الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٤٢ من سورة الحجر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 115 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٢ من سورة الحجر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) أي : الذين قدرت لهم الهداية ، فلا سبيل لك عليهم ، ولا وصول لك إليهم ، ( إلا من اتبعك من الغاوين ) استثناء منقطع .
وقد أورد ابن جرير هاهنا من حديث عبد الله بن المبارك ، عن عبد الله بن موهب حدثنا يزيد بن قسيط قال : كانت الأنبياء يكون لهم مساجد خارجة من قراهم ، فإذا أراد النبي أن يستنبئ ربه عن شيء ، خرج إلى مسجده فصلى ما كتب الله له ، ثم سأل ما بدا له ، فبينا نبي في مسجده إذ جاء عدو الله - يعني - : إبليس حتى جلس بينه وبين القبلة ، فقال النبي : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .
[ فقال عدو الله : أرأيت الذي تعوذ منه ؟
فهو هو .
فقال النبي : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ] قال : فردد ذلك ثلاث مرات ، فقال عدو الله : أخبرني بأي شيء تنجو مني ؟
فقال النبي : بل أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم مرتين ؟
فأخذ كل [ واحد ] منهما على صاحبه ، فقال النبي : إن الله تعالى يقول : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ) قال عدو الله : قد سمعت هذا قبل أن تولد .
قال النبي : ويقول الله : ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ) [ الأعراف : 200 ] وإني والله ما أحسست بك قط إلا استعذت بالله منك .
قال عدو الله : صدقت ، بهذا تنجو مني .
فقال النبي : " أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم " ؟
قال : آخذه عند الغضب والهوى
وقوله ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) يقول تعالى ذكره: إن عبادي ليس لك عليهم حجة، إلا من اتبعك على ما دعوته إليه من الضلالة ممن غوى وهلك.
حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن عبيد الله بن موهب، قال ثنا يزيد بن قسيط، قال: كانت الأنبياء لهم مساجد خارجة من قُراهم، فإذا أراد النبيّ أن يستنبئ ربه عن شيء ، خرج إلى مسجده، فصلى ما كتب الله له ، ثم سأل ما بدا له ، فبينما نبيّ في مسجده، إذا جاء عدوّ الله حتى جلس بينه وبين القبلة، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: أعُوذُ بالله مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ، فقال عدوّ الله: أرأيت الذي تعوَّذ منه فهو هو ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: أعُوذُ باللَّهِ مِن الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فردّد ذلك ثلاث مرّات ، فقال عدوّ اللَّه: أخبرني بأيّ شيء تنجو مني ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: بَلْ أَخْبِرْني بأيّ شيْءٍ تَغْلِبُ ابْنَ آدَمَ ، مرّتين ، فأخذ كلّ واحد منهما على صاحبه، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: إنَّ اللَّهَ تعالى ذِكْرُهُ يقُولُ: ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) قال عدوّ اللَّه: قد سمعت هذا قبل أن تولد ، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ويقول اللَّهُ تَعالى ذِكْرُهُ: وَإِمَّا يَنْـزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَـزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وإنّي والله ما أحْسَسْتُ بِكَ قَطُّ إلا اسْتَعذْتُ بالله مِنْكَ ، فقال عدوّ الله: صدقت بهذا تنجو مني ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فأخْبِرْنِي بأيّ شَيْءٍ تَغْلِبُ ابْنَ آدَمَ؟
قال: آخذه عند الغضب، وعند الهوى.
قوله تعالى : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان قال العلماء : يعني على قلوبهم .
وقال ابن عيينة : أي في أن يلقيهم في ذنب يمنعهم عفوي ويضيقه عليهم .
وهؤلاء الذين هداهم الله واجتباهم واختارهم واصطفاهم .قلت : لعل قائلا يقول : قد أخبر الله عن صفة آدم وحواء - عليهما السلام - بقوله : فأزلهما الشيطان [ ص: 27 ] وعن جملة من أصحاب نبيه بقوله : إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا فالجواب ما ذكر ، وهو أنه ليس له سلطان على قلوبهم ، ولا موضع إيمانهم ، ولا يلقيهم في ذنب يئول إلى عدم القبول ، بل تزيله التوبة وتمحوه الأوبة .
ولم يكن خروج آدم عقوبة لما تناول ; على ما تقدم في " البقرة " بيانه .
وأما أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد مضى القول عنهم في آل عمران .
ثم إن قوله سبحانه : ليس لك عليهم سلطان يحتمل أن يكون خاصا فيمن حفظه الله ، ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات والأحوال ، وقد يكون في تسلطه تفريج كربة وإزالة غمة ; كما فعل ببلال ، إذ أتاه يهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام ، ونام النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس ، وفزعوا وقالوا : ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا ؟
فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : ليس في النوم تفريط ففرج عنهم .إلا من اتبعك من الغاوين أي الضالين المشركين .
أي سلطانه على هؤلاء ; دليله إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون .الثانية : وهذه الآية والتي قبلها دليل على جواز استثناء القليل من الكثير والكثير من القليل ; مثل أن يقول : عشرة إلا درهما .
أو يقول : عشرة إلا تسعة .
وقال أحمد بن حنبل : لا يجوز أن يستثنى إلا قدر النصف فما دونه .
وأما استثناء الأكثر من الجملة فلا يصح .
ودليلنا هذه الآية ، فإن فيها استثناء الغاوين من العباد والعباد من الغاوين ، وذلك يدل على أن استثناء الأقل من الجملة واستثناء الأكثر من الجملة جائز .
{ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } تميلهم به إلى ما تشاء من أنواع الضلالات، بسبب عبوديتهم لربهم وانقيادهم لأوامره أعانهم الله وعصمهم من الشيطان.
{ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ } فرضي بولايتك وطاعتك بدلا من طاعة الرحمن، { مِنَ الْغَاوِينَ } والغاوي: ضد الراشد فهو الذي عرف الحق وتركه، والضال: الذي تركه من غير علم منه به.
إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ، أي : قوة .
قال أهل المعاني : يعني على قلوبهم .
وسئل سفيان بن عيينة عن هذه الآية فقال : معناه ليس لك عليهم سلطان تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي ، وهؤلاء ثنية الله الذين هداهم الله واجتباهم .
إلا من اتبعك من الغاوين .
وهو «إن عبادي» أي المؤمنين «ليس لك عليهم سلطان» قوة «إلا» لكن «من اتبعك من الغاوين» الكافرين.
قال الله: هذا طريق مستقيم معتدل موصل إليَّ وإلى دار كرامتي.
إن عبادي الذين أخلصوا لي لا أجعل لك سلطانًا على قلوبهم تضلُّهم به عن الصراط المستقيم، لكن سلطانك على مَنِ اتبعك مِنَ الضالين المشركين الذين رضوا بولايتك وطاعتك بدلا من طاعتي.
إن عبادى المخلصين لا قوة ولا قدرة لك على إغوائهم ، لأنهم حتى إذا مسهم طائف منك .
أسرعوا بالتوبة الصادقة إلى ، فقبلتها منهم .
وغفرت لهم زلتهم .
.
.
ولكنك تستطيع إغواء أتباعك الذين استحوذت عليهم؛ فانقادوا لك .
.
.وفى هاتين الآيتين ما فيهما من التنويه بشأن عباد الله المخلصين ، ومن المديح لهم بقوة الإِيمان ، وعلو المنزلة ، وصدق العزيمة؛ وضبط النفس .
.
.قال - تعالى - : ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وكفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً ) قال الآلوسى وقوله : ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ .
.
.
) أى تصرف وتسلط ، والمراد بالعباد؛ المشار إليهم بالمخلصين ، فالإِضافة للعهد والاستثناء على هذا فى قوله ( إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين ) منقطع .واختار هذا غير واحد .
.
.
وجوز أن يكون بالعباد العموم والاستثناء متصل ، والكلام كالتقرير لقوله إلا عبادك منهم المخلصين ، ولذا لم يعطف على ما قبله ، وتغيير الوضع لتعظيم المخلصين ، بجعلهم هم الباقين بعد الاستثناء .
.
.
.
اعلم أن إبليس لما قال: ﴿ لأزَيّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين ﴾ أوهم هذا الكلام أن له سلطاناً على عباد الله الذين يكونون من المخلصين، فبين تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطان على أحد من عبيد الله سواء كانوا مخلصين أو لم يكونوا مخلصين، بل من اتبع منهم إبليس باختياره صار متبعاً له، ولكن حصول تلك المتابعة أيضاً ليس لأجل أن إبليس يقهره على تلك المتابعة أو يجبره عليها والحاصل في هذا القول: أن إبليس أوهم أن له على بعض عباد الله سلطاناً، فبين تعالى كذبه فيه، وذكر أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلاً، ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عن إبليس أنه قال: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي ﴾ وقال تعالى في آية أخرى: ﴿ إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشْرِكُونَ ﴾ قال الجبائي: هذه الآية تدل على بطلان قول من زعم أن الشيطان والجن يمكنهم صرع الناس وإزالة عقولهم كما يقوله العامة، وربما نسبوا ذلك إلى السحرة قال وذلك خلاف ما نص الله تعالى عليه، وفي الآية قول آخر، وهو أن إبليس لما قال: ﴿ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين ﴾ فذكر أنه لا يقدر على إغواء المخلصين صدقه الله في هذا الاستثناء فقال: ﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين ﴾ فلهذا قال الكلبي: العباد المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس.
واعلم أن على القول الأول يمكن أن يكون قوله: ﴿ إِلاَّ مَنِ اتبعك ﴾ استثناء، لأن المعنى: أن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فإن لك عليهم سلطاناً بسبب كونهم منقادين لك في الأمر والنهي.
وأما على القول الثاني فيمتنع أن يكون استثناء، بل تكون لفظة (إلا) بمعنى لكن، وقوله: ﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد إبليس وأشياعه، ومن اتبعه من الغاوين.
ثم قال تعالى: ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ﴾ وفيه قولان: القول الأول: إنها سبع طبقات: بعضها فوق البعض وتسمى تلك الطبقات بالدركات، ويدل على كونها كذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار ﴾ .
والقول الثاني: إن قرار جهنم مقسوم سبعة أقسام: ولكل قسم باب، وعن ابن جريج: أولها: جهنم.
ثم لظى.
ثم الحطمة.
ثم السعير.
ثم سقر.
ثم الجحيم.
ثم الهاوية.
قال الضحاك: الطبقة الأولى: فيها أهل التوحيد يعذبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون.
والثانية: لليهود.
والثالثة: للنصارى.
والرابعة: للصابئين.
والخامسة: للمجوس.
والسادسة: للمشركين.
والسابعة: للمنافقين.
وقوله: ﴿ لِكُلّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ ﴾ والباقون (جز) بتخفيف الزاي.
وقرأ الزهري: (جز) بالتشديد، كأنه حذف الهمزة وألقى حركتها على الزاي، كقولك: خب في خبء، ثم وقف عليه بالتشديد.
المسألة الثانية: الجزء بعض الشيء، والجمع الأجزاء، وجزأته جعلته أجزاء.
والمعنى: أنه تعالى يجزي أتباع إبليس إجزاء، بمعنى أنه يجعلهم أقساماً وفرقاً، ويدخل في كل قسم من أقسام جهنم طائفة من هؤلاء الطوائف.
والسبب فيه أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة، فلا جرم صارت مراتب العذاب والعقاب مختلفة بالغلظ والخفة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ ﴾ واذكر وقت قوله ﴿ سَوَّيْتُهُ ﴾ عدلت خلقته وأكملتها وهيأتها لنفخ الروح فيها.
ومعنى ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى ﴾ وأحييته، وليس ثمة نفخ ولا منفوخ، وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه.
واستثنى إبليس من الملائكة؛ لأنه كان بينهم مأموراً معهم بالسجود، فغلب اسم الملائكة، ثم استثنى بعد التغليب كقولك: رأيتهم إلا هنداً.
و ﴿ أبى ﴾ استئناف على تقدير قول قائل بقول: هلا سجد؟
فقيل: أبى ذلك واستكبر عنه.
وقيل: معناه ولكن إبليس أبى.
حرف الجر مع (إن) محذوف.
وتقديره ﴿ مَا لَكَ ﴾ في ﴿ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين ﴾ بمعنى أيّ غرض لك في إبائك السجود.
وأي داع لك إليه.
اللام في ﴿ لأسْجُدَ ﴾ لتأكيد النفي.
ومعناه: لا يصحّ مني وينافي حالي.
ويستحيل أن أسجد لبشر ﴿ رَّجِيمٍ ﴾ شيطان من الذين يرجمون بالشهب، أو مطرود من رحمة الله؛ لأن من يطرد يرجم بالحجارة.
ومعناه: ملعون؛ لأن اللعن هو الطرد من الرحمة والإبعاد منها.
والضمير في ﴿ مِنْهَا ﴾ راجع إلى الجنة أو السماء، أو إلى جملة الملائكة.
وضرب يوم الدين حداً للعنة، إما لأنه أبعد غاية يضربها الناس في كلامهم، كقوله ﴿ مَا دَامَتِ السموات والأرض ﴾ [هود: 107] في التأبيد.
وإما أن يراد أنك مذموم مدعوّ عليك باللعن في السموات والأرض إلى يوم الدين، من غير أن تعذب، فإذا جاء ذلك اليوم عذبت بما يُنسى اللعن معه.
و ﴿ يَوْمِ الدين ﴾ و ﴿ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ و ﴿ يَوْمِ الوقت المعلوم ﴾ [الحجر: 38] في معنى واحد، ولكن خولف بين العبارات سلوكاً بالكلام طريقة البلاغة.
وقيل: إنما سأل الإنظار إلى اليوم الذي فيه يبعثون لئلا يموت؛ لأنه لا يموت يوم البعث أحد، فلم يجب إلى ذلك، وأُنظر إلى آخر أيام التكليف ﴿ بِمَا أغويتني ﴾ الباء للقسم.
و (ما) مصدرية وجواب القسم ﴿ لأُزَيِّنَنَّ ﴾ المعنى: أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم.
ومعنى إغوائه إياه: تسبيبه لغيه، بأن أمره بالسجود لآدم عليه السلام، فأفضى ذلك إلى غيه.
وما الأمر بالسجود إلا حسن وتعريض للثواب بالتواضع والخضوع لأمر الله، ولكن إبليس اختار الإباء والاستكبار فهلك، والله تعالى بريء من غيه ومن إرادته والرضا به، ونحو قوله ﴿ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ ﴾ قوله: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [ص: 82] في أنه إقسام، إلا أن أحدهما إقسام بصفته والثاني إقسام بفعله، وقد فرق الفقهاء بينهما.
ويجوز أن لا يكون قسماً، ويقدر قسم محذوف، ويكون المعنى: بسبب تسبيبك لإغوائي أقسم لأفعلنّ بهم نحو ما فعلت بي من التسبيب لإغوائهم، بأن أزين لهم المعاصي وأوسوس إليهم ما يكون سبب هلاكهم ﴿ فِى الأرض ﴾ في الدنيا التي هي دار الغرور، كقوله تعالى: ﴿ أَخْلَدَ إِلَى الأرض واتبع هَوَاهُ ﴾ [الأعراف: 176] أو أراد أني أقدر على الاحتيال لآدم والتزيين له الأكل من الشجرة وهو في السماء، فأنا على التزيين لأولاده في الأرض أقدر.
أو أراد: لأجعلنّ مكان التزيين عندهم الأرض، ولأوقعن تزييني فيها، أي: لأزيننها في أعينهم ولأحدّثنهم بأنّ الزينة في الدنيا وحدها، حتى يستحبوها على الآخرة ويطمئنوا إليها دونها.
ونحوه: يَجْرَحْ فِي عَرَاقِيبِهَا نَصْلِي استثنى المخلصين؛ لأنه علم أنّ كيده لا يعمل فيهم ولا يقبلون منه.
أي ﴿ هذا ﴾ طريق حق ﴿ عَلَىَّ ﴾ أن أراعيه، وهو أن لا يكون لك سلطان على عبادي، إلا من اختار اتباعك منهم لغوايته: وقرئ: ﴿ عليّ ﴾ وهو من علو الشرف والفضل ﴿ لَمَوْعِدُهُمْ ﴾ الضمير للغاوين.
وقيل: أبواب النار أطباقها وأدراكها، فأعلاها للموحدين، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين، وعن ابن عباس رضي الله عنه: إن جهنم لمن ادعى الربوبية، ولظى لعبدة النار، والحطمة لعبدة الأصنام وسقر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحدين.
وقرئ: ﴿ جزء ﴾ ، بالتخفيف والتثقيل.
وقرأ الزهري: ﴿ جزّ ﴾ ، بالتشديد؛ كأنه حذف الهمزة وألقى حركتها على الزاي، كقولك: خبّ في خبء، ثم وقف عليه بالتشديد، كقولهم: الرجل، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ ﴾ حَقٌّ عَلَيَّ أنْ أُراعِيَهُ.
﴿ مُسْتَقِيمٌ ﴾ لا انْحِرافَ عَنْهُ، والإشارَةُ إلى ما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِثْناءُ وهو تَخْلِيصُ المُخْلَصِينَ مِن إغْوائِهِ، أوِ الإخْلاصُ عَلى مَعْنى أنَّهُ طَرِيقٌ عَلَيَّ يُؤَدِّي إلى الوُصُولِ إلَيَّ مِن غَيْرِ اعْوِجاجٍ وضَلالٍ.
وقُرِئَ (عَلى) مِن عُلُوِّ الشَّرَفِ.
﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ ﴾ تَصْدِيقٌ لِإبْلِيسَ فِيما اسْتَثْناهُ وتَغْيِيرُ الوَضْعِ لِتَعْظِيمِ المُخْلَصِينَ، ولِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ عِصْمَتِهِمْ وانْقِطاعُ مَخالِبِ الشَّيْطانِ عَنْهم، أوْ تَكْذِيبٌ لَهُ فِيما أوْهَمَ أنَّ لَهُ سُلْطانًا عَلى مَن لَيْسَ بِمُخْلَصٍ مِن عِبادِهِ، فَإنَّ مُنْتَهى تَزْيِينِهِ التَّحْرِيضُ والتَّدْلِيسُ كَما قالَ: ﴿ وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ ﴾ لِي وعَلى هَذا يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، وعَلى الأوَّلِ يُدْفَعُ قَوْلُ مَن شَرَطَ أنْ يَكُونَ المُسْتَثْنى أقَلَّ مِنَ الباقِي لِإفْضائِهِ إلى تَناقُضِ الِاسْتِثْناءَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)
{قَالَ هَذَا صراط عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين} أي هذا طريق حق عليَّ أن أراعيه وهو أن لا يكون لك سلطان على عبادي إلا من اختار اتباعك منهم لغوايته وقيل معنى على إلي على يعقوب من علو الشرف والفضل
﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ﴾ أيْ تَسَلُّطٌ وتَصَرُّفٌ بِالإغْواءِ والمُرادُ بِالعِبادِ المُشارُ إلَيْهِمْ بِالمُخْلَصِينَ فالإضافَةُ لِلْعَهْدِ، والِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مَنِ الغاوِينَ ﴾ مُنْقَطِعٌ واخْتارَ ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِسُقُوطِ الِاسْتِثْناءِ في الإسْراءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعِبادِ العُمُومُ والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ والكَلامُ كالتَّقْرِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ ولِذا لَمْ يُعْطَفْ عَلى ما قَبْلَهُ، وتَغْيِيرُ الوَضْعِ لِتَعْظِيمِ المُخْلَصِينَ بِجَعْلِهِمْ هُمُ الباقِينَ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ لِمَن جَوَّزَ اسْتِثْناءَ الأكْثَرِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو عُبَيْدٍ والسِّيرافِيُّ وأكْثَرُ الكُوفِيَّةِ، واخْتارَهُ ابْنُ خَرُوفٍ والشُّلُوبِينَ وابْنُ مالِكٍ وأجازَ هَؤُلاءِ أيْضًا اسْتِثْناءَ النِّصْفِ، وذَهَبَ بَعْضُ البَصْرِيَّةِ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ كَوْنُ المُسْتَثْنى قَدْرَ نِصْفِ المُسْتَثْنى مِنهُ أوْ أكْثَرَ ويَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ أقَلَّ مِنَ النِّصْفِ واخْتارَهُ ابْنُ عُصْفُورٍ والآمِدِيُّ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ مِنَ الأُصُولِيِّينَ، وذَهَبَ البَعْضُ الآخَرُ مِن عُلَماءِ البَلَدَيْنِ إلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَخْرَجُ النِّصْفَ فَما دُونَهُ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أكْثَرَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَنابِلَةُ، واتَّفَقَ النَّحْوِيُّونَ كَما قالَ أبُو حَيّانَ وكَذا الأُصُولِيُّونَ عِنْدَ الإمامِ.
والآمِدِيُّ خِلافًا لِما اقْتَضاهُ نَقْلُ القَرافِيِّ عَنِ المَدْخَلِ لِابْنِ طَلْحَةَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُسْتَثْنى مُسْتَغْرِقًا لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ، ومِنَ الغَرِيبِ نَقَلَ ابْنُ مالِكٍ عَنِ الفَرّاءِ جَوازَ لَهُ عَلى ألْفٍ إلّا ألْفَيْنِ، وقِيلَ: إنْ كانَ المُسْتَثْنى مِنهُ عَدَدًا صَرِيحًا يَمْتَنِعُ فِيهِ اسْتِثْناءُ النِّصْفِ والأكْثَرِ وإنْ كانَ غَيْرَ صَرِيحٍ لا يَمْتَنِعانِ، وتَحْقِيقُ هَذِهِ المَسْألَةِ في الأُصُولِ، والمَذْكُورُ في بَعْضِ كُتُبِ العَرَبِيَّةِ عَنْ أبِي حَيّانَ أنَّهُ قالَ: المُسْتَقْرَأُ مِن كَلامِ العَرَبِ إنَّما هو اسْتِثْناءُ الأقَلِّ وجَمِيعُ ما اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى خِلافِهِ مُحْتَمَلُ التَّأْوِيلُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ تَدْفَعُ مَعَ ما تَقَدَّمَ قَوْلَ مَن شَرَطَ الأقَلَّ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنَ الفَسادِ لِأنَّ اسْتِثْناءَ الغاوِينَ هُنا يَسْتَلْزِمُ عَلى ذَلِكَ أنْ يَكُونُوا أقَلَّ مِنَ المُخْلَصِينَ الَّذِينَ هُمُ الباقُونَ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ مِن جِنْسِ العِبادِ، واسْتِثْناءُ المُخْلَصِينَ هُناكَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونُوا أقَلَّ مِنَ الغاوِينَ الَّذِينَ هُمُ الباقُونَ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ مِن ذَلِكَ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ المُخْلَصِينَ والغاوِينَ أقَلَّ مِن نَفْسِهِ وهو كَما تَرى.
وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ هُنا جِنْسُ العِبادِ الشّامِلُ لِلْمُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ ماتَ قَبْلَ أنْ يُكَلَّفَ ولا شَكَّ أنَّ الغاوِينَ أقَلُّ مِنَ الباقِي مِنهم بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ وهُمُ المُخْلَصُونَ ومَن ماتَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ والمُسْتَثْنى مِنهُ هُناكَ المُكَلَّفُونَ إذْ هُمُ الَّذِينَ يُعْقَلُ حَمْلُهم عَلى الغَوايَةِ والضَّلالِ إذْ غَيْرُ المُكَلَّفِ لا يُوصَفُ فِعْلُهُ بِذَلِكَ والمُخْلَصُونَ أقَلُّ مِنَ الباقِي مِنهم بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ أيْضًا ولا مَحْذُورَ في ذَلِكَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الكَثْرَةَ والقِلَّةَ الِادِّعائِيَّتَيْنِ تَكْفِيانِ لِصِحَّةِ الشَّرْطِ فَقَدْ ذَكَرَ السَّكّاكِيُّ في آخِرِ قِسْمِ الِاسْتِدْلالِ وكَذا لا تَقُولُ لِفُلانٍ عَلَيَّ ألْفٌ إلّا تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعِينَ إلّا وأنْتَ تُنْزِلُ ذَلِكَ الواحِدَ مَنزِلَةَ الألْفِ بِجِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ الخِطابِيَّةِ مَعَ أنَّهُ مِمَّنْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ المُسْتَثْنى أقَلَّ مِنَ الباقِي اه، وظاهِرُ كَلامِ الأُصُولِيِّينَ يُنافِيهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ الجِنْسِ أيْضًا ويَكُونُ الكَلامُ تَكْذِيبًا لِلْمَلْعُونِ فِيما أوْهَمَ أنَّ لَهُ سُلْطانًا عَلى مَن لَيْسَ بِمُخْلَصٍ مِن عِبادِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّ مُنْتَهى قُدْرَتِهِ أنْ يَغُرَّهم ولا يَقْدِرَ عَلى جَبْرِهِمْ عَلى اتِّباعِهِ كَما قالَ: ﴿ وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي ﴾ .
فَحاصِلُ المَعْنى أنَّ مَنِ اتَّبَعَكَ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وقَهْرٌ بَلْ أطاعُوكَ في الإغْواءِ واتَّبَعُوكَ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ ولا يَضُرُّ في الِانْقِطاعِ دُخُولُ الغاوِينَ في العِبادِ بِناءً عَلى ما قالُوا مِن أنَّ المُعْتَبَرَ في الِاتِّصالِ والِانْقِطاعِ الحُكْمُ، ويُفْهَمُ كَلامُ البَعْضِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ تَصْدِيقًا لَهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ في صَرِيحِ الِاسْتِثْناءِ وتَكْذِيبًا في جَعْلِ الإخْلاصِ عِلَّةً لِلْخَلاصِ حَسْبَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُهُ فَإنَّ الصِّبْيانَ والمَجانِينَ خَلَصُوا مِن إغْوائِهِ مَعَ فَقْدِ هَذِهِ العِلَّةِ.
(ومِن) عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ لِبَيانِ الجِنْسِ أيِ الَّذِينَ هُمُ الغاوُونَ.
واسْتَدَلَّ الجَبائِيُّ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى العِبادِ عَلى رَدِّ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ الشَّيْطانَ يُمْكِنُهُ صَرْعُ النّاسِ وإزالَةُ عُقُولِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في إنْكارِ المُعْتَزِلَةِ تَخَبُّطَ الشَّيْطانِ والرَّدُّ عَلَيْهِمْ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: إِنَّ عِبادِي أي: عبادي الَّذين لا يطيعونك لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ أي: حجة ولا ملكا، ولا أسلطك عليهم.
كقوله: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا [النحل: 99] .
ثم قال تعالى: إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ أي: من أطاعك من الكافرين.
ويقال: معناه إنما نفاذ دعوتك ووسوستك لمن اتبعك من المشركين.
ثم بيّن مصير من اتبعه ومصير من لم يتبعه فقال: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ أي: لمصير من اتبعه لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ أي: سبعة منازل لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ أي: لكل منزل صنف ممن يعذب من الكفار، على قدر منزلته من الذنب، نصيب معروف.
أسفلها هاوية وهي لآل فرعون، ولأصحاب المائدة الذين كفروا بعيسى، وللمنافقين، والزنادقة.
والثانية: لظى وهي منزلة المجوس والثنوية الذين قالوا بإلهين.
والثالثة: سقر وهي منزلة المشركين وعبدة الأوثان.
والرابعة: الجحيم، وهي منزلة اليهود الذين كذبوا الرسل، وقتلوا أنبياء الله بغير حق.
والخامسة: الحطمة وهي منزلة النصارى الذين كذبوا محمدا ، وقالوا قولاً عظيماً.
والسادسة: السعير وهي منزلة الصابئين، ومن أعرض عن دين الإسلام وخرج منه.
والسابعة: جهنم وهي أعلى المنازل، وعليها ممر الخلق كلهم، وهي منزل أهل الكبائر من المسلمين.
قال ابن عباس، في رواية أبي صالح: «الباب الأول جهنم، والثاني السعير، والثالث سقر، والرابع جهنم، والخامس لظى، والسادس الحطمة، والسابع الهاوية» .
وقال بعضهم: جهنم اسم عام يقع على الإدراك كلها، والأول أصح: إن جهنم اسم لا يقع على الإدراك، وهكذا روي عن جماعة من الصحابة.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : كأنه جعله بمنزلة قوله: ربِّ بقدرتِكَ علَيَّ، وقضائِكَ، ويحتملُ أَن تكون بَاءَ السّبب.
وقوله سبحانه: هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ: المعنى: هذا أمر إِلَيَّ يصيرُ والعربُ تقول: طريقُكَ في هذا/ الأمْرِ علَى فلانٍ، أي: إِليه يصيرُ النظر في أمْرِكَ، والآيةُ تتضمَّن وعيداً، وظاهرُ قوله: عِبادِي: الخصوصُ في أهْل الإِيمانِ والتقوَى، فيكون الاستثناء منقطعاً، وإِن أخذْنا العِبَادَ عموماً، كان الاستثناء متصلاً، ويكون الأقلُّ في القَدْر من حيثُ لا قَدْرَ للكفار والنظَرُ الأولُ أحسنُ، وإِنما الغَرَضُ ألاَّ يَقع في الاستثناء الأَكْثَرُ من الأقل، وإِن كان الفقهاءُ قَدْ جَوَّزُوهُ.
وقوله: لَمَوْعِدُهُمْ: أي: موضعُ اجتماعهم، عافانا اللَّهُ من عذابه بمَنِّه، وعامَلَنَا بمَحْضِ جوده وكرمه.
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩)
وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠)
وقوله سبحانه: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوها بِسَلامٍ ...
الآية:
السلام هنا: يحتمل أن يكونَ السَّلامة، ويحتمل أن يكون التحيّة، والغل:
الحقد، قال الداوديّ: عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ ...
الآية، قال: «إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ الصِّرَاطِ، حُبِسُوا عَلَى صِرَاطٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ بِمَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا، أُذِنَ لَهُمْ في دُخُولِ الجَنَّةِ، وَاللَّهِ، لأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الجَنَّةِ مِنْ منزله في الدّنيا» «٢» .
انتهى.
وال سُرُرٍ: جمع سرير، ومُتَقابِلِينَ: الظاهر أن معناه: في الوجوه، إِذ الأسرَّة متقابلة، فهي أحسن في الرتبة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عِبادِي ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ.
والثّانِي: المَعْصُومُونَ، رُوِيا عَنْ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: المُخْلِصُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: المُطِيعُونَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
فَعَلى هَذِهِ الأقْوالِ، تَكُونُ الآيَةُ مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ.
وَفِي المُرادِ بِالسُّلْطانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحُجَّةُ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَيْسَ لَكَ حُجَّةٌ في إغْوائِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ القَهْرُ والغَلَبَةُ؛ إنَّما لَهُ أنْ يَغُرَّ ويُزَيِّنَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وسُئِلَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ أنْ تُلْقِيَهم في ذَنْبٍ يَضِيقُ عَفْوِي عَنْهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ ﴾ وهي دَرَكاتُها بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: أبْوابُ جَهَنَّمَ لَيْسَتْ كَأبْوابِكم هَذِهِ، ولَكِنَّها هَكَذا وهَكَذا وهَكَذا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ووَصَفَ الرّاوِي عَنْهُ بِيَدِهِ وفَتَحَ أصابِعَهُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ، أوَّلُها جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظى، ثُمَّ الحُطَمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الجَحِيمُ، ثُمَّ الهاوِيَةُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: هي سَبْعَةُ أدْراكٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، فَأعْلاها فِيهِ أهْلُ التَّوْحِيدِ يُعَذَّبُونَ عَلى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ ثُمَّ يَخْرُجُونَ، والثّانِي فِيهِ النَّصارى، والثّالِثُ فِيهِ اليَهُودُ، والرّابِعُ فِيهِ الصّائِبُونَ، والخامِسُ فِيهِ المَجُوسُ، والسّادِسُ فِيهِ مُشْرِكُو العَرَبِ، والسّابِعُ فِيهِ المُنافِقُونَ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا اتَّصَلَ العَذابُ بِالبابِ، وكانَ البابُ مِن سَبَبِهِ، سُمِّيَ بِاسْمِهِ لِلْمُجاوَرَةِ، كَتَسْمِيَتِهِمُ الحَدَثَ غائِطًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكُلِّ بابٍ مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِن أتْباعِ إبْلِيسَ ﴿ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴾ والجُزْءُ: بَعْضُ الشَّيْءِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ ﴿ وَإنَّ عَلَيْكَ اللَعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِينِ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ﴿ قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ ﴾ ﴿ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ ﴿ قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مَنِ الغاوِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴾ الضَمِيرُ في "مِنها" لِلْجَنَّةِ وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُها، في القِصَّةِ تَتَضَمَّنُها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى صِيغَةِ المَلائِكَةِ.
و"الرَجِيمُ" المَشْؤُومُ، أيِ: المَرْجُومُ بِالقَوْلِ والشَتْمِ، و ﴿ يَوْمِ الدِينِ ﴾ يَوْمُ الجَزاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوا ∗∗∗ نِ دِنّاهم كَما دانُوا وسَألَ إبْلِيسُ النَظِرَةَ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَأعْطاهُ اللهُ إيّاها إلى وقْتٍ مَعْلُومٍ، واخْتُلِفَ فِيهِ- فَقِيلَ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ يَكُونُ آخِرَ مَن يَمُوتُ مِنَ الخَلْقِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.
وقِيلَ إلى وقْتٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ولا مَرْسُومٍ بِقِيامَةٍ ولا غَيْرَها، بَلْ عِلْمُهُ عِنْدَ اللهِ وحْدَهُ.
وقِيلَ: بَلْ أمْرُهُ كانَ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وأنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهَذا -وَإنْ كانَ رُوِيَ- فَهو ضَعِيفٌ.
والمُنْظَرُ: المُؤَخَّرُ.
وقَوْلُهُ: "رَبِّ" مَعَ كُفْرِهِ يُخَرَّجُ عَلى أنَّهُ يُقِرُّ بِالرُبُوبِيَّةِ والخَلْقِ، وهو الظاهِرُ مِن حالِهِ وما تَقْتَضِيهِ فِيهِ الآياتُ والأحادِيثُ، وهَذا لا يَدْفَعُ في صَدْرِ كُفْرِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ بِما أغْوَيْتَنِي ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وغَيْرُهُ: "أقْسَمَ بِالإغْواءِ"، كَأنَّهُ جَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: "رَبِّ بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ وقَضائِكَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالسَبَبِ، كَأنَّهُ قالَ: "رَبِّ واللهِ لَأُغْوِيَنَّهم بِسَبَبِ إغْوائِكَ لِي ومِن أجْلِهِ وكَفاءً لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَجَلُّدًا مِنهُ ومُبالَغَةً في الجِدِّ، أيْ: "بِحالِي هَذِهِ وبُعْدِي مِنَ الخَيْرِ واللهِ لَأفْعَلَنَّ ولَأُغْوِيَنَّ"، ومَعْنى ﴿ لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ﴾ أيِ الشَهَواتُ والمَعاصِي.
والضَمِيرُ في "لَهُمْ" لِذُرِّيَّةِ آدَمَ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ، فالقِصَّةُ بِجُمْلَتِها حَيْثُ وقَعَتْ كامِلَةً تَتَضَمَّنُهُمْ، والإغْواءُ: الإضْلالُ".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "المُخْلَصِينَ" بِفَتْحِ اللامِ، أيِ الَّذِينَ أخْلَصْتَهم أنْتَ لِعِبادَتِكَ وتَقْواكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ اللامِ، أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا الإيمانَ بِكَ وبِرُسُلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ ، القائِلُ هو اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِواسِطَةٍ، وقَرَأ الضِحاكُ، وحُمَيْدٌ، والنَخَعِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ سِيرِينَ، وقَتادَةُ، وقَيْسُ بْنُ عَبّادٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "عَلِيٌّ مُسْتَقِيمٌ" مِنَ العُلُوِّ والرِفْعَةِ، والإشارَةُ بِـ "هَذا" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إلى الإخْلاصِ، لَمّا اسْتُثْنِيَ إبْلِيسُ مِن أخْلَصَ قالَ اللهُ لَهُ: هَذا الإخْلاصُ طَرِيقٌ رَفِيعٌ مُسْتَقِيمٌ لا تَنالُ أنْتَ بِإغْوائِكَ أهْلَهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَلَيَّ" بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ، والإشارَةُ بِـ "هَذا" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إلى انْقِسامِ الناسِ إلى غاوٍ ومُخْلِصٍ، لَمّا قَسَّمَ إبْلِيسُ الناسَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ قالَ اللهُ لَهُ: هَذا طَرِيقٌ إلَيَّ، أيْ: هَذا أمْرٌ مَصِيرُهُ إلَيَّ، والعَرَبُ تَقُولُ: "طَرِيقُكَ في هَذا الأمْرِ عَلى فُلانٍ"، أيْ: إلَيْهِ يَصِيرُ النَظَرُ في أمْرِكَ.
وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ ﴾ ، والآيَةُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- خَبَرٌ تَتَضَمَّنُ وعِيدًا.
ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ عن سَلامَةِ عِبادِهِ المُتَّقِينَ مِن إبْلِيسَ، وخاطَبَهُ بِأنَّهُ لا حُجَّةَ لَهُ عَلَيْهِمْ ولا مَلَكَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ مِن قَوْلِهِ: "عِبادِي" الخُصُوصُ في أهْلِ الإيمانِ والتَقْوى لا عُمُومُ الخَلْقِ، وبِحَسْبِ هَذا يَكُونُ ﴿ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ ﴾ مُسْتَثْنى مِن غَيْرِ الأوَّلِ، والتَقْدِيرُ: لَكِنْ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، وإنْ أخَذْنا العِبادَ عامًّا في عُبّادِ الناسِ، إذْ لَمْ يُقَدِّرُ اللهُ لِإبْلِيسَ سَلَّطانا عَلى أحَدٍ، فَإنّا نُقَدِّرُ الِاسْتِثْناءَ في الأقَلِّ في القَدْرِ مِن حَيْثُ لا قَدْرَ لِلْكُفّارِ، والنَظَرُ الأوَّلُ أصْوَبُ، وإنَّما الغَرَضُ ألّا نَقَعَ في اسْتِثْناءِ الأكْثَرِ مِنَ الأقَلِّ وإنْ كانَ الفُقَهاءُ قَدْ جَوَّزُوهُ، وقالَ أبُو المَعالِي: لَيْسَ مَعْرُوفًا في اسْتِعْمالِ العَرَبِ، وهَذِهِ الآيَةُ أمْثَلُ ما احْتَجَّ بِهِ مُجَوِّزُوهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا حُجَّةَ لَهم في الآيَةِ عَلى ما بَيَّنْتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ ﴾ أيْ مَوْضِعُ اجْتِماعِهِمْ، والمَوْعِدُ يَتَعَلَّقُ بِزَمانٍ ومَكانٍ، وقَدْ يُذْكَرُ المَكانُ ولا يُحَدَّدُ زَمانُ المَوْعِدِ.
و"أجْمَعِينَ" تَأْكِيدٌ، وفِيهِ مَعْنى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ ﴾ قِيلَ: إنَّ النارَ بِجُمْلَتِها سَبْعَةُ أطْباقٍ، أعْلاها جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظى، ثُمَّ الحَطْمَةُ، ثُمَّ السَعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الجَحِيمُ وفِيهِ أبُو جَهْلٍ، ثُمَّ الهاوِيَةُ، وإنَّ في كُلِّ طِبْقِ مِنها بابًا، فالأبْوابُ -عَلى هَذا- بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وعَبَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ النارِ جُمْلَةً بِجَهَنَّمَ، إذْ هي أشْهَرُ مَنازِلَها وأوَّلُها، وهي مَوْضِعُ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَخْلُدُونَ، ولِهَذا رُوِيَ أنَّ جَهَنَّمَ تُخَرَّبُ وتَبْلى.
وقِيلَ: إنَّ النارَ أطْباقٌ كَما ذَكَرْنا، لَكِنَّ الأبْوابَ السَبْعَةَ كُلَّها في جَهَنَّمَ عَلى خَطِّ اسْتِواءٍ، ثُمَّ يُنْزَلُ مِن كُلِّ بابٍ إلى طَبَقَةِ الَّذِي يُفْضِي إلَيْهِ.
واخْتَصَرْتُ ما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في المَسافاتِ الَّتِي بَيْنَ الأبْوابِ، وفي هَواءِ النارِ، وفي كَيْفِيَّةِ الحالِ، إذْ هي أقْوالٌ كَثِيرَةٌ أكْثَرُها لا يَسْتَنِدُ، وهي في حَيِّزِ الجائِزِ، والقُدْرَةُ أعْظَمُ مِنها، عافانا اللهُ مِن نارِهِ، وتَغَمَّدَنا بِرَحْمَتِهِ بِمَنِّهِ.
وقَوْلُهُ: "جُزْءٌ"، قَرَأ الجُمْهُورُ بِالهَمْزِ، وقَرَأ ابْنُ شِهابٍ بِضَمِّ الزايِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "جُزٌّ" بِشَدِّ الزايِ دُونَ هَمْزٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ القَعْقاعِ.
<div class="verse-tafsir"
الصراط المستقيم: هو الخبر والرشاد.
فالإشارة إلى ما يؤخذ من الجملة الواقعة بعد اسم الإشارة المبيّنة للإخبار عن اسم الإشارة وهي جملة ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ ، فتكون الإشارة إلى غير مشاهَد تنزيلاً له منزلة المشاهد، وتنزيلاً للمسموع منزلة المرئي.
ثم إن هذا المنزل منزلة المشاهد هو مع ذلك غير مذكور لقصد التشويق إلى سماعه عند ذكره.
فاسم الإشارة هنا بمنزلة ضمير الشأن، كما يكتب في العهود والعقود: هذا ما قاضى عليه فلان فلاناً أنه كيَت وكيت، أو هذا ما اشترى فلان من فلان أنه باعه كذا وكذا.
ويجوز أن تكون الإشارة إلى الاستثناء الذي سبق في حكاية كلام إبليس من قوله: ﴿ إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ [سورة الحجر: 40] لتضمنه أنه لا يستطيع غواية العباد الذين أخلصهم الله للخير، فتكون جملة إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } مستأنفة أفادت نفي سلطانه.
والصراط: مستعار للعمل الذي يقصِد منه عاملُه فائدةً.
شُبه بالطريق الموصل إلى المكان المطلوب وصوله إليه، أي هذا هو السُنّة التي وضعتُها في الناس وفي غوايتك إياهم وهي أنّك لا تغوي إلا من اتّبعك من الغاوين، أو أنك تغوي من عدا عبادي المخلصين.
و ﴿ مستقيم ﴾ نعت ل ﴿ صراط ﴾ ، أي لا اعوجاج فيه.
واستعيرت الاستقامة لملازمة الحالة الكاملة.
و ﴿ على ﴾ مستعملة في الوجوب المجازي، وهو الفعل الدائم التي لا يتخلّف كقوله تعالى: ﴿ إن علينا للهدى ﴾ [سورة الليل: 12]، أي أنّا التزمنا الهدى لا نحيد عنه لأنه مقتضى الحكمة وعظمة الإلهية.
وهذه الجملة مما يُرسل من الأمثال القرآنية.
وقرأ الجمهور على} بفتح اللام وفتح الياء على أنها (على) اتصلت بها ياء المتكلم.
وقرأه يعقوب بكسر اللام وضم الياء وتنوينها على أنه وصف من العلوّ وصف به صراط، أي صراط شريف عظيم القدر.
والمعنى أن الله وضع سنّة في نفوس البشر أن الشيطان لا يتسلّط إلا على من كان غاوياً، أي مائلاً للغواية مكتسباً لها دون مَن كبحَ نفسه عن الشر.
فإن العاقل إذا تعلق به وسواس الشيطان عَلم ما فيه من إضلال وعلم أن الهدى في خلافه فإذا توفّق وحمل نفسه على اختيار الهُدى وصرف إليه عزمه قوي على الشيطان فلم يكن له عليه سلطان، وإذا مَال إلى الضلال واستحسنه واختار إرضاء شهوته صار متهيئاً إلى الغواية فأغواه الشيطان فغوَى.
فالاتباع مجاز بمعنى الطاعة واستحسان الرأي كقوله: ﴿ فاتبعوني يحببكم الله ﴾ [سورة آل عمران: 31].
وإطلاق الغاوين} من باب إطلاق اسم الفاعل على الحصول في المستقبل بالقرينة لأنه لو كان غاوياً بالفعل لم يكن لسلطان الشيطان عليه فائدة.
وقد دلّ على هذا المعنى تعلّق نفي السلطان بجميع العباد، ثم استثناء من كان غاوياً.
فلما كان سلطان الشيطان لا يتسلط إلا على من كان غاوياً علمنا أن ثمّة وصفاً بالغواية هو مهيَئ تسلطِ سلطان الشيطان على موصوفه.
وذلك هو الموصوف بالغواية بالقوة لا بالفعل، أي بالاستعداد للغواية لا بوقوعها.
فالإضافة في قوله تعالى: ﴿ عبادي ﴾ للعموم كما هو شأن الجمع المعرّف بالإضافة، والاستثناء حقيقي ولا حَيرة في ذلك.
وضمير «مَوعدهم» عائد إلى ﴿ من اتبعك ﴾ ، والموعد مكان الوعد.
وأطلق هنا على المصير إلى الله استعير الموعد لمكان اللقاء تشبيهاً له بالمكان المعين بين الناس للقاء معين وهو الوعد.
ووجه الشبه تحقّق المجيء بجامع الحرص عليه شأن المواعيد، لأن إخلاف الوعد محاور، وفي ذلك تَمليح بهم لأنهم ينكرون البعث والجزاء، فجُعلوا بمنزلة من عيّن ذلك المكان للإتيان.
وجملة ﴿ لها سبعة أبواب ﴾ مستأنفة لوصف حال جهنم وأبوابها لإعداد الناس بحيث لا تضيق عن دخولهم.
والظاهر أن السبعة مستعملة في الكثرة فيكون كقوله: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ﴾ [سورة الرعد: 23]؛ أو أريد بالأبواب الكناية عن طبقات جهنم لأن الأبواب تقتضي منازل فهي مراتب مناسبة لمراتب الإجرام بأن تكون أصول الجرائم سبعة تتفرع عنها جميع المعاصي الكبائر.
وعسى أن نتمكن من تشجيرها في وقت آخر.
وقد يكون من جملة طبقاتها طبقة النفاق قال تعالى: ﴿ إن المنافقين في الدرككِ الأسفل من النار ﴾ [سورة النساء: 145].
وانظر ما قدمناه من تفريع ما ينشأ عن النفاق من المذام في قوله تعالى ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ﴾ في سورة البقرة (8).
وجملة ﴿ لكل باب منهم جزء مقسوم ﴾ صفة ل ﴿ أبواب ﴾ وتقسيمها بالتعيين يعلمه الله تعالى.
وضمير ﴿ منهم ﴾ عائد ل ﴿ من اتبعك من الغاوين ﴾ ، أي لكل باب فريق يدخل منه، أو لكل طبقة من النار قسم من أهل النار مقسوم على طبقات أقسام النار.
واعلم أن هذه الأقوال التي صدرت من الشيطان لدى الحضرة القدسية هي انكشاف لجبلّة التطور الذي تكيّفت به نفس إبليس من حينَ أبى من السجود وكيف تولدَ كل فصل من ذلك التطور عما قبله حتى تقومت الماهية الشيطانية بمقوماتها كاملة عندما صدر منه قوله: ﴿ لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ [سورة الحجر: 39، 40]، فكلّما حَدث في جبلّته فصْل من تلك الماهية صدر منه قول يدل عليه؛ فهو شبيه بنطق الجوارح بالشهادة على أهل الضلالة يوم الحساب.
وأما الأقوال الإلهية التي أجيبت بها أقوال الشيطان فمظهر للأوامر التكوينية التي قدّرها الله تعالى في علمه لتطور أطوار إبليس المقومة لماهية الشيطنة، وللألطاف التي قدرها الله لمن يعتصم بها من عباده لمقاومة سلطان الشيطان.
وليست تلك الأقوال كلها بمناظرة بين الله وأحد مخلوقاته ولا بغلبة من الشيطان لخالقه، فإن ضعفه تُجاهَ عزّة خالقه لا يبلغ به إلى ذلك.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِما أضْلَلْتَنِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: بِما خَيَّبْتَنِي مِن رَحْمَتِكَ.
الثّالِثُ: بِما نَسَبْتَنِي إلى الإغْواءِ.
وَيَحْتَمِلُ هَذا مِن إبْلِيسَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَقُولُهُ عَلى وجْهِ القَسَمِ وتَقْدِيرُهُ: وحَقِّ إغْوائِكَ لِي.
الثّانِي: أنَّهُ يَقُولُهُ عَلى وجْهِ الجَزاءِ، وتَقْدِيرُهُ لِأجْلِ إغْوائِكَ لِي.
﴿ لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَأُزَيِّنَنَّ لَهم فِعْلَ المَعاصِي.
الثّانِي: لَأشْغَلَنَّهم بِزِينَةِ الدُّنْيا عَنْ فِعْلِ الطّاعَةِ.
﴿ وَلأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ أيْ لَأُضِلَّنَّهم عَنِ الهُدى.
﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ أخْلَصُوا العِبادَةَ مِن فَسادٍ أوْ رِياءٍ، حَكى أبُو ثُمامَةَ أنَّ الحَوارِيِّينَ سَألُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ المُخْلَصِ لِلَّهِ، فَقالَ: الَّذِي يَعْمَلُ لِلَّهِ ولا يُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ النّاسُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ هَذا صِراطٌ يَسْتَقِيمُ بِصاحِبِهِ حَتّى يَهْجُمَ بِهِ عَلى الجَنَّةِ، قالَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّانِي: هَذا صِراطٌ إلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، قالَهُ الحَسَنُ فَتَكُونُ عَلَيَّ بِمَعْنى إلَيَّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، ومَعْناهُ أنَّ طَرِيقَهُ إلَيَّ ومَرْجِعَهُ عَلَيَّ، كَقَوْلِ القائِلِ لِمَن يُهَدِّدُهُ ويُوعِدُهُ: عَلَيَّ طَرِيقُكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ اسْتِقامَتُهُ بِالبَيانِ والبُرْهانِ.
وَقِيلَ بِالتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ.
وَقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: ﴿ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ بِرَفْعِ الياءِ وتَنْوِينِها، ومَعْناهُ رَفِيعٌ مُسْتَقِيمٌ، أيْ رَفِيعٌ أنْ يُنالَ، مُسْتَقِيمٌ أنْ يُمالَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ﴾ قال: أراد إبليس أن لا يذوق الموت، فقيل ﴿ إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم ﴾ قال: النفخة الأولى يموت فيها إبليس، وبين النفخة والنفخة أربعون سنة.
قال: فيموت إبليس أربعين سنة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال فإنك من المنظرين ﴾ قال: فلم ينظره إلى يوم البعث، ولكن أنظره إلى الوقت المعلوم.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ يعني المؤمنين.
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ قال: هذه ثنية الله.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ هذا صراط عليّ مستقيم ﴾ قال: الحق يرجع إلى الله، وعليه طريقه لا يعرج على شيء.
وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ هذا صراط عليّ مستقيم ﴾ يقول: إليّ مستقيم.
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن زياد بن أبي مريم وعبد الله بن كثير، أنهما قرآ ﴿ هذا صراط مستقيم ﴾ وقالا ﴿ عليّ ﴾ هي إليّ وبمنزلتها.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ هذا صراط عليّ مستقيم ﴾ أي رفيع مستقيم.
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن ابن سيرين أنه كان يقرأ ﴿ هذا صراط علي مستقيم ﴾ يعني رفيع.
وأخرج ابن جرير عن قيس بن عبّاد أنه قرأ ﴿ هذا صراط علي مستقيم ﴾ يقول: رفيع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ قال: عبادي الذين قضيت لهم الجنة ﴿ ليس لك عليهم ﴾ أن يذنبوا ذنباً إلا أغفره لهم.
وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: لما لعن إبليس تغيرت صورته عن صورة الملائكة، فجزع لذلك فرنّ رنّة.
فكل رنة في الدنيا إلى يوم القيامة منها.
وأخرج ابن جرير عن زيد بن قسيط قال: كانت الأنبياء تكون لهم مساجد خارجة من قراها، فإذا أراد النبي أن يستنبئ ربه عن شيء، خرج إلى مسجد فصلى ما كتب له ثم سأل ما بدا له.
فبينما نبي في مسجده إذ جاء إبليس حتى جلس بينه وبين القبلة، فقال النبي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثاً.
فقال إبليس: أخبرني بأي شيء تنجو مني؟
قال النبي: بل أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم؟
فأخذ كل واحد منهما على صاحبه، فقال النبي: إن الله يقول ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ﴾ قال إبليس: قد سمعت هذا قبل أن تولد.
قال النبي: «ويقول الله: ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ﴾ [ الأعراف: 200] وإني والله ما أحسست بك قط إلا استعذت بالله منك.
قال إبليس: صدقت...
بهذا تنجو مني.
فقال النبي: فأخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم؟
قال: آخذه عند الغضب وعند الهوى» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لها سبعة أبواب ﴾ قال: جهنم، والسعير، ولظى، والحطمة، وسقر، والجحيم، والهاوية، وهي أسفلها.
وأخرج ابن المبارك وهناد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا في صفة النار، وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث من طرق، عن علي قال: أبواب جهنم سبعة، بعضها فوق بعض.
فتملأ الأوّل ثم الثاني ثم الثالث حتى تملأ كلها.
وأخرج أحمد في الزهد عن خطاب بن عبدالله قال: قال علي: أتدرون كيف أبواب جهنم؟
قلنا كنحو هذه الأبواب.
قال: لا، ولكنها هكذا.
ووضع يده فوق وبسط يده على يده.
وأخرج البيهقي في البعث، عن الخليل بن مرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ ﴿ تبارك ﴾ و ﴿ حم ﴾ السجدة.
وقال: الحواميم سبع، وأبواب جهنم سبع: جهنم، والحطمة، ولظى، وسعير، وسقر، والهاوية، والجحيم.
تجيء كل حاميم منها يوم القيامة تقف على باب من هذه الأبواب فتقول: اللهم لا تدخل هذا الباب من كان يؤمن بي ويقرأني، مرسل.
وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وابن مردويه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سلّ السيف على أمتي» .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبزار، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للنار باب لا يدخله إلا من شفى غيظه بسخط الله» .
وأخرج أبو نعيم عن عطاء الخراساني قال: لجهنم سبعة أبواب، أشدها غمّاً وكرباً وحراً، وأنتنها ريحاً للزناة.
وأخرج ابن مردويه عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لجهنم باب لا يدخل منه إلا من أخفرني في أهل بيتي وأراق دماءهم من بعدي» .
وأخرج أحمد وابن حبان والطبري وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن عتبة بن عبدالله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «للجنة ثمانية أبواب، وللنار سبعة أبواب، وبعضها أفضل من بعض» .
وأخرج سعيد بن منصور والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: تطلع الشمس من جهنم بين قرني شيطان، فما ترفع من السماء قصبة إلا فتح لها باب من أبواب النار، حتى إذا كانت الظهيرة فتحت أبواب النار كلها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لها سبعة أبواب ﴾ قال: لها سبعة أطباق.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ لها سبعة أبواب ﴾ قال: أوّلها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية.
والجحيم فيها أبو جهل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ﴾ قال: فهي والله منازل بأعمالهم.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الأعمش رضي الله عنه قال: أسماء أبواب جهنم: الحطمة، والهاوية، ولظى، وسقر، والجحيم، والسعير، وجهنم، والنار هي جماع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ جزء مقسوم ﴾ قال: فريق مقسوم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ﴾ قال: باب لليهود وباب للنصارى وباب للصابئين وباب للمجوس وباب للذين أشركوا- وهم كفار العرب- وباب للمنافقين وباب لأهل التوحيد، فأهل التوحيد يُرْجَى لهم ولا يرجى للآخرين أبداً.
وأخرج سعيد بن منصور والطبراني، عن ابن مسعود قال: تطلع الشمس من جهنم بين قرني شيطان، فما ترتفع من السماء قصة إلا فتح لها باب من أبواب النار، حتى إذا كانت الظهيرة فتحت أبواب النار كلها.
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الصراط بين ظهري جهنم دحض مزلة، والأنبياء عليه يقولون: اللهم سلم سلم، والمارُّ كلمع البرق وكطرف العين، وكأجاويد الخيل والبغال والركاب.
وشدّ على الأقدام فناج مسلم، ومخدوش مرسل ومطروح فيها و ﴿ لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ لكل باب منهم جزء مقسوم ﴾ قال: «إن من أهل النار مَنْ تأخذه النار إلى كَعْبَيه، وإن منهم من تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى تراقيه منازل بأعمالهم، فذلك قوله: ﴿ لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ﴾ قال: على كل باب منها سبعون ألف سرادق من نار، في كل سرادق سبعون ألف قبة من نار، في كل قبة سبعون ألف تنور من نار، لكل تنور منها سبعون ألف كوّة من نار، في كل كوّة سبعون ألف صخرة من نار، على كل صخرة منها سبعون ألف حجر من النار، في كل حجر منها سبعون ألف عقرب من النار، لكل عقرب منها سبعون ألف ذنب من نار، لكل ذنب منها سبعون ألف فقارة من نار، في كل فقارة منها سبعون ألف قلة من سم وسبعون ألف موقد من نار، يوقدون تلك النار.
وقال: إن أوّل من دخل من أهل النار وجدوا على الباب أربعمائة ألف من خزنة جهنم، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد نزع الله الرحمة من قلوبهم ليس في قلب واحدٍ منهم مثقال ذرة من الرحمة» .
وأخرج أبو نعيم عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن جهنم لَتُسَعَّرُ كل يوم وتفتح أبوابها، إلا يوم الجمعة فإنها لا تفتح أبوابها ولا تُسَعَّر» .
وأخرج سعيد بن منصور عن مسروق رضي الله عنه قال: إن أحق ما استعيذ من جهنم في الساعة التي تفتح فيها أبوابها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي مالك رضي الله عنه قال: جهنم سبعة نيران، ليس منها نار إلا وهي تنظر إلى النار التي تحتها تخاف أن تأكلها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدالله بن عمرو قال: إن في النار سجناً لا يدخله إلا شرّ الأشرار، قراره نار وسقفه نار وجدرانه نار، وتلفح فيه النار.
وأخرج عبد الرزاق والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن كعب رضي الله عنه قال: للشهيد نور، ولمن قاتل الحرورية عشرة أنوار، وكان يقول: لجهنم سبعة أبواب، باب منها للحرورية.
قال: ولقد خرجوا في زمان داود عليه السلام.
وأخرج ابن مردويه والخطيب في تاريخه، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى ﴿ لكل باب منهم جزء مقسوم ﴾ قال: «جزء أشركوا بالله، وجزء شكوا في الله، وجزء غفلوا عن الله» .
وأخرج الترمذي والحاكم وصححه، وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن عبدالله بن سلام رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، انجفل الناس إليه، فجئته لأنظر في وجهه فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعت منه أن قال: «يا أيها الناس، أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ آمنين ﴾ قال: أمنوا الموت، فلا يموتون ولا يكبرون ولا يسقمون ولا يعرون ولا يجوعون.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر من طريق لقمان بن عامر، عن أبي أمامة قال: لا يدخل الجنة أحد حتى ينزع الله ما في صدورهم من غل، وحتى أنه لينزع من صدر الرجل بمنزلة السبع الضاري.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق القاسم، عن أبي أمامة قال: يدخل أهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من الشحناء والضغائن، حتى إذا نزلوا وتقابلوا على السرر، نزع الله ما في صدورهم في الدنيا من غل.
وأخرج ابن جرير عن علي ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قال: العداوة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن قتادة في قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قال: حدثنا أبو المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة: فوالذي نفسي بيده لأحدهم أهدى لمنزله في الجنة من منزله الذي كان في الدنيا» قَالَ قَتَادةُ: وَكَانَ يُقَالُ: ما يُشَبَّهُ بِهِمْ إِلاَّ أَهْلُ جُمُعَةٍ حِينَ انْصَرَفُوا مِنْ جُمُعَتِهِمْ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يحبس أهل الجنة بعد ما يجوزون الصراط، حتى يؤخذ لبعضهم من بعض ظلاماتهم في الدنيا، ويدخلون الجنة وليس في قلوب بعضهم على بعض غل» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الكريم بن رشيد قال: ينتهي أهل الجنة إلى باب الجنة وهم يتلاحظون تلاحظ الغيران، فإذا دخلوها نزع الله ما في صدورهم من غل.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن الحسن البصري قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: فينا والله أهل بدر نزلت ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ﴾ .
وأخرج ابن مردويه من طريق عبد الله بن مليل، عن علي في قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قال: نزلت في ثلاثة أحياء من العرب: في بني هاشم، وبني تميم، وبني عدي.
وفي أبي بكر وفي عمر.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن كثير النواء قال: قلت لأبي جعفر إن فلاناً حدثني عن علي بن الحسين، إن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قال: والله إنها لفيهم أنزلت.
وفيمن تنزل إلا فيهم؟
قلت: وأي غل هو؟
قال: غل الجاهلية.
إن بني تميم وبني عدي وبني هاشم، كان بينهم في الجاهلية.
فلما أسلم هؤلاء القوم تحابّوا وأخذت أبا بكر الخاصرة، فجعل علي يسخن يده فيكوي بها خاصرة أبي بكر.
فنزلت هذه الآية.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم من طرق، عن علي أنه قال لابن طلحة: إني أرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله فيهم ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ﴾ فقال رجل من همدان: إن الله أعدل من ذلك.
فصاح علي عليه صيحة تداعى لها القصر، وقال: فمن اذن إن لم نكن نحن أولئك؟.
وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن علي قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان والزبير وطلحة ممن قال الله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ .
وأخرج ابن مردويه من طريق مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل...
﴾ الآية.
قال: نزلت في علي وطلحة والزبير.
وأخرج الشيرازي في الألقاب وابن مردويه وابن عساكر من طريق الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قال: نزلت في عشرة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وعبدالله بن مسعود.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي صالح موقوفاً عليه.
وأخرج ابن مردويه من طريق النعمان بن بشير، عن علي ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قال: ذاك عثمان وطلحة والزبير وأنا.
وأخرج هنّاد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ على سرر متقابلين ﴾ قال: لا يرى بعضهم قفا بعض.
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه من طريق مجاهد، عن ابن عباس قال: أهل الجنة لا ينظر بعضهم في قفا بعض، ثم قرأ ﴿ متكئين عليها متقابلين ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو القاسم البغوي وابن مردويه وابن عساكر، عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية ﴿ إخوانا على سرر متقابلين ﴾ «المتحابين في الله في الجنة ينظر بعضهم إلى بعض» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ قال: المشقة والأذى.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ قال ابن عباس: استأثر الله عبادًا واصطنعهم لنفسه، فأخبر إبليسَ باصطناعه إيّاهم، وققال: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ أي: قوة وحجة في إغوائهم ودعائهم إلى الشرك والضلال.
وقال سفيان بن عيينة: هؤلاء ثنية (١) (٢) (٣) (١) أي استثناء، ومنه قول كعب: الشهداء ثنية الله في الأرض، يتأول قول الله تعالى: ﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ في السَّمَاوَاتِ وَمَنْ في الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ الله ﴾ فالذين استثناهم من الصعق -عند كعب- الشهداء.
انظر: "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 507.
(٢) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 148 ب، بنصه وهو جزء من قوله؛ قال: معناه ليس لك عليهم سلطان تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي، وهؤلاء ثنية الله ..
، "تفسير البغوي" 4/ 382، وابن عطية 4/ 402، و"تفسير القرطبي" 10/ 28، والخازن 3/ 96.
(٣) "تفسير الفخر الرازي" 19/ 190.
<div class="verse-tafsir"
[الأعراف: 16] الباء للسببية أي لأغوينهم بسبب إغوائك لي، وقيل: للقسم كأنه قال: بقدرتك على إغوائي لأغوينهم، والضمير لذرية آدم ﴿ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ القائل لهذا هو الله تعالى، والإشارة بهذا إلى نجاة المخلصين من إبليس، وأنه لا يقدر عليهم أو إلى تقسيم الناس إلى غويّ ومخلَص ﴿ إِلاَّ عِبَادَكَ ﴾ يحتم أن يريد بالعباد جميع الناس، فيكون قوله: إلا من اتبعك استثناء متصل أي يريد بالعباد المخلصين فيكون الاستثناء منقطعاً ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ ﴾ الضمير للغاوين ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أبواب ﴾ روي أنها سبعة أطباق في كل طبقة باب، فأعلاها للمذنبين من المسلمين والثاني: لليهود، والثالث: للنصارى، والرابع: للصابئين والخامس: للمجوس، والسادس: للمشركين، والسابع: للمنافقين ادخلوها تقديره يقال لهم: ادخلوها والسلام يحتمل أن يكون التحية أو السلامة ﴿ إخوانا ﴾ يعني أخوّة المودّة والإيمان ﴿ متقابلين ﴾ أي يقابل بعضهم بعضاً على الأسرة ﴿ نَصَبٌ ﴾ أي تعب.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ربما ﴾ بفتح الباء مخففة: أبو جعفر ونافع وعاصم غير الشموني.
و ﴿ ربما ﴾ بضم الباء خفيفة: الشموني.
الباقون بالفتح والتشديد ﴿ ما ننزل ﴾ بالنون ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
﴿ ما تنزل ﴾ بضم التاء وفتح الزاي المشددة ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد الباقون مثله، ولكن بفتح التاء ﴿ ما تنزل ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح ﴿ سكرت ﴾ خفيفة: ابن كثير ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وخلف ﴿ صراط على ﴾ بكسر اللام ورفع الياء على النعت: يعقوب الآخرون ﴿ عليّ ﴾ جاراً ومجروراً ﴿ وعيون ﴾ بكسر العين: حمزة وعلي وابن كثير وابن ذكوان والأعشى ويحيى وحماد.
الباقون بضمها ﴿ نبىء عبادي ﴾ مثل نبئنا عبادي أني بالفتح فيهما: {أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
والآخرون بالإسكان.
الوقوف ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ وما يستأخرون ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه ط لأن التحضيض له صدر الكلام ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ منظرين ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يعرجون ﴾ ه ﴿ مسحورون ﴾ ه ﴿ للناظرين ﴾ لا ﴿ رجيم ﴾ لا ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ موزون ﴾ ه ﴿ برازقين ﴾ ه ﴿ خزائنه ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع الفصل بي معنيي الجمع في التقدير والتفريق في التنزيل.
﴿ فأسقيناكموه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال ﴿ بخازنين ﴾ ه ﴿ الوارثون ﴾ ه ﴿ المستأخرين ﴾ ه ﴿ يحشرهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ج لاتفاق الجملتين مع تقدم المفعول في الثانية ﴿ السموم ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ أجمعون ﴾ ه لا ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ﴿ رجيم ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ من المنظرين ﴾ لا ه ﴿ المعلوم ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ لا ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الغاوين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ أبواب ﴾ ط ﴿ مقسوم ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لإرادة القول بعده ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ بمخرجين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ لا ﴿ الأليم ﴾ ه.
التفسير قال جار الله: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآي والكتاب والقرآن المبين السورة.
وتنكير القرآن للتفخيم وقال آخرون: الكتاب والقرآن المبين هو الكتاب الذي وعد الله محمداً والمعنى تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتاباً وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.
أما قوله ﴿ ربما يود ﴾ فذكر السكاكي أن فيه سبع لغات أخر بعد المشهورة: رب بالراء مضمومة، والباء مخففة مفتوحة أو مضمومة أم مسكنة، ورب بالراء مفتوحة والباء كذلك مشددة، وربة بالتاء مفتوحة والباء كذلك أي مفتوحة مخففة أو مشددة، وإنما دخل على المضارع مع أنه مختص بالماضي لأن المترقب فيأخبار الله بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه فكأنه قيل: ربما ود.
و"ما" هذه كافة أي تكف رب عن العمل فتتهيأ بذلك للدخول على الفعل.
وقيل: إن "ما" بمعنى شيء أي رب شيء يوده الذين كفروا.
ورب للتقليل فأورد عليه أن تمنيهم يكثر ويتواصل فما معنى التقليل؟
وأجيب بأنه على عادة العرب إذا أرادوا التكثير ذكروا لفظاً وضع لأجل التقليل كما إذا أرادوا اليقين ذكروا لفظاً وضع للشك.
والمقصود إظهار الترفع والاستغناء عن التصريح بالتعريض فيقولون: ربما ندمت على ما فعلت، ولعلك تندم على فعلك.
وإن كان العلم حاصلاً بكثرة الندم ووجوده بغير شك أرادوا لو كان الندم قليلاً أو مشكوكاً فيه لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل لأن العقلاء يتحرزون من الغم القليل كما يحذرون من الكثير، ومن الغم المظنون كما من المتيقن.
فمعنى الآية لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة كان جديراً بالمسارعة إليه فكيف وهو يودونه في كل ساعة.
وقوله ﴿ لو كانوا مسلمين ﴾ إخبار عن ودادتهم كقولك "حلف بالله ليفعلن".
ولو قيل "لو كنا مسلمين" جاز من حيث العربية كقولك "حلف بالله لأفعلن".
ومتى تكون هذه الودادة؟
قال الزجاج: إن الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب أو رأى أحوالاً من أحوال المسلم ود لو كان مسلماً.
وعلى هذا فقد قيل في وجه التقليل: إن العذاب يشغلهم عن كثير التمني فلذلك قلل.
وقال الضحاك: هي عند الموت إذا شاهد أمارات العذاب.
وقيل: إذا اسودت وجوههم.
روي عن النبي "إذا كان يوم القيامة اجتمع أهل النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة.
فقال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟
قالوا: بلى قالوا: فما أغنى عنكم من إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟
فيغضب الله لهم فيأمر لكل من كان من أهل القبلة بالخروج فحينئذٍ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين.
وقرأ رسول الله الآية" .
وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: ما يزال الله يرحم المؤمنين ويخرجهم من النار ويدخلهم الجنة بشفاعة الملائكة والأنبياء حتى إنه في آخر الأمر يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة فهناك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴿ ذرهم ﴾ ظاهره أمر لرسول الله بأنه يخليهم وشأنهم، فاحتجت الأشاعرة به على أنه وتعالى قد يصد عن الإيمان ويفعل بالمكلف ما يكون مفسدة في الدين.
وقالت المعتزلة: ليس هذا إذناً وتجويزاً وإنما هو تهديد ووعيد وقطع طمع النبي عن ارعوائهم، وفيه أنهم من أهل الخذلان ولا يجيء منهم إلا ما هم فيه، ولا زاجر لهم ولا واعظ إلا معاينة ما ينذرون به حين لا ينفعهم الوعظ.
وفي الآية تنبيه على أن إيثار التلذذ والتمتع وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين ﴿ و ﴾ معنى ﴿ يلههم الأمل ﴾ يشغلهم الرجاء عن الإيمان والطاعة.
لهيت عن الشيء بالكسر ألهى لهياً إذا سلوت عنه وتركت ذكره وأضربت عنه.
وألهاني غيره.
عن أنس أن النبي خط خطاً وقال: هذا الإنسان.
وخط آخر إلى جنبه وقال: هذا أجله.
وخط آخر بعيداً منه فقال: هذا الأمل.
فبينما هو كذلك إذا جاءه الأقرب ﴿ فسوف يعلمون ﴾ سوء صنيعهم مزيد تأكيد للتهديد.
ثم ذكر ما هو نهاية في الزجر والتحذير فقال ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب ﴾ أي مكتوب ﴿ معلوم ﴾ وهو أجلها الذي كتب في اللوح.
قال جار الله: قوله ﴿ ولها كتاب ﴾ جملة واقعة صفة لقرية والواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف.
وذكر السكاكي في المفتاح أن هذا سهو لأن الفصل بين الموصوف والصفة لا يجوز ولكن الجملة حال من قرية ومثل هذا جائز، ولو كان ذو الحال نكرة محضة كقولك "جاءني رجلٌ وعلى كتفه سيف" لعدم التباس الحال بالوصف لمكان الفاصلة بالواو، وكيف وقد زادت الفاصلة في الآية بكلمة ﴿ إلا ﴾ وذو الحال قريب من المعرفة إذ التقدير: وما أهلكنا قرية من القرى من قبل إفادة من الاستغراق.
قال قوم: المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان ينزله الله بالمكذبين المعاندين من الأمم السالفة.
وقال آخرون: أراد الموت والأول أقرب لأنه في الزجر أبلغ وكأنه قيل: إن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل فإن لكل أمة وقتاً معيناً في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر.
وقيل: أراد مجموع الأمرين.
قال صاحب النظم: إذا كان السبق واقعاً على شخص فمعناه جاز وخلف كقولك "سبق زيد عمراً" أي جازه وخلفه وأنه قصر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمان فعلى العكس كقولك "سبق فلان عام كذا" معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه.
فمعنى الآية أنه لا يحصل أجل أمة قبل وقته ولا بعده كما في كل حادث، وقد مر بحث الأجل في أول سورة الأنعام.
وأنث الأمة أولاً ثم ذكرها آخراً في قوله ﴿ وما يستأخرون ﴾ حملاً على اللفظ والمعنى، وحذف متعلق ﴿ يستأخرون ﴾ وهو عنه للعلم به.
ولما بالغ في تهديد الكفار شرع في تعديد بعض شبههم ومطاعنهم في النبي.
فالأولى أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون لأنهم كانوا يسمعون منه .
ما لا يوافق آراءهم ولا يطابق أهواءهم وإنما نادوه ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ مع أنهم كانوا لا يقرون بنزول الوحي عليه تعكيساً للكلام استهزاءً وتهكماً، وأرادوا يا أيها الذين نزل عليه الوحي في زعمه واعتقاده وعند أصحابه وأتباعه، الثانية.
﴿ لو ما تأتينا بالملائكة ﴾ "لو ما" حرف تحضيض مركب من "لو" المفيدة للتمني ومن "ما" المزيدة، فأفاد المجموع الحث على الفعل الداخل هو عليه والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة ليشهدوا على صدقك ويعضدوك على إنذارك؟
والمراد هلا تأتينا بملائكة العذاب إن كنت صادقاً في أن تكذيبك يقتضي التعذيب العاجل؟
فأجاب الله عن شبههم بقوله ﴿ ما ننزل الملائكة إلا بالحق ﴾ قالت المعتزلة: أي تنزيلاً متلبساً بالحكمة والمصلحة والغاية الصحيحة، ولا حكمة في أن تأتيكم عياناً فإن أمر التكليف حينئذٍ يؤول إلى الاضطرار والإلجاء، ولا فائدة تعود عليكم لأنه يعلم إصراركم على الكفر فيصير إنزالهم عبثاً، أو لا حكمة في إنزالهم لأنهم لو نزلوا ثم لم تؤمنوا وجب عذاب الاستئصال وذلك قوله ﴿ وما كانوا إذاً منظرين ﴾ فإن التكليف يزول عند نزول الملائكة وقد علم الله من المصلحة أن لا يهلك هذه الأمة ويمهلهم لما علم من إيمان بعضهم أو إيمان أولادهم.
وقالت الأشاعرة: إلا بالحق أي إلا بالوحي أو العذاب.
قال صاحب النظم: لفظ "إذن" مركبة من "إذ" بمعنى "حين" ومن "أن" الدالة على مجيء فعل بعده، فخففت الهمزة بحذفها بعد نقل حركتها وكأنه قيل: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا.
وقال غيره: "إذن" جواب وجزاء تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذابهم.
ثم أنكر على الكفار استهزاءهم في قولهم ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ فقال على سبيل التوكيد ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر ﴾ ثم دل على كونه آي منزلة من عنده فقال ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ لأنه لو كان من قول البشر أو لم يكن آية لم يبق محفوظاً من التغيير والاختلاف.
وقيل: الضمير في ﴿ له ﴾ لرسول الله كقوله ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ والقول الأول أوضح.
ووجه حفظ القرآن قيل: هو جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر حتى لو زادوا فيه شيئاً ظهر ذلك للعقلاء.
ولم يخف، فلذلك بقي مصوناً عن التحريف.
وقيل: حفظ بالدرس.
والبحث ولم يزل طائفة يحفظونه ويدرسونه ويكتبونه في القراطيس باحتياط بليغ وجد كامل حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن في حرف من كتاب الله لقال له بعض الصبيان: أخطأت.
ومن جملة إعجاز القرآن وصدقه أنه أخبر عن بقائه محفوظاً عن التغيير والتحريف وكان كما أخبر بعد تسعمائة سنة فلم يبق للموحد شك في إعجازه.
وههنا نكتة هي أنه تولى حفظ القرآن ولم يكله إلى غيره فبقي محفوظاً على مر الدهور بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم ووقع التحريف.
ثم ذكر أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء كذلك، والغرض تسلية النبي .
وفي الكلام إضمار والتقدير ﴿ ولقد أرسلنا من قبلك ﴾ رسلاً إلا أنه حذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه.
ومعنى ﴿ في شيع الأولين ﴾ في أممهم وأتباعهم وقد مر معنى الشيعة في آخر "الأنعام" قال جار الله: معنى أرسلنا فيهم جعلناهم رسلاً فيما بينهم.
قال الفراء: إضافة الشيع إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى الصفة كقوله ﴿ حق اليقين ﴾ و ﴿ بجانب الغربي ﴾ وقوله ﴿ وما يأتيهم ﴾ حكاية حال ماضية.
وإنما كان الاستهزاء بالرسل عادة الجهلة في كل قرن لأن الفطام عن المألوف شديد وكون الإنسان مسخراً لأمر من هو مثله أو أقل حالاً منه في المال والجاه والقبول أشد، على أن السبب الكلي فيه هو الخذلان وعدم التوفيق من الله ووقوعهم مظاهر القهر في الأزل.
قوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ السلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط.
وقالت الأشاعرة: الضمير في ﴿ نسلكه ﴾ يجب عوده إلى أقرب المذكورات وهو الاستهزاء الدال عليه ﴿ يستهزءُون ﴾ وأما الضمير في قوله ﴿ لا يؤمنون به ﴾ فيعود إلى الذكر لأنه لو عاد إلى الاستهزاء وعدم الإيمان بالاستهزاء حق وصواب لم يتوجه اللوم على الكفار، ولا يلزم من تعاقب الضمائر عودها على شيء واحد وإن كان الأحسن ذلك.
والحاصل أن مقتضى الدليل عود الضمير إلى الأقرب إلا إذا منع مانع من اعتباره.
وقال بعض الأدباء منهم: قوله ﴿ لا يؤمنون به ﴾ تفسير للكناية في قوله ﴿ نسلكه ﴾ أي نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به فثبتت دلالة الآية على أن الكفر والضلال والاستهزاء ونحوها من الأفعال كلها بخلق الله وإيجاده.
وقالت المعتزلة: الضميران يعودان إلى الذكر لأنه شبه هذا السلك بعمل آخر قبله وليس إلا تنزيل الذكر.
والمعنى مثل ذلك الفعل نسلك الذكر في قلوب المجرمين.
ومحل ﴿ لا يؤمنون به ﴾ نصب على الحال أي غير مؤمن به أو هو بيان لقوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ والحاصل أنا نلقيه في قلوبهم مكذباً مستهزأً به غير مقبول نظيره ما إذا أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها باللئام تعني مثل هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضية.
واعتراض بأن النون إنما يستعمله الواحد المتكلم إظهاراً للعظمة والجلال ومثل هذا التعظيم إنما يحسن ذكره إذا فعل فعلاً يظهر له أثر قويّ كامل، أما إذا فعل بحيث يكون منازعه ومدافعه غالباً عليه فإنه يستقبح ذكره على سبيل التعظيم، والأمر ههنا كذلك لأنه سلك استماع القرآن وتحفيظه وتعليمه في قلب الكافر لأجل أن يؤمن به، ثم إنه لم يلتفت إليه ولم يؤمن به فصار فعل الله كالهدر الضائع وصار الشيطان كالغالب المدافع فكيف يحسن ذكر النون المشعر بالتعظيم في هذا المقام؟
أما قوله ﴿ وقد خلت سنة الأولين ﴾ فقيل: أي طريقتهم التي بينها الله في إهلاكهم حين كذبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم، وهذا يناسب تفسير المعتزلة، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم.
وقيل: قد مضت سنة الله في الأولين بأن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم وهذا قول الزجاج، ويناسب تفسير الأشاعرة.
ثم حكى إصرارهم على الجهل والتكذيب بقوله ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا ﴾ أي هؤلاء الكفار ﴿ فيه يعرجون ﴾ يتصاعدون ﴿ لقالوا إنما سكرت أبصارنا ﴾ هو من سكر الشراب أو من سكر سدّ الشق يقال: سكر النهر إذا سدّه وحبسه من الجري.
والتركيب يدل على قطع الشيء من سننه الجاري عليه ومنه السكر في الشراب لأنه ينقطع عما كان عليه من المضاء في حال الصحو.
فمعنى الآية حيرت أبصارنا ووقع بها من فساد النظر ما يقع بالرجل السكران، أو حبست عن أفعالها بحيث لا ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقائقها.
عن ابن عباس: المراد لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج وينظرون إلى ملكوت الله وقدرته وسلطانه وإلى عباده الملائكة الذين هم من خشية ربهم مشفقون لتشككوا في تلك الرؤية وبقوا مصرين على كفرهم وجهلهم كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر وما خص به النبي من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس ان يأتوا بمثله.
قال في الكشاف: ذكر الظلول يعني أنه قال ﴿ فظلوا ﴾ ولم يقل "فباتوا" ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون.
وقال: إنما سكرت ليدل على أنهم يبتون القول بأن ذلك ليس إلا تسكيراً للأبصار.
وقيل: الضمير في ﴿ فظلوا ﴾ للملائكة أي لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عياناً لقالوا: إن السحرة سحرونا وجعلونا بحيث نشاهد هذه الأباطيل التي لا حقيقة لها.
وههنا سؤال وهو أنه كيف جاز من جم غفير أن يصيروا شاكين فيما يشاهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح؟
وأجيب بأنهم قوم مخصوصون لم يبلغوا مبلغ التواتر وكانوا رؤساء قليلي العدد فجاز تواطؤهم على المكابرة والعناد لا سيما إذا جمعهم غرض معتبر كدفع حجة أو غلبة خصم.
ولما أجاب عن شبه منكري النبوة بما أجاب وكان القول بالنبوة مفرعاً على القول بالصانع أتبعه دلائل ذلك فقال ﴿ ولقد جعلنا في السماء بروجاً ﴾ وهي اثنا عشر عند أهل النجوم، وذلك أنهم قسموا نطاق الفلك الثامن عندهم باثني عشر قسماً متساوية، ثم أجيز بمنتهى كل قسم وبأوله مبتدأة من أول الحمل نصف دائرة عظيمة مارة بقطبي الفلك فصار الفلك أيضاً منقسماً باثنتي عشرة قطعة كل منها تشبه ضلعاً من أضلاع البطيخ تسمى برجاً.
ولا شك أن هذه البروج مختلفة الطباع، كل ثلاثة منها على طبيعة عنصر من العناصر الأربعة فلذلك يسمى الحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية.
ثم إن كانت أجزاء الفلك مختلفة في الماهية على ما يجوّزه المتكلمون، أو كانت متساوية ثم تمام الماهية مختلفة في التأثير كما يقول به الحكيم، فعلى التقديرين يكون اختصاص كل جزء بطبيعة معينة أو بتأثير معين مع تساوي الكل في حقيقة الجسمية دالاً على صانع حكيم ومدبر قدير.
الدليل الآخر قوله ﴿ وزيناها ﴾ أي بالشمس والقمر والنجوم ﴿ للناظرين ﴾ بنظر الاعتبار والاستبصار.
وقال المنجمون.
إن الكواكب الثابتة كلها على الفلك الثامن وهذا لا ينافي الآية على ما يمكن أن يسبق إلى الوهم، لأنها سواء كن في سماء الدنيا أو في سموات أخر فوقها فلا بد أن يكون ظهورها في السماء الدنيا فتكون السماء الدنيا مزينة بها، والآية لا تدل إلا على هذا القدر.
ونظير هذه الآية قوله في "حم السجدة" ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ ومثله في سورة الملك.
الدليل الثالث قوله ﴿ وحفظناها ﴾ أي البروج أو السماء ﴿ من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع ﴾ نصب عل الاستثناء المنقطع أي لكن من استرق وجائز أن يكون مخفوضاً أي إلا ممن استرق.
وعن ابن عباس: يريد الخطفة اليسيرة ﴿ فاتبعه ﴾ أي أدركه ولحقه ﴿ شهابٌ مبين ﴾ ظاهر للمبصرين والشهاب شعلة نار ساطع، وقد يسمى الكوكب شهاباً لأجل لمعانه وبريقه.
قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون من السموات وكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها على الكهنة، فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد منعوا من السموات كلها وهذا هو المراد بحفظ السموات كما لو حفظ أحدنا منزله ممن يتجسس ويخشى منه الفساد.
والاستراق السعي في استماع الكلام مستخفياً.
قال الحكماء: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس، فإذا بلغ النار التي دون الفلك احترق بها واشتعل لدهنية فيه فيحدث منها أنواع النيران من جملتها الشهب، فلا ريب أنها كانت موجودة قبل مبعث النبي إلا أنها لم تكن مسلطة على الشياطين.
وإنما قيض كونها رجوماً للشياطين في زمن عيسى ثم في زمن محمد .
أسئلة: كيف يجوز أن يشاهد هؤلاء الجن واحداً كان أو أكثر من جنسهم يسترقون السمع فيحرقون، ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم؟
والجواب: إذا جاء القضاء عمي البصر، فإذا قيض الله لطائفة منهم الحرق لطغيانها قدر له من الدواعي المطمعة في درك المقصود ما عندها يقدم على العمل المفضي الى الهلاك والبوار.
آخر: قد ورد في الأخبار أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، فهؤلاء الجن إن قدروا على خرق السماء ناقض قوله ﴿ هل ترى من فطور ﴾ وإن لم يقدروا فكيف يمكنهم استماع أسرار الملائكة من ذلك البعد البعيد، ولم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض؟
وأجيب بأنا سلمنا أن بعد ما بين كل سماء ذلك القدر إلا أن نحن الفلك لعله قدر قليل، وقد روى الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: بينما النبي جالسٌ في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار فقال: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا؟
قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم.
فقال النبي : "لا يرمى لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش ثم سبح أهل السماء وسبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم؟
فيخبرونهم ولا يزال ينتهي ذلك الخبر من سماء إلى سماء إلى أن ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويتخطف الجن فيرمون فما جاءُوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يزيدون" آخر: الشياطين مخلوقون من نار فكيف تحرق النار النار؟
والجواب: أن الأقوى قد يبطل الأضعف وإن كان من جنسه.
آخر: إن هذا الرجم لو كان من معجزات النبي بقي بعد وفاته؟
الجواب: هذا من المعجزات الباقية والغرض منه إبطال الكهانة.
آخر: إن الشهب قد تحدث بالقرب من الأرض وإلا لم يمكن الإحساس بها فكيف تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك حين الاستراق؟
وأجيب بأن البعد عندنا غير مانع من السماع فلعله أجرى عادته بأنهم إذا وقعوا في تلك المواضع سمعوا كلام الملائكة.
آخر: لو كان يمكنهم نقل أخبار الملائكة إلى الكهنة فكيف لم يقدروا على نقل أسرار المؤمنين إلى الكفار؟
وأجيب بأنه أقدرهم على شيء وأعجزهم عن شيء ولا يسأل عما يفعل.
وأقول: لعل السبب فيه أن نسبتهم إلى الروحانيات أكثر.
آخر: إذا جوّزتم في الجملة اطلاع الجن على بعض المغيبات فقد ارتفع الوثوق عن إخبار النبي عن بعض الغيوب فلا يكون دليلاً على صدقه.
لا يقال: إنه أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي لأنا نقول: صدق هذا الكلام مبني على صحة نبوّته، فلو أثبتنا صحة نبوّته به لزم الدور؟
والجواب: أنا نعرف صحة نبوّته بدلائل أخر حتى لا يدور، ولكن لا ريب أن إخباره عن بعض المغيبات مؤكد لنبوّته وإن لم يكن مثبتاً لها.
الدليل الرابع: قوله ﴿ والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ﴾ وقد مرّ تفسير مثله في أوّل سورة الرعد.
الدليل الخامس قوله: ﴿ وأنبتنا فيها ﴾ أي في الأرض أو في الجبال الرواسي ﴿ من كل شيء موزون ﴾ بميزان الحكمة ومقدر بمقدار الحاجة، وذلك أن الوزن سبب معرفة المقدار فأطلق اسم السبب على المسبب.
وقيل: أي له وزن وقدر في أبواب النعمة والمنفعة.
وقيل: أراد أن مقاديرها من العناصر معلومة وكذا مقدار تأثير الشمس والكواكب فيها.
وقيل: أي مناسب أي محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن واللطافة.
يقال: كلام موزون أي مناسب، وفلان موزون الحركات.
وقيل: أراد ما يوزن من نحو الذهب والفضة والنحاس وغيرها من الموزونات كأكثر الفواكه والنبات.
﴿ وجعلنا لكم فيها ﴾ أي في الأرض أو في تلك الموزونات ﴿ معايش ﴾ ما يتوصل به إلى المعيشة وقد مر في أول "الأعراف".
﴿ ومن ﴾ عطف على معايش أي جعلنا لكم من ﴿ لستم له برازقين ﴾ أو عطف على محل لكم لا على المجرور فقط فإنه لا يجوز في الأكثر إلا بإعادة الجار والتقدير: وجعلنا لكم معايش لمن لستم له برازقين.
وأراد بهم العيال والمماليك والخدم الذين رازقهم في الحقيقة هو الله وحده لا الآباء والسادات المخاديم، ويدخل فيه بحكم التغليب غير ذوي العقول في الأنعام والدواب والوحش والطير كقوله: ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ وقد يذكر من يعقل بصفة من يعقل بوجه ما من الشبه كقوله: ﴿ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ﴾ والدواب تشبه ذوي العقول من جهة أنها طالبة لأرزاقها عند الحاجة.
يحكى أنه قلت مياه الأودية في بعض السنين واشتد عطش الوحوش فرفعت رأسها إلى السماء فأنزل الله المطر.
ثم بين غاية قدرته ونهاية حكمته فقال: ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ قال جمع من المفسرين: أراد بالشيء ههنا المطر الذي هو سبب لأرزاق بني آدم وغيرهم من الطير والوحش،وذلك أنه لما ذكر معايشهم بين أن خزائن المطر الذي هو سبب المعايش عنده أي في أمره وحكمه وتدبيره.
قوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ عن ابن عباس: يريد قدر الكفاية.
وقال الحكم: ما من عام بأكثر مطراً من عام آخر ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون، وربما كان في البحر، واعلم أن لفظ الآية لا يدل على هذين القولين فلو ساعدهما نقل صحيح أمكن أن يقبلهما العقل والا كان شبه تحكم والظاهر عموم الحكم، وإن ذكر الخزائن تمثيل لاقتداره على كل مقدور.
والمعنى إن جميع الممكنات مقدورة ومملوكة له يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء، وهي إن كانت غير متناهية بالقوّة لأن كلاً منها يمكن أن يقع في أوقات غير محصورة على سبيل البدل، وكذا الكلام في الأحياز وسائر الأعراض والأوصاف.
فاختصاص ذلك الخارج إلى الوجود بمقدار معين وشكل معين وحيز ووقت معين إلى غير ذلك من الصفات المعينة دون أضدادها لا بد أن يكون بتخصيص مخصص وتقدير مقدر وهو المراد من قوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ وقد يتمسك بالآية بعض المعتزلة في أن المعدوم شيء.
قيل: المراد أن تلك الذوات والماهيات كانت مستقرة عند الله بمعنى أنها كانت ثابتة من حيث إنها حقائق وماهيات، ثم إنه نزل أي أخرج بعضها من العدم إلى الوجود.
الدليل السادس: قوله ﴿ وأرسلنا الرياح ﴾ ومن قرأ الريح فاللام للجنس ﴿ لواقح ﴾ قال ابن عباس: معناه ملاقح جمع ملقحة لأنها تلقح السحاب بمعنى أنها تحمل الماء وتمجه في السحاب، أو لأنها تلقح الشجر أي تقوّيها وتنميها إلى أن يخرج ثمرها.
قاله الحسن وقتادة والضحاك.
وقد جاء في كلام العرب "فاعل" بمعنى "مفعل" قال: ومختبط مما تطيح الطوائح *** يريد المطاوح جمع مطيحة.
وقال ابن الأنباري: تقول العرب: أبقل النبت فهو باقل أي مبقل.
وقال الزجاج: معناه ذوات لقحة لأنها تعصر السحاب وتدره كما تدر اللقحة كما يقال رامح أي ذو رمح - ولابن وتامر أي ذو لبن وذو تمر.
وقيل: إن الريح في نفسها لاقح أي حالة للسحاب أو للماء من قوله : ﴿ حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً ﴾ أو حاملة للخير والرزق كما قيل لضدها الريح العقيم ﴿ فأسقيناكموه ﴾ أي جعلناه لكم سقياً قال أبو عليّ: يقال سقيته الماء إذا أعطاه قدر مما يروى، وأسقيته نهراً أي جعلته شرباً له.
والذي يؤكد هذا اختلاف القراء في قوله: ﴿ نسقيكم مما في بطونه ﴾ ولم يختلفوا في قوله: ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ﴾ ويقال: سقيته لشفته وأسقته لماشيته وأرضه.
﴿ وما أنتم له بخازنين ﴾ نفى عنهم ما أثبته لنفسه في قوله ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ أي نحن الخازنون للماء لا أنتم أراد عظيم قدرته وعجز من سواه.
الدليل السابع: قوله ﴿ وإنا لنحن نحيي ونميت ﴾ والغرض الاستدلال بانحصار الإحياء والإماتة فيه على أنه واحد في ملكه.
قال أكثر المفسرين: إنه وصف النبات فيما قبل فهذا الإحياء مختص بالحيوان، ومنهم من يحمله على القدر المشترك بين إحياء النبات وبين إحياء الحيوان ﴿ ونحن الوارثون ﴾ مجاز عن بقائه بعد هلاك ما عداه كما مر في آخر "آل عمران" في قوله: ﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ قوله: ﴿ ولقد علمنا ﴾ عن ابن عباس في رواية عطاء ﴿ المستقدمين ﴾ يريد أهل طاعة الله، والمستأخرين يريد المتخلفين عن طاعته.
ويروى أنه رغب الناس في الصف الأول في الجماعة فازدحم الناس عليه فأنزل الله الآية.
والمعنى إنا نجزيهم على قدر نياتهم.
وقال الضحاك ومقاتل: يعني في صف القتال.
وقال ابن عباس في رواية أبي الجوزاء: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله وكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها، وآخرون يتخلفون ويتأخرون ليروها، وكان قوم إذا ركعوا جافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم فنزلت.
وقيل: المستقدمون هم الأموات والمستأخرون هم الأحياء.
وهذا القول شديد المناسبة لما قبل الآية ولما بعدها.
وقيل: المستقدمون هم الأمم السالفة والمستأخرون هم أمة محمد .
وقال عكرمة: المستقدمون من خلق، والمستأخرون من لم يخلق بعد.
والظاهر العموم وأن علمه شامل لجميع الذوات والأحوال الماضية والمستقبلة فلا ينبغي أن تخص الآية بحالة دون أخرى.
ثم نبه على أن الحشر والنشر أمر واجب ولا يقدر على ذلك أحد إلا هو فقال: ﴿ وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم ﴾ فلحكمته بني أمر العباد على التكليف والجزاء، ولعلمه قدر على توفية مقادير الجزاء.
الدليل الثامن: الاستدلال على خلق الإنسان خاصة وذلك أنه لا بد من انتهاء الناس إلى إنسان أول ضرورة امتناع القول بوجود حوادث لا أول لها.
وقد أجمع المفسرون على أنه آدم ، ورأيت في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر أنه قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر، وكيف كان فلا بد من إنسان هو أول الناس.
والأقرب أنه خلق آدم من تراب ثم من طين ثم من حمإٍ مسنون ثم من صلصال كالفخار.
وقد كان قادراً على خلقه من أيّ جنس من الأجسام كان، بل كان قادراً على خلقه ابتداء.
وإنما خلقه على هذا الترتيب لمحض المشيئة.
أو لما كان فيه من زلة الملائكة والجن، أو لغير ذلك من المصالح، ولا شك أن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه، والصلصال الطين اليابس الذي يصلصل أي يصوّت وهو غير مطبوخ فإذا طبخ فهو فخار.
وقيل: هو تضعيف صل إذا أنتن.
والحمأ الأسود المتغير من الطين، وكذلك الحمأة بالتسكين.
المسنون المصوّر من سنة الوجه أي صورته قاله سيبويه.
وقال أبو عبيدة: المسنون المصبوب المفرغ أي أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصورة من الجواهر المذابة.
وقال ابن السكيت: سمعت أبا عمرو يقول: معنا متغير منتن وكأنه من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فالذي يسيل منهما سنين ولا يكون إلا منتناً.
قال في الكشاف: قوله: ﴿ من حمإٍ ﴾ صفة صلصال أي خلقه من صلصال كائن من حمإ.
قلت: ولا يبعد أن يكون بدلاً أي خلقه من حما.
قال: وحق مسنون بمعنى مصوّر أن يكون صفة لصلصال كأنه أفرغ الحمأ فصوّر منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك الى جوهر آخر.
قوله: ﴿ والجانّ ﴾ قال الحسن ومقاتل وقتادة وهو رواية عطاء عن ابن عباس يريد إبليس - وعن ابن عباس - في رواية أخرى: هو أبو الجن كآدم أبي الناس وهو قول الأكثرين.
والتركيب يدل على السبق والتواري عن الأعين وقد مر فيما سلف ولا سيما في تفسير الاستعاذة في أول الكتاب ﴿ خلقناه من قبل ﴾ قال ابن عباس: أي من قبل خلق آدم و ﴿ السموم ﴾ الريح الحارة النافذة في السمام تكون في النهار وقد تكون بالليل.
ومسام البدن الخروق الخفية التي يبرز منها العرق وبخار الباطن، ولا شك أن تلك الريح فيها نار ولها لفح على ما ورد في الخبر أنه لفح جهنم.
قال ابن مسعود: هذه السموم جزءاً من سبعين جزءاً من سموم النار التي خلق.
الله منها الجان.
ولا استبعاد في خلق الله الحيوان من النار فإنا نشاهد السمندل قد يتولد فيها.
على قاعدة الحكيم: كل ممتزج من العناصر فإنه يمكن أن يغلب عليه أحدها، وحينئذٍ يكون مكانه مكان الجزء الغالب والحرارة مقوية للروح لا مضادة لها.
ثم إنه لما استدل بحدوث الإنسان الأول على كونه قادراً مختاراً ذكر بعده واقعته.
والمراد بكونه بشراً أنه يكون جسماً كثيفاً يباشر ويلاقي، والملائكة والجن لا يباشرون للطاقة أجسامهم.
والبشرة ظاهر الجلد من كل حيوان.
﴿ فإذا سوّيته ﴾ عدلت خلقته وأكملتها أو سويت أجزاء بدنه بتعديل الأركان والأخلاط والمزاج التابع لذلك اعتدالاً نوعياً أو شخصياً.
﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر.
فمن زعم أن الروح جسم لطيف كالهواء سار في البدن فمعناه ظاهر، ومن قال إنه جوهر مجرد غير متحيز ولا حال في متحيز فمعنى النفخ عنده تهيئة البدن لأجل تعلق النفس الناطقة به.
قال جار الله: ليس ثم نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه.
وتمام الكلام في الروح سوف يجيء إن شاء الله في قوله: ﴿ يسألونك عن الروح ﴾ .
ولا خلاف في أن الإضافة في قوله: ﴿ روحي ﴾ للتشريف والتكريم مثل "ناقة الله" و "بيت الله" والفاء في قوله: ﴿ فقعوا ﴾ تدل على أن وقوعهم في السجود كان واجباً عليهم عقيب التسوية والنفخ من غير تراخ.
قال المبرد: قوله ﴿ كلهم ﴾ أزال احتمال أن بعض الملائكة لم يسجدوا.
وقوله: ﴿ أجمعون ﴾ أزال احتمال أنهم سجدوا متفرقين، وقال سيبويه والخليل ﴿ أجمعون ﴾ توكيد بعد توكيد، ورجح الزجاج هذا القول لأن أجمع معرفة فلا يقع حالاً، ولو صح أن يكون حالاً وكا منتصباً لأفاد المعنى الذي ذكره المبرد، ثم استثنى إبليس من الملائكة وقد سلف وجه الاستثناء في أول البقرة.
ثم استأنف على تقدير سؤال سائل هل سجد؟
فقال: ﴿ أبى أن يكون مع الساجدين ﴾ يعني إباء استكبار.
ثم قال وتعالى خطاب تقريع وتعنيف لا تعظيم وتشريف ﴿ يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين ﴾ وقال بعض المتكلمين: خاطبه على لسان بعض رسله لأن تكليم الله بلا واسطة منصب شريف فكيف يناله اللعين؟
قال جار الله: حرف الجر مع أن محذوف ومعناه أيّ غرض لك في الامتناع من السجود ﴿ قال لم أكن لأسجد ﴾ اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد ﴿ لبشر ﴾ وحاصل شبهة اللعين أنه روحاني لطيف وآدم جسماني كثيف، وأصله نوراني شريف وأصل آدم ظلماني خسيس، فعارض النص بالقياس فلا جرم أجيب بقوله: ﴿ فاخرج منها ﴾ أي من الجنة أو من السماء أو من جملة الملائكة.
وضرب يوم الدين أي يوم الجزاء حداً للعنة جرياً على عادة العرب في التأبيد كما في قوله: ﴿ ما دامت السموات والأرض ﴾ أو أراد اللعن المجرد من غير تعذيب حتى إذا جاء ذلك اليوم عذب بما ينسى اللعن معه.
قال صاحب الكشاف: وأقول: هذا إن أريد باللعن مجرد الطرد عن الحضرة.
أما إن أريد به الإبعاد عن كل خير فيتعين الوجه الأول إلا عند من أثبت لإبليس رجاء العفو.
وإنما ذكر اللعنة ههنا بلام الجنس لأنه ذكر آدم بلفظ الجنس حيث قال: ﴿ إني خالق بشراً ﴾ ولما خصص آدم بالإضافة إلى نفسه في سورة "ص" حيث قال: ﴿ لما خلقت بيدي ﴾ خصص اللعنة أيضاً بالإضافة فقال: ﴿ وإن عليك اللعنة ﴾ فافهم.
﴿ قال رب فأنظرني ﴾ قد مر مثله في أول "الأعراف".
ومعنى ﴿ الوقت المعلوم ﴾ أن إبليس لما عينه وأشار إليه بعينه صار كالمعلوم والمراد منه الوقت القريب من البعث الذي يموت فيه الخلائق كلهم ليشمل الموت اللعين أيضاً.
وقيل: لم يجب إلى ذلك وأنظر إلى يوم لا يعلمه إلا الله ﴿ قال رب بما أغويتني ﴾ قد مر مباحثه في "الأعراف".
ومفعول ﴿ لأزينن ﴾ محذوف أي أزين لهم المعاصي في الأرض أي في الدنيا التي هي دار الغرور، أو أراد أنه قدر على الاحتيال لآدم وهو في السماء فهو على التزيين لأولاده وهم في الأرض أقدر، أو أراد لأجعلن مكان التزيين عندهم الأرض بأن أزين الأرض في أعينهم وأحدثهم أن الزينة هي في الأرض وحدها كقوله: وإن يعتذر بالمحل من ذي ضروعها *** من الضيف يجرح في عراقيبها نصلي أراد يجرح عراقيبها نصلي ثم استثنى اللعين عباد الله المخلصين لأنه علم أن كيده لا يؤثر فيهم.
قال بعض الحذاق: احترز إبليس بهذا الاستثناء من الكذب فيعلم منه أن الكذب في غاية السماحة والإخلاص فعل الشيء خالصاً لله من غير شائبة الغير لا أقل من أن يكون حق الله فيه راجحاً أو مساوياً.
ولما ذكر إبليس من الاستثناء ما ذكر ﴿ قال ﴾ الله ﴿ هذا ﴾ يعني الإخلاص طريق مستقيم عليّ ان أراعيه أو عليّ مروره أي على رضواني وكرامتي.
وقيل: لما ذكر اللعين أنه يغوي بني آدم لا من عصمه الله بتوفيقه تضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى مشيئته فأشير إليه بقول: ﴿ هذا ﴾ أي تفويض الأمور إلى إرادتي ومشيئتي.
﴿ صراط عليّ ﴾ تقريره وتأكيده، ومن قرأ ﴿ عليّ ﴾ بالتوين فهو من علو الشرف أي الإخلاص أو طريق التفويض إلى الله والإيمان بقضائه طريق رفيع.
﴿ مستقيم ﴾ لا عوج له.
وقال جار الله: هذا إشارة إلى ما بعده وهو قوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ قال الكلبي: المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس وذلك أنه لما ذكر ﴿ إلا عبادك ﴾ بين به أنه لا يقدر على إغواء المخلصين فصدقه الله في الاستثناء قائلاً ﴿ إن عبادي ليس عليهم سلطان إلا من اتبعك ﴾ أي ولكن من اتبعك من الغواة فلك تسلط عليهم وهذا يناسب أصول الأشاعرة.
وقال آخرون: هذا تكذيب لإبليس وذلك أنه أوهم بما ذكر أن له سلطاناً على عباد الله الذين لا يكونون من المخلصين فبين تعالى أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلاً إلا الغواة، لا بسبب الجبر والقسر بل من جهة الوسوسة والتزيين نظيره قوله: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ﴾ وهذا يناسب أصول الاعتزال ﴿ وإن جهنم لموعدهم أجميعن ﴾ قال ابن عباس: يريد إبليس ومن تبعه من الغاوين.
﴿ لها سبعة أبواب ﴾ أي سبع طبقات بعضها فوق بعض أعلاها للموحدين، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين.
وعن ابن عباس في رواية ابن جريج: إن جهنم لمن ادعى الربوبية، ولظى لعبدة النار، والحطمة لعبدة الأصنام، وسقر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحدين.
وقيل: إن قرار جهنم مقسوم بسبعة أقسام لكل قسم باب معين لكل باب جزء من أتباع إبليس مقسوم في قسمة الله .
والسبب في أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة.
فلا جرم صارت مراتب العقاب أيضاً متفاوته بحسبها.
ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ فزعم جمهور المعتزلة أنهم الذين اتقوا جميع المعاصي وإلا لم يفد المدح.
وقال جمهور: الصحابة والتابعين هم الذين اتقوا الشرك بالله واحتجوا عليه بأنه إذا اتقى مرة واحدة صدق عليه أنه اتقى، وكذا الكلام في الضارب والكاتب فليس من شرط صدق الوصف كونه آتياً بجميع أصنافه وأفراده إلا أن الأمة أجمعوا على أن التقوى عن الشرك شرط في حصول هذا الحكم.
والآية أيضاً وردت عقيب قوله: ﴿ إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ فلزمه اعتبار الإيمان في هذا الحكم.
والظاهر أن لا يراد شرط آخر لأن التخصيص خلاف الظاهر فكلما كان أقل كان أوفق لمقتضى الأصل، فثبت أن المتقين يتناول جميع القائلين بكلمة الإسلام وهي "لا إله إلا الله محمد رسول الله" قولاً واعتقاداً سواء كان من أهل الطاعة أو من أهل المعصية.
ثم إن الجنات أقلها أربع لقوله : { ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ ثم قال ﴿ ومن دونهما جنتان ﴾ وأما العيون فإما أن يراد بها الأنهار المذكورة في قوله: ﴿ فيها أنهار من ماء غير آسن ﴾ الآية وإما أن يراد بها منابع غير ذلك.
ثم إن كل واحد من المتقين يحتمل أن يختص بعين وينتفع بها كل من في خدمته من الحور والولدان ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب شهوتهم.
ويحتمل أن يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون من كل حقد وحسد.
فإن قيل: إذا كانوا في جنات فكيف يعقل أن يقول لهم الله تعالى وبعض الملائكة ﴿ ادخلوها ﴾ فالجواب لعل المراد أنهم لما ملكوا الجنات فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ذلك.
ومعنى ﴿ بسلام ﴾ أي مع السلامة من آفات النقص والانقطاع.
قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قد مر تفسيره في "الأعراف" ﴿ إخواناً ﴾ نصب على الحال.
وكذلك ﴿ على سرر متقابلين ﴾ والمراد بالإخوة.
إخوة الدين والتعاطف.
والسرر جمع سرير.
قيل: هو المجلس الرفيع المهيأ للسرور.وقال الليث: سرير العيش مستقره الذي يطمئن عليه حال سروره وفرحه.
والتركيب يدور على العزة والنفاسة ومنه قوله: "سر الوادي لأفضل موضع منه" ومنه السر الذي يكتم.
عن ابن عباس: يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، وعن مجاهد: تدور بهم الأسرة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين.
والتقابل التواجه نقيض التدابر، وتقابل الإخوان يوجب اللذة والسرور ليكون كل منهم مقبلاً على الآخر بالكلية، وتقابل الأعداء يكون تقابل التضاد التمانع فيكون موجباً للتباغض والتخالف، واعلم أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خالصة من الآفات آمنة من الزوال.
فقوله: ﴿ إن المتقين ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ ادخلوها ﴾ رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله: ﴿ ونزعنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خاصة من الآفات آمنة من الزوال.
فقوله: ﴿ إن للمتقين ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ ادخلوها ﴾ رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله ﴿ ونزعنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم ﴾ إشارة إلى نفي المضار الروحانية، وقوله: ﴿ لا يمسهم ﴾ إشارة إلى نفي المضار الجسدانية، وقوله: ﴿ وما هم بمخرجين ﴾ مفيد لمعنى الخلود.
ثم لما ذكر الوعيد والوعد زاده تقريراً وتمكيناً في النفوس فقال: ﴿ نبىء عبادي ﴾ وفيه من التوكيدات ما لا يخفى: منها إشهاد رسوله وإعلامه، ومنها تشريفهم بإطلاق لفظ العباد عليهم ثم بإضافتهم إلى نفسه، ومنها التوكيد بـ"أن" وبالفضل وبصيغتي الغفور والرحيم مع نوع تكرر كل ذلك يدل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال: "سبقت رحمتي غضبي".
التأويل: ﴿ ربما يود الذين كفروا ﴾ أي النفوس الكافرة ﴿ لو كانوا ﴾ مستسلمين لأوامر الله ونواهيه، وذلك إنما يكون عند استيلاء سلطان الذكر على القلب والروح، وتنور صفاتها بنور الذكر فيغلب النور على ظلمة النفس وصفاتها وتبدلت أحوالها من الأمّارية إلى الاطمئنان فتمنت حين ذاقت حلاوة الإسلام وطعم الإيمان لو كانت من بدء الخلق مسلمة مؤمنة كالقلب والروح.
ثم هدد النفس التي ذاقت حلاوة الإسلام ثم عادت الميشوم إلى طبعها واستحلت المشارب الدنيوية بقوله: ﴿ ذرهم يأكلوا ﴾ ﴿ وما أهلكنا من قرية ﴾ من القرى البدنية بإفساد استعدادها ﴿ إلا ولها كتاب ﴾ مكتوب في علم الله من سوء أعماله وأحواله ﴿ ما تسبق من أمة أجلها ﴾ متى يظهر منها ما هو سبب هلاكها ﴿ وما يستأخرون ﴾ لحظة بعد استيفاء أسباب هلاكها ﴿ وقالوا ﴾ يعني النفوس المتمردة مخاطباً للقلب الذاكر ﴿ لو ما تأتينا ﴾ بصفات الملائكة المنقادين، وفيه إشارة إلى أن النفس الأمارة لا تؤمن بما أنزل الله إلى القلوب من أنوار الإلهية حتى تصير مطمئنة مستعدة لهذه الصفات، ولو أنزلت قبل أوانها وكمال استعداد القلوب ما كانوا إذاً منظرين مؤخرين من الهلاك لضيق نطاق طاقتهم ﴿ إنا نحن نزلنا ﴾ كلمة لا إله إلا الله في قلوب المؤمنين ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان ﴾ والمنافق يقول ذلك ولكن لم ينزل في قلبه ولم يحفظ.
﴿ ولو فتحنا ﴾ على من أسلكنا الكفر في قلوبهم ﴿ باباً من ﴾ سماء القلب لأنكروا فتح الباب.
ولقد جعلنا في سماء القلب بروج الأطوار، فكما أن البروج منازل السيارات فكذلك الأطوار منازل شموس المشاهدات وأقمار المكاشفات وسيارات اللوامع والطوالع ﴿ وزيناها ﴾ لأهل النظر السائرين إلى الله ﴿ وحفظناها من ﴾ وساوس الشيطان وهواجس النفس الأمارة، ولكن من استرق السمع من النفس والشيطان فأدركه شعلة من أنوار تلك الشواهد فيضمحل الباطل ويتبين الحق ﴿ والأرض مددناها ﴾ فيه أن أرض البشرية تميل كنفس الحيوانات إلى أن أرساها الله بجبال العقل وصفات القلب ﴿ وجعلنا لكم فيها معايش ﴾ هي أسباب الوصول والوصال ﴿ ومن لستم له برازقين ﴾ وهو جوهر المحبة وإن غذاءه من مواهب الحق وتجلي جماله فقط، ولكل شيء خزانة فلصورة الأجسام خزانة، ولاسمها خزانة، ولمعناها خزانة، وكذا للونها ولطعمها ولخواصها من المنافع والمضار، وكذا لظلمتها ونورها ولملكها وملكوتها، وما من شيء إلا وفيه لطف الله وقهره مخزون، وقلوب العباد خزائن صفات الله بأجمعها ﴿ وأرسلنا ﴾ رياح العناية ﴿ لواقح ﴾ لأشجار القلوب بأنهار الكشوف وبأثمار الشواهد كما قال بعضهم: إذا هبت رياح الكرم على أسرار العارفين أعتقهم من هواجس أنفسهم ورعونات طبائعهم، وظهر في القلوب نتائج ذلك وهي الاعتصام بالله والاعتماد عليه.
﴿ فأنزلنا من ﴾ سماء الهداية ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ وما أنتم له بخازنين ﴾ في أصل الخلقة فإن المخلوق لا يوصف بالحكمة إلا مجازاً.
وإنا لنحن نحيي قلوب أوليائينا بأنوار جمالنا، ونميت نفوسهم بسطوة جلالنا ﴿ ونحن الوارثون ﴾ بعد إفناء وجودهم ليبقوا ببقائنا ﴿ وإن ربك هو ﴾ يحشر المستقدمين إلى حظائر قدسه والمستأخرين إلى أسفل سافلين الطبيعة، خاطب إبليس النفس بقوله: ﴿ وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ﴾ أي إلى أن تطلع شمس شواهدنا من مشرق الروح وتصير أرض النفس مشرقة وتتبدل صفاتها الذميمة المظلمة بالأخلاق الروحانية الحميدة ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ أي يبعث الأرواح في قيامة العشق وهو الوقت المعلوم الذي يتجلى الرب فيه لأرواح العشاق، فينعكس نور التجلي من الأرواح إلى النفوس فتجعلها مطمئنة.
﴿ بما أغويتني ﴾ أضللتني من طريق الأمارية ﴿ لأزينن ﴾ للأرواح في أرض البشرية من الأعمال الصالحات التي تورث الأخلاق الحميدة وبها تربية الأرواح وترقيها ﴿ ولأغوينهم أجمعين ﴾ عما كانا عليه من الأعمال الروحانية الملكية التي لا تتأتى إلا لعبادك الذين خلصوا من حبس الوجود بجذبات الألطاف.
﴿ هذا صراط ﴾ أي هو طريق أهل الاستقامة في السير في الله المنقطعين عن غيره ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ حجة تتعلق بتلك الحجة لهدايتهم وإغوائهم فإنهم بلاهم، وإن من خصوصية العبودية المضافة إلى الحضرة الحرية عما سواه ﴿ لها سبعة أبواب ﴾ من الحرص والشره والحقد والحسد والغضب والشهوة والكبر، أو الأبواب السبعة إشارة إلى الحواس الخمس الظاهرة وإلى الوهم والخيال فإنهما أصلا الحواس الباطنية، لأن الأول يدرك المعاني والثاني يدرك الصور، والباقية - أعني المفركة والحافظة والذاكرة - من أعوانهما، وأكثر ما يستعمل الإنسان هذه المشاعر إنما يستعملها في الأحوال الدنيوية المفضية إلى الهلاك، فلا جرم صارت أبواباً لجهنم.
فإذا استعملها في تحصيل السعادات الباقية بحسب تصرف العقل الغريزي صرن مع العقل أبواباً بل أسباباً لحصول الجنة.
﴿ ادخلوها بسلام ﴾ والسلام من الله الجذبات ﴿ آمنين ﴾ من موانع الخروج والدخول بعد الوصول فإن السير في الله لا يمكن إلا بالله وجذباته ولهذا قال جبرائيل ليلة المعراج: لو دنوت أنملة لاحترقت.
﴿ ونزعنا ﴾ فيه أن نزع الغل من الصدور لا يكون إلا بنزع الله، وأن الأرواح القدسية مطهرات عن علائق القوى الشهوانية والغضبية مبرءات من حوادث الوهم والخيال، ومعنى تقابلهم أن النفوس المصفاة عن كدورات عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام إذا وقع عليها أنواع جمال الله أو جلاله انعكست منها إلى من في مثل درجاتها كما تتعاكس المرايا الصافية، المتحاذية، فيزداد كل منها في نفسها بخفاء صفاتها.
وفي قوله: ﴿ نبىء عبادي ﴾ إشارة إلى أن سلوك السالكين وطير الطائرين يجب أن يكون على قدمي الرجاء والخوف وجناحي الإنس والجن والله الموفق للصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ وقال في آية آخرى: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ﴾ ، وقال: ﴿ مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴾ \[المؤمنون: 12\]، وقال: ﴿ خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ ، ذكر مرة الحمأ المسنون؛ وقيل: هو الطين الأسود المتغير، وذكر مرة التراب، ومرة الطين اللازب: وهو الملتزق، ومرة من سلالة الطين، فيشبه أن يكون على الأحوال، واختلاف الأوقات: كان في حال الأول تراباً، وفي حال طيناً لازباً، وفي حال حمأ مسنوناً؛ وهو الذي اسودّ وتغير؛ لطول مكثه، وصلصالا وفخاراً.
فقبل أن يكون خلقاً مركباً الجوارح فيه والعظام - كان على هذه الأحوال الثلاثة على ما أخبر من تغير أحوال أولاده؛ حيث قال: ﴿ خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ ﴾ ذكر فيه أحولا ثلاثة قبل أن يخلق لحماً وعظماً، في حال كان نطفة، ثم صار علقة، ثم صار مضغة.
فعلى ذلك يحتمل ما ذكر في آدم: من تراب، وطين، وحمأ ونحوه، إن كان على اختلاف الأحوال على ما ذكرنا.
أو أن يكون على التشبيه والتمثيل، ووجه التمثيل بالطين: الذي ذكر؛ وهو أن الطين الذي يكون كالصلصال، والفخار، واللازب؛ ونحوه - هو الطين الطيب؛ الذي يكون منه البنيان، والأواني، والقدور، وجميع أنواع المنافع.
وأما الطين الذي يخبث - فإنه لا يتخذ منه شيء مما ذكرنا؛ ولا يتهيأ اتخاذ شيء من ذلك، فشبه خلق آدم بالطين الذي يجتمع فيه جميع أنواع المنافع، فعلى ذلك جمع في آدم جميع أنواع المنافع والخير، كالطين الطيب.
ثم فيه دلالة قدرته، وسلطانه، وذكر نعمه؛ حيث أخبر أنه خلق آدم من تراب وطين؛ وما ذكر، وليس في التراب، ولا في الطين - من أثر البشرية - شيء، وكذلك ليس في النطفة التي خلق البشر منها [من] أثر البشرية شيء؛ ليعلم أنه قادر على إنشاء الأشياء من شيء، ومن لا شيء؛ إذ ليس فيما ذكر من الطين والتراب؛ الذي خلق منه أبا البشر من أثر البشرية فيه [شيء]، ولا في النطفة التي خلق منها أولاده؛ من أثر البشرية والإنسانية من اللحم، والعظم، والشعر، وغيره، وما ركب فيهم: من العقل، والعلم، والتدبير، والجوارح، وغير ذلك - شيء؛ ليعلم قدرته وسلطانه على خلق الأشياء: لا من شيء؛ وليعرفوا نعمه التي أنعمها عليهم؛ حيث أخبر أنه خلق آدم من طين لازب، وصلصال، وما ذكر، وذلك وصف الطين الطيب؛ لأن ما خبث من الطين لا يبلغ المبلغ الذي وصفه، ولا يصير إلى تلك الحال، وإن طال مكثه؛ لأنه لا ينتفع به [لا] من اتخاذ البنيان، والأواني، والقدور، ولا ينبت الزروع أيضاً، فيحتمل على التمثيل الذي ذكرنا لا على التحقيق، أو على التحقيق على الأحوال المختلفة.
فدل أنه إنما خلقه من طين [لازب]؛ طاب أصله.
فعلى ذلك يحتمل النطفة التي يخلق منها البشر تكون طاهرة، وهي لا تصيب شيئاً، وهي على غير الوصف الذي يخرج؛ لأنه قال: ﴿ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ ﴾ وقال: ﴿ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ﴾ .
والصلصال: قال بعضهم: هو التراب اليابس.
والحمأ: الطين الأسود.
والمسنون: [المنتن المتغير].
وقال بعضهم: الصلصال: هو الذي إذا ضربته تصوت؛ ومنه يقال: صلصلة اللجام والفرس؛ إذا كان يصلصل؛ وهو قول ابن عباس .
وقال القتبي: الصلصال: الطين اليابس الذي لا يصيبه النار؛ فإذا نَقَرْتَهُ صوّت، فإذا مسته النار - فهو فخار: والمسنون: المتغير الرائحة، والمسنون - أيضاً -: المصبوب، وسننت الشيء: إذا صببته صبّاً سهلا، وسنّ الماء على وجهك، وهو قول القتبي.
وقال أبو عوسجة: ﴿ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ : الحمأ: التراب الأسود يكون في أسفل البئر، ومن هذا سمّي الحمي؛ لأنه يحمي أن يرعى، ويقال: حميت الحرب، والشمس، والتنور، يحمى: إذا اشتد حره.
ومسنون: أي: مخلوق.
وقال الحسن: المسنون: الذي سن عليه خلقة الخلق؛ يعني أولاده على خلقته؛ أي: على خلقته خلق الخلق، وأمثال هذا.
والله أعلم بذلك.
وقوله : ﴿ وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ ﴾ .
قال بعضهم: الجانّ: هو إبليس.
وقال بعضهم: الجانّ: هو أبو الجن، وإبليس: هو أبو الشياطين؛ سمّوا شياطين لتمردهم في فعلهم، ذلك مقتدر من فعلهم، ألا ترى أنه ذكر من الإنس والجن شياطين؛ وهو قوله: ﴿ شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ ﴾ ؛ وذلك لتمردهم، والجانّ مقتدر عن الجن.
والله أعلم بذلك.
والسموم: قال بعضهم: السموم: لهب النار؛ وليس له دخان؛ وهو المارج من نار، والمارج هو المنقطع منها.
وقال بعضهم: من جنس النار؛ كأنه أراد لهبها، وقال: ﴿ نَّارِ ٱلسَّمُومِ ﴾ : الحارّة التي تقتل، فإذا كان السموم، والمارج - ما ذكر بعضهم أنه لهب النار - فمن طبعه الارتفاع والعلوّ، فعلى ذلك ما خلق منه طبعه الارتفاع والعلو؛ وهو الجانّ الذي ذكر، والطين طبعه التسفل والانحدار إلى الأرض؛ فعلى ذلك ما خلق منه طبعه الهوى إلى الأرض، والميل إليها.
والجانّ: قال أبو عوسجة: الجنّ: واحدُ الجانّ، والجمع: جانّ؛ سمي ذلك لاستجنانه.
وقال غيره: الجن: الجماعة، والجانّ الواحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ﴾ أي أتممته ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا ﴾ .
لم يشتبه هذا على الناس، ولم يفهموا [من قوله]: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾ ، ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ ما فهموا من نفخ الخلق، فما بالهم فهموا من قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ و ﴿ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ ونحوه - استواء الخلق؟
بل فهم نفخه من فهم نفخ الخلق أكثر من استوائه؛ لأنه أمكن صرف الاستواء إلى وجوه؛ ولا يمكن صرف النفخ فيه، لكنه اشتبه عليهم؛ لأنهم اقتدروا فعل الله بفعل الخلق، ولا يجب أن يقتدروا بالخلق على ما لم يقتدروا في قوله: [حدود الله، وحكم الله]، وعباد الله، وخلق الله، وأمثاله.
وقد أخبر أنه ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ أو تلقين من الشيطان.
وقوله: ﴿ رُّوحِي ﴾ ﴿ رُّوحِنَا ﴾ أي: الروح الذي به حياة الخلق؛ أي: خلق الذي يكون به حياة الخلق على ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ .
يحتمل أن يكون قوله: ﴿ خَالِقٌ بَشَراً ﴾ ما ذكر خبر أنه سيفعل، وأمر لهم بالسجود؛ فيكون الأمر بالسجود بعد ما خلقه إياه، فهذا يدلّ أنه قد يجوز تقدم الأمر عن وقت الفعل.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ ﴾ .
ظاهر الأمر بالسجود؛ والاستثناء - الذي ذكر - يدل أن إبليس من الملائكة؛ لأن فيهم كان الأمر بالسجود، ومنهم وقع الثنيا، وقد ذكرنا اختلافهم وأقاويلهم فيما تقدم؛ مقدار ما حفظناه.
قال: والأصل بأن كل ما خرج مخرج الاستثناء - فيجب أن يسقط اسم ما أجمل؛ نحو قول الرجل الآخر: لك علي عشرة إلا درهماً، يسقط [الاستثناء ما] أجمل من الاسم حتى [صار] تسعة، وكذلك إذا قال: ألف إلا خمسين، وإذا لم يسقط ذلك الاسم - فلا بد أن يكون الكل فيه مضمراً؛ نحو قول الرجل: رأيت علماء بلدة كذا إلا فلاناً - يجب أن يضمر فيه حرف الكل، حتى يقع على كل؛ نحو أن يقول: رأيت كل علماء بلدة كذا إلا فلاناً، فعلى ذلك تخصيص العموم.
وقال الحسن: في قوله: ﴿ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ قال: الصلصال: هو الطين الحرّ الذي يتصلصل من صلابته ويبوسته، والحمأ الطين، والمسنون: قال: مسنون خلقته؛ فهو سنة للخلق بعده من ذريته؛ أن يخلقوا على خلقته؛ وكقوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴾ \[المؤمنون: 12\] يقول: استلها من بين ظَهراني الطين؛ لا من كل طين خلقه، وكذلك قال في تناسل ذريته؛ وهو قوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴾ \[المؤمنون: 12\] ليس من كل ماءٍ خلقه؛ ولكن استلها من بين ظهراني الماء.
وقال: الجانّ: إبليس؛ هو أبو الجن ﴿ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ ﴾ : أي: من قبل آدم ﴿ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ ﴾ : يقول: السموم: هو اسم من أسماء جهنم، ولها أسماء كثيرة، أخبر أنه خلقه من نار السموم؛ أي: جهنم.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ ﴾ ﴿ قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ ﴾ وقال له: ﴿ قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ ، وقال في موضع آخر[ ﴿ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ ﴾ ، وقال في موضع آخر]: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ .
ذكر مثل هذا على اختلاف الألفاظ، ومعلوم أن هذه المخاطبات معه - لم يكن معه مراراً؛ ولكن بمرة واحدة.
وقال أبو بكر الأصم: ذكر الله قصة إبليس، وقصة الأنبياء جميعاً في مواضع على اختلاف الألفاظ؛ لأنها كذلك كانت في كتبهم، فذكرها على ما في كتبهم؛ ليعلموا أن نبي الله إنما عرف ذلك بالله؛ ليدلهم على صدقه، وفيه دلالة أن اختلاف الألفاظ وتغييرها - لا يوجب اختلاف الحكم بعد ألاَّ يغير المعنى، فهذا يدل أن الخبر إذا أُدِّي معناه على اختلاف لفظه - فإنه يجوز، وكذلك إذا قرأ بغير لسان الذي أنزل - فإنه يجوز إذا أتى بمعناه.
الله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ .
قوله: ﴿ فَٱخْرُجْ مِنْهَا ﴾ : قال بعضهم: اخرج من السماء إلى الأرض.
وقال بعضهم: اخرج من الأرض إلى جزائر البحر.
وقال بعضهم: اخرج من الجنة، وأمثاله أو اخرج من صورة الملائكة إلى صورة الأبالسة، وجائز أن يقال: اخرج من كذا: أي: تحول من مكان كذا إلى مكان كذا على حقيقة الخروج، ولسنا ندري كيف كان كذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَجِيمٌ ﴾ قيل: الرجيم: الملعون.
وقيل: الرجيم: ما يرجم بالكواكب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ .
اللعنة: هي الطرد - في اللغة - والخذلان، طرد عن رحمته إلى يوم الدين، حتى لا يهتدي إلى دين الله وهداه، ثم يوم الدين له العذاب الدائم واللعنة القائمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴾ .
لعن اللعين، وطرد عن رحمته إلى يوم الدين؛ أي: لا تدركه الهداية؛ لأن الهداية في الدنيا إنما تدركه برحمته، والرحمة في الآخرة هي العفو عما لزمه؛ ووجب عليه.
مسألة تكلموا فيها: ما الحكمة في خلق الله إبليس؛ مع علمه ما يكون منه: من إفساد خلقه، والدعاء إلى المعاصي، وإنظاره إلى يوم الوقت المعلوم؛ وقد علم أنه إنما ينظره؛ ليفسد عباده، [فمع ما] علم أنه يكون منه فما الحكمة في خلقه؟
قال بعضهم: خلق إبليس وأهل المعاصي؛ مع علمه ذلك؛ ليعلم أنه لم يخلق لمنافع نفسه، ولا لحاجة نفسه، وأن معاصيه لا تضره، ولا تدخل نقصاناً في ملكه، فخلقه - مع علمه بما يكون منه - ليعلم أنه لم يخلق الخلق لمنافع نفسه ولا لحاجته، ولكن لمنافع أنفسهم ولحاجاتهم.
وقال بعضهم: خلق الأعداء والأولياء؛ نظراً للأولياء؛ ليعلم أولياؤه الاختصاص الذي اختصهم به، ولو كانوا جميعاً أولياءه - لم يعرفوا فضيلة الله؛ واختصاصه إياهم، وهكذا النعم وإحسان الله، لا يعرف بنفس النعم ونفس الإحسان؛ وإنما يعرف بالبلايا والشدائد التي تحل، فعلى ذلك الأولياء: لو لم يكن الأعداء لم يعرفوا اختصاص الله لهم، وفضائله التي أكرمهم بها.
وقال بعضهم: خلق الأعداء نظراً للأولياء على ما ذكرنا، لكن من وجه آخر [ ]، وأصله أن الله - عز وجل - جائز أن ينشئ أشياء فيها حكمة وسرية؛ لا يبلغها علم الخلق، ولا يدركها حكمة البشر، على ما جعل النعم الظاهرة فيها - حكمة معنى لا يبلغه علم الخلق؛ ولا حكمة البشر، وكذلك البلايا والشدائد فيها حكمة لا يبلغها علم الخلق، فعلى ذلك جائز أن خلق إبليس، وعُصاة الخلق؛ لحكمة جعل في ذلك؛ حكمة لا يبلغها علم الخلق، ولا يدركها حكمة البشر، على ما ذكرنا: من النعمة الظاهرة؛ والشدائد الظاهرة، وأصله أن الله خلق الخلق على علم منه أنهم يعصون؛ ويعاندون، لكن مكن لهم من الاختيار والإيثار - ما به نجاتهم وهلاكهم؛ إذا اختاروا ذلك، فإذا اختاروا ما به نجاتهم - نجوا، وإذا اختاروا ما به هلاكهم - هلكوا، فيكون هلاكهم باختيارهم، ونجاتهم باختيارهم.
وأصله: ما ذكرنا في غير موضع؛ أنه أنشأهم في هذه الدنيا؛ ليمتحنهم فيها، وفي خلق ما ذكر: من إبليس؛ وغيره من الأعداء؛ ليتم لهم المحنة، وفي ترك خلق ذلك ذهاب المحنة؛ وهي دار الامتحان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: إلى النفخة الأولى وقيل: إلى النفخة الثانية، ونحوه.
لكنا لا نعلم ذلك، وكأنه أنظره إلى الوقت المعلوم؛ ولم يبين له ذلك الوقت، ولم يطلعه عليه؛ حيث قال: ﴿ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ...
﴾ الآية [الأنفال: 48] أخبر أنه يرى ما لا يرون هم، وأنه يخاف الله، ولو كان بيّن له الوقت المعلوم - لكان لا يخاف هلاكه قبل ذلك الوقت، فهذا يدل [على] ما ذكرنا.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
قال الحسن: قوله: ﴿ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ : أي: لعنتني.
وهذا منه احتيال وفرار عن مذهب الاعتزال، وما يلزمهم في قوله: ﴿ أَغْوَيْتَنِي ﴾ يلزم في قوله: لعنتني؛ لأن اللعن: هو الطرد؛ فإذا طرده عن رحمته - فقد خذله، فالطرد والإغواء والإضلال سواء؛ فيلزم في اللعن ما يلزمهم في الإغواء.
وقال أبو بكر الأصم: الإغواء واللعن من الله: شتم، لكن هذا بعيد، لا يجوز أن يضاف إلى الله الشتم أنه يشتم؛ لأنّ الشاتم والسابّ لآخر - في الشاهد بما يشتمه - مذموم عند الخلق؛ فلا يجوز أن يضاف إلى الله ما به يذم.
وأصله: أن قوله: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ يحتمل أنه خلق فعل الغواية منه أو أغواه؛ لما علم أنه يختار الغواية والضلال.
وقوله: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ : كأنه يقول: ربّ بما أغويتني لأزيدن لهم في الغواية بما أغويهم، وقد ذكرنا هذا وأمثاله فيما تقدم.
فإن قيل: قوله: ﴿ أَغْوَيْتَنِي ﴾ قول إبليس؛ وهو كاذب بالإضافة إليه.
قيل: لو كان فيما أضاف إليه الإغواء كاذباً لكذبه فيه، ورد عليه [قوله]، كما كذبه في قوله ورد عليه: أنا خير منه خلقتني من كذا وخلقته من كذا؛ حيث قال: ﴿ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ﴾ فلما لم يردّ عليه؛ ولم يكذبه فيما أضاف إليه حرف الإغواء دل أن [إضافة الإغواء إليه] والإضلال حقيقة أو أن يكون قوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ إنما ذلك منه ذكر فضله وإحسانه؛ حيث أخبر أنه خلقه مما هو أفضل وأعظم مما خلق آدم؛ فيخرج ذلك منه مخرج الشكر.
وأما قوله: ﴿ أَغْوَيْتَنِي ﴾ ليس على ذلك، فلا يحتمل ألا يكذبه، ولا يرد عليه قوله إذا كان كاذباً فيه؛ لأنه فعل شر أضافه إليه، إذا لم يكن منه الإغواء؛ لذلك اختلفا، أو لو كان قول إبليس - لعنه الله - كذباً فما تصنعون بقول نوح - - حيث قال: ﴿ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ﴾ وقول موسى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ .
ثم قوله: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ يحتمل أن يكون منه عزم على ما ذكر، دون أن تفوّه بذلك، فأخبر - عز وجل - عنه ما كان عزم؛ من الإغواء وغيره بالقول، وذلك جائز؛ يخبر عن العزم والقصد بالقول؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً ﴾ لا يحتمل أن يكون هذا القول الذي أخبر عنهم قولا منهم؛ لأنه لا أحد من المتصدقين يقول بمثل ذلك عند التصدق؛ لكنه إخبار عما [قصدوا وعزموا] بالتصدق؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون هذا من الله إخباراً عما عزم إبليس وقصد؛ على غير التفوه به والقول، وهو ما ذكر ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾ أخبر أنهم كتموا فيه وأضمروا.
ويحتمل أن يكون على التفوه بما ذكر، قال ذلك؛ لما قال له - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ لما شهد الله عليه باللعن إلى يوم الدين أيس - لعنه الله - عن الهدى؛ فقال: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ : أي: لعنتني وشهدت عليَّ بذلك ﴿ لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ المخلص - بخفض اللام -: هو الذي أخلص له الاعتقاد، والعمل والوفاء، والمخلص - بنصب اللام -: هو الذي أخلصه الله، وحفظه، وعصمه، واختصه بذلك.
والمخلص لا يقال إلا بعد أن يكون لله فيهم صنع، ولهم اختصاص، وفضائل اختصهم بذلك؛ برحمة الله وفضله.
والمعتزلة يقولون: لا يستوجب أحد الاختصاص والفضيلة إلا بفعل يكون منه لا يستوجب بالله.
ويقولون: الله لا يغوي أحداً لا إبليس، ولا أحداً من أتباعه؛ فإبليس أعرف بالله من المعتزلة؛ حيث رأوا أن الله لا يغوي أحداً ولا يختص أحداً إلا بصنع يكون منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ .
قال بعضهم: قوله ﴿ عَلَيَّ ﴾ بمعنى إليَّ: أي: إليَّ صراط مستقيم؛ يقول: هو بيدي لا بيد أحد وقال بعضهم: الحق يرجع إلى الله، وعليه طريقه لا يعوج على شيء.
ويحتمل قوله: ﴿ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ : أي: عليَّ بيانه وهو مستقيم؛ كقوله: ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ ﴾ : أي: بيان قصد السبيل.
وقال بعضهم: لما قال إبليس: ﴿ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ قال الله : ﴿ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ يقول: عليَّ ممرّ من أغويته وتابعك؛ كقولك لآخر - إذا أوعدته -: إن طريقك عليَّ.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ أي: ليس لك عليهم حجة ﴿ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾ فإنهم يتبعونك بلا حجة ولا برهان.
ويحتمل قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ : تقهرهم وتضطرهم على ذلك إلا من اتبعك من الغاوين؛ فإنهم يتبعونك على غير قهر واضطرار؛ أي: من كان في علم الله أن يتبعك ويختار الغواية؛ وإن لم يكن إغواؤك إياه؛ فإن لك عليه سلطاناً.
وقوله : ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .
أي: لموعد إبليس وأتباعه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ﴾ .
يحتمل الأبواب المعروفة، ويحتمل الأبواب: الموارد والجهات التي تكون لها؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ ﴾ فهذا يدل أن المراد بالأبواب: الموارد والدركات - لا نفس الأبواب؛ إذ جزء مقسوم إنما يكون للدركات؛ لا يكون للأبواب نفسها.
قال الحسن، والأصم: ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ﴾ يعنون بالأبواب: الطبقات والدركات، لكل باب منهم جزء مقسوم: لليهود باب، وللنصارى باب، وللمجوس باب، وللذين أشركوا باب، وللمنافقين باب، ولأهل الكبائر باب وذكر أيضاً باباً لفريق أدخلوا أهل الكبائر فيها، والصابئين والدهرية.
وعندنا أن ظاهر الآية في الكافرين؛ لأنه قال: ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾ والغاوون: هم الكافرون، وكذلك قوله: ﴿ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ ﴾ فإذا كان كذلك؛ فالسبعة الأبواب - التي ذكر - كلها لأهل الكفر، لا يدخل أهل الكبائر فيه.
ويحتمل: باب للمتجاهلة؛ وهم الذين ينكرون العالم الشاهد والغائب، لا يقرون بشيء، وباب للدهرية؛ وهم الذين ينكرون الصانع، وباب للثنوية، وهم الذين يقولون بالاثنين، وباب للذين أشركوا؛ وهم يقولون بالواحد؛ لكنهم يشركون فيه غيره؛ يعبدون الأصنام والأوثان، وباب لليهود، وباب للنصارى، وباب للمنافقين.
فذلك سبعة أبواب، وليس لأهل الكبائر باب مسمى معلوم، إنما ذلك كله لأهل الكفر.
<div class="verse-tafsir"
إن عبادي المخلصين ليس لك قدرة ولا تَسَلُّطٌ على إغوائهم إلا من اتبعك من الضالين.
<div class="verse-tafsir" id="91.yq1DZ"