الآية ٢٢ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٢٢ من سورة الإسراء

لَّا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًۭا مَّخْذُولًۭا ٢٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 72 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى والمراد المكلفون من الأمة لا تجعل أيها المكلف في عبادتك ربك له شريكا ( فتقعد مذموما ) على إشراكك ( مخذولا ) لأن الرب تعالى لا ينصرك بل يكلك إلى الذي عبدت معه وهو لا يملك لك ضرا ولا نفعا لأن مالك الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له وقد قال الإمام أحمد حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا بشير بن سلمان عن سيار أبي الحكم عن طارق بن شهاب عن عبد الله هو ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى إما أجل [ عاجل وإما غنى عاجل ورواه أبو داود والترمذي من حديث بشير بن سلمان به ، وقال الترمذي حسن صحيح غريب

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تجعل يا محمد مع الله شريكا في ألوهته وعبادته، ولكن أخلص له العبادة، وأفرد له الألوهة، فإنه لا إله غيره، فإنك إن تجعل معه إلها غيره، وتعبد معه سواه، تقعد مذموما: يقول: تصير ملوما على ما ضيعت من شكر الله على ما أنعم به عليك من نعمه، وتصييرك الشكر لغير من أولاك المعروف، وفي إشراكك في الحمد من لم يشركه في النعمة عليك غيره، مخذولا قد أسلمك ربك لمن بغاك سوءا، وإذا أسلمك ربك الذي هو ناصر أوليائه لم يكن لك من دونه وليّ ينصرك ويدفع عنك.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا ) يقول: مذموما في نعمة الله، وهذا الكلام وإن كان خرج على وجه الخطاب لنبيّ لله صلى الله عليه وسلم، فهو معنيّ به جميع من لزمه التكليف من عباد الله جلّ وعزّ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وقوله : لا تجعل مع الله إلها آخر الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد أمته .

وقيل : الخطاب للإنسان .فتقعد أي تبقى .مذموما مخذولا لا ناصر لك ولا وليا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: لا تعتقد أن أحدا من المخلوقين يستحق شيئا من العبادة ولا تشرك بالله أحدا منهم فإن ذلك داع للذم والخذلان، فالله وملائكته ورسله قد نهوا عن الشرك وذموا من عمله أشد الذم ورتبوا عليه من الأسماء المذمومة، والأوصاف المقبوحة ما كان به متعاطيه، أشنع الخلق وصفا وأقبحهم نعتا.

وله من الخذلان في أمر دينه ودنياه بحسب ما تركه من التعلق بربه، فمن تعلق بغيره فهو مخذول قد وكل إلى من تعلق به ولا أحد من الخلق ينفع أحدا إلا بإذن الله، كما أن من جعل مع الله إلها آخر له الذم والخذلان، فمن وحده وأخلص دينه لله وتعلق به دون غيره فإنه محمود معان في جميع أحواله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لا تجعل مع الله إلها آخر ) الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره .

وقيل : معناه لا تجعل أيها الإنسان [ مع الله إلها آخر ] ( فتقعد مذموما مخذولا ( مذموما من غير حمد مخذولا من غير نصر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولاً» لا ناصر لك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لا تجعل -أيها الإنسان- مع الله شريكًا له في عبادته، فتبوء بالمذمة والخِذْلان.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

فالجملة الكريمة أمر لازم لإِخلاص العبادة لله ، بعد النهى عن الإِشراك به فى قوله - تعالى - : ( لاَّ تَجْعَل مَعَ الله إلها آخَرَ .

.

) وقد جاء هذا الأمر بلفظ ( قضى ) زيادة فى التأكيد ، لأن هذا اللفظ هنا يفيد الوجوب القطعى الذى لا رجعة فيه ، كما أن اشتمال الجملة الكريمة على النفى والاستثناء - وهما أعلا مراتب القصر - يزيد هذا الأمر تأكيدا وتوثيقا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: في بيان وجه النظم.

فنقول: إنه تعالى لما بين أن الناس فريقان منهم من يريد بعمله الدنيا فقط وهم أهل العقاب والعذاب، ومنهم من يريد به طاعة الله وهم أهل الثواب.

ثم شرط ذلك بشرائط ثلاثة: أولها: إرادة الآخرة.

وثانيها: أن يعمل عملاً ويسعى سعياً موافقاً لطلب الآخرة.

وثالثها؛ أن يكون مؤمناً لا جرم فصل في هذه الآية تلك المجملات فبدأ أولاً بشرح حقيقة الإيمان، وأشرف أجزاء الإيمان هو التوحيد ونفي الشركاء والأضداد فقال: ﴿ لاَّ تَجْعَل مَعَ الله إلها ءاخَرَ ﴾ ثم ذكر عقيبه سائر الأعمال التي يكون المقدم عليها، والمشتغل بها ساعياً سعياً يليق بطلب الآخرة، وصار من الذين سعد طائرهم وحسن بختهم وكملت أحوالهم.

المسألة الثانية: قال المفسرون: هذا في الظاهر خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن في المعنى عام لجميع المكلفين كقوله: ﴿ يأيُّهَا النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء  ﴾ ويحتمل أيضاً أن يكون الخطاب للإنسان كأنه قيل: أيها الإنسان لا تجعل مع الله إلهاً آخر، وهذا الاحتمال عندي أولى، لأنه تعالى عطف عليه قوله: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه ﴾ إلى قوله: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا  ﴾ وهذا لا يليق بالنبي عليه السلام، لأن أبويه ما بلغا الكبر عنده فعلمنا أن المخاطب بهذا هو نوع الإنسان.

المسألة الثالثة: معنى الآية أن من أشرك بالله كان مذموماً مخذولاً، والذي يدل على أن الأمر كذلك وجوه: الأول: أن المشرك كاذب والكاذب يستوجب الذم والخذلان.

الثاني: أنه لما ثبت بالدليل أنه لا إله ولا مدبر ولا مقدر إلا الواحد الأحد، فعلى هذا التقدير تكون جميع النعم حاصلة من الله تعالى، فمن أشرك بالله فقد أضاف بعض تلك النعم إلى غير الله تعالى، مع أن الحق أن كلها من الله، فحينئذ يستحق الذم، لأن الخالق تعالى استحق الشكر بإعطاء تلك النعم فلما جحد كونها من الله، فقد قابل إحسان الله تعالى بالإساءة والجحود والكفران فاستوجب الذم وإنما قلنا إنه يستحق الخذلان، لأنه لما أثبت شريكاً لله تعالى استحق أن يفوض أمره إلى ذلك الشريك، فلما كان ذلك الشريك معدوماً بقي بلا ناصر ولا حافظ ولا معين.

وذلك عين الخذلان.

الثالث: أن الكمال في الوحدة والنقصان في الكثرة، فمن أثبت الشريك فقد وقع في جانب النقصان واستوجب الذم والخذلان، واعلم أنه لما دل لفظ الآية على أن المشرك مذموم مخذول وجب بحكم الآية أن يكون الموحد ممدوحاً منصوراً، والله أعلم.

المسألة الرابعة: القعود المذكور في قوله: ﴿ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً ﴾ فيه وجوه: الأول: أن معناه: المكث أي فتمكث في الناس مذموماً مخذولاً، وهذه اللفظة مستعملة في لسان العرب والفرس في هذا المعنى، فإذا سأل الرجل غيره ما يصنع فلان في تلك البلدة فيقول المجيب: هو قاعد بأسوأ حال معناه: المكث سواء كان قائماً أو جالساً.

الثاني: إن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادماً متفكراً على ما فرط منه.

الثالث: أن المتمكن من تحصيل الخيرات يسعى في تحصيلها، والسعي إنما يتأتى بالقيام، وأما العاجز عن تحصيلها فإنه لا يسعى بل يبقى جالساً قاعداً عن الطلب فلما كان القيام على الرجل أحد الأمور التي بها يتم الفوز بالخيرات، وكان القعود والجلوس علامة على عدم تلك المكنة والقدرة لا جرم جعل القيام كناية عن القدرة على تحصيل الخيرات.

والقعود كناية عن العجز والضعف.

المسألة الخامسة: قال الواحدي: قوله: (فتقعد) انتصب لأنه وقع بعد الفاء جواباً للنهي وانتصابه بإضمار أن كقولك لا تنقطع عنا فنجفوك، والتقدير: لا يكن منك انقطاع فيحصل أن نجفوك فما بعد الفاء متعلق بالجملة المتقدمة بحرف الفاء التي هي حرف العطف.

وإنما سماه النحويون جواباً لكونه مشابهاً للجزاء في أن الثاني مسبب عن الأول، ألا ترى أن المعنى إن انقطعت جفوتك كذلك تقدير الآية إن جعلت مع الله إلهاً آخر قعدت مذموماً مخذولاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَتَقْعُدَ ﴾ من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت، كأنها حربة بمعنى صارت، يعني: فتصير جامعاً على نفسك الذم وما يتبعه من الهلاك من إلهك، والخذلان والعجز عن النصرة ممن جعلته شريكاً له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ في الرِّزْقِ، وانْتِصابُ ﴿ كَيْفَ ﴾ بِـ ﴿ فَضَّلْنا ﴾ عَلى الحالِ.

﴿ وَلَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا ﴾ أيِ التَّفاوُتُ في الآخِرَةِ أكْبُرُ، لِأنَّ التَّفاوُتَ فِيها بِالجَنَّةِ ودَرَجاتِها والنّارِ ودَرَكاتِها.

﴿ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ  والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ.

﴿ فَتَقْعُدَ ﴾ فَتَصِيرَ مِن قَوْلِهِمْ شَحَذَ الشَّفْرَةَ حَتّى قَعَدَتْ كَأنَّها حَرْبَةٌ، أوْ فَتَعْجَزَ مِن قَوْلِهِمْ قَعَدَ عَنِ الشَّيْءِ إذا عَجَزَ عَنْهُ.

﴿ مَذْمُومًا مَخْذُولا ﴾ جامِعًا عَلى نَفْسِكَ الذَّمَّ مِنَ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ والخِذْلانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَفْهُومُهُ أنَّ المُوَحِّدَ يَكُونُ مَمْدُوحًا مَنصُورًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد

الإسراء (٢٢ _ ٢٤)

به أمته {فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً} فتصير جامعاً على نفسك الذم والخذلان وقيل مشتوماً بالإهانة محروماً عن الإعانة إذ الخذلان ضد النصر والعون دليله قوله تعالى إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده حيث ذكر الخذلان بمقابلة النصر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ  ، والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ عَلى حَدِّ: إيّاكِ أعْنِي فاسْمَعِي يا جارَةُ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ عَلى حَدِّ ﴿ ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا ﴾ .

﴿ فَتَقْعُدَ ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى النَّهْيِ، والقُعُودُ قِيلَ بِمَعْنى المُكْثِ كَما تَقُولُ: هو قاعِدٌ في أسْوَأِ حالٍ؛ أيْ: ماكِثٌ ومُقِيمٌ سَواءٌ كانَ قائِمًا أمْ جالِسًا، وقِيلَ: بِمَعْنى العَجْزِ، والعَرَبُ تَقُولُ: ما أقْعَدَكَ عَنِ المَكارِمِ، أيْ: ما أعْجَزَكَ عَنْها، وقِيلَ: بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ مِن قَوْلِهِمْ: شَحَذَ الشَّفْرَةَ حَتّى قَعَدَتْ كَأنَّها حَرْبَةٌ، أيْ: صارَتْ، وتَعَقَّبَ هَذا أبُو حَيّانَ بِأنَّ مَجِيءَ قَعَدَ بِمَعْنى صارَ مَقْصُورٌ عِنْدَ الأصْحابِ عَلى هَذا المَثَلِ ولا يَطَّرِدُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنِ اطَّرَدَ فَإنَّما يَطَّرِدُ في مِثْلِ المَوْضِعِ الَّذِي اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ فِيهِ أوَّلًا، يَعْنِي القَوْلَ المَذْكُورَ فَلا يُقالُ: قَعَدَ كاتِبًا بِمَعْنى صارَ بَلْ قَعَدَ كَأنَّهُ سُلْطانٌ لِكَوْنِهِ مِثْلَ قَعَدَتْ كَأنَّها حَرْبَةٌ، ولَعَلَّ مَن فَسَّرَ القُعُودَ هُنا بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ ذَهَبَ مَذْهَبَ الفَرّاءِ فَإنَّهُ كَما قالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ يَقُولُ بِاطِّرادِ ذَلِكَ، وجَعَلَ مِنهُ قَوْلَ الرّاجِزِ المَذْكُورَ في البَحْرِ والحَواشِي الشِّهابِيَّةِ ولا حُجَّةَ فِيهِ.

وحَكى الكِسائِيُّ: قَعَدَ لا يُسْألُ حاجَةً إلّا قَضاها، واسْتِعْمالُ البَغْدادِيِّينَ عَلى هَذا، ثُمَّ إنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في القُعُودِ بِمَعْنى العَجْزِ فَقِيلَ: هو مَجازٌ مِنَ القُعُودِ ضِدَّ القِيامِ كالمُقْعَدِ بِمَعْنى العاجِزِ عَنِ القِيامِ ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ مُطْلَقِ العَجْزِ، وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنِ العَجْزِ فَإنَّ مَن أرادَ أخْذَ شَيْءٍ يَقُومُ لَهُ، ومَن عَجَزَ قَعَدَ، وأمّا القُعُودُ بِمَعْنى الزَّمانَةِ فَحَقِيقَةٌ، والإقْعادُ مَجازٌ كَأنَّ مَرَضَهُ أقْعَدَهُ وجُعِلَ هَذا القُعُودُ بِمَعْنى المُكْثِ حَقِيقَةً، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ نَظَرًا إلّا أنْ يُرِيدَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً لا لُغَوِيَّةً؛ لِأنَّهُ ضِدُّ القِيامِ، وإذا جُعِلَ القُعُودُ هُنا بِمَعْنى العَجْزِ فالفِعْلُ لازِمٌ ومُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَتَعْجِزُ عَنِ الفَوْزِ بِالمَقْصُودِ مَثَلًا و ﴿ مَذْمُومًا مَخْذُولا ﴾ إمّا خَبَرانِ لِتَقْعُدَ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ، وإمّا حالانِ مُتَرادِفانِ أيْ فَتَقْعُدَ جامِعًا عَلى نَفْسِكَ الخِذْلانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى والذَّمَّ مِنَ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ، أوْ مِن ذَوِي العُقُولِ حَيْثُ اتَّخَذْتَ مُحْتاجًا مُفْتَقِرًا مِثْلَكَ لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا ولا ضَرًّا إلَهًا، ونَسَبْتَ إلَيْهِ ما لا يَصْلُحُ لَهُ، وجَعَلْتَهُ شَرِيكًا لِمَن لَهُ الكَمالُ الذّاتِيُّ وهو الَّذِي خَلَقَكَ ورَزَقَكَ وأنْعَمَ عَلَيْكَ عَلى ما عَداهُ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يُرادَ بِالقُعُودِ حَقِيقَتَهُ؛ لِأنَّ مِن شَأْنِ المَذْمُومِ المَخْذُولِ أنْ يَقْعُدَ حائِرًا مُتَفَكِّرًا وهو مِن بابِ التَّعْبِيرِ بِالحالِ الغالِبَةِ، وفي الآيَةِ إشْعارٌ بِأنَّ المُوَحِّدَ جامِعٌ بَيْنَ المَدْحِ والنُّصْرَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ أي: كلا الفريقين من المؤمنين والكافرين نعطي هؤلاء من أهل الطاعة، وَهَؤُلاءِ من أهل المعصية مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ أي: من رزق ربك.

وقال الحسن: كُلًّا نُمِدُّ أي: نعطي من الدنيا البر والفاجر وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً أي: محبوساً عن البر والفاجر في الدنيا.

انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ في الدنيا بالمال وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ يقول: ولفضائل الآخرة أرفع درجات مما فضلوا في الدنيا وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا أي: وأرفع في الثواب.

وقال الضحاك: وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ في الجنة، فالأعلى يرى فضله على من هو أسفل منه، والأسفل لا يرى أَن فوقه أحدا.

وقال مقاتل: معناه، فضل المؤمنين في الآخرة على الكفار أكبر من فضل الكفار على المؤمنين في المال في الدنيا، وقال بعض الحكماء: إذا أردت هذه الدرجات وهذا التفضيل فاستعمل هذه الخصال التي ذكر في هذه الآيات إلى قوله عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى حيث كتب الله له فيها، أنزلها الله تعالى على نبيه محمد  وهي كلها في التوحيد وهي في الكتب كلها موجودة لم تنسخ قط» وهو قوله تعالى: لاَّ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً أي: ويذمك الناس بفعلك مَخْذُولًا ويخذلك الذي تعبده، فتبقى في النار يذمك الله ويذمك الناس وتذم نفسك مَخْذُولًا أي: يخذلك معبودك ولا ينصرك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

حُكْم الشرع، فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ولا يشكر اللَّه سعياً ولا عملاً إِلا أثابَ عليه، وغفر بسببه ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم في حديثِ الرجُلِ الذي سَقَى الكَلْبَ العاطِشَ: «فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ له «١» » .

وقوله سبحانه: كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ يحتملُ أنْ يريد ب «العطاء» الطاعات لمريد الآخرةِ، والمعاصي لمريد العاجلةِ، وروي هذا التأويل عن ابن «٢» عباس، ويحتمل أن يريد بالعطاء رزقَ الدنيا، وهو تأويل الحسن بن أبي الحسن، وقتادة «٣» ، المعنى أنه سبحانه يرزقُ في الدنيا من يريد العاجلَة ومريدَ الآخرة، وإِنما يقع التفاضُلُ والتبايُنُ في الآخرةِ، ويتناسَبُ هذا المعنى مع قوله: وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً، أي: ممنوعاً، وقَلَّمَا تصلح هذه العبارةُ لمن يمدّ بالمعاصي.

وقوله: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ الآية تُدلُّ دلالةً ما على أن العطاء في التي قبلها الرْزُق، وباقي الآية معناه أوضَحُ من أن يبيَّن.

وقوله سبحانه: لاَّ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا هذه الآية خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم والمراد لجميعِ الخلقِ، قاله الطبري «٤» وغيره، ولا مريةَ في ذمِّ مَنْ نحت عوداً أو حجراً، وأشركه في عبادة ربه.

قال ص: فَتَقْعُدَ، أي: فتصير بهذا فسره الفراء وغيرهُ اه.

«والخذلان» في هذا بإِسلام اللَّه لعبده، ألا يتكفَّل له بنصرٍ، والمخذولُ الذي أسلمه ناصروه، والخاذل من الظباء التي تترك ولدها.

وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (٢٧)

وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً (٢٨)

وقوله سبحانه: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ...

الآية: قَضى، في هذه الآية: هي بمعنى أمر وألزم وأوجب عليكم وهكذا قال الناس، وأقول: إن المعنى وقَضَى ربك أمره، فالمقضِيُّ هنا هو الأمْرُ، وفي مصحفِ ابن مسعود «١» : «وَوَصَّى رَبُّكَ» ، وهي قراءة ابن عباس وغيره، والضمير في تَعْبُدُوا لجميع الخلق وعلى هذا التأويل مضى السلفُ والجمهور، ويحتمل أنْ يكون قَضى على مشهورها في الكلامِ، ويكون الضمير في تَعْبُدُوا للمؤمنين من الناس إِلى يوم القيامة.

وقوله: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ معنى اللفظة أنها اسمُ فعل كأن الذي يريد أن يقول:

أَضْجَرُ أو أتقذَّرُ أو أكْرَه، ونحوَ هذا، يعبِّر إيجازاً بهذه اللفظة، فتعطي معنى الفعْل المذكورِ، وإذا كان النهْيُ عن التأفيفِ فما فوقه من باب أحَرى، وهذا هو مفهومُ الخِطَابِ الذي المسكُوتُ عنه حُكْمُهُ حكْمُ المذكور.

قال ص: وقرأ الجمهور الذُّلِّ بضم الذال، وهو ضد العِزِّ، وقرأ ابن عباس «٢» وغيره بكسرها، وهو الانقيادُ ضدُّ الصعوبة انتهى، وباقي الآية بيِّن.

قال ابن الحاجب في «منتهى الوُصول» ، وهو المختصَرُ الكَبِير: المفهومُ ما دَلَّ عليه اللفظُ في غَيْرِ مَحَلِّ النُّطْق، وهو: مفهوم موافقة، ومفهومُ مخالفة، فالأول: أنْ يكون حُكْمُ المفهومِ موافقاً للمنطوق في الحُكْم، ويسمَّى فَحْوَى الخطابِ، ولَحْنَ الخِطَابِ، كتحريم الضَّرْبِ من قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وكالجَزَاء/ بما فَوْقَ المِثْقالِ من قوله تعالى:

وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [الزلزلة: ٧] ، وكتأديةِ ما دُونَ القْنطار من قوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: ٧٥] وعدم تأدية ما فوق الدينار من قوله تعالى: بِدِينارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: ٧٥] وهو من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى، والأعلى على الأدنى، فلذلك كان الحُكم في المسكوتِ أولى، وإِنما يكون ذلك إِذا عُرِفَ المقصودُ من الحُكْم، وأنه أشدُّ مناسبةً في المسكوت كهذه الأمثلة، ومفهومُ المخالفة: أنْ يكونَ المَسْكُوتُ عنه مخالفاً للمنطوقِ به في الحُكْم ويسمَّى دليلَ الخطاب «١» وهو أقسامٌ: مفهومُ الصفة «٢» مثل: «في الغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ» ، ...

ومفهومُ الشرط «١» ، مثل: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ [الطلاق: ٦] ...

ومفهوم الغاية «١» ، مثل: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠] .

ومفهوم إنَّما «١» مثل: «إنما الرِّبَا في النَّسِيئَةِ» ومفهومُ الاستثناء «٢» مِثل: لا إله إلا الله ومفهوم العددِ الخاصِّ «٣» ، مثلَ: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً [النور: ٤] ، ومفهوم حصر

المبتدإِ «١» مثل: العِالمُ زَيْد، وشرطُ مفهومِ المخالفة عْند قائله ألاَّ يظهر أن المسكوتَ عنه أولى ولا مساوياً كمفهومِ الموافَقَةِ، ولا خرج مخرج الأعمّ الأغلب، مثل: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [النساء: ٢٣] فأما مفهومُ الصفةِ، فقال به الشافعيُّ، ونفاه الغَزَّاليُّ وغيره.

انتهى.

وفسَّر الجمهوُرُ الأوَّابين بالرَّجَّاعين إلى الخير، وهي لفظة لزم عُرْفُها أهْلَ الصلاح.

ت: قال عَبْدُ الحقِّ الأشَبِيليُّ: وأعَلَمْ أنَّ الميت كالحيِّ فيما يُعْطَاه ويُهْدى إِليه، بل الميت أكثر وأكثر لأن الحي قد يستقلُّ ما يُهْدَى إِليه، ويستحقرُ ما يُتْحَفُ به، والميت لا يستحقر شيئاً من ذلك، ولو كان مقدارَ جناحِ بعوضةٍ، أو وزْنَ مثقالِ ذرةٍ، لأنه يعلم قيمته، وقد كان يقدر عليه، فضيَّعه، وقد قال عليه السلام: «إِذَا مَاتَ الإِنسانُ انقطع عمله إلّا من ثلاث: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةَ جَارِيَةٍ، أَوْ علْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» «٢» فهذا دعاء

الولدِ يصلُ إِلى والده، وينتفعُ به، وكذلك أمره عليه السلام بالسَّلاَمِ على أهْلِ القُبُورِ والدعاءِ لهمْ «١» ما ذاك إِلا لكونِ ذلك الدعاءِ لهُمْ والسلام عليهمْ، يصلُ إليهم ويأتيهم، والله

أعلم، وروي عنه عليه السلام أنه قال: «لكون الميِّتُ في قَبْرِهِ كالغَرِيقِ يَنْتَظرُ دَعْوَةً تَلْحَقُهُ من ابْنِهِ أَو أَخِيهِ أو صَدِيقِهِ، فَإِذَا لَحِقَتْهُ، كَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدَّنْيا وَمَا فِيهَا» والأخبارُ في هذا الباب كثيرةٌ انتهى من «العاقبة» .

ت: وروى مالك في «الموطإ» عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيَّب، أنه قال: كان يقال: إِن الرجُلَ ليُرْفَعُ بدعاءِ ولده من بعده وأشارَ بيَدِهِ نحو السماء «١» .

قال أبو عمرو: وقد روّيناه بإسناد جيِّدٍ، ثم أسند عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ العَبْدَ الدَّرَجَةَ، فَيقُولُ: أَيْ رَبِّ، إِنَّى لي هَذِهِ الدَّرَجَةُ؟

فَيقالُ: باسْتِغْفَارَ وَلَدِكَ لَكَ» انتهى من «التمهيد» «٢» ، وروِّينا في «سنن أبي داود» أنَّ رجُلاً مِنْ بني سَلَمَةَ قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقيَ مِنْ برِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ، أَبُّرُهُمَا/ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟

قَالَ: نَعَمْ الصَّلاَةُ عَلَيْهما، والاسْتِغْفَارُ لَهُما وإِنْفَاذُ عَهْدِهِما مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصَلَةُ الرَّحِمِ التي لاَ تُوَصَلُ إِلاَّ بِهمَا، وإِكْرَامُ صَدِيِقِهَما» «٣» انتهى.

وقوله سبحانه: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ...

الآية: قال الجمهورُ: الآية وصيةٌ للنَّاس كلِّهم بصلة قرابتهم، خوطِبَ بذلك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والمراد الأمة، «والحَقُّ» ، في هذه الآية، ما يتعيَّن له مِنْ صلة الرحم، وسدِّ الخُلْة، والمواساةِ عند الحاجة بالمالِ والمعونةِ بكلِّ وجْه قال بنحو هذا الحسنُ وابن عباس وعكرمة «٤» وغيرهم، «والتبذير» إِنفاق المال في فسادٍ أو في سرفٍ في مباحٍ.

وقوله تعالى: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ، أي: عمَّن تقدَّم ذكره من المساكين وابن السبيل، فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً، أي: فيه ترجيةٌ بفضل اللَّه، وتأنيسٌ بالميعاد الحسنِ، ودعاءٌ في توسعة اللَّه وعطائه، وروي أنه صلّى الله عليه وسلّم كان يقولُ بَعْدَ نزولِ هذه الآية، «إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُعْطِي: يَرْزُقُنا اللَّهُ وإيّاكم من فضله» «٥» والرحمة على هذا التأويل: الرزق

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " كُلًّا " مَنصُوبٌ بـِ " نُمِدُّ "، " هَؤُلاءِ " بَدَلٌ مِن " كُلِّ "، والمَعْنى: نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: كُلًّا نُعْطِي مِنَ الدُّنْيا، البَرُّ والفاجِرُ، والعَطاءُ هاهُنا: الرِّزْقُ، والمَحْظُورُ: المَمْنُوعُ، والمَعْنى: أنَّ الرِّزْقَ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، والآَخِرَةُ لِلْمُتَّقِينَ خاصَّةً.

( انْظُرْ ) يا مُحَمَّدُ، ﴿ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ وفِيما فُضِّلُوا فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الرِّزْقُ، مِنهم مُقِلٌّ ومِنهم مُكْثِرٌ.

والثّانِي: الرِّزْقُ والعَمَلُ، فَمِنهم مُوَفَّقٌ لِعَمَلٍ صالِحٍ، ومِنهم مَمْنُوعٌ مِن ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  ، والمَعْنى عامٌّ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ.

والمَخْذُولُ: الَّذِي لا ناصِرَ لَهُ، والخُذْلانُ: تَرْكُ العَوْنِ.

قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ حِينَ دَعَوْا رَسُولَ اللَّهِ  إلى مِلَّةِ آَبائِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾ ﴿ وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا ﴾ ﴿ كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءِ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا ﴾ ﴿ لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا ﴾ المَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ الدُنْيا العاجِلَةَ، ولا يَعْتَقِدُ غَيْرَ هَذا، ولا يُؤْمِنُ بِآخِرَةِ، فَهو يُفَرِّغُ أمَلَهُ ومُعْتَقَدَهُ لِلدُّنْيا، فَإنَّ اللهَ تَعالى يُعَجِّلُ لِمَن يُرِيدُ مِن هَؤُلاءِ ما يَشاءُ هَذا المُرِيدُ، أو ما يَشاءُ اللهُ تَعالى -عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "نَشاءُ" بِالنُونِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لِمَن نُرِيدُ ﴾ شَرْطٌ كافٍ عَلى القِراءَتَيْنِ، ثُمَّ يَجْعَلُ اللهُ تَعالى جَهَنَّمَ لِجَمِيعِ مَن يُرِيدُ العاجِلَةَ -عَلى جِهَةِ الكَفْرِ- مَن أعْطاهُ فِيها ما يَشاءُ ومَن حَرَمَهُ.

قالَ أبُو إسْحاقٍ الفَزارِيُّ: لِمَن نُرِيدُ هَلَكَتَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَشاءُ" بِالنُونِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا: "يَشاءُ" بِالياءِ.

و"المَدْحُورُ": المُهانُ المُبْعَدُ المُذَلَّلُ المَسْخُوطُ عَلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أرادَ الآخِرَةَ ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: ومَن أرادَ الآخِرَةَ إرادَةَ يَقِينٍ بِها وبِاللهِ وبِرِسالَتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ كُلُّهُ مُرْتَبِطٌ بِتَلازُمٍ.

ثُمَّ شَرَطَ في مُرِيدِ الآخِرَةِ أنْ يَسْعى لَها سَعْيَها، وهو مُلازِمَةُ أعْمالِ الخَيْرِ وأقْوالِهِ عَلى حُكْمِ الشَرْعِ وطُرُقِهِ، فَأُولَئِكَ يَشْكُرُ اللهُ سَعْيَهُمْ، ولا يَشْكُرُ اللهُ عَمَلًا ولا سَعْيًا إلّا أثابَ عَلَيْهِ وغَفَرَ بِسَبَبِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  في حَدِيثِ الرَجُلِ الَّذِي سَقى الكَلْبَ العاطِشَ، «فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلا نُمِدُّ ﴾ الآيَةُ.

نَصَبَ "كُلًّا" بِـ "نُمِدُّ".

وأمْدَدْتُ الشَيْءَ إذا زِدْتُ فِيهِ مَن غَيْرِ نَوْعِهِ، ومَدَدْتُ إذا زِدْتَ فِيهِ مِن نَوْعِهِ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، يُقالُ: مَدَّ وأمَدَّ.

و"هَؤُلاءِ" بَدَلٌ مِن "كُلًّا"، فَهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن عَطاءِ رَبِّكَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِنَ الطاعاتِ لِمَن يُرِيدُ الآخِرَةَ، والمَعاصِي لِمَن يُرِيدُ العاجِلَةَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالعَطاءِ رِزْقَ الدُنْيا، وهَذا هو تَأْوِيلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ وقَتادَةَ، أيْ إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَرْزُقُ في الدُنْيا مُرِيدِي الآخِرَةَ المُؤْمِنِينَ، ومُرِيدِي العاجِلَةَ مِنَ الكافِرِينَ، ويَمُدُّهم بِعَطائِهِ مِنها، وإنَّما يَقَعُ التَفاضُلُ والتَبايُنُ في الآخِرَةِ، ويَتَناسَبُ هَذا المَعْنى مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ ، أيْ إنَّ رِزْقَهُ في الدُنْيا لا يَضِيقُ عن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ وقَلَّما تَصْلُحُ هَذِهِ العِبارَةُ لِمَن يَمُدُّ بِالمَعاصِي الَّتِي تُوبِقُهُ.

و"المَحْظُورُ": المَمْنُوعُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ آيَةٌ تَدُلُّ دَلالَةً عَلى أنَّ العَطاءَ في الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها هو الرِزْقُ، وفي ذَلِكَ يَتَرَتَّبُ أنْ يَنْظُرَ مُحَمَّدٌ  إلى تَفْضِيلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِبَعْضٍ عَلى بَعْضٍ في الرِزْقِ ونَحْوَهُ مِنَ الصُوَرِ والشَرَفِ والجاهِ والحُظُوظِ، وبَيِّنٌ أنْ يَكُونَ التَفْضِيلُ الَّذِي يَنْظُرُ إلَيْهِ النَبِيُّ  أنْ أعْطى اللهُ قَوْما الطاعَةَ المُؤَدِّيَةَ إلى الجَنَّةِ، وأعْطى آخَرِينَ الكُفْرَ المُؤَدِّيَ إلى النارِ، وهَذا قَوْلُ الطَبَرِيِّ، وهَذا إنَّما هو النَظَرُ في تَفْضِيلِ فَرِيقٍ عَلى فَرِيقٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ فالنَظَرُ في تَفْضِيلِ شَخْصٍ عَلى شَخْصٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومِنَ الكافِرِينَ كَيْفَما قَرَنَتْهُما.

ثُمَّ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ التَفْصِيلَ الأكْبَرَ إنَّما يَكُونُ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ أكْبَرُ دَرَجاتٍ ﴾ لَيْسَ في اللَفْظِ: "مِن أيِّ شَيْءٍ" لَكِنَّهُ في المَعْنى -وَلا بُدَّ- أكْبَرُ دَرَجاتٍ مِن كُلِّ ما يُضافُ بِالوُجُودِ أو بِالفَرْضِ إلَيْها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأكْبَرُ تَفْضِيلا ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَأى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ هَذِهِ الدَرَجاتِ والتَفْضِيلَ إنَّما هو فِيما بَيْنُ المُؤْمِنِينَ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا نَصُّهُ: « "إنَّ بَيْنَ أعْلى الجَنَّةِ وأسْفَلِها دَرَجَةً كالنَجْمِ يُرى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبَها".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قِيلَ: وقَدْ رَضّى اللهُ الجَمِيعَ فَما يَغْبِطُ أحَدٌ أحَدًا ولا يَتَمَنّى ذَلِكَ بَدَلًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الآيَةُ.

الخُطّابُ لِمُحَمَّدٍ  ، والمُرادُ: جَمِيعُ الخَلْقِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ، و"الذَمُّ" هُنا لاحِقٌ مِنَ اللهِ تَعالى ومِن ذَوِي العُقُولِ في أنْ يَكُونَ الإنْسانُ يَجْعَلُ عُودًا أو حَجَرًا أفْضَلَ مِن نَفْسِهِ، ويَخُصُّهُ بِالكَرامَةِ، ويَنْسُبُ إلَيْهِ الأُلُوهِيَّةَ، ويُشْرِكُهُ مَعَ اللهِ الَّذِي خَلَقَهُ ورَزَقَهُ وأنْعَمَ عَلَيْهِ.

و"الخِذْلانُ" في هَذا يَكُونُ بِإسْلامِ اللهِ تَعالى، وألّا يَكْفُلَ لَهُ بِنَصْرٍ، و"المَخْذُولُ": الَّذِي لا يَنْصُرُهُ مَن يَجِبُ أنْ يَنْصُرَهُ، و"الخاذِلُ" مِنَ الظِباءِ الَّتِي تَتْرُكُ ولَدَها، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الراعِي: ؎ قَتَلُوا ابْنَ عَفّانَ الخَلِيفَةَ مُحْرِمًا ∗∗∗ وسَعى فَلَمْ أرَ مِثْلَهُ مَخْذُولا <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تذييل هو فذلكة لاختلاف أحوال المسلمين والمشركين، فإن خلاصة أسباب الفوز ترك الشرك لأن ذلك هو مبدأ الإقبال على العمل الصالح فهو أول خطوات السعي لمريد الآخرة، لأن الشرك قاعدة اختلال التفكير وتضليل العقول، قال الله تعالى في ذكر آلهة المشركين ﴿ وما زادوهم غير تتبيب ﴾ [هود: 101].

والخطاب للنبيء تبعٌ لخطاب قوله: ﴿ انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ﴾ [الإسراء: 21].

والمقصود إسماعُ الخطاب غيره بقرينة تحقق أن النبي قائم بنبذ الشرك ومُنْح على الذين يعبدون مع الله إلهاً آخر.

وتقعد} مستعار لمعنى المكث والدوام.

أريد بهذه الاستعارة تجريد معنى النهي إلى أنه نهي تعريض بالمشركين لأنهم متلبسون بالذم والخذلان.

فإن لم يقلعوا عن الشرك داموا في الذم والخذلان.

والمذموم: المذكور بالسوء والعيب.

والمخذول: الذي أسلمه ناصره.

فأما ذمه فمن ذوي العقول، إذ أعظم سُخرية أن يتخذ المرء حجراً أو عُوداً رباً له ويعبده، كما قال إبراهيم عليه السلام ﴿ أتعبدون ما تنحتون ﴾ [الصافات: 95]، وذمهُ من اللّهِ على لسان الشرائع.

وأما خذلانه فلأنه اتخذ لنفسه ولياً لا يغني عنه شيئاً ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ﴾ [فاطر: 14]، وقال إبراهيم عليه السلام ﴿ يا أبت لِمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً ﴾ [مريم: 42]، وخذلانه من الله لأنه لا يتولى من لا يتولّاه قال: ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن لكافرين لا مولى لهم ﴾ [محمّد: 11] وقال ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ﴾ [غافر: 50].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ ﴾ مَعْناهُ وأمَرَ رَبُّكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ.

وَكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَقْرَآنِ (وَوَصّى رَبُّكَ) قالَهُ الضَّحّاكُ، وكانَتْ في المُصْحَفِ: ووَصّى رَبُّكَ لَكِنْ ألْصَقَ الكاتِبُ الواوَ فَصارَتْ ﴿ وَقَضى رَبُّكَ ﴾ ﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ مَعْناهُ ووَصّى بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، يَعْنِي أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِما بِالبِرِّ بِهِما في الفِعْلِ والقَوْلِ.

﴿ إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَبْلُغَنَّ كِبَرَكَ وكَمالَ عَقْلِكَ.

الثّانِي: يَبْلُغانِ كِبَرَهَما بِالضَّعْفِ والهَرَمِ.

﴿ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ﴾ يَعْنِي حِينَ تَرى مِنهُما الأذى وتُمِيطَ عَنْهُما الخَلا، وتُزِيلَ عَنْهُما القَذى فَلا تَضْجَرْ، كَما كانا يُمِيطانِهِ عَنْكَ وأنْتَ صَغِيرٌ مِن غَيْرِ ضَجَرٍ.

وَفي تَأْوِيلِ: ﴿ أُفٍّ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كُلُّ ما غَلُظَ مِنَ الكَلامِ وقَبُحَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْتِقْذارُ الشَّيْءِ وتَغَيُّرُ الرّائِحَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّها كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى التَّبَرُّمِ والضَّجَرِ، خَرَجَتْ مَخْرَجَ الأصْواتِ المَحْكِيَّةِ.

والعَرَبُ تَقُولُ أُفٍّ وتُفٍّ، فالأُفُّ وسَخُ الأظْفارِ، والتُّفُّ ما رَفَعْتَهُ مِنَ الأرْضِ بِيَدِكَ مِن شَيْءٍ حَقِيرٍ.

﴿ وَقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَيِّنًا.

والآخَرُ: حَسَنًا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والآيَةُ الَّتِي بَعْدَها في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ مذموماً ﴾ يقول ملوماً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فتقعد مذموماً ﴾ يقول: في نقمة الله ﴿ مخذولاً ﴾ في عذاب الله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ المفسرون على أن هذا خطاب للنبيّ -  -، والمعنى عام لجميع المكلفين (١) ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ  ﴾ ، ويحتمل أن يكون الخطاب للإنسان، كأنه قيل: ﴿ لَا تَجْعَلْ ﴾ : أيها الإنسان مع الله إلهًا آخر.

وقوله تعالى: ﴿ فَتَقْعُدَ ﴾ انتصب؛ لأنه وقع بعد الفاء جوابًا للنهي، وانتصابه بإضمار (أن)؛ كقولك: لا تنقطع عنا فنجفوك، وتقديره: لا يكن منك انقطاع، فإن جوابه (٢) (٣) (٤) ﴿ مَذْمُومًا مَخْذُولًا ﴾ ، والمخذول: الذي لا عاصم له ولا ناصر؛ يقال: خذله يخذله خِذْلانًا (٥) (١) ورد بنحوه في الطبري 15/ 62، والثعلبي 7/ 106 ب، والطوسي 6/ 464.

(٢) في جميع النسخ (صوابه)، والصواب ما أثبته، ويدل عليه سياق الكلام بعده.

(٣) في (أ)، (د): (نجفا)، والمثبت من (ش)، (ع).

(٤) في (أ): (سنه)، وفي (د): (سننه)، وفي (ش)، (ع): (شبيه)، والصواب ما أثبته، وهو الأنسب للسياق.

(٥) ساقطة من (د).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة ﴾ الآية: في الكفار الذين يريدون الدنيا، ولا يؤمنون بالآخرة، على أن لفظها أعم من ذلك، والمعنى أنهم يعجل الله لهم حظاً من الدنيا بقيدين: أحدهما تقييد المقدار المعجل بمشيئة الله، والآخر: تقييد الشخص المعجل له بإرادة الله، ولمن نريد بدل من له، وهو بدل بعض من كل ﴿ مَّدْحُوراً ﴾ أي مبعداً أو مهاناً ﴿ وسعى لَهَا سَعْيَهَا ﴾ أي عمل لها عملها ﴿ كُلاًّ نُّمِدُّ ﴾ انتصب كلاً بنمد وهو من المدد ومعناه: نزيدهم من عطائنا ﴿ هؤلاء وهؤلاء ﴾ بدل من كلاً، والإشارة إلى الفريقين المتقدمين ﴿ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ ﴾ يعني رزق الدنيا، وقيل: من الطاعات لمن أراد الآخرة، ومن المعاصي لمن اراد الدنيا، والأول أظهر ﴿ مَحْظُوراً ﴾ أي ممنوعا ﴿ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ ﴾ يعني في رزق الدنيا ﴿ لاَّ تَجْعَل ﴾ خطاب لواحد، والمراد به جميع الخلق، لأن المخاطب غير معين ﴿ مَذْمُوماً ﴾ أي يذمه الله وخيار عباده ﴿ مَّخْذُولاً ﴾ أي غير منصور.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يبلغان ﴾ مثنى: حمزة وعلي وخلف ﴿ أف ﴾ بالجر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص ﴿ أف ﴾ بالفتح: ابن كثير وابن ذكوان وابن عامر وسهل ويعقوب غير مجاهد والمفضل.

والباقون بالكسر.

﴿ تبصطها كل البصط ﴾ مثل: ﴿ بصطة ﴾ ﴿ خطأ ﴾ بفتحتين من غير مد: يزيد وابن ذكوان غير ابن مجاهد ﴿ خطأ ﴾ بالفتح ثم السكون: ابن مجاهد عن ابن ذكوان ﴿ خطاء ﴾ بالكسر والمد: ابن كثير.

الباقون بالكسر ثم السكون ﴿ فلا تسرف ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

﴿ بالقسطاس ﴾ مكسور القاف حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل.

وقرأ أبو نشيط والشموني غير النقاد بالصاد ﴿ سيئه ﴾ على إضافة سيء إلى ضمير ﴿ كل ﴾ : حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر وسهل.

الآخرون ﴿ سيئة ﴾ علم التأنيث.

الوقوف: ﴿ مخذولاً ﴾ ه ﴿ إحساناً ﴾ ، ط ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ صغيراً ﴾ ، ط ﴿ في نفوسكم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ تبذيراً ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ط ﴿ كفوراً ﴾ ، ﴿ ميسوراً ﴾ ه ﴿ محسوراً ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ، ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ إملاق ﴾ ط ﴿ وإياكم ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ فاحشة ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ إلا بالحق ﴾ ط لأن الشرط في أمر قد يقع نادراً خارجاً عن النهي.

﴿ في القتل ﴾ ط ﴿ منصوراً ﴾ ه ﴿ أشده ﴾ ز ﴿ بالعهد ﴾ ج على تقدير فإن.

﴿ مسئولاً ﴾ ه ﴿ المستقيم ﴾ ط ﴿ تأويلا ﴾ ه ﴿ به علم ﴾ ط ﴿ مسئولاً ﴾ ه ﴿ مرحاً ﴾ ج لاحتمال إضمار الفاء أو اللام ﴿ طولا ﴾ ه ﴿ مكروهاً ﴾ ه ﴿ الحكمة ﴾ ط ﴿ مدحوراً ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ .

التفسير: لما أجمل أعمال البر في قوله: ﴿ وسعى لها سعيها وهو مؤمن ﴾ أخذ في تفصيل ذلك مبتدئاً بأشرفها الذي هو التوحيد فقال: ﴿ لا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ والخطاب للنبي  في الظاهر ولكنه في الحقيقة عام للمكلفين، ويحسن أن يقال: إن الخطاب للإنسان كأنه قيل: يا أيها الإنسان لا تجعل أو القول مضمر أي قل لكل مكلف لا تجعل ومما يؤيد ذلك قوله: ﴿ وقضى ربك ﴾ فإن ذلك الخطاب لا يليق بالنبي  لأن أبويه ما بلغا الكبر عنده.

وانتصب قوله: ﴿ فتقعد ﴾ على أنه جواب للنهي والفاء في التحقيق عاطفة والتقدير: لا يكن منك جعل فقعود.

وفيه وجوه منها.

أن المراد به المكث يقال: ما يصنع فلان فيقال هو قاعد بأسوأ حال أي ماكث سواء كان قائماً أو جالساً.

ومنها أن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادماً متفكراً على ما فرط منه، فالقعود على هذا حقيقة.

ومنها أنه كناية عن عدم القدرة على تحصيل الخيرات فإن السعي فيه إنما يتأتى بالقيام والعجز عنه يلزمه أن يبقى قاعداً عن الطلب.

ومنه أنه بمعنى الصيرورة من قولهم: "شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة" بمعنى صارت.

ولا ريب أن المشرك جامع على نفسه الذم والخذلان لأنه بشركه يضيف بعض النعم الحاصلة في حقه من الله إلى غيره فيستوجب الذم بالكفران ويستحق الخذلان من حيث إنه لما فوض أمره إلى الشريك المعدوم أو العاجز الناقص بقى بلا ناصر ومعين.

وأيضاً الكمال في الوحدة والنقصان في الكثرة، فمثبت الشريك واقع في جانب النقصان فيورثه الذم والخذلان.

ولما ذكر ما هو الركن الأعظم في الإيمان أتبعه سائر الشعائر والشرائع فقال: ﴿ وقضى ربك ﴾ أي أمر أمراً جزماً وحكم حكماً قطعاً ﴿ ألا تعبدوا ﴾ أي بأن لا تعبدوا فـ"أن" ناصبة ويجوز أن تكون مفسرة، والفعل النهي معناه أي لا يعبدوا.

وقد روى الضحاك وسعيد بن جبير وميمون بن مهران عن ابن عباس أنه كان الأصل في هذه الآية "ووصى ربك" وبه قرأ علي وعبد الله فالتصقت الواو بالصاد فقرىء: ﴿ وقضى ربك ﴾ ثم قال: ولو كان على القضاء ما عصى الله أحد قط لأن خلاف قضاء الله ممتنع.

وضعف هذا القول بأنه يوجب تجويز وقوع التحريف والتصحيف في القرآن.

أمر بعبادة نفسه ثم أردفه بالأمر ببر الوالدين وتقدير الكلام بأن تحسنوا بالوالدين أو وأحسنوا بالوالدين إحساناً، ولا يجوز أن يتعلق الباء في ﴿ بالوالدين ﴾ بالإحسان على ما ذهب إليه الواحدي، لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته وقد مر في أوائل البقرة تفسير قوله: ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ وأنه لم يجعل الإحسان إليهما تالياً لعبادة الله.

يحكى أن واحداً من المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد وعرضني للفقر والعمى والزمانة.

وقيل لأبي العلاء المعري: ماذا نكتب على قبرك؟

قال: اكتبوا عليه: هذا ما جناه أبي علي *** وما جنيت على أحد وقال في ترك التزوج والولد: وتركت فيهم نعمة العدم التي *** سبقت وصدّت عن نعيم العاجل ولو أنهم ولدوا لعانوا شدة *** ترمى بهم في موبقات الآجل وقيل للإسكندر: أستاذك أعظم منَّة عليك أم والدك؟

فقال: الأستاذ أعظم منة لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعلمي حتى أرتعني في نور العلم، فأما الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه فأخرجني إلى آفات عالم الكون والفساد.

ومن هنا قيل: "خير الآباء من علمك".

وقال العقلاء: وهب أن الوالد في أول الأمر طلب لذة الوقاع إلا أن اهتمامه بإيصال الخيرات إلى الولد ودفع الآفات عنه من أول دخول الولد في الوجود إلى أوان كبره بل إلى آخر عمره لا ينكر ولا يكفر، ولهذا نكر ﴿ إحساناً ﴾ أي أحسنوا إليهما إحساناً عظيماً كاملاً جزاء على وفور إحسانهما إليك، على أن البادىء بالبر لا يكافأ لأنه أسبق منه.

ثم فصل طرفاً من الإحسان المأمور به فقال: ﴿ أما يبلغن ﴾ هي "إن" الشرطية زيدت عليها "ما" الإبهامية لتأكيد معنى الشرط، ثم أدخلت النون المشددة لزيادة التقرير والتأكيد كأنه قيل: إن هذا الشرط مما سيقع ألبتة عادة فليكن هذا الجزاء مرتباً عليه وإلا فالتقرير والتأكيد ليس يليق بالشرط الذي مبناه على تردد الحكم.

وقال النحويون: إن الشرط أشبه النهي من حيث الجزم وعدم الثبوت فلهذا صح دخول النون المؤكدة فيه.

من قرأ الفعل على التوحيد فقوله: ﴿ أحدهما أو كلاهما ﴾ فاعل له لكن الأول بالاستقلال والثاني بتبعية العطف، ومن قرأ على التنبيه فأحدهما يدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين، وكلاهما عطف علىالبدل فهو بدل مثله.

ولا يصح أن يكون توكيد للضمير معطوفاً على البدل لاستلزام العطف المشاركة دون المباينة.

﴿ وكلاهما ﴾ مفرد لفظاً مثنى معنى، وألفه عن واو عند الكوفيين وأصله كل المفيد للإحاطة فخفف بحذف إحدى اللامين وزيد ألف التثنية ليعرف أن المراد الإحاطة في المثنى لا في الجمع.

وضعف بأنه لو كان كذلك لوجب أن يقال في الخفض والنصب "مررت بكلي الرجلين" بكسر الياء كقوله ﴿ طرفي النهار  ﴾ ﴿ يا صاحبي السجن  ﴾ قال في الكشاف: معنى ﴿ عندك ﴾ هو أن يكبرا ويعجزا وكانا كلاً على ولدهما لا كافل لهما غيره فهما عنده في بيته وكنفه.

وفي ﴿ أف ﴾ لغات: ضم الهمزة مع الحركات في الفاء الثلاث بالتنوين وبدونه.

وأف بكسرتين بلا تنوين.

وأفى ممالاً كبشرى، وأف كخذ، وأفة منونة وغير ممنونة وقد تتبع المنونة تفة فيقال: أفة وتفة وهي من أسماء الأفعال.

وفي تفسيرها وجوه: قال الفراء: تقول العرب فلان يتأفف من ريح وجدها أي يقول: أف أف.

وقال الأصمعي: الأف وسخ الأذن، والتف وسخ الأظفار.

يقال ذلك عند استقذار الشيء ثم كثر حتى استعملوه في كل ما يتأذون به.

وقيل: معنى "أف" القلة من الأفيف وهو الشيء القليل، وتف اتباع له نحو شيطان ليطان وحيث بيث وخبيث نبيث.

وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أن الأف الضجر.

وقال القتيبي: أصله أنه إذا سقط عليه تراب ونحوه نفخ فيه ليزيله، فالصوت الحاص عند تلك النفخة هو القائل أف، ثم توسعوا فذكروه عند كل مكروه يصل إليهم، قال الزجاج: معناه النتن وبه فسر مجاهد الآية أي لا تتقذرهما كما أنهما لم يتقذراك حين كنت تخر أو تبول.

وفي رواية أخرى عن مجاهد: إذا وجدت منهما رائحة تؤذيك فلا تقل لهما أف أي لا تقل تضجرت أو أتضجر.

قال بعض الأصوليين: منع التأفيف يدل على المنع من سائر أنواع الأذية دلالة لفظية.

ومعنى الآية لا تتعرض لهما بنوع من أنواع الإيذاء والإيحاش كما أن قولك لا يملك فلا نقيراً ولا قطميراً يدل في العرف على أنه لا يملك شيئاً أصلاً، وقال الأكثرون منهم: إن الشرع إذا نص على حكم صورة وسكت عن صورة أخرى، فإذا أردنا إلحاق المسكوت عنها بالمنصوص عليها فإما أن يكون الحكم في محل السكوت أخفى من الحكم في محل الذكر وهو أكثر القياسات، وإما أن يتساويا كقوله  : "من أعتق نصيباً من عبد حرم عليه الباقي" فإن الحكم في الأمة والعبد يتساويان.

وإما أن يكون الحكم في محل المسكوت أظهر وهو القياس الجلي ومثاله المنع من التأفيف فإنه مغاير للمنع من الضرب عقلاً، لأن الملك الكبير إذا أخذ ملكاً آخر عدواً له فقد يقول للجلاد إياك وأن تستخف به أو تشافهه بكلمة موحشة لكن اضرب رقبته.

فهذا معقول في الجملة إلا أن قرينة تعظيم الوالدين صيره من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى، فدل على المنع من جميع أنواع الإيذاء.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ ولا تنهرهما ﴾ والنهر والنهي أخوان يقال: نهره وانتهره وإذا استقبله بكلام يزجره.

﴿ وقل لهما ﴾ بدل التأفيف والنهر ﴿ قولاً كريماً ﴾ جميلاً مشتملاً على حسن الأدب ورعاية دقائق المروة والحياء والاحتشام.

وقال عمر بن الخطاب القول الكريم أن يقول له: "يا أبتاه" "يا أماه" دون أن يسميهما باسمهما.

وقول إبراهيم لأبيه آزر بالضم على النداء، تقديم لحق الله على حق الأبوين.

قالوا: ولا بأس به في الغيبة كما قالت عائشة: نحلني أبو بكر كذا، أو سئل سعيد بن المسيب عن القول الكريم فقال: هو قول العبد المذنب للسيد الفظ ﴿ واخفض لهما جناح الذل ﴾ ذكر القفال في معنى خفض الجناح وجهين: الأول أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحيه فلهذا صار خفض الجناح كناية عن حسن التدبير فكأنه قال للولد: اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك في حال صغرك.

والثاني أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه، وإذا أراد النزول خفض جناحه، فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع وترك الارتفاع.

وفي إضافة الجناح إلى الذل وجهان: الأول أنها كإضافة حاتم إلى الجود في قولك: "حاتم الجود" فالأصل فيه الجناح الذليل أو الذلول.

والثاني سلوك سبيل الاستعارة كأنه تخيل للذل جناحاً ثم أثبت لذلك الجناح خفضاً كقول لبيد: إذ أصبحت بيد الشمال زمامها.

فأثبت للشمال يداً ثم وضع زمام الريح في يد الشمال.

وقوله: ﴿ من الرحمة ﴾ في "من" معنى التعليل أي من أجل فرط الشفقة والعطف عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، ولا تكتف برحمتك التي لا دوام لها ﴿ و ﴾ لكن ﴿ قل رب ارحمهما كما ربياني ﴾ ليس المراد رحمة مثل رحمتهما عليّ.

وأما الكاف فلاقتران الشيئين في الوجود أي كما وقع تلك فتقع هذه.

والتربية التنمية ربا الشيء إذا انتفخ وزاد.

قال بعض المفسرين: هذه الآية منسوخة بقوله  : ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  ﴾ وقيل: مخصوصة لأن التخصيص أولى من النسخ، وقيل: لا نسخ ولا تخصيص لأن الوالدين إذا كانا كافرين فله أن يدعو فله أن يدعو الله لهما بالهداية والإرشاد وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان.

ثم إن ظاهر الأمر للوجوب من غير تكرار فيكفي في العمر مرة واحدة ﴿ رب ارحمهما ﴾ وسئل سفيان كم يدعو الإنسان لوالديه أفي كل يوم مرة أو في كل شهر أو في كل سنة؟

فقال: نرجو أن يجزيه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات كما أن الله تعالى قد قال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه  ﴾ .

وكانوا يرون الصلاة عليه في التشهد.

وكما قال الله  : ﴿ واذكروا الله في أيام معدودات  ﴾ فهم يذكرون في أدبار الصلاة.

قلت: ويشبه أن يدعو لهما أيضاً كلما ذكرهما أو ذكر شيئاً من إنعامهما.

وسئل أيضاً عن الصدقة عن الميت فقال: كل ذلك واصل إليه ولا شيء أنفع له من الاستغفار، ولو كان شيء أفضل منه لأمركم به في الأبوين، وعن النبي  : "رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما" وروى سعيد بن المسيب أن البارَّ لا يموت ميتة سوء.

وقال رجل لرسول الله  : إن أبويّ بلغا من الكبر أنّى، ألي منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما حقهما؟

قال: لا، فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقائك وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما.

وشكا رجل إلى رسول الله  أباه وأنه يأخذ ماله فدعا به فإذا هو شيخ يتوكأ على عصا فسأله فقال: إنه كان ضعيفاً وأنا قوي، وفقيراً وأنا غني، فكنت لا أمنعه شيئاً من مالي.

واليوم أنا ضعيف وهو قوي، وأنا فقير وهو غني ويبخل عليّ بماله، فبكى  وقال: ما من حجر ولا مدر يسمع ذلك إلا بكى، ثم قال للولد: أنت ومالك لأبيك.

مرتين.

وشكا إليه آخر سوء خلق أمه فقال: لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر.

قال: إنها سيئة الخلق.

قال: لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين.

قال: إنها سيئة الخلق.

قال: لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها وأظمأت نهارها.

قال: لقد جازيتها.

قال: ما فعلت؟

قال: حججت بها على عاتقي.

قال: ما جازيتها.

وقال الفقهاء: لا يذهب بأبيه إلى البيعة وإذا بعث إليه واحد منهما ليحمله فعل، ولا يناوله الخمر ويأخذ الإناء منه إذا شرب بها.

ثم قال  : ﴿ ربكم أعلم بما في نفوسكم ﴾ أي بما في ضمائركم من الإخلاص وعدمه في كل الطاعات ﴿ أن تكونوا صالحين ﴾ قاصدين الصلاح والبر إلى الوالدين ثم فرطت منكم بادرة في حقهما فأنبتم إلى الله واستغفرتم منها ﴿ وإنه كان للأوابين غفوراً ﴾ اللام للعهد كما روي عن سعيد بن جبير هي في البادرة تكون من الرجل إلى أبيه لا يريد بذلك إلا الخير، أو للجنس فيشمل كل من فرطت منه جناية ثم تاب منها، ويندرج تحته عن أبي علي الجانويه النائب من جنايته لوروده على أثره.

ثم وصى بغير الأبوين من الأقارب بعد التوصية بهما فقال: ﴿ وآت ذا القرى حقه ﴾ قيل: الخطاب لرسول الله  أمره أن يؤتى أقاربه الحقوق التي وجبت لهم في الفيء والغنيمة، وأوجب عليه إخراج حق المساكين وأبناء السبيل أيضاً من هذين المالين.

والأظهر أنه خطاب لكل إنسان كل في قوله: ﴿ وقضى ربك ﴾ وأما الحق المأمور به للأقارب فهو إذا كانوا محارم كالأبوين والولد وكانوا فقراء عاجزين عن الكسب وكان الرجل موسراً أن ينفق عليهم بقدر الحاجة.

وعند الشافعي: لا ينفق إلا على الولد والوالدين وإن كانوا مياسير ولم يكونوا محارم كأبناء العم فحقهم صلتهم بالمودة والزيارة وحسن المعاشرة على السراء والضراء.

وفي عطف المسكين وابن السبيل على ذي القربى دليل على أن المراد بالحق الحق المالي، وقد تقدم وصف المسكين وابن السبيل في "البقرة" وفي "التوبة".

ثم نهى عن التبذير وهو تفريق المال كما يفرق البذر وهو الإسراف المذموم.

كانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها وتنفق أموالها في الفخر والسمعة كما ذكروا ذلك في أشعارها فنهوا عن ذلك وأمروا بالإنفاق فيما يقرب إلى الله.

قال ابن مسعود: التبذير إنفاق المال في غير حقه.

وعن مجاهد: لو أنفق مداً في باطل كان تبذيراً.

ثم بالغ في تفظيع شأن التبذير قائلاً: ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ﴾ أي أمثالهم في الشرارة وأصدقاءهم من حيث إنهم يطيعونهم في الأمر بالإسراف، أوهم قرناؤهم في النار على سبيل الوعيد ﴿ وكان الشيطان لربه كفوراً ﴾ لأنه يستعمل قواه البدنية في المعاصي والإفساد والإضلال، وكذلك من رزقه الله مالاً أو جاهاً فصرفه إلى غير مرضاة الله كان كفوراً لنعمة الله.

ثم علم أدباً حسناً في رد السائل إن أفضى الأمر إلى ذلك ضرورة فقال: ﴿ وإما تعرضن عنهم ﴾ وكان النبي  إذا سئل شيئاً وليس عنده أعرض عن السائل وسكت حياء.

والقول الميسور الرد بالطريق الأحسن.

وقيل: اللين السهل.

قال الكسائي: يسرت أيسر له القول أي لينته.

وقيل: القول المعروف كقوله: ﴿ قول معروف ومغفرة خير  ﴾ وذلك أن القول المتعارف لا يحتاج إلى تكلف.

وقيل: ادع لهم بأن يسهل الله عليهم أسباب الرزق أي دعاء فيه يسرة.

قال جار الله قوله: ﴿ ابتغاء رحمة ﴾ أما أن يتعلق بجواب الشرط متقدماً عليه أي فقل لهم قولاً سهلاً ليناً وعدهم وعداً جميلاً ابتغاء رحمة من الله ﴿ ترجوها ﴾ بسبب رحمتك عليهم، وإما أن يتعلق بالشرط أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجوا أن يفتح لك فردهم رداً جميلاً، فسمى الرزق رحمة وضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له.

فالفقد سبب الابتغاء فأطلق المسبب على السبب وجوز أن يكون الإعراض كناية عن عدم الإعطاء، فإن من أبى أن يعطى أعرض بوجهه، ولما ذكر أدب المنع ونهى عن التبذير صرح بأدب الإنفاق فقال: ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ﴾ وهو مثل لغاية الإمساك بحيث يضيق على نفسه وأهله في سلوك سبيل الإنفاق ﴿ ولا تبسطها كل البسط ﴾ أي لا توسع في الإنفاق بحيث لا يبقى في يدك شيء.

وحين نهى عن طرفي التفريط والإفراط المذمومين بقي الخلق الفاضل المسمى بالجود وهو العدل والوسط، ثم بين غاية استعمال الطرفين قائلاً: ﴿ فتقعد ملوماً ﴾ عند الناس بالبخل ﴿ محسوراً ﴾ بالإسراف أي منقطعاً عن المقاصد بسبب الفقر.

فقير محسور منقطع عن السير.

ولا شك أن المال مطية الحوائج والآمال وكثيراً ما يلام الرجل على تضييع المال بالكلية وإبقاء الأهل والولد في الضر والمحنة.

وعن جابر: بينا رسول الله  جالس أتاه صبي فقال: إن أمي تستكسيك درعاً فقال  : "من ساعة إلى ساعة يظهر فعد إلينا." فذهب إلى أمه فقالت له: قل إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك.

فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عرياناً وأذن بلال وانتظروا فلم يخرج للصلاة فنزلت الآية.

وقيل: أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وعيينة بن حصن فجاء عباس بن مرداس وأنشأ يقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع.

وما كان حصن ولا حابس، يفوقان مرادس في مجمع وما كنت دون أمرىء منهما، ومن تضع اليوم لا يرفع.

فقال  : " ياأبا بكر اقطع لسانه عني أعطه مائة من الإبل" فنزلت.

ثم إنه  سلى نبيه  بأن الذي يرهقه من الإضافة ليس لهوان منه على الله ولا لبخل به عليه ولكنه تاب لمشيئة الخالق الرازق فقال: ﴿ إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ أي يضيق ﴿ أنه كان بعباده ﴾ وبمصالحهم ﴿ خبيراً بصيرا ﴾ فالتفاوت في الأرزاق ليس لأجل البخل ولكن لرعاية الصلاح.

ويمكن أن يكون مراد الآية أن البسط الكلي والقبض الكلي من شأن الرب الخبير والبصير وليس للعباد الاقتصاد.

ويحتمل أن يراد أنه  مع غاية قدرته وسعة جوده يراعي أوسط الحالين.

فلا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده ولا بالمقبوض عليه أقصى مكروهه، فاستنوا بسنته وتخلقوا بأخلاقه.

وفي الآية دلالة على أنه هو المتكفل بأرزاق العباد فلذلك قال بعده: ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ وأيضاً لما علم كيفية البر بالوالدين أراد أن يعلم كيفية البر بالأولاد، فبر الآباء مكافأة وبر الأبناء ابتداء اصطناع.

وفيه نظام العالم وبقاء النوع الإنساني لأن قتل الأولاد إن كان لخوف الفقر فهو لسوء الظن بالله، وإن كان لأجل الغيرة على البنات فهو سعي في تخريب العالم.

والأول ضد التعظيم لأمر الله الثاني ضد الشفقة على خلق الله، ومن رغب عن محبة الوالد فكأنه رغب عن جزئه قال: ولد المرء منه جزء وما حا *** ل امرىء يودع الثرى منه جزءاً وكانوا يقتلون البنات لعجز عن الكسب وقدرة البنين عليه بسبب إقدامهم على القتل والغارة.

وأيضاً كانوا يخافون أن فقرها ينفر أكفاءها فيحتاجون إلى إنكاحها من غير الأكفاء وفي ذلك عار شديد، فبين الله  أن الموجب للرحمة والشفقة هو كونه ولداً فلهذا قال: ﴿ أولادكم ﴾ وبين أن الخوف من الفقر لا وجه له لأن الله هو الرزاق للكل، وكثيراً ما يكون لابن أخرق من البنت بعد البلوغ، وكلا الصنفين يشتركان في الإنفاق عليهما قبل البلوغ.

ولما نهى عن قتل الأولاد المستدعي لإفناء النسل ذكر النهي عن الزنا المفضي إلى مثل ذلك ولا أقل من اختلاط النسب فقال: ﴿ ولا تقربوا الزنا ﴾ وهذ آكد من أن يقال "لا تزنوا" ثم علل النهي بقوله: ﴿ إنه كان فاحشة ﴾ أي خصلة متزايدة في القبح ﴿ وساء سبيلاً ﴾ سبيله فاستدل القائلون بالتحسين والتقبيح العقليين بهذا التعليل في الأشياء لا تحسن ولا تقبح لذواتها بل لوجوه عائد إليها في أنفسها، وأن تكاليف العباد واقعة على وفق مصالحهم في المعاش والمعاد.

ومن مفاسد الزنا اختلاط الأنساب وتضييع الأولاد وإهمال تربيتهم؟

فإن الولد إذا لم يكن منسوباً إلى شخص معين لم يكن أحد بالتزام تربيته أولى من الآخرة كذا المرأة التي ولدته إذا لم يوجد سبب شرعي للزاني صارت هي به أولى بالرجل فلا يحصل الألف والمحبة، ولا يتم السكون والازدواج.

ويتواثب كل رجل على امرأة أراد بحسب شهوته ومقتضى طبعه، فتهيج بالفسوق الحروب بعد التشبه بالبهائم.

وأيضاً ليس المقصود من المرأة مجرد قضاء الشهوة ولكن المقصود الكلي هو أن تكون شريكة له في ترتيب المنزل وإعداد مهماته والقيام بأمور الأولاد والعبيد، ولن تتم هذه المقاصد إلا إذا كانت مقصورة الهمة على رجل واحد منقطعة الطمع عن غيره.

وأيضاً الوطء يوجب الذل والعار ولهذا لا يرتكب إلا في الأماكن المستورة وفي الأوقات المعلومة.

فاقتصار المرأة على الواحد من الرجال سعي في تقليل ذلك العمل، وكفى في قبح الزنا مرتكبه من الرجال والنساء يستقذره كل عقل سليم وينحط بذلك عن درجة الاعتبار.

وقد زعم في التفسير الكبير أنه  وصف الزنا في آية أخرى بكونه مقتاً لأن الزانية تصير ممقوتة مكروهة وهو وهم، لأن ذلك قد ورد في أول سورة النساء في نكاح منكوحات الأب قال: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً  ﴾ .

وإنما نبهناك عليه لئلا يقتدي به غيره في السهو.

ولما فرغ من التكليف بالاحتياط في مبدأ حال الإنسان شرع بالتكليف بالاحتياط في آخر عمره فقال: ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ﴾ وفي التصريح بالتحريم بعد النهي تأكيد للخطر.

ولا ريب أن الأصل في قتل الإنسان هو التحريم لأنه ضرر، والأصل في المضار الحرمة، ولأن الإنسان خلق للاشتغال بالعبادة وإنه لا يتم إلا بالحياة وكمال البنية، ولكن الحل إنما يثبت لأسباب عرضية فلهذا قال: ﴿ إلا بالحق ﴾ وهذا بحمل فبين ذلك الحق بقوله: ﴿ ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً ﴾ أي تسلطاً على استيفاء القصاص.

فظاهر الآية دل على أنه لا سبب لحل القتل إلا إذا قتل مظلوماً، وظاهر قوله  "لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان؟

وقتل نفس بغير حق" يقتضي ضم شيئين آخرين إليه فرعاً على القول بتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.

ويحتمل أن يقال قوله: ﴿ ومن قتل مظلوماً ﴾ .

كلام مستأنف، والحديث بتمامه تفسير لقوله: ﴿ إلا بالحق ﴾ فلا يلزم التفريع المذكور.

ثم إنه دلت آية أخرى على حصول سبب رابع هو قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  ﴾ وآية أخرى على سبب خامس وهو الكفر الأصلي: ﴿ واقتلوهم حيث ثقفتموهم  ﴾ هذا وقد أبدى الفقهاء أسباباً أخر منها: أن تارك الصلاة يقتل عند الشافعي دون أبي حنيفة، وكذا اللائط.

ومنها الساحر إذا قال: قتلت فلاناً بسحري.

وجوز بعضهم قتل من يمنع الزكاة أو يأتي البهيمة، والذين منعوا القتل في هذه الصور قالوا: الأصل حرمة القتل كما بيناه فلا يترك هذا الدليل إلا لمعارض أقوى لا أقل من المساوي وهو النص المتواتر.

ثم إنه  أثبت لوليّ الدم سلطاناً.

ولم يبين أن هذه السلطنة تحصل فيماذا فقيل: إنه قال: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ عرف أن تلك السلطنة إنما تحصل في استيفاء القتل.

وقيل: معنى قوله: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ إنه لما حصلت له سلطنة استيفاء القصاص وسلطنة استيفاء الدية بقوله: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ إلى قوله: ﴿ فمن عفى  ﴾ الآية.

فالأولى به أن لا يقدم على استيفاء القتل وأن يكتفي بالعفو وأخذ الدية، فثبت أن هذه الآية لا يجوز التمسك بها في مسألة أن موجب العمد هو القصاص.

وعن الشافعي أن التنوين في قوله: ﴿ مظلوماً ﴾ للتنكير فيدل على أن المقتول ما لم يكن كاملاً في وصف المظلومية لم يدخل تحت هذا النص، فيعلم منه أن المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك فإن ذنبه غير مغفور كالمشرك، ولأن النصارى قائلون بالتثليث وقد قال  : ﴿ اقتلوا المشركين  ﴾ فثبت أن الذمي غير كامل في المظلومية فلا يندرج في الآية.

وأيضاً ليس فيها دلالة على أن الحر يقتل بالعبد لأنها وإن كانت عامة إلا أن قوله ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد  ﴾ خاص والخاص مقدم على العام.

من قرأ ﴿ فلا تسرف ﴾ بالتاء الفوقانية فعلى خطاب الولي أو قاتل المظلوم، ومن قرأ على الغيبة فالضمير للولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كعادة الجاهلية.

وعن مجاهد أن الضمير الأول للقاتل، أما الضمير في قوله: ﴿ إنه كان منصوراً ﴾ فإما للولي أي حسبه أن الله قد نصره بإيجاب القصاص فلا يستزاد عليه، أو نصره بمعونة السلطان والمؤمنين فلا يتبع ما وراء حقه، وإما للمظلوم فإن الله نصره في الدنيا بإيجاب القصاص على قاتله، وفي الآخرة بإعطاء الثواب.

وأما الذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في قتله فإنه منصور بإيجاب القصاص على المسرف.

ولما ذكر النهي عن إتلاف النفوس في المبادىء وفيما وراءها أتبعه النهي عن إتلاف الأموال وكان أهمها بالحفظ والرعاية مال اليتيم فقال: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي ﴾ بالطريقة التي ﴿ هي أحسن ﴾ وهي تثميره وإنماؤه.

وروى مجاهد عن ابن عباس: إذا احتاج الولي أكل بالمعروف فإذا أيسر قضاه وإن لم يوسر فلا شيء عليه ويتصرف الولي في مال اليتيم على الوجه المذكور ﴿ حتى يبلغ ﴾ اليتيم ﴿ أشده ﴾ بأن تكمل قواه العقلية والحسية كما مر في آخر "الأنعام" ﴿ وأوفوا بالعهد ﴾ يتناول كل عهد جري بين إنسانين على وفق الشرع وقانونه في المعاملات والمناكحات وغيرها إلا إذا دلّ دليل خاص على ضده.

﴿ إن العهد كان مسئولا ﴾ أي مطلوباً يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به، أو هو على حذف المضاف والمراد أن صاحب العهد مسؤول أو هو تخييل كأنه يقال للعهد: لم نكثتتبكيتاً للناكث كقوله: ﴿ وإذا الموءودة سئلت  ﴾ ثم أمر بإيفاء الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن.

والقسطاس بضم القاف وكسرها هو القبان المسمى بالقرسطون.

وقيل: كل ميزان صغير أو كبير والأصح أنه لغة العرب من القسط النصيب المعدل، وقيل رومي أو سرياني ﴿ ذلك ﴾ الإيفاء والوزن المعدل ﴿ خير ﴾ من التطفيف ﴿ وأحسن تأويلاً ﴾ عاقبة من آل إذا رجع.

أما في الدنيا فلانة إذا اشتهر بالاحتراز عن الخيانة مالت القلوب إليه.

وعول الناس عليه فينفتح عليه أبواب المعاملات، وأما في الآخرة فظاهر.

وقال الحكيم: إن نقصان الكيل والوزن قليل والوعيد عليه شديد والعار فيه عظيم فيجب على العاقل أن يحترز عنه.

ثم أمر بإصلاح اللسان والقلب فقال: ﴿ ولا تقف ﴾ أي لا تتبع من قولك "فقوت فلاناً" أي اتبعت أثره ومنه قافية الشعر لأنها تقفو كل بيت، والقبيلة المشهورة بالقافة لأنه يتبعون آثار أقدام الناس ويستدلون بها على أحوالهم في النسب.

والمراد النهي عن أن يقول الرجل ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم له به، وهذه قضية كلية ولكن المفسرين حملوها على صور مخصوصة فقيل: نهى المشركين عن تقليد أسلافهم في الإلهيات والنبوات والتحليل والتحريم والمعاد كقوله: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس  ﴾ ﴿ هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن  ﴾ وعن محمد بن الحنفية: المراد شهادة الزور.

ومثله عن ابن عباس: لا تشهد إلا رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك.

وقيل: أراد النهي عن القذف ورمي المحصنين والمحصنات بالأكاذيب.

وكانت عادة العرب جارية بذلك يذكرونها في الهجاء ويبالغون فيه.

وقال قتادة: معناه لا تقل سمعت ورأيت وعملت ولم تسمع ولم تر ولم تعلم.

وقيل: القفو هو البهت وهو في معنى الغيبة لأنه قول يقال في قفاه ومن الحديث: "من قفا مؤمناً بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج" أي يتوب.

وردغة الخبال بفتح الدال وسكونها هي غسالة أهل النار من القيح والصديد.

احتج نفاة القياس بالآية زعماً منهم أن الحكم في دين الله بالقياس حكم بغير المعلوم.

وأجيب بأن العلم قد يراد به الظن قال  : ﴿ فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار  ﴾ ولا ريب أنه إنما يمكن العلم بإيمانهن بناء على إقرارهن، وإنه لا يفيد إلا الظن.

سلمنا لكن الظن وقع في الطريق لأن الشرع قد أقام الظن الغالب مقام العلم وأمر بالعمل به، وزيف بأنه لا دليل قاطعاً على وجوب العمل بالظن الغالب لأن ذلك الدليل ليس عقلياً بالاتفاق، ولا نقلياً لأنه إنما يكون قطعياً لو كان منقولاً نقلاً متواتراً وكانت دلالته على ثبوت هذا الطلب دلالة قطعية غير محتملة للنقيض، ولو حصل مثل هذا الدليل لوصل إلى الكل ولم يبق خلاف، ونوقض بأن الدليل الذي عولتم عليه - وهو هذه الآية - تمسك بعام مخصوص للاتفاق على أن العمل بالشهادة عمل بالظن وهو جائز.

وكذا الاجتهاد في القبلة وفي قيم المتلفات وأروش الجنايات، وكذا الفصد والحجامة وسائر المعالجات، وكذا الحكم بكون الشخص المعين كالذبائح مؤمناً لتحل ذبيحته، أو الوارث لحصول التوارث، أو الميت ليدفن في مقابر المسلمين.

وبالحقيقة أكثر الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار وطلب الأرباح والمعاملات إلى الآجال المعينة والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة.

وقال  : نحن نحكم بالظاهر.

والتمسك بالعام المخصوص لا يفيد إلا الظن.

فلو دلت هذه الآية على أن التمسك بالظن غير جائز لزم أن لا يجوز التمسك بهذه الآية، وكل ما يفضي ثبوته إلى نفيه يسقط الاستدلال به.

وأجيب بأنا نعلم بالتواتر الظاهر من دين محمد  أن التمسك بآيات القرآن جائز.

ورد بأن كون العالم المخصص حجة غير معلوم بالتواتر، ثم علل النهي بقوله: ﴿ إن السمع والبصر وكل أولئك ﴾ إشارة إلى الأعضاء الثلاثة وإن لم تكن من ذوات العقول كقوله: والعيش بعد أولئك الأيام.

﴿ كان عنه مسئولاً ﴾ قال في الكشاف: ﴿ عنه ﴾ في موضع الرفع بالفاعلية مثل ﴿ غير المغضوب عليهم  ﴾ وفيه نظر لأن المسند إليه الفعل أو شبهه لا يتقدم عليه.

والصواب أن يقال: إنه فاعل ﴿ مسئولاً ﴾ المحذوف والثاني مفسر له.

وكيف يسأل عن هذه الجوارح؟

قيل: يسأل صاحبهما عما استعملها فيه لأنها آلات والمستعمل لها هو الروح الإنساني، فإن استعملها في الخيرات استحق الثواب وإلا فالعقاب.

وقيل: إنه  ينطق الأعضاء ثم يسألها عن أفعالها.

﴿ ولا تمش في الأرض مرحاً ﴾ نصب على الحال مع أنه مصدر أي ذا مرح وهو شدة الفرح.

وفي وضع المصدر موضع الصفة نوع من التأكيد مثل "أتاني ركضاً" ونهي عن مشية أهل الخيلاء والكبر.

﴿ إنك لن تخرق الأرض ﴾ لن تثقبها بشدة وطأتك ﴿ ولن تبلغ الجبال طولاً ﴾ مصدر في موضع الحال من الفاعل أو المفعول، أو تمييز، أو مفعول له، أو مصدر من معنى تبلغ.

بيّن ضعف الآدمي بأنه في حال انخفاضه لا يقدر على خرق الأرض، وحال ارتفاعه لا يقدر على الوصول إلى رؤوس الجبال، فلا يليق به أن يتكبر.

وبوجه آخر كأنه قيل له: إنك خلق ضعيف محصور بين حجارة من فوقك وتراب من تحتك، فلا تفعل فعل المقتدر القوي.

وقيل: إنه مثل ومعناه: كما أنك لن تخرق الأرض في مشيتك ولن تبلغ الجبال طولاً فكذلك لا تبلغ ما أردت بكبرك وعجبك وفيه يأس للإِنسان من بلوغ إرادته.

﴿ كل ذلك كان سيئه ﴾ من قرأ بالإضافة فظاهر لأن المذكور من قوله: ﴿ لا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ بعضها أحسن وهو المأمورات وبعضها سيىء وهو المنهيات، فالمعنى أن ما كان من تلك الأشياء سيئاً فإنه مكروه عند الله.

ويمكن أن يراد بسيىء تلك الخصال طرف الإفراط أو التفريط.

ومن قرأ ﴿ سيئة ﴾ على التأنيث فقوله: ﴿ كل ذلك ﴾ إشارة إلى المنهيات خاصة.وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ وأحسن تأويلاً ﴾ وقوله: ﴿ كل ذلك ﴾ إشارة إلى ما نهى عنه في قوله: ﴿ ولا تقف ﴾ ﴿ ولا تمش ﴾ وإنما قال: ﴿ سيئة ﴾ على التأنيث مع قوله: ﴿ مكروهاً ﴾ على التذكير لأنه جعل السيئة في معنى الذنب والإثم.

قالت المعتزلة: الكراهة نقض الإرادة ففي الآية دلالة على أن المنهيات لا تكون مرادة لله  لأنها مكروهة عنده.

وإذا لم تكن مرادة لم تكن مخلوقة له لأن الخلق بدون الإرادة محال.

أجابت الأشاعرة بأن المراد من كراهتها كونها منهياً عنها، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع لزوم التكرار لأن كونها سيئة يدل على كونها منهية.

وأجيب بأنه لابأس بالتكرار لأجل التأكيد ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من قوله: ﴿ لا تجعل ﴾ إلى هذه الغاية وترتقي إلى خمسة وعشرين تكليفاً ﴿ مما أوحى إليك ربك من الحكمة ﴾ سمي حكمة لأنه كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه.

روي عن ابن عباس أنها كانت في ألواح موسى  .

وباصطلاح الحكماء أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به.

لا ريب أن الأمر بالتوحيد رأس الحكمة النظرية وسائر التكاليف مشتملة على أصول مكارم الأخلاق وهي الحكمة العملية، ولقد جعل الله  فاتحة هذه التكاليف النهي عن الشرك وكذا خاتمتها لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها، ومن فقده لم ينفعه شيء من العلوم وإن بذ فيها الأقران والأكفاء وحك بيافوخه السماء.

وقد راعى في هذا التكرار دقيقة فرتب على الأول كونه مذموماً مخذولاً وذلك إشارة إلى حال المشرك في الدنيا، ورتب على الثاني أنه يلقى في جهنم ملوماً مدحوراً وأنها حاله في الآخرة.

وفي القعود هناك والإلقاء ههنا إشارة إلى أن للإنسان في الدنيا صورة اختيار بخلاف الآخرة والله أعلم بمراده.

وقد يفرق بين الذم واللوم فيقال: الذم هو أن يذكر أن الفعل الذي قدم عليه قبيح منكر، واللوم هو أن يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل وما الذي حملك عليه وما استفدت من هذا العمل إلاَّ إلحاق الضرر بنفسك.

ويفرق بين المخذول والمدحور بأن المخذول عبارة عن الضعيف يقال: تخاذلت أعضاؤه أي ضعفت.

والمدحور والطرد عبارة عن الاستخفاف والإهانة.

ثم أنكر على المشركين القائلين بأن الملائكة بنات الله فقال: ﴿ أفأصفاكم ﴾ أي أفخصكم ﴿ ربكم ﴾ على وجه الخلوص والصفاء ﴿ بالبنين ﴾ الذين هم أفضل الأولاد ﴿ واتخذ من الملائكة ﴾ أولاداً ﴿ إناثاً إنكم لتقولون قولاً عظيماً ﴾ بإضافة الأولاد إلى من لا يصح له الولد لقدمه وتنزهه عن صفات الأجسام، ثم بأنكم تفضلون عليه أنفسكم حيث تجعلون ما تكرهون وهذا خلاف معقولكم وعادتكم فإن العبيد لا يؤثرون بالأجود والأصفى والسادة بالأدون والأردأ، ثم بجعلكم الملائكة الذين هم أعلى خلق الله على الإطلاق أو التقييد على المذهبين أخس الصنفين وهو الإناث.

التأويل: خاطب نبيه  ليقطع تعلقه عن الكونين من بين الثقلين فقال: ﴿ لا تجعل مع الله إلها آخر ﴾ من الدنيا والآخرة، ثم شرف أمته بتبعيته قائلاً: ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلاَّ إياه ﴾ وإنما قال: ﴿ ربك ﴾ لأنه أصل في التربية والأمة تبع له، فمن حكم في الأزل أنه لا يعبد غير الله لم يعبد غير الله ﴿ وبالوالدين ﴾ والد الروح ووالدة البدن.

والإحسان بهما أن يراقبهما في العبودية ليعبد الله كأنهما يريانه ﴿ أما يبلغن عندك ﴾ يخاطب القلب ويوصيه بأن يواسي والد الروح عند كبره وهو بلوغه أعلى مراتب القرب وعجزه عند سطوات تجلي صفا الألوهية، ويداري والدة البدن حينئذ فلا يستعملها عند العجز ﴿ ولا تنهرهما ﴾ عند الاستراحة وأرفق بهما عند استعمالهما في العبودية، ولا تتكبر عليهما فإنك أخذت التربية منهما لأن القلب طفل تولد بازدواج الروح والبدن، وقد وجد التربية منهما صورة ومعنى إلى أن صار قابلاً للتجلي والخلافة ﴿ ربكم أعلم بما في نفوسكم ﴾ من الاستعداد ﴿ أن تكونوا صالحين ﴾ مستعدين للخلافة ﴿ فإنه كان للأوابين ﴾ الراجعين من أنانيته إلى هويته دون من كان مقيداً بنفسه ﴿ غفوراً ﴾ سائراً بأنوار جماله.

ثم أخبر عن أداب الخلافة قائلاً ﴿ وآت ذا القربى ﴾ وهو النفس حقه فإن لنفسك عليك حقاً من غير إسراف وتقتير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: أنهم كانوا يعملون بأعمالهم الحسنة في حال كفرهم من نحو الإنفاق والصّدقات وبذل الأموال، وغير ذلك - يريدون بذلك العز والشرف والذكر في الدنيا؛ فأخبر أنه من أراد بما يفعل ذلك ﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ﴾ .

والثاني: يكون قوله: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ ﴾ ،أي: لا يريد بها إلا جمع الأموال وسعتها ﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ﴾ ، ثم أخبر أنه لا كل من أرادها يعجل له ذلك، ولا كل ما أراد يعجل له ذلك؛ ولكن إنما يعجل ما أراد الله ولمن أراد شيئاً يعطي له ذلك، وثم أخبر عما يعطي في الآخرة من أراد العاجلة فقال: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً ﴾ .

أي: مذموماً: يسمّى بأسماء قبيحة دنية مذمومة عند الخلق، أو يذم ويلام في النار، ﴿ مَّدْحُوراً ﴾ : مطروداً من الأسماء الحسنى ومن الخيرات، أو مبعداً عن رحمته.

وقوله: ﴿ مَذْمُوماً ﴾ : عند نفسه، أي: يذم نفسه يومئذ، أو مذموماً عند الملائكة والخلق جميعاً.

وفي قوله: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ﴾ وجهان: أحدهما: يحتمل أن يكون أراد بإهلاكه إياهم موتهم بآجالهم.

يقول: هم كانوا عدداً قليلاً زمن نوح، ثم كثروا حتى صاروا قروناً، ثم ماتوا حتى لم يبق منهم أحد.

ويحتمل أن يكون الإهلاك - هاهنا - إهلاك استئصال: فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أنه قد استووا في هذه الدنيا - أعني العدو والولي - وفي الحكمة: التمييز بينهما والتفريق؛ فلا بد من دار يفَرَّق بينهما فيها ويميز.

والثاني: قد هلكوا جميعاً، وفي العقل والحكمة إنشاء الخلق للإفناء خاصّة بلا عاقبةٍ تقصد - عبثٌ باطل؛ فدل أن هنالك داراً أخرى هي المقصودة حتى صار خلق هؤلاء حكمة، وفيه إلزام البعث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ .

تفسير قوله: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ﴾ ؛ كأنه قال: من كان يريد العاجلة، وهو كافر بربه مكذب بالآخرة ﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ﴾ ، ومن كان يريد الآخرة، وهو مؤمن بربه مصدق بالآخرة، ﴿ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ ، هذا يدل أنهم إنما أرادوا العاجلة بكفرهم بالآخرة، ثم أخبر أن من أراد بعمله في الدنيا الآخرة، ولها سعيها ما سعى، وهو مؤمن بها.

﴿ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً ﴾ .

أي: مَجزيّاً مقبولاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .

أي: المؤمن والكافر يعطى هذا وهذا، أي: لا نحرم عن العاجلة من أراد الآخرة؛ يخبر أولئك الكفرة بكفرهم بالآخرة أنه ليس يعطي الدنيا وسعتها لمن يكفر بالآخرة؛ ولكن يعطي من كفر بها ومن آمن بها؛ لئلا يحملهم ذلك على حبهم الدنيا وطلب العز والشرف فيها - على كفرهم بالآخرة؛ حيث قال: ﴿ كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ ﴾ ، أي: يعطي المؤمن والكافر، والبَرّ والفاجر.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾ .

أي: [ما كان] رزق ربّك وفضله محظوراً.

قال بعضهم: محبوساً ممنوعاً.

وقال بعضهم: محظوراً: منقوصاً؛ فهو في الآخرة، أي: لا ينقصون في الآخرة من جزائهم، وروي في الخبر عن رسول الله  قال: "إنَّ الله يُعْطِي الدُّنْيَا عَلَى نِيَّةِ الآخِرَةِ، وَلاَ يُعْطِي الآخِرَةَ عَلَى نِيَّةِ الدُّنْيَا" وعن الحسن قال: قال رسول الله  : "إِذَا كَانَ الْعَبدُ هَمُّهُ الآخِرَةَ كَفَى الله لَهُ مِنْ ضَيْعَتِهِ، وَجَعَلَ غَنَاءَهُ فِي قَلْبِهِ، وَإِذَا كانَ هَمُّهُ الدُّنْيَا أَفْشَى الله عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ؛ فَلا يُمْسِي إِلا فَقِيراً، ولا يُصْبِحُ إِلا فَقِيراً" وقوله: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ ﴾ ؛ للعاجلة - ﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ﴾ ، وأما من كان يريد العاجلة؛ للآخرة - فهو ليس بمذموم؛ فهو ما ذكر في قوله: ﴿ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً ﴾ ، وهو ما قال: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ...

﴾ الآية [هود: 15]، وقوله: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ...

 ﴾ .

وأمّا من أراد الحياة الدنيا؛ لحياة الآخرة - فهو ليس بلعب و[لا] لهو؛ لأن الدنيا لم تُنْشَأ لنفسها؛ إنما أنشئت للآخرة؛ فمن رآها لها وأرادها لنفسها - فهو لعب ولهو، ومن رآها للآخرة وأرادها للآخرة فهو ليس بلعب ولا لهو.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ .

في الدنيا في الرزق وفي الخلقة: يكون بعضهم أعمى، وبعضهم بصيراً، أو يكون أصمّ ويكون سميعاً، ونحوه؛ فعلى ما يكون في الدنيا على التفاوت والتفاضل يكونون في الآخرة كذلك في المنزلة والقدر عند الله، لا في الضيق والسعة والأحوال التي يكونون في الدنيا؛ حيث قال: ﴿ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾ .

ولم يقل: أكثر ولا أوسع، دل أنه على القدر والمنزلة عند الله، لا على اختلاف الأحوال التي يكونون في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أن النهي في مثل هذا والخطاب - لرسوله، وإن كان غير موهوم ذلك منه؛ للعصمة التي عصمه؛ فإنّه غير مستحيل [في ذاته]؛ لما ذكرنا أن العصمة إنما ينتفع بها مع النهي والأمر؛ لأنه لولا الأمر والنهي ما احتيج إليها، أو خاطبه به على إرادة غيرٍ؛ على ما يخاطب به ملوك الأرض الأقرب إليهم والأعظم والخطر منهم دون خسائس الناس ورذالهم.

والثاني: أنه يخاطب كلاًّ في نفسه، ليس أنه يخص رسوله بذلك، ولكن كلُّ موهومٍ ذلك منه.

ويحتمل أن يخاطب به كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ  ﴾ ، و ﴿ يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ  ﴾ ؛ ليس إنسان أحق بهذا الخطاب من إنسان؛ فعلى ذلك الأول، أو يقول: إنه يخاطب رسوله؛ ليعلم من دونه أن ليس لأحد وإن عظم قدره عند الله وارتفع محله ومنزلته - محاباة في الدين؛ لأن الرسل هم المكرمون على الله المعظمون عنده؛ فماذا لم يعف عنهم في هذا - لم يعف من دونهم؛ ألا ترى أنه قال للملائكة: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ  ﴾ ، وهم أكرم خلق الله؛ حيث وصفهم الله أنهم: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ؟!

[التحريم: 6]؛ فعلى ذلك الرسل؛ ألا ترى أنّه قال على أثره: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا ﴾ ، ومعلوم أن أبويه كانا ضالين؛ فلا يحتمل أن يخاطب رسوله في قوله: ﴿ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا ﴾ ؛ دل أنه خاطب به كل محتَمَلٍ ذلك منه وموهوم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً ﴾ .

عند الناس.

﴿ مَّخْذُولاً ﴾ .

أي: ذليلاً مقهوراً؛ لأن الخذلان هو ضد النصر والعون؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [آل عمران: 160].

ذكر الخذلان مقابل النصر؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ مَّخْذُولاً ﴾ ، أي: مقهوراً ذليلاً غير منصور، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لا تجعل -أيها العبد- مع الله معبودًا آخر تعبده، فتصير مذمومًا عند الله، وعند عباده الصالحين لا حامد لك، مخذولًا منه لا ناصر لك.

<div class="verse-tafsir" id="91.N84Wl"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله