الآية ٤٩ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٤٩ من سورة هود

تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ٤٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 96 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٩ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٩ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى لنبيه [ ورسوله محمد ] صلى الله عليه وسلم .

هذه القصة وأشباهها ( من أنباء الغيب ) يعني : من أخبار الغيوب السالفة نوحيها إليك على وجهها [ وجليتها ] ، كأنك شاهدها ، ( نوحيها إليك ) أي : نعلمك بها وحيا منا إليك ، ( ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ) أي : لم يكن عندك ولا عند أحد من قومك علم بها ، حتى يقول من يكذبك : إنك تعلمتها منه ، بل أخبرك الله بها مطابقة لما كان عليه الأمر الصحيح ، كما تشهد به كتب الأنبياء قبلك ، فاصبر على تكذيب من كذبك من قومك وأذاهم لك ، فإنا سننصرك ونحوطك بعنايتنا ، ونجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة ، كما فعلنا [ بإخوانك ] بالمرسلين حيث نصرناهم على أعدائهم ، ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا [ في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ] ) [ غافر : 51 ، 52 ] ، وقال تعالى : ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون [ وإن جندنا لهم الغالبون ] ) [ الصافات : 171 - 173 ] ، وقال تعالى : ( فاصبر إن العاقبة للمتقين ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمّد صلى الله عليه وسلم: هذه القصة التي أنبأتك بها من قصة نوح وخبره وخبر قومه ، (من أنباء الغيب) ، يقول: هي من أخبار الغيب التي لم تشهدها فتعلمها (23) ، (نوحيها إليك) ، يقول: نوحيها إليك نحن ، فنعرفكها ، (ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا) ، الوحي الذي نوحيه إليك، ، (فاصبر ) ، على القيام بأمر الله وتبليغ رسالته ، وما تلقى من مشركي قومك، كما صبر نوح ، (إن العاقبة للمتقين) ، يقول: إن الخير من عواقب الأمور لمن اتقى الله ، (24) فأدَّى فرائضه، واجتنب معاصيه ، فهم الفائزون بما يؤمِّلون من النعيم في الآخرة ، والظفر في الدنيا بالطلبة، كما كانت عاقبة نوح إذ صبر لأمر الله ، أنْ نجَّاه من الهلكة مع من آمن به ، وأعطاه في الآخرة ما أعطاه من الكرامة، وغرَّق المكذبين به فأهلكهم جميعهم.

* * * وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 18259- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا)، القرآن، وما كان عَلم محمدٌ صلى الله عليه وسلم وقومه ما صنع نوحٌ وقومه، لولا ما بيَّن الله في كتابه.

----------------------- الهوامش : (23) انظر تفسير " النبأ " فيما سلف من فهارس اللغة ( نبأ) .

(24) انظر تفسير " العاقبة " فيما سلف ص : 153 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقينقوله تعالى : تلك من أنباء الغيب أي تلك الأنباء ، وفي موضع آخر " ذلك " أي ذلك النبأ والقصص من أنباء ما غاب عنك .نوحيها إليك أي لتقف عليها .ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا أي كانوا غير عارفين بأمر الطوفان ، والمجوس الآن ينكرونه ." من قبل هذا " خبر أي مجهولة عندك وعند قومك .

" فاصبر " على مشاق الرسالة وإذاية القوم كما صبر نوح .

وقيل : أراد جهلهم بقصة ابن نوح وإن سمعوا أمر الطوفان فإنه على الجملة .

" فاصبر " أي اصبر يا محمد على القيام بأمر الله وتبليغ رسالته ، وما تلقى من أذى العرب الكفار ، كما صبر نوح على أذى قومه .إن العاقبة في الدنيا بالظفر ، وفي الآخرة بالفوز ." للمتقين " عن الشرك والمعاصي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بعد ما قص عليه هذه القصة المبسوطة، التي لا يعلمها إلا من منَّ عليه برسالته.

{ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا } فيقولوا: إنه كان يعلمها.

فاحمد الله، واشكره، واصبر على ما أنت عليه، من الدين القويم، والصراط المستقيم، والدعوة إلى الله { إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } الذين يتقون الشرك وسائر المعاصي، فستكون لك العاقبة على قومك، كما كانت لنوح على قومه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( تلك من أنباء الغيب ) أخبار الغيب ، ( نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ) من قبل نزول القرآن ، ( فاصبر ) على القيام بأمر الله وتبليغ الرسالة وما تلقى من أذى الكفار كما صبر نوح ، ( إن العاقبة ) آخر الأمر بالسعادة والنصرة ( للمتقين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«تلك» أي هذه الآيات المتضمنة قصة نوح «من أنباء الغيب» أخبار ما غاب عنك «نوحيها إليك» يا محمد «ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا» القرآن «فاصبر» على التبليغ وأذى قومك كما صبر نوح «إن العاقبة» المحمودة «للمتقين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

تلك القصة التي قصصناها عليك -أيها الرسول- عن نوح وقومه هي من أخبار الغيب السالفة، نوحيها إليك، ما كنت تعلمها أنت ولا قومك مِن قبل هذا البيان، فاصبر على تكذيب قومك وإيذائهم لك، كما صبر الأنبياء من قبل، إن العاقبة الطيبة في الدنيا والآخرة للمتقين الذين يخشون الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم اختتم الله - تعالى - قصة نوح - عليه السلام - مع قومه فى هذه السورة ، بقوله : ( تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هذا فاصبر إِنَّ العاقبة لِلْمُتَّقِينَ )واسم الإِشارة ( تلك ) يعود إلى ما قصه الله - تعالى - من قصة نوح مع قومه فى هذه السورة .والأنباء : جمع نبأ وهو الخبر الهام .

والغيب : مصدر غاب ، وهو مالا تدركه الحواس ولا يعلم ببداهة العقل .أى : تلك القصة التى قصصناها عليك يا محمد بهذا الأسلوب الحكيم ، من أخبار الغيب الماضية ، التى لا يعلم دقائقها وتفاصيلها أحد سوانا .ونحن ( نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ) ونعرفك بها عن طريق وحبنا الصادق الأمين .وهذه القصة وأمثالها ( مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ ) أنت يا محمد ، وما كان يعلمها ( قومك ) أيضا ، بهذه الصورة الصادقة الحكيمة ، الخالية من الأساطير والأكاذيب .( مِن قَبْلِ ) هذا الوقت الذى أوحيناها إليك فيه .وما دام الأمر كذلك ( فاصبر ) صبرا جميلا على تبليغ رسالتك ، وعلى أذى قومك كما صبر أخوك نوع من قبل .وجملة ( إِنَّ العاقبة لِلْمُتَّقِينَ ) تعليل للأمر بالصبر .والعاقبة : الحالة التي تعقب حالة قبلها ، وقد شاعت عند الإِطلاق فى حالة الخير كما فى قوله - تعالى - ( والعاقبة للتقوى ) وأل فيها للجنس ، واللام فى قوله ( لِلْمُتَّقِينَ ) للاختصاص .أى : أن العاقبة الحسنة الطيبة فى الدنيا والآخرة ، للمتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل مالا يرضى الله - تعالى - وليست لغيرهم ممن استحبوا العمى على الهدى .والآية الكريمة تعقيب حكيم على قصة نوح - عليه السلام - قصد به الامتنان على النبى - صلى الله عليه وسلم - والموعظة ، والتسلية .فالامتنان نراه فى قوله - تعالى - ( مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هذا ) .والموعظة نراها فى قوله - سبحانه - ( فاصبر ) .والتسلية نراها فى قوله - عز وجل - ( إِنَّ العاقبة لِلْمُتَّقِينَ ) .وبعد ، فهذه قصة نوح - عليه السلام - كما وردت فى هذه السورة الكريمة ، ومن العبر والعظات والهدايات والحقائق التى نأخذها منها ما يأتى :1 - الدلالة على صدق النبى - عليه السلام - فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - ، فقد أخبرنا عن قصة نوح - عليه السلام - مع قومه ، وعن غيرها من القصص ، التى هى من أنباء الغيب ، والتى لا يعلم حقيقتها وتفاصيلها أحد سوى الله - عز وجل - .2 - أن نوحا - عليه السلام - قد سلك فى دعوته إلى الله - تعالى - أحسن الأساليب وأحكمها ، فقد دعا قومه إلى عبادة الله - تعالى - وحده فى الليل وفى النهار ، وفى السر وفى العلانية ، وأقام لهم ألوانا من الأدلة على صدقه ، ورغبهم فى الإِيمان بشتى ألوان الترغيب ، وحذرهم من الكفر بشتى أنواع التحذي ، وصبر على آذاهم صبرا جميلا ، ورد على سفاهاتهم وأقوالهم بمنطق سليم ، أبطل بن حججهم .

.

مما جعلهم يكفون عن مناقشته ، ويلجأون إلى التحدى والتعنت .وما أحود الدعاة إلى الله - عز وجل - إلى التماس العبرة والعظة من قصة نوح مع قومه .3 - أن النسب مهما شرف وعظم لن ينفع صاحبه عند الله ، إلا إذا كان معه الإِيمان والعمل الصالح ، وأن الإِيمان والصلاح ليسا مرتبطين بالوراثة والأنساب لأنه لو كان الأمر كذلك لكانت ذرية نوح ومن معه من المؤمنين الذين نجوا معه فى السفينة .

كلها من المؤمنين الصالحين ، مع أن المشاهد غير ذلك .ورحم الله الإِمام القرطبى فقد قال - ما ملخصه - عند تفسيره لقوله - تعالى - ( قَالَ يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ .

.

) " وفى هذه الآية تسلية للآباء فى فساد أبنائهم وإن كان الآباء الصالحين " فقد روى أن ابنا لمالك بن أنس ارتكب أمرا لا يليق بمسلم ، فعلم بذلك مالك فقال : " الأدب أدب الله ، لا أدب الأباء والأمهات ، والخير خير الله ، لا خير الآباء والأمهات .

.

"4 - أن سؤال نوح - عليه السلام - ما سأله لابنه لم يكن - كما قال صاحب المنار معصية لله - تعالى - خالف فيها أمره أو نهيه ، وإنما كان خطأ فى اجتهاده رأى بنية صالحة .وإنما عدها الله - تعالى - ذنبا له لأنها كانت دون مقام العلم الصحيح اللائق بمنزلته من ربه ، هبطت بضعفه البشرى ، وما غرس فى الفطرة من الرحمة والرأفة بالأولاد إلى اتباع الظن ، ومثل هذا الاجتهاد لم يعصم منه الأنبياء ، فيقعون فيه أحيانا ليشعروا بحاجتهم إلى تأديب ربهم وتكميله إياهم آنا بعد آن ، بما يصعدون به فى معارج العرفان .5 - إن القرآن فى إيراده للقصص والأخبار ، لا يهتم إلا بإبراز النافع المفيد منها ، أما ما عدا ذلك مما لا فائدة من ذكره ، فيهمل القرآن الحديث عنه .فمثلا فى قصة نوح - عليه السلام - هنا ، لم يتعرض القرآن لبيان المدة التى قضاها نوح فى صنع السفينة ، ولا لبيان طول السفينة وعرضها وارتفاعها ، ولا لتفاصيل الأنواع التى حملها معه فى السفينة ، ولا لبيان الفترة التى عاشها نوح ومن معه فيها .ولا لبيان المكان الذى هبط فيه نوح بعد أن استوت السفينة على الجودى ..

ولا لبيان الزمان الذى استغرقه الطوفان فوق الأرض .وما ورد فى ذلك من أقوال وأخبار ، أكثرها من الإِسرائيليات التى لا يؤيدها دليل من الشرع أو العقل .ومن المسائل التى تكلم عنها كثير من العلماء ، وذهبوا بشأنها مذاهب شتى مسألة الطوفان .وقد أصدر الأستاذ الإِمام الشيخ محمد عبده - رحمه الله - فتوى فى هذا الشأن ، ملخصها كما يقول صاحب المنار : أن ظواهر القرآن الكريم والأحاديث أن الطوفان كن عاما شاملا لقوم نوح الذين لم يكن فى الأرض غيرهم فيجب اعتقاده ، ولكنه لا يقتضى أن يكون عاما للأرض ، إذ لا دليل على أنهم كانوا يملأون الأرض .وهذه المسائل التاريخية ليست من مقاصد القرآن ، ولذلك لم يبينها بنص قطعى ، فنحن نقول بما تقدم إنه ظاهرا النصوص ، ولا نتخذه عقيدة دينية قطعية ، فإن أثبت العلم خلافه لا يضرنا ، لأنه لا ينقض نصا قطعيا عندنا .6 - أن سنة الله - تعالى - فى خلقه لا تتخلف ولا تتبدل وهى أن العاقبة للمتقين ، مهما طال الصراع بين الحق والباطل ، وبين الأخيار والأشرار .فلقد لبث نوح - عليه السلام - فى قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة الله وحده ، وقد لقى خلال تلك المدة الطويلة ما لقى من الأذى .

.

.

ولكن كانت النتيجة فى النهاية نجاته ومن معه من المؤمنين ، وإغراق أعدائه بالطوفان العظيم .ولقد أفاض صاحب الظلال - رحمه الله - وهو يتحدث عن هذا المعنى فقال ما ملخصه : " ثم نقف الوقفة الأخيرة مع قصة نوح ، لنرى قيمة الحفنة المسلمة فى ميزان الله - سبحانه - .إن حفنة من المسلمين من أتباع نوح - عليه السلام - تذكر بعض الروايات ، أنهم اثنا عشر ، هم كانوا حصيلة دعوة نوح فى ألف سنة إلا خمسين عاما .إن هذه الحفنة - وهى ثمرة ذلك العمر الطويل والجهد الطويل - ، قد استحقت أن يغير الله لها المألوف من ظواهر هذا الكون ، وأن يجرى لها ذلك الطوفان الذى يغمر كل شئ .

.

.

وأن يجعل هذه الحفنة وحدها هى وارثة الأرض بعد ذلك ، وبذرة العمران فيها .وهذه هى عبرة الحادث الكونى العظيم .إنه لا ينبغى لأحد يواجه الجاهلية بالإِسلام ، أن يظن أن الله تاركه للجاهلية وهو يدعو إلى إفراد الله - سبحانه - بالربوبية .

كما أنه لا ينبغى له أن يقبس قوته الذاتية إلى قوى الجاهلية فيظن أن الله تاركه لهذه القوى ، وهو عبده الذى يستنصر به حين يغلب فيدعوه : ( أَنِّي مَغْلُوبٌ فانتصر ) إن القوى فى حقيقتها ليست متكافئة ولا متقاربة .

.

إن الجاهلية تملك قواها .

.

ولكن الداعى إلى اله يستند إلى قوة الله .

والله يملك أن يسخر له بعض القوى الكونية - حينما يشاء وكيفما يشاء - وأيسر هذه القوى يدمر على الجاهلية من حيث لا تحتسب!!

.والذين يسلكون السبيل إلى الله ليس عليهم أن يؤدوا واجبهم كاملا ، ثم يتركوا الأمور لله فى طمأنينة وثقة .

وعندما يغلبون عليهم أن يلجأوا إلى الناصر المعين ، وأن يجأروا إليه وحده كما جأر عبده الصالح نوح : ( فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فانتصر ) ثم عليهم أن ينتظروا فرج الله القريب ، وانتظار الفرج من الله عبادة ، فهم على هذا الانتظار مأجورون .

.

والعاقبة للمتقين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما شرح قصة نوح عليه السلام على التفصيل قال: ﴿ تِلْكَ ﴾ أي تلك الآيات التي ذكرناها، وتلك التفاصيل التي شرحناها من أنباء الغيب، أي من الأخبار التي كانت غائبة عن الخلق فقوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ في محل الرفع على الابتداء، و ﴿ مِنْ أَنبَاء الغيب ﴾ الخبر و ﴿ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ﴾ خبر ثان وما بعده أيضاً خبر ثالث.

ثم قال تعالى: ﴿ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ ﴾ والمعنى: أنك ما كنت تعرف هذه القصة، بل قومك ما كانوا يعرفونها أيضاً، ونظيره أن تقول لإنسان لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا أهل بلدك.

فإن قيل: أليس قد كانت قصة طوفان نوح عليه السلام مشهورة عند أهل العلم؟

قلنا: تلك القصة بحسب الإجمال كانت مشهورة، أما التفاصيل المذكورة فما كانت معلومة.

ثم قال: ﴿ فاصبر إِنَّ العاقبة لِلْمُتَّقِينَ ﴾ والمعنى: يا محمد اصبر أنت وقومك على أذى هؤلاء الكفار كما صبر نوح وقومه على أذى أولئك الكفار، وفيه تنبيه على أن الصبر عاقبته النصر والظفر والفرح والسرور كما كان لنوح عليه السلام ولقومه.

فإن قال قائل: إنه تعالى ذكر هذه القصة في سورة يونس ثم إنه أعادها هاهنا مرة أخرى، فما الفائدة في هذا التكرير؟

قلنا: إن القصة الواحدة قد ينتفع بها من وجوه: ففي السورة الأولى كان الكفار يستعجلون نزول العذاب، فذكر تعالى قصة نوح في بيان أن قومه كانوا يكذبونه بسبب أن العذاب ما كان يظهر ثم في العاقبة ظهر فكذا في واقعة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي هذه السورة ذكر هذه القصة لأجل أن الكفار كانوا يبالغون في الإيحاش، فذكر الله تعالى هذه القصة لبيان أن إقدام الكفار على الإيذاء والإيحاش كان حاصلاً في زمان نوح، إلا أنه عليه السلام لما صبر نال الفتح والظفر، فكن يا محمد كذلك لتنال المقصود، ولما كان وجه الانتفاع بهذه القصة في كل سورة من وجه آخر لم يكن تكريرها خالياً عن الفائدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى قصة نوح عليه السلام.

ومحلها الرفع على الابتداء، والجمل بعدها أخبار، أي تلك القصة بعض أنباء الغيب موحاة إليك، مجهولة عندك وعند قومك ﴿ مّن قَبْلِ هذا ﴾ من قبل إيحائي إليك وإخبارك بها.

أو من قبل هذا العلم الذي كسبته بالوحي.

أو من قبل هذا الوقت ﴿ فاصبر ﴾ على تبليغ الرسالة وأذى قومك، كما صبر نوح وتوقع في العاقبة لك ولمن كذبك نحو ما قيض لنوح ولقومه ﴿ إِنَّ العاقبة ﴾ في الفوز والنصر والغلبة ﴿ لّلْمُتَّقِينَ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ قَوْمُكَ ﴾ معناه: إنّ قومك الذين أنت منهم على كثرتهم ووفور عددهم إذا لم يكن ذلك شأنهم ولا سمعوه ولا عرفوه، فكيف برجل منهم كما تقول لم يعرف هذا عبد الله ولا أهل بلده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ تِلْكَ ﴾ إشارَةٌ إلى قِصَّةِ نُوحٍ ومَحَلُّها الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُها: ﴿ مِن أنْباءِ الغَيْبِ ﴾ أيْ بَعْضُها.

﴿ نُوحِيها إلَيْكَ ﴾ خَبَرٌ ثانٍ والضَّمِيرُ لَها أيْ مُوحاةٌ إلَيْكَ، أوْ حالٌ مِنَ الـ ﴿ أنْباءِ ﴾ أوْ هو الخَبَرُ و ﴿ مِن أنْباءِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ حالٌ مِنَ الهاءِ في ﴿ نُوحِيها ﴾ .

﴿ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا ﴾ خَبَرٌ آخَرُ أيْ مَجْهُولَةٌ عِنْدَكَ وعِنْدَ قَوْمِكَ مِن قِبَلِ إيحائِنا إلَيْكَ، أوْ حالٌ مِنَ الهاءِ في نُوحِيها أوِ الكافِ في ﴿ إلَيْكَ ﴾ أيْ: جاهِلًا أنْتَ وقَوْمُكَ بِها، وفي ذِكْرِهِمْ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْها إذْ لَمْ يُخالِطْ غَيْرَهم وأنَّهم مَعَ كَثْرَتِهِمْ لَمّا لَمْ يَسْمَعُوها فَكَيْفَ بِواحِدٍ مِنهم.

﴿ فاصْبِرْ ﴾ عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ وأذِيَّةِ القَوْمِ كَما صَبَرَ نُوحٌ.

﴿ إنَّ العاقِبَةَ ﴾ في الدُّنْيا بِالظَّفَرِ وفي الآخِرَةِ بِالفَوْزِ.

﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{تلك} إشارة إلى قصة

هود (٤٩ _ ٥٢)

نوح عليه السلام ومحلها الرفع على الابتداء والجمل بعدها وهي {مِنْ أَنْبَاء الغيب نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ} أخبار أي تلك القصة بعض أنباء الغيب موحاة إليك مجهولة عندك وعند قومك {مّن قَبْلِ هذا} الوقت أو من قبل إيحائي إليك وإخبارك بها {فاصبر} على تبليغ الرسالة وأذى قومك كما صبر نوح وتوقع في العاقبة لك ولمن كذبك نحو ما كان لنوح ولقومه {إِنَّ العاقبة} في الفوز والنصر والغلبة {لّلْمُتَّقِينَ} عن الشرك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ تِلْكَ ﴾ إشارَةٌ إلى قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي لِتَقَضِّيها في حُكْمِ البَعِيدِ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ أُشِيرَ بِأداةِ البُعْدِ إلى بُعْدِ مَنزِلَتِها، وقِيلَ: إنَّ الإشاراةَ إلى آياتِ القُرْآنِ ولَيْسَ بِذاكَ؛ وهي في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن أنْباءِ الغَيْبِ ﴾ أيْ بَعْضِ أخْبارِهِ الَّتِي لَها شَأْنٌ وكَوْنُها بَعْضَ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّها عَلى التَّفْصِيلِ لَمْ تَبْقَ لِطُولِ العَهْدِ مَعْلُومَةً لِغَيْرِهِ تَعالى حَتّى إنَّ المَجُوسَ عَلى ما قِيلَ: يُنْكِرُونَها رَأْسًا، وقِيلَ: إنَّ كَوْنَها مِنَ الغَيْبِ لِغَيْرِ أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الغَيْبَ قِسْمانِ: ما لا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِلْمُ مَخْلُوقٍ أصْلًا وهو الغَيْبُ المُطْلَقُ، وما لا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِلْمُ مَخْلُوقٍ مُعَيَّنٍ وهو الغَيْبُ المُضافُ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَلِكَ المَخْلُوقِ، وهو مُرادُ الفُقَهاءِ في تَكْفِيرِ الحاكِمِ عَلى الغَيْبِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ نُوحِيها ﴾ خَبَرٌ ثانٍ -لِتِلْكَ- والضَّمِيرُ لَها أيْ مُوحاةً ﴿ إلَيْكَ ﴾ أوْ هو الخَبَرُ ( مِن أنْباءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وفائِدَةُ تَقْدِيمِهِ نَفْيُ أنْ يَكُونَ عِلْمُ ذَلِكَ بِكِهانَةٍ أوْ تَعَلُّمٍ مِنَ الغَيْرِ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ أوْ ( مِن أنْباءِ ) هو الخَبَرُ، وهَذا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ( أنْباءِ ) والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ كَوْنِها مُوحاةً إلْجاءُ قَوْمِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلتَّصْدِيقِ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَحْذِيرِهِمْ مِمّا نَزَلَ بِالمُكَذِّبِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ ﴾ خَبَرٌ آخَرُ أيْ مَجْهُولَةٌ عِنْدَكَ وعِنْدَ قَوْمِكَ ﴿ مِن قَبْلِ هَذا ﴾ أيِ الإيحاءِ إلَيْكَ المَعْلُومِ مِمّا مَرَّ، وقِيلَ: أيِ الوَقْتِ، وقِيلَ: أيِ العِلْمِ المُكْتَسَبِ بِالوَحْيِ.

وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ -مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ- ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الهاءِ في ﴿ نُوحِيها ﴾ أوِ الكافِ مِن ( إلَيْكَ ) أيْ غَيْرُ عالِمٍ أنْتَ ولا قَوْمُكَ بِها، وذِكْرُ القَوْمِ مَعَهُ  مِن بابِ التَّرَقِّي كَما تَقُولُ: هَذا الأمْرُ لا يَعْلَمُهُ زَيْدٌ ولا أهْلُ بَلَدِهِ لِأنَّهم مَعَ كَثْرَتِهِمْ إذا لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَكَيْفَ يَعْلَمُهُ واحِدٌ مِنهُمْ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لَمْ يُخالِطْ غَيْرَهم.

﴿ فاصْبِرْ ﴾ مُتَفَرِّعٌ عَلى الإيحاءِ أوْ عَلى العِلْمِ المُسْتَفادِ مِنهُ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما تَقَدَّمَ ﴿ مِن قَبْلِ هَذا ﴾ أيْ وإذْ قَدْ أوْحَيْناها إلَيْكَ وعَلِمْتَها بِذَلِكَ فاصْبِرْ عَلى مَشاقِّ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وأذِيَّةِ قَوْمِكَ كَما صَبَرَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما سَمِعْتَهُ مِن أنْواعِ البَلايا في هَذِهِ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ، وقِيلَ: وهَذا ناظِرٌ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ ﴾ إلَخْ ﴿ إنَّ العاقِبَةَ ﴾ بِالظَّفَرِ في الدُّنْيا وبِالفَوْزِ بِالآخِرَةِ ﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ كَما سَمِعْتَ ذَلِكَ في نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ، قِيلَ: وهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ وتَسْلِيَةٌ لَهُ  ، والمُرادُ بِالتَّقْوى الدَّرَجَةُ الأُولى مِنها، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِها الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ وهي بِذَلِكَ المَعْنى مُنْطَوِيَةٌ عَلى الصَّبْرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فاصْبِرْ فَإنَّ العاقِبَةَ لِلصّابِرِينَ، وقِيلَ: الآيَةُ فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ وبَيانٌ لِلْحِكْمَةِ في إيحاءِ ذَلِكَ مِن إرْشادِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَهْدِيدِ قَوْمِهِ المُكَذِّبِينَ لَهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ، ﴿ فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ ﴾ إلَخْ لِما كانَ مُقْتَضى الطِّباعِ البَشَرِيَّةِ عَدَمَ نَشاطِ المُتَكَلِّمِ إذا لَمْ يَجِدْ مَحَلًّا قابِلًا لِكَلامِهِ وضِيقِ صَدْرِهِ مِن ذَلِكَ هَيَّجَ جَلَّ شَأْنُهُ نَشاطَ نَبِيِّهِ  بِما أنْزَلَ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ ﴾ ولا يَخْلُو الإنْذارُ عَنْ إحْدى فائِدَتَيْنِ: رَفْعِ الحِجابِ عَمَّنْ وُفِّقَ وإلْزامِ الحُجَّةِ لِمَن خَذَلَ ﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ ﴾ فَكُلُّ الهِدايَةِ إلَيْهِ ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ ﴾ بِعَمَلِهِ الَّذِي هو بِظاهِرِهِ مِن أعْمالِ الآخِرَةِ ﴿ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ كالجاهِ والمَدْحِ ﴿ نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ ﴾ أيْ جَزاءَها فِيها إنْ شِئْنا ﴿ وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ ﴾ أيْ لا يَنْقُصُونَ شَيْئًا مِنها ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ ﴾ لِتُعَذَّبَ قُلُوبُهم بِالحُجُبِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها ﴾ مِن أعْمالِ البِرِّ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِها، وجاءَ: «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» الحَدِيثَ ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ أيْ يَقِينٍ بُرْهانِيٍّ عَقْلِيٍّ أوْ وِجْدانِيٍّ كَشْفِيٍّ ﴿ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ﴾ وهو القُرْآنُ المُصَدِّقُ لِذَلِكَ، ومِن هُنا تُؤَيِّدُ الأدِلَّةُ العَقْلِيَّةُ بِالآياتِ النَّقْلِيَّةِ القُرْآنِيَّةِ.

ويُحْكَمُ بِكَوْنِ الكَشْفِ صَحِيحًا إذا شَهِدَتْ لَهُ ووافَقَتْهُ، ولِذا قالُوا: كُلُّ كَشْفٍ خالَفَ ما جاءَ عَنِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ ﴿ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ﴾ أيْ يَتْبَعُ البُرْهانَ مِن قَبْلِ هَذا الكِتابِ كِتابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في حالَةِ كَوْنِهِ ﴿ إمامًا ﴾ يُؤْتَمُّ بِهِ في تَحْقِيقِ المَطالِبِ ﴿ ورَحْمَةً ﴾ لِمَن يَهْتَدِي بِهِ، وهَذا وجْهٌ في الآيَةِ ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وقَدْ قَدَّمْنا ما فِيها مِن الِاحْتِمالاتِ؛ وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ المُرادَ بَيانُ بَعْدَ ما بَيْنَ مَرْتَبَتَيْ مَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا ومَن هو عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ.

ولِلصُّوفِيَّةِ قُدِّسَتْ أسْرارُهم عِباراتٌ شَتّى في البَيِّنَةِ فَقالَ رُوَيْمٌ: هي الإشْرافُ عَنِ القُلُوبِ والحُكْمُ عَلى الغُيُوبِ، وقالَ سَيِّدُ الطّائِفَةِ: هي حَقِيقَةٌ يُؤَيِّدُها ظاهِرُ العِلْمِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وعَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ طاهِرٍ أنَّ مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كانَتْ جَوارِحُهُ وقْفًا عَلى الطّاعاتِ والمُوافَقاتِ ولِسانُهُ مَشْغُولًا بِالذِّكْرِ ونَشْرِ الآلاءِ والنَّعْماءِ وقَلْبُهُ مُنَوَّرًا بِأنْوارِ التَّوْفِيقِ وضِياءِ التَّحْقِيقِ، وسِرُّهُ ورُوحُهُ مُشاهِدِينَ لِلْحَقِّ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، وكانَ عالِمًا بِما يَبْدُو مِن مَكْنُونِ الغُيُوبِ، ورُؤْيَتُهُ يَقِينٌ لا شَكَّ فِيهِ وحُكْمُهُ عَلى الخَلْقِ كَحُكْمِ الحَقِّ لا يَنْطِقُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَرى إلّا الحَقَّ لِأنَّهُ مُسْتَغْرَقٌ بِهِ فَأنّى يَرى سِواهُ ﴿ ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ إلَخْ..

جَعَلَهُ بَعْضُهم إشارَةً إلى المُثْبِتِينَ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ وجُودًا وهم أهْلُ الكَثْرَةِ والحِجابِ، وفَسَّرَ الأشْهادُ بِالمُوَحِّدِينَ الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ في الدّارِ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ دِيارًا.

ومِنَ النّاسِ مَن عَكَسَ الأمْرَ وجَعَلَها رَدًّا عَلى أهْلِ الوَحْدَةِ القائِلِينَ: إنَّ كُلَّ ما شاهَدْتَهُ بِعَيْنِكَ أوْ تَصَوَّرْتَهُ بِفِكْرِكَ فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ بِمَعْنى كُفْرُ النَّصارى إيمانٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وحاشا أهْلَ اللَّهِ تَعالى مِنَ القَوْلِ بِهِ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ ظاهِرُهُ، ومِنهم مَن جَعَلَها مُشِيرَةً إلى حالِ مَن يَزْعُمُ أنَّهُ ولِيُّ اللَّهِ تَعالى ويَتَزَيّا بِزِيِّ السّاداتِ ويَتَكَلَّمُ بِكَلِماتِهِمْ وهو في الباطِنِ أفْسَقُ مِن قِرْدٍ وأجْهَلُ مِن حِمارِ تُومَهْ ﴿ مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ ﴾ قِيلَ: (البَصِيرُ) مَن عايَنَ ما يُرادُ بِهِ وما يَجْرِي لَهُ وعَلَيْهِ في جَمِيعِ أوْقاتِهِ (والسَّمِيعُ) مَن يَسْمَعُ ما يُخاطَبُ بِهِ مِن تَقْرِيعٍ وتَأْدِيبٍ وحَثٍّ ونَدْبٍ لا يَغْفُلُ عَنِ الخِطابِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، وقِيلَ: (البَصِيرُ) النّاظِرُ إلى الأشْياءِ بِعَيْنِ الحَقِّ فَلا يُنْكِرُ شَيْئًا ولا يَتَعَجَّبُ مِن شَيْءٍ والسَّمِيعُ مَن يَسْمَعُ مِنَ الحَقِّ فَيُمَيِّزُ الإلْهامَ مِنَ الوَسْواسِ، وقِيلَ: (البَصِيرُ) هو الَّذِي يَشْهَدُ أفْعالَهُ بِعِلْمِ اليَقِينِ وصِفاتِهِ بِعَيْنِ اليَقِينِ وذاتَهُ بِحَقِّ اليَقِينِ، فالغائِباتُ لَهُ حُضُورٌ والمَسْتُوراتُ لَهُ كَشْفٌ (والسَّمِيعُ) مَن يَسْمَعُ مِن دَواعِي العِلْمِ شَرْعًا، ثُمَّ مِن خَواطِرِ التَّعْرِيفِ قَدْرًا، ثُمَّ يُكاشِفُ بِخِطابٍ مِنَ الحَقِّ سِرًّا، وقِيلَ: (السَّمِيعُ) مَن لا يَسْمَعُ إلّا كَلامَ حَبِيبِهِ، و(البَصِيرُ) مَن لا يُشاهِدُ إلّا الأنْوارَهُ فَهو في ضِيائِها لَيْلًا ونَهارًا، وإلى هَذا يُشِيرُ قَوْلُ قائِلِهِمْ: لَيْلى مِن وجْهِكِ شَمْسُ الضُّحى وإنَّما السُّدْفَةُ في الجَوِّ النّاسُ في الظُّلْمَةِ مِن لَيْلِهِمْ ∗∗∗ ونَحْنُ مِن وجْهِكِ في الضَّوِّ وفُسِّرَ كُلٌّ مِنَ -الأعْمى والأصَمِّ- بِضِدِّ ما فُسِّرَ بِهِ (البَصِيرُ والسَّمِيعُ) والمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ هَلْ يَسْتَوِيانِ ﴾ أنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّقابُلِ والتَّباعُدِ إلى حَيْثُ لا تَتَراءى ناراهُما، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قَوْمِهِ ما فِيهِ إرْشادٌ وتَهْدِيدٌ وعِظَةٌ ما عَلَيْها مَزِيدٌ ﴿ فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ﴾ أيِ الأشْرافُ المَلِيئُونَ بِأُمُورِ الدُّنْيا الَّذِينَ حُجِبُوا بِما هم فِيهِ عَنِ الحَقِّ ﴿ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا ﴾ لِكَوْنِهِمْ واقِفِينَ عِنْدَ حَدِّ العَقْلِ المَشُوبِ بِالوَهْمِ فَلا يَرَوْنَ لِأحَدٍ طَوْرًا وراءَ ما بَلَغُوا إلَيْهِ، ولَمْ يَشْعُرُوا بِمَقامِ النُّبُوَّةِ ومَعْناها ﴿ وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ ﴾ وصَفُوهم بِذَلِكَ لِفَقْرِهِمْ حَيْثُ كانُوا لا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الشَّرَفَ بِالكَمالِ لا بِالمالِ.

﴿ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ ﴾ وتَقَدُّمٌ يُؤَهِّلُكم لِما تَدْعُونَهُ ﴿ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ ﴾ فَلا نُبُوَّةَ لَكَ ولا عِلْمَ لَهم ﴿ قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ يَجِبُ عَلَيْكُمُ الإذْعانُ بِها ﴿ وآتانِي رَحْمَةً ﴾ هِدايَةً خاصَّةً كَشْفِيَّةً مُتَعالِيَةً عَنْ دَرَجَةِ البُرْهانِ ﴿ مِن عِنْدِهِ ﴾ فَوْقَ طَوْرِ عُقُولِكم مِنَ العُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ ومَقامِ النُّبُوَّةِ (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) لِاحْتِجابِكم بِالظّاهِرِ عَنِ الباطِنِ وبِالخَلِيقَةِ عَنِ الحَقِيقَةِ ﴿ أنُلْزِمُكُمُوها ﴾ ونُجْبِرُكم عَلَيْها ﴿ وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ ﴾ لا تَلْتَفِتُونَ إلَيْها كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنَّهُ لا يَكُونُ إلْزامُ ذَلِكَ مَعَ الكَراهَةِ، لَكِنْ إنْ شِئْتُمْ تَلَقِّيَهُ فَزَكُّوا أنْفُسَكم واتْرُكُوا إنْكارَكم حَتّى يَظْهَرَ عَلَيْكم أثَرُ نُورِ الإرادَةِ فَتَقَبَّلُوا ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ المُنْكَرَ لا يُمْكِنُ لَهُ الِاسْتِفاضَةُ مِن أهْلِ اللَّهِ تَعالى ولا يَكادُ يَنْتَفِعُ بِهِمْ ما دامَ مُنْكِرًا ومَن لَمْ يَعْتَقِدْ لَمْ يَنْتَفِعْ ﴿ ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالا ﴾ أيْ لَيْسَ لِي مَطْمَحٌ في شَيْءٍ مِن أمْوالِكُمُ الَّتِي ظَنَنْتُمْ أنَّ الشَّرَفَ بِها ﴿ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ ﴾ فَهو يُثِيبُنِي بِما هو خَيْرٌ وأبْقى ﴿ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ﴾ أيْ إنَّهم أهْلُ الزُّلْفى عِنْدَهُ تَعالى، وهم حَمائِمُ أبْراجِ المَلَكُوتِ وبُزاةُ مَعارِجِ الجَبَرُوتِ ﴿ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ تَسْفَهُونَ عَلَيْهِمْ وتُؤْذُونَهم ﴿ ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مَن اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهُمْ ﴾ كَما تُرِيدُونَ وهم بِتِلْكَ المَثابَةِ ﴿ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ لِتَعْرِفُوا التِماسَ طَرْدِهِمْ ضَلالًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الإعْراضَ عَنْ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ مُؤَدٍّ إلى سُخْطِ رَبِّ العالَمِينَ.

قالَ أبُو عُثْمانَ: في الآيَةِ (ما أنا) بِمُعْرِضٍ عَمَّنْ أقْبَلَ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ مَن أقْبَلَ عَلى اللَّهِ تَعالى بِالحَقِيقَةِ أقْبَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، ومَن أعْرَضَ عَمَّنْ أقْبَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ فَقَدْ أعْرَضَ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿ ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ إلَخْ..

أيْ أنا لا أدَّعِي الفَضْلَ بِكَثْرَةِ المالِ ولا بِالِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ ولا بِالمَلَكِيَّةِ حَتّى تُنْكِرُوا فَضْلِي بِفِقْدانِ ذَلِكَ وبِمُنافاةِ البَشَرِيَّةِ لِما أنا عَلَيْهِ ﴿ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ ﴾ تَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ بِعَيْنِ الحَقارَةِ ﴿ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ﴾ كَما تَقُولُونَ أنْتُمْ، إذِ الخَيْرُ عِنْدِي ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا المالُ ﴿ اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ ﴾ مِنَ الخَيْرِ مِنِّي ومِنكم وهو أعْلَمُ بِقَدْرِهِمْ وخَطَرِهِمْ ﴿ إنِّي إذًا ﴾ أيْ إذْ نَفَيْتُ ﴿ لَمِنَ الظّالِمِينَ ﴾ مِثْلَكم ﴿ واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ﴾ قِيلَ: فِيهِ إشارَةٌ إلى عَيْنِ الجَمْعِ المُشارِ إلَيْهِ بِخَبَرِ: «لا زالَ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ» الحَدِيثَ.

وقِيلَ: أيْ كُنْ في أعْيُنِ رِعايَتِنا وحِفْظِنا ولا تَكُنْ في رُؤْيَةِ عَمَلِكَ والِاعْتِمادِ عَلَيْهِ، فَإنَّ مَن نَظَرَ إلى غَيْرِي احْتَجَبَ بِهِ عَنِّي، وقالَ بَعْضُهُمْ: أيْ أسْقِطْ عَنْ نَفْسِكَ تَدْبِيرَكَ واصْنَعْ ما أنْتَ صانِعٌ مِن أفْعالِكَ عَلى مُشاهَدَتِنا دُونَ مُشاهَدَةِ نَفْسِكَ أوْ أحَدٍ مِن خَلْقِي، وقِيلَ: أيِ اصْنَعِ الفُلْكَ ولا تَعْتَمِدْ عَلَيْهِ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا رِعايَةً وكِلاءَةً، فَإنِ اعْتَمَدْتَ عَلى الفُلْكِ وُكِّلْتَ إلَيْهِ وسَقَطْتَ مِن أعْيُنِنا ﴿ ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى رِقَّةِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ احْتِمالِ جَفْوَتِهِمْ وأذِيَّتِهِمْ، وهَكَذا شَأْنُ الصِّدِّيقِينَ، والكَلامُ في باقِي الآيَةِ ظاهِرٌ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَجِبُ الإيمانُ بِظاهِرِها والتَّصْدِيقُ بِوُقُوعِ الطُّوفانِ حَسْبَما قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وإنْكارُ ذَلِكَ كُفْرٌ صَرِيحٌ، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُ السّادَةِ أنَّهُ بَعْدَ الإيمانِ بِذَلِكَ يُمْكِنُ احْتِمالُ التَّأْوِيلِ عَلى أنَّهُ حَظُّ الصُّوفِيِّ مِنَ الآيَةِ، وذَلِكَ بِأنْ يُؤَوَّلَ الفُلْكُ بِشَرِيعَةِ نُوحٍ الَّتِي نَجا بِها هو ومَن آمَنَ مَعَهُ، والطُّوفانُ بِاسْتِيلاءِ بَحْرِ الهَيُولِيِّ وإهْلاكِ مَن لَمْ يَتَجَرَّدْ عَنْها بِمُتابَعَةِ نَبِيٌّ وتَزْكِيَةِ نَفْسٍ كَما جاءَ في مُخاطَباتِ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِنَفْسِهِ ما مَعْناهُ إنَّ هَذِهِ الدُّنْيا بَحْرٌ مَمْلُوءٌ ماءً، فَإنِ اتَّخَذْتَ سَفِينَةً تَرْكَبُها عِنْدَ خَرابِ البَدَنِ نَجَوْتَ مِنها إلى عالَمِكَ وإلّا غَرِقْتَ فِيها وهَلَكْتَ، وعَلى هَذا يُقالُ: مَعْنى ﴿ ويَصْنَعُ الفُلْكَ ﴾ يَتَّخِذُ شَرِيعَةً مِن ألْواحِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ودُسُرِ العُلُومِ تَنْتَظِمُ بِها الأعْمالُ وتُحْكَمُ ﴿ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ ﴾ كَما هو المُشاهَدُ في أرْبابِ الخَلاعَةِ المُمْتَطِينَ غارِبَ الهَوى يَسْخَرُونَ مِنَ المُتَشَرِّعِينَ المُتَقَيِّدِينَ بِقُيُودِ الطّاعَةِ ﴿ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا ﴾ بِجَهْلِكم ﴿ فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ ﴾ عِنْدَ ظُهُورِ وخامَةِ عاقِبَتِكم ﴿ كَما تَسْخَرُونَ ﴾ ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ﴾ في الدُّنْيا مِن حُلُولِ ما لا يُلائِمُ غَرَضَهُ وشَهْوَتَهُ ﴿ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ ﴾ في الآخِرَةِ مِنِ اسْتِيلاءِ نِيرانِ الحِرْمانِ وظُهُورِ هَيْئاتِ الرَّذائِلِ المُظْلِمَةِ ﴿ حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا ﴾ بِإهْلاكِ أُمَّتِهِ ﴿ وفارَ التَّنُّورُ ﴾ بِاسْتِيلاءِ الأخْلاطِ الفاسِدَةِ والرُّطُوباتِ الفَضْلِيَّةِ عَلى الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ وقُوَّةِ طَبِيعَةِ ماءِ الهَيُولِيِّ عَلى نارِ الرُّوحِ الحَيَوانِيَّةِ، أوْ ﴿ أمْرُنا ﴾ بِإهْلاكِهِمُ المَعْنَوِيِّ ﴿ وفارَ التَّنُّورُ ﴾ بِاسْتِيلاءِ ماءِ هَوى الطَّبِيعَةِ عَلى القَلْبِ وإغْراقِهِ في بَحْرِ الهَيُولِيِّ الجُسْمانِيِّ ﴿ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ﴾ أيْ مِن كُلِّ صِنْفَيْنِ مِن نَوْعٍ اثْنَيْنِ هُما صُورَتاهُما النَّوْعِيَّةُ والصِّنْفِيَّةُ الباقِيَتانِ عِنْدَ فَناءِ الأشْخاصِ.

ومَعْنى حَمْلِهِما فِيها عِلْمُهُ بِبَقائِهِما مَعَ بَقاءِ الأرْواحِ الإنْسِيَّةِ، فَإنَّ عِلْمَهُ جُزْءٌ مِنَ السَّفِينَةِ المُتَرَكِّبَةِ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ، فَمَعْلُومِيَّتُهُما مَحْمُولِيَّتُهُما وعالِمِيَّتُهُ بِهِما حامِلِيَّتُهُ إيّاهُما فِيها (وأهْلَكَ) ومَن يَتَّصِلُ بِكَ في سِيرَتِكَ مِن أقارِبِكَ ﴿ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ﴾ أيِ الحُكْمُ بِإهْلاكِهِ في الأزَلِ لِكُفْرِهِ ﴿ ومَن آمَنَ ﴾ مِن أُمَّتِكَ ﴿ وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها ﴾ أيْ بِسْمِ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمِ الَّذِي هو وُجُودُ كُلِّ عارِفٍ كامِلٍ مِن أفْرادِ نَوْعِ الإنْسانِ إجْراءُ أحْكامِها وتَرْوِيجُها في بَحْرِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ وإثْباتُها وأحْكامُها كَما تَرى مِن إجْراءِ كُلِّ شَرِيعَةٍ وأحْكامُها بِوُجُودِ الكامِلِ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَيْها ﴿ إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ ﴾ لِهَيْئاتِ نُفُوسِكُمُ البَدَنِيَّةِ المُظْلِمَةِ وذُنُوبِ مَلابِسِ الطَّبِيعَةِ المُهْلِكَةِ إيّاكُمُ المُغْرِقَةِ في بَحْرِها وذَلِكَ بِمُتابَعَةِ الشَّرِيعَةِ ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بِإضافَةِ المَواهِبِ العِلْمِيَّةِ والكَشْفِيَّةِ والهَيْئاتِ النُّورانِيَّةِ الَّتِي يُنْجِيكم بِها ﴿ وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ ﴾ مِن بَحْرِ الطَّبِيعَةِ الجُسْمانِيَّةِ ﴿ كالجِبالِ ﴾ الحاجِبَةِ لِلنَّظَرِ المانِعَةِ مِنَ السَّيْرِ، وهم لا يُبالُونَ بِذَلِكَ مَحْفُوظُونَ مِن أنْ يُصِيبَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ المَوْجِ، وهَذا الجَرَيانِ يَعْرِضُ لِلسّالِكِ في ابْتِداءِ أمْرِهِ ولَوْلا أنَّهُ مَحْفُوظٌ في لُزُومِ سَفِينَةِ الشَّرْعِ لَهَلَكَ.

ولَعَلَّ في الآيَةِ عَلى هَذا تَغْلِيبًا ﴿ ونادى نُوحٌ ابْنَهُ ﴾ المَحْجُوبَ بِالعَقْلِ المَشُوبَ بِالوَهْمِ ﴿ وكانَ في مَعْزِلٍ ﴾ لِذَلِكَ الحِجابِ عَنِ الدِّينِ والشَّرِيعَةِ ﴿ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ﴾ أيِ ادْخُلْ في دِينِنا ﴿ ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ ﴾ المَحْجُوبِينَ الهالِكِينَ بِأمْواجِ هَوى النَّفْسِ المُغْرَقِينَ في بَحْرِ الطَّبْعِ ﴿ قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ ﴾ أيْ سَألْتَجِئُ إلى الدِّماغِ وأسْتَعْصِمُ بِالعَقْلِ المُشْرِقِ هُناكَ لِيَحْفَظَنِي مِنِ اسْتِيلاءِ بَحْرِ الهَيُولِيِّ فَلا أغْرَقُ فِيهِ ﴿ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مِن رَحِمَ ﴾ وهو اللَّهُ الَّذِي رَحِمَ أهْلَ التَّوْحِيدِ وأفاضَ عَلَيْهِمْ مِن شَآبِيبِ لُطْفِهِ ما عَرَفُوا بِهِ دِينَهُ الحَقَّ ﴿ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ ﴾ أيْ مَوْجُ هَوى النَّفْسِ واسْتِيلاءُ ماءِ بَحْرِ الطَّبِيعَةِ وحُجِبَ عَنِ الحَقِّ ﴿ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ ﴾ في بَحْرِ الهَيُولِيِّ الجُسْمانِيَّةِ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ الحَقِّ عَلى لِسانِ الشَّرْعِ لِأرْضِ الطَّبِيعَةِ ﴿ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ﴾ وقِفِي عَلى حَدِّ الِاعْتِدالِ ولِسَماءِ العَقْلِ المَحْجُوبَةِ بِالعادَةِ والحِسِّ المَشُوبَةِ بِالوَهْمِ المُغَيَّمَةِ بِغَيْمِ الهَوى ﴿ ويا سَماءُ أقْلِعِي ﴾ عَنْ إمْدادِ الأرْضِ ﴿ وغِيضَ الماءُ ﴾ ) أيْ ماءُ قُوَّةِ الطَّبِيعَةِ الجُسْمانِيَّةِ ومَدَدُ الرُّطُوبَةِ الحاجِبَةِ لِنُورِ الحَقِّ المانِعَةِ لِلْحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ ﴿ وقُضِيَ الأمْرُ ﴾ بِإنْجاءِ مَن نَجا وإهْلاكِ مَن هَلَكَ ﴿ واسْتَوَتْ ﴾ أيْ سَفِينَةُ شَرِيعَتِهِ ﴿ عَلى الجُودِيِّ ﴾ وهو جَبَلُ وُجُودِ نُوحٍ ﴿ وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ الَّذِينَ عَبَدُوا الهَوى دُونَ الحَقِّ ووَضَعُوا الطَّبِيعَةَ مَكانَ الشَّرِيعَةِ ﴿ ونادى نُوحٌ رَبَّهُ ﴾ إلَخِ..

الكَلامُ عَلى هَذا الطَّرْزِ فِيهِ ظاهِرٌ ﴿ قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ ﴾ مِن مَحِلِّ الجَمْعِ وذُرْوَةِ مَقامِ الوِلايَةِ، والِاسْتِغْراقُ في التَّوْحِيدِ إلى مَقامِ التَّفْصِيلِ وتَشْرِيعِ النُّبُوَّةِ بِالرُّجُوعِ إلى الخَلْقِ ومُشاهَدَةِ الكَثْرَةِ في عَيْنِ الوَحْدَةِ غَيْرُ مُعَطِّلٍ لِلْمَراتِبِ (بِسَلامٍ مِنّا) أيْ سَلامَةٍ عَنْ الِاحْتِجابِ بِالكَثْرَةِ ﴿ وبَرَكاتٍ ﴾ مِن تَقْنِينِ قَوانِينِ الشَّرْعِ ﴿ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ ﴾ ناشِئَةٍ ﴿ مِمَّنْ مَعَكَ ﴾ عَلى دِينِكَ إلى آخِرِ الزَّمانِ (وأُمَمٌ) أيْ ويَنْشَأُ مِمَّنْ مَعَكَ أُمَمٌ ﴿ سَنُمَتِّعُهُمْ ﴾ في الدُّنْيا ﴿ ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا ﴾ في العُقْبى ﴿ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ بِإحْراقِهِمْ بِنارِ الآثارِ وتَعْذِيبِهِمْ بِالهَيْئاتِ المُظْلِمَةِ.

هَذا ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ إذا شِئْتَ التَّطْبِيقَ عَلى ما في الأنْفُسِ أوَّلْتَ نُوحًا بِرُوحِكَ والفُلْكَ بِكَمالِكَ العِلْمِيِّ والعَمَلِيِّ الَّذِي بِهِ نَجاتُكَ عِنْدَ طُوفانِ بَحْرِ الهَيُولِيِّ، والتَّنُّورَ بِتَنُّورِ البَدَنِ، وفَوَرانَهُ اسْتِيلاءَ الرُّطُوبَةِ الغَرِيبَةِ والأخْلاطِ الفاسِدَةِ، وما أشارَ إلَيْهِ ﴿ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ بِجُيُوشِ القُوى الحَيَوانِيَّةِ والطَّبِيعَةِ وطُيُورِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ، وأوَّلْتَ ما جاءَ في القِصَّةِ مِنَ البَنِينَ الثَّلاثَةِ والزَّوْجَةِ، بِحامٍ القَلْبَ، وسامٍ العَقْلَ النَّظَرِيَّ، ويافِثَ العَقْلَ العَمَلِيَّ وزَوْجَةٍ النَّفْسَ المُطْمَئِنَّةَ، والِابْنَ الآخَرَ الوَهْمَ، والزَّوْجَةَ الأُخْرى الطَّبِيعَةَ الجُسْمانِيَّةَ الَّتِي يَتَوَلَّدُ مِنها الوَهْمُ، والجَبَلَ بِالدِّماغِ واسْتِواءَها عَلى الجُودِيِّ وهُبُوطَهُ بِمِثْلِ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في آخِرِ الزَّمانِ، انْتَهى، ومَن نَظَرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ لَمْ يُعَوِّلْ إلّا عَلى ظاهِرِ القِصَّةِ وكانَ لَهُ بِهِ غِنًى عَنْ هَذا التَّأْوِيلِ، واكْتَفى بِما أشارَ إلَيْهِ مِن أنَّ النَّسَبَ إذا لَمْ يُحَطْ بِالصَّلاحِ كانَ غَرِيقًا في بَحْرِ العَدَمِ.

فَمًا يَنْفَعُ الأصْلُ مِن هاشِمٍ ∗∗∗ إذا كانَتِ النَّفْسُ مِن باهِلِهِ ومِن أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ التَّحَرِّي بِالدُّعاءِ وأنْ لا تَشْغَلَهُ الشَّفَقَةُ عَنْ ذَلِكَ إلى غَيْرِ ما ذُكِرَ، والآيَةُ نَصٌّ في كُفْرِ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِينَ أغْرَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وفي نُصُوصِ الحُكْمِ لِلشَّيْخِ الأكْبَرِ قَدَّسَ سِرَّهُ ما هو نَصٌّ في إيمانِهِمْ ونَجاتِهِمْ مِنَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، وذَلِكَ أمْرٌ لا نَفْهَمُهُ مِن كِتابٍ ولا سُنَّةٍ ﴿ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ يعني: ما سبق من ذكر نوح وقومه يعني: من أخبار الغيب، يعني: أحاديث ما غاب عنك، فكان في إخبار النبي،  عن قصته دلالة نُبُوَّته، لأنه لا يعرف ذلك إلاَّ بالوحي.

نُوحِيها إِلَيْكَ يعني: أخبار الغيب ينزل بها عليك جبريل.

مَا كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا يعني: القرآن، فَاصْبِرْ يعني: إن لم يصدِّقوك، فاصبر على تكذيبهم.

إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ يعني: آخر الأمر للموحدين الذين يتقون الشرك والفواحش.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الفارسيُّ، وهذا والأول في المعنَى واحدٌ.

وقوله: رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ: إِنابة منه عليه السلام، وتسليمٌ لأمر ربه، والسؤالُ الذي وقع النهْيُ عنه، إِنما هو سؤالُ العَزْمِ الذي معه محاجَّة وطَلِبَةٌ مُلِحَّةٌ فيما قد حُجِبَ وجْهُ الحكمة فيه، وأما السؤال علَى جهة الاسترشاد والتعلُّم، فغير داخل في هذا، ثم قيل له: اهْبِطْ بِسَلامٍ، وذلك عند نزوله من السفينة، والسلام هنا: السلامة والأمن، والبركات الخيرُ والنموُّ في كلِّ الجهات، وهذه العِدَةُ، تعمُّ جميع المؤمنين إِلى يوم القيامة، قاله محمد بن كَعْب القُرَظِيُّ، ثم قطع قَوْلُهُ:

وَأُمَمٌ عَلَى وجْه الابتداء، وهؤلاء هم الكُفَّار إلى يوم القيامة «١» .

وقوله سبحانه: تِلْكَ إِشارة إِلى القصة، وباقي الآية بيّن.

وقوله عز وجل: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً ...

الآية: عَطْفٌ على قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ [هود: ٢٥] .

وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)

فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩)

وقوله: وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ...

الآية: الاستغفار: طَلَبُ المغفرة، فقَدْ يكون ذلك باللسان، وقد يكون بإِنابة القَلْب وطَلَب الاسترشاد.

وقوله: ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ، أي: بالإِيمان من كُفْركم، والتوبَةُ: عقْدٌ في ترك متوب

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِـ " تِلْكَ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: قِصَّةُ نُوحٍ.

والثّانِي: آياتُ القُرْآنِ، والمَعْنى: تِلْكَ مِن أخْبارِ ما غابَ عَنْكَ وعَنْ قَوْمِكَ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ هاهُنا: " تِلْكَ "، وفي مَكانٍ آخَرَ " ذَلِكَ " ؟

فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، فَقالَ: " تِلْكَ " إشارَةٌ إلى آياتِ القُرْآنِ، و " ذَلِكَ " إشارَةٌ إلى الخَبَرِ والحَدِيثِ، وكِلاهُما مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ الفَصِيحَةِ، يَقُولُ الرَّجُلُ: قَدْ قَدِمَ فُلانٌ، فَيَقُولُ سامِعُ قَوْلِهِ: قَدْ فَرِحْتُ بِهِ، وقَدْ سُرِرْتُ بِها، فَإذا ذَكَّرَ، عَنى القُدُومَ، وإذا أنَّثَ، ذَهَبَ إلى القَدْمَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلِ هَذا ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ فاصْبِرْ ﴾ كَما صَبَرَ نُوحٌ عَلى أذى قَوْمِهِ ﴿ إنَّ العاقِبَةَ ﴾ أيْ: آخِرَ الأمْرِ بِالظَّفَرِ والتَّمْكِينِ ﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أيْ: لَكَ ولِقَوْمِكَ كَما كانَ لِمُؤْمِنِي قَوْمِ نُوحٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ ﴾ أيْ: ما أنْتُمْ إلّا كاذِبُونَ في إشْراكِكم مَعَ اللَّهِ الأوْثانَ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [يُونُسَ:٧٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ﴾ وهَذا أيْضًا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ [الأنْعامِ:٦١] .

والسَّبَبُ في قَوْلِهِ لَهم ذَلِكَ، أنَّ اللَّهَ تَعالى حَبَسَ المَطَرَ عَنْهم ثَلاثَ سِنِينَ، وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ، فَوَعَدَهم إحْياءَ بِلادِهِمْ وبَسْطَ الرِّزْقِ لَهم إنْ آمَنُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الوَلَدُ ووَلَدُ الوَلَدِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَزِدْكم شِدَّةً إلى شِدَّتِكم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: خِصْبًا إلى خِصْبِكم، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لا تُعْرِضُوا عَنِ التَّوْحِيدِ مُشْرِكِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ ﴾ أيْ: بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ.

﴿ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا ﴾ يَعْنُونَ الأصْنامَ.

﴿ عَنْ قَوْلِكَ ﴾ أيْ: بِقَوْلِكَ، " والباءُ " و " عَنْ " يَتَعاقَبانِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ ﴿ قِيلَ: يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ فِيها إنابَةُ نُوحٍ وتَسْلِيمُهُ لِأمْرِ اللهِ تَعالى واسْتِغْفارُهُ، بِالسُؤالِ الَّذِي وقَعَ النَهْيُ عَلَيْهِ والِاسْتِعاذَةُ والِاسْتِغْفارُ مِنهُ هو سُؤالُ العَزْمِ الَّذِي مَعَهُ مُحاجَّةً وطِلْبَةً مُلِحَّةً فِيما قَدْ حُجِبَ وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ وأمّا السُؤالُ في الأُمُورِ عَلى جِهَةِ التَعَلُّمِ والِاسْتِرْشادِ فَغَيْرُ داخِلٍ في هَذا.

وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ  ﴾ يَعُمُّ النَحْوَيْنِ مِنَ السُؤالِ، فَلِذَلِكَ نَبَّهْتُ عَلى أنَّ المُرادَ أحَدُهُما دُونَ الآخَرِ، و"الخاسِرُونَ" هُمُ المَغْبُونُونَ حُظُوظَهم مِنَ الخَيْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ ﴾ كانَ هَذا عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَفِينَةِ مَعَ أصْحابِهِ لِلِانْتِشارِ في الأرْضِ، و"السَلامُ" هُنا السَلامَةُ والأمْنُ ونَحْوُهُ، و"البَرَكاتُ" الخَيْرُ والنُمُوُّ في كُلِّ الجِهاتِ، وهَذِهِ العِدَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِمَّنْ مَعَكَ ﴾ أيْ: مِن ذُرِّيَّةِ مَن مَعَكَ ومِن نَسْلِهِمْ، فَـ"مِن" -عَلى هَذا- هي لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: مِن هَؤُلاءِ تَكُونُ هَذِهِ الأُمَمُ، و"مَن" مَوْصُولَةٌ، وصِلَتُها "مَعَكَ" وما يَتَقَدَّرُ مَعَها نَحْوُ قَوْلِكَ: مِمَّنِ اسْتَقَرَّ مَعَكَ ونَحْوُهُ ثُمَّ قَطَعَ قَوْلُهُ: "وَأُمَمٌ" عَلى وجْهِ الِابْتِداءِ إذْ كانَ أمْرُهم مَقْطُوعًا مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الكُفّارُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ ﴾ الآيَةُ إشارَةٌ إلى القِصَّةِ، أيْ: هَذِهِ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي تَقادَمَ عَهْدُها ولَمْ يَبْقَ عِلْمُها إلّا عِنْدَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ولَمْ يَكُنْ عِلْمُها أو عِلْمُ أشْباهِها عِنْدَكَ ولا عِنْدَ قَوْمِكَ، ونَحْنُ نُوحِيها إلَيْكَ لِتَكُونَ لَكَ هِدايَةً وأُسْوَةً فِيما لَقِيَهُ غَيْرُكَ مِنَ الأنْبِياءِ، وتَكُونَ لِقَوْمِكَ مِثالًا وتَحْذِيرًا، لِئَلّا يُصِيبَهم إذا كَذَّبُوكَ مِثْلُ ما أصابَ هَؤُلاءِ وغَيْرَهم مِنَ الأُمُورِ المُعَذِّبَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا المَعْنى ظَهَرَتْ فَصاحَةُ قَوْلِهِ: ﴿ فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، أيْ: فاجْتَهِدْ في التَبْلِيغِ وجِدَّ في الرِسالَةِ واصْبِرْ عَلى الشَدائِدِ واعْلَمْ أنَّ العاقِبَةَ لَكَ كَما كانَتْ لِنُوحٍ في هَذِهِ القِصَّةِ.

وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف أريد منه الامتنان على النبي صلى الله عليه وسلم والموعظة والتسلية.

فالامتنان من قوله: ﴿ ما كنت تعلمها ﴾ .

والموعظة من قوله: ﴿ فاصبر ﴾ إلخ.

والتّسلية من قوله: ﴿ إن العاقبة للمتقين ﴾ .

والإشارة ب ﴿ تلك ﴾ إلى ما تقدم من خبر نوح عليه السّلام، وتأنيث اسم الإشارة بتأويل أن المشار إليه القصة.

والأنباء: جمع نَبأ، وهو الخبر.

وأنباء الغيب الأخبار المغيبة عن الناس أو عن فريق منهم.

فهذه الأنباء مغيبة بالنسبة إلى العرب كلهم لعدم علمهم بأكثر من مجملاتها، وهي أنه قد كان في الزمن الغابر نبيء يقال له: نوح عليه السلام أصاب قومَه طوفان، وما عدا ذلك فهو غيب كما أشار إليه قوله: ﴿ ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ﴾ ، فإنهم لم ينكروا ذلك ولم يدّعوا علمه.

على أن فيها ما هو غيب بالنسبة إلى جميع الأمم مثل قصة ابن نوح الرابع وعصيانه أبَاه وإصابته بالغرق، ومثل كلام الرّب مع نوح عليه السّلام عند هبوطه من السفينة، ومثل سخرية قومه به وهو يصنع الفلك، وما دار بين نوح عليه السّلام وقومه من المحاورة، فإن ذلك كله مما لم يذكر في كتب أهل الكتاب.

وجملة ﴿ من أنبَاء الغيب ونوحيها وما كنتَ تعلمها ﴾ أخبار عن اسم الإشارة، أو بعضها خبر وبعضها حال.

وضمير ﴿ أنت ﴾ تصريح بالضمير المستتر في قوله: ﴿ تَعلمها ﴾ لتصحيح العطف عليه.

وعطف ﴿ ولا قومك ﴾ من الترقي، لأن في قومه من خالط أهل الكتاب ومن كان يقرأ ويكتب ولا يعلم أحد منهم كثيراً مما أوحي إليه من هذه القصة.

والإشارة بقوله: ﴿ مِن قبل هذا ﴾ إما إلى القرآن، وإما إلى الوقت باعتبار ما في هذه القصة من الزيادة على ما ذكر في أمثالها مما تقدم نزوله عليها، وإما إلى ﴿ تلك ﴾ بتأويل النبأ، فيكون التذكير بعد التأنيث شبيهاً بالالتفات.

ووجه تفريع أمر الرسول بالصبر على هذه القصة أن فيها قياس حاله مع قومه على حال نوح عليه السّلام مع قومه، فكما صبر نوح عليه السّلام فكانت العاقبة له كذلك تكون العاقبة لك على قومك.

وخبر نوح عليه السّلام مستفاد مما حكي من مقاومة قومه ومن ثباته على دعوتهم، لأن ذلك الثبات مع تلك المقاومة من مسمى الصبر.

وجملة ﴿ إن العاقبة للمتقين ﴾ علة للصبر المأمور به، أي اصبر لأن داعي الصبر قائم وهو أن العاقبة الحسنة تكون للمتقين، فستكون لك وللمؤمنين معك.

والعاقبة: الحالة التي تَعقب حالةً أخرى.

وقد شاعت عند الإطلاق في حالة الخير كقوله: ﴿ والعاقبة للتّقوى ﴾ [طه: 132].

والتعريف في ﴿ العاقبة ﴾ للجنس.

واللام في ﴿ للمتقين ﴾ للاختصاص والملك، فيقتضي ملك المتقين لجنس العاقبة الحسنة، فهي ثابتة لهم لا تفوتهم وهي منتفية عن أضدادهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَطَرُ في إبّانِهِ، قالَهُ هارُونُ التَّيْمِيُّ.

الثّانِي: المَطَرُ المُتَتابِعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما: يُدِرُّهُ عِنْدَ الحاجَةِ.

والثّانِي: يُدِرُّ بِهِ البَرَكَةَ، وهو مَأْخُوذٌ مِن دُرُورِ اللَّبَنِ مِنَ الضَّرْعِ.

﴿ وَيَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي شِدَّةً إلى شِدَّتِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: خِصْبًا إلى خِصْبِكم، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: عِزًّا إلى عِزِّكم بِكَثْرَةِ عَدَدِكم وأمْوالِكم، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: أنَّهُ ولَدُ الوَلَدِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا يَزِدْكم قُوَّةً في إيمانِكم إلى قُوَّتِكم في أبْدانِكم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ تلك ﴾ يعني هذه ﴿ من أنباء ﴾ يعني أحاديث.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه قال: ثم رجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك ﴾ يعني العرب من قبل هذا القرآن.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ﴾ أي من قبل القرآن، وما علم محمد صلى الله عليه وسلم وقومه بما صنع نوح وقومه، لولا ما بيَّن الله عز وجل له في كتابه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ ﴾ ، الإشارة بتلك إلى الأنباء، كأنه قيل تلك الأنباء من أنباء الغيب؛ لأنه قد تقدم ذكرها، واتصلت ببيان عنها، وقال أبو بكر (١) ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى آيات القرآن، وقال في هذه السورة (٢) ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى  ﴾ ، فأشار بذلك إلى الخبر والحديث، وقال غيره (٣) وقوله: ﴿ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ ﴾ ، أي من أخبار ما غاب عن جميع الخلق؛ لأنه لم يشاهد هذه القصص النبي  ، ولا أحد من قومه، ولا من الناس كلهم في ذلك الوقت.

وقوله تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، أي كما صبر نوح على أذى قومه، فإن آخر الأمر بالظفر والنصرة والتمكين لك ولقومك، كما كان لمؤمني قوم نوح، هذا قول عامة المفسرين (٤) وقال مقاتل (٥) (١) "زاد المسير" 4/ 116، "البحر المحيط" 5/ 232.

(٢) ساقط من (ي).

(٣) "زاد المسير" 4/ 116، ابن كثير 2/ 492، الطبري 12/ 56، ابن عطية 7/ 317.

(٤) الطبري 12/ 56، الثعلبي 7/ 45 ب، البغوي 4/ 182، "زاد المسير" 4/ 117، القرطبي 9/ 49، ابن عطية 7/ 317، ابن كثير 2/ 492، الرازي 18/ 8.

(٥) "تفسير مقاتل" 1/ 173 ب نسخة أخرى من المخطوط محفوظة بجامعة الإمام تحت رقم 486/ ف، "تنوير المقباس" 141.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب ﴾ أشارة إلى القصة، وفي الآية دليل على أن القرآن من عند الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم ذلك قبل الوحي ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ﴾ يعني في عبادتهم لغير الله ﴿ يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً ﴾ السماء هنا المطر ومدراراً بناء تكثير من الدر يقال: در المطر واللبن وغيره، وفي الآية دليل على أن الاستغفار والتوبة سبب لنزول الأمطار، ورُوي أن عاداً كان حبس عنهم المطر ثلاث سنين، فأمرهم بالتوبة والاستغفار، ووعدهم على ذلك بالمطر، والمراد بالتوبة هنا الرجوع عن الكفر، ثم عن الذنوب، لأن التوبة من الذنوب لا تصح إلا بعد الإيمان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني لكم ﴾ بكسر الهمزة: نافع وابن عامر وعاصم وحمزة.

والآخرون بفتحها ﴿ بادىء ﴾ بالهمزة: أبو عمرو ونصير.

﴿ الرأي ﴾ بالياء: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ فعميت ﴾ مجهولاً مشدداً.

حمزة وعلي وخلف وحفص.

الباقون بضدهما ﴿ أنلزمكموها ﴾ باختلاس ضمة الميم: عباس ﴿ أجري إلا ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ ولكني أريكم ﴾ بالفتح حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ نصحي إن ﴾ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ بأعيننا ﴾ مدغماً.

حيث كان: عباس ﴿ من كل ﴾ بالتنوين حيث كان: حفص والمفضل ﴿ مجريها ﴾ بفتح الميم بالإِمالة: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ مجريها ﴾ بالضم وبالإمالة: أبو عمرو.

والباقون بالضم مفخماً.

﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء: عاصم ﴿ اركب معنا ﴾ مظهراً: عاصم وحمزة ﴿ عمل ﴾ على أنه فعل غير بالنصب: علي وسهل ويعقوب.

الآخرون ﴿ عمل ﴾ غير بالرفع فيهما ﴿ تسألن ﴾ بالنون المشددة المسكورة لإدغام النون المخففة في نون الوقاية بعد حذف ياء المتكلم في الحالين: ابن عامر وقالون: بإثبات الياء في الوصل: أبو جعفر ونافع غير قالون بفتح النون المشددة: ابن كثير ﴿ تسألني ﴾ بغير نون التأكيد وإثبات الياء في الحالين سهل ويعقوب الباقون بغير ياء في الحالين ﴿ إني أعظك ﴾ ﴿ إني أعوذ ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ مبين ﴾ ه لا ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الرأي ﴾ ج ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فعيمت عليكم ﴾ ط ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ مالاً ﴾ ط ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ طردتهم ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ أنفسهم ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ أن يغويكم ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ط ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ تجرمون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ ظلموا ﴾ ج لا حتمال التعليل.

﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ سخروا منه ﴾ ه ﴿ تسخرون ﴾ ه ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ التنور ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ ومن آمن ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ 5 ط ﴿ ومرساها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من الماء ﴾ ط، ﴿ رحم ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع اختلاف العامل.

﴿ المغرقين ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه.

﴿ الحاكمين ﴾ ه ﴿ من أهلك ﴾ ج ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف ﴿ هذا ﴾ ط وعلى قوله: ﴿ فاصبر ﴾ أحسن للابتداء بــ"أن" ﴿ للمتقين ﴾ ه.

التفسير: لما أورد على الكفار أنواع الدلائل أكدها بالقصص على عادته من التفنن في الكلام والنقل من أسلوب إلى أسلوب في الموعظة فبدأ بقصة نوح.

ومعنى ﴿ إني لكم ﴾ أي متلبساً بهذا الكلام وهو قوله: ﴿ إني لكم ﴾ فلما اتصل به الجار فتح ومن كسر فعلى إرادة القول.

و ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ بدل من ﴿ إني لكم نذير ﴾ أي أرسلناه بأن لا تعبدوا ﴿ إلا الله ﴾ أو يكون "أن" مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير.

ووصف اليوم بأليم لوقوع الألم فيه فيكون مجازاً.

وكذا لو جعل الوصف للعذاب والجر بالجوار.

ثم حكى أنه طعن أشراف قومه في نبوته من ثلاث جهات.

الأولى أنه بشر مثلهم.

الثانية أنه لم يتبعه إلا الأراذل يعنون أصحاب الحرف الخسيسة كالحياكة وغيرها قالوا: لو كنت صادقاً لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم.

والأراذل جمع أرذل.

وقيل: جمع الأرذال جمع رذل وهو الدون من كل شيء في منظره وحالاته.

ومعنى ﴿ بادي الرأي ﴾ أول الرأي وهو نصب على الظرف أي اتبعوك في ابتداء حدوث الرأي من غير روية، أو معناه ظاهر الرأي من قولك بدا الشيء إذا ظهر، ومنه البادية للبرية لظهروها وبروزها للناظر.

وهذا تفسير من قرأ بغير همز.

وعلى هذا فالمراد أنهم اتبعوك في الظاهر وباطنهم بخلافه، أو اتبعوك وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

ويجوز أن يتعلق ﴿ بادي الرأي ﴾ بقوله: ﴿ أراذلنا ﴾ أي كونهم كذلك أمر ظاهر لكل من يراهم عياناً، ويتأكد هذا التأويل بما نقل عن مجاهد أنه قرأ ﴿ إلا الذين هم أراذلنا رأي العين ﴾ وإنما استرذلوا المؤمنين لاعتقادهم أن المزية عند الله  بالمال والجاه ولم يعلموا أن ذلك مبعد من الحق لا مقرب منه، وأن الأنبياء ما بعثوا إلا لترك الدنيا والإقبال على الآخرة فكيف يجعل قلة المال طعناً في النبوة وفي متابعة النبي.

الشبهة الثالثة: ﴿ وما نرى لكم علينا من فضل ﴾ لا في العقل ولا في كيفية رعاية المصالح ولا في قوة الجدل ﴿ بل نظنكم كاذبين ﴾ خطاب لنوح ولمن آمن به بتبعيته، أو خطاب للأراذل كأنهم نسبوهم إلى الكذب في ادعاء الإيمان.

ثم حكى ما أجاب به نوح قومه وهو أن حصول المساواة في صفة البشرية لا يمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة وذلك قوله: ﴿ أرأيتم إن كنت على بينة ﴾ برهان ﴿ من ربي وآتاني ﴾ بإيتاء تلك البينة ﴿ رحمة ﴾ وعلى هذا البينة هي الرحمة، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة وبالرحمة النبوة وقيل بالعكس ﴿ فعيمت ﴾ خفيت أو أخفيت البينة أو كل من البينة والرحمة أي صارت مظلمة مشتبهة في عقولكم.

والبينة توصف بالإبصار والعمى مجازاً باعتبار نتيجتها كما أن دليل القوم إن كان بصيراً اهتدوا وإن كان أعمى بقول خابطين متحيرين.

ثم قال: ﴿ أنلزمكموها ﴾ أي أنكرهكم على قبول البينة ﴿ وأنتم لها كارهون ﴾ والمراد أنا لا نقدر على إيصال حقيقة البينة إليك.

وإنما يقدر على ذلك من هو قادر على الإيجاد والإعدام وتغيير الأحوال وتبديل الأخلاق.

ثم ذكر أنه لا يطلب على تبليغ الرسالة مالاً حتى يتفاوت الحال بسبب كون المجيب غنياً أو فقيراً ﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ عن ابن جريج أنهم قالوا: إن أحببت يا نوح أن نتبعك فاطردهم فإنا لا نرضى بمشاركتهم، فلم يبذل ملتمسهم وعلل ذلك بقوله ﴿ إنهم ملاقو ربهم ﴾ فيعاقب من يطردهم أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من الإيمان الصحيح أو النفاق بزعمكم، أو المراد أنهم متقدون لقاء ربهم ﴿ ولكني أراكم قوماً تجهلون ﴾ لقاء ربكم وأنهم خير منكم، أو قوماً تسفهون حيث تسمون المؤمنين أراذل.

ثم أكد عدم طردهم بقوله: ﴿ ويا قوم من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من عقابه ﴿ إن طردتهم ﴾ لأن العقل والشرع توافقا على أنه لا بد من تعظيم المؤمن البر المتقي ومن إهانة الكافر الفاجر فكيف يليق بنبي الله أن يقلب هذه القضية.

سؤال: إن كان طرد المؤمن لطلب مرضاة الكافر معصية فكيف فعل ذلك رسول الله  حتى نهي عنه بقوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ﴾ ؟

الجواب أنه لم يكن ذلك طرداً مطلقاً وإنما عين لأجلهم أوقاتاً مخصوصة، ولأشراف قريش أوقاتاً أخرى فعوتب على ذلك القدر.

احتجت المعتزلة بالآية على عدم الشفاعة للفاسق إذ لو كانت جائزة لكانت في حق نوح أولى، فلم يقل من الذي يخلصني من عذابه.

وأجيب بأنه مخصوص بآيات العفو.

ثم ذكر أنه كما لا يسألهم مالاً فإنه لا يدعي أن عنده خزائن الله حتى يجحدوا أن له فضلاً عليهم من هذه الجهة.

﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ حتى أصل به إلى ما أريده لنفسي ولأتباعي وأطلع على الضمائر ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ أتعظم بذلك عليكم بل طريقي الخضوع والتواضع وعدم الاستنكاف عن مخالطة الفقراء وقد مر في "الأنعام" سائر ما يتعلق بالآية.

ومعنى ﴿ تزدري ﴾ تعيب وتحقر والازدراء افتعال من زرى عليه إذا عابه.

وفي قوله  ﴿ الله أعلم بما في أنفسهم ﴾ دلالة على أنهم كانوا ينسبون اتباعه مع الفقر والذلة الى النفاق ﴿ إني إذا ﴾ أي إن قلت شيئاً من ذلك كنت من الظالمين لنفسي.

أو إن قلت إن الله لن يؤتيهم خيراً مع أنه لا وقوف لي على باطنهم.

ثم إن قومه وصفوه بكثرة الجدال قائلين ﴿ يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ﴾ قال أهل المعاني: أردت جدالنا وشرعت فيه فأكثرته كقوله: جاد لي فلان فأكثر.

لم ترد أنه أعطى عطيتين أقل فأكثر بل تريد أن الوصف مقارن للموصوف.

وفي الآية دلالة على أن الجدال في تقرير دلائل التوحيد من دأب أكابر الأنبياء.

ثم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به فأجاب نبي الله بأن ذلك ليس إليّ وإنما هو بمشيئة الله وإرادته ولا يعجزه عن ذلك أحد.

وقوله: ﴿ ولا ينفعكم نصحي ﴾ كقول القائل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار إن أكلت الخبز لم يقع الطلاق إلا إذا دخل الدار فأكل الخبز.

ولهذا قال الفقهاء: المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى فكأنه قيل: ﴿ إن كان الله يريد أن يغويكم ﴾ فإن أردت أن أنصح لكم لم ينفعكم نصحي.

واحتجاج الأشاعرة بالآية ظاهر.

وأجابت المعتزلة بأنه لا يلزم من فرض أمر وقوعه، ولعل نوحاً إنما قال ذلك ليبين لهم أنه  بنى أمر التكليف على الاختيار وإلا لم يكن للنصح فائدة، ولو تشبث الخصم بالجبر لزم إفحام النبي.

ومن الجائز أن يراد بالإغواء التعذيب من غوى الفصيل إذا بشم فهلك، أو يراد به الخيبة كقوله: ﴿ فسوف يلقون غياً  ﴾ أي خيبة من خير الآخرة، أو يراد به منع الألطاف وقد تقدم أمثال ذلك مراراً.

ثم أشار إلى المبدإ والمعاد بقوله: ﴿ هو ربكم وإليه ترجعون ﴾ ثم أنكر الله  عليهم قولهم إنما ادعاء نوح أنه أوحي إليه مفترى فقال: ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ فأمره بأن يجيب بكلام منصف وهو قوله: ﴿ قل إن افتريته فعليّ إجرامي ﴾ أي عقاب إثمي وهو الافتراء.

﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ أي من إجرامكم وهو إسناد الافتراء إليّ وههنا إضمار كأنه قيل: لكني ما افتريته فالإجرام وعقابه عليكم وأنا بريء منه.

وأكثر المفسرين على أن هذه الآية من تمام قصة نوح.

وعن مقاتل أنها من قصة محمد  وقعت في أثناء قصة نوح.

قوله  : ﴿ وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن ﴾ إقناط له من إيمانهم الذي كان يتوقعه منهم بدليل قوله: ﴿ إلا من قد آمن ﴾ فإن "قد" للتوقع.

وقوله: ﴿ فلا تبتئس ﴾ تسلية له أي لا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك فقد حان وقت الانتقام منهم.

قال أكثر المعتزلة: إنه لا يجوز أن ينزل الله عذاب الاستئصال على قوم يعلم أن فيهم من يؤمن أو في أولادهم من يؤمن بدليل دعاء نوح ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا فاجراً كفاراً  ﴾ علل الإهلاك بمجموع الأمرين فدل ذلك على أنهما لو لم يحصلا لم يجز الإهلاك.

وذهب كثير منهم إلى الجواز، فليس كل خبر معلوم بواجب الوقوع نعم كلما يقع يجب أن يكون على الوجه الأصلح.

ومذهب الأشاعرة في هذا المعنى ظاهر فله أن يفعل في ملكه ما شاء.

ثم عرفه وجه إهلاكهم وألهمه وجه خلاص من آمن فقال: ﴿ واصنع الفلك ﴾ وهو أمر إيجاب على الأظهر لأنه لا سبيل إلى صون روحه عن الهلاك في الطوفان إلا بذلك، وصون النفس واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وقيل: أمر إباحة كمن أمر أن يتخذ الإنسان لنفسه داراً يسكنها.

والإنصاف أن الأمر ظاهره الوجوب وإن قطعنا النظر عن فائدته وغايته.

وقوله: ﴿ بأعيننا ووحينا ﴾ في موضع الحال أي متلبساً بذلك.

والسبب فيه أن إقدامه على صنعة السفينة مشروط بأمرين: أحدهما أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل وأشار إليه بقوله: ﴿ بأعيننا ﴾ وليست العين بمعنى الجارحة لأنه منزه عن الجوارح والأعضاء فالمراد بها الحفظ والحياطة والكلاءة لأن العين آلة الحفظ والحراسة.

والثاني أن يكون عالماً بكيفية تركيب الأخشاب ونحتها.

عن ابن عباس: لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله  إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر.

وقيل: المراد عين الملك الذي كان يعرّفه كيفية اتخاذ السفينة.

ثم قال: ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ أي في شأنهم.

وقيل: علل عدم الخطاب بقوله: ﴿ إنهم مغرقون ﴾ أي إنهم محكوم عليهم بالإغراق وقد جف القلم عليهم بذلك فلا فائدة للشفاعة.

وقيل: لا تخاطبني في تعجيل عقابهم فإنهم يغرقون في الوقت المعين لذلك فلا فائدة في الاستعجال فلكل أمة أجل.

وقيل: المراد بالذين ظلموا امرأته واعلة وكنعان ابنه.

ثم حكى الحال الماضية بقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ والحال أنه ﴿ كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ﴾ يحتمل أن يكون هذا جواباً لـ"كلما" وقوله: ﴿ قال إن تسخروا ﴾ استئناف على تقدير سؤال سائل كأنه قيل: ماذا قال نوح حينئذٍ؟

ويحتمل أن يكون ﴿ سخروا ﴾ بدلاً من ﴿ مر ﴾ أو صفة لــ ﴿ ملأ ﴾ و ﴿ قال ﴾ جواب ﴿ قيل ﴾ كانوا يقولون: يا نوح كنت نبياً فصرت نجاراً، ولو كنت صادقاً في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق.

وقيل: إنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك فكانوا يتعجبون ويسخرون.

وقيل: إنها كانت كبيرة وكان يصنعها في مفازة بعيدة عن الماء فكانوا يقولون هذا من باب الجنون.

وقيل: طالت مدته وكان ينذرهم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة وليس منه عين ولا أثر فغلب على ظنونهم كونه كاذباً فيسخرون منه فأجابهم بقوله: ﴿ إن تسخروا منا ﴾ في الحال ﴿ فإنا نسخر منكم ﴾ في المستقبل إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة.

أو إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله، أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم لأنكم لا تستجهلون إلا عن الجهل بحقيقة الأمر.

والبناء على ظاهر الحال كما هو عادة الأغمار.

وسمي جزاء السخرية سخرية كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ ثم هددهم بقوله: ﴿ فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ في الدنيا وهو عذاب الغرق ﴿ ويحل عليه عذاب مقيم ﴾ في الآخرة لازم لزوم الدين الحال للغريم.

و"من" موصولة أو استفهامية وقد مر في "الأنعام".

روي أن نوحاً  اتخذ السفينة في سنتين وكان طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعاً وارتفاعها ثلاثين.

وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون: الأسفل للوحوش والسباع والهوام، والأوسط للدواب والأنعام، والأعلى للناس ولما يحتاجون إليه من الزاد وحمل معه جسد آدم.

وقال الحسن: كان طولها ألفاً ومائتي ذراع وعرضها ستمائة.

قوله: ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ هي غاية لقوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ أي كان يصنعها إلى أن جاء وقت الأمر بالإهلاك.

﴿ وفار التنور ﴾ أي نبع الماء من بشدة وسرعة تشبيهاً بغليان القدر.

والتنور هي التي يختبز فيها فقيل: هو مما استوى فيه العربي والعجمي.

وقيل: معرب لأنه لا يعرف في كلام العرب نون قبل راء.

عن ابن عباس والحسن ومجاهد: هو تنور نوح.

وقيل: كان لآدم وحواء حتى صار لنوح وموضعه بناحية الكوفة قاله مجاهد والشعبي.

وعن علي  أنه في مسجد الكوفة وقد صلى فيه سبعون نبياً.

وقيل: بالشام بموضع يقال له عين وردة قاله مقاتل.

وقيل: بالهند.

روي أن امرأته كانت تخبز فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في تلك الحال بوضع الأشياء في السفينة وكان الله  جعل هذه الحالة علامة لواقعة الطوفان.

ويروى عن علي  أيضاً أن المراد بالتنور وجه الأرض لقوله: ﴿ وفجرنا الأرض عيوناً  ﴾ وعنه أيضاً كرم الله وجهه أن معنى ﴿ فار التنور ﴾ طلع الصبح.

وقيل: معناه اشتد الأمر كما يقال حمي الوطيس.

والمراد إذا رأيت الأمر يشتد والماء يكثر فاركب في السفينة وذلك قوله ﴿ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ﴾ والزوجان شيئان يكون أحدهما ذكراً والآخر أنثى.

فمن قرأ بالإضافة فمعناه احمل من كل صنفين بهذا الوصف اثنين، ومن قرأ بالتنوين.

فالمراد حمل من كل شيء زوجين.

واثنين للتأكيد ولا يبعد أن يكون النبات داخلاً فيه لاحتياج الناس إليه ﴿ وأهلك ﴾ معطوف على مفعول ﴿ احمل ﴾ وكذا ﴿ من آمن ﴾ وقوله ﴿ إلا من سبق عليه القول ﴾ قال الضحاك: أراد ابنه وامرأته قدر الله لهما الكفر إذا علم منهما ذلك.

ثم قال ﴿ وما آمن معه إلا قليل ﴾ أي نفر قليل: عن مقاتل أنهم ثمانون وبهم سموا قرية الثمانين بناحة الموصل لأنهم لما خرجوا من السفينة بنوها.

وقيل: اثنان وسبعون رجلاً وامرأة، وأولاد نوح: سام وحام ويافث ونساؤهم.

فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء.

وعن محمد بن إسحق كانوا عشرة، وعن النبي  كانوا ثمانية، نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم.

وقيل في بعض الروايات: إن إبليس دخل معه السفينة وفيه بعد لأنه جسم ناري فلا يؤثر الغرق فيه.

قوله  وتعالى حكاية عن نوح وأهله ﴿ وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها ﴾ الآية.

فيه أبحاث الأول: أن الركوب متعد بنفسه يقال: ركبت الدابة والبحر والسفينة أي علوتها.

فما الفائدة في زيادة لفظة "في"؟

قال الواحدي: فائدته أن يعلم أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهره.

الثاني قوله: ﴿ بسم الله ﴾ إما أن تتعلق بقوله: ﴿ اركبوا ﴾ حالاً من الواو أي مسمين الله، أو قائلين باسم الله ﴿ ومجريها ومرسيها ﴾ مصدران حذف منهما الوقت المضاف كقولهم: جئتك خفوق النجم ومقدم الحاج، أو يراد مكان الإجراء والإرساء أو زمانها.

وانتصابهما بما في بسم الله من معنى الفعل، أو بالقول المقدر.

وعلى التقادير يكون مجموع قوله: ﴿ وقال اركبوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ومرساها ﴾ كلاماً واحداً.

وإما أن يكون ﴿ باسم الله مجريها ومرساها ﴾ كلاماً آخر من مبتدإ وخبر أي باسم الله إجراؤها وإرساؤها.

يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست.

ويجوز أن يقحم الاسم كقوله: تم اسم السلام عليكما، ويراد بالله إجراؤها وإرساؤها، وكان نوح أمرهم بالركوب أوّلاً ثم أخبرهم بأن إجراءها وإرساءها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته.

وجوز في الكشاف أن تكون هذه الجملة في موضع الحال من ضمير الفلك ولا تكون جملة مستأنفة ولكن فضلة من تتمة الكلام الأول كأنه قال اركبوا فيها مقدرين أن إجراءها وإرساءها باسم لله  .يقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت، وأرساه غيره.

يروى أنها سارت لأول يوم من رجب أو لعشر مضين منه فسارت ستة أشهر ثم استوت على الجودي يوم العاشر من المحرم.

ويروى أنها مرت بالبيت وطافت به سبعاً فأعتقها الله من الغرق.

البحث الثالث قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ كيف ناسب مقام الإهلاك وإظهار العزة؟

والجواب كان القوم اعتقدوا أنهم نجوا ببركة إيمانهم وعملهم، فنبههم الله  بهذا الذكر على أن الإنسان في كل حال من أحواله لا ينفك عن ظلمات الخطأ والزلل فيحتاج إلى مغفرة الله ورحمته.

وفي الآية إشارة إلى أن العاقل إذ ركب في سفينة الفكر ينبغي أن يكون قد برىء من حوله وقوته وقطع النظر عن الأسباب وربط قلبه وعلق همته بفضل واهب العقل فيقول بلسان الحال بسم الله مجريها ومرسيها حتى تصل سفينة فكره إلى ساحل الإيقان، وتتخلص عن أمواج الشبه والظنون والأوهام.

قال في الكشاف: ﴿ وهي تجري بهم ﴾ متصل بمحذوف كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون باسم الله وهي تجري بهم وهم فيها ﴿ في موج كالجبال ﴾ في التراكم والارتفاع، فلعل الأمواج أحاطت بالسفينة من الجوانب فصارت كأنها في داخل تلك الأمواج.

واختلف المفسرون في قوله: ﴿ ونادى نوح ابنه ﴾ فالأكثرون على أنه ابن له في الحقيقة لئلا يلزم صرف الكلام عن الحقيقة الى المجاز من غير ضرورة، ولا استبعاد في كون ولد النبي كافراً كعكسه.

واعترض عل هذا القول بأنه كيف ناداه مع كفره وقد قال: ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ وأجيب بأنه كان منافقاً وظن نوح أنه مؤمن أو ظن أنه كافر إلا أنه توقع منه الإيمان عند مشاهدة العذاب بدليل قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ أو لعل شفقة الأبوة حملته على ذلك النداء.

وعن محمد بن علي الباقر والحسن البصري أنه كان ابن امرأته ويؤيده ما روي أن علياً  قرأ ﴿ ونادى نوح ابنها ﴾ ويؤكد هذا الظن قوله: ﴿ إن ابني من أهلي ﴾ دون أن يقول "إنه مني" وقيل: إنه ولد على فراشه لغير رشده وإليه الإشارة بقوله  ﴿ فخانتاهما  ﴾ ورد هذا القول بأنه يجب صون منصب الأنبياء عن مثل هذه الفضيحة لقوله: ﴿ الخبيثات للخبيثين  ﴾ وفسر ابن عباس تلك الخيانة بأن امرأة نوح كانت تقول زوجي مجنون.

وامرأة لوط دلت الناس على ضيفه.

وقوله: ﴿ وكان في معزل ﴾ هو مفعل من عزله عنه إذا نحاه أو أبعده أي كان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن السفينة وعمن فيها، أو كان في معزل عن دين أبيه.

وقيل في معزل عن الكفار ولهذا ظن نوح أنه يريد مفارقة الكفرة، ولكن قوله: ﴿ ولا تكن مع الكافرين ﴾ لا يساعد هذا القول.

وقوله ﴿ يا بني ﴾ بكسر الياء لأجل الاكتفاء به عن ياء الإضافة، وبفتحها اكتفاء به عن الألف المبدلة من الياء، ويجوز أن يكون الياء والألف ساقطتين من اللفظ فقط لالتقاء الساكنين.

ثم حكى إصرار ابنه على الكفر بأن قال ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ فأجاب نوح بأنه ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ﴾ واعترض عليه بأن معنى ﴿ من رحم ﴾ من رحمه الله وهو معصوم فكيف يصح استثناؤه من العاصم؟

وأجيب بأن "من" فاعلة في المعنى لا مفعول، والمراد نوح لأنه سبب الرحمة والنجاة كما أضيف الإحياء إلى عيسى  ، أو الرحيم الذي مر ذكره في قوله: ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ وهو عاصم لا معصوم، أو هو استثناء مفرغ والتقدير لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا لمن رحم، أو العاصم بمعنى ذو العصمة كلابن وتامر.

وذو العصمة المعصوم أو المضاف محذوف والتقدير لا عاصم قط إلا مكان من رحمهم الله ونجاهم يعني السفينة، أو هو استثناء منقطع كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو المعصوم ﴿ وحال بينهما الموج ﴾ أي بسبب هذه الحيلولة خرج من أن يخاطبه نوح فصار من جملة الغرقى.

وقوله  : ﴿ وقيل يأرض ﴾ الآية.

مما اختص بمزيد البلاغة حتى صارت متداولة بين علماء المعاني فتكلموا فيها وفي وجوه محاسنها فلا علينا أن نورد ههنا بعض ما استفدنا منهم فنقول: النظر فيها من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني، ومن جهتي الفصاحتين المعنوية واللفظية.

أما من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها.

فالقول فيه أنه عز سلطانه أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضي أمر نوح وهو إنجاؤه وإغراق قومه كما وعدناه فقضي، وأن تستوي السفينة على الجودي - وهو جبل بقرب الموصل - فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى، فبنى الكلام على تشبيه الأرض والسماء بالمأمور الذي لا يتأتى منه - لكمال هيبته - العصيان، وعلى تشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكوّن المقصود تصويراً لاقتداره، وأن السماء والأرض مع عظم جرمهما تابعتان لإرادته إيجاداً وإعداماً وتغييراً وتصريفاً كأنهما عقلاء مميزون قد أحاطا علماً يوجب الامتثال والإذعان لخالقهما، فاستعمل ﴿ قيل ﴾ بدل "أريد" مجازاً إطلاقاً للمسبب على السبب، فإن صدور القول إنما يكون بعد إرادته.

وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد بقوله: ﴿ يا أرض ابلعي ماءَك ويا سماء ﴾ والخطابان أيضاً على سبيل الاستعارة للشبه المذكور وهو كون السماء والأرض كالمأمورين المنقادين.

وأيضاً استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو إعمال القوة الجاذبة في الطعوم للشبه بين الغور والبلع وهو الذهاب إلى مقر خفيّ.

ووجعل قرينة الاستعارة نسبه الفعل إلى المفعول، وفي جعل الماء مكان الغذاء أيضاً استعارة لأنه شبه الماء بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار تقوّي الآكل بالطعام، وجعل قرينة الاستعارة لفظة ﴿ ابلعي ﴾ لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء.

ثم أمر الجماد على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره وخاطب في الأمر دون أن يقول ليبلع ترشيحاً لاستعارة النداء إذ كونه مخاطباً من صفات الحي كما أن كونه منادى من صفاته ثم قال ﴿ ماءك ﴾ بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيهاً لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك.

واختار ضمير الخطاب دون أن يقول "ليبلع ماؤها" لأجل الترشيح المذكور.

ثم اختار مستعيراً لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان ثم أمر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر لمثل ما تقدم في ﴿ ابلعي ﴾ من ترشيح استعارة النداء.

ثم قال ﴿ وغيض الماء ﴾ غاض الماء قل ونضب، وغاضه الله يتعدى ولا يتعدى ﴿ وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً ﴾ فلم يصرح بالفاعل سلوكاً لسبيل الكناية لأن هذه الأمور لا تتأتى إلا من قدير قهار فلا مجال لذهاب الوهم إلى غيره، ومثله في صدر الآية ليستدل من ذكر الفعل وهو اللازم على الفاعل وهو الملزوم وهذا شأن الكناية، ثم ختم الكلام بالتعريض لأنه ينبىء عن الظلم المطلق وعن علة قيام الطوفان.

وأما النظر فيها من جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة منها، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها، فذلك أنه اختير "يا" للنداء لأنها أكثر استعمالاً ولدلالتها على تبعيد المنادى الذي يستدعيه مقام العزة والهيبة، ولهذا لم يقل " يا أرضي" بالإضافة تهاوناً بالمنادى، ولم يقل "يا أيتها الأرض" للاختصار مع الاحتراز عن تكلف التنبيه لمن ليس من شأنه التنبيه.

واختير لفظ الأرض والسماء لكثرة دورانهما مع قصد المطابقة، واختير ﴿ ابلعي ﴾ على ﴿ ابتلعي ﴾ لكونه أخصر ولمجيء حظ التجانس بينه وبين ﴿ أقلعي ﴾ أوفر.

وقيل: ﴿ ماءك ﴾ بلفظ المفرد لما في الجمع من الاستكثار المتأتي عنه مقام العزة والاقتدار، وكذا في إفراد الأرض والسماء.

ولم يحذف مفعول ﴿ ابلعي ﴾ لئلا يلزم تعميم الابتلاع لكل ما على الأرض.

ولما علم اختصاص الفعل فيه اقتصر عليه فحذف من ﴿ أقلعي ﴾ حذراً من التطويل.

وإنما لم يقل "ابلعي ماءك فبلعت" لأن عدم تخلف المأمور به عن أمر الآمر المطاع معلوم.

واختير ﴿ غيض ﴾ على غيض المشددة للاختصار ولمثل هذا عرف الماء والأمر دون أن يقال ماء الطوفان، أو أمر نوح للاستغناء عن الإضافة بالتعريف العهدي ولم يقل سويت لتناسب أول القصة وهي تجري بهم من بناء الفعل للفاعل، ولأن ﴿ استوت ﴾ أخصر لسقوط همزة الوصل.

ثم قيل: ﴿ بعداً للقوم ﴾ دون أن يقال "ليبعد القوم من بعد" بالكسر يبعد بالفتح إذا هلك، للتأكيد مع الاختصار ودلالة "لام" الملك على أن البعد حق لهم.

وقول القائل "بعداً له" من المصادر التي لا يستعمل إظهار فعلها.

ثم أطلق الظلم ليتناول ظلم أنفسهم وظلمهم غيرهم.

وأما ترتيب الجمل فقدم النداء على الأمر ليتمكن الأمر الوارد عقيب النداء كما في نداء الحي، وقدم نداء الأرض لابتداء الطوفان منها بدليل قوله: ﴿ وفار التنور ﴾ ثم بين نتيجة البلع والإقلاع بقوله: ﴿ وغيض الماء ﴾ ثم ذكر مقصود القصة وهو قوله ﴿ وقضي الأمر ﴾ أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء المؤمنين.

ثم بين حال استقرار السفينة بقوله: ﴿ واستوت على الجودي ﴾ وكان جبلاً منخفضاً فكان استواء السفينة عليه دليلاً على انقطاع مادة الماء.

ثم ختمت القصة بما ختمت من التعريض.

قيل: كيف يليق بحكمة الله تغريق الأطفال بسبب إجرام الكفار؟

وأجيب على أصول الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل، وعلى أصول المعتزلة بأنه يعوض الأطفال والحيوانات كما في ذبحها واستعمالها في الأعمال الشاقة.

وقد روى جمع من المفسرين أنه  أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة فلم يغرق إلا من بلغ أربعين.

وهذا مع تكلفه لا يتمشى في الجواب عن إهلاك سائر الحيوانات.

والظاهر أن القائل في قوله: ﴿ وقيل بعداً ﴾ هو الله  لتناسب صدر الآية، ويحتمل أن يكون القائل نوحاً وأصحابه لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع القوم الظلمة أنه يقول مثل هذا الكلام، ولأنه جارٍ مجرى الدعاء عليهم فجعله من كلام البشر أليق.

وأما النظر في الآية من جهة الفصاحة المعنوية فهي أنها كما ترى نظم للمعاني لطيف، وتأدية المراد بأبلغ وجه وأتمه.

وأما من جهة الفصاحة اللفظية فهي كالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقة عذبة على العذبات سلسة على الأسلات، ولعل ما تركنا من لطائف هذه الآية بل كل آية أكثر مما نذكر والله  أعلم بمراده من كلامه.

﴿ ونادى نوح ربه ﴾ أي أراد أن يدعوه ﴿ فقال رب إن ابني من أهلي ﴾ بعض سواء كان من صلبه أو رببياً له ﴿ وإن وعدك ﴾ أي كل ما تعد به ﴿ الحق ﴾ الثابت الذي لا شك في إنجازه وقد وعدتني أن تنجي أهلي ﴿ وأنت أحكم الحاكمين ﴾ أعلمهم وأعدلهم لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل، ويجوز أن يكون الحاكم بمعنى ذي الحكمة كدارع.

﴿ قال يا نوح إنه ليس من أهلك ﴾ أي من أهلك دينك أو من أهلك الذين وعدتهم الإنجاء معك.

ثم صرح بأن العبرة بقرابة الدين والعمل الصالح لا بقرابة النسب فقال: ﴿ إنه عمل غير صالح ﴾ من قرأ على لفظ الفعل فمعناه أنه عمل عملاً غير صالح وهو الإشراك والتكذيب، ومن قرأ على لفظ الاسم فللمبالغة كما يقال: فلان كرم وجود إذا غلب عليه الكرم والجود وفي قوله: ﴿ غير صالح ﴾ دون أن يقول "فاسد" تعريض بل تصريح بأنه إنما نجا من نجا بالصلاح، ويحتمل على هذه القراءة أن يعود الضمير في ﴿ إنه ﴾ إلى سؤال نوح أي إن نداءك هذا المتضمن لسؤال إنجاء ابنك عمل غير صالح.

وقيل: المراد أن هذا الابن ولد زنا وقد عرفت سقوطه.

ثم نهاه عن مثل هذا السؤال ووبخه عليه بقوله: ﴿ فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ﴾ قال المحققون: الظاهر أن ابنه كان منافقاً فلذلك اشتبه أمره على نوح، وحمله شفقة الأبوة أوّلاً على دعوته إلى ركوب السفينة، فلما حال بينهما الموج لجأ إلى الله في خلاصه من الغرق، فعوتب على ذلك لأنه لما وعده الله إنجاءه أهله واستثنى منهم من سبق عليه القول كان عليه أن يتوكل على الله حق توكله ويعلم أن كل من كان من أهله مؤمناً فإنه يخلص من الغرق لا محالة.

ولما لم يصبر إلى تبين الحال توجه إليه العتاب على ترك الأولى فلذلك تنبه ورجع إلى الله قائلاً ﴿ رب إني أعوذ بك أن أسألك ﴾ فيما يستقبل من الزمان ﴿ ما ليس لي به علم ﴾ تأدباً بآدابك واتعاظاً بعظتك.

﴿ وألا تغفر لي ﴾ ما فرط مني من الخطأ في باب الاجتهاد، أو من قلة الصبر على ما يجب عليه الصبر، وهذا التضرع مثل تضرع أبيه وأبينا آدم في قوله: ﴿ ربنا ظلمنا  ﴾ الآية.

فلذلك عفى عنه.

﴿ وقيل يا نوح اهبط ﴾ أي من السفينة بعد استوائها على الجبل، أو انزل من الجبل إلى الفضاء ملتبساً ﴿ بسلام منا ﴾ بسلامة من التهديد والوعيد بل من جميع الآفات والمخافات، لأنه لما خرج من السفينة كان خائفاً من عدم المأكول والملبوس وسائر جهات الحاجات لأنه لم يبق في الأرض شيء يمكن أن ينتفع به من النبات والحيوانات.

وقيل: أي مسلماً عليك مكرماً.

والبركات الخيرات النامية الثابتة، وفسروها في هذا المقام بأنه وعد له بأن جميع أهل الأرض من الأشخاص الإنسانية يكون من نسله إما لأنه لم يكن في السفينة إلا من هو ذريته، وإما لأنه لما خرج من السفينة مات من لم يكن من أهله وبقي النسل والتوالد في ذرّيته، دليله قوله  ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين  ﴾ فنوح آدم الأصغر.

وقيل: لما وعده السلامة من الآفات وعده أن موجبات السلامة والراحة تكون في التزايذ والثبات لا عليك وحدك بل ﴿ وعلى أمم ممن معك ﴾ إن كان "من" للبيان فالمراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة لأنهم كانوا جماعات، أو هم أصل الأمم التي انشعبت منه.

وإن كان لابتداء الغاية فالمعنى على أمم ناشئة ممن معك إلى آخر الدهر.

وهذا شأن الأمة المؤمنة ثم ذكر حال الأمة الكافرة المتوالدة فقال: ﴿ وأمم ﴾ وهو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي وممن معك أمم ﴿ سنمتعهم ﴾ في الدنيا ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة ﴿ منا عذاب أليم ﴾ عن ابن زيد: هبطوا والله عنهم راض، ثم أخرج منهم نسلاً منهم من رحم ومنهم من عذب، وخصص بعضهم الأمم الممتعة بقوم هود وصالح ولوط وشعيب و ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى قصة نوح وهو مبتدأ والجمل بعدها أخبار.

وقوله ﴿ ولا قومك ﴾ للمبالغة كقول القائل: لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا قومك ولا أهل بلدك.

والمراد تفاصيل القصة وإلا فمجملها أشهر من أن يخفى.

ومعنى ﴿ من قبل هذا ﴾ أي من قبل هذا الإيحاء أو العلم الذي كسبته بالوحي، أو من قبل هذا الوقت وكأن هذه القصة أعيدت في هذه السورة تثبيتاً للنبي  على إنذار قومه ولذلك ختمت بقوله: ﴿ فاصبر ﴾ كما صبر نوح و ﴿ إن العاقبة ﴾ الحميدة ﴿ للمتقين ﴾ .

التأويل: ﴿ ما نراك إلا بشراً مثلنا ﴾ أي مخلوقاً محتاجاً مثلنا.

وفيه أن النفس بنظرها السفلي ترى الروح العلوي سفلياً فلهذا تنظر إلى النبي ولا ترى نبوته الحميدة، بل تراه بنظر الكذب والسحر والجنون ﴿ إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ﴾ والأراذل من اتباع الروح البدن والجوارح الظاهرة، فإن الغالب على الخلق أن البدن يقبل دعوة الروح ويستعمل الجوارح بالأفعال الشرعية، ولكن النفس الأمارة تكون على كفرها ولا تخلي البدن أن يشتغل بالأعمال الشرعية الدينية إلا لغرض فاسد ومصلحة دنيوية كما هو المعتاد لأكثر الخلق.

﴿ وما أنا بطارد الذين آمنوا ﴾ من طبع النفس أن تتأذى من استعمال البدن وجوارحه في التكاليف الشرعية فتقول للروح: إن ترد أن أومن بك وأتخلق بأخلاقك فأمتع البدن وجوارحه في التكاليف ﴿ من ينصرني من الله ﴾ من يمنعني من قهره إن منعت البدن من الطاعة، فاقتصر على مجرد إيمان النفس وتخلقها بأخلاق الروح كما هو معتقد أهل الفلسفة والإباحة يقولون: إن أصل العبودية معرفة الربوبية وجمعية الباطن والتحلي بالأخلاق الحميدة.

﴿ أفلا تذكرون ﴾ أن جميعة الباطن ونوره من نتائج استعمال الشرع في الظاهر؟

فالنور في الشرع والظلمة في الطبع، وإنما بعث الأنبياء ليخرجوا الخلق من ظلمات الطبع إلى نور الشرع ﴿ لن يؤتيهم الله خيراً ﴾ أي استعداداً لتحصيل الدرجات العلوية وإنهم مخلوقون من السفليات الله أعلم بما في نفس كل جارحة من استعداد تحصيل الكمال ﴿ وأنا بريء مما تجرمون ﴾ من التكذيب.

وفيه أن ذنوب النفس لا تؤثر في صفاء الروح ولا يتكدر بها ما كان الروح متبرئاً من ذنوب النفس متأسفاً على معاملات النفس وتتبع هواها.

﴿ وأوحي إلى نوح ﴾ الروح ﴿ أنه لن يؤمن من قومك ﴾ وهم القلب وصفاته والسر والنفس وصفاتها والبدن وجوارحه ﴿ إلا من قد آمن ﴾ من خواص العباد وهم القلب وصفاتها والسر وصفات النفس والبدن وجوارحه.

فأما النفس فإنها لا تؤمن أبداً اللهم إلا نفوس الأنبياء وخواص الأولياء فإنها تسلم أحياناً دون الإيمان ﴿ فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ﴾ لأن أعمال الشر لنفوس السعداء كالجسد للإكسير ينقلب ذهباً مقبولاً عند طرح الروح عليها، فكذلك تنقلب أعمال الشر خيراً عند طرح التوبة عليها ﴿ أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ ولا تبتئس على نفوس الأشقياء لأن أعمالها حجة الله على شقاوتهم، وبتلك السلاسل يسحبون في النار على وجوههم ﴿ واصنع الفلك ﴾ اتخذ يا نوح الروح سفينة الشريعة بنظرنا لا بنظرك فإن نظرك تبع الحواس يبصر ظاهرها ويغفل عن أسرارها ﴿ ولا تخاطبني في الذين ظلموا ﴾ فإن الظلم من شيم النفوس ﴿ إنهم مغرقون ﴾ في بحر الدنيا وشهواتها.

﴿ وكلما مر عليه ملأ ﴾ هم النفس وهواها وصفاتها ﴿ يسخرون ﴾ من استعمال أركان الشريعة إذ لم يفهموا حقائقها ﴿ حتى إذا جاء أمرنا ﴾ وهو حد البلوغ والركوب في سفينة الشريعة ﴿ وفار ﴾ ماء الشهوة من تنور القالب ﴿ قلنا احمل ﴾ في سفينة الشريعة من كل صفة وزوجها: كالشهوة وزوجها العفة.

والحرص وزوجها القناعة، والبخل وزوجها السخاء، والغضب وزوجه الحلم، وكذا الحقد مع السلامة، والعداوة مع المحبة، والكبر مع التواضع، والتأني مع العجلة ﴿ وأهلك ﴾ وهم صفات الروح لا النفس ﴿ ومن آمن ﴾ وهم القلب والسر.

وفي قوله  : ﴿ وقال اركبوا فيها باسم الله ﴾ إشارة إلى أن من ركب سفينة الشرع بالطبع وتقليد الآباء والمعلمين لم يحصل له النجاة الحقيقية كما ركب إبليس بالطبع في سفينة نوح وإنما النجاة لمن ركب بأمر الله وذكره مجراها من الله ومرساها إلى الله كقوله: ﴿ وأن إلى ربك المنتهى  ﴾ ﴿ في موج ﴾ من الفتن ﴿ كالجبال ونادى نوح ﴾ الروح ﴿ ابنه ﴾ كنعان النفس المتولد بينه وبين القالب ﴿ وكان في معزل ﴾ من معرفة الله وطلبه ﴿ سآوي إلى جبل ﴾ العقل ﴿ يعصمني من الماء ﴾ الفتن ﴿ لا عاصم اليوم ﴾ أي إذا نبع ماء الشهوات من أرض البشرية ونزل ماء ملاذ الدنيا وزينتها من سماء القضاء فلا يتخلص منه إلا من يرحمه الله بالاعتصام بسفينة الشريعة ﴿ ابلعي ﴾ ماء شهواتك ﴿ اقلعي ﴾ عن إنزال مطر الآفات ﴿ وغيض ﴾ ماء الفتن ببركة الشرع ﴿ وقضي الأمر ﴾ ما كان مقدراً من طوفان الفتن للابتلاء والتربية، ﴿ واستوت ﴾ سفينة الشريعة ﴿ على الجودي ﴾ وهو مقام التمكين بعد مقامات التلوين ﴿ وإن وعدك الحق ﴾ وهو ما وعد نوح الروح عند إهباطه إلى العالم السفلي من الرجوع إلى العالم العلوي: ﴿ إنه ليس من أهلك ﴾ وكان للروح أربعة بنين: ثلاثة من المؤمنين وهم القلب والسر والعقل، وواحد كافر وهو النفس.

فنفى عن النفس أهلية الدين والملة لأنها خلقت للأمارية ﴿ اهبط ﴾ من سفينة الشريعة عند مفارقة الجسد والخلاص من طوفان الفتن ﴿ وأمم سنمتعهم ﴾ هم النفوس متعت بالحظوظ الدنيوية ﴿ ثم يمسهم ﴾ في الآخرة عذاب البعد عن المألوفات، ﴿ فاصبر ﴾ على تربية الروح و النفس ﴿ إن العاقبة ﴾ لمن اتقى طوفان فتن الدنيا والنفس والهوى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي ﴾ : قال بعضهم: عاد كل ماء إلى من حيث خرج: ما أرسل من السماء عاد إليها، وما خرج من الأرض غاض في الأرض وغار فيها.

وقال بعضهم: لا ولكن أمسك السماء من إرساله، وأمسك الأرض من نبعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي ﴾ ليس على القول لهم، ولكن الله أمسكهما من إرساله ونبعه.

ويحتمل على القول منه لهم باللطف جعل فيهم ما يفهم هذا.

﴿ وَغِيضَ ٱلْمَآءُ ﴾ أي: غار الماء في الأرض.

﴿ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ : بهلاك قوم نوح ويحتمل على التكوين على ما ذكر ﴿ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ ﴾ أي: استقرت على الجودي وهو جبل ﴿ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ أي هلاكا ويحتمل بعدا للقوم الظالمين من رحمة الله.

وقال القتبي: مرساها أي تقف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ ﴾ : يمنعني من الماء، وقال: ﴿ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ قال القتبي: لا معصوم اليوم من عذاب الله؛ كقوله: ﴿ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ  ﴾ أي: مدفوق، وأصله لا عاصم أي: لا شيء يمنع اليوم من نزول عذاب الله عليهم ولا دافع لهم منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ...

﴾ الآية، فقال: ﴿ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ .

هذا - والله أعلم - كان عند نوح أن ابنه كان على دينه لما لعله كان يظهر الموافقة له، وإلا لا يحتمل أن يقول: إن ابنييمن أهلي ويسأله نجاته، وقد سبق منه النهي في سؤال مثله حيث قال: ﴿ وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ ﴾ ولا يحتمل أن يكون يعلم أنه على غير دينه، ثم يسأل له النجاة بعدما نهاه عن المخاطبة في الذين ظلموا، فقال: إنه ليس من أهلك في الباطن والسر، والإخرج هذا القول مخرج تكذيب رسوله، لكن الوجه فيه ما ذكرنا أنه كان في الظاهر عنده أنه على دينه لما كان يظهر له الموافقة، وكان لا يعرف ما يضمره فسأله على الظاهر الذي عنده؛ وكذلك أهل النفاق كانوا يظهرون الموافقة لرسول الله  وأصحابه ويضمرون الخلاف له، وكانوا لا يعرفون نفاقهم إلا بعد إطلاع الله إياه؛ فعلى ذلك نوح كان لا يعرف ما كان يضمر هو لذلك خرج سؤاله فقال: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ الذي وعدت النجاة لهم، أو ليس من أهلك؛ لأنه لم يؤمن بي ولم يصدقك فيما أخبرت أنه عمل غير صالح.

روي عن رسول الله  أنه كان يقرأ: (عَمِلَ غَيْرَ صالحٍ) بغير تنوين.

وعن ابن مسعود -  - أنه قرأه: ﴿ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ بالتنوين.

فمن قرأ بالنصب: (عَمِلَ غيرَ صالحٍ) أي: أن ابنك عمل غير صالح، ومن قرأه: ﴿ عَمَلٌ ﴾ يكون معناه - والله أعلم - أن سؤالك عمل غير صالح وكلا القراءتين يجوز أن يصرف إلى ابنه، أي: أنه عمل غير صالح وهو عمل الكفر، و ﴿ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ أي: الذي كان عليه عمل غير صالح، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي ﴾ ثم قال: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ : هذا في الظاهر يخرج على التكذيب له، لكن الوجه فيه أنه من أهلك على ما عندك، وليس هو من أهلك فيما بشرتك من نجاة أهلك.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل وإن وعدك بإغراق الظلمة حق.

والثاني: وإن وعدك بنجاة المؤمنين حق وأنت أحكم الحاكمين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ : يحتمل هذا نهياً عن سؤال ما لم يؤذن له من بعد؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا لا يسألون شيئاً إلا بعد الإذن لهم في السؤال، وإن كان يسع لهم السؤال، أو أن يكون عتاباً لما سبق، والأنبياء - عليهم السلام - كانوا يعاتبون في أشياء يحل لهم ذلك؛ نحو قوله لرسول الله  : ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ  ﴾ ، وقد كان له الأمر بالقعود والنهي عن الخروج بقوله: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ : هو كما نهى رسول الله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ  ﴾ وأمثاله، وإن كان معلوما أنه لا يكون من الجاهلين، وهو ما ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي عن الشيء، بل بالنهي تظهر العصمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ﴾ إني أعوذ بك أن أعود إلى سؤال لا أعلم بالإذن في السؤال هذا يحتمل.

وقوله: ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ أي: إن لم ترحمني بالعصمة من العود إلى مثله أكن من الخاسرين، هذا يشبه أن يكون.

ويحتمل أن يكون ذكر هذا لما لا يستوجبون المغفرة والرحمة إلا برحمة الله وفضله، على ما روي عن رسول الله  أنه قال: "لن يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته" وقوله  : ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ : هو طلب المغفرة بالكناية، وهو أبلغ وأكبر من قوله: اللهم اغفر لي؛ لأن في قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ ﴾ قطع رجاء المغفرة من غيره، وإخبار ألاَّ يملك أحد ذلك، وليس في قوله: اغفر لي قطع كون ذلك من غيره؛ لذلك كان ذلك أبلغ من هذا، وكذلك سؤال آدم وحواء المغفرة حيث قالا: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23]، هو سؤال بالكناية فهو أبلغ في السؤال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ ﴾ : قال بعضهم: أي: انزل من الجودي إلى قرار الأرض، وقال بعضهم: قوله: ﴿ ٱهْبِطْ ﴾ \[أي\]: انزل وأقم على المقام والمكث في المكان، ليس على الهبوط من مكان مرتفع إلى مكان منحدر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ ﴾ : السلام هو أن يسلم عن الشرور والآفات، والبركة هي نيل كل خير وبرّ على غير تبعة، ثم هما في التحصيل واحد؛ لأنه إذا سلم على كل شر وآفة نال كل خير وبر، وإذا نال كل خير سلم عن كل شر وآفة، هما في الحقيقة واحد لكنهما في العبارة مختلف، وهو كالبر والتقوى من العبد: البر هو كسب كل خير، والتقوى هو اتقاء كل شر ومعصية، هما في العبارة مختلفان وفي الحقيقة واحد؛ لأنه إذا اتقى كل شر ومعصية عمل كل خير وبر، وإذا كسب كل خير وبر اتقى كل [معصية وشر]؛ وعلى ذلك يخرج الشكر والصبر: الصبر هو كف النفس عن كل مأثم، والشكر هو استعمال النفس في كل طاعة، هما أيضاً في العبارة مختلفان وفي الحقيقة واحد؛ لأنه إذا كف نفسه من كل مأثم استعملها في الطاعة، وإذا استعملها في الطاعة كفها عن كل مأثم ومعصية؛ وعلى ذلك يخرج الإسلام والإيمان: الإسلام هو تسليم النفس [لله] خالصة سالمة لا يجعل لغيره فيها حقا، والإيمان هو أن يصدق الله بالربوبية في نفسه وفي كل شيء، وهما في الحقيقة واحد وفي العبارة مختلفان؛ لأنه إذا جعل نفسه وكل شيء سالما [لله  ] أقر بالربوبية له في نفسه وفي كل شيء، وإذا صدقه وأقر له بالربوبية في نفسه وفي كل شيء جعلها لله، وكل شيء له.

هذه أشياء في العبارة مختلفة وفي التحصيل واحد.

ثم قوله: ﴿ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا ﴾ : جائز أن يكون جواب قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ ﴾ آمنه عما خاف وطلب منه المغفرة والرحمة.

والثاني: السلام له منه هو الثناء الحسن؛ كقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ ﴾ : يحتمل أن يكون جواب قوله: ﴿ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً ﴾ \[المؤمنون: 29\]، والبركة هي اسم كل خير لا انقطاع له، أو اسم كل شيء لا تبعة له عليه فيه.

ثم قوله: ﴿ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ﴾ ، على قول بعض أهل التأويل: ذلك السلام، وتلك البركات في الدنيا: السلام لما سلموا من الغرق والبركات ما نالوا في الدنيا من الخيرات والمنافع.

وعلى قول بعضهم: السلام والبركات جميعاً في الآخرة.

ثم جعل عز وجل المؤمن والكافر مشتركين في منافع الدنيا وبركاتها، وجعل منافع الآخرة وبركاتها للمؤمنين خاصة بقوله: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ  ﴾ ثم قال: ﴿ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ أشرك المؤمن والكافر في زينة الدنيا، ثم جعل [للمؤمنين خالصة] يوم القيامة، فذلك قوله: ﴿ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أخبر أنه يمتعهم ثم يصيبهم عذاب أليم، ويمتع المؤمن أيضاً في هذه الدنيا بأنواع المنافع، ثم أخبر أن العاقبة للمتقين ثم جعل العاقبة للمتقين بإزاء ما جعل لهم عذابا أليما أعني الكفرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ﴾ : ولم يكن مع نوح أمم يومئذ، إنما كانوا معه نفراً، لكنه أراد - والله أعلم - الأمم التي كانوا من بعده كأنه قال: وعلى أمم يكونون من بعدك، فهذا يدل أن دين الأنبياء والرسل جميعاً دين واحد، وإن اختلفت شرائعهم؛ لأن تلك الأمم لم يكونوا بأنفسهم مع نوح، ولا كانوا معه في العبادات التي كان فيها نوح؛ دل أنهم كانوا جميعاً على دينه وهو واحد، وعلى ذلك يخرج دعاؤه: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ...

﴾ الآية [نوح: 28]، دعاء بالمغفرة له لكل مؤمن ومؤمنة يكون من بعده؛ وكذلك يحق على كل كافر دعاؤه: ﴿ وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ أي: قصة نوح من أنباء الغيب غابت عنك لم تشهدها، ولم تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا، إن كان المراد من قوله: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ ﴾ قصة نوح خاصة وأنباؤه، كان يجيء أن يقول: هذه من أنباء الغيب نوحيها إليك، لكنه كأنه على الإضمار، أي: هذه الأنباء تلك الأنباء التي ذكرت في كتبهم، وإن كان المراد هذه وغيرها من الأنباء يصير كأنه قال: هذه من تلك الأنباء.

ويحتمل قوله: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ ﴾ القصص كلها قصة نوح وغيره من الأنبياء من أنباء الغيب، غابت عنك لم تشهدها ولا تعلمها أنت ولا قومك، خص قومه لأن غيره من الأقوام قد كانوا عرفوا تلك الأنباء فيخبرونهم فيعرفون به صدق رسول الله  .

وفيه دلالة إثبات رسالة محمد  لأنه أخبرهم على ما أخبر أولئك الذين عرفوا تلك الأنباء بكتبهم؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك [بالله  إذ تلك] الأنباء كانت بغير لسانه، ولم يعرف أنه اختلف إلى أحد منهم؛ دل أنه إنما عرف ذلك بالله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ فَٱصْبِرْ ﴾ على تكذيبهم إياك، وعلى أذاهم أو اصبر على ما أمرت ونهيت، واصبر على ما صبر إخوانك من قبل؛ كقوله: ﴿ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ يشبه أن يكون قوله: ﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الذين اتقوا الشرك وأمكن الذين اتقوا الشرك والمعاصي كلها، والأشبه أن يكون المراد منه اتقاء الشرك؛ لأنه ذكر بإزاء قوله: ﴿ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ فهو في العقد أشبه.

وقال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ ﴾ من السفينة بسلام منا، فسلمه الله ومن معه من المؤمنين من الغرق، ﴿ وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ﴾ يعني بالبركة أنهم توالدوا وكثروا بعدما خرجوا من السفينة.

وعن ابن عباس -  - في قوله: ﴿ وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ﴾ ممن سبق له في علم الله البركات والسعادة من النبيين وغيرهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قصة نوح هذه من أخبار الغيب، ما كنت -أيها الرسول- تعلمها أنت، وما كان قومك يعلمونها من قبل هذا الوحي الَّذي أوحيناه إليك، فاصبر على أذى قومك وتكذيبهم كما صبر نوح  ، إن النصر والغلبة للذين يمتثلون أوامر الله، ويجتنبون نواهيه.

<div class="verse-tafsir" id="91.7Edzo"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد