الآية ٤٥ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٤٥ من سورة هود

وَنَادَىٰ نُوحٌۭ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَـٰكِمِينَ ٤٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 104 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٥ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٥ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا سؤال استعلام وكشف من نوح عليه السلام عن حال ولده الذي غرق "قال رب إن ابني من أهلي" أي وقد وعدتني بنجاة أهلي ووعدك الحق الذي لا يخلف فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين ؟.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ونادى نوح ربه فقال: ربِّ إنك وعدتني أن تنجيني من الغرق والهلاك وأهلي، وقد هلك ابني، وابني من أهلي (49) ، (وإن وعدك الحقُّ)، الذي لا خلف له ، (وأنت أحكم الحاكمين) ، بالحق، فاحكم لي بأن تفي بما وعدتني ، من أنْ تنجّي لي أهلي ، وترجع إليَّ ابني، كما:- 18207- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وأنت أحكم الحاكمين) ، قال: أحكم الحاكمين بالحق.

------------------------ الهوامش: (49) انظر تفسير " الأهل " فيما سلف ص .

.

.

، تعليق : .

.

.

، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُأي دعاه .فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِيأي من أهلي الذين وعدتهم أن تنجيهم من الغرق ; ففي الكلام حذف .وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّيعني الصدق .وقال علماؤنا : وإنما سأل نوح ربه ابنه لقوله : " وأهلك " وترك قوله : " إلا من سبق عليه القول " [ هود : 40 ] فلما كان عنده من أهله قال : " رب إن ابني من أهلي " يدل على ذلك قوله : " ولا تكن من الكافرين " أي لا تكن ممن لست منهم ; لأنه كان عنده مؤمنا في ظنه , ولم يك نوح يقول لربه : " إن ابني من أهلي " إلا وذلك عنده كذلك ; إذ محال أن يسأل هلاك الكفار , ثم يسأل في إنجاء بعضهم ; وكان ابنه يسر الكفر ويظهر الإيمان ; فأخبر الله تعالى نوحا بما هو منفرد به من علم الغيوب ; أي علمت من حال ابنك ما لم تعلمه أنت .وقال الحسن : كان منافقا ; ولذلك استحل نوح أن يناديه .وعنه أيضا : كان ابن امرأته ; دليله قراءة علي " ونادى نوح ابنها " .وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَابتداء وخبر .أي حكمت على قوم بالنجاة , وعلى قوم بالغرق .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ } أي: وقد قلت لي: فـ { احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ } ولن تخلف ما وعدتني به.

لعله عليه الصلاة والسلام، حملته الشفقة، وأن الله وعده بنجاة أهله، ظن أن الوعد لعمومهم، من آمن، ومن لم يؤمن، فلذلك دعا ربه بذلك الدعاء، ومع هذا، ففوض الأمر لحكمة الله البالغة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي ) وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي؟

( وإن وعدك الحق ) لا خلف فيه ، ( وأنت أحكم الحاكمين ) حكمت على قوم بالنجاة وعلى قوم بالهلاك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني» كنعان «من أهلي» وقد وعدتني بنجاتهم «وإن وعدك الحق» الذي لا خلف فيه «وأنت أحكم الحاكمين» أعلمهم وأعدلهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ونادى نوح ربه فقال: رب إنك وعَدْتني أن تنجيني وأهلي من الغرق والهلاك، وإن ابني هذا من أهلي، وإن وعدك الحق الذي لا خُلْف فيه، وأنت أحكم الحاكمين وأعدلهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - قصة نوح مع قومه فى هذه السورة ، بتلك الضراعة التى تضرع بها نوح - عليه السلام - بشأن ولده ، وبذلك الرد الحكيم الذى رد به الخالق - عز وجل - على نوح - عليه السلام ، وبتعقيب على القصة يدل على وحدانية الله - تعالى - ، وعلى صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه قال - تعالى - :( وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي .

.

.

)المراد بالنداء فى قوله - سبحانه - : ( وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ .

.

.

) الدعاء والضراعة إلى الله - تعالى - .والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها .أى : وبعد أن تخلف ابن نوح عليه السلام عن الركوب معه فى السفينة ، وقضى الأمر بهلاك الكافرين ونجاة المؤمنين .

.

تضرع نوح - عليه السلام - إلى ربه فقال فى استعطاف ورجاء :يا رب!

إن ابنى " كنعان " ( مِنْ أَهْلِي ) فهو قطعة منى ، فأسألك أن ترحمه برحمتك ( وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق ) أى : وإن كل وعد تعده لعبادك هو الوعد الحق وأنت - يا ربى - قد وعدتنى بنجاة أهلى إلا من سبق عليه القول منهم ، لكنى فى هذا الموقف العصيب أطمع فى عفوك عن انبى وفى رحمتك له .وقوله : ( وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين ) أى : وأنت يا إلهى - لا راد لما تحكم به ، ولا معقب لحكمك ، وحكمك هو الحق والعدل ، وهو المنزه عن الخطأ والمحاباة ، لأنه صادر عن كمال العلم والحكمة .واكتفى نوح - عليه السلام - بأن يقول : ( رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين ) دون أن يصرح بمطلوبه وهو نجاة ابنه تأدباً مع الله - تعالى - وحياء منه - سبحانه - واعتقاداً منه بأنه - سبحانه - عليم بما يريده وخبر بما يجول فى نفسه .وهذا لو من الأدب السامى ، سلكه الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام - فى مخاطبتهم لربهم - عز وجل - ومن أولى منهم بذلك؟!!ولعل نوحا - عليه السلام - عندما تضرع إلى ربه - سبحانه - بهذا الدعاء لم يكن يعلم أن طلب الرحمة أو النجاة لابنه الكافر ممنوع ، فكان حاله فى ذلك كحال النبى - صلى الله عليه وسلم - عندما قال لعمه أبى طالب : " لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك " واستمر يستغفر له إلى أن نزل قوله - تعالى - ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانوا أُوْلِي قربى .

.

.

) وقال الشيخ القاسمى : وإنما قال نوح ذلك - أى : رب إن أبنى من أهلى .

.

ألخ - لفهمه - من الأهل ذوى القرابة الصورية ، والرحمة النسبية ، وغفل - لفرط التأسف على ابنه - عن استثنائه - تعالى - بقوله : ( إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول ) ولم يتحقق أن ابنه هو الذى سبق عليه القول ، فاستعطف ربه بالاسترحام ، وعرض بقوله ( وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين ) إلى أن العالم العادل الحكيم لا يخلف وعده .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أن قوله: ﴿ رَبّ إِنَّ ابنى مِنْ أَهْلِى ﴾ فقد ذكرنا الخلاف في أنه هل كان ابناً له أم لا فلا نعيده، ثم إنه تعالى ذكر أنه قال: ﴿ يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ واعلم أنه لما ثبت بالدليل أنه كان ابناً له وجب حمل قوله: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ على أحد وجهين: أحدهما: أن يكون المراد أنه ليس من أهل دينك.

والثاني: المراد أنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك والقولان متقاربان.

المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أن العبرة بقرابة الدين لا بقرابة النسب فإن في هذه الصورة كانت قرابة النسب حاصلة من أقوى الوجوه ولكن لما انتفت قرابة الدين لا جرم نفاه الله تعالى بأبلغ الألفاظ وهو قوله: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح ﴾ قرأ الكسائي: عمل على صيغة الفعل الماضي، وغير بالنصب، والمعنى: إن ابنك عمل عملاً غير صالح يعني أشرك وكذب، وكلمة ﴿ غَيْرِ ﴾ نصب، لأنها نعت لمصدر محذوف، وقرأ الباقون: عمل بالرفع والتنوين، وفيه وجهان: الأول: أن الضمير في قوله إنه عائد إلى السؤال، يعني أن هذا السؤال عمل وهو قوله: ﴿ إِنَّ ابنى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق ﴾ غير صالح، لأن طلب نجاة الكافر بعد أن سبق الحكم، الجزم بأنه لا ينجي أحداً منهم سؤال باطل.

الثاني: أن يكون هذا الضمير عائداً إلى الابن، وعلى هذا التقدير ففي وصفه بكونه عملاً غير صالح وجوه: الأول: أن الرجل إذا كثر عمله وإحسانه يقال له: إنه علم وكرم وجود، فكذا هاهنا لما كثر إقدام ابن نوح على الأعمال الباطلة حكم عليه بأنه في نفسه عمل باطل.

الثاني: أن يكون المراد أنه ذو عمل باطل، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه.

الثالث: قال بعضهم معنى قوله: ﴿ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح ﴾ أي إنه ولد زنا وهذا القول باطل قطعاً.

ثم إنه تعالى قال لنوح عليه السلام: ﴿ فَلاَ تَسْأَلْنى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: احتج بهذه الآية من قدح في عصمة الأنبياء عليهم السلام من وجوه: الوجه الأول: أن قراءة عمل بالرفع والتنوين قراءة متواترة فهي محكمة، وهذا يقتضي عود الضمير في قوله: ﴿ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح ﴾ إما إلى ابن نوح وإما إلى ذلك السؤال، فالقول بأنه عائد إلى ابن نوح لا يتم إلا بإضمار وهو خلاف الظاهر.

ولا يجوز المصير إليه إلا عند الضرورة ولا ضرورة هاهنا، لأنا إذا حكمنا بعود الضمير إلى السؤال المتقدم فقد استغنينا عن هذا الضمير، فثبت أن هذا الضمير عائد إلى هذا السؤال، فكان التقدير أن هذا السؤال عمل غير صالح، أي قولك: إن ابني من أهلي لطلب نجاته عمل غير صالح، وذلك يدل على أن هذا السؤال كان ذنباً ومعصية.

الوجه الثاني: أن قوله: ﴿ فَلاَ تَسْأَلْنى ﴾ نهي له عن السؤال، والمذكور السابق هو قوله: ﴿ إِنَّ ابنى مِنْ أَهْلِى ﴾ فدل هذا على أنه تعالى نهاه عن ذلك السؤال فكان ذلك السؤال ذنباً ومعصية.

الوجه الثالث: أن قوله: ﴿ فَلاَ تَسْأَلْنى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ يدل على أن ذلك السؤال كان قد صدر لا عن العلم، والقول بغير العلم ذنب لقوله تعالى: ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ  ﴾ .

الوجه الرابع: أن قوله تعالى: ﴿ إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ يدل على أن ذلك السؤال كان محض الجهل.

وهذا يدل على غاية التقريع ونهاية الزجر، وأيضاً جعل الجهل كناية عن الذنب مشهور في القرآن.

قال تعالى: ﴿ يَعْمَلُونَ السوء بجهالة  ﴾ وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: ﴿ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين  ﴾ .

الوجه الخامس: أن نوحاً عليه السلام اعترف بإقدامه على الذنب والمعصية في هذا المقام فإنه قال: ﴿ إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُن مّنَ الخاسرين ﴾ واعترافه بذلك يدل على أنه كان مذنباً.

الوجه السادس: في التمسك بهذه الآية أن هذه الآية تدل على أن نوحاً نادى ربه لطلب تخليص ولده من الغرق، والآية المتقدمة وهي قوله: ﴿ ونادى نُوحٌ ابنه ﴾ وقال: ﴿ يابنى اركب مَّعَنَا ﴾ تدل على أنه عليه السلام طلب من ابنه الموافقة.

فنقول: إما أن يقال إن طلب هذا المعنى من الله كان سابقاً على طلبه من الولد أو كان بالعكس، والأول باطل لأن بتقدير أن يكون طلب هذا المعنى من الله تعالى سابقاً على طلبه من الابن لكان قد سمع من الله أنه تعالى لا يخلص ذلك الابن من الغرق، وأنه تعالى نهاه عن ذلك الطلب، وبعد هذا كيف قال له: ﴿ يابنى اركب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين ﴾ وأما إن قلنا: إن هذا الطلب من الابن كان متقدماً فكان قد سمع من الابن قوله: ﴿ سَاوِى إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الماء ﴾ وظهر بذلك كفره، فكيف طلب من الله تخليصه، وأيضاً أنه تعالى أخبر أن نوحاً لما طلب ذلك منه وامتنع هو صار من المغرقين فكيف يطلب من الله تخليصه من الغرق بعد أن صار من المغرقين، فهذه الآية من هذه الوجوه الستة تدل على صدور المعصية من نوح عليه السلام.

واعلم أنه لما دلت الدلائل الكثيرة على وجوب تنزيه الله تعالى الأنبياء عليهم السلام من المعاصي، وجب حمل هذه الوجوه المذكورة على ترك الأفضل والأكمل، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، فلهذا السبب حصل هذا العتاب والأمر بالاستغفار، ولا يدل على سابقة الذنب كما قال: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ  وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا  فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًۢا  ﴾ ومعلوم أن مجيء نصر الله والفتح ودخول الناس في دين الله أفواجاً ليست بذنب يوجب الاستغفار وقال تعالى: ﴿ واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات  ﴾ وليس جميعهم مذنبين، فدل ذلك على أن الاستغفار قد يكون بسبب ترك لأفضل.

المسألة الثانية: قرأ نافع برواية ورش وإسمعيل بتشديد النون وإثبات الياء ﴿ تَسْأَلْنى ﴾ وقرأ ابن عامر ونافع برواية قالون بتشديد النون وكسرها من غير إثبات الياء، وقرأ أبو عمرو بتخفيف النون وكسرها وحذف الياء ﴿ تسألن ﴾ أما التشديد فللتأكيد وأما إثبات الياء فعلى الأصل، وأما ترك التشديد والحذف فللتخيف من غير إخلال.

واعلم أنه تعالى لما نهاه عن ذلك السؤال حكى عنه أنه قال: ﴿ رَبّ إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُن مّنَ الخاسرين ﴾ والمعنى أنه تعالى لما قال له: ﴿ فَلاَ تَسْأَلْنى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ فقال عند ذلك قبلت يا رب هذا التكليف، ولا أعود إليه إلا أني لا أقدر على الاحتراز منه إلا بإعانتك وهدايتك، فلهذا بدأ أولاً بقوله: ﴿ إِنّى أَعُوذُ بِكَ ﴾ .

واعلم أن قوله: ﴿ إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ ﴾ إخبار عما في المستقبل، أي لا أعود إلى هذا العمل، ثم أشتغل بالاعتذار عما مضى، فقال: ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُن مّنَ الخاسرين ﴾ وحقيقة التوبة تقتضي أمرين: أحدهما: في المستقبل، وهو العزم على الترك وإليه الإشارة بقوله: ﴿ إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ ﴾ والثاني: في الماضي وهو الندم على ما مضى وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُن مّنَ الخاسرين ﴾ ونختم هذا الكلام بالبحث عن الزلة التي صدرت عن نوح عليه السلام في هذا المقام.

فنقول: إن أمة نوح عليه السلام كانوا على ثلاثة أقسام كافر يظهر كفره ومؤمن يعلم إيمانه وجمع من المنافقين، وقد كان حكم المؤمنين هو النجاة وحكم الكافرين هو الغرق، وكان ذلك معلوماً، وأما أهل النفاق فبقي حكمهم مخفياً وكان ابن نوح منهم وكان يجوز فيه كونه مؤمناً، وكانت الشفقة المفرطة التي تكون من الأب في حق الابن تحمله على حمل أعماله وأفعاله لا على كونه كافراً، بل على الوجوه الصحيحة، فلما رآه بمعزل عن القوم طلب منه أن يدخل السفينة فقال: ﴿ سَاوِى إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الماء ﴾ وذلك لا يدل على كفره لجواز أن يكون قد ظن أن الصعود على الجبل يجري مجرى الركوب في السفينة في أنه يصونه عن الغرق، وقول نوح: ﴿ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ ﴾ لا يدل إلا على أنه عليه السلام كان يقرر عند ابنه أنه لا ينفعه إلا الإيمان والعمل الصالح، وهذا أيضاً لا يدل على أنه علم من ابنه أنه كان كافراً فعند هذه الحالة كان قد بقي في قلبه ظن أن ذلك الابن مؤمن، فطلب من الله تعالى تخليصه بطريق من الطرق إما بأن يمكنه من الدخول في السفينة، وإما أن يحفظه على قلة جبل، فعند ذلك أخبره الله تعالى بأنه منافق وأنه ليس من أهل دينه، فالزلة الصادرة عن نوح عليه السلام هو أنه لم يستقص في تعريف ما يدل على نفاقه وكفره، بل اجتهد في ذلك وكان يظن أنه مؤمن، مع أنه أخطأ في ذلك الاجتهاد، لأنه كان كافراً فلم يصدر عنه إلا الخطأ في هذا الاجتهاد، كما قررنا ذلك في أن آدم عليه السلام لم تصدر عنه تلك الزلة إلا لأنه أخطأ في هذا الاجتهاد، فثبت بما ذكرنا أن الصادر عن نوح عليه السلام ما كان من باب الكبائر وإنما هو من باب الخطأ في الاجتهاد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

نداؤه ربه: دعاؤه له، وهو قوله: ﴿ رَبّ ﴾ مع ما بعده من اقتضاء وعده في تنجية أهله.

فإن قلت: فإذا كان النداء هو قوله: ﴿ رب ﴾ فكيف عطف ﴿ قال رب ﴾ على ﴿ نادى ﴾ بالفاء؟

قلت: أريد بالنداء إرادة النداء، ولو أريد النداء نفسه لجاء، كما جاء قوله: ﴿ إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً قَالَ رَبّ ﴾ [مريم: 3] بغير فاء ﴿ إِنَّ ابنى مِنْ أَهْلِى ﴾ أي بعض أهلي، لأنه كان ابنه من صلبه، أو كان ريبياً له فهو بعض أهله ﴿ وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق ﴾ وأن كل وعد تعده فهو الحق الثابت الذي لا شك في إنجازه والوفاء به، وقد وعدتني أن تنجي أهلي، فما بال ولدي؟

﴿ وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين ﴾ أي أعلم الحكام وأعدلهم؛ لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل.

ورب غريق في الجهل والجور من متقلدي الحكومة في زمانك قد لقب أقضى القضاة، ومعناه أحكم الحاكمين فاعتبر واستعبر ويجوز أن يكون من الحكمة على أن يبني من الحكمة حاكم بمعنى النسبة كما قيل دارع من الدرع، وحائض وطالق على مذهب الخليل ﴿ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح ﴾ تعليل لانتفاء كونه من أهله.

وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب، وأنّ نسيبك في دينك ومعتقدك من الأباعد في المنصب وإن كان حبشياً وكنت قرشياً لصيقك وخصيصك.

ومن لم يكن على دينك- وإن كان أمس أقاربك رحماً- فهو أبعد بعيد منك، وجعلت ذاته عملاً غير صالح، مبالغة في ذمّه، كقولها: فَإنَّمَا هي إقْبَالٌ وَإدْبَارُ وقيل: الضمير لنداء نوح، أي: إنّ نداءك هذا عمل غير صالح وليس بذاك- فإن قلت: فهلا قيل: إنه عمل فاسد؟

قلت: لما نفاه عن أهله، نفى عنه صفتهم بكلمة النفي التي يستبقي معها لفظ المنفي، وآذن بذلك أنه إنما أنجى من أنجى من أهله لصلاحهم، لا لأنهم أهلك وأقاربك.

وإنّ هذا لما انتفى عنه الصلاح لم تنفعه أبوّتك، كقوله: ﴿ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صالحين فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِينَا عَنْهُمَا مِنَ الله شَيْئاً ﴾ [التحريم: 10] وقرئ: ﴿ عمل غير صالح ﴾ أي عمل عملا غير صالح.

وقرئ: ﴿ فلا تسئلنّ ﴾ بكسر النون بغير ياء الإضافة وبالنون الثقيلة بياء وبغير ياء، يعني فلا تلتمس مني ملتمساً أو التماساً لا تعلم أصواب هو أم غير صواب، حتى تقف على كنهه.

وذكر المسألة دليل على أنّ النداء كان قبل أن يغرق حين خاف عليه.

فإن قلت: لم سمي نداؤه سؤالاً ولا سؤال فيه؟

قلت: قد تضمن دعاؤه معنى السؤال وإن لم يصرح به، لأنه إذا ذكر الموعد بنجاة أهله في وقت مشارفة ولده الغرق فقد استنجز.

وجعل سؤال ما لا يعرف كنهه جهلاً وغباوة، ووعظه أن لا يعود إليه وإلى أمثاله من أفعال الجاهلين.

فإن قلت: قد وعده أن ينجي أهله، وما كان عنده أن ابنه ليس منهم ديناً، فلما أشفى على الغرق تشابه عليه الأمر، لأن العدة قد سبقت له وقد عرف الله حكيماً لا يجوز عليه فعل القبيح وخلف الميعاد، فطلب إماطة الشبهة وطلبُ إماطة الشبهة واجب، فلم زجر وسمي سؤاله جهلاً؟

قلت: إن الله عز وعلا قدّم له الوعد بإنجاء أهله مع استثناء من سبق عليه القول منهم، فكان عليه أن يعتقد أن في جملة أهله من هو مستوجب للعذاب لكونه غير صالح، وأن كلهم ليسوا بناجين، وأن لا تخالجه شبهة حين شارف ولده الغرق في أنه من المستثنين لا من المستثنى منهم، فعوتب على أن اشتبه عليه ما يجب أن لا يشتبه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ ﴾ وأرادَ نِداءَهُ بِدَلِيلِ عَطْفِ قَوْلِهِ: ﴿ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي ﴾ فَإنَّهُ النِّداءُ.

﴿ وَإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ ﴾ وإنَّ كُلَّ وعْدٍ تَعِدُهُ حَقٌّ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الخُلْفُ، وقَدْ وعَدْتَ أنْ تُنْجِيَ أهْلِي فَما حالُهُ، أوْ فَما لَهُ لَمْ يَنْجُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا النِّداءُ قَبْلَ غَرَقِهِ.

﴿ وَأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ ﴾ لِأنَّكَ أعْلَمُهم وأعْدَلُهم، أوْ لِأنَّكَ أكْثَرُ حِكْمَةً مِن ذَوِي الحِكَمِ عَلى أنَّ الحاكِمَ مِنَ الحِكْمَةِ كالدّارِعِ مِنَ الدِّرْعِ.

﴿ قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ ﴾ لِقَطْعِ الوِلايَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ وأشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ﴾ فَإنَّهُ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ كَوْنِهِ مِن أهْلِهِ، وأصْلُهُ إنَّهُ ذُو عَمَلٍ فاسِدٍ فَجُعِلَ ذاتُهُ ذاتَ العَمَلِ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِ الخَنْساءِ تَصِفُ ناقَةً: تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حَتّى إذا ادْكَّرَتْ.

.

.

فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ ثُمَّ بَدَّلَ الفاسِدَ بِغَيْرِ الصّالِحِ تَصْرِيحًا بِالمُناقَضَةِ بَيْنَ وصْفَيْهِما وانْتِفاءَ ما أوْجَبَ النَّجاةَ لِمَن نَجا مِن أهْلِهِ عَنْهُ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ ﴿ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ﴾ أيْ عَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ.

﴿ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ ما لا تَعْلَمُ أصَوابٌ هو أمْ لَيْسَ كَذَلِكَ، وإنَّما سُمِّيَ نِداءَهُ سُؤالًا لِتُضَمُّنِ ذِكْرِ الوَعْدِ بِنَجاةِ أهْلِهِ اسْتِنْجازَهُ فِي شَأْنِ ولَدِهِ أوِ اسْتِفْسارُ المانِعِ لِلنَّجازِ في حَقِّهِ، وإنَّما سَمّاهُ جَهْلًا وزَجَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ لِأنَّ اسْتِثْناءَ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِن أهْلِهِ قَدْ دَلَّهُ عَلى الحالِ وأغْناهُ عَنِ السُّؤالِ، لَكِنْ أشْغَلَهُ حُبُّ الوَلَدِ عَنْهُ حَتّى اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الأمْرُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ اللّامِ والنُّونِ الشَّدِيدَةِ وكَذَلِكَ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ غَيْرَ أنَّهُما كَسَرا النُّونَ عَلى أنَّ أصْلَهُ تَسْألَنَّنِي فَحُذِفَتْ نُونُ الوِقايَةِ لِاجْتِماعِ النُّوناتِ وكُسِرَتِ الشَّدِيدَةُ لِلْياءِ، ثُمَّ حُذِفَتِ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ وعَنْ نافِعٍ بِرِوايَةِ رُوَيْسٍ إثْباتُها في الوَصْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبّ} نداؤه ربه دعاؤه له وهو قوله رب مع ما بعده من اقتضاء وعده في تنجية أهله {إِنَّ ابنى مِنْ أَهْلِى} أي بعض أهلي لأنه كان ابنه من صلبه أو كان ربيباً له فهو بعض أهله {وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق} وإن كل وعد تعده فهو الحق الثابت الذي لا شك في إنجازه والوفاء به وقد وعدتني أن تنجي أهلي فما بال ولدي {وَأَنتَ أَحْكَمُ

الحاكمين} أي أعلم الحكام وأعدلهم إذ لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل ورب غريق في الجهل والجور من متقلدي الحكومة في زمانك قد لقب أقضى القضاة ومعناه أحكم الحاكمين فاعتبر واستعبر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ونادى نُوحٌ رَبَّهُ ﴾ أيْ أرادَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ تَفْرِيعِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي ﴾ عَلَيْهِ، وقِيلَ: النِّداءُ عَلى حَقِيقَتِهِ والعَطْفُ بِالفاءِ لِكَوْنِ حَقِّ التَّفْصِيلِ يَعْقُبُ الإجْمالَ ﴿ وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ ﴾ أيْ وإنَّ وعْدَكَ ذَلِكَ أوْ كُلَّ وعْدٍ تَعِدُهُ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ خَلَفٌ فَيَدْخُلُ فِيهِ الوَعْدُ المَعْهُودُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

﴿ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ ﴾ لِأنَّكَ أعْلَمُهم وأعْدَلُهُمْ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّهُ إذا بُنِيَ أفْعَلُ مِنَ الشَّيْءِ المُمْتَنِعِ مِنَ التَّفْضِيلِ والزِّيادَةِ يُعْتَبَرُ فِيما يُناسِبُ مَعْناهُ مَعْنى المُمْتَنِعِ، وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في أمالِيهِ: إنَّ هَذا ونَحْوَهُ مِن: أرْحَمِ الرّاحِمِينَ وأحْسَنِ الخالِقِينَ، مُشْكِلٌ لِأنَّ أفْعَلَ لا يُضافُ إلّا إلى جِنْسِهِ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الخُلُقَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِمَعْنى الإيجادِ ومِن غَيْرِهِ بِمَعْنى الكَسْبِ وهُما مُتَبايِنانِ يَعْنِي عَلى المَشْهُورِ مِن مَذْهَبِ الأشاعِرَةِ والرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إنْ حُمِلَتْ عَلى الإرادَةِ أوْ جُعِلَتْ مِن مَجازِ التَّشْبِيهِ صَحَّ، وإنْ أُرِيدَ إيجادُ فِعْلِ الرَّحْمَةِ كانَ مُشْكِلًا أيْضًا إذْ لا مُوجِدَ سِواهُ سُبْحانَهُ وأجابَ الآمِدِيُّ بِأنَّهُ بِمَعْنى أعْظَمُ مَن يُدْعى بِهَذا الِاسْمِ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ فِيهِ جَعْلَ التَّفاضُلِ في غَيْرِ ما وُضِعَ اللَّفْظُ بِإزائِهِ وهو يُناسِبُ مَذْهَبَ المُعْتَزِلَةِ فافْهَمْ، وقِيلَ: المَعْنى هُنا أنَّكَ أكْثَرُ حِكْمَةً مِن ذَوِي الحُكْمِ عَلى أنَّ الحاكِمَ مِنَ الحُكْمِ كالدّارِعِ مِنَ الدِّرْعِ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ البابَ لَيْسَ بِقِياسِيٍّ وأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ حاكِمٌ بِمَعْنى حَكِيمٍ وأنَّهُ لا يُبْنى مِنهُ أفْعَلُ إذًا لِأنَّهُ لَيْسَ جارِيًا عَلى الفِعْلِ لا يُقالُ: ألْبَنَ وأتْمَرَ مِن فُلانٍ إذْ لا فِعْلَ بِذَلِكَ المَعْنى، والجَوابُ بِأنَّهُ قَدْ كَثُرَ في كَلامِهِمْ فَجَوَّزَ عَلى أنْ يَكُونَ وجْهًا مَرْجُوحًا وبِأنَّهُ مِن قَبِيلِ أحْنَكَ الشّاتَيْنِ لا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ كَما في الكَشْفِ، وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لِلْحِكْمَةِ فِعْلًا ثُلاثِيًّا وهو حَكَمَ، وأفْعَلُ مِنَ الثُّلاثِيِّ مَقِيسٌ، وأيْضًا سُمِعَ احْتَنَكَ الجَرادُ، وألْبَنَ، وأتْمَرَ، فَغايَتُهُ أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِ الثُّلاثِيِّ ولا يَخْفى ما فِيهِ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ عَلى هَذا بِأعْلَمِهِمْ بِالحِكْمَةِ كَقَوْلِهِمْ: آبَلَ مِن أبَلَ بِمَعْنى أعْلَمَ، وأحْذَقَ بِأمْرِ الإبِلِ، وأيًّا ما كانَ فَهَذا النِّداءُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْطُرُ مِنهُ الِاسْتِعْطافُ وجَمِيلُ التَّوَسُّلِ إلى مَن عَهِدَهُ مُنْعِمًا مُفْضِلًا في شَأْنِهِ أوَّلًا وآخِرًا وهو عَلى طَرِيقَةِ دُعاءِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ فَيَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ الغَرَقِ والواوُ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وقِيلَ: إنَّ النِّداءَ إنَّما كانَ بَعْدَهُ والمَقْصُودُ مِنهُ الِاسْتِفْسارُ عَنْ سَبَبِ عَدَمِ إنْجائِهِ مَعَ سَبْقِ وعْدِهِ تَعالى بِإنْجائِهِ أهْلَهُ وهو مِنهُمْ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي فإنك قد وعدتني أن تنجيهم من العذاب، وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ يعني: أنت الصَّادق في وعدك، وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ يعني: أعدل العادلين قالَ الله تعالى: يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ الذي وعدتك أن أنجيهم.

وروي عن الحسن أنه قال: «إنه تخلف، لأنه لم يكن ابن نوح» .

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: كنت عند الحسن قال: وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ فقال: لعمر الله ما هو ابنه، قلت: يا أبا سعيد، يقول الله تعالى: وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وأنت تقول: هو ليس بابنه؟

قال: أفرأيت قوله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ الذي وعدتك أن أنجيهم، ولا يختلف أهل الكتاب أنه ابنه.

قال: إنَّ أهل الكتاب يكذبون.

وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة: «أنه ابنه» ، غير أنه خالفه في العمل.

وقال بعض الحكماء: إن الابن إذا لم يفعل ما يفعل الأب انقطع عنه، والأمة إذا لم يفعلوا ما فعل نبيُّهم، أخاف أن ينقطعوا عنه.

ثمَّ قال: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ قرأ الكسائي: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح، بكسر الميم ونصب الراء وغير صالح بنصب الراء.

وروت أُمُّ سَلَمَةَ عن رسول الله  أنه كان يقرأ هكذا، ومعناه: إن ابنك عمِلَ عَمَلَ المشركين، ولم يعمل عمل المؤمنين.

وقرأ الباقون: عَمَلٌ غَيْرُ، بالتنوين والضم غَيْرُ صالِحٍ، بضمّ الراء، ومعناه: إنَّ سؤالك ودعاءك لابنك الكافر عَمَلٌ غير صالح، فَلا تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ يعني: بياناً.

وقرأ أهل الكوفة: فَلا تَسْئَلْنِ بتخفيف النون بغير ياء، لأن الكسر يقوم مقام الياء.

وروي عن أبي عبيدة أنه قال: رأيت في مصحف عثمان هكذا.

وقرأ أبو عمرو: فَلا تَسْئَلْنِي بإثبات الياء بغير تشديد، وهو الأصل في اللغة.

وقرأ ابن كثير: فَلا تَسْئَلْنِ بنصب النون والتشديد بغير ياء، ويكون معناه: التأكيد في النهي.

وقرأ ابن عامر، ونافع في رواية قالون: فَلا تَسْئَلْنِ بالكسر بغير ياء مع التشديد.

وقرأ نافع في رواية ورش: فَلا تَسْئَلْنِي بالياء مع التشديد.

ثم قال: إِنِّي أَعِظُكَ أي أنهاك أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ يعني: ممّن يترك أمري.

ويقال: من المكذبين بقدرة الله تعالى وقضائه قالَ نوح  : رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ، يعني: اعتصم وامتنع بك أَنْ أَسْئَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ يعني: احفظني بعد اليوم، لكيلا أسألك ما ليس به علم وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي يعني: إن لم تغفر لي، ولم ترحمني، أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ أي: أكن من المغبونين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فاعِلٍ على بابه، وقوله: إِلَّا مَنْ رَحِمَ: يريد: إِلا اللَّهَ الرَّاحِمَ، ف «مَنْ» كنايةٌ عن اللَّه، المعنى: لا عاصِمَ اليَوْم إِلا الذي رحمنا.

وقوله سبحانه: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ...

الآية: البَلْع: تجرُّع الشيء وازدراده، والإقلاع عن الشيء: تركه، وغِيضَ معناهُ: نَقَصَ، وأكْثَرُ ما يجيء فيما هو بمعنى الجُفُوف، وقوله: وَقُضِيَ الْأَمْرُ: إِشارة إِلى جميع القصَّة: بعثِ الماء، وإِهلاكِ الأُممِ، وإِنجاءِ أَهْلِ السفينة.

قال ع «١» : وتظاهرت الرواياتُ وكُتُبُ التفسير بأَنَّ الغرق نَالَ جميعَ أَهْلِ الأَرْضِ، وعَمَّ الماءُ جَمِيعَهَا قاله ابن عباس وغيره، وذلك بَيِّن من أمْرِ نوحٍ بحمل الأزواجِ مِنْ كلِّ الحيوانِ، ولولا خَوْفُ فنائها مِنْ جميعِ الأرضِ، ما كان ذلك، وروي أنَّ نوحاً عليه السلام رَكِبَ في السفينةِ مِنْ عَيْنِ الوَرْدَةِ بالشامِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، واستوت [السفينة] على الجودِيِّ في ذي الحِجَّة، وأقامَتْ عليه شهراً، وقيل له: اهْبِطْ في يوم عاشُورَاءَ، فصامه هو ومَنْ معه، وروي أنَّ اللَّه تعالى أَوحى إِلى الجبالِ أَنَّ السفينة تَرْسِي على واحد منها، فتطاوَلَتْ كلُّها، وبقي الجُودِيُّ، وهو جبلٌ بالمَوْصِل في ناحيةِ الجزيرةِ، لم يتطاوَلْ تواضعاً للَّه فاستوت السفينةُ بأمْر اللَّهِ عليه، وقال «٢» الزَّجَّاجُ: الجُودِيُّ: هو بناحية «آمد» ، وقال قوم: هو عند باقردي، وأكْثَرَ النَّاسُ في قصص هذه الآية، واللَّه أعلم بما صَحَّ من ذلك.

وقوله: وَقِيلَ بُعْداً: يحتمل أنْ يكون من قول اللَّه عزَّ وجلَّ عطفاً على قوله:

وَقِيلَ الأولِ، ويحتملُ أن يكون من قول نوحٍ والمؤمنين، والأول أظهر.

وقوله: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ...

الآية: احتجاج من نوحٍ عليه السلام أَنَّ الله أمره

بحَمْلِ أهله، وابنه من أهله، فينبغي أن يُحْمَلَ، فأظهر اللَّه له أنَّ المراد مَنْ آمَنَ من الأهْلِ، وهذه الآية تقتضي أن نوحاً عليه السلام ظَنَّ أنَّ ابنه مؤمنٌ/.

وقوله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي: الذين عَمَّهم الوعْد لأنه ليس على دينِك، وإِن كان ابنك بالولادة.

وقوله: عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ: جعله وصفاً له بالمصدر على جهة المبالغة في وصفه بذلك كما قالت الخَنْسَاءُ تصفُ ناقَةً ذَهَبَ عنْها ولَدُها: [البسيط]

تَرْتَعُ مَا رَتَعَتْ حَتَّى إِذَا ادكرت ...

فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُ «١»

أي: ذاتُ إِقبالٍ وإِدبارٍ ويبيِّن هذا قراءةُ الكسَائِيِّ «إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالحٍ» فعلاً ماضياً، ونصب «غير» على المفعول ل «عَمِلَ» ، وقولُ من قال: «إِن الولد كان لِغِيَّةٍ» خطأ محضٌ، وهذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ «٢» والجمهور قالوا: وأما قوله تعالى: فَخانَتاهُما [التحريم: ١٠] فإِن الواحدة كانَتْ تقول للناس: هو مجنونٌ، والأخرَى كانت تنبِّه على الأضيافِ، وأما خيانة غَيْرُ هذا، فلا ويَعْضُدُه المعنَى، لشرف النبوَّة، وجوَّز المَهْدَوِيُّ أَنْ يعود الضمير في «إِنَّهُ» على السؤال، أي: إِن سؤالك إِيَّايَ ما ليس لَكَ به علْم عملٌ غَيْرُ صالحٍ قاله النَّخَعِيُّ وغيره.

انتهى.

والأولُ أبينُ وعليه الجمهورُ، وبه صدّر المهدويّ، ومعنى قوله: فَلا تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي: إِذَا وَعَدتكَ، فاعلم يقيناً أَنه لا خُلْفَ في الوعد، فإِذا رأيتَ ولدك لم يُحْمَلْ، فكان الواجبُ عليك أنْ تقف، وتَعْلَم أَنَّ ذلك بحقٍّ واجبٍ عند اللَّه.

قال ع «٣» : ولكنَّ نوحاً عليه السلام حملته شفقةُ الأُبوَّة وسجيَّة البَشَر على التعرُّض لنفَحَاتِ الرحْمة، وعَلَى هذا القَدْر وقَع عتابُهُ ولذلك جاء بتلطُّف وترفيع في قوله سبحانه: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ، ويحتمل قوله: فَلا تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي: لا تطلُبْ منِّي أمراً لا تعلم المصلحة فيه عِلْمَ يقينٍ، ونحا إِلى هذا أبو عليٍّ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ﴾ وقَفَ قَوْمٌ عَلى ظاهِرِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّما ابْتَلَعَتْ ما نَبَعَ مِنها، ولَمْ تَبْتَلِعْ ماءَ السَّماءِ، فَصارَ ذَلِكَ بِحارًا وأنْهارًا، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ المُرادَ: ابْلَعِي ماءَكِ الَّذِي عَلَيْكِ، وهو ما نَبَعَ مِنَ الأرْضِ ونَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ غَرِقَ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيا سَماءُ أقْلِعِي ﴾ أيْ: أمْسِكِي عَنْ إنْزالِ الماءِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الماءِ، عَلِمَ أنَّ المَعْنى: أقِلْعِي عَنْ إنْزالِ الماءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَغِيضَ الماءُ ﴾ أيْ: نَقَصَ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ غاضَ الماءُ يَغِيضُ: إذا غابَ في الأرْضِ.

ويَجُوزُ إشْمامُ الضَّمِّ في الغَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُضِيَ الأمْرُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَرِقَ مَن غَرِقَ، ونَجا مَن نَجا.

وقالَ مُجاهِدٌ: قُضِيَ الأمْرُ: هَلاكُ قَوْمِ نُوحٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " وقُضِيَ الأمْرُ " أيْ: فُرِغَ مِنهُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: أُحْكِمَتْ هَلَكَةُ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمّا دَلَّتِ القِصَّةُ عَلى ما يُبَيِّنُ هَلَكَتَهم، أغْنى عَنْ نَعْتِ الأمْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْتَوَتْ ﴾ يَعْنِي السَّفِينَةَ ﴿ عَلى الجُودِيِّ ﴾ وهو اسْمُ جَبَلٍ.

وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " عَلى الجُودِي " بِسُكُونِ الياءِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وتَشْدِيدُ الياءِ في " الجُودِيِّ " لِأنَّها ياءُ النِّسْبَةِ، فَهي كالياءِ في عَلَوِيٍّ، وهاشِمِيٍّ.

وقَدْ خَفَّفَها بَعْضُ القُرّاءِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُخَفِّفُ ياءَ النِّسْبَةِ، فَيُسْكِنُها في الرَّفْعِ، والخَفْضِ، ويَفْتَحُها في النَّصْبِ، فَيَقُولُ: قامَ زَيْدٌ العَلَوِي، ورَأيْت زَيْدًا العَلَوِيَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: دارَتِ السَّفِينَةُ بِالبَيْتِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ وجَّهَها اللَّهُ إلى الجُودِيِّ فاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ.

واخْتَلَفُوا أيْنَ هَذا الجَبَلُ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ بِالمَوْصِلِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: بِالجَزِيرَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هو بِالجَزِيرَةِ قَرِيبٌ مِنَ المَوْصِلِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ بِناحِيَة آمِدٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَفِي عِلَّة اسْتِوائِها عَلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَغْرَقْ، لِأنَّ الجِبالَ تَشامَخَتْ يَوْمَئِذٍ وتَطاوَلَتْ، وتَواضَعَ هو فَلَمْ يَغْرَقُ، فَأرْسَتْ عَلَيْهِ، قالَهُمُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا قَلَّ الماءُ أرْسَتْ عَلَيْهِ، فَكانَ اسْتِواؤُها عَلَيْهِ دَلالَةً عَلى قِلَّةِ الماءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بُعْدًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ لِلْقَوْمِ الكافِرِينَ.

فَإنْ قِيلَ: ما ذَنْبُ مَن أُغْرِقَ مِنَ البَهائِمِ والأطْفالِ ؟

فالجَوابُ: أنَّ آجالَهم حَضَرَتْ، فَأُمِيتُوا بِالغَرَقِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي ﴾ إنَّما قالَ نُوحٌ هَذا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ نَجاةَ أهْلِهِ، فَقالَ: ﴿ وَإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْدَلُ العادِلِينَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ بِالحَقِّ.

واخْتَلَفُوا في هَذا الَّذِي سَألَ فِيهِ نُوحٌ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ابْنُ نُوحٍ لِصُلْبِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ وُلِدَ عَلى فِراشِهِ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ ولَمْ يَكُنِ ابْنَهُ.

رَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ بِإسْنادِهِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَكُنِ ابْنَهُ، إنَّ امْرَأتَهُ فَجَرَتْ.

وعَنْ الشَّعْبِيِّ قالَ: لَمْ يَكُنِ ابْنَهُ، إنَّ امْرَأتَهُ خانَتْهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ نَحْوُ ذَلِكَ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ناداهُ نُوحٌ وهو يَحْسَبُ أنَّهُ ابْنُهُ، وكانَ وُلِدَ عَلى فِراشِهِ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، يَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَيْسَ مِن أهْلِ دِينِكَ.

والثّانِي: لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِينَ وعَدْتُكَ نَجاتَهم.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما بَغَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، وإنَّما المَعْنى: لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِينَ وعَدْتُكَ نَجاتَهم.

وعَلى القَوْلِ الآخَرِ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ، والأوَّلُ أصَحُّ، لِمُوافَقَتِهِ ظاهِرَ القُرْآنِ، ولِاجْتِماعِ الأكْثَرِينَ عَلَيْهِ، وهو أوْلى مِن رَمْيِ زَوْجَةِ نَبِيٍّ بِفاحِشَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿ إنَّهُ عَمَلٌ ﴾ رَفْعٌ مُنَوَّنٌ ﴿ غَيْرُ صالِحٍ ﴾ بِرَفْعِ الرّاءِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى السُّؤالِ فِيهِ، فالمَعْنى: سُؤْلُكَ إيّايَ فِيهِ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وهَذا ظاهِرٌ، لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ السُّؤالُ فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي ﴾ فَرَجَعَتِ الكِنايَةُ إلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى المَسْؤُولِ فِيهِ.

وَفِي هَذا المَعْنى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: إنَّهُ ذُو عَمَلٍ غَيْرِ صالِحٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن قالَ: هو لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، قالَ: المَعْنى: إنَّ أصْلَ ابْنِكَ الَّذِي تَظُنُّ أنَّهُ ابْنُكَ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ.

ومَن قالَ: إنَّهُ ذُو عَمَلٍ غَيْرِ صالِحٍ، قالَ: حَذَفَ المُضافَ، وأقامَ العَمَلَ مَقامَهُ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: عَبْدُ اللَّهِ إقْبالٌ وإدْبارٌ، أيْ: صاحِبُ إقْبالٍ وإدْبارٍ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ: " عَمِلَ " بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ " غَيْرَ صالِحٍ " بِفَتْحِ الرّاءِ، يُشِيرُ إلى أنَّهُ مُشْرِكٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " فَلا تَسْألَنَّ " بِفَتْحِ اللّامِ، وتَشْدِيدِ النُّونِ، غَيْرَ أنْ نافِعًا، وابْنَ عامِرٍ، كَسَرا النُّونَ، وفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وحَذَفُوا الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ النُّونِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو، وَأبا جَعْفَرٍ، أثْبَتا الياءَ في الوَصْلِ، وحَذَفاها في الوَقْفِ، ووَقَفَ عَلَيْها يَعْقُوبُ بِالياءِ، والباقُونَ يَحْذِفُونَها في الحالَيْنِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن كَسَرَ النُّونَ، فَقَدْ عَدّى السُّؤالَ إلى مَفْعُولَيْنِ، أحَدُهُما: اسْمُ المُتَكَلِّمِ، والآخَرُ: الِاسْمُ المَوْصُولُ، وحُذِفَتِ النُّونُ المُتَّصِلَةُ بِياءِ المُتَكَلِّمِ لِاجْتِماعِ النُّوناتِ.

وأمّا إثْباتُ الياءِ في الوَصْلِ فَهو الأصْلُ، وحَذْفُها أخَفُّ، والكَسْرَةُ تَدُلُّ عَلَيْها، وتُعْلِمُ أنَّ المَفْعُولَ مُرادٌ في المَعْنى.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ، ولَيْسَ مِنهُ.

والثّانِي: في إدْخالِهِ إيّاهُ في جُمْلَةِ أهْلِهِ الَّذِينَ وعَدَهُ نَجاتَهم.

والثّالِثُ: سُؤالُهُ في إنْجاءِ كافِرٍ مِنَ العَذابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ في سُؤالِكَ مَن لَيْسَ مِن حِزْبِكَ.

والثّانِي: مِنَ الجاهِلِينَ بِوَعْدِي، لِأنِّي وعَدْتُ بِإنْجاءِ المُؤْمِنِينَ.

والثّالِثُ: مِنَ الجاهِلِينَ بِنَسَبِكَ، لِأنَّهُ لَيْسَ مَن أهْلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ ﴾ ﴿ قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِن الجاهِلِينَ ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها دُونَ تَرْتِيبٍ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ كانَتْ في أوَّلِ ما رَكِبَ نُوحٌ في السَفِينَةِ ويَظْهَرُ مِن كَلامِ الطَبَرِيِّ أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ غَرَقِ الِابْنِ، وهو مُحْتَمَلٌ، والأوَّلُ ألْيَقُ.

وهَذِهِ الآيَةُ احْتِجاجٌ مَن نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ أمَرَهُ بِحَمْلِ أهْلِهِ، وابْنُهُ مِن أهْلِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ، فَأظْهَرَ اللهُ لَهُ أنَّ المُرادَ مَن آمَنَ مِنَ الأهْلِ، ثُمَّ حَسَّنَ المُخاطَبَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ ﴾ ، وبِقَوْلِهِ: ﴿ وَأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ ﴾ ، فَإنَّ هَذِهِ الأقْوالَ مُعِينَةٌ في حُجَّتِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ ظَنَّ أنَّ ابْنَهُ مُؤْمِنٌ، وذَلِكَ أشَدُّ الِاحْتِمالَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ يا نُوحُ ﴾ الآيَةَ، المَعْنى: قالَ اللهُ تَعالى: يا نُوحُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ ﴾ : لَيْسَ بِوَلَدٍ لَكَ، وزَعَمَتْ أنَّهُ كانَ لِغَيَّةٍ وأنَّ امْرَأتَهُ الكافِرَةَ خانَتْهُ فِيهِ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ وعَبِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ: وقالَ ابْنُ أبْزى إنَّما قَضى رَسُولُ اللهِ  بِالوَلَدِ لِلْفِراشِ مِن أجْلِ ابْنِ نُوحٍ، وحَلَفَ الحَسَنُ أنَّهُ لَيْسَ بِابْنِهِ، وحَلَفَ عِكْرِمَةُ والضَحّاكُ أنَّهُ ابْنُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَوَّلَ الحَسَنُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ ﴾ ، وعَوَّلَ الضَحّاكُ وعِكْرِمَةُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ  ﴾ .

وقَرَأ الحَسَنُ ومَن تَأوَّلَ تَأْوِيلَهُ: "إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ" -عَلى هَذا- المَعْنى، وهي قِراءَةُ السَبْعَةِ سِوى الكِسائِيِّ، وقِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ، وقالَ مَن خالَفَ الحَسَنَ بْنَ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِينَ عَمَّهُمُ الوَعْدُ لِأنَّهُ لَيْسَ عَلى دِينِكَ وإنْ كانَ ابْنَكَ بِالوَلاءِ.

فَمَن قَرَأ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ: "إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ" جَعْلَهُ وصَفًّا لَهُ بِالمَصْدَرِ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، فَوَصَفَهُ بِذَلِكَ كَما قالَتِ الخَنْساءُ تَصِفُ ناقَةً ذَهَبَ عنها ولَدُها: تَرْتَعُ ما غَفَلَتْ حَتّى إذا ادَّكَرَتْ ∗∗∗ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ أيْ" ذاتُ إقْبالٍ وإدْبارٍ.

وقَرَأ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: "إنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صالِحٍ"، وهي قِراءَةُ الكِسائِيِّ، ورَوَتْ هَذِهِ القِراءَةَ أمُّ سَلَمَةَ وعائِشَةَ عن رَسُولِ اللهِ  ، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ وطَعَنَ في الحَدِيثِ بِأنَّهُ مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وعائِشَةَ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ وقَرَأ بَعْضُهُمْ: "إنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ".

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ" عَلى قِراءَةِ جُمْهُورِ السَبْعَةِ عَلى سُؤالِ نُوحٍ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ وقَدْ فَسَّرَهُ آخِرُ الآيَةِ ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أنْ تَسْألَنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ".

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى رُكُوبِ ولَدِ نُوحٍ مَعَهُمُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ سُؤالُ نُوحٍ، المَعْنى: أنَّ رُكُوبَ الكافِرِ مَعَ المُؤْمِنِينَ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ أنَّ كَوْنَكَ مَعَ الكافِرِينَ وتَرْكَكَ الرُكُوبَ مَعَنا عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَأْوِيلٌ لا يَتَّجِهُ مِن جِهَةِ المَعْنى.

وكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ قالَ: إنَّ القَوْلَ بِأنَّ الوَلَدَ كانَ لِغَيَّةٍ ووَلَدَ فَراشٍ خَطَأٌ مَحْضٌ وقالُوا: إنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  « "أنَّهُ ما زَنَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ"».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الحَدِيثُ لَيْسَ بِالمَعْرُوفِ، وإنَّما هو مِن كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَضِيَ اللهُ عنهُ ويُعَضِّدُهُ شَرَفُ النُبُوَّةِ.

وقالُوا في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَخانَتاهُما  ﴾ إنَّ الواحِدَةَ كانَتْ تَقُولُ لِلنّاسِ: هو مَجْنُونٌ والأُخْرى كانَتْ تُنَبِّهُ عَلى الأضْيافِ، وأمّا غَيْرُ هَذا فَلا، وهَذِهِ مَنازِعُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وحُجَجُهُ وهو قَوْلُهُ: وقَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ الناسِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي مَلِيكَةَ: "فَلا تَسَلْنِي" بِتَخْفِيفِ النُونِ وإثْباتِ الياءِ وسُكُونِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَخْفِيفِ النُونِ وإسْقاطِ الياءِ وبِالهَمْزِ "فَلا تَسْألْنِ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِكَسْرِ النُونِ وشَدِّها والهَمْزِ وإثْباتِ الياءِ "فَلا تَسْألَنِّي"، وقَرَأ نافِعٌ ذَلِكَ دُونَ ياءٍ "فَلا تَسْألْنِّ" وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ "فَلا تَسْألَنَّ" بِفَتْحِ النُونِ المُشَدَّدَةِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ "فَلا تَسَلْنِ" خَفِيفَةَ النُونِ ساكِنَةَ اللامِ، وكانَ أبُو عَمْرٍو يُثْبِتُ الياءَ في الوَصْلِ، وحَذَفَها عاصِمٌ وحَمْزَةُ في الوَصْلِ والوَقْفِ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ أيْ إذْ وعَدْتُكَ فاعْلَمْ يَقِينًا أنَّهُ لا خُلْفَ في الوَعْدِ فَإذْ رَأيْتَ ولَدَكَ لَمْ يُحْمَلْ فَكانَ الواجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَقِفَ وتَعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ واجِبٌ بِحَقٍّ عِنْدَ اللهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَكِنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ حَمَلَتْهُ شَفَقَةُ النُبُوَّةِ وسَجِيَّةُ البَشَرِ عَلى التَعَرُّضِ لِنَفَحاتِ الرَحْمَةِ والتَذْكِيرِ، وعَلى هَذا القَدْرِ وقَعَ عِتابُهُ، ولِذَلِكَ جاءَ بِتَلَطُّفٍ وتَرْفِيعٍ في قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ ، وقَدْ قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُحَمَّدٍ  : ( فَلا تَكُونَنَّ )، وذَلِكَ هُنا بِحَسَبِ الأمْرِ الَّذِي عُوتِبَ فِيهِ وعَظَمَتِهِ، فَإنَّهُ لِضِيقِ صَدْرِهِ بِتَكالِيفِ النُبُوَّةِ، وإلّا فَمُتَقَرِّرٌ أنَّ مُحَمَّدًا  أفْضَلُ البَشَرِ وأولاهم بِلِينِ المُخاطَبَةِ، ولَكِنَّ هَذا بِحَسَبِ الأمْرَيْنِ لا بِحَسَبِ النَبِيِّينَ.

وقالَ قَوْمٌ: إنَّما وُقِّرَ نُوحٌ لِسِنِّهِ.

وقالَ قَوْمٌ: إنَّما حَمَلَ اللَفْظُ عَلى مُحَمَّدٍ  كَما يَحْمِلُ الإنْسانُ عَلى المُخْتَصِّ بِهِ الحَبِيبِ إلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ.

ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ ، أيْ: لا تَطْلُبْ مِنِّي أمْرًا لا تَعْلَمُ المَصْلَحَةَ فِيهِ عِلْمَ يَقِينٍ، ونَحا إلى هَذا أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ: إنَّ "بِهِ" يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِلَفْظَةِ "عِلْمٌ" كَما قالَ الشاعِرُ: كانَ جَزائِي بِالعَصا أنْ أُجْلَدا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِهِ بِمَنزِلَةِ فِيهِ، فَتَتَعَلَّقُ الباءُ بِالمُسْتَقِرِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واخْتِلافُ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ إنَّما هو لَفْظِيٌّ، والمَعْنى في الآيَةِ واحِدٌ، ورُوِيَ أنَّ هَذا الِابْنَ إنَّما كانَ رَبِيبَهُ وهَذا ضَعِيفٌ وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ في أنْ تَعْتَقِدَ أنِّي لا أفِي لَكَ بِوَعْدٍ وعَدْتُكَ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَأْوِيلٌ بَشِعٌ، ولَيْسَ في الألْفاظِ ما يَقْتَضِي أنَّ نُوحًا اعْتَقَدَ هَذا وعِياذًا بِاللهِ، وغايَةُ ما وقَعَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ رَأى تَرْكَ ابْنِهِ مُعارِضًا لِلْوَعْدِ فَذَكَّرَ بِهِ، ودَعا بِحَسَبِ الشَفَقَةِ لِيَكْشِفَ لَهُ الوَجْهَ الَّذِي اسْتَوْجَبَ بِهِ ابْنُهُ التَرْكَ في الغَرْقى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

موقع الآية يقتضي أنّ نداء نوح عليه السّلام هذا كان بعد استواء السفينة على الجوديّ نداءً دَعاه إليه داعي الشفقة فأراد به نفع ابنه في الآخرة بعد اليأس من نجاته في الدّنيا، لأنّ الله أعلمه أنّه لا نجاة إلاّ للّذين يركبون السّفينة، ولأنّ نوحاً عليه السّلام لمّا دعا ابنه إلى ركوب السّفينة فأبى وجرت السفينة قد علم أنّه لا وسيلة إلى نجاته فكيف يسألها من الله فتعيّن أنّه سأل له المغفرة، ويدلّ لذلك قوله تعالى: ﴿ فلا تسألنّي ما ليس لك به علم ﴾ كما سيأتي.

ويجوز أن يكون دعاء نوح عليه السّلام هذا وقع قبل غرق النّاس، أي نادى ربّه أن ينجي ابنه من الغرق.

ويجوز أن يكون بعد غرق من غرقوا، أي نادى ربّه أن يغفر لابنه وأن لا يعامله معاملة الكافرين في الآخرة.

والنّداء هنا نداء دعاء فكأنّه قيل: ودعا نوح ربّه، لأنّ الدعاء يصدّر بالنّداء غالباً، والتّعبير عن الجلالة بوصف الربّ مضافاً إلى نوح عليه السلام تشريف لنوح وإيماء إلى رأفة الله به وأن نهيه الوارد بعده نهيُ عتاب.

وجملة ﴿ فقال ربّ إنّ ابني من أهلي ﴾ بيان للنّداء، ومقتضى الظّاهر أنْ لا تعطف بفاء التفريع كما لم يعطف البيان في قوله تعالى: ﴿ إذْ نادى ربّه نداءً خفيّاً قال ربّ إنّي وهن العظم مني ﴾ [مريم: 3، 4]، وخولف ذلك هنا.

ووجّه في «الكشاف» اقترانه بالفاء بأنّ فعل ﴿ نادى ﴾ مستعمل في إرادة النداء، أي مثل فعل (قمتم) في قوله تعالى: ﴿ يأيهَا الّذينَ آمنوا إذَا قمْتم إلى الصّلاة فَاغْسلوا وجوهكم ﴾ [المائدة: 6] الآية، يريد أن ذلك إخراج للكلام على خلاف مقتضى الظاهر فإنّ وجود الفاء في الجملة التي هي بيان للنداء قرينة على أن فعل ﴿ نادى ﴾ مستعار لمعنى إرادة النداء، أي أراد نداءَ ربه فأعقب إرادته بإصدار النداء، وهذا إشارة إلى أنه أراد النداء فتردّد في الإقدام عليه لِما علم من قوله تعالى: ﴿ إلا من سبق عليه القول ﴾ [هود: 40] فلم يطل تردّده لمّا غلبته الشفقة على ابنه فأقدم على نداء ربه، ولذلك قدم الاعتذار بقوله: ﴿ إنّ ابني من أهلي ﴾ .

فقوله: ﴿ إن ابني من أهلي ﴾ خبر مستعمل في الاعتذار والتمهيد لأنّه يريد أن يسأل سؤالاً لا يدري قبوله ولكنّه اقتحمه لأن المسؤول له من أهله فله عذر الشفقة عليه.

وتأكيد الخبر ب ﴿ إنّ ﴾ للاهتمام به.

وكذلك جملة ﴿ وإنّ وعدك الحق ﴾ خبر مستعمل في لازم الفائدة.

وهو أنّه يعلم أن وعد الله حق.

والمراد بالوعد ما في قوله تعالى: ﴿ إلاّ من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ﴾ [المؤمنون: 37] إذ أفاد ذلك أن بعض أهله قد سبق من الله تقدير بأنّه لا يركب السفينة.

وهذا الموصول متعيّن لكونه صادقاً على ابنه إذ ليس غيره من أهله طَلب منه ركوب السفينة وأبى، وأنّ من سبق علم الله بأنه لا يركب السفينة من الناس فهو ظالم، أي كافر، وأنه مغرق، فكان عدم ركوبه السفينة وغرقه أمارة أنه كافر.

فالمعنى: أن نوحاً عليه السّلام لا يجهل أنّ ابنه كافر، ولذلك فسؤال المغفرة له عن علم بأنه كافر، ولكنّه يطمع لعل الله أن يعفو عنه لأجل قرابته به، فسؤاله له المغفرة بمنزلة الشفاعة له عند الله تعالى، وذلك أخذ بأقصى دواعي الشفقة والرحمة بابنه.

وقرينة ذلك كله قوله: ﴿ وأنت أحكم الحاكمين ﴾ المفيد أنه لا رادّ لما حكم به وقضاه، وأنه لا دالة عليه لأحد من خلقه، ولكنه مقام تضرّع وسؤال ما ليس بمحال.

وقد كان نوح عليه السّلام غيرَ منهيّ عن ذلك، ولم يكن تقرر في شرعه العلم بعدم المغفرة للكافرين، فكان حال نوح عليه السّلام كحال النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لأبي طالب «لأستغفرنّ لك ما لم أُنْهَ عنك» قَبل أن ينزل قوله تعالى: ﴿ ما كان للنبيء والذين آمنوا أن يسْتغَفروا للمشركين ﴾ [التوبة: 113] الآية.

والاقتصار على هذه الجمل الثلاث في مقام الدعاء تعريض بالمطلوب لأنه لم يذكره، وذلك ضرب من ضروب التأدب والتردد في الإقدام على المسؤول استغناء بعلم المسؤول كأنّه يقول: أسألك أم أترك، كقول أميّة بن أبي الصلت: أأذكر حَاجتي أم قد كفاني *** حَياؤك أن شيمتك الحياء ومعنى ﴿ أحكم الحاكمين ﴾ أشدهم حكْماً.

واسم التفضيل يتعلق بماهية الفعل، فيفيد أن حكمه لا يجورُ وأنّه لا يبطله أحد.

ومعنى قوله تعالى: ﴿ إنّه ليس من أهلك ﴾ نفي أن يكون من أهل دينه واعتقاده، فليس ذلك إبطالاً لقول نوح عليه السّلام: ﴿ إن ابني من أهلي ﴾ ولكنّه إعلام بأنّ قرابة الدين بالنسبة لأهل الإيمان هي القرابة، وهذا المعنى شائع في الاستعمال.

قال النابغة يخاطب عيينة بن حصن: إذا حاولت في أسد فجوراً *** فإني لست منك ولست منّي وقال تعالى: ﴿ ويحلفون بالله إنّهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قومٌ يفرقون ﴾ [التوبة: 56].

وتأكيد الخبر لتحقيقه لِغرابته.

وجملة ﴿ إنّه عَمل غير صالح ﴾ تعليل لمضمون جملة ﴿ إنه ليس من أهلك ﴾ ف (إنّ) فيه لمجرد الاهتمام.

و ﴿ عَمَلٌ ﴾ في قراءة الجمهور بفتح الميم وتنوين اللام مصدر أخبر به للمبالغة وبرفع ﴿ غيرُ ﴾ على أنه صفة (عمل).

وقرأه الكسائي، ويعقوب ﴿ عَمِلَ ﴾ بكسر الميم بصيغة الماضي وبنصب ﴿ غيرَ ﴾ على المفعولية لفعل (عمل).

ومعنى العمل غير الصالح الكفر، وأطلق على الكفر (عمل) لأنه عمل القلب، ولأنّه يظهر أثره في عمل صاحبه كامتناع ابن نوح من الركوب الدال على تكذيبه بوعيد الطوفان.

وتفرع على ذلك نهيه أن يَسأل ما ليس له به علم نهيَ عتاب، لأنّه لما قيل له ﴿ إنّه ليس من أهلك ﴾ بسبب تعليله بأنه عمل غير صالح، سقط ما مهد به لإجابة سؤاله، فكان حقيقاً بأن لا يسأله وأن يتدبّر ما أرَاد أن يسأله من الله.

وقرأه نافع، وابن عامر، وأبو جعفر «فلا تسألنّي» بتشديد النون وهي نون التوكيد الخفيفة ونون الوقاية أدغمتا.

وأثبتَ ياء المتكلم من عدا ابنَ كثير من هؤلاء.

أما ابن كثير فقرأ «فلا تسألنّ» بنون مشددة مفتوحة.

وقرأه أبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف «فلا تسألْنِ» بسكون اللام وكسر النون مخففة على أنّه غير مؤكد بنون التوكيد ومعدى إلى ياء المتكلم.

وأكثرهم حذف الياء في حالة الوصل، وأثبتها في الوصل ورش عن نافع وأبو عمرو.

ثم إن كان نوح عليه السّلام لم يسبق له وحي من الله بأن الله لا يغفر للمشركين في الآخرة كان نهيه عن أن يسأل ما ليس له به علم، نهيَ تنزيه لأمثاله لأن درجة النبوءة تقتضي أن لا يقدم على سؤال ربه سؤْلاً لا يعلم إجابته.

وهذا كقوله تعالى: ﴿ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ﴾ [سبأ: 23] وقوله: ﴿ لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً ﴾ [النبإ: 38]، وإن كان قد أوحي إليه بذلك من قبل، كما دل عليه قوله: ﴿ وإنّ وعدكَ الحقُ ﴾ ، وكان سؤاله المغفرة لابنه طلباً تخصيصَه من العموم.

وكان نهيه نهيَ لَوم وعتاب حيث لم يتبيّن من ربه جواز ذلك.

وكان قوله: ﴿ ما ليس لك به علم ﴾ محتملاً لظاهره، ومحتملاً لأن يكون كناية عن العلم بضده، أي فلا تسألني ما علمت أنه لا يقع.

ثم إن كان قول نوح عليه السّلام ﴿ إنّ ابني من أهلي ﴾ إلى آخره تعريضاً بالمسؤول كان النّهي في قوله: ﴿ فلا تسألنّي ما ليس لك به علم ﴾ نهياً عن الإلحاح أو العود إلى سؤاله؛ وإن كان قول نوح عليه السّلام مجرد تمهيد للسؤال لاختبار حال إقبال الله على سؤاله كان قوله تعالى: ﴿ فلا تسألنّي ﴾ نهياً عن الإفضاء بالسؤال الذي مَهّد له بكلامه.

والمقصود من النهي تنزيهه عن تَعريض سؤاله للردّ.

وعلى كل الوجوه فقوله: ﴿ إني أعظك أن تكون من الجاهلية ﴾ موعظة على ترك التثبّت قبل الإقدام.

والجهل فيه ضد العلم، وهو المناسب لمقابلته بقوله: ﴿ ما ليس لك به علم ﴾ .

فأجاب نوح عليه السّلام كلام ربّه بما يدل على التنصّل ممّا سأل فاستعاذ أن يسأل ما ليس له به علم، فإن كان نوح عليه السّلام أراد بكلامه الأول التعريض بالسؤال فهو أمر قد وقع فالاستعاذة تتعلق بتبعة ذلك أو بالعود إلى مثله في المستقبل؛ وإن كان إنّما أراد التمهيد للسؤال فالاستعاذة ظاهرة، أي الانكفاف عن الإفضاء بالسؤال.

وقوله: ﴿ وإلاّ تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ﴾ طلب المغفرة ابتداء لأن التخلية مقدمة على التحلية ثم أعقبها بطلب الرحمة لأنّه إذا كان بمحل الرضى من الله كان أهلاً للرحمة.

وقد سلك المفسرون في تفسيرهم هذه الآيات مسلك كون سؤال نوح عليه السّلام سؤالاً لإنجاء ابنه من الغرق فاعترضتهم سبل وَعْرة متنائية، ولقوا عناء في الاتصال بينها، والآية بمعزل عنها، ولعلنا سلكنا الجادة في تفسيرها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي ﴾ وإنَّما قالَ ﴿ مِن أهْلِي ﴾ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ أنْ يُنْجِيَ أهْلَهُ مَعَهُ.

﴿ وَإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما الَّذِي يَحِقُّ فَلا يُخْلِفُ.

الثّانِي: الَّذِي يَلْزَمُ كَلُزُومِ الحَقِّ.

﴿ وَأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ ﴾ يَعْنِي بِالحَقِّ: فاحْتَمَلَ هَذا مِن نُوحٍ أحَدَ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِغَرَقِ ابْنِهِ فَسَألَ اللَّهَ تَعالى لَهُ النَّجاةَ، وإمّا أنْ يَكُونَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِغَرَقِهِ فَسَألَ اللَّهَ تَعالى لَهُ الرَّحْمَةَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ وُلِدَ عَلى فِراشِهِ ولَمْ يَكُنِ ابْنُهُ وكانَ لِغَيْرِهِ رِشْدَةً، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ ابْنُ امْرَأتِهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ ابْنُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما بَغَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ.

وَقِيلَ إنَّ اسْمَهُ كانَ كَنْعانَ، وقِيلَ بَلْ كانَ اسْمُهُ يامَ.

قالَ الحَسَنُ: وكانَ مُنافِقًا ولِذَلِكَ اسْتَعْجَلَ نُوحٌ أنْ يُنادِيَهُ فَعَلى هَذا يَكُونُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَيْسَ مِن أهْلِ دِينِكَ ووِلايَتِكَ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

الثّانِي: لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِينَ وعَدْتُكَ أنْ أُنْجِيَهم مَعَكَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

﴿ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ مَسْألَتَكَ إيّايَ أنْ أُنْجِيَهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، قالَهُ قَتادَةُ وإبْراهِيمُ وهو تَأْوِيلُ مَن قَرَأ ﴿ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ﴾ بِالتَّنْوِينِ.

والثّانِي: مَعْناهُ أنَّ ابْنَكَ الَّذِي سَألْتَنِي أنْ أُنْجِيَهُ هو عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، أيْ أنَّهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهو تَأْوِيلُ مَن لَمْ يُنَوِّنْ.

﴿ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فِيما نَسَبْتَهُ إلى نَفْسِكَ ولَيْسَ مِنكَ.

الثّانِي: في دُخُولِهِ في جُمْلَةِ مَن وعَدْتُكَ بِإنْجائِهِمْ مِن أهْلِكَ ولَيْسَ مِنهم.

﴿ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِنَ الجاهِلِينَ بِنَسَبِكَ.

الثّانِي: مِنَ الجاهِلِينَ بِوَعْدِي لَكَ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي أعِظُكَ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ إنِّي رافِعُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ.

الثّانِي: مَعْناهُ أنِّي أُحَذِّرُكَ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا ﴾ أيْ يُحَذِّرُكم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: ﴿ ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي ﴾ وإنك قد وعدتني أن تنجي لي أهلي وان ابني من أهلي.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما بغت امرأة نبي قط، وقوله: ﴿ إنه ليس من أهلك ﴾ يقول: إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ﴾ ، اختلف المفسرون في قوله: ﴿ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ﴾ ؛ فقال عكرمة عن ابن عباس (١) (٢) (٣) (٤) وروى ابن عيينة عن عمار الدهني قال: قلت لسعيد بن جبير كان ابنه؟

فقال: يا بني إن الله لا يكذب (٥) ﴿ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ ﴾ ، وذهب طائفة إلى أن هذا الذي خالف نوحًا كان ابن امرأته، ولم يكن ابن صلبه (٦) روي عن علي  أنه قرأ (٧) (٨) ﴿ إِنَّ ابْنِي ﴾ قال: هذا بلغة طيء لم يكن ابنه، إنما كان ابن امرأته.

[ونحو ذلك قال الهيثم بن عدي الطائي (٩) (١٠) (١١) وقال قتادة (١٢) ﴿ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ﴾ وأنت تقول لم يكن ابنه] (١٣) (١٤) ﴿ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ﴾ ، ولم يقل مني (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ ﴾ ، قال ابن عباس (١٦) ﴿ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ﴾ قال ابن عباس (١٧) (١) الطبري 12/ 51، الثعلبي 7/ 45 أ، ورجحه البغوي 181، "زاد المسير" 4/ 113، القرطبي 9/ 45 ورجحه.

وابن كثير 2/ 489 ورجحه وعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2039، وسعيد بن منصور كما في "الدر" 3/ 603.

(٢) "الوسيط" 2/ 575، "البداية والنهاية" 1/ 113.

(٣) "الوسيط" 2/ 575.

(٤) "تفسير مقاتل" 146 أ.

(٥) "تفسير سفيان بن عيينة" 268.

(٦) الطبري 12/ 49، الثعلبي 7/ 45 أ، البغوي 4/ 181، "زاد المسير" 4/ 113.

(٧) أخرجه ابن الأنباري في "المصاحف" وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 603.

(٨) الطبري 12/ 50، والرواية عن أبي جعفر الباقر، الثعلبي 7/ 44 ب، البغوي == 4/ 181، ابن كثير 2/ 490، وابن المنذر، وابن أبي حاتم 6/ 2039، وأبو الشيخ عن أبي جعفر محمد بن علي كما في "الدر" 3/ 603.

(٩) هو: الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الطائي، الكوفي المؤرخ، قال ابن معين وأبو داود: كذاب، قال البخاري: سكتوا عنه، والنسائي: متروك الحديث، توفي سنة 207 هـ.

انظر: "سير أعلام النبلاء" 10/ 103، "الجرح والتعديل" 9/ 85.

(١٠) الطبري 12/ 50، الثعلبي 7/ 44 ب، البغوي 4/ 181، "زاد المسير" 4/ 113.

(١١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٢) الطبري 12/ 50، الثعلبي 7/ 44 ب، البغوي 4/ 181، "زاد المسير" 4/ 113.

(١٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).

(١٤) ساقط من (ي).

(١٥) البغوي 4/ 181، الثعلبي 7/ 44 ب.

(١٦) ابن كثير 2/ 490.

(١٧) "زاد المسير" 4/ 113.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ابلعي مَآءَكِ ﴾ عبارة عن جفوف الأرض من الماء ﴿ أَقْلِعِي ﴾ أي أمسكي عن المطر ورُوي أنها أمطرت من كل موضع منها ﴿ وَغِيضَ المآء ﴾ أي نقص ﴿ وَقُضِيَ الأمر ﴾ أي تمّ وكمل ﴿ واستوت عَلَى الجودي ﴾ أي استقرت السفينة على الجودي وهو جبل بالموصل ﴿ وَقِيلَ بُعْداً ﴾ أي هلاكاً، وانتصب على المصدر ﴿ وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ ﴾ يحتمل أن يكون هذا النداء قبل الغرق، فيكون العطف من غير ترتيب، أو يكون بعده ﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي ﴾ أي: وقد وعدتني أن تنجي أهلي ﴿ قَالَ يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ أي ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم لأنه كافر، ولقوله: ونادى نوح ابنه ﴿ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح ﴾ فيه ثلاث تأويلات على قراءة الجمهور: أحدها: أن يكون الضمير في إنه لسؤال نوح نجاة ابنه، والثاني: أن يكون الضمير لابن نوح وحذف المضاف من الكلام تقديره: إنه ذو عمل غير صالح، والثالث: ان يكون الضمير لابن نوح، وعمل: مصدر وصف به مبالغة كقولك: رجل صوم، وقرأ الكسائي ﴿ عمل ﴾ بفعل ماض ﴿ غير صالح ﴾ بالنصب، والضمير على هذا لابن نوح بلا إشكال ﴿ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ أي لا تطلب مني أمراً لا تعلم أصواب هو أم غير صواب، حتى تقف على كنهه، فإن قيل: لم سمي نداءه سؤالاً، ولا سؤال فيه؟

فالجواب أنه تضمن السؤال وإن لم يصرح به ﴿ إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ أن في موضع مفعول من أجله تقديره: أعظك كراهة أن تكون من الجاهلين، وليس في ذلك وصف له بالجهل، بل فيه ملاطفة وإكرام ﴿ اهبط بسلام مِّنَّا ﴾ أي اهبط من السفينة بسلامة ﴿ وعلى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ﴾ أي ممن معك في السفينة، واختار الزمخشري أن يكون المعنى من ذرية من معك، ويعني به المؤمنين إلى يوم القيامة، فمن على هذا لابتداء الغاية، والتقدير على أمم ناشئة ممن معك، وعلى الأول تكون من لبيان الجنس ﴿ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ﴾ يعني نمتعهم متاع الدنيا وهم الكفار إلى يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني لكم ﴾ بكسر الهمزة: نافع وابن عامر وعاصم وحمزة.

والآخرون بفتحها ﴿ بادىء ﴾ بالهمزة: أبو عمرو ونصير.

﴿ الرأي ﴾ بالياء: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ فعميت ﴾ مجهولاً مشدداً.

حمزة وعلي وخلف وحفص.

الباقون بضدهما ﴿ أنلزمكموها ﴾ باختلاس ضمة الميم: عباس ﴿ أجري إلا ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ ولكني أريكم ﴾ بالفتح حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ نصحي إن ﴾ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ بأعيننا ﴾ مدغماً.

حيث كان: عباس ﴿ من كل ﴾ بالتنوين حيث كان: حفص والمفضل ﴿ مجريها ﴾ بفتح الميم بالإِمالة: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ مجريها ﴾ بالضم وبالإمالة: أبو عمرو.

والباقون بالضم مفخماً.

﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء: عاصم ﴿ اركب معنا ﴾ مظهراً: عاصم وحمزة ﴿ عمل ﴾ على أنه فعل غير بالنصب: علي وسهل ويعقوب.

الآخرون ﴿ عمل ﴾ غير بالرفع فيهما ﴿ تسألن ﴾ بالنون المشددة المسكورة لإدغام النون المخففة في نون الوقاية بعد حذف ياء المتكلم في الحالين: ابن عامر وقالون: بإثبات الياء في الوصل: أبو جعفر ونافع غير قالون بفتح النون المشددة: ابن كثير ﴿ تسألني ﴾ بغير نون التأكيد وإثبات الياء في الحالين سهل ويعقوب الباقون بغير ياء في الحالين ﴿ إني أعظك ﴾ ﴿ إني أعوذ ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ مبين ﴾ ه لا ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الرأي ﴾ ج ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فعيمت عليكم ﴾ ط ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ مالاً ﴾ ط ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ طردتهم ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ أنفسهم ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ أن يغويكم ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ط ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ تجرمون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ ظلموا ﴾ ج لا حتمال التعليل.

﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ سخروا منه ﴾ ه ﴿ تسخرون ﴾ ه ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ التنور ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ ومن آمن ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ 5 ط ﴿ ومرساها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من الماء ﴾ ط، ﴿ رحم ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع اختلاف العامل.

﴿ المغرقين ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه.

﴿ الحاكمين ﴾ ه ﴿ من أهلك ﴾ ج ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف ﴿ هذا ﴾ ط وعلى قوله: ﴿ فاصبر ﴾ أحسن للابتداء بــ"أن" ﴿ للمتقين ﴾ ه.

التفسير: لما أورد على الكفار أنواع الدلائل أكدها بالقصص على عادته من التفنن في الكلام والنقل من أسلوب إلى أسلوب في الموعظة فبدأ بقصة نوح.

ومعنى ﴿ إني لكم ﴾ أي متلبساً بهذا الكلام وهو قوله: ﴿ إني لكم ﴾ فلما اتصل به الجار فتح ومن كسر فعلى إرادة القول.

و ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ بدل من ﴿ إني لكم نذير ﴾ أي أرسلناه بأن لا تعبدوا ﴿ إلا الله ﴾ أو يكون "أن" مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير.

ووصف اليوم بأليم لوقوع الألم فيه فيكون مجازاً.

وكذا لو جعل الوصف للعذاب والجر بالجوار.

ثم حكى أنه طعن أشراف قومه في نبوته من ثلاث جهات.

الأولى أنه بشر مثلهم.

الثانية أنه لم يتبعه إلا الأراذل يعنون أصحاب الحرف الخسيسة كالحياكة وغيرها قالوا: لو كنت صادقاً لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم.

والأراذل جمع أرذل.

وقيل: جمع الأرذال جمع رذل وهو الدون من كل شيء في منظره وحالاته.

ومعنى ﴿ بادي الرأي ﴾ أول الرأي وهو نصب على الظرف أي اتبعوك في ابتداء حدوث الرأي من غير روية، أو معناه ظاهر الرأي من قولك بدا الشيء إذا ظهر، ومنه البادية للبرية لظهروها وبروزها للناظر.

وهذا تفسير من قرأ بغير همز.

وعلى هذا فالمراد أنهم اتبعوك في الظاهر وباطنهم بخلافه، أو اتبعوك وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

ويجوز أن يتعلق ﴿ بادي الرأي ﴾ بقوله: ﴿ أراذلنا ﴾ أي كونهم كذلك أمر ظاهر لكل من يراهم عياناً، ويتأكد هذا التأويل بما نقل عن مجاهد أنه قرأ ﴿ إلا الذين هم أراذلنا رأي العين ﴾ وإنما استرذلوا المؤمنين لاعتقادهم أن المزية عند الله  بالمال والجاه ولم يعلموا أن ذلك مبعد من الحق لا مقرب منه، وأن الأنبياء ما بعثوا إلا لترك الدنيا والإقبال على الآخرة فكيف يجعل قلة المال طعناً في النبوة وفي متابعة النبي.

الشبهة الثالثة: ﴿ وما نرى لكم علينا من فضل ﴾ لا في العقل ولا في كيفية رعاية المصالح ولا في قوة الجدل ﴿ بل نظنكم كاذبين ﴾ خطاب لنوح ولمن آمن به بتبعيته، أو خطاب للأراذل كأنهم نسبوهم إلى الكذب في ادعاء الإيمان.

ثم حكى ما أجاب به نوح قومه وهو أن حصول المساواة في صفة البشرية لا يمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة وذلك قوله: ﴿ أرأيتم إن كنت على بينة ﴾ برهان ﴿ من ربي وآتاني ﴾ بإيتاء تلك البينة ﴿ رحمة ﴾ وعلى هذا البينة هي الرحمة، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة وبالرحمة النبوة وقيل بالعكس ﴿ فعيمت ﴾ خفيت أو أخفيت البينة أو كل من البينة والرحمة أي صارت مظلمة مشتبهة في عقولكم.

والبينة توصف بالإبصار والعمى مجازاً باعتبار نتيجتها كما أن دليل القوم إن كان بصيراً اهتدوا وإن كان أعمى بقول خابطين متحيرين.

ثم قال: ﴿ أنلزمكموها ﴾ أي أنكرهكم على قبول البينة ﴿ وأنتم لها كارهون ﴾ والمراد أنا لا نقدر على إيصال حقيقة البينة إليك.

وإنما يقدر على ذلك من هو قادر على الإيجاد والإعدام وتغيير الأحوال وتبديل الأخلاق.

ثم ذكر أنه لا يطلب على تبليغ الرسالة مالاً حتى يتفاوت الحال بسبب كون المجيب غنياً أو فقيراً ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ عن ابن جريج أنهم قالوا: إن أحببت يا نوح أن نتبعك فاطردهم فإنا لا نرضى بمشاركتهم، فلم يبذل ملتمسهم وعلل ذلك بقوله ﴿ إنهم ملاقو ربهم ﴾ فيعاقب من يطردهم أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من الإيمان الصحيح أو النفاق بزعمكم، أو المراد أنهم متقدون لقاء ربهم ﴿ ولكني أراكم قوماً تجهلون ﴾ لقاء ربكم وأنهم خير منكم، أو قوماً تسفهون حيث تسمون المؤمنين أراذل.

ثم أكد عدم طردهم بقوله: ﴿ ويا قوم من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من عقابه ﴿ إن طردتهم ﴾ لأن العقل والشرع توافقا على أنه لا بد من تعظيم المؤمن البر المتقي ومن إهانة الكافر الفاجر فكيف يليق بنبي الله أن يقلب هذه القضية.

سؤال: إن كان طرد المؤمن لطلب مرضاة الكافر معصية فكيف فعل ذلك رسول الله  حتى نهي عنه بقوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ﴾ ؟

الجواب أنه لم يكن ذلك طرداً مطلقاً وإنما عين لأجلهم أوقاتاً مخصوصة، ولأشراف قريش أوقاتاً أخرى فعوتب على ذلك القدر.

احتجت المعتزلة بالآية على عدم الشفاعة للفاسق إذ لو كانت جائزة لكانت في حق نوح أولى، فلم يقل من الذي يخلصني من عذابه.

وأجيب بأنه مخصوص بآيات العفو.

ثم ذكر أنه كما لا يسألهم مالاً فإنه لا يدعي أن عنده خزائن الله حتى يجحدوا أن له فضلاً عليهم من هذه الجهة.

﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ حتى أصل به إلى ما أريده لنفسي ولأتباعي وأطلع على الضمائر ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ أتعظم بذلك عليكم بل طريقي الخضوع والتواضع وعدم الاستنكاف عن مخالطة الفقراء وقد مر في "الأنعام" سائر ما يتعلق بالآية.

ومعنى ﴿ تزدري ﴾ تعيب وتحقر والازدراء افتعال من زرى عليه إذا عابه.

وفي قوله  ﴿ الله أعلم بما في أنفسهم ﴾ دلالة على أنهم كانوا ينسبون اتباعه مع الفقر والذلة الى النفاق ﴿ إني إذا ﴾ أي إن قلت شيئاً من ذلك كنت من الظالمين لنفسي.

أو إن قلت إن الله لن يؤتيهم خيراً مع أنه لا وقوف لي على باطنهم.

ثم إن قومه وصفوه بكثرة الجدال قائلين ﴿ يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ﴾ قال أهل المعاني: أردت جدالنا وشرعت فيه فأكثرته كقوله: جاد لي فلان فأكثر.

لم ترد أنه أعطى عطيتين أقل فأكثر بل تريد أن الوصف مقارن للموصوف.

وفي الآية دلالة على أن الجدال في تقرير دلائل التوحيد من دأب أكابر الأنبياء.

ثم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به فأجاب نبي الله بأن ذلك ليس إليّ وإنما هو بمشيئة الله وإرادته ولا يعجزه عن ذلك أحد.

وقوله: ﴿ ولا ينفعكم نصحي ﴾ كقول القائل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار إن أكلت الخبز لم يقع الطلاق إلا إذا دخل الدار فأكل الخبز.

ولهذا قال الفقهاء: المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى فكأنه قيل: ﴿ إن كان الله يريد أن يغويكم ﴾ فإن أردت أن أنصح لكم لم ينفعكم نصحي.

واحتجاج الأشاعرة بالآية ظاهر.

وأجابت المعتزلة بأنه لا يلزم من فرض أمر وقوعه، ولعل نوحاً إنما قال ذلك ليبين لهم أنه  بنى أمر التكليف على الاختيار وإلا لم يكن للنصح فائدة، ولو تشبث الخصم بالجبر لزم إفحام النبي.

ومن الجائز أن يراد بالإغواء التعذيب من غوى الفصيل إذا بشم فهلك، أو يراد به الخيبة كقوله: ﴿ فسوف يلقون غياً  ﴾ أي خيبة من خير الآخرة، أو يراد به منع الألطاف وقد تقدم أمثال ذلك مراراً.

ثم أشار إلى المبدإ والمعاد بقوله: ﴿ هو ربكم وإليه ترجعون ﴾ ثم أنكر الله  عليهم قولهم إنما ادعاء نوح أنه أوحي إليه مفترى فقال: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ فأمره بأن يجيب بكلام منصف وهو قوله: ﴿ قل إن افتريته فعليّ إجرامي ﴾ أي عقاب إثمي وهو الافتراء.

﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ أي من إجرامكم وهو إسناد الافتراء إليّ وههنا إضمار كأنه قيل: لكني ما افتريته فالإجرام وعقابه عليكم وأنا بريء منه.

وأكثر المفسرين على أن هذه الآية من تمام قصة نوح.

وعن مقاتل أنها من قصة محمد  وقعت في أثناء قصة نوح.

قوله  : ﴿ وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن ﴾ إقناط له من إيمانهم الذي كان يتوقعه منهم بدليل قوله: ﴿ إلا من قد آمن ﴾ فإن "قد" للتوقع.

وقوله: ﴿ فلا تبتئس ﴾ تسلية له أي لا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك فقد حان وقت الانتقام منهم.

قال أكثر المعتزلة: إنه لا يجوز أن ينزل الله عذاب الاستئصال على قوم يعلم أن فيهم من يؤمن أو في أولادهم من يؤمن بدليل دعاء نوح ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا فاجراً كفاراً  ﴾ علل الإهلاك بمجموع الأمرين فدل ذلك على أنهما لو لم يحصلا لم يجز الإهلاك.

وذهب كثير منهم إلى الجواز، فليس كل خبر معلوم بواجب الوقوع نعم كلما يقع يجب أن يكون على الوجه الأصلح.

ومذهب الأشاعرة في هذا المعنى ظاهر فله أن يفعل في ملكه ما شاء.

ثم عرفه وجه إهلاكهم وألهمه وجه خلاص من آمن فقال: ﴿ واصنع الفلك ﴾ وهو أمر إيجاب على الأظهر لأنه لا سبيل إلى صون روحه عن الهلاك في الطوفان إلا بذلك، وصون النفس واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وقيل: أمر إباحة كمن أمر أن يتخذ الإنسان لنفسه داراً يسكنها.

والإنصاف أن الأمر ظاهره الوجوب وإن قطعنا النظر عن فائدته وغايته.

وقوله: ﴿ بأعيننا ووحينا ﴾ في موضع الحال أي متلبساً بذلك.

والسبب فيه أن إقدامه على صنعة السفينة مشروط بأمرين: أحدهما أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل وأشار إليه بقوله: ﴿ بأعيننا ﴾ وليست العين بمعنى الجارحة لأنه منزه عن الجوارح والأعضاء فالمراد بها الحفظ والحياطة والكلاءة لأن العين آلة الحفظ والحراسة.

والثاني أن يكون عالماً بكيفية تركيب الأخشاب ونحتها.

عن ابن عباس: لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله  إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر.

وقيل: المراد عين الملك الذي كان يعرّفه كيفية اتخاذ السفينة.

ثم قال: ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ أي في شأنهم.

وقيل: علل عدم الخطاب بقوله: ﴿ إنهم مغرقون ﴾ أي إنهم محكوم عليهم بالإغراق وقد جف القلم عليهم بذلك فلا فائدة للشفاعة.

وقيل: لا تخاطبني في تعجيل عقابهم فإنهم يغرقون في الوقت المعين لذلك فلا فائدة في الاستعجال فلكل أمة أجل.

وقيل: المراد بالذين ظلموا امرأته واعلة وكنعان ابنه.

ثم حكى الحال الماضية بقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ والحال أنه ﴿ كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ﴾ يحتمل أن يكون هذا جواباً لـ"كلما" وقوله: ﴿ قال إن تسخروا ﴾ استئناف على تقدير سؤال سائل كأنه قيل: ماذا قال نوح حينئذٍ؟

ويحتمل أن يكون ﴿ سخروا ﴾ بدلاً من ﴿ مر ﴾ أو صفة لــ ﴿ ملأ ﴾ و ﴿ قال ﴾ جواب ﴿ قيل ﴾ كانوا يقولون: يا نوح كنت نبياً فصرت نجاراً، ولو كنت صادقاً في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق.

وقيل: إنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك فكانوا يتعجبون ويسخرون.

وقيل: إنها كانت كبيرة وكان يصنعها في مفازة بعيدة عن الماء فكانوا يقولون هذا من باب الجنون.

وقيل: طالت مدته وكان ينذرهم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة وليس منه عين ولا أثر فغلب على ظنونهم كونه كاذباً فيسخرون منه فأجابهم بقوله: ﴿ إن تسخروا منا ﴾ في الحال ﴿ فإنا نسخر منكم ﴾ في المستقبل إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة.

أو إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله، أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم لأنكم لا تستجهلون إلا عن الجهل بحقيقة الأمر.

والبناء على ظاهر الحال كما هو عادة الأغمار.

وسمي جزاء السخرية سخرية كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ ثم هددهم بقوله: ﴿ فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ في الدنيا وهو عذاب الغرق ﴿ ويحل عليه عذاب مقيم ﴾ في الآخرة لازم لزوم الدين الحال للغريم.

و"من" موصولة أو استفهامية وقد مر في "الأنعام".

روي أن نوحاً  اتخذ السفينة في سنتين وكان طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعاً وارتفاعها ثلاثين.

وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون: الأسفل للوحوش والسباع والهوام، والأوسط للدواب والأنعام، والأعلى للناس ولما يحتاجون إليه من الزاد وحمل معه جسد آدم.

وقال الحسن: كان طولها ألفاً ومائتي ذراع وعرضها ستمائة.

قوله: ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ هي غاية لقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ أي كان يصنعها إلى أن جاء وقت الأمر بالإهلاك.

﴿ وفار التنور ﴾ أي نبع الماء من بشدة وسرعة تشبيهاً بغليان القدر.

والتنور هي التي يختبز فيها فقيل: هو مما استوى فيه العربي والعجمي.

وقيل: معرب لأنه لا يعرف في كلام العرب نون قبل راء.

عن ابن عباس والحسن ومجاهد: هو تنور نوح.

وقيل: كان لآدم وحواء حتى صار لنوح وموضعه بناحية الكوفة قاله مجاهد والشعبي.

وعن علي  أنه في مسجد الكوفة وقد صلى فيه سبعون نبياً.

وقيل: بالشام بموضع يقال له عين وردة قاله مقاتل.

وقيل: بالهند.

روي أن امرأته كانت تخبز فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في تلك الحال بوضع الأشياء في السفينة وكان الله  جعل هذه الحالة علامة لواقعة الطوفان.

ويروى عن علي  أيضاً أن المراد بالتنور وجه الأرض لقوله: ﴿ وفجرنا الأرض عيوناً  ﴾ وعنه أيضاً كرم الله وجهه أن معنى ﴿ فار التنور ﴾ طلع الصبح.

وقيل: معناه اشتد الأمر كما يقال حمي الوطيس.

والمراد إذا رأيت الأمر يشتد والماء يكثر فاركب في السفينة وذلك قوله ﴿ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ﴾ والزوجان شيئان يكون أحدهما ذكراً والآخر أنثى.

فمن قرأ بالإضافة فمعناه احمل من كل صنفين بهذا الوصف اثنين، ومن قرأ بالتنوين.

فالمراد حمل من كل شيء زوجين.

واثنين للتأكيد ولا يبعد أن يكون النبات داخلاً فيه لاحتياج الناس إليه ﴿ وأهلك ﴾ معطوف على مفعول ﴿ احمل ﴾ وكذا ﴿ من آمن ﴾ وقوله ﴿ إلا من سبق عليه القول ﴾ قال الضحاك: أراد ابنه وامرأته قدر الله لهما الكفر إذا علم منهما ذلك.

ثم قال ﴿ وما آمن معه إلا قليل ﴾ أي نفر قليل: عن مقاتل أنهم ثمانون وبهم سموا قرية الثمانين بناحة الموصل لأنهم لما خرجوا من السفينة بنوها.

وقيل: اثنان وسبعون رجلاً وامرأة، وأولاد نوح: سام وحام ويافث ونساؤهم.

فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء.

وعن محمد بن إسحق كانوا عشرة، وعن النبي  كانوا ثمانية، نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم.

وقيل في بعض الروايات: إن إبليس دخل معه السفينة وفيه بعد لأنه جسم ناري فلا يؤثر الغرق فيه.

قوله  وتعالى حكاية عن نوح وأهله ﴿ وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها ﴾ الآية.

فيه أبحاث الأول: أن الركوب متعد بنفسه يقال: ركبت الدابة والبحر والسفينة أي علوتها.

فما الفائدة في زيادة لفظة "في"؟

قال الواحدي: فائدته أن يعلم أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهره.

الثاني قوله: ﴿ بسم الله ﴾ إما أن تتعلق بقوله: ﴿ اركبوا ﴾ حالاً من الواو أي مسمين الله، أو قائلين باسم الله ﴿ ومجريها ومرسيها ﴾ مصدران حذف منهما الوقت المضاف كقولهم: جئتك خفوق النجم ومقدم الحاج، أو يراد مكان الإجراء والإرساء أو زمانها.

وانتصابهما بما في بسم الله من معنى الفعل، أو بالقول المقدر.

وعلى التقادير يكون مجموع قوله: ﴿ وقال اركبوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومرساها ﴾ كلاماً واحداً.

وإما أن يكون ﴿ باسم الله مجريها ومرساها ﴾ كلاماً آخر من مبتدإ وخبر أي باسم الله إجراؤها وإرساؤها.

يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست.

ويجوز أن يقحم الاسم كقوله: تم اسم السلام عليكما، ويراد بالله إجراؤها وإرساؤها، وكان نوح أمرهم بالركوب أوّلاً ثم أخبرهم بأن إجراءها وإرساءها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته.

وجوز في الكشاف أن تكون هذه الجملة في موضع الحال من ضمير الفلك ولا تكون جملة مستأنفة ولكن فضلة من تتمة الكلام الأول كأنه قال اركبوا فيها مقدرين أن إجراءها وإرساءها باسم لله  .يقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت، وأرساه غيره.

يروى أنها سارت لأول يوم من رجب أو لعشر مضين منه فسارت ستة أشهر ثم استوت على الجودي يوم العاشر من المحرم.

ويروى أنها مرت بالبيت وطافت به سبعاً فأعتقها الله من الغرق.

البحث الثالث قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ كيف ناسب مقام الإهلاك وإظهار العزة؟

والجواب كان القوم اعتقدوا أنهم نجوا ببركة إيمانهم وعملهم، فنبههم الله  بهذا الذكر على أن الإنسان في كل حال من أحواله لا ينفك عن ظلمات الخطأ والزلل فيحتاج إلى مغفرة الله ورحمته.

وفي الآية إشارة إلى أن العاقل إذ ركب في سفينة الفكر ينبغي أن يكون قد برىء من حوله وقوته وقطع النظر عن الأسباب وربط قلبه وعلق همته بفضل واهب العقل فيقول بلسان الحال بسم الله مجريها ومرسيها حتى تصل سفينة فكره إلى ساحل الإيقان، وتتخلص عن أمواج الشبه والظنون والأوهام.

قال في الكشاف: ﴿ وهي تجري بهم ﴾ متصل بمحذوف كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون باسم الله وهي تجري بهم وهم فيها ﴿ في موج كالجبال ﴾ في التراكم والارتفاع، فلعل الأمواج أحاطت بالسفينة من الجوانب فصارت كأنها في داخل تلك الأمواج.

واختلف المفسرون في قوله: ﴿ ونادى نوح ابنه ﴾ فالأكثرون على أنه ابن له في الحقيقة لئلا يلزم صرف الكلام عن الحقيقة الى المجاز من غير ضرورة، ولا استبعاد في كون ولد النبي كافراً كعكسه.

واعترض عل هذا القول بأنه كيف ناداه مع كفره وقد قال: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ وأجيب بأنه كان منافقاً وظن نوح أنه مؤمن أو ظن أنه كافر إلا أنه توقع منه الإيمان عند مشاهدة العذاب بدليل قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ أو لعل شفقة الأبوة حملته على ذلك النداء.

وعن محمد بن علي الباقر والحسن البصري أنه كان ابن امرأته ويؤيده ما روي أن علياً  قرأ ﴿ ونادى نوح ابنها ﴾ ويؤكد هذا الظن قوله: ﴿ إن ابني من أهلي ﴾ دون أن يقول "إنه مني" وقيل: إنه ولد على فراشه لغير رشده وإليه الإشارة بقوله  ﴿ فخانتاهما  ﴾ ورد هذا القول بأنه يجب صون منصب الأنبياء عن مثل هذه الفضيحة لقوله: ﴿ الخبيثات للخبيثين  ﴾ وفسر ابن عباس تلك الخيانة بأن امرأة نوح كانت تقول زوجي مجنون.

وامرأة لوط دلت الناس على ضيفه.

وقوله: ﴿ وكان في معزل ﴾ هو مفعل من عزله عنه إذا نحاه أو أبعده أي كان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن السفينة وعمن فيها، أو كان في معزل عن دين أبيه.

وقيل في معزل عن الكفار ولهذا ظن نوح أنه يريد مفارقة الكفرة، ولكن قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ لا يساعد هذا القول.

وقوله ﴿ يا بني ﴾ بكسر الياء لأجل الاكتفاء به عن ياء الإضافة، وبفتحها اكتفاء به عن الألف المبدلة من الياء، ويجوز أن يكون الياء والألف ساقطتين من اللفظ فقط لالتقاء الساكنين.

ثم حكى إصرار ابنه على الكفر بأن قال ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ فأجاب نوح بأنه ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ﴾ واعترض عليه بأن معنى ﴿ من رحم ﴾ من رحمه الله وهو معصوم فكيف يصح استثناؤه من العاصم؟

وأجيب بأن "من" فاعلة في المعنى لا مفعول، والمراد نوح لأنه سبب الرحمة والنجاة كما أضيف الإحياء إلى عيسى  ، أو الرحيم الذي مر ذكره في قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ وهو عاصم لا معصوم، أو هو استثناء مفرغ والتقدير لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا لمن رحم، أو العاصم بمعنى ذو العصمة كلابن وتامر.

وذو العصمة المعصوم أو المضاف محذوف والتقدير لا عاصم قط إلا مكان من رحمهم الله ونجاهم يعني السفينة، أو هو استثناء منقطع كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو المعصوم ﴿ وحال بينهما الموج ﴾ أي بسبب هذه الحيلولة خرج من أن يخاطبه نوح فصار من جملة الغرقى.

وقوله  : ﴿ وقيل يأرض ﴾ الآية.

مما اختص بمزيد البلاغة حتى صارت متداولة بين علماء المعاني فتكلموا فيها وفي وجوه محاسنها فلا علينا أن نورد ههنا بعض ما استفدنا منهم فنقول: النظر فيها من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني، ومن جهتي الفصاحتين المعنوية واللفظية.

أما من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها.

فالقول فيه أنه عز سلطانه أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضي أمر نوح وهو إنجاؤه وإغراق قومه كما وعدناه فقضي، وأن تستوي السفينة على الجودي - وهو جبل بقرب الموصل - فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى، فبنى الكلام على تشبيه الأرض والسماء بالمأمور الذي لا يتأتى منه - لكمال هيبته - العصيان، وعلى تشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكوّن المقصود تصويراً لاقتداره، وأن السماء والأرض مع عظم جرمهما تابعتان لإرادته إيجاداً وإعداماً وتغييراً وتصريفاً كأنهما عقلاء مميزون قد أحاطا علماً يوجب الامتثال والإذعان لخالقهما، فاستعمل ﴿ قيل ﴾ بدل "أريد" مجازاً إطلاقاً للمسبب على السبب، فإن صدور القول إنما يكون بعد إرادته.

وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد بقوله: ﴿ يا أرض ابلعي ماءَك ويا سماء ﴾ والخطابان أيضاً على سبيل الاستعارة للشبه المذكور وهو كون السماء والأرض كالمأمورين المنقادين.

وأيضاً استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو إعمال القوة الجاذبة في الطعوم للشبه بين الغور والبلع وهو الذهاب إلى مقر خفيّ.

ووجعل قرينة الاستعارة نسبه الفعل إلى المفعول، وفي جعل الماء مكان الغذاء أيضاً استعارة لأنه شبه الماء بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار تقوّي الآكل بالطعام، وجعل قرينة الاستعارة لفظة ﴿ ابلعي ﴾ لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء.

ثم أمر الجماد على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره وخاطب في الأمر دون أن يقول ليبلع ترشيحاً لاستعارة النداء إذ كونه مخاطباً من صفات الحي كما أن كونه منادى من صفاته ثم قال ﴿ ماءك ﴾ بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيهاً لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك.

واختار ضمير الخطاب دون أن يقول "ليبلع ماؤها" لأجل الترشيح المذكور.

ثم اختار مستعيراً لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان ثم أمر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر لمثل ما تقدم في ﴿ ابلعي ﴾ من ترشيح استعارة النداء.

ثم قال ﴿ وغيض الماء ﴾ غاض الماء قل ونضب، وغاضه الله يتعدى ولا يتعدى ﴿ وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً ﴾ فلم يصرح بالفاعل سلوكاً لسبيل الكناية لأن هذه الأمور لا تتأتى إلا من قدير قهار فلا مجال لذهاب الوهم إلى غيره، ومثله في صدر الآية ليستدل من ذكر الفعل وهو اللازم على الفاعل وهو الملزوم وهذا شأن الكناية، ثم ختم الكلام بالتعريض لأنه ينبىء عن الظلم المطلق وعن علة قيام الطوفان.

وأما النظر فيها من جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة منها، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها، فذلك أنه اختير "يا" للنداء لأنها أكثر استعمالاً ولدلالتها على تبعيد المنادى الذي يستدعيه مقام العزة والهيبة، ولهذا لم يقل " يا أرضي" بالإضافة تهاوناً بالمنادى، ولم يقل "يا أيتها الأرض" للاختصار مع الاحتراز عن تكلف التنبيه لمن ليس من شأنه التنبيه.

واختير لفظ الأرض والسماء لكثرة دورانهما مع قصد المطابقة، واختير ﴿ ابلعي ﴾ على ﴿ ابتلعي ﴾ لكونه أخصر ولمجيء حظ التجانس بينه وبين ﴿ أقلعي ﴾ أوفر.

وقيل: ﴿ ماءك ﴾ بلفظ المفرد لما في الجمع من الاستكثار المتأتي عنه مقام العزة والاقتدار، وكذا في إفراد الأرض والسماء.

ولم يحذف مفعول ﴿ ابلعي ﴾ لئلا يلزم تعميم الابتلاع لكل ما على الأرض.

ولما علم اختصاص الفعل فيه اقتصر عليه فحذف من ﴿ أقلعي ﴾ حذراً من التطويل.

وإنما لم يقل "ابلعي ماءك فبلعت" لأن عدم تخلف المأمور به عن أمر الآمر المطاع معلوم.

واختير ﴿ غيض ﴾ على غيض المشددة للاختصار ولمثل هذا عرف الماء والأمر دون أن يقال ماء الطوفان، أو أمر نوح للاستغناء عن الإضافة بالتعريف العهدي ولم يقل سويت لتناسب أول القصة وهي تجري بهم من بناء الفعل للفاعل، ولأن ﴿ استوت ﴾ أخصر لسقوط همزة الوصل.

ثم قيل: ﴿ بعداً للقوم ﴾ دون أن يقال "ليبعد القوم من بعد" بالكسر يبعد بالفتح إذا هلك، للتأكيد مع الاختصار ودلالة "لام" الملك على أن البعد حق لهم.

وقول القائل "بعداً له" من المصادر التي لا يستعمل إظهار فعلها.

ثم أطلق الظلم ليتناول ظلم أنفسهم وظلمهم غيرهم.

وأما ترتيب الجمل فقدم النداء على الأمر ليتمكن الأمر الوارد عقيب النداء كما في نداء الحي، وقدم نداء الأرض لابتداء الطوفان منها بدليل قوله: ﴿ وفار التنور ﴾ ثم بين نتيجة البلع والإقلاع بقوله: ﴿ وغيض الماء ﴾ ثم ذكر مقصود القصة وهو قوله ﴿ وقضي الأمر ﴾ أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء المؤمنين.

ثم بين حال استقرار السفينة بقوله: ﴿ واستوت على الجودي ﴾ وكان جبلاً منخفضاً فكان استواء السفينة عليه دليلاً على انقطاع مادة الماء.

ثم ختمت القصة بما ختمت من التعريض.

قيل: كيف يليق بحكمة الله تغريق الأطفال بسبب إجرام الكفار؟

وأجيب على أصول الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل، وعلى أصول المعتزلة بأنه يعوض الأطفال والحيوانات كما في ذبحها واستعمالها في الأعمال الشاقة.

وقد روى جمع من المفسرين أنه  أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة فلم يغرق إلا من بلغ أربعين.

وهذا مع تكلفه لا يتمشى في الجواب عن إهلاك سائر الحيوانات.

والظاهر أن القائل في قوله: ﴿ وقيل بعداً ﴾ هو الله  لتناسب صدر الآية، ويحتمل أن يكون القائل نوحاً وأصحابه لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع القوم الظلمة أنه يقول مثل هذا الكلام، ولأنه جارٍ مجرى الدعاء عليهم فجعله من كلام البشر أليق.

وأما النظر في الآية من جهة الفصاحة المعنوية فهي أنها كما ترى نظم للمعاني لطيف، وتأدية المراد بأبلغ وجه وأتمه.

وأما من جهة الفصاحة اللفظية فهي كالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقة عذبة على العذبات سلسة على الأسلات، ولعل ما تركنا من لطائف هذه الآية بل كل آية أكثر مما نذكر والله  أعلم بمراده من كلامه.

﴿ ونادى نوح ربه ﴾ أي أراد أن يدعوه ﴿ فقال رب إن ابني من أهلي ﴾ بعض سواء كان من صلبه أو رببياً له ﴿ وإن وعدك ﴾ أي كل ما تعد به ﴿ الحق ﴾ الثابت الذي لا شك في إنجازه وقد وعدتني أن تنجي أهلي ﴿ وأنت أحكم الحاكمين ﴾ أعلمهم وأعدلهم لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل، ويجوز أن يكون الحاكم بمعنى ذي الحكمة كدارع.

﴿ قال يا نوح إنه ليس من أهلك ﴾ أي من أهلك دينك أو من أهلك الذين وعدتهم الإنجاء معك.

ثم صرح بأن العبرة بقرابة الدين والعمل الصالح لا بقرابة النسب فقال: ﴿ إنه عمل غير صالح ﴾ من قرأ على لفظ الفعل فمعناه أنه عمل عملاً غير صالح وهو الإشراك والتكذيب، ومن قرأ على لفظ الاسم فللمبالغة كما يقال: فلان كرم وجود إذا غلب عليه الكرم والجود وفي قوله: ﴿ غير صالح ﴾ دون أن يقول "فاسد" تعريض بل تصريح بأنه إنما نجا من نجا بالصلاح، ويحتمل على هذه القراءة أن يعود الضمير في ﴿ إنه ﴾ إلى سؤال نوح أي إن نداءك هذا المتضمن لسؤال إنجاء ابنك عمل غير صالح.

وقيل: المراد أن هذا الابن ولد زنا وقد عرفت سقوطه.

ثم نهاه عن مثل هذا السؤال ووبخه عليه بقوله: ﴿ فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ﴾ قال المحققون: الظاهر أن ابنه كان منافقاً فلذلك اشتبه أمره على نوح، وحمله شفقة الأبوة أوّلاً على دعوته إلى ركوب السفينة، فلما حال بينهما الموج لجأ إلى الله في خلاصه من الغرق، فعوتب على ذلك لأنه لما وعده الله إنجاءه أهله واستثنى منهم من سبق عليه القول كان عليه أن يتوكل على الله حق توكله ويعلم أن كل من كان من أهله مؤمناً فإنه يخلص من الغرق لا محالة.

ولما لم يصبر إلى تبين الحال توجه إليه العتاب على ترك الأولى فلذلك تنبه ورجع إلى الله قائلاً ﴿ رب إني أعوذ بك أن أسألك ﴾ فيما يستقبل من الزمان ﴿ ما ليس لي به علم ﴾ تأدباً بآدابك واتعاظاً بعظتك.

﴿ وألا تغفر لي ﴾ ما فرط مني من الخطأ في باب الاجتهاد، أو من قلة الصبر على ما يجب عليه الصبر، وهذا التضرع مثل تضرع أبيه وأبينا آدم في قوله: ﴿ ربنا ظلمنا  ﴾ الآية.

فلذلك عفى عنه.

﴿ وقيل يا نوح اهبط ﴾ أي من السفينة بعد استوائها على الجبل، أو انزل من الجبل إلى الفضاء ملتبساً ﴿ بسلام منا ﴾ بسلامة من التهديد والوعيد بل من جميع الآفات والمخافات، لأنه لما خرج من السفينة كان خائفاً من عدم المأكول والملبوس وسائر جهات الحاجات لأنه لم يبق في الأرض شيء يمكن أن ينتفع به من النبات والحيوانات.

وقيل: أي مسلماً عليك مكرماً.

والبركات الخيرات النامية الثابتة، وفسروها في هذا المقام بأنه وعد له بأن جميع أهل الأرض من الأشخاص الإنسانية يكون من نسله إما لأنه لم يكن في السفينة إلا من هو ذريته، وإما لأنه لما خرج من السفينة مات من لم يكن من أهله وبقي النسل والتوالد في ذرّيته، دليله قوله  ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين  ﴾ فنوح آدم الأصغر.

وقيل: لما وعده السلامة من الآفات وعده أن موجبات السلامة والراحة تكون في التزايذ والثبات لا عليك وحدك بل ﴿ وعلى أمم ممن معك ﴾ إن كان "من" للبيان فالمراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة لأنهم كانوا جماعات، أو هم أصل الأمم التي انشعبت منه.

وإن كان لابتداء الغاية فالمعنى على أمم ناشئة ممن معك إلى آخر الدهر.

وهذا شأن الأمة المؤمنة ثم ذكر حال الأمة الكافرة المتوالدة فقال: ﴿ وأمم ﴾ وهو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي وممن معك أمم ﴿ سنمتعهم ﴾ في الدنيا ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة ﴿ منا عذاب أليم ﴾ عن ابن زيد: هبطوا والله عنهم راض، ثم أخرج منهم نسلاً منهم من رحم ومنهم من عذب، وخصص بعضهم الأمم الممتعة بقوم هود وصالح ولوط وشعيب و ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى قصة نوح وهو مبتدأ والجمل بعدها أخبار.

وقوله ﴿ ولا قومك ﴾ للمبالغة كقول القائل: لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا قومك ولا أهل بلدك.

والمراد تفاصيل القصة وإلا فمجملها أشهر من أن يخفى.

ومعنى ﴿ من قبل هذا ﴾ أي من قبل هذا الإيحاء أو العلم الذي كسبته بالوحي، أو من قبل هذا الوقت وكأن هذه القصة أعيدت في هذه السورة تثبيتاً للنبي  على إنذار قومه ولذلك ختمت بقوله: ﴿ فاصبر ﴾ كما صبر نوح و ﴿ إن العاقبة ﴾ الحميدة ﴿ للمتقين ﴾ .

التأويل: ﴿ ما نراك إلا بشراً مثلنا ﴾ أي مخلوقاً محتاجاً مثلنا.

وفيه أن النفس بنظرها السفلي ترى الروح العلوي سفلياً فلهذا تنظر إلى النبي ولا ترى نبوته الحميدة، بل تراه بنظر الكذب والسحر والجنون ﴿ إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ﴾ والأراذل من اتباع الروح البدن والجوارح الظاهرة، فإن الغالب على الخلق أن البدن يقبل دعوة الروح ويستعمل الجوارح بالأفعال الشرعية، ولكن النفس الأمارة تكون على كفرها ولا تخلي البدن أن يشتغل بالأعمال الشرعية الدينية إلا لغرض فاسد ومصلحة دنيوية كما هو المعتاد لأكثر الخلق.

﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ من طبع النفس أن تتأذى من استعمال البدن وجوارحه في التكاليف الشرعية فتقول للروح: إن ترد أن أومن بك وأتخلق بأخلاقك فأمتع البدن وجوارحه في التكاليف ﴿ من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من قهره إن منعت البدن من الطاعة، فاقتصر على مجرد إيمان النفس وتخلقها بأخلاق الروح كما هو معتقد أهل الفلسفة والإباحة يقولون: إن أصل العبودية معرفة الربوبية وجمعية الباطن والتحلي بالأخلاق الحميدة.

﴿ أفلا تذكرون ﴾ أن جميعة الباطن ونوره من نتائج استعمال الشرع في الظاهر؟

فالنور في الشرع والظلمة في الطبع، وإنما بعث الأنبياء ليخرجوا الخلق من ظلمات الطبع إلى نور الشرع ﴿ لن يؤتيهم الله خيراً ﴾ أي استعداداً لتحصيل الدرجات العلوية وإنهم مخلوقون من السفليات الله أعلم بما في نفس كل جارحة من استعداد تحصيل الكمال ﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ من التكذيب.

وفيه أن ذنوب النفس لا تؤثر في صفاء الروح ولا يتكدر بها ما كان الروح متبرئاً من ذنوب النفس متأسفاً على معاملات النفس وتتبع هواها.

﴿ وأوحي إلى نوح ﴾ الروح ﴿ أنه لن يؤمن من قومك ﴾ وهم القلب وصفاته والسر والنفس وصفاتها والبدن وجوارحه ﴿ إلا من قد آمن ﴾ من خواص العباد وهم القلب وصفاتها والسر وصفات النفس والبدن وجوارحه.

فأما النفس فإنها لا تؤمن أبداً اللهم إلا نفوس الأنبياء وخواص الأولياء فإنها تسلم أحياناً دون الإيمان ﴿ فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ﴾ لأن أعمال الشر لنفوس السعداء كالجسد للإكسير ينقلب ذهباً مقبولاً عند طرح الروح عليها، فكذلك تنقلب أعمال الشر خيراً عند طرح التوبة عليها ﴿ أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ ولا تبتئس على نفوس الأشقياء لأن أعمالها حجة الله على شقاوتهم، وبتلك السلاسل يسحبون في النار على وجوههم ﴿ واصنع الفلك ﴾ اتخذ يا نوح الروح سفينة الشريعة بنظرنا لا بنظرك فإن نظرك تبع الحواس يبصر ظاهرها ويغفل عن أسرارها ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ فإن الظلم من شيم النفوس ﴿ إنهم مغرقون ﴾ في بحر الدنيا وشهواتها.

﴿ وكلما مر عليه ملأ ﴾ هم النفس وهواها وصفاتها ﴿ يسخرون ﴾ من استعمال أركان الشريعة إذ لم يفهموا حقائقها ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ وهو حد البلوغ والركوب في سفينة الشريعة ﴿ وفار ﴾ ماء الشهوة من تنور القالب ﴿ قلنا احمل ﴾ في سفينة الشريعة من كل صفة وزوجها: كالشهوة وزوجها العفة.

والحرص وزوجها القناعة، والبخل وزوجها السخاء، والغضب وزوجه الحلم، وكذا الحقد مع السلامة، والعداوة مع المحبة، والكبر مع التواضع، والتأني مع العجلة ﴿ وأهلك ﴾ وهم صفات الروح لا النفس ﴿ ومن آمن ﴾ وهم القلب والسر.

وفي قوله  : ﴿ وقال اركبوا فيها باسم الله ﴾ إشارة إلى أن من ركب سفينة الشرع بالطبع وتقليد الآباء والمعلمين لم يحصل له النجاة الحقيقية كما ركب إبليس بالطبع في سفينة نوح وإنما النجاة لمن ركب بأمر الله وذكره مجراها من الله ومرساها إلى الله كقوله: ﴿ وأن إلى ربك المنتهى  ﴾ ﴿ في موج ﴾ من الفتن ﴿ كالجبال ونادى نوح ﴾ الروح ﴿ ابنه ﴾ كنعان النفس المتولد بينه وبين القالب ﴿ وكان في معزل ﴾ من معرفة الله وطلبه ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ العقل ﴿ يعصمني من الماء ﴾ الفتن ﴿ لا عاصم اليوم ﴾ أي إذا نبع ماء الشهوات من أرض البشرية ونزل ماء ملاذ الدنيا وزينتها من سماء القضاء فلا يتخلص منه إلا من يرحمه الله بالاعتصام بسفينة الشريعة ﴿ ابلعي ﴾ ماء شهواتك ﴿ اقلعي ﴾ عن إنزال مطر الآفات ﴿ وغيض ﴾ ماء الفتن ببركة الشرع ﴿ وقضي الأمر ﴾ ما كان مقدراً من طوفان الفتن للابتلاء والتربية، ﴿ واستوت ﴾ سفينة الشريعة ﴿ على الجودي ﴾ وهو مقام التمكين بعد مقامات التلوين ﴿ وإن وعدك الحق ﴾ وهو ما وعد نوح الروح عند إهباطه إلى العالم السفلي من الرجوع إلى العالم العلوي: ﴿ إنه ليس من أهلك ﴾ وكان للروح أربعة بنين: ثلاثة من المؤمنين وهم القلب والسر والعقل، وواحد كافر وهو النفس.

فنفى عن النفس أهلية الدين والملة لأنها خلقت للأمارية ﴿ اهبط ﴾ من سفينة الشريعة عند مفارقة الجسد والخلاص من طوفان الفتن ﴿ وأمم سنمتعهم ﴾ هم النفوس متعت بالحظوظ الدنيوية ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة عذاب البعد عن المألوفات، ﴿ فاصبر ﴾ على تربية الروح و النفس ﴿ إن العاقبة ﴾ لمن اتقى طوفان فتن الدنيا والنفس والهوى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي ﴾ : قال بعضهم: عاد كل ماء إلى من حيث خرج: ما أرسل من السماء عاد إليها، وما خرج من الأرض غاض في الأرض وغار فيها.

وقال بعضهم: لا ولكن أمسك السماء من إرساله، وأمسك الأرض من نبعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي ﴾ ليس على القول لهم، ولكن الله أمسكهما من إرساله ونبعه.

ويحتمل على القول منه لهم باللطف جعل فيهم ما يفهم هذا.

﴿ وَغِيضَ ٱلْمَآءُ ﴾ أي: غار الماء في الأرض.

﴿ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ : بهلاك قوم نوح ويحتمل على التكوين على ما ذكر ﴿ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ ﴾ أي: استقرت على الجودي وهو جبل ﴿ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ أي هلاكا ويحتمل بعدا للقوم الظالمين من رحمة الله.

وقال القتبي: مرساها أي تقف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ ﴾ : يمنعني من الماء، وقال: ﴿ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ قال القتبي: لا معصوم اليوم من عذاب الله؛ كقوله: ﴿ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ  ﴾ أي: مدفوق، وأصله لا عاصم أي: لا شيء يمنع اليوم من نزول عذاب الله عليهم ولا دافع لهم منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ...

﴾ الآية، فقال: ﴿ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ .

هذا - والله أعلم - كان عند نوح أن ابنه كان على دينه لما لعله كان يظهر الموافقة له، وإلا لا يحتمل أن يقول: إن ابنييمن أهلي ويسأله نجاته، وقد سبق منه النهي في سؤال مثله حيث قال: ﴿ وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ ﴾ ولا يحتمل أن يكون يعلم أنه على غير دينه، ثم يسأل له النجاة بعدما نهاه عن المخاطبة في الذين ظلموا، فقال: إنه ليس من أهلك في الباطن والسر، والإخرج هذا القول مخرج تكذيب رسوله، لكن الوجه فيه ما ذكرنا أنه كان في الظاهر عنده أنه على دينه لما كان يظهر له الموافقة، وكان لا يعرف ما يضمره فسأله على الظاهر الذي عنده؛ وكذلك أهل النفاق كانوا يظهرون الموافقة لرسول الله  وأصحابه ويضمرون الخلاف له، وكانوا لا يعرفون نفاقهم إلا بعد إطلاع الله إياه؛ فعلى ذلك نوح كان لا يعرف ما كان يضمر هو لذلك خرج سؤاله فقال: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ الذي وعدت النجاة لهم، أو ليس من أهلك؛ لأنه لم يؤمن بي ولم يصدقك فيما أخبرت أنه عمل غير صالح.

روي عن رسول الله  أنه كان يقرأ: (عَمِلَ غَيْرَ صالحٍ) بغير تنوين.

وعن ابن مسعود -  - أنه قرأه: ﴿ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ بالتنوين.

فمن قرأ بالنصب: (عَمِلَ غيرَ صالحٍ) أي: أن ابنك عمل غير صالح، ومن قرأه: ﴿ عَمَلٌ ﴾ يكون معناه - والله أعلم - أن سؤالك عمل غير صالح وكلا القراءتين يجوز أن يصرف إلى ابنه، أي: أنه عمل غير صالح وهو عمل الكفر، و ﴿ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ أي: الذي كان عليه عمل غير صالح، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي ﴾ ثم قال: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ : هذا في الظاهر يخرج على التكذيب له، لكن الوجه فيه أنه من أهلك على ما عندك، وليس هو من أهلك فيما بشرتك من نجاة أهلك.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل وإن وعدك بإغراق الظلمة حق.

والثاني: وإن وعدك بنجاة المؤمنين حق وأنت أحكم الحاكمين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ : يحتمل هذا نهياً عن سؤال ما لم يؤذن له من بعد؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا لا يسألون شيئاً إلا بعد الإذن لهم في السؤال، وإن كان يسع لهم السؤال، أو أن يكون عتاباً لما سبق، والأنبياء - عليهم السلام - كانوا يعاتبون في أشياء يحل لهم ذلك؛ نحو قوله لرسول الله  : ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ  ﴾ ، وقد كان له الأمر بالقعود والنهي عن الخروج بقوله: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ : هو كما نهى رسول الله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ  ﴾ وأمثاله، وإن كان معلوما أنه لا يكون من الجاهلين، وهو ما ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي عن الشيء، بل بالنهي تظهر العصمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ﴾ إني أعوذ بك أن أعود إلى سؤال لا أعلم بالإذن في السؤال هذا يحتمل.

وقوله: ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ أي: إن لم ترحمني بالعصمة من العود إلى مثله أكن من الخاسرين، هذا يشبه أن يكون.

ويحتمل أن يكون ذكر هذا لما لا يستوجبون المغفرة والرحمة إلا برحمة الله وفضله، على ما روي عن رسول الله  أنه قال: "لن يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته" وقوله  : ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ : هو طلب المغفرة بالكناية، وهو أبلغ وأكبر من قوله: اللهم اغفر لي؛ لأن في قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ ﴾ قطع رجاء المغفرة من غيره، وإخبار ألاَّ يملك أحد ذلك، وليس في قوله: اغفر لي قطع كون ذلك من غيره؛ لذلك كان ذلك أبلغ من هذا، وكذلك سؤال آدم وحواء المغفرة حيث قالا: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23]، هو سؤال بالكناية فهو أبلغ في السؤال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ ﴾ : قال بعضهم: أي: انزل من الجودي إلى قرار الأرض، وقال بعضهم: قوله: ﴿ ٱهْبِطْ ﴾ \[أي\]: انزل وأقم على المقام والمكث في المكان، ليس على الهبوط من مكان مرتفع إلى مكان منحدر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ ﴾ : السلام هو أن يسلم عن الشرور والآفات، والبركة هي نيل كل خير وبرّ على غير تبعة، ثم هما في التحصيل واحد؛ لأنه إذا سلم على كل شر وآفة نال كل خير وبر، وإذا نال كل خير سلم عن كل شر وآفة، هما في الحقيقة واحد لكنهما في العبارة مختلف، وهو كالبر والتقوى من العبد: البر هو كسب كل خير، والتقوى هو اتقاء كل شر ومعصية، هما في العبارة مختلفان وفي الحقيقة واحد؛ لأنه إذا اتقى كل شر ومعصية عمل كل خير وبر، وإذا كسب كل خير وبر اتقى كل [معصية وشر]؛ وعلى ذلك يخرج الشكر والصبر: الصبر هو كف النفس عن كل مأثم، والشكر هو استعمال النفس في كل طاعة، هما أيضاً في العبارة مختلفان وفي الحقيقة واحد؛ لأنه إذا كف نفسه من كل مأثم استعملها في الطاعة، وإذا استعملها في الطاعة كفها عن كل مأثم ومعصية؛ وعلى ذلك يخرج الإسلام والإيمان: الإسلام هو تسليم النفس [لله] خالصة سالمة لا يجعل لغيره فيها حقا، والإيمان هو أن يصدق الله بالربوبية في نفسه وفي كل شيء، وهما في الحقيقة واحد وفي العبارة مختلفان؛ لأنه إذا جعل نفسه وكل شيء سالما [لله  ] أقر بالربوبية له في نفسه وفي كل شيء، وإذا صدقه وأقر له بالربوبية في نفسه وفي كل شيء جعلها لله، وكل شيء له.

هذه أشياء في العبارة مختلفة وفي التحصيل واحد.

ثم قوله: ﴿ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا ﴾ : جائز أن يكون جواب قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ ﴾ آمنه عما خاف وطلب منه المغفرة والرحمة.

والثاني: السلام له منه هو الثناء الحسن؛ كقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ ﴾ : يحتمل أن يكون جواب قوله: ﴿ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً ﴾ \[المؤمنون: 29\]، والبركة هي اسم كل خير لا انقطاع له، أو اسم كل شيء لا تبعة له عليه فيه.

ثم قوله: ﴿ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ﴾ ، على قول بعض أهل التأويل: ذلك السلام، وتلك البركات في الدنيا: السلام لما سلموا من الغرق والبركات ما نالوا في الدنيا من الخيرات والمنافع.

وعلى قول بعضهم: السلام والبركات جميعاً في الآخرة.

ثم جعل عز وجل المؤمن والكافر مشتركين في منافع الدنيا وبركاتها، وجعل منافع الآخرة وبركاتها للمؤمنين خاصة بقوله: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ  ﴾ ثم قال: ﴿ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ أشرك المؤمن والكافر في زينة الدنيا، ثم جعل [للمؤمنين خالصة] يوم القيامة، فذلك قوله: ﴿ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أخبر أنه يمتعهم ثم يصيبهم عذاب أليم، ويمتع المؤمن أيضاً في هذه الدنيا بأنواع المنافع، ثم أخبر أن العاقبة للمتقين ثم جعل العاقبة للمتقين بإزاء ما جعل لهم عذابا أليما أعني الكفرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ﴾ : ولم يكن مع نوح أمم يومئذ، إنما كانوا معه نفراً، لكنه أراد - والله أعلم - الأمم التي كانوا من بعده كأنه قال: وعلى أمم يكونون من بعدك، فهذا يدل أن دين الأنبياء والرسل جميعاً دين واحد، وإن اختلفت شرائعهم؛ لأن تلك الأمم لم يكونوا بأنفسهم مع نوح، ولا كانوا معه في العبادات التي كان فيها نوح؛ دل أنهم كانوا جميعاً على دينه وهو واحد، وعلى ذلك يخرج دعاؤه: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ...

﴾ الآية [نوح: 28]، دعاء بالمغفرة له لكل مؤمن ومؤمنة يكون من بعده؛ وكذلك يحق على كل كافر دعاؤه: ﴿ وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ أي: قصة نوح من أنباء الغيب غابت عنك لم تشهدها، ولم تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا، إن كان المراد من قوله: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ ﴾ قصة نوح خاصة وأنباؤه، كان يجيء أن يقول: هذه من أنباء الغيب نوحيها إليك، لكنه كأنه على الإضمار، أي: هذه الأنباء تلك الأنباء التي ذكرت في كتبهم، وإن كان المراد هذه وغيرها من الأنباء يصير كأنه قال: هذه من تلك الأنباء.

ويحتمل قوله: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ ﴾ القصص كلها قصة نوح وغيره من الأنبياء من أنباء الغيب، غابت عنك لم تشهدها ولا تعلمها أنت ولا قومك، خص قومه لأن غيره من الأقوام قد كانوا عرفوا تلك الأنباء فيخبرونهم فيعرفون به صدق رسول الله  .

وفيه دلالة إثبات رسالة محمد  لأنه أخبرهم على ما أخبر أولئك الذين عرفوا تلك الأنباء بكتبهم؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك [بالله  إذ تلك] الأنباء كانت بغير لسانه، ولم يعرف أنه اختلف إلى أحد منهم؛ دل أنه إنما عرف ذلك بالله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ فَٱصْبِرْ ﴾ على تكذيبهم إياك، وعلى أذاهم أو اصبر على ما أمرت ونهيت، واصبر على ما صبر إخوانك من قبل؛ كقوله: ﴿ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ يشبه أن يكون قوله: ﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الذين اتقوا الشرك وأمكن الذين اتقوا الشرك والمعاصي كلها، والأشبه أن يكون المراد منه اتقاء الشرك؛ لأنه ذكر بإزاء قوله: ﴿ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ فهو في العقد أشبه.

وقال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ ﴾ من السفينة بسلام منا، فسلمه الله ومن معه من المؤمنين من الغرق، ﴿ وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ﴾ يعني بالبركة أنهم توالدوا وكثروا بعدما خرجوا من السفينة.

وعن ابن عباس -  - في قوله: ﴿ وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ﴾ ممن سبق له في علم الله البركات والسعادة من النبيين وغيرهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ونادى نوح  ربه مستغيثًا به، فقال: يا رب، إن ابني من أهلي الذين وعدتني بإنجائهم، وإن وعدك هو الصدق الَّذي لا خُلْف فيه، وأنت أعدل الحاكمين وأعلمهم.

من فوائد الآيات بيان عادة المشركين في الاستهزاء والسخرية بالأنبياء وأتباعهم.

بيان سُنَّة الله في الناس وهي أن أكثرهم لا يؤمنون.

لا ملجأ من الله إلا إليه، ولا عاصم من أمره إلا هو سبحانه.

<div class="verse-tafsir" id="91.xRx1b"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله