الآية ١٢٠ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ١٢٠ من سورة هود

وَكُلًّۭا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ وَجَآءَكَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌۭ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ١٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 81 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٠ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٠ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : وكل أخبار نقصها عليك ، من أنباء الرسل المتقدمين قبلك مع أممهم ، وكيف جرى لهم من المحاجات والخصومات ، وما احتمله الأنبياء من التكذيب والأذى ، وكيف نصر الله حزبه المؤمنين وخذل أعداءه الكافرين - كل هذا مما نثبت به فؤادك - يا محمد - أي : قلبك ، ليكون لك بمن مضى من إخوانك من المرسلين أسوة .

وقوله : ( وجاءك في هذه الحق ) أي : [ في ] هذه السورة .

قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وجماعة من السلف .

وعن الحسن - في رواية عنه - وقتادة : في هذه الدنيا .

والصحيح : في هذه السورة المشتملة على قصص الأنبياء وكيف نجاهم الله والمؤمنين بهم ، وأهلك الكافرين ، جاءك فيها قصص حق ، ونبأ صدق ، وموعظة يرتدع بها الكافرون ، وذكرى يتوقر بها المؤمنون .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: (وكلا نقصّ عليك) ، يا محمد (4) ، (من أنباء الرسل) ، الذين كانوا قبلك (5) ، (ما نثبت به فؤادك) ، فلا تجزع من تكذيب من كذبك من قومك ، وردَّ عليك ما جئتهم به، ولا يضق صدرك ، فتترك بعض ما أنـزلتُ إليك من أجل أن قالوا: لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ؟

إذا علمت ما لقي من قبلك من رسلي من أممها، (6) كما:- 18741- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك) ، قال: لتعلم ما لقيت الرسل قبلك من أممهم.

* * * وأختلف أهل العربية في وجه نصب " كلا ".

فقال بعض نحويي البصرة: نصب على معنى: ونقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ، كلا ، ، كأنَّ الكلّ منصوب عنده على المصدر من " نقص " بتأويل: ونقص عليك ذلك كلَّ القصص .

* * * وقد أنكر ذلك من قوله بعض أهل العربية وقال: ذلك غير جائز ، وقال إنما نصبت " كلا " ب " نقصّ"، لأن " كلا " بنيت على الإضافة ، كان معها إضافةٌ أو لم يكن وقال: أراد: كلَّه نقص عليك، وجعل " ما نثبت " ردًّا على " كلا "، وقد بينت الصواب من القول في ذلك.

(7) * * * وأما قوله: (وجاءك في هذه الحق) ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله: فقال بعضهم: معناه: وجاءك في هذه السورة الحق.

*ذكر من قال ذلك : 18742- حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي إياس، عن أبي موسى: (وجاءك في هذه الحق) ، قال: في هذه السورة.

18743- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أبي موسى، مثله.

18744- حدثنا ابن بشار قال، حدثني سعيد بن عامر قال ، حدثنا عوف، عن أبي رجاء، عن ابن عباس، في قوله: (وجاءك في هذه الحق) ، قال: في هذه السورة.

18745- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن عمرو العنبري، عن ابن عباس: (وجاءك في هذه الحق) ، قال: في هذه السورة.

18746- حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن رجل من بني العنبر قال: خطبنا ابن عباس فقال: (وجاءك في هذه الحق) ، قال: في هذه السورة.

18747- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير قال: سمعت ابن عباس قرأ هذه السورة على الناس حتى بلغ: (وجاءك في هذه الحق) ، قال في هذه السورة.

18748- حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن عوف، عن مروان الأصغر، عن ابن عباس أنه قرأ على المنبر: (وجاءك في هذه الحق) فقال: في هذه السورة 18749- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد: (وجاءك في هذه الحق) قال: في هذه السورة.

18750- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:، في هذه السورة.

18751- حدثني المثني قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

18752- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

18753- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن شريك، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، مثله.

18754- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبد الله، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: هذه السورة.

18755- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن سعيد، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، مثله.

18756- حدثني يعقوب قال ، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا أبو رجاء، عن الحسن في قوله: (وجاءك في هذه الحق) ، قال: في هذه السورة.

18757- حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، بمثله.

18758- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن شعبة، عن أبي رجاء عن الحسن.

مثله.

18759- حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا عبد الرحمن، عن أبان بن تغلب، عن مجاهد، مثله.

18760- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (وجاءك في هذه الحق) قال: في هذه السورة.

18761- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة [مثله].

(8) 18762- حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا شعبة، عن أبي رجاء قال: سمعت الحسن البصري يقول في قول الله: (وجاءك في هذه الحق) ، قال: يعني في هذه السورة.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: وجاءك في هذه الدنيا الحق.

*ذكر من قال ذلك : 18763- حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة، عن قتادة: (وجاءك في هذه الحق) ، قال: في هذه الدنيا.

18764- حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن شعبة، عن قتادة: (وجاءك في هذه الحق)، قال: كان الحسن يقول: في الدنيا .

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في تأويل ذلك، قول من قال: وجاءك في هذه السورة الحق ، لإجماع الحجة من أهل التأويل، على أن ذلك تأويله.

* * * فإن قال قائل: أو لم يجيء النبي صلى الله عليه وسلم الحق من سور القرآن إلا في هذه السورة ، فيقال : وجاءك في هذه السورة الحق؟

قيل له: بلى ، قد جاءه فيها كلِّها.

فإن قال: فما وجه خصُوصه إذًا في هذه السورة بقوله: (وجاءك في هذه الحق) ؟

قيل: إن معنى الكلام: وجاءك في هذه السورة الحق مع ما جاءك في سائر سور القرآن ، أو إلى ما جاءك من الحق في سائر سور القرآن ، لا أن معناه: وجاءك في هذه السورة الحق دون سائر سور القرآن.

* * * وقوله: (وموعظة) يقول: وجاءك موعظةٌ تعظ الجاهلين بالله ، وتبين لهم عبره ممن كفر به وكذب رسله (9) ، (وذكرى للمؤمنين) يقول: وتذكرة تذكر المؤمنين بالله ورسله ، كي لا يغفلوا عن الواجب لله عليهم.

* * *

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنينقوله تعالى : وكلا نقص عليك كلا نصب ب " نقص " معناه وكل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل نقص عليك .

وقال الأخفش : " كلا " حال مقدمة ، كقولك : كلا ضربت القوم .من أنباء الرسل أي من أخبارهم وصبرهم على أذى قومهم .ما نثبت به فؤادك أي على أداء الرسالة ، والصبر على ما ينالك فيها من الأذى .

وقيل : نزيدك به تثبيتا ويقينا .

وقال ابن عباس : ما نشد به قلبك .

وقال ابن جريج : نصبر به قلبك حتى لا تجزع .

وقال أهل المعاني : نطيب ، والمعنى متقارب .

و " ما " بدل من كلا ، المعنى : نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك .وجاءك في هذه الحق أي في هذه السورة ; عن ابن عباس وأبي موسى وغيرهما ; وخص هذه السورة لأن فيها أخبار الأنبياء والجنة والنار .

وقيل : خصها بالذكر تأكيدا وإن كان الحق في كل القرآن .

وقال قتادة والحسن : المعنى في هذه الدنيا ، يريد النبوة .وموعظة وذكرى للمؤمنين الموعظة ما يتعظ به من إهلاك الأمم الماضية ، والقرون الخالية المكذبة ; وهذا تشريف لهذه السورة ; لأن غيرها من السور قد جاء فيها الحق والموعظة والذكرى ولم يقل فيها كما قال في هذه على التخصيص .

وذكرى للمؤمنين أي يتذكرون ما نزل بمن هلك فيتوبون ; وخص المؤمنين لأنهم المتعظون إذا سمعوا قصص الأنبياء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر في هذه السورة من أخبار الأنبياء، ما ذكر، ذكر الحكمة في ذكر ذلك، فقال: { وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ْ} أي: قلبك ليطمئن ويثبت ويصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، فإن النفوس تأنس بالاقتداء، وتنشط على الأعمال، وتريد المنافسة لغيرها, ويتأيد الحق بذكر شواهده، وكثرة من قام به.

{ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ ْ} السورة { الْحَقُّ ْ} اليقين، فلا شك فيه بوجه من الوجوه، فالعلم بذلك من العلم بالحق الذي هو أكبر فضائل النفوس.

{ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ْ} أي: يتعظون به، فيرتدعون عن الأمور المكروهة، ويتذكرون الأمور المحبوبة لله فيفعلونها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ) معناه : وكل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل ، أي : من أخبارهم وأخبار أممهم نقصها عليك لنثبت به فؤادك ، لنزيدك يقينا ونقوي قلبك ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعها كان في ذلك تقوية لقلبه على الصبر على أذى قومه .

( وجاءك في هذه الحق ) قال الحسن ، وقتادة : في هذه الدنيا .

وقال غيرهما : في هذه السورة .

وهذا قول الأكثرين .

خص هذه السورة تشريفا ، وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور .

( وموعظة ) أي : وجاءتك موعظة ( وذكرى للمؤمنين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وكلا» نصب بنقص وتنوينه عوض المضاف إليه أي كل ما يحتاج إليه «نقص عليك من أنباء الرسل ما» بدل من «كلا»، «نثبت» نطمئن «به فؤادك» قلبك «وجاءك في هذه» الأنباء أو الآيات «الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين» خصوا بالذكر لانتفاعهم بها في الإيمان بخلاف الكفار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ونقصُّ عليك -أيها النبي- من أخبار الرسل الذين كانوا قبلك، كل ما تحتاج إليه مما يقوِّي قلبك للقيام بأعباء الرسالة، وقد جاءك في هذه السورة وما اشتملت عليه من أخبار، بيان الحق الذي أنت عليه، وجاءك فيها موعظة يرتدع بها الكافرون، وذكرى يتذكر بها المؤمنون بالله ورسله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أهم الفوائد التى تعود على الرسول - صلى الله عليه وسلم - من وراء إخباره بأحوال الأنبياء السابقين مع أقوامهم فقال : ( وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرسل مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ .

.

.

) .والتنوين فى قوله ( وكلا ) للعوض عن المضاف إليه .

والأنباء جمع نبأ وهو الخبر الهام :أى : وكل نبأ من أنباء الرسل الكرام السابقين نقصه عليك - أيها الرسول الكريم - ونخبرك عنه .

فالمقصود به تثبيت قلبك ، وتقوية يقينك ، وتسلية نفسك ونفوس أصحابك عما لحقكم من أذى فى سبيل تبليغ دعوة الحق إلى الناس .وقوله - سبحانه - ( وَجَآءَكَ فِي هذه الحق وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ ) بيان لما اشتملت هذه السورة الكريمة من أخبار صادقة ، وعظات بليغة .أى وجاءك - أيها الرسول الكريم - فى هذه السورة الكريمة وغيرها من سور القرآن الكريم : الحق الثابت المطابق للواقع ، والعظات الحكيمة ، والذكرى النافعة للمؤمنين بما جئت به .وأما الذين فى قلوبهم مرض فقد زادتهم هذه السورة وأمثالها رجسا إلى رجسهم ، وماتوا وهم كافرون .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر القصص الكثيرة في هذه السورة ذكر في هذه الآية نوعين من الفائدة.

الفائدة الأولى: تثبيت الفؤاد على أداء الرسالة وعلى الصبر واحتمال الأذى، وذلك لأن الإنسان إذا ابتلى بمحنة وبلية فإذا رأى له فيه مشاركاً خف ذلك على قلبه، كما يقال: المصيبة إذا عمت خفت، فإذا سمع الرسول هذه القصص، وعلم أن حال جميع الأنبياء صلوات الله عليهم مع أتباعهم هكذا، سهل عليه تحمل الأذى من قومه وأمكنه الصبر عليه.

والفائدة الثانية: قوله: ﴿ وَجَاءكَ فِي هذه الحق وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ وفي قوله: ﴿ فِي هذه ﴾ وجوه: أحدها: في هذه السورة.

وثانيها: في هذه الآية.

وثالثها: في هذه الدنيا، وهذا بعيد غير لائق بهذا الموضع.

واعلم أنه لا يلزم من تخصيص هذ السورة بمجيء الحق فيها أن يكون حال سائر السور بخلاف ذلك، لاحتمال أن يكون الحق المذكور في هذه السورة أكمل حالاً مما ذكر في سائر السور، ولو لم يكن فيها إلا قوله: ﴿ فاستقم كَمَا أُمِرْتَ  ﴾ لكان الأمر كما ذكرنا، ثم إنه تعالى بين أنه جاء في هذه السورة أمور ثلاثة الحق والموعظة والذكرى.

أما الحق: فهو إشارة إلى البراهين الدالة على التوحيد والعدل والنبوة.

وأما الذكرى: فهي إشارة إلى الإرشاد إلى الأعمال الباقية الصالحة.

وأما الموعظة: فهي إشارة إلى التنفير من الدنيا وتقبيح أحوالها في الدار الآخرة، والمذكرة لما هنالك من السعادة والشقاوة، وذلك لأن الروح إنما جاء من ذلك العالم إلا أنه لاستغراقه في محبة الجسد في هذا العالم نسي أحوال ذلك العالم فالكلام الإلهي يذكره أحوال ذلك العالم، فلهذا السبب صح إطلاق لفظ الذكر عليه.

ثم هاهنا دقيقة أخرى عجيبة: وهي أن المعارف الإلهية لابد لها من قابل ومن موجب، وقابلها هو القلب، والقلب ما لم يكن كامل الاستعداد لقبول تلك المعارف الإلهية والتجليات القدسية، لم يحصل الانتفاع بسماع الدلائل، فلهذا السبب قدم الله تعالى ذكر إصلاح القلب، وهو تثبيت الفؤاد، ثم لما ذكر صلاح حال القابل، أردفه بذكر الموجب، وهو مجيء هذه السورة المشتملة على الحق والموعظة والذكرى، وهذا الترتيب في غاية الشرف والجلالة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَكُلاًّ ﴾ التنوين فيه عوض من المضاف إليه كأنه قيل.

وكل نبأ ﴿ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ و ﴿ مِنْ أَنْبَاء الرسل ﴾ بيان لكل.

﴿ وَمَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ بدل من كلا.

ويجوز أن يكون المعنى: و كل واقتصاص نقصّ عليك، على معنى: وكل نوع من أنواع الاقتصاص نقصّ عليك، يعني: على الأساليب المختلفة، و ﴿ مَا نُثَبّتُ بِهِ ﴾ مفعول نقصّ.

ومعنى تثبيت فؤاده: زيادة يقينه وما فيه طمأنينة قلبه، لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ للعلم ﴿ وَجَاءكَ فِي هذه الحق ﴾ أي في هذه السورة.

أو في هذه الأنباء المقتصة فيها ما هو حق ﴿ وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ وَقُل لّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ من أهل مكة وغيرهم ﴿ اعملوا ﴾ على حالكم وجهتكم التي أنتم عليها ﴿ إِنَّا عَامِلُونَ وانتظروا ﴾ بنا الدوائر ﴿ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ﴾ أن ينزل بكم نحو ما اقتص الله من النقم النازلة بأشباهكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَكُلا ﴾ وكُلَّ نَبَأٍ.

﴿ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ﴾ نُخْبِرُكَ بِهِ.

﴿ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ﴾ بَيانٌ لِكُلًّا أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى المَقْصُودِ مِنَ الِاقْتِصاصِ وهو زِيادَةُ يَقِينِهِ وطُمَأْنِينَةُ قَلْبِهِ وثَباتُ نَفْسِهِ عَلى أداءِ الرِّسالَةِ واحْتِمالِ أذى الكُفّارِ، أوْ مَفْعُولٌ ﴿ وَكُلا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ بِمَعْنى كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الِاقْتِصاصِ نَقُصُّ عَلَيْكَ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ.

﴿ وَجاءَكَ في هَذِهِ ﴾ السُّورَةِ أوِ الأنْباءِ المُقْتَصَّةِ عَلَيْكَ.

﴿ الحَقُّ ﴾ ما هو حَقٌّ.

﴿ وَمَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ إشارَةٌ إلى سائِرِ فَوائِدِهِ العامَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وكلا} التنوين فهي عوض من المضاف إليه كأنه قيل وكل نبأ وهو منصوب بقوله {نَقُصُّ عَلَيْكَ} وقوله {مِنْ أَنْبَاء الرسل} بيان لكل وقوله {مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} بدل من كلا {وَجَاءكَ فِى هذه الحق} أي في هذه السورة أو في هذه الأنباء المقتصة ما هو حق {وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ} ومعنى تثبيت فؤاده زيادة يقينه لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وكُلا ﴾ أيْ وكُلَّ نَبَأٍ، فالتَّنْوِينُ لِلتَّعْوِيضِ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، ونَصْبُ كُلٍّ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ أيْ نُخْبِرُكَ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ﴾ صِفَةً لِذَلِكَ المَحْذُوفِ لا -لِكُلًّا- لِأنَّها لا تُوصَفُ في الفَصِيحِ كَما في إيضاحِ المُفَصَّلِ، و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، وقِيلَ: بَيانِيَّةٌ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ﴾ قِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ -لِكُلًّا- بِناءً عَلى عَدَمِ اشْتِراطِ تَوافُقِ البَيانِ والمُبَيَّنِ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا، والمَعْنى هو ما نُثْبِتُ إلَخْ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ بَدَلَ كُلٍّ أوْ بَعْضٍ، وفائِدَةُ ذَلِكَ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن الِاقْتِصاصِ زِيادَةُ يَقِينِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وطُمَأْنِينَةُ قَلْبِهِ وثَباتُ نَفْسِهِ عَلى أداءِ الرِّسالَةِ واحْتِمالِ أذى الكُفّارِ، وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ (نَقُصُّ) (وكُلًّا) حِينَئِذٍ مَنصُوبٌ إمّا عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ كُلُّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الِاقْتِصاصِ (نَقُصُّ) (عَلَيْكَ) الَّذِي ﴿ نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ﴾ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ، وإمّا عَلى الحالِيَّةِ مِن (ما) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (بِهِ) عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى جَوازَ تَقْدِيرِ حالِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ عَلَيْهِ، وهو حِينَئِذٍ نَكِرَةٌ بِمَعْنى جَمِيعًا أيْ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ الأشْياءَ الَّتِي نُثَبِّتُ بِها فُؤادَكَ جَمِيعًا.

واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنُ (كُلًّا) مَفْعُولًا بِهِ لِنَقُصَّ، و( مِن أنْباءِ ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ وهو مُضافٌ في التَّقْدِيرِ إلى نَكِرَةٍ، و(ما) صِلَةٌ كَما هي في قَوْلِهِ تَعالى: ( قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ) ولا يَخْفى ما فِيهِ.

﴿ وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ﴾ أيِ الأمْرُ الثّابِتُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ، والإشارَةُ بِهَذِهِ السُّورَةِ كَما جاءَ ذَلِكَ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وقَتادَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ.

وقِيلَ: الإشارَةُ إلَيْها مَعَ نَظائِرِها ولَيْسَ بِذاكَ كَكَوْنِها إشارَةً إلى دارِ الدُّنْيا، وإنْ جاءَ في رِوايَةٍ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: إلى الأنْباءِ المُقْتَصَّةِ وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ ﴿ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ عُطِفَ عَلى (الحَقُّ) أيْ جاءَكَ الجامِعُ المُتَّصِفُ بِكَوْنِهِ حَقًّا في نَفْسِهِ وكَوْنِهِ مَوْعِظَةً وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ، ولَعَلَّ تَحْلِيَةَ الوَصْفِ الأوَّلِ بِاللّامِ دُونَ الأخِيرَيْنِ لِما قِيلَ: مِن أنَّ الأوَّلَ حالٌ لِلشَّيْءِ في نَفْسِهِ والأخِيرانِ وصْفانِ لَهُ بِالقِياسِ إلى غَيْرِهِ.

وقالَ الشِّهابُ: الظّاهِرُ أنْ يُقالَ إنَّما عُرِفَ الأوَّلُ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ ما يَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن إرْشادِهِ إلى الدَّعْوَةِ وتَسْلِيَتِهِ بِما هو مَعْرُوفٌ مَعْهُودٌ عِنْدَهُ، وأمّا المَوْعِظَةُ والتَّذْكِيرُ فَأمْرٌ عامٌّ لَمْ يُنْظَرْ فِيهِ لِخُصُوصِيَّةٍ، فَفُرِّقَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ المَوْصُوفِينَ، وفي التَّخْصِيصِ بِهَذِهِ السُّورَةِ ما يَشْهَدُ لَهُ لِأنَّ مَبْناها عَلى إرْشادِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما سَمِعْتُ مِن صاحِبِ الكَشْفِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى الفاعِلِ لِيَتَمَكَّنَ المُؤَخَّرُ عَنْهُ وُرُودَهُ أفْضَلَ تَمَكُّنٍ ولِأنَّ في المُؤَخَّرِ نَوْعَ طُولٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً يقول: لجمع الناس على ملة واحدة، وأكرمهم بدين الإسلام كلهم، ولكن علم أنهم ليسوا بأهل لذلك، وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ يعني: أهل الباطل في الدين إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ يعني: عصم ربك من الاختلاف.

وقال عطاء: ولا يزالون مختلفين، يعني: اليهود والنصارى والمجوس، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ بالحنيفية وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ يعني: الحنيفية خلقهم للرحمة.

وقال الحسن: لِذلِكَ خَلَقَهُمْ يقول: للاختلاف، هؤلاء لجنته، وهؤلاء لناره.

وقال ابن عباس: وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ «يعني: فريقين، فريقاً يرحم ولا يختلف» ، وفريقاً لا يرحم ويختلف.

ويقال: وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ يعني: للأمر والنهي، بدليل قوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] يعني: للأمر والنهي، وقال الضحاك: وللرحمة خلقهم.

وقال مقاتل: وللرحمة خلقهم، وهو الإسلام.

وروى حماد بن سلمة، عن الكلبي قال: خلقهم أهل الرحمة، أن لا يختلفوا.

وقال قتادة: وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ للرحمة والعبادة، وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ يقول: لا يزال أهل الأديان مختلفين في دين الإسلام.

ثم استثنى بعضاً.

وقال: إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وهم المؤمنون أهل الحق، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ يقول: سبق ووجب قول ربك للمختلفين، لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ فهذا لام القسم، فكأنه أقسم أن يملأ جهنم من كفار الجنة والناس أجمعين.

قوله تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ يعني: ننزل عليك من أخبار الرسل مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ يقول: ما نشدد به قلبك ونحفظه، ونعلم أن الذي فعل بك قد فعل بالأنبياء قبلك، وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ قال قتادة: أي في الدنيا.

وقال ابن عباس: «يعني في هذه السورة» .

وروى سعيد بن عامر، عن عوف، عن أبي رجاء، قال: خطبنا ابن عباس على منبر البصرة، فقرأ سورة هود وفسرها، فلما أتى على هذه الآية: وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ «قال: في هذه السورة» ، وقال سعيد بن جبير وأبو العالية ومجاهد مثله.

وهكذا قال مقاتل: عن الفراء.

ثم قال: وَمَوْعِظَةٌ يعني: تأدبة لهذه الأمة، وَذِكْرى يعني: عظة وعبرة، لِلْمُؤْمِنِينَ يعني: للمصدقين بتوحيد الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : وذلك أن اللَّه تعالى خلق خَلْقاً للسعادة، وخَلْقاً للشقاوةِ، ثم يَسَّر كُلاًّ لما خلق له، وهذا نصٌّ في الحديث الصحيحِ، وجعل بَعْدُ ذلك الاختلاف في الدِّين على الحَقِّ هو أمارةَ الشقاوةِ، وبه علَّق العقابَ، فيصحُّ أَنْ يُحْمَلَ قولُ الحَسَن هنا:

وللاختلافِ خَلَقُهُمْ، أي: لثمرة الاختلافِ، وما يكونُ عنه مِنْ شقاوةٍ أو سعادةٍ، وقال أشْهَبُ: سألتُ مالكاً عن هذه الآية، فقال: خَلَقَهُمْ ليكونَ فريقٌ في الجنةِ، وفريقٌ في السعيرِ، وقيل غير هذا.

وقوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أي: نفذ قضاؤه، وحَقَّ أمره، واللام في لَأَمْلَأَنَّ: لام قسم.

وقوله سبحانه: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ، و «كُلاًّ» مفعولٌ مقدَّم ب «نَقُصُّ» ، و «ما» بدلٌ من قوله: وَكُلًّا، ونُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ أي: نؤنِّسك فيما تلْقَاه، ونجعل لك الإِسْوَة.

وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ قال الحسنُ: هذِهِ إِشارة إِلى دار الدنيا «٢» ، وقال ابن عباس: هذِهِ، إِشارة إِلى السورة «٣» ، وهو قولُ الجمهور.

قال ع «٤» : ووجه تخصيص هذه السُّورة بوَصْفها بحقٍّ، والقرآن كلُّه حق أنَّ ذلك يتضمَّن معنى الوعيد للكفَرَة، والتنبيهِ للنَّاظر، أي: جاءك في هذه السورة الحَقُّ الذي أصَابَ الأُمَم الماضيةَ، وهذا كما يقالُ عند الشدائدِ: جَاءَ الحَقُّ، وإِن كان الحَقُّ يأتي في غَيْر الشدائدِ، ثم وصَف سبحانَه أنَّ ما تضمَّنته السورةُ هو موعظةٌ وذكْرَى للمؤمنينَ.

وقوله سبحانه: وَقُلْ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ...

الآية: آية وعيد.

وقوله تعالى: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

الآية: أية تعظيمٍ وانفراد بما لا حَظَّ لمخلوقِ فيهِ، ثم أمر سبحانه العَبْدَ بِعِبَادَتِهِ، والتوكُّلِ عليه، وفيهما زوالُ هَمِّهِ وصَلاَحُهُ، ووصُولُهُ إِلى رضوان اللَّه تعالى، فقال: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، اللَّهم اجعلنا مِمَّن توكَّل عليك، ووفَّقْتَهُ لِعَبَادَتِكَ كما ترضَى، وصلَّى اللَّه على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم تسليماً، والحمد لله على جزيل ما به أنعم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلا نَقُصُّ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " كُلًّا " مَنصُوبٌ بِـ " نَقُص " ُّ، المَعْنى: كُلَّ الَّذِي تَحْتاجُ إلَيْهِ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ نَقُصُّ عَلَيْكَ، و " ما " مَنصُوبَةٌ بَدَلًا مِن كُلٍّ، المَعْنى: نَقُصُّ عَلَيْكَ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ؛ ومَعْنى تَثْبِيتِ الفُؤادِ تَسْكِينُ القَلْبِ هاهُنا، لَيْسَ لِلشَّكِّ، ولَكِنْ كُلَّما كانَ البُرْهانُ والدَّلالَةُ أكْثَرَ، كانَ القَلْبُ أثْبَتَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِـ " هَذِهِ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها السُّورَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ، ورَواهُ شَيْبانُ عَنْ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّها الدُّنْيا، فالمَعْنى: وجاءَكَ في هَذِهِ الدُّنْيا، رَواهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ؛ وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّها الأقاصِيصُ المَذْكُورَةُ.

والرّابِعُ: أنَّها هَذِهِ الآيَةُ بِعَيْنِها، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وَفِي المُرادِ بِالحَقِّ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها البَيانُ.

والثّانِي: صِدْقُ القَصَصِ والأنْباءِ.

والثّالِثُ: النُّبُوَّةُ.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَدْ جاءَهُ الحَقُّ في كُلِّ القُرْآنِ، فَلِمَ خَصَّ هَذِهِ السُّورَةَ ؟

فالجَوابُ: أنّا إنْ قُلْنا: إنَّ الحَقَّ النُّبُوَّةُ، فالإشارَةُ بِـ " هَذِهِ " إلى الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَعْنى: وجاءَكَ في هَذِهِ الدُّنْيا النُّبُوَّةُ، فَيَرْتَفِعُ الإشْكالُ.

وإنْ قُلْنا: إنَّها السُّورَةُ، فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالحَقِّ البَيانُ، وهَذِهِ السُّورَةُ جَمَعَتْ مِن تَبْيِينِ إهْلاكِ الأُمَمِ، وشَرْحِ مَآلِهِمْ، ما لَمْ يَجْمَعْ غَيْرُها، فَبانَ أثَرُ التَّخْصِيصِ، وهَذا مَذْهَبُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ.

والثّانِي: أنَّ بَعْضَ الحَقِّ أوْكَدُ مِن بَعْضٍ في ظُهُورِهِ عِنْدَنا وخَفائِهِ عَلَيْنا، وَلِهَذا يَقُولُ النّاسُ: فُلانٌ في الحَقِّ: إذا كانَ في المَوْتِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ في باطِلٍ، ولَكِنْ لِتَعْظِيمِ ما هو فِيهِ، فَكَأنَّ الحَقَّ المُبَيَّنَ في هَذِهِ السُّورَةِ أجْلى مِن غَيْرِهِ، وهَذا مَذْهَبُ الزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ خَصَّ هَذِهِ السُّورَةَ بِذَلِكَ لِبَيانِ فَضْلِها، وإنْ كانَ في غَيْرِها حَقٌّ أيْضًا، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ والصَّلاةِ الوُسْطى  ﴾ ، وقَوْلِهِ: ﴿ وَجِبْرِيلَ ومِيكالَ  ﴾ ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ الأنْبارِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: وجاءَكَ في هَذِهِ السُّورَةِ الحَقُّ مَعَ ما جاءَكَ مِن سائِرِ السُّوَرِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: يَتَّعِظُونَ إذا سَمِعُوا هَذِهِ السُّورَةَ وما نَزَلَ بِالأُمَمِ فَتَلِينُ قُلُوبُهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ ﴾ ﴿ وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ قَوْلُهُ: "وَكُلًّا" مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ بِـ "نَقُصُّ"، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانَ ضَعِيفانِ.

و"ما" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "وَكُلًّا"، و ﴿ نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ﴾ أيْ: نُؤْنِسُكَ فِيما تَلْقاهُ، ونَجْعَلُ لَكَ الأُسْوَةَ في مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فِي هَذِهِ ﴾ ، قالَ الحَسَنُ: هي إشارَةٌ إلى دارِ الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلى السُورَةِ والآياتِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ قَصَصِ الأُمَمِ.

وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ السُورَةِ بِوَصْفِها بِـ"الحَقِّ"- والقُرْآنُ كُلُّهُ حَقٌّ- أنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الوَعِيدِ لِلْكَفَرَةِ والتَنْبِيهَ لِلنّاظِرِ أيْ: جاءَكَ في هَذِهِ السُورَةِ الحَقُّ الَّذِي أصابَ الأُمَمَ الظالِمَةَ، وهَذا كَما يُقالُ عِنْدَ الشَدائِدِ: "جاءَ الحَقُّ"، وإنْ كانَ الحَقُّ يَأْتِي في غَيْرِ شَدِيدَةٍ وغَيْرِ ما وجْهٍ، ولا يُسْتَعْمَلُ في ذَلِكَ "جاءَ الحَقُّ"، ثُمَّ وصَفَ أيْضًا أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ السُورَةُ هي مَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ، فَهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ لَفْظَةَ "الحَقُّ" إنَّما تَخْتَصُّ بِما تَضَمَّنَتْ مِن وعِيدٍ لِلْكَفَرَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ، أيِ: اعْمَلُوا عَلى حالاتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِن كُفْرِكم.

وقَرَأ الجُمْهُورُ هُنا: "مَكانَتِكُمْ" واحِدَةٌ دالَّةٌ عَلى جَمْعٍ، وألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ تَصْلُحُ لِلْمُوادَعَةِ، وتَصْلُحُ أنْ تُقالَ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ المَحْضِ والحَرْبُ قائِمَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ آيَةُ تَعَظُّمٍ وانْفِرادٍ بِما لا حَظَّ لِمَخْلُوقٍ فِيهِ، وهو عِلْمُ الغَيْبِ، وتَبْيِينِ أنَّ الخَيْرَ والشَرَّ وجَلِيلَ الأشْياءِ وحَقِيرَها - مَصْرُوفٌ إلى أحْكامِ مالِكِهِ، ثُمَّ أمَرَ النَبِيَّ  بِالعِبادَةِ والتَوَكُّلِ عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وفِيها زَوالُ هَمِّهِ وصَلاحُهِ ووُصُولُهِ إلى رِضْوانِ اللهِ.

وقَرَأ السَبْعَةُ غَيْرُ نافِعٍ "يَرْجِعُ الأمْرُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ نافِعٌ: وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "يُرْجَعُ الأمْرُ" عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ، ورَواها ابْنُ أبِي الزِنادِ عن أهْلِ المَدِينَةِ.

وقَرَأ "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، والحَسَنِ وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِيسى بْنِ عَمْرٍو، وقَتادَةَ، والجَحْدَرَيِّ، واخْتُلِفَ عَنِ الحَسَنِ، وعِيسى.

وقَرَأ الباقُونَ: "يَعْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى كِنايَةِ الغائِبِ.

تَمَّ بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى تَفْسِيرُ سُورَةِ هُودٍ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا تذييل وحوصلة لما تقدّم من أنباء القرى وأنباء الرسل...

فجملة ﴿ وكُلاّ نَقُصّ عليك من أنباء الرسل ﴾ إلى آخرها عطفُ الإخبار على الإخبار والقصة على القصة، ولك أن تجعل الواو اعتراضيّة أو استئنافية.

وهذا تهيئة لاختتام السورة وفذلكة لما سيق فيها من القصص والمواعظ.

وانتصف ﴿ كُلاّ ﴾ على المفعولية لفعل ﴿ نقُصُّ ﴾ .

وتقديمه على فعله للاهتمام ولِمَا فيه من الإبهام ليأتي بيانه بعده فيكون أرسخ في ذهن السامع.

وتنوين ﴿ كُلاّ ﴾ تنوين عوض عن المضاف إليه المحذوف المبيّن بقوله: ﴿ من أنباء الرسل ﴾ .

فالتقدير: وكلّ نبأ عن الرسل نقصّه عليك، فقوله: ﴿ من أنباء الرسل ﴾ بيان للتّنوين الذي لحق (كلاّ).

و ﴿ ما نثبّت به فؤادك ﴾ بدل من ﴿ كلاّ ﴾ .

والقصص يأتي عند قوله تعالى: ﴿ نحن نقصّ عليك أحسن القصص ﴾ في أوّل سورة [يوسف: 3].

والتثبيت: حقيقته التسكين في المكان بحيث ينتفي الاضطراب والتزلزل.

وتقدّم في قوله تعالى: ﴿ لكان خيراً لهم وأشدّ تثبيتاً ﴾ في سورة [النساء: 66]، وقوله: ﴿ فثبتوا الذين آمنوا ﴾ في سورة [الأنفال: 12]، وهو هنا مستعار للتقرير كقوله: ﴿ ولكن ليطمئن قلبي ﴾ [البقرة: 260].

والفؤاد: أطلق على الإدراك كما هو الشّائع في كلام العرب.

وتثبيت فؤاد الرّسول صلى الله عليه وسلم زيادة يقينه ومعلوماته بما وعده الله لأن كل ما يعاد ذكره من قصص الأنبياء وأحوال أممهم معهم يزيده تذكراً وعلماً بأنّ حاله جار على سنن الأنبياء وازداد تذكراً بأنّ عاقبته النصر على أعدائه، وتجدّد تسلية على ما يلقاه من قومه من التكذيب وذلك يزيده صبراً.

والصبر: تثبيت الفؤاد.

وأنّ تماثل أحوال الأمم تلقاء دعوة أنبيائها مع اختلاف العصور يزيده علماً بأنّ مراتب العقول البشريّة متفاوتة، وأن قبول الهدي هو منتهى ارتقاء العقل، فيعلم أن الاختلاف شنشنة قديمة في البشر، وأنّ المصارعة بين الحق والباطل شأن قديم، وهي من النواميس التي جُبِلَ عليها النظام البشري، فلا يُحْزنه مخالفة قومه عليه، ويزيده علماً بسمُوّ أتباعه الذين قبلوا هداه، واعتصموا من دينه بعراه، فجاءه في مثل قصة موسى عليه السّلام واختلاف أهل الكتاب فيه بيان الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين فلا يقعوا فيما وقع فيه أهل الكتاب.

والإشارة من قوله: ﴿ في هذه ﴾ قيل إلى السورة وروي عن ابن عبّاس، فيقتضي أن هذه السورة كانت أوفى بأنباء الرسل من السور النازلة قبلها وبهذا يجري على قول من يقول: إنها نزلت قبل سورة يونس.

والأظهر أن تكون الإشارة إلى الآية التي قبلها وهي ﴿ فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقيّة ينهون عن الفساد في الأرض إلى قوله من الجنة والنّاس أجمعين ﴾ [هود: 116 119].

فتكون هذه الآيات الثلاث أول ما نزل في شأن النهي عن المنكر.

على أن قوله: ﴿ وجاءك في هذه الحق ﴾ ليس صريحاً في أنه لم يجئ مثله قبل هذه الآيات، فتأمل.

ولعلّ المراد ب ﴿ الحق ﴾ تأمين الرسول من اختلاف أمته في كتابه بإشارة قوله: ﴿ فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقيّة ﴾ [هود: 116] المفهم أنّ المخاطبين ليسوا بتلك المثابة، كما تقدّمت الإشارة إليه آنفاً.

وتعريفُه إشارة إلى حق معهود للنبيء؛ إمّا بأن كان يتطلّبه، أو يسأل ربه.

والموعظة: اسم مصدر الوعظ، وهو التّذكير بما يَصُدّ المرء عن عمل مضرّ.

والذكرى: مجرد التّذكير بما ينفع.

فهذه موعظة للمسلمين ليحذروا ذلك وتذكيراً لهم بأحوال الأمم ليقيسوا عليها ويتبصّروا في أحوالها.

وتنكير ﴿ موعظة وذكرى ﴾ للتعظيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ﴾ أيْ نُقَوِّي بِهِ قَلْبَكَ وتَسْكُنُ إلَيْهِ نَفْسُكَ، لِأنَّهم بُلُوا فَصَبَرُوا، وجاهَدُوا فَظَفِرُوا.

﴿ وَجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: في هَذِهِ السُّورَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مُوسى.

الثّانِي: في هَذِهِ الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: في هَذِهِ الأنْباءِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: ﴿ وكلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ﴾ لتعلم يا محمد ما لقيت الرسل من قبلك من أممهم.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس ﴿ وجاءك في هذه الحق ﴾ قال: في هذه السورة.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري ﴿ وجاءك في هذه الحق ﴾ قال: في هذه السورة.

وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير.

مثله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ وجاءك في هذه الحق ﴾ قال: في هذه الدنيا.

وأخرج أبو الشيخ عن سعيد قال: كان قتادة يقول في هذه السورة، وقال الحسن: في الدنيا.

وأخرج أبو الشيخ من طريق أبي رجاء عن الحسن ﴿ وجاءك في هذه الحق ﴾ قال: في هذه السورة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ ، قال الزجاج (١) ﴿ كُلًّا ﴾ منصوب بـ (نقص)، المعنى: وكل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل نقص عليك، و ﴿ مَاَ ﴾ منصوبة بدلا من (كل)، المعنى نقص عليك ﴿ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ قال ابن عباس (٢) (٣) (٤) (٥) (٦)  كان في ذلك تقوية لقلبه على الصبر على أذى قومه.

وقال الزجاج (٧)  : ﴿ وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي  ﴾ ، وهذا الذي قال الزجاج معنى قول ابن عباس: لنزيدك يقينا.

وقوله تعالى: ﴿ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ ﴾ ، قال ابن عباس (٨) (٩) (١٠) قال أبو إسحاق (١١) (١٢) وقيل (١٣) ﴿ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ  ﴾ وقوله: ﴿ وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ  ﴾ الآيات، ويعني بالحق ما ذكر من أن الخلق يجازون بأنصبائهم، وأن بعضهم يصير إلى النار بشقائه، وبعضهم يصير إلى الجنة بسعادته، وخصت هذه السورة أو هذه الآيات بمجيء الحق فيها -وإن كان جميع ما أنزله الله حقا- تشريفًا للسورة ورفعًا لمنزلتها، وغيرها من السور غير منتقص الفضل بما لحق هذه السورة (١٤) (١٥) ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى  ﴾ [فاختصاص الوسطى] (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، يريد أنهم يتعظون إذا سمعوا هذه السورة بما نزل بالأمم لما كذبوا أنبياءهم، فتلين قلوبهم لسلوك طريق الحق، ويتذكرون بها الخير والشر، وما يدعو إليه كل واحد منهما من عاقبة النفع والضر، كما دعا إليه الأمم المكذبة الكافرة، والمصدقة المؤمنة.

قوله تعالى: ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ ﴾ تهديد ووعيد، يقول ما أنتم عاملون ﴿ إِنَّا عَامِلُونَ ﴾ وستعلمون عاقبة أمركم ﴿ وَانْتَظِرُوا ﴾ ما يعدكم الشيطان ﴿ إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ﴾ ما يعدنا ربنا من النصر والعلو، عن ابن جريج (٢١) وقال ابن إسحاق (٢٢) ﴿ وَانْتَظِرُوا ﴾ ما يحل بكم من العذاب ﴿ إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ﴾ لذلك.

قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قال أبو علي (٢٣) ﴿ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ  ﴾ و ﴿ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ  ﴾ ويحتمل وجهين: أحدهما: ذو (٢٤) (٢٥) ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ  ﴾ .

قال ابن عباس (٢٦) (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾ في المعاد حتى لا يكون للخلق أمركما يكون في الدنيا للفقهاء والأمراء، وقرئ ﴿ يَرجع ﴾ (٢٨) ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ ، أي أنه يجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، والمعنى في قوله: ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ ينصرف إلى جميع الناس مؤمنهم وكافرهم، وقرئ (٣٠) ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .

(١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 84.

(٢) البغوي 4/ 207.

(٣) في (ي): (التشديد).

(٤) الثعلبي 7/ 61 أ، القرطبي 9/ 116.

(٥) الثعلبي 7/ 61 أ.

(٦) الثعلبي 7/ 61 أ، القرطبي 9/ 116.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 84، وانظر: "تهذيب اللغة" (ثبت) 1/ 470.

(٨) الطبري 12/ 146، عبد الرزاق 2/ 316، والفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2096، وأبو الشيخ وابن مردويه، كما في "الدر" 3/ 646، القرطبي 9/ 116.

(٩) الطبري 12/ 146، "زاد المسير" 4/ 173.

(١٠) الطبري 12/ 146، "زاد المسير" 4/ 173.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 84.

(١٢) "زاد المسير" 4/ 174.

(١٣) ساقط من (ب)، ذكر هذا القول الزجاج في معانيه 3/ 84.

(١٤) ساقط من (ي).

(١٥) انظر: "زاد المسير" 4/ 174، "القرطبي" 9/ 116.

(١٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 84.

(١٨) "زاد المسير" 4/ 174.

(١٩) الطبري 12/ 147، الثعلبي 7/ 61 أ، "زاد المسير" 4/ 173، البغوي 4/ 207، القرطبي 9/ 116.

(٢٠) الطبري 12/ 147، الثعلبي 7/ 61 أ، "زاد المسير" 4/ 173، البغوي 4/ 207، وابن أبي حاتم 6/ 2096، أبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 646، القرطبي 9/ 116.

(٢١) الطبري 12/ 148، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 646.

(٢٢) انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 255.

(٢٣) القرطبي 9/ 117.

(٢٤) في (ي)، (جـ): (ذوو).

(٢٥) ساقط من (ي).

(٢٦) الثعلبي 7/ 61 أ، القرطبي 9/ 117.

(٢٧) الثعلبي 7/ 61 أ، البغوي 2/ 407، القرطبي 9/ 117، "زاد المسير" 4/ 175.

(٢٨) قرأ نافع وحفص عن عاصم (يُرجَع) بضم الياء وفتح الجيم، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم (يَرجعُ) بفتح الياء وكسر الجيم، انظر: "السبعة" ص 340، "الكشف" 1/ 538، "إتحاف" 2/ 137.

(٢٩) البقرة: 210.

قال هنالك: ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ أي من الجزاء ومن الثواب والعقاب، وذلك أن العباد في الدنيا لا يجازون على أعمالهم، ثم إليه يصيرون، فيعذب من يشاء ويرحم من يشاء ..

ويكون المعنى على أن الله ملّك عبيده في الدنيا الأموال والتصرف فيها، ثم يرجع الأمر في ذلك كله إلى الله تعالى في الآخرة فلا يملك أحد شيئًا".

(٣٠) قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم بالتاء، وقرأ الباقون بالياء.

انظر: "السبعة" ص 340، "الكشف" 1/ 538، "إتحاف" 2/ 137.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بِظُلْمٍ ﴾ هذا المجرور في موضع الحال من ربك والمعنى أنه لا يهلك أهل القرى ظالماً لهم، تعالى الله عن ذلك ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ يعني مؤمنة لا خلاف بينهم في الإيمان ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ يعني في الأديان والملل والمذاهب ﴿ ولذلك خَلَقَهُمْ ﴾ قيل: الإشارة إلى الاختلاف، وقيل: إلى الرحمة وقيل إليهما ﴿ وَكُلاًّ نَّقُصُّ ﴾ انتصب كلا بنقص وما بدل من كلا ﴿ وَجَآءَكَ فِي هذه الحق ﴾ الإشارة إلى السورة ﴿ اعملوا...

وانتظروا ﴾ تهديد لهم وإقامة حجة عليهم.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وما يؤخره ﴾ بالياء: يعقوب والمفضل.

الباقون بالنون ﴿ يوم يأتي ﴾ بإثبات الياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعر ونافع وأبو عمرو وعلي في الوصل.

الآخرون بحذف الياء ﴿ لا تكلم ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ سعدوا ﴾ بضم السين: حمزة وعلي وخلف وحفص.

قيل إنه على حذف الهمزة من "أسعدوا" لأن ﴿ سعدوا ﴾ لازم ولكنه قد جاء المسعود، الآخرون بفتحها ﴿ وإن كلاً ﴾ بالتخفيف: ابن كثير ونافع وأبو بكر وحماد.

الباقون بالتشديد.

﴿ لما ﴾ مشدداً: ابن عامر وعاصم ويزيد وحمزة و كذلك في "الطارق".

الباقون بالتخفيف ﴿ وزلفاً ﴾ بضمتين: يزيد.

الآخرون بفتح اللام ﴿ فؤادك ﴾ وبابه بغير همز: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يرجع ﴾ مجهولاً: نافع وحفص والمفضل ﴿ تعملون ﴾ خطاباً وكذلك في آخر "النمل": أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب وحفص.

الباقون على الغيبة.

الوقوف: ﴿ الآخرة ﴾ ط ﴿ مشهود ﴾ ه ﴿ معدود ﴾ ط ﴿ بإذنه ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع فاء التعقيب.

﴿ وسعيد ﴾ ه ﴿ شهيق ﴾ ه لا لأن ما يتلوه حال والعامل فيه ما في النار من معنى الفعل ﴿ شاء ربك ﴾ ط ﴿ يريد ﴾ ه ﴿ شاء ربك ﴾ ط لأن التقدير يعطون عطاء ﴿ مجذوذ ﴾ ه ﴿ هؤلاء ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ منقوص ﴾ ه ﴿ فاختلف فيه ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ خيبر ﴾ ه ﴿ ولا تطغوا ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ النار ﴾ لا لأن ما بعده من تمام جزاء ولا تركنوا ﴿ تنصرون ﴾ ه ﴿ من الليل ﴾ ط ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ للذاكرين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لأن التقدير وقد اتبع ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ مصلحون ﴾ ه ﴿ مختلفين ﴾ ه لا ﴿ رحم ربك ﴾ ط ﴿ خلقهم ﴾ ط ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ فؤادك ﴾ ج إذ التقدير وقد جاءك ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ مكانكم ﴾ ط ﴿ عاملون ﴾ ه لا للعطف ﴿ وانتظروا ﴾ ج أي فإنا ﴿ منتظرون ﴾ ط ﴿ وتوكل عليه ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي قصصنا عليك من أحوال الأمم ﴿ لآية ﴾ لعبرة ﴿ لمن خاف ﴾ أي لمن هو أهل لأن يخاف ﴿ عذاب الآخرة ﴾ كقوله: ﴿ هدى للمتقين  ﴾ لأن انتفاعه يعود إليهم.

قال القفال - في تقرير هذا الاعتبار: إنه إذاعلم أن هؤلاء عذبوا على ذنوبهم في الدنيا وهي دار العمل فلأن يعذبوا عليها في الآخرة التي هي دار الجزاء أولى.

واعترض عليه في التفسير الكبير بأن ظاهر الآية يقتضي أن العلم بأن القيامة حق كالشرط في حصول الاعتبار بظهور عذاب الاستئصال في الدنيا.

والقفال جعل الأمر على العكس قال: والأصوب عندي أن هذا تعريض لمن زعم أن إله العالم موجب بالذات لا فاعل مختار، وأن هذه الأحوال التي ظهرت في أيام الأنبياء عليهم السلام مثل الغرق والخسف والصيحة إنما حدثت بسبب قرانات الكواكب، وإذا كان كذلك فلا يكون حصولها دليلاً على صدق الأنبياء عليهم السلام.

أما الذي يؤمن بالقيامة ويخاف عذابها فيقطع بأن هذه الوقائع ليست بسبب الكواكب واتصالاتها فيستفيد مزيد الخشية والاعتبار.

أقول: وهذا نظر عميق والأظهر ما ذكرت أوّلاً ومثله في القرآن كثير.

﴿ إن في ذلك لعبرة لمن يخشى  ﴾ ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يذكرون  ﴾ ثم لما كان لعذاب الآخرة دلالة على يوم القيامة أشار إليه بقوله: ﴿ ذلك يوم مجموع ﴾ أي يجمع لما فيه من الحساب والثواب والعقاب.

﴿ الناس ﴾ وأوثر اسم المفعول على فعله لأجل إفادة الثبات وأن حشر الأولين والآخرين فيه صفة له لازمة نظيره قول المتهدد: إنك لمنهوب مالك محروب قومك.

فيه من تمكن الوصف وثباته ما ليس في الفعل ﴿ وذلك يوم مشهود ﴾ أي مشهود فيه الخلائق فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به.

والفرق بين هذا الوصف والوصف الأول أن هذا يدل على حضور الناس فيه مع اطلاع البعض منهم على أحوال الباقين من المحاسبة والمساءلة ليس بحيث لا يعرف كل واحد إلا واقعة نفسه.

والجمع المطلق لا يفيد هذ المعنى وإنما فسرنا اليوم بأنه مشهود فيه لا أنه مشهود في نفسه لأن سائر الأيام تشركه في كونها مشهودات.

وإنما يحصل التمييز بأنه مشهود فيه دون غيره كما تميز يوم الجمعة عن أيام الأسبوع بكونه مشهوداً فيه دونها ﴿ وما نؤخره إلا ﴾ لانتهاء ﴿ لأجل معدود ﴾ أي انقضاء مدة معلومة عيَّن الله وقوع الجزاء بعدها وفيه فائدتان: إحداهما أن وقت القيامة متعين لا يتقدم ولا يتأخر، والثانية أن ذلك الأجل متناهٍ وكل منتاهٍ فإنه يفنى لا محالة وكل آتٍ قريب.

ثم ذكر بعض أهوال ذلك اليوم فقال: ﴿ يوم يأت ﴾ حذف الياء والاكتفاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل، وفاعل ﴿ يأتي ﴾ قيل: الله كقوله: ﴿ أو يأتي ربك  ﴾ أي أمره أو حكمه دليله قراءة من قرأ ﴿ وما يؤخره ﴾ بالياء وقوله: ﴿ بإذنه ﴾ .

وقيل: المراد الشيء المهيب الهائل المستعظم فحذف ذكره بتعيينه ليكون أقوى في التخويف.

وقيل: فاعله ضمير اليوم والمراد إتيان هوله وشدائده كيلا يصير اليوم ظرفاً لإتيان اليوم.

وانتصاب ﴿ يوم ﴾ بـ ﴿ لا تكلم ﴾ أو باذكر مضمراً أو بالانتهاء المقدر أي ينتهي الأجل يوم يأتي وتاء التأنيث محذوفة من لا تكلم، والآيات الدالة على التكلم في ذلك اليوم مع الآيات الدالة على نفي التكلم كقوله  : ﴿ يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ﴾ {النحل: 111] وكقوله: ﴿ هذا يوم لا ينطقون ﴾ {المرسلات: 35] محمولة على اختلاف المواطن والأزمنة، أو نفى العذر الصحيح المقبول وأثبت العذر الباطل الكاذب.

ثم قسم أهل الموقف المجموعين للحساب أو الأفراد العامة التي دلت عليها نفس فقال: ﴿ فمنهم شقي وسعيد ﴾ أي ومنه سعيد.

ولا خلاف في أن الشقاء والسعادة مقترنان بالعمل الفاسد والعمل الصالح ويترتب عليهما الجنة والنار في الآخرة، وإنما النزاع في أن العمل سبب للشقاء مثلاً كما هو مذهب المعتزلة، أو الشقاء سبب العمل كما هو مذهب أهل السنة، فيختلف تفسير الشقاء بحسب المذهبين فهو عند المعتزلة الحكم بوجوب النار له لإساءته، وعند السني جريان القلم عليه في الأزل بأنه من أهل النار وأنه يعمل عمل أهل النار والتحقيق في المسألة قد مر مراراً.

قيل: قد بقي ههنا قسم آخر ليسوا من أهل النار ولا من أهل الجنة كالمجانين والأطفال فهم أصحاب الأعراف، وتخصيص القسمين بالذكر لا يدل على نفي الثالث.

أما قوله في صفة أهل النار ﴿ لهم فيها زفير وشهيق ﴾ ففيه وجوه قال الليث وكثير من الأدباء: الزفير استدخال الهواء الكثير لترويح الحرارة الحاصلة في القلب بسبب انحصار الروح فيه وحينئذٍ يرتفع صدره وينتفخ جنباه، والشهيق إخراج ذلك الهواء بجهد شديد من الطبيعة، وكلتا الحالتين تدل على كرب شديد وغم عظيم.

والحاصل أنهم جعلوا الزفير بمنزلة ابتداء نهيق الحمار، والشهيق بمنزلة آخره.

وقال الحسن: إن لهب جهنم يرفعهم بقوته حتى إذا وصلوا إلى أعلى دركات جهنم وطمعوا في أن يخرجوا منها ضربتهم الملائكة بمقامع من حديد ويردونهم إلى الدرك الأسفل من النار، فارتفاعهم في النار هو الزفير، وانحطاطهم مرة أخرى هو الشهيق.

وقال أبو مسلم: الزفير ما يجتمع في الصدر من النفس عند البكاء الشديد فينقطع النفس، والشهيق هو الصوت الذي يظهر عند اشتداد الكربة والحزن، وربما يتبعها الغشية، وربما يحصل عقيبه الموت.

وقال أبو العالية: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر.

وقيل: الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف.

وعن ابن عباس: لهم فيها بكاء لا ينقطع وحزن لا يندفع.

وقال أهل التحقيق: قوة ميلهم إلى الدنيا ولذاتها زفير، وضعفهم عن الاستسعاد بكمالات الروحانيات شهيق.

ثم إن قوماً ذهبوا إلى أن عذاب الكفار منقطع وله نهاية واستدلوا على ذلك بالقرآن والحديث والمعقول.

أما القرآن فقوله  : ﴿ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ﴾ أي مدة بقائهما ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ وفيه استدلالان: الأول أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض المتناهية بالاتفاق.

الثاني استثناء المشيئة ويؤكد هذا النص قوله: ﴿ لابثين فيها أحقاباً ﴾ {النبأ: 23] وأما الحديث فما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص "ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد" وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً.

وأما المعقول فهو أن العقاب ضرر خال عن النفع لا في حق الله  ولا في حق المكلف فيكون قبيحاً.

وأيضاً الكفر جرم متناه ومقابلة الجرم المتناهي بعقاب لا نهاية له ظلم.

والجمهور من الأمة على أن عذاب الكافر دائم.

وأجابوا عن الآية بأن المراد سموات الآخرة وأرضها المشار إليهما بقوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات  ﴾ ولا بد لأهل الآخرة مما يظلهم ويقلهم فهما السماء والأرض، وإذا علق حصول العذاب للكافر بوجودهما لزم الدوام.

وأيضاً القرآن قد ورد على استعمالات العرب.

وإنهم يعبرون عن الدوام والتأبيد بقولهم "ما دامت السموات والأرض" ونظيره قولهم: "ما اختلف الليل والنهار".

و "ما أقام ثبير وما لاح كوكب".

ويمكن أيضاً أن يقال: حاصل الآية يرجع إلى شرطية هي قولنا: إن دامت السموات والأرض دام عقابهم فإذا قلنا لكن السموات والأرض دائمة لزم دوام عقابهم وهو المطلوب، وإن قلنا لكنهما لم تدوما فإنه لا ينتج مطلوب الخصم لأن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئاً.

وبعبارة أخرى دلت الآية على أنه كلما وجدت السموات والأرض وجد عقابهم.

فلو قلنا لكنهما لم يوجدا لم يلزم منه أن لا يوجد عقابهم، أو يوجد فالآية لا تدل على حصول العقاب لهم دهراً طويلاً ومدة مديدة.

وأما إنه هل يكون له آخر أم لا فذلك إنما يستفاد من دليل آخر كقوله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ وأما الاستدلال بالاستثناء فقد ذكر ابن قتيبة وابن الأنباري والفراء أن هذا الاستثناء لا ينافي عدم المشيئة كقولك و "الله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك" وقد يكون عزمك على ضربه ألبتة وتعلم أنك لا ترى غير ذلك.

وردّ بالفرق، فإن معنى الآية الحكم بخلودهم فيها إلا المدة التي شاء الله، فالمشيئة قد حصلت جزماً.

ولقائل أن يقول: الماضي ههنا في معنى الاستقبال مثل ﴿ ونادى أصحاب الأعراف  ﴾ ﴿ وسيق الذين اتقوا  ﴾ فلم يبق فرق: وقيل: "إلا" بمعنى "سوى" أي سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم كأنه ذكر في خلودهم ما ليس عند العرب أطول منه، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له.

وقال الأصم وغيره: المراد زمان مكثهم في الدنيا أو في البرزخ أو في الموقف.

وقيل: الاستثناء يرجع إلى قوله: ﴿ لهم فيها زفير وشهيق ﴾ كأنهم يصيرون آخر الأمر إلى الهمود والخمود.

وقيل: فائدة الاستثناء أن يعلم إخراج أهل التوحيد من النار والمراد إلا من شاء ربك، وهذا التأويل إنما يليق بقاعدة الأشاعرة وأكدوه بقوله: ﴿ إن ربك فعال لما يريد ﴾ فكأنه  يقول: أظهرت القهر والقدرة ثم أظهرت المغفرة والرحمة لأني فعال لما أريد، وليس لأحد عليّ حكم ألبتة.

وأما المعتزلة فكأنهم لا يرضون بهذا ويقولون: إن الاستثناء الثاني لا يساعده لحصول الإجماع على أن أحداً من أهل الجنة لا يدخل النار.

فالصواب أن يقال: إنه استثناء من الخلود في عذاب النار ومن الخلود في نعيم الجنة، فإن أهل النار ينقلون إلى الزمهرير وإلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله، وأهل الجنة ينقلون إلى العرش أو إلى ما هو أعلى حالاً من الجنة كقوله: ﴿ ورضوان من الله أكبر  ﴾ ثم قالوا: إنه ختم آية الوعيد بقوله: ﴿ إن ربك فعال لما يريد ﴾ وآية الوعد بقوله: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ رعاية للمطابقة كأنه قال: إنه يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب كما يعطي أهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له والجذ القطع.

وأما الجواب عن الحديث فقد قال في الكشاف: إن صح فمعناه أنهم يخرجون من حر النار إلى برد الزمهرير فذلك خلوّ جهنم وصفق أبوابها.

وأقول: يحتمل أن يكون الألف سبب عدم الإحساس بالعذاب بل يكون سبب الالتذاذ بالمألوف فيكون خلوّ جهنم إشارة إلى هذا المعنى.

وأما الجواب عن المعقول فهو أن السير في الله ومبدأه من عالم التكاليف لما كان غير متناهٍ فعذاب البعد عنه أيضاً يجب أن يكون غير متناهٍ: أو نقول: لا نهاية لنوره فلا غاية لظلمة الغافل عنه والمنكر له.

أو نقول: أوضح الأشياء الوجود الواجب فإذا كان الشخص ذاهلاً عنه كان مسلوب الاستعداد بالكلية فلا يكون إنساناً في الحقيقة، فلا يتصور له عروج من عالم الطبيعة، والعبارات في هذا المقام كثيرة والمعنى واحد يدركه من وفق له وخلق لأجله.

ولما فرغ من أقاصيص عبدة الأصنام وبيان أحوال الأشقياء والسعداء سلّى رسول الله  بشرح أحوال الكفرة من قومه في ضمن نهي له عن الامتراء في سوء مغبتهم قائلاً ﴿ فلا تك ﴾ حذف النون لكثرة الاستعمال ﴿ في مرية ﴾ في شك ﴿ مما يعبد ﴾ "ما" مصدرية أو موصولة أي من عبادة ﴿ هؤلاء ﴾ أو من الذي يعبده هؤلاء المشركون والمراد النهي عن الشك في سوء عاقبة عبادتهم.

ثم علل النهي مستأنفاً فقال: ﴿ ما يعبدون إلا كما يعبد ﴾ كالذي يعبده ﴿ آباؤهم ﴾ أو كعبادة آبائهم.

والحاصل أنهم شبهوا بآبائهم في لزوم الجهل والتقليد.

﴿ وإنا لموفوهم نصيبهم ﴾ من الرزق والخيرات الدنيوية أو من إزالة العذر وإزاحة العلة بإرسال الرسول وإنزال الكتاب، أو نصيبهم من العذاب كما وفينا آباؤهم أنصباؤهم.

وفي الكشاف أن ﴿ غير منقوص ﴾ حال من النصيب ليعلم أنه تام كامل إذ يجوز أن يوفي بعض الشيء كقولك وفيته شطر حقه.

قلت: هي مغالطة لأن قول القائل: "وفيته شطر حقه" التوفية تعود إلى الشطر.

فلو قيل: غير منقوص كان كالمكرر.

وعاد السؤال.

فالصواب أن يقال: إنه حال مؤكدة أو صفة تقوم مقام المصدر أي توفية نحو ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين  ﴾ أي إفساداً.

ثم أورد نظيراً لإنكارهم نبوّة محمد صلى الله  فقال: ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ﴾ آمن به قوم وكفر به قوم آخرون كما اختلف في القرآن، والغرض أن إنكار الحق عادة قديمة للخلق ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ هي أن رحمتي سبقت غضبي أو هي ان دار الجزاء الآخرة لا الدنيا أو هي أن هذه الأمة لا يعذبون بعذاب الاستئصال.

﴿ لقضي بينهم ﴾ بين قوم موسى أو بين قومك بتمييز المحق من المبطل بسبب الإنجاء والإهلاك وهذه من جملة التسلية أيضاً ﴿ وإنهم ﴾ يعني قوم موسى أو قومك ﴿ لفي شك منه ﴾ من كتابه أو من كتابك أو من أمر المعاد أو القضاء أو الجزاء.

ثم جميع الأولين والآخرين في حكم توفية الجزاء ثواباً أ وعقاباً فقال: ﴿ وإن كلاً ﴾ التنوين فيه عوض عن المضاف إليه أي وإن كلهم يعني أن جميع المختلفين فيه.

ومن قرأ بالتخفيف فعلى إعمال المخففة إذ لا يلزم من التخفيف إبطال العمل كما في "لم يكن" "ولم يك".

ومن قرأ "لما" مخففاً فاللام هي الداخلة في خبر "إن" و "ما" مزيدة للفصل بين لام "إن" وبين لام جواب القسم المقدر كما فصلوا بالألف بين النونات في قولهم "أضربنان".

ويمكن أن يكون "ما" نكرة أي لخلق أو جمع.

والله ليوفينهم ربك أعمالهم من حسن وقبيح وإيمان وجحود.

ومن قرأ "لما" مشدداً فأصله "لمن ما" قلبت النون ميماً فاجتمع ثلاث ميمات، فحذفت الأولى تخفيفاً، وجاز حذف الأولى وإبقاء الساكنة لاتصال اللام بها.

ويجوز أن يكون أصله "لما" بالتنوين - كما في قراءتي الزهري وسليمن بن أرقم - فحذف فبقى "لما" ممدوداً ومعناه ملومين أي مجموعين.

وقرأ أبيّ ﴿ وإن كل لما ليوفينهم ﴾ على أن "إن" نافية و"لما" بمعن "إلا" كما في الطارق.

ولا يخفى ما في الآية من مؤكدات توفية الجزاء وأن شيئاً من الحقوق لا يضيع عنده.

منها لفظة "إن"، ومنها لام خبر "إن"، ومنها "كل"، ومنها "ما" المزيدة، ومنها القسم، ومنها لا القسم، ومنها نون التأكيد، ومنها لفظ التوفية، ومنها ربك فإن من يربيك يقدر على توفية حقك، ومنها الجمع المضاف، ومنها ختم الآية بقوله: ﴿ إنه بما يعملون خبير ﴾ فإنه إذا كان عالماً بكل المعلومات قادراً على كل المقدورات كان عالماً بعمل كل احد وبمقدار جزاء عمله، وقادراً على إيصال ذلك إليه، ثم إن كلامه حق وصدق وقد أخبر عن التوفية مع المؤكدات المذكورة فيقع وعده ووعيده لا محالة.

ثم أمر نبيه لتقتدي به أمته بكلمة جامعة للعقائد والأعمال قائلاً ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ عن جعفر الصادق  .

معناه افتقر إلى الله بصحة العزم يعني الوثوق به والتوكل عليه ﴿ ومن تاب معك ﴾ عطف على الضمير في ﴿ فاستقم ﴾ وصح للفصل أو هو ابتداء أي ومن تاب معك فليستقم أو مفعول معه.

ثم كما أمر بالاستقامة على جادّة الحق نهى عن الانحراف عنها فقال ﴿ ولا تطغوا ﴾ والطغان مجاوزة الحد.

وقال ابن عباس: يريد تواضعوا للحق ولا تتكبروا على الخلق.

وخصص بعضهم الطغيان بالتجاوز عن حدود القرآن بتحليل حرامه وتحريم حلاله.

وهذه الآية أصل عظيم في الشريعة فيكون الترتيب في الوضوء واجباً كما ورد في القرآن، وكذلك القول في الحدود والكفارات ونصاب الزكاة وأعداد الركعات وغيرها من جميع المأمورات والمنهيات.

ويجب الاحتياط في المسائل الاجتهادية وفي القياسات.

وكذا في الأخلاق والملكات وفي كل ما له طرفا إفراط وتفريط فهما مذمومان.

والمحمود هو الوسط وهو الصراط المستقيم المأمور بالاستقامة والثبات عليه.

ولا ريب أن معرفته صعبة وبتقدير معرفته فالعمل به والبقاء عليه أصعب ولهذا قال ابن عباس: ما نزلت على رسول الله  آية في القرآن أشد ولا أشق من هذه حتى إن أصحابه قالوا له: لقد أسرع فيك الشيب فقال  : " شيبتني هود " أعني هذه الآية منها.

ثم لما كان لقرين السوء مدخل عظيم في تغيير العقائد وتبديل الأخلاق نهى عن مخالطة من يضع الشيء في غير موضعه فقال: ﴿ ولا تركنوا ﴾ أي لا تميلوا بالمحبة والهوى ﴿ إلى الذين ظلموا ﴾ فقال المحققون: الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة وتحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب، فأما مداخلتهم لدفع ضرر واجتلاب منفعة عاجلة فغير داخلة في الركون.

أقول: هذا من طريق المعاش والرخصة، ومقتضى التقوى هو الاجتناب عنهم بالكلية ﴿ أليس الله بكاف عبده  ﴾ وفي قوله: ﴿ فتمسكم النار ﴾ إشارة إلى أن الظلمة أهل النار بل هم في النار أو كالنار ﴿ أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار  ﴾ ومصاحبة النار توجب لا محالة مس النار.

وقوله: ﴿ وما لكم من دون الله ﴾ من تتمة الجزاء.

وقال في الكشاف: الواو للحال ﴿ من أولياء ﴾ من أنصار أي لا يقدر على منعكم من عذاب الله إلا هو.

﴿ ثم لا تنصرون ﴾ ثم لا ينصركم هو أيضا.

وفيه إقناط كلي.

وفائدة "ثم" تبعيد النصرة من الظلم.

قال أهل التحقيق: الركون الميل اليسير وقوله: ﴿ إلى الذين ظلموا ﴾ أي الذين حدث منهم الظلم.

فلم يقل "ولا تميلوا إلى الظالمين" ليدل على أن قليلاً من الميل إلى من حدث منه شيء من الظلم يوجب هذا العقاب، وإذا كان هذا حال من ركن إلى من ظلم فكيف يكون حال الظالم في نفسه؟

عن رسول الله  "من دعا الظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه" .

وقال سفيان: في جهنم وادٍ لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك.

وعن محمد بن مسلمة: الذباب على العذرة أحسن من قارىء على باب هؤلاء.

ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء؟

فقال: لا.

فقيل له: يموت.

فقال: دعه يموت.

ثم خص من أنواع الاستقامة إقامة الصلاة تنبيهاً على شرفها فقال: ﴿ وأقم الصلاة ﴾ قيل: تمسك بعض الخوارج بهذه الآية على أن الواجب من الصلاة ليس إلا الفجر والعشاء لأنهما طرفا النهار وهما الموصوفان بكونهما زلفاً من الليل، فإن ما لا يكون نهاراً يكون ليلاً.

غاية ما في الباب أن هذا يقتضي عطف الصفة على الموصوف وهو كثير في كلامهم، ولئن سلم وجوب صلاة أخرى إلا أن قوله: ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ يشعر بأن إقامة الصلاة طرفي النهار كفارة لترك سائر الصلوات.

وجمهور الأمة على بطلان هذا القول واستدلوا بالآية على وجوب الصلوات الخمس لأن طرفي النهار منصوب على الظرف لإضافتهما إلى الوقت فيكتسب المضاف حكم المضاف إليه كقولك "أتيته نصف النهار" والطرفان هما الغدوة وهي الفجر والعشية وفيها الظهر والعصر لأن ما بعد الزوال عشيّ ﴿ وزلفاً ﴾ جمع زلفة كظلم وظلمة أي ساعات ﴿ من الليل ﴾ قريبة من آخر النهار من أزلفه إذا قربه وازدلف إليه.

وقرىء ﴿ زلفاً ﴾ بسكون اللام نحو "بسرة" و "بسر".

والزلف فيمن قرأ بضمتين نحو "بسر" و "بسر".

وقيل: ﴿ زلفاً ﴾ أي قرباً فيكون معطوفاً على الصلاة أي أقم الصلاة وأقم زلفاً أي صلوات يتقرب بها إلى الله عز وجل في بعض الليل.

وبالجملة فصلاة الزلف والمغرب والعشاء.

وقيل: إن طرفي النهار لا يشمل إلا الفجر والعصر وبه استدل على مذهب أبي حنيفة أن التنوير بالفجر أفضل وتأخير العصر أفضل، لأن الأمة أجمعت على أن نفس الطرفين - وهما وقت الطلوع والغروب - لا يصلح لإقامة الصلاة، فكل وقت كان أقرب إلى الطرفين كان أولى بإقامة الصلاة فيه حملاً للمجاز على ما هو أقرب إلى الحقيقة ما أمكن.

هذا ما ذكره فخر الدين الرازي في تفسيره.

ولقائل أن يقول: هذا لا يتمشى في صلاة الفجر لأن الطرف الأول للنهار في الشرع هو طلوع الصبح الصادق، والتنوير مبعد الصلاة منه لا مقرّب.

ولا أدري كيف ذهب عليه هذا المعنى مع إفراط عصبيته للشافعي.

واستدل أيضاً لأبي حنيفة على مذهبه في وجوب الوتر أن أقل الجمع ثلاثة فتجب إقامة الصلاة على النبي  في ثلاث زلف من الليل أي ثلاث ساعات ذهب منها ساعتان للمغرب والعشاء فتعين أن تكون الساعة الثالثة للوتر، وإذا وجب عليه وجب على أمته لقوله: ﴿ فاتبعوه  ﴾ ولمانع أن يمنع أن أقل الجمع ثلاثة أشياء، ثم إن كل ساعة لأجل صلاة، ثم إن كل ما يجب على النبي  يجب على الأمة لأن الاتباع هو الإتيان بمثل فعله أعم من أن يكون على تلك الجهة أم لا.

﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ قال المفسرون: نزلت في أبي اليسر عمرو بن غزية الأنصاري، كان يبيع التمر فأتته امرأة فأعجبته فقال لها: إن في البيت أجود من هذا.

فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها وأصاب منها كل ما يصيب الرجل من زوجته سوى الجماع، ثم ندم فأتى رسول الله  فأخبره بما فعل فقال: أنتظر أمر ربي فلما صلى صلاة العصر نزلت فقال: نعم اذهب فإنها كفارة لما عملت.

فقيل له: هذا له خاصة أم للناس عامة؟

فقال: بل للناس عامة.

وروي أنه  قال له: " توضأ وضوءاً حسناً وصل ركعتين" .

﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ قال ابن عباس: أي الصلوات الخمس كفارة لسائر الذنوب ما لم تكن كبيرة.

وقيل: المراد إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

وعن مجاهد: الحسنات قول العبد سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

وقد يحتج بالآية على أن المعصية لا تضرّ مع الإيمان الذي هو رأس الأعمال الحسنة.

﴿ ذلك ﴾ المذكور من قوله: ﴿ فاستقم ﴾ إلى ههنا ﴿ ذكرى للذاكرين ﴾ عظة للمتعظين وإرشاد للمسترشيدن.

ثم أمر بالصبر على التكاليف المذكورة أمراً ونهياً، ونص عن أن الإتيان بها إحسان وأن جزاءه سيحصل لا محالة فقال: ﴿ واصبر ﴾ الآية.

ثم عاد الى أحوال الأمم الخالية وبين أن السبب في حلول عذاب الاستئصال بهم أمران: الأول أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد وذلك قوله: ﴿ فلولا ﴾ أي فهلا ﴿ كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ﴾ ذوو خير ورشد وفضل، وذلك أن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله فصارت البقية مثلاً في الجودة.

يقال: فلان من بقية القوم أي من خيارهم.

ومن أمثالهم "في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا".

وجوّز في الكشاف أن يكون من البقوى كالتقية في التقوى أي فهلا كان منهم ذوو إبقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله وعقابه ﴿ إلا قليلاً ﴾ استثناء متصل لأن في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم فكأنه قيل: ما كان من القرون ناس ناهون إلا ناساً قليلاً.

ومن في ﴿ ممن أنجينا ﴾ للبيان أي هم الذين أنجيناهم.

قال في الكشاف: لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم.

ولقائل أن يقول: إذا كان النهي عن المنكر فرض كفاية لم يلزم أن تنحصر النجاة في الناهين؟

فيحتمل أن تكون من للتبعيض ويجوز - على ما في الكشاف - أن يكون الاستثناء منقطعاً معناه ولكن قليلاً ممن أنجيناه من القرون نهوا عن الفساد.

قال: ولو جعلته متصلاً على ما عليه ظاهر الكلام كان المعنى فاسداً لأنه يكون تحضيضاً لأولي البقية على النهي عن الفساد إلا للقليل من الناجين منهم كما تقول: هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم.

تريد استثناء الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن: أقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من استثناء الصلحاء منهم أنه لا حاجة لهم إلى التحضيض كأنك قلت: أحضض قومك على القراءة إلا الصلحاء فإنهم لا يحتاجون إلى ذلك لأنهم مواظبون عليها، على أن في جعل الاستثناء منقطعاً شبه تناقض، لأن أول الكلام يدل على أنه لم يكن فيهم ناهٍ وآخره يدل على أن القليل منهم قد نهوا فتأمل في هذا المقام فإنه من مزلة الأقدام.

السبب الثاني.

في نزول العذاب قوله: ﴿ واتبع الذين ظلموا ما أترفوا ﴾ ما غرقوا ﴿ فيه ﴾ من التنعم والتترف من حيث الرياسة والثروة وأسباب العيش الهنيّ ورفضوا ما وراء ذلك مما يتعلق بأمر الدين، فهذه الجملة معطوفة على مدلول الجملة التحضيضية أي ما كان من القرون ناس كذا واتبع الظالمون كذا.

ويجوز أن يكون في الكلام إضمار والواو للحال كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاء إترافهم.

والمترف الذي أبطرته النعمة، وصبي مترف منعم البدن.

وقوله: ﴿ وكانوا مجرمين ﴾ إما معترضة وإما معطوف على ﴿ اتبع ﴾ أي وكانوا مجرمين بذلك، أو على ﴿ أترفوا ﴾ أي اتبعوا الإتراف.

وكونهم مجرمين لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام، أو أريد بالإجرام إغفالهم للشكر.

ثم بين أنه ما ينبغي له  أن يهلك القرى بظلم.

قال أهل السنة: أي بسبب مجرد الشرك والحال أنهم مصلحون في المعاملة والعشرة فيما بينهم، وذلك أن حقوق الله  مبنية على المساهلة بخلاف حقوق العباد، وهذا كما قيل: الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم.

ويؤكد هذا التفسير أن عذاب الاستئصال إنما نزل بقوم لوط وشعيب لما حكى الله عنهم من إيذاء الناس والإفساد في الأرض.

وقالت المعتزلة قوله: ﴿ بظلم ﴾ حال من الفاعل والمعنى استحال في الحكمة أن يهلك الله القرى ظالماً لها وأهلها قوم مصلحون في العمل تنزيهاً لذاته عن الظلم وإيذاناً بأن إهلاك المصلحين ظلم.

ثم ذكر أن الكل بمشيئته وإرادته فقال: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ مهدية.

والمعتزلة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر وقد مر مراراً.

﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ في الأديان والأخلاق والأفعال، فمنهم من أنكر العلوم كلها حتى الحسيات والضروريات وهم السوفسطائية، ومنهم من سلم استنتاج العلوم كلها والمعارف ولم يثبت لهذا العالم الجسماني مبدأ أصلاً وهم الدهرية، ومنهم من أثبت له مبدأ موجباً بالذات وهم الفلاسفة على ما أشتهر منهم ولهذا المقام تحقيق ليس ههنا موضع بيانه، ومنهم من أنكر النبوات وهم البراهمة، ومنهم من أثبتها وهم المسلمون والمجوس واليهود والنصارى.

وفي كل واحد من هذه الطوائف اختلافات لا تكاد تدخل تحت الحصر، وإنما لا يحمل الاختلاف في الآية على الاختلاف في الألوان والألسنة والأرزاق والأعمار بل حملناه على الاختلاف في الأديان وما يتعلق بها لأنه ينبو عن ذلك ما قبل الكلام وهو قوله: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ وما بعده وهو قوله: ﴿ إلا من رحم ربك ﴾ قالت المعتزلة: إلا ناساً هداهم الله ولطف بهم فاتفقوا على الدين الحق.

وقال أهل السنة: جميع الألطاف التي فعلها في حق المؤمن فهي مفعولة أيضاً في حق الكافر وهذه الرحمة أمر مختص بالمؤمن مرجح لجانب الإيمان وصدوره منه فإذن الإيمان بخلق الله وتكوينه وكذا ضده.

ثم قال: ﴿ ولذلك خلقهم ﴾ فاختلف العلماء في المشار إليه بذلك، فالمعتزلة قالوا: ولذلك من التمكين والاختيار الذي كان منه الاختلاف خلقهم يثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره، أو ولما ذكر من الرحمة خلقهم.

والأشاعرة قالوا: ولأجل ما ذكر من الاختلاف خلقهم لما صح في الحديث أنه خلق الجنة وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً.

وللدلائل الدالة على أن الكل بإيجاده وتخليقه وأن خلاف معلومه محال وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ أي علمه وإرادته أو قوله للملائكة ﴿ لأملأن جهنم ﴾ الآية.

وفرق المعتزلة بين معلومه ومراده.

ثم ذكر طرفاً من فوائد القصص المذكور في السورة فقال: ﴿ وكلاً ﴾ أي وكل نبأ ﴿ نقص عليك ﴾ وقوله: ﴿ من أنباء الرسل ﴾ بيان لكل و ﴿ ما نثبت ﴾ بدل من ﴿ كلاً ﴾ أو المراد وكل نوع من الاقتصاص على أنه مصدر أي على الأساليب المختلفة نقص، و ﴿ ما نثبت ﴾ مفعول.

ومعنى تثبيت فؤاده زيادة اليقين والطمأنينة لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ للعلم، أو المعنى تثبيت قلبه على أداء الرسالة وتحمل الأذى من قومه أسوة بسائر الأنبياء.

﴿ وجاءك في هذه ﴾ السورة أو في هذه الأنباء ﴿ الحق ﴾ وهو البراهين القاطعة الدالة على صحة المبدأ والوسط والمعاد ﴿ وموعظة ﴾ وهي الدلائل المقنعة الموقعة للتصديق بقدر الإمكان والأول للخواص أنفع والثاني للعوام أنجع.

﴿ وذكرى للمؤمنين ﴾ وهي الإرشاد إلى الأعمال الصالحة النافعة في الآخرة المحصلة لما هنالك من السعادة، فإن حسن هذا الدين معلوم لمن رجع إلى نفسه وعمل بمقتضى تذكره وفكره.

واعلم أن المعارف الإلهية لا بد لها من قابل وفاعل، وقابلها القلب وإنه ما لم يكن مستعداً لم يحصل له الانتفاع بسماع الدلائل وورودها عليه فلهذا السبب قدم ذكر إصلاح القلب وعلاجه وهو تثبيت الفؤاد، ثم عقبه بذكر المؤثر الفاعل وهو مجيء هذه السورة بل آية منها وهي قوله: ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ مشتملة على الحق والموعظة والذكرى، وهذا ترتيب في غاية الحسن.

ثم أمر بالتهديد لمن لم يؤثر فيهم هذه البيانات من أهل مكة وغيرهم فقال: ﴿ وقل للذين لا يؤمنون اعملوا ﴾ وقد مر تفسير مثله في هذه السورة وفي "الأنعام" ﴿ وانتظروا ﴾ ما يعدكم الشيطان ﴿ إنا منتظرون ﴾ ما وعدنا الرحمن من الغفران والإحسان.

وعن ابن عباس: انتظروا بنا الدوائر فإنا منتظرون بكم العذاب كما حل بنظرائكم.

ثم ختم السورة بآية مشتملة على جميع المطالب من أمر المبدإ والوسط والمعاد وقد سبق تقريره في آخر "البقرة" في تفسير آية ﴿ آمن الرسول  ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.

التأويل: ﴿ ما دامت السموات والأرض ﴾ أي ما دامت سموات الأرواح والقلوب وأرض النفوس البشرية ﴿ إلا ما شاء ربك ﴾ من الأشقياء، وذلك أن أهل الشقاء ضربان: شقي وأشقى.

فالشقي بالمعاصي سعيد بالتوحيد فيخلص من النار آخراً، والأشقى وهو الكافر يبقى فيها مخلداً، ومن أهل الجنة سعيد يبقى خالداً فيها، وأسعد وهم الذين يترقون إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر.

وهناك مقام الوحدة الذي لا انقطاع له كما قال: ﴿ عطاء غير مجذوذ ﴾ ﴿ لموفوهم نصيبهم ﴾ الذي قدر لهم في الأزل من الشقاء.

﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ باستكمال الشقاء لقضي بينهم بالهلاك عاجلاً ﴿ لفي شك منه ﴾ إشارة إلى الضلال.

وقوله: ﴿ مريب ﴾ إشارة إلى الإضلال.

﴿ وإن كلاً ﴾ أي كل واحد من الضالين ومن المضلين ﴿ فاستقم ﴾ أمر التكوين ولذلك قال: ﴿ كما أمرت ﴾ أي في الأزل، وفي قوله: ﴿ ومن تاب معك ﴾ إشارة إلى أن النفوس جبلت على الاعوجاج فيحتاج إلى الرجوع من الطريق المنحرف إلى الصراط المستقيم إلى من اختص بالاستقامة بسبب أمر التكوين كالنبي  ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ يعني أن الأعمال الصالحة في الأوقات المعدودة تزيل ظلمات الأوقات المصروفة في قضاء الحوائج النفسانية الضرورية، وذلك أن تعلق الروح النوري العلوي بالجسد الظلماني السفلي موجب لخسران الروح كقوله: ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر  ﴾ إلا أن يتداركه أنوار العمل الصالح فيرقيه من حضيض البشرية إلى ذروة الروحانية بل إلى الوحدة الربانية، فتندفع عنه ظلمة الجسد السفلي مثاله: إلقاء الحبة في الأرض فإنه من خسران الحبة إلى أن يتداركه الماء وسائر الأسباب فيربيها إلى أن تصير الحبة الواحدة إلى سبعمائة.

وما زاد ذلك الذي ذكرنا من التدارك عظة للذاكرين الذين يريدون أن يذكروا الله في جميع الأحوال فإنهم إذا حافظوا على هذه الأوقات فكأنهم حافظوا على جميعها لأن الإنسان خلق ضعيفاً ليس يقدر على صرف جميع الأوقات في محض العبودية والعبادة.

﴿ فلولا كان من القرون ﴾ صورة التحضيض وحقيقته السؤال ليجاب بأنه لم يكن كذلك لأنك فاعل مختار، فعال لما تريد، خلقت خلقاً للإقرار وخلقت خلقاً للإنكار ولا اعتراض لأحد عليك يؤديه قوله: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ﴾ طالبة للحق متوجهة إليه ﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ منهم من يطلب الدنيا، ومنهم من يطلب العقبى، ومنهم من يطلب المولى وهم المشار إليهم بقوله: ﴿ إلا من رحم ربك ﴾ ﴿ ولذلك ﴾ أي لطلب الله ﴿ خلقهم ﴾ بحسن الاستعداد ولأن رحمته سبقت غضبه، ولكن وقوع فريق في طريق القهر ضروري في الوجود وهو قوله: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ جرى به القلم للضرورة وما نثبت به فؤادك التثبيت منه والتشكيك منه، بيده مفاتيح أبواب اللطف والقهر ﴿ وقيل للذين لا يؤمنون ﴾ لطلب الحق ووجدانه ﴿ اعلموا ﴾ في طلب المقاصد من باب القهر ﴿ إنا عاملون ﴾ في طلب الحق من باب لطفه ﴿ وانتظروا ﴾ نتائج أعمالكم ﴿ إنا منتظرون ﴾ ثمرات أعمالنا ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ أي ما غاب عنكم مما أودع من لطفه في سموات القلوب ومن قهره في أرض النفوس ﴿ وإليه يرجع ﴾ أمر أهل السعادة والشقاء ومظاهر اللطف والقهر ﴿ فاعبده ﴾ أيها الطالب للحق فإنك مظهر اللطف ﴿ وتوكل عليه ﴾ في الطلب لا على طلبك فإنك إن طلبته بك لم تجده ﴿ وما ربك بغافل ﴾ في الأزل ﴿ عما تعملون ﴾ إلى الأبد والله حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله -  -: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ظاهر هذا يخرج على المعاتبة أو التنبيه والتذكير؛ لأنه يقول: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ ﴾ أي: لم لا كانوا كذا؟

فليس ثم من أولئك من يعاتب أو ينبه، لكنها تخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ ﴾ أي: فهلا كانوا ذوي بقية ﴿ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ومعناه - والله أعلم -: هلا كثر أهل الإسلام فيهم حتى قدروا على النهي عن الفساد في الأرض؛ لأنهم إذا كانوا قليلا لم يقدروا على النهي عن الفساد في الأرض؛ نحو لوط وأهله، كانوا عدداً قليلا كيف كان يقدر على النهي عن الفساد، أو المنع عن ذلك، وكنوح - أيضاً - كان معه نفر يقل عددهم، لم يقدروا على منع قومه عن الفساد ونحوه.

فإذا كان ما ذكرناه فكأنه - والله أعلم - يقول: هلا كثر أهل الإسلام وأولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض.

والثاني: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أي: قد كان منهم أولو بقية، لكنهم لم ينهوا عن الفساد في الأرض، فأهلكوا جميعاً إلا قليلا ممن أنجينا منهم، وذلك القليل قد نهوا عن الفساد في الأرض، فنجوا بين أولئك.

حاصل هذا يخرج على هذين الوجهين اللذين ذكرناهما: أحدهما: لم يكن منهم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض؛ على ما قاله بعض أهل التأويل.

والثاني: كان فيهم أولو بقية، لكنهم لم ينهوهم عن الفساد [في الأرض] إلا قليلا منهم فإنهم قد نهوهم عن ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ ﴾ هو يخرج على وجهين: يحتمل: واتبع: الأتباع والسفلة الذين ظلموا من أترفوا فيه من الأموال أي: وسع [عليهم وأعطوا] الأموال وهم الأجلة والأئمة منهم أي: آثروا اتباع الأئمة والأجلة الذين أترفوا فيه على اتباع الرسل والأنبياء.

والثاني: ﴿ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ وهم الأجلة والأئمة ﴿ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ ﴾ أي: ما أعطوا من الأموال أي: آثروا الدنيا وما فيها على اتباع الرسل والأنبياء.

أحد التأويلين يرجع إلى السفلة والأتباع، وهو الأوّل، والثاني إلى الأجلة والأئمة هم آثروا اتباع الدنيا على اتباع الرسل، ثم تبعهم الأتباع والسفلة في ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ أي: ما كان ربك ليهلك القرى إهلاك استئصال وانتقام وأهلها كلهم مصلحون، أو أكثر أهلها مصلحون، إنما يهلك القرى إذا كان أهلها كلهم مفسدين، أو عامة أهلها مفسدين؛ هذا يدل [على] أن الحكم في الدار إنما يكون بغلبة أهلها: إن كان أكثر أهلها أهل الإسلام فالحكم حكم الإسلام، وإن كان عامة أهلها أهل الحرب والكفر فالحكم حكمهم، ولا يسمّى أهلها كلهم بالكفر والفساد إذا كان أكثر أهلها مصلحين؛ ألا ترى أنه قال في قوم لوط: ﴿ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ  ﴾ سمى أهل [القرية] قرية وإن كان فيها لوط وأهله مصلحون لم يعد لوطاً وأهله من أهلها.

وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ ﴾ أي: لا يكون في إهلاكهم ظالماً.

ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: أن الخلق له، فهو بإهلاكه لم يكن ظالماً؛ لأنه أهلك ماله.

والثاني: أنه إنما يهلكهم بظلم كان منهم؛ كقوله: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ...

﴾ الآية، أي: إنما يهلكهم بشيء اكتسبوه، فهم بما اكتسبوا ظلموا أنفسهم، وهو كقوله: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ قالت المعتزلة: هذه المشيئة مشيئة القهر والقسر، وذلك مما يدفع المحنة، ويزول لديه المثوبة والعقوبة، وكذلك في قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً  ﴾ .

وأما عندنا فلو شاء لجعلهم أمة واحدة، مشيئة لا تزول معها المحنة، والذي يدل عليه خصال: أحدها: أن الله  قد عرفنا الإيمان والدين الذي يقع به اجتماع، أو فيه الاختلاف بما ركب فينا من العقول التي بها نعرف حقائق الأشياء ومجازاتها، ومحاسن الأمور وقبيحها، بمعونة السمع أو بالتأمل فيما يحس بالأمرين جميعاً أنه لا يكون إلا بالاختيار، ولا يوصل إلى السبب الذي به يدان إلا بالاستدلال أو التعليم؛ إذ هو طاعة وتصديق، وذلك يكون ممن لا يحس، وطريقه الاجتهاد، وكل ذي أضداد القسر، فمحال أن يعود الكون لو شاء على وجه قد عرفنا أنه لا يكون سمعاً وعقلا، فيكون في الحقيقة كأنه قال لو شاء أن يكون لا يكون، على أن ذا من يقبل عنه هذه الدعوى على قولهم، وهو منذ كان الخلق بين أن كان فيما شاء إثباته من أفعال الخلق فلم يكن ولم يشأ، فكان عندهم، فهو كمن ظهر عجزه بجميع أدلة العجز، ثم يدع أن له القدرة بها، يقهر ما يشاء، فذلك كمن لا يقوم للانتصاب والنهوض فيدع أنه يقدر على الصعود، أو من لا يملك إمساك مثل ذرة أنه ممسك السماوات والأرض.

على أنه لو كان كذلك ليجيء أن يكون يقدر على فعل الكفر والسفة والكذب، إذ من يقدر على فعل شيء لا يقدر على فعل ضده عندهم ليس ذلك بقدرة.

ثم لو كان ذلك كله بلا غير، يصير له فعلا، فكان يكون في الحقيقة سفيهاً كذوباً، ومن كان ذلك وصفه فهو غير رب ولا حكيم، ومن ربوبيته تحت قدرة غيره أو حكمته تحتمل المضادات، فهو مسئول عما يفعل، مطالب بالحجج، فأنى يكون لمن ذلك وصفه ربوبية جل عن ذلك.

والثاني: أن الذي يكون بالقسر والقهر يكون أمر الخلقة، لا أمر فعل العبد، وذلك في الحقيقة لله، لا للبشر، وما هو له من جهة الخلقة موجود؛ لأن نفس كل أحد بالخلقة مؤمن، وقد شاء الله تلك المشيئة، فالقول بلو شاء لا معنى له؛ بل قد شاء وكان، ولا قوة إلا بالله.

والثالث: أنه وعد أن لو شاء أن يجعل كذا لفعل؛ وهو لو فعل لكان يجعل من قد آمن منهم في الحقيقة مؤمناً في المجاز، كافراً في الحقيقة؛ لأنهم بهذا يصيرون أمّة واحدة؛ إذ صار كثير منهم مؤمنين بالاختيار، لا يحتمل أن يجعلهم على غير ذلك، فيكون محموداً عدلا، والله الموفق.

ثم الأصل أن الله -  - قد جعل أدلة كل موعود في الحس ظاهراً، وكل مقدور عليه بالوعد والدعوى له مما جبل عليه أمراً بيّناً، وهذا النوع من المشيئة عندهم والدعوى بما جعل جميع مانعٌ لأن يكون كائناً، فيصير بالذي به ادعى لنفسه من القدرة مكذباً بما جعل لمنع مثله الأدلة، ومن ذلك وصفه، فهو غير حكيم، جل الله عن هذا.

على أن المتأمل بما أخبر يجد حقيقته دون أن يحتاج إلى دليل يوضح قدرته على ما ادعى على بقاء المحنة سبيلا سهلا بحمد الله لا يحتاج إلى ما ذكروا من المكابرة، وهو ما قال الله -  -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً...

﴾ الآية [الزخرف: 33].

ومعلوم أنهم لو كفروا جميعاً بما ذكر لكانوا مختارين، وإلى ما جاءوا به غير مضطرين، فإذا استقام كونهم على دين الكفر بذلك لا يحتمل ألا يوجب ذلك بقاء على الإيمان لو كانوا [مختارين لذلك يستقيم كونهم على دين الإيمان مختارين، أو لو جعل ذلك للمؤمنين] فيقدرون على قولهم أن يجعلهم كفاراً بالمحنة، لا يقدر على أن يجعلهم مؤمنين بها؛ لأن ذلك وصف العجز عندهم، وإن كان لا يكون كذلك عندنا؛ لأنه يستقيم القول بالأقدار على إحداث غيره، ومحال القول على جعل غيره قديماً، أو على إحواج غيره إليه لا يحتمل الوصف بالقدرة على إغناء غيره عنه، وعليهم أوضح؛ إذ أجازوا [له] القدرة على كل حركة للعبد وسكون بالاضطرار، ولم يجوزوا في ذلك بالاختيار، اللهم إلا أن يقولوا: لا يجوز أن يكون العبد غير كامل القدرة، وهي القدرة على مضادات الأشياء، والله يجوز له الوصف بالقدرة الناقصة، فيكون قريباً مما جعلوا للعبد قدرة على ما يجهل الرب، ويجعله كاذباً فيما يخبر على بقاء الربوبية له، والله لا يقدر على مثله في العبد على بقاء العبودية له بالمحنة، أو ما أقدروا العبد على إهلاك من وعد الله فيه الإبقاء، ويريد ذلك، وذلك فضله، ووعد له مع ذلك أن يعطيه كذا، فيأتي معاند فيقتله، ويمنع الرب عن إنجاز وعده، وعن سلطان بقائه؛ جل الرب عن هذا، وذلك في قولهم فيما يضرب الله لنبي أو صديق أجلا يرى به مصلحة عباده يقدر الكافر على قتله قبل مجيء ذلك الأجل، وإبطال جميع ما وعد والإيقاء بما هو صنيعه من إبقاء الحياة فيه، ولا يقدر الله على إنجاز ما وعد وإيفائه على ما أراد، والعبد بحاله إلا أن يعجزه، أو يميته، أو يجعله زمناً، والله المستعان.

ثم الأصل أن كل مريد بفعله فيما فعله أمراً لا يكون ذلك، وهو لم يكن فعله إلا لذلك يوجب أحد أمرين في الحكمة: إما جهلا بالعواقب وخطأ بالفعل؛ كمن يفعل فعلا يحزن عليه أو يلحقه به مكروه، فهو لا يفعله له يظهر فاعله أنه عن جهل فعل، وعلى الخطأ خرج فعله، وعلى ذلك معنى التحذير في الخلق والتنبيه بقولهم: "لدوا للموت وابنوا للخراب" وسرق ليقطع، وبارز ليقتل من حيث كان والثاني متصلا بالأول ينبه عن الغفلة على إرادة التحذير أنه إليه يئول أمر فعله وعلى ذلك قوله: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ...

﴾ الآية [القصص: 8]، أو أن يقال ذلك على أنه كذلك في فعله عند الله وإن جهله هو، أو يوجب السفه في الفعل والعبث؛ إذ هو يقصد بفعله ما يعلم أنه لا يكون، أو يريد ما يتيقن أنه لا يبلغ، وإذا كان كذلك فإعطاء الله -  - القدرة ليؤمن، أو خلقه ليعبد، وأراد أنه يفعل ذلك، واختار ذلك الفعل، لذلك يوجب أحد ذينك الوجهين جل الله عنهما وتعالى، وقد ثبت أن الله -  - عالم بالعواقب، متعالٍ عن العبث، ثبت أنه خلق من خلق، وأعطى ما أعطى لما علم أنه يكون، وقد علم ما يكون، وعلى هذا التقدير يخرج الأمر في قوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ...

﴾ الآية [الأعراف: 179]، وقوله: ﴿ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 85].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ أنه خلقهم للذي علم أنهم يصيرون إليه من اختلاف أو اتفاق، أو عداوة أو ولاية، لا يريد غير الذي علم، ولا يعلم غير الذي يكون ممن يعلم ما يكون، ولا قوة إلا بالله.

وقالت المعتزلة: قوله: ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ أي: للرحمة خلقهم؛ فقال: بعض متكلمي أصحابنا: إن الرحمة تذكر بالتأنيث وهو إنما ذكر بالتذكير؛ حيث قال: ﴿ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ ولم يقل: ولتلك خلقهم دل أنه ليس على ما يقولون.

وقال قائلون: للاختلاف خلقهم إلا من رحم ربك.

وقال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ أي: خلقهم لئلا يهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون.

وعندنا ما ذكرنا أنه خلقهم للذي علم أنه يكون منهم، وأنهم يصيرون إليه من الاختلاف أو الاتفاق، أو العداوة أو الولاية، لا يخلقهم لغير الذي علم أنه يكون منهم، ولا يريد - أيضاً - غير ما علم أنهم يصيرون إليه، ولا يعلم غير ما يكون منهم، والله الموفق.

وتأويل المعتزلة في قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ أنها مشيئة [القسر والقهر]، فذلك بعيد؛ لأنه لا يكون في حال القهر والاضطرار إيمان؛ لأن من أكره واضطر على الإيمان حتى آمن فإنه لا يكون إيمانه إيمانا، إنما يكون الإيمان إيماناً في حال الاختيار إذا آمن مختاراً ممتحناً فيه، فعند ذلك يكون إيمانه إيماناً دل أن تأويلهم فاسد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ تأويله - والله أعلم -: كل الذي نقص عليك أو قصصنا عليك من أنباء الرسل، نبأ بعد نبأ، ونبأ على إثر نبأ؛ ما نثبت به فؤادك.

وقوله: ﴿ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ يحتمل وجوهاً.

أحدها: نثبت به فؤادك؛ لما يحتمل أن نفسه كانت تنازعه وتناقشه بأن الذي أنزل عليه أو يأتي به ملك، أو كان ذلك من إيحاء الشيطان وإلقائه عليه ووساوسه، فقص عليه من أنباء الرسل وأخبارهم؛ ليكون له آية بينه وبين ربه؛ ليعلم أن ما أنزل عليه وما يأتي به إنما هو ملك من الله؛ جاء ليدفع به نوازع نفسه وخطراته؛ إذ لا سبيل للشيطان إلى معرفة تلك الأنباء، ولا في وسعه إلقاؤها عليه، فيكون له بها طمأنينة قلبه، وهو كقول إبراهيم؛ حيث قال: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ...

﴾ الآية [البقرة: 260]، كأن نفس إبراهيم تنازعه في كيفية إحياء الموتى، فسأل ربه ليريه ذلك؛ ليطمئن بذلك قلبه، وإن كان يعلم أنه يحيي الموتى، وأنه قادر على ذلك.

والثاني: قص عليه أنباء الرسل واحداً بعد واحد؛ ليثبت به فؤاده ليعلم كيفية معاملتهم قومهم، وماذا لقوا من قومهم، وكيف صبروا على أذاهم ليصبر هو على ما صبر أولئك، وليعامل هو قومه بمثل معاملتهم.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ بنبأ بعد نبأ؛ لتنظر وتتفكر في كل نبأ وخبر، وتعرف ما فيه، فيكون ذلك أثبت في قلبه، وهو كقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ  ﴾ بإنزال الآية واحدة بعد واحدة، وسورة بعد سورة، وذلك أثبت في فؤاده من إنزاله جملة؛ لأنه يزدحم في مسامعه وفؤاده، وإذا كان بالتفاريق نظر وتفكر، فهو أثبت في قلبه وفؤاده، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ ﴾ قال بعضهم: ﴿ وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ﴾ أي: في هذه الأنباء التي قصها عليك جاءك فيها الحق، وهو ما ذكرناه.

وقال بعضهم: ﴿ وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ﴾ أي: في هذه السورة الحق، وهو ما ذكر من الأنباء: نبأ بعد نبأ، وهو كالأول.

وقال بعضهم: ﴿ وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: في هذه الدنيا الحق؛ يعني: الآيات والحجج والبراهين لرسالته ودينه ﴿ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: جاءك ما تعظ به قومك، وتذكر به المؤمنين.

[وقوله: ﴿ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ خص المؤمنين بذلك لما يكون منفعة الموعظة والذكرى للمؤمنين] وإلا هو موعظة وذكرى للكل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وكل خبر نقصه عليك -أيها الرسول- من أخبار الرسل من قبلك نقصه لنُثَبِّت به قلبك على الحق ونقوّيه، وجاءك في هذه السورة الحق الَّذي لا شك فيه، وجاءتك فيها موعظة للكافرين، وذكرى للمؤمنين الذين ينتفعون بالذكرى.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZRlpb"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله