الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٥٩ من سورة هود
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 60 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٩ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم ) [ أي ] كفروا بها ، وعصوا رسل الله ، وذلك أن من كفر بنبي فقد كفر بجميع الأنبياء ، لأنه لا فرق بين أحد منهم في وجوب الإيمان به ، فعاد كفروا بهود ، فنزل كفرهم [ به ] منزلة من كفر بجميع الرسل ، ( واتبعوا أمر كل جبار عنيد ) تركوا اتباع رسولهم الرشيد ، واتبعوا أمر كل جبار عنيد .
القول في تأويل قوله تعالى : وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: وهؤلاء الذين أحللنا بهم نقمتنا وعذابنا ، عادٌ، جحدوا بأدلة الله وحججه، (12) وعصوا رسله الذين أرسلهم إليهم للدعاء إلى توحيده واتباع أمره ، (واتبعوا أمر كل جبار عنيد) ، يعني : كلّ مستكبر على الله، (13) حائد عن الحق ، لا يُذعن له ولا يقبله.
* * * يقال منه: " عَنَد عن الحق ، فهو يعنِد عُنُودًا " ، و " الرجل عَاند وعَنُود " .
ومن ذلك قيل للعرق الذي ينفجر فلا يرقأ: " عِرْق عاند ": أي ضَارٍ، (14) ومنه قول الراجز: (15) إِنِّي كَبِيرٌ لا أَطِيقُ العُنَّدَا (16) * * * 18282- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (واتبعوا أمر كل جبار عنيد)، المشرك.
--------------------------- الهوامش : (12) انظر تفسير " الجحد " فيما سلف 11 : 334 / 12 : 476 .
(13) انظر تفسير " الجبار " فيما سلف 10 : 172 .
(14) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 291 ، ففيه زيادة بيان .
(15) لم أعرف قائله .
(16) مجاز القرآن 1 : 291 ، البطليوسي : 415 ، الجواليقي : 336 ، اللسان ( عند ) ، وسيأتي في التفسير 29 : 97 ( بولاق) ، وغيرها ، وهي أبيات لشواهد الإكفاء ، يقول : إذَا رَحَــلْتُ فَــاجْعَلُونِي وَسَــطَا إِنِّــي كَبِــيرٌ لاَ أَطِيــقُ العُنَّــدَا وَلاَ أُطِيـــقُ البَكــرَاتِ الشُّــرَّدَا .
قوله تعالى : وتلك عاد ابتداء وخبر .
وحكى الكسائي أن من العرب من لا يصرف " عادا " فيجعله اسما للقبيلة .جحدوا بآيات ربهم أي كذبوا بالمعجزات وأنكروها .وعصوا رسله يعني هودا وحده ; لأنه لم يرسل إليهم من الرسل سواه .
ونظيره قوله تعالى : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده ; لأنه لم يكن في عصره رسول سواه ; وإنما جمع هاهنا لأن من كذب رسولا واحدا فقد كفر بجميع الرسل .
وقيل : عصوا هودا والرسل قبله ، وكانوا بحيث لو أرسل إليهم ألف رسول لجحدوا الكل .واتبعوا أمر كل جبار عنيد أي اتبع سقاطهم رؤساءهم .
والجبار المتكبر .
والعنيد الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن له .
قال أبو عبيد : العنيد والعنود والعاند والمعاند المعارض بالخلاف ، ومنه قيل للعرق الذي ينفجر بالدم عاند .
وقال الراجز :إني كبير لا أطيق العندا
{ وَتِلْكَ عَادٌ } الذين أوقع الله بهم ما أوقع، بظلم منهم لأنهم { جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ } ولهذا قالوا لهود: { ما جئتنا ببينة } فتبين بهذا أنهم متيقنون لدعوته، وإنما عاندوا وجحدوا { وَعَصَوْا رُسُلَهُ } لأن من عصى رسولا، فقد عصى جميع المرسلين، لأن دعوتهم واحدة.
{ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ } أي: متسلط على عباد الله بالجبروت، { عنيد } أي: معاند لآيات الله، فعصوا كل ناصح ومشفق عليهم، واتبعوا كل غاش لهم، يريد إهلاكهم لا جرم أهلكهم الله.
( وتلك عاد ) رده إلى القبيلة ، ( جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله ) يعني : هودا وحده ، ذكره بلفظ الجمع لأن من كذب رسولا كان كمن كذب جميع الرسل ، ( واتبعوا أمر كل جبار عنيد ) أي : واتبع السفلة والسقاط أهل التكبر والعناد ، والجبار : المتكبر ، والعنيد : الذي لا يقبل الحق ، يقال : عند الرجل يعند عنودا إذا أبى أن يقبل الشيء وإن عرفه .
قال أبو عبيدة العنيد والعاند والعنود والمعاند : المعارض لك بالخلاف .
«قيل يا نوح اهبط» انزل من السفينة «بسلام» بسلامة أو بتحية «منا وبركات» خيرات «عليك وعلى أمم ممن معك» في السفينة أي من أولادهم وذريتهم وهم المؤمنون «وأمم» بالرفع ممن معك «سنمتعهم» في الدنيا «ثم يَمَسُّهم منا عذاب أليم» في الآخرة وهم الكفار.
وتلك عاد كفروا بآيات الله وعصَوا رسله، وأطاعوا أمر كل مستكبر على الله لا يقبل الحق ولا يُذْعن له.
واسم الإِشارة فى قوله - سبحانه - ( وَتِلْكَ عَادٌ .
.
.
) يعود إلى القبيلة أو إلى آثارهم التي خلفوها من بعدهم .
أى : وتلك هى قصة قبيلة عاد مع نبيها هود - عليه السلام - وتلك هى عاقبتها وكانت الإِشارة للبعيد تحقيرا لهم ، وتهوينا من شأنهم بعد أن انتهوا ، وبعدوا عن الأنظارو الأفكار ، وقد كانوا يقولون : من أشد منا قوة .وقوله : ( جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ واتبعوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ .
.
) بيان لجرائمهم التى استحقوا بسببها العذاب الغليظ .والجحد : الإِنكار الشديد للحق الواضح .وآيات ربهم : الحجج والبراهين التى جاء بها الأنبياء من ربهم للدلالة على صدقهم .والجبار : هو الشخص المتعالى المتعاظم على الناس ، المترفع عن الاستجابة للحق .والعنيد : المعاند الطاغى الذى يعرف الحق ولكنه لا يتبعه .أى : وتلك هى قصة قبيلة عاد مع نبيها ، كفروا بآيات ربهم الدالة على صدق أنبيائه ، وعصوا رسله الذين جاءوا لهدايتهم ، واتبع سفلتهم وعوامهم أمر كل رئيس متجبر متكبر معاند منهم ، بدون تفكر أو تدبر .وقال - سبحانه - ( وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ ) مع أنهم قد عصوا رسولا واحده هو هود - عليه السلام - ، للإِشارة إلأى أن معصيتهم لهذا الرسول كانها معصية للرسل جميعا ، لأنهم قد جاءوا برسالة واحدة فى جوهرها وهى : عبادة الله - تعالى - وحده ، والتقيد بأوامره ونواهيه .والإِشارة أيضا إلى ضخامة جرائمهم ، وإبراز شناعتها حيث عصوا رسلا لا رسولا .وقد وصفهم - سبحانه - فى هذه الآية بثلاث صفات هى أعظم الصفات فى القبح والشناعة : أولها : جحودهم لآيات ربهم .
وثانيها : عصيانهم لرسله .
وثالثها : اتباعها أمر رؤسائهم الطغاة .
اعلم أن قوله: ﴿ وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا ﴾ أي عذابنا وذلك هو ما نزل بهم من الريح العقيم عذبهم الله بها سبع ليال وثمانية أيام، تدخل في مناخرهم وتخرج من أدبارهم وتصرعهم على الأرض على وجوههم حتى صاروا كأعجاز نخل خاوية.
فإن قيل: فهذه الريح كيف تؤثر في إهلاكهم؟
قلنا: يحتمل أن يكون ذلك لشدة حرها أو لشدة بردها أو لشده قوتها، فتخطف الحيوان من الأرض، ثم تضربه على الأرض، فكل ذلك محمل.
وأما قوله: ﴿ نَجَّيْنَا هُودًا ﴾ فاعلم أنه يجوز إتيان البلية على المؤمن وعلى الكافر معاً، وحينئذ تكون تلك البلية رحمة على المؤمن وعذاباً على الكافر، فأما العذاب النازل بمن يكذب الأنبياء عليهم السلام فإنه يجب في حكمة الله تعالى أن ينجي المؤمن منه، ولولا ذلك لما عرف كونه عذاباً على كفرهم، فلهذا السبب قال الله تعالى هاهنا: ﴿ نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ ﴾ .
وأما قوله: ﴿ بِرَحْمَةٍ مّنَّا ﴾ ففيه وجوه: الأول: أراد أنه لا ينجو أحد وإن اجتهد في الإيمان والعمل الصالح إلا برحمة من الله، والثاني: المراد من الرحمة: ما هداهم إليه من الإيمان بالله والعمل الصالح.
الثالث: أنه رحمهم في ذلك الوقت، وميزهم عن الكافرين في العقاب.
وأما قوله: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ فالمراد من النجاة الأولى هي النجاة من عذاب الدنيا، والنجاة الثانية من عذاب القيامة، وإنما وصفه بكونه غليظاً تنبيهاً على أن العذاب الذي حصل لهم بعد موتهم بالنسبة إلى العذاب الذي وقعوا فيه كان عذاباً غليظاً، والمراد من قوله تعالى: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُمْ ﴾ أي حكمنا بأنهم لا يستحقون ذلك العذاب الغليظ ولا يقعون فيه.
واعلم أنه تعالى لما ذكر قصة عاد خاطب قوم محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿ عَادٌ جَحَدُواْ ﴾ فهو إشارة إلى قبورهم وآثارهم، كأنه تعالى قال: سيروا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا.
ثم إنه تعالى جمع أوصافهم ثم ذكر عاقبة أحوالهم في الدنيا والآخرة، فأما أوصافهم فهي ثلاثة.
الصفة الأولى: قوله: ﴿ جَحَدُواْ بآيات رَبّهِمْ ﴾ والمراد: جحدوا دلالة المعجزات على الصدق، أو الجحد، ودلالة المحدثات على وجود الصانع الحكيم، إن ثبت أنهم كانوا زنادقة.
الصفة الثانية: قوله: ﴿ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ ﴾ والسبب فيه أنهم إذا عصوا رسولاً واحداً، فقد عصوا جميع الرسل لقوله تعالى: ﴿ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ ﴾ وقيل: لم يرسل إليهم إلا هود عليه السلام.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿ واتبعوا أَمْرَ كُلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ والمعنى أن السفلة كانوا يقلدون الرؤساء في قولهم: ﴿ مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ ﴾ والمراد من الجبار المرتفع المتمرد العنيد العنود والمعاند، وهو المنازع المعارض.
واعلم أنه تعالى لما ذكر أوصافهم ذكر بعد ذلك أحوالهم فقال: ﴿ وَأُتْبِعُواْ فِي هذه الدنيا لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة ﴾ أي جعل اللعن رديفاً لهم، ومتابعاً ومصاحباً في الدنيا وفي الآخرة، ومعنى اللعنة الإبعاد من رحمة الله تعالى ومن كل خير.
ثم إنه تعالى بين السبب الأصلي في نزول هذه الأحوال المكروهة بهم فقال: ﴿ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ ﴾ قيل: أراد كفروا بربهم فحذف الباء، وقيل: الكفر هو الجحد فالتقدير: ألا إن عاداً جحدوا ربهم.
وقيل: هو من باب حذف المضاف، أي كفروا نعمة ربهم.
ثم قال: ﴿ أَلاَ بُعْدًا لّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ﴾ وفيه سؤالان: السؤال الأول: اللعن هو البعد، فلما قال: ﴿ وَأُتْبِعُواْ فِي هذه الدنيا لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة ﴾ فما الفائدة في قوله: ﴿ أَلاَ بُعْدًا لّعَادٍ ﴾ .
والجواب: التكرير بعبارتين مختلفتين يدل على غاية التأكيد.
السؤال الثاني: ما الفائدة في قوله: ﴿ لّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ﴾ .
الجواب: كان عاد عادين، فالأولى: القديمة هم قوم هود، والثانية: هم إرم ذات العماد، فذكر ذلك لإزالة الاشتباه.
والثاني: أن المبالغة في التنصيص تدل على مزيد التأكيد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَتِلْكَ عَادٌ ﴾ إشارة إلى قبورهم وآثارهم، كأنه قال: سيحوا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا، ثم استأنف وصف أحوالهم فقال: ﴿ جَحَدُواْ بآيات رَبّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ ﴾ لأنهم إذا عصوا رسولهم فقد عصوا جميع رسل الله، ﴿ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ ﴾ [البقرة: 285] قيل لم يرسل إليهم إلا هود وحده ﴿ كُلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ يريد رؤساءهم وكبراءهم ودعاتهم إلى تكذيب الرسل.
ومعنى اتباع أمرهم: طاعتهم.
ولما كانوا تابعين لهم دون الرسل جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين تكبهم على وجوههم في عذاب الله.
و ﴿ ألا ﴾ وتكرارها مع النداء على كفرهم والدعاء عليهم، تهويل لأمرهم وتفظيع له، وبعث على الاعتبار بهم والحذر من مثل حالهم.
فإن قلت: ﴿ بُعْدًا ﴾ دعاء بالهلاك، فما معنى الدعاء به عليهم بعد هلاكهم؟
قلت: معناه الدلالة على أنهم كانوا مستأهلين له: ألا ترى إلى قوله: إخْوَتي لاَ تَبْعَدُوا أبدَا ** وَبَلَى وَاللَّهِ قَدْ بَعِدُوا ﴿ قَوْمِ هُودٍ ﴾ عطف بيان لعاد: فإن قلت: ما الفائدة في هذا البيان والبيان حاصل بدونه؟
قلت: الفائدة فيه أن يوسموا بهذه الدعوة وسما، وتجعل فيهم أمراً محققاً لا شبهة فيه بوجه من الوجوه، ولأنّ عاداً عادان: الأولى القديمة التي هي قوم هود والقصة فيهم، والأخرى إرم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَتِلْكَ عادٌ ﴾ أُنِّثَ اسْمُ الإشارَةِ بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ أوْ لِأنَّ الإشارَةَ إلى قُبُورِهِمْ وآثارِهِمْ.
﴿ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ﴾ كَفَرُوا بِها.
﴿ وَعَصَوْا رُسُلَهُ ﴾ لِأنَّهم عَصَوْا رَسُولَهم ومَن عَصى رَسُولًا فَكَأنَّما عِصِيَ الكُلَّ لِأنَّهم أُمِرُوا بِطاعَةِ كُلِّ رَسُولٍ.
﴿ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ ﴾ يَعْنِي كُبَراءَهُمُ الطّاغِينَ و ﴿ عَنِيدٍ ﴾ مِن عَنَدَ عَنَدًا وعِنْدًا وعُنُودًا إذا طَغى، والمَعْنى عَصَوْا مَن دَعاهم إلى الإيمانِ وما يُنْجِيهِمْ وأطاعُوا مَن دَعاهم إلى الكُفْرِ وما يُرْدِيهِمْ.
﴿ وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ﴾ أيْ جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ تابِعَةً لَهم في الدّارَيْنِ تَكُبُّهم في العَذابِ.
﴿ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ﴾ جَحَدُوهُ أوْ كَفَرُوا نِعَمَهُ أوْ كَفَرُوا بِهِ فَحُذِفَ الجارُّ.
﴿ ألا بُعْدًا لِعادٍ ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ، والمُرادُ بِهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهم كانُوا مُسْتَوْجِبِينَ لَما نَزَلَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ما حُكِيَ عَنْهم، وإنَّما كَرَّرَ ألا وأعادَ ذِكْرَهم تَفْظِيعًا لِأمْرِهِمْ وحَثًّا عَلى الِاعْتِبارِ بِحالِهِمْ.
﴿ قَوْمِ هُودٍ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِعادٍ، وفائِدَتُهُ تَمْيِيزُهم عَنْ عادٍ الثّانِيَةِ عادِ إرَمَ، والإيماءُ إلى أنَّ اسْتِحْقاقَهم لِلْبُعْدِ بِما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ هُودٍ.
<div class="verse-tafsir"
{وتلك عَادٌ} إشارة إلى قبورهم وآثارهم كأنه قال سبحوا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا ثم استأنف وصف أحوالهم فقال {جَحَدُواْ بآيات رَبّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ} لأنهم إذا عصوا رسولهم فقد عصوا جميع رسل الله لا نفرق بين أحد من رسله
﴿ وتِلْكَ عادٌ ﴾ أنَّثَ اسْمَ الإشارَةِ بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ عَلى ما قِيلَ، فالإشارَةُ إلى ما في الذِّهْنِ وصِيغَةُ البَعِيدِ لِتَحْقِيرِهِمْ أوْ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ البَعِيدِ لِعَدَمِهِمْ، أوِ الإشارَةُ إلى قُبُورِهِمْ ومَصارِعِهِمْ، وحِينَئِذٍ الإشارَةُ لِلْبَعِيدِ المَحْسُوسِ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ أوْ هو مِن مَجازِ الحَذْفِ، أيْ تِلْكَ قُبُورُ عادٍ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ أصْحابِ تِلْكَ عادٌ، والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وكانَ المَقْصُودُ الحَثَّ عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ والِاتِّعاظِ بِأحْوالِهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ﴾ إلَخْ..
اسْتِئْنافٌ لِحِكايَةِ بَعْضِ قَبائِحِهِمْ، أيْ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمُ الَّتِي أيَّدَ بِها رَسُولَهُ الدّاعِيَ إلَيْهِ ودَلَّ بِها عَلى صِدْقِهِ وأنْكَرُوها فَقالُوا: ﴿ يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ، ﴾ أوْ أنْكَرُوا آياتِهِ سُبْحانَهُ في الآفاقِ والأنْفُسِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ تَعالى حَسْبَما قالَ لَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِها الآياتُ الَّتِي أتى بِها هُودٌ، وغَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُلائِمُهُ جَمْعُ الرُّسُلِ الآتِي عَلى قَوْلٍ، وعُدِّيَ -جَحَدَ- بِالباءِ حَمْلًا لَهُ عَلى كَفَرَ لِأنَّهُ المُرادُ، أوْ بِتَضْمِينِهِ مَعْناهُ كَما أنَّ كَفَرَ يَجْرِي مَجْرى جَحَدَ فَيُعَدّى بِنَفْسِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ﴾ وقِيلَ: كَفَرَ كَشَكَرَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالباءِ، وظاهِرُ كَلامِ القامُوسِ أنَّ جَحَدَ كَذَلِكَ ﴿ وعَصَوْا رُسُلَهُ ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالرُّسُلِ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ والرُّسُلُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ مِن قَبْلِهِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وسائِرُ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ تَعالى لِلْأُمَمِ مِن قَبْلِهِ ومِن بَعْدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِناءً عَلى أنَّ عِصْيانَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا عِصْيانُ كُلِّ رَسُولٍ بِمَنزِلَةِ عِصْيانِ الرُّسُلِ جَمِيعِهِمْ لِأنَّ الجَمِيعَ مُتَّفِقُونَ عَلى التَّوْحِيدِ فَعِصْيانُ واحِدٍ عِصْيانٌ لِلْجَمِيعِ فِيهِ، أوْ عَلى أنَّ القَوْمَ أمَرَهم كُلُّ رَسُولٍ مِن قَبْلْ بِطاعَةِ الرُّسُلِ والإيمانِ بِهِمْ إنْ أدْرَكُوهم فَلَمْ يَمْتَثِلُوا ذَلِكَ الأمْرَ ﴿ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ ﴾ مُتَعالٍ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هو الَّذِي يَقْتُلُ عَلى الغَضَبِ ويُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّهُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ المُتَكَبِّرُ عَلى العِبادِ ﴿ عَنِيدٍ ﴾ أيْ طاغٍ مِن -عَنَدَ- بِتَثْلِيثِ النُّونِ -عَنْدًا- بِالإسْكانِ -وعَنَدًا- بِالتَّحْرِيكِ -وعُنُودًا- بِضَمِّ العَيْنِ إذا طَغا وجاوَزَ الحَدَّ في العِصْيانِ، وفَسَّرَهُ الرّاغِبُ بِالمُعْجَبِ بِما عِنْدَهُ، والجَوْهَرِيُّ بِمَن خالَفَ الحَقَّ ورَدَّهُ وهو يَعْرِفُهُ، وكَذا عانَدَ، ويُطْلَقُ الأخِيرُ عَلى البَعِيرِ الَّذِي يَجُورُ عَنِ الطَّرِيقِ ويَعْدِلُ عَنِ القَصْدِ، وجَمْعُهُ عُنَّدٌ كَراكِعٍ ورُكَّعٍ وجَمْعُ العَنِيدِ -عُنُدٌ- كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ، والعُنُودُ قِيلَ: بِمَعْنى العَنِيدِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ، ولا يُقالُ: عَنِيدٌ، ويُجْمَعُ الأوَّلُ عَلى عَنَدَةٍ، والثّانِي عَلى عُنُدٍ، وآخَرُ أنَّ العُنُودَ العادِلُ عَنِ الطَّرِيقِ المَحْسُوسِ، والعَنِيدُ العادِلُ عَنِ الطَّرِيقِ في الحُكْمِ؛ وكِلاهُما مِن -عَنَدَ- وأصْلُ مَعْناهُ عَلى ما قِيلَ: اعْتَزَلَ في جانِبٍ لِأنَّ -العَنَدَ- بِالتَّحْرِيكِ الجانِبُ، يُقالُ: يَمْشِي وسَطًا لا عَنَدًا، ومِنهُ -عِنْدَ- الظَّرْفِيَّةُ، ويُقالُ لِلنّاحِيَةِ أيْضًا: العِنْدُ مُثَلَّثَةٌ، وهَذا الحُكْمُ لَيْسَ كالحُكْمَيْنِ السّابِقَيْنِ مِن جُحُودِ الآياتِ وعِصْيانِ الرُّسُلِ في الشُّمُولِ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنهم فَإنَّ اتِّباعَ الأمْرِ مِن أحْكامِ الأسافِلِ دُونَ الرُّؤَساءِ.
وقِيلَ: هو مِثْلُ ذَلِكَ في الشُّمُولِ، والمُرادُ -بِالأمْرِ- الشَّأْنُ -وبِكُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ- مَن هَذِهِ صِفَتُهُ مِنَ النّاسِ لا أُناسَ مَخْصُوصُونَ مِن عادٍ مُتَّصِفُونَ بِذَلِكَ، والمُرادُ بِاتِّباعِ الأمْرِ مُلازَمَتُهُ أوِ الرِّضا بِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، ويُؤَوِّلُ ذَلِكَ إلى الِاتِّصافِ أيْ إنَّ كُلًّا مِنهُمُ اتَّصَفَ بِصِفَةِ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ الظّاهِرِ، وقَدْ يَدَّعِي العُمُومَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى ارْتِكابِ مِثْلِهِ، والمُرادُ عَلى ما تَقَدَّمَ أنَّهم عَصَوْا مَن دَعاهم إلى سَبِيلِ الهُدى وأطاعُوا مَن حَداهم إلى مَهاوِي الرَّدى <div class="verse-tafsir"
ثم قال: وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا يعني: عذابنا، وهو الريح العقيم نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا يعني: بنعمة منا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ يعني: من العذاب الذي عذب به عاد في الدنيا، ومما يعذبون به في الآخرة.
قال تعالى: وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ يعني: كذبوا بعذاب ربهم إنه غير نازل بهم، ومعناه: يا أهل مكة، انظروا إلى حالهم كيف عذبوا في الدنيا وفي الآخرة.
وهذا كقوله تعالى: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [النمل: 52] فكذلك هاهنا، وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ بَيَّنَ جرمهم، ثمّ بَيَّنَ عقوبتهم، فقال: وَعَصَوْا رُسُلَهُ يعني: عادا خاصة، ويقال: معناه كذبوا هوداً بما أخبرهم عن الرسل.
وقيل: إنما جمع، لأن من كذّب رسولا واحدا فقد كذّب جميع الرسل، وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ يعني: عملوا بقول كل جبار.
ويقال: أخذوا بدين كل جبار.
والجبار: الذي يضرب ويقتل عند الغضب، عَنِيدٍ يعني: معرضاً ومجانباً عن الحق.
ثمّ بَيَّنَ عقوبتهم، فقال: وَأُتْبِعُوا يعني: ألحقوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً يعني: العذاب والهلاك، وهو الريح العقيم.
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لعنة أُخرى، وهو عذاب النار إلى الأبد أَلا إِنَّ عادا كَفَرُوا رَبَّهُمْ فهذا تنبيه للكفار أن عاداً كفروا ربهم، فأهلكهم الله تعالى، فاحذروا كيلا يصيبكم بكفركم ما أصابهم بكفرهم، ويقال: أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ يعني: ينادي مناد يوم القيامة لإظهار حالهم: أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ وقال الضّحَّاك: ترفع لهم راية الغدر يوم القيامة، فينادي منادٍ يوم القيامة: هذه غدرة قوم عاد، فيلعنهم الملائكة وجميع الخلق، فذلك قوله تعالى: أَلا بُعْداً يعني: خزياً وسحقاً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ.
<div class="verse-tafsir"
منه، يتقدَّمها علْمٌ بفساد المَتُوب مِنْه، وصلاحٍ ما يَرْجِعُ إِليه، ويقترن بها نَدَمٌ على فَارِطِ المَتُوبِ منه، لا يَنْفَكُّ منه، وهو من شروطها ومِدْراراً بناءُ تكثير، وهو مِنْ دَرَّ يَدُرُّ، وقد تقدَّمت قصة «عاد» .
وقوله سبحانه: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ ظاهره العمومُ في جميع ما يُحْسِنُ اللَّه تعالى فيه إِلى العباد، ويحتملُ أن خصّ القوة بالذكر، إذ كانوا أَقْوَى العَوَالِمِ، فوُعِدُوا بالزيادَةِ فيما بَهَرُوا فيه، ثم نهاهُمْ عن التولِّي عن الحقِّ، وقولهم: عَنْ قَوْلِكَ، أي: لا يكونُ قولُكَ سَبَبَ ترْكِنا، وقال ص: عَنْ قَوْلِكَ: حالٌ من الضمير في «تاركي» ، أي: صادِرِينَ عن قولك، وقيل: «عن» : للتعليل، كقولهِ: إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ [التوبة:
١١٤] وقولهم: إِنْ نَقُولُ ...
الآية: معناه: ما نَقُولُ إِلا أَن بعض آلهتنا التي ضَلَّلْتَ عَبَدَتَهَا أَصابَكَ بجُنُونٍ، يقال: / عَرَّ يَعُرُّ، واعترى يَعْتَرِي إِذا أَلمَّ بالشيء.
وقوله: فَكِيدُونِي جَمِيعاً: أي: أنتم وأصنامكم، ويذكر أن هذه كَانَتْ له عليه السلام معجزةً، وذلك أنَّه حرَّض جماعتهم عَلَيْه مع انفراده وقوَّتهم وكُفْرهم، فلم يقدروا على نيله بسوء، وتُنْظِرُونِ: معناه: تؤخِّروني، أيْ: عاجلوني بما قَدَرْتم عليه.
وقوله: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يريد: إِن أفعالَ اللَّه عزَّ وجلَّ في غاية الإحكام، وقوله الصّدق ووعده الحقّ، وعَنِيدٍ: من «عند» إذا عتا.
وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤)
وقوله سبحانه: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ...
الآية: حَكَمَ عليهم سبحانه بهذا لموافاتهم على الكُفْر، ولا يُلْعَنُ معيَّنٌ حُيٌّ: لا مِنْ كافرٍ، ولا من فاسقٍ، ولا من بهيمةٍ،
كلُّ ذلك مكروهٌ بالأحاديث «١» .
ت: وتعبيره بالكراهَةِ، لعلَّه يريد التحريمَ، وَيَوْمَ: ظَرفٌ، ومعناه: إِن اللعنة علَيْهم في الدُّنيا، وفي يوم القيامة، ثم ذكَر العلَّة الموجِبَةَ لذلك، وهي كُفْرهم بربهم، وباقي الآية بيّن.
وقوله عز وجل: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً ...
الآية: التقديرُ: وأرسلنا إلى ثمود وأَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ: أي: اخترعكم، وأوْجَدكم، وذلك باختراع آدم عليه السلام.
وقال ص: مِنَ الْأَرْضِ: لابتداءِ الغاية باعتبار الأصلِ المتولَّدِ منه النباتُ المتولَّدُ منه الغذاءُ المتولَّدُ منه المَنِيُّ ودَمُ الطَّمْثِ المتولَّدُ عنه الإِنسان.
انتهى.
وقد نقل ع «٢» : في غير هذا الموضع نَحْوَ هذا، ثم أشار إِلى مرجوحيَّته، وأَنَّه داعٍ إِلى القول بالتولُّد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «٣» : قوله تعالى: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها:
أي: خَلَقَكم لعمارتها، ولا يصحُّ أنْ يقال: هو طَلَبٌ من اللَّه لعمارتها كما زعم بعضُ الشَّافعيَّة.
ت: والمفهومُ من الآية أنَّها سيقَتْ مساق الامتنان عليهم.
انتهى.
وقولهم:
يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا، قال جمهور المفسِّرين: معناه: مسوَّداً نؤمِّل فيك أنْ تكون سيِّداً سادًّا مسدَّ الأكابِرِ، وقولهم: وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ، معنى: مُرِيبٍ: ملبس متهم، وقوله: أَرَأَيْتُمْ: أي: أتدبرتم، فالرؤية قلبيّة، وآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً، يريد: النبوَّة وما انضاف إِليها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ عادٌ ﴾ يَعْنِي القَبِيلَةَ.
﴿ وَعَصَوْا رُسُلَهُ ﴾ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّما أُرْسِلَ إلَيْهِمْ هُودٌ وحْدَهُ، فَكَيْفَ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ ؟
فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَدْ يُذْكَرُ لَفْظُ الجَمْعِ ويُرادُ بِهِ الواحِدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ ﴾ والمُرادُ بِهِ النَّبِيُّ وحْدَهُ.
والثّانِي: أنَّ مَن كَذَّبَ رَسُولًا واحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ الكُلَّ.
والثّالِثُ: أنَّ كُلَّ مَرَّةٍ يُنْذِرُهم فِيها هي رِسالَةٌ مُجَدَّدَةٌ وهو بِها رَسُولٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّبَعُوا ﴾ أيْ: واتَّبَعَ الأتْباعُ أمْرَ الرُّؤَساءِ.
والجَبّارُ: الَّذِي طالَ وفاتَ اليَدَ.
وَلِلْعُلَماءِ في الجَبّارِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَقْتُلُ عَلى الغَضَبِ ويُعاقِبُ عَلى الغَضَبِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المُسَلَّطُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ، المُتَكَبِّرُ عَلى العِبادِ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والَّذِي ذَكَرْناهُ يَجْمَعُ هَذِهِ الأقْوالَ، وقَدْ زِدْنا هَذا شَرْحًا في [المائِدَةِ:٢٢] .
وَأمّا العَنِيدُ: فَهو الَّذِي لا يَقْبَلُ الحَقَّ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَنُودُ، والعَنِيدُ، والعانِدُ: المُعارِضُ لَكَ بِالخِلافِ عَلَيْكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾ ﴿ وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ ﴾ ﴿ وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ ﴾ ﴿ وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "تَوَلَّوْا" بِفَتْحِ اللامِ والتاءِ عَلى مَعْنى "تَتَوَلَّوْا"، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ، والأعْرَجُ: "تُوَلُّوا" بِضَمِّ التاءِ واللامِ، و"إنْ" شَرْطٌ، والجَوابُ في الفاءِ وما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ ﴾ ، والمَعْنى: أنَّهُ ما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمِّ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَبْلِيغِ، وأنْتُمْ أصْحابُ الذَنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوَلَّوْا فِعْلًا ماضِيًا، ويَجِيءُ في الكَلامِ رُجُوعٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، أيْ فَقُلْ: قَدْ أبْلَغْتُكم.
وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَيَسْتَخْلِفُ" بِضَمِّ الفاءِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ بِذَلِكَ، وقَرَأ عاصِمٌ - فِيما رَوى هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عنهُ-: "وَيَسْتَخْلِفْ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الفاءِ مِن قَوْلِهِ: فَقَدْ.
وقَوْلُهُ: ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا يَحْتَمِلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما ولا تَضُرُّونَهُ بِذَهابِكم وهَلاكِكم شَيْئًا أيْ لا يَنْتَقِصُ مُلْكُهُ، ولا يَخْتَلُّ أمْرُهُ، وعَلى هَذا المَعْنى قَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "وَلا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا".
والمَعْنى الآخَرُ: ولا تَضُرُّونَهُ، أيْ: ولا تَقْدِرُونَ إذا أهْلَكَكم عَلى إضْرارِهِ بِشَيْءٍ ولا عَلى الِانْتِصارِ مِنهُ ولا تُقابِلُونَ فِعْلَهُ بِكم بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ.
ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّ رَبَّهُ حَفِيظٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عالِمٌ بِهِ، وفي تَرْدِيدِ هَذِهِ الصِفاتِ ونَحْوِها تَنْبِيهٌ وتَذْكِيرٌ.
و"الأمْرُ" واحِدُ الأُمُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ أمَرَ يَأْمُرُ، أيْ أمْرُنا لِلرِّيحِ أو لِخَزَنَتِها ونَحْوُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: "بِرَحْمَةٍ"، إمّا أنْ يَكُونَ إخْبارًا مُجَرَّدًا عن رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لَحِقَتْهُمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَصْدًا إلى الإعْلامِ أنَّ النَجاةَ إنَّما كَمُلَتْ بِمُجَرَّدِ رَحْمَةِ اللهِ لا بِأعْمالِهِ فَتَكُونُ الآيَةُ- عَلى هَذا- في مَعْنى قَوْلِ رَسُولِ اللهِ : « "لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ".
قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللهِ؟
قالَ "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَتِهِ"».
وقَوْلُهُ: ﴿ وَنَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عَذابَ الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وكانَتِ النَجاةُ المُتَقَدِّمَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ يُرِيدُ الرِيحَ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ عَلى هَذا، تَعْدِيدَ النِعْمَةِ، ومَشْهُورُ عَذابِهِمْ بِالرِيحِ هو أنَّها كانَتْ تَحْمِلُهم وتَهْدِمُ مَساكِنَهم وتَنْسِفُها وتَحْمِلُ الظَعِينَةَ كَما هي ونَحْوُ هَذا.
وحَكى الزَجّاجُ أنَّها كانَتْ تَدْخُلُ في أبْدانِهِمْ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ وتُقَطِّعُهم عُضْوًا عُضْوًا.
وتَعَدّى "جَحَدُوا" بِحَرْفِ جَرٍّ لَمّا نُزِّلَ مَنزِلَةَ "كَفَرُوا"، وانْعَكَسَ ذَلِكَ في الآيَةِ بَعْدَ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿ وَعَصَوْا رُسُلَهُ ﴾ ، شُنْعَةٌ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ أنَّ في تَكْذِيبِ رَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبَ سائِرِ الرُسُلِ وعِصْيانَهُمْ، إذِ النُبُوّاتُ كُلُّها مُجْمِعَةٌ عَلى الإيمانِ بِاللهِ والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ هُودٌ.
وآدَمُ، ونُوحٌ عَلَيْهُمُ السَلامُ.
و"العَنِيدُ": فَعِيلٌ مِن "عَنَدَ" إذا عَتا.
ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العَنَدا أيِ: الصِعابَ مِنَ الإبِلِ، وكانَ التَجَبُّرُ والعِنادُ مِن خُلُقِ عادٍ لِقُوَّتِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُنْيا لَعْنَةً ﴾ الآيَةُ، حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِهَذا الحُكْمِ لِكُفْرِهِمْ وإصْرارِهِمْ حَتّى حَلَّ العَذابُ بِهِمْ، و"اللَعْنَةُ": الإبْعادُ والخِزْيُ، وقَدْ تَيَقَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ وافَوْا عَلى الكُفْرِ فَيُلْعَنُ الكافِرُ المُوافِي عَلى كُفْرِهِ ولا يُلْعَنُ مُعَيَّنٌ حَيٌّ، لا مِن كافِرٍ، ولا مِن فاسِقٍ، ولا مِن بَهِيمَةٍ، كُلُّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ بِالأحادِيثِ.
و"يَوْمَ" ظَرْفٌ مَعْناهُ: أنَّ اللَعْنَةَ عَلَيْهِمْ في الدُنْيا وفي يَوْمِ القِيامَةِ.
ثُمَّ ذُكِرَتِ العِلَّةُ المُوجِبَةُ لِذَلِكَ وهي كُفْرُهم بِرَبِّهِمْ وتَعَدّى "كَفَرَ" بِغَيْرِ الحَرْفِ إذْ هو بِمَعْنى جَحَدُوا كَما تَقُولُ شَكَرْتُ لَكَ وشَكَرْتُكَ، وكَفَرَ نِعْمَتَهُ وكَفْرَ بِنِعْمَتِهِ، و"بُعْدًا" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وهو مَقامٌ ذَلِكَ الفِعْلِ.
<div class="verse-tafsir"
الإشارة ب ﴿ تِلك ﴾ حاضر في الذّهن بسبب ما أجري عليه من الحديث حتى صار كأنّه حاضر في الحسّ والمشاهدة.
كقوله تعالى: ﴿ تلك القرى نقصّ عليك من أنبائها ﴾ [الأعراف: 101] وكقوله: ﴿ أولئك على هدىً من ربّهم ﴾ [البقرة: 5]، وهو أيضاً مثله في أنّ الإتيان به عقب الأخبار الماضية عن المشار إليهم للتنبيه على أنّهم جديرون بما يأتي بعد اسم الإشارة من الخبر لأجل تلك الأوصاف المتقدّمة.
وتأنيث اسم الإشارة بتأويل الأمّة.
و ﴿ عاد ﴾ بيان من اسم الإشارة.
وجملة ﴿ جحدوا ﴾ خبر عن اسم الإشارة.
وهو وما بعده تمهيد للمعطوف وهو ﴿ وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ﴾ لزيادة تسجيل التّمهيد بالأجرام السّابقة، وهو الذي اقتضاه اسم الإشارة كما تقدّم، لأنّ جميع ذلك من أسباب جمع العذابين لهم.
والجحد: الإنكار الشّديد، مثل إنكار الواقعات والمشاهدات.
وهذا يدلّ على أنّ هوداً أتاهم بآيات فأنكروا دلالتها.
وعدي ﴿ جَحدوا ﴾ بالباء مع أنّه متعدّ بنفسه لتأكيد التّعدية، أو لتضمينه معنى كفروا فيكون بمنزلة ما لو قيل: جحدوا آيات ربّهم وكفروا بها، كقوله: ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ﴾ [النمل: 14].
وجمع الرسل في قوله: ﴿ وعصَوا رُسلَه ﴾ وإنّما عَصَوْا رَسولاً واحداً، وهو هود عليه السّلام لأنّ المراد ذكر إجرامهم فناسب أن يناط الجرم بعصيان جنس الرسل لأن تكذيبهم هوداً لم يكن خاصاً بشخصه لأنهم قالوا له: ﴿ وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك ﴾ [هود: 53]، فكل رسول جاء بأمر ترك عبادة الأصنام فهم مكذبون به.
ومثله قوله تعالى: ﴿ كذّبت عادٌ المرسلين ﴾ [الشعراء: 123].
ومعنى اتباع الآمر: طاعة ما يأمرهم به، فالاتّباع تمثيل للعمل بما يملى على المتبع، لأنّ الآمر يشبه الهادي للسائر في الطريق، والممتثلَ يشبه المتبع للسائر.
والجبار: المتكبّر.
والعنيد: مبالغة في المعاندة.
يقال: عند مثلث النون إذا طغى، ومن كان خلقه التجبّر، والعنود لا يأمر بخير ولا يدعو إلاّ إلى باطل، فدلّ اتّباعهم أمر الجبابرة المعاندين على أنّهم أطاعوا دعاة الكفر والضلال والظلم.
و ﴿ كل ﴾ من صيغ العموم، فإنْ أريد كلّ جبار عنيد من قومهم فالعموم حقيقي، وإنْ أريد جنس الجبابرة ف ﴿ كلّ ﴾ مستعملة في الكثرة كقول النابغة: بها كلّ ذَيّال وخنساءَ ترعوي ومنه قوله تعالى: ﴿ يأتوك رجالاً وعلى كلّ ضامرٍ ﴾ في سورة [الحج: 27].
وإتْباع اللعنة إيّاهم مستعار لإصابتها إيّاهم إصابة عاجلة دون تأخير كما يتبع الماشي بمن يلحقه.
وممّا يزيد هذه الاستعارة حسناً ما فيها من المشاركة ومن مماثلة العقاب للجرم لأنّهم اتّبعوا الملعونين فأتبعوا باللّعنة.
وبني فعل أتبعوا} للمجهول إذْ لاَ غرض في بيان الفاعل، ولم يسند الفعل إلى اللعنة مع استيفائه ذلك على وجه المجاز ليدل على أنّ إتْبَاعها لهم كان بأمر فاعل للإشعار بأنّها تبعتهم عقاباً من الله لا مجرّد مصادفة.
واللّعنة: الطرد بإهانة وتحقير.
وقرن الدنيا باسم الإشارة لقصد تهوين أمرها بالنّسبة إلى لعنة الآخرة، كما في قول قيس بن الخطيم: متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة *** لنفسي إلاّ قدْ قضيت قضاءها أومأ إلى أنّه لا يكترث بالموت ولا يهابه.
وجملة ﴿ ألاَ إنّ عاداً كفروا ربّهم ﴾ مستأنفة ابتدائية افتتحت بحرف التنبيه لِتهويل الخبر ومؤكدة بحرف ﴿ إنّ ﴾ لإفادة التعليل بجملة ﴿ وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ﴾ تعريضاً بالمشركين ليعتبروا بما أصاب عاداً.
وعدّيَ ﴿ كفروا ربّهم ﴾ بدون حرف الجر لتضمينه معنى عَصَوْا في مقابلة ﴿ واتّبعوا أمر كلّ جبّارٍ عنيدٍ ﴾ ، أو لأنّ المراد تقدير مضاف، أي نعمة ربّهم لأنّ مادّة الكفر لا تتعدّى إلى الذات وإنما تتعدى إلى أمر معنوي.
وجملة ﴿ ألا بعداً لعاد ﴾ ابتدائية لإنشاء ذمّ لهم.
وتقدّم الكلام على ﴿ بعْداً ﴾ عند قوله في قصّة نوح عليه السّلام ﴿ وقيل بعداً للقوم الظالمين ﴾ [هود: 44].
و ﴿ قوم هود ﴾ بيان ل (عاد) أو وصف ل (عاد) باعتبار ما في لفظ ﴿ قوم ﴾ من معنى الوصفية.
وفائدة ذكره الإيماء إلى أنّ له أثراً في الذمّ بإعراضهم عن طاعة رسولهم، فيكون تعريضاً بالمشركين من العرب، وليس ذكره للاحتراز عن عاد أخرى وهم إرَم كما جوّزه صاحب «الكشاف» لأنّه لا يعرف في العرببِ عاد غير قوم هود وهم إرم، قال تعالى: ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بِعادٍ إرَم ذات العماد ﴾ [الفجر: 6، 7].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى الحَقِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: عَلى تَدْبِيرٍ مُحْكَمٍ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ عَلى طَرِيقِ الآخِرَةِ في مَصِيرِكم إلَيْهِ لِلْجَزاءِ وفَصْلِ القَضاءِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إلا على الذي فطرني ﴾ أي خلقني.
وأخرج ابن عساكر عن الضحاك رضي الله عنه قال: أمسك عن عاد القطر ثلاث سنين فقال لهم هود ﴿ استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ﴾ فأبوا إلا تمادياً.
وأخرج ابن سعد في الطبقات وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وأبن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن الشعبي رضي الله عنه قال: خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى يرجع.
فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟
قال: لقد طلبت المطر بمخاديج السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ ﴿ ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ﴾ و ﴿ استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ﴾ [ نوح: 10] ﴿ يرسل السماء عليكم مدراراً ﴾ [ نوح: 11] .
وأخرج أبو الشيخ عن هرون التيمي في قوله: ﴿ يرسل السماء عليكم مدراراً ﴾ قال: يدر ذلك عليهم مطراً ومطراً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ويزدكم قوة إلى قوتكم ﴾ قال: ولد الولد.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ﴾ قال: أصابتك بالجنون.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ اعتراك بعض آلهتنا بسوء ﴾ قال: أصابتك الأوثان بجنون.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: ما يحملك على ذم آلهتنا إلا أنه قد أصابك منها سوء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن سعيد قال: ما من أحد يخاف لصاً عادياً، أو سبعاً ضارياً، أو شيطاناً مارداً، فيتلو هذه الآية ﴿ إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ﴾ إلا صرفه الله عنه.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ إن ربي على صراط مستقيم ﴾ قال: الحق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ عذاب غليظ ﴾ قال: شديد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ كل جبار عنيد ﴾ المشرك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: ﴿ كل جبار عنيد ﴾ قال: الميثاق.
وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم النخعي عنيد قال: تمالت عن الحق.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأُتبعوا في هذه الدنيا لعنة ﴾ قال: لم يبعث نبي بعد عاد إلا لُعِنَتْ عاد على لسانه.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وأُتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ﴾ قال: لعنة أخرى.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: تتابعت عليهم لعنتان من الله لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا ﴾ ، قال ابن عباس (١) ﴿ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ﴾ .
قال: يريد كذبوا أنبياء الله، ﴿ وَعَصَوْا رُسُلَهُ ﴾ ، قال: يريد (٢) قال أهل المعاني: وإنما جمع؛ لأن من كذب رسولا واحداً فقد كذب (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ ، قال أبو بكر (٤) ﴿ وَأُتْبِعُوا ﴾ خبر عامٌّ، معناه في الباطن التخصيص، قال المفسرون: قال الرؤساء للسفلة -يعنون هودًا- ﴿ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ الآيتان (٥) ﴿ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ ﴾ (٦) (٧) (١) قال به الثعلبي 7/ 47 أ، البغوي 4/ 184، "زاد المسير" 4/ 120، القرطبي 9/ 54.
ويعني بالقبيل: القبيلة.
(٢) البغوي 4/ 184، "زاد المسير" 4/ 121، القرطبي 9/ 54، الزاري 18/ 15، الثعلبي 7/ 47 أ.
(٣) في (جـ): (كفر).
(٤) البغوي 4/ 184، "زاد المسير" 4/ 121، القرطبي 9/ 54، الرازي 18/ 15.
(٥) المؤمنون: 33، 34.
(٦) المائدة: 22.
وخلاصة ما ذكره قال: وللجبار معنيان، أحدهما: أراد الطول والقوة والعظم.
والثاني: من أجبره على الأمر إذا أكرهه عليه".
(٧) ما سبق نقل عن الثعلبي 7/ 47 أ، وانظر: البغوي 4/ 184، "مشكل القرآن وغريبه" 1/ 211، القرطبي 9/ 54.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ ﴾ في جميع الرسل هنا وجهان: أحدهما: أن من عصى رسولاً واحداً لزمه عصيان جميعهم فإنهم متفقون على الإيمان بالله وعلى توحيده، والثاني: أن يراد الجنس كقولك: فلان يركب الخيل إن لم يركب إلا فرساً واحداً ﴿ ألا إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ ﴾ هذا تشنيع لكفرهم، وتهويل بحرف التنبيه وبتكرار اسم عاد ﴿ أَلاَ بُعْداً ﴾ أي هلاكاً وهذا دعاء عليهم وانتصابه بفعل مضمر، فإن قيل: كيف دعا عليهم بالهلاك بعد أن هلكوا؟
فالجواب أن المراد أنهم أهل لذلك ﴿ لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ﴾ بيان لأن عاداً اثنان: إحداهما قوم هود، والأخرى إرم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فطرني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع والبزي غير الخزاعي ﴿ إني أشهد ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع.
﴿ فإن تولوا ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح.
﴿ ويستخلف ﴾ بالجزم: الخزاز عن هبيرة.
الباقون بالرفع ﴿ يومئذ ﴾ بفتح الميم وكذلك في "المعارج": أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وعلي الشموني والبرجمي وعباس.
الآخرون بالجر.
﴿ ألا ان ثمود ﴾ غير منصرف والوقف بغير الألف: حمزة وحفص وسهل ويعقوب.
الباقون بالتنوين والوقف بالألف.
﴿ لثمود ﴾ بالتنوين في الوصل: علي.
الوقوف: ﴿ هوداً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ مفترون ﴾ ه ﴿ أجراً ﴾ ط ﴿ فطرني ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ بسوء ﴾ ط ﴿ تشركون ﴾ ه لا ﴿ لا تنظرون ﴾ ه ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ بناصيتها ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ به إليكم ﴾ ط للاستئناف إلا لمن قرأ ﴿ ويستخلف ﴾ بالجزم ﴿ غيركم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ حفيظ ﴾ ه ﴿ منا ﴾ ج لحق المحذوف أي وقد نجيناهم ﴿ غليظ ﴾ ه ط ﴿ عنيد ﴾ ه ﴿ ويوم القيامة ﴾ ط ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ هود ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ م لما مر في "الأعراف".
﴿ غيره ﴾ ط ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ مجيب ﴾ ه ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ تخسير ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ أيام ﴾ ط ﴿ مكذوب ﴾ ط ﴿ يومئذٍ ﴾ ط ﴿ العزيز ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لا لكاف التشبيه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ لثمود ﴾ ه.
التفسير: قد مر في "الأعراف" تفسير قوله: ﴿ وإلى عاد ﴾ الآية.
ومعنى قوله: ﴿ إن أنتم إلا مفترون ﴾ أنكم كاذبون في قولكم إن هذه الأصنام يحسن عبادتها مع أنها لا حس لها ولا شعور.
ثم قال مثل قول نوح ﴿ يا قوم لا أسألكم عليه أجراً ﴾ لأن النصيحة لا يمحضها إلا حسم المطامع ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن نصح من لا يطلب الأجر إلا من الله لا يكون من التهمة في شيء.
قيل: إنما قال في قصة نوح ﴿ مالاً ﴾ دون ﴿ أجراً ﴾ لذكر الخزائن بعده، فلفظ المال بها أليق.
وحذف الواو من ﴿ يا قوم ﴾ لأنه أراد الاستئناف أو البدل دون العطف.
﴿ ويا قو م استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ﴾ قد مر مثله في أول السورة.
وقال الأصم: المراد سلوه أن يغفر لكم ما تقدم لكم من إسرافكم ثم اعزموا على أن لا تعودوا إلى مثله.
ثم قصد استمالتهم وترغيبهم في الإِيمان بكثرة المطر وزيادة القوة لأن القوم كانوا حراصاً على جميع الأموال من وجوه العمارة والزراعة مفتخرين بما أوتوا من البطش والقوة، فقدم إليهم في باب الدعوة إلى الدين والترغيب فيه ما كانت همتهم معقودة به ليحصل في ضمنه الغرض الكلي والمقصود الأصلي وهو الفوز بالسعادات الأخروية، وكأنه إنما خصص هذين النوعين من السعادات الدنيوية لأن الأول أصل جميع النعم، والثاني أصل في الانتفاع بتلك النعم.
وقيل: المراد بالقوة الزيادة في المال.
وقيل في النكاح.
وروي أنه حبس عنهم القطر بشؤم التكذيب ثلاث سنين وأعقم نساؤهم فوعدوا أنهم إن آمنوا أحيا الله بلادهم ورزقهم المال والولد.
والمدرار الكثير الدر كما مر في أول "الأنعام".
عن الحسن بن علي رضي الله عه أنه وفد على معاوية فلما خرج تبعه بعض حجابه فقال: إني رجل ذو مال لا يولد لي فقال: عليك بالاستغفار.
فكان يكثر الاستغفار حتى إنه ربما استغفر في يوم واحد سبعمائة مرة فولد له عشرة بنين فبلغ ذلك معاوية فقال: هلا سألته مم قال ذلك؟
فوفد وفدة أخرى فسأله الرجل فقال: ألم تسمع قول هود ﴿ ويزدكم قوة إلى قوتكم ﴾ وقول نوح ﴿ ويمددكم بأموال وبنين ﴾ ثم قول هود ﴿ لا تتولوا ﴾ أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه ﴿ مجرمين ﴾ مصرين على الإِجرام والآثام.
فجحدوا هوداً وقالوا ما جئتنا ببينة كما قالت قريش لرسول الله ﴿ لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ ولم يشتهر منه معجزة ولكن العلماء قالوا: إظهار الدعوة مع أولئك الأقوام من غير مبالاة وتوانٍ آية من الآيات.
وقوله: ﴿ عن قولك ﴾ حال من الضمير كأنه قيل: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك ﴿ وما نحن لك بمؤمنين ﴾ لا يصدق مثلنا مثلك أبداً.
ثم زعموا أن بعض آلهتهم اعتراه بسوء أي غشيه وأورثه الخبل والجنون لأنه كان يسب آلهتهم وذلك قولهم: ﴿ إن نقول إلا اعتراك ﴾ وإلا لغو أي ما نقول شيئاً إلا هذا القول فمن ثم يتكلم بكلام المجانين.
والمراد أن الأصنام كافأته على سوء فعله بسوء الجزاء فأظهر نبي الله الجلادة والثقة بالله فيما هو بصدده وتبرأ منهم ومن شركهم فأشهد الله وذلك إشهاد صحيح.
وأشهدهم أيضاً وهذا كالتهاون وقلة المبالاة بهم كقول الرجل لمن نوى قطعه بالكلية: أشهد عليَّ أني لا أحبك تهكماً به.
وقد مر قوله: ﴿ فكيدوني ﴾ الآية في آخر سورة الأعراف.
وقوله: ﴿ ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ﴾ تمثيل لغاية التسخير ونهاية التدليل، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته فكان علامة لقهره.
قالت المعتزلة: هذا دليل التوحيد لدلالته على أنه لا مالك إلا هو.
وقوله: ﴿ إن ربي على صراط مستقيم ﴾ دليل العدل.
والأشاعرة قالوا: معناه معنى.
﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ أي لا يخفى عليه شيء ولا يفوته هارب ﴿ فإن تولوا فقد أبلغتكم ﴾ كقول القائل إن أكرمتني الآن فقد أكرمتك فيما مضى.
والمراد فإن تتولوا فأنا غير معاتب ولا مقصر لأني قد قضيت حق الرسالة.
وفي قوله: ﴿ ويستخلف ﴾ إشارة إلى عذاب الاستئصال وأنه يخلق بعدهم من هو أطوع منهم وأنه لا ينقص من ملكه شيئاً ﴿ إن ربي على كل شيء حفيظ ﴾ يحفظ أعمال العباد حتى يجازيهم عليها، أو يحفظني من شرككم وكيدكم، أو يحفظني من الهلاك ﴿ والذين آمنوا معه ﴾ قيل: كانوا أربعة آلاف ﴿ برحمة منا ﴾ أي بفضل وامتنان أو بسبب ما هم فيه من الإيمان والعمل الصالح ﴿ ونجيناهم من عذاب غليظ ﴾ أطلق التنجية أوّلاً ثم قيدها على معنى وكانت تلك التنجية من عذاب غليظ سموم تدخل في أفواههم وتخرج من أدبارهم فتقطعهم عضواً عضواً.
ويحتمل أن يراد بالثانية النجاة من عذاب الآخرة ولا عذاب أغلظ منه.
ولما ذكر قصتهم خاطب محمداً وأشار إلى قبورهم وآثارهم بقوله: ﴿ وتلك عاد ﴾ فانظروا واعتبروا.
ثم استأنف وصف أحوالهم مجملة فقال: ﴿ جحدوا بآيات ربهم ﴾ فلم يتسلقوا من المعجزات إلى صدق الأنبياء، ولم يرتقوا من الممكنات إلى وجود الواجب بالذات ﴿ وعصوا رسله ﴾ قيل: لم يرسل إليه إلا هود، وصح الجمع لأن عصيان رسول واحد يتضمن عصيان كلهم ﴿ لا نفرق بين أحد من رسله ﴾ ﴿ واتبعوا أمر كل جبار عنيد ﴾ أطاعوا رؤساءهم وكبراءهم المتمردة والمعاندة ولهذا جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين.
وفي تكرير "ألا" والنداء على كفرهم، والدعاء عليهم بالبعد بعد إهلاكهم دلالة على تفظيع شأنهم وأنهم كانوا مستأهلين للدعاء عليهم بالهلاك، ويحتمل أن يراد البعد من رحمة الله في الآخرة.
وقوله: ﴿ قوم هود ﴾ عطف بيان لعاد إما للتأكيد ومزيد التقرير، وإما لأن عاداً عادان القديمة التي هي قوم هود، والأخرى وهي إِرم.
قوله في قصة ثمود ﴿ هو أنشأكم ﴾ تقديم الضمير للحصر أي لم ينشئكم إلا هو، ومعنى الإنشاء من الأرض أن الكل مخلوق من صلب آدم وهو مخلوق من الأرض.
ويمكن أن يقال: إن الإنسان مخلوق من المني وهو يحصل من الغذاء والغذاء ينتهي إلى النبات ثم إلى الأرض.
وقيل: إن "من" بمعنى "في".
﴿ واستعمركم ﴾ من العمارة أي جعلكم عماراً للأرض، وأمركم بالعمارة.
فمنها واجب وندب ومباح ومكروه، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار فعمروا الأعمار الطوال مع ما كان منهم من الظلم.
فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم فأوحى إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي وقيل: من العمر نحو استبقاكم من البقاء.
وقيل: من العمرى.
ومعناه أعمركم الله فيها دياركم ثم هو وارثها منكم عند انقضاء أعماركم.
أو جعلكم معمرين دياركم فيها لأن الرجل إذا ورّث داره من بعده فكأنه أعمره إياها لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لوارثه.
ومعنى كونه قريباً قد مر في قوله: ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ﴾ وذلك في "البقرة" ﴿ قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً ﴾ عن ابن عباس: فاضلاً خيراً نقدمك على جميعنا.
وقيل: كنا نظن بك الرشد والصلاح وكمال العقل وإصابة الرأي.
وقيل: كنت تعطف على فقيرنا وتعيد ضعيفنا وتعود مرضانا فظننا أنك من الأنصار والأحباب وأهل الموافقة في الدين، فكيف أظهرت العداوة والبغضاء؟
ثم أضافوا إلى هذا الكلام التمسك بالتقليد ومتابعة الآباء، ثم صرحوا بالتوقف والريب في أمره.
ومريب من أرابه إذا أوقعه في الريبة، أو من أراب الرجل إذا كان ذا ريبة وهو من الإِسناد المجازي واعلم أن قوله ﴿ وإنا لفي شك ﴾ بنون الوقاية ههنا على الأصل، وأما في سورة إبراهيم فإنما قال: ﴿ وإنا ﴾ بغير نون الوقاية لقوله بعده: ﴿ تدعوننا ﴾ على الجمع فكان اجتماع النونات مستكرهاً.
فأجابهم هو بقوله: ﴿ إن كنت على بينة ﴾ الآية.
وبنى أمره على الفرض والتقدير لأن خطاب المخالف على هذا الوجه أقرب إلى القبول كأنه قال: قدروا أني على بينة ﴿ من ربي ﴾ وأني نبي على الحقيقة فمن يمنعني من عذاب الله ﴿ إن عصيته ﴾ في أوامره ﴿ فما تزيدونني غير تخسير ﴾ أي على هذا التقدير تخسرون أعمالي وتبطلونها، أو فما تزيدونني بما تحملونني عليه إلا أني أنسبكم إلى الخسران وأقول إنكم خاسرون.
والمعنى الأول أقرب لأنه كالدلالة على أن متابعتهم لا تزيده إلا خسران الدارين.
﴿ ويا قوم هذه ناقة الله ﴾ قد مر تفسيره في "الأعراف".
ومعنى ﴿ عذاب قريب ﴾ عاجل لا يستأخر إلا ثلاثة أيام و ﴿ غير مكذوب ﴾ من باب الاتساع أي غير مكذوب فيه فحذف الحرف.
وأجرى الضمير مجرى المفعول به أو من باب المجاز كأن الوعد إذا أوفى به فقد صدق ولم يكذب أو المكذوب مصدر كالمجلود وصف به.
قوله: ﴿ فلما جاء أمرنا ﴾ بالفاء.
وفي قصة هود بالواو ولمكان التعقيب ههنا بدليل قوله: ﴿ عذاب قريب ﴾ ومثله في قصة لوط لقوله: ﴿ أليس الصبح بقريب ﴾ وأما في قصة هود فإنه قال: ﴿ ويستخلف ﴾ بلفظ المستقبل ومثله في قصة شعيب ﴿ سوف تعلمون من يأتيه ﴾ بحرف التسويف فلم يكن الفاء مناسباً.
واعتبر هذا المعنى في سائر المواضع كما في سورة يوسف قال: ﴿ ولما جهزهم ﴾ بالواو أوّلاً لأن التعقيب لم يكن مراداً ثم قال: ﴿ فلما جهزهم ﴾ لمكان التعقيب والله أعلم.
قوله: ﴿ ومن خزي يومئذٍ ﴾ معطوف على محذوف والتقدير نجينا صالحاً ومن معه من العذاب النازل بقومه ومن الخزي الذي لزمهم، أو يتعلق بمعطوف محذوف أي ونجيناهم من خزي يومئذ كما قال: ﴿ ونجيناهم من عذاب غليظ ﴾ والمعنيان كما قلنا هناك.
والقراءتان في ﴿ يومئذٍ ﴾ لأن الظرف المضاف إلى "إذ" يجوز بناؤه على الفتح، والتنوين في "إذ" عوض من المضاف إليه أعني الجملة، والتقدير يوم إذ كان كذا وكسر الذال للساكنين ﴿ إن ربك هو القوي العزيز ﴾ القادر الغالب فمن قدرته ميز المؤمن من الكافر، ومن عزته وقهره أهلك الكفار بالصيحة التي سمعوها من جانب السماء إما بواسطة جبرائيل وإما لإحداثها في سحاب مع برق شديد محرق.
وإنما تصير الصيحة سبباً للهلاك لأن التموج الشديد في الهواء يوجب تأذي صماخ الإنسان، وقد يتمزق غشاء الدماغ بذلك، والأعراض النفسانية أيضاً إذا قويت أوجبت الموت وتمام القصة مذكور في سورة الأعراف، وقوله: ﴿ ألا إن ثمود ﴾ إلى آخره.
شبيه بما مر في قصة هود، والتأويل كما مر في سورة الأعراف والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً ﴾ : هذا والله أعلم صلة قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ فيقول: ولقد أرسلنا هوداً إلى عاد أخاهم.
ثم يحتمل قوله: ﴿ أَخَاهُمْ ﴾ الأخوة تكون على وجوه: أخوة جنس يقال: هذا أخو هذا نحو مصراعي الباب، يقال لأحدهما: هذا أخو هذا ونحو أحد زوجي الخف وأمثاله.
وأخوة النسب.
وأخوة الدين؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ فهو لم يكن أخا لهم في الدين، فهو يحتمل أنه أخوهم في الجنس وفي النسب؛ لأن الناس كلهم ينسبون إلى آدم فيقال: بنو آدم مع بعد ما بينه وبينهم؛ فعلى ذلك يكون بعضهم لبعض إخوة مع بعد النسب الذي بينهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ : يُعبَد أي: الذين تعبدون ليسوا بآلهة يستحقون العبادة [إنما الإله الذي يستحق العبادة] الله الذي خلقكم وخلق لكم الأشياء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ﴾ أي: ما أنتم إلا مفترون، لا يحتمل أن يكون هو قال لهم هذا في أول ما دعاهم إلى التوحيد، وفي أول ما ردوا إجابته وكذبوه؛ لأنهم أمروا بلين القول لهم وتذكير النعمة عليهم؛ كقوله لموسى وهارون حيث بعثهما إلى فرعون بقوله: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً ﴾ الآية [طه: 44]، ولكن كأنه قال لهم ذلك بعد ما سبق منه إليهم دعاء غير مرة، وأقام عليهم الحجة والبراهين فردوها، فعند ذلك قال لهم هذا حيث قالوا: ﴿ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ...
﴾ الآية [هود: 53].
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ﴾ : يحتمل في تسميتهم الأصنام التي عبدوها آلهة، يقول: [إن] أنتم إلا مفترون في ذلك.
ويحتمل أنه سماهم مفترين فيما قالوا الله أمرهم بذلك، يقول: أنتم مفترون فيما ادعيتم الأمر بذلك، أو مفترون في إنكارهم البعث والرسالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيۤ ﴾ : هذا قد ذكر في غير موضع يقول لهم - والله أعلم -: إني لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجرا يمنعكم ثقل ذلك الأجر وغرمه عن الإجابة، فما الذي يمنعكم عن الإجابة لي ويحملكم على الرد [بل أدعوكم إلى] ما ترغبون فيه، فكيف يمنعكم عن الإجابة والنظر فيما أدعوكم إليه؟!
﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ : أني رسول إليكم بآيات وحجج جئت بها، أو: أفلا تعقلون أنها آيات وحجج ونحوه، أو يقول: أفلا تعقلون أن الله واحد وأنه رب كل شيء وخالق كل شيء ومنشئه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ : يحتمل أن يكون قوله استغفروا ربكم ثم توبوا إليه واحدا.
ويحتمل على التقديم والتأخير توبوا إليه ثم استغفروا ما كان منكم من المساوي، أي: أقبلوا إلى طاعة الله واندموا على أفعالكم.
وقوله: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ﴾ : معلوم أن هودا لم يرد بقوله: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ ﴾ أن يقولوا: نستغفر الله، ولكن أمرهم أن يطلبوا السبب الذي به تجب لهم المغفرة وتحق وهو التوحيد، كأنه قال: وحدوا ربكم فآمنوا به ثم توبوا إليه، أو يقول: اطلبوا المغفرة بالانتهاء عن الكفر؛ كقوله : ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: إنه قد كان انقطع عنهم المطر وانقطع نسلهم، فأخبر أنكم إن تبتم إلى الله، واستغفرتم ربكم ﴿ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً...
﴾ الآية حتى تناسلوا وتتوالدوا.
ويحتمل قوله: ﴿ وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً ﴾ أي: يزدكم قوة أفعالكم إلى قوة أبدانكم؛ لأنهم كانوا أهل قوة وأهل بطش بقولهم قالوا: من أشد منا قوة.
ويحتمل على الابتداء: يرسل السماء عليكم مدرارا، ويزدكم قوة إلى قوتكم.
فقوله: ﴿ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ ﴾ عما أدعوكم فيه؛ فتكونوا ﴿ مُجْرِمِينَ ﴾ ولا تتولوا عما أدعوكم فيه؛ فتكونوا مجرمين.
المجرم قال أبو بكر: هو الوثاب في الإثم، وقيل: هو المكتسب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ ﴾ : على ما تدعونا إليه، أو على ما تدعي من الرسالة، فعند ذلك قال [لهم هود]: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ﴾ .
﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا ﴾ أي: ما نحن بتاركي عبادة آلهتنا عن قولك، أي: بقولك، كان لا يدعوهم هود إلى ترك عبادة آلهتهم بقوله خاصة، ولكن قد دعاهم وأقام على فساد ذلك الحجج والبراهين، لكنهم قالوا متعنتين مكابرين: ﴿ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ فيما تدعونا إليه، وتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ ﴾ قيل: [هو كان] يسب آلهتهم ويذكرهم بالعيب فيقولون: إن يعترك من بعض آلهتنا سوء أو يصيبوك بجنون وخبل، فلا عجب أن يصيبك منها فاجتنبها سالما، فذلك يخرج منهم مخرج الامتنان، أي: إنا إنما ننهاك عن سب آلهتنا وذكر العيب فيها إشفاقاً عليك لئلا يصيبك [شيء منها].
وقال ابن عباس - -: قالوا: "شتمت آلهتنا فخبلتك وأصابتك بالجنون"، فتأويله - والله أعلم - أنك إنما تدعونا إلى ما تدعونا إليه وتدعي ما تدعي لما أصابتك آلهتنا بسوء واعترتك بجنون، كانوا يخوفونه أن تصيبه آلهتهم بسوء بتركه عبادتها، على ما كانوا يرجون ويطمعون بعبادتهم إياها شفاعتها لهم؛ قال: ﴿ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ به وتعبدونه من الآلهة، واشهدوا أنتم أيضاً بأني بريء من ذلك، ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ﴾ : أنتم وآلهتكم فيما تدعونني من الهلاك أو السوء، ﴿ ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ أي: ثم لا تمهلون في ذلك.
ويحتمل قوله: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ﴾ \[أنتم وآلهتكم\]؛ يقول: اعملوا أنتم وآلهتكم جميعاً التي تزعمون أنها خبلتني وأجنتني، ﴿ ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ .
أي: لا تمهلون، وهذا من أشد آيات النبوة؛ لأنه يقول لهم وهو بين أظهرهم وحيداً، فلولا أنه يقول ذلك لهم بقوة من الله والاعتماد له عليه والانتصار به، وإلا ما اجترأ أحد أن يقول مثل هذا بين أعدائه علم أنه قال ذلك بالله ؛ وكذلك قول رسول الله : ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ...
﴾ الآية [الأعراف: 195]، وقول نوح: ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ...
﴾ الآية [يونس: 71]، وقول شعيب: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ...
﴾ الآية [هود: 93] وأمثاله، قالوا ذلك بين أظهر الاعداء ولم يكن معهم أنصار ولا أعوان؛ دل أنهم إنما قالوا ذلك بالله وذلك من آيات النبوة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: فوضت أمري [إلى الله]، أو وكلت في جميع عملي إليه، أو وثقت به واعتمدت عليه فيما توعدونني من الهلاك، أو توكلت عليه في دفع ما أوعدتموني ربي وربكم، أي: كيف توعدونني بآلهتكم التي تعبدون، ولا تخافون الذي تعلمون أنه هو ربي وربكم؟!
وهو كما قال إبراهيم: ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ...
﴾ الآية [الأنعام: 81].
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ ﴾ : يميتها متى شاء.
وقوله: ﴿ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ ﴾ أي: في ملكه وسلطانه، يقال: فلان آخذ بحلقوم فلان، وفلان في قبضة فلان ليس أنه في قبضته بنفسه أو آخذ بحلقوم فلان، ولكن يراد أنه في سلطانه وفي ملكه وفي قبضته.
﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ أي: على الذي أمرني ربي ودعاني إليه، أو يكون قوله: ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ أي: أن الذي أمرني ربي ودعاني إليه هو صراط مستقيم؛ كقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ ﴾ .
وقال أبو عوسجة: الاعتراء هو الأخذ، يقال: اعترته الحمى أي أخذته.
وقال القتبي: الاعتراء [هو] الإصابة، بقول: إلا اعتراك: أصابك، يقال: اعتريت: أصبت، وهو ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ﴾ : يحتمل على الإضمار أي: فإن تولوا عن إجابتك وطاعتك فقل قد أبلغتكم [رسالات ربي]؛ لأن قوله: ﴿ تَوَلَّوْاْ ﴾ إنما هو خبر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَبْلَغْتُكُمْ ﴾ : خطاب، وأمكن أن يكونا جميعاً على الخطاب، يقول: فإن توليتم عن إجابتي فيما أدعوكم إليه، فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم وليس علي إلا تبليغ الرسالة إليكم؛ كقوله: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ ﴾ ، يقول: إنما علي إبلاغ الرسالة إليكم، ليس على جرم توليكم عن إجابتي؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ ونحوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ ﴾ \[فيه وجهان: أحدهما: يخبر عن هلاكهم؛ لأنه أخبر أنه يستخلف قوماً غيرهم؛ لأنه ما لم يهلك هؤلاء لا يكون غيرهم خلفهم\]: لأنهم كانوا يقولون: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ ، يقول - والله أعلم -: إن قوة أبدانكم وبطشكم لا تعجز الله عن إهلاككم، وفيه أن عاداً ليسوا هم النهاية في العالم، بل يكون بعدهم قوم غيرهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً ﴾ أي: لا تضرونه بتوليكم عن إجابتي وردكم رسالة الله إليكم، ليس كملوك الأرض إذا تولى عنهم خدمهم وحشمهم ضرهم ذلك.
والثاني: لا تضرونه كما يضر ملوك الأرض بالقتال والحرب بعضهم بعضا.
والثالث: لا تضرونه لأنه لا منفعة له فيما يدعوكم حتى يضره ضد ذلك؛ إذ ليس يدعوكم إلى ما يدعو لحاجة نفسه ولا لمنفعة له، إنما يأمركم ويدعوكم لحاجة أنفسكم والمنفعة لكم.
ويحتمل أن يكون لا تضرونه شيئاً جواب قوله: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً...
﴾ الآية.
﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾ \[لا يخفى عليه شيء وإن لطف، فكيف يخفى عليه أعمالكم وأموالكم مع ظهورها وبدوها.
أو يقول: إن ربي على كل شيء حفيظ\]: فيجزيه عليه، ولا يذهب عنه شيء، أي: لا يفوته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً ﴾ .
قوله: ﴿ جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ أمر تكوين لا أمر يقتضي الساعة؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ ؛ فعلى ذلك هذا هو أمر تكوين وقد ذكرناه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ : هذا يدل أن من نجا إنما نجا برحمة منه لا بعمله؛ وعلى ذلك روي في الخبر عن رسول الله قال: "لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟
قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ، لا على ما يقوله المعتزلة: إن من نجا إنما ينجو بعمله لا برحمته.
ثم يحتمل قوله: ﴿ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ وجوهاً؛ تحتمل الرحمة هاهنا هودا، أي: رحمهم به حيث بعث إليهم رسولا فنجا من اتبعه، فإن كان هذا ففيه أن أهل الفترة معاقبون في حال فترتهم؛ لأنه أخبر أن من نجا إنما نجا بهود، فدل أنهم معاقبون قبل بعث الرسل إليهم.
ويحتمل قوله: ﴿ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ أي: بتوفيق منا إياهم نجا من نجا منهم.
والثالث: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ \[قال بعضهم: نجيناهم من العذاب الذي أهلك هؤلاء.
ويحتمل أن يكون على الوعد أي: ينجيهم في الآخرة من عذاب غليظ\].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ ﴾ أي: وتلك أهل قرية عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسلهم، الكفر بالآيات كفر بجميع الرسل، والكفر بواحد من الرسل كفر بالرسل جميعاً وبالله؛ لأن كل واحد من الرسل يدعو إلى الإيمان بالله وبجميع الرسل، فالإيمان بواحد منهم إيمان بالله وبجميع الرسل والآيات، والكفر بواحد منها كفر بالله وبجميع الرسل، وإنما كان الكفر بالآيات كفرا بالله؛ لأن الله إنما يعرف من جهة الآيات والكفر بالآيات كفر به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ قيل: أخبر أنهم اتبعوا أمر الجبابرة وأطاعوهم، وتركوا اتباع الرسل وطاعتهم.
قيل: الجبار هو المتجبر الذي يتجبر على الرسل ويتكبر عليهم؛ لأن الرؤساء منهم كانوا يتجبرون على الرسل ويتكبرون، ثم الأتباع اتبعوا الرؤساء في عملهم.
قال أبو عوسجة: الجبار هو المتجبر، والعنيد هو المعاند المخالف.
وقال القتبي: العنود والعنيد والمعاند المعارض لك بالخلاف عليك.
وقال أبو عبيدة: العنيد والعنود والمعاند هو الجائر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ : قال بعضهم: اللعن هو العذاب، أي: أتبعوا في الدنيا وفي الآخرة بالعذاب؛ كقوله: ﴿ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ ﴾ أي: عذاب الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُتْبِعُواْ ﴾ أي: ألحقوا، وقيل: إن اللعن هو الطرد، طردوا عن رحمة الله حتى لا ينالوها لا في الدنيا ولا في الآخرة، إلا أن عاداً كفروا ربهم ﴿ أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ﴾ ، أي: ألا بعداً لهم من رحمة الله.
<div class="verse-tafsir"
وتلك عاد كفروا بآيات الله ربهم، وعصوا رسولهم هودًا، وأطاعوا أمر كل متكبر على الحق، طاغٍ لا يقبله، ولا يذعن له.
<div class="verse-tafsir" id="91.AyY9V"