الآية ٦٧ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٦٧ من سورة هود

وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ ٦٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 71 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٧ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٧ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال علماء التفسير والنسب ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح وهو أخو جديس بن عاثر وكذلك قبيلة طسم كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل عليه السلام وكانت ثمود بعد عاد ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ديارهم ومساكنهم وهو ذاهب إلى تبوك في سنة تسع قال الإمام أحمد حدثنا عبدالصمد حدثنا صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس علي تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود فعجنوا منها ونصبوا لها القدور فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور وعلفوا العجين الإبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا علي القوم الذين عذبوا وقال "إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم" وقال أحمد أيضا حدثنا عفان حدثنا عبدالعزيز بن مسلم حدثنا عبدالله بن دينار عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم" وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين من غير وجه وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا يزيد بن هارون المسعودي عن إسماعيل بن أوسط عن محمد بن أبي كبشة الأنماري عن أبيه قال لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى في الناس "الصلاة جامعة" قال فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعنزة وهو يقول "ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم "فناداه رجل منهم نعجب منهم يا رسول الله؟

قال "أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك: رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وبما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا "لم يخرجه أحد من أصحاب السنن وأبو كبشة اسمه عمر بن سعد ويقال عامر بن سعد والله أعلم وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن عبدالله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر قال لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال "لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها فأخذتهم صيحة أخمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله" فقالوا من هو يا رسول الله قال: أبو رغال فلما خرج من الحرم أصاب ما أصاب قومه" وهذا الحديث ليس في شيء من الكتب الستة وهو على شرط مسلم.

قوله تعالى "وإلى ثمود" أي ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحا "قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" فجميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون" وقال "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" وقوله "قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية" أي قد جاءتكم حجة من الله على صدق ما جئتكم به وكانوا هم الذين سألوا صالحا أن يأتيهم بآية واقترحوا عليه بأن تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاتبة فطلبوا منه أن تخرج لهم منها ناقة عشراء تمخض فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم الله إلى سؤالهم وأجابهم إلى طلبتهم ليؤمنن به وليتبعنه فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم قام صالح عليه السلام إلى صلاته ودعا الله عز وجل فتحركت تلك الصخرة ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء يتحرك جنينها بين جنبيها كما سألوا فعند ذلك آمن رئيسهم جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صعر بن جلهس وكان جندع بن عمرو بن عم له شهاب بن خليفة بن محلاة بن لبيد بن حراس وكان من أشراف ثمود وأفاضلها فأراد أن يسلم أيضا فنهاه أولئك الرهط فأطاعهم فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود يقال له مهوش بن عثمة بن الدميل رحمه الله.

وكانت عصبة من آل عمرو إلى دين النبي دعوا شهابا عزيز ثمود كلهم جميعا فهم بأن يجيب فلو أجابا لأصبح صالح فينا عزيزا وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا ولكن الغواة من آل حجر تولوا بعد رشدهم ذيابا وأقامت الناقة وفصيلها بعد ما وضعته بين أظهرهم مدة تشرب من بئرها يوما وتدعه لهم يوما وكانوا يشربون لبنها يوم شربها يحتلبونها فيملؤن ما شاء من أوعيتهم وأوانيهم كما قال في الآية الأخرى "ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر" وقال تعالى "هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم" وكانت تسرح في بعض تلك الأودية ترد من فج وتصدر من غيره ليسعها لأنها كانت تتضلع من الماء وكانت على ما ذكر خلقا هائلا ومنظرا رائعا إذا مرت بأنعامهم نفرت منها فلما طال عليهم واشتد تكذيبهم لصالح النبي عليه السلام عزموا على قتلها ليستأثروا بالماء كل يوم فيقال إنهم اتفقوا كلهم على قتلها قال قتادة بلغني أن الذي قتلها طاف عليهم كلهم أنهم راضون بقتلها حتى على النساء في خدورهن وعلى الصبيان قلت وهذا هو الظاهر لقوله تعالى "فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها" وقال "وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها" وقال "فعقروا الناقة" فأسند ذلك على مجموع القبيلة فدل على رضى جميعهم بذلك والله أعلم وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير وغيره من علماء التفسير أن سبب قتلها أن امرأة منهم يقال لها عنيزة ابنة غنم بن مجلز وتكنى أم عثمان كانت عجوزا كافرة وكانت من أشد الناس عداوة لصالح عليه السلام وكانت لها بنات حسان ومال جزيل وكان زوجها ذؤاب بن عمرو أحد رؤساء ثمود وامرأة أخرى يقال لها صدقة بنت المحيا بن زهير بن المختار ذات حسب ومال وجمال وكانت تحت رجل مسلم من ثمود ففارقته فكانتا تجعلان لمن التزم لهما بقتل الناقة فدعت صدقة رجلا يقال له الحباب فعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقي فأبى عليها فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج بن المحيا فأجابها إلى ذلك ودعت عنيزة بنت غنم قدار بن سالف بن جذع وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا يزعمون أنه كان ولد زنية وأنه لم يكن من أبيه الذي ينسب إليه وهو سالف وإنما هو من رجل يقال له صهياد ولكن ولد على فراش سالف وقالت له أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة فعند ذلك انطلق قدار بن سالف ومصدع بن مهرج فاستغويا غواة من ثمود فاتبعهما سبعة نفر فصاروا تسعة رهط وهم الذين قال الله تعالى "وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون" وكانوا رؤساء في قومهم فاستمالوا القبيلة الكافرة بكمالها فطاوعتهم على ذلك فانطلقوا فرصدوا الناقة حين صدرت من الماء وقد كمن لها قدار بن سالف في أصل صخرة على طريقها وكمن لها مصدع في أصل أخرى فمرت على مصدع فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها وخرجت بنت غنم عنيزة وأمرت ابنتها وكانت من أحسن الناس وجها فسفرت عن وجهها لقدار وزمرته وشد عليها قدار بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرجت ساقطة إلى الأرض ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها ثم طعن في لبتها فنحرها وانطلق سقبها وهو فصيلها حتى أتى جبلا منيعا فصعد أعلى صخرة فيه ورغا فروى عبدالرزاق عن معمر عمن سمع الحسن البصري أنه قال يا رب أين أمي ويقال أنه رغا ثلات مرات وأنه دخل في صخرة فغاب فيها ويقال إنهم اتبعوه فعقروه مع أمه فالله أعلم.

فلما فعلوا ذلك وفرغوا من عقر الناقة وبلغ الخبر صالحا عليه السلام فجاءهم وهم مجتمعون فلما رأى الناقة بكى وقال "تمتعوا في داركم ثلاثة أيام" الآية.

وكان قتلهم الناقة يوم الأربعاء فلما أمسى أولئك التسعة الرهط عزموا على قتل صالح وقالوا إن كان صادقا عجلناه قبلنا وإن كان كاذبا ألحقناه بناقته "قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم" الآية.

فلما عزموا على ذلك وتواطئوا عليه وجاءوا من الليل ليفتكوا بنبي الله فأرسل الله سبحانه وتعالى وله العزة ولرسوله عليهم حجارة فرضختهم سلفا وتعجيلا قبل قومهم وأصبح ثمود يوم الخميس وهو اليوم الأول من أيام النظرة ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح عليه السلام وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة ووجوههم محمرة وأصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ووجوههم مسودة فلما أصبحوا من يوم الأحد وقد تحنطوا وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه عياذا بالله من ذلك لا يدرون ماذا يفعل بهم ولا كيف يأتيهم العذاب وأشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفل منهم ففاضت الأرواح وزهقت النفوس في ساعة واحدة.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأصاب الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله من عقر ناقة الله وكفرهم به ، (الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين) ، قد جثمتهم المنايا، وتركتهم خمودًا بأفنيتهم، (22) كما:- 18294- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (فأصبحوا في ديارهم جاثمين) ، يقول: أصبحوا قد هلكوا.

------------------------ الهوامش : (22) انظر تفسير " الجثوم " فيما سلف 12 : 546 ، 566 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وأخذ الذين ظلموا الصيحة أي في اليوم الرابع صيح بهم فماتوا ; وذكر لأن الصيحة والصياح واحد .

قيل : صيحة جبريل .

وقيل : صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة ; وصوت كل شيء في الأرض ، فتقطعت قلوبهم وماتوا .

وقال هنا : وأخذ الذين ظلموا الصيحة وقال في الأعراف فأخذتهم الرجفة وقد تقدم بيانه هناك .

وفي التفسير : أنهم لما أيقنوا بالعذاب قال بعضهم لبعض ما مقامكم أن يأتيكم الأمر بغتة ؟

!

قالوا : فما نصنع ؟

فأخذوا سيوفهم ورماحهم وعددهم ، وكانوا فيما يقال اثني عشر ألف قبيلة ، في كل قبيلة اثنا عشر ألف مقاتل ، فوقفوا على الطرق والفجاج ، زعموا يلاقون العذاب ; فأوحى الله تعالى إلى الملك الموكل بالشمس أن يعذبهم بحرها ; فأدناها من رءوسهم فاشتوت أيديهم ، وتدلت ألسنتهم على صدورهم من العطش ، ومات كل ما كان معهم من البهائم .

وجعل الماء [ ص: 56 ] يتفور من تلك العيون من غليانه حتى يبلغ السماء ، لا يسقط على شيء إلا أهلكه من شدة حره ، فما زالوا كذلك ، وأوحى الله إلى ملك الموت ألا يقبض أرواحهم تعذيبا لهم إلى أن غربت الشمس ; فصيح بهم فأهلكوا .فأصبحوا في ديارهم جاثمين أي ساقطين على وجوههم ، قد لصقوا بالتراب كالطير إذا جثمت .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ } العظيمة فقطعت قلوبهم، { فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ } أي: خامدين لا حراك لهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وأخذ الذين ظلموا ) كفروا ، ( الصيحة ) وذلك أن جبريل عليه السلام صاح عليهم صيحة واحدة فهلكوا جميعا .

وقيل : أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء في الأرض ، فتقطعت قلوبهم في صدورهم .

وإنما قال : " وأخذ " الصيحة مؤنثة ، لأن الصيحة بمعنى الصياح .

( فأصبحوا في ديارهم جاثمين ) صرعى هلكى .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين» باركين على الركب ميِّتين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأخذت الصيحة القوية ثمود الظالمين، فأصبحوا في ديارهم موتى هامدين ساقطين على وجوههم لا حِرَاك لهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم صور القرآن الكريم حال هؤلاء الظالمين تصويرا يدعو إلى الاعتبار والاتعاظ فقال : ( وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ .

كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ )والصيحة : الصوت المرتفع الشديد .

يقال : صاح فلان إذا رفع صوته بقوة .

وأصل ذلك تشقيق الصوت ، من قولهم : انصاح الخشب والثوب ، إذا انشق قسمع له صوت .و ( جاثمين ) : من الجثوم وهو للناس وللطير بمنزلة البروك للإِبل .

يقال : جثم الطائر يجثم جثما وجثوما فهو جاثم .

.

إذا وقع على صدره ، ولزم مكانه فلم يبرحه .ويغنوا فيها : أى يقيموا فيها .

يقال : غنى فلان بالمكان يغنى إذا أقام به وعاش فيه فى نعمة ورغد .أى : وأخذ الذين ظلموا من قوم صالح - عليه السلام - عن طريق الصحة الشديدة التى أصبحت بهم بأمر الله - تعالى - ( فَأَصْبَحُواْ ) بسببها ( فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ) أى : هلكى صرعى ، ساقطين على وجوههم ، بدون حركة .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن مثل هذه الآية قد مضى في قصة عاد، وقوله: ﴿ وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: الواو في قوله: ﴿ وَمِنْ خِزْىِ ﴾ واو العطف وفيه وجهان: الأول: أن يكون التقدير: نجينا صالحاً والذين آمنوا معه برحمة منا من العذاب النازل بقومه ومن الخزي الذي لزمهم وبقي العار فيه مأثوراً عنهم ومنسوباً إليهم، لأن معنى الخزي العيب الذي تظهر فضيحته ويستحيا من مثله فحذف ما حذف اعتماداً على دلالة ما بقي عليه.

الثاني: أن يكون التقدير: نجينا صالحاً برحمة منا ونجيناهم من خزي يومئذ.

المسألة الثانية: قرأ الكسائي ونافع في رواية ورش وقالون وإحدى الروايات عن الأعشى ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ بفتح الميم، وفي المعارج ﴿ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ  ﴾ والباقون بكسرالميم فيهما فمن قرأ بالفتح فعلى أن يوم مضاف إلى إذ وأن إذ مبني، والمضاف إلى المبني يجوز جعله مبنياً ألا ترى أن المضاف يكتسب من المضاف إليه التعريف والتنكير فكذا هاهنا، وأما الكسر في إذ فالسبب أنه يضاف إلى الجملة من المبتدأ والخبر تقول: جئتك إذ الشمس طالعة، فلما قطع عن المضاف إليه نون ليدل التنوين على ذلك ثم كسرت الذال لسكونها وسكون التنوين، وأما القراءة بالكسر فعلى إضافة الخزي إلى اليوم ولم يلزم من إضافته إلى المبني أن يكون مبنياً لأن هذه الإضافة غير لازمة.

المسألة الثالثة: الخزي الذل العظيم حتى يبلغ حد الفضيحة ولذلك قال تعالى في المحاربين ﴿ ذلك لَهُمْ خِزْىٌ فِي الدنيا  ﴾ وإنما سمى الله تعالى ذلك العذاب خزياً لأنه فضيحة باقية يعتبر بها أمثالهم ثم قال: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ القوى العزيز ﴾ وإنما حسن ذلك، لأنه تعالى بين أنه أوصل ذلك العذاب إلى الكافر وصان أهل الإيمان عنه، وهذا التمييز لا يصح إلا من القادر الذي يقدر على قهر طبائع الأشياء فيجعل الشيء الواحد بالنسبة إلى إنسان بلاء وعذاباً وبالنسبة إلى إنسان آخر راحة وريحاناً ثم إنه تعالى بين ذلك الأمر فقال: ﴿ وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إنما قال: ﴿ أَخَذَ ﴾ ولم يقل أخذت لأن الصيحة محمولة على الصياح، وأيضاً فصل بين الفعل والاسم المؤنث بفاصل، فكان الفاصل كالعوض من تاء التأنيث، وقد سبق لها نظائر.

المسألة الثانية: ذكروا في الصيحة وجهين.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد الصاعقة الثاني: الصيحة صيحة عظيمة هائلة سمعوها فماتوا أجمع منها فأصبحوا وهم موتى جاثمين في دورهم ومساكنهم، وجثومهم سقوطهم على وجوههم، يقال إنه تعالى أمر جبريل عليه السلام أن يصيح بهم تلك الصيحة التي ماتوا بها، ويجوز أن يكون الله تعالى خلقها، والصياح لا يكون إلا الصوت الحادث في حلق وفم وكذلك الصراخ، فإن كان من فعل الله تعالى فقد خلقه في حلق حيوان وإن كان فعل جبريل عليه السلام فقد حصل في فمه وحلقه، والدليل عليه أن صوت الرعد أعظم من كل صيحة ولا يسمى بذلك ولا بأنه صراخ.

فإن قيل: فما السبب في كون الصيحة موجبة للموت؟

قلنا: فيه وجوه: أحدها: أن الصيحة العظيمة إنما تحدث عند سبب قوي يوجب تموج الهواء وذلك التموج الشديد ربما يتعدى إلى صماخ الإنسان فيمزق غشاء الدماغ فيورث الموت.

والثاني: أنها شيء مهيب فتحدث الهيبة العظيمة عند حدوثها والأعراض النفسانية إذا قويت أوجبت الموت الثالث: أن الصيحة العظيمة إذا حدثت من السحاب فلابد وأن يصحبها برق شديد محرق، وذلك هو الصاعقة التي ذكرها ابن عباس رضي الله عنهما.

ثم قال تعالى: ﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جاثمين ﴾ والجثوم هو السكون يقال للطير إذا باتت في أوكارها أنها جثمت، ثم إن العرب أطلقوا هذا اللفظ على ما لا يتحرك من الموت فوصف الله تعالى هؤلاء المهلكين بأنهم سكنوا عند الهلاك، حتى كأنهم ما كانوا أحياء وقوله: ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ﴾ أي كأنهم لم يوجدوا، والمغنى المقام الذي يقيم الحي به يقال: غني الرجل بمكان كذا إذا أقام به.

ثم قال تعالى: ﴿ أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لّثَمُودَ ﴾ قرأ حمزة وحفص عن عاصم ﴿ أَلا إِنَّ ثَمُودَ ﴾ غير منون في كل القرآن، وقرأ الباقون ﴿ ثموداً ﴾ بالتنوين ولثمود كلاهما بالصرف، والصرف للذهاب إلى الحي، أو إلى الأب الأكبر ومنعه للتعريف والتأنيث بمعنى القبيلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرض ﴾ لم ينشئكم منها إلا هو، ولم يستعمركم فيها غيره.

وإنشاؤهم منها خلق آدم من التراب ﴿ واستعمركم فِيهَا ﴾ وأمركم بالعمارة، والعمارة متنوعة إلى واجب وندب ومباح ومكروه، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار، وعمروا الأعمار الطوال، مع ما كان فيهم من عسف الرعايا، فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم، فأوحى إليه: إنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي.

وعن معاوية بن أبي سفيان أنه أخذ في إحياء الأرض في آخر أمره، فقيل له، فقال: ما حملني عليه إلا قول القائل: لَيْسَ الفَتَى بِفتَي لاَيسْتَضَاءُ بِه ** وَلاَ تَكُونُ لَهُ في الأَرْضِ آثَارُ وقيل: استعمركم من العمر، نحو استبقاكم من البقاء، وقد جعل من العمرى.

وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون استعمر في معنى أعمر، كقولك استهلكه في معنى أهلكه.

ومعناه: أعمركم فيها دياركم، ثم هو وارثها منكم عند انقضاء أعماركم.

والثاني أن يكون بمعنى جعلكم معمرين دياركم فيها، لأنّ الرجل إذا ورّث داره من بعده فكأنما أعمره إياها، لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لغيره ﴿ قَرِيبٌ ﴾ داني الرحمة سهل المطلب ﴿ مُّجِيبٌ ﴾ لمن دعاه وسأله ﴿ فِينَا ﴾ فيما بيننا ﴿ مَرْجُوّا ﴾ كانت تلوح فيك مخايل الخير وأمارات الرشد فكنا نرجوك لننتفع بك، وتكون مشاوراً في الأمور ومسترشداً في التدابير، فلما نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا عنك وعلمنا أن لا خير فيك.

وعن ابن عباس: فاضلاً خيراً نقدّمك على جميعنا.

وقيل: كنا نرجو أن تدخل في ديننا وتوافقنا على ما نحن عليه ﴿ يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا ﴾ حكاية حال ماضية ﴿ مُرِيبٍ ﴾ من أرابه إذا أوقعه في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين.

أو من (أراب الرجل) إذا كان ذا ريبة على الإسناد المجازي.

قيل: ﴿ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى ﴾ بحرف الشك وكان على يقين أنه على بينة، لأنّ خطابه للجاحدين، فكأنه قال: قدّروا أني على بينة من ربي، وأني نبيّ على الحقيقة، وانظروا إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره، فمن يمنعني من عذاب الله؟

﴿ فَمَا تَزِيدُونَنِى ﴾ إذن حينئذ ﴿ غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾ يعني تخسرون أعمالي وتبطلونها.

أو فما تزيدونني بما تقولون لي وتحملونني عليه غير أن أخسركم، أي أنسبكم إلى الخسران وأقول لكم إنكم خاسرون ﴿ ءَايَةً ﴾ نصب على الحال قد عمل فيها ما دلّ عليه اسم الإشارة من معنى الفعل.

فإن قلت: فبم يتعلق ﴿ لَكُمْ ﴾ قلت بآية حالاً منها متقدّمة؛ لأنها لو تأخرت لكانت صفة لها، فلما تقدمت انتصبت على الحال ﴿ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴾ عاجل لا يستأخر عن مسكم لها بسوء إلا يسيراً، وذلك ثلاثة أيام ثم يقع عليكم ﴿ تَمَتَّعُواْ ﴾ استمتعوا بالعيش ﴿ فِى دَارِكُمْ ﴾ في بلدكم.

وتسمى البلاد الديار؛ لأنه يدار فيه أي يتصرف.

يقال: ديار بكر، لبلادهم.

وتقول العرب الذين حوالي مكة: نحن من عرب الدار، يريدون من عرب البلد.

وقيل: في دار الدنيا.

وقيل: عقروها يوم الأربعاء وهلكوا يوم السبت ﴿ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ غير مكذوب فيه، فاتسع في الظرف بحذف الحرف واجرائه مجرى المفعول به، كقولك: يوم مشهود، من قوله: وَيَوْمَ شَهِدْنَاهُ.........

أو على المجاز، كأنه قيل للوعد: نفي بك، فإذا وفى به فقد صدق ولم يكذب.

أو وعد غير كذب، على أنّ المكذوب مصدر كالمجلود والمعقول، وكالمصدوقة بمعنى الصدق ﴿ وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ﴾ قرئ مفتوح الميم لأنه مضاف إلى إذ، وهو غير متمكن، كقوله: عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا فإن قلت: علام عطف؟

قلت: على نجينا، لأنّ تقديره ونجيناهم من خزي يومئذ، كما قال ﴿ وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ [هود: 58] على: وكانت التنجية من خزي يومئذ، أي من ذله ومهانته وفضيحته، ولا خزي أعظم من خزي من كان هلاكه يغضب الله وانتقامه.

ويجوز أن يريد بيومئذ يوم القيامة، كما فسر العذاب الغليظ بعذاب الآخرة.

وقرئ: ﴿ ألا إن ثمود ﴾ و ﴿ لثمود ﴾ كلاهما بالصرف وامتناعه، فالصرف للذهاب إلى الحيّ أو الأب الأكبر، ومنعه للتعريف والتأنيث، بمعنى القبيلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ﴾ أيْ ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ وهو هَلاكُهم بِالصَّيْحَةِ أوْ ذُلُّهم وفَضِيحَتُهم يَوْمَ القِيامَةِ.

وعَنْ نافِعٍ (يَوْمَئِذٍ) بِالفَتْحِ عَلى اكْتِسابِ المُضافِ البِناءَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ هُنا وفي « المَعارِجِ» في قَوْلِهِ: ﴿ مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ ﴾ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ والغالِبُ عَلَيْهِ.

﴿ وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في سُورَةِ « الأعْرافِ» .

﴿ كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ﴾ نَوَنَّهُ أبُو بَكْرٍ ها هُنا وفي « النَّجْمِ» والكِسائِيُّ في جَمِيعِ القُرْآنِ وابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو في قَوْلِهِ: ﴿ ألا بُعْدًا لِثَمُودَ ﴾ ذَهابًا إلى الحَيِّ أوِ الأبِ الأكْبَرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة} أي صيحة جبريل عليه السلام {فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ} منازلهم {جاثمين} ميتين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ قَوْمُ صالِحٍ، وعَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الظّاهِرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وإشْعارًا بِعِلْيَتِهِ لِنُزُولِ العَذابِ بِهِمْ ﴿ الصَّيْحَةُ ﴾ أيْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ أوْ صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فِيها كُلُّ صاعِقَةٍ وصَوْتٍ مُفْزِعٍ، وهي عَلى ما في البَحْرِ فَعْلَةٌ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الصِّياحِ، يُقالُ: صاحَ يَصِيحُ إذا صَوَّتَ بِقُوَّةٍ، وأصْلُ ذَلِكَ -كَما قالَ الرّاغِبُ- تَشْقِيقُ الصَّوْتِ مِن قَوْلِهِمْ: إنْصاحَ الخَشَبُ أوِ الثَّوْبُ إذا انْشَقَّ فَسُمِعَ مِنهُ صَوْتٌ، وصَيْحُ الثَّوْبِ كَذَلِكَ، وقَدْ يُعَبَّرُ بِالصَّيْحَةِ عَنِ الفَزَعِ، وفي الأعْرافِ ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ﴾ قِيلَ: ولَعَلَّها وقَعَتْ عَقِيبَ الصَّيْحَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِتَمَوُّجِ الهَواءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مِنّا في ذَلِكَ ﴿ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ ﴾ أيْ مَنازِلِهِمْ ومَساكِنِهِمْ، وقِيلَ: بِلادِهِمْ ﴿ جاثِمِينَ ﴾ هامِدِينَ مَوْتى لا يَتَحَرَّكُونَ، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ مَعْنًى وإعْرابًا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً وروي عن النبيّ  أنه قال: «إنَّ صَالِحاً، لَمَّا دَعَا قَوْمَهُ إلى الإسلامِ كَذَّبُوهُ، فَضَاقَ صَدْرُهُ، فَسَأَلَ رَبَّهُ أنْ يَأذَنَ لَهُ بِالخُرُوج مِنْ عِنْدِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُ فَخَرَجَ وَانْتَهَى إلى سَاحِلِ البَحْرِ، فَإذا رَجُلٌ يَمْشِي عَلَى المَاءِ، فقالَ لهُ صَالحٌ: وَيْحَكَ مَنْ أنْتَ؟

فقالَ: أنا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ.

قالَ: كُنْتُ في سَفِينَةٍ كَانَ قَوْمُهَا كَفَرَةً غَيْرِي، فَأهْلَكَهُمُ الله تعالى ونجاني منهم، فَخَرَجْتُ إلى جَزِيرَةٍ أتَعَبَّدُ هُناكَ، فَأَخْرُجُ أحْيَاناً وَأطْلُبُ شَيْئاً مِنْ رِزْقِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ أرْجِعُ إلى مَكَانِي» .

فَمَضَى صَالِحٌ، وَانْتَهَى إلى تَلَ عَظِيم، فَرَأَى رجلا يتعبّد هناك، فَانْتَهَى إلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ، فقالَ لَهُ صَالِحٌ مَنْ أنْتَ؟

قال: كَانَتْ هاهُنَا قَرْيَةٌ، كانَ أهْلُهَا كُفّاراً غَيْرِي، فأهلكهم الله تعالى ونجاني مِنْهُم، فَجَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي أنْ أَعْبُدَ اللَّهَ تَعَالَى هاهنا إلى أن أموت، وَقَدْ أَنْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى لِي شَجَرَةَ رُمَّانٍ، وَأَظْهَرَ لِي عَيْنَ ماءٍ، فآكُلُ مِنَ الرُّمَّانِ، وَأشْرَبُ مِنْ ماءِ العَيْن، وَأَتَوَضّأ مِنْهُ.

فَذَهَبَ صالحٌ، وَانْتَهَى إلى قرية كان أهلها كفارا كُلُّهُمْ، غَيْرَ أَخَوَيْن مُسْلِمَيْنِ يَعْمَلان عَمَلَ الخُوصِ» فَضَرَبَ النبيّ  : مثلاً قال: لَوْ أنَّ مُؤْمِناً دَخَلَ قَريَةً فِيها ألفُ رَجُلٍ، كُلُّهُمْ كُفّارٌ وفِيهَا مُؤْمِنٌ وَاحِدٌ، فلا يَسْكُنُ قَلْبُهُ مَعَ أحَدٍ حَتَّى يَجِد المُؤْمِنَ.

وَلَوْ أنَّ مُنَافِقاً دَخَلَ قَرْيَةً فِيهَا أَلْفُ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ وَمُنَافِقٌ وَاحِدٌ، فلا يَسْكُنُ قَلْبُ المُنَافِقِ مَعَ أحَدٍ ما لَمْ يَجِدِ المُنَافِقَ.

فَدَخَلَ صَالِحٌ، فانتهى إلى الأَخَوَيْن وَمَكَثَ عِنْدَهُمَا أياماً.

وَسَأَلَهُمَا عَنْ حَالِهِمَا، فَأَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا يَصْبِرَانِ عَلَى إيذاءِ المُشْركِينَ، وَأَنَّهُمَا يَعْمَلانِ عَمَلَ الخُوصِ، وَيُمْسِكانِ قُوتَهُمَا، وَيَتَصَدَّقَانِ بِالفَضْلِ.

فَقالَ صَالِحٌ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أرَانِي في الأرْضِ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى أذَى الكُفَّارِ، فأنا أرْجِعُ إلى قَوْمِي وَأَصْبِرُ عَلَى أذاهُمْ.

فَرَجَعَ إليْهِمْ وَقَدْ كانُوا خرجوا إلى عيد لهم، فَدَعَاهُمْ إلى الإيمانِ فَسَألُوا مِنْهُ أنْ يُخْرِجَ لَهُمْ نَاقَةً مِنَ الصَّخْرَةِ، فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى، فَأخْرَجَ لَهُمْ ناقةً عُشَرَاءَ» .

فذلك قوله: وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً أي: علامة وعبرة، فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ يعني: في أرض الحجر وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ يعني: لا تعقروها فَيَأْخُذَكُمْ، يعني: يصيبكم عَذابٌ قَرِيبٌ.

فولدت الناقة ولداً وكانت لهم بئر واحدة عذبة، قال ابن عباس: «كان للناقة شرب يوم لا يقربونها، ولهم شرب يوم وهي لا تحضره، وكانوا يستقون الماء في يومهم ما يكفيهم للغد فيقتسمونه فيما بينهم، فإذا كان يوم شربها كانت ترتع في الوادي، ثم تجيء إلى البئر فتبرك، فتدلي رأسها في البئر فتشرب منها، ثم تعود فترعى، ثم تعود إلى البئر فتشرب منها، فتفعل ذلك نهارها كله.

وكان في المدينة تسعة رهط يُفْسِدُونَ فِى الارض وَلاَ يصلحون.

منهم: قذار بن سالف، ومصدع بن دهر، وكانت في تلك القرية امرأة جميلة غنية، وكانت تتأذى بالناقة لأجل سائمتها فقالت: مَنْ عقر الناقة أزوج نفسي منه.

فخرج قذار بن سالف ومصدع بن دهر، وكمن لها مصدع في مضيق من ممرها، ورماها بسهم فأصاب رجلها.

فَمَرَّتْ بقدار وهي تجر رجلها، فضربها بالسيف فعقرها، وقسموا لحمها على جميع أهل القرية.

وكان في القرية تسعمائة أهل بيت، ويقال: ألف وخمسمائة» ، فذلك قوله فَعَقَرُوها فَقالَ لهم صالح: تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ يعني: عيشوا وانتفعوا في داركم، ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ثمَّ يأتيكم العذاب، ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فقالوا له: ما العلامة في ذلك؟

قال: أن تصبحوا في اليوم الأول وجوهكم مصفرة، وفي اليوم الثاني محمرة، وفي اليوم الثالث مسودة، ثم خرج صالح من بينهم.

قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا يعني: عذابنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا يعني: بنعمة منا، وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ يعني: من عذاب يومئذ.

قرأ نافع والكسائي: وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ بنصب الميم، لأنها إضافة إلى اسم غير متمكن، فيجوز النصب.

وقرأ الباقون: يَوْمِئِذٍ، بكسر الميم، على معنى الإضافة.

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ أخبر الله تعالى محمداً  ، أنه قادر في أخذه، المنيع ممن عصاه.

ثم قال تعالى: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ يعني: كفروا، صيحة جبريل.

صاح صيحة، فماتوا كلهم، فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ يعني: صاروا خامدين ميتين، كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها يعني: صاروا كأن لم يكونوا في الدنيا.

ويقال: كأن لم ينزلوا في ديارهم، ولم يكونوا.

أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ يعني: جحدوا وحدانية ربهم، فهذا تنبيه وتخويف لمن بعدهم أَلا بُعْداً لِثَمُودَ يعني: خزياً وسحقاً لثمود في الهلاك.

قرأ الكسائي: أَلا بُعْداً لِثَمُودَ بكسر الدال مع التنوين، وجعله اسماً للقوم، فلذلك جعله منصرفاً.

وقرأ الباقون بنصب الدال، لأنه اسم القبيلة.

وإنما يجري في قوله: أَلا إِنَّ ثَمُودَ اتباعاً للكتابة في مصحف الإمام، وأما الكسائي، فأجراه لقربه من قوله: أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أي جحدوا بوحدانية ربهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال ص: قد تقرّر في أَرَأَيْتُمْ أنها بمعنى أخبروني.

انتهى.

وال تَخْسِيرٍ هو من الخسَارَةِ، وليس التخْسِيرُ في هذه الآية إِلا لهم، وفي حَيِّزِهم، وهذا كما تقولُ لمن تُوصِيهِ: أَنا أريدُ بكَ خَيْراً، وأَنْتَ تريدُ بي شَرًّا.

وقال ص: غَيْرَ تَخْسِيرٍ: من خَسِرَ، وهو هنا للنسبيَّةِ ك «فَسَّقْتُهُ وَفَجَّرْتُهُ» إِذا نسبتَهُ إِليهما.

ت: ونقل الثعلبيّ عن الحسيْنِ بْنِ الفَضْل، قال: لم يكُنْ صَالِحٌ في خسارةٍ، حين قال: فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ، وإِنما المعنى: ما تزيدُونَني بما تقولُونَ إِلاَّ نسبتي إِياكم للخَسَارة، وهو مِنْ قول العرب: فَسَّقْتُهُ وَفَجَّرْتُهُ إِذا نسبته إِلى الفسوق والْفُجور.

انتهى.

وهو حسنٌ.

وباقي الآية بيّن قد تقدّم الكلام في قصصها.

وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨) وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١)

وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ: قال أبو البقاء: في حَذْف التاءِ من «أخذ» ثلاثةُ أَوْجُهٍ:

أحدها: أنه فَصَلَ بين الفعل والفاعل.

والثاني: أن التأنيثَ غير حقيقيٍّ.

والثالث: أن الصيْحَة بمعنى الصِّيَاحِ، فحُمِلَ على المعنى، انتهى.

وقد أشار ع»

: إِلى الثلاثَة، واختار الأخير.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى: الرسُلُ: الملائكة، قال المَهْدوِيُّ: بِالْبُشْرى يعني: بالولدِ، وقيل: البشرى بهلاك قوم لوط انتهى.

قالُوا سَلاماً: أي: سلَّمنا عليك سلاماً، وقرأ حمزة «١» والكسائي: «قَالُوا سَلاَماً قالَ سِلْمٌ» ، فيحتمل أنْ يريد ب «السِّلْمِ» السلامَ، ويحتمل أن يريد ب «السّلم» ضدّ الحرب، وحَنِيذٍ: بمعنى: محنوذ، ومعناه: بعجْلٍ مشويٍّ نَضِجٍ، يقْطُر ماؤه، وهذا القَطْر يفصلُ الحَنيذَ من جملة المشويَّات، وهيئة المحنُوذِ في اللغة: / الذي يُغَطَّى بحجارةٍ أو رَمْلٍ مُحَمًّى أو حائل بينه وبيْن النَّار يغطى به، والمُعَرَّض: من الشِّواء الذي يُصَفَّف على الجَمْر، والمُضَهَّبِ: الشِّوَاءُ الذي بينه وبين النَّار حائلٌ، ويكون الشِّواء عليه، لا مَدْفُوناً به، والتَّحُنِيذُ في تضمير الخَيْل: هو أنْ يغطَّى الفَرَس بِجِلٍّ على جُلٍّ ليتصبّب عرقه، ونَكِرَهُمْ على ما ذكر كثيرٌ من النَّاس، معناه: أَنْكَرهم وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً من أجْل امتناعهم من الأكل إِذ عُرْفُ مَنْ جاء بِشَرٍّ أَلاَّ يأْكل طعامَ المنْزُولِ به، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٢» :

ذهب الليثُ بْنُ سَعْدٍ إلى أنّ الضّيافة واجبة، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، ومَا وَرَاءَ ذَلِكَ صَدَقَةٌ» «٣» ، وفي رواية: «ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يثوي «٤» عنْدَهُ حتَّى يُحْرِجَهُ» «٥» وهذا حديثٌ صحيحٌ، خرَّجه الأئمةِ، واللفظ للترمذيِّ، وذهب علماء الفقْه إِلى: أن الضيافة لا تجبُ، وحملوا الحديثَ على النَّدْب.

قال ابنُ العربيِّ: والذي أقولُ به أن الضيافَةَ فَرْضٌ على الكفَايَةِ، ومِنَ الناسِ مَنْ قال:

إِنها واجبةٌ في القُرَى حيثُ لا مَأْوَى ولا طَعَام بخلاف الحواضر لتيسّر ذلك فيها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ﴾ أيْ: أُلْحِقُوا لَعْنَةً تَنْصَرِفُ مَعَهم.

﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ ﴾ أيْ: وفي يَوْمِ القِيامَةِ لُعِنُوا أيْضًا.

﴿ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ﴾ أيْ: بِرَبِّهِمْ فَحَذَفَ الباءَ، وأنْشَدُوا: أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ [فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ] قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿ ألا ﴾ ابْتِداءٌ وتَنْبِيهٌ، و ﴿ بُعْدًا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى: أبْعَدَهُمُ اللَّهُ فَبَعِدُوا بُعْدًا، والمَعْنى: أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: خَلَقَكم مِن آدَمَ، وآدَمُ خُلِقَ مِنَ الأرْضِ.

والثّانِي: أنْشَأكم في الأرْضِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ واسْتَعْمَرَكم فِيها ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أعْمَرَكم فِيها أيْ: جَعَلَكم ساكِنِيها مُدَّةَ أعْمارِكم، ومِنهُ العُمْرى، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أطالَ أعْمارَكم، وكانَتْ أعْمارُهم مِن ألْفِ سَنَةٍ إلى ثَلاثِمِائَةٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: جَعْلَكم عَمّارَها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَرْجُونَهُ لِلْمَمْلَكَةِ بَعْدَ مُلْكِهِمْ، لِأنَّهُ كانَ ذا حَسَبٍ وثَرْوَةٍ، قالَهُ كَعْبٌ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ يُبْغِضُ أصْنامَهم ويَعْدِلُ عَنْ دِينِهِمْ، وكانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، فَلَمّا أظْهَرَ إنْذارَهُمُ، انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنهُ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَرْجُونَ خَيْرَهُ، فَلَمّا أنْذَرَهم، زَعَمُوا أنَّ رَجاءَهم لِخَيْرِهِ قَدِ انْقَطَعَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّنا لَفي شَكٍّ ﴾ إنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ قالَ هاهُنا: " وإنَّنا " وقالَ في (إبْراهِيمَ): " وإنّا " ؟

فالجَوابُ: أنَّهُما لُغَتانِ مِن لُغاتِ قُرَيْشٍ السَّبْعِ الَّتِي نَزَّلَ القُرْآنُ عَلَيْها.

قالَ الفَرّاءُ: مَن قالَ: " إنَّنا " أخْرَجَ الحَرْفَ عَلى أصْلِهِ، لِأنَّ كِنايَةَ المُتَكَلِّمِينَ " نا " فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ نُوناتٍ، نُونا " إنَّ " والنُّونُ المَضْمُومَةُ إلى الألِفِ؛ ومَن قالَ: " إنّا " اسْتَثْقَلَ الجَمْعَ بَيْنَ ثَلاثِ نُوناتِ، وأسْقَطَ الثّالِثَةَ،وَأبْقى الأُولَيَيْنِ؛ وكَذَلِكَ يُقالُ: إنِّي وإنَّنِي، ولَعَلِّي ولَعَلَّنِي - ولَيْتِي ولَيْتَنِي، قالَ اللَّهُ في اللُّغَةِ العُلْيا: ﴿ لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ  ﴾ ، وقالَ الشّاعِرُ في اللُّغَةِ الأُخْرى: أرِينِي جَوادًا ماتَ هَزْلًا لَعَلَّنِي ∗∗∗ أرى ما تَرَيْنَ أوْ بَخِيلًا مُخَلَّدًا وَقالَ تَعالى: ﴿ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ  ﴾ ، وقالَ الشّاعِرُ: كَمُنْيَةِ جابِرٍ إذْ قالَ لَيْتِي ∗∗∗ أُصادِفُهُ وأُتْلِفُ بَعْضَ مالِي فَأمّا المُرِيبُ، فَهو المُوقِعُ لِلرِّيبَةِ والتُّهْمَةِ.

والرَّحْمَةُ يُرادُ بِها هاهُنا: النُّبُوَّةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾ التَّخْسِيرُ: النُّقْصانُ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ بِصارَةٍ في خَسارَتِكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ لَكم، أيْ: كُلَّما اعْتَذَرْتُمْ عِنْدِي بِعُذْرٍ فَهو يَزِيدُكم تَخْسِيرًا.

وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: غَيْرَ تَخْسِيرٍ لَكم، لا لِي.

وقالَ بَعْضُهم: المَعْنى: فَما تَزِيدُونَنِي بِما قُلْتُمْ إلّا نِسْبَتِي لَكم إلى الخَسارَةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ الخُسْرانِ إنْ رَجَعْتُ إلى دِينِكم، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَظاهِرُ هَذا أنَّهُ كانَ خاسِرًا، فَزادُوهُ خَسارًا، فَقَدْ أسْلَفْنا الجَوابَ في قَوْلِهِ: ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً ﴾ قَدْ شَرَحْناها في سُورَةِ [الأعْرافِ:٧٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَمَتَّعُوا في دارِكُمْ ﴾ أيِ: اسْتَمْتِعُوا بِحَياتِكم، وعَبَّرَ عَنِ الحَياةِ بِالتَّمَتُّعِ، لِأنَّ الحَيَّ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا بِالحَواسِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا عُقِرَتِ النّاقَةُ صَعِدَ فَصِيلُها إلى الجَبَلِ، ورَغا ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ صالِحٌ: لِكُلِّ رَغْوَةٍ أجْلُ يَوْمٍ، ألا إنَّ اليَوْمَ الأوَّلَ تُصْبِحُ وُجُوهُكم مُصْفَرَّةً، واليَوْمَ الثّانِي مُحَمَّرَةً، واليَوْمَ الثّالِثَ مُسْوَدَّةً؛ فَلَمّا أصْبَحُوا في اليَوْمِ الأوَّلِ، إذا وُجُوههمْ مُصْفَرَّةٌ، فَصاحُوا وضَجُّوا وبَكَوْا، وعَرَفُوا أنَّهُ العَذابُ، فَلَمّا أصْبَحُوا في اليَوْمِ الثّانِي، إذا وُجُوهُهم مُحَمَّرَةٌ، فَضَجُّوا، وبَكَوْا، فَلَمّا أصْبَحُوا في اليَوْمِ الثّالِثِ، إذا وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ كَأنَّما طُلِيَتْ بِالقارِ، فَصاحُوا جَمِيعًا: ألّا قَدْ حَضَرَكُمُ العَذابُ؛ فَتُكَفَّنُوا وألْقَوْا أنْفُسَهم بِالأرْضِ، لا يَدْرُونَ مِن أيْنَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ، فَلَمّا أصْبَحُوا في اليَوْمِ الرّابِعِ، أتَتْهم صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فِيها صَوْتُ كُلِّ صاعِقَةٍ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم في صُدُورِهِمْ.

وقالَ مُقاتِلٌ: حَفَرُوا لِأنْفُسِهِمْ قُبُورًا، فَلَمّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ مِنَ اليَوْمِ الرّابِعِ، ولَمْ يَأْتِهِمُ العَذابُ، ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ قَدْ رَحِمَهم، فَخَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ يَدْعُو بَعْضُهم بَعْضًا، إذْ نَزَلَ جِبْرِيلُ فَقامَ فَوْقَ المَدِينَةِ فَسَدَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ، فَلَمّا عايَنُوهُ دَخَلُوا قُبُورَهم، فَصاحَ بِهِمْ صَيْحَةً: مُوتُوا عَلَيْكم لَعْنَةُ اللَّهِ فَخَرَجَتْ أرْواحُهم، وتَزَلْزَلَتْ بُيُوتُهم فَوَقَعَتْ عَلى قُبُورِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ وعْدٌ ﴾ أيِ: العَذابُ ﴿ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ أيْ: غَيْرُ كَذِبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، " يَوْمِئِذٍ " بِكَسْرِ المِيمِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ بِفَتْحِها مَعَ الإضافَةِ.

قالَ مَكِّيٌّ: مَن كَسَرَ المِيمَ، أعْرَبَ، وخَفَضَ، لِإضافَةِ الخِزْيِ إلى اليَوْمِ، ولَمْ يَبْنِهِ؛ ومَن فَتَحَ، بَنى اليَوْمَ عَلى الفَتْحِ، لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، وهو " إذْ " .

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ومِن خِزْيٍ " بِالتَّنْوِينِ، " يَوْمَئِذٍ " بِفَتْحِ المِيمِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذِهِ الواوُ في قَوْلِهِ: " ومِن خِزْيٍ " مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: نَجَّيْناهم مِنَ العَذابِ ومِن خِزْيٍ يَوْمَئِذٍ.

قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ دَخَلَتْ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَأْوِيلُهُ: نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا، ونَجَّيْناهم مِن خِزْيٍ يَوْمَئِذٍ.

قالَ: وإنَّما قالَ: " وأخَذَ " لِأنَّ الصَّيْحَةَ مَحْمُولَةٌ عَلى الصِّياحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا بُعْدًا لِثَمُودَ ﴾ اخْتَلَفُوا في صَرْفِ " ثَمُودَ " وتَرْكِ إجْرائِهِ في خَمْسَةِ مَواضِعَ: في (هُودٍ:٦٩) ﴿ ألا إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ ﴾ ، وفي (الفُرْقانِ:٣٨) ﴿ وَعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ ﴾ ، وفي (العَنْكَبُوتِ:٣٨) ﴿ وَعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ ﴾ ، وفي (النَّجْمِ:٥١) ﴿ وَثَمُودَ فَما أبْقى ﴾ .

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالتَّنْوِينِ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ مِنها، وتَرَكُوا ﴿ ألا بُعْدًا لِثَمُودَ ﴾ فَلَمْ يَصْرِفُوهُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ بِتَرْكِ صَرْفِ هَذِهِ الخَمْسَةِ الأحْرُفِ، وصَرَفَهُنَّ الكِسائِيُّ.

واخْتُلِفَ عَنْ عاصِمٍ، فَرَوى حُسَيْنُ الجَعْفِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ أنَّهُ أجْرى الأرْبَعَةَ الأحْرُفِ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو؛ ورَوى يَحْيى بْنُ آدَمَ أنَّهُ أجْرى ثَلاثَةً، في (هُودٍ:٦٩) " ألا إنَّ ثَمُودًا "، وفي (الفُرْقانِ:٣٨)، و(العَنْكَبُوتِ:٣٨) .

ورَوى حَفْصٌ عَنْهُ أنَّهُ لَمْ يُجْرِ شَيْئًا مِنها مِثْلَ حَمْزَةَ.

واعْلَمْ أنَّ ثَمُودًا يُرادُ بِهِ القَبِيلَةُ تارَةً، ويُرادُ بِهِ الحَيُّ تارَةً، فَإذا أُرِيدَ بِهِ القَبِيلَةُ، لَمْ يُصْرَفْ، وإذا أُرِيدَ بِهِ الحَيُّ، صُرِفَ.

وما أخْلَلْنا بِهِ، فَقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [الأعْرافِ:٧٣، والتَّوْبَةِ:٧٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ ﴾ .

والرُّسُلُ هاهُنا: المَلائِكَةُ وفي عَدَدِهِمْ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا ثَلاثَةً، جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: ثَمانِيَةً، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والرّابِعُ: تِسْعَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أحَدَ عَشَرَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والسّادِسُ: أرْبَعَةً، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي هَذِهِ البُشْرى أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها البُشْرى بِالوَلَدِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: بِهَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: بِنُبُوَّتِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: بِأنَّ مُحَمَّدًا يَخْرُجُ مِن صُلْبِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا سَلامًا ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: انْتَصَبَ بِالقَوْلِ، لِأنَّهُ حَرْفٌ مَقُولٌ، والسَّلامُ الثّانِي مَرْفُوعٌ بِإضْمارِ " عَلَيْكم " .

وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أضْمَرَ " عَلَيْكم " كَما قالَ الشّاعِرُ: فَقُلْنا السَّلامُ فاتَّقَتْ مِن أمِيرِها ∗∗∗ فَما كانَ إلّا ومْؤُها بِالحَواجِبِ والعَرَبُ تَقُولُ: التَقَيْنا فَقُلْنا: سَلامٌ سَلامٌ.

والثّانِي: أنَّ القَوْمَ سَلَّمُوا، فَقالَ حِينَ أنْكَرَهم هو: سَلامٌ، فَمَن أنْتُمْ ؟

لِإنْكارِهِ إيّاهم.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " قالَ سِلْمٌ " وهو بِمَعْنى سَلامٍ، كَما قالُوا: حِلٌّ وحَلالٌ، وحِرْمٌ وحَرامٌ؛ فَعَلى هَذا، يَكُونُ مَعْنى " سِلْمٍ ": سَلامٌ عَلَيْكم.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَيَكُونُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدًا وإنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظانِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ " سِلْمٌ " فالمَعْنى: أمْرُنا سِلْمٌ، أيْ: لا بَأْسَ عَلَيْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَبِثَ ﴾ أيْ: ما أقامَ حَتّى جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، لِأنَّهُ ظَنَّهم أضْيافًا، وكانَتِ المَلائِكَةُ قَدْ جاءَتْهُ في صُورَةِ الغِلْمانِ الوِضاءِ.

وَفِي الحَنِيذِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ النَّضِيجُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَقْطُرُ ماؤُهُ ودَسَمُهُ وقَدْ شُوِيَ، قالَهُ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما حَفَرْتَ الأرْضَ ثُمَّ غَمَمْتَهُ، وهو مِن فِعْلِ أهْلِ البادِيَةِ، مَعْرُوفٌ، وأصْلُهُ: مَحْنُوذٌ، فَقِيلَ: حَنِيذٌ، كَما قِيلَ: طَبِيخٌ لِلْمَطْبُوخِ، وقَتِيلٌ لِلْمَقْتُولِ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ المَشْوِيُّ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والخامِسُ: المَشْوِيُّ بِالحِجارَةِ المُحْماةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والسّادِسُ: السَّمِيطُ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ: يُقالُ إنَّهُ المَشْوِيُّ فَقَطْ، ويُقالُ: المَشْوِيُّ الَّذِي يَقْطُرُ، ويُقالُ: المَشْوِيُّ بِالحِجارَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ ﴾ ﴿ وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ﴾ ﴿ كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ ﴾ الأمْرُ جائِزٌ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ مِن أمَرَ، وجائِزٌ أنْ يُرادَ بِهِ: واحِدُ الأُمُورِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِرَحْمَةٍ مِنّا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَقْصِدَ أنَّ التَنْجِيَةَ إنَّما كانَتْ بِمُجَرَّدِ الرَحْمَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفَ حالٍ فَقَطْ: أخْبَرَ أنَّهُ رَحِمَهم في حالِ التَنْجِيَةِ.

وقَوْلُهُ: "مِنّا" الظاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِرَحْمَةٍ ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "نَجَّيْنا".

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَمِن خِزْيٍ يَوْمَئِذٍ" بِتَنْوِينِ "خِزْيٍ" وفَتْحِ المِيمِ مِن "يَوْمَئِذٍ"، وذَلِكَ يَجُوزُ فِيهِ أنْ تَكُونَ فَتْحَةُ المِيمِ إعْرابًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بُنِيَ الظَرْفُ لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، فَأنْتَ مُخَيَّرٌ في الوَجْهَيْنِ، والرِوايَتانِ في قَوْلِ الشاعِرِ: عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَمِن خِزْيٍ يَوْمِئِذٍ" بِإضافَةِ "خِزْيٍ" وكَسْرِ المِيمِ مِن "يَوْمِئِذٍ"، وهَذا تَوَسُّعٌ في إضافَةِ المُصْدَرِ إلى الظَرْفِ كَما قالَ: "مَكْرُ اللَيْلِ والنَهارِ"، ونَحْوُ هَذا، وقِياسُ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يُقالَ "سِيرَ عَلَيْهِ يَوْمُئِذٍ" بِرَفْعِ المِيمِ، وهَذِهِ قِراءَتُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ  ﴾ ، و ﴿ مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ  ﴾ ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ كَذَلِكَ إلّا في قَوْلِهِ: "مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ" فَإنَّهُما نَوَّنا العَيْنَ وفَتَحا المِيمَ واخْتُلِفَتْ عن نافِعٍ في كَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها، وهو يُضِيفُ في الوَجْهَيْنِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ: "مِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ" بِتُرْكِ التَنْوِينِ وفَتْحِ المِيمِ مِن يَوْمَئِذٍ وهَذا جَمْعٌ بَيْنَ الإضافَةِ وبِناءِ الظَرْفِ.

وقَرَأ: "وَمِن فَزَعٍ"كَعاصِمٍ وحَمْزَةَ، وأمّا "إذْ" فَكانَ حَقُّها: "إذْ" ساكِنَةً إلّا أنَّها مِن حَقِّها أنْ تَلِيَها الجُمَلُ فَلَمّا حُذِفَتْ لَها هاهُنا الجُمْلَةُ عُوِّضَتْ بِالتَنْوِينِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "يَوْمِئِذٍ" إلى يَوْمِ التَعْذِيبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَيْحَةُ ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ «أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهم حِينَ رَغا الفَصِيلُ: سَتَصْفَرُّ وُجُوهُكم في اليَوْمِ الأوَّلِ وتَحْمَرُّ في الثانِي وتَسْوَدُّ في الثالِثِ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ تَكَفَّنُوا في الأنْطاعِ واسْتَعَدُّوا لِلْهَلاكِ وأخَذَتْهم صَيْحَةٌ فِيها مِن كُلِّ صَوْتٍ مَهُولٍ، صَدَعَتْ قُلُوبَهم وأصابَتْ كُلَّ مَن كانَ مِنهم في شَرْقِ الأرْضِ وغَرْبِها، إلّا رَجُلًا كانَ في الحَرَمِ فَمَنَعَهُ الحَرَمُ مِن ذَلِكَ ثُمَّ هَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ،» فَفي مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ مَن ذَلِكَ الرَجُلُ؟

قالُوا أبُو رُغالٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ، وخِلافُهُ في السِيَرِ.

وذَكَّرَ الفِعْلَ المُسْنَدَ إلى الصَيْحَةِ إذْ هي بِمَعْنى الصِياحِ، وتَأْنِيثُها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.

وقِيلَ: جازَ ذَلِكَ وهي مُؤَنَّثَةٌ لَمّا فَصَلَ بَيْنَ الفِعْلِ وبَيْنَها.

كَما قالُوا: "حَضَرَ القاضِيَ اليَوْمَ امْرَأةٌ"، والأوَّلُ أصْوَبُ، و"الصَيْحَةُ" إنَّما تَجِيءُ مُسْتَعْمَلَةً في ذِكْرِ العَذابِ لِأنَّها فَعْلَةٌ تَدُلُّ عَلى مَرَّةٍ واحِدَةٍ شاذَّةٍ، والصِياحُ يَدُلُّ عَلى مَصْدَرٍ مُتَطاوِلٍ، وشَذَّ في كَلامِهِمْ قَوْلُهُمْ: "لَقِيتُهُ لِقاءَةً واحِدَةً"، والقِياسُ لَقْيَةٌ.

و"جاثِمِينَ" أيْ: بارِكِينَ قَدْ صَعِقَ بِهِمْ، وهو تَشْبِيهٌ بِجُثُومِ الطَيْرِ، وبِذَلِكَ يُشْبِهُ جُثُومَ الأثافِيِّ وجُثُومَ الرَمادِ.

و"يَغْنَوْا": مُضارِعٌ مَن غَنِيَ في المَكانِ إذا أقامَ فِيهِ في خَفْضِ عَيْشٍ وهي المَغانِي: وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "ألا إنَّ ثَمُودَ" وكَذَلِكَ في "الفُرْقانِ والعنكَبُوتِ والنَجْمِ"، وصَرَفَها الكِسائِيُّ كُلَّها.

وقَوْلُهُ: "ألا بُعْدًا لِثَمُودَ"، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، فَرَوى عنهُ حَفْصٌ تَرْكَ الإجْراءِ كَحَمْزَةَ، ورَوى عنهُ أبُو بَكْرٍ إجْراءَ الأرْبَعَةِ وتَرْكَهُ في قَوْلِهِ: "ألا بُعْدًا لِثَمُودَ"، وقَرَأ الباقُونَ: "ألا إنَّ ثَمُودًا" فَصُرِفَتْ، "ألا بُعْدًا لِثَمُودَ" غَيْرَ مَصْرُوفٍ، والقِراءَتانِ فَصِيحَتانِ، وكَذَلِكَ صَرَفُوا في "الفُرْقانِ والعنكَبُوتِ والنَجْمِ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تقدّم الكلام على نظائر بعض هذه الآية في قصّة هود في سورة الأعراف.

ومتعلّق ﴿ نجينا ﴾ محذوف.

وعطف ﴿ ومن خِزي يومئذٍ ﴾ على متعلّق ﴿ نجّينا ﴾ المحذوف، أي نجّينا صالحاً عليه السّلام ومَن معه من عذاب الاستئصال ومن الخزي المكيّف به العذاب فإنّ العذاب يكون على كيفيات بعضها أخزى من بعض.

فالمقصود من العطف عطف منّة على منّة لا عطف إنجاء على إنجاء، ولذلك عطف المتعلّق ولم يعطف الفعل، كما عطف في قصة عاد ﴿ نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منّا ونجّيناهم من عذاب غليظ ﴾ [هود: 58] لأنّ ذلك إنجاء من عذاب مغاير للمعطوف عليه.

وتنوين ﴿ يومئذٍ ﴾ تنوين عوض عن المضاف إليه.

والتقدير: يوم إذ جاء أمرنا.

والخزي: الذّلّ، وهو ذلّ العذاب، وتقدّم الكلام عليه قريباً.

وجملة ﴿ إنّ ربّك هو القوي العزيز ﴾ معترضة.

وقد أكد الخبر بثلاث مؤكدات للاهتمام به.

وعبّر عن ثمود بالّذين ظلموا للإيماء بالموصول إلى علّة ترتب الحكم، أي لظلمهم وهو ظلم الشّرك.

وفيه تعريض بمشركي أهل مكّة بالتّحذير من أن يصيبهم مثل ما أصاب أولئك لأنّهم ظالمون أيضاً.

والصيحة: الصّاعقة أصابتهم.

ومعنى ﴿ كأنْ لم يغنوا فيها ﴾ كأن لم يقيموا.

وتقدّم شعيب في الأعراف.

وقرأ الجمهور «ألا إنّ ثموداً» بالتنوين على اعتبار ثمود اسم جَدّ الأمة.

وقرأه حمزة، وحفص عن عاصم، ويعقوب، بدون تنوين على اعتباره اسماً للأمّة أو القبيلة.

وهما طريقتان مشهورتان للعرب في أسماء القبائل المسمّاة بأسماء الأجداد الأعلين.

وتقدّم الكلام على ﴿ بُعداً ﴾ في قصة نوح ﴿ وقيل بعداً للقوم الظالمين ﴾ [هود: 44].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صاحَ بِهِمْ.

الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أحْدَثَها في حَيَوانٍ صاحَ بِهِمْ.

الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أحْدَثَها مِن غَيْرِ حَيَوانٍ.

﴿ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ﴾ لِأنَّ الصَّيْحَةَ أخَذَتْهم لَيْلًا فَأصْبَحُوا مِنها هَلْكى.

﴿ فِي دِيارِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في مَنازِلِهِمْ وبِلادِهِمْ، مِن قَوْلِهِمْ هَذِهِ دِيارُ بَكْرٍ ودِيارُ رَبِيعَةَ.

الثّانِي: في دارِ الدُّنْيا لِأنَّها دارٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ.

وَفِي: ﴿ جاثِمِينَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُبَيِّتِينَ، لِأنَّ الصَّيْحَةَ كانَتْ بَياتًا في اللَّيْلِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: هَلْكى بِالجُثُومِ.

وَفي الجُثُومِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السُّقُوطُ عَلى الوَجْهِ.

الثّانِي: أنَّهُ القُعُودُ عَلى الرُّكَبِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيها.

الثّانِي: كَأنْ لَمْ يَنْعَمُوا فِيها.

﴿ ألا إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَذَّبُوا وعِيدَ رَبِّهِمْ.

الثّانِي: كَفَرُوا بِأمْرِ رَبِّهِمْ.

﴿ ألا بُعْدًا لِثَمُودَ ﴾ فَقَضى عَلَيْهِمْ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ فَهَلَكُوا جَمِيعًا إلّا رَجُلًا مِنهم وهو أبُو رُمْحانِ كانَ في حَرَمِ اللَّهِ تَعالى فَمَنَعَهُ الحَرَمُ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه ﴿ هو أنشأكم من الأرض ﴾ قال: خلقكم من الأرض.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ واستعمركم فيها ﴾ قال: أعمركم فيها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه ﴿ واستعمركم فيها ﴾ قال: استخلفكم فيها.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ فما تزيدونني غير تخسير ﴾ يقول: ما تزدادون أنتم إلا خساراً.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء الخراساني ﴿ فما تزيدونني غير تخسير ﴾ قال: ما تزيدونني بما تصنعون إلا شراً لكم وخسراناً تخسرونه.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: ﴿ ثلاثة أيام ﴾ قال: كان بقي من أجل قوم صالح عند عقر الناقة ثلاثة أيام فلم يعذبوا حتى أكملوها.

وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ نجينا صالحاً والذين آمنوا...

﴾ الآية.

قال: نجاه الله برحمة منه، ونجاه من خزي يومئذ.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأصبحوا في ديارهم جاثمين ﴾ قال: ميتين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ قال: كأن لم يعيشوا فيها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ قال: كأن لم يعمروا فيها.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ قال: كأن لم يكونوا فيها يعني في الدنيا حين عذبوا ولم يعمروا فيها.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول: وغنيت شيئاً قبل نحري وأحسن ** لو كان للنفس اللجوج خلود وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ كأن لم يغنوا فيها ﴾ قال: كأن لم ينعموا فيها.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض ﴾ لأن آدم خلق من تراب ﴿ واستعمركم فِيهَا ﴾ أي جعلكم تعمرونها.

فهو من العمران للأرض، وقيل: هو من العمر نحو استبقاكم من البقاء ﴿ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً ﴾ أي: كنا نرجو أن ننتفع بك حتى قلت ما قلت، وقيل: المعنى كنا نرجو أن تدخل في ديننا ﴿ فِي دَارِكُمْ ﴾ أي بلدكم ﴿ ثلاثة أَيَّامٍ ﴾ قيل: إنها الخميس والجمعة والسبت، لأنهم عقروا الناقة يوم الأربعاء، وأخذهم العذاب يوم الأحد ﴿ وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ﴾ معطوف على نجينا أي نجيناهم من خزي يومئذ ﴿ جاثمين ﴾ ذكر في الأعراف و ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ ﴾ أي: كأن لم يقيموا فيها والضمير للدار، وكذلك في قصة شعيب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فطرني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع والبزي غير الخزاعي ﴿ إني أشهد ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع.

﴿ فإن تولوا ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح.

﴿ ويستخلف ﴾ بالجزم: الخزاز عن هبيرة.

الباقون بالرفع ﴿ يومئذ ﴾ بفتح الميم وكذلك في "المعارج": أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وعلي الشموني والبرجمي وعباس.

الآخرون بالجر.

﴿ ألا ان ثمود ﴾ غير منصرف والوقف بغير الألف: حمزة وحفص وسهل ويعقوب.

الباقون بالتنوين والوقف بالألف.

﴿ لثمود ﴾ بالتنوين في الوصل: علي.

الوقوف: ﴿ هوداً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ مفترون ﴾ ه ﴿ أجراً ﴾ ط ﴿ فطرني ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ بسوء ﴾ ط ﴿ تشركون ﴾ ه لا ﴿ لا تنظرون ﴾ ه ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ بناصيتها ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ به إليكم ﴾ ط للاستئناف إلا لمن قرأ ﴿ ويستخلف ﴾ بالجزم ﴿ غيركم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ حفيظ ﴾ ه ﴿ منا ﴾ ج لحق المحذوف أي وقد نجيناهم ﴿ غليظ ﴾ ه ط ﴿ عنيد ﴾ ه ﴿ ويوم القيامة ﴾ ط ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ هود ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ م لما مر في "الأعراف".

﴿ غيره ﴾ ط ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ مجيب ﴾ ه ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ تخسير ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ أيام ﴾ ط ﴿ مكذوب ﴾ ط ﴿ يومئذٍ ﴾ ط ﴿ العزيز ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لا لكاف التشبيه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ لثمود ﴾ ه.

التفسير: قد مر في "الأعراف" تفسير قوله: ﴿ وإلى عاد ﴾ الآية.

ومعنى قوله: ﴿ إن أنتم إلا مفترون ﴾ أنكم كاذبون في قولكم إن هذه الأصنام يحسن عبادتها مع أنها لا حس لها ولا شعور.

ثم قال مثل قول نوح ﴿ يا قوم لا أسألكم عليه أجراً ﴾ لأن النصيحة لا يمحضها إلا حسم المطامع ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن نصح من لا يطلب الأجر إلا من الله لا يكون من التهمة في شيء.

قيل: إنما قال في قصة نوح ﴿ مالاً ﴾ دون ﴿ أجراً ﴾ لذكر الخزائن بعده، فلفظ المال بها أليق.

وحذف الواو من ﴿ يا قوم ﴾ لأنه أراد الاستئناف أو البدل دون العطف.

﴿ ويا قو م استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ﴾ قد مر مثله في أول السورة.

وقال الأصم: المراد سلوه أن يغفر لكم ما تقدم لكم من إسرافكم ثم اعزموا على أن لا تعودوا إلى مثله.

ثم قصد استمالتهم وترغيبهم في الإِيمان بكثرة المطر وزيادة القوة لأن القوم كانوا حراصاً على جميع الأموال من وجوه العمارة والزراعة مفتخرين بما أوتوا من البطش والقوة، فقدم إليهم في باب الدعوة إلى الدين والترغيب فيه ما كانت همتهم معقودة به ليحصل في ضمنه الغرض الكلي والمقصود الأصلي وهو الفوز بالسعادات الأخروية، وكأنه إنما خصص هذين النوعين من السعادات الدنيوية لأن الأول أصل جميع النعم، والثاني أصل في الانتفاع بتلك النعم.

وقيل: المراد بالقوة الزيادة في المال.

وقيل في النكاح.

وروي أنه حبس عنهم القطر بشؤم التكذيب ثلاث سنين وأعقم نساؤهم فوعدوا أنهم إن آمنوا أحيا الله بلادهم ورزقهم المال والولد.

والمدرار الكثير الدر كما مر في أول "الأنعام".

عن الحسن بن علي رضي الله عه أنه وفد على معاوية فلما خرج تبعه بعض حجابه فقال: إني رجل ذو مال لا يولد لي فقال: عليك بالاستغفار.

فكان يكثر الاستغفار حتى إنه ربما استغفر في يوم واحد سبعمائة مرة فولد له عشرة بنين فبلغ ذلك معاوية فقال: هلا سألته مم قال ذلك؟

فوفد وفدة أخرى فسأله الرجل فقال: ألم تسمع قول هود ﴿ ويزدكم قوة إلى قوتكم ﴾ وقول نوح ﴿ ويمددكم بأموال وبنين  ﴾ ثم قول هود ﴿ لا تتولوا ﴾ أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه ﴿ مجرمين ﴾ مصرين على الإِجرام والآثام.

فجحدوا هوداً وقالوا ما جئتنا ببينة كما قالت قريش لرسول الله  ﴿ لولا أنزل عليه آية من ربه  ﴾ ولم يشتهر منه معجزة ولكن العلماء قالوا: إظهار الدعوة مع أولئك الأقوام من غير مبالاة وتوانٍ آية من الآيات.

وقوله: ﴿ عن قولك ﴾ حال من الضمير كأنه قيل: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك ﴿ وما نحن لك بمؤمنين ﴾ لا يصدق مثلنا مثلك أبداً.

ثم زعموا أن بعض آلهتهم اعتراه بسوء أي غشيه وأورثه الخبل والجنون لأنه كان يسب آلهتهم وذلك قولهم: ﴿ إن نقول إلا اعتراك ﴾ وإلا لغو أي ما نقول شيئاً إلا هذا القول فمن ثم يتكلم بكلام المجانين.

والمراد أن الأصنام كافأته على سوء فعله بسوء الجزاء فأظهر نبي الله الجلادة والثقة بالله فيما هو بصدده وتبرأ منهم ومن شركهم فأشهد الله وذلك إشهاد صحيح.

وأشهدهم أيضاً وهذا كالتهاون وقلة المبالاة بهم كقول الرجل لمن نوى قطعه بالكلية: أشهد عليَّ أني لا أحبك تهكماً به.

وقد مر قوله: ﴿ فكيدوني ﴾ الآية في آخر سورة الأعراف.

وقوله: ﴿ ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ﴾ تمثيل لغاية التسخير ونهاية التدليل، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته فكان علامة لقهره.

قالت المعتزلة: هذا دليل التوحيد لدلالته على أنه لا مالك إلا هو.

وقوله: ﴿ إن ربي على صراط مستقيم ﴾ دليل العدل.

والأشاعرة قالوا: معناه معنى.

﴿ إن ربك لبالمرصاد  ﴾ أي لا يخفى عليه شيء ولا يفوته هارب ﴿ فإن تولوا فقد أبلغتكم ﴾ كقول القائل إن أكرمتني الآن فقد أكرمتك فيما مضى.

والمراد فإن تتولوا فأنا غير معاتب ولا مقصر لأني قد قضيت حق الرسالة.

وفي قوله: ﴿ ويستخلف ﴾ إشارة إلى عذاب الاستئصال وأنه يخلق بعدهم من هو أطوع منهم وأنه لا ينقص من ملكه شيئاً ﴿ إن ربي على كل شيء حفيظ ﴾ يحفظ أعمال العباد حتى يجازيهم عليها، أو يحفظني من شرككم وكيدكم، أو يحفظني من الهلاك ﴿ والذين آمنوا معه ﴾ قيل: كانوا أربعة آلاف ﴿ برحمة منا ﴾ أي بفضل وامتنان أو بسبب ما هم فيه من الإيمان والعمل الصالح ﴿ ونجيناهم من عذاب غليظ ﴾ أطلق التنجية أوّلاً ثم قيدها على معنى وكانت تلك التنجية من عذاب غليظ سموم تدخل في أفواههم وتخرج من أدبارهم فتقطعهم عضواً عضواً.

ويحتمل أن يراد بالثانية النجاة من عذاب الآخرة ولا عذاب أغلظ منه.

ولما ذكر قصتهم خاطب محمداً وأشار إلى قبورهم وآثارهم بقوله: ﴿ وتلك عاد ﴾ فانظروا واعتبروا.

ثم استأنف وصف أحوالهم مجملة فقال: ﴿ جحدوا بآيات ربهم ﴾ فلم يتسلقوا من المعجزات إلى صدق الأنبياء، ولم يرتقوا من الممكنات إلى وجود الواجب بالذات ﴿ وعصوا رسله ﴾ قيل: لم يرسل إليه إلا هود، وصح الجمع لأن عصيان رسول واحد يتضمن عصيان كلهم ﴿ لا نفرق بين أحد من رسله  ﴾ ﴿ واتبعوا أمر كل جبار عنيد ﴾ أطاعوا رؤساءهم وكبراءهم المتمردة والمعاندة ولهذا جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين.

وفي تكرير "ألا" والنداء على كفرهم، والدعاء عليهم بالبعد بعد إهلاكهم دلالة على تفظيع شأنهم وأنهم كانوا مستأهلين للدعاء عليهم بالهلاك، ويحتمل أن يراد البعد من رحمة الله في الآخرة.

وقوله: ﴿ قوم هود ﴾ عطف بيان لعاد إما للتأكيد ومزيد التقرير، وإما لأن عاداً عادان القديمة التي هي قوم هود، والأخرى وهي إِرم.

قوله في قصة ثمود ﴿ هو أنشأكم ﴾ تقديم الضمير للحصر أي لم ينشئكم إلا هو، ومعنى الإنشاء من الأرض أن الكل مخلوق من صلب آدم وهو مخلوق من الأرض.

ويمكن أن يقال: إن الإنسان مخلوق من المني وهو يحصل من الغذاء والغذاء ينتهي إلى النبات ثم إلى الأرض.

وقيل: إن "من" بمعنى "في".

﴿ واستعمركم ﴾ من العمارة أي جعلكم عماراً للأرض، وأمركم بالعمارة.

فمنها واجب وندب ومباح ومكروه، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار فعمروا الأعمار الطوال مع ما كان منهم من الظلم.

فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم فأوحى إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي وقيل: من العمر نحو استبقاكم من البقاء.

وقيل: من العمرى.

ومعناه أعمركم الله فيها دياركم ثم هو وارثها منكم عند انقضاء أعماركم.

أو جعلكم معمرين دياركم فيها لأن الرجل إذا ورّث داره من بعده فكأنه أعمره إياها لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لوارثه.

ومعنى كونه  قريباً قد مر في قوله: ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب  ﴾ وذلك في "البقرة" ﴿ قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً ﴾ عن ابن عباس: فاضلاً خيراً نقدمك على جميعنا.

وقيل: كنا نظن بك الرشد والصلاح وكمال العقل وإصابة الرأي.

وقيل: كنت تعطف على فقيرنا وتعيد ضعيفنا وتعود مرضانا فظننا أنك من الأنصار والأحباب وأهل الموافقة في الدين، فكيف أظهرت العداوة والبغضاء؟

ثم أضافوا إلى هذا الكلام التمسك بالتقليد ومتابعة الآباء، ثم صرحوا بالتوقف والريب في أمره.

ومريب من أرابه إذا أوقعه في الريبة، أو من أراب الرجل إذا كان ذا ريبة وهو من الإِسناد المجازي واعلم أن قوله ﴿ وإنا لفي شك ﴾ بنون الوقاية ههنا على الأصل، وأما في سورة إبراهيم فإنما قال: ﴿ وإنا ﴾ بغير نون الوقاية لقوله بعده: ﴿ تدعوننا  ﴾ على الجمع فكان اجتماع النونات مستكرهاً.

فأجابهم هو بقوله: ﴿ إن كنت على بينة ﴾ الآية.

وبنى أمره على الفرض والتقدير لأن خطاب المخالف على هذا الوجه أقرب إلى القبول كأنه قال: قدروا أني على بينة ﴿ من ربي ﴾ وأني نبي على الحقيقة فمن يمنعني من عذاب الله ﴿ إن عصيته ﴾ في أوامره ﴿ فما تزيدونني غير تخسير ﴾ أي على هذا التقدير تخسرون أعمالي وتبطلونها، أو فما تزيدونني بما تحملونني عليه إلا أني أنسبكم إلى الخسران وأقول إنكم خاسرون.

والمعنى الأول أقرب لأنه كالدلالة على أن متابعتهم لا تزيده إلا خسران الدارين.

﴿ ويا قوم هذه ناقة الله ﴾ قد مر تفسيره في "الأعراف".

ومعنى ﴿ عذاب قريب ﴾ عاجل لا يستأخر إلا ثلاثة أيام و ﴿ غير مكذوب ﴾ من باب الاتساع أي غير مكذوب فيه فحذف الحرف.

وأجرى الضمير مجرى المفعول به أو من باب المجاز كأن الوعد إذا أوفى به فقد صدق ولم يكذب أو المكذوب مصدر كالمجلود وصف به.

قوله: ﴿ فلما جاء أمرنا ﴾ بالفاء.

وفي قصة هود بالواو ولمكان التعقيب ههنا بدليل قوله: ﴿ عذاب قريب ﴾ ومثله في قصة لوط لقوله: ﴿ أليس الصبح بقريب  ﴾ وأما في قصة هود فإنه قال: ﴿ ويستخلف ﴾ بلفظ المستقبل ومثله في قصة شعيب ﴿ سوف تعلمون من يأتيه ﴾ بحرف التسويف فلم يكن الفاء مناسباً.

واعتبر هذا المعنى في سائر المواضع كما في سورة يوسف قال: ﴿ ولما جهزهم  ﴾ بالواو أوّلاً لأن التعقيب لم يكن مراداً ثم قال: ﴿ فلما جهزهم  ﴾ لمكان التعقيب والله أعلم.

قوله: ﴿ ومن خزي يومئذٍ ﴾ معطوف على محذوف والتقدير نجينا صالحاً ومن معه من العذاب النازل بقومه ومن الخزي الذي لزمهم، أو يتعلق بمعطوف محذوف أي ونجيناهم من خزي يومئذ كما قال: ﴿ ونجيناهم من عذاب غليظ ﴾ والمعنيان كما قلنا هناك.

والقراءتان في ﴿ يومئذٍ ﴾ لأن الظرف المضاف إلى "إذ" يجوز بناؤه على الفتح، والتنوين في "إذ" عوض من المضاف إليه أعني الجملة، والتقدير يوم إذ كان كذا وكسر الذال للساكنين ﴿ إن ربك هو القوي العزيز ﴾ القادر الغالب فمن قدرته ميز المؤمن من الكافر، ومن عزته وقهره أهلك الكفار بالصيحة التي سمعوها من جانب السماء إما بواسطة جبرائيل وإما لإحداثها في سحاب مع برق شديد محرق.

وإنما تصير الصيحة سبباً للهلاك لأن التموج الشديد في الهواء يوجب تأذي صماخ الإنسان، وقد يتمزق غشاء الدماغ بذلك، والأعراض النفسانية أيضاً إذا قويت أوجبت الموت وتمام القصة مذكور في سورة الأعراف، وقوله: ﴿ ألا إن ثمود ﴾ إلى آخره.

شبيه بما مر في قصة هود، والتأويل كما مر في سورة الأعراف والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً ﴾ : هو ما ذكرنا، أي: أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً.

وقوله: ﴿ أَخَاهُمْ ﴾ : قد ذكرنا أيضاً أن الأخوة تتجه إلى وجوه ثلاثة: أخوة في الدين، وأخوة في الجنس، وأخوة في النسب [فهو لا يحتمل أن يكون أخاهم في الدين، لكنه يحتمل أن يكون أخاهم من الوجهين الآخرين في الجنس والنسب].

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ : إن الرسل صلوات الله عليهم جميعاً أول ما دعوا قومهم إنما دعوا إلى توحيد الله وجعل العبادة له؛ لأن غيره من العبادات إنما يقوم بالتوحيد، فكان أول ما دعاهم قومهم إليه لم يزل عادة الرسل وعملهم الدعاء إلى توحيد الله والعبادة له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ : وقال بعض أهل التأويل: ﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: هو خلقكم من آدم وخلق آدم من الأرض، لكنه أضاف خلق الخلائق إليها؛ كما أضاف في قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ...

﴾ الآية [الأعراف: 189]، أخبر أنه خلقنا من نفسه، أي: آدم، وإن لم تكن أنفسنا منه؛ فعلى ذلك إضافته إيانا بالخلق من الأرض، وإن لم يخلق أنفسنا منها، أي: خلق أصلنا وأنشأه من الأرض، فأضاف إنشاءنا إلى ما أنشأ أصلنا.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ أي: جعل نشأة الخلائق كلهم ونماءهم وحياتهم ومعاشهم بالخارج من الأرض؛ إذ به نشوءهم ونماؤهم وحياتهم وقوامهم منها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ : قال بعضهم: [أسكنكم فيها، وقال بعضهم: استخلفكم فيها.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ أي: جعلكم عمار الأرض تعمرونها لمعادكم ومعاشكم، جعل عمارة هذه الأرض إلى الخلق هم الذين يقومون بعمارتها وبنائها وأنواع الانتفاع بها، ويرجع كله إلى واحد.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ ﴾ ] أي: جعل عمركم طويلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ : هذا قد ذكرنا فيما تقدم في قصة نوح، أي: كونوا بحال يغفر لكم؛ وهو كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ كأنه قال: فإن انتهوا عن الكفر يغفر لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ ﴾ : لحفظ الخلائق أو قريب لمن أنعم عليهم وأمثاله، أو قريب إلى كل من يفزغ إليه، مجيب لدعاء كل داع استجاب له؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي...

﴾ الآية [البقرة: 186]؛ وكقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ...

﴾ الآية [البقرة: 40].

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾ : قال بعضهم: قولهم: ﴿ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً ﴾ كنت ترحم الضعفاء وتعود المرضي ونحو ذلك من الكلام، فالساعة صرت على خلاف ذلك.

وقال بعضهم: ﴿ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً ﴾ كنا نرجو أن ترجع إلى ديننا قبل هذا الذي تدعونا إليه، فالساعة صرت تشتم آلهتنا وتذكرها بعيب، أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا، أي: ما كنا نعرف أن آباءنا عندك سفهاء من قبل هذا، فالساعة تسفه أحلامهم في عبادتهم الأصنام.

﴿ وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ \[قالوا هذا؛ احتجاجاً لهم عليه فيما دعاهم إلى توحيد الله وعبادتهم إياه، فقالوا: إنا على يقين أن آباءنا قد عبدوا هذه الآلهة من غير شك فما تدعونا إليه مريب\] أي: يريبنا أمرك ودعاؤك لنا إلى هذا الدين.

قد قيل هذا، ولكنا لا نعلم ما كانوا يرجون فيه، وأما المعنى الذي قالوا له قد كنت فينا مرجوا سوى أنا نعلم أنه كان مرجوا فيهم بالعقل والدين والعلم والبصيرة ونحوه، فكان مرجوا فيهم بالأشياء التي ذكرنا.

هذا نعلمه ولا نعلم ما عنى أولئك بقولهم: ﴿ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي ﴾ أي: إن كنت على حجة وبرهان وبيان من ربي فيما أدعوكم إلى توحيد الله وصرف العبادة إليه.

والثاني: قوله: ﴿ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي ﴾ أي: قد كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة يحتمل قوله: رحمة أي: آتاني هدى ونبوة من عنده.

﴿ فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ ﴾ أي: من يمنعني من عذاب الله إن عصيته ورجعت إلى دينكم، أي: لا أحد ينصرني إن أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه، أي: لا أحد ينصرني دون الله لو أجبتكم وأطعتكم فيما دعوتموني إليه.

ثم الذي دعوه إليه يحتمل ترك تبليغ الرسالة إليهم، أو دعوه إلى عبادة الأصنام التي عبدوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾ : قيل فيه بوجوه: قيل: فما تزيدونني بمجادلتكم إياي فيما تجادلونني إلا خسراناً.

وقال بعضهم: فما تزدادون بمعصيتكم إياي إلا خسراناً لأنفسكم.

وقال القتبي: غير تخسير، أي: غير نقصان.

وقال أبو عوسجة: غير تخسير هو من الخسران، يقال: خسرته أي: ألزمته الخسران.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ ﴾ : قال لهم هذا حين سألوا منه الآية، فقال: هذه ناقة الله لكم آية على صدق صالح فيما ادعى من الرسالة، أو هذه ناقة الله لكم [فذروها تأكل في أرض الله، قال لهم هذا حين سألوا منه الآية، فقال: هذه ناقة الله لكم آية]، أي: لكم آية التي سألتموها من الرسالة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَاقَةُ ٱللَّهِ ﴾ : أضاف إليه لخصوصية كانت فيها نحن لا نعرف ذلك، ليست تلك الخصوصية في غيرها من النوق؛ لما جعلها آية لرسالته ونبوته خارجة عما عاينوا من النوق وشاهدوها، وهكذا كانت آيات الرسل كانت خارجة عن وسع البشر وطوقهم؛ ليعلم أنها سماوية.

ثم لا نعرف أية خصوصية كانت لها عظم جسمها وغلظ بدنها، حيث قسم الشرب بينهم وبينها حتى جعل يوما لها ويوماً لهم بقوله: ﴿ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ  ﴾ ، ولم يقسم مراعيها بينها وبينهم بقوله: ﴿ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ ﴾ ، وأما ما قاله بعض الناس: إنها خرجت من صخرة كذا، وأنها كانت تحلب كل يوم كذا وأشياء أخر ذكروها، فإنا لا نعرف ذلك ولا نقطع القول فيه أنه كان كذلك، سوى أنا نعرف أن لها كانت خصوصية ليست تلك الخصوصية لغيرها من النوق، ولو كانت لنا إلى تلك الخصوصية حاجة لبينتها لنا، وأصله ما ذكرنا أنه إذا أضيف جزئية الأشياء إلى الله  فهو على تعظيم تلك الجزئيات المضافة إليه، وإذا أضيف إليه كلية الأشياء فهو على إرادة التعظيم لله والتبجيل له؛ نحو قوله: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ﴿ وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ ﴾ نهاهم أن يمسوها بسوء، ولم يبين ما ذلك السوء، فيحتمل أن يكون ذلك شيء عرفوا هم ونهاهم عن ذلك.

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ ﴾ أي: لا تعقروها فيأخذكم عذاب قريب، لما كان ذلك على أثر عقرهم الناقة بثلاثة أيام حيث قال: ﴿ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ ، وما ذكر أيضاً أن وجوههم اصفرت في اليوم الأول، ثم احمرت في اليوم الثاني، ثم اسودت في اليوم الثالث، ثم نزل بهم العذاب في اليوم الرابع، فذلك أيضاً مما لا نعرفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴾ قيل: سريعاً لا تمهلون حتى تعذبوا.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ وَعْدٌ ﴾ من الله ﴿ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ : ليس فيه كذب، وكان عذابهم إنما نزل على أثر سؤال الآية، سألوا ذلك فلما أن جاءهم بها كذبوها، فنزل بهم العذاب، وهكذا السنة في الأمم السالفة أنهم إذا سألوا الآية فجاءتهم فلم يؤمنوا بها نزل بهم العذاب، وهو قوله: ﴿ وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا...

﴾ الآية [الإسراء: 59]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ أي: جاء ما أمر به كما يقال: جاء وعد ربنا، أي: جاء موعود ربنا؛ لأن وعده وأمره لا يجيء، ولكن جاء ما أمر به ووعد به وهو العذاب، أو نقول: جاء أي أتى وقت وقوع ما أمر به ووعد، وهو العذاب الذي وعد وأمر به، والله أعلم.

﴿ نَجَّيْنَا صَالِحاً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ : بنعمة منا أو بفضل منا، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ﴾ قيل: الخزي هو العذاب الذي يفضحهم، وقيل: كل عذاب فهو خزي، أي: نجاهم من خزي ذلك اليوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ ﴾ قيل: القوي: هو الذي لا يعجزه شيء، والعزيز هو الذي يذل من دونه، وقيل: القوي هو المنتقم المنتصر لأوليائه من أعدائه، والعزيز: هو المنيع في ملكه وسلطانه الذي لا يعجزه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ ﴾ : قيل: عذابهم كان صيحة صاح بهم جبريل، وقيل: الصيحة الصاعقة وكل عذاب فهو صيحة، لكن لا ندري كيف كان، أو أن يكون عذابهم قدر صيحة لسرعة وقوعه بهم، أو يسمى ذلك العذاب صيحة لما رأوه ما يصيحون فيما بينهم أو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ : قال هاهنا: ديارهم، وقال في سورة الأعراف: دارهم، والقصة واحدة.

قال بعضهم: دارهم قراهم، وديارهم منازلهم، ولكن هو واحد أصبحوا جاثمين في دارهم ومنازلهم سواءٌ.

وقوله: ﴿ جَاثِمِينَ ﴾ قيل: خامدين موتى وأصل قوله: ﴿ جَاثِمِينَ ﴾ أي: منكبين على وجوههم، يقال: جثم الطائر إذا انكب على وجهه مخافة الصيد، وقد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ ﴾ قيل: كأن لم يعيشوا فيها، وقيل: كأن لم يسكنوا فيها، وقيل: كأن لم يعمروا فيها، وأصله أنهم صاروا كأن لم يكونوا فيها لما لا يذكرون بعد هلاكهم، فصاروا من حيث لا يذكرون كأن لم يكونوا، وأما الأخيار والأبرار فإنهم وإن ماتت أبدانهم وصارت كأن لم تكن ففي الذكر كأنهم أحياء حيث يذكرون بعد موتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ ﴾ قيل: كفروا نعمة ربهم، أو كفروا بآيات ربهم، فذلك كله كفر بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ ﴾ \[أي: ألا بعداً لثمود\] من رحمة الله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأخذ صوت شديد مهلك ثمود فماتوا من شِدَّتِه، وأصبحوا ساقطين على وجوههم، قد لصقت وجوههم بالتراب.

<div class="verse-tafsir" id="91.BJ3ko"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله