الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٧٣ من سورة هود
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 8 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٧٣ من سورة هود من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( قالوا أتعجبين من أمر الله ) أي : قالت الملائكة لها ، لا تعجبي من أمر الله ، فإنه إذا أراد شيئا أن يقول له : " كن " فيكون ، فلا تعجبي من هذا ، وإن كنت عجوزا [ كبيرة ] عقيما ، وبعلك [ وهو زوجها الخليل عليه السلام ، وإن كان ] شيخا كبيرا ، فإن الله على ما يشاء قدير .
( رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ) أي : هو الحميد في جميع أفعاله وأقواله محمود ، ممجد في صفاته وذاته; ولهذا ثبت في الصحيحين أنهم قالوا : قد علمنا السلام عليك ، فكيف الصلاة عليك يا رسول الله ؟
قال : قولوا : " اللهم صل على محمد ، وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على [ إبراهيم و ] آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد " .
(قالوا أتعجبين من أمر الله) ، يقول الله تعالى ذكره: قالت الرسل لها: أتعجبين من أمرٍ أمر الله به أن يكون ، وقضاء قضاه الله فيك وفي بعلك.
* * * ، وقوله: (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت)، يقول: رحمة الله وسعادته لكم أهل بيت إبراهيم (4) ، وجعلت الألف واللام خلفًا من الإضافة ، وقوله: (إنه حَميدٌ مجيد)، يقول: إن الله محمود في تفضله عليكم بما تفضل به من النعم عليكم وعلى سائر خلقه (5) ، (مجيد) ، يقول: ذو مجد ومَدْح وَثَناء كريم.
* * * يقال في " فعل " منه: " مجد الرجل يمجد مجادة " إذا صار كذلك، وإذا أردت أنك مدحته قلت: " مجّدته تمجيدًا ".
----------------------------- الهوامش : (4) انظر تفسير " البركات " فيما سلف من فهارس اللغة ( برك ) .
(5) انظر تفسير " الحميد " فيما سلف 5 : 570 / 9 : 296 .
قوله تعالى : قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيدفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : قالوا أتعجبين من أمر الله لما قالت : وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا وتعجبت ، أنكرت الملائكة عليها تعجبها من أمر الله ، أي من قضائه .
وقدره ، أي لا عجب من أن يرزقكما الله الولد ، وهو إسحاق .
وبهذه الآية استدل كثير من العلماء على أن الذبيح إسماعيل ، وأنه أسن من إسحاق ; لأنها بشرت بأن إسحاق يعيش حتى يولد له يعقوب .
وسيأتي الكلام في هذا ; وبيانه في " الصافات " إن شاء الله تعالى .الثانية : قوله تعالى : " رحمة الله وبركاته " مبتدأ ، والخبر " عليكم " .
وحكى سيبويه عليكم بكسر الكاف لمجاورتها الياء .
وهل هو خبر أو دعاء ؟
وكونه إخبارا أشرف ; لأن ذلك يقتضي حصول الرحمة والبركة لهم ، المعنى : أوصل الله لكم رحمته وبركاته أهل البيت .
وكونه دعاء إنما يقتضي أنه أمر يترجى ولم يتحصل بعد .
نصب " أهل البيت " على الاختصاص ; وهذا مذهب سيبويه .
وقيل : على النداء .الثالثة : هذه الآية تعطي أن زوجة الرجل من أهل البيت ; فدل هذا على أن أزواج الأنبياء من أهل البيت ; فعائشة - رضي الله عنها - وغيرها من جملة أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ; ممن قال الله فيهم : ويطهركم تطهيرا وسيأتي[ ص: 64 ] الرابعة : ودلت الآية أيضا على أن منتهى السلام وبركاته كما أخبر الله عن صالحي عباده رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت .
والبركة النمو والزيادة ; ومن تلك البركات أن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا في ولد إبراهيم وسارة .
وروى مالك عن وهب بن كيسان أبي نعيم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال : كنت جالسا عند عبد الله بن عباس فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال : السلام عليك ورحمة الله وبركاته ; ثم زاد شيئا مع ذلك ; فقال ، ابن عباس - وهو يومئذ قد ذهب بصره - من هذا ؟
فقالوا اليماني الذي يغشاك ، فعرفوه إياه ، فقال : ( إن السلام انتهى إلى البركة ) .
وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال : دخلت المسجد فإذا أنا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في عصبة من أصحابه ، فقلت : السلام عليكم ; فقال : ( وعليك السلام ورحمة الله عشرون لي وعشرة لك ) .
قال : ودخلت الثانية ; فقلت : السلام عليكم ورحمة الله فقال : ( وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وعشرون لك ) .
فدخلت الثالثة فقلت : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : فقال : ( وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وثلاثون لك أنا وأنت في السلام سواء ) .إنه حميد مجيد أي محمود ماجد .
وقد بيناهما في " الأسماء الحسنى " .
{ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } فإن أمره لا عجب فيه، لنفوذ مشيئته التامة في كل شيء، فلا يستغرب على قدرته شيء، وخصوصا فيما يدبره ويمضيه، لأهل هذا البيت المبارك.
{ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ } أي: لا تزال رحمته وإحسانه وبركاته، وهي: الزيادة من خيره وإحسانه، وحلول الخير الإلهي على العبد { عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ } أي: حميد الصفات، لأن صفاته صفات كمال، حميد الأفعال لأن أفعاله إحسان، وجود، وبر، وحكمة، وعدل، وقسط.
مجيد، والمجد: هو عظمة الصفات وسعتها، فله صفات الكمال، وله من كل صفة كمال أكملها وأتمها وأعمها.
( قالوا ) يعني الملائكة ، ( أتعجبين من أمر الله ) معناه : لا تعجبي من أمر الله ، فإن الله عز وجل إذا أراد شيئا كان .
( رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ) أي : بيت إبراهيم عليه السلام .
قيل : هذا على معنى الدعاء من الملائكة ، وقيل : معنى الخير والرحمة والنعمة .
والبركات جمع البركة ، وهي ثبوت الخير .
وفيه دليل على أن الأزواج من أهل البيت .
( إنه حميد مجيد ) فالحميد : المحمود في أفعاله ، والمجيد : الكريم ، وأصل المجد الرفعة .
«قالوا أتعجبين من أمر الله» قدرته «رحمة الله وبركاته عليكم» يا «أهل البيت» بيت إبراهيم «إنه حميد» محمود «مجيد» كريم.
قالت الرسل لها: أتعجبين من أمر الله وقضائه؟
رحمة الله وبركاته عليكم معشر أهل بيت النبوة.
إنه سبحانه وتعالى حميد الصفات والأفعال، ذو مَجْد وعظمة فيها.
وقد رد عليها الملائكة بقولهم : ( قالوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله ) ؟!!أى : أتستبعدين على قدرة الله - تعالى - أن يرزقك الولد وأنت وزوجك فى هذه السن المتقدمة؟
لا إنه لا ينبغى لك أن تستبعدى ذلك ، لأن قدرة الله لا يعجزها شئ .
فالاستفهام هنا المراد به إنكار تعجبها واستبعادها البشارة ، وإزالة أثر ذلك من نفسها إزالة تامة .وقوله : ( رَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت ) حكاية لما قالته الملائكة لها ، زيادة فى سرورها وفى إدخال الطمأنينة على قلبها .أى رحمة الله الواسعة ، وبركاته وخيراته النامية عليكم أهل البيت الكريم وهو بيت إبراهيم - عليه السلام - .قال صاحب الكشاف : وإنما أنكرت عليها الملائكة تعجبها ، لأنها كانت فى بيت الآيات ، ومهبط المعجزات ، والأمور الخارقة للعادات ، فكان عليها أن تتوقر ، ولا يزدهيا ما يزدهى سائر النساء الناشئات فى غير بيت النبوة وأن تسبح الله وتمجده ، مكان التعجب .وإلى ذلك أشارت الملائكة فى قولهم ( رَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت ) .أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمهم به رب العزة ، ويخصكم بالإِنعام به يا أهل بيت النبوة ، فليس بمكان عجب ، والكلام مستأنف علل به إنكارا التعجب .
كأنه قيل : " إياك والتعجب ، فإن أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم " .وقوله - سبحانه - ( إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ) تذييل بديع قصد به وجوب مداومتها على حمد الله وتمجيده على أن وهبها الولد بعد أن بلغت سن اليأس من الحمل .أى إنه - سبحانه - ( حَمِيدٌ ) أى : مستحق للحمد لكثرة نعمه على عباده ( مَّجِيدٌ ) أى : كريم واسع الإِحسان ، فليس بعيداً منه أن يعطى الولد للآباء بعد الكبر .قال صاحب المنار ما ملخصه : وأصل المجد فى اللغة أن تقع الإِبل فى أرض واسعة المرعى ، كثيرة الخصب ، يقال : مجدت الإِبل تمد من باب نصر - مجداً ومجادة ، وأمجدها الراعى .والمجد فى البيوت والأنساب ما يعده الرجل من سعة كرم آبائه وكثرة نوالهم .ووصف الله كتابه بالمجيد ، كما وصف نفسه بذلك ، لسعة هداية كتابه ، وسعة كرمه وفضله على عباده .
.
.