فصبه بين أيديهم، فأكلوا منه، وبرد لهم ذلك الماء فشربوا منه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا من النعيم الذي تسألون عنه» .

وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي الهيثم بن التيهان «أن أبا بكر الصديق خرج فإذا هو بعمر جالساً في المسجد، فعمد نحوه فوقف فسلم، فرد عمر فقال له أبو بكر: ما أخرجك هذه الساعة؟

فقال له عمر: بل أنت ما أخرجك هذه الساعة؟

قال أبو بكر: إني سألتك قبل أن تسألني.

فقال عمر: أخرجني الجوع.

فقال أبو بكر: وأنا أخرجني الذي أخرجك.

فلبثا يتحدثان وطلع النبي صلى الله عليه وسلم فعمد نحوهما حتى وقف عليهما فسلم فردا السلام فقال: ما أخرجكما هذه الساعة؟

فنظر كل واحد منهما إلى صاحبه ليس منهما واحد إلا وهو يريد أن يخبره صاحبه فقال أبو بكر: يا رسول الله خرج قبلي وخرجت بعده، فسألته ما أخرجك هذه الساعة فقال: بل أنت ما أخرجك هذه الساعة؟

فقلت: إني سألتك قبل أن تسألني فقال: بل أخرجني الجوع.

فقلت له: أخرجني الذي أخرجك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: وأنا فأخرجني الذي أخرجكما فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: تعلمان من أحد نضيفه؟

قالا: نعم أبو الهيثم بن التيهان له أعذق وجدي إن جئناه نجد عنده فضل تمر.

فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه حتى دخلوا الحائط، فسلم النبي صلى الله عليه وسلم فسمعت أم الهيثم تسليمه، ففدت بالأب والأم، وأخرجت حلساً لها من شعر فجلسوا عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فأين أبو الهيثم فقالت: ذاك ذهب ليستعذب لنا من الماء.

وطلع أبو الهيثم بالقربة على رقبته، فلما أن رأى وضح النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهراني النخل أسندها إلى جذع وأقبل يفدي بالأب والأم، فلما رآهم عرف الذي بهم فقال لأم الهيثم: هل أطعمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه شيئاً؟

فقالت: إنما جلس النبي صلى الله عليه وسلم الساعة.

قال: فما عندك؟

قالت: عندي حبات من شعير.

قال: كركريها واعجني واخبزي إذ لم يكونوا يعرفون الخمير.

قال: وأخذ الشفرة فرآه النبي صلى الله عليه وسلم مولياً فقال: إياك وذات الدر.

فقال: يا رسول الله إنما أريد عنيقاً في الغنم، فذبح ونصب، فلم يلبث إذ جاء بذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأكل النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه فشبعوا لا عهد لهم بمثلها.

فما مكث النبي صلى الله عليه وسلم إلا يسيراً حتى أتي بأسير من اليمن فجاءته فاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه العمل وتريه يديها وتسأله إياه.

قال: لا، ولكن أعطيه أبا الهيثم فقد رأيته وما لقي هو وامرأته يوم ضفناهم، فأرسل إليه وأعطاه إياه فقال: خذ هذا الغلام يعينك على حائطك واستوص به خيراً: فمكث عند أبي الهيثم ما شاء الله أن يمكث فقال: لقد كنت مستقلاً أنا وصاحبتي بحائطنا اذهب فلا رب لك إلا الله، فخرج ذلك الغلام إلى الشام ورزق فيها» .

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود «أن أبا بكر خرج لم يخرجه إلا الجوع، وخرج عمر لم يخرجه إلا الجوع، وأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهما، وأنهما أخبراه أنه لم يخرجهما إلا الجوع، فقال: انطلقوا بنا إلى منزل رجل من الأنصار يقال له أبو الهيثم بن التيهان، فإذا هو ليس في المنزل ذهب يستقي، فرحبت المرأة برسول الله صلى الله عليه وسلم وبصاحبيه، وبسطت لهم شيئاً فجلسوا عليه، فسألها النبي صلى الله عليه وسلم أين انطلق أبو الهيثم؟

قالت: ذهب يستعذب لنا، فلم يلبث أن جاء بقربة فيها ماء فعلقها وأراد أن يذبح لهم شاة فكان النبي صلى الله عليه وسلم كره ذلك، فذبح لهم عناقاً، ثم انطلق، فجاء بكبائس من النخل فأكلوا من ذلك اللحم والبسر والرطب، أو شربوا من الماء فقال أحدهما: إما أبو بكر وإما عمر: هذا من النعيم الذي نسأل عنه يوم القيامة؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن لا يثرب عليه شيء أصابه في الدنيا إنما يثرب على الكافر» .

وأخرج ابن مردويه عن الكلبي أنه سئل عن تفسير هذه الآية ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال: إنما هي للكفار ﴿ أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ﴾ [ الأحقاف: 20] إنما هي للكفار قال: «وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر كلهم يقولون أخرجني الجوع فانطلق بهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل من الأنصار يقال له أبو الهيثم، فلم يره في منزله، ورحبت المرأة برسول الله صلى الله عليه وسلم وبصاحبيه، وأخرجت بساطاً فجلسوا عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين أنطلق أبو الهيثم؟

فقالت: انطلق يستعذب لنا فلم يلبثوا أن جاء بقربة ماء فعلقها، وكأنه أراد أن يذبح لهم شاة، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فذبح عناقاً، ثم انطلق فجاء بكبائس من نخل، فأكلوا من اللحم ومن البسر والرطب وشربوا من الماء، فقال أحدهما: إما أبو بكر واما عمر: هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما يسأل الكفار، وإن المؤمن لا يثرب عليه شيء أصابه في الدنيا، وإنما يثرب على الكافر» قيل له من حدثك؟

قال: الشعبي عن الحارث عن ابن مسعود.

وأخرج أحمد في الزهد عن عامر قال: «أكل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر لحماً وخبزاً وشعيراً ورطباً وماء بارداً فقال: هذا وربكما من النعيم» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قالوا يا رسول الله: أي نعيم نسأل عنه سيوفنا على عواتقنا والأرض كلها لنا حرب، يصبح أحدنا بغير غداء ويمسي بغير عشاء؟

قال: عني بذلك قوم يكونون من بعدكم أنتم خير منهم يغدي عليهم بجفنة ويراح عليهم بجفنة ويغدو في حلة ويروح في حلة، ويسترون بيوتهم كما تستر الكعبة ويفشى فيهم السمن» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: «لما نزلت ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قام رجل محتاج فقال يا رسول الله: هل عليّ من النعمة شيء؟

قال: نعم الظل والنعلان والماء البارد» .

وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: « ﴿ لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخصاف والماء والبارد وفلق الكسر» قال العباس: الخصاف خصف النعلين.

وأخرج البزار عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما فوق الإِزار وظل الحائط وخبز يحاسب به العبد يوم القيامة ويسأل عنه» .

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث لا يحاسب بهن العبد: ظل خص يستظل به وكسرة يشد بها صلبه وثوب يواري به عورته» .

وأخرج أيضاً عن سلمان قال: بلغني أن في التوراة مكتوب: ابن آدم كسيرة تكفيك وخرقة تواريك وحجر يؤويك.

وأخرج أحمد في الزهد عن عبد الله بن عمرو أن رجلاً سأله إنسان من فقراء المهاجرين فقال: ألك امرأة تأوي إليك وتأوي إليها؟

قال: نعم.

قال: ألك مسكن تسكنه؟

قال: نعم.

قال: فلست من فقراء المهاجرين.

وأخرج أحمد في الزهد عن عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل شيء سوى ظل بيت وجلف الخبز وثوب يواري عورته والماء فما فضل عن هذا لابن آدم فيهن حق» .

وأخرج أحمد وابن ماجة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن مردويه عن معاذ بن عبد الله الجهني عن أبيه عن عمه قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه أثر غسل، وهو طيب النفس، فظننا أنه ألم بأهله، فقلنا يا رسول الله: نراك طيب النفس، فقال: أجل والحمد لله، ثم ذكر الغنى فقال: لا بأس بالغنى لمن اتقى الله، والصحة لمن اتقى خير من الغنى، وطيب النفس من النعيم» .

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: مر عمر بن الخطاب برجل مبتلي أجذم أعمى أصم أبكم فقال لمن معه: هل ترون في هذا من نعم الله شيئاً؟

قالوا: لا، قال: «بلى ألا ترونه يبول فلا يعتصر ولا يلتوي يخرج بوله سهلاً فهذه نعمة من الله» .

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: يا لها من نعمة تأكل لذة وتخرج سرحاً، لقد كان ملك من ملوك هذه القرية يرى الغلام من غلمانه يأتي الحش فيكتان ثم يجرجر قائماً فيقول: يا ليتني مثلك ما يشرب حتى يقطع عنقه العطش فإذا شرب كان له في تلك الشربة موتات، يا لها من نعمة تأكل لذة وتخرج سرحاً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: يعرض الناس يوم القيامة على ثلاثة دواوين: ديوان فيه الحسنات وديوان فيه النعيم وديوان فيه السيئات، فيقابل بديوان الحسنات ديوان النعيم فيستفرغ النعيم الحسنات، وتبقى السيئات مشيئتها إلى الله عز وجل، إن شاء عذب وإن شاء غفر.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد عن بكير بن عتيق قال: سقيت سعيد بن جبير شربة من عسل في قدح فشربها ثم قال: والله لأسألن عن هذا: فقلت له؟

قال: شربته وأنا أستلذه.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ قال مقاتل: يعني كفار مكة كانوا في الدنيا في الخير والنعمة، فيسألون (١) ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ يوم القيامة (٢) وقال الكلبي: الكفار مسؤولون (٣) (٤) قال (٥)  : لما نزلت هذه الآية: يا رسول الله، أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التَّيَّهان (٦) (٧) (٨)  -: إنما ذلك للكفار، ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (٩) (١٠) والظاهر يشهد لهذا القول وهو: أن الكفار لم (١١) (١٢) وقال: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار (١٣) واختلفوا في معنى هذا النعيم.

قال ابن مسعود -  - الأمن، والصحة (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) وقال مجاهد: كل لذة من لذات الدنيا (١٨) وروى (معمر) (١٩) (٢٠) قال محمود بن لبيد (٢١)  - قالوا: يا رسول الله، أي: نعيم نسأل؟

إنما هو الماء، والتمر، وسيوفنا علي عواتقنا، والعدو حاضر، فعن أي نعيم نسأل!، قال: "إن ذلك سيكون" (٢٢) وروى (عطاء) (٢٣)  - قال: "وأي نعيم نسأل عنه يا رسول الله، وقد أخرجنا من ديارنا وأموالنا!

فقال رسول الله -  - (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وروى أبو هريرة أن النبي -  - قال: "أول ما يسأل الله العبد يوم القيامة أن يقول له: ألم أصح جسمك، وأروك من الماء البارد؟

" (٢٨) وروى ابن عباس أن النبي -  - قال: "ما فوق الإزار، وجلف (٢٩) (٣٠) وروى أبو قلابة: أن النبي -  - قال في هذه الآية: "ناس من أمتي يعقدون السمن، والعسل بالنقي فيأكلونه" (٣١) ومن قال بهذا القول، وهو أن كل أحد يسأل عز النعيم، كان المعنى عنده: أن الكافر يسأل توبيخًا ثم يعذب لتركه الشكر -كما ذكرنا-، والمؤمن يسأل عن ذلك إظهارًا للمنة عليه، وإذا كان قد قام بشكره فلا عتب عليه (٣٢)  - أكل هو ونفر من أصحابه تمرًا، وشربوا عليه الماء، وقالوا: يا رسول الله ما شكر هذا النعيم؟

قال: "تقولوا الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين" (٣٣) تمت.

(١) في (أ): (فسسلون).

(٢) "تفسير مقاتل" 249 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 521.

(٣) في (أ): (يسلون).

(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٥) أي الكلبي.

(٦) أبو الهيثم مالك بن التيهان، واسمه مالك بن عتيك بن عمرو الأنصاري الأوسي، شهد بدرًا، واحد نقباء بيعة العقبة، شهد المشاهد كلها، مات سنة 20 هـ.

انظر: "الاستيعاب" 4/ 1773، ت: 3213، و"أسد الغابة" 6/ 323: ت: 6324، و"الإصابة" 7/ 209: ت: 1188.

(٧) البسر: هو التمر قبل أن يرطب لفضاضته، واحدته: بسرة.

"لسان العرب" 4/ 58 (بسر).

(٨) ذنب: التذنوب: البُسر الذي قد بدأ فيه الأرطاب من قبل ذنبه، وذنب البُسرة وغيرها من التمر مُؤَخَّرُها، وذنبت البسرة فهي مذنبة، وكنت من قبل ذنبها، وقال الأصمعي: إذا بدت نُكت من الأرطاب في البسر من قبل ذنبها قيل: قد ذنبت.

"لسان العرب" 1/ 390 (ذنب).

(٩) بياض في (ع).

(١٠) وردت الرواية بمعناها عن الكلبي في "الدر المنثور" 8/ 618 وعزاه إلى ابن مرويه، كما وردت من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في "بحر العلوم" 3/ 507، ووردت من غير ذكر الطريق في "التفسير الكبير" 32/ 81، ولأبي بكر رواية خلاف رواية الكلبي من طريق أبي هريرة، ذكرها الطبري في "جامع البيان" 30/ 287 وهي في "صحيح مسلم" 3/ 1609: ح: 140: كتاب الأشربة: باب 20، والشاهد منها: عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله -  - ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟

قالا الجوع يا رسول الله، قال: وأنا ..

لأخرجني الذي أخرجكما ..

إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله -  -فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذه ..

فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا، فلما أن شبعوا ورروا قال رسول الله -  -لأبي بكر وعمر "والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة".

كما أخرجها البيهقي في "شعب الإيمان" 4/ 144: ح: 4602 - 4605، 4606 من طريق أبي هريرة وطرق أخرى.

(١١) في (أ): (لو).

(١٢) قال القاضي عياض: المراد: السؤال عن القيام بحق شكره، والذي نعتقده أن السؤال هنا سؤال تعداد النعم، وإعلام بالامتنان بها، وإظهار الكرامة بإسباغها؛ == لا سؤال توبيخ وتقريع ومحاسبة.

والله أعلم.

"شرح صحيح مسلم" 13/ 227 - 228.

(١٣) ورد معنى قوله في "زاد المسير" 8/ 302، وقد وضحه ابن الجوزي فقال: إنه أراد بذلك أنه خاص بالكفار.

وانظر أيضًا قوله في "التفسير الكبير" 32/ 80، و"فتح القدير" 5/ 489، و"تفسير الحسن البصري" 2/ 437.

(١٤) جامع البيان" 30/ 285، و"بحر العلوم" 3/ 507، و"النكت والعيون" 6/ 332، و"معالم التنزيل" 4/ 521، و"زاد المسير" 8/ 302، و"البحر المحيط" 8/ 508، و"الدر المنثور" 8/ 612: وعزاه إلى هناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في شعب الإيمان.

وورد عنه مرفوعًا في "الكشف والبيان" 13/ 144 أ، و"زاد المسير" 8/ 302، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 584.

(١٥) "زاد المسير" 30/ 302، و"البحر المحيط" 8/ 508 كما وردت من طريق الشعبي عن ابن مسعود في "جامع البيان" 30/ 285.

(١٦) لم أعثر على مصدر لقوله.

(١٧) "جامع البيان" 30/ 285، و"معالم التنزيل" 4/ 522 بمعناه، و"تفسير سعيد بن جبير" 380.

(١٨) "جامع البيان" 30/ 285، و"الكشف والبيان" 13/ 145 ب، و"زاد المسير" 8/ 302، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 584 قال ابن كثير وهذا أشمل هذه الأقوال، و"الدر المنثور" 8/ 612 وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.

(١٩) ساقط من (أ).

(٢٠) "جامع البيان" 30/ 289، و"زاد المسير" 8/ 302 بمعناه، و"الدر المنثور" 8/ 612 وعزاه إلى عبد الرزاق -ولم أجده عنده- وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.

(٢١) محمود بن لبيد بن رافع بن امرئ القيس بن زيد الأنصاري الأشهلي من بني عبد الأشهل، ولد على عهد النبي -  -، وحدث عنه أحاديث، وكان أحد العلماء، وروى عن ابن عباس، ومات سنة 96 هـ.

انظر: "الاستيعاب" 3/ 1378 ت: 2347، و"أسد الغابة" 5/ 117 ت: 4773.

(٢٢) أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 5/ 429، وقال الهيثمي 7/ 142: رواه أحمد وفيه محمد بن عمر بن علقمة، وحديثه حسن، وفيه ضعف لسوء حفظه، وبقية رجاله رجال الصحيح.

وأخرجه "الترمذي" 5/ 448: ح: 3356 - 3357 من طريقين: الأول: إلى الزبير ابن العوام عن أبيه، وحسن هذا الطريق.

والثاني: إلى أبي هريرة، وقال: وحديث ابن عيينة عن محمد بن عمرو عندي أصح من هذا، سفيان بن عيينة أحفظ، وأصح حديثًا من أبي بكر بن عياش.

كما ورد في "جامع البيان" 30/ 288، و"الكشف والبيان" 13/ 144 ب، و"التفسير الكبير" 32/ 81، و"الدر المنثور" 8/ 613 وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وهناد، وابن مردويه، والبيهقي في "شعب الإيمان" 4/ 142: ح 4598، و"فتح القدير" 5/ 490.

(٢٣) ساقط من (أ).

(٢٤) ساقط من (أ).

(٢٥) الأخبية: الخباء من الأبنية واحد الأخبية، وهو ما كان من وبر أو صوف، ولا يكون من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت.

"لسان العرب" 14/ 222 (خبأ) (٢٦) غير واضحة في (ع).

(٢٧) "التفسير الكبير" 32/ 81.

(٢٨) أخرجه الترمذي في "السنن" 5/ 448: ح: 3358 كتاب التفسير القرآن: باب 89 بنحوه، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، قال شعيب الأرناؤوط في "تخريج جامع الأصول" 2/ 435 وإسناده قوي، وصححه ابن حبان كما في "موارد الظمآن" 640: ح: 2585 كتاب البعث: باب 10، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 8/ 613 - 614 وزاد نسبته لأحمد في "زوائد الزهد"، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي في "شعب الإيمان" 4/ 147 ح: 4607.

كما ورد في "معالم التنزيل" 4/ 521، و"التفسير الكبير" 32/ 81، و"لباب التأويل" 4/ 404، و"الدر المنثور" 8/ 613 - 614 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن مردويه، و"فتح القدير" 5/ 490.

(٢٩) الجلف: الخبز اليابس الغليظ بلا أُدم ولا لبن كالخشب، ويروى بفتح اللام، جمع جِلْفة، وهي الكسرة من الخبز.

"لسان العرب" 9/ 31 (جلف).

(٣٠) ورد في "تفسير القرآن العظيم" 4/ 585 من طريق يزيد بن الأصم عن ابن عباس، وفيه جر الماء بدلًا من جرة الماء، و"الدر المنثور" 8/ 619 وعزاه إلى البزار.

(٣١) الكشف والبيان" 13/ 145 أمن طريق يوسف ابن أخت ابن سيرين عن أبي قلابة مرفوعًا، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 584 موقوفًا، ورواية الموقوف وضحت المراد بالنفي، قال أبو قلابة: من النعيم أكل السمن والعسل بالخبز النقي.

والنقي المراد به النظيف من الشيء.

انظر: "لسان العرب" 15/ 338: (نقا).، و"فتح القدير" 5/ 490 وقال: هذا مرسل، وعزاه إلى أحمد في الزهد، وابن مردويه.

(٣٢) قال الزمخشري: فإن قلت: ما النعيم الذي يُسأل عنه الإنسان، ويعاتب عليه، فما من أحد إلا وله نعيم؟

قلت: هو نعيم عن عكف همته على استيفاء اللذات، ولم يعش إلا ليأكل الطيب، ويلبس اللين، ويقطع أوقاته باللهو والطرب، لا يعبأ بالعلم والعمل، ولا يحمل نفسه مشاقه، فأما من تمتع بنعمة الله وأرزاقه التي لم يخلقها إلا لعباده، وتقوى لها على دراسة العلم والقيام بالعمل، وكان ناهضًا بالشكر، فهو من ذاك بمعزل.

"الكشاف" 4/ 231.

(٣٣) أخرجه مسلم في "صحيحه" 4/ 2085: ح: 64: كتاب الذكر والدعاء: باب 17، و"أبي داوود في سننه" 2/ 359: كتاب الأطعمة: باب ما يقول الرجل إذا طعم، والرواية عنده من طريق أبي سعيد الخدري ومن غير ذكر القصة.

ومالك في "الموطأ" 2/ 712: ح 34: كتاب صفة النبي -  -: باب ما جاء في الطعام والشراب.

والإمام أحمد في "المسند" 1/ 153، ج 5/ 32، 98، 153، 167، 253، وابن ماجه في "سننه" 23702: ح: 3326 كتاب الأطعمة: باب 16 والترمذي في "سننه" 5/ 470: ح: 3396: كتاب الدعوات: باب 16.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقين ﴾ جواب لو محذوف تقديره لو تعلمون لازدجرتم واستعددتم للآخرة فينبغي الوقف على اليقين، ومعمول لو تعلمون محذوف أيضاً، وعلم اليقين مصدر، ومعنى علم اليقين: العلم الذي لا يشك فيه.

قال بعضهم: هو من إضافة الشيء إلى نفسه كقولك: دار الآخرة وقال الزمخشري: معناه علم الأمور التي تتيقنونها بالمشاهدة ﴿ لَتَرَوُنَّ الجحيم ﴾ هذا جواب قسم محذوف، وهو تفسير لمفعول لو تعلمون تقديره: لو تعلمون عاقبة أمركم ثم فسرها بأنها رؤية الجحيم، والتفسير بعد الإبهام يدل على التهويل والتعظيم.

والخطاب لجميع الناس فهو كقوله: ﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ [مريم: 71] وقيل: للكفار خاصة، فالرؤية على هذا يراد بها الدخول فيها ﴿ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين ﴾ هذا تأكيد للرؤية المتقدمة وعطفه بثم للتهويل والتفخيم، والعين هنا من قولك: عين الشيء نفسه وذاته، أي لترونها الرؤية التي هي نفس اليقين ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم ﴾ هذا إخبار بالسؤال في الآخرة عن نعيم الدنيا، فقيل: النعيم الأمن والصحة، وقيل: الطعام والشراب، وهذه أمثلة، والصواب العموم في كل ما يتلذذ به قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بيت يُكنّك وخرقه تواريك وكسرة تشدّ قلبك وما سوى ذلك فهو نعيم، وقال صلى الله عليه وسلم كل نعيم فمسؤول عنه إلا نعيم في سبيل الله، «وأكل صلى الله عليه وسلم يوماً مع أصحابه رطباً وشربوا عليه ماء، فقال لهم: هذا من النعيم الذي تسألون عنه» .

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لترون ﴾ بضم التاء من الإراءة مجهولاً: ابن عامر وعلي.

الوقوف ﴿ التكاثر ﴾ ه لا ﴿ المقابر ﴾ ه ك لأن ﴿ كلاً ﴾ بمعنى حقاً وقد يحمل على الردع عن التكاثر ﴿ سوف تعلمون ﴾ ه لا ﴿ سوف تعلمون ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ط لأن جواب " لو " محذوف وقوله ﴿ لترون ﴾ جواب قسم ﴿ الجحيم ﴾ ه لا ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر القارعة وأهوالها قال ﴿ ألهاكم ﴾ أي شغلكم التكاثر وهو المغالبة بالكثرة أو تكلف الافتخار بها مالاً وجاهاً عن التدبر في أمر المعاد فنسيتم القبر حتى زرتموه.

ويروى أن بني عبد منافٍ وبني سهم تفاخروا أيهم أكثر عدداً فكثرهم أي غلبهم بالكثرة بنو عبد منافق فقالت بنوسهم: إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعادونا بالأحياء والأموات أي عدوا مجموع أحيائنا وأمواتنا مع مجموع أحيائكم وأمواتكم ففعلوا فزاد بنوسهم فنزلت الآية.

وهذه الرواية شديدة الطباق لظاهر الآية لقوله ﴿ زرتم ﴾ بصيغة الماضي وفيه تعجب من حالهم أنهم زاروا القبور في معرض المفاخرة والإستغراق في حب ما لا طائل تحته من التباهي بالكثرة والتباري فيها، مع أن زيارة القبور مظنة ترقيق القلب وإزالة القساوة كما قال  " "كنت نهيتكم عن زياة القبور ثم بدا لي فزوروها فإن في زيارتها تذكرة" من هنا قال بعضهم: أراد الحرص على المال قد شغلكم عن الدين فلا تلتفتون إليه إلا إذا زرتم المقابر فحينئذ ترق قلوبكم يعني أن حظكم من دينكم ليس إلا هذا القدر ونظيرهقوله ﴿ قليلاً ما تشكرون  ﴾ أي لا أقنع منكم بهذا القدر من الشكر.

وقيل: معنى الآية ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت وأنتم على ذلك، ويندرج فيه من يمنع الحقوق المالية إلى حين الموت ثم يقول: أوصيت لفلان بكذا ولفلان بكذا، واستدلوا عليهم بما روى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه أن النبي  قال " "يا ابن آدم تقول مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت" ثم قرأ ﴿ ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ﴾ أي حتى متم.

وأورد عليه أن الزائر هو الذي يجيء ساعة ثم ينصرف.

والميت يبقى في قبره مدة مديدة.

وأيضاً إن قوله ﴿ زرتم ﴾ صيغة الماضي فكيف يحمل على المستقبل؟

ويمكن أن يجاب عن الأول بأن مدة اللبث في القبر بالنسبة إلى الأبد أقل من لحظة كما قال ﴿ كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم  ﴾ وعن الثاني بأن المشرف على الموت كأنه على شفير القبر أو هو خبر عمن تقدمهم والخبر عنهم كالخبر عن متأخريهم لأنهم كانوا على طريقتهم.

وقال أبو مسلم: إنه  يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعييراً للكفار وهم في ذلك الوقت قد تقدمت منهم زيارة القبور.

والمقابر جمع المقبرة فتحاً أو ضماً، والتاء فيه غير قياسي.

قالت العلماء: التكاثر مطلقاً ليس بمذموم لأن التكاثر في العلم والطاعة والأخلاق الحميدة ليس بمذموم إذا كان المراد أن يقتدى به غيره كما مر ي قوله ﴿ وأما بنعمة ربك فحدث  ﴾ وإنما المذموم ما يكون الباعث عليه الاستكبار وحب الجاه والغلبة والفخر بما لا سعادة حقيقة فيه، وليست السعادة الحقيقية إلا فيما يرجع إلى العلم والعمل أو إلى ما يعين عليهما من الأمور الخارجية.

عن الحسن  : لا تغرنك كثرة من ترى حولك فإنك تموت وحدك وتبعث وحدك وتحاسب وحدك، وتكرير الوعيد وهو سوف تعلمون للتأكيد.

وقيل: الأول عند الموت حين يقال له لا بشرى.

والثاني في سؤال القبر إذ يقال من ربك، وفيه دليل على عذاب القبر على ما روي عن علي  : أو حين ينادي المنادي فلان شقي شقاوة لا سعادة بعدها أبداً، أو حين يقال ﴿ وامتازوا اليوم  ﴾ وعن الضحاك: أراد سوف تعلمون أيها الكفار ثم كلا سوف تعلمون أيها المؤمنون، فالأول وعيد، والثاني وعد.

وقيل: إن كل واحد يعلم قبح الكذب والظلم وحسن الصدق والعدل لكن لا يعرف مقدار آثارها ونتائجها فالله يقول سوف تعلمون علماً تفصيلياً استدراجياً شيئاً فشيئاً عند الموت، ثم عند البعث، ثم في النار أو في الجنة، قوله ﴿ لو تعلمون علم اليقين ﴾ اتفقوا على أن جواب " لو " محذوف لأن قوله ﴿ ثم لتسألن ﴾ أمر واقع قطعاً فلو كان قوله ﴿ لترون ﴾ جواباً للشرط كانت الرؤية أمراً مشكوكاً فيه فيلزم المخالفة بين المعطوفات أو الشك فيما هو واقع قطعاً وكلاهما غير سديد، ثم في تقدير الجواب وجوه قال الأخفش: لو تعلمون علم اليقين ما ألهاكم التكاثر.

وقال أبو مسلم: لو علمتم ما يجب عليكم وما خلقتم لأجله لاشتغلتم به.

وقال أهل البيان: الأولى تقدير ما هو عام في كل شيء وهو لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه كنهه ولكنكم ضلال جهلة.

ومعنى ﴿ علم اليقين ﴾ علم يقين فأضيف الموصوف إلى الصفة نحو ولدار الآخرة.

ويحتمل أن يكون اليقين هو الموت كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ إن الشك حينئذ يزول والأحوال إلى اليقين تؤول، والإنسان إذا علم ما يلقاه حين الموت وبعده لم يلهه التكاثر، وإضافة العلم إلى بعض أنواعه جائزة كعلم الطب وعلم الحساب، وفي الآية بعث للعلماء على أن يعملوا بعلمهم وإلا لم يكن بعد فوات إبان العمل سوى الحسرة والندامة.

يروى أن ذا القرنين لما دخل الظلمات أمر لمن معه بأن يأخذوا من الخرز الذي كانت عنده فأخذ بعضهم وترك بعضهم، فلما خرجوا من الظلمات وجدوا الخرز جواهر وكان للآخذين فرحاً وسروراً وللتاركين غماً وحسرة.

أما تكرار رؤية الجحيم فقيل: إن الأول رؤيتها من بعيد كما قال ﴿ إذا رأتهم من مكان بعيد  ﴾ والثاني رؤيتها من قريب إذا وصلوا إلى شفيرها.

وقيل: الأولى عند الورود، والثاني بعد الدخول، وأورد قوله ﴿ ثم لتسئلن ﴾ فيها فإن السؤال قبل الدخول.

وقيل: التثنية للتكرير والمراد تتابع الرؤية وإتصالها فكأنه قيل لهم: إن كنتم اليوم شاكين فيها فسترونها رؤية دائمة متصلة، فيجوز أن يكون قوله ﴿ علم اليقين ﴾ متعلقاً بالرؤيتين جميعاً، ويجوز أن يكون متعلقاً بالثانية لأن علمهم بها وبأحوالها وآلامها يزداد شيئاً فشيئاً حتى يصير الخبر عيناً.

ومعنى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين قد مر في آخر " الواقعة " وفي السؤال عن النعيم وجهان: الأول أنه للكفار لما "روي أن أبا بكر لما نزلت الآية قال: يا رسول الله أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم وبسر وماء عذب، أتكون من النعيم الذي يسأل عنه؟

فقال  : إنما ذلك للكفار ثم قرأ ﴿ وهل نجازي إلا الكفور  ﴾ " ولأن الخطاب في أول السورة للذين ألهاهم التكاثر عن المعاد فناسب أن يكون الخطاب في آخر السورة أيضاً لهم.

ويكون الغرض من السؤال التقريع حتى يظهر لهم أن الذي ظنوه سبباً للسعادة هو أعظم أسباب الشقاء لهم.

الثاني العموم لوجوه منها خير أبي هريرة عن النبي  " أول ما يسأل عن العبد يوم القيامة النعيم فيقال له ألم نصحح لك جسمك ألم نروك من الماء البارد " .

ومنها قول محمود بن لبيد: لمَّا نزلت السورة قالوا: يا رسول الله إنما هو إنما هو الماء والتمر وسيوفنا على عواتقنا والعدو حاضر فعن أي نعيم يسأل؟

فقال: أما إنه سيكون وعن أنس لما نزلت الآية قام محتاج فقال: هل علي من النعمة شيء؟

قال: الظل والنعلان والماء البارد.

وعن النبي  " "لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه ماذا عمل به" وعن الباقر  أن النعيم العافية.

وعنه أن الله أكرم من أن يطعم عبداً ويسقيه ثم يسأله عنه، وإنَّما النعيم الذي عنه هو رسول الله  أما سمعت قوله  ﴿ لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً  ﴾ وقيل: هو الزائد على الكفاية.

وقيل: خمس نعم: شبع البطون وبارد الشراب ولذة النوم وإظلال المساكن واعتدال الخلق، وعن ابن مسعود: الأمن والصحة والفراغ، وعن ابن عباس: ملاذ المأكول والمشروب.

وقيل: الانتفاع بالحواس السليمة.

وعن الحسين بن الفضل: تخفيف الشرائع وتيسير القرآن.

وقال ابن عمر: الماء البارد.

والظاهر العموم لأجل لام الجنس إلا أن سؤال الكافر للتوبيخ لأنه عصة وكفر، وسؤال المؤمن للتشريف فإنه أطاع وشكر.

والظاهر أن هذا السؤال في الموقف وهو متقدم على مشاهدة جهنم.

ومعنى " ثم " الترتيب في الإخبار أي ثم أخبركم أنكم تسألون يوم القيامة عن النعيم.

وقيل: هو في النار توبيخاً لهم كقوله ﴿ كلما ألقي فيها فوج سألتهم خزنتها ألم يأتكم نذير  ﴾ وقوله ﴿ ما سلككم  ﴾ ونحوه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ ﴾ ، أي: شغلكم التفاخر بالتكاثر، وثم لم يقل: عماذا شغلتم؟

فيجوز أن يكون ﴿ أَلْهَاكُمُ ﴾ ، أي: شغلكم التكاثر عن توحيد الله -  - أو عن التفكر في حجج رسول الله  ، أو عن ذكر البعث.

ثم قوله -  -: ﴿ أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ ﴾ يحتمل تأويلين: أحدهما: أن يكون الغرض من الخطاب بهذه الآية: آباءهم وسلفهم الذين تقدموا بالإخبار عن قبح صنيعهم واشتغالهم بالسفه؛ فيكون هذا صلة آيات أخر، من نحو قوله -  -: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ  ﴾ ، وغير ذلك؛ فكأن الله -  - يخبرهم بآبائهم، ونهاهم عن الاقتداء بآبائهم؛ لأنهم تعاطوا أفعالا تخرج عن الحكمة حتى ماتوا، وذلك يقع من جهين: أحدهما: أن من أنعم عليه نعمة، فجحدها، ولم يؤد شكرها، استوجب المقت والعقوبة؛ يقول: كيف تقتدون بآبائكم، وإنهم كفروا بنعمة الله، وجحدوا بها، بل الواجب عليكم أن تتبعوا النبي الذيج اء بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم.

والثاني: أن يكون فيه علامة ودلالة للبعث: أن آباءهم لما فعلوا ما يستوجب به المقت والعقوبة، وماتوا من غير أن يصيبهم ذلك في دنياهم: أن لهم دار أخرى يعاقبون فيها بما فعلوا.

وإن كان الخطاب إنما انصرف إليهم، ففيه إخبارهم عن سفههم: أنه شغلهم التفاخر بالتكاثر حتى جحدوا آيات رسوله،  .

أو أن يكون في إخبار عن سفههم من وجه آخر، وهو أن الافتخار كيف وقع بالأموات، والتفاخر بالأموات غير مستقيم.

أو يكون فيه وجه ثالث: إنما تفاخروا بما لا صنع لهم فيه؛ لأنهم: إنما افتخروا بالأموال والأولاد، وذلك من لطف الله -  - وجميل صنعه؛ فيكون في هذا كله ذكرهم بما فيهم من السفه والخرق.

ثم التعيير بذكر هذه الأسباب إنما واقع - والله أعلم - دون ما هم فيه من الكفر؛ لأن هذه الأسباب مما يتلى به المؤمن في بعض الأحوال؛ فعيرهم الله -  - بذلك؛ ليكون فيه تذكير وموعظة للمؤمنين، ولو خرج ذكر الكفار في هذا، لكان لا يجتنب المؤمن شيئا من هذا الأفعال.

وقد روي "أن النبي  قرأ: ﴿ أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ ﴾ ، فقال: يقول ابن آدم: مالي، [مالي]، ومالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت..." الخبر؛ فهذا يدل على أن الوعيد على الإطلاق من غير تصريح بأهل الكفر؛ لموعظة المسلمين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ ﴾ يحتمل: حقيثقة زيارة الموتى، وذلك مما يذكرهم أن التكاثر مما لا ينفعهم إذا كان عاقبتهم هذا.

ويحتمل: أي: صرتم إلى المقابر بعد الموت؛ فحيئنذ تذكرون حق الله -  - ثم لا ينفعكم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ، قال بعضهم: كلا، يمعنى: النفي، والتعطيل.

وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ، أي: خقا.

فإن كان على الوجه الأول، فكأنه قال: ليس كما حسبتمن وتوهمتم، وقدرتم عند أنفسكم وتعلمون ذلك إذا نزل بكم العذاب، وهو على الابتداء.

وإن كان على معنى: حقا، فكأنه قال: حقا ستعلمون أنه ليس كما قدرتم عند أنفسكم، وكل ذلك يرجع إلى الوجوه التي وصفنا أنكم ستعلمون غدا حقا يقينا: أن الذي ألهاكم، وشغلكم عن توحيد الله  والتفكر في حجج رسول الله  والإيمان بالبعث كان عبثا باطلاً، وأنه كان من الواجب عليكم: أن تؤمنوا بالله ورسوله، وتنظروا في حجج رسول الله  ، وتؤمنوا بالبعث.

وفائدة التكرار: ما جرى من العادة في تكرار الكلام عند الوعيد أو عند الإياس أو الرجاء؛ نحو قولهم: الويل الويل، وقولهم: بخ بخ، وغير ذلك؛ فكذلك هذا.

ومنهم من حمل كل لفظة من ذلك على التأويل على حدة: أن قوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ عند الموت عندما ترون العذاب: أن الأمر ليس كما حسبتم، وتعلمون في يوم البعث أنه حق يقينز وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ ﴾ ، يعني بهذا - والله أعلم -: إبطال ما كانوا عليه من الظنون والحسبان في هذه الدنيا؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً  ﴾ ، فإذا نزل بهم العذاب تحقق عندهم، وعلموا علما يقينا.

وقال بعضهم: ﴿ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ حين نزل بكم الموت، ﴿ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ في القبر، وكذلك روي عن علي -  - أنه قال: كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت هذه السورة.

وفيه وجه ثان: وهو أنهم كانوا عند أنفسهم علماء، وأنهم على حق، ولكن الله -  - بين لهم أن علمهم كان حسبانا؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾ } [الكهف: 104]؛ فيظهر لهم عند ذلك: أن اليقين ما نزل بهم، وأن الذي علموا لم يكن علم يقين؛ بل كان شكا وحسبانا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: يرونها عند الموت.

والثاني: أي: يرونها بالتفكر والنظر في آيات الله وحججه في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ ﴾ ، له معنيان: أحدهما: عيانا ومشاهدة.

والثاني: أن تكون رؤيتهم بعين اليقين، ليس على ما كان عندهم: أنهم لو فتح لهم باب من السماء وعرجوا إليها، لقالوا: ﴿ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ  ﴾ ، يقول [الله]  : يرتفع عنهم السحر عن أبصارهم، فيرونها عين اليقين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ ظاهر هذا يقتضي أن يكون سؤالهم بعدما دخلوا النار؛ لأنه قال: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ ﴾ بعدما وصف أنهم يدخلون النار؛ فبان أنه في ذلك الوقت، فإن كان على ذلك، فهو في موضع التقرير عندهم: أنهم استوجبوا المقت والعقوبة؛ لأنه كان عندهم أن من أنعم عليه بنعمة، فمل يشكرها، استوجب المقت والعقوبة؛ فالله -  - يسألهم في ذلك الوقت عن شكر ما أنعم عليهم؛ ليقرر عندهم استيجاب العقوبة، ويجوز أن يكون هذا عند الحساب؛ لأنه قال: ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ ، ولم يقل: قبل ذلك، أو بعده؛ بل قال على الإطلاق؛ فيعمل به.

وإذا احتمل ذلك الوجه [أن ينصرف] إلى المؤمنين والكافرين كان الوجه في سؤال المؤمنين تذكيرهم أن أعمالهم لم تبلغ ما يستوفى بها شكر النعمة التي أنعمها عليهم، وليعلموا أن الله -  - تفضل عليهم، وتجاوز عنهم، لا أن بلغت إليه حسناتهم، فاستوجبوا رحمته بها؛ بل بكرمه وفضله.

وإن كان في الكفارين، فهو تقرير ما استوجبوا من نقمته حث تركوا شكر نعمه.

ثم قوله -  -: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ إن كان السؤال من الكفرة فإنهم يسألون عما تركوا من الإيمان بالله -  - وبما أتى إليهم الرسول  وبغير ذلك من النعيم.

وإن كان في المؤمنين فهو في سائر النعم من المأكول والمشروب والملبوس ونحوها، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ثم ليسألنكم الله في ذلك اليوم عما أنعم به عليكم من الصحة والغنى وغيرهما.

من فوائد الآيات خطر التفاخر والتباهي بالأموال والأولاد.

القبر مكان زيارة سرعان ما ينتقل منه الناس إلى الدار الآخرة.

يوم القيامة يُسْأل الناس عن النعيم الَّذي أنعم به الله عليهم في الدنيا.

الإنسان مجبول على حب المال.

تفسير محمد عبده · محمد عبده

(ألهاكم التكاثر).

ألهاه يلهيه: أي شغله حتى صرف ذهنه عن سوى ما التهى به.

وإذا ألهيت بشيء، فأنت به غافل عما سواه.

والتكاثر: هو التباهي بالكثرة.

يقول كل للآخر: أنا أكثر منك ولدًا.

أنا أكثر منك مالًا، أنا أكثر منك رجال حرب وضرب، وما يشبه ذلك من ضروب التفاخر.

يقول قد شغلكم التفاخر والتباهي بكثرة الأنصار أو الأشياع، وصرفكم ذلك عن الجد في العمل.

فكنتم في لهو بالقول عن الفعل، وفي غفلة بالغرور والإعجاب بالآباء والأعوان عن صرف القوى في القيام بما فرض عليكم من الأعمال لأنفسكم وأهلكم ودينكم، واستمر بكم ذلك (حتى زرتم المقابر).

أي حتى هلكتم وصرتم من أهل القبور.

انتهيتم إلى هذه الغاية وأنتم تظنون أنكم فائزون.

(كلا) ارتدعوا مثل هذا الظن الباطل، فإنه لا فوز بالتكاثر، وإنما الفوز بحقيقة التناصر والتضافر على الحق، و (سوف تعلمون) مصيركم إذا استمر بكم هذا التفاخر بالباطل بدون عمل صحيح ينفعكم فيما يطالبكم به المجد الصادق والأوامر الإلهية.

ولما كانت عواقب اللهو إنما تأتي بعد إهمال من الله وطول مدة في الأغلب، عبر بـ (سوف).

ولما كانت الغفلة شديدة، وتمكن اللهو في النفوس قد وضع على القلوب حجابًا كثيفًا يحول دون البصائر والمصائر، أعاد الخبر للتأكد بقوله: ﴿ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ  ﴾ .

وأتى بحرف العطف، "ثم" -مع أن الجمل المؤكدة لا توصل بحروف العطف- ليفيدك أنه خبر جديد بمعناه جيء به بعد الخبر الأول لا مجرد إعادة لفظ.

وقد يكون معنى التكاثر التغالب في الكثرة، أي طلب كل واحد أن يكون أكثر من الآخر مالًا أو رجالًا، والسعي إلى ذلك لمجرد المغالبة لا ينبغي الساعي في سعيه إلا أن يكون ماله أكثر من مال الآخر، وأن يكون عضده أقوى من عضده لينال بذلك لذة التعلي والظهور بالقوة كما هو شأن الجمهور الأغلب من طلاب الثروة والقوة.

ولا ينظر الدائب منهم في عمله إلى تلك الغاية الرفيعة: غاية البذل مما يكسب في سبل الخير أو النهوض بالقوة إلى نصرة الحق وحمل المبطلين على معرفته والتوجه إليه، ثم المحافظة بعد ذلك عليه.

وهو معنى مقبول ذهب إليه بعض المفسرين وهو يتفق كل الاتفاق مع ما يفهم من لفظ (ألهاكم) فإن الذي يلهي الناس عن الحق في كل حال ويصرف وجوههم عنه إلى الباطل، هو طمع كل واحد منهم في أن يكون أكثر من الآخر مالًا أو عدد رجال ليعلو عليه ويستخدمه لسلطانه بقدر ما يدخل في إمكانه.

أما التفاخر بالأقوال فإنما يلهيهم في بعض الأحوال.

جرت سنة الغافلين إذا نبهوا والذاهلين إذا ذكروا بعواقب ما هم فيه أن يحدثوا أنفسهم بأنهم يعلمون ذلك، وأنهم يفعلون ما يفعلون عن يقظة وإرشاد بصيرة، وأنهم محيطون بما ينشأ عن فعالهم، ويسألون أنفسهم بذلك ليستمروا في لهوهم.

فحارب الله هذه الهواجس وقاتل هذه الخواطر بقوله: ﴿ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ  ﴾ أي ارتدعوا عن تغريركم بأنفسكم بدعوى أنكم تعلمون عاقبة ما أنتم فيه من اللهو بالتكاثر.

فإن هذا الذي تسمونه علمًا ليس على الحقيقة بعلم.

وإنما هو وهم وظن لا يلبث أن يتغير مهما استحكم عقده من قلوبكم لأنه لا يطابق واقعًا.

والجدير بأن يسمى علمًا هو علم اليقين، أي العلم الذي هو من أفراد اليقين.

واليقين هو الاعتقاد الذي يطابق الواقع عن عيان أو دليل صحيح مقدماته بديهية أو منتهية إلى البديهات بحيث يستحيل تغيره.

والنفس إذا ملكت هذا النوع من العلم ملك هو إرادتها وعاد المصرف لها في شؤونها.

فلو تعلمون هذا العلم لرفعكم عن هذا التكاثر، ودفعكم إلى السعي فيما تصلح به ظواهركم، وتخلص به لله سرائركم، وتتحد به في تأييد الحق هممكم لأن التحقق من سوء العاقبة ينأى بالنفس عما يفضي إليها، ويدفعها إلى طلب ما هو أحسن منها، فجواب (لو) محذوف، حذف ليطلبه العقل من الشرط وما سبقه ليستحكم فيه من فضل استحكام.

ثم استأنف القول لذكر بعض ما ينتهي إليه هذا اللهو -وهو عذاب الآخرة بعد خزي الدنيا- ولو كان اليقين به حاصلًا ما أقدمت النفس الموقنة به على عمل أوعد الله بذلك العذاب عليه، فقال ﴿ لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ  ﴾ .

أي أن دار العذاب التي لا يمنعكم الآن تصورها عن اللهو بالباطل -مع أنها جزاء من يلهو به عن الحق- هي ثابتة لا ريب فيها ولترونها بأعينكم فاجعلوا صورة عذابها حاضرة في أذهانكم فتكون منبهة لكم إلى ما هو خير لكم مما تلهون.

ولما كان الكثير من الناس يظن أنه يعتقد بالآخرة وما فيها من عذاب ونكال، ومع ذلك يرتكب السيئات ويقترف المنكرات، وهو في ذلك يمني نفسه بأنه ممن يعفو الله عنهم فيزحزحه عن النار بمجرد نسبته إلى دين وتجلببه بلقب من ألقابه.

كأن يسمى نفسه مسلمًا وهو يخالف أحكام القرآن، أو من أمة محمد وهو يعمل أعمال أعداء محمد  ..

لما كانت هذه الظنون مما يسرع إلى النفوس، أبطلها الله بتأكيد الخبر وتكريره فقال ﴿ ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ  ﴾ أي لترونها رؤية هي اليقين نفسه.

وعلم العيان والمشاهدة من أفراد اليقين، يسمى عين اليقين لأنه هو الذي تنتهي إليه جميع العلوم اليقينية لأن العلم البرهاني إن لم ينته إلى علم عياني لا يعد يقينًا.

فالعياني هو ذات اليقين، وبقية العلوم تضاف إليه متى استوفت شرائطها، وكنى رؤية الجحيم عن ذوق العذاب فيها، وهي كناية شائعة في الكتاب العزيز.

فإذا كان اللاهون بالتفاخر لا بد أن يصلوا نار الجحيم -إلى أي دين أو إلى أي شخص كانت نسبتهم- فلم يبق عليهم إلا أن يتقوا الله في أنفسهم وينتهوا عما يقذف بهم في ذلك العذاب الأليم، وينظروا إلى ما هم فيه من نعمة فيراعوا حق الله فيها، ويستعملوها فيما امر الله أن تستعمل فيه، ولا يكتفوا منها بالتمتع باللذات ثم التفاخر بها.

ولقد زاد الأمر عليهم تشديدا بقوله ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ  ﴾ أي أن هذا النعيم الذي تتفاخرون به وتعدونه مما يباهي به بعضكم بعضًا، هو مما لا بد أن تسألوا عنه: ما صنعتم به؟

هل أديتم حق الله فيه، وراعيتم حدود أحكامه في التمتع به، فإن لم تكن الحقوق أديت ولم تكن الأحكام روعيت كان هذا النعيم غاية الشقاء في دار البقاء.

نسأل الله أن يوفقنا لرعاية أحكامه فيما أنعم به علينا.

بقي أن يقال: إن هذا الخطاب موجه إلى الأحياء ليعتبروا، فكيف جيء فيه بصيغة الماضي في قوله: ﴿ زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ  ﴾ .

مع أن الحي لم يزرها بعد.

وهو ما حمل أبا مسلم على أن يقول: "إن هذا خطاب من الله للناس في الآخرة للتقريع"..

مع أن قوله ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ  ﴾ يدافع هذا المعنى، وحمل غير أبي مسلم على الرجوع إلى أسباب ذَكرها المفسرون وقالوا: "إنها نزلت في قبيلتين من الأنصار تفاخروا وتكاثروا بأحيائهم.

فلما كثرت إحدى القبيلتين الأخرى لجأت الأخرى إلى الأموات وقالت: هلموا بنا إلى المقابر لنعد من كان من رجالنا ونشير إلى قبورهم".

ولا يخفي أن التكاثر ليس خاصًا بالرجال، بل يشمل المال.

واللفظ والخطاب عامان، ولا بد أن يكون المعنى على العموم، وتلك الحيرة التي حاروها لا داعي إليها.

فقد جرت سنة الكتاب العزيز أن يخاطب الحاضر بما كان من الغائب متى كان الحاضر يحتذي حذو الغائب وكان للجميع جامعة تضمهم.

والله يخاطب جمهور المترفين أو المنعمين من الناس، ويذكر عمل من سلف منهم كما قال لبني إسرائيل يخاطبهم في زمن النبي  ، ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ  ﴾ إلي آخر الآيات وفيها ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ  ﴾ إلخ، مع أن الذي وقع له ومنه ما ذكر في الآيات أسلافهم.

وذلك كما تقول لأعقاب الظالمين: "لا زلتم تظلمون الناس حتى أكلكم الظلم وأهلككم ففنيتم وأراح الله الناس منكم"، مع أن الذي هلك واستراحت الناس منه أسلافهم.

وهو ضرب من التعبير يريد الله به أن يحمل تبعة الناس بعضهم على بعض حتى لا يدع أحدهم أخاه يأتي منكرًا يفشو فيفسد به جماعتهم.

والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله