الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٢ من سورة يوسف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 73 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ) وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها ، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس; فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات ، على أشرف الرسل ، بسفارة أشرف الملائكة ، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض ، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة وهو رمضان ، فكمل من كل الوجوه;
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنا أنـزلنا هذا الكتاب المبين، قرآنًا عربيًّا على العرب ، لأن لسانهم وكلامهم عربي ، فأنـزلنا هذا الكتاب بلسانهم ليعقلوه ويفقهوا منه ، وذلك قوله: (لعلكم تعقلون) .
قوله تعالى : إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون[ ص: 105 ] قوله تعالى : إنا أنزلناه قرآنا عربيا يجوز أن يكون المعنى : إنا أنزلنا القرآن عربيا ; نصب " قرآنا " على الحال ; أي مجموعا .
و " عربيا " نعت لقوله " قرآنا " .
ويجوز أن يكون توطئة للحال ، كما تقول : مررت بزيد رجلا صالحا ، و " عربيا " على الحال ، أي يقرأ بلغتكم يا معشر العرب .
أعرب بين ، ومنه الثيب تعرب عن نفسها .لعلكم تعقلون أي لكي تعلموا معانيه ، وتفهموا ما فيه .
وبعض العرب يأتي بأن مع " لعل " تشبيها بعسى .
واللام في " لعل " زائدة للتوكيد ; كما قال الشاعر :يا أبتا علك أو عساكاوقيل : لعلكم تعقلون أي لتكونوا على رجاء من تدبره ; فيعود معنى الشك إليهم لا إلى الكتاب ، ولا إلى الله عز وجل .
وقيل : معنى أنزلناه أي أنزلنا خبر يوسف ، قال النحاس : وهذا أشبه بالمعنى ; لأنه يروى أن اليهود قالوا : سلوه لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر ؟
وعن خبر يوسف ; فأنزل الله - عز وجل - هذا بمكة موافقا لما في التوراة ، وفيه زيادة ليست عندهم .
فكان هذا للنبي صلى الله عليه وسلم - إذ أخبرهم ولم يكن يقرأ كتابا قط ولا هو في موضع كتاب - بمنزلة إحياء عيسى - عليه السلام - الميت على ما يأتي فيه .
ومن بيانه وإيضاحه: أنه أنزله باللسان العربي، أشرف الألسنة، وأبينها، [المبين لكل ما يحتاجه الناس من الحقائق النافعة ] وكل هذا الإيضاح والتبيين { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ْ} أي: لتعقلوا حدوده وأصوله وفروعه، وأوامره ونواهيه.
فإذا عقلتم ذلك بإيقانكم واتصفت قلوبكم بمعرفتها، أثمر ذلك عمل الجوارح والانقياد إليه، و { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ْ} أي: تزداد عقولكم بتكرر المعاني الشريفة العالية، على أذهانكم،.
فتنتقلون من حال إلى أحوال أعلى منها وأكمل.
( إنا أنزلناه ) يعني : الكتاب ( قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ) أي : أنزلناه بلغتكم ، لكي تعلموا معانيه ، وتفهموا ما فيه .
«إنا أنزلناه قرآنا عربيا» بلغة العرب «لعلكم» يا أهل مكة «تعقلون» تفقهون معانيه.
إنا أنزلنا هذا القرآن بلغة العرب، لعلكم -أيها العرب- تعقلون معانيه وتفهمونها، وتعملون بهديه.
ثم بين - سبحانه - الحكمة من إنزاله بلسان عربى مبين فقال : ( إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) .أى : إنا أنزلنا هذا الكتاب الكريم على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بلسان عربى مبين ، لعلكم أيها المكلفون بالإِيمان به ، تعقلون معانيه ، وتفهمون ألفاظه ، وتنتفعون بهداياته ، وتدركون أنه ليس من كلام البشر ، وإنما هو كلام خالق القوى والقدر وهو الله - عز وجل - .فالضمير فى " أنزلناه " يعود إلى الكتاب ، وقرآنا حال من هذا الضمير أو بدلا منه .والتأكيد بحرف إن متوجه إلى خبرها وهو أنزلناه ، للرد على أولئك المشركين الذين أنكروا أن يكون هذا القرآن من عند الله .وجملة ( لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) بيان لحكمة إنزاله بلغة العرب وحذف مفعول " تعقلون " للإِشارة إلى أن نزلوه بهذه الطريقة ، يترتب عليه حصول تعقل أشياء كثيرة لا يحصيها العد .قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : قوله : ( إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات ، وأبينها وأوسعها ، وأكثرها تأدية للمعانى التى تقوم بالنفوس ، فلهذا أنزل أشرف الكتب ، بأشرف اللغات ، على أشرف الرسل ، بسفارة أشرف الملائكة ، وكان ذلك فى أشرف بقاع الأرض ، وفى أشرف شهور السنة ، فكمل له الشرف من كل الوجوه .وقال الجمل : " واختلف العلماء هل يمكن أن يقال : فى القرآن شئ غير عربى " .قال أبو عبيدة : من قال بأن فى القرآن شئ غير عربى فقد أعظم على الله القول .
واحتج بهذه الآية .وروى عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة بأن فيه من غير العربى مثل : سجيل ، والمشكاة ، واليم ، وإستبرق ونحو ذلك .وهذا هو الصحيح المختار ، لأن هؤلاء أعلم من أبى عبيدة بلسان العرب .
وكلا القولين صواب - إن شاء الله - .ووجه الجمع بينهما أن هذه الألفاظ لما تكلمت بها العرب ، ودارت على ألسنتهم صارت عربية فصيحة ، وإن كانت غير عربية فى الأصل ، لكنهم لما تكلموا بها نسبت إليهم ، وصارت لهم لغة ، فظهر بهذا البيان صحة القولين ، وأمكن الجمع بينهما .
وقد ذكرنا في أول سورة يونس تفسير: ﴿ الر تِلْكَ ءايات الكتاب الحكيم ﴾ فقوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى آيات هذه السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة المسماة ﴿ الر ﴾ هي ﴿ الكتاب المبين إِنَّا ﴾ وهو القرآن، وإنما وصف القررن بكونه مبيناً لوجوه: الأول: أن القرآن معجزة قاهرة وآية بينة لمحمد صلى الله عليه وسلم.
والثاني: أنه بين فيه الهدى والرشد، والحلال والحرام، ولما بينت هذه الأشياء فيه كان الكتاب مبيناً لهذه الأشياء.
الثالث: أنه بينت فيه قصص الأولين وشرحت فيه أحوال المتقدمين.
ثم قال: ﴿ إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين، سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر، وعن كيفية قصة يوسف، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وذكر فيها أنه تعالى عبر عن هذه القصة بألفاظ عربية، ليتمكنوا من فهمها ويقدروا على تحصيل المعرفة بها.
والتقدير: إنا أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف في حال كونه قرآناً عربياً، وسمى بعض القرآن قرآناً، لأن القرآن اسم جنس يقع على الكل والبعض.
المسألة الثانية: احتج الجبائي بهذه الآية على كون القرآن مخلوقاً من ثلاثة أوجه: الأول: أن قوله: ﴿ إنا أنزلناه ﴾ يدل عليه، فإن القديم لا يجوز تنزيله وإنزاله وتحويله من حال إلى حال.
الثاني: أنه تعالى وصفه بكونه عربياً والقديم لا يكون عربياً ولا فارسياً.
الثالث: أنه لما قال: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْانًا عَرَبِيّا ﴾ دل على أنه تعالى كان قادراً على أن ينزله لا عربياً، وذلك يدل على حدوثه.
الرابع: أن قوله: ﴿ تِلْكَ ءايات الكتاب ﴾ يدل على أنه مركب من الآيات والكلمات، وكل ما كان مركباً كان محدثاً.
والجواب عن هذه الوجوه بأسرها أن نقول: إنها تدل على أن المركب من الحروف والكلمات والألفاظ والعبارات محدث وذلك لا نزاع فيه، إنما الذي ندعي قدمه شيء آخر فسقط هذا الاستدلال.
المسأل الثالثة: احتج الجبائي بقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ فقال: كلمة لعل يجب حملها على الجزم والتقدير: إنا أنزلناه قرآناً عربياً لتعقلوا معانيه في أمر الدين، إذ لا يجوز أن يراد بلعلكم تعقلون؟
الشك لأنه على الله محال، فثبت أن المراد أنه أنزله لإرادة أن يعرفوا دلائله، وذلك يدل على أنه تعالى أراد من كل العباد أن يعقلوا توحيده وأمر دينه، من عرف منهم، ومن لم يعرف، بخلاف قول المجبرة.
والجواب: هب أن الأمر ما ذكرتم إلا أنه يدل على أنه تعالى أنزل هذه السورة، وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة ولكن لم قلتم إنها تدل على أنه تعالى أراد من الكل الإيمان والعمل الصالح.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى آيات السورة.
و ﴿ الكتاب المبين ﴾ السورة، أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم.
أو التي تبين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر.
أو الواضحة التي لا تشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم.
أو قد أبين فيها ما سألت عنه اليهود من قصة يوسف.
فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر؟
وعن قصة يوسف ﴿ أنزلناه ﴾ أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف في حال كونه ﴿ قُرْءاناً عَرَبِيّاً ﴾ وسمى بعض القرآن قرآناً، لأنّ القرآن اسم جنس يقع على كله وبعضه ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم ﴿ وَلَوْ جعلناه قُرْءاناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصّلَتْ ءاياته ﴾ [فصلت: 44] .
﴿ القصص ﴾ على وجهين: يكون مصدراً بمعنى الاقتصاص، تقول: قصّ الحديث يقصه قصصاً، كقولك: شله يشله شللاً، إذا طرده.
ويكون (فعلا) بمعنى (مفعول) كالنفض والحسب.
ونحوه النبأ والخبر: في معنى المنبأ به والمخبر به.
ويجوز أن يكون من تسمية المفعول بالمصدر، كالخلق والصيد.
وإن أريد المصدر، فمعناه: نحن نقص عليك أحسن القصص ﴿ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هذا القرءان ﴾ أي بإيحائنا إليك هذه السورة، على أن يكون أحسن منصوباً نصب المصدر، لإضافته إليه، ويكون المقصوص محذوفاً؛ لأنّ قوله: ﴿ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هذا القرءان ﴾ مغن عنه.
ويجوز أن ينتصب هذا القرآن بنقصّ، كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إليك.
والمراد بأحسن الاقتصاص: أنه اقتصّ على أبدع طريقة وأعجب أسلوب.
ألا ترى أنّ هذا الحديث مقتص في كتب الأولين وفي كتب التواريخ، وألا ترى اقتصاصه في كتاب منها مقارباً لاقتصاصه في القرآن.
وإن أريد بالقصص المقصوص.
فمعناه: نحن نقص عليك أحسن ما يقص من الأحاديث، وإنما كان أحسنه لما يتضمن من العبر والنكت والحكم والعجائب التي ليست في غيرها والظاهر أنه أحسن ما يقتص في بابه، كما يقال في الرجل: هو أعلم الناس وأفضلهم، يراد في فنه.
فإن قلت: ممّ اشتقاق القصص؟
قلت: من قصّ أثره إذا اتبعه، لأنّ الذي يقصّ الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً، كما يقال: تلا القرآن، إذا قرأه، لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية ﴿ وَإِن كُنتُ ﴾ إن مخففة من الثقيلة.
واللام هي التي تفرق بينها وبين النافية.
والضمير في ﴿ قَبْلِهِ ﴾ راجع إلى قوله: ما أوحينا والمعنى: وإنّ الشأن والحديث كنت من قبل إيحائنا إليك من الغافلين عنه، أي: من الجاهلين به، ما كان لك فيه علم قط ولا طرق سمعك طرف منه.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ يُوسُفَ مَكِّيَّةٌ وآيُها مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ تِلْكَ إشارَةٌ إلى آياتِ السُّورَةِ وهي المُرادُ بِـ ﴿ الكِتابِ ﴾ ، أيْ تِلْكَ الآياتُ آياتُ السُّورَةِ الظّاهِرِ أمْرُها في الإعْجازِ أوِ الواضِحَةِ مَعانِيها، أوِ المُبِينَةِ لِمَن تَدَبَّرَها أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوْ لِلْيَهُودِ ما سَألُوا إذْ رُوِيَ أنَّ عُلَماءَهم قالُوا لِكُبَراءِ المُشْرِكِينَ سَلُوا مُحَمَّدًا لِمَ انْتَقَلَ آلُ يَعْقُوبَ مِنَ الشّامِ إلى مِصْرَ وعَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَزَلَتْ: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ ﴾ أيِ الكِتابَ.
﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ سَمّى البَعْضَ قُرْآنًا لِأنَّهُ في الأصْلِ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الكُلِّ والبَعْضِ وصارَ عَلَمًا لِلْكُلِّ بِالغَلَبَةِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ وهو في نَفْسِهِ إمّا تَوْطِئَةٌ لِلْحالِ الَّتِي هي ﴿ عَرَبِيًّا ﴾ أوْ حالٌ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، و ﴿ عَرَبِيًّا ﴾ صِفَةٌ لَهُ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أوْ حالٌ بَعْدَ حالٍ وفي كُلِّ ذَلِكَ خِلافٌ.
﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ عِلَّةٌ لِإنْزالِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أيْ أنْزَلْناهُ مَجْمُوعًا أوْ مَقْرُوءًا بِلُغَتِكم كَيْ تَفْهَمُوهُ وتُحِيطُوا بِمَعانِيهِ، أوْ تَسْتَعْمِلُوا فِيهِ عُقُولَكم فَتَعْلَمُوا أنَّ اقْتِصاصَهُ كَذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَتَعَلَّمِ القَصَصَ مُعْجِزٌ لا يُتَصَوَّرُ إلّا بِالإيحاءِ.
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْانًا عَرَبِيّا} أي أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف عليه السلام في حال كونه قرآناً عربياً وسمي بعض القرآن قرآنا لأنه اسم جنس يقع على كله وبعضه {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} لكي تفهموا معانيه ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ وصْفٌ لَهُ بِاعْتِبارِ الشَّرَفِ الإضافِيِّ وضَمِيرُ الغائِبِ لِلْكِتابِ السّابِقِ ذِكْرُهُ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِهِ القُرْآنَ كُلَّهُ كَما هو الظّاهِرُ المُناسِبُ لِلْحالِ فَذاكَ وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ هَذِهِ السُّورَةَ فَتَسْمِيَتُهُ قُرْآنًا لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الكَثِيرِ والقَلِيلِ فَكَما يُطْلَقُ عَلى الكُلِّ يُطْلَقُ عَلى البَعْضِ، نَعَمْ إنَّهُ غَلَبَ عَلى الكُلِّ عِنْدَ الإطْلاقِ مُعَرَّفًا لِتَبادُرِهِ، وهَلْ وصَلَ بِالغَلَبَةِ إلى حَدِّ العَلَمِيَّةِ أوْ لا؟
فِيهِ خِلافٌ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ البَيْضاوِيُّ قَدَّسَ سِرَّهُ فَتَلْزَمُهُ الألِفُ واللّامُ ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَهْجُرِ المَعْنى الأوَّلِ، ووَقَعَ في كُتُبِ الأُصُولِ أنَّهُ وُضِعَ تارَةً لِلْكُلِّ خاصَّةً وأُخْرى لِما يَعُمُّهُ، والبَعْضُ أعْنِي الكَلامَ المَنقُولَ في المُصْحَفِ تَواتُرًا، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ الغَلَبَةَ لَيْسَ لَها وضْعٌ ثانٍ وإنَّما هي تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ أفْرادِ المَوْضُوعِ لَهُ، ولِذا لَزِمَتِ العِلْمَ بِها اللّامُ أوِ الإضافَةُ إلّا أنْ يُدَّعى أنَّ فِيها وضْعًا تَقْدِيرِيًّا كَذا قِيلَ، ومِمَّنْ صَرَّحَ بِأنَّ التَّعْيِينَ بِالغَلَبَةِ قَسِيمٌ لِلتَّعْيِينِ بِالوَضْعِ -العَلّامَةُ الزَّرْقانِيُّ وغَيْرُهُ لَكِنْ تَعَقَّبَهُ الحِمَّصِيُّ فَقالَ: إنَّ دَلالَةَ الإعْلامِ بِالغَلَبَةِ عَلى تَعْيِينِ مُسَمّاها بِالوَضْعِ وإنْ كانَ غَيْرَ الوَضْعِ الأوَّلِ فَلْيُتَأمَّلْ.
وعَنِ الزَّجّاجِ وابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ الضَّمِيرَ لِنَبَأِ يُوسُفَ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ في النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقِيلَ: هو لِلْإنْزالِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، و(قُرْآنًا) هو المَفْعُولُ بِهِ، والقَوْلانِ ضَعِيفانِ كَما لا يَخْفى، ونُصِبَ (قُرْآنًا) عَلى أنَّهُ حالٌ وهو بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمّا بَعْدَهُ وعَنْ تَأْوِيلِهِ بِالمُشْتَقِّ حالٌ مُوطِّئَةٌ لِلْحالِ الَّتِي هي عَرَبِيًّا وإنْ أُوِّلَ بِالمُشْتَقِّ أيْ مَقْرُوءًا فَحالٌ غَيْرُ مُوطِّئَةٍ و(عَرَبِيًّا) إمّا صِفَتُهُ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ وصْفَ الصِّفَةِ، وإمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ عَلى رَأْيِ مَن يَقُولُ بِتَحَمُّلِ المَصْدَرِ الضَّمِيرِ إذا كانَ مُؤَوَّلًا بِاسِمِ المَفْعُولِ مَثَلًا، وقِيلَ: (قُرْآنًا) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و(عَرَبِيًّا) صِفَتُهُ، وظاهِرُ صَنِيعِ أبِي حَيّانَ يَقْتَضِي اخْتِيارَهُ، ومَعْنى كَوْنِهِ (عَرَبِيًّا) أنَّهُ مَنسُوبٌ إلى العَرَبِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ وهي لُغَةٌ قَدِيمَةٌ.
أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ في التّارِيخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لُغَتُهُ في الجَنَّةِ العَرَبِيَّةَ فَلَمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ سُلِبَها فَتَكَلَّمَ بِالسُّرْيانِيَّةِ فَلَمّا تابَ رَدَّها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ: كانَ اللِّسانُ الأوَّلُ الَّذِي هَبَطَ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَنَّةِ عَرَبِيًّا إلى أنْ بَعُدَ وطالَ العَهْدُ حُرِّفَ وصارَ سُرْيانِيًّا، وهو مَنسُوبٌ إلى أرْضِ سُورِيَّةَ وهي أرْضُ الجَزِيرَةِ، وبِها كانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمُهُ قَبْلَ الغَرَقِ، وكانَ يُشاكِلُ اللِّسانَ العَرَبِيَّ إلّا أنَّهُ مُحَرَّفٌ، وكانَ أيْضًا لِسانَ جَمِيعِ مَن في السَّفِينَةِ إلّا رَجُلًا واحِدًا يُقالُ لَهُ: جُرْهم فَإنَّهُ كانَ لِسانُهُ العَرَبِيَّ الأوَّلَ فَلَمّا خَرَجُوا مِنَ السَّفِينَةِ تَزَوَّجَ إرَمُ بْنُ سامٍ بَعْضَ بَناتِهِ وصارَ اللِّسانُ العَرَبِيُّ في ولَدِهِ عُوصٍ أبِي عادٍ، وعَبِيلَ وجاثِرٍ أبِي ثَمُودَ وجَدِيسَ، وسُمِّيَتْ عادٌ بِاسْمِ جُرْهُمَ لِأنَّهُ كانَ جَدَّهم مِنَ الأُمِّ وبَقِيَ اللِّسانُ السُّرْيانِيُّ في ولَدِ أرْفَخَشْدِ ابْنِ سامٍ إلى أنْ وصَلَ إلى قَحْطانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ وكانَ بِاليَمَنِ فَنَزَلَ هُناكَ بَنُو إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَتَعَلَّمَ مِنهم بَنُو قَحْطانَ اللِّسانَ العَرَبِيَّ، وقالَ ابْنُ دِحْيَةَ: العَرَبُ أقْسامٌ: الأوَّلُ عارِبَةُ وعَرْباءُ -وهُمُ الخُلَّصُ- وهم تِسْعُ قَبائِلَ مِن ولَدِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ؛ وهي عادٌ وثَمُودُ وأمِيمُ وعَبِيلُ وطَسْمُ وجَدِيسُ وعَمَلِيقُ وجُرْهُمُ ووِبارُ، ومِنهم تَعَلَّمَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ العَرَبِيَّةَ، والثّانِي المُتَعَرِّبَةُ قالَ في الصِّحاحِ: وهُمُ الَّذِينَ لَيْسُوا بِخُلَّصٍ وهم بَنُو قَحْطانَ، والثّالِثُ المُسْتَعْرِبَةُ وهُمُ الَّذِينَ لَيْسُوا بِخُلَّصٍ أيْضًا -وهم بَنُو إسْماعِيلَ- وهم ولَدُ مَعْدِ بْنِ عَدْنانَ بْنِ أُدَدَ، اهـ.
وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ في الجَمْهَرَةِ العَرَبُ العارِبَةُ سَبْعُ قَبائِلَ: عادٌ وثَمُودُ وعَمَلِيقُ وطَسْمُ وجَدِيسُ وأمِيمُ وجاسِمٌ، وقَدِ انْقَرَضَ أكْثَرُهم إلّا بَقايا مُتَفَرِّقِينَ مِنَ القَبائِلِ، وأوَّلُ مَنِ انْعَدَلَ لِسانُهُ عَنِ السُّرْيانِيَّةِ إلى العَرَبِيَّةِيَعْرُبُ بْنُ قَحْطانَ، وهو مُرادُ الجَوْهَرِيِّ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ أوَّلُ مَن تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ أوَّلُ مَن تَكَلَّمَ بِها بِما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ في التّارِيخِ بِسَنَدٍ رَواهُ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ مَوْقُوفًا ولا أراهُ يَصِحُّ، ذُكِرَ فِيهِ تَبَلْبُلُ الألْسِنَةِ بِبابِلَ وأنَّهُ أوَّلُ مَن تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ مِن طَرِيقِ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ «عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ إلَخْ، ثُمَّ قالَ: ”أُلْهِمَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا اللِّسانَ العَرَبِيَّ إلْهامًا“،» وقالَ الشِّيرازِيُّ في كِتابِ الألْقابِ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ إسْماعِيلَ المُدانِيُّ أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ إسْحاقَ الماشِيُّ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جابِرٍ، حَدَّثَنا أبُو يُوسُفَ بْنُ السِّكِّيتِ قالَ: حَدَّثَنِي الأثْرَمُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنا مَسْمَعُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ عَنْ آبائِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «”أوَّلُ مَن فَتَقَ لِسانُهُ بِالعَرَبِيَّةِ المُبِينَةِ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ابْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً“».
ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ مَن تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ المَحْضَةِ، وأُرِيدَ بِذَلِكَ -عَلى ما قالَهُ بَعْضُ الحُفّاظِ- عَرَبِيَّةَ قُرَيْشٍ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ، وإلّا فاللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ مُطْلَقًا كانَتْ قَبْلَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَتْ لُغَةَ حِمْيَرَ، وقَحْطانَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلّامٍ: أخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ قالَ: العَرَبُ كُلُّها ولَدُ إسْماعِيلَ إلّا حِمْيَرًا وبَقايا جُرْهُمَ وقَدْ جاوَرَهم وأصْهَرَ إلَيْهِمْ، وذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن لَيْسَ مِن ذُرِّيَّتِهِ كَعادٍ وثَمُودَ وطَسْمَ وجَدِيسَ وأمِيمَ وجُرْهُمَ والعَمالِيقِ وأُمَمٍ غَيْرِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ كانُوا قَبْلَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ وفي زَمانِهِ وكانَ عَرَبُ الحِجازِ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وأمّا عَرَبُ اليَمَنِ -وهم حِمْيَرُ- فالمَشْهُورُ كَما قالَ ابْنُ ماكُولا: إنَّهم مِن قَحْطانَ واسْمُهُ مِهْزَمٌ وهو ابْنُ هُودٍ، وقِيلَ: أخُوهُ، وقِيلَ: مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقِيلَ: قَحْطانُ هو هُودٌ، وحَكى ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ أنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ العَرَبَ القَحْطانِيَّةَ مِن عَرَبِ اليَمَنِ وغَيْرِهِمْ لَيْسُوا مِن ذُرِّيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ مُطْلَقًا كانَتْ قَبْلَهُ وهي إحْدى اللُّغاتِ الَّتِي عَلِمَها آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ يَتَكَلَّمُ بِها وبِغَيْرِها أيْضًا، وكَثُرَ تَكَلُّمُهُ فِيما قِيلَ: بِالسُّرْيانِيَّةِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّها أوَّلُ اللُّغاتِ وأنَّ كُلَّ لُغَةٍ سِواها حَدَثَتْ بَعْدَها إمّا تَوْقِيفًا أوِ اصْطِلاحًا، واسْتَدَلُّوا عَلى أسْبَقِيَّتِها وُجُودًا بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى وهو عَرَبِيٌّ وفِيهِ ما فِيهِ، وهي أفْضَلُ اللُّغاتِ حَتّى حَكى شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنِ الإمامِ أبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كَراهَةَ التَّكَلُّمِ بِغَيْرِها لِمَن يُحْسِنُها مِن غَيْرِ حاجَةٍ، وبَعْدَها في الفَضْلِ عَلى ما قِيلَ: الفارِسِيَّةُ الدُّرِّيَّةُ حَتّى رُوِيَ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ جَوازُ قِراءَةِ القُرْآنِ بِها سَواءٌ في ذَلِكَ ما كانَ ثَناءً كالإخْلاصِ وغَيْرِهِ، وسَواءٌ كانَتْ عَنْ عَجْزٍ عَنِ العَرَبِيَّةِ أمْ لا، ورُوِيَ عَنْ صاحِبَيْهِ جَوازُ القِراءَةِ في الصَّلاةِ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ لِمَن لا يُحْسِنُها، وفي النِّهايَةِ والدِّرايَةِ أنَّ أهْلَ فارِسَ كَتَبُوا إلى سَلْمانَ الفارِسِيِّ أنْ يَكْتُبَ لَهُمُ الفاتِحَةَ بِالفارِسِيَّةِ فَكَتَبَ فَكانُوا يَقْرَأُونَ ما كَتَبَ في الصَّلاةِ حَتّى لانَتْ ألْسِنَتُهم.
وقَدْ عَرَضَ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، نَعَمِ الصَّحِيحُ أنَّ الإمامَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وفي النَّفْحَةِ القُدْسِيَّةِ في أحْكامِ قِراءَةِ القُرْآنِ وكِتابَتِهِ بِالفارِسِيَّةِ لِلشِّرْنِبْلالِيِّ ما مُلَخَّصُهُ: حُرْمَةُ كِتابَةِ القُرْآنِ بِالفارِسِيَّةِ إلّا أنْ يَكْتُبَهُ بِالعَرَبِيَّةِ ويَكْتُبَ تَفْسِيرَ كُلِّ حَرْفٍ وتَرْجَمَتَهُ وحُرْمَةُ مَسِّهِ لِغَيْرِ الطّاهِرِ اتِّفاقًا كَقِراءَتِهِ وعَدَمُ صِحَّةِ الصَّلاةِ بِافْتِتاحِها بِالفارِسِيَّةِ وعَدَمُ صِحَّتِها بِالقِراءَةِ بِها إذا كانَتْ ثَناءً واقْتِصارُهُ عَلَيْها مَعَ القُدْرَةِ عَلى العَرَبِيَّةِ وعَدَمُ الفَسادِ بِما هو ذِكْرٌ وفَسادُها بِما لَيْسَ ذِكْرًا بِمُجَرَّدِ قِراءَتِهِ ولا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ أُمِّيًّا وهو يَعْلَمُ الفارِسِيَّةَ فَقَطْ، وتَصِحُّ الصَّلاةُ بِدُونِ قِراءَةٍ لِلْعَجْزِ عَنِ العَرَبِيَّةِ عَلى الصَّحِيحِ عِنْدَ الإمامِ وصاحِبَيْهِ، وأطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ، وفي مِعْراجِ الدِّرايَةِ مَن تَعَمَّدَ قِراءَةَ القُرْآنِ أوْ كِتابَتَهُ بِالفارِسِيَّةِ فَهو مَجْنُونٌ أوْ زِنْدِيقٌ، والمَجْنُونُ يُداوى والزِّنْدِيقُ يُقْتَلُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ البُخارِيِّ ومَعَ هَذا لا يُنْكَرُ فَضْلُ الفارِسِيَّةِ، فَفي الحَدِيثِ: «”لِسانُ أهْلِ الجَنَّةِ العَرَبِيُّ والفارِسِيُّ الدُّرِّيُّ“،» وقَدِ اشْتُهِرَ ذَلِكَ لَكِنْ ذَكَرَ الذَّهَبِيُّ في تارِيخِهِ عَنْ سُفْيانَ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنا أنَّ النّاسَ يَتَكَلَّمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالسُّرْيانِيَّةِ فَإذا دَخَلُوا الجَنَّةَ تَكَلَّمُوا بِالعَرَبِيَّةِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، وآخَرُونَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أحِبُّوا العَرَبَ لِثَلاثٍ؛ لِأنِّي عَرَبِيٌّ والقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، وكَلامُ أهْلِ الجَنَّةِ عَرَبِيٌّ”».
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ما يُعَضِّدُهُ، ولا يَخْفى عَلى الخَبِيرِ بِمَزايا الكَلامِ أنَّ في الكَلامِ العَرَبِيِّ مِن لَطائِفِ المَعانِي ودَقائِقِ الأسْرارِ ما لا يَسْتَقِلُّ بِأدائِهِ لِسانٌ ويَلِيهِ في ذَلِكَ الكَلامُ الفارِسِيُّ، فَإنْ كانَ هَذا مَدارَ الفَضْلِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَتَنازَعَ اثْنانِ في أفْضَلِيَّةِ العَرَبِيِّ ثُمَّ الفارِسِيِّ مِمّا وصَلَ إلَيْنا مِنَ اللُّغاتِ، وإنْ كانَ شَيْئًا آخَرَ فالظّاهِرُ وُجُودُهُ في العَرَبِيِّ الَّذِي اخْتارَ سُبْحانَهُ إنْزالَ القُرْآنِ بِهِ لا غَيْرَ، وقَدْ قَسَمَ لِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن هَذا اللِّسانِ ما لَمْ يَقْسِمْ لِأحَدٍ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما لِكَ أفْصَحُنا ولَمْ تَخْرُجْ مِن بَيْنِ أظْهُرِنا؟
قالَ: كانَتْ لُغَةُ إسْماعِيلَ قَدْ دَرَسَتْ فَجاءَ بِها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَفَّظَنِيها فَحَفِظْتُها“».
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ يُونُسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ بْنِ الحَرْثِ التَّيْمِيِّ عَنْ أبِيهِ مِن حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أفْصَحَكَ ما رَأيْنا الَّذِي هو أعْرَبُ مِنكَ؟
قالَ: حَقَّ لِي فَإنَّما أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَيَّ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ"،» هَذا وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ العَرَبِيُّ مَنسُوبًا إلى عَرَبَةٍ وهي ناحِيَةُ دارِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ الشّاعِرُ: (وعَرَبَةٌ) أرْضٌ ما يَحِلُّ حَرامَها مِنَ النّاسِ إلّا اللَّوْذَعِيُّ الحُلاحِلُ والمُرادُ لُغَةُ أهْلِ هَذِهِ النّاحِيَةِ، واسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِنهُمُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو عُبَيْدَةَ، والقاضِي أبُو بَكْرٍ بِوَصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا عَلى أنَّهُ لا مُعْرَبَ فِيهِ، وشَدَّدَ الشّافِعِيُّ النَّكِيرَ عَلى مَن زَعَمَ وُقُوعَ ذَلِكَ فِيهِ، وكَذا أبُو عُبَيْدَةَ فَإنَّهُ قالَ: مَن زَعَمَ أنَّ فِيهِ غَيْرَ العَرَبِيَّةِ فَقَدْ أعْظَمَ القَوْلَ.
ووَجَّهَ ابْنُ جَرِيرٍ ما ورَدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وغَيْرَهُ في تَفْسِيرِ ألْفاظٍ مِنهُ أنَّها بِالفارِسِيَّةِ أوِ الحَبَشِيَّةِ أوِ النَّبَطِيَّةِ كَذا بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا اتَّفَقَ فِيهِ تَوارُدُ اللُّغاتِ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ كانَ لِلْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ بَعْضُ مُخالَطَةٍ لِأهْلِ سائِرِ الألْسِنَةِ في أسْفارٍ لَهم فَعَلُقَتْ مِن لُغاتِهِمْ ألْفاظٌ غَيَّرَتْ بَعْضَها بِالنَّقْصِ مِن حُرُوفِها واسْتَعْمَلَتْها في أشْعارِها ومُحاوَرَتِها حَتّى جَرَتْ مَجْرى العَرَبِيِّ الفَصِيحِ ووَقَعَ بِها البَيانُ، وعَلى هَذا الحَدِّ نَزَلَ بِها القُرْآنُ.
وقالَ آخَرُونَ: كُلُّ تِلْكَ الألْفاظِ عَرَبِيَّةٌ صِرْفَةٌ ولَكِنَّ لُغَةَ العَرَبِ مُتَّسِعَةٌ جِدًّا ولا يَبْعُدُ أنْ تَخْفى عَلى الأكابِرِ الأجِلَّةِ، وقَدْ خَفِيَ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ مَعْنى فاطِرٍ وفاتِحٍ، ومِن هُنا قالَ الشّافِعِيُّ في الرِّسالَةِ: لا يُحِيطُ بِاللُّغَةِ إلّا نَبِيٌّ.
وذَهَبَ جَمْعٌ إلى وُقُوعِ غَيْرِ العَرَبِيِّ فِيهِ، وأجابُوا عَنِ الآيَةِ بِأنَّ الكَلِماتِ اليَسِيرَةَ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ لا تُخْرِجُهُ عَنِ العَرَبِيَّةِ، فالقَصِيدَةُ الفارِسِيَّةُ لا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِها فارِسِيَّةً بِلَفْظَةٍ عَرَبِيَّةٍ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: المُرادُ أنَّهُ عَرَبِيُّ الأُسْلُوبِ، واسْتَدَلُّوا بِاتِّفاقِ النُّحاةِ عَلى أنَّ مَنعَ صَرْفِ نَحْوِ إبْراهِيمَ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، ورَدَ بِأنَّ الأعْلامَ لَيْسَتْ مَحَلَّ خِلافٍ وإنَّما الخِلافُ في غَيْرِها، وأُجِيبَ بِأنَّهُ إذا اتُّفِقَ عَلى وُقُوعِ الأعْلامِ فَلا مانِعَ مِن وُقُوعِ الأجْناسِ ونُظِرَ فِيهِ، واخْتارَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ القَوْلَ بِالوُقُوعِ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِما صَحَّ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ التّابِعِيِّ الجَلِيلِ أنَّهُ قالَ: في القُرْآنِ مِن كُلِّ لِسانٍ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ.
وذُكِرَ أنَّ حِكْمَةَ وُقُوعِ تِلْكَ الألْفاظِ فِيهِ أنَّهُ حَوى عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ونَبَأ كُلِّ شَيْءٍ فَلا بُدَّ أنْ تَقَعَ فِيهِ الإشارَةُ إلى أنْواعِ اللُّغاتِ لِتَتِمَّ إحاطَتُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ فاخْتِيرَ لَهُ مِن كُلِّ لُغَةٍ أعْذَبُها وأخَفُّها وأكْثَرُها اسْتِعْمالًا لِلْعَرَبِ وأيْضًا لَمّا كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُرْسَلًا إلى كُلِّ أُمَّةٍ ناسَبَ أنْ يَكُونَ في كِتابِهِ المَبْعُوثِ بِهِ مِن لِسانِ كُلِّ قَوْمٍ شَيْءٌ، وقَدْ أشارَ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ ابْنُ النَّقِيبِ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القاسِمُ بْنُ سَلامٍ بَعْدَ أنْ حَكى القَوْلَ بِالوُقُوعِ عَنِ الفُقَهاءِ: والمَنعُ عَنْ أهْلِ العَرَبِيَّةِ الصَّوابِ تَصْدِيقُ القَوْلَيْنِ جَمِيعًا، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الأحْرُفَ أُصُولُها عَجَمِيَّةٌ كَما قالَ الفُقَهاءُ لَكِنَّها وقَعَتْ لِلْعَرَبِ فَعَرَّبَتْها بِألْسِنَتِها وحَوَّلَتْها عَنْ ألْفاظِ العَجَمِ إلى ألْفاظِها فَصارَتْ عَرَبِيَّةً ثُمَّ نَزَلَ القُرْآنُ، وقَدِ اخْتَلَطَتْ هَذِهِ الأحْرُفُ بِكَلامِ العَرَبِ فَمَن قالَ: إنَّها عَرَبِيَّةٌ فَهو صادِقٌ، ومَن قالَ: إنَّها عَجَمِيَّةٌ فَهو صادِقٌ، ومالَ إلى هَذا القَوْلِ الجَوالِيقِيُّ وابْنُ الجَزَرِيِّ وآخَرُونَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَبْحَثِ أيْضًا فَلْيُتَفَطَّنْ ولْيُتَأمَّلْ.
واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِالآيَةِ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مَخْلُوقًا مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ وصْفُهُ بِالإنْزالِ، والقَدِيمُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، الثّانِي وصْفُهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، والقَدِيمُ لا يَكُونُ عَرَبِيًّا ولا فارِسِيًّا، الثّالِثُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى إنْزالِهِ غَيْرَ عَرَبِيٍّ وهو ظاهِرُ الدَّلالَةِ عَلى حُدُوثِهِ.
الرّابِعُ أنَّ قَوْلَهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ ﴾ يَدُلُّ عَلى تَرْكُّبِهِ مِنَ الآياتِ والكَلِماتِ وكُلُّ ما كانَ مُرَكَّبًا كانَ مُحْدَثًا ضَرُورَةَ أنَّ الجُزْءَ الثّانِيَ غَيْرُ مَوْجُودٍ حالَ وُجُودِ الجُزْءِ الأوَّلِ.
وأجابَ الأشاعِرَةُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِأنَّ قُصارى ما يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ والكَلِماتِ مُحْدَثٌ وذَلِكَ مِمّا لا نِزاعَ فِيهِ، والَّذِي نَدَّعِي قِدَمَهُ شَيْءٌ آخَرُ نُسَمِّيهِ الكَلامَ النَّفْسِيَّ وهو مِمّا لا يَتَّصِفُ بِالإنْزالِ ولا بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا ولا غَيْرَهُ، ولا بِكَوْنِهِ مُرَكَّبًا مِنَ الحُرُوفِ ولا غَيْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ في المُقَدِّماتِ ما يَنْفَعُكَ هُنا فَلا تَغْفَلْ.
﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ أيْ لِكَيْ تَفْهَمُوا مَعانِيهِ وتُحِيطُوا بِما فِيهِ مِنَ البَدائِعِ أوْ تَسْتَعْمِلُوا فِيهِ عُقُولَكم فَتَعْلَمُوا أنَّهُ خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ مُشْتَمِلٌ عَلى ما يَشْهَدُ لَهُ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ خَلّاقِ القُوى والقُدَرِ، وهَذا بَيانٌ لِحِكْمَةِ إنْزالِهِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ -لَعَلَّ- مُسْتَعْمَلَةٌ بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، ومُرادُهُ مِن ذَلِكَ ظاهِرٌ، وجَعْلُها لِلرَّجاءِ مِن جانِبِ المُخاطَبِينَ وإنْ كانَ جائِزًا لا يُناسِبُ المَقامَ.
وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ المَعْنى أنْزَلَهُ لِتَعْقِلُوا مَعانِيَهُ في أمْرِ الدِّينِ فَتَعْرِفُوا الأدِلَّةَ الدّالَّةَ عَلى تَوْحِيدِهِ وما كَلَّفَكم بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ مَن حَصَلَ مِنهُ ذَلِكَ ومَن لَمْ يَحْصُلْ، وفِيهِ أنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى ما ذَكَرَ كَما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"
مكية وهي مائة وإحدى عشرة آية قوله تعالى: الر تِلْكَ وذلك أن اليهود والنصارى، قالوا لأصحاب النبيّ : سلوا صاحبكم ما كان سبب انتقال يعقوب وأولاده من كنعان إلى مصر، ومبدأ أمرهم، فنزل: الر يقول: أنا الله أرى وأسمع سؤالهم إياك يا محمد عن هذه القصة.
ويقال: الر أنا الله أرى صنيع إخوة يوسف ومعاملتهم معه.
ويقال: أنا الله أرى ما يرى الخلق، وما لا يرى تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ يعني: حججه وبراهينه.
ويقال: هذه الآيات التي وعدتكم في التوراة أن أنزلها على محمد .
وعدهم بأن ينزل عليه كتاباً، في كثير من أوائل سوره حروف الهجاء.
الْمُبِينِ يعني: مبين حلاله وحرامه.
ويقال: بَيَّنَ فيه خبر يوسف وإخوته.
وروى معمر، عن قتادة، قال: بين الله رشده وهداه.
قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا يقول: إنا أنزلنا جبريل ليقرأ على محمد القرآن، بلسان العرب، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يعني: لعلكم تفهمون ما فيه.
<div class="verse-tafsir"
[تفسير سورة يوسف]
هذه السورة مكّيّة، والسبب في نزولها أنّ اليهود أمروا كفّار مكّة أن يسألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن السبب الذي أحلّ بني إسرائيل بمصر، فنزلت السورة.
وقيل: سبب نزولها تسلية النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عمّا/ يفعله به قومه بما فعل إخوة يوسف بيوسف، وسورة يوسف لم يتكرّر من معانيها في القرآن شيء كما تكرّرت قصص الأنبياء، ففيها حجّة على من اعترض بأن الفصاحة تمكّنت بترداد القول، وفي تلك القصص حجّة على من قال في هذه: لو كرّرت، لفترت فصاحتها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وقولهُ عزَّ وجلَّ: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ الْكِتابِ هنا القرآن، ووصفه ب الْمُبِينِ من جهة بيان أحكامه وحَلاَله وحرامِهِ ومَواعِظِهِ وهُدَاهُ ونُوره، ومِنْ جهة بيانِ اللسانِ العربيِّ وجودته، والضمير في أَنْزَلْناهُ: للكتاب، وقُرْآناً حال، وعَرَبِيًّا:
صفة له، وقيل: قُرْآناً: توطئة للحال، وعَرَبِيًّا حالٌ.
وقوله سبحانه: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ...
الآية: روى ابن مسعودٍ، أنَّ أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مَلُّوا مَلَّةً، فقالوا: لَوْ قَصَصْتَ علينا، يَا رَسُولَ اللَّهِ!
فَنَزَلَتْ هذه الآيةُ، ثم مَلُّوا ملَّةً أخْرَى، فقالوا: لَوْ حَدَّثْتَنَا، يَا رَسُولَ اللَّه، فنزلَتِ: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً «١» ...
الآية [الزمر: ٢٣] والْقَصَصِ: الإخبار بما جَرَى من الأمور.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكِتابِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: إلى خَبَرِ يُوسُفَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وابْنُ القاسِمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ قَدْ ذَكَرْنا مَعْنى القُرْآنِ واشْتِقاقِهِ في سُورَةِ (النِّساءِ:٨٢) .
وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ، هَلْ في القُرْآنِ شَيْءٌ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ، أمْ لا، فَمَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَن زَعَمَ أنَّ في القُرْآنِ لِسانًا سِوى العَرَبِيَّةِ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ القَوْلَ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ أنَّ فِيهِ مِن غَيْرِ لِسانِ العَرَبِ، مِثْلُ " سِجِّيلٍ " و " المِشْكاةِ " و " اليَمِّ " و " الطُّورِ " و " أبارِيقَ " و " إسْتَبْرَقٍ " وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَؤُلاءِ أعْلَمُ مِن أبِي عُبَيْدَةَ، ولَكِنَّهم ذَهَبُوا إلى مَذْهَبٍ، وذَهَبَ هو إلى غَيْرِهِ، وكِلاهُما مُصِيبٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ بِغَيْرِ لِسانِ العَرَبِ في الأصْلِ، فَقالَ: أُولَئِكَ عَلى الأصْلِ، ثُمَّ لَفَظَتْ بِهِ العَرَبُ بِألْسِنَتِها فَعَرَّبَتْهُ فَصارَ عَرَبِيًّا بِتَعْرِيبِها إيّاهُ، فَهي عَرَبِيَّةٌ في هَذِهِ الحالَةِ، أعْجَمِيَّةُ الأصْلِ، فَهَذا القَوْلُ يُصَدِّقُ الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِكَيْ تَفْهَمُوا.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ، ويُرْوى أنَّ اليَهُودَ سَألُوا رَسُولَ اللهِ عن قِصَّةِ يُوسُفَ فَنَزَلَتِ السُورَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ويُرْوى أنَّ اليَهُودَ أمَرُوا كُفّارَ مَكَّةَ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللهِ عَنِ السَبَبِ الَّذِي أحَلَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِمِصْرَ فَنَزَلَتِ السُورَةُ، وقِيلَ: سَبَبُ نُزُولِها تَسْلِيَةُ رَسُولِ اللهِ عَمّا يَفْعَلُهُ بِهِ قَوْمُهُ بِما فَعَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ بِيُوسُفَ، وسُورَةُ يُوسُفَ لَمْ يَتَكَرَّرْ مِن مَعْناها في القُرْآنِ شَيْءٌ كَما تَكَرَّرَتْ قَصَصُ الأنْبِياءِ، فَفِيها حُجَّةٌ عَلى مَنِ اعْتَرَضَ بِأنَّ الفَصاحَةَ تَمَكَّنَتْ بِتَرْدادِ القَوْلِ، وفي تِلْكَ القَصَصِ حُجَّةٌ عَلى مَن قالَ في هَذِهِ: لَوْ كُرِّرَتْ لَفَتَرَتْ فَصاحَتُها.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في فَواتِحِ السُوَرِ، و"الكِتابُ": القُرْآنُ، ووَصْفُهُ بـِ "المُبِينِ" قِيلَ: مِن جِهَةِ أحْكامِهِ وحَلالِهِ وحَرامِهِ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ مَواعِظِهِ وهُداهُ ونُورِهِ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ بَيانِ اللِسانِ العَرَبِيِّ وجَوْدَتِهِ إذْ فِيهِ سِتَّةُ أحْرُفٍ لَمْ تَجْتَمِعْ في لِسانٍ، -رُوِيَ هَذا القَوْلُ عن مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ- ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُبِينًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ بِإعْجازِهِ والصَوابُ أنَّهُ مُبِينٌ بِجَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "أنْزَلْناهُ" لِلْكِتابِ، والإنْزالُ إمّا بِمَعْنى الإثْباتِ، وإمّا أنْ تَتَّصِفَ بِهِ التِلاوَةُ والعِبارَةُ، وقالَ الزَجّاجُ: الضَمِيرُ في "أنْزَلْناهُ" يُرادُ بِهِ خَبَرُ يُوسُفَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
وقَوْلُهُ: "لَعَلَّكُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِـ "أنْزَلْناهُ"، أيْ: أنْزَلْناهُ لَعَلَّكُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "عَرَبِيًّا"، أيْ: جَعَلْناهُ عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ إذْ هو لِسانُكُمْ، و"قُرْآنًا" حالٌ، و"عَرَبِيًّا" صِفَةٌ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ "قُرْآنًا" بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، وقِيلَ: "قُرْآنًا" تَوْطِئَةٌ لِلْحالِ، و"عَرَبِيًّا" حالٌ، وهَذا كَما تَقُولُ: "مَرَرْتُ بِزَيْدٍ رَجُلًا صالِحًا".
وقَوْلُهُ تَعالى: "نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ" الآيَةُ.
رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ «أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللهِ مَلُّوا مَلَّةً فَقالُوا: لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنا يا رَسُولَ اللهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ثُمَّ مَلُّوا مَلَّةً أُخْرى فَقالُوا: لَوْ حَدَّثْتَنا يا رَسُولَ اللهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ اللهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا ﴾ »، و"القَصَصُ": الإخْبارُ بِما جَرى مِنَ الأُمُورِ، كَأنَّ الأنْباءَ تَتَبُّعٌ بِالقَوْلِ كَما يُقْتَصُّ الأثَرُ، وقَوْلُهُ: ﴿ بِما أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ أيْ: بِوَحْيِنا، و"القُرْآنُ" نَعْتٌ لـ "هَذا"، ويَجُوزُ فِيهِ البَدَلُ، وعَطْفُ البَيانِ فِيهِ ضَعِيفٌ.
و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ في خَبَرِها لامُ التَأْكِيدِ، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، ومَذْهَبُ أهْلِ الكُوفَةِ أنَّ "إنْ" بِمَعْنى "لَها"، و(اللامُ) بِمَعْنى (إلّا)، والضَمِيرُ في "قَبْلِهِ" لِلْقَصَصِ العامِّ لِما في جَمِيعِ القُرْآنِ مِنهُ، و ﴿ مِنَ الغافِلِينَ ﴾ أيْ عن مَعْرِفَةِ هَذا القَصَصِ.
ومَن قالَ: إنَّ الضَمِيرَ في "قَبْلِهِ" عائِدٌ عَلى "القُرْآنِ" جَعَلَ ﴿ لَمِنَ الغافِلِينَ ﴾ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى ﴾ ، أيْ: عَلى طَرِيقٍ غَيْرِ هَذا الدِينِ الَّذِي بُعِثْتَ بِهِ، ولَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ السَلامُ في ضَلالِ الكُفّارِ ولا في غَفْلَتِهِمْ، لِأنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ قَطُّ، وإنَّما كانَ مُسْتَهْدِيًا رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُوَحِّدًا، والسائِلُ عَنِ الطَرِيقِ المُتَحَيِّرُ يَقَعُ عَلَيْهِ -فِي اللُغَةِ- اسْمُ ضالٍّ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف يفيد تعليل الإبانة من جهتي لفظه ومعناه، فإنّ كونه قرآناً يدل على إبانة المعاني، لأنّه ما جعل مقروءاً إلاّ لما في تراكيبه من المعاني المفيدة للقارئ.
وكونه عربياً يفيد إبانة ألفاظه المعانيَ المقصودة للّذين خوطبوا به ابتداء، وهم العرب، إذ لم يكونوا يتبيّنون شيئاً من الأمم التي حولهم لأنّ كتبهم كانت باللغات غير العربية.
والتّأكيد ب (إنّ) متوجّه إلى خبرها وهو فعل ﴿ أنزلناه ﴾ ردّاً على الذين أنكروا أن يكون منزلاً من عند الله.
وضمير ﴿ أنزلناه ﴾ عائد إلى ﴿ الكتاب ﴾ في قوله: وقرآناً } حال من الهاء في ﴿ أنزلناه ﴾ ، أي كتاباً يقرأ، أي منظماً على أسلوب معدّ لأنْ يقْرأ لا كأسلوب الرسائل والخطب أو الأشعار، بل هو أسلوب كتاب نافع نفعاً مستمراً يقرأه الناس.
و ﴿ عربيّاً ﴾ صفة ل ﴿ قرآناً ﴾ .
فهو كتاب بالعربيّة ليس كالكتب السّالفة فإنّه لم يسبقه كتاب بلغة العرب.
وقد أفصح عن التعليل المقصود جملة ﴿ لعلّكم تعقلون ﴾ ، أي رجاء حصول العلم لكم من لفظه ومعناه، لأنّكم عرب فنزوله بلغتكم مشتملاً على ما فيه نفعكم هو سبب لعقلكم ما يحتوي عليه، وعُبّرَ عن العلم بالعقل للإشارة إلى أنّ دلالة القرآن على هذا العلم قد بلغت في الوضوح حدّ أن ينزّل من لم يَحصل له العلم منها منزلة من لا عقل له، وأنّهم ما داموا معرضين عنه فهم في عداد غير العقلاء.
وحذف مفعول ﴿ تعقلون ﴾ للإشارة إلى أنّ إنزاله كذلك هو سبب لحصول تعقل لأشياء كثيرة من العلوم من إعجاز وغيره.
وتقدّم وَجه وقوع (لعلّ) في كلام الله تعالى، ومحمل الرجاء المفاد بها على ما يؤول إلى التعليل عند قوله تعالى: ﴿ ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلّكم تشكرون ﴾ في سورة البقرة (52)، وفي آيات كثيرة بعدها بما لا التباس بعده.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ يُوسُفَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها الآياتُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُها في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها.
الثّانِي: الآياتُ الَّتِي في هَذِهِ السُّورَةِ، ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ أيْ هَذِهِ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ.
الثّالِثُ: أنَّ تِلْكَ الآياتِ إشارَةٌ إلى ما افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِنَ الحُرُوفِ وأنَّها عَلاماتُ الكِتابِ العَرَبِيِّ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: المُبِينُ حَلالَهُ وحَرامَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: المُبِينُ هُداهُ ورُشْدَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: المُبِينُ لِلْحُرُوفِ الَّتِي سَقَطَتْ مِن ألْسُنِ الأعاجِمِ وهي سِتَّةُ أحْرُفٍ، قالَهُ مُعاذٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنّا أنْزَلْنا الكِتابَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا بِلِسانِ العَرَبِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
الثّانِي: إنّا أنْزَلْنا خَبَرَ يُوسُفَ قُرْآنًا، أيْ مَجْمُوعًا عَرَبِيًّا أيْ يُعْرِبُ عَنِ المَعانِي بِفَصِيحٍ مِنَ القَصَصِ وهو شاذٌّ.
﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ ﴾ أيْ نُبَيِّنُ لَكَ أحْسَنَ البَيانِ، والقاصُّ الَّذِي يَأْتِي بِالقِصَّةِ عَلى حَقِيقَتِها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الطبراني وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي» .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي» .
وأخرج الحاكم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلا ﴿ قرآناً عربياً ﴾ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألهم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهاماً» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: نزل القرآن بلسان قريش، وهو كلامهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ قال أبو إسحاق (١) (٢) أحدهما: أن يكون الكتاب، ويجوز أن يكون ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ ﴾ خبر يوسف وقصته.
قال أبو بكر: وذلك أن اليهود قالوا للمشركين سلوا محمدًا لم انتقل ولد يعقوب من الشام إلى مصر؟
وسلوه عن خبر يوسف وإخوته؟
فأنزل الله ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ (٣) (٤) (٥) ﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ قال: ولا يجوز رجوع الهاء على القرآن المتأخر؛ لأن الكناية لا تصح إلا بسبق ظاهر يوضح تأويلها.
وقوله تعالى: ﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ ذكرنا معنى العربي والعرب والأعراب في قوله ﴿ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا ﴾ (٦) وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ قال ابن عباس (٧) (٨) (١) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 87.
بتصرف.
(٢) "البحر المحيط" 5/ 277.
(٣) ذكر ذلك البغوي 4/ 417، و"زاد المسير" 4/ 177، والرازي 18/ 83.
(٤) في (ب): ﴿ أَنْزَلْنَاهُ ﴾ .
(٥) هذا القول رجحه النحاس كما في "معاني القرآن" 3/ 396، وضعفه ابن عطيه 7/ 431.
(٦) التوبة: 97.
قال هنالك: وقال أهل العلم: إنما سمي العرب عربًا؛ لأن أولاد إسماعيل نشأوا بعربة، وهي من تهامة فنسبوا إلى بلدهم، وكل من سكن بلاد العرب وجزيرتها ونطق بلسان أهلها فهم منهم ..
والأعرابي: إذا كان بدويًّا صاحب نجعه وانتواء.
(٧) "زاد المسير" 4/ 178، البغوي 4/ 211، القرطبي 9/ 118.
(٨) "تفسير مقاتل" 150 ب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الكتاب المبين ﴾ يعني القرآن، والمبين يحتمل أن يكون بمعنى البيِّن، فيكون غير متعد، أو يكون متعدياً بمعنى أنه أبان الحق أي أظهره ﴿ لَّعَلَّكُمْ ﴾ يتعلق بأنزلناه أو بعربياً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يا أبت ﴾ بفتح التاء والوقف بالهاء: يزيد وابن عامر.
وقرأ ابن كثير ويعقوب بكسر التاء والوقف بالهاء.
الباقون بالكسر في الحالين ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين: يزيد وابن عباس والخزاز ﴿ لي ساجدين ﴾ بفتح الياء: الأعشى والبرجمي ﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء أياً كان: حفص والمفضل.
الباقون بكسرها ﴿ رؤياك ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة وليث.
وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وقرأ يزيد وأبو عمر غير شجاع، وورش من طريق الأصبهاني والأعشى وحمزة في الوقف بغير همزة ﴿ آية للسائلين ﴾ على التوحيد: ابن كثير: الآخرون ﴿ آيات ﴾ على الجمع.
﴿ يخل لكم ﴾ بالإدغام: شجاع من طريق أبي غالب وأبو شعيب ﴿ غيابات ﴾ وما بعده على الجمع: أبو جعفر ونافع.
الباقون ﴿ غيابة ﴾ على التوحيد ﴿ لا تأمنا ﴾ بغير إشمام ضمة النون: يزيد والحلواني عن قالون.
الآخرون بإشمام ﴿ الذئب ﴾ وما بعده بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعشى وورش وخلف وعلي وحمزة في الوقف ﴿ يرتع ويلعب ﴾ بالياء فيهما وبالجزم: عاصم وحمزة وعليّ وخلف.
بكسر العين في الأول: أبو جعفر ونافع.
بالنون فيهما بالجزم: ابن عامر وأبو عمرو.
وبكسر العين: ابن كثير سوى الهاشمي وأبي ربيعة عن قنبل فإنهما ﴿ نرتعي ﴾ بالكسر مع الياء بعده ﴿ نرتع ويلعب ﴾ بالجزم فيهما مع النون في الأول والياء في الثاني: يعقوب عن رويس ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أبو جعفر ونافع وابن كثير.
وقرأ نافع ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أيضاً ولكن من باب الأفعال ﴿ بل سولت ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام.
﴿ يا بشرى ﴾ بالإمالة غير مضافة: حمزة وعليّ وخلف وحماد والخزاز عن هبيرة.
﴿ يا بشرى ﴾ بغير إمالة وإضافة: عاصم غير حماد والخزاز.
الباقون ﴿ يا بشراي ﴾ بالإضافة إلى ياء المتكلم.
الوقوف: ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ المبين ﴾ ه ط كوفي أيضاً وغيرهم لا يقفون عليها لأنهم يجعلون إنا جواب معنى القسم في ﴿ آلر ﴾ ﴿ القرآن ﴾ ق والوصل أصح لأن الواو للحال ﴿ الغافلين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وإسحق ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ عصبة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ج والعربية توجب الوقف وإن قيل إن الابتداء به لا يحسن ﴿ صالحين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ لناصحون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لخاسرون ﴾ ه ﴿ في غيابة الجب ﴾ ج لاحتمال أن يكون جواب "لما" محذوفاً والواو في ﴿ وأوحينا ﴾ للاستئناف تقديره فعلوا وأمضوا عليه، وأن تكون الواو مقحمة والجواب ﴿ أوحينا ﴾ ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ يبكون ﴾ ه ط ﴿ فأكله الذئب ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ كذب ﴾ ط ﴿ أمراً ﴾ ط ﴿ جميل ﴾ ط ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ دلوه ﴾ ط ﴿ غلام ﴾ ط ﴿ بضاعة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معدودة ﴾ ج لاحتمال الواو والحال ﴿ الزاهدين ﴾ ه.
التفسير: قال في الكشاف: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ﴿ آيات ﴾ السورة و ﴿ الكتاب المبين ﴾ السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، أو التي بين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر، أو الواضحة التي لا يشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم، أو قد أبين فيها ما سألت اليهود عنه من قصة يوسف، فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف.
أقول: مدار هذه التفاسير على أن أبان لازم ومتعد يقال: أبان الشيء وأبان هو بنفسه ﴿ إنا أنزلناه ﴾ أي هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف يعني هذه السورة في حال كونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ والقرآن اسم جنس يقع على كله وعلى بعضه.
وقوله: ﴿ قرآناً عربياً ﴾ يسمى حالاً موطئة لأن المراد وصفه بالعربية.
احتج الجبائي بإنزال القرآن وبكونه عربياً وآيات على أن أنه محدث لأن هذه من أوصاف المحدثات.
وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الألفاظ وإنما النزاع في الكلام النفس ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم لأنه بلغتكم.
قال الجبائي: فيه دليل على أنه أراد من المكلفين كلهم أن يعقلوا توحيده وأمر دينه.
وأجيب بأن الآية لا تدل إلا على أنه أنزل هذه السورة وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة، ولا دلالة فيه على أنه أراد من الكل الإيمان العمل الصالح.
قال أهل اللغة: القصص اشتقاقه من قص أثره إذا اتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً، ومثله التلاوة لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية، ثم إن كان القصص مصدراً بمعنى الاقتصاص فيكون ﴿ أحسن ﴾ مثله لإضافته إلى المصدر، ويكون المفعول أي المقصوص محذوفاً وهو الوحي لدلالة ﴿ أوحينا ﴾ عليه، أو يكون هذا القرآن مفعوله ومفعول ﴿ أوحينا ﴾ محذوفاً كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إياه إليك.
وعلى هذا فالحسن يرجع إلى المنطق لا إلى القصة.
وحسن المنطق كونه على أبدع طريق وأعجب أسلوب لأن هذه الحكاية مقتصة في كتب الأولين وفي كتب التواريخ ولم يبلغ شيء منه إلى حد الإعجاز، وإن أريد بالقصص المقصوص كما يراد بالنبأ والخبر المنبأ والمخبر، فالحسن يرجع إلى القصة ولا سيما فيما يرجع إلى صلاح حال المكلف في الدارين، ووجه حسنها اشتمالها على الغرائب والعجائب والنكت والعبر وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن ما قضى الله كائن لا محالة لا يردّه كيد كائد ولا حسد حاسد.
ويروى أن أصحاب رسول الله ملوا فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا.
فأنزل الله عز وجل ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً ﴾ ثم إنهم ملوا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ كل ذلك يؤمرون بالقرآن ﴿ وإن كنت ﴾ هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة.
والمعنى وإن الشأن كنت أنت من قبل إيحائنا إليك ﴿ لمن الغافلين ﴾ عن هذ القصة أو عن الدين والشريعة ﴿ إذ قال ﴾ بدل اشتمال من أحسن القصص لأن الوقت مشتمل على القصص فإذاً قص وقته فقد قص المقصوص أو منصوب بإضمار "اذكر".
و ﴿ يوسف ﴾ ليس عربياً على الأصح إذ لا سبب فيه بعد التعريف إلا العجمة فهو اسم عبراني، ومن ظن أنه من آسف يؤسف بناء على أنه قرىء بكسر السين وبفتحها فيوجد فيه وزن الفعل أيضاً فقد أخطأ، لأن القراءة المشهورة تأباه ولن يكون الاسم عربياً تارة وأعجمياً أخرى.
وهذا الخلاف روي في "يونس" أيضاً.
عن النبي "الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم" قال النحويون: التاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وهي للتأنيث لأنها قد تقلب هاء في الوقف.
ويجوز إلحاق التاء بالمذكر نحو "حمامة" ذكر والكسرة فيه لمناسبة الياء التي هي بدل منها.
والفتحة إما فتحة الياء فيمن يفتحها أو الفتحة الباقية بعد حذف الألف من ياء يا أبتا ﴿ إني رأيت ﴾ هو من الرؤيا التي تختص بالمنام لا من الرؤية التي تشمل اليقظة بدليل قول يعقوب له ﴿ ولا تقصص رؤياك ﴾ ولأن ذلك لو كان في اليقظة لكانت آية عظيمة ولم تخف على أحد.
من قرأ ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين فلكراهة توالي المتحركات فيما هو في حكم كلمة، وكذا الى تسعة عشر إلا اثني عشر لئلا يلتقي ساكنان.
قال في الكشاف: روى جابر أن يهودياً جاء إلى النبي فقال: يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف.
فسكت رسول الله فنزل جبريل فأخبره بذلك فقال النبي لليهودي:إن أخبرتك هل تسلم؟
قال: نعم.
قال: جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين.
رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له.
فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.
وأقول: إن أكثر هذه الأسماء ليست مما اشتهر عند أهل الهيئة، فإن صح الخبر فهي من العلوم التي تفرد بها الأنبياء.
وإفراد الشمس والقمر من الكواكب بعد ذكرها دليل على شرفهما كقوله ﴿ وملائكته وجبريل وميكائيل ﴾ وإنما كرر الفعل لطول الكلام أو على تقدير سؤال كأنه قيل له: كيف رأيتها؟
فقال: رأيتهم لي ساجدين.
والظاهر أن هذه السجدة كانت بمعنى وضع الجبهة إذ لا مانع من حملها على الحقيقة لكنها كانت على وجه التواضع.
وإنما أجريت الكواكب مجرى العقلاء في عود الضمير إليها لأن السجود من شأن العقلاء كقوله للأصنام: ﴿ وتراهم ينظرون إليك ﴾ وعند الفلاسفة هم أحياء ناطقة فلا حاجة إلى العذر.
عبر أبوه رؤياه بأن إخوته سيسجدون له وهم أحد عشر، وكذا أبواه وهما الشمس والقمر.
وقيل: هما أبوه وخالته لأن أمه لم تدخل مصر وتوفيت قبل ذلك.
وعن وهب أن يوسف رأى - وهو ابن سبع سنين - أن إحدى عشرة عصاً طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة التي حول القمر وهي الهالة، وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك.
ثم رأى - وهو ابن اثنتي عشرة سنة - الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم فيبغوا لك الغوائل.
وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومسير إخوته إليه أربعون سنة.
وقيل ثمانون.
قال علماء التعبير: إن الرؤيا الردية يظهر أثرها عن قريب كيلا يبقى المؤمن في الغم والحزن، والرؤيا الجيدة يبطىء أثرها لتكون بهجة المؤمن أدوم.
قوله ﴿ فيكيدوا ﴾ منصوب بإضمار "أن" جواباً للنهي.
واللام في ﴿ لك ﴾ لتأكيد الصلة مثل "نصحتك" و "نصحت لك".
وقال في الكشاف: ضمن الكيد معنى الاحتيال ليفيد معى الفعلين فيكون أبلغ في التخويف.
وقيل: متعلق بالمصدر الذي بعده.
ثم إنه وصل بهذه النصيحة شيئاً من تعبير رؤياه فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل اجتبائك لهذه الرؤيا الشريفة ﴿ يجتبيك ربك ﴾ لأمور عظام.
والاجتباء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض جمعته، وخصص الحسن الاجتباء بالنبوة.
قال في الكشاف ﴿ ويعلمك ﴾ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل: وهو يعلمك ويتم نعمته عليك.
أقول: ولعل إدخاله في حكم التشبيه ليس بضائر.
وفي ﴿ تأويل الأحاديث ﴾ وجوه منها: أنه تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم، سمى التعبير تأويلاً لأنه يؤول أمره إلى ما رآه في المنام أو يؤول أمر ما رآه في المنام إلى ذلك.
والأحاديث اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة لأنها التي يتحدث بها الناس.
ومنها أنه تبيين معاني كتب الله وسنن الأنبياء لأن المفسر والمحدّث يحدّثان عن الله ورسوله فيقولان: قال الله كذا وقال الرسول كذا.
ومنها أن الحديث بمعنى الحادث والمراد كيفية الاستدلال بالحادث على القديم .
وأما إتمام النعمة فيمن فسر الاجتباء بالنبوة فسر الإتمام بالسعادات الدنيوية والأخروية من المال والجاه والعلوم والأخلاق الفاضلة، ومن فسر ذلك بالدرجات العالية فسر هذا بالنبوة لأن التمام المطلق في حق البشر ليس إلا بالنبوة، ولأن إتمام النعمة عليه مشبه بإتمامها على إبراهيم وإسحق، ومن المعلوم أن الامتياز بينهما وبين أقرانهما لم يكن إلا بالنبوة وقد يفسر إتمام النعمة على إبراهيم بالخلة والإنجاء من النار ومن ذبح الولد، وعلى إسحق بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح عظيم وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه، ويكون وجه التشبيه إنجاءه من السجن والمحن كإنجائهما من النار والذبح.
والمراد بآل يعقوب نسله قيل: علم يعقوب أن يوسف وإخوته أنبياء استدلالاً بضوء الكواكب.
واعترض بما فرط منهم في حق يوسف.
وأجيب بأن ذلك قبل النبوة.
وقيل: إتمام النعمة وصل نعمة الدنيا بنعم الآخرة وذلك أنه جعلهم ملوكاً وأنبياء و ﴿ إبراهيم وإسحاق ﴾ عطف بيان لأبويك لأن أبا الجد في حكم الأب ﴿ إن ربك عليم ﴾ بمن يستحق الاجتباء ﴿ حكيم ﴾ لا يضع الشي إلا في موضعه فلا يجعل الرسالة إلا في نفس قدسية وجوهر مشرق.
قيل: حكم يعقوب بوقوع هذه الأمور دليل على جزمه بها فكيف خاف بعدها على يوسف حتى قال: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ ؟
والجواب لعل جزمه بذلك كان مشروطاً بعدم كيد إخوته، ولعل قوله: ﴿ أخاف أن يأكله الذئب ﴾ كيلا يتهاونوا في حفظه فإن للوسائط والأسباب مدخلاً عظيماً في وجود الأشياء وحصولها ﴿ لقد كان في يوسف وإخوته ﴾ أي في قصتهم وحديثهم ﴿ آيات للسائلين ﴾ لمن سأل عن تلك القصة وعرفها، أو آيات على نبوة محمد للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم بها من غير سماع العلم.
وفيه أنه يجب أن يصبر على بغي قومه إلى أن يظهر أمره كما فعل يوسف.
يروى أن أسامي إخوته: يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي وربالون ويشجر ودينة - وهؤلاء من ليا بنت خالة يعقوب - ودان ونفتالي وجاد وآشر - وهم من سريتين زلفة وبلهة - فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف.
﴿ إذ قالوا ﴾ ظرف لكان أو منصوب بإضمار "اذكر" ﴿ ليوسف ﴾ في لام الابتداء تحقيق لمضمون الجملة.
﴿ وأخوه ﴾ أي لأبيه وأمه عنوا بنيامين ﴿ أحب ﴾ إذا كان أفعل التفضيل مستعملاً بمن لم يتصرف فيه ﴿ ونحن عصبة ﴾ الواو للحال والعصبة العشرة فصاعداً لأن الأمور تعصب بكفايتهم أي إنه يفضلهما في المحبة علينا وهما ابنان صغيران.
لا كفاية فيهما ولا منفعة ونحن جماعة نكفي مهماته ونقوم بمصالحه ﴿ إن إبانا لفي ضلال مبين ﴾ أرادوا ضلالاً خاصاً وهو البعد عن طريق الصلاح وحسن المعاشرة مع الأولاد، ولم يعلموا أن المحبة أمر يتعلق بالقلب وليس لله فيه تكليف، ولعل يعقوب تفرس في يوسف ما أوجب اختصاصه بمزيد البر.
ومن جملة أقوالهم أنهم قالوا لما تشاوروا في أمره ﴿ اقتلوا يوسف ﴾ قيل: الآمر بالقتل شمعون أو دان ورضي به الباقون فجعلوا جميعاً آمرين.
والظاهر أنه قال بعضه بذلك بدليل أنه لم يقع القتل ولقولهم ﴿ أو اطرحوه ﴾ فكان بعضهم أشار إلى القتل وبعضهم إلى الطرح ومهما صدر أمر من بعض القوم صح إسناده إليه كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفسا ﴾ وانتصب ﴿ أرضاً ﴾ على الظرف كالظروف المبهمة أي أرضاً مجهولة بعيدة عن العمارة ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ تخلص محبته لكم سليمة عن التنازل فيها وكان ذرك الوجه تصويراً لإقباله عليهم بالكلية، ويجوز أن يراد بالوجه ذاته أو المراد يفرغ لكم من الشغل بيوسف ﴿ وتكونوا ﴾ مجزوم لأنه معطوف على جواب الأمر ﴿ من بعده ﴾ من بعد قتله أو إطراحه أو من بعد يوسف إذا قتل أو غرب ﴿ قوماً صالحين ﴾ تائبين إلى الله أو إلى أبيه لعذر تمهدونه مما جنيتم عليه، أو المراد صلاح دنياهم وانتظام أمورهم وتفرغهم لمهماتهم بعد يوسف بفراغ البال ﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً وأدباً وهو الذي قال: ﴿ فلن أبرح الأرض ﴾ ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ لأن القتل عظيم ولا سيما قتل الأخ وخاصة إذا كان القاتل والمقتول من أولاد الأنبياء ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ سمى البئر جباً لأنها قطعت قطعاً ولم يحصل فيها شيء سوى القطع للأرض، والغيابة غور البئر وما غاب منها عن عين الناظر وأظلم من أسفلها.
ومن قرأ على الجمع فلأن للجب أقطاراً ونواحي ﴿ يلتقطه بعض السيارة ﴾ أي الرفقة السائرة قال ابن عباس: أي المارة، والالتقاط تناول الشيء من الطريق ونحوه يستعمل في الإنسان وغيره ومنه اللقيط للمنبوذ ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ إن لم يكن من فعل هذا الأمر بد فهذا هو الرأي.
ثم إن يعقوب كان خائفاً على يوسف من كيدهم وكان يظهر أمارات ذلك على صحائف أعماله وأقواله فلذلك قالوا: ﴿ ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ﴾ ما وجد منا في بابه سوى النصح والإشفاق على الإطلاق ﴿ أرسله معنا غداً يرتع ويلعب ﴾ من قرأ بالجزم فمن الرتعة كالأمنة وهي الخصب والسعة، ومن قرأ بالكسر فعلى حذف الياء من يرتعي مستعاراً من ارتعاء الإبل والماشية.
واللعب ترك ما ينفع إلى ما لا ينفع.
فمن قرأ بالياء فلا إشكال لأن الصبي لا تكليف عليه، ومن قرأ بالنون قال كان لعبهم الاستباق والانتضال بدليل قوله ﴿ إنا ذهبنا نستبق ﴾ سمي لعباً لأنه في صورته، أو اللعب قد يطلق على استعمال المباحات لأجل انشراح الصدر قال لجابر: " فهلا تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك." ﴿ قال إني ليحزنني ﴾ لام الابتداء للتأكيد أو لتخصيص المضارع بالحال ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ أصله الهمز ولهذا قال بعضهم: إنه مشتق من تذأبت الريح إذا أتت من كل جهة.
قيل: كان أرضهم مذأبة فلذلك قال: ﴿ أخاف ﴾ .
وقيل: رأى في النوم أن الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره فلقنهم العذر كما جاء في أمثالهم البلاء موكل بالمنطق.
قوله: ﴿ إنا إذاً ﴾ جواب للقسم ساد مسد جواب الشرط، حلفوا له أن كان ما خافه وحالهم أنهم رجال كفاة وحماة فهم إذ ذاك خاسرون عاجزون أو مستحقون للدعاء عليهم بالخسار، أو المراد إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا وخسرناها.
كان يعقوب قد اعتذر إليهم بأمرين: أحدهما أن ذهابهم به مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني خوفه عليه من الذئب فلم يجيبوا عن الأول لأنه هو الذي كان يغيظهم فلم يعبئوا بذلك الكلام فخصوا الجواب بالثاني، وههنا إضمار والتقدير فأذن لهم وأرسله معهم ﴿ فلما ذهبوا به وأجمعوا ﴾ عزموا على ﴿ أن يجعلوه في غيابت الجب ﴾ قيل: هو بئر ببيت المقدس.
وقيل: بأرض الأردن.
وقيل: بين مصر ومدين: وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوبٍ.
ثم إن كان جواب "لما" محذوفاً ففي الآية إضمار آخر كما تقدم في الوقوف.
قال السدي: إن يوسف لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء.
فقال يهوذا أما أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه، فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخواه بالدم ويحتالوا به على أبيهم.
فقال: يا إخوتاه ردّوا عليّ قميصي أتوارى به فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً حتى ينقذوك ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام.
وروي أنه لما ألقي في الجب قال: يا شاهداً غير غائب، ويا قريباً غير بعيد، ويا غالباً غير مغلوب، اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً.
وحكي أن إبراهيم حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبرائيل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فجاء جبرائيل فأخرجه وألبسه إياه ﴿ وأوحينا إليه ﴾ في صغر السن كما أوحي إلى يحيى وعيسى.
وقيل: كان إذ ذاك بالغاً وعن الحسن كان له سبع عشر سنة ﴿ لتنبئنهم ﴾ لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنك يوسف لعلو شأنك وبعد حالك عن أوهامهم ولطول العهد المنسي المغير للهئيات والأشكال..
يروى أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم ويقال له يوسف وكان يدنيه دونكم وإنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس.
ويجوز أن يراد وهم لا يشعرون أنا آنسناه بالوحي وأزلنا الوحشة عن قلبه فتتعلق الجملة بقوله ﴿ وأوحينا ﴾ روي أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال له الشعبي: يا أبا أمية أما تراها تبكي؟
قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة وما ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية.
عن مقاتل: إنما جاءوا عشاء لئلا تظهر أمارة الخجل والكذب على وجوههم.
ولما سمع صوتهم يعقوب فزع وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟
قالوا لا.
قال: فما لكم وأين يوسف ﴿ قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ﴾ أي نتسابق في العدو أو في الرمي وقيل ننتضل ﴿ وما أنت بمؤمن لنا ﴾ أي بمصدق لشدة محبتك ليوسف، وفيه دليل لمن يزعم أن الإيمان هو التصديق ﴿ ولو كنا صادقين ﴾ ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا ﴿ وجاؤوا على قميصه ﴾ نصب على الظرف أي فوق قميصه لا على الحال المتقدمة لأن حال المجرور لا تتقدم عليه ﴿ بدم كذب ﴾ ذي كذب أو دم هو الكذب بعينة مبالغة.
يروى أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، ويروى أن يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟
فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص.
وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.
وقيل: كان في قميص يوسف ثلاث آيات آية ليعقوب على كذبهم، وآية حين ألقاه البشير على وجهه فارتد بصيراً، وآية على براءة يوسف حين قدّ من دبر.
ولما تبين يعقوب بالآيات المذكورة أو بالوحي أنهم كاذبون قال على سبيل الإضراب.
﴿ بل سوّلت ﴾ قال ابن عباس بل زينت ﴿ لكم أنفسهم أمراً ﴾ في شأنه وهو تفعيل من السول الأمنية.
قال الأزهري: وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمزة.
وقال في الكشاف: سوّلت سهلت من السول بفتحتين وهو الاسترخاء والتنكير دليل التعظيم ﴿ فصبر جميل ﴾ لا بد من تقدير مبتدأ أو خبر أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أمثل.
وفي الحديث أنه الذي لا شكوى فيه أي إلى الخلق لقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ وقيل: أي لا أعايشكم على كآبة الوجه بل أكون لكم كما كنت.
يحكى أنه سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فقيل له: ما هذا؟
فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان.
فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني؟
قال: يا رب خطيئة فاغفرها لي.
ثم بين أن الصبر على ما وصفوه من هلاك يوسف لا يمكن إلا بمعونة الله فقال: ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ فالقرينتان كقوله: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ {الفاتحة: 5] ويعلم من الآية أن الصبر إن كان لأجل الرضا بقضاء الله أو لاستغراقه في شهود نور الحق بحيث يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء فذلك صبر جميل وإلا فلا.
واعترض بأن هذا الصبر كان فيه إعانة الظالمين وإهمال لتخليص المظلوم من المحن والشدائد والترقية فكيف جاز صبر يعقوب حتى لم يبالغ في التفتيش والتنقير، ولو بالغ لظهر عليه الأمر لشهرته وعظم قدره؟
وأجيب بأن الله لعله منعه عن الطلب تشديداً للمحنة عليه، أو لعله إن بالغ في البحث أقدموا على قتله، أو علم أن الله يصون يوسف وسيعظم أمره بالآخرة فلم يرد هتك ستر أولاده وإلقاءهم في ألسنة الناس كقول القائل: فإذا رميت يصيبني سهمي *** فكان الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله .
ثم شرع في حكاية خلاص يوسف فقال: ﴿ وجاءت سيارة ﴾ عن ابن عباس: قوم يسيرون من مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة.
وقيل: كان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف.
﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ رجلاً يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء.
ومعنى الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم ﴿ فأدلى دلوه ﴾ أرسلها في البئر.
قال الواحدي: فإذا نزعها وأخرجها قيل دلا يدلو.
﴿ قال يا بشرى ﴾ التقدير فظهر يوسف فقال الوارد: يا بشرى كأنه ينادي البشرى ويقول تعالي فهذا أوانك.
ومتى قال الوارد هذا الكلام؟
قال جمع من المفسرين: حين رأى يوسف متعلقاً بالحبل.
وقال آخرون: لما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به.
قال السدي: كان للوارد صاحب يقال له بشرى فنادى يا بشرى كما يقال يا زيد.
والأكثرون على أنها بمعنى البشارة.
فقال أبو علي: يحتمل أن يكون منادى مضموماً مثل يا رجل وأن يكون منصوباً مثل يا رجلاً كأنه جعل ذلك النداء شائعاً في جنس البشرى.
ومن قرأ بالإضافة فنصبه ظاهر.
والضمير في ﴿ وأسروه ﴾ إما عائد إلى الوارد وأصحابه أي أخفوه من الرفقة لئلا يدعوا المشاركة في الالتقاط، أو في الشراء إن قالوا اشتريناه.
وطريق الإخفاء أنهم كتموه من الرفقة أو قالوا إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر، وإما عائد الى إخوة يوسف بناء على ما روي عن ابن عباس أنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد آبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه، ولعل الوجه الأول أولى بدليل قوله ﴿ بضاعة ﴾ وهي نصب على الحال أي أخفوه متاعاً للتجارة.
وأصل البضع القطع والبضاعة قطعة من المال للتجارة والله أعلم.
﴿ والله عليم بما يعملون ﴾ فيه وعيد إما للوارد وأصحابه حيث استبضعوا ما ليس لهم أو لإخوة يوسف وذلك ظاهر، وفيه أن كيد الأعداء لا يدفع شيئاً مما علم الله من حال المرء.
والضمير في قوله: ﴿ وشروه ﴾ إما أن يعود إلى الوارد وأصحابه أي باعوه ﴿ بثمن ﴾ قليل لأن الملتقط للشيء متهاون به ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ ممن يرغب عما في يده.
قال أهل اللغة: زهد فيه معناه رغب عنه وزهد عنه معناه رغب فيه، وإما أن يعود إلى الإخوة والمعنى باعوه، أو إلى الرفقة والمعنى اشتروه، وهكذا الضمير في ﴿ وكانوا ﴾ إن عاد إلى الإخوة فقلة رغبتهم في يوسف ظاهرة وإلا لم يفعلوا به ما فعلوا، وإن عاد إلى الرفقة فذلك أنهم اعتقدوا أنه أبق فخافوا إعطاء الثمن الكثير.
عن ابن عباس أن إخوته عادوا إلى الجب بعد ثلاثة أيام يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا: هذا عبد أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منا فباعوه منهم، ولعلهم عرفوا أنه ولد يعقوب فكرهوا اشتراءه خوفاً من الله ومن ظهور تلك الواقعة إلا إنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة بثمن بخس أي مبخوس ناقص عن القيمة أو ناقص العيار.
وقال ابن عباس: البخس هنا الحرام لأن ثمن الحر حرام دراهم لا دنانير معدودة قليلة تعد عدّاً.
ولا توزن لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية وهي الأربعون.
عن ابن عباس كانت عشرين درهماً.
وعن السدي اثنين وعشرين أخذ كل واحد من الإخوة درهمين إلا يهوذا فإنه لم يأخذ شيئاً.
ويروى أن إخوته اتبعوهم يقولون استوثقوا منه لا يأبق.
والظاهر أن الضمير في ﴿ فيه ﴾ عائد إلى يوسف.
ويحتمل أن يعود إلى الثمن البخس أي أخذوا في ثمنه ما ليس يرغب فيه.
قال النحويون: قوله: ﴿ فيه ﴾ ليس من متعلقات الزاهدين لأن الألف واللام فيه موصول وزاهدين صلة، وكما لا تتقدم نفس الصلة فكذا ما هو متعلق به فلا يقال مثلاً: وكانوا زيداً من الضاربين فهو بيان كأنه قيل في أي شيء زهدوا؟
فقيل: زهدوا فيه والله أعلم.
التأويل: ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ دلالات كتاب المحبوب إلى المحب للهداية إلى طريق الوصال ولهذا كانت أحسن القصص لأنها أتم قصص القرآن مناسبة ومشابهة بأحوال الإنسان ﴿ إذ قال يوسف ﴾ القلب ﴿ لأبيه ﴾ يعقوب الروح ﴿ إني رأيت أحد عشر كوكباً ﴾ هن الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة أي المذكرة والحافظة والمتخيلة والمتوهمة والحسن المشترك مع المفكرة، وبكل من هذه إضاءة أي أدراك للمعنى المناسب له وهم إخوة يوسف القلب لأنهم تولدو بازدواج يعقوب الروح وزوج النفس والشمس والقمر الروح والنفس ﴿ رأيتهم لي ساجدين ﴾ وهذا مقام كمالية الإنسان أن يصير القلب سلطاناً يسجد له الروح والنفس والحواس والقوى ﴿ وكذلك يجتبيك ربك ﴾ على سائر المخلوقات وهذا كمال حسن يوسف ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ العلم اللدني المختص بالقلب ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بأن يتجلى لك ويستوي لك إذ القلب عرش حقيقي للرب ﴿ وعلى آل يعقوب ﴾ أي متولدات الروح من القوى والحواس ﴿ كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم ﴾ السر ﴿ وإسحاق ﴾ الخفي وبهما يستحق القلب لقبول فيض التجلي، وهناك لله ألطاف خفية لا يتبع الإنسان فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل.
﴿ آيات للسائلين ﴾ عن طريق الوصول إلى الله ﴿ ليوسف ﴾ القلب ﴿ وأخوه ﴾ بنيامين الحس المشترك فإن له اختصاصاً بالقلب ﴿ أحب إلى أبينا منا ﴾ لأن القلب عرض الروح ومحل استوائه عليه، والحس المشترك بمثابة الكرسي للعرش.
﴿ اقتلوا يوسف ﴾ القلب بسكين الهوى وبسم الميل إلى الدنيا ﴿ أو اطرحوه ﴾ في أرض البشرية ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ يقبل الروح بوجهه إلى الحواس والقوى لتحصيل شهواتها ﴿ وتكونوا ﴾ بعد موت القلب ﴿ قوماً صالحين ﴾ للنعم الحيواني والنفساني.
﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا القوة المفكرة ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ القلب ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ القالب وسفل البشرية ﴿ يلتقطه بعض ﴾ سيارة الجواذب النفسانية.
﴿ يرتع ﴾ في المراتع البهيمية ﴿ ويلعب ﴾ في ملاعب الدنيا ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ من فتنة الدنيا وآفاتها ﴿ لئن أكله الذئب ﴾ الشيطان ﴿ إنا إذا لخاسرون ﴾ لأن خسران جميع أجزاء الإنسان في هلاك القلب وربحها في سلامة القلب ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ فيه إشارة إلى أن من خصوصية تعلق الروح بالقالب أن يتولد منهما القلب العلوي والنفس السفلية والحواس والقوى فيحصل التجاذب.
فإن كانت الغلبة للروح سعد، وإن كانت للنفس شقي ﴿ وجاؤوا أباهم عشاء ﴾ أي في النصف الآخر من مدّة العمر ﴿ نستبق ﴾ نتشاغل باللهو في أيام الشباب ﴿ وتركنا يوسف ﴾ أي قالب مهملاً معطلاً عن الاستكمال ﴿ فأكله ﴾ ذئب الشيطان.
﴿ وجاؤا على قميصه ﴾ أي قالب القلب ﴿ بدم كذب ﴾ هو آثار الملكات الردية، زعموا أنها قد سرت إلى القلب وأزالت نور الإيمان عنه بالكلية.
﴿ قال ﴾ يعقوب الروح ﴿ بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ﴾ على ما قضى الله وقدر ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ من رين القلب وموته ﴿ وجاءت سيارة ﴾ هي هبوب نفحات ألطاف الحق ﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ وارداً من واردات الحق ﴿ فأدلى دلوه ﴾ جذبه من جذبات الرحمن ﴿ قال يا بشرى ﴾ فيه إشارة إلى أن للجذبة بشارة في تعلقها بالقلب كما أن للقلب بشارة في خلاصة من جب الطبيعة كما قال : ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ ﴿ والله عليم ﴾ بحكمة البشارتين و ﴿ بما يعملون ﴾ من شرائه ﴿ بثمن بخس ﴾ هو الحظوظ الفانية في أيام معدودة ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ لأنهم ما عرفوا قدره وإنما ميلهم إلى استجلاب المنافع الردية العاجلة والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ ﴾ .
ذكر تلك، وهي كلمة إشارة إلى شيء سبق ذكره، ولم يتقدم فيه ذكر شيء يشار إليه، وذكر آيات - أيضاً - وليس هنالك ذكر آيات أو شيء يكون آية في الظاهر، لكنه يشبه أن يكون قوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ بمعنى: هذه آيات، ويجوز استعمال "تلك" مكان "هذه"، على ما يجوز ذكر "ذلك" مكان "هذا"؛ كقوله: ﴿ الۤـمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ ، أي: هذا الكتاب.
أو أن يكون قوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى ما في السماء، أي: الذي في السماء آيات الكتاب.
أو يقول: ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى [ما في اللوح المحفوظ أو إشارة إلى] ما في الكتب المتقدمة، أي: تلك آيات الكتاب.
﴿ ٱلْمُبِينِ ﴾ يحتمل المبين أنها آيات الرسالة، أو بين أنها من عند الله.
وقوله: ﴿ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ هذا - أيضاً - يشبه أن يخرج على وجهين: أحدهما: إشارة إلى الحروف المقطعة المعجمة فقال: تلك الحروف المقطعة إذا جمعت كانت آيات الكتاب.
أو أن يكون الله أراد أمراً لا نعلم ما أراد، فيقول: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، أي: ذلك الذي أراد هو آيات الكتاب، والله أعلم بما أراد.
وقوله: ﴿ ٱلْمُبِينِ ﴾ .
قيل: ﴿ ٱلْمُبِينِ ﴾ ، أي: ليبين فيه الحلال والحرام، وما يؤتى وما يتقى؛ كقوله: ﴿ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
وقال بعضهم: ليبين بركته وهداه ورشده، أو بين فيه الحق من الباطل، والعدل من الجور.
والكتاب هو اسم ما يكتب، وسمي قرآناً؛ لما يقرأ، وكتاباً؛ لما عن كتاب أخذ ورفع والقرآن لما قرئ عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ﴾ قوله: ﴿ أَنْزَلْنَاهُ ﴾ : الهاء كناية عن الكتاب الذي تقدم ذكره.
﴿ قُرْآناً عَرَبِيّاً ﴾ أنزله بلسان العرب، ولا ندري بأي لسان كان في اللوح المحفوظ، غير أنه أخبر أنه أنزله بلسان العرب، وهكذا كل كتاب أنزل إنما أنزل بلسان المنزل عليهم، لم ينزل بغير لسانهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ .
ما لكم وما عليكم، وما تأتون وما تتقون، أو تعقلون أن هذه الأنباء التي يخبركم بها محمد من الله - - لأنها كانت في كتبهم بغير لسانه، فأخبر على ما كانت في كتبهم؛ دل أنه إنما عرف ذلك بالله .
أو لعلكم تعقلون بأن فيه شرفكم؛ لأنكم تصيرون متبوعين لما يحتاج الناس إلى معرفة ما فيه، ولا يوصل ذلك إلا بكم فتكونون متبوعين والناس أتباع لكم؛ وهو كقوله: ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ ، قال أهل التأويل: أي: فيه شرفكم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
إنا أنزلنا القرآن بلغة العرب لعلكم -أيها العرب- تفهمون معانيه.
<div class="verse-tafsir" id="91.KM2wN"