الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٤٣ من سورة هود
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 97 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٣ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ) وقيل : إنه اتخذ له مركبا من زجاج ، وهذا من الإسرائيليات ، والله أعلم بصحته .
والذي نص عليه القرآن أنه قال : ( قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ) اعتقد بجهله أن الطوفان لا يبلغ إلى رءوس الجبال ، وأنه لو تعلق في رأس جبل لنجاه ذلك من الغرق ، فقال له أبوه نوح ، عليه السلام : ( لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ) أي : ليس شيء يعصم اليوم من أمر الله .
وقيل : إن عاصما بمعنى معصوم ، كما يقال : " طاعم وكاس " ، بمعنى مطعوم ومكسو ، ( وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ) .
القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال ابن نوح لما دعاه نوح إلى أن يركب معه السفينة خوفًا عليه من الغرق: ( سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) يقول: سأصير إلى جبل أتحصّن به من الماء ، (30) فيمنعني منه أن يغرقني.
* * * ويعني بقوله: (يعصمني) يمنعني، مثل " عصام القربة " ، الذي يشدُّ به رأسها ، فيمنع الماء أن يسيل منها.
(31) * * * وقوله: (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم)، يقول: لا مانع اليوم من أمر الله الذي قد نـزل بالخلق من الغرق والهلاك ، إلا من رحمنا فأنقذنا منه، فإنه الذي يمنع من شاء من خلقه ويعصم.
* * * ، ف " من " في موضع رفع، لأن معنى الكلام: لا عاصم يَعصم اليوم من أمر الله إلا الله.
* * * وقد اختلف أهل العربية في موضع " من " في هذا الموضع.
فقال بعض نحويي الكوفة: هو في موضع نصب، لأن المعصوم بخلاف العاصم، والمرحوم معصوم .
قال: كأن نصبه بمنـزلة قوله: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ [ سورة النساء : 157] ، قال: ومن استجاز : اتِّبَاعَ الظَّنِّ ، والرفع في قوله: (32) وَبَلْـــــدَةٌ لَيْسَ بِهَـــــا أَنِيسُ إِلا الْيَعَـــــــــافِيرُ وَإِلا العِيسُ (33) لم يجز له الرفع في " من "، لأن الذي قال: " إلا اليعافير "، جعل أنيس البرِّ ، اليعافير وما أشبهها.
وكذلك قوله: إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ، يقول علمهم ظنٌّ.
قال: وأنت لا يجوز لك في وجه أن تقول: " المعصوم " هو " عاصم " في حال، ولكن لو جعلت " العاصم " في تأويل " معصوم " ، [كأنك قلت]: " لا معصوم اليوم من أمر الله " ، (34) لجاز رفع " من ".
قال: ولا ينكر أن يخرج " المفعول " على " فاعل "، ألا ترى قوله: مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ، [سورة الطارق: 6] ، معناه ، والله أعلم : مدفوق ، وقوله: فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ، معناها: مرضية؟
قال الشاعر: (35) دَعِ الْمَكَــارِمَ لا تَرْحَــلْ لِبُغْيَتِهَــا وَاقْعُـدْ فَـإِنَّكَ أَنْـتَ الطَّـاعِمُ الْكَاسِي (36) ومعناه: المكسوُّ.
* * * وقال بعض نحويّي البصرة: (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) ، على: " لكن من رحم "، ويجوز أن يكون على: لا ذا عصمة: أي : معصوم، ويكون (إلا من رحم) ، رفعًا بدلا من " العاصم " .
* * * قال أبو جعفر: ولا وجه لهذه الأقوال التي حكيناها عن هؤلاء، لأن كلام الله تعالى إنما يُوَجَّه إلى الأفصح الأشهر من كلام من نـزل بلسانه ، ما وُجِد إلى ذلك سبيل.
ولم يضطرَّنا شيء إلى أن نجعل " عاصمًا " في معنى " معصوم "، ولا أن نجعل " إلا " بمعنى " لكن "، إذ كنا نجد لذلك في معناها الذي هو معناه في المشهور من كلام العرب مخرجًا صحيحًا، وهو ما قلنا من أنَّ معنى ذلك: قال نوح: لا عاصم اليوم من أمر الله ، إلا من رحمَنا فأنجانا من عذابه، كما يقال: " لا مُنجي اليوم من عذاب الله إلا الله " ، " ولا مطعم اليومَ من طعام زيد إلا زيد " .
فهذا هو الكلام المعروف والمعنى المفهوم.
* * * وقوله: (وحال بينهما الموج فكان من المغرقين)، يقول: وحال بين نوح وابنه موجُ الماء فغرق، (37) فكان ممن أهلكه بالغرق من قوم نوح صلى الله عليه وسلم.
----------------------- الهوامش : (30) انظر تفسير " أوى " فيما سلف 13 : 477 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(31) انظر تفسير " يعصم " فيما سلف 10 : 472 ، تعليق : 2 / 15 : 73 .
(32) هو جران العود .
(33) سلف البيت وتخريجه فيما مضى 9 : 203 .
(34) الزيادة بين القوسين من معاني القرآن للفراء ، وهو نص كلامه .
(35) هو الحطيئة .
(36) ديوانه : 54 ، وطبقات فحول الشعراء : 98 ، واللسان ( طعم ) ، ( كسا ) ، ومعاني القرآن للفراء ، وغيرها كثير ، في خبره المشهور لما ذم الزبرقان ، واستعدى عليه عمر بن الخطاب ، وقال عمر لحسان : أهجاه ؟
قال : لا ، ولكنه ذرق عليه !
وقد فسرته على أن " الطاعم " و" الكاسي " ، على النسب ، أي : ذو الطعام ، يشتهيه ويستجيده من شرهه ، وذو الكسوة ، يتخيرها ويتأنق فيها ، لا هم له في المكارم .
ولذلك قال الزبرقان لعمر : أو ما تبلغ مروءتي إلا أن آكل وألبس !
!
ومثل هذا قول عبد الرحمن بن حسان : إنِّـي رأَيْـتُ مِـنَ المَكَـارِمِ حَسْـبَكُم أَن تَلْبَسُــوا حُـرَّ الثِّيَـابِ وَتَشْـبَعُوا .
(37) انظر تفسير " حال " فيما سلف 13 : 472 .
قوله تعالى : قال سآوي أي أرجع وأنضم .
" إلى جبل يعصمني " أي يمنعني من الماء فلا أغرق .قال لا عاصم اليوم من أمر الله أي لا مانع ; فإنه يوم حق فيه العذاب على الكفار .
وانتصب " عاصم " على التبرئة .
ويجوز " لا عاصم اليوم " تكون لا بمعنى ليس .إلا من رحم في موضع نصب استثناء ليس من الأول ; أي لكن من رحمه الله فهو يعصمه ، قاله الزجاج .
ويجوز أن يكون في موضع رفع ، على أن عاصما بمعنى معصوم ; مثل : ماء دافق أي مدفوق ; فالاستثناء .
على هذا متصل ; قال الشاعر :[ ص: 37 ]بطيء القيام رخيم الكلا م أمسى فؤادي به فاتناأي مفتونا .
وقال آخر ( الشاعر هو الحطيئة ) :دع المكارم لا تنهض لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسيأي المطعوم المكسو .
قال النحاس : ومن أحسن ما قيل فيه أن تكون " من " في موضع رفع ; بمعنى لا يعصم اليوم من أمر الله إلا الراحم ; أي إلا الله .
وهذا اختيار الطبري .
ويحسن هذا أنك لم تجعل عاصما بمعنى معصوم فتخرجه من بابه ، ولا " إلا " بمعنى " لكن "وحال بينهما الموج يعني بين نوح وابنه .فكان من المغرقين قيل : إنه كان راكبا على فرس قد بطر بنفسه ، وأعجب بها ; فلما رأى الماء جاء قال : يا أبت فار التنور ، فقال له أبوه : يا بني اركب معنا فما استتم المراجعة حتى جاءت موجة عظيمة فالتقمته هو وفرسه ، وحيل بينه وبين نوح فغرق .
وقيل : إنه اتخذ لنفسه بيتا من زجاج يتحصن فيه من الماء ، فلما فار التنور دخل فيه وأقفله عليه من داخل ، فلم يزل يتغوط فيه ويبول حتى غرق بذلك .
وقيل : إن الجبل الذي أوى إليه " طور سيناء " .
فـ { قَالَ } ابنه، مكذبا لأبيه أنه لا ينجو إلا من ركب معه السفينة.
{ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ } أي: سأرتقي جبلا، أمتنع به من الماء، فـ { قَالَ } نوح: { لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ } فلا يعصم أحدا، جبل ولا غيره، ولو تسبب بغاية ما يمكنه من الأسباب، لما نجا إن لم ينجه الله.
{ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ } الابن { مِنَ الْمُغْرَقِينَ }
( قال ) له ابنه ( سآوي ) سأصير وألتجئ ، ( إلى جبل يعصمني من الماء ) يمنعني من الغرق ، ( قال ) له نوح ( لا عاصم اليوم من أمر الله ) من عذاب الله ، ( إلا من رحم ) قيل : " من " في محل الرفع ، أي لا مانع من عذاب الله إلا الله الراحم .
وقيل : " من " في محل النصب ، معناه لا معصوم إلا من رحمه الله ، كقوله : " في عيشة راضية " ( الحاقة - 21 ) أي : مرضية ، ( وحال بينهما الموج فكان ) فصار ، ( من المغرقين ( وروي أن الماء علا على رءوس الجبال قدر أربعين ذراعا .
وقيل : خمسة عشر ذراعا .
وروي أنه لما كثر الماء في السكك خشيت أم لصبي عليه ، وكانت تحبه حبا شديدا ، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه ، فلما بلغها الماء ارتفعت حتى بلغت ثلثيه ، فلما بلغها ذهبت حتى استوت على الجبل ، فلما بلغ الماء رقبتها رفعت الصبي بيديها حتى ذهب بها الماء ، فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي .
«قال سآوي إلى جبل يعصمني» يمنعني «من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله» عذابه «إلا» لكن «من رحم» الله فهو المعصوم قال تعالى «وحال بينهما الموج فكان من المغرقين».
قال ابن نوح: سألجأ إلى جبل أتحصَّن به من الماء، فيمنعني من الغرق، فأجابه نوح: لا مانع اليوم من أمر الله وقضائه الذي قد نزل بالخلق من الغرق والهلاك إلا مَن رحمه الله تعالى، فآمِنْ واركب في السفينة معنا، وحال الموج المرتفع بين نوح وابنه، فكان من المغرقين الهالكين.
( قَالَ سآوي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي .
.
.
)أى : قال : سألتجئ إلى جبل من الجبال الشاهقة ، لكى أتحصن به من وصول الماء إلى .وهنا يرد عليه أبوه الرد الأخير فيقول - كما حكى القرآن عنه - : ( قَالَ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ .
.
)أى : قال نوح لابنه : لا معصوم اليوم من عذاب الله إلا من رحمه - سبحانه - بلطفه وإحسانه ، وأما الجبال وأما الحصون .
.
وأما غيرهما من وسائل النجاة ، فسيعلوها الطوفان ، ولن تغنى عن المحتمى بها شيئا .وعبر عن العذاب بأمر الله ، تهويلا لشأنه .وقوله : ( وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج فَكَانَ مِنَ المغرقين ) بيان للعاقبة السيئة التى آل إليها أمر الابن الكافر .أى : وحال وفصل الموج بهديره وسرعته بين الابن وأبيه .فكانت النتيجة أن صار الابن الكافر من بين الكافرين المغرقين .والتعبير بقوله : ( وَحَالَ .
.
.
) يشعر بسرعة فيضان الماء واشتداده ، حتى لكأن هذه السرعة لم تمهلهما ليكملا حديثهما .والتعبير بقوله : ( فَكَانَ مِنَ المغرقين ) يشير إلى أنه لم يغرق وحده ، وإنما غرقهو وغرق معه كل من كان على شاكلته فى الكفر .وهكذا تصور لنا هذه الآية الكريمة ما دار بين نوح وابنه من محاورات فى تلك اللحظات الحاسمة المؤثرة ، التى يبذل فيها كل أب ما يستطيع بذله من جهود لنجاة ابنه من هذا المصير المؤلم .
واعلم أن قوله: ﴿ وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِي مَوْجٍ كالجبال ﴾ مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِي مَوْجٍ ﴾ متعلق بمحذوف، والتقدير: وقال اركبوا فيها، فركبوا فيها يقولون: بسم الله وهي تجري بهم في موج كالجبال.
المسألة الثانية: الأمواج العظيمة إنما تحدث عند حصول الرياح القوية الشديدة العاصفة فهذا يدل على أنه حصل في ذلك الوقت رياح عاصفة شديدة، والمقصود منه: بيان شدة الهول والفزع.
المسألة الثالثة: الجريان في الموج، هو أن تجري السفينة داخل الموج، وذلك يوجب الغرق، فالمراد أن الأمواج لما أحاطت بالسفينة من الجوانب، شبهت تلك السفينة بما إذا جرت في داخل تلك الأمواج.
ثم حكى الله تعالى عنه أنه نادى ابنه، وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أنه كان ابناً له، وفيه أقوال: القول الأول: أنه ابنه في الحقيقة، والدليل عليه: أنه تعالى نص عليه فقال: ﴿ ونادى نُوحٌ ابنه ﴾ ونوح أيضاً نص عليه فقال: ﴿ يا بَنِى ﴾ وصرف هذا اللفظ إلى أنه رباه، فأطلق عليه اسم الابن لهذا السبب صرف للكلام عن حقيقته إلى مجازه من غير ضرورة وأنه لا يجوز، والذين خالفوا هذا الظاهر إنما خالفوه لأنهم استبعدوا أن يكون ولد الرسول المعصوم كافراً، وهذا بعيد، فإنه ثبت أن والد رسولنا صلى الله عليه وسلم كان كافراً، ووالد إبراهيم عليه السلام كان كافراً بنص القرآن، فكذلك هاهنا، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنه عليه السلام لما قال: ﴿ رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً ﴾ فكيف ناداه مع كفره؟
فأجابوا عنه من وجوه: الأول: أنه كان ينافق أباه فظن نوح أنه مؤمن فلذلك ناداه ولولا ذلك لما أحب نجاته.
والثاني: أنه عليه السلام كان يعلم أنه كافر، لكنه ظن أنه لما شاهد الغرق والأهوال العظيمة فإنه يقبل الإيمان فصار قوله: ﴿ يابنى اركب مَّعَنَا ﴾ كالدلالة على أنه طلب منه الإيمان وتأكد هذا بقوله: ﴿ وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين ﴾ أي تابعهم في الكفر واركب معنا.
والثالث: أن شفقة الأبوة لعلها حملته على ذلك النداء، والذي تقدم من قوله: ﴿ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول ﴾ كان كالمجمل فلعله عليه السلام جوز أن لا يكون هو داخلاً فيه.
القول الثاني: أنه كان ابن امرأته وهو قول محمد بن علي الباقر وقول الحسن البصري ويروى أن علياً رضي الله عنه قرأ ﴿ ونادى نُوحٌ ابنه ﴾ والضمير لامرأته.
وقرأ محمد بن علي وعروة بن الزبير ﴿ ابنه ﴾ بفتح الهاء يريد أن ابنها إلا أنهما اكتفيا بالفتحة عن الألف، وقال قتادة سألت الحسن عنه فقال: والله ما كان ابنه فقلت: إن الله حكى عنه أنه قال: ﴿ إِنَّ ابنى مِنْ أَهْلِى ﴾ وأنت تقول: ما كان ابناً له، فقال: لم يقل: إنه مني ولكنه قال من أهلي وهذا يدل على قولي.
القول الثالث: أنه ولد على فراشه لغير رشدة، والقائلون بهذا القول احتجوا بقوله تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط فخانتاهما وهذا قول خبيث يجب صون منصب الأنبياء عن هذه الفضيحة لا سيما وهو على خلاف نص القرآن.
أما قوله تعالى: ﴿ فَخَانَتَاهُمَا ﴾ فليس فيه أن تلك الخيانة إنما حصلت بالسبب الذي ذكروه.
قيل لابن عباس رضي الله عنهما: ما كانت تلك الخيانة، فقال: كانت امرأة نوح تقول: زوجي مجنون، وامرأة لوط تدل الناس على ضيفه إذا نزلوا به.
ثم الدليل القاطع على فساد هذا المذهب قوله تعالى: ﴿ الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ والخبيثون للخبيثات والطيبات لِلطَّيّبِينَ والطيبون للطيبات ﴾ وأيضاً قوله تعالى: ﴿ الزانى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزانية لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذلك عَلَى المؤمنين ﴾ وبالجملة فقد دللنا على أن الحق هو مقول الأول.
وأما قوله: ﴿ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ ﴾ فاعلم أن المعزل في اللغة معناه: موضع منقطع عن غيره، وأصله من العزل، وهو التنحية والإبعاد.
تقول: كنت بمعزل عن كذا، أي بموضع قد عزل منه.
واعلم أن قوله: ﴿ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ ﴾ لا يدل على أنه في معزل من أي شيء فلهذا السبب ذكروا وجوهاً: الأول: أنه كان في معزل من السفينة لأنه كان يظن أن الجبل يمنعه من الغرق: الثاني: أنه كان في معزل عن أبيه وإخوته وقومه: الثالث: أنه كان في معزل من الكفار كأنه انفرد عنهم فظن نوح عليه السلام أن ذلك إنما كان لأنه أحب مفارقتهم.
أما قوله: ﴿ يابنى اركب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين ﴾ فنقول: قرأ حفص عن عاصم ﴿ يا بَنِى ﴾ بفتح الياء في جميع القرآن والباقون بالكسر.
قال أبو علي: الوجه الكسر وذلك أن اللام من ابن ياء أو واو فإذا صغرت ألحقت ياء التحقير، فلزم أن ترد اللام المحذوفة وإلا لزم أن تحرك ياء التحقير بحركات الإعراب لكنها لا تحرك لأنها لو حركت لزم أن تنقلب كما تنقلب سائر حروف المد واللين إذا كانت حروف إعراب، نحو عصا وقفا ولو انقلبت بطلت دلالتها على التحقير ثم أضفت إلى نفسك اجتمعت ثلاث آيات.
الأولى: منها للتحقير.
والثانية: لام الفعل.
والثالثة: التي للإضافة تقول: هذا بني فإذا ناديته صار فيه وجهان: إثبات الياء وحذفها والاختيار حذف الياء التي للإضافة وإبقاء الكسرة دلالة عليه نحو يا غلام ومن قرأ ﴿ يا بَنِى ﴾ بفتح الياء فإنه أراد الإضافة أيضاً كما أرادها من قرأ بالكسر لكنه أبدل من الكسرة الفتحة ومن الياء الألف تخفيفا فصار يا بنيا كما قال: يا ابنة عما لا تلومي واهجعي *** ثم حذف الألف للتخفيف.
واعلم أنه تعالى لما حكى عن نوح عليه السلام أنه دعاه إلى أن يركب السفينة حكى عن ابنه أنه قال: ﴿ سَاوِى إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الماء ﴾ وهذا يدل على أن الابن كان متمادياً في الكفر مصراً عليه مكذباً لأبيه فيما أخبر عنه فعند هذا قال نوح عليه السلام: ﴿ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ ﴾ وفيه سؤال، وهو أن الذي رحمه الله معصوم، فكيف يحسن استثناء المعصوم من العاصم وهو قوله: ﴿ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله ﴾ وذكروا في الجواب طرقاً كثيرة.
الوجه الأول: أنه تعالى قال قبل هذه الآية: ﴿ وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مَجْريهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ فبين أنه تعالى رحيم وأنه برحمته يخلص هؤلاء الذين ركبوا السفينة من آفة الغرق.
إذا عرفت هذا فنقول: إن ابن نوح عليه السلام لما قال: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال نوح عليه السلام أخطأت ﴿ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ ﴾ والمعنى: إلا ذلك الذي ذكرت أنه برحمته يخلص هؤلاء من الغرق فصار تقدير الآية: لا عاصم اليوم من عذاب الله إلا الله الرحيم وتقديره: لا فرار من الله إلا إلى الله، وهو نظير قوله عليه السلام في دعائه: «وأعوذ بك منك» وهذا تأويل في غاية الحسن.
الوجه الثاني: في التأويل وهو الذي ذكره صاحب حل العقد أن هذا الاستثناء وقع من مضمر هو في حكم الملفوظ لظهور دلالة اللفظ عليه، والتقدير: لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا من رحم وهو كقولك لا نضرب اليوم إلا زيداً، فإن تقديره لا تضرب أحداً إلا زيداً إلا أنه ترك التصريح به لدلالة اللفظ عليه فكذا هاهنا.
الوجه الثالث: في التأويل أن قوله: ﴿ لاَ عَاصِمَ ﴾ أي لا ذا عصمة كما قالوا: رامح ولابن ومعناه ذو رمح، وذو لبن وقال تعالى: ﴿ مِن مَّاء دَافِقٍ ﴾ و ﴿ عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴾ ومعناه ما ذكرنا فكذا هاهنا، وعلى هذا التقدير: العاصم هو ذو العصمة، فيدخل فيه المعصوم، وحينئذ يصح استثناء قوله: ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ ﴾ منه.
الوجه الرابع: قوله: ﴿ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ ﴾ عنى بقوله إلا من رحم نفسه، لأن نوحاً وطائفته هم الذين خصهم الله تعالى برحمته، والمراد: لا عاصم لك إلا الله بمعنى أن بسببه تحصل رحمة الله، كما أضيف الإحياء إلى عيسى عليه السلام في قوله: ﴿ وأحيي الموتى ﴾ لأجل أن الإحياء حصل بدعائه.
الوجه الخامس: أن قوله: ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ ﴾ استثناء منقطع، والمعنى لكن من رحم الله معصوم ونظيره قوله تعالى: ﴿ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن ﴾ ثم إنه تعالى بين بقوله: ﴿ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج ﴾ أي بسبب هذه الحيلولة خرج من أن يخاطبه نوح ﴿ فَكَانَ مِنَ المغرقين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿ وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ ﴾ ؟
قلت: بمحذوف دل عليه ﴿ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله ﴾ [هود: 41] كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون: بسم الله، ﴿ وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ ﴾ أي تجري وهم فيها ﴿ فِى مَوْجٍ كالجبال ﴾ يريد موج الطوفان، شبه كل موجة منه بالجبل في تراكمها وارتفاعها.
فإن قلت: الموج: ما يرتفع فوق الماء عند اضطرابه وزخيره وكان الماء قد التقى وطبق ما بين السماء والأرض، وكانت الفلك تجري في جوف الماء كما تسبح السمكة، فما معنى جريها في الموج؟
قلت: كان ذلك قبل التطبيق، وقبل أن يغمر الطوفان الجبال.
ألا ترى إلى قول ابنه: سآوى إلى جبل يعصمني من الماء.
قيل: كان اسم ابنه: كنعان.
وقيل: يام.
وقرأ علي رضي الله عنه: ابنها، والضمير لامرأته.
وقرأ محمد بن علي وعروة بن الزبير: ابنه، بفتح الهاء، يريدان ابنها، فاكتفيا بالفتحة عن الألف، وبه ينصر مذهب الحسن.
قال قتادة: سألته فقال: والله ما كان ابنه، فقلت: إن الله حكى عنه إن ابني من أهلي، وأنت تقول: لم يكن ابنه، وأهل الكتاب لا يختلفون في أنه كان ابنه، فقال: ومن يأخذ دينه من أهل الكتاب، واستدل بقوله: ﴿ مّنْ أَهْلِى ﴾ [هود: 45] ولم يقل: مني، ولنسبته إلى أمّه وجهان، أحدهما: أن يكون ربيباً له، كعمر بن أبي سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون لغير رشدة، وهذه غضاضة عصمت منها الأنبياء عليهم السلام.
وقرأ السدي ﴿ ونادى نوح ابناه ﴾ على الندبة والترثي.
أي: قال: يا ابناه.
والمعزل: مفعل، من عزله عنه إذا نحاه وأبعده، يعني وكان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن مركب المؤمنين.
وقيل: كان في معزل عن دين أبيه ﴿ يابنى ﴾ قرئ بكسر الياء اقتصاراً عليه من ياء الإضافة، وبالفتح اقتصاراً عليه من الألف المبدلة من ياء الإضافة في قولك ﴿ يا بنيا ﴾ أو سقطت الياء والألف لالتقاء الساكنين؛ لأنّ الراء بعدهما ساكنة ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ ﴾ إلا الراحم وهو الله تعالى، أو لا عاصم اليوم من الطوفان إلا من رحم الله أي إلا مكان من رحم الله من المؤمنين، وكان لهم غفوراً رحيماً في قوله: ﴿ إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [هود: 41] وذلك أنه لما جعل الجبل عاصماً من الماء قال له: لا يعصمك اليوم معتصم قط من جبل ونحوه سوى معتصم واحد وهو مكان من رحمهم الله ونجاهم يعني السفينة.
وقيل لا عاصم، بمعنى: لاذا عصمة إلا من رحمه الله، كقوله: ﴿ مَّاء دَافِقٍ ﴾ [الطارق: 6] و ﴿ عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴾ [الحاقة: 21] وقيل: ﴿ إلا من رحم ﴾ استثناء منقطع، كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو المعصوم، كقوله: ﴿ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن ﴾ [النساء: 157] وقرئ ﴿ إلا من رُحِم ﴾ على البناء للمفعول.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ ﴾ أنْ يُغْرِقَنِي ﴿ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مَن رَحِمَ ﴾ إلّا الرّاحِمَ وهو اللَّهُ تَعالى أوْ إلّا مَكانَ مَن رَحِمَهُمُ اللَّهُ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، رَدَّ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ مُعْتَصَمٌ مِن جَبَلٍ ونَحْوِهِ يَعْصِمُ اللّائِذَ بِهِ إلّا مُعْتَصَمَ المُؤْمِنِينَ وهو السَّفِينَةُ.
وقِيلَ لا عاصِمَ بِمَعْنى لا ذا عِصْمَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ لَكِنْ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ يَعْصِمُهُ.
﴿ وَحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ ﴾ بَيْنَ نُوحٍ وابْنِهِ أوْ بَيْنَ ابْنِهِ والجَبَلِ.
﴿ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ ﴾ فَصارَ مِنَ المُهْلَكِينَ بِالماءِ.
﴿ وَقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي ﴾ نُودِيا بِما يُنادى بِهِ أُولُو العِلْمِ وأُمِرا بِما يُؤْمَرُونَ بِهِ، تَمْثِيلًا لِكَمالِ قُدْرَتِهِ وانْقِيادِهِما لِما يَشاءُ تَكْوِينُهُ فِيهِما بِالأمْرِ المُطاعِ الَّذِي يَأْمُرُ المُنْقادَ لِحُكْمِهِ المُبادِرَ إلى امْتِثالِ أمْرِهِ، مَهابَةً مِن عَظَمَتِهِ وخَشْيَةً مِن ألِيمِ عِقابِهِ، والبَلْعُ النَّشَفُ والإقْلاعُ الإمْساكَ.
﴿ وَغِيضَ الماءُ ﴾ نَقَصَ.
﴿ وَقُضِيَ الأمْرُ ﴾ وأُنْجِزَ ما وُعِدَ مِن إهْلاكِ الكافِرِينَ وإنْجاءِ المُؤْمِنِينَ.
﴿ واسْتَوَتْ ﴾ واسْتَقَرَّتِ السَّفِينَةُ.
﴿ عَلى الجُودِيِّ ﴾ جَبَلٍ بِالمَوْصِلِ وقِيلَ بِالشّامِ وقِيلَ بِآمَلَ.
رُوِيَ أنَّهُ رَكِبَ السَّفِينَةَ عاشِرَ رَجَبٍ ونَزَلَ عَنْها عاشِرَ المُحَرَّمِ فَصامَ ذَلِكَ اليَوْمَ فَصارَ ذَلِكَ سُنَّةً.
﴿ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ هَلاكًا لَهم، يُقالُ: بَعُدَ بُعْدًا وبَعْدًا، إذا بَعُدَ بُعْدًا بَعِيدًا بِحَيْثُ لا يُرْجى عُودُهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْهَلاكِ وخُصَّ بِدُعاءِ السُّوءِ، والآيَةُ في غايَةِ الفَصاحَةِ لِفَخامَةِ لَفْظِها وحَسُنِ نَظْمِها والدَّلالَةِ عَلى كُنْهِ الحالِ مَعَ الإيجازِ الخالِي عَنِ الإخْلالِ، وفي إيرادِ الأخْبارِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةٌ عَلى تَعْظِيمِ الفاعِلِ، وأنَّهُ مُتَعَيِّنٌ في نَفْسِهِ مُسْتَغْنٍ عَنْ ذِكْرِهِ، إذْ لا يَذْهَبُ الوَهْمُ إلى غَيْرِهِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأفْعالِ لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِوى الواحِدِ القَهّارِ.
<div class="verse-tafsir"
{قَالَ سَاوِى} ألجأ {إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الماء} يمنعني من الغرق {قَالَ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ} إلا الراحم وهو الله تعالى أو لا عاصم اليوم من الطوفان إلا من رحم الله أي إلا مكان من رحم الله من المؤمنين وذلك أنه لما جعل الجبل عاصماً من الماء قال له لا يعصمك اليوم معتصم قط من جبل ونحوه سوى معتصم واحد وهو مكان من رحمهم الله ونجاهم يعني السفينة أو هو استثناء منقطع كأنه قيل ولكن من رحمه الله فهو المعصوم كقوله {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن} {وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج} بين ابنه والجبل أو بين نوح وابنه
{فَكَانَ مِنَ المغرقين} فصار أو فكان فى علم الله
﴿ قالَ سَآوِي ﴾ أيْ سَأنْضَمُّ ﴿ إلى جَبَلٍ ﴾ مِنَ الجِبالِ، وقِيلَ: عَنى طَوْرَ زِيتا ﴿ يَعْصِمُنِي ﴾ أيْ يَحْفَظُنِي بِارْتِفاعِهِ مِنَ الماءِ فَلا يَصِلُ إلَيَّ.
قالَ ذَلِكَ زَعْمًا مِنهُ أنَّ ذَلِكَ كَسائِرِ المِياهِ في أزْمِنَةِ السُّيُولِ المُعْتادَةِ الَّتِي رُبَّما يُتَّقى مِنها بِالصُّعُودِ إلى مُرْتَفَعٍ وجَهْلًا مِنهُ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِإهْلاكِ الكَفَرَةِ فَلا بُدَّ أنْ يُدْرِكَهم ولَوْ كانُوا في قُلَلِ الجِبالِ (قالَ) مُبَيِّنًا لَهُ حَقِيقَةَ الحالِ وصارِفًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ الفِكْرِ المُحالِ ﴿ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ نَفْيٌ لِجِنْسِ العاصِمِ المُنْتَظِمِ لِنَفْيِ جَمِيعِ أفْرادِهِ ذاتًا وصِفَةً لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ كَوْنِ الجَبَلِ عاصِمًا وزادَ اليَوْمَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَسائِرِ الأيّامِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الوَقائِعُ وتُلِمُّ فِيها المُلِمّاتُ المُعْتادَةُ الَّتِي رُبَّما يَتَخَلَّصُ مِنها بِالِالتِجاءِ إلى بَعْضِ الأسْبابِ العادِيَّةِ، وعَبَّرَ عَنِ الماءِ في مَحَلِّ إضْمارِهِ بِأمْرِ اللَّهِ أيْ عَذابِهِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا ﴾ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وتَهْوِيلًا لِأمْرِهِ وتَنْبِيهًا لِابْنِهِ عَلى خَطَئِهِ في تَسْمِيَتِهِ ماءً وتَوَهُّمِهِ أنَّهُ كَسائِرِ المِياهِ الَّتِي يَتَخَلَّصُ مِنها بِالهَرَبِ إلى بَعْضِ المَهارِبِ المَعْهُودَةِ وتَعْلِيلًا لِلنَّفْيِ المَذْكُورِ، فَإنَّ أمْرَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا يُغالَبُ وعَذابَهُ لا يَرُدُّ؛ وتَمْهِيدًا لِحَصْرِ العِصْمَةِ في جَنابِ اللَّهِ تَعالى عَزَّ جارُهُ بِالِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا عاصِمَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى إلّا هو تَعالى، وإنَّما قِيلَ: ( إلّا مِن رَحِم ) تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ الجَلِيلِ جَلَّ شَأْنُهُ وإشْعارًا بِعِلْيَةِ رَحْمَتِهِ بِمُوجِبِ سَبْقِها غَضَبَهُ كُلُّ ذَلِكَ لِكَمالِ عِنايَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَحْقِيقِ ما يَتَوَخّاهُ مِن نَجاةِ ابْنِهِ بِبَيانِ شَأْنِ الدّاهِيَةِ وقَطْعِ أطْماعِهِ الفارِغَةِ وصَرْفِ عِنانِهِ عَنِ التَّعَلُّلِ بِما لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا وإرْشادِهِ إلى العِياذِ بِالمُعاذِ الحَقِّ عَزَّ حِماهُ ولِذا عَدَلَ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِنَ الجَوابِ بِقَوْلِهِ: لا يَعْصِمُكَ الجَبَلُ مِنهُ، كَذا ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وهو أحَدُ أوْجُهٍ في الآيَةِ وأقْواها.
والوَجْهُ الثّانِي أنَّ عاصِمًا صِيغَةُ نِسْبَةٍ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ المَرْحُومُ أيْ لا ذا عِصْمَةٍ أيْ مَعْصُومٍ إلّا مَن رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ قُرِئَ ( إلّا مَن رُحِمَ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، واعْتَرَضَهُ في الكَشْفِ بِأنَّ فاعِلًا بِمَعْنى النِّسْبَةِ قَلِيلٌ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ أرادَ قِلَّتَهُ في نَفْسِهِ فَمَمْنُوعٌ وإنَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الوَصْفِ فَلا يَضُرُّ.
والثّالِثُ أنَّ عاصِمًا عَلى ظاهِرِهِ و(مَن رَحِمَ) بِمَعْنى المَرْحُومِ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ لا مُتَّصِلٌ كَما في الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ أيْ لا عاصِمَ مِن أمْرِ اللَّهِ لَكِنْ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو مَعْصُومٌ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ بِأنَّ مِثْلَ هَذا المُنْقَطِعِ قَلِيلٌ لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ جُمْلَةٌ مُنْقَطِعَةٌ تُخالِفُ الأُولى لا في النَّفْيِ والإثْباتِ فَقَطْ بَلْ في الِاسْمِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ أيْضًا، والأكْثَرُ فِيهِ مِثْلُ ما جاءَنِي القَوْمُ إلّا حِمارًا، والرّابِعُ أنَّ -عاصِمًا- بِمَعْنى مَعْصُومٍ كَدافِقٍ بِمَعْنى مَدْفُوقٍ وفاتِنٍ بِمَعْنى مَفْتُونٍ في قَوْلِهِ: بَطِيءُ القِيامِ رَخِيمُ الكَلا مِ أمْسى فُؤادِي بِهِ (فاتِنًا) (ومَن رَحِمَ) بِمَعْنى الرّاحِمِ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْضًا أيْ لا مَعْصُومَ إلّا الرّاحِمُ عَلى مَعْنى لَكِنَّ الرّاحِمَ يَعْصِمُ مَن أرادَ، والخامِسُ أنَّ الكَلامَ عَلى إضْمارِ المَكانِ والِاسْتِثْناَءُ مُتَّصِلٌ أيْ لا عاصِمَ إلّا مَكانَ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ هو السَّفِينَةُ قِيلَ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ فِيهِ مُقابَلَةٌ لِقَوْلِهِ: يَعْصِمُنِي وهو المُرَجَّحُ بَعْدَ الأوَّلِ، والعاصِمُ عَلى هَذا حَقِيقَةٌ لَكِنَّ إسْنادَهُ إلى المَكانِ مَجازِيٌّ وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْ مَكانِ الِاعْتِصامِ، والمَعْنى لا مَكانَ اعْتِصامٍ إلّا مَكانُ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ، وادَّعى أنَّهُ أرْجَحُ مِنَ الكُلِّ لِأنَّهُ ورَدَ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ سَآوِي إلى جَبَلٍ ﴾ إلَخْ ولَيْسَ بِمُسَلَّمٍ، والسّادِسُ ما أبْداهُ صاحِبُ الكَشْفِ عِنْدَهُ وهو أنَّ المَعْنى لا مَعْصُومَ إلّا مَكانُ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ويُرادُ بِهِ عِصْمَةُ مَن فِيهِ عَلى الكِنايَةِ، فَإنَّ السَّفِينَةَ إذا عُصِمَتْ عُصِمَ مَن فِيها، والسّابِعُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ، والمَعْنى لا عاصِمَ اليَوْمَ أحَدًا أوْ لِأحَدٍ إلّا مَن رَحِمَهُ اللَّهُ أوْ لِمَن رَحِمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وعَدَّهُ بَعْضُهم أقْرَبَها ولا أظُنُّكَ تَعْدِلُ بِالوَجْهِ الأوَّلِ وجْهًا وهو الَّذِي اخْتارَهُ، والظّاهِرُ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ: أنَّ خَبَرَ لا مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ أيْ لا عاصِمَ مَوْجُودٌ والأكْثَرُ الحَذْفُ في مِثْلِ ذَلِكَ عِنْدَ الحِجازِيِّينَ، والتَزَمَ الحَذْفَ فِيهِ بَنُو تَمِيمٍ ويَكُونُ اليَوْمَ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِهِ فِعْلًا يَدُلُّ عَلَيْهِ (عاصِمَ) أيْ لا عاصِمَ يَعْصِمُ اليَوْمَ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الفِعْلِ ومَنَعَ جَوازَ أنْ يَكُونَ (اليَوْمَ) مَنصُوبًا بِاسْمِ -لا- وأنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِهِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ مُعْرَبًا مُنَوَّنًا لِلطَّوْلِ.
وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ (اليَوْمَ) مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لِلا، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ المَحْذُوفِ أيْضًا، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ هو الخَبَرُ و(اليَوْمَ) في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِعاصِمٍ، ورَدَّ أبُو البَقاءِ خَبَرِيَّةَ (اليَوْمَ) بِأنَّهُ ظَرْفُ زَمانٍ وهو لا يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الجُثَّةِ، والتَزَمَ كَوْنَهُ مَعْمُولَ ( مِن أمْرِ اللَّهِ ) وكَوْنَ الخَبَرِ هو الجارُّ والمَجْرُورُ؛ ورَدَّ أبُو حَيّانَ جَوازَ النَّعْتِيَّةِ بِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ نَعْتًا لِلْجُثَثِ كَما لا يَكُونُ خَبَرًا عَنْها ﴿ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ ﴾ أيْ بَيْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وابْنِهِ، فانْقَطَعَ ما بَيْنَهُما مِنَ المُجاوَبَةِ، قِيلَ: كانا يَتَراجَعانِ الكَلامَ فَما اسْتَتَمَّتِ المُراجَعَةُ حَتّى جاءَتْ مَوْجَةٌ عَظِيمَةٌ وكانَ راكِبًا عَلى فَرَسٍ قَدْ بَطِرَ وأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ فالتَقَمَتْهُ وفَرَسَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ هُنا إلّا إثْباتُ الحَيْلُولَةِ، وأمّا عِلْمُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِغَرَقِهِ فَلَمْ يَحْصُلْ إلّا بَعْدُ؛ وقالَ الفَرّاءُ: (بَيْنَهُما) أيْ بَيْنَ ابْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والجَبَلِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ القاسِمِ بْنِ أبِي بَزَّةَ، وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ ﴾ إنَّما يَتَفَرَّعُ عَلى حَيْلُولَةِ المَوْجِ بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ ابْنِهِ لا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَبَلِ، لِأنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ كَوْنِهِ عاصِمًا وإنْ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُلْتَجَأِ إلَيْهِ مَوْجٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ التَّفْرِيعَ لا يُنافِي ذَلِكَ لِأنَّ المُرادَ فَكانَ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ أوْ هو بِناءً عَلى ظَنِّهِ أنَّ الماءَ لا يَصِلُ إلَيْهِ، وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى غَرَقٍ ساءَ الكَفَرَةَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ فَكَأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُقَرَّرُ الوُقُوعِ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلى البَيانِ، وفي إيرادِ كانَ دُونَ صارَ مُبالَغَةٌ في كَوْنِهِ مِنهُمْ <div class="verse-tafsir"
قالَ سَآوِي يعني: قال ابنه: سأصعد إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ يعني: يمنعني من الغرق، ولا أؤمن، ولا أركب السفينة، قالَ نوح: لاَ عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يقول: لا مانع اليوم من عذاب الله، أي الغرق، لا جبل ولا غيره إِلَّا مَنْ رَحِمَ يعني: إلا من آمن، فعصمه تعالى.
ثم قال: وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ يعني: فرَّقَ بين كنعان وبين الجبل الموج، وهذا قول الكلبي.
وقال مقاتل: وَحالَ بَيْنَهُمَا، يعني: بين نوح وابنه الموج، فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ يعني: فصار من المغرقين.
وروي عن ابن عباس: «أنه أمطرت السماء أربعين يوماً، وخرج ماء الأرض أربعين يوماً الليل والنهار، فذلك قوله تعالى: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر: 11- 12] وارتفع الماء على كل جبل في الأرض، خمسة عشر ذراعاً.
وروي عن الحسن أنه قال: «ارتفع الماء فوق كل جبل وكل شيء، ثلاثين ذراعاً.
وسارت بهم السفينة، فطافت بهم الأرض كلها في خمسة أشهر، ما استقرت على شيء، حتى أتت الحرم فلم تدخله، ودارت بالحرم أسبوعاً، ورفع البيت الذي بناه آدم إلى السماء السادسة، وهو البيت المعمور، وجعل الحجر الأسود على أبي قبيس.
ويقال: أودع فيه، ثم ذهبت السفينة في الأرض حتى انتهت بهم إلى الجودي، وهو جبل بأرض الموصل، فاستقرت عليه بعد خمسة أشهر» .
قال ابن عباس: «ركب نوح السفينة لعشر مضين من رجب، وخرج منها يوم عاشوراء، فذلك ستة أشهر، فلما استقرت على الجودي، كشف نوح الطبق الذي فيه الطير، فبعث الغراب ليأتيه بالخبر، فأبصر جيفة فوقع عليها، فأبطأ على نوح فلم يأته، ثم أرسل الحدأة على أثره، فأبطأت عليه، ثم أرسل بالحمامة فلم تجد في الأرض موضعا، فجاءت بورق الزيتون، فعرف نوح أن الماء قد نقص، فظهرت الأشجار، ثم أرسلها فوقعت على الأرض، فغابت رجلاها في الطين فجاءت إلى نوح، فعرف أن الأرض قد ظهرت، وذلك قوله تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ معناه: ماءك الذي خرج منك وَيا سَماءُ أَقْلِعِي يعني: احبسي وامسكي وَغِيضَ الْماءُ يعني: نقص الماء، وظهرت الجبال والأرض، وَقُضِيَ الْأَمْرُ يعني: فرغ من الأمر، ومعناه: نجا من نجا وهلك من هلك وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ يعني: استقرت السفينة على الجودي.
وروي في الخبر: «أن الله تعالى أوحى إلى الجبال: أني أنزل السفينة على جبل، فتشامخت الجبال، وتواضع الجودي لله تعالى، فأرسيت عليه السفينة» .
وقال الحكيم: خرج قوس قزح بعد الطوفان أماناً لأهل الأرض من الغرق أن يغرقوا جميعاً وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني: سحقاً ونكساً لّلْقَوْمِ الكافرين، وهو البعد من رحمة الله.
<div class="verse-tafsir"
والعذاب المخزي: هو الغرق، والمقيم: هو عذاب الآخرة، و «الأمر» : وَاحدُ الأمور، ويحتملُ أنْ يكون مصدر «أمَرَ» ، فمعناه: أَمْرُنَا للمَاءِ بالفَوَرَانِ، وَفارَ معناه: انبعث بقُوَّة، واختلف النَّاس في التَّنُّور، والذي عليه الأكثَرُ، منهم ابنُ عباس وغيره: أنه هو تَنُّور الخُبْز الذي يُوقَدُ فيه «١» ، وقالوا: كانَتْ هذه أمارَةً، جعلها اللَّه لنُوحٍ، أي: إِذا فار التنُّور، فاركب في السفينة.
وقوله سبحانه: قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ...
الآية، الزَّوْج: يقال في مشهورِ كلامِ العرب: للواحد مما له ازدواجٌ، فيقال: هذا زَوْجُ/ هذا، وهما زَوْجَان، والزوج أيضاً في كلام العرب: النَّوْع، وقوله:
وَأَهْلَكَ: عطْفٌ علَى ما عَمِلَ فيه احْمِلْ والأهل، هنا: القرابةُ، وبشَرْط مَنْ آمن منهم، خُصِّصُوا تشريفاً، ثم ذكر مَنْ آمَنَ، وليس من الأهْل، واختلف في الذي سبق عليه القوْلُ بالعَذَابِ، فقيل: ابنُهُ يَام، أوْ كنعان، وقيل: امرأته وَالِعَةُ- بالعين المهملة-، وقيل: هو عمومٌ فيمن لم يؤمن مِنْ أهْل نوحٍ، ثم قال سبحانه إِخباراً عن حالهم: وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ.
وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لاَ عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)
وقوله تعالى: وَقالَ ارْكَبُوا فِيها: أي: وقال نوحٌ لمن معه: اركبوا فيها، وقوله:
بِسْمِ اللَّهِ يصحُّ أنْ يكون في موضع الحال في ضمير ارْكَبُوا، أي: اركبوا متبرِّكين باسم اللَّه، أو قائلين: باسم اللَّه، ويجوزُ أن يكون: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها جملةً ثانيةً من مبتدإٍ وخبرٍ، لا تعلُّق لها بالأولَى كأنه أمرهم أولاً بالركوب، ثم أخبر أن مجراها ومرساها باسم اللَّه.
قال الضَّحَّاك: كان نوحٌ إِذا أراد جَرْيَ السفينة، جَرَتْ، وإِذا أَراد وقوفَها، قال: باسم اللَّه، فتقف «٢» ، وقرأ الجمهور «٣» بضم الميم من «مجراها ومرساها»
على معنى إِجرائها وإِرسائها، وقر الأَخَوَان حَمْزَةُ والكِسَائيُّ وحفصٌ بفتح ميمٌ «مَجْريهَا» وكسر الراء، وكلُّهم ضمَّ الميم في «مُرْسَاهَا» .
ت: قوله: «وكسر الراء» : يريد إِمالتها، وفي كلامِهِ تسامُحٌ، ولفظُ البخاريِّ:
مُجْرَاها: مَسِيرُها، ومُرْسَاها: مَوْقِفُها، وهو مصدرُ: أُجْرَيْتُ وأَرْسَيْتُ.
انتهى.
قال النوويُّ: ورُوِّيَنا في «كتاب ابن السُّنِّيِّ» بسنده، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «أَمَانٌ لأُمَّتي مِنَ الغَرَقِ، إِذَا رَكِبُوا أَنْ يَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ...
الآية [الأنعام: ٩١] » «١» ، هكذا هو في النُّسَخ: «إِذَا رَكِبُوا» ، ولم يقلْ: «في السفينة» انتهى.
وقوله: وَكانَ فِي مَعْزِلٍ أي: في ناحيةٍ، أي: في بُعْدٍ عن السفينة، أوْ عن الدِّين، واللفظ يعمُّهما.
وقوله: وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ: يحتمل أنْ يكون نهياً محضاً مع علمه بأَنَّه كافرٌ، ويحتمل أنْ يكون خَفِيَ عليه كُفْره والأول أبْيَنُ.
وقوله: لاَ عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ: الظاهر أنّ لا عاصِمَ اسم
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ ﴾ شَبَّهَهُ بِالجِبالِ في عِظَمِهِ وارْتِفاعِهِ، ويُقالُ: إنَّ الماءَ ارْتَفَعَ عَلى أطْوَلِ جَبَلٍ في الأرْضِ أرْبَعِينَ ذِراعًا، ويُرْوى خَمْسَ عَشْرَةَ ذِراعًا.
وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ ارْتَفَعَ نَحْوَ السَّماءِ سَبْعِينَ فَرْسَخًا مِنَ الأرْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ ﴾ لا يَخْتَلِفُونَ أنَّهُ كانَ كافِرًا.
وفي اسْمِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: كَنْعانُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
والثّانِي: اسْمُهُ يامُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ إسْحاقَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ في مَعْزِلٍ ﴾ المَعْزِلُ: المَكانُ المُنْقَطِعُ.
ومَعْنى العَزْلِ: التَّنْحِيَةُ.
وفي مَعْنى الكَلامِ وجْهانِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.
أحَدُهُما: في مَعْزِلٍ مِنَ السَّفِينَةِ.
والثّانِي: في مَعْزِلٍ مِن دِينِ أبِيهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يابُنَيِّ ارْكَبْ " مُضافَةً، بِكَسْرِ الياءِ.
ورَوى أبُوبَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يابُنَيَّ " مَفْتُوحَةَ الياءِ ها هُنا، وباقِي القُرْآنِ مَكْسُورَةٌ.
ورَوى حَفْصٌ عَنْهُ بِالفَتْحِ في كُلِّ القُرْآنِ " يابُنَيَّ " إذا كانَ واحِدًا.
قالَ النَّحْوِيُّونَ: الأصْلُ في " بُنَيَّ " ثَلاثُ ياءاتٍ، ياءُ التَّصْغِيرِ، وياءٌ بَعْدَها هي لامُ الفِعْلِ، وياءٌ بَعْدَ لامِ الفِعْلِ هي ياءُ الإضافَةِ.
فَمَن قَرَأ " يابُنَيِّ " أرادَ يابُنَيِّي، فَحَذَفَ ياءَ الإضافَةِ، وتَرَكَ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلَيْها، كَما يُقالُ: يا غُلامِ أقْبِلْ.
ومَن فَتَحَ الياءَ، أبْدَلَ مِن كَسْرَةِ لامِ الفِعْلِ فَتْحَةً، اسْتِثْقالًا لِاجْتِماعِ الياءاتِ مَعَ الكَسْرَةِ، فانْقَلَبَتْ ياءُ الإضافَةِ ألِفًا، ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ كَما تُحْذَفُ الياءُ، فَبَقِيَتِ الفُتْحَةُ عَلى حالِها.
وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: يا بُنَيَّ آمِن وارْكَبْ مَعَنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَآوِي ﴾ أيْ: سَأصِيرُ وأرْجِعُ " إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي " أيْ: يَمْنَعُنِي " مِنَ الماءِ " أيْ: مِن تَغْرِيقِ الماءِ.
" قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ " فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا مانِعَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لا مَعْصُومَ، ومِثْلُهُ: ماءٌ دافِقٌ، أيْ: مَدْفُوقٌ، وسِرٌّ كاتِمٌ، ولَيْلٌ نائِمٌ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن رَحِمَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى: لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ فَإنَّهُ مَعْصُومٌ، قالَ مُقاتِلٌ: إلّا مَن رَحِمَ فَرَكِبَ السَّفِينَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ ﴾ في المَكْنِيِّ عَنْها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما ابْنُ نُوحٍ والجَبَلُ الَّذِي زَعَمَ أنَّهُ يَعْصِمُهُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: نُوحٌ وابْنُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِنَ أمْرِ اللهِ إلا مِنَ رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ ﴾ ﴿ وَقِيلَ: يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ: بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ظَنَّ ابْنُ نُوحٍ أنَّ ذَلِكَ المَطَرَ والماءَ عَلى العادَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لا عاصِمَ ﴾ ، قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ عَلى لَفْظَةِ فاعِلٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا مَن رَحِمَ ﴾ يُرِيدُ: إلّا اللهُ الراحِمُ، فَـ "مَن" كِنايَةٌ عَنِ اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، المَعْنى: لا عاصِمَ اليَوْمَ إلّا الَّذِي رَحِمَنا فَـ "مَن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿ إلا مَن رَحِمَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَأنَّهُ قالَ: لا عاصِمَ اليَوْمَ مَوْجُودٌ، لَكِنْ مَن رَحِمَ اللهُ مَوْجُودٌ، وحَسَّنَ هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، أنَّ نَفْيَ العاصِمِ يَقْتَضِي نَفْيَ المَعْصُومِ.
فَهو حاصِلٌ بِالمَعْنى.
وأمّا مِن جِهَةِ اللَفْظِ، فَـ "مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ النابِغَةِ: إلّا الأُوارِيَّ.............
∗∗∗.....................
ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ الشاعِرِ: وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِها أنِيسُ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ إذْ هَذانَ أنِيسُ ذَلِكَ المَوْضِعِ القَفْرِ، والمَعْصُومُ هُنا لَيْسَ بِعاصِمٍ بِوَجْهٍ، وقِيلَ: " عاصِمٌ " مَعْناهُ: ذُو اعْتِصامٍ، فَـ " عاصِمٌ " -عَلى هَذا- في مَعْنى مَعْصُومٍ، ويَجِيءُ الِاسْتِثْناءُ مُسْتَقِيمًا، و"مَن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، و"اليَوْمَ" ظَرْفٌ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن أمْرِ اللهِ ﴾ ، أو بِالخَيْرِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: كائِنٌ اليَوْمَ، ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ " عاصِمَ " لِأنَّهُ كانَ يَجِيءُ مُنَوَّنًا: "لا عاصِمًا اليَوْمَ"، يَرْجِعُ إلى أصْلِ النَصْبِ لِئَلّا يَرْجِعُ ثَلاثَةُ أشْياءَ واحِدًا، وإنَّما القانُونُ أنْ يَكُونَ الشَيْئانِ واحِدًا: "لا" وما عَمِلَتْ فِيهِ، ومِثالُ النَحْوِيِّينَ في هَذِهِ المَسْألَةِ: لا أمْرًا يَوْمَ الجُمْعَةِ لَكَ، فَإنْ أعْمَلْتَ في يَوْمٍ لَكَ قُلْتَ: لا أمْرَ.
و"بَيْنَهُما" يُرِيدُ:: بَيْنَ نُوحٍ وابْنِهِ، فَكانَ الِابْنُ مِمَّنْ غَرِقَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ﴾ الآيَةُ، بِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ أبْلَغُ في التَعْظِيمِ والجَبَرُوتِ، وكَذَلِكَ بِناءُ الأفْعالِ -بَعْدَ ذَلِكَ- في سائِرِ الآيَةِ ورُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: هَذا كَلامُ القادِرِينَ، و"البَلْعُ" هو تَجَرُّعُ الشَيْءِ وازْدِرادُهُ، فَشَبَّهَ قَبْضَ الأرْضِ لِلْماءِ وتَسَرُّبَهُ فِيها بِذَلِكَ، وأُمِرَتْ بِالتَشْبِيهِ وأضافَ الماءَ إلَيْها إذْ هُو عَلَيْها وحاصِلٌ فِيها، و"السَماءُ" في هَذِهِ الآيَةِ، إمّا السَماءُ المُظِلَّةُ، وإمّا السُحُبُ، و"الإقْلاعُ" عَنِ الشَيْءِ تَرْكُهُ، والمَعْنى: أقْلِعِي عَنِ الإمْطارِ، وغِيضَ مَعْناهُ: نَقَصَ، وأكْثَرُ ما يَجِيءُ فِيما هو بِمَعْنى جُفُوفٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَغِيضَ الماءُ ﴾ ، وكَقَوْلِهِ: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ ﴾ ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ ذَلِكَ في الحَيْضِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ يَعَفُرَ: .........................
∗∗∗ ∗∗∗ ما غِيضَ مِن بَصَرِي ومِن أجْلادِي وَذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ الهَرَمَ إنَّما تَنَقُّصُهُ بِجُفُوفٍ وقَضافَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَقُضِيَ الأمْرُ ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ القِصَّةِ: بَعْثُ الماءِ وإهْلاكُ الأُمَمِ وإنْجاءُ أهْلِ السَفِينَةِ.
ورُوِيَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ رَكِبَ في السَفِينَةِ مِن عَيْنِ ورْدَةَ بِالشامِ أوَّلَ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ، وقِيلَ: في العاشِرِ مِنهُ، وقِيلَ: في الخامِسَ عَشَرَ، وقِيلَ: في السابِعَ عَشَرَ، واسْتَوَتِ السَفِينَةُ في ذِي الحِجَّةِ، وأقامَتْ عَلى الجُودِيِّ شَهْرًا، وقِيلَ: لَهُ: اهْبِطْ في يَوْمِ عاشُوراءَ فَصامَهُ وصامَهُ مَن مَعَهُ مِن ناسٍ ووُحُوشٍ: وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ ما يَقْتَضِي أنَّهُ أقامَ عَلى الماءِ نَحْوَ السَنَةِ، وذَكَرَ أيْضًا حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ : « "أنَّ نُوحًا رَكِبَ في السَفِينَةِ أوَّلَ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ، وصامَ الشَهْرَ أجْمَعَ، وجَرَتْ بِهِمُ السَفِينَةُ إلى يَوْمِ عاشُوراءَ، فَفِيهِ أرْسَتْ عَلى الجُودِيِّ، فَصامَهُ نُوحٌ ومَن مَعَهُ"».
ورُوِيَ أنَّ نُوحًا لَمّا طالَ مُقامُهُ عَلى الماءِ بَعَثَ الغُرابَ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ كَمالِ الغَرَقِ فَوَجَدَ جِيفَةً طافِيَةً فَبَقِيَ عَلَيْها فَلَمْ يَرْجِعْ بِخَبَرٍ، فَدَعا عَلَيْهِ نُوحٌ فاسْوَدَّ لَوْنُهُ وخُوِّفَ مِنَ الناسِ، فَهو لِذَلِكَ مُسْتَوْحَشٌ، ثُمَّ بَعَثَ نُوحٌ الحَمامَ فَجاءَتْهُ بِوَرَقِ زَيْتُونَةٍ في فَمِها ولَمْ تَجِدْ تُرابًا تَضَعُ رِجْلَيْها عَلَيْهِ، فَبَقِيَ أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ بَعَثَها فَوَجَدَتِ الماءَ قَدِ انْحَسَرَ عن مَوْضِعِ الكَعْبَةِ، وهي أوَّلُ بُقْعَةٍ انْحَسَرَ الماءُ عنها، فَمَسَّتِ الطِينَ بِرِجْلَيْها وجاءَتْهُ، فَعَلِمَ أنَّ الماءَ قَدْ أخَذَ في النُضُوبِ، ودَعا لَها فَطُوِّقَتْ وأنْسِتْ.
فَهي لِذَلِكَ تَأْلَفُ الناسَ ثُمَّ أوحى اللهُ إلى الجِبالِ أنَّ السَفِينَةَ تَرْسِي عَلى واحِدٍ مِنها فَتَطاوَلَتْ كُلُّها وبَقِيَ الجُودِيُّ- وهو جَبَلٌ بِالمُوصِلِ في ناحِيَةِ الجَزِيرَةِ- لَمْ يَتَطاوَلْ تَواضُعًا لِلَّهِ، فاسْتَوَتِ السَفِينَةُ بِأمْرِ اللهِ عَلَيْهِ، وبَقِيَتْ عَلَيْهِ أعْوادُها، وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ قالَ: "لَقَدْ بَقِيَ مِنها شَيْءٌ أدْرَكَهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ"».
وقالَ الزَجّاجُ: الجُودِيُّ هو بِناحِيَةِ آمِدَ.
وقالَ قَوْمٌ: هو عِنْدَ باقِرْدى.
ورُوِيَ أنَّ السَفِينَةَ لَمّا اسْتَقَلَّتْ مِن عَيْنِ ورْدَةَ جَرَتْ حَتّى جاءَتِ الكَعْبَةَ فَوَجَدْتَها قَدْ نَشَزَتْ مِنَ الأرْضِ فَلَمْ يَنَلْها غَرَقٌ فَطافَتْ بِها أُسْبُوعًا ثُمَّ مَضَتْ إلى اليَمَنِ ورَجَعَتْ إلى الجُودِيِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَصَصُ في هَذِهِ المَعانِي كَثِيرٌ صَعْبٌ أنْ يُسْتَوْفى، فَأشَرْتُ مِنهُ إلى نُبَذٍ ويَدْخُلُهُ الِاخْتِلافُ كَما تَرى في أمْرِ الكَعْبَةِ واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَ.
واسْتَوَتْ مَعْناهُ: تَمَكَّنَتْ واسْتَقَرَّتْ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَلى الجُودِيِّ" بِكَسْرِ الياءِ وشَدِّها، وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "عَلى الجُودِي" بِسُكُونِ الياءِ، وهُما لُغَتانِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَقِيلَ بُعْدًا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى عَطْفًا عَلى "وَقِيلَ" الأوَّلِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ نُوحٍ والمُؤْمِنِينَ، والأوَّلُ أظْهَرُ وأبْلَغُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كالجبال ﴾ .
جملة معترضة دعا إلى اعتراضها هنا ذكر (مجراها) إتماماً للفائدة وصفاً لعظم اليوم وعجيب صنع الله تعالى في تيْسير نجاتهم.
وقدم المسند إليه على الخبر الفعلي لتقوّي الحكم وتحقيقه.
وعدل عن الفعل الماضي إلى المضارع لاستحضار الحالة مثل قوله تعالى: ﴿ والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً ﴾ [فاطر: 9].
والموج: ما يرتفع من الماء على سطحه عند اضطرابه، وتشبيهه بالجبال في ضخامته.
وذلك إما لكثرة الرياح التي تعلو الماء وإما لدفع دفقات الماء الواردة من السيول والتقاء الأودية الماءَ السابقَ لها، فإن حادث الطوفان ما كان إلاّ عن مثل زلازل تفجرت بها مياه الأرض وأمطار جمّة تلتقي سيولها مع مياه العيون فتختلط وتجتمع وتصب في الماء الذي كان قبلها حتى عم الماء جميع الأرض التي أراد الله إغراق أهلها، كما سيأتي.
عطفت جملة ﴿ ونادى ﴾ على أعلق الجمل بها اتّصالاً وهي ﴿ وقال اركبوا فيها ﴾ [هود: 41] لأن نداءه ابنه كان قبل جريان السفينة في موج كالجبال، إذ يتعذر إيقافها بعد جريها لأن الراكبين كلّهم كانوا مستقرين في جوف السفينة.
وابن نوح هذا هو ابن رابع في أبنائه من زَوج ثانية لنوح كان اسمها (وَاعلة) غرقت، وأنّها المذكورة في آخر سورة التحريم.
قيل كان اسم ابنه (ياماً) وقيل اسمه (كنعان) وهو غير كنعان بن حام جد الكنعانيين.
وقد أهملت التوراة الموجودة الآن ذكر هذا الابن وقضية غرقه وهل كان ذا زوجة أو كان عزباً.
وجملة ﴿ وكان في معزل ﴾ حال من ﴿ ابنه ﴾ .
والمعْزل: مكان العزلة أي الانفراد، أي في معزل عن المؤمنين إمّا لأنه كان لم يؤمن بنوح عليه السلام فلم يصدق بوقوع الطوفان، وإما لأنّه ارتد فأنكر وقوع الطوفان فكفر بذلك لتكذيبه الرسول.
وجملة ﴿ يا بنيّ اركب معنَا ﴾ بيان لجملة ﴿ نادى ﴾ وهي إرشاد له ورفق به.
وأما جملة ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ فهي معطوفة على جملة ﴿ اركب معنا ﴾ لإعلامه بأنّ إعراضه عن الركوب يجعله في صف الكفار إذ لا يكون إعراضه عن الركوب إلاّ أثراً لتكذيبه بوقوع الطوفان.
فقول نوح عليه السّلام له ﴿ اركب معنا ﴾ كناية عن دعوته إلى الإيمان بطريقة العرض والتحذير.
وقد زاد ابنَه دلالة على عدم تصديقه بالطوفان قولُه متهكماً ﴿ سَآوي إلى جبل يعصمني من الماء ﴾ .
و (بنيّ) تصغير (ابن) مضافاً إلى ياء المتكلم.
وتصغيره هنا تصغير شفقة بحيث يجعل كالصغير في كونه محل الرحمة والشفقة.
فأصله بُنَيْو، لأنّ أصل ابن بَنْو، فلما حذفوا منه الواو لثقلها في آخر كلمة ثلاثية نقصَ عن ثلاثة أحرف فعوّضوه همزة وصل في أوله، ومهما عادتْ له الواو المحذوفة لزوال داعي الحذف طرحت همزة الوصل، ثم لمّا أريد إضافة المصغّر إلى ياء المتكلم لزم كسر الواو ليصير بُنَيْوِيّ، فلما وقعت الواو بين عدوتيها الياءين قلبت ياء وأدغمت في ياء التصغير فصار بنَيّي بياءين في آخره أولاهما مشدّدة، ولما كان المنادى المضاف إلى ياء المتكلم يجوز حذف ياء المتكلم منه وإبْقاء الكسرة صار ﴿ بنَيّ ﴾ بكسر الياء مشدّدة في قراءة الجمهور.
وقرأه عاصم ﴿ بنيّ ﴾ بفتح ياء المتكلم المضاف إليها لأنها يجوز فتحها في النداء، أصله يَا بنَيّيَ بياءين أولاهما مكسورة مشدّدة وهي ياء التصغير مع لام الكلمة التي أصلها الواو ثم اتصلت بها ياء المتكلم وحذفت الياء الأصلية.
وفصلت جملة ﴿ قال سآوي ﴾ وجملة ﴿ قال لا عاصم ﴾ لوقوعهما في سياق المحاورة.
وقوله: ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ قد كان قبل أن يبلغ الماء أعالي الجبال.
و(آوي): أنزل، ومصدره: الأوِيّ بضم الهمزة وكسر الواو وتشديد الياء.
وجملة ﴿ يعصمني من الماء ﴾ إمّا صفة ل (جبل) أي جبل عال، وإمّا استيناف بياني، لأنّه استشعر أن نوحاً عليه السّلام يسأل لماذا يأوي إلى جبل إذ ابنه قد سمعه حين ينذر الناس بطوفان عظيم فظن الابن أن أرفع الجبال لا يَبلغه الماء، وأنّ أباه ما أراد إلا بلوغ الماء إلى غالب المرتفعات دون الجبال الشامخات.
ولذلك أجابه نوح عليه السّلام بأنّه ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله ﴾ ، أي مأموره وهو الطوفان ﴿ إلاّ مَن رحم ﴾ .
واستثناء ﴿ مَن رحم ﴾ من مفعول يتضمنه (عَاصم) إذ العاصم يَقتضي معصوماً وهو المستثنى منه.
وأراد ب ﴿ من رحم ﴾ من قدّر الله له النجاة من الغرق برحمته.
وهذا التقدير مظهره الوحي بصنع الفلك والإرشاد إلى كيفية ركوبه.
والموج: اسم جمع مَوجة، وهي: مقادير من مَاء البحر أو النهر تتصاعد على سطح الماء من اضطراب الماء بسبب شدة رياح، أو تزايد مياه تنصبُّ فيه، ويقال: مَاجَ البحر إذا اضطرب ماؤه.
وقالوا: مَاجَ القوم، تشبيهاً لاختلاط النّاس واضطرابهم باضطراب البحر.
وحيلولة الموج بينهما في آخر المحاورة يشير إلى سرعة فيضان الماء في حين المحاولة.
وأفاد قوله: ﴿ فكان من المغرقين ﴾ أنه غرق وغرق معه من توعّده بالغرق، فهو إيجاز بديع.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ قالَ قَتادَةُ: رَكِبَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ في السَّفِينَةِ في اليَوْمِ العاشِرِ مِن رَجَبٍ، ونَزَلَ مِنها في اليَوْمِ العاشِرِ مِنَ المُحَرَّمِ، وهو يَوْمُ عاشُوراءَ، فَقالَ لِمَن مَعَهُ: مَن كانَ صائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، ومَن لَمْ يَكُنْ صائِمًا فَلْيَصُمْهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ﴾ أيْ مَسِيرُها، ﴿ وَمُرْساها ﴾ أيْ مَثْبَتُها، فَكانَ إذا أرادَ السَّيْرَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ مُجْرِيها، فَتَجْرِي، وإذا أرادَ الوُقُوفَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ مُرْساها.
فَتَثْبُتُ واقِفَةً.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ ﴾ قالَ ذَلِكَ لِبَقائِهِ عَلى كُفْرِهِ تَكْذِيبًا لِأبِيهِ، وقِيلَ إنَّ الجَبَلَ الَّذِي أوى إلَيْهِ طَوْرُ زِيتا.
﴿ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مَن رَحِمَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ وهم أهْلُ السَّفِينَةِ.
الثّانِي: إلّا مَن رَحِمَ نُوحٌ فَحَمَلَهُ في سَفِينَتِهِ وقَوْلُهُ ﴿ لا عاصِمَ ﴾ يَعْنِي لا مَعْصُومَ.
﴿ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي الغَرَقَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: كان اسم ابن نوح الذي غرق كنعان.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هو ابنه غير أنه خالفه في النية والعمل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونادى نوح ابنه ﴾ قال: هي بلغة طيئ لم يكن ابنه، وكان ابن امرأته.
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف وأبو الشيخ عن علي رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ ونادى نوح ابنها ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ﴾ قال: لا ناج إلا أهل السفينة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن القاسم ابن أبي بزة في قوله: ﴿ وحال بينهما الموج ﴾ قال: بين ابن نوح والجبل.
وأخرج الحاكم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق» .
وأخرج عبد بن حميد عن حميد بن هلال قال: جعل نوح لرجل من قومه جعلا على أن يعينه على عمل السفينة، فعمل معه حتى إذا فرغ قال له نوح: خير أي ذلك شئت، إما أن أوفيك أجرك وإما أن نوقيك من القوم الظالمين.
قال: حتى استأمر قومي.
فاستأمر قومه فقالوا له: اذهب إلى أجرك فخذه.
فأتاه فقال: أجري...
فوفاه أجره.
قال: فما أخذ جاوز ذلك الرجل إلى حيث ينظر إليه حتى أمر الله الماء بما أمره به، فأقبل ذلك الرجل يخوض الماء فقال: خذ الذي جعلت لي.
قال: لك ما رضيت به.
فغرق فيمن غرق.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ﴾ ، قال ابن عباس (١) (٢) ﴿ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ لا مانع اليوم من عذاب الله ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ﴾ استثناء منقطع، المعنى: لكن من رحم الله فإنه معصوم، وعلى هذا محل ﴿ مَن ﴾ نصب كقوله (٣) إلا أوّاري .......................
وهذا قول الفراء والزجاج، قال الفراء (٤) .................
.
إلا اليعافير (٥) لم يجز له الرفع في (من)؛ لأن الذي قال إلا اليعافير جعل أنيس البر اليعافير والوحوش، فيكون الاستثناء كالمتصل ولا يجوز هاهنا أن يكون المعصوم عاصما، هذا وجه في الاستثناء.
قال أبو إسحاق (٦) (٧) ﴿ عَاصِمَ ﴾ في معنى معصوم ويكن معنى ﴿ لَا عَاصِمَ ﴾ هو: لا ذا عصمة، كما قالوا: (عيشة راضية) على جهة النسب، أي ذات رضا، ويكون ﴿ مَنْ ﴾ هو على هذا التفسير في موضع رفع ويكون المعنى: لا معصوم إلا المرحوم، ونحو هذا قال الفراء (٨) ﴿ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ﴾ معناه: مدفوق، وقوله: ﴿ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴾ معناها: مرضية، وقال (٩) دع المكارم لا ترحل لبغيتها ...
واقعد فإنك أنت الطاعمُ الكاسي ومعناه: المكسو، فعلى قول الفراء يجوز أن يكون الفاعل بمعنى المفعول على ما ذكر، وقال علماء البصرة (١٠) ﴿ مَاءٍ دَافِقٍ ﴾ بمعنى مدفوق، باطل من الكلام؛ لأن الفرق بين بناء الفاعل وبناء المفعول واجب، وهذا عند سيبويه وأصحابه يكون على طريق النسب، من غير أن يعتبر فيه فعل، فهو فاعل نحو: رامح، ولابن، وتامر، وتارس، ومعناه: ذو رمح، وذو لبن، كذلك هاهنا "عاصم" بمعنى ذو عصمة من قبل الله تعالى، ليس أنه عصم فهو عاصم بمعنى معصوم على الإطلاق الذي ذكره الفراء، وقوله تعالى: ﴿ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ ﴾ ، قال الفراء (١١) ﴿ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ﴾ .
(١) قال به الطبري 12/ 45، البغوي 4/ 187، "زاد المسير" 4/ 110، القرطبي 9/ 39.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 54.
(٣) جزء من بيت للنابغة، والبيت هو: إلا أواريّ لأيًا ما أبينها ...
والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد وقبل هذا البيت بيتان هما: يا دار ميّة بالعلياء فالسند ...
أقوت وطال عليها سالف الأبد وقفت فيها أصيلانا أسائلها ...
عيَّت جوابًا وما بالربع من أحد وهذه الأبيات مقدمة قصيدة، قالها في مدح النعمان بن المنذر، ويعتذر إليه مما بلغه عنه، وفي الديوان (إلا الأواري).
انظر: ديوانه ص 14 تحقيق الطاهر بن عاشور، "الخزانة" 2/ 125، "معاني القرآن" 1/ 480، "المقتضب" 4/ 414، "شرح شواهد المغني" 27.
(٤) "معاني القرآن" 2/ 15.
(٥) قطعة من الرجز لعامر بن الحارث المعروف بجران العود، والبيت: وبلدة ليس بها أنيس ...
إلا اليعافير وإلا العيس انظر: "ديوانه" / 97، "خزانة الأدب" 10/ 15 - 18، "الدرر" 3/ 162، "شرح أبيات سيبويه" 2/ 140، "شرح المفصل" 2/ 271، "المقاصد النحوية" 3/ 170 ، وبلا نسبة في "الأشباه والنظائر" 2/ 91، "الإنصاف" ص 234، "تهذيب اللغة" 1/ 1771 (إلا)، اللسان (كنس) 7/ 3938، أوضح المسالك 2/ 261.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 54.
(٧) ساقط من (ي).
(٨) "معاني القرآن" 2/ 16، "تهذيب اللغة" (عصم) 3/ 2465.
(٩) القائل هو الحطيئة، والبيت من قصيدة يهجو فيها الزبرقان بن بدر التميمي، "ديوانه" 54، "معاني القرآن" للفراء 2/ 16، "الأغاني" 2/ 55، الطبري 12/ 46، "اللسان" (ذرق) 3/ 1499، "خزانة الأدب" 6/ 299، "شرح المفصل" 6/ 15، "الشعر والشعراء" ص 203، "شرح شواهد المغني" 2/ 916.
(١٠) "معاني القرآن" للنحاس 3/ 353، و"الدر المصون" 3/ 101، 102.
(١١) "معاني القرآن" 2/ 17.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالَ اركبوا فِيهَا ﴾ الضمير في قال لنوح، والخطاب لمن كان معه، والضمير في فيها للسفينة، وروي أنهم ركبوا فيها أول يوم من رجب، واستقرت على الجودي يوم عاشوراء ﴿ بِسْمِ الله مجراها ومرساها ﴾ اشتقاق مجراها من الجري، واشتقاق مرساها من الإرساء، وهو الثبوت.
أو من وقوف السفينة، ويمكن أن يكونا ظَرْفَين للزمان أو المكان، أو مصدرين، ويحتمل الإعراب من وجهين: أحدهما: أن يكون اسم الله في موضع الحال من الضمير في اركبوا، والتقدير: اركبوا متبركين باسم الله أو قائلين بسم الله، فيكون مجراها ومرساها على هذا ظرفين للزمان بمعنى وقت إجرائها وإرسائها أو ظرفين للمكان، ويكون العامل فيه ما في قوله بسم الله من معنى الفعل في موضع خبر ويكون قوله: بسم الله متصلاً مع ما قبله، والجملة كلام واحد، والوجه الثاني: أن يكون كلامين فيوقف على اركبوا فيها ويكون بسم الله في موضع خبر، ومجراها ومرساها مبتدأ بمعنى المصدر أي إجراؤها وإرساؤه ويكون بسم الله على هذا مستأنفاً غير متصل بما قبله ولكنه من كلام نوح حسبما روي أن نوحاً كان إذا أراد أن يجري بالسفينة قال بسم الله فتجري، وإذا أراد وقوفها قال بسم الله فتقف ﴿ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كالجبال ﴾ روي أن الماء طبق ما بين السماء والأرض، فصار الكل كالبحر، قاله ابن عطية وهذا ضعيف، وأين كان الموج كالجبال على هذا، وصوّبه الزمخشري وقال: كانت تجري في موج كالجبال قبل التطبيق كذا، وقبل أن يغمر الماء الجبال ﴿ ونادى نُوحٌ ابنه ﴾ كان اسمه كنعان، وقيل: يام وكان له ثلاث بنون سواه وهم: سام وحام ويافث، ومنهم تناسل الخلق ﴿ فِي مَعْزِلٍ ﴾ أي في ناحية ﴿ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ ﴾ يحتمل أربعة أوجه: أحدها: أن يكون عاصم بمعنى ذي عصمة أي معصوم ومن رحم: بمعنى مفعول أي من رحم الله، فالمعنى لا معصوم إلا من رحمه الله والاستثناء على هذين الوجهين متصل، والثالث: أن يكون عاصم اسم فاعل ومن رحم بمعنى المفعول، والمعنى لا عاصم من أمر الله لكن من رحمه الله فهو المعصوم، والرابع: عكسه والاستثناء على هذين منقطع.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إني لكم ﴾ بكسر الهمزة: نافع وابن عامر وعاصم وحمزة.
والآخرون بفتحها ﴿ بادىء ﴾ بالهمزة: أبو عمرو ونصير.
﴿ الرأي ﴾ بالياء: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ فعميت ﴾ مجهولاً مشدداً.
حمزة وعلي وخلف وحفص.
الباقون بضدهما ﴿ أنلزمكموها ﴾ باختلاس ضمة الميم: عباس ﴿ أجري إلا ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ ولكني أريكم ﴾ بالفتح حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ نصحي إن ﴾ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ بأعيننا ﴾ مدغماً.
حيث كان: عباس ﴿ من كل ﴾ بالتنوين حيث كان: حفص والمفضل ﴿ مجريها ﴾ بفتح الميم بالإِمالة: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ مجريها ﴾ بالضم وبالإمالة: أبو عمرو.
والباقون بالضم مفخماً.
﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء: عاصم ﴿ اركب معنا ﴾ مظهراً: عاصم وحمزة ﴿ عمل ﴾ على أنه فعل غير بالنصب: علي وسهل ويعقوب.
الآخرون ﴿ عمل ﴾ غير بالرفع فيهما ﴿ تسألن ﴾ بالنون المشددة المسكورة لإدغام النون المخففة في نون الوقاية بعد حذف ياء المتكلم في الحالين: ابن عامر وقالون: بإثبات الياء في الوصل: أبو جعفر ونافع غير قالون بفتح النون المشددة: ابن كثير ﴿ تسألني ﴾ بغير نون التأكيد وإثبات الياء في الحالين سهل ويعقوب الباقون بغير ياء في الحالين ﴿ إني أعظك ﴾ ﴿ إني أعوذ ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.
الوقوف: ﴿ مبين ﴾ ه لا ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الرأي ﴾ ج ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فعيمت عليكم ﴾ ط ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ مالاً ﴾ ط ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ طردتهم ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ أنفسهم ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ أن يغويكم ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ط ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ تجرمون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ ظلموا ﴾ ج لا حتمال التعليل.
﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ سخروا منه ﴾ ه ﴿ تسخرون ﴾ ه ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ التنور ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ ومن آمن ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ 5 ط ﴿ ومرساها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من الماء ﴾ ط، ﴿ رحم ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع اختلاف العامل.
﴿ المغرقين ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه.
﴿ الحاكمين ﴾ ه ﴿ من أهلك ﴾ ج ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف ﴿ هذا ﴾ ط وعلى قوله: ﴿ فاصبر ﴾ أحسن للابتداء بــ"أن" ﴿ للمتقين ﴾ ه.
التفسير: لما أورد على الكفار أنواع الدلائل أكدها بالقصص على عادته من التفنن في الكلام والنقل من أسلوب إلى أسلوب في الموعظة فبدأ بقصة نوح.
ومعنى ﴿ إني لكم ﴾ أي متلبساً بهذا الكلام وهو قوله: ﴿ إني لكم ﴾ فلما اتصل به الجار فتح ومن كسر فعلى إرادة القول.
و ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ بدل من ﴿ إني لكم نذير ﴾ أي أرسلناه بأن لا تعبدوا ﴿ إلا الله ﴾ أو يكون "أن" مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير.
ووصف اليوم بأليم لوقوع الألم فيه فيكون مجازاً.
وكذا لو جعل الوصف للعذاب والجر بالجوار.
ثم حكى أنه طعن أشراف قومه في نبوته من ثلاث جهات.
الأولى أنه بشر مثلهم.
الثانية أنه لم يتبعه إلا الأراذل يعنون أصحاب الحرف الخسيسة كالحياكة وغيرها قالوا: لو كنت صادقاً لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم.
والأراذل جمع أرذل.
وقيل: جمع الأرذال جمع رذل وهو الدون من كل شيء في منظره وحالاته.
ومعنى ﴿ بادي الرأي ﴾ أول الرأي وهو نصب على الظرف أي اتبعوك في ابتداء حدوث الرأي من غير روية، أو معناه ظاهر الرأي من قولك بدا الشيء إذا ظهر، ومنه البادية للبرية لظهروها وبروزها للناظر.
وهذا تفسير من قرأ بغير همز.
وعلى هذا فالمراد أنهم اتبعوك في الظاهر وباطنهم بخلافه، أو اتبعوك وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
ويجوز أن يتعلق ﴿ بادي الرأي ﴾ بقوله: ﴿ أراذلنا ﴾ أي كونهم كذلك أمر ظاهر لكل من يراهم عياناً، ويتأكد هذا التأويل بما نقل عن مجاهد أنه قرأ ﴿ إلا الذين هم أراذلنا رأي العين ﴾ وإنما استرذلوا المؤمنين لاعتقادهم أن المزية عند الله بالمال والجاه ولم يعلموا أن ذلك مبعد من الحق لا مقرب منه، وأن الأنبياء ما بعثوا إلا لترك الدنيا والإقبال على الآخرة فكيف يجعل قلة المال طعناً في النبوة وفي متابعة النبي.
الشبهة الثالثة: ﴿ وما نرى لكم علينا من فضل ﴾ لا في العقل ولا في كيفية رعاية المصالح ولا في قوة الجدل ﴿ بل نظنكم كاذبين ﴾ خطاب لنوح ولمن آمن به بتبعيته، أو خطاب للأراذل كأنهم نسبوهم إلى الكذب في ادعاء الإيمان.
ثم حكى ما أجاب به نوح قومه وهو أن حصول المساواة في صفة البشرية لا يمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة وذلك قوله: ﴿ أرأيتم إن كنت على بينة ﴾ برهان ﴿ من ربي وآتاني ﴾ بإيتاء تلك البينة ﴿ رحمة ﴾ وعلى هذا البينة هي الرحمة، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة وبالرحمة النبوة وقيل بالعكس ﴿ فعيمت ﴾ خفيت أو أخفيت البينة أو كل من البينة والرحمة أي صارت مظلمة مشتبهة في عقولكم.
والبينة توصف بالإبصار والعمى مجازاً باعتبار نتيجتها كما أن دليل القوم إن كان بصيراً اهتدوا وإن كان أعمى بقول خابطين متحيرين.
ثم قال: ﴿ أنلزمكموها ﴾ أي أنكرهكم على قبول البينة ﴿ وأنتم لها كارهون ﴾ والمراد أنا لا نقدر على إيصال حقيقة البينة إليك.
وإنما يقدر على ذلك من هو قادر على الإيجاد والإعدام وتغيير الأحوال وتبديل الأخلاق.
ثم ذكر أنه لا يطلب على تبليغ الرسالة مالاً حتى يتفاوت الحال بسبب كون المجيب غنياً أو فقيراً ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ عن ابن جريج أنهم قالوا: إن أحببت يا نوح أن نتبعك فاطردهم فإنا لا نرضى بمشاركتهم، فلم يبذل ملتمسهم وعلل ذلك بقوله ﴿ إنهم ملاقو ربهم ﴾ فيعاقب من يطردهم أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من الإيمان الصحيح أو النفاق بزعمكم، أو المراد أنهم متقدون لقاء ربهم ﴿ ولكني أراكم قوماً تجهلون ﴾ لقاء ربكم وأنهم خير منكم، أو قوماً تسفهون حيث تسمون المؤمنين أراذل.
ثم أكد عدم طردهم بقوله: ﴿ ويا قوم من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من عقابه ﴿ إن طردتهم ﴾ لأن العقل والشرع توافقا على أنه لا بد من تعظيم المؤمن البر المتقي ومن إهانة الكافر الفاجر فكيف يليق بنبي الله أن يقلب هذه القضية.
سؤال: إن كان طرد المؤمن لطلب مرضاة الكافر معصية فكيف فعل ذلك رسول الله حتى نهي عنه بقوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ﴾ ؟
الجواب أنه لم يكن ذلك طرداً مطلقاً وإنما عين لأجلهم أوقاتاً مخصوصة، ولأشراف قريش أوقاتاً أخرى فعوتب على ذلك القدر.
احتجت المعتزلة بالآية على عدم الشفاعة للفاسق إذ لو كانت جائزة لكانت في حق نوح أولى، فلم يقل من الذي يخلصني من عذابه.
وأجيب بأنه مخصوص بآيات العفو.
ثم ذكر أنه كما لا يسألهم مالاً فإنه لا يدعي أن عنده خزائن الله حتى يجحدوا أن له فضلاً عليهم من هذه الجهة.
﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ حتى أصل به إلى ما أريده لنفسي ولأتباعي وأطلع على الضمائر ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ أتعظم بذلك عليكم بل طريقي الخضوع والتواضع وعدم الاستنكاف عن مخالطة الفقراء وقد مر في "الأنعام" سائر ما يتعلق بالآية.
ومعنى ﴿ تزدري ﴾ تعيب وتحقر والازدراء افتعال من زرى عليه إذا عابه.
وفي قوله ﴿ الله أعلم بما في أنفسهم ﴾ دلالة على أنهم كانوا ينسبون اتباعه مع الفقر والذلة الى النفاق ﴿ إني إذا ﴾ أي إن قلت شيئاً من ذلك كنت من الظالمين لنفسي.
أو إن قلت إن الله لن يؤتيهم خيراً مع أنه لا وقوف لي على باطنهم.
ثم إن قومه وصفوه بكثرة الجدال قائلين ﴿ يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ﴾ قال أهل المعاني: أردت جدالنا وشرعت فيه فأكثرته كقوله: جاد لي فلان فأكثر.
لم ترد أنه أعطى عطيتين أقل فأكثر بل تريد أن الوصف مقارن للموصوف.
وفي الآية دلالة على أن الجدال في تقرير دلائل التوحيد من دأب أكابر الأنبياء.
ثم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به فأجاب نبي الله بأن ذلك ليس إليّ وإنما هو بمشيئة الله وإرادته ولا يعجزه عن ذلك أحد.
وقوله: ﴿ ولا ينفعكم نصحي ﴾ كقول القائل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار إن أكلت الخبز لم يقع الطلاق إلا إذا دخل الدار فأكل الخبز.
ولهذا قال الفقهاء: المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى فكأنه قيل: ﴿ إن كان الله يريد أن يغويكم ﴾ فإن أردت أن أنصح لكم لم ينفعكم نصحي.
واحتجاج الأشاعرة بالآية ظاهر.
وأجابت المعتزلة بأنه لا يلزم من فرض أمر وقوعه، ولعل نوحاً إنما قال ذلك ليبين لهم أنه بنى أمر التكليف على الاختيار وإلا لم يكن للنصح فائدة، ولو تشبث الخصم بالجبر لزم إفحام النبي.
ومن الجائز أن يراد بالإغواء التعذيب من غوى الفصيل إذا بشم فهلك، أو يراد به الخيبة كقوله: ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ أي خيبة من خير الآخرة، أو يراد به منع الألطاف وقد تقدم أمثال ذلك مراراً.
ثم أشار إلى المبدإ والمعاد بقوله: ﴿ هو ربكم وإليه ترجعون ﴾ ثم أنكر الله عليهم قولهم إنما ادعاء نوح أنه أوحي إليه مفترى فقال: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ فأمره بأن يجيب بكلام منصف وهو قوله: ﴿ قل إن افتريته فعليّ إجرامي ﴾ أي عقاب إثمي وهو الافتراء.
﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ أي من إجرامكم وهو إسناد الافتراء إليّ وههنا إضمار كأنه قيل: لكني ما افتريته فالإجرام وعقابه عليكم وأنا بريء منه.
وأكثر المفسرين على أن هذه الآية من تمام قصة نوح.
وعن مقاتل أنها من قصة محمد وقعت في أثناء قصة نوح.
قوله : ﴿ وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن ﴾ إقناط له من إيمانهم الذي كان يتوقعه منهم بدليل قوله: ﴿ إلا من قد آمن ﴾ فإن "قد" للتوقع.
وقوله: ﴿ فلا تبتئس ﴾ تسلية له أي لا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك فقد حان وقت الانتقام منهم.
قال أكثر المعتزلة: إنه لا يجوز أن ينزل الله عذاب الاستئصال على قوم يعلم أن فيهم من يؤمن أو في أولادهم من يؤمن بدليل دعاء نوح ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا فاجراً كفاراً ﴾ علل الإهلاك بمجموع الأمرين فدل ذلك على أنهما لو لم يحصلا لم يجز الإهلاك.
وذهب كثير منهم إلى الجواز، فليس كل خبر معلوم بواجب الوقوع نعم كلما يقع يجب أن يكون على الوجه الأصلح.
ومذهب الأشاعرة في هذا المعنى ظاهر فله أن يفعل في ملكه ما شاء.
ثم عرفه وجه إهلاكهم وألهمه وجه خلاص من آمن فقال: ﴿ واصنع الفلك ﴾ وهو أمر إيجاب على الأظهر لأنه لا سبيل إلى صون روحه عن الهلاك في الطوفان إلا بذلك، وصون النفس واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وقيل: أمر إباحة كمن أمر أن يتخذ الإنسان لنفسه داراً يسكنها.
والإنصاف أن الأمر ظاهره الوجوب وإن قطعنا النظر عن فائدته وغايته.
وقوله: ﴿ بأعيننا ووحينا ﴾ في موضع الحال أي متلبساً بذلك.
والسبب فيه أن إقدامه على صنعة السفينة مشروط بأمرين: أحدهما أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل وأشار إليه بقوله: ﴿ بأعيننا ﴾ وليست العين بمعنى الجارحة لأنه منزه عن الجوارح والأعضاء فالمراد بها الحفظ والحياطة والكلاءة لأن العين آلة الحفظ والحراسة.
والثاني أن يكون عالماً بكيفية تركيب الأخشاب ونحتها.
عن ابن عباس: لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر.
وقيل: المراد عين الملك الذي كان يعرّفه كيفية اتخاذ السفينة.
ثم قال: ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ أي في شأنهم.
وقيل: علل عدم الخطاب بقوله: ﴿ إنهم مغرقون ﴾ أي إنهم محكوم عليهم بالإغراق وقد جف القلم عليهم بذلك فلا فائدة للشفاعة.
وقيل: لا تخاطبني في تعجيل عقابهم فإنهم يغرقون في الوقت المعين لذلك فلا فائدة في الاستعجال فلكل أمة أجل.
وقيل: المراد بالذين ظلموا امرأته واعلة وكنعان ابنه.
ثم حكى الحال الماضية بقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ والحال أنه ﴿ كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ﴾ يحتمل أن يكون هذا جواباً لـ"كلما" وقوله: ﴿ قال إن تسخروا ﴾ استئناف على تقدير سؤال سائل كأنه قيل: ماذا قال نوح حينئذٍ؟
ويحتمل أن يكون ﴿ سخروا ﴾ بدلاً من ﴿ مر ﴾ أو صفة لــ ﴿ ملأ ﴾ و ﴿ قال ﴾ جواب ﴿ قيل ﴾ كانوا يقولون: يا نوح كنت نبياً فصرت نجاراً، ولو كنت صادقاً في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق.
وقيل: إنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك فكانوا يتعجبون ويسخرون.
وقيل: إنها كانت كبيرة وكان يصنعها في مفازة بعيدة عن الماء فكانوا يقولون هذا من باب الجنون.
وقيل: طالت مدته وكان ينذرهم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة وليس منه عين ولا أثر فغلب على ظنونهم كونه كاذباً فيسخرون منه فأجابهم بقوله: ﴿ إن تسخروا منا ﴾ في الحال ﴿ فإنا نسخر منكم ﴾ في المستقبل إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة.
أو إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله، أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم لأنكم لا تستجهلون إلا عن الجهل بحقيقة الأمر.
والبناء على ظاهر الحال كما هو عادة الأغمار.
وسمي جزاء السخرية سخرية كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ ثم هددهم بقوله: ﴿ فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ في الدنيا وهو عذاب الغرق ﴿ ويحل عليه عذاب مقيم ﴾ في الآخرة لازم لزوم الدين الحال للغريم.
و"من" موصولة أو استفهامية وقد مر في "الأنعام".
روي أن نوحاً اتخذ السفينة في سنتين وكان طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعاً وارتفاعها ثلاثين.
وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون: الأسفل للوحوش والسباع والهوام، والأوسط للدواب والأنعام، والأعلى للناس ولما يحتاجون إليه من الزاد وحمل معه جسد آدم.
وقال الحسن: كان طولها ألفاً ومائتي ذراع وعرضها ستمائة.
قوله: ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ هي غاية لقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ أي كان يصنعها إلى أن جاء وقت الأمر بالإهلاك.
﴿ وفار التنور ﴾ أي نبع الماء من بشدة وسرعة تشبيهاً بغليان القدر.
والتنور هي التي يختبز فيها فقيل: هو مما استوى فيه العربي والعجمي.
وقيل: معرب لأنه لا يعرف في كلام العرب نون قبل راء.
عن ابن عباس والحسن ومجاهد: هو تنور نوح.
وقيل: كان لآدم وحواء حتى صار لنوح وموضعه بناحية الكوفة قاله مجاهد والشعبي.
وعن علي أنه في مسجد الكوفة وقد صلى فيه سبعون نبياً.
وقيل: بالشام بموضع يقال له عين وردة قاله مقاتل.
وقيل: بالهند.
روي أن امرأته كانت تخبز فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في تلك الحال بوضع الأشياء في السفينة وكان الله جعل هذه الحالة علامة لواقعة الطوفان.
ويروى عن علي أيضاً أن المراد بالتنور وجه الأرض لقوله: ﴿ وفجرنا الأرض عيوناً ﴾ وعنه أيضاً كرم الله وجهه أن معنى ﴿ فار التنور ﴾ طلع الصبح.
وقيل: معناه اشتد الأمر كما يقال حمي الوطيس.
والمراد إذا رأيت الأمر يشتد والماء يكثر فاركب في السفينة وذلك قوله ﴿ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ﴾ والزوجان شيئان يكون أحدهما ذكراً والآخر أنثى.
فمن قرأ بالإضافة فمعناه احمل من كل صنفين بهذا الوصف اثنين، ومن قرأ بالتنوين.
فالمراد حمل من كل شيء زوجين.
واثنين للتأكيد ولا يبعد أن يكون النبات داخلاً فيه لاحتياج الناس إليه ﴿ وأهلك ﴾ معطوف على مفعول ﴿ احمل ﴾ وكذا ﴿ من آمن ﴾ وقوله ﴿ إلا من سبق عليه القول ﴾ قال الضحاك: أراد ابنه وامرأته قدر الله لهما الكفر إذا علم منهما ذلك.
ثم قال ﴿ وما آمن معه إلا قليل ﴾ أي نفر قليل: عن مقاتل أنهم ثمانون وبهم سموا قرية الثمانين بناحة الموصل لأنهم لما خرجوا من السفينة بنوها.
وقيل: اثنان وسبعون رجلاً وامرأة، وأولاد نوح: سام وحام ويافث ونساؤهم.
فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء.
وعن محمد بن إسحق كانوا عشرة، وعن النبي كانوا ثمانية، نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم.
وقيل في بعض الروايات: إن إبليس دخل معه السفينة وفيه بعد لأنه جسم ناري فلا يؤثر الغرق فيه.
قوله وتعالى حكاية عن نوح وأهله ﴿ وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها ﴾ الآية.
فيه أبحاث الأول: أن الركوب متعد بنفسه يقال: ركبت الدابة والبحر والسفينة أي علوتها.
فما الفائدة في زيادة لفظة "في"؟
قال الواحدي: فائدته أن يعلم أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهره.
الثاني قوله: ﴿ بسم الله ﴾ إما أن تتعلق بقوله: ﴿ اركبوا ﴾ حالاً من الواو أي مسمين الله، أو قائلين باسم الله ﴿ ومجريها ومرسيها ﴾ مصدران حذف منهما الوقت المضاف كقولهم: جئتك خفوق النجم ومقدم الحاج، أو يراد مكان الإجراء والإرساء أو زمانها.
وانتصابهما بما في بسم الله من معنى الفعل، أو بالقول المقدر.
وعلى التقادير يكون مجموع قوله: ﴿ وقال اركبوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومرساها ﴾ كلاماً واحداً.
وإما أن يكون ﴿ باسم الله مجريها ومرساها ﴾ كلاماً آخر من مبتدإ وخبر أي باسم الله إجراؤها وإرساؤها.
يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست.
ويجوز أن يقحم الاسم كقوله: تم اسم السلام عليكما، ويراد بالله إجراؤها وإرساؤها، وكان نوح أمرهم بالركوب أوّلاً ثم أخبرهم بأن إجراءها وإرساءها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته.
وجوز في الكشاف أن تكون هذه الجملة في موضع الحال من ضمير الفلك ولا تكون جملة مستأنفة ولكن فضلة من تتمة الكلام الأول كأنه قال اركبوا فيها مقدرين أن إجراءها وإرساءها باسم لله .يقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت، وأرساه غيره.
يروى أنها سارت لأول يوم من رجب أو لعشر مضين منه فسارت ستة أشهر ثم استوت على الجودي يوم العاشر من المحرم.
ويروى أنها مرت بالبيت وطافت به سبعاً فأعتقها الله من الغرق.
البحث الثالث قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ كيف ناسب مقام الإهلاك وإظهار العزة؟
والجواب كان القوم اعتقدوا أنهم نجوا ببركة إيمانهم وعملهم، فنبههم الله بهذا الذكر على أن الإنسان في كل حال من أحواله لا ينفك عن ظلمات الخطأ والزلل فيحتاج إلى مغفرة الله ورحمته.
وفي الآية إشارة إلى أن العاقل إذ ركب في سفينة الفكر ينبغي أن يكون قد برىء من حوله وقوته وقطع النظر عن الأسباب وربط قلبه وعلق همته بفضل واهب العقل فيقول بلسان الحال بسم الله مجريها ومرسيها حتى تصل سفينة فكره إلى ساحل الإيقان، وتتخلص عن أمواج الشبه والظنون والأوهام.
قال في الكشاف: ﴿ وهي تجري بهم ﴾ متصل بمحذوف كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون باسم الله وهي تجري بهم وهم فيها ﴿ في موج كالجبال ﴾ في التراكم والارتفاع، فلعل الأمواج أحاطت بالسفينة من الجوانب فصارت كأنها في داخل تلك الأمواج.
واختلف المفسرون في قوله: ﴿ ونادى نوح ابنه ﴾ فالأكثرون على أنه ابن له في الحقيقة لئلا يلزم صرف الكلام عن الحقيقة الى المجاز من غير ضرورة، ولا استبعاد في كون ولد النبي كافراً كعكسه.
واعترض عل هذا القول بأنه كيف ناداه مع كفره وقد قال: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ وأجيب بأنه كان منافقاً وظن نوح أنه مؤمن أو ظن أنه كافر إلا أنه توقع منه الإيمان عند مشاهدة العذاب بدليل قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ أو لعل شفقة الأبوة حملته على ذلك النداء.
وعن محمد بن علي الباقر والحسن البصري أنه كان ابن امرأته ويؤيده ما روي أن علياً قرأ ﴿ ونادى نوح ابنها ﴾ ويؤكد هذا الظن قوله: ﴿ إن ابني من أهلي ﴾ دون أن يقول "إنه مني" وقيل: إنه ولد على فراشه لغير رشده وإليه الإشارة بقوله ﴿ فخانتاهما ﴾ ورد هذا القول بأنه يجب صون منصب الأنبياء عن مثل هذه الفضيحة لقوله: ﴿ الخبيثات للخبيثين ﴾ وفسر ابن عباس تلك الخيانة بأن امرأة نوح كانت تقول زوجي مجنون.
وامرأة لوط دلت الناس على ضيفه.
وقوله: ﴿ وكان في معزل ﴾ هو مفعل من عزله عنه إذا نحاه أو أبعده أي كان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن السفينة وعمن فيها، أو كان في معزل عن دين أبيه.
وقيل في معزل عن الكفار ولهذا ظن نوح أنه يريد مفارقة الكفرة، ولكن قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ لا يساعد هذا القول.
وقوله ﴿ يا بني ﴾ بكسر الياء لأجل الاكتفاء به عن ياء الإضافة، وبفتحها اكتفاء به عن الألف المبدلة من الياء، ويجوز أن يكون الياء والألف ساقطتين من اللفظ فقط لالتقاء الساكنين.
ثم حكى إصرار ابنه على الكفر بأن قال ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ فأجاب نوح بأنه ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ﴾ واعترض عليه بأن معنى ﴿ من رحم ﴾ من رحمه الله وهو معصوم فكيف يصح استثناؤه من العاصم؟
وأجيب بأن "من" فاعلة في المعنى لا مفعول، والمراد نوح لأنه سبب الرحمة والنجاة كما أضيف الإحياء إلى عيسى ، أو الرحيم الذي مر ذكره في قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ وهو عاصم لا معصوم، أو هو استثناء مفرغ والتقدير لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا لمن رحم، أو العاصم بمعنى ذو العصمة كلابن وتامر.
وذو العصمة المعصوم أو المضاف محذوف والتقدير لا عاصم قط إلا مكان من رحمهم الله ونجاهم يعني السفينة، أو هو استثناء منقطع كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو المعصوم ﴿ وحال بينهما الموج ﴾ أي بسبب هذه الحيلولة خرج من أن يخاطبه نوح فصار من جملة الغرقى.
وقوله : ﴿ وقيل يأرض ﴾ الآية.
مما اختص بمزيد البلاغة حتى صارت متداولة بين علماء المعاني فتكلموا فيها وفي وجوه محاسنها فلا علينا أن نورد ههنا بعض ما استفدنا منهم فنقول: النظر فيها من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني، ومن جهتي الفصاحتين المعنوية واللفظية.
أما من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها.
فالقول فيه أنه عز سلطانه أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضي أمر نوح وهو إنجاؤه وإغراق قومه كما وعدناه فقضي، وأن تستوي السفينة على الجودي - وهو جبل بقرب الموصل - فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى، فبنى الكلام على تشبيه الأرض والسماء بالمأمور الذي لا يتأتى منه - لكمال هيبته - العصيان، وعلى تشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكوّن المقصود تصويراً لاقتداره، وأن السماء والأرض مع عظم جرمهما تابعتان لإرادته إيجاداً وإعداماً وتغييراً وتصريفاً كأنهما عقلاء مميزون قد أحاطا علماً يوجب الامتثال والإذعان لخالقهما، فاستعمل ﴿ قيل ﴾ بدل "أريد" مجازاً إطلاقاً للمسبب على السبب، فإن صدور القول إنما يكون بعد إرادته.
وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد بقوله: ﴿ يا أرض ابلعي ماءَك ويا سماء ﴾ والخطابان أيضاً على سبيل الاستعارة للشبه المذكور وهو كون السماء والأرض كالمأمورين المنقادين.
وأيضاً استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو إعمال القوة الجاذبة في الطعوم للشبه بين الغور والبلع وهو الذهاب إلى مقر خفيّ.
ووجعل قرينة الاستعارة نسبه الفعل إلى المفعول، وفي جعل الماء مكان الغذاء أيضاً استعارة لأنه شبه الماء بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار تقوّي الآكل بالطعام، وجعل قرينة الاستعارة لفظة ﴿ ابلعي ﴾ لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء.
ثم أمر الجماد على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره وخاطب في الأمر دون أن يقول ليبلع ترشيحاً لاستعارة النداء إذ كونه مخاطباً من صفات الحي كما أن كونه منادى من صفاته ثم قال ﴿ ماءك ﴾ بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيهاً لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك.
واختار ضمير الخطاب دون أن يقول "ليبلع ماؤها" لأجل الترشيح المذكور.
ثم اختار مستعيراً لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان ثم أمر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر لمثل ما تقدم في ﴿ ابلعي ﴾ من ترشيح استعارة النداء.
ثم قال ﴿ وغيض الماء ﴾ غاض الماء قل ونضب، وغاضه الله يتعدى ولا يتعدى ﴿ وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً ﴾ فلم يصرح بالفاعل سلوكاً لسبيل الكناية لأن هذه الأمور لا تتأتى إلا من قدير قهار فلا مجال لذهاب الوهم إلى غيره، ومثله في صدر الآية ليستدل من ذكر الفعل وهو اللازم على الفاعل وهو الملزوم وهذا شأن الكناية، ثم ختم الكلام بالتعريض لأنه ينبىء عن الظلم المطلق وعن علة قيام الطوفان.
وأما النظر فيها من جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة منها، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها، فذلك أنه اختير "يا" للنداء لأنها أكثر استعمالاً ولدلالتها على تبعيد المنادى الذي يستدعيه مقام العزة والهيبة، ولهذا لم يقل " يا أرضي" بالإضافة تهاوناً بالمنادى، ولم يقل "يا أيتها الأرض" للاختصار مع الاحتراز عن تكلف التنبيه لمن ليس من شأنه التنبيه.
واختير لفظ الأرض والسماء لكثرة دورانهما مع قصد المطابقة، واختير ﴿ ابلعي ﴾ على ﴿ ابتلعي ﴾ لكونه أخصر ولمجيء حظ التجانس بينه وبين ﴿ أقلعي ﴾ أوفر.
وقيل: ﴿ ماءك ﴾ بلفظ المفرد لما في الجمع من الاستكثار المتأتي عنه مقام العزة والاقتدار، وكذا في إفراد الأرض والسماء.
ولم يحذف مفعول ﴿ ابلعي ﴾ لئلا يلزم تعميم الابتلاع لكل ما على الأرض.
ولما علم اختصاص الفعل فيه اقتصر عليه فحذف من ﴿ أقلعي ﴾ حذراً من التطويل.
وإنما لم يقل "ابلعي ماءك فبلعت" لأن عدم تخلف المأمور به عن أمر الآمر المطاع معلوم.
واختير ﴿ غيض ﴾ على غيض المشددة للاختصار ولمثل هذا عرف الماء والأمر دون أن يقال ماء الطوفان، أو أمر نوح للاستغناء عن الإضافة بالتعريف العهدي ولم يقل سويت لتناسب أول القصة وهي تجري بهم من بناء الفعل للفاعل، ولأن ﴿ استوت ﴾ أخصر لسقوط همزة الوصل.
ثم قيل: ﴿ بعداً للقوم ﴾ دون أن يقال "ليبعد القوم من بعد" بالكسر يبعد بالفتح إذا هلك، للتأكيد مع الاختصار ودلالة "لام" الملك على أن البعد حق لهم.
وقول القائل "بعداً له" من المصادر التي لا يستعمل إظهار فعلها.
ثم أطلق الظلم ليتناول ظلم أنفسهم وظلمهم غيرهم.
وأما ترتيب الجمل فقدم النداء على الأمر ليتمكن الأمر الوارد عقيب النداء كما في نداء الحي، وقدم نداء الأرض لابتداء الطوفان منها بدليل قوله: ﴿ وفار التنور ﴾ ثم بين نتيجة البلع والإقلاع بقوله: ﴿ وغيض الماء ﴾ ثم ذكر مقصود القصة وهو قوله ﴿ وقضي الأمر ﴾ أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء المؤمنين.
ثم بين حال استقرار السفينة بقوله: ﴿ واستوت على الجودي ﴾ وكان جبلاً منخفضاً فكان استواء السفينة عليه دليلاً على انقطاع مادة الماء.
ثم ختمت القصة بما ختمت من التعريض.
قيل: كيف يليق بحكمة الله تغريق الأطفال بسبب إجرام الكفار؟
وأجيب على أصول الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل، وعلى أصول المعتزلة بأنه يعوض الأطفال والحيوانات كما في ذبحها واستعمالها في الأعمال الشاقة.
وقد روى جمع من المفسرين أنه أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة فلم يغرق إلا من بلغ أربعين.
وهذا مع تكلفه لا يتمشى في الجواب عن إهلاك سائر الحيوانات.
والظاهر أن القائل في قوله: ﴿ وقيل بعداً ﴾ هو الله لتناسب صدر الآية، ويحتمل أن يكون القائل نوحاً وأصحابه لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع القوم الظلمة أنه يقول مثل هذا الكلام، ولأنه جارٍ مجرى الدعاء عليهم فجعله من كلام البشر أليق.
وأما النظر في الآية من جهة الفصاحة المعنوية فهي أنها كما ترى نظم للمعاني لطيف، وتأدية المراد بأبلغ وجه وأتمه.
وأما من جهة الفصاحة اللفظية فهي كالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقة عذبة على العذبات سلسة على الأسلات، ولعل ما تركنا من لطائف هذه الآية بل كل آية أكثر مما نذكر والله أعلم بمراده من كلامه.
﴿ ونادى نوح ربه ﴾ أي أراد أن يدعوه ﴿ فقال رب إن ابني من أهلي ﴾ بعض سواء كان من صلبه أو رببياً له ﴿ وإن وعدك ﴾ أي كل ما تعد به ﴿ الحق ﴾ الثابت الذي لا شك في إنجازه وقد وعدتني أن تنجي أهلي ﴿ وأنت أحكم الحاكمين ﴾ أعلمهم وأعدلهم لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل، ويجوز أن يكون الحاكم بمعنى ذي الحكمة كدارع.
﴿ قال يا نوح إنه ليس من أهلك ﴾ أي من أهلك دينك أو من أهلك الذين وعدتهم الإنجاء معك.
ثم صرح بأن العبرة بقرابة الدين والعمل الصالح لا بقرابة النسب فقال: ﴿ إنه عمل غير صالح ﴾ من قرأ على لفظ الفعل فمعناه أنه عمل عملاً غير صالح وهو الإشراك والتكذيب، ومن قرأ على لفظ الاسم فللمبالغة كما يقال: فلان كرم وجود إذا غلب عليه الكرم والجود وفي قوله: ﴿ غير صالح ﴾ دون أن يقول "فاسد" تعريض بل تصريح بأنه إنما نجا من نجا بالصلاح، ويحتمل على هذه القراءة أن يعود الضمير في ﴿ إنه ﴾ إلى سؤال نوح أي إن نداءك هذا المتضمن لسؤال إنجاء ابنك عمل غير صالح.
وقيل: المراد أن هذا الابن ولد زنا وقد عرفت سقوطه.
ثم نهاه عن مثل هذا السؤال ووبخه عليه بقوله: ﴿ فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ﴾ قال المحققون: الظاهر أن ابنه كان منافقاً فلذلك اشتبه أمره على نوح، وحمله شفقة الأبوة أوّلاً على دعوته إلى ركوب السفينة، فلما حال بينهما الموج لجأ إلى الله في خلاصه من الغرق، فعوتب على ذلك لأنه لما وعده الله إنجاءه أهله واستثنى منهم من سبق عليه القول كان عليه أن يتوكل على الله حق توكله ويعلم أن كل من كان من أهله مؤمناً فإنه يخلص من الغرق لا محالة.
ولما لم يصبر إلى تبين الحال توجه إليه العتاب على ترك الأولى فلذلك تنبه ورجع إلى الله قائلاً ﴿ رب إني أعوذ بك أن أسألك ﴾ فيما يستقبل من الزمان ﴿ ما ليس لي به علم ﴾ تأدباً بآدابك واتعاظاً بعظتك.
﴿ وألا تغفر لي ﴾ ما فرط مني من الخطأ في باب الاجتهاد، أو من قلة الصبر على ما يجب عليه الصبر، وهذا التضرع مثل تضرع أبيه وأبينا آدم في قوله: ﴿ ربنا ظلمنا ﴾ الآية.
فلذلك عفى عنه.
﴿ وقيل يا نوح اهبط ﴾ أي من السفينة بعد استوائها على الجبل، أو انزل من الجبل إلى الفضاء ملتبساً ﴿ بسلام منا ﴾ بسلامة من التهديد والوعيد بل من جميع الآفات والمخافات، لأنه لما خرج من السفينة كان خائفاً من عدم المأكول والملبوس وسائر جهات الحاجات لأنه لم يبق في الأرض شيء يمكن أن ينتفع به من النبات والحيوانات.
وقيل: أي مسلماً عليك مكرماً.
والبركات الخيرات النامية الثابتة، وفسروها في هذا المقام بأنه وعد له بأن جميع أهل الأرض من الأشخاص الإنسانية يكون من نسله إما لأنه لم يكن في السفينة إلا من هو ذريته، وإما لأنه لما خرج من السفينة مات من لم يكن من أهله وبقي النسل والتوالد في ذرّيته، دليله قوله ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين ﴾ فنوح آدم الأصغر.
وقيل: لما وعده السلامة من الآفات وعده أن موجبات السلامة والراحة تكون في التزايذ والثبات لا عليك وحدك بل ﴿ وعلى أمم ممن معك ﴾ إن كان "من" للبيان فالمراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة لأنهم كانوا جماعات، أو هم أصل الأمم التي انشعبت منه.
وإن كان لابتداء الغاية فالمعنى على أمم ناشئة ممن معك إلى آخر الدهر.
وهذا شأن الأمة المؤمنة ثم ذكر حال الأمة الكافرة المتوالدة فقال: ﴿ وأمم ﴾ وهو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي وممن معك أمم ﴿ سنمتعهم ﴾ في الدنيا ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة ﴿ منا عذاب أليم ﴾ عن ابن زيد: هبطوا والله عنهم راض، ثم أخرج منهم نسلاً منهم من رحم ومنهم من عذب، وخصص بعضهم الأمم الممتعة بقوم هود وصالح ولوط وشعيب و ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى قصة نوح وهو مبتدأ والجمل بعدها أخبار.
وقوله ﴿ ولا قومك ﴾ للمبالغة كقول القائل: لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا قومك ولا أهل بلدك.
والمراد تفاصيل القصة وإلا فمجملها أشهر من أن يخفى.
ومعنى ﴿ من قبل هذا ﴾ أي من قبل هذا الإيحاء أو العلم الذي كسبته بالوحي، أو من قبل هذا الوقت وكأن هذه القصة أعيدت في هذه السورة تثبيتاً للنبي على إنذار قومه ولذلك ختمت بقوله: ﴿ فاصبر ﴾ كما صبر نوح و ﴿ إن العاقبة ﴾ الحميدة ﴿ للمتقين ﴾ .
التأويل: ﴿ ما نراك إلا بشراً مثلنا ﴾ أي مخلوقاً محتاجاً مثلنا.
وفيه أن النفس بنظرها السفلي ترى الروح العلوي سفلياً فلهذا تنظر إلى النبي ولا ترى نبوته الحميدة، بل تراه بنظر الكذب والسحر والجنون ﴿ إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ﴾ والأراذل من اتباع الروح البدن والجوارح الظاهرة، فإن الغالب على الخلق أن البدن يقبل دعوة الروح ويستعمل الجوارح بالأفعال الشرعية، ولكن النفس الأمارة تكون على كفرها ولا تخلي البدن أن يشتغل بالأعمال الشرعية الدينية إلا لغرض فاسد ومصلحة دنيوية كما هو المعتاد لأكثر الخلق.
﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ من طبع النفس أن تتأذى من استعمال البدن وجوارحه في التكاليف الشرعية فتقول للروح: إن ترد أن أومن بك وأتخلق بأخلاقك فأمتع البدن وجوارحه في التكاليف ﴿ من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من قهره إن منعت البدن من الطاعة، فاقتصر على مجرد إيمان النفس وتخلقها بأخلاق الروح كما هو معتقد أهل الفلسفة والإباحة يقولون: إن أصل العبودية معرفة الربوبية وجمعية الباطن والتحلي بالأخلاق الحميدة.
﴿ أفلا تذكرون ﴾ أن جميعة الباطن ونوره من نتائج استعمال الشرع في الظاهر؟
فالنور في الشرع والظلمة في الطبع، وإنما بعث الأنبياء ليخرجوا الخلق من ظلمات الطبع إلى نور الشرع ﴿ لن يؤتيهم الله خيراً ﴾ أي استعداداً لتحصيل الدرجات العلوية وإنهم مخلوقون من السفليات الله أعلم بما في نفس كل جارحة من استعداد تحصيل الكمال ﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ من التكذيب.
وفيه أن ذنوب النفس لا تؤثر في صفاء الروح ولا يتكدر بها ما كان الروح متبرئاً من ذنوب النفس متأسفاً على معاملات النفس وتتبع هواها.
﴿ وأوحي إلى نوح ﴾ الروح ﴿ أنه لن يؤمن من قومك ﴾ وهم القلب وصفاته والسر والنفس وصفاتها والبدن وجوارحه ﴿ إلا من قد آمن ﴾ من خواص العباد وهم القلب وصفاتها والسر وصفات النفس والبدن وجوارحه.
فأما النفس فإنها لا تؤمن أبداً اللهم إلا نفوس الأنبياء وخواص الأولياء فإنها تسلم أحياناً دون الإيمان ﴿ فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ﴾ لأن أعمال الشر لنفوس السعداء كالجسد للإكسير ينقلب ذهباً مقبولاً عند طرح الروح عليها، فكذلك تنقلب أعمال الشر خيراً عند طرح التوبة عليها ﴿ أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ ولا تبتئس على نفوس الأشقياء لأن أعمالها حجة الله على شقاوتهم، وبتلك السلاسل يسحبون في النار على وجوههم ﴿ واصنع الفلك ﴾ اتخذ يا نوح الروح سفينة الشريعة بنظرنا لا بنظرك فإن نظرك تبع الحواس يبصر ظاهرها ويغفل عن أسرارها ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ فإن الظلم من شيم النفوس ﴿ إنهم مغرقون ﴾ في بحر الدنيا وشهواتها.
﴿ وكلما مر عليه ملأ ﴾ هم النفس وهواها وصفاتها ﴿ يسخرون ﴾ من استعمال أركان الشريعة إذ لم يفهموا حقائقها ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ وهو حد البلوغ والركوب في سفينة الشريعة ﴿ وفار ﴾ ماء الشهوة من تنور القالب ﴿ قلنا احمل ﴾ في سفينة الشريعة من كل صفة وزوجها: كالشهوة وزوجها العفة.
والحرص وزوجها القناعة، والبخل وزوجها السخاء، والغضب وزوجه الحلم، وكذا الحقد مع السلامة، والعداوة مع المحبة، والكبر مع التواضع، والتأني مع العجلة ﴿ وأهلك ﴾ وهم صفات الروح لا النفس ﴿ ومن آمن ﴾ وهم القلب والسر.
وفي قوله : ﴿ وقال اركبوا فيها باسم الله ﴾ إشارة إلى أن من ركب سفينة الشرع بالطبع وتقليد الآباء والمعلمين لم يحصل له النجاة الحقيقية كما ركب إبليس بالطبع في سفينة نوح وإنما النجاة لمن ركب بأمر الله وذكره مجراها من الله ومرساها إلى الله كقوله: ﴿ وأن إلى ربك المنتهى ﴾ ﴿ في موج ﴾ من الفتن ﴿ كالجبال ونادى نوح ﴾ الروح ﴿ ابنه ﴾ كنعان النفس المتولد بينه وبين القالب ﴿ وكان في معزل ﴾ من معرفة الله وطلبه ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ العقل ﴿ يعصمني من الماء ﴾ الفتن ﴿ لا عاصم اليوم ﴾ أي إذا نبع ماء الشهوات من أرض البشرية ونزل ماء ملاذ الدنيا وزينتها من سماء القضاء فلا يتخلص منه إلا من يرحمه الله بالاعتصام بسفينة الشريعة ﴿ ابلعي ﴾ ماء شهواتك ﴿ اقلعي ﴾ عن إنزال مطر الآفات ﴿ وغيض ﴾ ماء الفتن ببركة الشرع ﴿ وقضي الأمر ﴾ ما كان مقدراً من طوفان الفتن للابتلاء والتربية، ﴿ واستوت ﴾ سفينة الشريعة ﴿ على الجودي ﴾ وهو مقام التمكين بعد مقامات التلوين ﴿ وإن وعدك الحق ﴾ وهو ما وعد نوح الروح عند إهباطه إلى العالم السفلي من الرجوع إلى العالم العلوي: ﴿ إنه ليس من أهلك ﴾ وكان للروح أربعة بنين: ثلاثة من المؤمنين وهم القلب والسر والعقل، وواحد كافر وهو النفس.
فنفى عن النفس أهلية الدين والملة لأنها خلقت للأمارية ﴿ اهبط ﴾ من سفينة الشريعة عند مفارقة الجسد والخلاص من طوفان الفتن ﴿ وأمم سنمتعهم ﴾ هم النفوس متعت بالحظوظ الدنيوية ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة عذاب البعد عن المألوفات، ﴿ فاصبر ﴾ على تربية الروح و النفس ﴿ إن العاقبة ﴾ لمن اتقى طوفان فتن الدنيا والنفس والهوى.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ﴾ .
قوله: ﴿ جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ أي: جاء وقت أمرنا بالعذاب الذي استعجلوه؛ كقولهم: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ ؛ وكذلك كانت عادة الأمم السالفة استعجال العذاب من رسلهم، وسمي العذاب أمر الله؛ لما لا صنع لأحد فيه، وكذلك المرض سمي أمر الله؛ لما لا صنع لأحد من الخلائق فيه، وسمى الصلاة أمر الله؛ لما بأمره يصلي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ﴾ : قال أبو عوسجة: ﴿ وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ﴾ يقال: فار الماء أي خرج يفور فوراً، أي: غلى كما تغلي القدر وتصديقه قوله: ﴿ وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ...
﴾ قالوا: فار أي: خرج وظهر.
والتنور: اختلف فيه؛ قال بعضهم: التنور هو وجه الأرض، قالوا: إذا رأيت الماء خرج ونبع وظهر على وجه الأرض فاركب.
وقال بعضهم: التنور هو التنور الخابزة التي يخبز فيها، قالوا: إذا رأيت الماء نبع من تنورك فاركب، قالوا: كان الماء ينزل من السماء وينبع من الأرض؛ كقوله: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً ﴾ ، لكن جعل علامة وقت ركوبه السفينة هو خروج الماء من الأرض ونبعه منها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: يحتمل إن كنا قلنا له إذا فار التنور: احمل فيها من كل زوجين اثنين.
ويحتمل: إن قلنا له وقت فور الماء من التنور: احمل فيها من كل زوجين اثنين.
ويحتمل وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ : الزوج هو اسم فرد لذي شفع ليس هو اسم الشفع حتى يقال عند الاجتماع ذلك، ولكن ما ذكرنا أنه اسم فرد لذي شفع كان الإناث صنفاً وزوجاً والذكور صنفاً وزوجاً، فيكون الذكر والأنثى زوجين، والله أعلم.
وقوله: ﴿ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ أي: من ذكر وأنثى ثم يحتمل زوجين من ذوي الأرواح التي تكون لهم النسل؛ لئلا ينقطع نسلهم.
ويحتمل ذوي الأرواح وغيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ وَأَهْلَكَ ﴾ أراد أهله والذين آمنوا معه، يقول: احمل فيها من كل زوجين اثنين، واحمل أهلك أيضاً إلا من قد سبق عليه القول، أي: إلا من كان في علم الله أنه لا يؤمن، أو إلا من كان في علم الله أنه يهلك.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَأَهْلَكَ ﴾ أراد أهله خاصّة، ثم استثنى من سبق عليه القول، وهو ابنه وزوجته وهما من أهله، ألا ترى أنه ذكر من بعد من آمن معه وهو قوله: ﴿ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ ﴾ أي: احمل أهلك الذين آمنوا معك إلا من سبق عليه القول من أهلك وغيره أنه في الهالكين.
أو يقول: إلا من سبق عليه القول أنه لا يؤمن، فهذا يدل أن في أهله من كان ظالماً كافرا حيث استثني من أهله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ : يذكر هذا - والله أعلم - تذكيراً لرسول الله مننه ونعمه التي أنعمها عليه؛ لأن نوحاً مع طول مكثه بين أظهر قومه وكثرة دعائه قومه إلى دين الله ومواعظه لم يؤمن من قومه إلا القليل منهم؛ ورسول الله مع قلة مكثه وقصر عمره آمن من قومه الكثير يعرفه نعمه عليه، وفيه دلالة رد قول من يقول: إن [المواعظ إنما تنفع] الموعوظ على قدر استعمال الواعظ، وليس هكذا ولكن على قدر قبول الموعوظ إياها وقدر الإقبال إليها؛ لأن نوحاً - - كان أشد الناس استعمالا للمواعظ وأكثرهم دعاء، ثم لم يؤمن من قومه إلا القليل؛ دل أنه ليس لما فهموا، ولكن لما ذكرنا.
وأما ما ذكر أهل التأويل أنه حمل في السفينة حبات العنب، فأخذه إبليس فلم يعطه إلا أن أعطى له الشركة، فذلك شيء لا علم لنا به، فإن ثبت ذلك فيكون فيه دلالة أن ليس له في سائر الأنبذة والأشربة نصيب، إنما يكون له فيما يخرج من العنب، وتقدير الثلث والثلثين إنما يكون في عصير العنب خاصة ليس في غيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا ﴾ أنه لما قال لهم نوح: اركبوا فيها قولوا ﴿ بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ ، وهو كقول الناس باسم الله من أوله على ما يقال: ويذكر [اسم الله] في افتتاح كل أمر وكل عمل من ركوب ونزول وغيره.
ويحتمل قوله: ﴿ بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ أي: بالله مجراها ومرساها، أي: به تجري وبه ترسو، وأنه ليس كسائر السفن التي بأهلها تجري وبهم تقف، وهم الذين يتولون ويتكلفون إجراءها ووقوفها، وأما سفينة نوح كانت جريتها بالله وبه رسوها لا صنع لهم في ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ : هو ظاهر لمن آمن به وصدق رسوله ينجيه من الغرق والهلاك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ ﴾ : هذا يدل على ما ذكرنا أنها كانت بالله تجري وبه ترسو؛ حيث لم يخافوا الغرق مع ما كان من الأمواج، وأما سائر السفن فإن أهلها خافوا من أمواجها، لما كانوا هم الذين يتولون ويتكلفون إجراءها ووقفها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ ﴾ : هذا يدل على أنها كانت آية؛ لأن الأمواج تمنع من جريان السفينة وسيرها، فإذا أخبر أنها لم تمنع هذه من جريانها دل أنه أراد أن تصير [آية لهم].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ ﴾ أي: بمعزل من نوح، أو كان بمعزل من السفينة، أو ما كان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ يحتمل لا تكن مع الكافرين: لتغرق، أو لا تكن مع الكافرين لنعم الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ ﴾ أي: سأنضم إلى جبل، ﴿ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ ﴾ : ظن المسكين أن هذا الماء كغيره من المياه التي يسلم منها بالالتجاء إلى الجبال، فأخبر أنه ﴿ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ أي: من عذاب الله، سمى عذابه أمر الله لما ذكرنا أمر الله أمر تكوين؛ لأنه هو النهاية في الاحتجاج [لقوله: { ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ...
﴾ الآية [النحل: 40]، وهو كما يسمى البعث لقاء الله لأنه هو النهاية في الاحتجاج] على من ينكر البعث؛ فعلى ذلك سمى عذابه أمر الله وهو أمر تكوين؛ لأنه هو النهاية في الاحتجاج على من ينكر العذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ ﴾ بهدايته أياه، أو إلا من سبقت له الرحمة من الله بالهداية له والنجاة.
وقوله: ﴿ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ بَيْنَهُمَا ﴾ بين ابنه وبين نوح، ويحتمل بينه وبين السفينة.
﴿ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ ﴾ وقوله: ﴿ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ ﴾ : يحتمل صار من المغرقين، ويحتمل كان في علم الله أنه يغرق، وهذا يدل على أن قوله في إبليس: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ أنه يخرج على وجهين: أحدهما: أنه كان في علم الله أنه يكفر، أو صار من الكافرين كما ذكر، وكان من المغرقين إذ لم يكن من المغرقين في الأزل.
<div class="verse-tafsir"
قال ابن نوح لنوح: سألجأ إلى جبل مرتفع؛ ليمنعني من وصول الماء إليَّ، قال نوحٌ لابنه: لا مانع اليوم من عذاب الله بالغرق بالطوفان إلا اللهُ الرَّاحمُ برحمته من يشاء سبحانه، فإنه يمنعه من الغرف، وفرَّق الموجُ بين نوح وابنه الكافر، فكان ابنه من المغرقين بالطوفان لكفره.
<div class="verse-tafsir" id="91.1Rrgo"