الآية ٩ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٩ من سورة الحجر

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ ٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 108 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩ من سورة الحجر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل الذكر ، وهو القرآن ، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل .

ومنهم من أعاد الضمير في قوله تعالى : ( له لحافظون ) على النبي - صلى الله عليه وسلم - كقوله : ( والله يعصمك من الناس ) [ المائدة : 67 ] والمعنى الأول أولى ، وهو ظاهر السياق ، [ والله أعلم ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ( إِنَّا نَحْنُ نـزلْنَا الذِّكْرَ ) وهو القرآن ( وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) قال: وإنا للقرآن لحافظون من أن يزاد فيه باطل مَّا ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه ، والهاء في قوله: ( لَهُ ) من ذكر الذكر.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني الحسن، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ( وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) قال: عندنا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( إِنَّا نَحْنُ نـزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ، قال في آية أخرى لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ والباطل: إبليس مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ فأنـزله الله ثم حفظه، فلا يستطيع إبليس أن يزيد فيه باطلا ولا ينتقص منه حقا، حفظه الله من ذلك.

حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) قال: حفظه الله من أن يزيد فيه الشيطان باطلا أو ينقص منه حقا ، وقيل: الهاء في قوله ( وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم بمعنى: وإنا لمحمد حافظون ممن أراده بسوء من أعدائه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون قوله تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر يعني القرآن .وإنا له لحافظون من أن يزاد فيه أو ينقص منه .

قال قتادة وثابت البناني : حفظه الله من أن تزيد فيه الشياطين باطلا أو تنقص منه حقا ; فتولى سبحانه حفظه فلم يزل محفوظا ، وقال في غيره : بما استحفظوا ، فوكل حفظه إليهم فبدلوا وغيروا .

أنبأنا الشيخ الفقيه الإمام أبو القاسم عبد الله عن أبيه الشيخ الفقيه الإمام المحدث أبي الحسن علي بن خلف بن معزوز الكومي التلمساني قال : قرئ على الشيخة العالمة فخر النساء شهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج الدينوري وذلك بمنزلها بدار السلام في آخر جمادى الآخرة من سنة أربع وستين وخمسمائة ، قيل لها : أخبركم الشيخ الأجل العامل نقيب النقباء أبو الفوارس طراد بن محمد الزيني قراءة عليه وأنت تسمعين سنة تسعين وأربعمائة ، أخبرنا علي بن عبد الله بن إبراهيم حدثنا أبو علي عيسى بن محمد بن أحمد بن عمر بن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المعروف بالطوماري حدثنا الحسين بن فهم قال : سمعت يحيى بن أكثم يقول : كان للمأمون - وهو أمير إذ ذاك - مجلس نظر ، فدخل في جملة الناس رجل يهودي حسن الثوب حسن الوجه طيب الرائحة ، قال : فتكلم فأحسن الكلام والعبارة ، قال : فلما تقوض المجلس دعاه المأمون فقال له : إسرائيلي ؟

قال نعم .

قال له : أسلم حتى أفعل بك وأصنع ، ووعده .

فقال : ديني ودين آبائي !

وانصرف .

قال : فلما كان بعد سنة جاءنا مسلما ، قال : فتكلم على الفقه فأحسن الكلام ; فلما تقوض المجلس دعاه [ ص: 7 ] المأمون وقال : ألست صاحبنا بالأمس ؟

قال له : بلى .

قال : فما كان سبب إسلامك ؟

قال : انصرفت من حضرتك فأحببت أن أمتحن هذه الأديان ، وأنت تراني حسن الخط ، فعمدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت ، وأدخلتها الكنيسة فاشتريت مني ، وعمدت إلى الإنجيل فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت ، وأدخلتها البيعة فاشتريت مني ، وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ وزدت فيها ونقصت ، وأدخلتها الوراقين فتصفحوها ، فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها فلم يشتروها ; فعلمت أن هذا كتاب محفوظ ، فكان هذا سبب إسلامي .

قال يحيى بن أكثم : فحججت تلك السنة فلقيت سفيان بن عيينة فذكرت له الخبر فقال لي : مصداق هذا في كتاب الله - عز وجل - .

قال قلت : في أي موضع ؟

قال : في قول الله - تبارك وتعالى - في التوراة والإنجيل : بما استحفظوا من كتاب الله ، فجعل حفظه إليهم فضاع ، وقال - عز وجل - : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون فحفظه الله - عز وجل - علينا فلم يضع .

وقيل : وإنا له لحافظون أي لمحمد - صلى الله عليه وسلم - من أن يتقول علينا أو نتقول عليه .

أو وإنا له لحافظون من أن يكاد أو يقتل .

نظيره والله يعصمك من الناس .

ونحن نجوز أن يكون موضعه رفعا بالابتداء " ونزلنا " الخبر .

والجملة خبر إن .

ويجوز أن يكون نحن تأكيدا لاسم إن في موضع نصب ، ولا تكون فاصلة لأن الذي بعدها ليس بمعرفة وإنما هو جملة ، والجمل تكون نعوتا للنكرات فحكمها حكم النكرات .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ويكفيهم من الآيات إن كانوا صادقين، هذا القرآن العظيم ولهذا قال هنا: {إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ} أي: القرآن الذي فيه ذكرى لكل شيء من المسائل والدلائل الواضحة، وفيه يتذكر من أراد التذكر، {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} أي: في حال إنزاله وبعد إنزاله، ففي حال إنزاله حافظون له من استراق كل شيطان رجيم، وبعد إنزاله أودعه الله في قلب رسوله، واستودعه فيها ثم في قلوب أمته، وحفظ الله ألفاظه من التغيير فيها والزيادة والنقص، ومعانيه من التبديل، فلا يحرف محرف معنى من معانيه إلا وقيض الله له من يبين الحق المبين، وهذا من أعظم آيات الله ونعمه على عباده المؤمنين، ومن حفظه أن الله يحفظ أهله من أعدائهم، ولا يسلط عليهم عدوا يجتاحهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إنا نحن نزلنا الذكر ) يعني القرآن ( وإنا له لحافظون ) أي : نحفظ القرآن من الشياطين أن يزيدوا فيه ، أو ينقصوا منه ، أو يبدلوا ، قال الله تعالى : ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) ( فصلت - 42 ) والباطل : هو إبليس ، لا يقدر أن يزيد فيه ما ليس منه ولا أن ينقص منه ما هو منه .

وقيل الهاء في " له " راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم أي : إنا لمحمد لحافظون ممن أراده بسوء كما قال جل ذكره : ( والله يعصمك من الناس ) ( المائدة - 67 ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنا نحن» تأكيد لاسم إن أو فصل «نزلنا الذكر» القرآن «وإنا له لحافظون» من التبديل والتحريف والزيادة والنقص.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنَّا نحن نزَّلنا القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وإنَّا نتعهد بحفظه مِن أن يُزاد فيه أو يُنْقَص منه، أو يضيع منه شيء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أنه قد تكفل بحفظ هذا القرآن الذى سبق للكافرين أن استهزءوا به ، وبمن نزل عليه فقال - تعالى - : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) .أى : إنا نحن بقدرتنا وعظم شأننا نزلنا هذا القرآن الذى أنكرتموه؛ على قلب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ( وإنا ) لهذا القرآن ( لحافظون ) من كل ما يقدح فيه ، كالتحريف والتبديل ، والزيادة والنقصان والتناقض والاختلاف ، ولحافظون له بالإِعجاز ، فلا يقدر أحد على معارضته أو على الإِتيان بسورة من مثله ، ولحافظون له بقيام طائفة من أبناء هذه الأمة الإِسلامية باستظهاره وحفظه والذب عنه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .قال صاحب الكشاف : " قوله ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر ) رد لانكارهم واستهزائهم فى قولهم ( ياأيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) ، ولذلك قال : إنا نحن ، فأكد عليهم أنه هو المنزل على القطع والبتات ، وأنه هو الذى بعث به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ومن بين يديه ومن خلفه رصد حتى نزل وبلغ محفوظاً من الشياطين ، وهو حافظه فى كل وقت من كل زيادة ونقصان ..

.

" .وقال الآلوسى : ما ملخصه : " ولا يخفى ما فى سبك الجملتين - ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) من الدلالة على كمال الكبرياء والجلالة ، وعلى فخامة شأن التنزيل ، وقد اشتملتا على عدة من وجوه التأكيد .

و ( نحن ) ليس ضمير فصل لأنه لم يقع بين اسمين ، وإنما هو إما مبتدأ أو توكيد لاسم إن .

والضمير فى ( له ) للقرآن كما هو الظاهر ، وقيل هو للنبى صلى الله عليه وسلم .

.

.

" .هذا ونحن ننظر فى هذه الآية الكريمة ، من وراء القرون الطويلة منذ نزولها فنرى أن الله - تعالى - قد حقق وعده فى حفظ كتابه ، ومن مظاهر ذلك :1- أن ما أصاب المسلمين من ضعف ومن فتن ، ومن هزائم ، وعجزوا معها عن حفظ أنفسهم وأموالهم وأعراضهم .

.

هذا الذى أصابهم فى مختلف الأزمنة والأمكنة ، لم يكن له أى اثر على قداسة القرآن الكريم ، وعلى صيانته من أى تحريف .ومن أسباب هذه الصيانة أن الله - تعالى - قيض له فى كل زمان ومكان ، من أبناء هذه الأمة ، من حفظه عن ظهر قلب ، فاستقر بين الأمة بمسمع من النبى صلى الله عليه وسلم ، وصار حفاظه بالغين عدد التواتر فى كل مصر وفى كل عصر .قال الفخر الرازى : فإن قيل : فلماذا اشتغل الصحابة بجمع القرآن فى المصحف ، وقد وعد الله بحفظه ، وما حفظه الله فلا خوف عليه؟فالجواب : أن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله - تعالى - إياه ، فإنه - سبحانه - لما أن حفظه قيضهم لذلك .

.

.

.

.2- أن أعداء هذا الدين - سواء أكانوا من الفرق الضالة المنتسبة للإِسلام أم من غيرهم - امتدت أيديهم الأثيمة إلى أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم فأدخلوا فيها ما ليس منها .

.

.

وبذل العلماء العدول الضابطون ما بذلوا من جهود لتنقية السنة النبوية مما فعله هؤلاء الأعداء .

.ولكن هؤلاء الأعداء ، لم يقدروا على شئ واحد ، وهو إحداث شئ فى هذا القرآن ، مع أنهم وأشباههم فى الضلال ، قد أحدثوا ما أحدثوا فى الكتب السماوية السابقة .

.قال بعض العلماء .

سئل القاضى إسماعيل البصرى عن السر فى تَطُّرق التغيير للكتب السالفة ، وسلامة القرآن من ذلك فأجاب بقوله : إن الله أوكل للأحبار حفظ كتبهم فقال : ( بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله ) وتولى - سبحانه - حفظ القرآن بذاته فقال : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) .وقد ذكر الإِمام القرطبى ما يشبه ذلك نقلاً عن سفيان بن عيينه فى قصة طويلة .والخلاصة ، أن سلامة القرآن من أى تحريف - رغم حرص الأعداء على تحريفه ورغم ما أصاب المسلمين من أحداث جسام ، ورغم تطاول القرون والدهور - دليل ساطع على أن هناك قوة خارقة - خارجة عن قوة البشر - قد تولت حفظ هذا القرآن ، وهذه القوة هى قوة الله - عز وجل - ولا يمارى فى ذلك إلا الجاحد الجهول ..

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بالغ في تهديد الكفار ذكر بعده شبههم في إنكار نبوته.

فالشبهة الأولى: أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون، وفيه احتمالات: الأول: أنه عليه السلام كان يظهر عليه عند نزول الوحي حالة شبيهة بالغشي فظنوا أنها جنون، والدليل عليه قوله: ﴿ وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَٰرِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجْنُونٌ  وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَٰلَمِينَ  ﴾ وأيضاً قوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّةٍ  ﴾ .

والثاني: أنهم كانوا يستبعدون كونه رسولاً حقاً من عند الله تعالى، فالرجل إذا سمع كلاماً مستبعداً من غيره فربما قال له هذا جنون وأنت مجنون لبعد ما يذكره من طريقة العقل، وقوله: ﴿ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ في هذه الآية يحتمل الوجهين.

أما قوله: ﴿ يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ ففيه وجهان: الأول: أنهم ذكروه على سبيل الاستهزاء كما قال فرعون: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ  ﴾ وكما قال قوم شعيب: ﴿ إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد  ﴾ وكما قال تعالى: ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ لأن البشارة بالعذاب ممتنعة.

والثاني: ﴿ يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر ﴾ في زعمه واعتقاده، وعند أصحابه وأتباعه.

ثم حكى عنهم أنهم قالوا في تقرير شبههم: ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملئكة إِن كُنتَ مِنَ الصادقين ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد لو كنت صادقاً في ادعاء النبوة لأتيتنا بالملائكة يشهدون عندنا بصدقك فيما تدعيه من الرسالة، لأن المرسل الحكيم إذا حاول تحصيل أمر، وله طريق يفضي إلى تحصيل ذلك المقصود قطعاً، وطريق آخر قد يفضي وقد لا يفضي، ويكون في محل الشكوك والشبهات، فإن كان ذلك الحكيم أراد تحصيل ذلك المقصود، فإنه يحاول تحصيله بالطريق الأول لا بالطريق الثاني، وإنزال الملائكة الذين يصدقونك، ويقررون قولك طريق يفضي إلى حصول هذا المقصود قطعاً، والطريق الذي تقرر به صحة نبوتك طريق في محل الشكوك والشبهات، فلو كنت صادقاً في ادعاء النبوة لوجب في حكمة الله تعالى إنزال الملائكة الذين يصرحون بتصديقك وحيث لم تفعل ذلك علمنا أنك لست من النبوة في شيء، فهذا تقرير هذه الشبهة، ونظيرها قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْكَ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ الأمر  ﴾ وفيه احتمال آخر: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم بنزول العذاب إن لم يؤمنوا به، فالقوم طالبوه بنزول العذاب وقالوا له: ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملئكة ﴾ الذين ينزلون عليك ينزلون علينا بذلك العذاب الموعود، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَاءهُمُ العذاب  ﴾ ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله: ﴿ مَا نُنَزِّلُ الملائكة إِلاَّ بالحق وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ ﴾ فنقول: إن كان المراد من قولهم: ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملئكة ﴾ هو الوجه الأول، كان تقرير هذا الجواب أن إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحق وعند حصول الفائدة، وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفار أنه لو أنزل عليهم الملائكة لبقوا مصرين على كفرهم، وعلى هذا التقرير فيصير إنزالهم عبثاً باطلاً، ولا يكون حقاً، فلهذا السبب ما أنزلهم الله تعالى، وقال المفسرون: المراد بالحق هاهنا الموت، والمعنى: أنهم لا ينزلون إلا بالموت، وإلا بعذاب الاستئصال، ولم يبق بعد نزولهم إنظار ولا إمهال، ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة، فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة، وأما إن كان المراد من قوله تعالى: ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملئكة ﴾ استعجالهم في نزول العذاب الذي كان الرسول عليه السلام يتوعدهم به، فتقرير الجواب أن الملائكة لا تنزل إلا بعذاب الاستئصال، وحكمنا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن لا نفعل بهم ذلك، وأن نمهلهم لما علمنا من إيمان بعضهم، ومن إيمان أولاد الباقين.

المسألة الثانية: قال الفراء والزجاج: لولا ولوما لغتان: معناهما: هلا ويستعملان في الخبر والاستفهام، فالخبر مثل قولك لولا أنت لفعلت كذا، ومنه قوله تعالى: ﴿ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ  ﴾ والاستفهام كقولهم: ﴿ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ  ﴾ وكهذه الآية.

وقال الفراء: لوما الميم فيه بدل عن اللام في لولا، ومثله استولى على الشيء واستومى عليه، وحكى الأصمعي: خاللته وخالمته إذا صادقته، وهو خلى وخلمي أي صديقي.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ مَا نُنَزّلُ الملائكة إِلاَّ بالحق ﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: ﴿ مَا نُنَزّلُ ﴾ بالنون وبكسر الزاي والتشديد، والملائكة بالنصب لوقوع الإنزال عليها.

والمنزل هو الله تعالى، وقرأ أبو بكر عن عاصم: ﴿ مَا تُنَزَّلَ ﴾ عن فعل ما لم يسمى فاعله، والملائكة بالرفع.

والباقون: ما تنزل الملائكة على إسناد فعل النزول إلى الملائكة، والله أعلم.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ ﴾ يعني: لو نزلت الملائكة لم ينظروا أي يمهلوا فإن التكليف يزول عند نزول الملائكة.

قال صاحب النظم: لفظ اذن مركبة من كلمتين: من إذ وهو اسم بمنزلة حين ألا ترى أنك تقول: أتيتك إذ جئتني أي حين جئتني.

ثم ضم إليها أن، فصار إذ أن.

ثم استثقلوا الهمزة، فحذفوها فصار إذن، ومجيء لفظة إذن دليل على اضمار فعل بعدها والتقدير: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا وهذا تأويل حسن.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن القوم إنما قالوا: ﴿ يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر ﴾ لأجل أنهم سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: إن الله تعالى نزل الذكر علي ثم إنه تعالى حقق قوله في هذه الآية فقال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون ﴾ .

فأما قوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر ﴾ فهذه الصيغة وإن كانت للجمع إلا أن هذا من كلام الملوك عند إظهار التعظيم فإن الواحد منهم إذا فعل فعلاً أو قال قولاً قال: إنا فعلنا كذا وقلنا كذا فكذا هاهنا.

المسألة الثانية: الضمير في قوله: ﴿ لَهُ لحافظون ﴾ إلى ماذا يعود؟

فيه قولان: القول الأول: أنه عائد إلى الذكر يعني: وإنا نحفظ ذلك الذكر من التحريف والزيادة والنقصان، ونظيره قوله تعالى في صفة القرآن: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ  ﴾ وقال: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً  ﴾ .

فإن قيل: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف وقد وعد الله تعالى بحفظه وما حفظه الله فلا خوف عليه.

والجواب: أن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه فإنه تعالى لما أن حفظه قيضهم لذلك قال أصحابنا: وفي هذه الآية دلالة قوية على كون التسمية آية من أول كل سورة لأن الله تعالى قد وعد بحفظ القرآن، والحفظ لا معنى له إلا أن يبقى مصوناً من الزيادة والنقصان، فلو لم تكن التسمية من القرآن لما كان القرآن مصوناً عن التغيير، ولما كان محفوظاً عن الزيادة ولو جاز أن يظن بالصحابة أنهم زادوا لجاز أيضاً أن يظن بهم النقصان، وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجة.

والقول الثاني: أن الكناية في قوله: ﴿ لَهُ ﴾ راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى وإنا لمحمد لحافظون وهو قول الفراء، وقوى ابن الأنباري هذا القول فقال: لما ذكر الله الإنزال والمنزل دل ذلك على المنزل عليه فحسنت الكناية عنه، لكونه أمراً معلوماً كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةِ القدر  ﴾ فإن هذه الكناية عائدة إلى القرآن مع أنه لم يتقدم ذكره وإنما حسنت الكناية للسبب المعلوم فكذا هاهنا، إلا أن القول الأول أرجح القولين وأحسنهما مشابهة لظاهر التنزيل، والله أعلم.

المسألة الثالثة: إذا قلنا الكناية عائدة إلى القرآن فاختلفوا في أنه تعالى كيف يحفظ القرآن قال بعضهم: حفظه بأن جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر فعجز الخلق عن الزيادة فيه والنقصان عنه لأنهم لو زادوا فيه أو نقصوا عنه لتغير نظم القرآن فيظهر لكل العقلاء أن هذا ليس من القرآن فصار كونه معجزاً كإحاطة السور بالمدينة لأنه يحصنها ويحفظها، وقال آخرون: إنه تعالى صانه وحفظه من أن يقدر أحد من الخلق على معارضته، وقال آخرون: أعجز الخلق عن إبطاله وإفساده بأن قيض جماعة يحفظونه ويدرسونه ويشهرونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاء التكليف، وقال آخرون: المراد بالحفظ هو أن أحداً لو حاول تغييره بحرف أو نقطة لقال له أهل الدنيا: هذا كذب وتغيير لكلام الله تعالى حتى أن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له كل الصبيان: أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا وكذا، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لحافظون ﴾ .

واعلم أنه لم يتفق لشيء من الكتب مثل هذا الحفظ، فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتحريف والتغيير، إما في الكثير منه أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصوناً عن جميع جهات التحريف مع أن دواعي الملحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده من أعظم المعجزات وأيضاً أخبر الله تعالى عن بقائه محفوظاً عن التغيير والتحريف، وانقضى الآن قريباً من ستمائة سنة فكان هذا إخباراً عن الغيب، فكان ذلك أيضاً معجزاً قاهراً.

المسألة الرابعة: احتج القاضي بقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون ﴾ على فساد قول بعض الإمامية في أن القرآن قد دخله التغيير والزيادة والنقصان قال: لأنه لو كان الأمر كذلك لما بقي القرآن محفوظاً، وهذا الاستدلال ضعيف، لأنه يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه، فالإمامية الذين يقولون إن القرآن قد دخله التغيير والزيادة والنقصان، لعلهم يقولون إن هذه الآية من جملة الزوائد التي ألحقت بالقرآن، فثبت أن إثبات هذا المطلوب بهذه الآية يجري مجرى إثبات الشيء نفسه وأنه باطل والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر ﴾ رد لإنكارهم واستهزائهم في قولهم: ﴿ يأَيُّهَا الذى نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر ﴾ [الحجر: 6] ولذلك قال: إنا نحن، فأكد عليهم أنه هو المنزل على القطع والبتات، وأنه هو الذي بعث به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم وبين يديه ومن خلفه رصد، حتى نزل وبلغ محفوظاً من الشياطين وهو حافظه في كل وقت من كل زيادة ونقصان وتحريف وتبدبل، بخلاف الكتب المتقدمة؛ فإنه لم يتول حفظها.

وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم بغيا فكان التحريف ولم يكل القرآن إلى غير حفظه.

فإن قلت: فحين كان قوله ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر ﴾ رداً لإنكارهم واستهزائهم، فكيف اتصل به قوله ﴿ وَإِنَّا لَهُ لحافظون ﴾ ؟

قلت: قد جعل ذلك دليلاً على أنه منزل من عنده آية؛ لأنه لو كان من قول البشر أو غير آية لتطرق عليه الزيادة والنقصان كما يتطرق على كل كلام سواه.

وقيل: الضمير في ﴿ لَهُ ﴾ لرسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى ﴿ والله يَعْصِمُكَ ﴾ [المائدة: 67] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

(ما يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ) بِالياءِ ونَصَبَ ﴿ المَلائِكَةَ ﴾ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعالى.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِالنُّونِ وأبُو بَكْرٍ بِالتّاءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ ﴿ المَلائِكَةَ ﴾ .

وقُرِئَ « تَنْزِلُ» بِمَعْنى تَتَنَزَّلُ.

﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ إلّا تَنْزِيلًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ أيْ بِالوَجْهِ الَّذِي قَدَّرَهُ واقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ، ولا حِكْمَةَ في أنْ تَأْتِيَكم بِصُوَرٍ تُشاهِدُونَها فَإنَّهُ لا يَزِيدُكم إلّا لَبْسًا، ولا في مُعاجَلَتِكم بِالعُقُوبَةِ فَإنَّ مِنكم ومِن ذَرارِيكم مَن سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لَهُ بِالإيمانِ.

وقِيلَ الحَقُّ الوَحْيُ أوِ العَذابُ.

﴿ وَما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ ﴾ ﴿ إذًا ﴾ جَوابٌ لَهم وجَزاءٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ ولَوْ نَزَّلْنا المَلائِكَةَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ.

﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ ﴾ رَدٌّ لِإنْكارِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ ولِذَلِكَ أكَّدَهُ مِن وُجُوهٍ وقَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ أيْ مِنَ التَّحْرِيفِ والزِّيادَةِ والنَّقْصِ بِأنْ جَعَلْناهُ مُعْجِزًا مُبايِنًا لِكَلامِ البَشَرِ، بِحَيْثُ لا يَخْفى تَغْيِيرُ نَظْمِهِ عَلى أهْلِ اللِّسانِ، أوْ نَفْيُ تَطَرُّقِ الخَلَلِ إلَيْهِ في الدَّوامِ بِضَمانِ الحِفْظِ لَهُ كَما نَفى أنْ يُطْعَنَ فِيهِ بِأنَّهُ المُنَزِّلُ لَهُ.

وَقِيلَ الضَّمِيرُ في لَهُ لِلنَّبِيِّ  .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إنا نحن نزلنا الذكر} القرآن {وَإِنَّا لَهُ لحافظون} وهو رد لإنكارهم واستهزائهم في قولهم يا أيها الذي نزله محفوظاً من الشياطين وهو حافظه في كل وقت من الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم بغياً فوقع التحريف ولم يكل القرآن إلى غير حفظه وقد جعل قوله وإنا له لحافظون دليلاً على أنه منزل من عنده آية إذ لو كان من قول البشر أو غير آية لتطرق عليه الزيادة والنقصان كما يتطرق على كل كلام سواه أو الضمير في له لرسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله والله يعصمك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا نَحْنُ ﴾ إلَخْ والعُدُولُ عَنْ تَطْبِيقِهِ لِظاهِرِ كَلامِهِمْ بِصَدَدِ الِاقْتِراحِ بِأنْ يُقالَ مَثَلًا ما تَأْتِيهِمْ بِهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّهم قَدْ أخْطَأُوا في الِاقْتِراحِ وأنَّ المَلائِكَةَ لِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ أعْلى مِن أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمْ مُطْلَقُ الإتْيانِ الشّامِلِ لِلِانْتِقالِ مِن أحَدِ الأمْكِنَةِ المُتَساوِيَةِ إلى الآخَرِ مِنها بَلْ مِنَ الأسْفَلِ إلى الأعْلى وأنْ يَكُونَ مَقْصِدُ حَرَكاتِهِمْ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ وأنْ يَدْخُلُوا تَحْتَ مَلَكُوتِ أحَدٍ مِنَ البَشَرِ وإنَّما الَّذِي يَلِيقُ بِشَأْنِهِمُ النُّزُولُ مِن مَقامِهِمُ العالِي وكَوْنُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّنْزِيلِ مِن جَنابِ الرَّبِّ الجَلِيلِ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ.

وقِيلَ: لَعَلَّ هَذا جَوابٌ لِما عَسى أنْ يَخْطُرَ بِخاطِرِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ طَلَبُوا مِنهُ الإتْيانَ بِالمَلائِكَةِ مِن سُؤالِ التَّنْزِيلِ رَغْبَةً في إسْلامِهِمْ فَيَكُونُ وجْهُ ذِكْرِ التَّنْزِيلِ ظاهِرًا وهو غَيْرُ ظاهِرٍ كَما لا يَخْفى.

﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ أيْ إلّا تَنْزِيلًا مُلْتَبِسًا بِالوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْمَصْدَرِ المَحْذُوفِ مُسْتَثْنًى اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا، وجُوِّزَ فِيهِ الحالِيَّةُ مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةً بِنُنَزِّلُ وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ الآتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والأوَّلُ أوْلى ومُقْتَضى الحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ والتَّكْوِينِيَّةِ عَلى ما قِيلَ أنْ تَكُونَ المَلائِكَةُ المُنَزَّلُونَ بِصُوَرِ البَشَرِ وتَنْزِيلُهم كَذَلِكَ يُوجِبُ اللَّبْسَ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى نَفْيِ تَرَتُّبِ الغَرَضِ وعَدَمِ النَّفْعِ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ ﴾ إشارَةٌ إلى حُصُولِ الضَّرَرِ وتَرَتُّبِ نَقِيضِ المَطْلُوبِ وكَأنَّهُ عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ الكَلامُ السّابِقُ كَأنَّهُ قِيلَ: ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمْ إلّا بِصُوَرِ الرِّجالِ لِأنَّهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ فَيَحْصُلُ اللَّبْسُ فَلا يَنْفَعُونَ وما كانُوا إذا أنْزَلْناهم مُنْظَرِينَ أيْ ويَتَضَرَّرُونَ بِتَنْزِيلِهِمْ لِأنّا نُهْلِكُهم لا مَحالَةَ ولا نُؤَخِّرُهم لِأنَّهُ قَدْ جَرَتْ عادَتُنا في الأُمَمِ قَبْلَهم أنّا لَمْ نَأْتِهِمْ بِآيَةٍ اقْتَرَحُوها إلّا والعَذابُ في أثَرِها إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا وقَدْ عَلِمْنا مِنهم ذَلِكَ والمَقْصُودُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لِاقْتِراحِهِمُ الإتْيانَ بِهِمْ وجْهٌ عَلى أتَمِّ وجْهٍ بِالإشارَةِ إلى عَدَمِ نَفْعِهِ أوَّلًا والتَّصْرِيحِ بِضَرَرِهِ ثانِيًا، وقِيلَ: يُقَدَّرُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ لا يُؤْمِنُونَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِصُوَرِ البَشَرِ لِاقْتِضاءِ الحِكْمَةِ ذَلِكَ فَلا يُؤْمِنُونَ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ، وفي النَّفْسِ مِن هَذا ومِمّا قَبْلَهُ شَيْءٌ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ المَعْنى ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا مُلْتَبِسًا بِالوَجْهِ الَّذِي يَحِقُّ مُلابَسَةُ التَّنْزِيلِ بِهِ مِمّا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وتَجْرِي بِهِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ، والَّذِي اقْتَرَحُوهُ مِنَ التَّنْزِيلِ لِأجْلِ الشَّهادَةِ لَدَيْهِمْ وهُمْ- هُمْ- ومَنزِلَتُهم في الحَقائِقِ مَنزِلَتُهم مِمّا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الصِّحَّةِ والحِكْمَةِ أصْلًا فَإنَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّنْزِيلِ بِالوَحْيِ الَّذِي لا يَكادُ يُفْتَحُ عَلى غَيْرِ الأنْبِياءِ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أفْرادِ كُلِّ المُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ عَلى أمْثالِ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ اللِّئامِ، وإنَّما الَّذِي يَدْخُلُ في حَقِّهِمْ تَحْتَ الحِكْمَةِ في الجُمْلَةِ هو التَّنْزِيلُ لِلتَّعْذِيبِ والِاسْتِئْصالِ كَما فُعِلَ بِأضْرابِهِمْ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ولَوْ فُعِلَ ذَلِكَ لاسْتُؤْصِلُوا بِالمَرَّةِ وما كانُوا إذًا مُؤَخَّرِينَ كَدَأْبِ سائِرِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المُسْتَهْزِئَةِ، ومَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ قَدْ جَرى قَلَمُ القَضاءِ بِتَأْخِيرِ عَذابِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ حَسْبَما أُجْمِلَ في الآياتِ قَبْلُ، وحالَ حائِلُ الحِكْمَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ اسْتِئْصالِهِمْ لِتَعَلُّقِ العِلْمِ بِازْدِيادِهِمْ عَذابًا وبِإيمانِ بَعْضِ ذَرارِيِّهِمْ، ونَظْمُ إيمانِ بَعْضِهِمْ في سَمْطِ الحِكْمَةِ يَأْباهُ تَمادِيهِمْ في الكُفْرِ والعِنادِ- فَما كانُوا- إلَخْ جَوابٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ ولَوْ أنْزَلْناهم ما كانُوا إلَخْ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ الأوْفَقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ﴾ أنْ يَكُونَ الوَجْهُ الَّذِي يَحِقُّ مُلابَسَةُ التَّنْزِيلِ بِهِ لِمِثْلِ غَرَضِهِمْ كَوْنَهم بِصُوَرِ الرِّجالِ وذَلِكَ لَيْسَ مِن بابِ التَّنْزِيلِ بِالوَحْيِ الَّذِي لا يَكادُ يَكُونُ لَهم أصْلًا فَلا يَتِمُّ كَلامُهُ، وفِيهِ بَحْثٌ كَما لا يَخْفى، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرَ الحَقِّ هُنا بِالرِّسالَةِ والعَذابِ، ووُجِّهَتِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ نَحْوَ هَذا التَّوْجِيهِ فَقِيلَ: المَعْنى ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالرِّسالَةِ والعَذابِ ولَوْ نَزَّلْناهم عَلَيْهِمْ ما كانُوا مُنْظَرِينَ لِأنَّ التَّنْزِيلَ عَلَيْهِمْ بِالرِّسالَةِ مِمّا لا يَكادُ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ التَّنْزِيلُ بِالعَذابِ، وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ الِاقْتِصارَ عَلى الرِّسالَةِ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ الِاقْتِصارُ عَلى العَذابِ، وفي مَعْنى ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ المَعْنى ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ الَّذِي هو المَوْتُ الَّذِي لا يَقَعُ فِيهِ تَقْدِيمٌ ولا تَأْخِيرٌ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الحَقُّ ما يَجِبُ ويَحِقُّ مِنَ الوَحْيِ والمَنافِعِ الَّتِي أرادَها اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ، والمَعْنى ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِحَقٍّ واجِبٍ مِن وحْيٍ ومَنفَعَةٍ لا بِاقْتِراحِكُمْ، وأيْضًا لَوْ نَزَّلْنا لَمْ تَنْظُرُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِالعَذابِ لِأنَّ عادَتَنا إهْلاكُ الأُمَمِ المُقْتَرِحَةِ إذا آتَيْناهم ما اقْتَرَحُوهُ، وفِيهِ ما فِيهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى إلّا تَنَزُلًا مُلْتَبِسًا بِالحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ ولا حِكْمَةَ في أنْ تَأْتِيَكم عِيانًا تُشاهِدُونَهم ويَشْهَدُونَ لَكم بِصِدْقِ النَّبِيِّ  لِأنَّكم حِينَئِذٍ مُصَدِّقُونَ عَنِ اضْطِرارٍ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الإنْزالَ بِصُوَرِهِمُ الحَقِيقِيَّةِ، ومِنهُ أخَذَ صاحِبُ القِيلِ المَذْكُورِ أوَّلًا قِيلَهُ.

والبَيْضاوِيُّ جَعَلَ المُنافِيَ لِلْحِكْمَةِ إنْزالَهم بِصُوَرِ البَشَرِ حَيْثُ قالَ: لا حِكْمَةَ في أنْ تَأْتِيَكم بِصُوَرٍ تُشاهِدُونَها فَإنَّهُ لا يَزِيدُكم إلّا لَبْسًا.

وقالَ بَعْضُهُمْ: أُرِيدَ أنَّ إنْزالَ المَلائِكَةِ لا يَكُونُ إلّا بِالحَقِّ وحُصُولِ الفائِدَةِ بِإنْزالِهِمْ وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ أنَّهُ لَوْ أنْزَلَ إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ لَبَقَوْا مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ فَيَصِيرُ إنْزالُهم عَبَثًا باطِلًا ولا يَكُونُ حَقًّا، وتَعَقَّبَ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ البَعْضُ مِنَ المُحَقِّقِينَ بِأنَّهُ مَعَ إخْلالِ كُلٍّ مِن ذَلِكَ بِفَظِيعَةِ الآتِي لا يَلْزَمُ مِن فَرْضِ وُقُوعِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ تَعْجِيلُ العَذابِ الَّذِي يُفِيدُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ ﴾ ومِنَ النّاسِ مَن تَكَلَّفَ لِتَوْجِيهِ اللُّزُومِ عَلى بَعْضِ هَذِهِ الأقْوالِ بِما تَكَلَّفَ، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ المُرادِ مِنَ الحَقِّ الهَلاكَ والجُمْلَةُ بَعْدَ جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ فَكَأنَّهُ لِما قِيلَ: ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالهَلاكِ إذْ هو الَّذِي يَحِقُّ لِأمْثالِهِمْ مِنَ المُعانِدِينَ قِيلَ: فَلْيَكُنْ ذَلِكَ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ لَوْ فَعَلْنا ما كانُوا مُنْظَرِينَ أيْ وهم قَدْ كانُوا مُنْظَرِينَ كَما أُجْمِلَ فِيما قَبْلُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ وحاصِلُ الجَوابِ حِينَئِذٍ عَلى ما قِيلَ أنَّ ما طَلَبُوهُ مِنَ الإتْيانِ بِالمَلائِكَةِ لِيَشْهَدُوا بِصِدْقِ النَّبِيِّ  مِمّا لا يَكُونُ لَهم لِأنَّ ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُنا وجَرَتْ بِهِ عادَتُنا مَعَ أمْثالِهِمْ لَيْسَ إلّا التَّنْزِيلُ بِالهَلاكِ دُونَ الشَّهادَةِ فَإنَّ الحِكْمَةَ لا تَقْتَضِيهِ والعادَةُ لَمْ تَجْرِ فِيهِ لِأنَّهُ إنْ كانَ والمَلائِكَةُ بِصُوَرِهِمُ الحَقِيقِيَّةِ لَمْ يَحْصُلِ الإيمانُ بِالغَيْبِ ولَمْ يَتَحَقَّقِ الِاخْتِيارُ الَّذِي هو مَدارُ التَّكْلِيفِ وإنْ كانَ وهم بِصُوَرِ البَشَرِ حَصَلَ اللَّبْسُ فَكانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، ويُمْنَعُ مِنَ التَّنْزِيلِ بِالهَلاكِ كَما فُعِلَ مَعَ أضْرابِهِمْ مِنَ المُعانِدِينَ أنّا جَعَلْناهم مُنْظَرِينَ فَلَوْ نَزَّلْنا المَلائِكَةَ وأهْلَكْناهم عادَ ذَلِكَ بِالنَّقْضِ لِما أبْرَمْناهُ حَسْبَما نَعْلَمُ فِيهِ مِنَ الحِكَمِ، وقِيلَ: في تَوْجِيهِ الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ اقْتِراحِهِمْ لِإتْيانِ المَلائِكَةِ لِتَعْذِيبِهِمْ: إنَّ المَعْنى إنّا ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ لِلتَّعْذِيبِ إلّا تَنْزِيلًا مُلْتَبِسًا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ولَوْ نَزَّلْناهم حَسْبَما اقْتَرَحُوا ما كانَ ذَلِكَ مُلْتَبِسًا بِما تَقْتَضِيهِ لِأنَّها اقْتَضَتْ تَأْخِيرَ عَذابِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وحَيْثُ كانَ في نِسْبَةِ تَنْزِيلِهِمْ لِلتَّعْذِيبِ إلى عَدَمِ مُوافَقَةِ الحِكْمَةِ نَوْعُ إيهامٍ لِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمُ التَّعْذِيبَ عَدَلَ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ إلى ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ نَزَّلْناهم ما كانُوا مُنْظَرِينَ وذَلِكَ غَيْرُ مُوافِقٍ لِلْحِكْمَةِ، فَتَدَبَّرْ جَمِيعَ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، هَذا ولَفْظَةُ ( إذًا ) قالَ في الكَشّافِ: جَوابٌ وجَزاءٌ لِأنَّ الكَلامَ جَوابٌ لَهم وجَزاءٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ ولَوْ نَزَّلَنا، وصَرَّحَ بِإفادَتِها هَذا المَعْنى سِيبَوَيْهِ إلّا أنَّ الشُّلُوبِينَ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى الدَّوامِ وتَكَلَّفَ لَهُ، وأبُو عَلِيٍّ عَلى الغالِبِ، وقَدْ تَتَمَحَّضُ لِلْجَوابِ عِنْدَهُ، وهي حَرْفٌ بَسِيطٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها اسْمُ ظَرْفٍ وأصْلُها إذا الظَّرْفِيَّةُ لَحِقَها التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنَ الجُمْلَةِ المُضافِ إلَيْها ونُقِلَتْ إلى الجَزائِيَّةِ فَبَقِيَ فِيها مَعْنى الرَّبْطِ والسَّبَبِ وذَهَبَ الخَلِيلُ إلى أنَّها حَرْفٌ تَرَكَّبَ مِن إذْ وإنْ وغَلَبَ عَلَيْها حُكْمُ الحَرْفِيَّةِ ونُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى الذّالِ ثُمَّ حُذِفَتْ والتُزِمَ هَذا النَّقْلُ فَكانَ المَعْنى إذا قالَ القائِلُ أزُورُكَ فَقُلْتَ إذًا أزُورُكَ قُلْتُ حِينَئِذٍ زِيارَتِي واقِعَةٌ ولا يُتَكَلَّمُ بِهَذا.

وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ المَجِيدِ الزَّيْدِيُّ إلى أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن إذا وإنْ وكِلاهُما يُعْطِي ما يُعْطِي كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما فَيُعْطِي الرَّبْطَ كَإذا والنَّصْبَ كانَ ثُمَّ حُذِفَتْ هَمْزَةُ إنْ ثُمَّ ألِفُ إذا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَوْ قُدِّرَ في الكَلامِ شَرْطٌ كانَتْ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، وجَعَلُوا مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ إنَّكَ إذًا ﴾ إلَخْ، ونُقِلَ عَنَ الكافِيجِيِّ أنَّهُ قالَ في مِثْلِ ذَلِكَ: لَيْسَتْ إذًا هَذِهِ الكَلِمَةَ المَعْهُودَةَ وإنَّما هي إذا الشَّرْطِيَّةُ حُذِفَتْ جُمْلَتُها الَّتِي تُضافُ إلَيْها وعَوَّضَ عَنْها التَّنْوِينُ كَما في يَوْمِئِذٍ، ولَهُ سَلَفٌ في ذَلِكَ فَقَدْ قالَ الزَّرْكَشِيُّ في البُرْهانِ بَعْدَ ذِكْرِهِ: لِإذا مَعْنَيَيْنِ وذَكَرَ لَها بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مَعْنًى ثالِثًا وهو أنْ تَكُونَ مُرَكَّبَةً مِن إذا الَّتِي هي ظَرْفُ زَمانٍ ماضٍ ومِن جُمْلَةٍ بَعْدِها تَحْقِيقًا أوْ تَقْدِيرًا لَكِنَّها حُذِفَتْ تَخْفِيفًا وأُبْدِلَ مِنها التَّنْوِينُ كَما في قَوْلِهِمْ حِينَئِذٍ، ولَيْسَتْ هَذِهِ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ لِأنَّ تِلْكَ تَخْتَصُّ بِهِ وهَذِهِ لا بَلْ تَدْخُلُ عَلى الماضِي نَحْوَ ﴿ إذًا لأمْسَكْتُمْ ﴾ وعَلى الِاسْمِ نَحْوَ ﴿ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ ثُمَّ قالَ: وهَذا المَعْنى لَمْ يَذْكُرْهُ النَّحْوِيُّونَ لَكِنَّهُ قِياسُ ما قالُوهُ في إذْ، وفي التَّذْكِرَةِ لِأبِي حَيّانَ ذَكَرَ لِي عَلَمُ الدِّينِ أنَّ القاضِيَ تَقِيَّ الدِّينِ بْنَ رَزِينٍ كانَ يَذْهَبُ إلى أنَّ تَنْوِينَ إذًا عِوَضٌ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ ولَيْسَ قَوْلَ نَحْوِيٍّ، وقالَ الجَوْنِيُّ: وأنا أظُنُّ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ لِمَن قالَ: أنا آتِيكَ إذًا أُكْرِمُكَ بِالرَّفْعِ عَلى مَعْنى إذا أتَيْتَنِي أُكْرِمُكَ فَحُذِفَتْ أتَيْتَنِي وعَوَّضَتِ التَّنْوِينُ فَسَقَطَتِ الألِفُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ والنَّصْبُ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ النُّحاةُ لِحَمْلِها عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى وهو لا يَنْفِي الرَّفْعَ إذا أُرِيدَ بِها ما ذُكِرَ.

وذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أنَّ الإجْماعَ في القُرْآنِ عَلى كِتابَتِها بِالألِفِ والوَقْفِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّها اسْمٌ مُنَوَّنٌ لا حَرْفٌ آخِرُهُ نُونٌ خُصُوصًا إذا لَمْ تَقَعْ ناصِبَةً لِلْمُضارِعِ، فالصَّوابُ إثْباتُ هَذا المَعْنى لَها كَما جَنَحَ إلَيْهِ شَيْخُنا الكافِيجِيُّ ومَن سَبَقَ النَّقْلُ عَنْهُ، وعَلى هَذا فالأوْلى حَمَلُها في الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ، وقَدْ ذَكَرْنا فِيما مَضى بَعْضًا مِن هَذا الكَلامِ فَتَذَكَّرْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَدَّ إنْكارَهُمُ التَّنْزِيلَ واسْتِهْزاءَهم بِرَسُولِ اللَّهِ  وسَلّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ ﴾ أيْ نَحْنُ بِعَظْمِ شَأْنِنا وعُلُوِّ جانِبِنا نَزَّلْنا الَّذِي أنْكَرُوهُ وأنْكَرُوا نُزُولَهُ عَلَيْكَ وقالُوا فِيكَ لادِعائِهِ ما قالُوا وعَمِلُوا مُنَزِّلَهُ حَيْثُ بَنَوُا الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ إيماءً إلى أنَّهُ أمْرٌ لا مَصْدَرَ لَهُ وفِعْلٌ لا فاعِلَ لَهُ ﴿ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ أيْ مِن كُلِّ ما يَقْدَحُ فِيهِ كالتَّحْرِيفِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ وغَيْرِ ذَلِكَ حَتّى إنَّ الشَّيْخَ المَهِيبَ لَوْ غَيَّرَ نُقْطَةً يَرُدُّ عَلَيْهِ الصِّبْيانُ ويَقُولُ لَهُ مَن كانَ: الصَّوابُ كَذا ويَدْخُلُ في ذَلِكَ اسْتِهْزاءُ أُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ وتَكْذِيبُهم إيّاهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ومَعْنى حِفْظِهِ مِن ذَلِكَ عَدَمُ تَأْثِيرِهِ فِيهِ وذَبُّهُ عَنْهُ، وقالَ الحَسَنُ: حِفْظُهُ بِإبْقاءِ شَرِيعَتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يُرادَ حِفْظُهُ بِالإعْجازِ في كُلِّ وقْتٍ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مِن كُلِّ زِيادَةٍ ونُقْصانٍ وتَحْرِيفٍ وتَبْدِيلٍ، ولَمْ يَحْفَظْ سُبْحانَهُ كِتابًا مِنَ الكُتُبِ كَذَلِكَ بَلِ اسْتَحْفَظَها جَلَّ وعَلا الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارَ فَوَقَعَ فِيها ما وقَعَ وتَوَلّى حِفْظَ القُرْآنِ بِنَفْسِهِ سُبْحانَهُ فَلَمْ يَزَلْ مَحْفُوظًا أوَّلًا وآخِرًا، وإلى هَذا أشارَ في الكَشّافِ ثُمَّ سَألَ بِما حاصِلُهُ أنَّ الكَلامَ لَمّا كانَ مَسُوقًا لِرَدِّهِمْ وقَدْ تَمَّ الجَوابُ بِالأوَّلِ فَما فائِدَةُ التَّذْيِيلِ بِالثّانِي؟

وإنَّما يَحْسُنُ إذا كانَ الكَلامُ مَسُوقًا لِإثْباتِ مَحْفُوظِيَّةِ الذِّكْرِ أوَّلًا وآخِرًا، وأجابَ بِأنَّهُ جِيءَ بِهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ وأُدْمِجَ فِيهِ المَعْنى المَذْكُورُ أما ما هو أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى آيَةً، فالأوَّلُ وإنْ كانَ رَدًّا كانَ كَمُجَرَّدِ دَعْوى فَقِيلَ ولَوْلا أنَّ الذِّكْرَ مِن عِنْدِنا لَما بَقِيَ مَحْفُوظًا عَنِ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ كَما سِواهُ مِنَ الكَلامِ، وذَلِكَ لِأنَّ نَظْمَهُ لَمّا كانَ مُعْجِزًا لَمْ يُمْكِنْ زِيادَةٌ عَلَيْهِ ولا نَقْصٌ لِلْإخْلالِ بِالإعْجازِ كَذا في الكَشْفِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى وجْهِ العَطْفِ وهو ظاهِرٌ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الإعْجازَ لا يَكُونُ سَبَبًا لِحِفْظِهِ عَنْ إسْقاطِ بَعْضِ السُّوَرِ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَخِلُّ بِالإعْجازِ كَما لا يَخْفى، فالمُخْتارُ أنَّ حِفْظَ القُرْآنِ وإبْقاءَهُ كَما نَزَلَ حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى بِالإعْجازِ وغَيْرِهِ مِمّا شاءَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ومِن ذَلِكَ تَوْفِيقُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لِجَمْعِهِ حَسْبَما عَلِمْتَهُ أوَّلَ الكِتابِ.

واحْتَجَّ القاضِي بِالآيَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ بَعْضٍ مِنَ الإمامِيَّةِ لا يُعْبَأُ بِهِمْ إنَّ القُرْآنَ قَدْ دَخَلَهُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ، وضَعَّفَهُ الإمامُ بِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى إثْباتِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ لِأنَّ لِلْقائِلِينَ بِذَلِكَ أنْ يَقُولُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن جُمْلَةِ الزَّوائِدِ ودَعْوى الإعْجازِ في هَذا المِقْدارِ لا بُدَّ لَها مِن دَلِيلٍ.

واحْتَجَّ بِها القائِلُونَ بِحُدُوثِ الكَلامِ اللَّفْظِيِّ وهي ظاهِرَةٌ فِيهِ ومِنِ العَجَبِ ما نَقَلَهُ عَنْ أصْحابِهِ حَيْثُ قالَ: قالَ أصْحابُنا في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى كَوْنِ البَسْمَلَةِ آيَةً مِن كُلِّ سُورَةٍ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ وعَدَ حِفْظَ القُرْآنِ والحِفْظُ لا مَعْنى لَهُ إلّا أنْ يَبْقى مَصُونًا مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ فَلَوْ لَمْ تَكُنِ البَسْمَلَةُ آيَةً مِنَ القُرْآنِ لَما كانَ مَصُونًا عَنِ التَّغْيِيرِ ولَما كانَ مَحْفُوظًا عَنِ الزِّيادَةِ، ولَوْ جازَ أنْ يُظَنَّ بِالصَّحابَةِ أنَّهم زادُوا لَجازَ أنْ يُظَنَّ بِهِمْ أنَّهم نَقَّصُوا وذَلِكَ يُوجِبُ خُرُوجَ القُرْآنِ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً اه، ولَعَمْرِي إنَّ تَسْمِيَةَ مِثْلِ هَذا بِالخَبالِ أوْلى مِن تَسْمِيَتِهِ بِالِاسْتِدْلالِ، ولا يَخْفى ما في سَبْكِ الجُمْلَتَيْنِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ الكِبْرِياءِ والجَلالَةِ وعَلى فَخامَةِ شَأْنِ التَّنْزِيلِ، وقَدِ اشْتَمَلَتا عَلى عِدَّةٍ مِن وُجُوهِ التَّأْكِيدِ ( ونَحْنُ ) لَيْسَ فَصْلًا لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ اسْمَيْنِ وإنَّما هو إمّا مُبْتَدَأٌ أوْ تَوْكِيدٌ لِاسْمِ إنَّ، ويُعْلَمُ مِمّا قَرَّرْنا أنَّ ضَمِيرَ ( لَهُ ) لِلذِّكْرِ وإلَيْهِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والأكْثَرُونَ وهو الظّاهِرُ، وجَوَّزَ الفَرّاءُ وذَهَبَ إلَيْهِ النَّزْرُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى النَّبِيِّ  أيْ وإنّا لِلنَّبِيِّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ لَحافِظُونَ مِن مَكْرِ المُسْتَهْزِئِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ﴾ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ، وأُخِّرَ هَذا الجَوابُ مَعَ أنَّهُ رَدٌّ لِأوَّلِ كَلامِهِمُ الباطِلِ لِما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ ولِارْتِباطِهِ بِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ يعني: أهل قرية إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ أي: أجلاً مؤقتاً، ووقتاً معروفاً مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها يعني: لا يموت أحد قبل أجله وَما يَسْتَأْخِرُونَ بعد أجلهم طرفة عين.

وَقالُوا يعني: أهل مكة يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ أي: الذي يزعم أنه ينزل عليه القرآن إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ نزلت في عبد الله بن أُمية لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ يعني: هلّا تأتينا بالملائكة، فتخبرنا بأنك رسول الله إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ بأنك نبي مرسل، وإن العذاب نازل بنا.

قال الله تعالى: مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ أي: بالوحي والعذاب وبقبض الأرواح، وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ يعني: إذا نزلت عليهم الملائكة، لا يؤجلون بعد نزول الملائكة.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: مَا نُنَزِّلُ بالنون، وتشديد الزاي، ونصب الْمَلائِكَةَ من قولك: نزل ينزل.

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر مَا تُنَزَّلَ بالتاء، والضم، ونصب الزاي مع التشديد، على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

وقرأ الباقون مَا تُنَزَّلَ بنصب التاء، وتشديد الزاي، فجعل الفعل للملائكة.

ثم قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ أي: القرآن وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ يعني: القرآن، ويقال: محمدا  من القتل.

وقال قتادة: يعني: القرآن يحفظه الله تعالى، من أن يزيد فيه الشيطان باطلاً، أو يبطل منه حقّا.

وكذلك قال مقاتل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ...

الآية: وعيدٌ وتهديدٌ، وما فيه من المهادنة منسوخٌ بآية السيْف، وروى ابنُ المُبارَك في «رقائقه» ، قال: أخبرنا الأوزاعيُّ عن عُرْوَةَ بن رُوَيْمٍ، قال: قال رسول الله/ صلّى الله عليه وسلّم: «شِرَارُ أُمَّتِي الَّذِينَ وُلِدُوا في النَّعِيم، وغُذُوا به، هِمَّتُهُمْ أَلْوَانُ الطَّعَامِ، وَأَلْوَانُ الثِّيَابِ، يَتَشَدَّقُونَ بِالْكَلاَمِ» .

انتهى «١» .

وقوله: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: وعيدٌ ثانٍ، وحكى الطبريُّ «٢» عن بعض العلماء أنه قال: الأولُ في الدنيا، والثَّاني في الآخرة، فكيف تَطِيبُ حياةٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الوعِيدَيْنِ.

وقوله: وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ: أي: يشغلهم أملهم في الدنيا، والتزيُّد منها.

قال عبدُ الحَقِّ في «العَاقِبة» : اعلم رحمك اللَّه أنَّ تقصير الأمل مَعَ حُبِّ الدنيا متعذر، وانتظار المَوْتِ مع الإِكباب عَلَيْها غَيْرُ مُتَيَسِّر، ثم قال: واعلم أنَّ كثرة الاشتغال بالدنْيَا والمَيْلَ بالكلِّية إِليها، وَلَذَّةَ أمانيِّها تمنَعُ مرارةَ ذكْرِ المَوْت أَنْ تَرِدَ على القلْب، وأنْ تَلِجَ فيه لأن القَلْبَ إِذا امتلأ بشَيْءٍ، لم يكُنْ لشيءٍ آخر فيه مَدْخَلٌ، فإِذا أَرَادَ صاحبُ هذا القَلْبِ سَمَاعَ الحِكْمَة، والانتفاع بالموعظة، لم يكُنْ لهُ بُدٌّ من تفريقه، لِيَجِدَ الذَكْرُ فيه منزلاً، وتُلْفِيَ الموعظةُ فيه محلاًّ قابلاً، قال ابن السَّماك رحمه اللَّه: إِن الموتَى لَمْ يبْكُوا من الموت لكنهم بَكَوْا مِنْ حَسْرة الفوت، فَاتَتْهُمْ واللَّهِ، دَارٌ لَمْ يتزوَّدوا منها ودخلوا داراً لم يتزوَّدوا لها.

انتهى.

وإِنما حصل لهم الفَوْتُ بسبب استغراقهم في الدنيا، وطولِ الأمل المُلْهِي عن المعادِ، ألهمنا اللَّه رُشْدَنَا بمَنِّه.

وقوله سبحانه: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ ...

الآية: أي: فلا تستبطئَنَّ هلاكَهُم، فليس مِنْ قريةٍ مُهْلَكَةٍ إِلا بأَجَلٍ، وكتابٍ معلوم محدود.

وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ...

الآية: القائلون هذه المقالة هم كفّار قريش، و «لو ما» بمعنى: لولا، فتكون تحضيضاً كما هي في هذه الآية، وفي البخاريّ:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ ﴾ مِن عادَةِ المُلُوكِ إذا فَعَلُوا شَيْئًا، قالَ أحَدُهم: نَحْنُ فَعَلْنا، يُرِيدُ نَفْسَهُ وأتْباعَهُ، ثُمَّ صارَ هَذا عادَةً لِلْمَلِكِ في خِطابِهِ، وإنِ انْفَرَدَ بِفِعْلِ الشَّيْءِ، فَخُوطِبَتِ العَرَبُ بِما تَعْقِلُ مِن كَلامِها.

والذِّكْرُ: القُرْآنُ، في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ.

وَفِي هاءِ " لَهُ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الذِّكْرِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

قالَ قَتادَةُ: أنْزَلَهُ اللَّهُ ثُمَّ حَفَظَهُ، فَلا يَسْتَطِيعُ إبْلِيسٌ أنْ يَزِيدَ فِيهِ باطِلًا، ولا يُنْقِصَ مِنهُ حَقًّا.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ  ، فالمَعْنى: ﴿ وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ مِنَ الشَّياطِينِ والأعْداءِ، لِقَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ ، هَذا قَوْلُ ابْنِ السّائِبِ، ومُقاتِلٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ ﴿ لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ ﴿ ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ ﴾ ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" يُرادُ بِهِ كُفّارُ قُرَيْشٍ، ويُرْوى أنَّ القائِلِينَ كانُوا: عَبْدَ اللهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ، والنَضِرَ بْنَ الحارِثِ وأشْباهَهُما، وقَرَأ الأعْمَشُ: "يا أيُّها الَّذِي أُلْقِيَ إلَيْهِ الذِكْرُ".

وقَوْلُهُمْ: ﴿ يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ ﴾ كَلامٌ عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ، أيْ بِزَعْمِكَ ودَعْواكَ، وهَذِهِ المُخاطَبَةُ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ جاهِلٍ أرادَ أنْ يَتَكَلَّمَ فِيما لا يُحْسِنُ: يا أيُّها العالَمُ لا تُحْسِنُ تَتَوَضَّأُ.

و"لَوْما" بِمَعْنى "لَوْلا" فَتَكُونُ تَحْضِيضًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ تَكُونُ دالَّةً عَلى امْتِناعِ شَيْءٍ لِوُجُوبِ غَيْرِهِ، كَما قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: لَوْلا الحَياءُ ولَوْما الدِينُ عِبْتُكُما ∗∗∗ بِبَعْضِ ما فِيكُما إذْ عِبْتُما عَوَرِي وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "ما تَنْزِلُ المَلائِكَةُ" بِفَتْحِ التاءِ والرَفْعِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ إلّا أنَّهُ ضَمَّ التاءَ، وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ وثّابٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: "نُنَزِّلُ" بِنُونِ العَظَمَةِ "المَلائِكَةَ" نَصْبًا، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: بِالرِسالَةِ والعَذابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ أنَّ مَعْناهُ: كَما يَجِبُ ويَحِقُّ مِنَ الوَحْيِ والمَنافِعِ الَّتِي أراها اللهُ لِعِبادِهِ، لا عَلى اقْتِراحِ كافِرٍ، ولا بِاخْتِيارِ مُعْتَرِضٍ.

ثُمَّ ذَكَرَ عادَةَ اللهِ في الأُمَمِ مِن أنَّهُ لَمْ يَأْتِهِمْ بِآيَةِ اقْتِراحٍ إلّا ومَعَها العَذابُ في أثَرِها إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وكَأنَّ الكَلامَ: ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِحَقٍّ وواجِبٍ لا بِاقْتِراحِكُمْ، وأيْضًا فَلَوْ نَزَلَتْ لَمْ يُنْظَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِالعَذابِ، أيْ: لَمْ يُؤَخِّرُوا، والنَظِرَةُ: التَأْخِيرُ، والمَعْنى: فَهَذا لا يَكُونُ إذْ كانَ في عِلْمِ اللهِ أنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ، أو يَلِدُ مَن يُؤْمِنُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِكْرَ ﴾ رَدٌّ عَلى المُسْتَخِفِّينَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ ﴾ ، وهَذا كَما يَقُولُ لَكَ رَجُلٌ عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ: "يا عَظِيمَ القَدْرِ"، فَتَقُولُ لَهُ عَلى جِهَةِ الرَدِّ والنَجْهِ: نَعَمْ أنا عَظِيمُ القَدْرِ، ثُمَّ تَأْخُذُ في قَوْلِكَ، فَتَأمَّلْهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، أيْ: نَحْفَظُهُ مِن أذاكُمْ، ونَحُوطُهُ مِن مَكْرِكم وغَيْرِهِ، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ ولَمْ يَنْسِبْهُ، وفي ضِمْنِ هَذِهِ العُدَّةِ كانَ رَسُولُ اللهِ  حَتّى أظْهَرَ اللهُ بِهِ الشَرْعَ وحانَ أجْلُهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهِيَ الأكْثَرُ-: الضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وقالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والمَعْنى: لَحافِظُونَ مِن أنْ يُبَدَّلَ أو يُغَيَّرَ كَما جَرى في سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وفي آخِرِ ورَقَةٍ مِنَ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ التَبْدِيلَ فِيها إنَّما كانَ في التَأْوِيلِ، وأمّا في اللَفْظِ فَلا، وظاهِرُ آياتِ القُرْآنِ أنَّهم بَدَّلُوا اللَفْظَ، ووَضْعُ اليَدِ عَلى آيَةِ الرَجْمِ هو في مَعْنى تَبْدِيلِ الألْفاظِ.

وقِيلَ: لَحافِظُونَ بِاخْتِزانِهِ في صُدُورِ الرِجالِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وقالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ ﴾ الآيَةُ، تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وعَرْضُ أُسْوَةٍ، أيْ: لا يَضِيقُ صَدْرُكَ يا مُحَمَّدُ بِما يَفْعَلُهُ قَوْمُكَ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنّا إرْسالُ الرُسُلِ في شِيَعِ الأوَّلِينَ، وكانَتْ تِلْكَ سِيرَتُهم في الِاسْتِهْزاءِ بِالرُسُلِ، و"الشِيَعُ" جَمْعُ شِيعَةٍ، وهي الفِرْقَةُ التابِعَةُ لِرَأْسٍ، إمّا مَذْهَبٌ أو رَجُلٌ أو نَحْوَهُ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: شَيَّعْتُ النارَ إذا اسْتَدَمْتُ وقَدَها بِحَطَبٍ أو غَيْرِهِ، فَكَأنَّ الشِيعَةَ تَصِلُ أمْرَ رَأْسِها وتُظْهِرُهُ وتَمُدُّهُ بِمَعُونَةٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ ﴾ تَقْتَضِي "رُسُلًا"، ثُمَّ اخْتَصَرَ ذِكْرَهم لِدَلالَةِ ظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ عَلى ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي لإبطال جزء من كلامهم المستهزئين به، إذ قالوا: ﴿ يأيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ [سورة الحجر: 6]، بعد أن عجل كشف شبهتهم في قولهم: ﴿ لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ﴾ [سورة الحجر: 7].

جاء نشر الجوابين على عكس لفّ المقالين اهتماماً بالابتداء بردّ المقال الثاني بما فيه من الشبهة بالتعجيز والإفحام، ثم ثُني العنان إلى ردّ تعريضهم بالاستهزاء وسؤال رؤية الملائكة.

وكان هذا الجواب من نوع القول بالموجب بتقرير إنزال الذكر على الرسول مجاراة لظاهر كلامهم.

والمقصود الردّ عليهم في استهزائهم، فأكد الخبر بإنا } وضمير الفصل مع موافقته لما في الواقع كقوله: ﴿ قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ﴾ [سورة المنافقون: 1].

ثم زاد ذلك ارتقاء ونكاية لهم بأن منزل الذكر هو حافظه من كيد الأعداء؛ فجملة وإنا له لحافظون} معترضة، والواو اعتراضية.

والضمير المجرور باللام عائد إلى ﴿ الذكر ﴾ ، واللام لتقوية عمل العامل لضعفه بالتأخير عن معموله.

وشمل حفظه الحفظ من التلاشي، والحفظ من الزيادة والنقصان فيه، بأن يسّر تواتره وأسباب ذلك، وسلّمه من التبديل والتغيير حتى حفظته الأمّة عن ظهور قلوبها من حياة النبي صلى الله عليه وسلم فاستقرّ بين الأمّة بمسمع من النبي صلى الله عليه وسلم وصار حفّاظه بالغين عدد التواتر في كل مصر.

وقد حكى عياض في «المدارك»: أن القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد المالكي البصري سئل عن السرّ في تطرق التغيير للكتب السالفة وسلامة القرآن من طرق التغيير له.

فأجاب بأن الله أوكل للأحبار حفظ كتبهم فقال: ﴿ بما استحفظوا من كتاب الله ﴾ [سورة المائدة: 44] وتولى حفظ القرآن بذاته تعالى فقال: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } .

قال أبو الحسن بن المُنْتَاب ذكرت هذا الكلام للمَحَامِلي فقال لي: لا أحسنَ من هذا الكلام.

وفي تفسير «القرطبي» في خبر رواه عن يحيى بن أكثم: أنه ذكر قصة إسلام رجل يهودي في زمن المأمون، وحدث بها سفيان بن عيينة فقال سفيان: قال الله في التوراة والإنجيل ﴿ بما استحفظوا من كتاب الله ﴾ فجعل حفظه إليهم فضاع.

وقال عز وجل: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ فحفظه الله تعالى علينا فلم يضع» ا ه.

ولعل هذا من توارد الخواطر.

وفي هذا مع التنويه بشأن القرآن إغاظة للمشركين بأن أمر هذا الدين سيتم وينتشر القرآن ويبقى على ممرّ الأزمان.

وهذا من التحدّي ليكون هذا الكلام كالدليل على أن القرآن منزّل من عند الله آية على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه لو كان من قول البشر أو لم يكن آية لتطرّقت إليه الزيادة والنقصان ولاشتمل على الاختلاف، قال تعالى: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ﴾ [سورة النساء: 82].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلا بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إلّا بِالقُرْآنِ، قالَهُ القاسِمُ.

الثّانِي: إلّا بِالرِّسالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: إلّا بِالقَضاءِ عِنْدَ المَوْتِ لِقَبْضِ أرْواحِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: إلّا بِالعَذابِ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ وَما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ ﴾ أيْ مُؤَخَّرِينَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ ﴾ قالَ الحَسَنُ والضَّحّاكُ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وإنّا لِمُحَمَّدٍ حافِظُونَ مِمَّنْ أرادَهُ بِسُوءٍ مِن أعْدائِهِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

الثّانِي: وإنّا لِلْقُرْآنِ لَحافِظُونَ.

وَفي هَذا الحِفْظِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: حَفِظَهُ حَتّى يُجْزى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: حَفِظَهُ مِن أنْ يَزِيدَ فِيهِ الشَّيْطانُ باطِلًا، أوْ يُزِيلَ مِنهُ حَقًّا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: إنّا لَهُ لَحافِظُونَ في قُلُوبِ مَن أرَدْنا بِهِ خَيْرًا، وذاهِبُونَ بِهِ مِن قُلُوبِ مَن أرَدْنا بِهِ شَرًّا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ قال: القرآن.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن ابن جرير في قوله: ﴿ لو ما تأتينا بالملائكة ﴾ قال: ما بين ذلك إلى قوله: ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء ﴾ قال وهذا من التقديم والتأخير ﴿ فظلوا فيه يعرجون ﴾ أي فظلت الملائكة تعرج، فنظروا إليه ﴿ لقالوا إنما سكرت أبصارنا ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ما ننزل الملائكة إلا بالحق ﴾ قال بالرسالة والعذاب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وما كانوا إذاً منظرين ﴾ قال: وما كانوا لو تنزلت الملائكة بمنظرين من أن يعذبوا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ قال: عندنا.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ وقال في آية آخرى ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ [ فصلت: 42] والباطل إبليس.

قال: فأنزله الله ثم حفظه، فلا يستطيع إبليس أن يزيد فيه باطلاً ولا ينقص منه حقاً، حفظه الله من ذلك والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ﴾ قال ابن عباس: يريد نفسه تبارك وتعالى.

قال أهل اللغة: هذا من كلام الملوك؛ الواحد منهم إذا فعل شيئًا قال: نحن فعلنا، يريد نفسه وأتباعه، ثم صار هذا عادة للملوك في الخطاب، وإن انفرد بفعل الشيء قال: نحن فعلنا، فخوطبت العرب بما تفعل من كلامها (١) وقوله تعالى: ﴿ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ﴾ يعني القرآن في قول عامة المفسرين (٢) ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ قال قتادة: أنزله الله وحفظه من أن يزيد الشيطان فيه باطلاً أو يسقط منه حقًا (٣) ونحو هذا قال أبو إسحاق: أن يحفظ من أن يقع فيه زيادة أونقصان، كما قال عز وجل: ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ (٤) فإن قيل: لم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في الصحف، وقد وعد الله حفظه، وما حفظه الله (٥) الجواب أن يقال: جَمْعُهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله إياه، ولما أراد حفظه قيضهم لذلك، وقال ابن الأنباري: إنهم أرادوا تسهيل القرآن على الناس وتقريب مطلبه بالذي فعلوه، لكي يَسْهُلَ تناولُه على من أراد حفظه وقراءته إذا رأه مجموعًا في صحيفة، ولو لم يفعلوا ما كان يضيع إذ (٦) قال أصحابنا: هذه الآية دلالة قوية على كون التسمية آية من كل سورة (٧)  - المعنى: وإنا لمحمد حافظون (٨) قال ابن الأنباري: ولمّا ذَكر الإنزالَ والمُنزَلَ دلَّ ذلك على المُنزَلِ عليه، فكنّى عنه كما كنّى عن القرآن في قوله: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ  ﴾ من غير أن يتقدم ذكرُه لمثل هذه العلة، وقال: والقول الأول هو أوضح القولين، وأحسنها مشابهة لظاهر التنزيل، والله أعلم.

(١) "تفسير ابن الجوزي" 4/ 384.

(٢) ورد بنصه في: "تفسير الطبري" 14/ 7، و"تفسير السمرقندي" 2/ 215، والماوردي 3/ 149، و"تفسير البغوي" 3/ 44، وابن الجوزي 4/ 384.

(٣) أخرجه عبد الرزاق 2/ 345 بنصه، والطبري 14/ 8 بنصه، وورد بنصه تقريبًا في: "تفسير السمرقندي" 2/ 215، والطوسي 6/ 320، والماوردي 3/ 149، وانظر: و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 384، و"تفسير القرطبي" 10/ 5، و"الدر المنثور" 4/ 175 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 174 بنصه.

(٥) (وما حفظه الله) ساقط من (أ)، (د) والمثبت من (ش)، (ع).

(٦) في (أ)، (د): (إن)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح.

(٧) بين العلماء في مسألة البسملة اتفاق واختلاف، اتفقوا جميعاً على أنها جزء من آية سورة النمل، واختلفوا هل هي آية من الفاتحة ومن كل سورة أم لا؟

على ثلاثة أقوال؛ طرفان ووسط: فذهب الحنفية إلى أنها آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور، وليست من الفاتحة، وذهب المالكية إلى أنها ليست آية لا من الفاتحة ولا من بداية السور، وذهب الشافعية إلى أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، وهو ما أشار إليه الواحدي رحمه الله، واختلفت الرواية عن أحمد؛ فرويت عنه الأقوال الثلاثة كما في "المغني" 2/ 151 - 152، وما ذكره الحنفية أرجح وتجتمع عنده الأدلة.

انظر: تفصيل المسألة مع أدلة كل فريق في: "تفسير الجصاص" 1/ 8، وابن العربي 1/ 2، والفخر الرازي 1/ 194، و"تفسير القرطبي" 1/ 93، والألوسي 1/ 39، "تفسير آيات الأحكام" للصابوني 1/ 47.

(٨) "معاني القرآن" للفراء 2/ 85 بنصه، انظر: "تفسير الطبري" 14/ 7، والسمرقندي 2/ 215، و"تفسير البغوي" 4/ 370.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون ﴾ الذكر هنا هو القرآن وفي قوله: إنا نحن نزلنا الذكر رداً لإنكارهم واستخفافهم في قولهم يا أيها الذي نزل عليه الذكر ولذلك أكده بنحن واحتج عليه بحفظه، ومعنى حفظه: حراسته عن التبديل والتغيير، كما جرى في غيره من الكتب، فتولى الله حفظ القرآن، فلم يقدر أحد على الزيادة فيه ولا النقصان منه، ولا تبديله بخلاف غيره من الكتب، فإن حفظها موكول إلى أهلها لقوله: ﴿ بِمَا استحفظوا مِن كتاب الله ﴾ [المائدة: 44] ﴿ فِى شِيَعِ الأولين ﴾ الشيع: جمع شيعة وهي الطائفة التي تتشيع لمذهب أو رجل ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين ﴾ معنى نسلكه ندخله، والضمير في نسلكه يحتمل أن يكون للاستهزاء، الذي دل عليه قوله: به يستهزؤن، أو يكون للقرآن أي نسلكه في قلوبهم فيستهزئوا به، ويكون قوله: كذلك تشبيهاً للاستهزاء المتقدم، ولا يؤمنون به تفسيراً لوجه إدخاله في قلوبهم، والضمير في به للقرآن.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ربما ﴾ بفتح الباء مخففة: أبو جعفر ونافع وعاصم غير الشموني.

و ﴿ ربما ﴾ بضم الباء خفيفة: الشموني.

الباقون بالفتح والتشديد ﴿ ما ننزل ﴾ بالنون ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

﴿ ما تنزل ﴾ بضم التاء وفتح الزاي المشددة ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد الباقون مثله، ولكن بفتح التاء ﴿ ما تنزل ﴾ بالإدغام: البزي وابن فليح ﴿ سكرت ﴾ خفيفة: ابن كثير ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وخلف ﴿ صراط على ﴾ بكسر اللام ورفع الياء على النعت: يعقوب الآخرون ﴿ عليّ ﴾ جاراً ومجروراً ﴿ وعيون ﴾ بكسر العين: حمزة وعلي وابن كثير وابن ذكوان والأعشى ويحيى وحماد.

الباقون بضمها ﴿ نبىء عبادي ﴾ مثل نبئنا عبادي أني بالفتح فيهما: {أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

والآخرون بالإسكان.

الوقوف ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ وما يستأخرون ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه ط لأن التحضيض له صدر الكلام ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ منظرين ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يعرجون ﴾ ه ﴿ مسحورون ﴾ ه ﴿ للناظرين ﴾ لا ﴿ رجيم ﴾ لا ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ موزون ﴾ ه ﴿ برازقين ﴾ ه ﴿ خزائنه ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع الفصل بي معنيي الجمع في التقدير والتفريق في التنزيل.

﴿ فأسقيناكموه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال ﴿ بخازنين ﴾ ه ﴿ الوارثون ﴾ ه ﴿ المستأخرين ﴾ ه ﴿ يحشرهم ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ج لاتفاق الجملتين مع تقدم المفعول في الثانية ﴿ السموم ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ أجمعون ﴾ ه لا ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ مسنون ﴾ ه ﴿ رجيم ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ من المنظرين ﴾ لا ه ﴿ المعلوم ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ لا ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الغاوين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ أبواب ﴾ ط ﴿ مقسوم ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لإرادة القول بعده ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ متقابلين ﴾ ه ﴿ بمخرجين ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ لا ﴿ الأليم ﴾ ه.

التفسير قال جار الله: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآي والكتاب والقرآن المبين السورة.

وتنكير القرآن للتفخيم وقال آخرون: الكتاب والقرآن المبين هو الكتاب الذي وعد الله محمداً  والمعنى تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتاباً وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.

أما قوله ﴿ ربما يود ﴾ فذكر السكاكي أن فيه سبع لغات أخر بعد المشهورة: رب بالراء مضمومة، والباء مخففة مفتوحة أو مضمومة أم مسكنة، ورب بالراء مفتوحة والباء كذلك مشددة، وربة بالتاء مفتوحة والباء كذلك أي مفتوحة مخففة أو مشددة، وإنما دخل على المضارع مع أنه مختص بالماضي لأن المترقب فيأخبار الله بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه فكأنه قيل: ربما ود.

و"ما" هذه كافة أي تكف رب عن العمل فتتهيأ بذلك للدخول على الفعل.

وقيل: إن "ما" بمعنى شيء أي رب شيء يوده الذين كفروا.

ورب للتقليل فأورد عليه أن تمنيهم يكثر ويتواصل فما معنى التقليل؟

وأجيب بأنه على عادة العرب إذا أرادوا التكثير ذكروا لفظاً وضع لأجل التقليل كما إذا أرادوا اليقين ذكروا لفظاً وضع للشك.

والمقصود إظهار الترفع والاستغناء عن التصريح بالتعريض فيقولون: ربما ندمت على ما فعلت، ولعلك تندم على فعلك.

وإن كان العلم حاصلاً بكثرة الندم ووجوده بغير شك أرادوا لو كان الندم قليلاً أو مشكوكاً فيه لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل لأن العقلاء يتحرزون من الغم القليل كما يحذرون من الكثير، ومن الغم المظنون كما من المتيقن.

فمعنى الآية لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة كان جديراً بالمسارعة إليه فكيف وهو يودونه في كل ساعة.

وقوله ﴿ لو كانوا مسلمين ﴾ إخبار عن ودادتهم كقولك "حلف بالله ليفعلن".

ولو قيل "لو كنا مسلمين" جاز من حيث العربية كقولك "حلف بالله لأفعلن".

ومتى تكون هذه الودادة؟

قال الزجاج: إن الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب أو رأى أحوالاً من أحوال المسلم ود لو كان مسلماً.

وعلى هذا فقد قيل في وجه التقليل: إن العذاب يشغلهم عن كثير التمني فلذلك قلل.

وقال الضحاك: هي عند الموت إذا شاهد أمارات العذاب.

وقيل: إذا اسودت وجوههم.

روي عن النبي  "إذا كان يوم القيامة اجتمع أهل النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة.

فقال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟

قالوا: بلى قالوا: فما أغنى عنكم من إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟

فيغضب الله لهم فيأمر لكل من كان من أهل القبلة بالخروج فحينئذٍ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين.

وقرأ رسول الله  الآية" .

وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: ما يزال الله يرحم المؤمنين ويخرجهم من النار ويدخلهم الجنة بشفاعة الملائكة والأنبياء حتى إنه  في آخر الأمر يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة فهناك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴿ ذرهم ﴾ ظاهره أمر لرسول الله  بأنه يخليهم وشأنهم، فاحتجت الأشاعرة به على أنه  وتعالى قد يصد عن الإيمان ويفعل بالمكلف ما يكون مفسدة في الدين.

وقالت المعتزلة: ليس هذا إذناً وتجويزاً وإنما هو تهديد ووعيد وقطع طمع النبي عن ارعوائهم، وفيه أنهم من أهل الخذلان ولا يجيء منهم إلا ما هم فيه، ولا زاجر لهم ولا واعظ إلا معاينة ما ينذرون به حين لا ينفعهم الوعظ.

وفي الآية تنبيه على أن إيثار التلذذ والتمتع وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين ﴿ و ﴾ معنى ﴿ يلههم الأمل ﴾ يشغلهم الرجاء عن الإيمان والطاعة.

لهيت عن الشيء بالكسر ألهى لهياً إذا سلوت عنه وتركت ذكره وأضربت عنه.

وألهاني غيره.

عن أنس أن النبي  خط خطاً وقال: هذا الإنسان.

وخط آخر إلى جنبه وقال: هذا أجله.

وخط آخر بعيداً منه فقال: هذا الأمل.

فبينما هو كذلك إذا جاءه الأقرب ﴿ فسوف يعلمون ﴾ سوء صنيعهم مزيد تأكيد للتهديد.

ثم ذكر ما هو نهاية في الزجر والتحذير فقال ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب ﴾ أي مكتوب ﴿ معلوم ﴾ وهو أجلها الذي كتب في اللوح.

قال جار الله: قوله ﴿ ولها كتاب ﴾ جملة واقعة صفة لقرية والواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف.

وذكر السكاكي في المفتاح أن هذا سهو لأن الفصل بين الموصوف والصفة لا يجوز ولكن الجملة حال من قرية ومثل هذا جائز، ولو كان ذو الحال نكرة محضة كقولك "جاءني رجلٌ وعلى كتفه سيف" لعدم التباس الحال بالوصف لمكان الفاصلة بالواو، وكيف وقد زادت الفاصلة في الآية بكلمة ﴿ إلا ﴾ وذو الحال قريب من المعرفة إذ التقدير: وما أهلكنا قرية من القرى من قبل إفادة من الاستغراق.

قال قوم: المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان ينزله الله بالمكذبين المعاندين من الأمم السالفة.

وقال آخرون: أراد الموت والأول أقرب لأنه في الزجر أبلغ وكأنه قيل: إن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل فإن لكل أمة وقتاً معيناً في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر.

وقيل: أراد مجموع الأمرين.

قال صاحب النظم: إذا كان السبق واقعاً على شخص فمعناه جاز وخلف كقولك "سبق زيد عمراً" أي جازه وخلفه وأنه قصر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمان فعلى العكس كقولك "سبق فلان عام كذا" معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه.

فمعنى الآية أنه لا يحصل أجل أمة قبل وقته ولا بعده كما في كل حادث، وقد مر بحث الأجل في أول سورة الأنعام.

وأنث الأمة أولاً ثم ذكرها آخراً في قوله ﴿ وما يستأخرون ﴾ حملاً على اللفظ والمعنى، وحذف متعلق ﴿ يستأخرون ﴾ وهو عنه للعلم به.

ولما بالغ في تهديد الكفار شرع في تعديد بعض شبههم ومطاعنهم في النبي.

فالأولى أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون لأنهم كانوا يسمعون منه  .

ما لا يوافق آراءهم ولا يطابق أهواءهم وإنما نادوه ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ مع أنهم كانوا لا يقرون بنزول الوحي عليه تعكيساً للكلام استهزاءً وتهكماً، وأرادوا يا أيها الذين نزل عليه الوحي في زعمه واعتقاده وعند أصحابه وأتباعه، الثانية.

﴿ لو ما تأتينا بالملائكة ﴾ "لو ما" حرف تحضيض مركب من "لو" المفيدة للتمني ومن "ما" المزيدة، فأفاد المجموع الحث على الفعل الداخل هو عليه والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة ليشهدوا على صدقك ويعضدوك على إنذارك؟

والمراد هلا تأتينا بملائكة العذاب إن كنت صادقاً في أن تكذيبك يقتضي التعذيب العاجل؟

فأجاب الله  عن شبههم بقوله ﴿ ما ننزل الملائكة إلا بالحق ﴾ قالت المعتزلة: أي تنزيلاً متلبساً بالحكمة والمصلحة والغاية الصحيحة، ولا حكمة في أن تأتيكم عياناً فإن أمر التكليف حينئذٍ يؤول إلى الاضطرار والإلجاء، ولا فائدة تعود عليكم لأنه  يعلم إصراركم على الكفر فيصير إنزالهم عبثاً، أو لا حكمة في إنزالهم لأنهم لو نزلوا ثم لم تؤمنوا وجب عذاب الاستئصال وذلك قوله ﴿ وما كانوا إذاً منظرين ﴾ فإن التكليف يزول عند نزول الملائكة وقد علم الله من المصلحة أن لا يهلك هذه الأمة ويمهلهم لما علم من إيمان بعضهم أو إيمان أولادهم.

وقالت الأشاعرة: إلا بالحق أي إلا بالوحي أو العذاب.

قال صاحب النظم: لفظ "إذن" مركبة من "إذ" بمعنى "حين" ومن "أن" الدالة على مجيء فعل بعده، فخففت الهمزة بحذفها بعد نقل حركتها وكأنه قيل: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا.

وقال غيره: "إذن" جواب وجزاء تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذابهم.

ثم أنكر على الكفار استهزاءهم في قولهم ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ فقال على سبيل التوكيد ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر ﴾ ثم دل على كونه آي منزلة من عنده فقال ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ لأنه لو كان من قول البشر أو لم يكن آية لم يبق محفوظاً من التغيير والاختلاف.

وقيل: الضمير في ﴿ له ﴾ لرسول الله  كقوله ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ والقول الأول أوضح.

ووجه حفظ القرآن قيل: هو جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر حتى لو زادوا فيه شيئاً ظهر ذلك للعقلاء.

ولم يخف، فلذلك بقي مصوناً عن التحريف.

وقيل: حفظ بالدرس.

والبحث ولم يزل طائفة يحفظونه ويدرسونه ويكتبونه في القراطيس باحتياط بليغ وجد كامل حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن في حرف من كتاب الله لقال له بعض الصبيان: أخطأت.

ومن جملة إعجاز القرآن وصدقه أنه  أخبر عن بقائه محفوظاً عن التغيير والتحريف وكان كما أخبر بعد تسعمائة سنة فلم يبق للموحد شك في إعجازه.

وههنا نكتة هي أنه  تولى حفظ القرآن ولم يكله إلى غيره فبقي محفوظاً على مر الدهور بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم ووقع التحريف.

ثم ذكر أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء كذلك، والغرض تسلية النبي  .

وفي الكلام إضمار والتقدير ﴿ ولقد أرسلنا من قبلك ﴾ رسلاً إلا أنه حذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه.

ومعنى ﴿ في شيع الأولين ﴾ في أممهم وأتباعهم وقد مر معنى الشيعة في آخر "الأنعام" قال جار الله: معنى أرسلنا فيهم جعلناهم رسلاً فيما بينهم.

قال الفراء: إضافة الشيع إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى الصفة كقوله ﴿ حق اليقين  ﴾ و ﴿ بجانب الغربي  ﴾ وقوله ﴿ وما يأتيهم ﴾ حكاية حال ماضية.

وإنما كان الاستهزاء بالرسل عادة الجهلة في كل قرن لأن الفطام عن المألوف شديد وكون الإنسان مسخراً لأمر من هو مثله أو أقل حالاً منه في المال والجاه والقبول أشد، على أن السبب الكلي فيه هو الخذلان وعدم التوفيق من الله  ووقوعهم مظاهر القهر في الأزل.

قوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ السلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط.

وقالت الأشاعرة: الضمير في ﴿ نسلكه ﴾ يجب عوده إلى أقرب المذكورات وهو الاستهزاء الدال عليه ﴿ يستهزءُون ﴾ وأما الضمير في قوله ﴿ لا يؤمنون به ﴾ فيعود إلى الذكر لأنه لو عاد إلى الاستهزاء وعدم الإيمان بالاستهزاء حق وصواب لم يتوجه اللوم على الكفار، ولا يلزم من تعاقب الضمائر عودها على شيء واحد وإن كان الأحسن ذلك.

والحاصل أن مقتضى الدليل عود الضمير إلى الأقرب إلا إذا منع مانع من اعتباره.

وقال بعض الأدباء منهم: قوله ﴿ لا يؤمنون به ﴾ تفسير للكناية في قوله ﴿ نسلكه ﴾ أي نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به فثبتت دلالة الآية على أن الكفر والضلال والاستهزاء ونحوها من الأفعال كلها بخلق الله وإيجاده.

وقالت المعتزلة: الضميران يعودان إلى الذكر لأنه شبه هذا السلك بعمل آخر قبله وليس إلا تنزيل الذكر.

والمعنى مثل ذلك الفعل نسلك الذكر في قلوب المجرمين.

ومحل ﴿ لا يؤمنون به ﴾ نصب على الحال أي غير مؤمن به أو هو بيان لقوله ﴿ كذلك نسلكه ﴾ والحاصل أنا نلقيه في قلوبهم مكذباً مستهزأً به غير مقبول نظيره ما إذا أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها باللئام تعني مثل هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضية.

واعتراض بأن النون إنما يستعمله الواحد المتكلم إظهاراً للعظمة والجلال ومثل هذا التعظيم إنما يحسن ذكره إذا فعل فعلاً يظهر له أثر قويّ كامل، أما إذا فعل بحيث يكون منازعه ومدافعه غالباً عليه فإنه يستقبح ذكره على سبيل التعظيم، والأمر ههنا كذلك لأنه  سلك استماع القرآن وتحفيظه وتعليمه في قلب الكافر لأجل أن يؤمن به، ثم إنه لم يلتفت إليه ولم يؤمن به فصار فعل الله كالهدر الضائع وصار الشيطان كالغالب المدافع فكيف يحسن ذكر النون المشعر بالتعظيم في هذا المقام؟

أما قوله ﴿ وقد خلت سنة الأولين ﴾ فقيل: أي طريقتهم التي بينها الله في إهلاكهم حين كذبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم، وهذا يناسب تفسير المعتزلة، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم.

وقيل: قد مضت سنة الله في الأولين بأن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم وهذا قول الزجاج، ويناسب تفسير الأشاعرة.

ثم حكى إصرارهم على الجهل والتكذيب بقوله ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا ﴾ أي هؤلاء الكفار ﴿ فيه يعرجون ﴾ يتصاعدون ﴿ لقالوا إنما سكرت أبصارنا ﴾ هو من سكر الشراب أو من سكر سدّ الشق يقال: سكر النهر إذا سدّه وحبسه من الجري.

والتركيب يدل على قطع الشيء من سننه الجاري عليه ومنه السكر في الشراب لأنه ينقطع عما كان عليه من المضاء في حال الصحو.

فمعنى الآية حيرت أبصارنا ووقع بها من فساد النظر ما يقع بالرجل السكران، أو حبست عن أفعالها بحيث لا ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقائقها.

عن ابن عباس: المراد لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج وينظرون إلى ملكوت الله  وقدرته وسلطانه وإلى عباده الملائكة الذين هم من خشية ربهم مشفقون لتشككوا في تلك الرؤية وبقوا مصرين على كفرهم وجهلهم كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر وما خص به النبي  من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس ان يأتوا بمثله.

قال في الكشاف: ذكر الظلول يعني أنه قال ﴿ فظلوا ﴾ ولم يقل "فباتوا" ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون.

وقال: إنما سكرت ليدل على أنهم يبتون القول بأن ذلك ليس إلا تسكيراً للأبصار.

وقيل: الضمير في ﴿ فظلوا ﴾ للملائكة أي لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عياناً لقالوا: إن السحرة سحرونا وجعلونا بحيث نشاهد هذه الأباطيل التي لا حقيقة لها.

وههنا سؤال وهو أنه كيف جاز من جم غفير أن يصيروا شاكين فيما يشاهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح؟

وأجيب بأنهم قوم مخصوصون لم يبلغوا مبلغ التواتر وكانوا رؤساء قليلي العدد فجاز تواطؤهم على المكابرة والعناد لا سيما إذا جمعهم غرض معتبر كدفع حجة أو غلبة خصم.

ولما أجاب عن شبه منكري النبوة بما أجاب وكان القول بالنبوة مفرعاً على القول بالصانع أتبعه دلائل ذلك فقال ﴿ ولقد جعلنا في السماء بروجاً ﴾ وهي اثنا عشر عند أهل النجوم، وذلك أنهم قسموا نطاق الفلك الثامن عندهم باثني عشر قسماً متساوية، ثم أجيز بمنتهى كل قسم وبأوله مبتدأة من أول الحمل نصف دائرة عظيمة مارة بقطبي الفلك فصار الفلك أيضاً منقسماً باثنتي عشرة قطعة كل منها تشبه ضلعاً من أضلاع البطيخ تسمى برجاً.

ولا شك أن هذه البروج مختلفة الطباع، كل ثلاثة منها على طبيعة عنصر من العناصر الأربعة فلذلك يسمى الحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية.

ثم إن كانت أجزاء الفلك مختلفة في الماهية على ما يجوّزه المتكلمون، أو كانت متساوية ثم تمام الماهية مختلفة في التأثير كما يقول به الحكيم، فعلى التقديرين يكون اختصاص كل جزء بطبيعة معينة أو بتأثير معين مع تساوي الكل في حقيقة الجسمية دالاً على صانع حكيم ومدبر قدير.

الدليل الآخر قوله ﴿ وزيناها ﴾ أي بالشمس والقمر والنجوم ﴿ للناظرين ﴾ بنظر الاعتبار والاستبصار.

وقال المنجمون.

إن الكواكب الثابتة كلها على الفلك الثامن وهذا لا ينافي الآية على ما يمكن أن يسبق إلى الوهم، لأنها سواء كن في سماء الدنيا أو في سموات أخر فوقها فلا بد أن يكون ظهورها في السماء الدنيا فتكون السماء الدنيا مزينة بها، والآية لا تدل إلا على هذا القدر.

ونظير هذه الآية قوله  في "حم السجدة" ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح  ﴾ ومثله في سورة الملك.

الدليل الثالث قوله ﴿ وحفظناها ﴾ أي البروج أو السماء ﴿ من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع ﴾ نصب عل الاستثناء المنقطع أي لكن من استرق وجائز أن يكون مخفوضاً أي إلا ممن استرق.

وعن ابن عباس: يريد الخطفة اليسيرة ﴿ فاتبعه ﴾ أي أدركه ولحقه ﴿ شهابٌ مبين ﴾ ظاهر للمبصرين والشهاب شعلة نار ساطع، وقد يسمى الكوكب شهاباً لأجل لمعانه وبريقه.

قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون من السموات وكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها على الكهنة، فلما ولد عيسى  منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد  منعوا من السموات كلها وهذا هو المراد بحفظ السموات كما لو حفظ أحدنا منزله ممن يتجسس ويخشى منه الفساد.

والاستراق السعي في استماع الكلام مستخفياً.

قال الحكماء: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس، فإذا بلغ النار التي دون الفلك احترق بها واشتعل لدهنية فيه فيحدث منها أنواع النيران من جملتها الشهب، فلا ريب أنها كانت موجودة قبل مبعث النبي  إلا أنها لم تكن مسلطة على الشياطين.

وإنما قيض كونها رجوماً للشياطين في زمن عيسى  ثم في زمن محمد  .

أسئلة: كيف يجوز أن يشاهد هؤلاء الجن واحداً كان أو أكثر من جنسهم يسترقون السمع فيحرقون، ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم؟

والجواب: إذا جاء القضاء عمي البصر، فإذا قيض الله لطائفة منهم الحرق لطغيانها قدر له من الدواعي المطمعة في درك المقصود ما عندها يقدم على العمل المفضي الى الهلاك والبوار.

آخر: قد ورد في الأخبار أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، فهؤلاء الجن إن قدروا على خرق السماء ناقض قوله  ﴿ هل ترى من فطور  ﴾ وإن لم يقدروا فكيف يمكنهم استماع أسرار الملائكة من ذلك البعد البعيد، ولم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض؟

وأجيب بأنا سلمنا أن بعد ما بين كل سماء ذلك القدر إلا أن نحن الفلك لعله قدر قليل، وقد روى الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب  قال: بينما النبي  جالسٌ في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار فقال: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا؟

قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم.

فقال النبي  : "لا يرمى لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا  إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش ثم سبح أهل السماء وسبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم؟

فيخبرونهم ولا يزال ينتهي ذلك الخبر من سماء إلى سماء إلى أن ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويتخطف الجن فيرمون فما جاءُوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يزيدون" آخر: الشياطين مخلوقون من نار فكيف تحرق النار النار؟

والجواب: أن الأقوى قد يبطل الأضعف وإن كان من جنسه.

آخر: إن هذا الرجم لو كان من معجزات النبي  بقي بعد وفاته؟

الجواب: هذا من المعجزات الباقية والغرض منه إبطال الكهانة.

آخر: إن الشهب قد تحدث بالقرب من الأرض وإلا لم يمكن الإحساس بها فكيف تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك حين الاستراق؟

وأجيب بأن البعد عندنا غير مانع من السماع فلعله  أجرى عادته بأنهم إذا وقعوا في تلك المواضع سمعوا كلام الملائكة.

آخر: لو كان يمكنهم نقل أخبار الملائكة إلى الكهنة فكيف لم يقدروا على نقل أسرار المؤمنين إلى الكفار؟

وأجيب بأنه  أقدرهم على شيء وأعجزهم عن شيء ولا يسأل عما يفعل.

وأقول: لعل السبب فيه أن نسبتهم إلى الروحانيات أكثر.

آخر: إذا جوّزتم في الجملة اطلاع الجن على بعض المغيبات فقد ارتفع الوثوق عن إخبار النبي  عن بعض الغيوب فلا يكون دليلاً على صدقه.

لا يقال: إنه  أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي  لأنا نقول: صدق هذا الكلام مبني على صحة نبوّته، فلو أثبتنا صحة نبوّته به لزم الدور؟

والجواب: أنا نعرف صحة نبوّته بدلائل أخر حتى لا يدور، ولكن لا ريب أن إخباره عن بعض المغيبات مؤكد لنبوّته وإن لم يكن مثبتاً لها.

الدليل الرابع: قوله ﴿ والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ﴾ وقد مرّ تفسير مثله في أوّل سورة الرعد.

الدليل الخامس قوله: ﴿ وأنبتنا فيها ﴾ أي في الأرض أو في الجبال الرواسي ﴿ من كل شيء موزون ﴾ بميزان الحكمة ومقدر بمقدار الحاجة، وذلك أن الوزن سبب معرفة المقدار فأطلق اسم السبب على المسبب.

وقيل: أي له وزن وقدر في أبواب النعمة والمنفعة.

وقيل: أراد أن مقاديرها من العناصر معلومة وكذا مقدار تأثير الشمس والكواكب فيها.

وقيل: أي مناسب أي محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن واللطافة.

يقال: كلام موزون أي مناسب، وفلان موزون الحركات.

وقيل: أراد ما يوزن من نحو الذهب والفضة والنحاس وغيرها من الموزونات كأكثر الفواكه والنبات.

﴿ وجعلنا لكم فيها ﴾ أي في الأرض أو في تلك الموزونات ﴿ معايش ﴾ ما يتوصل به إلى المعيشة وقد مر في أول "الأعراف".

﴿ ومن ﴾ عطف على معايش أي جعلنا لكم من ﴿ لستم له برازقين ﴾ أو عطف على محل لكم لا على المجرور فقط فإنه لا يجوز في الأكثر إلا بإعادة الجار والتقدير: وجعلنا لكم معايش لمن لستم له برازقين.

وأراد بهم العيال والمماليك والخدم الذين رازقهم في الحقيقة هو الله  وحده لا الآباء والسادات المخاديم، ويدخل فيه بحكم التغليب غير ذوي العقول في الأنعام والدواب والوحش والطير كقوله: ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها  ﴾ وقد يذكر من يعقل بصفة من يعقل بوجه ما من الشبه كقوله: ﴿ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم  ﴾ والدواب تشبه ذوي العقول من جهة أنها طالبة لأرزاقها عند الحاجة.

يحكى أنه قلت مياه الأودية في بعض السنين واشتد عطش الوحوش فرفعت رأسها إلى السماء فأنزل الله المطر.

ثم بين غاية قدرته ونهاية حكمته فقال: ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ قال جمع من المفسرين: أراد بالشيء ههنا المطر الذي هو سبب لأرزاق بني آدم وغيرهم من الطير والوحش،وذلك أنه لما ذكر معايشهم بين أن خزائن المطر الذي هو سبب المعايش عنده أي في أمره وحكمه وتدبيره.

قوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ عن ابن عباس: يريد قدر الكفاية.

وقال الحكم: ما من عام بأكثر مطراً من عام آخر ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون، وربما كان في البحر، واعلم أن لفظ الآية لا يدل على هذين القولين فلو ساعدهما نقل صحيح أمكن أن يقبلهما العقل والا كان شبه تحكم والظاهر عموم الحكم، وإن ذكر الخزائن تمثيل لاقتداره على كل مقدور.

والمعنى إن جميع الممكنات مقدورة ومملوكة له يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء، وهي إن كانت غير متناهية بالقوّة لأن كلاً منها يمكن أن يقع في أوقات غير محصورة على سبيل البدل، وكذا الكلام في الأحياز وسائر الأعراض والأوصاف.

فاختصاص ذلك الخارج إلى الوجود بمقدار معين وشكل معين وحيز ووقت معين إلى غير ذلك من الصفات المعينة دون أضدادها لا بد أن يكون بتخصيص مخصص وتقدير مقدر وهو المراد من قوله: ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ وقد يتمسك بالآية بعض المعتزلة في أن المعدوم شيء.

قيل: المراد أن تلك الذوات والماهيات كانت مستقرة عند الله بمعنى أنها كانت ثابتة من حيث إنها حقائق وماهيات، ثم إنه  نزل أي أخرج بعضها من العدم إلى الوجود.

الدليل السادس: قوله ﴿ وأرسلنا الرياح ﴾ ومن قرأ الريح فاللام للجنس ﴿ لواقح ﴾ قال ابن عباس: معناه ملاقح جمع ملقحة لأنها تلقح السحاب بمعنى أنها تحمل الماء وتمجه في السحاب، أو لأنها تلقح الشجر أي تقوّيها وتنميها إلى أن يخرج ثمرها.

قاله الحسن وقتادة والضحاك.

وقد جاء في كلام العرب "فاعل" بمعنى "مفعل" قال: ومختبط مما تطيح الطوائح *** يريد المطاوح جمع مطيحة.

وقال ابن الأنباري: تقول العرب: أبقل النبت فهو باقل أي مبقل.

وقال الزجاج: معناه ذوات لقحة لأنها تعصر السحاب وتدره كما تدر اللقحة كما يقال رامح أي ذو رمح - ولابن وتامر أي ذو لبن وذو تمر.

وقيل: إن الريح في نفسها لاقح أي حالة للسحاب أو للماء من قوله  : ﴿ حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً  ﴾ أو حاملة للخير والرزق كما قيل لضدها الريح العقيم ﴿ فأسقيناكموه ﴾ أي جعلناه لكم سقياً قال أبو عليّ: يقال سقيته الماء إذا أعطاه قدر مما يروى، وأسقيته نهراً أي جعلته شرباً له.

والذي يؤكد هذا اختلاف القراء في قوله: ﴿ نسقيكم مما في بطونه  ﴾ ولم يختلفوا في قوله: ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً  ﴾ ويقال: سقيته لشفته وأسقته لماشيته وأرضه.

﴿ وما أنتم له بخازنين ﴾ نفى عنهم ما أثبته لنفسه في قوله ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ أي نحن الخازنون للماء لا أنتم أراد عظيم قدرته وعجز من سواه.

الدليل السابع: قوله ﴿ وإنا لنحن نحيي ونميت ﴾ والغرض الاستدلال بانحصار الإحياء والإماتة فيه على أنه واحد في ملكه.

قال أكثر المفسرين: إنه وصف النبات فيما قبل فهذا الإحياء مختص بالحيوان، ومنهم من يحمله على القدر المشترك بين إحياء النبات وبين إحياء الحيوان ﴿ ونحن الوارثون ﴾ مجاز عن بقائه بعد هلاك ما عداه كما مر في آخر "آل عمران" في قوله: ﴿ ولله ميراث السموات والأرض  ﴾ قوله: ﴿ ولقد علمنا ﴾ عن ابن عباس في رواية عطاء ﴿ المستقدمين ﴾ يريد أهل طاعة الله، والمستأخرين يريد المتخلفين عن طاعته.

ويروى أنه  رغب الناس في الصف الأول في الجماعة فازدحم الناس عليه فأنزل الله الآية.

والمعنى إنا نجزيهم على قدر نياتهم.

وقال الضحاك ومقاتل: يعني في صف القتال.

وقال ابن عباس في رواية أبي الجوزاء: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله  وكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها، وآخرون يتخلفون ويتأخرون ليروها، وكان قوم إذا ركعوا جافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم فنزلت.

وقيل: المستقدمون هم الأموات والمستأخرون هم الأحياء.

وهذا القول شديد المناسبة لما قبل الآية ولما بعدها.

وقيل: المستقدمون هم الأمم السالفة والمستأخرون هم أمة محمد  .

وقال عكرمة: المستقدمون من خلق، والمستأخرون من لم يخلق بعد.

والظاهر العموم وأن علمه  شامل لجميع الذوات والأحوال الماضية والمستقبلة فلا ينبغي أن تخص الآية بحالة دون أخرى.

ثم نبه على أن الحشر والنشر أمر واجب ولا يقدر على ذلك أحد إلا هو فقال: ﴿ وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم ﴾ فلحكمته بني أمر العباد على التكليف والجزاء، ولعلمه قدر على توفية مقادير الجزاء.

الدليل الثامن: الاستدلال على خلق الإنسان خاصة وذلك أنه لا بد من انتهاء الناس إلى إنسان أول ضرورة امتناع القول بوجود حوادث لا أول لها.

وقد أجمع المفسرون على أنه آدم  ، ورأيت في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر  أنه قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر، وكيف كان فلا بد من إنسان هو أول الناس.

والأقرب أنه  خلق آدم من تراب ثم من طين ثم من حمإٍ مسنون ثم من صلصال كالفخار.

وقد كان قادراً على خلقه من أيّ جنس من الأجسام كان، بل كان قادراً على خلقه ابتداء.

وإنما خلقه على هذا الترتيب لمحض المشيئة.

أو لما كان فيه من زلة الملائكة والجن، أو لغير ذلك من المصالح، ولا شك أن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه، والصلصال الطين اليابس الذي يصلصل أي يصوّت وهو غير مطبوخ فإذا طبخ فهو فخار.

وقيل: هو تضعيف صل إذا أنتن.

والحمأ الأسود المتغير من الطين، وكذلك الحمأة بالتسكين.

المسنون المصوّر من سنة الوجه أي صورته قاله سيبويه.

وقال أبو عبيدة: المسنون المصبوب المفرغ أي أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصورة من الجواهر المذابة.

وقال ابن السكيت: سمعت أبا عمرو يقول: معنا متغير منتن وكأنه من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فالذي يسيل منهما سنين ولا يكون إلا منتناً.

قال في الكشاف: قوله: ﴿ من حمإٍ ﴾ صفة صلصال أي خلقه من صلصال كائن من حمإ.

قلت: ولا يبعد أن يكون بدلاً أي خلقه من حما.

قال: وحق مسنون بمعنى مصوّر أن يكون صفة لصلصال كأنه أفرغ الحمأ فصوّر منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك الى جوهر آخر.

قوله: ﴿ والجانّ ﴾ قال الحسن ومقاتل وقتادة وهو رواية عطاء عن ابن عباس يريد إبليس - وعن ابن عباس - في رواية أخرى: هو أبو الجن كآدم أبي الناس وهو قول الأكثرين.

والتركيب يدل على السبق والتواري عن الأعين وقد مر فيما سلف ولا سيما في تفسير الاستعاذة في أول الكتاب ﴿ خلقناه من قبل ﴾ قال ابن عباس: أي من قبل خلق آدم و ﴿ السموم ﴾ الريح الحارة النافذة في السمام تكون في النهار وقد تكون بالليل.

ومسام البدن الخروق الخفية التي يبرز منها العرق وبخار الباطن، ولا شك أن تلك الريح فيها نار ولها لفح على ما ورد في الخبر أنه لفح جهنم.

قال ابن مسعود: هذه السموم جزءاً من سبعين جزءاً من سموم النار التي خلق.

الله منها الجان.

ولا استبعاد في خلق الله الحيوان من النار فإنا نشاهد السمندل قد يتولد فيها.

على قاعدة الحكيم: كل ممتزج من العناصر فإنه يمكن أن يغلب عليه أحدها، وحينئذٍ يكون مكانه مكان الجزء الغالب والحرارة مقوية للروح لا مضادة لها.

ثم إنه لما استدل بحدوث الإنسان الأول على كونه قادراً مختاراً ذكر بعده واقعته.

والمراد بكونه بشراً أنه يكون جسماً كثيفاً يباشر ويلاقي، والملائكة والجن لا يباشرون للطاقة أجسامهم.

والبشرة ظاهر الجلد من كل حيوان.

﴿ فإذا سوّيته ﴾ عدلت خلقته وأكملتها أو سويت أجزاء بدنه بتعديل الأركان والأخلاط والمزاج التابع لذلك اعتدالاً نوعياً أو شخصياً.

﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر.

فمن زعم أن الروح جسم لطيف كالهواء سار في البدن فمعناه ظاهر، ومن قال إنه جوهر مجرد غير متحيز ولا حال في متحيز فمعنى النفخ عنده تهيئة البدن لأجل تعلق النفس الناطقة به.

قال جار الله: ليس ثم نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه.

وتمام الكلام في الروح سوف يجيء إن شاء الله في قوله: ﴿ يسألونك عن الروح  ﴾ .

ولا خلاف في أن الإضافة في قوله: ﴿ روحي ﴾ للتشريف والتكريم مثل "ناقة الله" و "بيت الله" والفاء في قوله: ﴿ فقعوا ﴾ تدل على أن وقوعهم في السجود كان واجباً عليهم عقيب التسوية والنفخ من غير تراخ.

قال المبرد: قوله ﴿ كلهم ﴾ أزال احتمال أن بعض الملائكة لم يسجدوا.

وقوله: ﴿ أجمعون ﴾ أزال احتمال أنهم سجدوا متفرقين، وقال سيبويه والخليل ﴿ أجمعون ﴾ توكيد بعد توكيد، ورجح الزجاج هذا القول لأن أجمع معرفة فلا يقع حالاً، ولو صح أن يكون حالاً وكا منتصباً لأفاد المعنى الذي ذكره المبرد، ثم استثنى إبليس من الملائكة وقد سلف وجه الاستثناء في أول البقرة.

ثم استأنف على تقدير سؤال سائل هل سجد؟

فقال: ﴿ أبى أن يكون مع الساجدين ﴾ يعني إباء استكبار.

ثم قال  وتعالى خطاب تقريع وتعنيف لا تعظيم وتشريف ﴿ يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين ﴾ وقال بعض المتكلمين: خاطبه على لسان بعض رسله لأن تكليم الله بلا واسطة منصب شريف فكيف يناله اللعين؟

قال جار الله: حرف الجر مع أن محذوف ومعناه أيّ غرض لك في الامتناع من السجود ﴿ قال لم أكن لأسجد ﴾ اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد ﴿ لبشر ﴾ وحاصل شبهة اللعين أنه روحاني لطيف وآدم جسماني كثيف، وأصله نوراني شريف وأصل آدم ظلماني خسيس، فعارض النص بالقياس فلا جرم أجيب بقوله: ﴿ فاخرج منها ﴾ أي من الجنة أو من السماء أو من جملة الملائكة.

وضرب يوم الدين أي يوم الجزاء حداً للعنة جرياً على عادة العرب في التأبيد كما في قوله: ﴿ ما دامت السموات والأرض  ﴾ أو أراد اللعن المجرد من غير تعذيب حتى إذا جاء ذلك اليوم عذب بما ينسى اللعن معه.

قال صاحب الكشاف: وأقول: هذا إن أريد باللعن مجرد الطرد عن الحضرة.

أما إن أريد به الإبعاد عن كل خير فيتعين الوجه الأول إلا عند من أثبت لإبليس رجاء العفو.

وإنما ذكر اللعنة ههنا بلام الجنس لأنه ذكر آدم بلفظ الجنس حيث قال: ﴿ إني خالق بشراً ﴾ ولما خصص آدم بالإضافة إلى نفسه في سورة "ص" حيث قال: ﴿ لما خلقت بيدي  ﴾ خصص اللعنة أيضاً بالإضافة فقال: ﴿ وإن عليك اللعنة ﴾ فافهم.

﴿ قال رب فأنظرني ﴾ قد مر مثله في أول "الأعراف".

ومعنى ﴿ الوقت المعلوم ﴾ أن إبليس لما عينه وأشار إليه بعينه صار كالمعلوم والمراد منه الوقت القريب من البعث الذي يموت فيه الخلائق كلهم ليشمل الموت اللعين أيضاً.

وقيل: لم يجب إلى ذلك وأنظر إلى يوم لا يعلمه إلا الله ﴿ قال رب بما أغويتني ﴾ قد مر مباحثه في "الأعراف".

ومفعول ﴿ لأزينن ﴾ محذوف أي أزين لهم المعاصي في الأرض أي في الدنيا التي هي دار الغرور، أو أراد أنه قدر على الاحتيال لآدم وهو في السماء فهو على التزيين لأولاده وهم في الأرض أقدر، أو أراد لأجعلن مكان التزيين عندهم الأرض بأن أزين الأرض في أعينهم وأحدثهم أن الزينة هي في الأرض وحدها كقوله: وإن يعتذر بالمحل من ذي ضروعها *** من الضيف يجرح في عراقيبها نصلي أراد يجرح عراقيبها نصلي ثم استثنى اللعين عباد الله المخلصين لأنه علم أن كيده لا يؤثر فيهم.

قال بعض الحذاق: احترز إبليس بهذا الاستثناء من الكذب فيعلم منه أن الكذب في غاية السماحة والإخلاص فعل الشيء خالصاً لله من غير شائبة الغير لا أقل من أن يكون حق الله فيه راجحاً أو مساوياً.

ولما ذكر إبليس من الاستثناء ما ذكر ﴿ قال ﴾ الله  ﴿ هذا ﴾ يعني الإخلاص طريق مستقيم عليّ ان أراعيه أو عليّ مروره أي على رضواني وكرامتي.

وقيل: لما ذكر اللعين أنه يغوي بني آدم لا من عصمه الله بتوفيقه تضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى مشيئته  فأشير إليه بقول: ﴿ هذا ﴾ أي تفويض الأمور إلى إرادتي ومشيئتي.

﴿ صراط عليّ ﴾ تقريره وتأكيده، ومن قرأ ﴿ عليّ ﴾ بالتوين فهو من علو الشرف أي الإخلاص أو طريق التفويض إلى الله والإيمان بقضائه طريق رفيع.

﴿ مستقيم ﴾ لا عوج له.

وقال جار الله: هذا إشارة إلى ما بعده وهو قوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ قال الكلبي: المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس وذلك أنه لما ذكر ﴿ إلا عبادك ﴾ بين به أنه لا يقدر على إغواء المخلصين فصدقه الله  في الاستثناء قائلاً ﴿ إن عبادي ليس عليهم سلطان إلا من اتبعك ﴾ أي ولكن من اتبعك من الغواة فلك تسلط عليهم وهذا يناسب أصول الأشاعرة.

وقال آخرون: هذا تكذيب لإبليس وذلك أنه أوهم بما ذكر أن له سلطاناً على عباد الله الذين لا يكونون من المخلصين فبين تعالى أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلاً إلا الغواة، لا بسبب الجبر والقسر بل من جهة الوسوسة والتزيين نظيره قوله: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم  ﴾ وهذا يناسب أصول الاعتزال ﴿ وإن جهنم لموعدهم أجميعن ﴾ قال ابن عباس: يريد إبليس ومن تبعه من الغاوين.

﴿ لها سبعة أبواب ﴾ أي سبع طبقات بعضها فوق بعض أعلاها للموحدين، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين.

وعن ابن عباس في رواية ابن جريج: إن جهنم لمن ادعى الربوبية، ولظى لعبدة النار، والحطمة لعبدة الأصنام، وسقر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحدين.

وقيل: إن قرار جهنم مقسوم بسبعة أقسام لكل قسم باب معين لكل باب جزء من أتباع إبليس مقسوم في قسمة الله  .

والسبب في أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة.

فلا جرم صارت مراتب العقاب أيضاً متفاوته بحسبها.

ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ فزعم جمهور المعتزلة أنهم الذين اتقوا جميع المعاصي وإلا لم يفد المدح.

وقال جمهور: الصحابة والتابعين هم الذين اتقوا الشرك بالله واحتجوا عليه بأنه إذا اتقى مرة واحدة صدق عليه أنه اتقى، وكذا الكلام في الضارب والكاتب فليس من شرط صدق الوصف كونه آتياً بجميع أصنافه وأفراده إلا أن الأمة أجمعوا على أن التقوى عن الشرك شرط في حصول هذا الحكم.

والآية أيضاً وردت عقيب قوله: ﴿ إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ فلزمه اعتبار الإيمان في هذا الحكم.

والظاهر أن لا يراد شرط آخر لأن التخصيص خلاف الظاهر فكلما كان أقل كان أوفق لمقتضى الأصل، فثبت أن المتقين يتناول جميع القائلين بكلمة الإسلام وهي "لا إله إلا الله محمد رسول الله" قولاً واعتقاداً سواء كان من أهل الطاعة أو من أهل المعصية.

ثم إن الجنات أقلها أربع لقوله  : { ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان  ﴾ ثم قال ﴿ ومن دونهما جنتان  ﴾ وأما العيون فإما أن يراد بها الأنهار المذكورة في قوله: ﴿ فيها أنهار من ماء غير آسن  ﴾ الآية وإما أن يراد بها منابع غير ذلك.

ثم إن كل واحد من المتقين يحتمل أن يختص بعين وينتفع بها كل من في خدمته من الحور والولدان ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب شهوتهم.

ويحتمل أن يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون من كل حقد وحسد.

فإن قيل: إذا كانوا في جنات فكيف يعقل أن يقول لهم الله تعالى وبعض الملائكة ﴿ ادخلوها ﴾ فالجواب لعل المراد أنهم لما ملكوا الجنات فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ذلك.

ومعنى ﴿ بسلام ﴾ أي مع السلامة من آفات النقص والانقطاع.

قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ قد مر تفسيره في "الأعراف" ﴿ إخواناً ﴾ نصب على الحال.

وكذلك ﴿ على سرر متقابلين ﴾ والمراد بالإخوة.

إخوة الدين والتعاطف.

والسرر جمع سرير.

قيل: هو المجلس الرفيع المهيأ للسرور.وقال الليث: سرير العيش مستقره الذي يطمئن عليه حال سروره وفرحه.

والتركيب يدور على العزة والنفاسة ومنه قوله: "سر الوادي لأفضل موضع منه" ومنه السر الذي يكتم.

عن ابن عباس: يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، وعن مجاهد: تدور بهم الأسرة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين.

والتقابل التواجه نقيض التدابر، وتقابل الإخوان يوجب اللذة والسرور ليكون كل منهم مقبلاً على الآخر بالكلية، وتقابل الأعداء يكون تقابل التضاد التمانع فيكون موجباً للتباغض والتخالف، واعلم أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خالصة من الآفات آمنة من الزوال.

فقوله: ﴿ إن المتقين ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ ادخلوها ﴾ رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله: ﴿ ونزعنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خاصة من الآفات آمنة من الزوال.

فقوله: ﴿ إن للمتقين ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ ادخلوها ﴾ رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله ﴿ ونزعنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن قوله: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم ﴾ إشارة إلى نفي المضار الروحانية، وقوله: ﴿ لا يمسهم ﴾ إشارة إلى نفي المضار الجسدانية، وقوله: ﴿ وما هم بمخرجين ﴾ مفيد لمعنى الخلود.

ثم لما ذكر الوعيد والوعد زاده تقريراً وتمكيناً في النفوس فقال: ﴿ نبىء عبادي ﴾ وفيه من التوكيدات ما لا يخفى: منها إشهاد رسوله وإعلامه، ومنها تشريفهم بإطلاق لفظ العباد عليهم ثم بإضافتهم إلى نفسه، ومنها التوكيد بـ"أن" وبالفضل وبصيغتي الغفور والرحيم مع نوع تكرر كل ذلك يدل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال: "سبقت رحمتي غضبي".

التأويل: ﴿ ربما يود الذين كفروا ﴾ أي النفوس الكافرة ﴿ لو كانوا ﴾ مستسلمين لأوامر الله ونواهيه، وذلك إنما يكون عند استيلاء سلطان الذكر على القلب والروح، وتنور صفاتها بنور الذكر فيغلب النور على ظلمة النفس وصفاتها وتبدلت أحوالها من الأمّارية إلى الاطمئنان فتمنت حين ذاقت حلاوة الإسلام وطعم الإيمان لو كانت من بدء الخلق مسلمة مؤمنة كالقلب والروح.

ثم هدد النفس التي ذاقت حلاوة الإسلام ثم عادت الميشوم إلى طبعها واستحلت المشارب الدنيوية بقوله: ﴿ ذرهم يأكلوا ﴾ ﴿ وما أهلكنا من قرية ﴾ من القرى البدنية بإفساد استعدادها ﴿ إلا ولها كتاب ﴾ مكتوب في علم الله من سوء أعماله وأحواله ﴿ ما تسبق من أمة أجلها ﴾ متى يظهر منها ما هو سبب هلاكها ﴿ وما يستأخرون ﴾ لحظة بعد استيفاء أسباب هلاكها ﴿ وقالوا ﴾ يعني النفوس المتمردة مخاطباً للقلب الذاكر ﴿ لو ما تأتينا ﴾ بصفات الملائكة المنقادين، وفيه إشارة إلى أن النفس الأمارة لا تؤمن بما أنزل الله إلى القلوب من أنوار الإلهية حتى تصير مطمئنة مستعدة لهذه الصفات، ولو أنزلت قبل أوانها وكمال استعداد القلوب ما كانوا إذاً منظرين مؤخرين من الهلاك لضيق نطاق طاقتهم ﴿ إنا نحن نزلنا ﴾ كلمة لا إله إلا الله في قلوب المؤمنين ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ والمنافق يقول ذلك ولكن لم ينزل في قلبه ولم يحفظ.

﴿ ولو فتحنا ﴾ على من أسلكنا الكفر في قلوبهم ﴿ باباً من ﴾ سماء القلب لأنكروا فتح الباب.

ولقد جعلنا في سماء القلب بروج الأطوار، فكما أن البروج منازل السيارات فكذلك الأطوار منازل شموس المشاهدات وأقمار المكاشفات وسيارات اللوامع والطوالع ﴿ وزيناها ﴾ لأهل النظر السائرين إلى الله ﴿ وحفظناها من ﴾ وساوس الشيطان وهواجس النفس الأمارة، ولكن من استرق السمع من النفس والشيطان فأدركه شعلة من أنوار تلك الشواهد فيضمحل الباطل ويتبين الحق ﴿ والأرض مددناها ﴾ فيه أن أرض البشرية تميل كنفس الحيوانات إلى أن أرساها الله بجبال العقل وصفات القلب ﴿ وجعلنا لكم فيها معايش ﴾ هي أسباب الوصول والوصال ﴿ ومن لستم له برازقين ﴾ وهو جوهر المحبة وإن غذاءه من مواهب الحق وتجلي جماله فقط، ولكل شيء خزانة فلصورة الأجسام خزانة، ولاسمها خزانة، ولمعناها خزانة، وكذا للونها ولطعمها ولخواصها من المنافع والمضار، وكذا لظلمتها ونورها ولملكها وملكوتها، وما من شيء إلا وفيه لطف الله وقهره مخزون، وقلوب العباد خزائن صفات الله  بأجمعها ﴿ وأرسلنا ﴾ رياح العناية ﴿ لواقح ﴾ لأشجار القلوب بأنهار الكشوف وبأثمار الشواهد كما قال بعضهم: إذا هبت رياح الكرم على أسرار العارفين أعتقهم من هواجس أنفسهم ورعونات طبائعهم، وظهر في القلوب نتائج ذلك وهي الاعتصام بالله والاعتماد عليه.

﴿ فأنزلنا من ﴾ سماء الهداية ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ وما أنتم له بخازنين ﴾ في أصل الخلقة فإن المخلوق لا يوصف بالحكمة إلا مجازاً.

وإنا لنحن نحيي قلوب أوليائينا بأنوار جمالنا، ونميت نفوسهم بسطوة جلالنا ﴿ ونحن الوارثون ﴾ بعد إفناء وجودهم ليبقوا ببقائنا ﴿ وإن ربك هو ﴾ يحشر المستقدمين إلى حظائر قدسه والمستأخرين إلى أسفل سافلين الطبيعة، خاطب إبليس النفس بقوله: ﴿ وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ﴾ أي إلى أن تطلع شمس شواهدنا من مشرق الروح وتصير أرض النفس مشرقة وتتبدل صفاتها الذميمة المظلمة بالأخلاق الروحانية الحميدة ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ أي يبعث الأرواح في قيامة العشق وهو الوقت المعلوم الذي يتجلى الرب فيه لأرواح العشاق، فينعكس نور التجلي من الأرواح إلى النفوس فتجعلها مطمئنة.

﴿ بما أغويتني ﴾ أضللتني من طريق الأمارية ﴿ لأزينن ﴾ للأرواح في أرض البشرية من الأعمال الصالحات التي تورث الأخلاق الحميدة وبها تربية الأرواح وترقيها ﴿ ولأغوينهم أجمعين ﴾ عما كانا عليه من الأعمال الروحانية الملكية التي لا تتأتى إلا لعبادك الذين خلصوا من حبس الوجود بجذبات الألطاف.

﴿ هذا صراط ﴾ أي هو طريق أهل الاستقامة في السير في الله المنقطعين عن غيره ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ حجة تتعلق بتلك الحجة لهدايتهم وإغوائهم فإنهم بلاهم، وإن من خصوصية العبودية المضافة إلى الحضرة الحرية عما سواه ﴿ لها سبعة أبواب ﴾ من الحرص والشره والحقد والحسد والغضب والشهوة والكبر، أو الأبواب السبعة إشارة إلى الحواس الخمس الظاهرة وإلى الوهم والخيال فإنهما أصلا الحواس الباطنية، لأن الأول يدرك المعاني والثاني يدرك الصور، والباقية - أعني المفركة والحافظة والذاكرة - من أعوانهما، وأكثر ما يستعمل الإنسان هذه المشاعر إنما يستعملها في الأحوال الدنيوية المفضية إلى الهلاك، فلا جرم صارت أبواباً لجهنم.

فإذا استعملها في تحصيل السعادات الباقية بحسب تصرف العقل الغريزي صرن مع العقل أبواباً بل أسباباً لحصول الجنة.

﴿ ادخلوها بسلام ﴾ والسلام من الله الجذبات ﴿ آمنين ﴾ من موانع الخروج والدخول بعد الوصول فإن السير في الله لا يمكن إلا بالله وجذباته ولهذا قال جبرائيل ليلة المعراج: لو دنوت أنملة لاحترقت.

﴿ ونزعنا ﴾ فيه أن نزع الغل من الصدور لا يكون إلا بنزع الله، وأن الأرواح القدسية مطهرات عن علائق القوى الشهوانية والغضبية مبرءات من حوادث الوهم والخيال، ومعنى تقابلهم أن النفوس المصفاة عن كدورات عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام إذا وقع عليها أنواع جمال الله أو جلاله انعكست منها إلى من في مثل درجاتها كما تتعاكس المرايا الصافية، المتحاذية، فيزداد كل منها في نفسها بخفاء صفاتها.

وفي قوله: ﴿ نبىء عبادي ﴾ إشارة إلى أن سلوك السالكين وطير الطائرين يجب أن يكون على قدمي الرجاء والخوف وجناحي الإنس والجن والله الموفق للصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم: أنه يحتمل أن الحروف المقطعة كناية عن كتابه وآياته، أو آياته؛ أنه جمعها على ما توجبه الحكمة؛ فجعلها كتاباً أو [آيات كتاب يتلى]، أو يكون كناية عن الإنباء والإخبار عن الأمم السالفة؛ التي لم يشهدها رسول الله  ، تلك الأنباء والأخبار التي جعلناها كتاباً أو آيات؛ ليعلموا أن هذا الكتاب إنما نزل من السماء، وأنه إنما علم بالوحي من الله، وقد ذكرنا هذا في غير موضع.

﴿ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ ﴾ .

قال: بيَّن فيه ما يؤتى، وما يتقى.

أو ﴿ مُّبِينٍ ﴾ : يبين بين الحقّ والباطل.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: إنما يودون الإسلام والتوحيد، بعد ما عذب بالنار قوماً من أهل التوحيد بذنوبهم، ثم أخرجوا منها بالشفاعة أو بالرحمة، فعند ذلك يتمنى أهل الشرك؛ ويودّون الإسلام والتوحيد؛ لكن هذا بعيد ألا يتمنوا إلا في النار بعد ما أخرج أولئك وقد أصيبوا الشدائد والبلايا؛ من قبل أن يأتوا النار، قال الله  : ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾ الآية [المؤمنون: 99-100] أخبر أنه يتمنى عند حلول الموت - الإسلام؛ حيث طلب الرجوع إلى الدنيا، دلّ أنهم يودون الإسلام؛ قبل الموت الذي ذكروا، أو يتمنون الإسلام إذا حوسبوا، أو إذا بعث أهل الجنة [إلى الجنة وبعثوا هم] إلى النار، يتمنون الإسلام قبل ذلك بمواضع، وربما يتمنى الآحاد من الكفرة، ويودّون لو كانوا مسلمين في أحوال؛ وأوقات؛ يظهر لهم الحق، وقد بان لهم الحق؛ لكن الذي يمنعهم عن الإسلام - فوت شيء من الدنيا، وذهاب شيء قد طمعوا فيه.

وقال الحسن في قوله: ﴿ الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ﴾ : قسم؛ لما ذكر: ﴿ رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ ؛ يقول: أقسم بالحروف المقطعة أنهم يودّون الإسلام.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ ﴾ .

هذا ليس على الأمر، ولكن على الوعيد، والتهديد، والإبلاغ في الوعيد، وتأكيد؛ كقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ...

﴾ الآية، [فصلت: 40] هو على الوعيد؛ حيث قال: ﴿ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  ﴾ فعلى ذلك قوله: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ ﴾ وعيد بقوله: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ، ويشبه أن يكون: ذرهم ولا تكافئهم بصنيعهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ المحقّ من المبطل، وأن المحقّ والمبطل من أنت أو هم؟

أو سوف يعلمون نصحك إياهم، وشفقتك لهم، أنك نصحت لهم، وأشفقت عليهم لا أن خنتهم أو يعلموا بما سخروا بكم وهزءوا.

وقوله: ﴿ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ ﴾ .

الأمل: الطمع، اختلف فيه: قال بعضهم: [أي]: منعهم طمعهم أنهم وآباءهم قد أصابوا الحق، ذلك منعهم عن الإجابة، والنظر في الآيات والحجج.

والثاني: تقديرهم بامتداد حياتهم؛ ليبقى لهم الرياسة، والشرف، ذلك الذي كان يمنعهم عن الإجابة له، والانقياد له، والنظر في الآيات والحجج.

والثالث: يطمعون هلاك النبي  ، ويتمنون ذلك، وانقطاع ملكه، وأمره، والعود إليهم، فذلك الذي كان منعهم.

وفي حرف حفصه: (ذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ).

وقوله: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ...

﴾ الآية في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون، آيس رسوله عن إيمانهم؛ وهو كقوله: ﴿ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ ﴾ .

قال الحسن: وما أهلكنا من أهل قرية إهلاك تعذيب؛ إلا وقد أرسلنا إليهم رسلا بكتاب معلوم، نتلو ذلك الكتاب المعلوم عليهم؛ فإذا كذبوهم وأيسوا من إيمانهم؛ فعند ذلك يهلكون هلاك تعذيب، وهو ما قال: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا  ﴾ ، فعلى ذلك الأول.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ ﴾ يقول: كتاب فيه أجل معلوم مؤقت لها؛ على هذا التأويل؛ كأنه قد خرج جواباً لقول كان من أولئك الكفرة من استعجالهم الإهلاك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ .

أي: ما تسبق أمة عن أجلها الذي جعل الله لها بالإهلاك، وما تستأخر عنه، وهو ما قال: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ [أي: ما يستأخرون ساعة عن الوقت الذي جعل لهم ولا يستقدمون].

فهذا ينقض على المعتزلة قولهم؛ حيث قالوا: إن الله يجعل لخلقه آجالا، ثم يجيء آخر فيقتله قبل الأجل الذي جعله له، والله يقول: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ  ﴾ يخبر أنه لجاءهم العذاب؛ لولا ما جعل من أجل مسمى؛ قد وعد جلَّ وعلا أن يفي بما وعد؛ من البلوغ إلى الأجل الذي سمى.

وعلى قول المعتزلة: لا يملك إنجاز ما وعد؛ لأنه يجيء إنسان؛ فيقتله؛ فيمنع الله عن وفاء ما وعد، فذلك عجز وخلف في الوعد، فنعوذ بالله من السرف في القول، والزيغ عن الحق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ ﴾ يعني: القرآن.

﴿ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ .

قال الحسن: قوله: يا أيها الذي تدعي أنه نزل عليه الذكر: إنك لمجنون؛ فيما تدعي من نزول الذكر، هو على الإضمار الذي قال الحسن، وإلا في الظاهر متناقض؛ لأنهم كانوا لا يقرون بنزول الذكر عليه؛ لأنهم لو أقروا نزول الذكر عليه لكان قولهم متناقضاً فاسداً.

﴿ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ سموه مجنوناً، والذي حملهم على تسميتهم إياه مجنوناً وجوه: أحدها: [أنهم] لما رأوه أنه قد أظهر الخلاف لذوي العقول منهم والأفهام، والدعاء إلى غير ما هم فيه؛ فرأوا أنه ليس يخالف أهل العقول والفهم إلا بجنون به؛ فسموه مجنوناً.

والثاني: رأوه قد أظهر الخلاف للفراعنة والجبابرة، الذين كانت عادتهم القتل والهلاك من أظهر الخلاف لهم؛ في أمر من أمورهم الدنياوية؛ فكيف من أظهر [الخلاف لهم] في الدين؛ فظنوا أنه ليس يخالفهم، ولا يخاطر بنفسه وروحه إلا لجنون فيه.

والثالث: قالوا ذلك لما رأوه؛ كان يتغير لونه عند نزول الوحي عليه؛ فظنوا أن ذلك لآفة فيه، ومن تأمل حقيقة ذلك علم أن من قرفه بالجنون فيه هو المجنون لا هو؛ حيث قال: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ...

﴾ الآية [الأعراف: 184] وقال: ﴿ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ  ﴾ أخبر أنهم لو تفكروا عرفوا أنه ليس به جنة، ولكن عن معاندة ومكابرة؛ يقولون؛ وجهلٍ، وسموه مرة ساحراً؛ فذلك تناقض في القول؛ لأنه لا يسمى ساحراً إلا لفضل بصر وعلم؛ فذلك تناقض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ .

تأويله - والله أعلم - يقولون له: إنك تزعم أن الملائكة يأتونك بالوحي، فهلا أظهرت لنا إذا أتوك؛ فننظر إليهم أملائكة هم - على ما تزعم - أم شياطين؟

وقال بعضهم: لو ما تأتينا بالملائكة فيشهدون أنك رسول الله، وأنت أرسلت على ما تدعي من الرسالة؛ فقال: ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ : [إلا بالموت] ﴿ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ ﴾ .

قال بعضهم: أنْ ليس في وسع البشر رؤية الملائكة على صورتهم؛ فقال: ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ : إلا بالموت، لو رأوا؛ لماتوا؛ لما لم يجعل في وسعهم رؤية الملائكة، وهو كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ...

﴾ الآية [ الأنعام: 8] أخبر أنه لو أنزل [عليهم الملك] - لماتوا؛ إذ ليس في وسعهم رؤية الملائكة على صورتهم، ثم أخبر أيضاً أنه لو جعله ملكاً لجعله رجلا، ويكون في ذلك لبس على أولئك.

وقال بعضهم: ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ : أي: إلا بالحجج والآيات والبراهين على الرسل، وعلى من هو أهل لذلك، ليس على كل أحد.

وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ : أي: إلاَّ بالعذاب الذي يكون فيه هلاكهم، وهكذا إن الملائكة لا تنزل إلا بالعذاب الذي فيه هلاكهم أو بالحجج والبراهين.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ ﴾ يعني القرآن ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ .

حتى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفيما وكل الحفظ إلى نفسه؛ لم يقدر أحد من الطاعنين مع كثرتهم منذ نزل موضع الطعن فيه، وذلك يدلّ أنه سماوي، وأنه محفوظ.

وقال بعضهم: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ : أي: محمداً عليه أفضل الصلوات: أي: نحفظه بالذكر الذي أنزل عليه؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ وكقوله: ﴿ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي...

﴾ الآية [سبأ: 50] أخبر أنه إنما يهتدي بما يوحي إليه ربّه، فعلى ذلك يحفظه بالقرآن الذي أنزل عليه.

ويحتمل [أن يكون] الذكر: النبوة؛ أي: إنا نحن نزلنا النبوة، وإنا له: أي: لرسوله؛ لحافظون له: بالنبوة والرسالة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنا نحن الذين نزلنا هذا القرآن على قلب محمد  تذكيرًا للناس، وإنا للقرآن لحافظون من الزيادة والنقصان والتبديل والتحريف.

<div class="verse-tafsir" id="91.V34aB"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله