الآية ٦٧ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٦٧ من سورة الحجر

وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ٦٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 72 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٧ من سورة الحجر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٧ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن مجيء قوم لوط لما علموا بأضيافه وصباحة وجوههم ، وأنهم جاءوا مستبشرين بهم فرحين ،

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ) يقول: وجاء أهل مدينة سَدُوم وهم قوم لوط لما سمعوا أن ضيفا قد ضاف لوطا مستبشرين بنـزولهم مدينتهم طمعا منهم في ركوب الفاحشة.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ) استبشروا بأضياف نبيّ الله صلى الله عليه وسلم لوط ، حين نـزلوا لما أرادوا أن يأتوا إليهم من المنكر.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِأي أهل مدينة لوط يَسْتَبْشِرُونَمستبشرين بالأضياف طمعا منهم في ركوب الفاحشة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ } أي: المدينة التي فيها قوم لوط { يَسْتَبْشِرُونَ } أي: يبشر بعضهم بعضا بأضياف لوط وصباحة وجوههم واقتدارهم عليهم، وذلك لقصدهم فعل الفاحشة فيهم، فجاءوا حتى وصلوا إلى بيت لوط فجعلوا يعالجون لوطا على أضيافه، ولوط يستعيذ منهم ويقول: { إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُون وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُون }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وجاء أهل المدينة ) يعني سدوم ( يستبشرون ) بأضياف لوط ، أي : يبشر بعضهم بعضا ، طمعا في ركوب الفاحشة منهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وجاء أهل المدينة» مدينة سدوم وهم قوم لوط لما أخبروا أن في بيت لوط مردا حسانا وهم الملائكة «يستبشرون» حال طمعا في فعل الفاحشة بهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وجاء أهل مدينة لوط إلى لوط حين علموا بمن عنده من الضيوف، وهم فرحون يستبشرون بضيوفه؛ ليأخذوهم ويفعلوا بهم الفاحشة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - ما حدث من القوم المجرمين ، بعد أن تسامعوا بأن فى بيت لوط - عليه السلام - شبانًا فيهم جمال ووضاءة فقال - تعالى - ( وَجَآءَ أَهْلُ المدينة يَسْتَبْشِرُونَ ) .والمراد بأهل المدينة : أهل مدينة سدوم التى كان يسكنها لوط وقومه .ويستبشرون : أى يبشر بعضهم بعضًا بأن هناك شبانًا فى بيت لوط - عليه السلام - ، من الاستبشار وهو إظهار الفرح والسرور .وهذا التعبير الذى صورته الآية الكريمة ، يدل دلالة واضحة على أن القوم قد وصلوا إلى الدرك الأسفل من الانتكاس والشذوذ وانعدام الحياء .

.

.إنهم لا يأتون لارتكاب المنكر فردًا أو أفرادا ، وإنما يأتون جميعًا - أهل المدينة - وفى فرح وسرور ، وفى الجهر والعلانية ، لا فى السر والخفاء .

.

.ولأى غرض يأتون؟

إنهم يأتون لارتكاب الفاحشة التى لم يسبقهم إليها أحد من العالمين .وهكذا النفوس عندما ترتكس وتنتكس ، تصل فى مجاهرتها بإتيان الفواحش ، إلى ما لم تصل إليه بعض الحيوانات .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المراد بأهل المدينة قوم لوط، وليس في الآية دليل على المكان الذي جاؤه إلا أن القصة تدل على أنهم جاؤوا دار لوط.

قيل: إن الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم حتى وصل إلى قوم لوط.

وقيل: امرأة لوط أخبرتهم بذلك، وبالجملة فالقوم قالوا: نزل بلوط ثلاثة من المرد ما رأينا قط أصبح وجهاً ولا أحسن شكلاً منهم فذهبوا إلى دار لوط طلبها منهم لأولئك المرد والاستبشار إظهار السرور فقال لهم لوط لما قصدوا أضيافه كلامين: الكلام الأول: قال: ﴿ إِنَّ هَؤُلآء ضَيْفِى فَلاَ تَفْضَحُونِ ﴾ يقال فضحه يفضحه فضحاً وفضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه به العار، والمعنى أن الضيف يجب إكرامه فإذا قصدتموهم بالسوء كان ذلك إهانة بي، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ واتقوا الله وَلاَ تُخْزُونِ ﴾ فأجابوه بقولهم: ﴿ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين ﴾ والمعنى: ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة.

والكلام الثاني: مما قاله لوط قوله: ﴿ هؤلاءآء بَنَاتِى إِن كُنْتُمْ فاعلين ﴾ قيل: المراد بناته من صلبه، وقيل: المراد نساء قومه، لأن رسول الأمة يكون كالأب لهم وهو كقوله تعالى: ﴿ النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأزواجه أمهاتهم  ﴾ وفي قراءة أبي وهو أب لهم، والكلام في هذه المباحث قد مر بالاستقصاء في سورة هود عليه السلام.

أما قوله: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: العمر والعمر واحد وسمي الرجل عمراً تفاؤلاً أن يبقى ومنه قول ابن أحمر: ذهب الشباب وأخلق العمر *** وعمر الرجل يعمر عمراً وعمرا، فإذا أقسموا به قالوا: لعمرك وعمرك فتحوا العين لا غير.

قال الزجاج: لأن الفتح أخف عليهم وهم يكثرون القسم بلعمري ولعمرك فالتزموا الأخف.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ قولان: الأول: أن المراد أن الملائكة قالت للوط عليه السلام: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ أي في غوايتهم يعمهون، أي يتحيرون فكيف يقبلون قولك، ويلتفتون إلى نصيحتك.

والثاني: أن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه تعالى أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد، وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله تعالى قال النحويون: ارتفع قوله: ﴿ لَعَمْرُكَ ﴾ بالابتداء والخبر محذوف، والمعنى: لعمرك قسمي وحذف الخبر، لأن في الكلام دليلاً عليه وباب القسم يحذف منه الفعل نحو: بالله لأفعلن، والمعنى: أحلف بالله فيحذف لعلم المخاطب بأنك حالف.

ثم قال تعالى: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة ﴾ أي صيحة جبريل عليه السلام قال أهل المعاني: ليس في الآية دلالة على أن تلك الصيحة صيحة جبريل عليه السلام فإن ثبت ذلك بدليل قوي قيل به، وإلا فليس في الآية دلالة إلا على أنه جاءتهم صيحة عظيمة مهلكة وقوله: ﴿ مُشْرِقِينَ ﴾ يقال شرق الشارق يشرق شروقاً لكل ما طلع من جانب الشرق، ومنه قولهم ما ذر شارق أي طلع طالع فقوله: ﴿ مُشْرِقِينَ ﴾ أي داخلين في الشروق يقال أشرق الرجل إذا دخل في الشروق، وهو بزوغ الشمس.

واعلم أن الآية تدل على أنه تعالى عذبهم بثلاثة أنواع من العذاب: أحدها: الصيحة الهائلة المنكرة.

وثانيها: أنه جعل عاليها سافلها.

وثالثها: أنه أمطر عليهم حجارة من سجيل، وكل هذه الأحوال قد مر تفسيرها في سورة هود.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيات لِلْمُتَوَسّمِينَ ﴾ يقال توسمت في فلان خيراً أي رأيت فيه أثراً منه وتفرسته فيه، واختلفت عبارات المفسرين في تفسير المتوسمين قيل: المتفرسين، وقيل: الناظرين، وقيل: المتفكرين، وقيل: المعتبرين، وقيل: المتبصرين.

قال الزجاج: حقيقة المتوسمين في اللغة المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا سمة الشيء وصفته وعلامته، والمتوسم الناظر في السمة الدالة تقول: توسمت في فلان كذا أي عرفت وسم ذلك وسمته فيه.

ثم قال: ﴿ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ ﴾ الضمير في قوله: ﴿ وَإِنَّهَا ﴾ عائد إلى مدينة قوم لوط، وقد سبق ذكرها في قوله؛ ﴿ وَجَآء أَهْلُ المدينة ﴾ وقوله: ﴿ لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ ﴾ أي هذه القرى وما ظهر فيها من آثار قهر الله وغضبه لبسبيل مقيم ثابت لم يندرس ولم يخف، والذين يمرون من الحجاز إلى الشام يشاهدونها.

ثم قال: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي كل من آمن بالله وصدق الأنبياء والرسل عرف أن ذلك إنما كان لأجل أن الله تعالى انتقم لأنبيائه من أولئك الجهال، أما الذين لا يؤمنون بالله فإنهم يحملونه على حوادث العالم ووقائعه، وعلى حصول القرانات الكوكبية والاتصالات الفلكية، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَهْلِ المدينة ﴾ أهل سدوم التي ضرب بقاضيها المثل في الجور، مستبشرين بالملائكة ﴿ فلا تَفْضَحُونِ ﴾ بفضيحة ضيفي، لأنّ من أسيء إلى ضيفه أو جاره فقد أسيء إليه، كما أن من أُكرم من يتصل به فقد أُكرم ﴿ وَلاَ تُخْزُونِ ﴾ ولا تذلونِ بإذلال ضيفي، من الخزي وهو الهوان.

أو ولا تشوّروا بي، من الخزاية وهي الحياء ﴿ عَنِ العالمين ﴾ عن أن تجير منهم أحداً، أو تدفع عنهم، أو تمنع بيننا وبينهم، فإنهم كانوا يتعرّضون لكل أحد، وكان يقوم صلى الله عليه وسلم بالنهي عن المنكر، والحجر بينهم وبين المتعرّض له، فأوعدوه وقالوا: لئن لم تنته يا لوط لتكوننّ من المخرجين.

وقيل: عن ضيافة الناس وإنزالهم، وكانوا نهوه أن يضيف أحداً قط ﴿ هؤلاءآء بَنَاتِى ﴾ إشارة إلى النساء؛ لأنّ كل أمّة أولاد نبيها رجالهم بنوه ونساؤهم بناته، فكأنه قال لهم: هؤلاء بناتي فانكحوهنّ، وخلوا بنيّ فلا تتعرضوا لهم ﴿ إِن كُنتُمْ فاعلين ﴾ شك في قبولهم لقوله، كأنه قال: إن فعلتم ما أقول لكم وما أظنكم تفعلون.

وقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فيما أحل الله دون ما حرّم ﴿ لَعَمْرُكَ ﴾ على إرادة القول، أي قالت الملائكة للوط عليه السلام: لعمرك ﴿ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ ﴾ أي غوايتهم التي أذهبت عقولهم وتمييزهم بين الخطأ الذي هم عليه وبين الصواب الذي تشير به عليهم، من ترك البنين إلى البنات ﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ يتحيرون، فكيف يقبلون قولك ويصغون إلى نصيحتك، وقيل: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد قط كرامة له، والعمر والعمر واحد، إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لإيثار الأخف فيه، وذلك لأن الحلف كثير الدور على ألسنتهم، ولذلك حذفوا الخبر، وتقديره: لعمرك مما أقسم به، كما حذفوا الفعل في قولك: بالله.

وقرئ: ﴿ في سكرهم وفي سكراتهم ﴾ ﴿ الصيحة ﴾ صيحة جبريل عليه السلام ﴿ مُشْرِقِينَ ﴾ داخلين في الشروق وهو بزوع الشمس ﴿ مّن سِجّيلٍ ﴾ قيل: من طين، عليه كتاب من السجل، ودليله قوله تعالى: ﴿ حِجَارَةً مّن طِينٍ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبّكَ ﴾ [الذاريات: 33- 34] أي معلمة بكتاب ﴿ لِلْمُتَوَسّمِينَ ﴾ للمتفرّسين المتأملين.

وحقيقة المتوسمين النظار المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء.

يقال: توسمت في فلان كذا، أي عرفت وسمه فيه.

والضمير في ﴿ عاليها سَافِلَهَا ﴾ لقرى قوم لوط ﴿ وَإِنَّهَا ﴾ وإنّ هذه القرى يعني آثارها ﴿ لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ ﴾ ثابت يسلكه الناس لم يندرس بعد، وهم يبصرون تلك الآثار، وهو تنبيه لقريش كقوله: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ ﴾ [الصافات: 137].

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقَضَيْنا إلَيْهِ ﴾ أيْ وأوْحَيْنا إلَيْهِ مَقْضِيًّا، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِإلى.

﴿ ذَلِكَ الأمْرَ ﴾ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ.

﴿ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ ﴾ ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى البَدَلِ مِنهُ وفي ذَلِكَ تَفْخِيمٌ لِلْآمِرِ وتَعْظِيمٌ لَهُ.

وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والمَعْنى: أنَّهم يُسْتَأْصَلُونَ عَنْ آخِرِهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ.

﴿ مُصْبِحِينَ ﴾ داخِلِينَ في الصُّبْحِ وهو حالٌ مِن هَؤُلاءِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في مَقْطُوعٍ وجَمْعُهُ لِلْحَمْلِ عَلى المَعْنى.

فَـ ﴿ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ ﴾ في مَعْنى مُدْبِرِي هَؤُلاءِ.

﴿ وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ ﴾ سَدُومَ.

﴿ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ بِأضْيافِ لُوطٍ طَمَعًا فِيهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَجَآءَ أَهْلُ المدينة} سدوم التي ضرب بقاضيها المثل في الجور {يَسْتَبْشِرُونَ} بالملائكة طمعاً منهم في ركوب الفاحشة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما صَدَرَ مِنَ القَوْمِ عِنْدَ وُقُوفِهِمْ عَلى مَكانِ الأضْيافِ مِنَ الفِعْلِ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِمّا أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وهَذا مُقَدَّمٌ وُقُوعًا عَلى العِلْمِ بِهَلاكِهِمْ كَما سَمِعْتَ والواوُ لا تَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَذا بَعْدَ العِلْمِ بِذَلِكَ وما صَدَرَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المُحاوَرَةِ مَعَهم كانَ عَلى جِهَةِ التَّكَتُّمِ عَنْهم والإمْلاءِ لَهم والتَّرَبُّصِ بِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ المَساءَةِ وضِيقِ الذَّرْعِ مِن بابِ التَّكَتُّمِ والإمْلاءِ أيْضًا مِمّا يَأْبى عَنْهُ الطَّبْعُ السَّلِيمُ، والمُرادُ بِالمَدِينَةِ سَذُومُ وبِأهْلِها أُولَئِكَ القَوْمُ المُجْرِمُونَ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنْهم بِذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى كَثْرَتِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى مَزِيدِ فَظاعَةِ فِعْلِهِمْ، فَإنَّ اللّائِقَ بِأهْلِ المَدِينَةِ أنْ يُكْرِمُوا الغُرَباءَ الوارِدِينَ عَلى مَدِينَتِهِمْ ويُحْسِنُوا المُعامَلَةَ مَعَهم فَهم عَدَلُوا عَنْ هَذا اللّائِقِ مَعَ مَن حَسِبُوهم غُرَباءَ وارِدِينَ إلى قَصْدِ الفاحِشَةِ إلى ما سَبَقَهم بِها أحَدٌ مِنَ العالَمِينَ وجاؤُوا مَنزِلَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ مُسْتَبْشِرِينَ مَسْرُورِينَ إذْ قِيلَ لَهُمْ: إنَّ عِنْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ضُيُوفًا مُرَدًا في غايَةِ الحُسْنِ والجَمالِ فَطَمِعُوا قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أي أمرناه بالخروج إلى الشام إلى مدينة زغر أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ أي: إنهم مستأصلون عند الصباح.

ثمّ قال: وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ بدخول الرجال منزل لوط قالَ لوط إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي يقول: أضيافي فَلا تَفْضَحُونِ فيهم وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ أي: لا تذلوني في أضيافي قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ أي: ألم ننهك أن تضيف أحداً من الغرباء قالَ هؤُلاءِ بَناتِي أي: بنات قومي أزوجكم بهنّ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ أي: فتزوجوا النساء، فإن الله تعالى خلق النساء للرجال، وأمر بتزويجهن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ: فيه شدَّة مَّا، أي: أبشرْ بما بُشِّرْتَ به، ولا تكُنْ من القانِطِينَ، والقنوط: أتمّ اليأس.

قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥)

وقوله سبحانه: قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ: لفظةُ الخَطْب إِنما تستعمل في الأمور الشِّدَاد، وقولهم: إِلَّا آلَ لُوطٍ: استثناء منقطعٌ، و «الآلُ» : القومُ الذي يَؤولُ أمرهم إِلى المضافِ إليه كذا قال سيبويه وهذا نصّ في أن لفظة «آل» ليست لفظة «أهْل» كما قال النّحّاس، وإِلَّا امْرَأَتَهُ: استثناءٌ متصلٌ، والاستثناء بعد الاستثناء يردُّ المستثنى الثاني في حكم الأمر الأول، والْغابِرِينَ هنا: أي: الباقين في العذابِ، و «وغَبَر» : من الأضدادِ، يقال في الماضِي وفي الباقي، وقولُ الرسُل للوط: بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ، أي: بما وَعَدَكَ اللَّه من تعذيبهم الذي كانوا يَشْكُونَ فيه، و «الْقَطْعُ» : الجُزْءُ من الليل.

وقوله سبحانه: وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ، أي: كن خلفهم، وفي ساقتهم، حتى لا يبقَى منهم أحد، وَلا يَلْتَفِتْ: مأخوذٌ من الالتفات الذي هو نظر العين، قال مجاهد:

المعنى: لا ينظر أحد وراءه، «١» ونُهُوا عن النظر مَخَافَةَ العُلْقَةِ، وتعلُّقِ النفْسِ بِمَنْ خلف، وقيل: لَئِلاَّ تنفطر قلوبُهُمْ من معايَنَة ما جرى على القرية في رفعها وطرحها.

وقوله سبحانه: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ، أي: أمضيناه وحتمنا به، ثم أدخل في

الكلام إِلَيْه من حيثُ أوحِيَ ذلك إِليه، وأعلمه اللَّه به، وقوله: يَسْتَبْشِرُونَ، أي:

بالأضياف طَمَعاً منهم في الفاحِشَةِ، وقولهم: أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ: روي أنهم كانوا تقدَّموا إِليه في ألاَّ يضيفَ أحداً، والعَمْر والعُمْر- بفتح العين وضمِّها- واحدٌ، وهما مدة الحياة، ولا يستعملُ في القَسَم إِلا بالفتحِ، وفي هذه الآية شرف لنبينا محمّد صلّى الله عليه وسلّم لأن اللَّه عزَّ وجلَّ أقسَمَ بحياته، ولم يفعلْ ذلك مع بَشَرٍ سواه قاله ابن عباس «١» .

ت: وقال: ص: اللام في لَعَمْرُكَ للابتداءِ، والكافُ خطابٌ لِلُوطٍ عليه السلام، والتقديرُ: قالتِ الملائكةُ له: لَعَمْرُكَ، واقتصر على هذا.

وما ذَكَرَهُ ع «٢» : هو الذي عَوَّل عليهِ عِيَاضٌ وغيره.

وقال ابن العربيِّ في «أحكامه» : قال المفسِّرون بأجمعهم: أقْسَمَ اللَّهُ في هذه الآية بحياة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ولا أدْرِي ما أخرجَهم عن ذكْر لُوطٍ إِلى ذكْرِ محمَّد عليه السلام، وما المانعُ أنْ يُقْسِمَ اللَّه بحياةِ لوطٍ، ويبلغ به من التشريفِ ما شاءَ، وكلُّ ما يُعْطِي اللَّه لِلُوطٍ مِنْ فضلٍ، ويؤتيه مِنْ شَرَفٍ، فلنبيِّنا محمَّد عليه السلام، ضعفاه لأنه أكرمُ على اللَّه منه، وإِذا أقسم اللَّه بحياةِ لوطٍ، فحياة نبينا محمَّد عليه السلام أرْفع، ولا يخرج من كلامٍ إِلى كلامٍ آخر غيره، لم يجْرِ له ذكْرٌ لغير ضرورة.

انتهى.

ت: وما ذكَرَه الجمهورُ أحْسَنُ لأن الخطاب خطابُ مواجهةٍ ولأنه تفسير صحابيٍّ، وهو مقدّم على غيره.

ويَعْمَهُونَ: معناه: يتردّدون/ في حيرتهم، ومُشْرِقِينَ: معناه: قد دَخَلوا في الإِشراق، وهو سطوعُ ضوء الشمس وظهوره قاله ابن «٣» زيد، وهذه الصَّيْحةُ هي صيحة الوجْبَة، وليستْ كصيحةِ ثمود، وأهلكوا بعد الفَجْرِ مُصْبحين، واستوفاهم الهَلاَكُ مُشْرِقين، وباقي قصص الآية تقدّم تفسير.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ ﴾ وهم قَوْمُ لُوطِ، واسْمُها سَدُومُ، " يَسْتَبْشِرُونَ " بِأضْيافِ لُوطٍ، طَمَعًا في رُكُوبِ الفاحِشَةِ، فَقالَ لَهم لُوطٌ: ﴿ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ ﴾ أيْ: بِقَصْدِكم إيّاهم بِالسُّوءِ، يُقالُ: فَضَحَهُ يَفْضَحُهُ: إذا أبانَ مِن أمْرِهِ ما يَلْزَمُهُ بِهِ العارُ.

وقَدْ أثْبَتَ يَعْقُوبُ ياءَ " تَفْضَحُونِ "، ﴿ وَلا تُخْزُونِ ﴾ في الوَصْلِ والوَقْفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ ﴾ أيْ: عَنْ ضِيافَةِ العالَمِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ ﴾ حَرَّكَ ياءَ " بَناتِيَ " نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ﴾ ﴿ وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ ﴿ قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ ﴾ ﴿ واتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ ﴾ ﴿ قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ ﴾ ﴿ قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ﴾ ﴿ لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُشْرِقِينَ ﴾ ﴿ فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ المَعْنى: وقَضَيْنا ذَلِكَ الأمْرَ، أيْ: أمْضَياهُ وحَتَّمْناهُ، ثُمَّ أدْخَلَ في الكَلامِ "إلَيْهِ" مِن حَيْثُ أوحى ذَلِكَ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ اللهُ بِهِ، فَجَلَبَ هَذا المَعْنى بِإيجازٍ، وحَذَفَ ما يَدُلُّ الظاهِرُ عَلَيْهِ.

و"أنَّ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ الأخْفَشُ: هي بَدَلٌ مِن "ذَلِكَ"، وقالَ الفِراءَ: التَقْدِيرُ: "بِأنَّ دابِرَ" فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ، والأوَّلُ أصْوَبُ.

و"الدابِرُ": الَّذِي يَأْتِي آخِرَ القَوْمِ، أيْ في أدْبارِهِمْ، وإذا قُطِعَ ذَلِكَ وأُتِيَ عَلَيْهِ فَقَدْ أتى العَذابُ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، وهَذِهِ ألْفاظٌ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِئْصالِ والهَلاكِ التامِّ، يُقالُ: "قَطَعَ اللهُ دابِرَهُ"، و"اسْتَأْصَلَ شَأْفَتَهُ"، و"أسْكَتَ نَأْمَتَهُ" بِمَعْنى.

و"مُصْبِحِينَ" مَعْناهُ: إذا أصْبَحُوا ودَخَلُوا في الصَباحِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى وصْفِ أمْرٍ جَرى قَبْلَ إعْلامِ لُوطٍ بِهَلاكِ أُمَّتِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ مُحاجَّةَ لُوطٍ لِقَوْمِهِ تَقْتَضِي ضَعْفَ مَن لَمْ يَعْلَمْ إهْلاكَهم وأنَّ الأضْيافَ مَلائِكَةٌ.

ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ ﴾ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَلاكِهِمْ، وكانَ قَوْلُهم ما يَأْتِي مِنَ المُحاوَرَةِ عَلى جِهَةِ التَهَكُّمِ عنهُمْ، والإمْلاءِ لَهُمْ، والتَرَبُّصِ بِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والِاحْتِمالُ الأوَّلُ عِنْدِي أرْجَحُ، وهو الظاهِرُ مِن آياتِ غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ.

وقَوْلُهُ: "يَسْتَبْشِرُونَ" أيْ: بِالأضْيافِ طَمَعًا مِنهم في الفاحِشَةِ، والضَيْفُ مُصَدَرٌ وُصِفَ بِهِ فَهو يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ ﴾ ، رُوِيَ أنَّهم كانُوا قَدْ تَقَدَّمُوا إلَيْهِ في ألّا يَضِيفَ أحَدًا ولا يُجِيرَهُ، لَأنَّهم لا يُراعُونَهُ ولا يَكُفُّونَ عن طَلَبِ الفاحِشَةِ فِيهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّ دابِرَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ وقُلْنا إنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ"، وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهم إنَّما كانُوا يَفْعَلُونَ الفاحِشَةَ مَعَ الغُرَباءِ ولا يَفْعَلُونَها بَعْضَهم بِبَعْضٍ، فَكانُوا يَعْتَرِضُونَ الطُرُقَ.

وقَوْلُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ هَؤُلاءِ بَناتِي ﴾ اخْتُلِفَ في تَأْوِيلِهِ فَقِيلَ: أرادَ نِساءَ أُمَّتِهِ، لَأنَّ زَوْجاتِ النَبِيِّينَ أُمَّهاتُ الأُمَمِ وهو أبُوهُمْ، فالنِساءُ بَناتُهُ في الحُرْمَةِ، والمُرادُ بِالتَزْوِيجِ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أنْ يَكُونَ في شَرْعِهِ جَوازُ زَواجِ الكافِرِ لِلْمُؤْمِنَةِ، وقَدْ ورَدَ أنَّ المُؤْمِناتِ بِهِ قَلِيلٌ جِدًّا.

وقِيلَ: إنَّما أرادَ بَناتِ صُلْبِهِ، ودَعا إلى التَزْوِيجِ أيْضًا، قالَهُ قَتادَةُ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أيْضًا ما لَزِمَ المُتَقَدِّمَ في تَرْتِيبِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿ هَؤُلاءِ بَناتِي ﴾ بَناتِ صُلْبِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، وهو لا يُحَقِّقُ في إباحَةِ بَناتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ تَراهُ يُرِيدُ قَتْلَ آخَرَ: اقْتُلْنِي ولا تَقْتُلْهُ، فَإنَّما ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَشْنِيعِ عَلَيْهِ، والِاسْتِنْزالِ مِن جِهَةٍ ما، واسْتِدْعاءِ الحَياءِ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ مِن مُبالَغَةِ القَوْلِ الَّذِي لا يَدْخُلُهُ مَعْنى الكَذِبِ، بَلِ الغَرَضُ مِنهُ مَفْهُومٌ، وعَلَيْهِ قَوْلُ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: « "وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطاةٍ"،» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ.

و"العَمْرُ" و"العُمْرُ" بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها واحِدٌ، وهُما عُمْرُ الحَياةِ ومُدَّتْها، ولا يُسْتَعْمَلُ في القَسَمِ إلّا بِالفَتْحِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ شَرَفٌ لِمُحَمَّدٍ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَأنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ بِحَياتِهِ، ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ بَشَرٍ سِواهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والقَسَمُ بِـ "لَعَمْرُكَ" في القُرْآنِ وبِـ "لَعَمْرِي" ونَحْوَهُ في أشْعارِ العَرَبِ وفَصِيحِ كَلامِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ: لَعَمْرِي وما عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ وقَوْلُ الآخَرِ: لَعَمْرُ أبِيكَ ما نُسِبَ المُعَلّى وكَقَوْلِ الآخَرِ: لَعَمْرُكَ إنَّ المَوْتَ ما أخْطَأ الفَتى ∗∗∗ ∗∗∗ لَكالطِوَلِ المُرْخى وثِنْياهُ بِاليَدِ والعَرَبُ تَقُولُ: "لَعَمْرُ اللهِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللهِ أعْجَبَنِي رِضاها وقالَ الأعْشى: ولَعَمْرُ مَن جَعْلَ الشُهُورَ عَلامَةً ∗∗∗ ∗∗∗ فِينا فَبَيَّنَ نِصْفَها وكَمالها وقالَ بَعْضُ أصْحابِ المَعانِي: لا يَجُوزُ هَذا لَأنَّهُ لا يُقالُ: لِلَّهِ تَعالى عُمْرٌ، وإنَّما يُقالُ: بَقاءٌ أزَلِيٌّ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وكَرِهَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ: "لَعَمْرِي"، لَأنَّهُ حَلَفَ بِحَياةِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ مِن كَلامِ ضَعَفَةِ الرِجالِ، ونَحْوَ هَذا.

وقَوْلُ مالِكٍ في "لَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ" أنَّها لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْبَغِي أنْ تُصْرَفَ "لَعَمْرُكَ" في الكَلامِ اقْتِداءً بِهَذِهِ الآيَةِ.

و"يَعْمَهُونَ" أيْ يَرْتَبِكُونَ ويَتَحَيَّرُونَ، والضَمائِرُ في "سَكْرَتِهِمْ" يُرادُ بِها قَوْمُ لُوطٍ المَذْكُورُونَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ المُرادَ قُرَيْشٌ، وهَذا بَعِيدٌ لَأنَّهُ يَنْقَطِعُ مِمّا قَبْلَهُ ومِمّا بَعْدَهُ.

وقَوْلُهُ:"فِي سَكْرَتِهِمْ" مَجازٌ وتَشْبِيهٌ، أيْ: في ضَلالَتِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ الحَقِّ ولَهْوِهِمْ، و"يَعْمَهُونَ" مَعْناهُ: يَتَرَدَّدُونَ في حَيْرَتِهِمْ، و"مُشْرِقِينَ" مَعْناهُ: قَدْ دَخَلُوا في الإشْراقِ، وهو سُطُوعُ ضَوْءِ الشَمْسِ وظُهُورُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وهَذِهِ الصَيْحَةُ هي صَيْحَةُ الوَجْبَةِ، ولَيْسَتْ كَصَيْحَةِ ثَمُودَ، وأُهْلِكُوا بَعْدَ الفَجْرِ مُصْبِحِينَ، واسْتَوْفاهُمُ الهَلاكُ مُشْرِقَيْنِ.

وخَبَرُ قَوْلِهِ: "لَعَمْرُكَ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي أو يَمِينِي، وفي هَذا نَظَرٌ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَعَمْرُكَ"، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "لَفِي سُكْرَتِهِمْ" بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "سَكَراتِهِمْ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لَفِي سُكْرِهِمْ" بِغَيْرِ تاءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الجَهْضَمِيِّ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ "فِي سَكْرَتِهِمْ".

ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها ﴾ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَ المَدِينَةَ بِجَناحِهِ ورَفَعَها حَتّى سَمِعَتْ مَلائِكَةُ السَماءِ صُراخَ الدِيَكَةِ ونُباحَ الكِلابِ، ثُمَّ قَلَبَها وأرْسَلَ الكُلَّ، فَمَن سَقَطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن رَدْمِ المَدِينَةِ ماتَ، ومَن أفْلَتَ مِنهم أصابَتْهُ حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ، و"سِجِّيلٍ" اسْمٌ مِن أسْماءِ سَماءِ الدُنْيا، وقِيلَ: هي لَفْظَةٌ فارِسِيَّةٌ، وهي الحِجارَةُ المَطْبُوخَةُ مِنَ الطِينِ كالآجُرِّ ونَحْوَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا.

و"المُتَوَسِّمُونَ" قالَ مُجاهِدٌ: المُتَفَرَّسُونَ، وقالَ الضِحاكُ: الناظِرُونَ، وقالَ قَتادَةُ: المُعْتَبِرُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لَها بِالمَعْنى، وإنَّما تَفْسِيرُها بِاللَفْظِ، فَإنَّ المَعانِيَ الَّتِي تَكُونُ في الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ يَلُوحُ عَلَيْهِ وسْمٌ عن تِلْكَ المَعانِي كالسُكُونِ والدِيانَةِ والهَيْبَةِ الَّتِي تَكُونُ عَنِ الخَيْرِ ونَحْوَ هَذا، فالمُتَوَسِّمُ هو الَّذِي يَنْظُرُ في وسْمِ المَعْنى لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى المَعْنى، وكَأنَّ مَعْصِيَةَ هَؤُلاءِ أبْقَتْ مِنَ العَذابِ والإهْلاكِ وسْمًا، فَمَن رَأى الوَسْمَ اسْتَدَلَّ عَلى المَعْصِيَةِ بِهِ، واقْتادَهُ النَظَرُ إلى تَجَنُّبِ المَعاصِي لِئَلّا يَنْزِلَ بِهِ ما نَزَلَ بِهِمْ، ومِنَ الشِعْرِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: تَوَسَّمْتُهُ لَمّا رَأيْتُ مَهابَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلَيْهِ وقُلْتُ المَرْءُ مِن آلِ هاشِمِ وقالَ آخَرُ: وظَلَلْتُ فِيها واقِفًا أتَوَسَّمُ وقالَ آخَرُ: إنِّي تَوَسَّمْتُ فِيكَ الخَيْرَ نافِلَةً والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّها" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَةِ المُهْلَكَةِ، أيْ: أنَّها في طَرِيقٍ ظاهِرٍ لِلْمُعْتَبِرِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الآياتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الحِجارَةِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلُ ما رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: « "إنَّ حِجارَةَ العَذابِ مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ مُنْذُ ألْفَيْ سَنَةٍ لِعُصاةِ أُمَّتِي".» وقَوْلُهُ: "لَآيَةً" أيْ أمارَةً وعَلامَةً، كَما تَقُولُ: آيَةٌ ما بَيْنِي وبَيْنَكَ كَذا وكَذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف جزء من قصة قوم لوط وهو الجزء الأهم فيها.

ومجيء أهل المدينة إليه ومحاورته معهم كان قبل أن يعلم أنهم ملائكة ولو علم ذلك لما أشفق مما عزم عليه أهل المدينة لمّا علم بما عزموا عليه بعد مجادلتهم معه، كما جاء في قوله تعالى: ﴿ قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ﴾ في سورة هود (81).

والواو لا تفيد ترتيب معطوفها.

ويجوز جعل الجملة في موضع الحال من ضمير لوط المستتر في فعل ﴿ قال إنكم قوم منكرون ﴾ [سورة الحجر: 62]، أو من الهاء في ﴿ إليه ﴾ ، ولا إشكال حينئذٍ.

والمدينة هي سدوم.

و ﴿ يستبشرون ﴾ يفرحون ويسرون.

وهو مطاوع بشره فاستبشر، قال تعالى: ﴿ فاستبشروا ببيعكم ﴾ في سورة براءة (111).

وصيغ بصيغة المضارع لإفادة التجدد مبالغة في الفرح.

ذلك أنهم علموا أن رجالاً غرباء حلوا ببيت لوط عليه السلام ففرحوا بذلك ليغتصبوهم كعادتهم السيئة.

وقد تقدمت القصة في سورة هود.

والفضح والفضيحة: شهرة حال شنيعة.

وكانوا يتعيرون بإهانة الضيّف ويعد ذلك مذلة لمُضيفه.

وقد ذكرهم بالوازع الديني وإن كانوا كفاراً استقصاء للدعوة التي جاء بها، وبالوازع العرفي فقال: ﴿ واتقوا الله ولا تخزون ﴾ كما في قول عبد بني الحسحاس: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا *** والخزي: الذلّ والإهانة.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ إلا خزي في الحياة الدنيا ﴾ في أوائل سورة البقرة (85).

وتقدم في مثل هذه القصة في سورة هود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ لَعَمْرُكَ: قَسَمٌ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ وعَيْشِكَ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مَعْناهُ وعَمَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ وحَياتِكَ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وقالَ: ما أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِحَياةِ غَيْرِهِ.

الرّابِعُ: وحَقِّكَ، يَعْنِي الواجِبِ عَلى أُمَّتِكَ، والعَمْرُ الحَقُّ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: لَعَمْرُ اللَّهِ، أيْ وحَقِّ اللَّهِ.

وَفي ﴿ سَكْرَتِهِمْ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: في ضَلالَتِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: في غَفْلَتِهِمْ، قالَهُ الأعْمَشُ.

وَفي ﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ يَتَرَدَّدُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو العالِيَةِ وأبُو مالِكٍ.

الثّانِي: يَتَمارَوْنَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: يَلْعَبُونَ، قالَهُ الأعْمَشُ.

الرّابِعُ: يُمْعِنُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ قالوا لا توجل ﴾ قالوا: لا تخف.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ﴿ فبم تبشرون ﴾ قال: عجب من كبره، وكبر امرأته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ من القانطين ﴾ قال: الآيسين.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر من طريق الأعمش، عن يحيى أنه قرأها ﴿ فلا تكن من القنطين ﴾ بغير ألف.

قال: وقرأ ﴿ ومن يقنط من رحمة ربه ﴾ مفتوحة النون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة قال: من ذهب يقنط الناس من رحمة الله، أو يقنط نفسه فقد أخطأ، ثم نزع بهذه الآية ﴿ ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ ومن يقنط من رحمة ربه ﴾ قال: من ييأس من رحمة ربه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأحمد في الزهد، عن موسى بن علي، عن أبيه قال: بلغني أن نوحاً عليه السلام قال لابنه سام: يا بني، لا تدخلن القبر وفي قلبك مثقال ذرة من الشرك بالله؛ فإنه من يأت الله عز وجل مشركاً فلا حجة له.

ويا بني، لا تدخل القبر وفي قلبك مثقال ذرة من الكبر؛ فإن الكبر رداء الله، فمن ينازع الله رداءه يغضب الله عليه.

ويا بني، لا تدخلن القبر وفي قلبك مثقال ذرة من القنوط؛ فإنه لا يقنط من رحمة الله إلا ضال.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الفاجر الراجي لرحمة الله، أقرب منها من العابد القنط» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي قال: بيني وبين القدرية هذه الآية ﴿ إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ إنكم قوم منكرون ﴾ قال: أنكرهم لوط.

وفي قوله: ﴿ بما كانوا فيه يمترون ﴾ قال: بعذاب قوم لوط.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة ﴿ بما كانوا فيه يمترون ﴾ قال: يشكون.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ واتبع أدبارهم ﴾ قال: أمر أن يكون خلف أهله يتبع أدبارهم في آخرهم إذا مشوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ وامضوا حيث تؤمرون ﴾ قال: أخرجهم الله إلى الشام.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر ﴾ قال: أوحينا إليه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ أن دابر هؤلاء مقطوع ﴾ يعني استئصالهم وهلاكهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وجاء أهل المدينة يستبشرون ﴾ قال: استبشروا بأضياف نبي الله لوط، حين نزلوا به لما أرادوا أن يأتوا إليهم من المنكر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ أو لم ننهك عن العالمين ﴾ قال: يقولون أن تضيف أحداً أو تؤويه ﴿ قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين ﴾ قال: أمرهم لوط بتزويج النساء، وأراد أن يقي أضيافه ببناته والله أعلم.

وأخرج ابن أبي شيبة والحرث بن أبي أسامة وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل، عن ابن عباس قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم.

وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره.

قال: ﴿ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴾ يقول: وحياتك يا محمد وعمرك وبقائك في الدنيا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لعمرك ﴾ قال: لعيشك.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما حلف الله بحياة أحد إلا بحياة محمد، قال: ﴿ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴾ وحياتك يا محمد» .

وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يكرهون أن يقول الرجل: لعمري، يرونه كقوله وحياتي.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴾ أي في ضلالتهم يلعبون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الأعمش أنه سئل عن قوله تعالى ﴿ لَعَمْرُكَ إنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴾ قال: لفي غفلتهم يترددون.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فأخذتهم الصيحة ﴾ قال: ﴿ الصيحة ﴾ مثل الصاعقة، كل شيء أهلك به قوم فهو صاعقة وصيحة.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: ﴿ مشرقين ﴾ قال: حين أشرقت الشمس.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ قال: علامة.

أما ترى الرجل يرسل بخاتمه إلى أهله فيقول هاتوا كذا وكذا؟

فإذا رأوه عرفوا أنه حق.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لآيات للمتوسمين ﴾ قال: للناظرين.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن قتادة في قوله: ﴿ لآيات للمتوسمين ﴾ قال: للمعتبرين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ لآيات للمتوسمين ﴾ قال: هم المتفرسون.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ قال: هم المتفرسون.

وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن السني وأبو نعيم معاً في الطب، وابن مردويه والخطيب، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله» ثم قرأ ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ قال: المتفرسين.

وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا فراسة المؤمن، فإن المؤمن ينظر بنور الله» .

وأخرج ابن جرير عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احذروا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله» .

وأخرج الحكيم الترمذي والبزار وابن السني وأبو نعيم، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإنها لبسبيل مقيم ﴾ يقول: لبهلاك.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإنها لبسبيل مقيم ﴾ يقول: لبطريق واضح.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ﴾ يعني مدينة لوط؛ وهي سدوم، ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ قال الكلبي وغيره: بعملهم الخبيث طمعًا منهم في ركوبهم الفاحشة (١) قال ابن عباس: قالوا نزل بلوط ثلاثة مرد ما رأينا قط أصبح منهم، فقال لهم لوط لما قصدوا أضيافه: (١) ورد في: "تنوير المقباس" ص 285 مختصرًا، تفسيره "الوسيط"، تحقيق: سيسي 2/ 362 بنصه غير منسوب، "تفسير البغوي" 5/ 387، ابن عطة 8/ 337، ابن الجوزي 4/ 407، "تفسير القرطبي" 10/ 39، الخازن 3/ 99.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر ﴾ هو من القضاء والقدر، وإنما تعدى بإلى لأنه ضمن معنى أوحينا وقيل: معناه أعلمناه بذلك الأمر ﴿ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ ﴾ هذا تفسير لذلك الأمر، ودابر القوم أصلهم، والإشارة إلى قوم لوط ﴿ مُّصْبِحِينَ ﴾ في الموضعين أي إذا أصبحوا ودخلوا في الصباح ﴿ وَجَآءَ أَهْلُ المدينة يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ المدينة هي سدوم، واستبشار أهلها بالأضياف، طمعاً أن ينالوا منهم الفاحشة ﴿ قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين ﴾ كانوا قد نهوه أن يضيف أحداً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إذ دخلوا ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف غير هشام ﴿ إنا نبشرك ﴾ بسكون الباء وضم الشين: حمزة.

الآخرون بالتشديد ﴿ تبشرون ﴾ بالتشديد وكسر النون المخففة: نافع مثله.

ولكن مشددة النون: ابن كثير.

الباقون بفتح النون على أنها علامة رفع ﴿ يقنط ﴾ بكسر النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي وخلف وكذلك بابه.

الآخرون بالفتح ﴿ آل لوط ﴾ مدغماً حيث كان شجاع ﴿ لمنجوهم ﴾ بالتخفيف: يعقوب وحمزة علي وخلف.

الباقون بالتشديد ﴿ قدرنا ﴾ بالتخفيف حيث كان: أبو بكر وحماد ﴿ بناتي إن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ﴿ أني أنا ﴾ بفتح ياء المتكلم: جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ ه ج لئلا يصير ﴿ إذا دخلوا ﴾ ظرفاً ﴿ لنبئهم ﴾ فإنه محال ﴿ سلاماً ﴾ ط ﴿ وجلون ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ تبشرون ﴾ ه ﴿ القانطين ﴾ ه ﴿ الضالون ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه لا للاستثناء.

﴿ آل لوط ﴾ ط ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ قدرنا ﴾ لا لأن الجملة بعده مفعول والكسر لدخول اللام في الخبر ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ المرسلون ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب "لما" ﴿ منكرون ﴾ ه ﴿ يمترون ﴾ ه ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ تؤمرون ﴾ ه ﴿ مصبحين ﴾ ه ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ فلا تفضحون ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولا تخزون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ط لابتداء القسم ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ مشرقين ﴾ ه لا لاتصال انقلابها بالصيحة ﴿ من سجيل ﴾ ط ﴿ للمتوسمين ﴾ ه ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ط لتمام القصة ﴿ لظالمين ﴾ ه لا لاتصال الانتقام بظلمهم ﴿ منهم ﴾ ه ط لأن الواو للابتداء فلو وصل لشابه الحال وهو محال ﴿ مبين ﴾ ه ط لتمام قصتهم ﴿ المرسلين ﴾ ه لا لأن الواو بعده للحال وقد آتيناهم ﴿ معرضين ﴾ ه لا للعطف ﴿ آمنين ﴾ ه ط ﴿ مصبحين ﴾ ه ط للاتصال معنى ﴿ يكسبون ﴾ ه م لتمام القصص ﴿ إلا بالحق ﴾ ط ﴿ الجميل ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ج لجواز تعلق الكاف بقوله: ﴿ فأخذتهم ﴾ أو بقوله: ﴿ فانتقمنا ﴾ ولجواز تعلقها بمحذوف أي أنزلنا عليهم العذاب كما أنزلنا، وتمام البحث سيجيء في التفسير.

﴿ المقتسمين ﴾ ه لا ﴿ عضين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ المستهزئين ﴾ ه لا ﴿ آخر ﴾ ج لابتداء التهديد مع الفاء ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يقولون ﴾ ه لا لاتصال الأمر بالتسبيح تسلية ﴿ الساجدين ﴾ ه لا للعطف ﴿ اليقين ﴾ ه.

التفسير: إنه  عطف ﴿ ونبئهم ﴾ على ﴿ نبىء عبادي ﴾ ليكون سماع هذه القصص مرغباً في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأولياء، ومحذراً من المعصية المستتبعة لدركات الأشقياء، ولما في قصة لوط من ذكر إنجاء المؤمنين وإهلاك الظالمين، وكل ذلك يقوّي ما ذكر من أنه غفور رحيم للمؤمنين، وأن عذابه عذاب أليم للكافرين.

وعند المعتزلة غفور للتائبين معذب لغيرهم.

وقد مر تفسير أكثر هذه القصة في سورة هود فنذكر الآن ما هو مختص بالمقام.

فقوله: ﴿ وجلون ﴾ معناه خائفون خافهم لامتناعهم من الأكل أو لدخولهم بغير إذن وفي غير وقت.

﴿ إنا نبشرك ﴾ استئناف في معنى تعليل النهي عن الوجل.

بشروه بالولد الذكر بكونه عليماً فقيل: أرادوا بعلمه نبوته.

وقيل: العلم مطلقاً.

وقوله: ﴿ على أن مسني ﴾ في موضع الحال أي مع هذه الحالة استفهم منكراً للولادة في حالة الهرم أنها أمر عجيب عادة لا لأنه شك في قدرة الله  ولذلك قال: ﴿ فبم تبشرون ﴾ "ما" استفهامية دخلها معنى التعجب كأنه قال: فبأي أعجوبة تبشروني أي أو أنكم لا تبشروني بشيء في الحقيقة لأن ذلك أمر غير متصور في العادة؟

وأحسن ما قيل فيه أن لا يكون قوله: "بما" صلة للتبشير بل يكون سؤالاً عن الوجه والطريقة يعني إذا كان الطريق.

المعتاد ممتنعاً فبأي طريق تبشرونني بالولد، فلذلك قالوا في جوابه ﴿ بشرناك بالحق ﴾ أي باليقين الذي لا لبس فيه، أو بشرناك بالولد بطريق هو حق وذلك قول الله  ووعده وأنه قادر على خلق الولد من غير أبوين فضلاً من شيخ فانٍ وعجوز عاقر.

قال أبو حاتم: حذف نافع ياء المتكلم مع النون وإسقاط الحرفين لا يجوز.

وأجيب بأنه لم يحذف إلا الياء اكتفاء بالكسرة ونون الوقاية لم يوردها كما أوردت في قراءة التشديد، وإنما كسر نون الجمع لأجل الياء وكلتا اللغتين فصيحة.

قيل: عظم فرحه بتلك البشارة فدهش عن الجواب المنتظم فتكلم بالكلام المضطرب.

وقيل: طلب مزيد الطمأنينة كقوله: ﴿ ولكن ليطمئن قلبي  ﴾ عن ابن عباس: يريد بالحق ما قضى الله أن يخرج من صلب إبراهيم إسحق ومن صلب إسحق أكثر الأنبياء.

وقوله: ﴿ فلا تكن من القانطين ﴾ لا يدل على أنه كان قانطاً فقد ينهى عن الشيء ابتداء كقوله: ﴿ ولا تطع الكافرين  ﴾ .

ولذلك أنكر إبراهيم نهيهم بقول: ﴿ ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ﴾ أي المخطئون طريق الصواب أو الكافرون نظيره ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون  ﴾ وفيه أنه لم يستنكر ذلك قنوطاً من رحمته ولكن استبعاداً له في العادة التي أجراها الله هما لغتان: قنط يقنط مثل ضرب يضرب، وقنط يقنط مثل علم يعلم.

وزعم الفارسي أن الأولى أعلى اللغتين.

ثم سأل عما لأجله أرسلهم الله حيث قال: ﴿ فما خطبكم ﴾ والخطب الشأن العظيم.

فسئل أنهم لما بشروه بالولد الذكر العليم فما وجه السؤال عن مجيئهم؟

وأجاب الأصم بأن المراد ما الأمر الذي وجهتم فيه سوى البشرى؟.

وقال القاضي: إنه علم أن المقصود لو كان التبشير فقط لكان الملك الواحد كافياً.

وقيل: علم أنه لو كان تمام الغرض البشارة لذكروها أول ما دخلوا قبل أن يوجس إبراهيم منهم خيفة.

قلت: لعله استصغر أمر التبشير إما لأجل التواضع وإما لأنه واقعة خاصة فسألهم عن الأمر الذي هو أعظم من ذلك وأعم تعظيماً لشأنهم ﴿ قالوا إنا أرسلنا ﴾ زعم صاحب الكشاف أن الإرسال ههنا في معنى التعذيب والإهلاك كإرسال الحجر أو السهم إلى المرمى.

وأقول: كأنه لا حاجة إلى هذا التجوز لقوله في سورة الذاريات ﴿ إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين  ﴾ فالتقدير إنا أرسلنا إليهم لنهلكهم ﴿ إلا آل لوط ﴾ وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً لاختلاف الجنسين، فإن القوم موصوفون بالإجرام دون آل لوط.

يكون قوله: ﴿ إنا لمنجوهم ﴾ جارياً مجرى خبر "لكن" كأنه قيل: لكن قوم لوط منجون، ويكون قوله: ﴿ إلا امرأته ﴾ استثناء من الاستثناء أي أرسلنا إليهم لنهلكهم إلا آل لوط ﴿ إلا امرأته ﴾ كقول المقر: لفلان علي عشرة إلا ثلاثة إلا واحداً.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ إلا آل لوط ﴾ مستثنى من الضمير في ﴿ مجرمين ﴾ حتى يكون الاستثناء متصلاً أي إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم.

ولم لا يجوزالاستثناء من الاستثناء بناء على أن ﴿ آل لوط ﴾ مستثنى من معمول ﴿ أرسلنا ﴾ أو ﴿ مجرمين ﴾ و ﴿ إلا امرأته ﴾ من معمول ﴿ منجوهم ﴾ وقد عرفت ما فيه على أنه إذا جعل الإرسال بمعنى الإهلاك كما قرره هو آل الأمر إلى ما ذكرنا فلا أدري لم استبعده مع وفور فضله.

قال أهل اللغة: قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل جعلت الشيء على مقدار غيره، ومنه قدر الله الأقوات أي جعلها على مقدار الكفاية، وقدر الأمور أي جعلها على مقدار ما يكفي في أبواب الخير والشر.

وقيل: في معنى قدرنا: كتبنا.

وقال الزجاج: دبرنا.

وقيل: قضينا.

والكل متقارب، والمشدد في هذا المعنى أكثر استعمالاً وأنه جواب سؤال كأنه قيل: ما بالها استثنيت من الناجين؟

فقيل: ﴿ قدرنا إنها لمن الغابرين ﴾ أي الباقين في الهوالك.

ويقال للماضي أيضاً غابر وهو من الأضداد.

قال في الكشاف: علق فعل التقدير مع أن التعليق من خصائص أفعال القلوب لأنه في معنى العلم.

وإنما أسندوا الفعل إلى أنفسهم مع التقدير لله عز وجل بياناً لاختصاصهم به  كما يقول خاصة الملك دبرنا كذا أو أمرنا بكذا ولعل المدبر والآمر هو الملك وحده.

ثم إن الملائكة لما بشروا إبراهيم  بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط وذلك قوله: ﴿ فلما جاء آل لوط المرسلون قال ﴾ أي لوط ﴿ إنكم قوم منكرون ﴾ تنكركم نفسي وتنفر منكم.

وذلك أنهم هجموا عليه فلم يعرفهم وخاف أن يطرقوه بشر فلذلك ﴿ قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون ﴾ أي ما جئناك بما توهمت بل جئناك بما فيه فرجك وتشفيك من عدوك وهو العذاب الذي كنت تخوفهم به وهم يشكون في وقوعه.

﴿ وأتيناك بالحق ﴾ باليقين الثابت.

وقال الكلبي: بالعذاب الذي لا شك فيه ﴿ وإنا لصادقون ﴾ فيما أخبرناك به ﴿ فأسر بأهلك بقطع من الليل ﴾ أي في آخره وقدم في سورة هود وزاد ههنا قوله: ﴿ واتبع أدبارهم ﴾ لأنه إذا ساقهم وكان من ورائهم علم بنجاتهم، ولا يخفى حالهم.

ففي الآية زيادة بيان لكيفية الإسراء ثم زاد في البيان فقال: ﴿ ولا يلتفت منكم أحد ﴾ ولم يستثن امرأته اكتفاء بما مر في السورة من قوله: ﴿ إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته ﴾ قال جار الله: إنما أمر باتباع أدبارهم ونهى عن الالتفات ليكون فارغ البال من حالهم فيخلص قلبه لشكر الله، ولئلا يتخلف منهم أحد لغرض له فيصيبه العذاب، ولئلا يشاهدوا عذاب قومهم فيرقوا لهم مع أنهم ليسوا من أهل الرقة عليهم، وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة ولا يتحسروا على ما خلفوا.

وجوز أن يكون النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني، لأن من يلتفت لا بد أن يقع له أدنى وقفة ﴿ وامضوا حيث تؤمرون ﴾ قال الجوهري: مضى الشيء مضياً ذهب، ومضى في الأمر مضياً أنفذه.

وقال في الكشاف: عدى ﴿ وامضوا ﴾ إلى ﴿ حيث ﴾ تعديته إلى الظرف المبهم لأن ﴿ حيث ﴾ مبهم في الأمكنة، وكذلك الضمير في ﴿ تؤمرون ﴾ قلت: حاصل الكلام يرجع إلى قوله: اذهبوا إلى المكان الذي تؤمرون بالذهاب إليه، أو أنفذوا أمر الذهاب إلى هنالك.

عن ابن عباس: إنه الشام.

وقيل: مصر.

وقال المفضل: حيث يقول لكم جبرائيل وكانت قرية معينة ما عمل أهلها عمل قوم لوط.

ثم أخبر عن حالهم مجملاً فقال: ﴿ وقضينا ﴾ ضمن معنى أوحينا ولذلك عدي بإلى كأنه قيل: وأوحينا.

﴿ إليه ذلك الأمر ﴾ مقتضياً مبتوتاً.

ثم فسر ذلك الأمر بقوله: ﴿ أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ﴾ أي يستأصلون عن آخرهم حال ظهور الصبح ودخولهم فيه.

وفي هذا الإجمال والتفسير تفخيم لشأن الأمر وتعظيم له.

ثم حكى ما أبدى قوم لوط من الفعال بعد نزول الملائكة فقال: ﴿ وجاء أهل المدينة ﴾ أي أهل سذوم التي ضرب بقاضيها المثل فقيل أجور من قاضي سذوم.

﴿ يستبشرون ﴾ بظهور السرور بمجيء الملائكة لأنهم رأوهم مرداً حسان الوجوه ﴿ قال ﴾ لوط لما قصدوا أضيافه ﴿ إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون ﴾ بفضيحة ضيفي لأن الضيف يجب إكرامه فإذا أسيء إليه في دار المضيف كان ذلك إهانة وفضيحة للمضيف.

يقال: فضحه يفضحه فضحاً وفضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار ﴿ واتقوا الله ولا تخزون ﴾ مر في "هود" ﴿ قالوا ﴾ في جواب لوط ﴿ أو لم ننهك عن العالمين ﴾ أي ألسنا نهيناك عن أن تكلمنا في شأن أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة؟

وكانوا يتعرضون لكل أحد، وكان لوط  ينهاهم عن ذلك فأوعدوه نظيره ﴿ لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين ﴾ {الشعراء: 116] وقيل: نهوه عن ضيافة الناس وإنزالهم ﴿ قال هؤلاء بناتي ﴾ من الصلب أو أراد نساء أمته كما مر في "هود".

قال جار الله ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ شك في قبولهم لقوله كأنه قال وما أظنكم تفعلون.

وقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فبما أحل الله دون ما حرم.

ثم قالت الملائكة للوط  ﴿ لعمرك ﴾ مبتدأ محذوف الخبر لكثرة الاستعمال أي قسمي أو هو ما أقسم به.

والعمر والعمر بالفتح والضم واحد إلاّ أنهم خصوا القسم بالمفتوح اتباعاً للأخف، فإن الحلف كثير الدور على ألسنتهم ﴿ إنهم لفي سكرتهم ﴾ غوايتهم التي أذهبت عقولهم حتى لم يميزوا بين خطئهم وصوابك ﴿ يعمهون ﴾ يتحيرون فكيف يقبلون قولك الذي تأمرهم به من ترك البنين إلى البنات؟

وقيل: إنه  خاطب رسول الله  وأقسم بحياته  كرامة له  وما أقسم بحياة أحد قط وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله ﴿ فأخذتهم الصيحة مشرقين ﴾ داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس كان اتبداء العذاب من أول الصبح لقوله: ﴿ مصبحين ﴾ أليس الصبح بقريب؟

وغلبته كانت عن طلوع الشمس قال المفسرون: هي صيحة جبرائيل.

قلت: ويحتمل أن تكون صيحة قلب المدائن وإرسال الحجارة عليهم.

قال بعض المفسرين: إنما قال: ﴿ وأمطرنا عليهم ﴾ وفي سورة هود ﴿ وأمطرنا عليها  ﴾ لأنه أراد ههنا من شذ من القرية منهم.

وقيل: سبب تخصيص هذه السورة بجمع المذكر هو بناء القصة على قوله: ﴿ إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ﴾ ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ للمتفرسين.

وحقيقة التوسم التثبت في النظر حتى يعرف حقيقة سمة الشيء فعبر به عن التأمل والتفكر ﴿ وإنها ﴾ يعني تلك القرى وآثارها ﴿ لبسبيل مقيم ﴾ ثابت يسلكه الناس المارة من الحجاز إلى الشام يشاهدون آثار قهر الله وغضبه هنالك.

قال بعضهم: إنما جميع الآيات في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ لأنه أشار إلى ما تقدم عن ضيف براهيم وقصة لوط وقلب المدينة وإمطار الحجارة عليها وعلى من غاب منهم.

وقال في الثانية ﴿ وإنها ﴾ أي القرية ﴿ لبسبيل ﴾ وهذه واحدة من تلك الآيات فلذلك قال: ﴿ إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ وقيل: ما جاء من القرآن من الآيات فلجمع الدلائل، وما جاء من الآية فلوحدانية المدلول عليه، فلما ذكر عقيبه المؤمنين وهم مقرون بوحدانيته وحد الآية نظيره في "العنكبوت" { ﴿ خلق الله السموات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين  ﴾ .

ثم أجمل قصة قوم شعيب فقال: ﴿ وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين ﴾ "إن" مخففة من الثقيلة ولذلك دخلت اللام الفارقة في خبرها.

كانوا أصحاب غياض ومواضع ذات شجر فنسبوا إليها.

والآيكة الشجر الملتف.

والضمير في قوله: ﴿ وإنهما ﴾ يعود إلى قرى قوم لوط وإلى الأيكة.

وقيل: بل إلى الآيكة ومدين لأن شعيباً كان مبعوثاً إليهما فدل بذكر أحد الموضعين ههنا - وهو الأيكة - على الآخر ﴿ لبإمام مبين ﴾ لبطريق واضح.

قال الفراء والزجاج: سمي الطريق إماماً لأنه يؤم ويتبع.

وقال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده.

ثم ختم القصص بقصة ثمود فقال: ﴿ ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين ﴾ وهو واد بين الشأم والمدينة.

وجمع المرسلين لأن تكذيب نبي واحد- وهو صالح - كتكذيب جميع الأنبياء، أو لأن القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل، أو أراد صالحاً ومن معه من المؤمنين، ﴿ وآتيناهم ﴾ أي أعطينا رسولهم ﴿ آياتنا ﴾ أراد الناقة وكانت فيها آيات خروجها من الصخر وعظم خلقها وكثرة لبنها إلى غير ذلك كما حكينا في "الأعراف" ﴿ فكانوا عنها ﴾ أي عن النظر فيها والاعتبار بها ﴿ معرضين ﴾ وفيه أن التقليد مذموم والاستدلال واجب ﴿ وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين ﴾ من أن تنهدم ويتداعى بنيانها أو يقع سقفهم عليهم، أو آمنين من عذاب الله أو من حوادث الدهر.

﴿ فما أغنى عنهم ﴾ لم يدفع عنهم شيئاً من عذاب الله ﴿ ما كانوا يكسبون ﴾ من بناء البيوت الوثيقة ومن جمع الأموال والعدد.

ولم فرغ من القصص قال: ﴿ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ أي متلبسة بالفوائد والغايات والحكم الصحيحة منها: اشتغال المكلفين بالعبادة والطاعة حتى لو تركوها وأعرضوا عنها وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير الأرض منهم، وهذا النظم يناسب أصول الاعتزال، قال الجبائي: فيه بطلان مذهب الجبرية الذين يزعمون أن أكثر ما خلق الله بين السموات والأرض من الكفر والمعاصي باطل.

وأجيب بأن أفعال العباد من جملة ما بين السموات والأرض فوجب أن يكون الله خالقها.

ويمكن أن يقال في وجه النظم: إن هذا ابتداء شروع في تسلية النبي صلى الله عليه و سلم وتصبيره على أذيات قومه بعد اقتصاص أحوال الأمم السالفة ومعاملاتهم مع أنبيائهم، ويؤيد هذا النظم قوله: ﴿ وإن الساعة لآتية ﴾ معناه أن الله سينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم فإنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق والعدل فكيف يليق بحكمته وفضله إهمال أمرك؟

ولما صبره على أذى قومه رغبه في الصفح فقال: ﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾ أي فأعرض عنهم إعراضاً جميلاً بحلم وإغضاء إن كان اللام الجنس فالمراد هذا النوع من الصفح لا الذين يشتمل على حقد واجتهال ومكر، وإن كان للعهد فلعل المراد ما أمر به في نحو قوله: ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين  ﴾ وقيل: هذا منسوخ بآية السيف والأظهر أن حسن المعاشرة والمخالقة مأمور به ما أمكن فلا حاجة إلى ارتكاب النسخ ﴿ إن ربك هو الخلاق ﴾ كثير الخلق ﴿ العليم ﴾ الكامل العلم يعلم ما يجري بين الخلائق من الأحوال والأخلاق وإن كثروا وكثرت فيجازيهم يوم القيامة على حسب ذلك.

وقيل: أراد أنه الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم، فاليوم الصفح أصلح فاصفحوا إلى أن يكون السيف أصلح.

ثم حثه على الصفح والتجاوز بذكر النعم العظام التي خصه بها فقال: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بها فاتحة الكتاب وهو قول عمر وعلي  ما وابن مسعود وأبي هريرة والحسن وأبي العالية ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة.

وذلك أنها سبع آيات.

والمثاني جمع مثناة من التثنية أو جمع مثنية لأنها تثنى في كل صلاة.

وقال الزجاج: تثنى بما يقرأ بعدها معها.

وأيضاً قسمت بنصفين قسم ثناء وقسم دعاء، وقد ورد الحديث في هذا المعنى "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" وقد مر في أول الكتاب.

وأيضاً كلماتها مثناة مثل: ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ ﴿ إياك ﴾ و ﴿ إياك ﴾ ﴿ الصراط ﴾ ﴿ صراط ﴾ ﴿ عليهم ﴾ ﴿ عليهم ﴾ واشتمالها على ثناء الله تعالى وتحميده مقرر ومما يتفرع على هذا القول ما نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنه قال: كان ابن مسعود لا يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب.

فقيل: كأنه رأى أنه  عطف عليه قوله: ﴿ والقرآن العظيم ﴾ والعطف يوجب المغايرة فوجب أن تكون السبع المثاني غير القرآن.

والجواب أنه قد يكون بعطف الجزء على الكل كقوله: ﴿ وملائكته وجبريل  ﴾ أو بالعكس كما في الآية.

والمقصود في الوصفين تميز البعض عن الكل تنبيهاً على مزية ذلك البعض وشرفه.

فإن قلت: ليس لعطف لكل على البعض نظير، والاستدلال بالآية استدلال بصورة النزاع من غير دليل.

قلنا: يكفي بقوله: ﴿ ولقد آتيناك ﴾ دليلاً على أنه من القرآن.

وعن ابن عمر وسعيد بن جبير في رواية: أن السبع المثاني هي السبع الطوال سميت بذلك لما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك، أو لأنها تثني على الله بأفعاله العظمى وصفاته الحسنى.

وأنكر الربيع هذا القول لأن هذه السورة مكية وأكثر تلك السورة مدنية.

وأجيب بأن المراد من الإيتاء إنزالها إلى السماء الدنيا، والمكية والمدنية في ذلك سيان، وضعف بأن إطلاق لفظ الإيتاء على ما لم يصل بعد إليه خلاف الظاهر.

وقال قوم: السبع المثاني هي التي دون الطول والمئين وفوق المفصل، واحتجوا عليه بما روى ثوبان أن رسول الله  قال: "إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني المثاني مكان الزبور وفضلني ربي بالمفصل" .

قال الواحدي: والقول في تسمية هذه السور مثاني كالقول في تسمية الطول مثاني.

وروي عن ابن عباس وإليه ذهب طاوس أنها هي القرآن لقوله  : ﴿ كتاباً متشابهاً مثاني  ﴾ وأنها سبعة أسباع كرر فيها دلائل التوحيد والنبوة والتكاليف.

ومعنى العطف على هذا القول الجمعية كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام.

وكأنه قيل: آتيناك ما هو الجامع لكونه سبعاً مثاني ولكونه قرآناً عظيماً.

قال الزجاج ووافقه صاحب الكشاف: و"من" في ﴿ من المثاني ﴾ للبيان أو للتبعيض إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطول، وللبيان إذا أردت الأسباع.

ولما عرف رسوله نعمه الدينية ورغبه فيها نفره من اللذات العاجلة الزائلة لأن كل نعمة وإن عظمت فإنها بالنسبة إلى نعمة القرآن ضيئلة حقيرة، ومنه الحديث "من لم يتغن بالقرآن أي لم يستغن به - فليس منا" وقول أبي بكر: من أوتي القرآن فرآى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيماً وعظم صغيراً.

فمن حق قارىء القرآن الواقف على معانيه أن لا يشغل سره بالالتفات إلى الدنيا وزهرتها.

قال الواحدي: إنما يكون مادّاً عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه، وإدامة النظر إليه تدل على استحسانه وتمنيه.

وقال في الكشاف: معنى ﴿ لا تمدن ﴾ لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمن له ﴿ إلى ما متعنا به أزواجاً منهم ﴾ أي أصنافاً من الكفار قاله ابن قتيبة.

وقال الجوهري: الأزواج القرناء.

وقال بعضهم: لا تمدن عينيك أي لا تحسدنّ أحداً على ما أوتي من الدنيا.

وضعف بأن الحسد منهي عنه مطلقاً فكيف يحسن تخصيص الرسول به؟

ويمكن أن يجاب بأن المراد منه نهي التكوين كقوله: ﴿ ولا تكونن من المشركين  ﴾ أو المراد الغبطة فهي محظورة عليه  لجلالة منصبه وإن كانت جائزة لأمته.

ويروى أنه وافت من بلاد الشام سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير فيها أنواع البز والطيب والجوهر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوّينا بها ولأنفقناها في سبيل الله.

فقال لهم الله عز وجل: لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع.

وإنما قال في هذه السورة ﴿ لا تمدن ﴾ بغير واو العطف لأنه لم يسبقه طلب بخلاف ما في سورة طه.

ثم لما نهاه عن الالتفات إلى أموالهم وأمتعتهم نهاه عن الالتفات إليهم أنفسهم وإن لم يحصل لهم في قلبه قدر ووزن فقال: ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ أي على أنهم لم يؤمنوا فيتقوى بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون، وكما أمره بالتكبر على الأغنياء والترفع عنهم إذا كانوا كفاراً أمره بالتواضع للفقراء، إذا كانوا مؤمنين فقال: ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ الخفض نقيض الرفع، وجناحا الإنسان يداه، وخفضهما كناية عن اللين والرفق.

وإنما قال في سورة الشعراء بزيادة ﴿ لمن اتبعك  ﴾ لأنه قال قبله ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين  ﴾ فلو لم يذكر هذه الزيادة لكان الظاهر أن اللام للعهد فصار الأمر بخفض الجناح مختصاً بالأقربين من عشيرته فزيد ﴿ لمن اتبعك  ﴾ ليعلم أن هذا التشريف شامل لجميع متبعيه من الأمة.

ولما بعثه على الرفق بأهل الإيمان أمره بالإنذار لكل المكلفين فقال: ﴿ وقل إني أنا النذير المبين ﴾ ويدخل تحت كونه نذيراً كونه مبلغاً لجميع التكاليف، لأن كل ما كان واجباً ترتب على تركه عذاب، وكل ما كان حراماً ترتب على فعله عقاب.

ويدخل في كونه مبيناً كونه شارحاً لجميع مراتب أهل التكاليف من الجنة والنار.

فالإنذار بالنار والإحذار بالجنة هو الإخبار عن موجب الحرمان عنها.

وفي متعلق قوله: ﴿ كما أنزلنا ﴾ وجهان بعد ما مر به في الوقوف: أحدهما أن يتعلق بقوله: ﴿ ولقد آتيناك ﴾ أي أنزلنا} أي أنزلنا عليك ما أنزلنا ﴿ على المقتسمين ﴾ ومن هم؟

قيل: أهل الكتاب ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ أي أجزاء جمع عضة وأصلها عضوة "فعلة" من عضى الشاة إذا جعلها أجزاء وأعضاء، أو "فعلة" من عضهته إذا بهته فالمحذوف منها الهاء لا الواو.

وعن عكرمة: العضه السحر بلسان قريش يقولون للساحرة عاضهة.

ولعن رسول الله  العاضهة والمستعضهة فينقصانها الهاء أيضاً.

وجمعت العضة بالمعاني جمع العقلاء لما لحقها من الحذف، فجعلوا الجمع بالواو والنون عوضاً عما لحقها من الحذف كسنين.

فمعنى الآية أن اليهود اقتسموا القرآن إلى حق وباطل وجزؤه فقالوا بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما.

ويجوز أن يراد بالقرآن ما يقرأونه من كتبهم وقد اقتسموه بتحريفهم وتكذيبهم، والإقرار بالبعض والتكذيب بالبعض كقوله: { ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض  ﴾ وفي هذا تسلية لرسول الله  عن تكذيب قومه وعداوتهم، ولهذا وسط بين المتعلق بقوله: ﴿ لا تمدن ﴾ الآية لأنه مدد للتسلية لما فيه من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم ومن الإقبال بالكلية على المؤمنين.

الوجه الثاني أن يتعلق بقوله: ﴿ النذير المبين ﴾ وعلى هذا لا يكون بد من التزام إضمار أو زيادة، أما الإضمار فأن يكون التقدير: أنا النذير عذاباً كما أنزلنا كقولك رأيت كالقمر في الحسن أي وجهاً كالقمر، وأما الزيادة فأن تكون الكاف زائدة كقوله: ﴿ ليس كمثله شيء  ﴾ ويمكن أن يقال: الكاف بمعنى مثل ولا حاجة إلى الالتزام والتقدير: أنذر قريشاً مثل ما أنزلنا على المقتسمين وهم إما اليهود ويراد بالعذاب ما جرى على قريظة والنضير فيكون قد جعل المتوقع بمنزلة الواقع وهو من الإعجاز لأنه إخبار بما سيكون وقد كان، وإما غيرهم من أهل مكة أو من قوم صالح.

قال ابن عباس: هم الذين اقتسموا طرق مكة ومداخلها أيام الموسم فقعدوا في كل مدخل متفرقين لينفروا الناس عن الإيمان بالله ورسوله.

يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر، ويقول الآخر كذاب، والآخر شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات وكانوا قريباً من أربعين، منهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب.

وقال عكرمة: اقتسموا القرآن استهزاء وكان يقول بعضهم سورة البقرة لي ويقول الآخر سورة آل عمران لي وقال مقاتل: اقتسموه.

قال بعضهم سحر، وبعضهم شعر، وبعضهم كذب، وبعضهم أساطير الأولين.

وقال ابن زيد: المقتسمون هم الذين تقاسموا بالله ليبيتن صالحاً كما سيجيء في سورة النمل، فرمتهم الملائكة بالحجارة وقتلوهم، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ الذين جعلوا ﴾ منصوباً بالنذير أي أنذر المعضين الذين يجزؤن القرآن إلى سحر وشعر وأساطير مثل ما أنزلنا على المقتسمين.

ثم أقسم على سبيل الوعيد فقال: ﴿ فوربك لنسألنهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في أول "الأعراف" وذلك قوله ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم  ﴾ .

والأظهر أن الضمير عائد إلى جميع المكلفين المنذرين، وأن السؤال يكون عن جميع الأعمال، وقد يخص الضمير بالمقتسمين والسؤال بالاقتسام.

ثم شجع نبيه قائلاً ﴿ فاصدع ﴾ أي اجهر ﴿ بما تؤمر ﴾ وأظهره وفرق بين الحق والباطل.

وأصل الصدع الشق والفصل ومنه سمي الصبح صديعاً كما سمي فلقاً.

وصدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً.

قال النحويون: الجار محذوف والمعنى بالذي تؤمر به من الشرائع مثل "أمرتك الخير".

وجوز أن تكون "ما" مصدرية أي بأمرك وشأنك مصدر من المبني للمفعول.

وقالوا: وما زال النبي  مستخفياً حتى نزلت هذه الآية.

ثم قال: ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ أي لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة وهذا لا ينافي آية القتال حتى يلزم النسخ على ما ظن بل يؤكدها.

ثم أكد النهي عن الاكتراث بهم وقوّى قلبه فقال: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ ولا ريب أنهم طبقة ذو شوكة قدروا على الاستهزاء بالرسول مع جلالة قدره.

والآية لا تفيد إلا هذا القدر لكن المفسرين ذكروا عددهم وأسماءهم مع اختلاف بينهم.

والأشهر على ما رواه عروة بن الزبير أنهم خمسة نفر من الأشراف: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحرث بن الطلاطلة.

وعن ابن عباس: ماتوا كلهم قبل يوم بدر.

وقال جبرائيل  لرسول الله  : أمرت أن أكفيكهم فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظماً لأخذه فأصابه عرقاً في عقبة فقطعه فمات.

وأومأ إلى أخمص العاص بن وائل فدخلت فيها شوكة فقال: لدغت لدغت فانتفخت رجله حتى صارت كالرحى ومات، وأشار إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي، وأشار إلى أنف الحرث فامتخط قيحاً فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح رأسه بالشجر ويضرب وجهه بالشوك حتى مات، ثم زاد في تسلية نبيه  ﴿ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ﴾ من المطاعن فيك وفي القرآن لأن الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك.

ثم أمره لكشف ما نابه بأربعة أشياء: بالتسبيح والتحميد والسجود والعبادة إلى إتيان اليقين.

عن ابن عباس: هو الموت سمي بذلك لأنه أمر متيقن ولا يجب الإخلال بالعبادة ما دام المكلف حياً وهذا كما قيل في تحديد مدة طلب العلم: إنه من المهد إلى اللحد.

وكيف يصير الإقبال على الطاعات سبباً لزوال ضيق القلب؟

قال المحققون: لأنه ينكشف له أضواء عالم الربوبية فيهون في نظره المصالح الدنيوية فلا يستوحش من فقدانها ولا يستأنس بوجدانها.

وقال أهل السنة: إذا نزل بالعبد بعض المكاره فعليه أن يفزع إلى الله بالذكر الدائم والسجود وسائر أنواع العبادة فكأنه يقول: وجب عليّ عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكاره.

وقالت المعتزلة: من اعتقد تنزيه الله عن القبائح سهل عليه تحمل المشاق لأنه يعلم أنه تعالى عدل منزه عما لا فائدة فيه ولا غرض فيطيب قلبه.

التأويل: في بشارة إبراهيم إشارة إلى أن الطالب الصادق وإن كان مسناً ضعيف القوى كما قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد.

فأنه ينبغي أن لا يقنط من رحمة الله، ويتقرب إليه بالأعمال القلبية ليتقرب إليه ربه بأصناف الألطاف وجذبات الأعطاف، فيخرج من صلب روحه ورحم قلبه غلاماً عليماً بالعلوم اللدنية وهو واعظ الله الذي في قلب المؤمن ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ لأصحاب القلوب المتوسمين بشواهد أحكام الغيب.

وما خلقنا سموات الأرواح وأرض الأشباح، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار والخفيات ﴿ إلا بالحق ﴾ أي إلا لمظهر الحق، ومظهره هو الإنسان المخصوص بذلك من بين سائر المخلوقات ﴿ وإن الساعة ﴾ يعني قيامة العشق ﴿ لآتية ﴾ لنفوس الطالبين الصادقين من أصحاب الرياضات لأن أنفسهم تموت بالرياضة ومن مات فقد قامت قيامته ﴿ فاصفح ﴾ أيها الطالب الصادق عن النفس المرتاضة بأن تداويها وتواسيها، فإن في قيامة العشق يحصل من تزكية النفس في لحظة واحدة ما لا يحصل بالمجاهدة في سنين كثيرة ومن هنا قيل: جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين.

﴿ إن ربك هو الخلاق ﴾ لصور المخلوقات ولمعانيها ولحقائقها ﴿ العليم ﴾ بمن خلقه مستعداً لمظهرية ذاته وصفاته ومظهريتهما وليس ذلك في السموات والأرض وما بينهما إلا الإنسان الكامل وغيره مختص بمظهرية الصفات دون الذات وان كان ملكاً فلهذا قال: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً ﴾ أي سبع صفات ذاتية لله تبارك وتعالى: السمع والبصر والكلام والحياة والعلم والإرادة والقدرة ﴿ من المثاني ﴾ أي من خصوصية المظهرية، والمظهرية الذات والصفات.

﴿ والقرآن العظيم ﴾ ولهذا صار خلقه عظيماً لأنه كان خلقه القرآن ﴿ لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً ﴾ من أهل الدنيا والآخرة ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ بهذا المقام ليصلوا بجناح همتك إليه ﴿ على المتقسمين ﴾ الذين قسموا قهر الله على أنفسهم فصاروا مظاهر القهر ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ أي جزؤوه في الاستعمال فقوم قرأوه ليقال لهم القراء وبه يأكلون، وقوم حفظوه ليقال لهم الحفاظ وبه يجرّون الرزق، وقوم حصلوا تفسيره وتأويله إظهاراً للفضل وطلباً للشهرة، وقوم استنبطوا معانيه وفقهه على وفق آرائهم ومذاهبهم فكفروا إذ فسروا القرآن برأيهم.

﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ الذين يستعملون الشريعة بالطبيعة استهزاء بدين الله ﴿ الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ فسبح بحمد ربك ﴾ لأنك لست منهم ﴿ وكن من الساجدين ﴾ سجدة الشكر ﴿ واعبد ربك ﴾ بالإخلاص ﴿ حتى يأتيك اليقين ﴾ أي إلى الأبد لأن كل مقام يحصل فيه اليقين بالعيان بعد العرفان فإنه يحصل فوقه مقام آخر مشكوك فيه إلى أن يحصل برد اليقين فيه أيضاً، فهناك مراتب لا تتناهى فاليقين يكون إشارة إلى الأبد والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴾ .

أي: إنكم قوم منكرون؛ لا تعرفون بأهل هذه البلدة، وإنما قال لهم هذا؛ لأن قومه إنما يعملون ما يعملون بالغرباء؛ لا يعملون بأهل البلد؛ ألا ترى أنهم قالوا له: ﴿ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ أن تضيف أحداً منهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾ .

هذا ليس بجواب لما سبق من قوله: ﴿ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴾ ، ولكن قالوا [ذلك له] والله أعلم بعدما كان بين [لوط وقومه] مجادلات ومخاصمات من ذلك قوله: ﴿ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ  ﴾ ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ  ﴾ وغير ذلك من المخاصمات.

وقد كان لوط يعدهم العذاب بصنيعهم الذي كانوا يصنعون؛ ولذلك قالوا له: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ  ﴾ ؛ فعند ذلك قالوا: ﴿ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾ .

[قال بعضهم: بما كانوا فيه يشكّون؛ بما كان يعدهم من العذاب.

وقال بعضهم: ﴿ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾ ] [أي: بما كانوا] يجادلون وينازعون، أو يقول: بل جئناك بجزاء ما كانوا يتمرون.

ثم امتراؤهم، يحتمل مجادلتهم إياه، ويحتمل ما كانوا عليه من الريبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ وَآتَيْنَاكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ : أي: بنجاتك؛ ونجاة أهلك وإهلاك قومك.

وقال بعضهم: ﴿ وَآتَيْنَاكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ : أي: بالعذاب الذي كنت تعدهم.

﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ فيما نقول، يحتمل هذا: أن لم يكن هذا منهم قولا قالوه؛ لأن لوطاً يعلم أنهم صادقون فيما يقولون؛ حيث علم أنهم ملائكة الله، لكن أخبر عنهم على ما كانوا عليه، على غير قول كان منهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيلِ ﴾ .

أي: ببعض من الليل.

وقال بعضهم بسحر؛ على ما قال: ﴿ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ  ﴾ وهو بعضٌ سحراً كان أو غيره.

﴿ وَٱتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ ﴾ : أي: سر من ورائهم، وهكذا الواجب على كل مولى أمر جيش أن يتبع أثرهم، أو يأمر من يتبع أثرهم؛ ليلحق بهم من تخلف منهم، ويحمل المنقطع منهم؛ وليكون ذلك أحفظ لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ ﴾ قال بعضهم ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ ﴾ أي: لا يتخلف منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون.

وقال في آية أخرى: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ  ﴾ .

فإنها [تتخلف عنكم؛ فيصيبها] ما أصاب أولئك، هذا يدلّ أن ليس في تقديم الكلام وتأخيره منع، ولا في تغيير اللسان ولفظه بعد أن يؤدي المعنى خطر؛ لأن قصة لوط وغيرها من القصص ذكرت وكررت على الزيادة والنقصان، وعلى اختلاف الألفاظ واللسان، فدلّ أن اختلاف ذلك لا يوجب تغييراً في المعنى، ولا بأس بذلك.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ ﴾ : أي: لا ينظر أحد وراءه، فهو - والله أعلم - لما لعلهم إذا نظروا وراءهم فرأوا ما حلّ بهم: من تقليب الأرض وإرسالها عليهم - لا تحتمل بنيتهم وقلوبهم؛ فيهلكون أو يصعقون، ألا ترى أن موسى مع قوته لم يحتمل اندكاك الجبل، ولكن صعق؛ فصار مدهوشاً في ذلك الوقت؛ فهؤلاء أضعف، وما حلّ بقومهم أشد فَبِنْيَتُهُم أحرى ألا تتحمل ذلك.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ ﴾ قوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ ﴾ قيل: أوحينا إليه، كقوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ  ﴾ : أي: أوحينا إليهم، وقال بعضهم: [قوله]: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ﴾ أي: أنهينا إليه وأعلمناه، وهو قول الكسائي والقتبي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ ﴾ .

يحتمل قوله: ذلك الأمر هو ما ذكر: أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين، هذا الذي أوحى إليه وأعلمه.

ويحتمل قوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ ﴾ أي: أوحينا إلى محمد  : أن ذلك الأمر الذي بلغك مقطوع مصبحين.

ويحتمل الوحي إلى لوط على البشارة: أن دابر قومه مقطوع مصبحين.

أي: مقطوع نسلهم، فيه إخبار عن قطع نسلهم، وفي الخبر عن قطع نسلهم إخبار عن هلاكهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ ﴾ : قال بعضهم: أصل هؤلاء.

وقال بعضهم: دابر هؤلاء مقطوع: أي: مستأصلون، ﴿ مُّصْبِحِينَ ﴾ : ليس يريد به حين أصبحوا، وحين بدا طلوع الفجر، ولكن أراد طلوع الشمس؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ﴾ ، وإشراق الشمس: هو ارتفاعها وبسطها في الأرض، دلّ أنه ما ذكرنا.

والله أعلم.

والصيحة: تحتمل وجوهاً: أحدها: ذكر الصيحة؛ لسرعة هلاكهم أي: قدر صيحة.

والثاني: أهلكوا بالصيحة، أو صاح أولئك لما أهلكوا، والصيحة اسم كل عذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ .

يحتمل: يُسَرّون بنزول أضيافه، أو يبشر بعضهم بعضاً؛ لما رأوا بهم من حسن الهيئة والمنظر، ورفعة اللباس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: فلا تفضحوني في ضيفي؛ فإنهم إنما نزلوا بنا على أمن منا؛ فلا تفضحوني عندهم، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي  ﴾ ويحتمل: لا تفضحوني في الخلق، يقولون: إن في أهل بيت لوط يُفعل بالأضياف كذا، وإنما عرف أهل بيتي عند الخلق بالصلاح والأمن فلا تفضحوني في الخلق؛ واتقوا الله في صنيعكم بالرجال، ولا تخزون عند الخلق؛ قيل: هو من الهوان.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ ﴾ أن يكون الإخزاء: هو الفضيحة، دليله ما ذكر: أن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون؛ فيكون هذا تفسير ذلك.

ويحتمل الهوان، وكذلك قيل في قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ  ﴾ أي: الهوان اليوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

هذا يدل على أنه قد كان سبق النهي عن إنزال الأضياف؛ كأنهم قد نهوه عن إنزال الأضياف؛ لذلك قالوا: ﴿ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: يخرج قولهم: ﴿ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ مخرج الاعتذار له؛ لأنهم كانوا يعظمون الرسل [- أعني: أقوام الرسل جميعاً - إذ لم يكن من الرسل] إليهم، سوى الخلاف في الدين والدعاء إلى دين الله، فهم وإن كذبوا الحجج التي أتت بها الرسل فقد كانوا يعظمونهم؛ ألا ترى أنه قال لرسولنا صلوات الله عليه: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ...

﴾ الآية [الأنعام: 33] والأول أشبه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَؤُلآءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ ، وفي موضع آخر: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ  ﴾ وقد ذكرنا في السورة التي فيها ذكر هود.

قال بعضهم: إنما عرض عليهم نساء قومهم؛ لأنه كالأب لهم على ما ذكر أن نساء رسول الله  أمهاتهم.

وقال بعضهم: في ذكر البنات إخبار منه لهم بنهاية فحش صنيعهم؛ لأنه يجوز ورود الشرع على بناته لهم، ولا يجوز حل ذلك بحال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .

قال الحسن: يقسم الله بما شاء من خلقه، وليس لأحد أن يقسم إلا بالله، وإنما أقسم بحياة محمد  ؛ ولم يقسم بحياة غيره وبغيره.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ لَعَمْرُكَ ﴾ كلمة تستعملها العرب في أقسامهم؛ على غير إرادة القسم بحياة أحد.

ومنهم من قال: إنما ذلك على التعريض؛ وأصله: أن الله قد أقسم بأشياء: أقسم بالشمس، والقمر، والليل، والنهار، وأقسم بالجبال، والسماء، وغيرها من الأشياء التي تعظم عند الخلق، فرسول الله  - وقد أخبره أنه أرسله رحمة للخلق وهدى - أولى أن يعظم بالقسم به؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ فمن كان رحمة للعالم كله أولى أن يعظم من غيره؛ إذ منافعه أعمّ وأكثر.

وقال بعضهم: ﴿ لَعَمْرُكَ ﴾ : القسم ليس بحياة الرسول؛ ولكن بدينه، وهو قول الضحّاك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .

قال بعضهم: السكرة: الشدة التي تحلّ بهم عند الموت، شبههم بحيرتهم التي فيهم بسكرة الموت، يعمهون أي: يترددون.

وقال بعضهم: في ضلالتهم وكفرهم، يعمهون: يتحيرون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ ﴾ .

قد ذكرنا في غير موضع اختلافهم في الصيحة: قال بعضهم: الصيحة هي العذاب نفسه؛ أي: أخذهم العذاب.

وقال بعضهم: سمي ﴿ ٱلصَّيْحَةُ ﴾ لسرعة نزوله بهم، وأخذه إياهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُشْرِقِينَ ﴾ .

قال بعضهم: أشرقت الشمس: إذا ارتفعت وأنارت، وشرقت: إذا بزغت، وهو قول الكسائي.

وقال أبو عوسجة: ﴿ مُشْرِقِينَ ﴾ : أي: إذا أشرقوا، أي: إذا طلعت الشمس عليهم، وقد ذكرنا هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ﴾ قد ذكرناه في السورة التي فيها ذكر هود.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ : للمتفرسين؛ من الفراسة، وروي في ذلك خبر عن رسول الله  ؛ يرويه أبو سعيد الخدري؛ قال: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله قال ثم قرأ: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ " .

فإن ثبت الخبر، وثبت تلاوة هذه الآية على إثر ما ذكر فهو هو.

وقال بعضهم: ﴿ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ : المعتبرين.

وقيل: المتفكرين.

وقيل: الناظرين.

ذكروا أنه آية للمعتبرين، ولكن لم يبينوا من أي وجه يكون آية لمن ذكر؛ فيحتمل وجوهاً: أحدها: آية للمتوسمين: للمعتبرين لرسالته؛ لأنه ذكر قصة إبراهيم ولوط - على ما كان - وهو لم يشهدها؛ فذلك يدل على صدقه وآية لرسالته.

والثاني: آية لصدق خبر إبراهيم، وصدق لوط؛ لأنهم كانوا يخبرون قومهم أن العذاب ينزل بهم، وغير ذلك من الوعيد، فيدل ذلك على صدق خبر الأنبياء عليهم السلام في كل ما يخبرون.

والثالث: في هلاك من أهلك منهم؛ ونجاة من أنجى منهم - آية لمن ذكر، من هلك منهم هلك بالتكذيب، ومن نجا منهم نجا بالتصديق؛ فيكون لهم آية.

والرابع: قد بقي من آثار من هلك منهم آية؛ فيكون هلاكهم آية لمن ذكر.

وأصل هذا أن الله ذكر: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ : أي: المؤمنين المتقين، والاعتبار والتفكر للمؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون.

قال: والمتوسم: هو الذي يعمل بعلامة، وكذلك المتفرس: هو الذي يعمل بعلامة في غيره، [ينظر في غيره]: بأن هلاكه بم كان؟

فينزجر عن صنيعه ويتعظ به، وهو كالمتفقه الذي يعمل بالمعنى.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ ﴾ .

أي: طريق دائم لا يزول، يعلم أن في ذلك لآية للمؤمنين؛ وهو ما ذكرنا أن الآية تكون للمؤمن.

والله أعلم.

ذكر في الآية الأولى: ﴿ ٱلآيَاتُ ﴾ لأنه أنبأ إبراهيم وقصته، وقصة قوم لوط؛ ففي ذلك آيات لمن ذكر.

وذكر في هذه الآية: ﴿ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ لأنه ذكر شيئاً واحداً؛ وهو السبيل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وجاء أهل سَدُوم مستبشرين بضيوف لوط؛ طمعًا في فعل الفاحشة.

<div class="verse-tafsir" id="91.aPbMj"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله