الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ١ من سورة يوسف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 67 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
تفسير سورة يوسف [ وهي مكية ] روى الثعلبي وغيره ، من طريق سلام بن سليم - ويقال : سليم - المدائني ، وهو متروك ، عن هارون بن كثير - وقد نص على جهالته أبو حاتم - عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن أبي أمامة ، عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " علموا أرقاءكم سورة يوسف ، فإنه أيما مسلم تلاها ، أو علمها أهله ، أو ما ملكت يمينه ، هون الله عليه سكرات الموت ، وأعطاه من القوة ألا يحسد مسلما " .
وهذا من هذا الوجه لا يصح ، لضعف إسناده بالكلية .
وقد ساقه له الحافظ ابن عساكر متابعا من طريق القاسم بن الحكم ، عن هارون بن كثير ، به ، ومن طريق شبابة ، عن مخلد بن عبد الواحد البصري عن علي بن زيد بن جدعان ، وعن عطاء بن أبي ميمونة ، عن زر بن حبيش ، عن أبي بن كعب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر نحوه وهو منكر من سائر طرقه .
وروى البيهقي في " الدلائل " أن طائفة من اليهود حين سمعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتلو هذه السورة أسلموا لموافقتها ما عندهم .
وهو من رواية الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس .
أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة " البقرة " .
وقوله : ( تلك آيات الكتاب ) أي : هذه آيات الكتاب ، وهو القرآن ، ( المبين ) أي : الواضح الجلي ، الذي يفصح عن الأشياء المبهمة ويفسرها ويبينها .
القول في تأويل قوله تعالى : الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) قال أبو جعفر محمد بن جرير: قد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في تأويل قوله: (الر تلك آيات الكتاب)، والقول الذي نختاره في تأويل ذلك فيما مضى، بما أغنى عن إعادته ههنا.
(16) * * * وأما قوله: (تلك آيات الكتاب المبين) فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.
فقال بعضهم: معناه: (تلك آيات الكتاب المبين): بَيَّن حلاله وحرامه ، ورشده وهُداه .
ذكر من قال ذلك: 18768 حدثني سعيد بن عمرو السكوني ، قال: حدثنا الوليد بن سلمة الفلسطيني ، قال: أخبرني عبد الوهاب بن مجاهد ، عن أبيه ، في قول الله تعالى: (الر تلك آيات الكتاب المبين) ، قال: بيَّن حلاله وحرامه.
(17) 18769 حدثنا بشر ، قال، حدثنا يزيد ، قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: (الر تلك آيات الكتاب المبين) ، إي والله، لمبينٌ، بيَّن الله هداه ورشده.
(18) 18770 حدثنا الحسن بن يحيى ، قال: أخبرنا عبد الرزاق ، قال: أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله: (الر تلك آيات الكتاب المبين) ، قال: بين الله رشده وهداه.
* * * وقال آخرون في ذلك ما: 18771 حدثني سعيد بن عمرو السكوني ، قال: حدثنا الوليد بن سلمة ، قال: حدثنا ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان ، عن معاذ أنه قال في قول الله عز وجل: (الكتاب المبين) قال بيَّن الحروف التي سقطت عن ألسن الأعاجم وهي ستة أحرف.
(19) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: معناه: هذه آيات الكتاب المبين ، لمن تلاه وتدبَّر ما فيه من حلاله وحرامه ونهيه وسائر ما حواه من صنوف معانيه ; لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه " مبين " ، ولم يخصَّ إبانته عن بعض ما فيه دون جميعه ، فذلك على جميعه ، إذ كان جميعه مبينًا عمَّا فيه .
---------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير " الأمة " فيما سلف ص : 353 تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
(2) الأثر : 18716 - " الحسن بن واصل " ، لم أجد له ذكرًا ، وأخشى أن يكون فيه تحريف .
وأن يكون صوابه : " الحسن ، عن واصل " ، وكأنه يعني : " واصل بن عبد الرحمن " " أبا حرة " ، وهو يروي عن الحسن ، مضى برقم : 6385 ، 11496 ، 12616 .
(3) انظر تفسير " الجن " فيما سلف 1 : 502 - 508 .
(4) انظر تفسير " القصص " فيما سلف ص : 470 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(5) انظر تفسير " النبأ " فيما سلف من فهارس اللغة ( نبأ ) .
(6) انظر تفسير " التثبيت " فيما سلف 5 : 354 ، 531 / 7 : 272 ، 237 / 8 : 529 / 13 : 427 .
(7) انظر ما سلف في حكم " كل " 6 : 210 ، ثم تفسير " كل " فيما سلف ص : 212 ، وفهارس اللغة مادة ( كلل ) .
(8) الزيادة بين القوسين ، أرجو أن تكون هي الصواب .
(9) انظر تفسير " الموعظة " فيما سلف ص : 104 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(10) انظر تفسير " المكانة " فيما سلف ص : 463 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(11) انظر تفسير " الغيب " فيما سلف 14 : 381 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(12) انظر تفسير " التوكل " فيما سلف ص : 168 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(13) انظر تفسير " الغفلة " فيما سلف ص : 198 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(14) الأثر : 18767 - مضى الخبر بتمامه فيما سلف برقم : 13043 ، ومن طريق أخرى بمثله ، رقم : 13042 .
(15) في المخطوطة بعد هذا ، ما نصه : " يتلوه تفسير السورة التي يذكر فيها يوسف وهو آخر المجلَّد الثاني عشر الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم " .
(16) انظر ما سلف ص : 9 - 12 .
(17) الأثر : 18768 -" الوليد بن سلمة الفلسطيني الأردني" قاضي الأردن ، كذاب ، يضع الأحاديث على الثقات .
مترجم في ابن أبي حاتم 4 / 2 / 6 ، وميزان الاعتدال 3 : 271 ، ولسان الميزان 6 : 222 .
و" عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر" ، ضعيف جدًا ، وقال سفيان : كذاب ، قال أحمد :" لم يسمع من أبيه ، ليس بشيء" .
مضى برقم : 636 .
(18) في المطبوعة :" تركيبه" ، وفي المخطوطة :" برليه" واستظهرت الصواب من الذي يليه .
(19) الأثر : 18771 -" الوليد بن سلمة الفلسطيني" ، كذاب ، سلف برقم : 18768 .
" وثور بن يزيد الكلاعي" ، ثقة صحيح الحديث ، مضى برقم : 3196 .
" وخالد بن معدان بن أبي كريب الكلاعي" ، تابعي ثقة ، روى له الجماعة مضى برقم : 2070 ، 9224.
وهذا خبر آفته الوليد بن سلمة .
سورة يوسف عليه السلام وهي مكية كلها .
وقال ابن عباس وقتادة : إلا أربع آيات منها .
وروي أن اليهود سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قصة يوسف فنزلت السورة ; وسيأتي .
وقال سعد بن أبي وقاص : أنزل القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلاه عليهم زمانا فقالوا : لو قصصت علينا ; فنزل : نحن نقص عليك فتلاه عليهم زمانا فقالوا : لو حدثتنا ; فأنزل : الله نزل أحسن الحديث .
قال العلماء : وذكر الله أقاصيص الأنبياء في القرآن وكررها بمعنى واحد في وجوه مختلفة ، بألفاظ متباينة على درجات البلاغة ، وقد ذكر قصة يوسف ولم يكررها ، فلم يقدر مخالف على معارضة ما تكرر ، ولا على معارضة غير المتكرر ، والإعجاز لمن تأمل .بسم الله الرحمن الرحيمالر تلك آيات الكتاب المبينقوله تعالى : " الر " تقدم القول فيه ; والتقدير هنا : تلك آيات الكتاب ، على الابتداء والخبر .
وقيل : الر اسم السورة ; أي هذه السورة المسماة " الر "تلك آيات الكتاب المبين يعني بالكتاب المبين القرآن المبين ; أي المبين حلاله وحرامه وحدوده وأحكامه وهداه وبركته .
وقيل : أي هذه تلك الآيات التي كنتم توعدون بها في التوراة .
يخبر تعالى أن آيات القرآن هي { آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ْ} أي: البين الواضحة ألفاظه ومعانيه.
( سورة يوسف عليه السلام مكية ) ( الر تلك آيات الكتاب المبين ) أي : البين حلاله وحرامه ، وحدوده وأحكامه .
قال قتادة : مبين - والله - بركته وهداه ورشده ، فهذا من بان أي : ظهر .
وقال الزجاج : مبين الحق من الباطل ، والحلال من الحرام ، فهذا من أبان بمعنى أظهر .
«الر» الله أعلم بمراده بذلك «تلك» هذه الآيات «آيات الكتاب» القرآن والإضافة بمعنى من «المبين» المظهر للحق من الباطل.
(الر) سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.
افتتحت سورة يوسف - عليه السلام - ببعض الحروف المقطعة .
وقد سبق أن تكلمنا عن آراء العلماء فى هذه الحروف فى سورة البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ، ويونس ، وهود .وقلنا ما ملخصه : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض السور على سبيل الايقاظ والتنبيه إلى إعجاز القرآن الكريم .فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله - تعالى - : هاكم ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الجهائية التى تنظمون منها حروفكم .
.
فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك .ومما يشهد لصحة هذا الرأى : أن الآيات التى تلى هذه الحروف المقطعة تراها تتحدث - صراحة أو ضمنا - عن القرآن الكريم وعن كونه من عند الله - تعالى - وعن كونه معجزة للرسول - صلى الله عليه وسلم - ففى مطلع سورة البقرة : ( الاما .
ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ .
.
.
) وفى مطلع سورة آل عمران : ( الاما .
الله لا إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم .
نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل .
.
) وفى أول سورة يونس : ( الار تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم .
أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس وَبَشِّرِ الذين آمنوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ .
.
.
) وفى أول سورة هود : ( الار كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ .
.
.
) وهكذا نجد أن معظم الآيات التى تلى الحروف المقطعة ، منها ما يتحدث عن أن هذا الكتاب من عند الله - سبحانه - ومنها ما يتحدث عن وحدانية الله - تعالى - ، ومنها ما يتحدث عن صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى دعوته .
.وهذا كله لتنبيه الغافلين إلى أن هذا القرآن من عند الله ، وأنه المعجزة الخالدة للرسول - صلى الله عليه وسلم - .ثم قال - تعالى - : ( تِلْكَ آيَاتُ الكتاب المبين )و " تلك " اسم إشارة ، المشار إليه الآيات ، والمراد بها آيات القرآن الكريم ويندرجح فيها آيات السورة التى معنا .والكتاب : مصدر كتب كالكتب .
وأصل الكتب ضم أديم إلى آخر بالخياطة .
واستعمل عرفا فى ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط ، والمراد به القرآن الكريم .والمبين : أى الواضح الظاهر من أبان بمعنى بان أى ظهر .والمعنى : تلك الآيات التى نتلوها عليك - أيها الرسول الكريم - فى هذه السورة اوفى غيرها ، هى آيات الكتاب الظاهر أمره ، الواضح إعجازه ، بحيث لا تشتبه على العقلاء حقائقه ، ولا تلتبس عليهم هداياته .وصحت الإِشارة إلى آيات الكتاب الكريم ، مع أنها لم تكن قد نزلت جميعها ، لأن الإِشارة إلى بعضها كالإِشارة إلى جميعها ، حيث كانت بصدد الإِنزال ، ولأن الله - تعالى - قد وعد رسوله - صلى الله عليه وسلم - بنزول القرآن عليه ، كما فى قوله ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ) ووعد الله - تعالى - لا يتخلف .
وقد ذكرنا في أول سورة يونس تفسير: ﴿ الر تِلْكَ ءايات الكتاب الحكيم ﴾ فقوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى آيات هذه السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة المسماة ﴿ الر ﴾ هي ﴿ الكتاب المبين إِنَّا ﴾ وهو القرآن، وإنما وصف القررن بكونه مبيناً لوجوه: الأول: أن القرآن معجزة قاهرة وآية بينة لمحمد صلى الله عليه وسلم.
والثاني: أنه بين فيه الهدى والرشد، والحلال والحرام، ولما بينت هذه الأشياء فيه كان الكتاب مبيناً لهذه الأشياء.
الثالث: أنه بينت فيه قصص الأولين وشرحت فيه أحوال المتقدمين.
ثم قال: ﴿ إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين، سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر، وعن كيفية قصة يوسف، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وذكر فيها أنه تعالى عبر عن هذه القصة بألفاظ عربية، ليتمكنوا من فهمها ويقدروا على تحصيل المعرفة بها.
والتقدير: إنا أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف في حال كونه قرآناً عربياً، وسمى بعض القرآن قرآناً، لأن القرآن اسم جنس يقع على الكل والبعض.
المسألة الثانية: احتج الجبائي بهذه الآية على كون القرآن مخلوقاً من ثلاثة أوجه: الأول: أن قوله: ﴿ إنا أنزلناه ﴾ يدل عليه، فإن القديم لا يجوز تنزيله وإنزاله وتحويله من حال إلى حال.
الثاني: أنه تعالى وصفه بكونه عربياً والقديم لا يكون عربياً ولا فارسياً.
الثالث: أنه لما قال: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْانًا عَرَبِيّا ﴾ دل على أنه تعالى كان قادراً على أن ينزله لا عربياً، وذلك يدل على حدوثه.
الرابع: أن قوله: ﴿ تِلْكَ ءايات الكتاب ﴾ يدل على أنه مركب من الآيات والكلمات، وكل ما كان مركباً كان محدثاً.
والجواب عن هذه الوجوه بأسرها أن نقول: إنها تدل على أن المركب من الحروف والكلمات والألفاظ والعبارات محدث وذلك لا نزاع فيه، إنما الذي ندعي قدمه شيء آخر فسقط هذا الاستدلال.
المسأل الثالثة: احتج الجبائي بقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ فقال: كلمة لعل يجب حملها على الجزم والتقدير: إنا أنزلناه قرآناً عربياً لتعقلوا معانيه في أمر الدين، إذ لا يجوز أن يراد بلعلكم تعقلون؟
الشك لأنه على الله محال، فثبت أن المراد أنه أنزله لإرادة أن يعرفوا دلائله، وذلك يدل على أنه تعالى أراد من كل العباد أن يعقلوا توحيده وأمر دينه، من عرف منهم، ومن لم يعرف، بخلاف قول المجبرة.
والجواب: هب أن الأمر ما ذكرتم إلا أنه يدل على أنه تعالى أنزل هذه السورة، وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة ولكن لم قلتم إنها تدل على أنه تعالى أراد من الكل الإيمان والعمل الصالح.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى آيات السورة.
و ﴿ الكتاب المبين ﴾ السورة، أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم.
أو التي تبين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر.
أو الواضحة التي لا تشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم.
أو قد أبين فيها ما سألت عنه اليهود من قصة يوسف.
فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر؟
وعن قصة يوسف ﴿ أنزلناه ﴾ أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف في حال كونه ﴿ قُرْءاناً عَرَبِيّاً ﴾ وسمى بعض القرآن قرآناً، لأنّ القرآن اسم جنس يقع على كله وبعضه ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم ﴿ وَلَوْ جعلناه قُرْءاناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصّلَتْ ءاياته ﴾ [فصلت: 44] .
﴿ القصص ﴾ على وجهين: يكون مصدراً بمعنى الاقتصاص، تقول: قصّ الحديث يقصه قصصاً، كقولك: شله يشله شللاً، إذا طرده.
ويكون (فعلا) بمعنى (مفعول) كالنفض والحسب.
ونحوه النبأ والخبر: في معنى المنبأ به والمخبر به.
ويجوز أن يكون من تسمية المفعول بالمصدر، كالخلق والصيد.
وإن أريد المصدر، فمعناه: نحن نقص عليك أحسن القصص ﴿ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هذا القرءان ﴾ أي بإيحائنا إليك هذه السورة، على أن يكون أحسن منصوباً نصب المصدر، لإضافته إليه، ويكون المقصوص محذوفاً؛ لأنّ قوله: ﴿ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هذا القرءان ﴾ مغن عنه.
ويجوز أن ينتصب هذا القرآن بنقصّ، كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إليك.
والمراد بأحسن الاقتصاص: أنه اقتصّ على أبدع طريقة وأعجب أسلوب.
ألا ترى أنّ هذا الحديث مقتص في كتب الأولين وفي كتب التواريخ، وألا ترى اقتصاصه في كتاب منها مقارباً لاقتصاصه في القرآن.
وإن أريد بالقصص المقصوص.
فمعناه: نحن نقص عليك أحسن ما يقص من الأحاديث، وإنما كان أحسنه لما يتضمن من العبر والنكت والحكم والعجائب التي ليست في غيرها والظاهر أنه أحسن ما يقتص في بابه، كما يقال في الرجل: هو أعلم الناس وأفضلهم، يراد في فنه.
فإن قلت: ممّ اشتقاق القصص؟
قلت: من قصّ أثره إذا اتبعه، لأنّ الذي يقصّ الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً، كما يقال: تلا القرآن، إذا قرأه، لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية ﴿ وَإِن كُنتُ ﴾ إن مخففة من الثقيلة.
واللام هي التي تفرق بينها وبين النافية.
والضمير في ﴿ قَبْلِهِ ﴾ راجع إلى قوله: ما أوحينا والمعنى: وإنّ الشأن والحديث كنت من قبل إيحائنا إليك من الغافلين عنه، أي: من الجاهلين به، ما كان لك فيه علم قط ولا طرق سمعك طرف منه.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ يُوسُفَ مَكِّيَّةٌ وآيُها مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ تِلْكَ إشارَةٌ إلى آياتِ السُّورَةِ وهي المُرادُ بِـ ﴿ الكِتابِ ﴾ ، أيْ تِلْكَ الآياتُ آياتُ السُّورَةِ الظّاهِرِ أمْرُها في الإعْجازِ أوِ الواضِحَةِ مَعانِيها، أوِ المُبِينَةِ لِمَن تَدَبَّرَها أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوْ لِلْيَهُودِ ما سَألُوا إذْ رُوِيَ أنَّ عُلَماءَهم قالُوا لِكُبَراءِ المُشْرِكِينَ سَلُوا مُحَمَّدًا لِمَ انْتَقَلَ آلُ يَعْقُوبَ مِنَ الشّامِ إلى مِصْرَ وعَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَزَلَتْ: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ ﴾ أيِ الكِتابَ.
﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ سَمّى البَعْضَ قُرْآنًا لِأنَّهُ في الأصْلِ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الكُلِّ والبَعْضِ وصارَ عَلَمًا لِلْكُلِّ بِالغَلَبَةِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ وهو في نَفْسِهِ إمّا تَوْطِئَةٌ لِلْحالِ الَّتِي هي ﴿ عَرَبِيًّا ﴾ أوْ حالٌ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، و ﴿ عَرَبِيًّا ﴾ صِفَةٌ لَهُ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أوْ حالٌ بَعْدَ حالٍ وفي كُلِّ ذَلِكَ خِلافٌ.
﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ عِلَّةٌ لِإنْزالِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أيْ أنْزَلْناهُ مَجْمُوعًا أوْ مَقْرُوءًا بِلُغَتِكم كَيْ تَفْهَمُوهُ وتُحِيطُوا بِمَعانِيهِ، أوْ تَسْتَعْمِلُوا فِيهِ عُقُولَكم فَتَعْلَمُوا أنَّ اقْتِصاصَهُ كَذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَتَعَلَّمِ القَصَصَ مُعْجِزٌ لا يُتَصَوَّرُ إلّا بِالإيحاءِ.
<div class="verse-tafsir"
{الر تلك آيات الكتاب المبين} تلك اشاة ر إلى آيات هذه الصورة والكتاب المبين السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب أو التي تبين لمن تدبَّرها أنها من عند الله لا من عند البشر أو الواضحة التي لا تشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم أو قد أبيِّن فيها ما سألت عنه اليهود من قصة يوسف عليه السلام فقد رُوي أن علماء اليهود قالوا للمشريكن سلوا محمد لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف عليه السلام
(سُورَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ - 12) مَكِّيَّةٌ كُلُّها عَلى المُعْتَمَدِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن أوَّلِها، واسْتَثْنى بَعْضُهم رابِعَةً، وهي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ واهٍ جِدًّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وما اعْتَمَدْناهُ كَغَيْرِنا هو الثّابِتُ عَنِ الحَبْرِ، وقَدْ أخْرَجَهُ النَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْهُ، وأخْرَجَهُ الأخِيرُ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ رِفاعَةَ بْنِ رافِعٍ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ يُحْكى فِيهِ قُدُومُ رافِعٍ مَكَّةَ وإسْلامُهُ وتَعْلِيمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاهُ هَذِهِ السُّورَةَ و(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) وآياتُها مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِالإجْماعِ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الدّانِي وغَيْرِهِ، وسَبَبُ نُزُولِها عَلى ما رُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ «أنَّهُ أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَتَلاهُ عَلى أصْحابِهِ زَمانًا فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنا فَنَزَلَتْ،» وقِيلَ: هو تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا يَفْعَلُهُ بِهِ قَوْمُهُ بِما فَعَلَتْ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ، وقِيلَ: إنَّ اليَهُودَ سَألُوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُحَدِّثَهم بِأمْرِ يَعْقُوبَ ووَلَدِهِ وشَأْنِ يُوسُفَ وما انْتَهى إلَيْهِ فَنَزَلَتْ، وقِيلَ: إنَّ كُفّارَ مَكَّةَ أمَرَتْهُمُ اليَهُودُ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي أحَلَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِمِصْرَ فَسَألُوهُ فَنَزَلَتْ؛ ويُبْعِدُ القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ فِيما زَعَمُوا ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ حَبْرًا مِنَ اليَهُودِ دَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَوافَقَهُ وهو يَقْرَأُ سُورَةَ يُوسُفَ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ مَن عَلَّمَكَها؟
قالَ: اللَّهُ عَلَّمَنِيها فَعَجِبَ الحَبْرُ لِما سَمِعَ مِنهُ فَرَجَعَ إلى اليَهُودِ فَقالَ لَهُمْ: واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَيَقْرَأُ القُرْآنَ كَما أُنْزِلَ في التَّوْراةِ، فانْطَلَقَ بِنَفَرٍ مِنهم حَتّى دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ ونَظَرُوا إلى خاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَجَعَلُوا يَسْتَمِعُونَ إلى قِراءَةِ سُورَةِ يُوسُفَ فَتَعَجَّبُوا وأسْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ،» وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ الخَبَرِ ما فِيهِ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِلَّتِي قَبْلَها اشْتِمالُها عَلى شَرْحِ ما قاساهُ بَعْضُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الأقارِبِ، وفي الأوْلى ذِكْرُ ما لَقَوْا مِنَ الأجانِبِ، وأيْضًا قَدْ وقَعَ فِيما قَبْلُ ﴿ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ ﴾ ووَقَعَ هُنا حالُ يَعْقُوبَ مَعَ أوْلادِهِ وما صارَتْ إلَيْهِ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ مِمّا هو أقْوى شاهِدٍ عَلى الرَّحْمَةِ، وقَدْ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّ يُونُسَ نَزَلَتْ، ثُمَّ هُودٌ ثُمَّ يُوسُفَ، وعُدَّ هَذا وجْهًا آخَرَ مِن وُجُوهِ المُناسَبَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿ الر ﴾ الكَلامُ فِيهِ وفي نَظائِرِهِ شَهِيرٌ وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ مِنهُ ما فِيهِ إقْناعٌ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ ﴾ إلَيْهِ في قَوْلٍ، وإلى ( آياتِ ) هَذِهِ السُّورَةِ في آخَرَ، وأُشِيرَ إلَيْها مَعَ أنَّها لَمْ تُذْكَرْ بَعْدُ لِتَنْزِيلِها لِكَوْنِها مُتَرَقَّبَةً مَنزِلَةَ المُتَقَدِّمِ أوْ لِجَعْلِ حُضُورِها في الذِّهْنِ بِمَنزِلَةِ الوُجُودِ الخارِجِيِّ والإشارَةُ بِما يُشارُ بِهِ لِلْبَعِيدِ، أمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ ما أُشِيرَ إلَيْهِ لِما لَمْ يَكُنْ مَحْسُوسًا نَزَلَ مَنزِلَةَ البَعِيدِ لِبُعْدِهِ عَنْ حَيِّزِ الإشارَةِ أوِ العَظَمَةِ وبُعْدِ مَرْتَبَتِهِ وعَلى غَيْرِهِ لِذَلِكَ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا وصَلَ مِنَ المُرْسِلِ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ صارَ كالمُتَباعِدِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الإشارَةَ إلى ما في اللَّوْحِ وهو بَعِيدٌ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ كَوْنُ الإشارَةِ إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أوِ الآياتِ الَّتِي ذُكِرَتْ في سُورَةِ هُودٍ؛ والمُرادُ بِالكِتابِ إمّا هَذِهِ السُّورَةُ أوِ القُرْآنُ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ في يُونُسَ ما يُؤْنِسُكَ تَذَكُّرُهُ هُنا فَتَذَكَّرْ ( المُبِين ) مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ أيْ ظَهَرَ فَهو لازِمٌ أيِ الظّاهِرُ أمْرُهُ في كَوْنِهِ مِن عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وفي إعْجازِهِ أوِ الواضِحُ مَعانِيهِ لِلْعَرَبِ بِحَيْثُ لا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ حَقائِقُهُ ولا تَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ دَقائِقُهُ وكَأنَّهُ عَلى المَعْنَيَيْنِ حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فارْتَفَعَ واسْتَتَرَ ولا يُعَدُّ هَذا مِن حَذْفِ الفاعِلِ المَحْظُورِ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ الإسْنادَ مَجازِيٌّ فِرارًا مِنهُ، أوْ بِمَعْنى بُيِّنَ بِمَعْنًى أظْهَرَ فَهو مُتَعَدٍّ والمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ أيِ المُظْهَرُ ما فِيهِ هُدًى ورُشْدٌ، أوْ ما سَألَتْ عَنْهُ اليَهُودُ، أوْ ما أُمِرْتَ أنْ تَسْألَ عَنْهُ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي أحَلَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِمِصْرَ، أوِ الأحْكامُ والشَّرائِعُ وخَفايا المُلْكِ والمَلَكُوتِ وأسْرارُ النَّشْأتَيْنِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الحُكْمِ والمَعارِفِ والقِصَصِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ الِاقْتِصارُ عَلى الحَلالِ والحَرامِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ في أمْرِ الدِّينِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ عَنْ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ الحُرُوفَ الَّتِي سَقَطَتْ عَنْ ألْسُنِ الأعاجِمِ، وهي سِتَّةُ أحْرُفٍ: الطّاءُ والظّاءُ والصّادُ والضّادُ والعَيْنُ والحاءُ المُهْمَلَتانِ، والمَذْكُورُ في الفَرْهَنْكِ وغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ المُؤَلَّفَةِ في اللُّغَةِ الفارِسِيَّةِ أنَّ الأحْرُفَ السّاقِطَةَ ثَمانِيَةٌ، ونَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهم فَقالَ: هَشَّتْ حرفست أنِكْهُ أنْدَر فارِسِيّ نايدهمي تايناموزي بِناشِي أندرين مَعْنى مُعافٍ بشنوا كَنُونٍ تاكدام أسْت أنَّ حُرُوف ويادٍ كِير ∗∗∗ ثا وحا وصاد ضاد وطاء وظا وعَيْن وقاف ومَعَ هَذا فالأمْرُ مَبْنِيٌّ عَلى الشّائِعِ الغالِبِ وإلّا فَبَعْضُ هَذِهِ الأحْرُفِ مَوْجُودٌ في بَعْضِ كَلِماتِهِمْ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، ولَعَلَّ الوَصْفَ عَلى الأقْوالِ الأُوَلِ أمْدَحُ مِنهُ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ وصْفٌ لَهُ بِاعْتِبارِ الشَّرَفِ الذّاتِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
مكية وهي مائة وإحدى عشرة آية قوله تعالى: الر تِلْكَ وذلك أن اليهود والنصارى، قالوا لأصحاب النبيّ : سلوا صاحبكم ما كان سبب انتقال يعقوب وأولاده من كنعان إلى مصر، ومبدأ أمرهم، فنزل: الر يقول: أنا الله أرى وأسمع سؤالهم إياك يا محمد عن هذه القصة.
ويقال: الر أنا الله أرى صنيع إخوة يوسف ومعاملتهم معه.
ويقال: أنا الله أرى ما يرى الخلق، وما لا يرى تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ يعني: حججه وبراهينه.
ويقال: هذه الآيات التي وعدتكم في التوراة أن أنزلها على محمد .
وعدهم بأن ينزل عليه كتاباً، في كثير من أوائل سوره حروف الهجاء.
الْمُبِينِ يعني: مبين حلاله وحرامه.
ويقال: بَيَّنَ فيه خبر يوسف وإخوته.
وروى معمر، عن قتادة، قال: بين الله رشده وهداه.
قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا يقول: إنا أنزلنا جبريل ليقرأ على محمد القرآن، بلسان العرب، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يعني: لعلكم تفهمون ما فيه.
<div class="verse-tafsir"
[تفسير سورة يوسف]
هذه السورة مكّيّة، والسبب في نزولها أنّ اليهود أمروا كفّار مكّة أن يسألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن السبب الذي أحلّ بني إسرائيل بمصر، فنزلت السورة.
وقيل: سبب نزولها تسلية النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عمّا/ يفعله به قومه بما فعل إخوة يوسف بيوسف، وسورة يوسف لم يتكرّر من معانيها في القرآن شيء كما تكرّرت قصص الأنبياء، ففيها حجّة على من اعترض بأن الفصاحة تمكّنت بترداد القول، وفي تلك القصص حجّة على من قال في هذه: لو كرّرت، لفترت فصاحتها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وقولهُ عزَّ وجلَّ: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ الْكِتابِ هنا القرآن، ووصفه ب الْمُبِينِ من جهة بيان أحكامه وحَلاَله وحرامِهِ ومَواعِظِهِ وهُدَاهُ ونُوره، ومِنْ جهة بيانِ اللسانِ العربيِّ وجودته، والضمير في أَنْزَلْناهُ: للكتاب، وقُرْآناً حال، وعَرَبِيًّا:
صفة له، وقيل: قُرْآناً: توطئة للحال، وعَرَبِيًّا حالٌ.
وقوله سبحانه: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ...
الآية: روى ابن مسعودٍ، أنَّ أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مَلُّوا مَلَّةً، فقالوا: لَوْ قَصَصْتَ علينا، يَا رَسُولَ اللَّهِ!
فَنَزَلَتْ هذه الآيةُ، ثم مَلُّوا ملَّةً أخْرَى، فقالوا: لَوْ حَدَّثْتَنَا، يَا رَسُولَ اللَّه، فنزلَتِ: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً «١» ...
الآية [الزمر: ٢٣] والْقَصَصِ: الإخبار بما جَرَى من الأمور.
سُورَةُ يُوسُفَ [عَلَيْهِ السَّلامُ] * فَصْلٌ في نُزُولِها هِيَ مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ.
وفي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أمّا القَوْلُ الأوَّلُ، فَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَتَلاهُ، عَلَيْهِمْ زَمانًا، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ ﴾ ، فَتَلاهُ عَلَيْهِمْ زَمانًا، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ حَدَّثْتَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ ﴾ كُلُّ ذَلِكَ يُؤْمَرُونَ بِالقُرْآنِ» .
وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «مَلَّ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ مَلَّةً، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ ﴾ ، ثُمَّ إنَّهم مَلُّوا مَلَّةً أُخْرى، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَوْقَ الحَدِيثِ، ودُونَ القُرْآنِ، يَعْنُونَ القَصَصَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ ﴾ فَأرادُوا الحَدِيثَ، فَدَلَّهم عَلى أحْسَنِ الحَدِيثِ، وأرادُوا القَصَصَ، فَدَلَّهم عَلى أحْسَنِ القَصَصِ» .
والثّانِي: رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سَألَتِ اليَهُودُ النَّبِيَّ ، فَقالُوا: حَدِّثْنا عَنْ أمْرِ يَعْقُوبَ ووَلَدِهِ وشَأْنِ يُوسُفَ.
فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ » وذَلِكَ أنَّ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ، والإنْجِيلَ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وأنْتُمْ قَوْمٌ عَرَبٌ، ولَوْ أنْزَلْتُهُ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ ما فَهِمْتُمُوهُ، وقَدْ بَيَّنّا تَفْسِيرَ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ في أوَّلِ (يُونُسَ) إلّا أنَّهُ قَدْ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ زِيادَةَ وجْهٍ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَقالَ: «لَمّا لَحِقَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ مَلَلٌ وسَآمَةٌ، فَقالُوا لَهُ: حَدِّثْنا بِما يُزِيلُ عَنّا هَذا المَلَلَ، فَقالَ: " تِلْكَ الأحادِيثُ الَّتِي تَقْدِرُونَ الِانْتِفاعَ بِها وانْصِرافَ المَلَلِ، هي آياتُ الكِتابِ المُبِينِ "» وَفِي مَعْنى " المُبِينِ " خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: البَيِّنُ حَلالُهُ وحَرامُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: المُبَيِّنُ لِلْحُرُوفِ الَّتِي تَسْقُطُ عَنْ ألْسُنِ الأعاجِمِ، رَواهُ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ.
والثّالِثُ: البَيِّنُ هُداهُ ورُشْدُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: المُبَيِّنُ لِلْحَقِّ مِنَ الباطِلِ.
والخامِسُ: البَيِّنُ إعْجازُهُ فَلا يُعارَضُ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ، ويُرْوى أنَّ اليَهُودَ سَألُوا رَسُولَ اللهِ عن قِصَّةِ يُوسُفَ فَنَزَلَتِ السُورَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ويُرْوى أنَّ اليَهُودَ أمَرُوا كُفّارَ مَكَّةَ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللهِ عَنِ السَبَبِ الَّذِي أحَلَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِمِصْرَ فَنَزَلَتِ السُورَةُ، وقِيلَ: سَبَبُ نُزُولِها تَسْلِيَةُ رَسُولِ اللهِ عَمّا يَفْعَلُهُ بِهِ قَوْمُهُ بِما فَعَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ بِيُوسُفَ، وسُورَةُ يُوسُفَ لَمْ يَتَكَرَّرْ مِن مَعْناها في القُرْآنِ شَيْءٌ كَما تَكَرَّرَتْ قَصَصُ الأنْبِياءِ، فَفِيها حُجَّةٌ عَلى مَنِ اعْتَرَضَ بِأنَّ الفَصاحَةَ تَمَكَّنَتْ بِتَرْدادِ القَوْلِ، وفي تِلْكَ القَصَصِ حُجَّةٌ عَلى مَن قالَ في هَذِهِ: لَوْ كُرِّرَتْ لَفَتَرَتْ فَصاحَتُها.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في فَواتِحِ السُوَرِ، و"الكِتابُ": القُرْآنُ، ووَصْفُهُ بـِ "المُبِينِ" قِيلَ: مِن جِهَةِ أحْكامِهِ وحَلالِهِ وحَرامِهِ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ مَواعِظِهِ وهُداهُ ونُورِهِ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ بَيانِ اللِسانِ العَرَبِيِّ وجَوْدَتِهِ إذْ فِيهِ سِتَّةُ أحْرُفٍ لَمْ تَجْتَمِعْ في لِسانٍ، -رُوِيَ هَذا القَوْلُ عن مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ- ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُبِينًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ بِإعْجازِهِ والصَوابُ أنَّهُ مُبِينٌ بِجَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "أنْزَلْناهُ" لِلْكِتابِ، والإنْزالُ إمّا بِمَعْنى الإثْباتِ، وإمّا أنْ تَتَّصِفَ بِهِ التِلاوَةُ والعِبارَةُ، وقالَ الزَجّاجُ: الضَمِيرُ في "أنْزَلْناهُ" يُرادُ بِهِ خَبَرُ يُوسُفَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
وقَوْلُهُ: "لَعَلَّكُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِـ "أنْزَلْناهُ"، أيْ: أنْزَلْناهُ لَعَلَّكُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "عَرَبِيًّا"، أيْ: جَعَلْناهُ عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ إذْ هو لِسانُكُمْ، و"قُرْآنًا" حالٌ، و"عَرَبِيًّا" صِفَةٌ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ "قُرْآنًا" بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، وقِيلَ: "قُرْآنًا" تَوْطِئَةٌ لِلْحالِ، و"عَرَبِيًّا" حالٌ، وهَذا كَما تَقُولُ: "مَرَرْتُ بِزَيْدٍ رَجُلًا صالِحًا".
وقَوْلُهُ تَعالى: "نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ" الآيَةُ.
رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ «أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللهِ مَلُّوا مَلَّةً فَقالُوا: لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنا يا رَسُولَ اللهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ثُمَّ مَلُّوا مَلَّةً أُخْرى فَقالُوا: لَوْ حَدَّثْتَنا يا رَسُولَ اللهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ اللهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا ﴾ »، و"القَصَصُ": الإخْبارُ بِما جَرى مِنَ الأُمُورِ، كَأنَّ الأنْباءَ تَتَبُّعٌ بِالقَوْلِ كَما يُقْتَصُّ الأثَرُ، وقَوْلُهُ: ﴿ بِما أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ أيْ: بِوَحْيِنا، و"القُرْآنُ" نَعْتٌ لـ "هَذا"، ويَجُوزُ فِيهِ البَدَلُ، وعَطْفُ البَيانِ فِيهِ ضَعِيفٌ.
و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ في خَبَرِها لامُ التَأْكِيدِ، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، ومَذْهَبُ أهْلِ الكُوفَةِ أنَّ "إنْ" بِمَعْنى "لَها"، و(اللامُ) بِمَعْنى (إلّا)، والضَمِيرُ في "قَبْلِهِ" لِلْقَصَصِ العامِّ لِما في جَمِيعِ القُرْآنِ مِنهُ، و ﴿ مِنَ الغافِلِينَ ﴾ أيْ عن مَعْرِفَةِ هَذا القَصَصِ.
ومَن قالَ: إنَّ الضَمِيرَ في "قَبْلِهِ" عائِدٌ عَلى "القُرْآنِ" جَعَلَ ﴿ لَمِنَ الغافِلِينَ ﴾ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى ﴾ ، أيْ: عَلى طَرِيقٍ غَيْرِ هَذا الدِينِ الَّذِي بُعِثْتَ بِهِ، ولَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ السَلامُ في ضَلالِ الكُفّارِ ولا في غَفْلَتِهِمْ، لِأنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ قَطُّ، وإنَّما كانَ مُسْتَهْدِيًا رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُوَحِّدًا، والسائِلُ عَنِ الطَرِيقِ المُتَحَيِّرُ يَقَعُ عَلَيْهِ -فِي اللُغَةِ- اسْمُ ضالٍّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الر ﴾ .
تقدم الكلام على نظاير ﴿ الر ﴾ ونحوها في أوّل سورة البقرة.
الكلام على ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ مضى في سورة يونس.
ووُصف الكتاب هنا ب ﴿ المبين ﴾ ووصف به في طالعة سورة يونس ب ﴿ الحكيم ﴾ لأنّ ذكر وصف إبانته هنا أنسب، إذ كانت القصّة التي تضمّنتها هذه السّورة مفصّلة مبيّنة لأهمّ مَا جرى في مدة يوسف عليه السّلام بمصر.
فقصّة يوسف عليه السّلام لم تكن معروفة للعرب قبل نزول القرآن إجمالاً ولا تفصيلاً، بخلاف قصص الأنبياء: هود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب عليهم السّلام أجمعين، إذ كانت معروفة لديهم إجمالاً، فلذلك كان القرآن مبيّناً إيّاها ومفصّلاً.
ونزولها قبل اختلاط النبي صلى الله عليه وسلم باليهود في المدينة معجزة عظيمة من إعلام الله تعالى إيّاه بعلوم الأوّلين، وبذلك ساوى الصحابةُ علماءَ بني إسرائيل في علم تاريخ الأديان والأنبياء وذلك من أهم ما يعلمه المشرعون.
فالمبين: اسم فاعل من أبان المتعدي.
والمراد: الإبانة التامّة باللفظ والمعنى.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ يُوسُفَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها الآياتُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُها في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها.
الثّانِي: الآياتُ الَّتِي في هَذِهِ السُّورَةِ، ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ أيْ هَذِهِ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ.
الثّالِثُ: أنَّ تِلْكَ الآياتِ إشارَةٌ إلى ما افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِنَ الحُرُوفِ وأنَّها عَلاماتُ الكِتابِ العَرَبِيِّ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: المُبِينُ حَلالَهُ وحَرامَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: المُبِينُ هُداهُ ورُشْدَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: المُبِينُ لِلْحُرُوفِ الَّتِي سَقَطَتْ مِن ألْسُنِ الأعاجِمِ وهي سِتَّةُ أحْرُفٍ، قالَهُ مُعاذٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنّا أنْزَلْنا الكِتابَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا بِلِسانِ العَرَبِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
الثّانِي: إنّا أنْزَلْنا خَبَرَ يُوسُفَ قُرْآنًا، أيْ مَجْمُوعًا عَرَبِيًّا أيْ يُعْرِبُ عَنِ المَعانِي بِفَصِيحٍ مِنَ القَصَصِ وهو شاذٌّ.
﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ ﴾ أيْ نُبَيِّنُ لَكَ أحْسَنَ البَيانِ، والقاصُّ الَّذِي يَأْتِي بِالقِصَّةِ عَلى حَقِيقَتِها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ تلك آيات الكتاب المبين ﴾ قال: أي والله يبين بركته وهداه ورشده.
وفي لفظ، يبين الله رشده وهداه.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ تلك آيات الكتاب المبين ﴾ قال: يبين حلاله وحرامه.
وأخرج ابن جرير عن خالد بن معدان عن معاذ رضي الله عنه أنه قال في قول الله: ﴿ تلك آيات الكتاب المبين ﴾ قال: يبين الله الحروف التي سقطت عن ألسن الأعاجم، وهي ستة أحرف.
<div class="verse-tafsir"
قوله (١) ﴿ الر ﴾ قال ابن عباس (٢) (٣) ﴿ طه ﴾ ؛ لأن آخرها لا يشاكل رؤوس الآي.
وقوله تعالى ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ﴾ قال صاحب النظم وأبو بكر بن الأنباري: [تلك بمعنى (هذه) كما كان (ذلك) (٤) (٥) ﴿ ذَلِكَ ﴾ مذكر؛ لأنه يومئ به إلى الكتاب، و (تلك) تأنيث ذلك؛ لأنه يومئ بها إلى الآيات.
وقال أبو بكر (٦) ﴿ تِلْكَ ﴾ الآيات التي وصفت في التوراة، ﴿ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴾ على هذا هو التوراة، وهذا معنى قول أبي إسحاق (٧) قال أبو بكر (٨) ﴿ الر ﴾ وأخواتها بين حروف المعجم، أي: تلك الحروف المفتتحة بها السور هي آيات الكتاب المبين؛ لأن الكتاب بها يُتلى عليكم، وألفاظه إليها ترجع، و ﴿ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴾ القرآن المبين في قول ابن عباس، قال: والمبين الذي بُيّن فيه الحلال والحرام (٩) (١٠) (١١) (١) في (ب) بزيادة (تعالى).
(٢) "زاد المسير" 4/ 4.
(٣) ذكر ذلك باستفاضه في أول البقرة.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٥) أول البقرة.
وقد ذكر هنالك ما ملخصه: أن (ذلك) يكون بمعنى (هذا) عند كثير من المفسرين، وذكر عن الفراء أن (ذلك) يجوز بمعنى (هذا) لما مضى، وقرب وقت تقضيه أو تقضي ذكره.
(٦) "زاد المسير" 4/ 4.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 87.
(٨) "زاد المسير" 4/ 4.
(٩) "تنوير المقباس" ص 130، وذكره ابن جرير وعزاه لمجاهد 12/ 149.
(١٠) أخرجه عبد الرزاق عن قتادة بقوله "بين الله تعالى رشده وهداه" 2/ 317، وأخرجه الطبري عنه أيضًا 12/ 149، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2099 ب.
وانظر: "الدر" 4/ 4، البغوي 4/ 211، و"زاد المسير" 4/ 177.
(١١) في (ب): والرشد.
والمبين من نعت الكتاب مبينًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الكتاب المبين ﴾ يعني القرآن، والمبين يحتمل أن يكون بمعنى البيِّن، فيكون غير متعد، أو يكون متعدياً بمعنى أنه أبان الحق أي أظهره ﴿ لَّعَلَّكُمْ ﴾ يتعلق بأنزلناه أو بعربياً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يا أبت ﴾ بفتح التاء والوقف بالهاء: يزيد وابن عامر.
وقرأ ابن كثير ويعقوب بكسر التاء والوقف بالهاء.
الباقون بالكسر في الحالين ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين: يزيد وابن عباس والخزاز ﴿ لي ساجدين ﴾ بفتح الياء: الأعشى والبرجمي ﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء أياً كان: حفص والمفضل.
الباقون بكسرها ﴿ رؤياك ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة وليث.
وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وقرأ يزيد وأبو عمر غير شجاع، وورش من طريق الأصبهاني والأعشى وحمزة في الوقف بغير همزة ﴿ آية للسائلين ﴾ على التوحيد: ابن كثير: الآخرون ﴿ آيات ﴾ على الجمع.
﴿ يخل لكم ﴾ بالإدغام: شجاع من طريق أبي غالب وأبو شعيب ﴿ غيابات ﴾ وما بعده على الجمع: أبو جعفر ونافع.
الباقون ﴿ غيابة ﴾ على التوحيد ﴿ لا تأمنا ﴾ بغير إشمام ضمة النون: يزيد والحلواني عن قالون.
الآخرون بإشمام ﴿ الذئب ﴾ وما بعده بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعشى وورش وخلف وعلي وحمزة في الوقف ﴿ يرتع ويلعب ﴾ بالياء فيهما وبالجزم: عاصم وحمزة وعليّ وخلف.
بكسر العين في الأول: أبو جعفر ونافع.
بالنون فيهما بالجزم: ابن عامر وأبو عمرو.
وبكسر العين: ابن كثير سوى الهاشمي وأبي ربيعة عن قنبل فإنهما ﴿ نرتعي ﴾ بالكسر مع الياء بعده ﴿ نرتع ويلعب ﴾ بالجزم فيهما مع النون في الأول والياء في الثاني: يعقوب عن رويس ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أبو جعفر ونافع وابن كثير.
وقرأ نافع ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أيضاً ولكن من باب الأفعال ﴿ بل سولت ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام.
﴿ يا بشرى ﴾ بالإمالة غير مضافة: حمزة وعليّ وخلف وحماد والخزاز عن هبيرة.
﴿ يا بشرى ﴾ بغير إمالة وإضافة: عاصم غير حماد والخزاز.
الباقون ﴿ يا بشراي ﴾ بالإضافة إلى ياء المتكلم.
الوقوف: ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ المبين ﴾ ه ط كوفي أيضاً وغيرهم لا يقفون عليها لأنهم يجعلون إنا جواب معنى القسم في ﴿ آلر ﴾ ﴿ القرآن ﴾ ق والوصل أصح لأن الواو للحال ﴿ الغافلين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وإسحق ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ عصبة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ج والعربية توجب الوقف وإن قيل إن الابتداء به لا يحسن ﴿ صالحين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ لناصحون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لخاسرون ﴾ ه ﴿ في غيابة الجب ﴾ ج لاحتمال أن يكون جواب "لما" محذوفاً والواو في ﴿ وأوحينا ﴾ للاستئناف تقديره فعلوا وأمضوا عليه، وأن تكون الواو مقحمة والجواب ﴿ أوحينا ﴾ ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ يبكون ﴾ ه ط ﴿ فأكله الذئب ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ كذب ﴾ ط ﴿ أمراً ﴾ ط ﴿ جميل ﴾ ط ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ دلوه ﴾ ط ﴿ غلام ﴾ ط ﴿ بضاعة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معدودة ﴾ ج لاحتمال الواو والحال ﴿ الزاهدين ﴾ ه.
التفسير: قال في الكشاف: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ﴿ آيات ﴾ السورة و ﴿ الكتاب المبين ﴾ السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، أو التي بين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر، أو الواضحة التي لا يشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم، أو قد أبين فيها ما سألت اليهود عنه من قصة يوسف، فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف.
أقول: مدار هذه التفاسير على أن أبان لازم ومتعد يقال: أبان الشيء وأبان هو بنفسه ﴿ إنا أنزلناه ﴾ أي هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف يعني هذه السورة في حال كونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ والقرآن اسم جنس يقع على كله وعلى بعضه.
وقوله: ﴿ قرآناً عربياً ﴾ يسمى حالاً موطئة لأن المراد وصفه بالعربية.
احتج الجبائي بإنزال القرآن وبكونه عربياً وآيات على أن أنه محدث لأن هذه من أوصاف المحدثات.
وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الألفاظ وإنما النزاع في الكلام النفس ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم لأنه بلغتكم.
قال الجبائي: فيه دليل على أنه أراد من المكلفين كلهم أن يعقلوا توحيده وأمر دينه.
وأجيب بأن الآية لا تدل إلا على أنه أنزل هذه السورة وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة، ولا دلالة فيه على أنه أراد من الكل الإيمان العمل الصالح.
قال أهل اللغة: القصص اشتقاقه من قص أثره إذا اتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً، ومثله التلاوة لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية، ثم إن كان القصص مصدراً بمعنى الاقتصاص فيكون ﴿ أحسن ﴾ مثله لإضافته إلى المصدر، ويكون المفعول أي المقصوص محذوفاً وهو الوحي لدلالة ﴿ أوحينا ﴾ عليه، أو يكون هذا القرآن مفعوله ومفعول ﴿ أوحينا ﴾ محذوفاً كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إياه إليك.
وعلى هذا فالحسن يرجع إلى المنطق لا إلى القصة.
وحسن المنطق كونه على أبدع طريق وأعجب أسلوب لأن هذه الحكاية مقتصة في كتب الأولين وفي كتب التواريخ ولم يبلغ شيء منه إلى حد الإعجاز، وإن أريد بالقصص المقصوص كما يراد بالنبأ والخبر المنبأ والمخبر، فالحسن يرجع إلى القصة ولا سيما فيما يرجع إلى صلاح حال المكلف في الدارين، ووجه حسنها اشتمالها على الغرائب والعجائب والنكت والعبر وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن ما قضى الله كائن لا محالة لا يردّه كيد كائد ولا حسد حاسد.
ويروى أن أصحاب رسول الله ملوا فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا.
فأنزل الله عز وجل ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً ﴾ ثم إنهم ملوا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ كل ذلك يؤمرون بالقرآن ﴿ وإن كنت ﴾ هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة.
والمعنى وإن الشأن كنت أنت من قبل إيحائنا إليك ﴿ لمن الغافلين ﴾ عن هذ القصة أو عن الدين والشريعة ﴿ إذ قال ﴾ بدل اشتمال من أحسن القصص لأن الوقت مشتمل على القصص فإذاً قص وقته فقد قص المقصوص أو منصوب بإضمار "اذكر".
و ﴿ يوسف ﴾ ليس عربياً على الأصح إذ لا سبب فيه بعد التعريف إلا العجمة فهو اسم عبراني، ومن ظن أنه من آسف يؤسف بناء على أنه قرىء بكسر السين وبفتحها فيوجد فيه وزن الفعل أيضاً فقد أخطأ، لأن القراءة المشهورة تأباه ولن يكون الاسم عربياً تارة وأعجمياً أخرى.
وهذا الخلاف روي في "يونس" أيضاً.
عن النبي "الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم" قال النحويون: التاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وهي للتأنيث لأنها قد تقلب هاء في الوقف.
ويجوز إلحاق التاء بالمذكر نحو "حمامة" ذكر والكسرة فيه لمناسبة الياء التي هي بدل منها.
والفتحة إما فتحة الياء فيمن يفتحها أو الفتحة الباقية بعد حذف الألف من ياء يا أبتا ﴿ إني رأيت ﴾ هو من الرؤيا التي تختص بالمنام لا من الرؤية التي تشمل اليقظة بدليل قول يعقوب له ﴿ ولا تقصص رؤياك ﴾ ولأن ذلك لو كان في اليقظة لكانت آية عظيمة ولم تخف على أحد.
من قرأ ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين فلكراهة توالي المتحركات فيما هو في حكم كلمة، وكذا الى تسعة عشر إلا اثني عشر لئلا يلتقي ساكنان.
قال في الكشاف: روى جابر أن يهودياً جاء إلى النبي فقال: يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف.
فسكت رسول الله فنزل جبريل فأخبره بذلك فقال النبي لليهودي:إن أخبرتك هل تسلم؟
قال: نعم.
قال: جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين.
رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له.
فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.
وأقول: إن أكثر هذه الأسماء ليست مما اشتهر عند أهل الهيئة، فإن صح الخبر فهي من العلوم التي تفرد بها الأنبياء.
وإفراد الشمس والقمر من الكواكب بعد ذكرها دليل على شرفهما كقوله ﴿ وملائكته وجبريل وميكائيل ﴾ وإنما كرر الفعل لطول الكلام أو على تقدير سؤال كأنه قيل له: كيف رأيتها؟
فقال: رأيتهم لي ساجدين.
والظاهر أن هذه السجدة كانت بمعنى وضع الجبهة إذ لا مانع من حملها على الحقيقة لكنها كانت على وجه التواضع.
وإنما أجريت الكواكب مجرى العقلاء في عود الضمير إليها لأن السجود من شأن العقلاء كقوله للأصنام: ﴿ وتراهم ينظرون إليك ﴾ وعند الفلاسفة هم أحياء ناطقة فلا حاجة إلى العذر.
عبر أبوه رؤياه بأن إخوته سيسجدون له وهم أحد عشر، وكذا أبواه وهما الشمس والقمر.
وقيل: هما أبوه وخالته لأن أمه لم تدخل مصر وتوفيت قبل ذلك.
وعن وهب أن يوسف رأى - وهو ابن سبع سنين - أن إحدى عشرة عصاً طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة التي حول القمر وهي الهالة، وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك.
ثم رأى - وهو ابن اثنتي عشرة سنة - الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم فيبغوا لك الغوائل.
وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومسير إخوته إليه أربعون سنة.
وقيل ثمانون.
قال علماء التعبير: إن الرؤيا الردية يظهر أثرها عن قريب كيلا يبقى المؤمن في الغم والحزن، والرؤيا الجيدة يبطىء أثرها لتكون بهجة المؤمن أدوم.
قوله ﴿ فيكيدوا ﴾ منصوب بإضمار "أن" جواباً للنهي.
واللام في ﴿ لك ﴾ لتأكيد الصلة مثل "نصحتك" و "نصحت لك".
وقال في الكشاف: ضمن الكيد معنى الاحتيال ليفيد معى الفعلين فيكون أبلغ في التخويف.
وقيل: متعلق بالمصدر الذي بعده.
ثم إنه وصل بهذه النصيحة شيئاً من تعبير رؤياه فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل اجتبائك لهذه الرؤيا الشريفة ﴿ يجتبيك ربك ﴾ لأمور عظام.
والاجتباء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض جمعته، وخصص الحسن الاجتباء بالنبوة.
قال في الكشاف ﴿ ويعلمك ﴾ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل: وهو يعلمك ويتم نعمته عليك.
أقول: ولعل إدخاله في حكم التشبيه ليس بضائر.
وفي ﴿ تأويل الأحاديث ﴾ وجوه منها: أنه تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم، سمى التعبير تأويلاً لأنه يؤول أمره إلى ما رآه في المنام أو يؤول أمر ما رآه في المنام إلى ذلك.
والأحاديث اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة لأنها التي يتحدث بها الناس.
ومنها أنه تبيين معاني كتب الله وسنن الأنبياء لأن المفسر والمحدّث يحدّثان عن الله ورسوله فيقولان: قال الله كذا وقال الرسول كذا.
ومنها أن الحديث بمعنى الحادث والمراد كيفية الاستدلال بالحادث على القديم .
وأما إتمام النعمة فيمن فسر الاجتباء بالنبوة فسر الإتمام بالسعادات الدنيوية والأخروية من المال والجاه والعلوم والأخلاق الفاضلة، ومن فسر ذلك بالدرجات العالية فسر هذا بالنبوة لأن التمام المطلق في حق البشر ليس إلا بالنبوة، ولأن إتمام النعمة عليه مشبه بإتمامها على إبراهيم وإسحق، ومن المعلوم أن الامتياز بينهما وبين أقرانهما لم يكن إلا بالنبوة وقد يفسر إتمام النعمة على إبراهيم بالخلة والإنجاء من النار ومن ذبح الولد، وعلى إسحق بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح عظيم وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه، ويكون وجه التشبيه إنجاءه من السجن والمحن كإنجائهما من النار والذبح.
والمراد بآل يعقوب نسله قيل: علم يعقوب أن يوسف وإخوته أنبياء استدلالاً بضوء الكواكب.
واعترض بما فرط منهم في حق يوسف.
وأجيب بأن ذلك قبل النبوة.
وقيل: إتمام النعمة وصل نعمة الدنيا بنعم الآخرة وذلك أنه جعلهم ملوكاً وأنبياء و ﴿ إبراهيم وإسحاق ﴾ عطف بيان لأبويك لأن أبا الجد في حكم الأب ﴿ إن ربك عليم ﴾ بمن يستحق الاجتباء ﴿ حكيم ﴾ لا يضع الشي إلا في موضعه فلا يجعل الرسالة إلا في نفس قدسية وجوهر مشرق.
قيل: حكم يعقوب بوقوع هذه الأمور دليل على جزمه بها فكيف خاف بعدها على يوسف حتى قال: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ ؟
والجواب لعل جزمه بذلك كان مشروطاً بعدم كيد إخوته، ولعل قوله: ﴿ أخاف أن يأكله الذئب ﴾ كيلا يتهاونوا في حفظه فإن للوسائط والأسباب مدخلاً عظيماً في وجود الأشياء وحصولها ﴿ لقد كان في يوسف وإخوته ﴾ أي في قصتهم وحديثهم ﴿ آيات للسائلين ﴾ لمن سأل عن تلك القصة وعرفها، أو آيات على نبوة محمد للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم بها من غير سماع العلم.
وفيه أنه يجب أن يصبر على بغي قومه إلى أن يظهر أمره كما فعل يوسف.
يروى أن أسامي إخوته: يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي وربالون ويشجر ودينة - وهؤلاء من ليا بنت خالة يعقوب - ودان ونفتالي وجاد وآشر - وهم من سريتين زلفة وبلهة - فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف.
﴿ إذ قالوا ﴾ ظرف لكان أو منصوب بإضمار "اذكر" ﴿ ليوسف ﴾ في لام الابتداء تحقيق لمضمون الجملة.
﴿ وأخوه ﴾ أي لأبيه وأمه عنوا بنيامين ﴿ أحب ﴾ إذا كان أفعل التفضيل مستعملاً بمن لم يتصرف فيه ﴿ ونحن عصبة ﴾ الواو للحال والعصبة العشرة فصاعداً لأن الأمور تعصب بكفايتهم أي إنه يفضلهما في المحبة علينا وهما ابنان صغيران.
لا كفاية فيهما ولا منفعة ونحن جماعة نكفي مهماته ونقوم بمصالحه ﴿ إن إبانا لفي ضلال مبين ﴾ أرادوا ضلالاً خاصاً وهو البعد عن طريق الصلاح وحسن المعاشرة مع الأولاد، ولم يعلموا أن المحبة أمر يتعلق بالقلب وليس لله فيه تكليف، ولعل يعقوب تفرس في يوسف ما أوجب اختصاصه بمزيد البر.
ومن جملة أقوالهم أنهم قالوا لما تشاوروا في أمره ﴿ اقتلوا يوسف ﴾ قيل: الآمر بالقتل شمعون أو دان ورضي به الباقون فجعلوا جميعاً آمرين.
والظاهر أنه قال بعضه بذلك بدليل أنه لم يقع القتل ولقولهم ﴿ أو اطرحوه ﴾ فكان بعضهم أشار إلى القتل وبعضهم إلى الطرح ومهما صدر أمر من بعض القوم صح إسناده إليه كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفسا ﴾ وانتصب ﴿ أرضاً ﴾ على الظرف كالظروف المبهمة أي أرضاً مجهولة بعيدة عن العمارة ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ تخلص محبته لكم سليمة عن التنازل فيها وكان ذرك الوجه تصويراً لإقباله عليهم بالكلية، ويجوز أن يراد بالوجه ذاته أو المراد يفرغ لكم من الشغل بيوسف ﴿ وتكونوا ﴾ مجزوم لأنه معطوف على جواب الأمر ﴿ من بعده ﴾ من بعد قتله أو إطراحه أو من بعد يوسف إذا قتل أو غرب ﴿ قوماً صالحين ﴾ تائبين إلى الله أو إلى أبيه لعذر تمهدونه مما جنيتم عليه، أو المراد صلاح دنياهم وانتظام أمورهم وتفرغهم لمهماتهم بعد يوسف بفراغ البال ﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً وأدباً وهو الذي قال: ﴿ فلن أبرح الأرض ﴾ ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ لأن القتل عظيم ولا سيما قتل الأخ وخاصة إذا كان القاتل والمقتول من أولاد الأنبياء ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ سمى البئر جباً لأنها قطعت قطعاً ولم يحصل فيها شيء سوى القطع للأرض، والغيابة غور البئر وما غاب منها عن عين الناظر وأظلم من أسفلها.
ومن قرأ على الجمع فلأن للجب أقطاراً ونواحي ﴿ يلتقطه بعض السيارة ﴾ أي الرفقة السائرة قال ابن عباس: أي المارة، والالتقاط تناول الشيء من الطريق ونحوه يستعمل في الإنسان وغيره ومنه اللقيط للمنبوذ ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ إن لم يكن من فعل هذا الأمر بد فهذا هو الرأي.
ثم إن يعقوب كان خائفاً على يوسف من كيدهم وكان يظهر أمارات ذلك على صحائف أعماله وأقواله فلذلك قالوا: ﴿ ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ﴾ ما وجد منا في بابه سوى النصح والإشفاق على الإطلاق ﴿ أرسله معنا غداً يرتع ويلعب ﴾ من قرأ بالجزم فمن الرتعة كالأمنة وهي الخصب والسعة، ومن قرأ بالكسر فعلى حذف الياء من يرتعي مستعاراً من ارتعاء الإبل والماشية.
واللعب ترك ما ينفع إلى ما لا ينفع.
فمن قرأ بالياء فلا إشكال لأن الصبي لا تكليف عليه، ومن قرأ بالنون قال كان لعبهم الاستباق والانتضال بدليل قوله ﴿ إنا ذهبنا نستبق ﴾ سمي لعباً لأنه في صورته، أو اللعب قد يطلق على استعمال المباحات لأجل انشراح الصدر قال لجابر: " فهلا تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك." ﴿ قال إني ليحزنني ﴾ لام الابتداء للتأكيد أو لتخصيص المضارع بالحال ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ أصله الهمز ولهذا قال بعضهم: إنه مشتق من تذأبت الريح إذا أتت من كل جهة.
قيل: كان أرضهم مذأبة فلذلك قال: ﴿ أخاف ﴾ .
وقيل: رأى في النوم أن الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره فلقنهم العذر كما جاء في أمثالهم البلاء موكل بالمنطق.
قوله: ﴿ إنا إذاً ﴾ جواب للقسم ساد مسد جواب الشرط، حلفوا له أن كان ما خافه وحالهم أنهم رجال كفاة وحماة فهم إذ ذاك خاسرون عاجزون أو مستحقون للدعاء عليهم بالخسار، أو المراد إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا وخسرناها.
كان يعقوب قد اعتذر إليهم بأمرين: أحدهما أن ذهابهم به مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني خوفه عليه من الذئب فلم يجيبوا عن الأول لأنه هو الذي كان يغيظهم فلم يعبئوا بذلك الكلام فخصوا الجواب بالثاني، وههنا إضمار والتقدير فأذن لهم وأرسله معهم ﴿ فلما ذهبوا به وأجمعوا ﴾ عزموا على ﴿ أن يجعلوه في غيابت الجب ﴾ قيل: هو بئر ببيت المقدس.
وقيل: بأرض الأردن.
وقيل: بين مصر ومدين: وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوبٍ.
ثم إن كان جواب "لما" محذوفاً ففي الآية إضمار آخر كما تقدم في الوقوف.
قال السدي: إن يوسف لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء.
فقال يهوذا أما أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه، فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخواه بالدم ويحتالوا به على أبيهم.
فقال: يا إخوتاه ردّوا عليّ قميصي أتوارى به فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً حتى ينقذوك ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام.
وروي أنه لما ألقي في الجب قال: يا شاهداً غير غائب، ويا قريباً غير بعيد، ويا غالباً غير مغلوب، اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً.
وحكي أن إبراهيم حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبرائيل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فجاء جبرائيل فأخرجه وألبسه إياه ﴿ وأوحينا إليه ﴾ في صغر السن كما أوحي إلى يحيى وعيسى.
وقيل: كان إذ ذاك بالغاً وعن الحسن كان له سبع عشر سنة ﴿ لتنبئنهم ﴾ لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنك يوسف لعلو شأنك وبعد حالك عن أوهامهم ولطول العهد المنسي المغير للهئيات والأشكال..
يروى أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم ويقال له يوسف وكان يدنيه دونكم وإنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس.
ويجوز أن يراد وهم لا يشعرون أنا آنسناه بالوحي وأزلنا الوحشة عن قلبه فتتعلق الجملة بقوله ﴿ وأوحينا ﴾ روي أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال له الشعبي: يا أبا أمية أما تراها تبكي؟
قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة وما ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية.
عن مقاتل: إنما جاءوا عشاء لئلا تظهر أمارة الخجل والكذب على وجوههم.
ولما سمع صوتهم يعقوب فزع وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟
قالوا لا.
قال: فما لكم وأين يوسف ﴿ قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ﴾ أي نتسابق في العدو أو في الرمي وقيل ننتضل ﴿ وما أنت بمؤمن لنا ﴾ أي بمصدق لشدة محبتك ليوسف، وفيه دليل لمن يزعم أن الإيمان هو التصديق ﴿ ولو كنا صادقين ﴾ ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا ﴿ وجاؤوا على قميصه ﴾ نصب على الظرف أي فوق قميصه لا على الحال المتقدمة لأن حال المجرور لا تتقدم عليه ﴿ بدم كذب ﴾ ذي كذب أو دم هو الكذب بعينة مبالغة.
يروى أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، ويروى أن يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟
فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص.
وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.
وقيل: كان في قميص يوسف ثلاث آيات آية ليعقوب على كذبهم، وآية حين ألقاه البشير على وجهه فارتد بصيراً، وآية على براءة يوسف حين قدّ من دبر.
ولما تبين يعقوب بالآيات المذكورة أو بالوحي أنهم كاذبون قال على سبيل الإضراب.
﴿ بل سوّلت ﴾ قال ابن عباس بل زينت ﴿ لكم أنفسهم أمراً ﴾ في شأنه وهو تفعيل من السول الأمنية.
قال الأزهري: وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمزة.
وقال في الكشاف: سوّلت سهلت من السول بفتحتين وهو الاسترخاء والتنكير دليل التعظيم ﴿ فصبر جميل ﴾ لا بد من تقدير مبتدأ أو خبر أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أمثل.
وفي الحديث أنه الذي لا شكوى فيه أي إلى الخلق لقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ وقيل: أي لا أعايشكم على كآبة الوجه بل أكون لكم كما كنت.
يحكى أنه سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فقيل له: ما هذا؟
فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان.
فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني؟
قال: يا رب خطيئة فاغفرها لي.
ثم بين أن الصبر على ما وصفوه من هلاك يوسف لا يمكن إلا بمعونة الله فقال: ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ فالقرينتان كقوله: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ {الفاتحة: 5] ويعلم من الآية أن الصبر إن كان لأجل الرضا بقضاء الله أو لاستغراقه في شهود نور الحق بحيث يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء فذلك صبر جميل وإلا فلا.
واعترض بأن هذا الصبر كان فيه إعانة الظالمين وإهمال لتخليص المظلوم من المحن والشدائد والترقية فكيف جاز صبر يعقوب حتى لم يبالغ في التفتيش والتنقير، ولو بالغ لظهر عليه الأمر لشهرته وعظم قدره؟
وأجيب بأن الله لعله منعه عن الطلب تشديداً للمحنة عليه، أو لعله إن بالغ في البحث أقدموا على قتله، أو علم أن الله يصون يوسف وسيعظم أمره بالآخرة فلم يرد هتك ستر أولاده وإلقاءهم في ألسنة الناس كقول القائل: فإذا رميت يصيبني سهمي *** فكان الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله .
ثم شرع في حكاية خلاص يوسف فقال: ﴿ وجاءت سيارة ﴾ عن ابن عباس: قوم يسيرون من مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة.
وقيل: كان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف.
﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ رجلاً يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء.
ومعنى الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم ﴿ فأدلى دلوه ﴾ أرسلها في البئر.
قال الواحدي: فإذا نزعها وأخرجها قيل دلا يدلو.
﴿ قال يا بشرى ﴾ التقدير فظهر يوسف فقال الوارد: يا بشرى كأنه ينادي البشرى ويقول تعالي فهذا أوانك.
ومتى قال الوارد هذا الكلام؟
قال جمع من المفسرين: حين رأى يوسف متعلقاً بالحبل.
وقال آخرون: لما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به.
قال السدي: كان للوارد صاحب يقال له بشرى فنادى يا بشرى كما يقال يا زيد.
والأكثرون على أنها بمعنى البشارة.
فقال أبو علي: يحتمل أن يكون منادى مضموماً مثل يا رجل وأن يكون منصوباً مثل يا رجلاً كأنه جعل ذلك النداء شائعاً في جنس البشرى.
ومن قرأ بالإضافة فنصبه ظاهر.
والضمير في ﴿ وأسروه ﴾ إما عائد إلى الوارد وأصحابه أي أخفوه من الرفقة لئلا يدعوا المشاركة في الالتقاط، أو في الشراء إن قالوا اشتريناه.
وطريق الإخفاء أنهم كتموه من الرفقة أو قالوا إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر، وإما عائد الى إخوة يوسف بناء على ما روي عن ابن عباس أنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد آبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه، ولعل الوجه الأول أولى بدليل قوله ﴿ بضاعة ﴾ وهي نصب على الحال أي أخفوه متاعاً للتجارة.
وأصل البضع القطع والبضاعة قطعة من المال للتجارة والله أعلم.
﴿ والله عليم بما يعملون ﴾ فيه وعيد إما للوارد وأصحابه حيث استبضعوا ما ليس لهم أو لإخوة يوسف وذلك ظاهر، وفيه أن كيد الأعداء لا يدفع شيئاً مما علم الله من حال المرء.
والضمير في قوله: ﴿ وشروه ﴾ إما أن يعود إلى الوارد وأصحابه أي باعوه ﴿ بثمن ﴾ قليل لأن الملتقط للشيء متهاون به ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ ممن يرغب عما في يده.
قال أهل اللغة: زهد فيه معناه رغب عنه وزهد عنه معناه رغب فيه، وإما أن يعود إلى الإخوة والمعنى باعوه، أو إلى الرفقة والمعنى اشتروه، وهكذا الضمير في ﴿ وكانوا ﴾ إن عاد إلى الإخوة فقلة رغبتهم في يوسف ظاهرة وإلا لم يفعلوا به ما فعلوا، وإن عاد إلى الرفقة فذلك أنهم اعتقدوا أنه أبق فخافوا إعطاء الثمن الكثير.
عن ابن عباس أن إخوته عادوا إلى الجب بعد ثلاثة أيام يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا: هذا عبد أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منا فباعوه منهم، ولعلهم عرفوا أنه ولد يعقوب فكرهوا اشتراءه خوفاً من الله ومن ظهور تلك الواقعة إلا إنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة بثمن بخس أي مبخوس ناقص عن القيمة أو ناقص العيار.
وقال ابن عباس: البخس هنا الحرام لأن ثمن الحر حرام دراهم لا دنانير معدودة قليلة تعد عدّاً.
ولا توزن لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية وهي الأربعون.
عن ابن عباس كانت عشرين درهماً.
وعن السدي اثنين وعشرين أخذ كل واحد من الإخوة درهمين إلا يهوذا فإنه لم يأخذ شيئاً.
ويروى أن إخوته اتبعوهم يقولون استوثقوا منه لا يأبق.
والظاهر أن الضمير في ﴿ فيه ﴾ عائد إلى يوسف.
ويحتمل أن يعود إلى الثمن البخس أي أخذوا في ثمنه ما ليس يرغب فيه.
قال النحويون: قوله: ﴿ فيه ﴾ ليس من متعلقات الزاهدين لأن الألف واللام فيه موصول وزاهدين صلة، وكما لا تتقدم نفس الصلة فكذا ما هو متعلق به فلا يقال مثلاً: وكانوا زيداً من الضاربين فهو بيان كأنه قيل في أي شيء زهدوا؟
فقيل: زهدوا فيه والله أعلم.
التأويل: ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ دلالات كتاب المحبوب إلى المحب للهداية إلى طريق الوصال ولهذا كانت أحسن القصص لأنها أتم قصص القرآن مناسبة ومشابهة بأحوال الإنسان ﴿ إذ قال يوسف ﴾ القلب ﴿ لأبيه ﴾ يعقوب الروح ﴿ إني رأيت أحد عشر كوكباً ﴾ هن الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة أي المذكرة والحافظة والمتخيلة والمتوهمة والحسن المشترك مع المفكرة، وبكل من هذه إضاءة أي أدراك للمعنى المناسب له وهم إخوة يوسف القلب لأنهم تولدو بازدواج يعقوب الروح وزوج النفس والشمس والقمر الروح والنفس ﴿ رأيتهم لي ساجدين ﴾ وهذا مقام كمالية الإنسان أن يصير القلب سلطاناً يسجد له الروح والنفس والحواس والقوى ﴿ وكذلك يجتبيك ربك ﴾ على سائر المخلوقات وهذا كمال حسن يوسف ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ العلم اللدني المختص بالقلب ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بأن يتجلى لك ويستوي لك إذ القلب عرش حقيقي للرب ﴿ وعلى آل يعقوب ﴾ أي متولدات الروح من القوى والحواس ﴿ كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم ﴾ السر ﴿ وإسحاق ﴾ الخفي وبهما يستحق القلب لقبول فيض التجلي، وهناك لله ألطاف خفية لا يتبع الإنسان فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل.
﴿ آيات للسائلين ﴾ عن طريق الوصول إلى الله ﴿ ليوسف ﴾ القلب ﴿ وأخوه ﴾ بنيامين الحس المشترك فإن له اختصاصاً بالقلب ﴿ أحب إلى أبينا منا ﴾ لأن القلب عرض الروح ومحل استوائه عليه، والحس المشترك بمثابة الكرسي للعرش.
﴿ اقتلوا يوسف ﴾ القلب بسكين الهوى وبسم الميل إلى الدنيا ﴿ أو اطرحوه ﴾ في أرض البشرية ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ يقبل الروح بوجهه إلى الحواس والقوى لتحصيل شهواتها ﴿ وتكونوا ﴾ بعد موت القلب ﴿ قوماً صالحين ﴾ للنعم الحيواني والنفساني.
﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا القوة المفكرة ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ القلب ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ القالب وسفل البشرية ﴿ يلتقطه بعض ﴾ سيارة الجواذب النفسانية.
﴿ يرتع ﴾ في المراتع البهيمية ﴿ ويلعب ﴾ في ملاعب الدنيا ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ من فتنة الدنيا وآفاتها ﴿ لئن أكله الذئب ﴾ الشيطان ﴿ إنا إذا لخاسرون ﴾ لأن خسران جميع أجزاء الإنسان في هلاك القلب وربحها في سلامة القلب ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ فيه إشارة إلى أن من خصوصية تعلق الروح بالقالب أن يتولد منهما القلب العلوي والنفس السفلية والحواس والقوى فيحصل التجاذب.
فإن كانت الغلبة للروح سعد، وإن كانت للنفس شقي ﴿ وجاؤوا أباهم عشاء ﴾ أي في النصف الآخر من مدّة العمر ﴿ نستبق ﴾ نتشاغل باللهو في أيام الشباب ﴿ وتركنا يوسف ﴾ أي قالب مهملاً معطلاً عن الاستكمال ﴿ فأكله ﴾ ذئب الشيطان.
﴿ وجاؤا على قميصه ﴾ أي قالب القلب ﴿ بدم كذب ﴾ هو آثار الملكات الردية، زعموا أنها قد سرت إلى القلب وأزالت نور الإيمان عنه بالكلية.
﴿ قال ﴾ يعقوب الروح ﴿ بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ﴾ على ما قضى الله وقدر ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ من رين القلب وموته ﴿ وجاءت سيارة ﴾ هي هبوب نفحات ألطاف الحق ﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ وارداً من واردات الحق ﴿ فأدلى دلوه ﴾ جذبه من جذبات الرحمن ﴿ قال يا بشرى ﴾ فيه إشارة إلى أن للجذبة بشارة في تعلقها بالقلب كما أن للقلب بشارة في خلاصة من جب الطبيعة كما قال : ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ ﴿ والله عليم ﴾ بحكمة البشارتين و ﴿ بما يعملون ﴾ من شرائه ﴿ بثمن بخس ﴾ هو الحظوظ الفانية في أيام معدودة ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ لأنهم ما عرفوا قدره وإنما ميلهم إلى استجلاب المنافع الردية العاجلة والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ ﴾ .
ذكر تلك، وهي كلمة إشارة إلى شيء سبق ذكره، ولم يتقدم فيه ذكر شيء يشار إليه، وذكر آيات - أيضاً - وليس هنالك ذكر آيات أو شيء يكون آية في الظاهر، لكنه يشبه أن يكون قوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ بمعنى: هذه آيات، ويجوز استعمال "تلك" مكان "هذه"، على ما يجوز ذكر "ذلك" مكان "هذا"؛ كقوله: ﴿ الۤـمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ ، أي: هذا الكتاب.
أو أن يكون قوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى ما في السماء، أي: الذي في السماء آيات الكتاب.
أو يقول: ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى [ما في اللوح المحفوظ أو إشارة إلى] ما في الكتب المتقدمة، أي: تلك آيات الكتاب.
﴿ ٱلْمُبِينِ ﴾ يحتمل المبين أنها آيات الرسالة، أو بين أنها من عند الله.
وقوله: ﴿ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ هذا - أيضاً - يشبه أن يخرج على وجهين: أحدهما: إشارة إلى الحروف المقطعة المعجمة فقال: تلك الحروف المقطعة إذا جمعت كانت آيات الكتاب.
أو أن يكون الله أراد أمراً لا نعلم ما أراد، فيقول: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، أي: ذلك الذي أراد هو آيات الكتاب، والله أعلم بما أراد.
وقوله: ﴿ ٱلْمُبِينِ ﴾ .
قيل: ﴿ ٱلْمُبِينِ ﴾ ، أي: ليبين فيه الحلال والحرام، وما يؤتى وما يتقى؛ كقوله: ﴿ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
وقال بعضهم: ليبين بركته وهداه ورشده، أو بين فيه الحق من الباطل، والعدل من الجور.
والكتاب هو اسم ما يكتب، وسمي قرآناً؛ لما يقرأ، وكتاباً؛ لما عن كتاب أخذ ورفع والقرآن لما قرئ عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ﴾ قوله: ﴿ أَنْزَلْنَاهُ ﴾ : الهاء كناية عن الكتاب الذي تقدم ذكره.
﴿ قُرْآناً عَرَبِيّاً ﴾ أنزله بلسان العرب، ولا ندري بأي لسان كان في اللوح المحفوظ، غير أنه أخبر أنه أنزله بلسان العرب، وهكذا كل كتاب أنزل إنما أنزل بلسان المنزل عليهم، لم ينزل بغير لسانهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ .
ما لكم وما عليكم، وما تأتون وما تتقون، أو تعقلون أن هذه الأنباء التي يخبركم بها محمد من الله - - لأنها كانت في كتبهم بغير لسانه، فأخبر على ما كانت في كتبهم؛ دل أنه إنما عرف ذلك بالله .
أو لعلكم تعقلون بأن فيه شرفكم؛ لأنكم تصيرون متبوعين لما يحتاج الناس إلى معرفة ما فيه، ولا يوصل ذلك إلا بكم فتكونون متبوعين والناس أتباع لكم؛ وهو كقوله: ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ ، قال أهل التأويل: أي: فيه شرفكم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الر ﴾ سبق الكلام عليها وعلى نظائرها في بداية سورة البقرة.
هذه الآيات التي أنزلت في هذه السورة من آيات القرآن الواضح فيما اشتمل عليه.
<div class="verse-tafsir" id="91.MmRWP"