الآية ٩٥ من سورة هود

الإسلام > القرآن > سور > سورة 11 هود > الآية ٩٥ من سورة هود

كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ٩٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 89 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٥ من سورة هود: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٥ من سورة هود عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( كأن لم يغنوا فيها ) أي : يعيشوا في دارهم قبل ذلك ، ( ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ) وكانوا جيرانهم قريبا منهم في الدار ، وشبيها بهم في الكفر وقطع الطريق ، وكانوا عربا شبههم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: كأن لم يعش قوم شعيب الذين أهلكهم الله بعذابه ، حين أصبحوا جاثمين في ديارهم قبل ذلك.

ولم يغنوا.

* * * ، من قولهم: " غنيت بمكان كذا " ، إذا أقمت به، (21) ومنه قول النابغة: * * * غَنِيَــتْ بِـذَلِكَ إِذْ هُـمُ لِـي جِـيرَةٌ مِنْهَــا بِعَطْــفِ رِسَــالِةٍ وتَـوَدُّدِ (22) وكما :- 18528- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح، قال ، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (كأن لم يغنوا فيها) ، قال يقول: كأن لم يعيشوا فيها.

18529- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

18530- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة مثله.

* * * ، وقوله: (ألا بعدًا لمدين كما بعدت ثمود) ، يقول تعالى ذكره: ألا أبعد الله مدين من رحمته، بإحلال نقمته بهم (23) ، " كما بعدت ثمود "، يقول: " كما بعدت من قبلهم ثمود من رحمته ، بإنـزال سخطه بهم.

--------------------------- الهوامش : (21) انظر تفسير " غني بكذا " فيما سلف 12 : 569 ، 570 / 15 : 56 ، 381 .

(22) مضى البيت وشرحه فيما سلف ص : 56 .

(23) انظر تفسير " البعد " فيما سلف ص : 334 ، 367 ، 381 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود تقدم معناه ، وحكى الكسائي أن أبا عبد الرحمن السلمي قرأ " كما بعدت ثمود " بضم العين .

قال النحاس : المعروف في اللغة إنما يقال بعد يبعد بعدا وبعدا إذا هلك .

وقال المهدوي : من ضم العين من " بعدت " فهي لغة تستعمل في الخير والشر ، ومصدرها البعد ; وبعدت تستعمل في الشر خاصة ; يقال : بعد يبعد بعدا ; فالبعد على قراءة الجماعة بمعنى اللعنة ، وقد يجتمع معنى اللغتين لتقاربهما في المعنى ; فيكون مما جاء مصدره على غير لفظه لتقارب المعاني .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ْ} أي: كأنهم ما أقاموا في ديارهم، ولا تنعموا فيها حين أتاهم العذاب.

{ أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ ْ} إذ أهلكها الله وأخزاها { كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ْ} أي: قد اشتركت هاتان القبيلتان في السحق والبعد والهلاك.

وشعيب عليه السلام كان يسمى خطيب الأنبياء، لحسن مراجعته لقومه، وفي قصته من الفوائد والعبر، شيء كثير.

منها: أن الكفار، كما يعاقبون، ويخاطبون، بأصل الإسلام, فكذلك بشرائعه وفروعه، لأن شعيبا دعا قومه إلى التوحيد، وإلى إيفاء المكيال والميزان، وجعل الوعيد، مرتبا على مجموع ذلك.

ومنها: أن نقص المكاييل والموازين، من كبائر الذنوب, وتخشى العقوبة العاجلة، على من تعاطى ذلك، وأن ذلك من سرقة أموال الناس، وإذا كان سرقتهم في المكاييل والموازين، موجبة للوعيد، فسرقتهم - على وجه القهر والغلبة - من باب أولى وأحرى.

ومنها: أن الجزاء من جنس العمل، فمن بخس أموال الناس، يريد زيادة ماله، عوقب بنقيض ذلك, وكان سببا لزوال الخير الذي عنده من الرزق لقوله: { إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ْ} أي: فلا تسببوا إلى زواله بفعلكم.

ومنها: أن على العبد أن يقنع بما آتاه الله، ويقنع بالحلال عن الحرام وبالمكاسب المباحة عن المكاسب المحرمة، وأن ذلك خير له لقوله: { بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ ْ} ففي ذلك، من البركة، وزيادة الرزق ما ليس في التكالب على الأسباب المحرمة من المحق، وضد البركة.

ومنها: أن ذلك، من لوازم الإيمان وآثاره، فإنه رتب العمل به, على وجود الإيمان، فدل على أنه إذا لم يوجد العمل، فالإيمان ناقص أو معدوم.

ومنها: أن الصلاة، لم تزل مشروعة للأنبياء المتقدمين، وأنها من أفضل الأعمال، حتى إنه متقرر عند الكفار فضلها، وتقديمها على سائر الأعمال, وأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي ميزان للإيمان وشرائعه، فبإقامتها تكمل أحوال العبد، وبعدم إقامتها، تختل أحواله الدينية.

ومنها: أن المال الذي يرزقه الله الإنسان - وإن كان الله قد خوله إياه - فليس له أن يصنع فيه ما يشاء، فإنه أمانة عنده، عليه أن يقيم حق الله فيه بأداء ما فيه من الحقوق، والامتناع من المكاسب التي حرمها الله ورسوله، لا كما يزعمه الكفار، ومن أشبههم، أن أموالهم لهم أن يصنعوا فيها ما يشاءون ويختارون، سواء وافق حكم الله، أو خالفه.

ومنها: أن من تكملة دعوة الداعي وتمامها أن يكون أول مبادر لما يأمر غيره به، وأول منته عما ينهى غيره عنه، كما قال شعيب عليه السلام: { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ْ} ولقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ْ} ومنها: أن وظيفة الرسل وسنتهم وملتهم، إرادة الإصلاح بحسب القدرة والإمكان، فيأتون بتحصيل المصالح وتكميلها، أو بتحصيل ما يقدر عليه منها، وبدفع المفاسد وتقليلها، ويراعون المصالح العامة على المصالح الخاصة.

وحقيقة المصلحة، هي التي تصلح بها أحوال العباد، وتستقيم بها أمورهم الدينية والدنيوية.

ومنها: أن من قام بما يقدر عليه من الإصلاح، لم يكن ملوما ولا مذموما في عدم فعله، ما لا يقدر عليه، فعلى العبد أن يقيم من الإصلاح في نفسه، وفي غيره، ما يقدر عليه.

ومنها: أن العبد ينبغي له أن لا يتكل على نفسه طرفة عين، بل لا يزال مستعينا بربه، متوكلا عليه، سائلا له التوفيق، وإذا حصل له شيء من التوفيق، فلينسبه لموليه ومسديه، ولا يعجب بنفسه لقوله: { وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ْ} ومنها: الترهيب بأخذات الأمم، وما جرى عليهم، وأنه ينبغي أن تذكر القصص التي فيها إيقاع العقوبات بالمجرمين في سياق الوعظ والزجر.

كما أنه ينبغي ذكر ما أكرم الله به أهل التقوى عند الترغيب والحث على التقوى.

ومنها: أن التائب من الذنب كما يسمح له عن ذنبه، ويعفى عنه فإن الله تعالى يحبه ويوده، ولا عبرة بقول من يقول: \"إن التائب إذا تاب، فحسبه أن يغفر له, ويعود عليه العفو، وأما عود الود والحب فإنه لا يعود\" فإن الله قال: { وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ْ} ومنها: أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة، قد يعلمون بعضها, وقد لا يعلمون شيئا منها، وربما دفع عنهم، بسبب قبيلتهم، أو أهل وطنهم الكفار، كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه، وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين، لا بأس بالسعي فيها، بل ربما تعين ذلك، لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان.

فعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين تحت ولاية الكفار، وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية، لكان أولى، من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية، وتحرص على إبادتها، وجعلهم عمَلَةً وخَدَمًا لهم.

نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين، وهم الحكام، فهو المتعين، ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة، فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة، والله أعلم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( كأن لم يغنوا ) أي : كأن لم يقيموا ولم يكونوا ( فيها ألا بعدا ) هلاكا ، ( لمدين كما بعدت ) هلكت ( ثمود ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«كأن» مخففة: أي كأنهم «لم يغنوا» يقيموا «فيها ألا بُعدا لمدين كما بعدت ثمود».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

كأن لم يقيموا في ديارهم وقتًا من الأوقات.

ألا بُعدًا لـ "مدين" -إذ أهلكها الله وأخزاها- كما بَعِدت ثمود، فقد اشتركت هاتان القبيلتان في البعد والهلاك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ ) أى : كأن هؤلاء الهلكى من قوم شعيب ، لم يعيشوا فى ديارهم قبل ذلك عيشة ملؤها الرغد والرخاء والأمان .

.

.يقال : غنى فلان بالمكان ، إذا أقام به وعاش فيه ف نعمة ورغد .

.

.( أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ) أى : ألا هلاكا مصحوبا بالخزى واللعنة والطرد من رحمة الله لقبيلة مدين ، كما هلكت من قبلهم قبيلة ثمود .وهكذا طويت صفحة أخرى من صفات الظالمين وهم قوم شعيب .

.

عليهم السلام - كما طويت من قبلهم صفحات قوم نوح وهود وصالح ولوط - عليه السلام- .هذا ، ومن أهم العبر والعظات التى تتجلى واضحة فى قصة شعيب مع قومه كما جاءت فى هذه السورة الكريمة :أن الداعى إلى الله لكى ينجح فى دعوته ، عليه أن ينوع خطابه للمدعوين ، بحيث يشتمل توجيهه على الترغيب والترهيب ، وعلى الأسباب وما تؤدى إليه من نتائج ، وعلى ما يقنع العقل ويقنع العاطفة .

.

.ففى هذه القصة نجد شعيبا - عليه السلام - يبدأ دعوته بأمر قومه بعبادة الله - تعالى - ، ثم ينهاهم عن أبرز الرذائل التى كانت منتشرة وهى نقص المكيال والميزان ، ثم يبين لهم الأسباب التى حملته على ذلك : ( إني أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وإني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ) .ثم ينهاهم نهيا عاما عن الإِفساد فى الأرض ( وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ ) .ثم يرشدهم إلى أن الرزق الحلال مع الإِيمان والاستقامة ، خير لهم من التشبع بزينة الحياة الدنيا بدون تمييز بين ما هو صالح وما هو طالح : وبقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين .

.ثم يذكرهم بأنه لا يأمرهم إلا بما يأمر به نفسه ، ولا ينهاهم إلا عما ينهاها عنه وأنه ليس ممن يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم ( وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإصلاح مَا استطعت .

.

.

) .ثم يذكرهم بمصارع السابقين ، ويحذرهم من أن يسلكوا مسلكهم ، لأنهم لو فعلوا ذلك لهلكوا كما هلك الذين من قبلهم : ( وياقوم لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شقاقي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ .

.

.

) .ثم يفتح لهم باب الأمل فى عفو الله عنهم متى استغفروه وتابوا إليه : ( واستغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ )ثم تراه يثور عليهم عندما يراهم يتجاوزون حدودهم بالنسبة لله - تعالى - وللحق الذى جاءهم به من عنده - سبحانه - : ( أرهطي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ الله واتخذتموه وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ .

وياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ .

.

.

) .وهكذا نجد شعيبا - عليه السلام - وهو خطيب الأنبياء كما وصفه الرسول - صلى الله عليه وسلم - يرشد قومه إلى ما يصلحهم ويسعدهم بأسلوب حكيم ، جامع لكل ألوان التأثير ، والتوجيه السديد .وليت الدعاة إلى الله فى كل زمان ومكان يتعلمون من قصة شعيب .

.

عليه السلام - مع قومه أسلوب الدعوة إلى الله - تعالى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لم يعذب الله تعالى أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم من فوقهم وقوله: ﴿ وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه ولما جاء وقت أمرنا ملكاً من الملائكة بتلك الصيحة، ويحتمل أن يكون المراد من الأمر العقاب، وعلى التقديرين فأخبر الله أنه نجى شعيباً ومن معه من المؤمنين برحمة منه وفيه وجهان: الأول: أنه تعالى إنما خلصه من ذلك العذاب لمحض رحمته، تنبيهاً على أن كل ما يصل إلى العبد فليس إلا بفضل الله ورحمته.

والثاني: أن يكون المراد من الرحمة الإيمان والطاعة وسائر الأعمال الصالحة وهي أيضاً ما حصلت إلا بتوفيق الله تعالى، ثم وصف كيفية ذلك العذاب فقال: ﴿ وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ ﴾ وإنما ذكر الصيحة بالألف واللام إشارة إلى المعهود السابق وهي صيحة جبريل عليه السلام ﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جاثمين ﴾ والجاثم الملازم لمكانه الذي لا يتحول عنه يعني أن جبريل عليه السلام لما صاح بهم تلك الصيحة زهق روح كل واحد منهم بحيث يقع في مكانه ميتاً ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ﴾ أي كأن لم يقيموا في ديارهم أحياء متصرفين مترددين.

ثم قال تعالى: ﴿ أَلاَ بُعْدًا لّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ وقد تقدم تفسير هذه اللفظة وإنما قاس حالهم على ثمود لما ذكرنا أنه تعالى عذبهم مثل عذاب ثمود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَا نَفْقَهُ ﴾ ما نفهم ﴿ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ ﴾ لأنهم كانوا لا يلقون إليه أذهانهم رغبة عنه وكراهية له، كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ ﴾ [الأنعام: 25] .

أو كانوا يفقهونه ولكنهم لم يقبلوه، فكأنهم لم يفقهوه.

وقالوا ذلك على وجه الاستهانة به، كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول أو جعلوا كلامه هذياناً وتخليطاً، لا ينفعهم كثير منه، وكيف لا ينفعهم كلامه وهو خطيب الأنبياء، وقيل: كان ألثغ ﴿ فِينَا ضَعِيفًا ﴾ لا قوة لك ولا عز فيما بيننا، فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروهاً.

وعن الحسن ﴿ ضَعِيفاً ﴾ مهيناً.

وقيل: ﴿ ضَعِيفاً ﴾ أعمى.

وحمير تسمى المكفوف: ضعيفاً، كما يسمى ضريراً، وليس بسديد؛ لأنّ ﴿ فِينَا ﴾ يأباه.

ألا ترى أنه لو قيل إنا لنراك فينا أعمى، لم يكن كلاماً؛ لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم، ولذلك قللوا قومه حيث جعلوهم رهطاً.

والرهط: من الثلاثة إلى العشرة.

وقيل: إلى السبعة.

وإنما قالوا: ولولاهم، احتراماً لهم واعتداداً بهم؛ لأنهم كانوا على ملتهم، لا خوفا من شوكتهم وعزتهم ﴿ لرجمناك ﴾ لقتلناك شرّ قتلة ﴿ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾ أي لا تعزّ علينا ولا تكرم، حتى نكرمك من القتل ونرفعك عن الرجم.

وإنما يعزّ علينا رهطك، لأنهم من أهل ديننا لم يختاروك علينا ولم يتبعوك دوننا، وقد دلّ إيلاء ضميره حرف النفي على أنّ الكلام واقع في الفاعل لا في الفعل، كأنه قيل: وما أنت علينا بعزيز، بل رهطك هم الأعزة علينا، ولذلك قال في جوابهم: ﴿ أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ الله ﴾ ولو قيل: وما عززت علينا، لم يصح هذا الجواب.

فإن قلت: فالكلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه، فكيف صح قوله: ﴿ أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ الله ﴾ قلت: تهاونهم به- وهو نبيّ الله- تهاون بالله، فحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز عليهم من الله.

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ [النساء: 80] ، ﴿ واتخذتموه وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً ﴾ ونسيتموه وجعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به، والظهريّ: منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب.

ونظيره قولهم في النسبة إلى أمس: أمسي ﴿ بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ قد أحاط بأعمالكم علماً، فلا يخفى عليه شيء منها ﴿ على مَكَانَتِكُمْ ﴾ لا تخلو المكانة من أن تكون بمعنى المكان، يقال: مكان ومكانة، ومقام ومقامة.

أو تكون مصدراً من مكن مكانة فهو مكين.

والمعنى: اعملوا قارّين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك والشنآن لي.

أو اعملوا متمكنين من عداوتي مطيقين لها ﴿ إِنّى عامل ﴾ على حسب ما يؤتيني الله من النصرة والتأييد ويمكنني ﴿ مَن يَأْتِيهِ ﴾ يجوز أن تكون ﴿ مَن ﴾ استفهامية، معلقة لفعل العلم عن عمله فيها؛ كأنه قيل: سوف تعلمون أينا يأتيه عذاب يخزيه، وأينا هو كاذب، وأن تكون موصولة قد عمل فيها، كأنه قيل: سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب.

فإن قلت: أي فرق بين إدخال الفاء ونزعها في ﴿ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ؟

قلت: إدخال الفاء: وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، ونزعها: وصل خفي تقديريّ بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدّر، كأنهم قالوا: فماذا يكون إن عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت؟

فقال: سوف تعلمون، فوصل تارة بالفاء وتارة بالاستئناف، للتفنن في البلاغة كما هو عادة بلغاء العرب، وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف، وهو باب من أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه ﴿ وارتقبوا ﴾ وانتظروا العاقبة وما أقول لكم ﴿ إِنّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴾ أي منتظر.

والرقيب بمعنى الراقب، من رقبه، كالضريب والصريم بمعنى الضارب والصارم.

أو بمعنى المراقب، كالعشير والنديم، أو بمعنى المرتقب، كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع.

فإن قلت: قد ذكر عملهم على مكانتهم وعمله على مكانته، ثم أتبعه ذكر عاقبة العاملين منه ومنهم، فكان القياس أن يقول: من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو صادق.

حتى ينصرف من يأتيه عذاب يخزيه إلى الجاحدين، ومن هو صادق إلى النبي المبعوث إليهم، قلت: القياس ما ذكرت، ولكنهم لما كانوا يدعونه كاذباً قال: ﴿ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ ﴾ يعني في زعمكم ودعواكم، تجهيلا لهم.

فإن قلت: ما بال ساقتي قصة عاد وقصة مدين جاءتا بالواو، والساقتان الوسطيان بالفاء؟

قلت قد وقعت الوسطيان بعد ذكر الوعد، وذلك قوله: ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح ﴾ [هود: 81] ، ﴿ ذلك وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ [هود: 65] فجيء بالفاء الذي هو للتسبيب، كما تقول: وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت وكيت.

وأما الأخريان فلم تقعا بتلك المثابة.

وإنما وقعتا مبتدأتين، فكان حقهما أن تعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما كما تعطف قصة على قصة.

الجاثم: اللازم لمكانه لا يريم، كاللابد يعني أن جبريل صاح بهم صيحة فزهق روح كل واحد منهم بحيث هو قعصا ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ ﴾ كأن لم يقيموا في ديارهم أحياء متصرفين مترددين.

البعد: بمعنى البعد وهو الهلاك، كالرشد بمعنى الرشد.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ كَمَا بَعِدَتْ ﴾ ؟

وقرأ السلمي ﴿ بعدت ﴾ بضم العين، والمعنى في البناءين واحد، وهو نقيض القرب، إلا أنهم أرادوا التفصلة بين البعد من جهة الهلاك وبين غيره، فغيروا البناء كما فرقوا بين ضماني الخير والشر فقالوا: وعد وأوعد، وقراءة السلمي جاءت على الأصل اعتباراً لمعنى البعد من غير تخصيص، كما يقال: ذهب فلان ومضى، في معنى الموت.

وقيل: معناه بعداً لهم من رحمة الله كما بعدت ثمود منها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ﴾ إنَّما ذَكَرَهُ بِالواوِ كَما في قِصَّةِ عادٍ إذْ لَمْ يَسْبِقْهُ ذِكْرُ وعْدٍ يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ لَهُ بِخِلافِ قِصَّتَيْ صالِحٍ ولُوطٍ فَإنَّهُ ذُكِرَ بَعْدَ الوَعْدِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ﴾ فَلِذَلِكَ جاءَ بِفاءِ السَّبَبِيَّةِ.

﴿ وَأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ﴾ قِيلَ صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهَلَكُوا.

﴿ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ﴾ مَيِّتِينَ، وأصْلُ الجُثُومِ اللُّزُومُ في المَكانِ.

﴿ كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ﴾ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا فِيها.

﴿ ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ شَبَّهُهم بِهِمْ لِأنَّ عَذابَهم كانَ أيْضًا بِالصَّيْحَةِ، غَيْرَ أنَّ صَيْحَتَهم كانَتْ مِن تَحْتِهِمْ وصَيْحَةَ مَدْيَنَ كانَتْ مِن فَوْقِهِمْ.

وقُرِئَ « بَعُدَتْ» بِالضَّمِّ عَلى الأصْلِ فَإنَّ الكَسْرَ تَغْيِيرٌ لِتَخْصِيصِ مَعْنى البُعْدِ بِما يَكُونُ بِسَبَبِ الهَلاكِ، والبُعْدُ مَصْدَرٌ لَهُما والبَعْدُ مَصْدَرُ المَكْسُورِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا} كأن لم يقيموا في ديارهم أحياء متصرفين مترددين {أَلاَ بُعْدًا لّمَدْيَنَ} البعد بمعنى البعد وهو الهلاك كالرشد بمعنى الرشد ألا ترى إلى قوله {كَمَا بعدت ثمود} وقرئ كما بعُدت والمعنى في البناءين واحد وهو نقيض القرب إلا أنهم فرقوا بين البعد من جهة الهلاك وبين غيره فغيروا البناء كما فرقوا بين ضماني الخير والشر فقالوا وعد وأوعد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا ﴾ أيْ لَمْ يُقِيمُوا ﴿ فِيها ﴾ مُتَصَرِّفِينَ في أطْرافِها مُتَقَلِّبِينَ في أكْنافِها، والجُمْلَةُ إمّا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ حالٌ بَعْدَ حالٍ.

﴿ ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ العُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ لِلْمُبالَغَةِ في تَفْظِيعِ حالِهِمْ ولِيَكُونَ أنْسَبَ بِمَن شَبَّهَ هَلاكَهم بِهَلاكِهِمْ، وإنَّما شَبَّهَ هَلاكَهم بِهَلاكِهِمْ لِأنَّ عَذابَ كُلٍّ كانَ بِالصَّيْحَةِ غَيْرَ أنَّهُ رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ صَيْحَةَ ثَمُودَ كانْتْ مِن تَحْتِهِمْ، وصَيْحَةُ مَدْيَنَ كانَتْ مِن فَوْقِهِمْ.

وقَرَأ السِّلْمِيُّ وأبُو حَيْوَةَ (بَعُدَتْ) بِضَمِّ العَيْنِ، والجُمْهُورُ بِكَسْرِها عَلى أنَّهُ مِن بَعِدَ يَبْعَدُ بِكَسْرِ العَيْنِ في الماضِي وفَتْحِها في المُضارِعِ بِمَعْنى هَلَكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: يَقُولُونَ: (لا تَبْعُدُ) وهم يَدْفِونني وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلّا مَكانِيا وأمّا بَعُدَ يَبْعُدُ بِالضَّمِّ فَهو البُعْدُ ضِدُّ القُرْبِ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، قِيلَ: أرادَتِ العَرَبُ بِهَذا التَّغْيِيرِ الفَرْقَ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مِنَ العَرَبِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ الهَلاكِ والبُعْدِ الَّذِي هو ضِدُّ القُرْبِ، وفي القامُوسِ البُعْدُ المَعْرُوفُ والمَوْتُ، وفِعْلُهُما كَكَرُمَ وفَرِحَ بُعْدًا وبَعَدًا بِفَتْحَتَيْنِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: إنَّ بَعُدَ بِالضَّمِّ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وبَعِدَ بِالكَسْرِ في الشَّرِّ خاصَّةً، وكَيْفَما كانَ الأمْرُ فالمُرادُ بِبَعِدَتْ عَلى تِلْكَ القِراءَةِ أيْضًا هَلَكَتْ غايَةُ الأمْرِ أنَّهُ في ذَلِكَ إمّا حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ، ومَن هَلَكَ فَقَدْ بَعُدَ ونَأى كَما قالَ الشّاعِرُ: ومَن كانَ بَيْنَكَ في التُّرابِ وبَيْنَهُ ∗∗∗ شَهْرانِ فَهو في غايَةِ (البُعْدِ) وفِي الآيَةِ ما يُسَمّى الِاسْتِطْرادَ، قِيلَ: ولَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ مِن هَذا النَّوْعِ إلّا ما في هَذا المَوْضِعِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ في أشْعارِها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنْ كُنْتِ كاذِبَةً الَّذِي حَدَّثْتِنِي ∗∗∗ فَنَجَوْتُ مَنجى الحَرْثِ بْنِ هِشامِ تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دُونَهم ∗∗∗ ونَجا بِرَأْسِ طِمَّرَةٍ ولِجامِ * * * هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في قِصَّةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ ذِي نَفْسٍ تَحْتَ قَهْرِهِ سُبْحانَهُ وسُلْطانُهُ أسِيرٌ في يَدِ تَصَرُّفِهِ ومَلَكَتِهِ عاجِزٌ عَنِ الفِعْلِ إلّا بِإذْنِهِ وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يُسَلِّطُ أحَدًا عَلى أحَدٍ إلّا عَنِ اسْتِحْقاقِ ذَنْبٍ أوْ رَفْعِ دَرَجَةٍ وإعْلاءِ مَنزِلَةٍ؛ لِأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلى طَرِيقِ العَدْلِ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ سِرَّهُ في فُصُوصِهِ: إنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ فَهو دابَّةٌ فَإنَّهُ ذُو رُوحٍ وما ثَمَّ مَن يَدُبُّ بِنَفْسِهِ وإنَّما يَدِبُّ بِغَيْرِهِ بِحُكْمِ التَّبَعِيَّةِ لِلَّذِي هو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَكُلُّ ماشٍ فَهو عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ وحِينَئِذٍ فَلا مَغْضُوبَ عَلَيْهِ ولا ضالَّ مِن هَذا الوَجْهِ، نَعَمْ إنَّ النّاسَ عَلى قِسْمَيْنِ: أهْلِ الكَشْفِ وأهْلِ الحِجابِ، فالأوَّلُونَ يَمْشُونَ عَلى طَرِيقٍ يَعْرِفُونَها ويَعْرِفُونَ غايَتَها، فَهي في حَقِّهِمْ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ كَما أنَّها في نَفْسِ الأمْرِ كَذَلِكَ، والآخَرُونَ يَمْشُونَ عَلى طَرِيقٍ يَجْهَلُونَها ولا يَعْرِفُونَ غايَتَها وأنَّها تَنْتَهِي إلى الحَقِّ، فَهي في حَقِّهِمْ لَيْسَتْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا وإنْ كانَتْ عِنْدَ العارِفِ ونَفْسِ الأمْرِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا، واسْتَنْبَطَ قَدَّسَ سِرَّهُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مَآلَ الخَلْقِ كُلِّهِمْ إلى الرَّحْمَةِ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وهي الرَّحْمَةُ السّابِقَةُ عَلى الغَضَبِ، وادَّعى أنَّ فِيها بِشارَةً لِلْخَلْقِ أيَّ بِشارَةٍ.

وقالَ القَيْصَرِيُّ في تَفْسِيرِها: أيْ ما مِن شَيْءٍ مَوْجُودٍ إلّا هو سُبْحانَهُ آخِذٌ بِناصِيَتِهِ وإنَّما جُعِلَ دابَّةً لِأنَّ الكُلَّ عِنْدَ صاحِبِ الشُّهُودِ وأهِلِ الوُجُودِ حَيٌّ، فالمَعْنى ما مِن حَيٍّ إلّا والحَقُّ آخِذٌ بِناصِيَتِهِ ومُتَصَرِّفٌ فِيهِ بِحَسَبِ أسْمائِهِ يَسْلُكُ بِهِ أيَّ طَرِيقٍ شاءَ مِن طُرُقِهِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؛ وأشارَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (آخِذٌ) إلى هُوِيَّةِ الحَقِّ الَّذِي مَعَ كُلٍّ مِنَ الأسْماءِ ومَظاهِرِها، وإنَّما قالَ: ﴿ إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ بِإضافَةِ الرَّبِّ إلى نَفْسِهِ وتَنْكِيرِ الصِّراطِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ رَبٍّ عَلى صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي عُيِّنَ لَهُ مِنَ الحَضْرَةِ الآلِهِيَّةِ، والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الجامِعُ لِلطُّرُقِ هو المَخْصُوصُ بِالِاسْمِ الآلِهِيِّ ومُظْهِرُهُ، لِذَلِكَ قالَ في الفاتِحَةِ المُخْتَصَّةِ بِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ ﴾ بِلامِ العَهْدِ، أوِ الماهِيَّةِ الَّتِي مِنها تَتَفَرَّعُ جُزْئِيّاتُها، فَلا يُقالُ: إذا كانَ كُلُّ أحَدٍ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ فَما فائِدَةُ الدَّعْوَةِ؟

لِأنّا نَقُولُ: الدَّعْوَةُ إلى الهادِي مِنَ المُضِلِّ، وإلى العَدْلِ مِنَ الجائِرِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا ﴾ انْتَهى بِحُرُوفِهِ، وأعْظَمُ مِن هَذا إشْكالًا التَّكْلِيفُ مَعَ القَوْلِ بِالوَحْدَةِ وكَذا التَّنْعِيمُ والتَّعْذِيبُ، فَإنَّ الظّاهِرَ مِنَ التَّقْدِيرِ لِكَلامِ المُحَقِّقِينَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ أنَّ المُكَلَّفَ عِبارَةٌ عَنْ مَوْجُودٍ هو حِصَّةٌ مِنَ الوُجُودِ المُطْلَقِ المُفاضِ عَلى حَقائِقِ المُمْكِناتِ المُتَعَيِّنِ بِتَعَيُّناتٍ مُخْتَلِفَةٍ اقْتَضَتْها الِاسْتِعْداداتُ الذّاتِيَّةُ لِلْحَقائِقِ الَّتِي هي المَعْدُوماتُ المُتَمَيِّزَةُ في نَفْسِ الأمْرِ المُسْتَعِدَّةُ بِاسْتِعْداداتٍ ذاتِيَّةٍ غَيْرِ مَجْعُولَةٍ، فالمُكَلَّفُ مُقَيَّدٌ مِن مُقَيِّداتِ الوُجُودِ المُطْلَقِ المُفاضِ، والمُقَيَّدُ لا يُوجَدُ بِدُونِ المُطْلَقِ لِأنَّهُ قَيُّومُهُ، والمُطْلَقُ مِن حَيْثُ الإطْلاقُ عَيْنُ الحَقِّ، ولا شَكَّ أنَّ قاعِدَةَ التَّكْلِيفِ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما مُغايَرَةٌ ومُبايَنَةٌ حَقِيقِيَّةٌ ذاتِيَّةٌ حَتّى يَصِحَّ التَّكْلِيفُ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ التَّعْذِيبِ والتَّنْعِيمِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ حَقِيقَةَ المُمْكِنِ أمْرٌ مَعْدُومٌ مُتَمَيِّزٌ في نَفْسِهِ بِتَمَيُّزٍ ذاتِيٍّ غَيْرِ مَجْعُولٍ ووُجُودُهُ خاصٌّ مُقَيَّدٌ بِخُصُوصِيَّةٍ ما اقْتَضاها اسْتِعْدادُهُ الذّاتِيُّ لِماهِيَّتِهِ العَدَمِيَّةِ فَهو مُرَكَّبٌ مِنَ الوُجُودِ والعَدَمِ، وحَقِيقَتُهُ مُغايِرَةٌ لِوُجُودِهِ تَعَقُّلًا لِتَمايِزِهِما ذِهْنًا، ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلُ الأشْعَرِيِّ: وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ عَيْنُ حَقِيقَتِهِ لِما بَيَّنَ في مَحَلِّهِ، وحَقِيقَةُ الحَقِّ تَعالى لا تُغايِرُ وُجُودَهُ ووُجُودُهُ سُبْحانَهُ هو الوُجُودُ المُطْلَقُ بِالإطْلاقِ الحَقِيقِيِّ حَسْبَما حَقَّقَهُ مُحَقِّقُو الصُّوفِيَّةِ، فالمُغايَرَةُ الذّاتِيَّةُ بَيْنَ المُكَلَّفِ والمُكَلِّفِ في غايَةِ الظُّهُورِ لِأنَّ المُكَلَّفَ هو المَعْدُومُ اللّابِسُ لِحِصَّةٍ مِنَ الوُجُودِ المُتَعَيِّنِ بِمُقْتَضى حَقِيقَتِهِ، والمُكَلِّفُ سُبْحانَهُ هو الحَقُّ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو عَيْنُ الوُجُودِ المُطْلِقِ غَيْرُ المُقْتَرِنِ بِماهِيَّةٍ عَدَمِيَّةٍ، وبِعِبارَةٍ أُخْرى: إنَّ حَقِيقَةَ المُمْكِنِ أمْرٌ مَعْدُومٌ، وحَقِيقَةُ الواجِبِ سُبْحانَهُ الوُجُودُ المُطْلَقُ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ وقَدْ وقَعَ في البَيْنِ تَجَلِّي الهُوِيَّةِ في العَبْدِ وذَلِكَ التَّجَلِّي هو الجامِعُ لِلْقُدْرَةِ وغَيْرِها مِنَ الكَمالاتِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْها التَّكْلِيفُ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ ومُحَقِّقٌ لِلْمُغايَرَةِ.

وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّ حَقِيقَةَ المَزْجِ بَيْنَ تَجَلِّي الهُوِيَّةِ والصُّورَةِ الخِلْقِيَّةِ المُتَعَيَّنَةِ بِمُقْتَضى الحَقِيقَةِ العَدَمِيَّةِ هي الَّتِي أحْدَثَتْ ما بِهِ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وكَوْنُ الحَقِّ سُبْحانَهُ قَيُّومًا لِلْوُجُودِ المُقَيَّدِ غَيْرُ قادِحٍ في ذَلِكَ بَلِ القَيُّومِيَّةُ هي المُصَحِّحَةُ لَهُ لِما تَبَيَّنَ مِنَ النُّصُوصِ أنَّهُ لا تَكْلِيفَ إلّا بِالوُسْعِ ولا وُسْعَ لِلْمُمْكِنِ إلّا بِقَيُّومِيَّتِهِ تَعالى بِنَصِّ ﴿ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ ﴾ وما هو بِاللَّهِ فَهو لِلَّهِ تَعالى، والبَحْثُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ، وبَعْضُ كَلِماتِهِمْ يَتَراءى مِنها عَدَمُ المُغايَرَةِ بَيْنَ المُكَلَّفِ والمُكَلِّفِ مِن ذَلِكَ ما قِيلَ: لَقَدْ كُنْتَ دَهْرًا قَبْلَ أنْ يُكْشَفَ الغَطا إخالُكَ أنِّي ذاكِرٌ لَكَ شاكِرُ فَلَمّا أضاءَ اللَّيْلُ أصْبَحْتُ شاهِدًا ∗∗∗ بِأنَّكَ مَذْكُورٌ وذِكْرٌ وذاكِرُ لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ لا يُبادِرَ سامِعُها بِالإنْكارِ، ويَرْجِعُ في المُرادِ مِنها إلى العارِفِينَ بِدَقائِقِ الأسْرارِ، هَذا وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ناقَةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيما قَصَّ اللَّهُ تَعالى هَهُنا عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إشارَةٌ إلى بَعْضِ آدابِ الفُتُوَّةِ، فَقَدْ قالُوا: إنَّ مِن آدابِها إذا نَزَلَ الضَّيْفُ أنْ يَبْدَأ بِالكَرامَةِ في الإنْزالِ، ثُمَّ يُثْنِي بِالكَرامَةِ بِالطَّعامِ، وإنَّما أوْجَسَ عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفْسِهِ خِيفَةً لِأنَّهُ ظَنَّ الغَضَبَ، والخَلِيلُ يَخْشى غَضَبَ خَلِيلِهِ ومُناهُ رِضاهُ، ولِلَّهِ دَرُّ مَن قالَ: لَعَلَّكَ غَضْبانُ ولَسْتَ بِعالِمِ سَلامٍ ∗∗∗ عَلى الدّارَيْنِ إنْ كُنْتَ راضِيًا وفِي هَذِهِ القِصَّةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَدْ يَنْسَدُّ بابُ الفِراسَةِ عَلى الكامِلِينَ لِحِكَمٍ يُرِيدُها اللَّهُ تَعالى، ومِن ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْ إبْراهِيمُ وكَذا لُوطٌ عَلَيْهِما السَّلامُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في أوَّلِ الأمْرِ، وكانَتْ مُجادَلَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن آثارِ مَقامِ الإدْلالِ عَلى ما قِيلَ، وقَوْلُهُ تَعالى عَنْ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ قِيلَ: يُشِيرُ بِالقُوَّةِ إلى الهِمَّةِ وهي عِنْدَهُمُ القُوَّةُ المُؤَثِّرَةُ في النُّفُوسِ لِأنَّ القُوَّةَ مِنها جِسْمانِيَّةٌ، ومِنها رُوحانِيَّةٌ، وهَذِهِ المُسَمّاةُ بِالهِمَّةِ وهي أقْوى تَأْثِيرًا لِأنَّها قَدْ تُؤَثِّرُ في أكْثَرِ العالَمِ أوْ كُلِّهِ بِخِلافِ الجِسْمانِيَّةِ، وقَصَدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ القَبِيلَةَ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى لا تَظْهَرُ في الخارِجِ إلّا عَلى أيْدِي المَظاهِرِ فَتَوَجَّهَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وطَلَبَ مِنهُ أنْ يَجْعَلَ لَهُ أنْصارًا يَنْصُرُونَهُ عَلى أعْداءِ اللَّهِ تَعالى، ورَدَّدَ الأمْرَ بَيْنَ ذَلِكَ وأنْ يَجْعَلَ لَهُ هِمَّةً مُؤَثِّرَةً مِن نَفْسِهِ لِيُقاوِمَ بِها الأعْداءَ، وقَدْ عَلِمْتُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  مِن قَوْلِهِ: «يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى أخِي لُوطًا» الخَبَرَ.

وذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ سِرَّهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَبَّهَ بِذَلِكَ الخَبَرِ أنَّ لُوطًا كانَ مَعَ اللَّهِ تَعالى مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ ﴿ رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ والإشارَةُ في قِصَّةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِمَن كانَ في حَيِّزٍ أنْ لا يَعْصِيَ اللَّهَ تَعالى ولِلْواعِظِ أنْ لا يُخالِفَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ: لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِي مِثْلَهُ ∗∗∗ عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ وأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ شَيْءٌ عِنْدَ العَبْدِ أعَزَّ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِ ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَبِيلِ الرَّشادِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا يعني: عذابنا، وذلك: أنه أصابهم حر شديد، فخرجوا إلى غيضة لهم، فدخلوا فيها، فظهرت لهم سحابة كهيئة الظلة، فأحدقت بالأشجار، وأشعلت فيها النار، وصاح فيهم جبريل صيحة، فماتوا كلهم، كما قال في آية أخرى: فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ [الشعراء: 189] وذلك قوله: وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا يعني: عذابنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ يعني: صيحة جبريل فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ يعني: صاروا في مواضعهم ميتين لا يتحركون.

قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها يعني: كأن لم يعمروا ولم يكونوا فيها، أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ يعني: بعدوا من رحمة الله، كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ من رحمته.

وروى أبو صالح، عن ابن عباس، قال: «لم تعذب أمتان بعذاب واحد، إلا قوم شعيب بن ذويب وصالح بن كاثوا، صاح بهم جبريل فأهلكهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ظَهْرِكَ، ودَبْرَ أُذْنِكَ، وعلى هذا المعنَى حمل الجمهورُ الآية، أي: اتخذتم أمْرَ اللَّه وشَرْعَه وراء ظُهُوركم، أي: غَيْرَ مراعًى، وإِما بأَنْ يستند إِليه ويلجأ كما قال عليه السلام:

«وألجأتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ» «١» وعلى هذا المعنَى حمل الآية قَوْمٌ: أي: وأنتم تتَّخذون اللَّه سَنَدَ ظُهُورِكُمْ وعِمَادَ آمالكم.

وقوله: اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ معناه: على حالاتكم، وفيه تهديدٌ.

وقوله: سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ: والصحيحُ: أَن الوقْفَ في قوله: إِنِّي عامِلٌ.

وقوله سبحانه: وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ...

الآية: الصَّيْحَةُ: هي صيحة/ جبريل عليه السلام.

كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)

وقوله سبحانه: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ...

الآية: يَغْنَوْا: معناه: يقيمون بِنَعْمَةٍ وخَفْضِ عيشٍ ومنه المَغَانِي، وهي المنازلُ المعمورةِ بالأهْل، وضمير «فيها» عائد على الديار.

وقوله: بُعْداً: مصدرٌ دعا به كقولك: سُحْقاً للكافرين، وفارَقَتْ هذه قولَهُمْ:

سَلامٌ عَلَيْكُمْ [النحل: ٣٢] لأن بُعْداً إِخبارٌ عن شيء قد وَجَب وتحصَّل، وتلك إِنما هي دعاء مرتجى، ومعنى البُعْد في قراءة: «بَعِدَتْ» - بكسر العين-: الهلاكُ، وهي قراءة الجمهور»

ومنه قول خِرْنِقَ بِنْتِ هَفَّانَ: [الكامل]

لاَ يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ...

سُمُّ الْعُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ «٣»

ومنه قولُ مالكِ بْنِ الرَّبيعِ: [الطويل]

يَقُولُونَ لاَ تَبْعَدْ وَهُمْ يَدْفِنُوننِي ...

وَأَيْنَ مَكَانُ الْبُعْدِ إِلاَّ مَكَانِيَا «١»

وأما من قرأ: «بَعُدَتْ» ، وهو السُّلَمِيُّ وأبو حَيْوَةَ «٢» فهو من البُعْدِ الذي هو ضدُّ القُرْب، ولا يُدْعَى به إِلا على مبغوضٍ.

قال ص: وقال ابْنُ الأنباريِّ: من العرب مَنْ يُسَوِّي بين الهلاكِ والبُعْدِ الَّذي هو ضِدُّ القُرْب، فيقولون فيهما: بَعُدَ يَبْعُدُ، وبَعِدَ يَبْعَدُ.

انتهى.

وقوله سبحانه: فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ: أي: وخالفوا أمْرَ موسَى، وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ، أي: بمرشِدٍ إِلى خير.

وقال ع «٣» : بِرَشِيدٍ: أي: بمصيب في مَذْهَبِهِ يَقْدُمُ قَوْمَهُ: أي: يقدمهم إلى النار، والْوِرْدُ، في هذه الآية: هو ورودُ دُخُولٍ.

قال ص: والْوِرْدُ: فاعل «بئس» ، والْمَوْرُودُ: المخصُوصُ بالذَّمِّ، وفي الأول حذْف، أيْ: مَكانُ الورْد، ليطابق المخصُوصَ بالذَّمِّ.

وجوَّز ع «٤» : وأبو البقاءِ أنْ يكونُ «المَوْرُود» صفةً لمكان الوِرْدِ، والمخصوص محذوفٌ، أي: بِئسٍ مكانُ الوِرْدِ المورودُ النارُ، و «الوِرْد» : يجوز أنْ يكون مصْدراً بمعنى الوُرُود، أو بمعنى الوَارِدَة من الإِبل، وقيل: الوِرْد: بمعنى الجَمْعِ للوَارِدِ، والمَوْرُود: صفةٌ لهم، والمخصُوصُ بالذمِّ ضميرٌ محذوف، أي: بئس القوم المَوْرُود بهم هُمْ، انتهى.

وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً: يريد: دارَ الدنيا.

وقوله: بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ أي: بِئسَ العطاءُ المعطَى لهم، وهو العذاب، والرّفد

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما أبْقى اللَّهُ لَكم مِنَ الحَلالِ بَعْدَ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ، خَيْرٌ مِنَ البَخْسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: رِزْقُ الله خَيْرٌ لَكم، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ سُفْيانُ.

والثّالِثُ: طاعَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: حَظُّكم مِنَ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: رَحْمَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والسّادِسُ: وصِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم، قالَهُ الرَّبِيعُ.

والسّابِعُ: ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ لَكم، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّامِنُ: مُراقَبَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ.

وَقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: " تَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم " بِالتّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ شَرَطَ الإيمانَ في كَوْنِهِ خَيْرًا لَهم، لِأنَّهم إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، عَرَفُوا صِحَّةَ ما يَقُولُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما أُمِرْتُ بِقِتالِكم وإكْراهِكم عَلى الإيمانِ.

والثّانِي: ما أُمِرْتُ بِمُراقَبَتِكم عِنْدَ كَيْلِكم لِئَلّا تَبْخَسُوا.

والثّالِثُ: ما أحْفَظُكم مِن عَذابِ الله إنْ نالَكم.

قَوْلُهُ تَعالى: " أصَلَواتُكُ تَأْمُرُكَ " وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ: " أصَلاتُكَ " عَلى التَّوْحِيدِ.

وَفِي المُرادِ بِصَلَواتِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: دِينُهُ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّانِي: قِراءَتُهُ، قالَهُ الأعْمَشُ.

والثّالِثُ: أنَّها الصَّلَواتُ المَعْرُوفَةُ.

وكانَ شُعَيْبٌ كَثِيرَ الصَّلاةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الآيَةِ: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا، أوْ أنْ نَتْرُكَ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ ؟

وَفِي مَعْنى الكَلامِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالنُّونِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ فِعْلَهم في أمْوالِهِمْ هو البَخْسُ والتَّطْفِيفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ فالمَعْنى: قَدْ تَراضَيْنا فِيما بَيْنَنا بِذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَقْطَعُونَ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ، فَنَهاهم عَنْ ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وقالَ القُرَظِيُّ: عُذِّبُوا في قَطْعِهِمُ الدَّراهِمَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَرَأ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ الفِهْرِيُّ " ما تَشاءُ " بِالتّاءِ، ونَسَقَ " أنْ تَفْعَلَ " عَلى " أنْ تَتْرُكَ "، واسْتَغْنى عَنِ الإضْمارِ.

قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: في مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ أمَرَهم بِالزَّكاةِ فامْتَنَعُوا.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " أوْ أنْ تَفْعَلَ في أمْوالِنا ما تَشاءُ " بِالتّاءِ فِيهِما؛ ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ كَمَعْنى قِراءَةِ الفِهْرِيِّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم قالُوهُ اسْتِهْزاءً بِهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوا لَهُ: إنَّكَ لَأنْتَ السَّفِيهُ الجاهِلُ، فَكَنّى بِهَذا عَنْ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّهم سَبُّوهُ بِأنَّهُ لَيْسَ بِحَلِيمٍ ولا رَشِيدٍ، فَأثْنى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ فَقالَ: بَلْ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ، لا كَما قالَ لَكَ الكافِرُونَ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ أبِي الحَسَنِ المُصَيْصِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ اعْتَرَفُوا لَهُ بِالحِلْمِ والرُّشْدِ حَقِيقَةً، وقالُوا: أنْتَ حَلِيمٌ رَشِيدٌ، فَلِمَ تَنْهانا أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ ؟

حَكاهُ الماوَرْدِيُّ، وذَهَبَ إلى نَحْوِهِ ابْنُ كَيْسانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [هُودٍ:٢٨ و٦٣] .

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَرَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحَلالُ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ شُعَيْبٌ كَثِيرَ المالِ.

والثّانِي: النُّبُوَّةُ.

والثّالِثُ: العِلْمُ والمَعْرِفَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: وجَوابُ الشَّرْطِ هاهُنا مَتْرُوكٌ، والمَعْنى: إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي، أتَّبِعُ الضَّلالَ ؟

فَتَرَكَ الجَوابَ، لِعِلْمِ المُخاطَبِينَ بِالمَعْنى، وقَدْ مَرَّ مِثْلُ هَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ ﴾ قالَ قَتادَةُ: لَمْ أكُنْ لِأنْهاكم عَنْ أمْرٍ ثُمَّ أرْتَكِبَهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ما أقْصِدُ بِخِلافِكُمُ القَصْدَ إلى ارْتِكابِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ ﴾ أيْ: ما أُرِيدُ بِما آمُرُكم بِهِ إلّا إصْلاحَ أُمُورِكم بِقَدْرِ طاقَتِي.

وقَدْرُ طاقَتِي: إبْلاغُكم لا إجْبارُكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ ﴾ فَتَحَ تاءَ " تَوْفِيقِي " أهْلُ المَدِينَةِ، وابْنُ عامِرٍ.

ومَعْنى الكَلامِ: ما إصابَتِي الحَقَّ في مُحاوَلَةِ صَلاحِكم إلّا بِاللَّهِ.

﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ أيْ: فَوَّضْتُ أمْرِي، وذَلِكَ أنَّهم تَواعَدُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ  ﴾ .

﴿ وَإلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ : أيْ: أرْجِعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي ﴾ حَرَّكَ هَذِهِ الياءَ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: لا تُكْسِبَنَّكم عَداوَتُكم إيّايَ أنْ تُعَذَّبُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا قَرِيبًا مِن مَساكِنِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: كانَ إهْلاكُ قَوْمِ لُوطٍ أقْرَبَ الإهْلاكاتِ الَّتِي عَرَفُوها.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما وحَّدَ بَعِيدًا، لِأنَّهُ أزالَهُ عَنْ صِفَةِ القَوْمِ، وجَعَلَهُ نَعْتًا لِمَكانٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِمَكانٍ بَعِيدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ ﴾ قَدْ سَبَقَ مَعْنى الرَّحِيمِ.

فَأمّا الوَدُودُ: فَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: المُحِبُّ لِعِبادِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: ودِدْتُ الرَّجُلَ أوَدُّهُ وُدًّا ووَدًّا ووِدًّا، ويُقالُ: ودِدْتُ الرَّجُلَ وِدادًا و ودادَةً و وِدادَةً.

وقالَ الخَطّابِيُّ: هو اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الوُدِّ؛ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ فَعُولًا في مَحَلِّ مَفْعُولٍ، كَما قِيلَ: رَجُلٌ هَيُوبٌ، بِمَعْنى مَهِيبٍ، وفُرْسٌ رَكُوبٌ، بِمَعْنى مَرْكُوبٍ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ مَوْدُودٌ في قُلُوبِ أوْلِيائِهِ لِما يَتَعَرَّفُونَهُ مِن إحْسانِهِ إلَيْهِمْ.

والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الوادِّ، أيْ: أنَّهُ يَوَدُّ عِبادَهُ الصّالِحِينَ، بِمَعْنى أنَّهُ يَرْضى عَنْهم بِتَقَبُّلِ أعْمالِهِمْ؛ ويَكُونُ مَعْناهُ: أنْ يُوَدِّدَهم إلى خَلْقِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: ما نَفْقَهُ صِحَّةَ كَثِيرٍ مِمّا تَقُولُ، لِأنَّهم كانُوا يَتَدَيَّنُونَ بِغَيْرِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا لِاسْتِثْقالِهِمْ ذَلِكَ كَأنَّهم لا يَفْقَهُونَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ضَرِيرًا؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: كانَ أعْمى.

قالَ الزَّجّاجُ: ويُقالُ إنَّ حِمْيَرَ تُسَمِّي المَكْفُوفَ: ضَعِيفًا.

والثّانِي: ذَلِيلًا، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو رَوْقٍ، ومُقاتِلٌ.

وَزَعَمَ أبُو رَوْقٍ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا أعْمى، ولا نَبِيًّا بِهِ زَمانَةٌ.

والثّالِثُ: ضَعِيفَ البَصَرِ، قالَهُ سُفْيانُ.

والرّابِعُ: عاجِزًا عَنِ التَّصَرُّفِ في المَكاسِبِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَوْلا عَشِيرَتُكَ لَقَتَلْناكَ بِالرَّجْمِ، والرَّجْمُ مِن سَيِّئِ القِتْلاتِ، وكانَ رَهْطُهُ مِن أهْلِ مِلَّتِهِمْ، فَلِذَلِكَ أظْهَرُوا المَيْلَ إلَيْهِمْ والإكْرامَ لَهم.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الرَّجْمَ هاهُنا بِمَعْنى الشَّتْمِ والأذى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِكَرِيمٍ، والثّانِي: بِمُمْتَنِعٍ أنْ نَقْتُلَكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ ﴾ وأسْكَنَ ياءَ " رَهْطِي " أهْلُ الكُوفَةِ، ويَعْقُوبُ، والمَعْنى: أتُراعُونَ رَهْطِي فِيَّ، ولا تُراعُونَ اللَّهَ فِيَّ ؟

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكُمْ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الجُمْهُورُ.

قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: رَمَيْتُمْ بِأمْر اللَّهِ وراءَ ظُهُورِكم.

قالَ الزَّجّاجُ: والعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَن لا يَعْبَأُ بِأمْرٍ: قَدْ جَعَلَ فُلانٌ هَذا الأمْرَ بِظَهْرٍ، قالَ الشّاعِرُ: تَمِيمَ بْنَ قَيْسٍ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي بِظَهْرٍ فَلا يَعِيا عَلَيَّ جَوابُها والثّانِي: أنَّها كِنايَةٌ عَمّا جاءَ بِهِ شُعَيْبٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ أيْ: عالِمٌ بِأعْمالِكم، فَهو يُجازِيكم بِها.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ سَوْفَ تَعْلَمُونَ  ﴾ .

فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ قالَ هاهُنا " سَوْفَ " وفي سُورَةٍ أُخْرى " فَسَوْفَ " ؟

[الأنْعامِ:١٣٥] فالجَوابُ: أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ حَسَنٌ عِنْدَ العَرَبِ، إنْ أدْخَلُوا الفاءَ، دَلُّوا عَلى اتِّصالِ ما بَعْدَ الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، وإنْ أسْقَطُوها، بَنَوُا الكَلامَ الأوَّلَ عَلى أنَّهُ قَدْ تَمَّ، وَما بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا  ﴾ ، والمَعْنى: فَقالُوا: أتَتَّخِذُنا، بِالفاءِ، فَحُذِفَتِ الفاءُ لِتَمامِ ما قَبْلَها.

قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: فَقالَتْ يَمِينُ اللَّهِ مالَكَ حِيلَةٌ ∗∗∗ وما إنْ أرى عَنْكَ الغَوايَةَ تَنْجَلِي خَرَجْتُ بِها أمْشِي تَجُرُّ وراءَنا ∗∗∗ عَلى إثْرِنا أذْيالَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أرادَ: فَخَرَجَتْ، فَأسْقَطَ الفاءَ لِتَمامِ ما قَبْلَها.

ويُرْوى: فَقُمْتُ بِها أمْشِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ارْتَقِبُوا العَذابَ، فَإنِّي أرْتَقَبُ الثَّوابَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ فَماتُوا في أمْكِنَتِهِمْ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: عَذَّبَ أهْلَ مَدِينَ بِثَلاثَةِ أصْنافٍ مِنَ العَذابِ، أخَذَتْهم رَجْفَةٌ في دِيارِهِمْ، حَتّى خافُوا أنْ تَسْقُطَ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجُوا مِنها فَأصابَهم حَرٌّ شَدِيدٌ، فَبَعَثَ اللَّهُ الظُّلَّةَ، فَتَنادُوا: هَلُمَّ إلى الظِّلِّ؛ فَدَخَلُوا جَمِيعًا في الظُّلَّةِ، فَصِيحَ بِهِمْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ فَماتُوا كُلُّهم.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ تُعَذَّبْ أُمَّتانِ قَطُّ بِعَذابٍ واحِدٍ، إلّا قَوْمُ شُعَيْبٍ وصالِحٍ، فَأمّا قَوْمُ صالِحٍ، فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِن تَحْتِهِمْ، وأمّا قَوْمُ شُعَيْبٍ فَأخَذَتْهم مِن فَوْقِهِمْ، نَشَأتْ لَهم سَحابَةٌ كَهَيْئَةِ الظُّلَّةِ فِيها رِيحٌ بَعْدَ أنِ امْتَنَعَتِ الرِّيحُ عَنْهم، فَأتَوْها يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَها فَأحْرَقَتْهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ أيْ: كَما هَلَكَتْ ثَمُودُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: بَعِدَ يَبْعَدُ: إذا كانَ بُعْدُهُ هَلَكَةً؛ وبَعُدَ يَبْعُدُ: إذا نَأى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ ﴾ ﴿ وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ﴾ ﴿ كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ ﴿ عَلى مَكانَتِكُمْ ﴾ مَعْناهُ: عَلى حالاتِكُمْ، وهَذا كَما تَقُولُ: مَكانَةُ فُلانٍ في العِلْمِ فَوْقَ مَكانَةِ فُلانٍ، يُسْتَعارُ مِنَ البِقاعِ إلى المَعانِي.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعاصِمٌ: "مَكانَتِكُمْ" بِالجَمْعِ، والجُمْهُورِ عَلى الإفْرادِ.

وقَوْلُهُ: "اعْمَلُوا" تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، وهو نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ  ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ مَن يَأْتِيهِ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مَن" مَفْعُولَةً بِـ "تَعْلَمُونَ"، والثانِيَةُ عَطْفٌ عَلَيْها.

قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الأوَّلُ أحْسَنُ لِأنَّها مَوْصُولَةٌ ولا تُوصَلُ في الِاسْتِفْهامِ، ويَقْضِي بِصِلَتِها أنَّ المَعْطُوفَةَ عَلَيْها مَوْصُولَةٌ لا مَحالَةَ، والصَحِيحُ أنَّ الوَقْفَ في قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي عامِلٌ ﴾ ثُمَّ ابْتِداءُ الكَلامِ بِالوَعِيدِ، و"مَن" مَعْمُولَةٌ لـ "تَعْلَمُونَ" وهي مَوْصُولَةٌ.

وقَوْلُهُ: "وارْتَقِبُوا" كَذَلِكَ تَهْدِيدٌ أيْضًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا جاءَ أمْرُنا ﴾ الآيَةَ.

الأمْرُ هاهُنا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ أمْرٍ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِرَحْمَةٍ مِنّا ﴾ إمّا أنْ يَقْصِدَ الإخْبارَ عَنِ الرَحْمَةِ الَّتِي لَحِقَتْ شُعَيْبًا لِنُبُوَّتِهِ وحُسْنِ عَمَلِهِ وعَمَلِ مُتَّبِعِيهِ، وإمّا أنْ يَقْصِدَ أنَّ النَتِيجَةَ لَمْ تَكُنْ إلّا بِمُجَرَّدِ رَحْمَةٍ لا بِعَمَلٍ مِن أعْمالِهِمْ، وأمّا "الصَيْحَةُ" فَهي صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، ورُوِيَ أنَّهُ صاحَ بِهِمْ صَيْحَةً جَثَّمَ لَها كُلُّ واحِدٍ مِنهم في مَكانِهِ حَيْثُ سَمِعَها مَيِّتًا قَدْ تَقَطَّعَتْ حُجَبُ قَلْبِهِ.

والجُثُومُ أصْلُهُ في الطائِرِ إذا ضَرَبَ بِصَدْرِهِ إلى الأرْضِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِهِ إذا كانَ مِنهُ بِشَبَهٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ﴾ الآيَةَ.

الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فِيها" عائِدٌ عَلى "الدِيارِ"، و "يَغْنَوْا" مَعْناهُ: يُقِيمُونَ بِنِعْمَةٍ وخَفْضِ عَيْشٍ، ومِنهُ المَغانِي، وهي المَنازِلُ المَعْمُورَةُ بِالأهْلِ، وقَوْلُهُ: "ألّا" تَنْبِيهٌ لِلسّامِعِ، وقَوْلُهُ: "بُعْدًا" مَصْدَرُ دَعا بِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: "سَقْيًا لَكَ، ورَعْيًا لَكَ، وسُحْقًا لِلْكافِرِ" ونَحْوَ هَذا، وفارَقَتْ هَذِهِ قَوْلَهُمْ: "سَلامٌ عَلَيْكَ"، لِأنَّ هَذا كَأنَّهُ إخْبارٌ عن شَيْءٍ قَدْ وجَبَ وتَحْصَّلَ، وتِلْكَ إنَّما هي دُعاءٌ مُتَرَجًّى، ومَعْنى البُعْدِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ "بَعِدَتْ" بِكَسْرِ العَيْنِ: الهَلاكُ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، ومِنهُ قَوْلُ خِرْنِقَ بِنْتِ هُنّانٍ: لا يَبْعِدَنَّ قَوْمِيَ الَّذِينَ هُمُ ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزُرِ ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ: يَقُولُونَ لا تَبْعَدْ وهم يَدْفِنُونَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلّا مَكانِيا وأمّا مَن قَرَأ: "بَعُدَتْ" وهو السُلَمِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ- فَهو مِنَ البُعْدِ الَّذِي ضِدُّهُ القُرْبُ، ولا يُدْعى بِهِ إلّا عَلى مَبْغُوضٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عُطف ﴿ لما جاء أمرنا ﴾ هنا وفي قوله في قصة عاد ﴿ ولمّا جاء أمرنا نجينا هوداً ﴾ [هود: 59] بالواو فيهما وعطف نظيراهما في قصة ثمود ﴿ فلمّا جاء أمرنا نجينا صالحاً ﴾ [هود: 66] وفي قصة قوم لوط ﴿ فلمّا جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ﴾ [هود: 82] لأن قصتَيْ ثمود وقوم لوط كان فيهما تعيين أجل العذاب الذي تَوعّدَ به النبيئان قومَهما؛ ففي قصة ثمود ﴿ فقال تمتّعوا في داركم ثلاثة أيّام ذلك وعْدً غير مكذوبٍ ﴾ [هود: 65]، وفي قصة قوم لوط ﴿ إن موعدهم الصّبح أليس الصّبح بقريب ﴾ [هود: 81]؛ فكان المقام مقتضياً ترقب السّامع لما حل بهم عند ذلك الموعد فكان الموقع للفاء لتفريع ما حلّ بهم على الوعيد به.

وليس في قصة عاد وقصة مدين تعيين لموعد العذاب ولكنّ الوعيد فيهما مجمل من قوله: ﴿ ويستخلف ربّي قوماً غيركم ﴾ [هود: 57]، وقوله: ﴿ وارتقبوا إنّي معكم رقيب ﴾ [هود: 9].

وتقدم القول في معنى ﴿ جاء أمرنا ﴾ إلى قوله: ﴿ ألاَ بُعْداً لمدين ﴾ في قصة ثمود.

وتقدم الكلام على ﴿ بُعْداً ﴾ في قصة نوح في قوله: ﴿ وقيل بُعداً للقوم الظالمين ﴾ [هود: 44].

وأما قوله: ﴿ كما بَعدت ثمود ﴾ فهو تشبيه البعد الذي هو انقراض مدين بانقراض ثمود.

ووجه الشبه التّماثل في سبب عقابهم بالاستئصال، وهو عذاب الصيحة، ويجوز أن يكون المقصود من التّشبيه الاستطراد بذمّ ثمود لأنهم كانوا أشدّ جرأة في مناواة رسل الله، فلمّا تهيأ المقام لاختتام الكلام في قصص الأمم البائدة ناسب أن يعاد ذكر أشدّها كفراً وعناداً فَشُبّهَ هلك مدين بهلكهم.

والاستطراد فَنّ من البديع.

ومنه قول حسّان في الاستطراد بالهجاء بالحارث أخي أبي جهل: إن كنت كاذبة الذي حدثتني *** فنجوت منجَى الحارث بن هشام ترك الأحبّة أن يقاتل دُونهم *** ونَجا برأس طمرّة ولجام <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى ناحِيَتِكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: عَلى تَمَكُّنِكم، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

وَقَوْلُهُ: ﴿ اعْمَلُوا ﴾ يُرِيدُ ما وعَدُوهُ مِن إهْلاكِهِ، قالَ ذَلِكَ ثِقَةً بِرَبِّهِ.

ثُمَّ قالَ جَوابًا لَهم فِيهِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ ﴿ إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَعْلَمُونَ الإجابَةَ.

الثّانِي: عامِلٌ في أمْرِ مَن يَأْتِي بِهَلاكِكم لِيُطَهِّرَ الأرْضَ مِنكم، وسَتَرَوْنَ حُلُولَ العَذابِ بِكم.

﴿ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ: الغَرَقُ.

وَفِي: ﴿ يُخْزِيهِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُذِلُّهُ.

الثّانِي: يَفْضَحُهُ.

﴿ وَمَن هو كاذِبٌ ﴾ فِيهِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ومَن هو كاذِبٌ يَخْزى بِعَذابِ اللَّهِ، فَحَذَفَهُ اكْتِفاءً بِفَحْوى الكَلامِ.

﴿ وارْتَقِبُوا ﴾ أيِ انْتَظِرُوا العَذابَ.

﴿ إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إنِّي مَعَكم شاهِدٌ.

الثّانِي: إنِّي مَعَكم كَفِيلٌ.

وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: إنِّي مُنْتَظِرٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ لا يجرمنكم شقاقي ﴾ لا يحملنكم فراقي.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ شقاقي ﴾ قال: عدواني.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك رضي الله عنه عن ابن عباس.

أن شعيباً قال لقومه: يا قوم اذكروا قوم نوح وعاد وثمود ﴿ وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ وكان قوم لوط أقربهم إلى شعيب، وكانوا أقربهم عهداً بالهلاك ﴿ واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ﴾ لمن تاب إليه من الذنب ﴿ ودود ﴾ يعني يحبه، ثم يقذف له المحبة في قلوب عباده.

فردوا عليه ﴿ قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ كان أعمى ﴿ ولولا رهطك ﴾ يعني عشيرتك التي أنت بينهم ﴿ لرجمناك ﴾ يعني لقتلناك ﴿ وما أنت علينا بعزيز ﴾ ﴿ قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله ﴾ قالوا: بل الله.

قال فاتخذتم الله وراءكم ﴿ ظهرياً ﴾ يعني تركتم أمره وكذبتم نبيه، غير أن علم ربي أحاط بكم، ﴿ إن ربي بما تعملون محيط ﴾ قال ابن عباس: وكان بعد الشرك أعظم ذنوبهم تطفيف المكيال والميزان، وبخس الناس أشياءهم مع ذنوب كثيرة كانوا يأتونها، فبدا شعيب فدعاهم إلى عبادة الله وكف الظلم وترك ما سوى ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن خلف بن حوشب قال: هلك قوم شعيب من شعيرة إلى شعيرة، كانوا يأخذون بالرزينة ويعطون بالخفيفة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي...

﴾ الآية.

قال: لا يحملنكم عدواتي على أن تتمادوا في الضلال والكفر فيصيبكم من العذاب ما أصابهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ قال: إنما كانوا حديثي عهد قريب بعد نوح وثمود.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن أبي ليلى الكندي رضي الله عنه قال: أشرف عثمان رضي الله عنه على الناس من داره وقد أحاطوا به فقال: ﴿ يا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ يا قوم لا تقتلوني، إنكم إن قتلتموني كنتم هكذا، وشبك بين أصابعه.

وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ قال: كان أعمى، وإنما عمي من بكائه من حب الله عز وجل.

وأخرج الواحدي وابن عساكر عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بكى شعيب عليه السلام من حب الله حتى عمي، فرد الله عليه بصره وأوحى الله إليه: يا شعيب ما هذا البكاء أشوقاً إلى الجنة أم خوفاً من النار؟

فقال: لا، ولكن اعتقدت حبك بقلبي، فإذا نظرت إليك فما أبالي ما الذي تصنع بي، فأوحى الله إليه: يا شعيب إن يكن ذلك حقاً فهنيأً لك لقائي يا شعيب، لذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي» .

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه والخطيب وابن عساكر من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ قال: كان ضرير البصر.

وأخرج أبو الشيخ عن سفيان في قوله: ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ قال: كان أعمى، وكان يقال له: خطيب الأنبياء عليهم السلام.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ قال: إنما أنت واحد.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولولا رهطك لرجمناك ﴾ قال: لولا أن نتقي قومك ورهطك لرجمناك.

وأخرج سعيد بن منصور عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: لو كان للوط مثل أصحاب شعيب لجاهد بهم قومه.

وأخرج أبو الشيخ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

أنه خطب فتلا هذه الآية في شعيب ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ قال: كان مكفوفاً، فنسبوه إلى الضعف ﴿ ولولا رهطك لرجمناك ﴾ قال علي: فوالله الذي لا إله غيره ما هابوا جلال ربهم، ما هابوا إلا العشيرة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ واتخذتموه وراءكم ظهرياً ﴾ قال: نبذتم أمره.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ واتخذتموه وراءكم ظهرياً ﴾ قال: قضاء قضى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ واتخذتموه وراءكم ظهرياً ﴾ يقول: لا تخافونه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي ﴿ واتخذتموه وراءكم ظهرياً ﴾ قال: جعلتموه خلف ظهوركم، فلم تطيعوه ولم تخافوه.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك ﴿ واتخذتموه وراءكم ظهرياً ﴾ قال: تهاونتم به.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه ﴿ واتخذتموه وراءكم ظهرياً ﴾ قال: الظهري الفضل مثل الجمال يحتاج معه إلى إبل ظهري فضل لا يحمل عليها شيئاً إلا أن يحتاج إليها، فيقول: إنما ربكم عندكم هكذا إن احتجتم إليه، فإن لم تحتاجوا فليس بشيء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ ﴾ ، قال الزجاج (١) وقوله تعالى: ﴿ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ ، يقال: بعِد يبعَد إذا بعد في الهلاك ولا تستعمل في الحي، وبعُد يبعُد ضد قرب وتستعمل في الحي، والمصدر فيهما جميعًا البُعْد، ويقال في مصدر بعد يبعد: بَعَدًا.

وقوله تعالى: ﴿ أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ دليل على أن (٢) (٣) يقولون لا تَبْعَدْ وهم يدفنونني ...

وأين مكان البُعْد إلا مكانيا قال ابن الأنباري (٤) (٥) (٦) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 76.

(٢) ساقط من (ب).

(٣) القائل هو مالك بن الريب.

انظر: "ديوانه" 93، "الخزانة" 1/ 319، "اللسان" (بعد) 1/ 310، "شرح شواهد المغني" 2/ 630.

(٤) "البحر المحيط" 6/ 204.

(٥) "زاد المسير" 4/ 153.

(٦) ساقط من (ي).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ ﴾ تهديد ومعنى مكانتكم تمكنكم في الدنيا وعزتكم فيها ﴿ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ﴾ عذاب الدنيا والآخرة ﴿ وارتقبوا ﴾ تهديد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني ﴾ بالفتح ﴿ أريكم ﴾ بالإمالة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو والبزي، وكذلك روى عن أهل مكة.

﴿ إني أخاف ﴾ ﴿ شقاقي أن ﴾ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ وصلواتك ﴾ كما مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ إن صلاتك سكن ﴾ {التوبة: 103] ﴿ توفيقي ﴾ بالفتح: أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ونافع ﴿ أرهطي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿ بعدت ثمود ﴾ بالإظهار: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى.

الوقوف: ﴿ شعيباً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ مفسدين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ج للابتداء بالنفي مع الواو ﴿ بحفيظ ﴾ ه ﴿ ما نشاء ﴾ ط ﴿ الرشيد ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ ما استطعت ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ صالح ﴾ ط ﴿ ببعيد ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ودود ﴾ ه ﴿ ضعيفاً ﴾ ج لأن "لولا" للابتداء مع الواو ﴿ لرجمناك ﴾ ز لحق النفي وكون الواو للحال أوجه ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والاخبار واتحاد المقصود وجه للوصل ﴿ ظهرياً ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه لا ﴿ كاذب ﴾ ط للفصل بين الخير والطلب ﴿ رقيب ﴾ ه ﴿ جاثمين ﴾ ه لا ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ثمود ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق الجار ﴿ فرعون ﴾ ج للنفي مع الواو للعطف أو للحال ﴿ برشيد ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ المورود ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ المرفود ﴾ ه ﴿ وحصيد ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ج ﴿ تتبيب ﴾ ه ﴿ ظالمة ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه.

التفسير: نقص المكيال يشمل معنيين: بأن ينقص في الإيفاء من القدر الواجب، ويزيد في الاستيفاء على القدر الواجب فيلزم في كلا الحالين نقصان حق الغير.

ثم علل النهي بقوله: ﴿ إني أراكم بخير ﴾ أي بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف، أو بنعمة من الله حقها أن تشكر لتزداد لا أن تكفر فتزال.

﴿ وإني أخاف عليكم ﴾ عن ابن عباس أنه فسر الخوف بالعلم.

وقال آخرون: إنه الظن الغالب لأنه كان يجوز ازدجارهم وانتهاءهم.

والعذاب المحيط المهلك المستأصل كأنه أحاط بهم بحيث لا ينفلت منهم أحد.

وزيادة اليوم لأجل المبالغة والإِسناد المجازي باعتبار ما هو واقع فيه واشتمل عليه ذلك اليوم.

قيل: هو عذاب الاستئصال في الدنيا.

وقيل: عذاب الآخرة والأظهر العموم.

قوله: ﴿ أوفوا المكيال ﴾ إلى قوله ﴿ أشياءهم ﴾ قد مر تفسير مثله في الأعراف.

وقوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ مضى تفسيره في أوائل البقرة، بقي في الآية سؤال وهو أنه  نهى أوّلاً عن النقص ثم أمر بالإيفاء فهل فيه فائدة سوى التأكيد والتقرير؟

والجواب بعد تسليم أن النهي عن الشيء أمر بضده، هو أن النهي عن النقص في المبايعة وإن كان يفيد تصريحة تعييراً وتوبيخاً لكنه يوهم النهي عن أصل المبايعة، فلدفع هذا الخيال أمر بإيفاء الكيل، ففيه إباحة أصل المبايعة، مع التصريح بالنعت المستحسن في العقول لزيادة الترغيب.

وفي أيضاً فائدة أخرى من قبل تقييد الإيفاء بالقسط ليعلم أن ما جاوز العدل ليس بواجب بل هو فضل ومروءَة لا تقف عند حد، وإنما الواجب شيء من الإيفاء بقدر ما يخرج عن العهدة بيقين كما أن غسل الوجه لا يحصل باليقين إلا عند غسل شيء من الرأس ﴿ بقية الله ﴾ قيل: ثواب الله.

وقيل: طاعته ورضاه كقوله: ﴿ والباقيات الصالحات خير  ﴾ وقيل: أي ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم ﴿ خير لكم ﴾ بشرط أن تؤمنوا لأن شيئاً من الأعمال لا ينفع مع الكفر إن كنتم مصدقين لي فيما أنصح لكم.

ولا ريب أن الأمانة تجر الرزق لاعتماد الناس وإقبالهم عليه فينفتح له أبواب المكاسب، والخيانة تجر الفقر لتنفر الناس عنه وعن معاملته وصحبته.

قالت المعتزلة.

في إضافة البقية إلى الله دليل على أن الحرام لا يسمى رزق الله.

وقرىء ﴿ تقية الله ﴾ بالتاء الفوقانية أي اتقاؤه الصارف عن المعاصي والقبائح ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ أحفظ أعمالكم لأجازيكم إنما أنا مبلغ ناصح وقد أعذر من أنذر.

قوله: ﴿ أصلاتك ﴾ قيل: أي دينك وإيمانك لأن الصلاة عماد الدين فعبر عن الشيء باسم معظم أركانه.

وقيل: المراد الأتباع لأنه أصل الصلاة ومنه المصلي للذي يتلو السابق والمعنى دينك أي أتباعه يأمرك بذلك.

والأظهر أن المراد به الأعمال المخصوصة يروى أن شعيباً  كان كثير الصلاة فكان قومه إذا رأوه يصلي تغمزوا وتضاحكوا فقصدوا بقولهم: ﴿ أصلاتك تأمرك ﴾ السخرية والهزء فكأن الصلاة التي يداوم عليها ليلاً ونهاراً هي من باب الجنون والوساوس.

ومعنى ﴿ تأمرك أن نترك ﴾ تأمرك بتكليف أن نترك على حذف المضاف لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره.

وقوله ﴿ أو أن نفعل ﴾ معطوف على ما في ما يعبد أي تأمرك صلاتك بترك ما عبد آباؤنا وبترك أن نفعل ﴿ في أموالنا ما نشاء ﴾ روي أنه كان ينهاهم عن قطع أطراف الدراهم كما كان يأمرهم بترك التطفيف والاقتناع بالحلال القليل من الحرام الكثير.

﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ قيل: إنه مجاز والمراد نسبته إلى غاية السفاهة والغواية فعكسوا تهكماً به.

وقيل: حقيقة وإنه كان معروفاً فيما بينهم بالحلم والرشد فكأنهم قالوا له: إنك المعروف بهذه السيرة فكيف تنهانا عن دين ألفناه وسيرة تعودناها.

ثم أشار  إلى ما آتاه الله من العلم والهداية والنبوة والكرامة والرزق الحلال الحاصل من غير بخس ولا تطفيف، وجواب الشرط محذوف اكتفي عنه بما ذكر في قصتي نوح وصالح، والمعنى أرأيتم إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي وقد آتاني بعد هذه السعادات الروحانية السعادات الدنيوية من الخيرات والمنافع الجليلة هل يسعني مع هذه الإكرامات أن أخون في وحيه ولا آمركم بترك الشرك وبفعل الطاعة والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟

﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه.

فالمعنى لا أجعل فعلي مخالفاً لقولي فلا أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها ﴿ إن أريد إلا الإصلاح ﴾ إلا أن أصلحكم بالموعظة.

والنصحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

﴿ ما استطعت ﴾ ما للمدة ظرفاً للإصلاح أي مدة استطاعتي لإصلاحكم، أو بدل من الإصلاح أي المقدار الذي استطعته منه، أو المضاف محذوف أي إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت، أو مفعولاً للإصلاح فقد يعمل المصدر المعرف كقوله: ضعيف النكاية أعداءه.

أي إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم.

ثم بين أن كل ما يأتي ويذر فوقوعه بتسهيل الله وتأييده فقال: ﴿ وما توفيقي إلا بالله ﴾ والتوفيق أن توافق إرادة العبد إرادة الله ﴿ عليه توكلت ﴾ أخصه بتفويض الأمور إليه لأنه مبدأ المبادىء ﴿ وإليه أنيب ﴾ لأنه المعاد الحقيقي وفي ضمنه تهديد وفي ضمنه تهديد للكفار وحسم لأطماعهم منه.

ثم أوعدهم بقوله ﴿ لا يجرمنكم شقاقي ﴾ لا يكسبنكم خلافي ﴿ إن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح ﴾ من الغرق ﴿ أو قوم هود ﴾ من الريح العقيم ﴿ أو قوم صالح ﴾ من الصيحة ﴿ وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ لم يقل "ببعيدة" حملاً على لفظ القوم لأنه مؤنث، ولا "ببعيدين" حملاً على معناه ولكنه على تقدير مضاف أي وما إهلاكهم ببعيد لأنهم أهلكوا في عهد قريب من عهدهم.

أو المراد وما هم بشيء بعيد أو بزمان أو مكان بعيد.

وجوزوا أن يسوّى في بعيد وقريب وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما.

﴿ إن ربي رحيم ودود ﴾ يجوز أن يكون بمعنى "فاعل" أو "مفعول" كقوله: ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ وهذا حث لهم على الاستغفار والتوبة، وتنبيه على أن سبق الكفر والمعصية لا ينبغي أن يمنعهم عن الإيمان والطاعة.

ولما بالغ خطيب الأنبياء في التقرير والبيان ﴿ قالوا يا شعيب ما نفقهُ كثيراً مما تقول ﴾ إما لقلة الرغبة أو قالوا تهكماً واستهانة كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول.

كأنهم جعلوا كلامه تخليطاً وهذياناً لا ينفعهم كثير منه.

وقيل: لأنه كان ألثغ ﴿ وإنا لنراك فينا ضعيفاً ﴾ عن الحسن: مهينا أي لا عزة لك فيما بيننا ولا قوة فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروهاً.

وفسر بعضهم الضعيف بالأعمى لأن العمى سبب الضعف، أو لأنه لغة حمير.

وزيف هذا القول أما عند من جوز العمى على الأنبياء فلأن لفظة ﴿ فينا ﴾ يأباه لأن الأعمى فيهم وفي غيرهم، وأما عند من لا يجوزه - كبعض المعتزلة - فلأن الأعمى لا يمكنه الاحتراز من النجاسات وأنه يخل بجواز كونه حاكماً وشاهداً، فلأن يمنع من النبوة كان أولى.

ثم ذكروا أنهم إنما لم يريدوا به المكروه ولم يوقعوا به الشر لأجل رهطه - والرهط من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى السبعة - والرجم شر القتل وهو الرمي بالحجارة، أو المراد الطرد والإبعاد ومنه الشيطان الرجيم.

ثم أكدوا المذكور بقولهم ﴿ وما أنت علينا بعزيز ﴾ وإنما العزيز علينا رهطك لا خوفاً من شوكتهم ولكن لأنهم من أهل ديننا، فالكلام واقع في فاعل العز لا في الفعل وهو العز ولذلك قال في جوابهم ﴿ أرهطي أعز عليكم من الله ﴾ ولو قيل وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب، وإنما لم يقل أعز عليكم مني إيذاناً بأن التهاون بنبي الله كالتهاون بالله كقوله: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله  ﴾ ﴿ واتخذتموه ﴾ أي أمر الله أو ما جئت به ﴿ وراءكم ظهرياً ﴾ منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب أي جعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر غير ملتفت إليه.

ثم وصف الله  بما يتضمن الوعيد في حقهم قال: ﴿ إن ربي بما تعملون محيط ﴾ .

ثم زاد في الوعيد والتهديد بقوله: ﴿ اعملوا على مكانتكم ﴾ وقد مر تفسير مثله في "الأنعام" قال في الكشاف: الاستئناف يعني في ﴿ سوف تعلمون ﴾ وصل خفي تقديري وإنه أقوى من الوصل بالفاء وهو باب في أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه.

ثم بالغ في التهديد بقوله: ﴿ وارتقبوا ﴾ انتظروا عاقبة الشقاق ﴿ إني معكم رقيب ﴾ راقب كالضريب بمعنى الضارب،أو مراقب كالعشير والنديم، أو مرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع.

وباقي القصة على قياس قصة صالح وأخذ الصيحة وأخذت الصحية كلتا العبارتين فصيحة لمكان الفاصل إلا أنه لما جاء في قصة شعيب مرة الرجفة ومرة الظلة ومرة الصيحة ازداد التأنيث حسناً بخلاف قصة صالح.

وإنما دعاه عليه بقوله: ﴿ كما بعدت ثمود ﴾ لما روى الكلبي عن ابن عباس قال: لم يعذب الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح.

فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وأما قوم شعيب فأخذتهم من فوقهم.

قوله  ﴿ بآياتنا وسلطان مبين ﴾ قال في التفسير الكبير: الآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات المفيدة للظن وبين الدلائل التي تفيد اليقين.

والسلطان اسم لما يفيد القطع وإن لم يتأكد بالحس، والسلطان المبين مخصوص بالدليل القاطع الذي يعضده الحس.

وقال في كشاف: يجوز أن يراد أن الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته، وأن يراد بالسلطان المبين العصا لأنها أبهرها، وقوله: ﴿ إلى فرعون ﴾ متعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ ﴿ فاتبعوا أمر فرعون ﴾ أي شأنه وطريقه أو أمره إياهم بالكفر والجحود وتكذيب موسى ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ أي ليس في أمره رشد إنما فيه غي وضلال، وفيه تعريض بأن الرشد والحق في أمر موسى.

ثم إن قومه عدلوا عن اتباعه الى اتباع من ليس في أمره رشد قط، فلا جرم كما كان فرعون قدوة لهم في الضلال فكذلك يقدمهم أي تقدمهم يوم القيامة إلى النار وهم على أثره، ويجوز أن يراد بالرشد الإِحماد وحسن العاقبة فيكون المعنى وما أمر فرعون بحميد العاقبة.

ثم فسره بأنه ﴿ يقدم قومه ﴾ أي كيف يرشد أمر من هذه عاقبته.

ويقال: قدمه وقدمه بالتخفيف والتشديد بمعنى تقدمه ومنه مقدمة الجيش ومثله أقدم ومنه مقدم العين.

وإنما قال ﴿ فأوردهم ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع.

والورد المورود الذي وردوه، شبّه فرعون بمن يتقدم الواردة إلى الماء، وشبه أتباعه بالواردة.

ثم نعى عليهم بقوله: ﴿ وبئس الورد ﴾ الذي يردونه النار لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده وتذكير ﴿ بئس ﴾ لتذكير الورد وإن كان هو عبارة عن النار كقولك: نعم المنزل دارك ولو قلت: نعمت جاز نظراً إلى الدار.

وفي تشبيه النار بالماء نوع تهكم بهم ﴿ وأتبعوا في هذه ﴾ حذف صفته في هذه الآية اكتفاء بما مر في قصة عاد.

و ﴿ بئس الرفد المرفود ﴾ أي بئس العطاء المعطى ذلك.

وقيل: الرفد العون والمرفود المعان وذلك أن اللعنة في الدنيا رفدت أي أعينت وأمدت باللعنة في الآخرة، قال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان لعنة من الله والملائكة واللاعنين في الدنيا ولعنة في الآخرة.

﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا أو ذلك النبأ بعض ﴿ أنباء القرى ﴾ المهلكة ﴿ نقصه عليك ﴾ خبر بعد خبر ثم استأنف فقال ﴿ منها قائم وحصيد ﴾ أي ومنها حصيد والمراد بعضها باقٍ كالزرع القائم، على ساقه وبعضها عافي الأثر كالزرع المحصود ﴿ وما ظلمناهم ﴾ بإهلاكنا إياهم ﴿ ولكن ظلموا أنفسهم ﴾ بارتكاب ما به أهلكوا.

عن ابن عباس: وما نقصناهم في الدنيا من النعيم والرزق ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله ﴿ فما أغنت ﴾ فما قدرت أن ترد ﴿ عنهم آلهتهم التي يدعون ﴾ يعبدون وهي حكاية حال ماضية بأس الله حين جاء ﴿ وما زادوهم ﴾ يعني آلهتهم ﴿ غير تتبيب ﴾ تخسير.

تب خسر وتببه غيره أوقعه في الخسران.

كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين في الدنيا على تحصيل المنافع ودفع المضار وستنفعهم عند الله في الآخرة فلم تنفعهم في الدنيا حين جاءهم عذاب الله وسيورثهم ذلك الاعتقاد عذاب النار في الآخرة فهم في خسران الدارين.

ثم بيَّن أن عذابه غير مقصور على أولئك الأقوام ولكنه يعم كل ظالم سيوجد فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك الأخذ ﴿ أخذ ربك ﴾ فالأخذ مبتدأ وذلك خبره وقوله ﴿ وهي ظالمة ﴾ حال من القرى باعتبار أهلها ﴿ إن أخذه أليم شديد ﴾ وجيع صعب على المأخوذ وهو تحذير من وخامة عاقبة كل ظلم على الغير أو على النفس فعلى العاقل أن يبادر إلى التوبة ولا يغتر بالإمهال.

التأويل: ﴿ ولا تنقصوا ﴾ مكيال المحبة وميزان الطلب، فمكيال المحبة عداوة ما سوى الله، وميزان الطلب السير على قدمي الشريعة والطريقة ﴿ إني أراكم بخير ﴾ هو حسن الاستعداد الفطري وإني أخاف عذاب فساد الاستعداد في طلب غير الحق ﴿ بالقسط ﴾ في تعظيم أمرالله والشفقة على خلق الله.

﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ حقوق النصيحة وحسن العشرة في الله ولله ﴿ ولا تعثوا ﴾ في أرض وجودكم ﴿ مفسدين ﴾ ﴿ بقية الله ﴾ بقاؤكم ببقائه ﴿ خير لكم ﴾ مما فاتكم بإيفاء المكيال والميزان.

﴿ رزقاً حسناً ﴾ نوراً تاماً أراني به إصلاح الأمور والاستعدادات إن ساعدني التوفيق ﴿ وما ﴾ معاملة ﴿ قوم لوط ﴾ من معاملتكم ﴿ ببعيد ﴾ لأن الكفر كله ملة واحدة.

﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ لأن فرعون النفس أمارة بالسوء.

﴿ إذا أخذ القرى ﴾ قرى الأجساد ﴿ منها قائم ﴾ قابل لتدارك ما فات.

ومنها ما هو محصود بفوات الاستعداد والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ ﴾ \[أي: إلى مدين أرسلنا\] ﴿ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ هذا قد ذكرنا فيما تقدم: أن كل نبي أول ما دعا قومه إنما دعا إلى توحيد الله، وجعل العبادة له.

وفي قوله: ﴿ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ﴾ وما ذكر في غيره من الأخوة دلالة على أن الرسل من قبل كانوا يبعثون من جنس قومهم لا من الملائكة حيث قال: ﴿ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ﴾ ، ومعلوم أنهم لم يكونوا إخوة لهم في الدين، وفيه أن المؤاخاة لا توجب فضيلة المؤاخى له؛ [لأنه ذكر أن الرسل] إخوة أولئك الأقوام، ومنهم كفرة، وذلك يرد قول الروافض في تفضيل عليّ على أبي بكر بالمؤاخاة التي كانت بين رسول الله وبين علي؛ والخلة توجب الفضيلة، وقد جاء عنه  [أنه قال]: "لو اتخذت سوى ربي خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ ، ذكر أنهم [كانوا] ينقصون المكيال والميزان، ولا يوفون الناس حقوقهم، فنهاهم عن ذلك، فهو - والله أعلم - لوجهين: أحدهما: أنهم إنما نهوا عن ذلك؛ لحق الربا؛ لأن النقصان إذا كان برضا من صاحبه يجوز؛ فدل أنه إنما نهاهم بحق الربا، وفيهما يجري الربا.

والثاني: فيه أن [هبة] المشتري للبائع، وتقلبه [فيه] قبل قبضه على قيام البيع فيما بينهما غير جائز؛ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾ قيل: [في سعة] من المال.

وقيل: في رخص من السعر، وإنما يحمل المرء على النقصان والظلم على آخر - عز الشيء وضيق [الحال]، فكيف تنقصون أنتم في حال السعة ورخص السعر.

أو يقول: ﴿ إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾ في غير هذا، فلا تظلموا الناس في هذا، و [لا] تمنعوا حقوقهم، ﴿ وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ﴾ ، أي: يوم يحيط بهم العذاب إن كانت الإحاطة مضافة إلى اليوم فهو محيط بالكل، وإن كانت الإحاطة مضافة إلى العذاب، فهو محيط بالكفرة خاصة، وهو - والله أعلم - أنه ما من جارحة من ظاهرة وباطنة إلا وقد يصيبها العذاب، ويحيط بها، ليس كعذاب الدنيا يأخذ جزءاً دون جزء، بل يحيط به، والنهي بتخصيص نقصان الكيل والميزان لا يدل على أن لم يكن فيهم من المآثم والإجرام سوى ذلك، لكنه خص هذا؛ لما كان الظاهر فيهم نقصان الكيل والوزن، فذكر ذلك، وهو ما خص قوم لوط بقوله: ﴿ أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ و ﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ...

﴾ الآية [العنكبوت: 28]، ذكر هذا وخصهم، ليس على أنهم لم يكونوا يأتون من الفواحش غيرها، لكن خص هذا؛ لأن الظاهر فيهم هذا؛ فعلى ذلك نقصان الكيل والميزان في قوم شعيب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ خص المكيال والميزان [والله أعلم] - لما كانوا يطففون المكيال وينقصون الميزان؛ رغبة فيهما، وفيهما يجري الربا، كما ذكرنا.

وقوله - عز وجل: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ ، فيه دلالة أن المشتري يملك المبيع قبل أن يقبضه؛ لأنه قال: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ أضاف إلى الناس أشياءهم، فلو كان لا يملك، لم يكن أشياء الناس، إنما كان [أشياء البائع]، فإنما نقص ماله.

[وقوله]: ﴿ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ ، وهو ما ذكر في موضع آخر: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ قال بعضهم: ما أبقى الله لكم من ثوابه في الآخرة خير لكم إن آمنتم به، وأطعتموه مما تجمعون من الأموال.

[و] قال بعضهم: ﴿ بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ أي: ما جعل الله لكم مما يحل خير لكم مما يحرم عليكم من نقصان الكيل والوزن، ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ بالحلال أو بالآخرة.

وقال بعضهم: طاعة الله - وهو ما يأمركم به، ويدعوكم إليه - خير لكم مما تفعلون.

وقال الحسن: رزق الله خير لكم من بخسكم الناس حقوقهم، لكن هذا يرجع إلى ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾ يحتمل: ما أنا عليكم بحفيظ، أي: لست أشهد بياعاتكم وأشريتكم حتى أعلم ببخسكم الناس المكيال والميزان، لكن إنما أعرف ذلك بالله، وفيه دلالة إثبات [رسالة محمد  ].

والثاني: ﴿ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾ أي: بمسلط عليكم، إنما أبلغ إليكم، كقوله: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾ قال بعض أهل التأويل: صلاتك، [أي]: قراءتك تأمرك هذا.

وقال ابن عباس: قالوا ذلك له؛ لأن شعيباً كان يكثر الصلاة، كأنه [يخرج] على الإضمار يقولون: أصلواتك تأمرك بأن تأمرنا بترك عبادة ما عبد آباؤنا.

وقوله: و ﴿ أَصَلَٰوتُكَ ﴾ يحتمل [أنها كانت صلوات] معروفة يفعلها، فيقولون: أصلواتك التي تفعلها تأمرك أن نترك كذا، أم صلاة واحدة تكثرها، فقالوا: ﴿ أَصَلَٰوتُكَ ﴾ ، وخصوا الصلاة من [بين] غيرها من الطاعات؛ لما لعلها كانت من أظهر طاعاته عندهم، فقالوا له هذا.

ثم يحتمل وجهين: [أحدهما: كأنهم] قالوا: ﴿ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ...

﴾ كذا على التسفيه له [والتجهيل] كمن يوبخ آخر [ويسفهه]، [فيقول له]: أعلمك يأمرك [بذلك]، أو إيمانك يأمرك بهذا، كقوله: ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ  ﴾ ، ونحوه من الكلام يخرج على [التسفيه له أو التجهيل].

والثاني: يقال ذلك على الإنكار، يقول الرجل لآخر: إيمانك يأمرك بذلك، أو علمك يأمرك بهذا، [أي: لا يأمرك بذلك]، فعلى ذلك يحتمل قول هؤلاء: ﴿ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾ \[أي: لا تأمرك بذلك\] هذا إذا كانت الصلاة التي ذكروها مرضية عندهم، فإن لم تكن مرضية، فالتأويل هو الأول.

وقوله - عز وجل -: [ ﴿ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ ﴾ ] الآية، حبب إليهم تقليد آبائهم في عبادة الأصنام واتباعهم إياهم والأموال التي كانت لهم، [فمنعهم هذا] عن النظر في الحجج والآيات؛ [لما] حبب إليهم ذلك، وهكذا جميع الكفرة إنما منعهم عن النظر في آيات الله و [التأمل في] حججه أحد هذه الوجوه التي ذكرنا: حب اللذات، ودوام الرياسات، والميل إلى الشهوات، ظنوا أنهم لو اتبعوا رسل الله وأجابوهم إلى ما دعوهم إليه - لذهب عنهم ذلك.

ثم قوله: ﴿ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾ يحتمل: قضاء جميع الشهوات.

ويحتمل: ما ذكر من نقصان المكيال والميزان، يقولون: أموالنا لنا ليس لأحد فيها حق، نفعل فيها ما نشاء.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَوْ أَن نَّفْعَلَ ﴾ : الألف صلة "وأن نفعل في أموالنا ما نشاء".

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ﴾ قال [بعضهم من] أهل التأويل: قالوا ذلك له؛ استهزاء به وسخرية، كنوا بالحليم عن السفيه، وبالرشيد [عن] الضال، أي: أنت السفيه [الضال]؛ حيث سفهت آباءنا في عبادتهم الأصنام، [الضال] حيث تركت ملتهم ومذهبهم.

وقال بعضهم: على النفي والإنكار، أي: ما أنت الحليم الرشيد.

ويشبه أن يكون على حقيقة الوصف له بالحلم والرشد؛ لأنهم لم يأخذوا عليه كذبا قط، ولا رأوه على خلاف و [لا على] سفاهة قط؛ فقالوا: ﴿ إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ﴾ ، أي: كنت هكذا؛ فكيف تركت ذلك، وهو ما قال قوم صالح لصالح حيث قالوا: ﴿ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي ﴾ أي: على [علم و] بيان وحجج وبرهان من ربي، على ما ذكرنا فيما تقدم، أي: تعلمون أني كنت على بيان من ربي وحجج، ﴿ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ﴾ : [يحتمل هذا منه مكان ما قال أولئك الأنبياء: ﴿ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ ﴾ أي: قال شعيب: ﴿ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ﴾ ] الدين والهدى، [و] النبوة على ما ذكر وأمكن أن يكون الرزق الحسن هو الأموال الحلال الطيبة التي لا تبعة عليه فيها فقال ذلك؛ وما رزق أولئك عليهم تبعة في ذلك؛ لأنهم اكتسبوها من وجه لا يحل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ من الناس من يقول: قال لهم ذلك بإزاء ما قالوا فيما ذكر في الأعراف: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا  ﴾ يقول: أأدعوكم إلى الإيمان بالله والتوحيد له، وأنهاكم عن الكفر به، ثم أرتكب ما أنهاكم عنه، وأترك ما أدعوكم إليه؟!

وقال قتادة: لم أكن لأنهاكم عن أمر [وأرتكبه]، وهو واحد ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ﴾ \[أي: ما أريد إلا الإصلاح لكم ما استطعت\]، وفيه دلالة [على] أن الاستطاعة تكون مع الفعل [لا غير]، أما أن يكون أراد: استطاعة الإرادة أو استطاعة الفعل، فكيفما كان، فقد أخبر أنه يريد لهم من الصلاح ما استطاع، فيه ما ذكرنا، وهو ينقض على المعتزلة مذهبهم؛ لأنهم يقولون: الاستطاعة تتقدم [على] الفعل، وهي لا تبقى وقتين؛ فيصير على قولهم إرادة الصلاح لهم [في غير زمن] الاستطاعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَوْفِيقِيۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ ﴾ ، قال بعضهم: التوفيق: هو صفة كل مطيع، والخذلان: هو صفة كل عاص.

وقال بعضهم: التوفيق: هو ما [يوفق بين فعله وقوله] في الطاعة، والخذلان ما يفرق بين قوله وفعله في المعصية.

وقال الحسين النجار: التوفيق: هو قدرة كل خير وطاعة، والخذلان: هو قدرة كل شر ومعصية.

وعندنا: التوفيق: هو أن يوفق بين عمل الخير والاستطاعة، والخذلان: هو أن يفرق بين عمل الخير والاستطاعة.

أو أن نقول: هو أن يوفق بين عمل الشر والاستطاعة، وهما واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ أي: عليه اعتمدت في جميع أمري، وإليه توكلت، ﴿ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ ، أي: أرجع.

أو يقول: إليه أقبل بالطاعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيۤ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ ﴾ \[بالغرق\] ﴿ أَوْ قَوْمَ هُودٍ ﴾ \[بالريح الصرصر\] ﴿ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ﴾ بالصيحة على ما ذكر.

قال بعضهم: ﴿ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ أي: لا يحملنكم ﴿ شِقَاقِيۤ ﴾ قيل: خلافي أن يصيبكم مثل ما أصاب أولئك.

وقال بعضهم قوله: [ ﴿ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ أي: لا يؤثمنكم ﴿ شِقَاقِيۤ ﴾ أي: عداوتي أن يصيبكم مثل ما أصاب أولئك.

وقيل:] ﴿ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ \[أي:\] لا يكسبنكم عداوتي.

وقال الحسن: ﴿ شِقَاقِيۤ ﴾ : ضراري.

لكن كله يرجع إلى معنى واحد؛ لأنه إذا ثبت العداوة، ثبت المخالفة والبغض والضرر، فكل ما ذكروا فهو واحد.

واصل الجرم: الإثم والذنب.

ثم يخرج إنذاره إياهم بمن هلك من الأمم على وجهين: أحدهما: أن قوم شعيب قوم لا يؤمنون بالبعث وبالقيامة، فأنذرهم بمن هلك من الأمم السالفة؛ لأنه لو كان ينذرهم بالبعث، لكان لا ينجح فيهم؛ لأنهم لا يؤمنون به.

والثاني: أنذرهم بأولئك؛ لأنهم كانوا يقلدون آباءهم في عبادة الأوثان، ويتبعونهم، فيقول: إنكم تقلدون آباءكم وتتبعونهم في عبادة الأوثان فاتبعوهم - أيضاً - فيما بلغوا إليكم من هلاك أولئك بعبادتهم الأوثان، وتكذيبهم الرسل، فإذا قلدتموهم في العبادة [فهلا] تقلدونهم وتتبعونهم فيما أصابهم بم أصابهم؟

أو يقول: [لهم]: إنكم تقلدون آباءكم الذين عبدوا الأوثان وقد هلكوا، فهلا تقلدون من لم يعبد منهم ونجا وقد [عرفتم أن] من هلك منهم [بم] هلك؟

ومن نجا منهم [بم] نجا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ ﴾ أي: إن نسيتم من مضى منهم، فلا تنسوا ما نزل بقوم لوط، وليسوا هم ببعيد منكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ﴾ أي: اطلبوا من ربكم المغفرة؛ أي: اطلبوا السبب الذي يقع لكم المغفرة من ربكم، وهو التوحيد ﴿ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ أي: ارجعوا إليه، ولا تعودوا إلى ما كنتم [من] قبل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ أي: ارجعوا إليه رجوعاً حتى لا تعودوا إلى مثل صنيكعم أبداً ﴿ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ﴾ يرحم من تاب إليه، والله يرحمه ﴿ وَدُودٌ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ودود: أي: حق أن يؤدّ؛ إذ منه كل شيء وكل إحسان، والناس جبلوا على حب من أحسن إليهم.

والثاني: ودود لمن توسل إليه وتقرب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ ﴾ قوله: ﴿ مَا نَفْقَهُ ﴾ يحتمل: ما نفهم وما نعقل كثيراً مما تقول؛ كأنهم يقولون ذلك على الاستهزاء والهزء به؛ كأنهم نسبوه إلى الجنون؛ يقولون: لا نفهم ما تقول؛ لأن كلامك كلام مجانين.

وهذه هي عادة القوم؛ كانوا ينسبون الرسل إلى الجنون.

ويحتمل: ما نفقه: ما نقبل كثيراً مما تقول، فإن كان على الفهم فهو كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ  ﴾ وهم كانوا فريقين: فريق كانوا يقولون: قلوبنا أوعية للعلم؛ كقولهم: ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ  ﴾ فإن كان ما تقول حقّاً نفهم ونعقل كما نعقل غيره، وفريق قالوا: ﴿ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ  ﴾ كانوا يعقلون أنهم لا يفهمون ولا يفقهون؛ لأن قلوبهم في أكنة وفي آذانهم وقر، والفريق الأول يقولون: إن قلوبنا أوعية للعلم، فلو كان حقّاً لعقلناه كما عقلنا غيره، فهؤلاء كانوا يصرفون العيب إلى الرسول، وأولئك إلى أنفسهم، فعلى ذلك قوم شعيب يحتمل أن يكون قولهم كذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً ﴾ يحتمل هذا وجهين: أحدهما: أي: إنك لست من كبرائنا وأجلتنا، إنما أنت من أوساطنا، وعلى ذلك الأنبياء إنما بعثوا من أوساط الناس، لا من كبرائهم في أمر الدنيا، فالقوي والعزيز عند أولئك القوم من عنده الدنيا والمال، وأما من لم يكن عنده المال فهو عندهم ضعيف ذليل؛ لأنهم لا يعرفون الدين، ولا يؤمنون بالآخرة، لذلك قالوا ما قالوا.

والثاني: لست أنت بذي قوة وبطش في نفسك، وقد ذكر أنه كان ضعيفاً في بصره ونفسه.

ويحتمل وصفهم بالضعف لهذين الوجهين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ ﴾ أي: قبيلتك.

وقيل: عشيرتك ﴿ لَرَجَمْنَاكَ ﴾ الرجم: يحتمل: القتل، ويحتمل: اللعن والشتم.

ثم يحتمل قوله: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ﴾ وجهين: أحدهما: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ ﴾ أي: لولا حرمة رهطك وإلا لرجمناك؛ كأنهم كانوا يحترمونه لموافقة رهطه إياهم في العبادة أعني عبادة الأوثان، وعلى ما هم عليه.

والثاني: لولا رهطك لرجمناك خوفاً منهم لما ذكر أنه كان كثير العشيرة، والقبيلة؛ كانوا يخافون عشيرته فلم يؤذوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾ أي: ما أنت من أجلتنا وكبرائنا، إنما أنت من أوساطنا أو ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾ أي: ما أنت من أجلتنا؛ لأن العزيز عندهم من كان عنده المال والدنيا، لا يعرفون [العز في غير] ذلك، ولم يكن عند شعيب الدنيا لذلك نسبوه إلى ما ذكر: أو أنت ذليل عندنا، لست بعزيز، فيكون صلة قوله: ﴿ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ هذا يخرج على وجهين: يحتمل يا قوم، أرهطي أعظم حقّاً عليكم من الله وأكثر حرمة حتى تركتم ما أوعدتموني من النقمة لحقهم وحرمتهم؟!

والثاني: قوله: ﴿ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم ﴾ أي: رهطي أشد خوفاً عليكم وأكثر نكاية من الله؛ لأنا قلنا في قوله: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ﴾ أنه يخرج على وجهين: أحدهما: الاحترام لرهطه لموافقتهم إياهم في جميع ما هم عليه، والمساعدة لهم.

والثاني: على الخوف والنكاية لقوتهم، وكثرتهم، وفضل بطشهم تركوا ما وعدوا له خوفاً من رهطه، فقال: خوفكم من رهطي أشد وأكثر عليكم من الخوف من الله، وقد بلغكم من نكاية الله ونقمته فيما حل بالأمم الماضية.

أو حرمة رهطي عندكم وحقهم أعظم من حق الله وحرمته، وقد تعلمون إحسانه إليكم وإنعامه عليكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً ﴾ قال بعضهم: [قوله]: ﴿ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً ﴾ أي: حملتموه على ظهركم وحملهم إياه على ظهرهم إسخاطهم إياه، قال: تقول: العرب: فلان حمل الناس على ظهره: أي: أسخطهم على نفسه.

ولكن لا ندري أيقال هذا أم لا.

فإن قيل هذا فهو يحتمل ما قال، وهو قول أبي بكر الأصم.

وقال غيره من أهل التأويل: قوله: ﴿ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً ﴾ أي: نبذتم الله وراء ظهركم، أي: نبذتم حق الله وأمره وكتابه الذي أنزله إليكم وراء ظهركم، لا تعملون به، ولا تكترثون إليه، هو كالمنبوذ وراء ظهركم؛ هذا على التمثيل أي: جعلوا أمر الله ودينه الذي دعوا إليه كالمنبوذ وراء ظهرهم، لا يعملون به ولا ينظرون إليه، ولا يكترثون وهو ما ذكر في قوله: ﴿ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ  ﴾ وقوله: ﴿ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ  ﴾ على التمثيل، أي: الذي أنتم عليه في القبح كالانقلاب على الأعقاب ﴿ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ هذا يخرج على وجهين - أيضاً -: أي: إن ربي بما تعملون من الأعمال الخبيثة محيط فيجزيكم بها، أو يقول: إن ربي بما تعملون من الكيد برسول الله والمكر به محيط فينصره عليكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَٰمِلٌ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أن كونوا على دينكم الذي أنتم عليه، وأنا أكون على ديني؛ كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ لأن قوم شعيب قالوا لشعيب: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا  ﴾ فقال لهم [هذا] عند ذلك، وهذا إنما يقال عند الإياس عن إيمانهم، كقوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ  ﴾ وأمثاله.

والثاني: قوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَٰمِلٌ ﴾ أي اعملوا في كيدي، والمكر في هلاكي، إني عامل ذلك بكم، وهو كما قال غيره من الرسل: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ  ﴾ وقوله: ﴿ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ في العاقبة وعيد من يأتيه عذاب يخزيه، أو سوف تعلمون في العاقبة من يأتيه منا عذاب يخزيه نحن أو أنتم ومن هو كاذب، وتعلمون - [أيضاً - في العاقبة] من الكاذب منا نحن أو أنتم؛ لأن كل واحد من الفريقين يدعي على الفريق الآخر الكذب والافتراء على الله، فيقول: سوف تعلمون في العاقبة [من] الكاذب منَّا والمفتري على الله، والصادق عليه ﴿ وَٱرْتَقِبُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴾ أي: ارتقبوا هلاكي، وأنا أرتقب هلاككم، أو ارتقبوا لمن العاقبة منا لنا أو لكم إني معكم رقيب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ هذا قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ ﴾ قيل: الصيحة صيحة جبريل؛ أي: هلكوا بصيحته.

وقال بعضهم: الصيحة: اسم كل عذاب، وكذلك الرجفة؛ سمي العذاب بأسماء مختلفة: مرة صاعقة ، ومرة صيحة، ومرة رجفة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ هذا - أيضاً - قد ذكرناه فيما تقدم.

قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ ﴾ في الهلاك ﴿ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ : كما أهلكت ثمود؛ لأن كل واحد منهما هلك بالصيحة فمن ثم اختص ذكر ثمود من بين الأمم.

وعن ابن عباس -  -: لم يعذب بعذاب واحد إلا قوم شعيب وصالح؛ فأمّا قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب من فوقهم.

قال: فنشأت لهم سحابة فيها عذابهم، فلم يعلموا كهيئة الظلة فيها ريح، فلما رأوها أتوها يستظلون تحتها من حر الشمس، فسال عليهم العذاب من فوقهم، فذلك قوله: ﴿ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ ﴾ من رحمة الله ﴿ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ من رحمته.

ويحتمل الهلاك الذي ذكرناه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

كأن لم يقيموا فيها من قبل، ألا طُردت مدين من رحمة الله بحلول نقمته عليهم، كما طردت منها ثمود بإنزال سخطه عليهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.O6d4W"

مزيد من التفاسير لسورة هود

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله