الآية ٢١ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٢١ من سورة الإسراء

ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ وَلَلْـَٔاخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍۢ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًۭا ٢١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 105 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى ( انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ) في الدنيا فمنهم الغني والفقير وبين ذلك والحسن والقبيح وبين ذلك ومن يموت صغيرا ، ومن يعمر حتى يبقى شيخا كبيرا وبين ذلك ( وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) أي ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من الدنيا فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها ومنهم من يكون في الدرجات العلى ونعيمها وسرورها ثم أهل الدركات يتفاوتون فيما هم فيه كما أن أهل الدرجات يتفاوتون فإن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض وفي الصحيحين إن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء " ولهذا قال تعالى : ( وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: انظر يا محمد بعين قلبك إلى هذين الفريقين اللذين هم أحدهما الدار العاجلة، وإياها يطلب، ولها يعمل؛ والآخر الذي يريد الدار الآخرة، ولها يسعى موقنا بثواب الله على سعيه، كيف فضَّلنا أحد الفريقين على الآخر، بأن بصّرنا هذا رشده، وهديناه للسبيل التي هي أقوم، ويسرناه للذي هو أهدى وأرشد، وخذلنا هذا الآخر، فأضللناه عن طريق الحقّ، وأغشينا بصره عن سبيل الرشد ( وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ ) يقول: وفريق مريد الآخرة أكبر في الدار الآخرة درجات بعضهم على بعض لتفاوت منازلهم بأعمالهم في الجنة وأكبر تفضيلا بتفضيل الله بعضهم على بعض من هؤلاء الفريق الآخرين في الدنيا فيما بسطنا لهم فيها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) : أي في الدنيا( وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا ) وإن للمؤمنين في الجنة منازل، وإن لهم فضائل بأعمالهم، وذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: " إِنَّ بينَ أَعْلَى أَهْلِ الجَنَّةِ وأسْفَلِهِمْ دَرَجَةً كالنَّجْمِ يُرَى فِي مَشارِقِ الأرْضِ ومَغَارِبها ".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم قال تعالى : انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض في الرزق والعمل ; فمن مقل ومكثر .وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا أي للمؤمنين ; فالكافر وإن وسع عليه في الدنيا مرة ، وقتر على المؤمن مرة فالآخرة لا تقسم إلا مرة واحدة بأعمالهم ; فمن فاته شيء منها لم يستدركه فيها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ } في الدنيا بسعة الأرزاق وقلتها، واليسر والعسر والعلم والجهل والعقل والسفه وغير ذلك من الأمور التي فضل الله العباد بعضهم على بعض بها.

{ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا } فلا نسبة لنعيم الدنيا ولذاتها إلى الآخرة بوجه من الوجوه.

فكم بين من هو في الغرف العاليات واللذات المتنوعات والسرور والخيرات والأفراح ممن هو يتقلب في الجحيم ويعذب بالعذاب الأليم، وقد حل عليه سخط الرب الرحيم وكل من الدارين بين أهلها من التفاوت ما لا يمكن أحدا عده.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( انظر ( يا محمد ( كيف فضلنا بعضهم على بعض ( في الرزق والعمل [ الصالح ] يعني : طالب العاجلة وطالب الآخرة ، ( وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض» في الرزق والجاه «وللآخرة أكبر» أعظم «درجات وأكبر تفضيلاً» من الدنيا فينبغي الاعتناء بها دونها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

تأمل -أيها الرسول- في كيفية تفضيل الله بعض الناس على بعض في الدنيا في الرزق والعمل، ولَلآخرة أكبرُ درجات للمؤمنين وأكبر تفضيلا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر - سبحانه - عباده بالنظر والتأمل فى أحوال خلقه ، ليزدادوا عظة وعبرة ، فقال : ( انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ) .أى : انظر - أيها العاقل - نظر تأمل وتدبر واعتبار فى أحوال الناس ، لترى عن طريق المشاهدة كيف فضل الله - تعالى - بعض الناس على بعض فى هذه الحياة ، فهذا غنى وذاك فقير ، وهذا قوى وذاك ضعيف ، وهذا ذكى وذاك خامل ، وهذا مالك وذاك مملوك .إلى غير ذلك من الأحوال التى تدل على تفاوت الناس فى هذه الدنيا ، على حسب ما تقتضيه إرادة الله - تعالى - وحكمته ، ومشيئته .أما فى الآخرة فالناس فيها أكبر تفاضلا وتفاوتا فى الدرجات والمنازل ، مما كانوا عليه فى الدنيا .قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : وقوله : ( وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ) أى : ولتفاوتهم فى الدار الآخرة أكبر من الدنيا ، فإن منهم من يكون فى الدركات فى جهنم وسلاسلها وأغلالها ، ومنهم من يكون فى الدرجات العلا ونعيمها وسرورها .

ثم أهل الدركات يتفاوتون فيما هم فيه ، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون ، فإن فى الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض .

وفى الصحيحين : " إن أهل الدرجات العلا ليرون أهل عليين ، كما ترون الكوكب الغابر فى أفق السماء " .وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا سنة من سنن الله - تعالى - فى إهلاك الأمم ، وأنه - تعالى - ما أهلكها إلا بعد أن عتت عن أمره ، وعصت رسله ، كما أنها بينت لنا سوء عاقبة الذين يؤثرون متع الدنيا على طاعة الله - تعالى - ، وحسن عاقبة الذين يريدون الآخرة وما فيها من ثواب جزيل ، وأن الفريقين لا ينالون مما يطلبونه إلا ما قدره الله - تعالى - لهم ، وأن عطاءه للناس جميعا لا ينقص مما عنده شيئا ، وأن حكمته - سبحانه - قد اقتضت تفضيل بعض الناس على بعض فى الدنيا والآخرة ، وصدق - عز وجل - حيث يقول : ( انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ) .قال الإِمام الرازى ما ملخصه : بعد أن بين - سبحانه - أن الناس فريقان : فريق يريد بعمله الدنيا فقط ، وفريق يريد بعمله طاعة الله ، ثم شرط ذلك بشرائط ثلاثة : أولها : إرادة الآخرة ، وثانيها : أن يسعى سعيا موافقا لطلب الآخرة ، وثالثها : أن يكون مؤمنا .وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25)وبعد أن ذكر - سبحانه - الأساس فى قبول الأعمال ، وهو إخلاص العبادة له - عزَّ وجل - وحده ، أتبع ذلك بتأكيد هذا الأساس بما هو من شرائط الإِيمان الحق وشعائره فقال - تعالى - : ( وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً .

.

) .قال القرطبى ما ملخصه : ( قضى ) أى : أمر وألزم وأوجب .

.

.والقضاء يستعمل فى اللغة على وجوه ، فالقضاء بمعنى الأمر ، كما فى هذه الآية والقضاء بمعنى الخلق كقوله ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ) يعنى خلقهن ، والقضاء بمعنى الفراغ من الشئ ، كقوله ( قُضِيَ الأمر الذي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ) أى فرغ منه .والقضاء بمعنى الارادة .

كقوله - تعالى - : ( إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ .

.

) والمعنى : لقد نهى ربك عن الاشراك به نهيا قاطعا ، وأمر أمرا محكما لا يحتمل النسخ ، بأن لا تعبدوا أحدا سواه ، إذ هو الخالق لكل شئ ، والقادر على كل شئ ، وغيره مخلوق وعاجز عن فعل شئ إلا بإذنه - سبحانه - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال القفال رحمه الله: هذه الآية داخلة في معنى قوله: ﴿ وَكُلَّ إنسان ألزمناه طائره فِي عُنُقِهِ  ﴾ ومعناه: أن الكمال في الدنيا قسمان، فمنهم من يريد بالذي يعمله الدنيا ومنافعها والرياسة فيها، فهذا يأنف من الانقياد للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والدخول في طاعتهم والإجابة لدعوتهم، إشفاقاً من زوال الرياسة عنه، فهذا قد جعل طائر نفسه شؤماً لأنه في قبضة الله تعالى فيؤتيه الله في الدنيا منها قدراً لا كما يشاء ذلك الإنسان، بل كما يشاء الله إلا أن عاقبته جهنم يدخلها فيصلاها بحرها مذموماً ملوماً مدحوراً منفياً مطروداً من رحمة الله تعالى.

وفي لفظ هذه الآية فوائد.

الفائدة الأولى: أن العقاب عبارة عن مضرة مقرونة بالإهانة والذم بشرط أن تكون دائمة وخالية عن شوب المنفعة، فقوله: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يصلاها ﴾ إشارة إلى المضرة العظيمة، وقوله: ﴿ مَذْمُومًا ﴾ إشارة إلى الإهانة والذم، وقوله: ﴿ مَّدْحُورًا ﴾ إشارة إلى البعد والطرد عن رحمة الله، وهي تفيد كون تلك المضرة خالية عن شوب النفع والرحمة وتفيد كونها دائمة وخالية عن التبدل بالراحة والخلاص.

الفائدة الثانية: أن من الجهال من إذا ساعدته الدنيا اغتر بها وظن أن ذلك لأجل كرامته على الله تعالى، وأنه تعالى بين أن مساعدة الدنيا لا ينبغي أن يستدل بها على رضا الله تعالى، لأن الدنيا قد تحصل مع أن عاقبتها هي المصير إلى عذاب الله وإهانته، فهذا الإنسان أعماله تشبه طائر السوء في لزومها له وكونها سائقة له إلى أشد العذاب.

الفائدة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ لِمَن نُّرِيدُ ﴾ يدل على أنه لا يحصل الفوز بالدنيا لكل أحد، بل كثير من الكفار والضلال يعرضون عن الدين في طلب الدنيا، ثم يبقون محرومين عن الدنيا وعن الدين، وهذا أيضاً فيه زجر عظيم لهؤلاء الكفار الضلال الذين يتركون الدين لطلب الدنيا، فإنه ربما فاتتهم الدنيا فهم الأخسرون أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

وأما القسم الثاني: وهو قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الأخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ فشرط تعالى فيه شروطاً ثلاثة: الشرط الأول: أن يريد بعمله الآخرة أي ثواب الآخرة، فإنه إن لم تحصل هذه الإرادة، وهذه النية لم ينتفع بذلك العمل لقوله تعالى: ﴿ وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى  ﴾ ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات» ولأن المقصود من الأعمال استنارة القلب بمعرفة الله تعالى ومحبته، وهذا لا يحصل إلا إن نوى بعمله عبودية الله تعالى وطلب طاعته.

والشرط الثاني: قوله: ﴿ وسعى لَهَا سَعْيَهَا ﴾ وذلك هو أن يكون العمل الذي يتوصل به إلى الفوز بثواب الآخرة من الأعمال التي بها ينال ثواب الآخرة، ولا يكون كذلك إلا إذا كان من باب القرب والطاعات، وكثير من الناس يتقربون إلى الله تعالى بأعمال باطلة، فإن الكفار يتقربون إلى الله تعالى بعبادة الأوثان، ولهم فيه تأويلان: التأويل الأول: يقولون: إله العالم أجل وأعظم من أن يقدر الواحد منا على إظهار عبوديته وخدمته فليس لنا هذا القدر والدرجة ولكن غاية قدرنا أن نشتغل بعبودية بعض المقربين من عباد الله تعالى، مثل أن نشتغل بعبادة كوكب أو عبادة ملك من الملائكة، ثم إن الملك والكوكب يشتغلون بعبادة الله تعالى، فهؤلاء يتقربون إلى الله تعالى بهذا الطريق، إلا أنه لما كان فاسداً في نفسه لا جرم لم يحصل الانتفاع به.

والتأويل الثاني لهم: أنهم قالوا: نحن اتخذنا هذه التماثيل على صور الأنبياء والأولياء، ومرادنا من عبادتها أن تصير أولئك الأنبياء والأولياء شفعاء لنا عند الله تعالى.

وهذا الطريق أيضاً فاسد، وأيضاً نقل عن الهند: أنهم يتقربون إلى الله تعالى بقتل أنفسهم تارة وبإحراق أنفسهم أخرى ويبالغون في تعظيم الله تعالى، إلا أنه لما كان الطريق فاسداً لا جرم لم ينتفع به، وكذلك القول في جميع فرق المبطلين الذين يتقربون إلى الله تعالى بمذاهبهم الباطلة وأقوالهم الفاسدة وأعمالهم المنحرفة عن قانون الصدق والصواب.

والشرط الثالث: قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ وهذا الشرط معتبر، لأن الشرط في كون أعمال البر موجبة للثواب تقدم الإيمان، فإذا لم يوجد الشرط لم يحصل المشروط، ثم إنه تعالى أخبر أن عند حصول هذه الشرائط يصير السعي مشكوراً والعمل مبروراً.

واعلم أن الشكر عبارة عن مجموع أمور ثلاثة: اعتقاد كونه محسناً في تلك الأعمال، والثناء عليه بالقول، والإتيان بأفعال تدل على كونه معظماً عن ذلك الشاكر، والله تعالى يعامل المطيعين بهذه الأمور الثلاثة، فإنه تعالى عالم بكونهم محسنين في تلك الأعمال، وأنه تعالى يثني عليهم بكلامه وأنه تعالى يعاملهم بمعاملات دالة على كونهم معظمين عند الله تعالى، وإذا كان مجموع هذه الثلاثة حاصلاً كانوا مشكورين على طاعاتهم من قبل الله تعالى، ورأيت في كتب المعتزلة أن جعفر بن حرب حضر عنده واحد من أهل السنة وقال: الدليل على أن الإيمان حصل بخلق الله تعالى أنا نشكر الله على الإيمان، ولو لم يكن الإيمان حاصلاً بإيجاده لامتنع أن نشكره عليه، لأن مدح الإنسان وشكره على ما ليس من عمله قبيح.

قال الله تعالى: ﴿ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ  ﴾ فعجز الحاضرون عن الجواب، فدخل ثمامة بن الأشرس وقال: إنما نمدح الله تعالى ونشكره على ما أعطانا من القدرة والعقل.

وإنزال الكتب وإيضاح الدلائل، والله تعالى يشكرنا على فعل الإيمان.

قال تعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ﴾ قال فضحك جعفر بن حرب وقال: صعب المسألة فسهلت.

واعلم أن قولنا: مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل كلام واضح، لأنه تعالى هو الذي أعطى الموجب التام لحصول الإيمان فكان هو المستحق للشكر، ولما حصل الإيمان للعبد وكان الإيمان موجباً للسعادة التامة صار العبد أيضاً مشكوراً ولا منافاة بين الأمرين.

المسألة الثانية: اعلم أن كل من أتى بفعل فإما أن يقصد بذلك الفعل تحصيل خيرات الدنيا، أو تحصيل خيرات الآخرة، أو يقصد به مجموعهما، أو لم يقصد به واحداً منهما، هذا هو التقسيم الصحيح، أما إن قصد به تحصيل الدنيا فقط أو تحصيل الآخرة فقط، فالله تعالى ذكر حكم هذين القسمين في هذه الآية.

أما القسم الثالث: فهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام، لأنه إما أن يكون طلب الآخرة راجحاً أو مرجوحاً، أو يكون الطلبان متعادلين.

أما القسم الأول: وهو أن يكون طلب الآخرة راجحاً، فهل يكون هذا العمل مقبولاً عند الله تعالى فيه بحث، يحتمل أن يقال: إنه غير مقبول لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حكى عن رب العزة أنه قال: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشريكه وأيضاً فطلب رضوان الله إما أن يقال: إنه كان سبباً مستقلاً بكونه باعثاً على ذلك الفعل أو داعياً إليه، وإما أن يقال: ما كان كذلك، فإن كان الأول امتنع أن يكون لغيره مدخل في ذلك البعث والدعاء، لأن الحكم إذا حصل مسنداً إلى سبب تام كامل امتنع أن يكون لغيره مدخل فيه، وإن كان الثاني فحينئذ يكون الحامل على ذلك الفعل والداعي إليه ذلك المجموع، وذلك المجموع ليس هو طلب رضوان الله تعالى، لأن المجموع الحاصل من الشيء ومن غيره يجب كونه مغايراً لكل واحد من جزئيه فهذا القسم التحق بالقسم الذي كان الداعي إليه مغايراً لطلب رضوان الله تعالى فوجب أن يكون مقبولاً، ويمكن أن يقال لما كان طلب الآخرة راجحاً على طلب الدنيا تعارض المثل بالمثل فيبقى القدر الزائد داعية خالصة لطلب الآخرة فوجب كونه مقبولاً، وأما إذا كان طلب الدنيا وطلب الآخرة متعادلين، أو كان طلب الدنيا راجحاً فهذا قد اتفقوا على أنه غير مقبول إلا أنه على كل حال خير مما إذا كان طلب الدنيا خالياً بالكلية عن طلب الآخرة.

وأما القسم الرابع: وهو أن يقال إنه أقدم على ذلك الفعل من غير داع فهذا بناء على أن صدور الفعل من القادر هل يتوقف على حصول الداعي أم لا؟

فالذين يقولون إنه متوقف قالوا هذا القسم ممتنع الحصول، والذين قالوا: إنه لا يتوقف قالوا: هذا الفعل لا أثر له في الباطن وهو محرم في الظاهر لأنه عبث، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ كُلاَّ ﴾ أي كل واحد من الفريقين، والتنوين عوض من المضاف إليه: ﴿ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبّكَ ﴾ أي أنه تعالى يمد الفريقين بالأموال ويوسع عليهما في الرزق مثل الأموال والأولاد، وغيرهما من أسباب العز والزينة في الدنيا، لأن عطاءنا ليس يضيق عن أحد مؤمناً كان أو كافراً لأن الكل مخلوقون في دار العمل، فوجب إزاحة العذر وإزالة العلة عن الكل وإيصال متاع الدنيا إلى الكل على القدر الذي يقتضيه الصلاح فبين تعالى أن عطاءه ليس بمحظور، أي غير ممنوع يقال حظره يحظره، وكل من حال بينه وبين شيء فقد حظره عليك.

ثم قال تعالى: ﴿ انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ﴾ وفيه قولان: القول الأول: المعنى: انظر إلى عطائنا المباح إلى الفريقين في الدنيا، كيف فضلنا بعضهم على بعض فأوصلناه إلى مؤمن.

وقبضناه عن مؤمن آخر، وأوصلناه إلى كافر، وقبضناه عن كافر آخر، وقد بين تعالى وجه الحكمة في هذا التفاوت فقال: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً  ﴾ وقال في آخر سورة الأنعام: ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات لّيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءاتاكم  ﴾ .

ثم قال: ﴿ وَلَلأَخِرَةُ أَكْبَرُ درجات وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾ والمعنى: أن تفاضل الخلق في درجات منافع الدنيا محسوس، فتفاضلهم في درجات منافع الآخرة أكبر وأعظم، فإن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا، فإذا كان الإنسان تشتد رغبته في طلب فضيلة الدنيا فبأن تقوى رغبته في طلب فضيلة الآخرة أولى.

القول الثاني: أن المراد أن الآخرة أعظم وأشرف من الدنيا، والمعنى أن المؤمنين يدخلون الجنة، والكافرين يدخلون النار، فيظهر فضل المؤمنين على الكافرين، ونظيره قوله تعالى: ﴿ أصحاب الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ انظر ﴾ بعين الاعتبار ﴿ كَيْفَ ﴾ جعلناهم متفاوتين في التفضل.

وفي الآخرة التفاوت أكبر، لأنها ثواب وأعواض وتفضل، وكلها متفاوتة.

وروي أن قوماً من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر رضي الله عنه، فخرج الإذن لبلال وصهيب، فشق على أبي سفيان، فقال سهيل بن عمرو: إنما أتينا من قبلنا أنهم دعوا ودعينا يعني إلى الإسلام فأسرعوا وأبطأنا وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة.

ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعدّ الله لهم في الجنة أكثر.

وقرئ: ﴿ وأكثر تفضيلاً ﴾ ، وعن بعضهم: (أيها المباهي) بالرفع منك في مجالس الدنيا (أما ترغب في المباهاة) بالرفع في مجالس الآخرة وهي أكبر وأفضل؟

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ في الرِّزْقِ، وانْتِصابُ ﴿ كَيْفَ ﴾ بِـ ﴿ فَضَّلْنا ﴾ عَلى الحالِ.

﴿ وَلَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا ﴾ أيِ التَّفاوُتُ في الآخِرَةِ أكْبُرُ، لِأنَّ التَّفاوُتَ فِيها بِالجَنَّةِ ودَرَجاتِها والنّارِ ودَرَكاتِها.

﴿ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ  والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ.

﴿ فَتَقْعُدَ ﴾ فَتَصِيرَ مِن قَوْلِهِمْ شَحَذَ الشَّفْرَةَ حَتّى قَعَدَتْ كَأنَّها حَرْبَةٌ، أوْ فَتَعْجَزَ مِن قَوْلِهِمْ قَعَدَ عَنِ الشَّيْءِ إذا عَجَزَ عَنْهُ.

﴿ مَذْمُومًا مَخْذُولا ﴾ جامِعًا عَلى نَفْسِكَ الذَّمَّ مِنَ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ والخِذْلانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَفْهُومُهُ أنَّ المُوَحِّدَ يَكُونُ مَمْدُوحًا مَنصُورًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{انظُرْ} بعين الاعتبار {كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ} في المال والجاه والسعة والكمال {وَلَلآخِرَةُ أكبر درجات وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} روي أن قوماً من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر رضي الله عنه فخرج الإذن لبلال وصهيب فشق على أبي سفيان فقال سهيل بن عمرو إنما أتينا من قبلنا إنهم دعوا ودعينا يعني إلى الإسلام فأسرعوا وأبطأنا وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعد الله لهم في الجنة أكثر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ كَيْفَ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِ (فَضَّلْنا) عَلى الحالِ ولَيْسَتْ مُضافَةً لِلْجُمْلَةِ كَما تُوُهِّمَ، والجُمْلَةُ بِتَمامِها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِ (انْظُرْ) وهو مُعَلَّقٌ هُنا، والمُرادُ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ تَوْضِيحُ ما مَرَّ مِنَ الإمْدادِ وعَدَمِ مَحْظُورِيَّةِ العَطاءِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِحْضارِ مَراتِبِ أحَدِ العَطاءَيْنِ والِاسْتِدْلالِ بِها عَلى مَراتِبِ الآخَرِ، أيِ انْظُرْ بِنَظَرِ الِاعْتِبارِ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ فِيما أمْدَدْناهم مِنَ العَطايا الآجِلَةِ وتَفاوُتِ أهْلِها عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِدْلالِ بِحالِ الأدْنى عَلى حالِ الأعْلى كَما أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا ﴾ أيْ: أكْبَرُ مِن دَرَجاتِ الدُّنْيا وتَفْضِيلِها؛ لِأنَّ التَّفاوُتَ فِيها بِالجَنَّةِ ودَرَجاتِها العالِيَةِ لا يُقادَرُ قَدْرُها ولا يُكْتَنَهُ كُنْهُها.

وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: ««إنَّ بَيْنَ أعْلى أهْلِ الجَنَّةِ وأسْفَلِهِمْ دَرَجَةً كالنَّجْمِ يُرى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، وقَدْ أرْضى اللَّهُ تَعالى الجَمِيعَ فَما يَغْبِطُ أحَدٌ أحَدًا»».

وعَنِ الضَّحّاكِ: الأعْلى يَرى فَضْلَهُ عَلى مَن هو أسْفَلَ مِنهُ، والأسْفَلُ لا يَرى أنَّ فَوْقَهُ أحَدًا، وصَحَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى أعَدَّ لِعِبادِهِ الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ورَوى ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعابِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: حَضَرَ جَماعَةٌ مِنَ النّاسِ بابَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وفِيهِمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو القُرَشِيُّ، وكانَ أحَدَ الأشْرافِ في الجاهِلِيَّةِ وأبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وأُولَئِكَ المَشايِخُ مِن قُرَيْشٍ فَأذِنَ لِصُهَيْبٍ وبِلالٍ وأهْلٍ بَدْرٍ وكانَ يُحِبُّهُمْ، وكانَ قَدْ أوْصى لَهم فَقالَ أبُو سُفْيانَ: ما رَأيْتُ كاليَوْمِ قَطُّ؛ إنَّهُ لَيُؤْذَنُ لِهَؤُلاءِ العَبِيدِ ونَحْنُ جُلُوسٌ لا يُلْتَفَتُ إلَيْنا فَقالَ سُهَيْلٌ: وكانَ أعْقَلَهُمْ: أيُّها القَوْمُ، إنِّي واللَّهِ قَدْ أرى الَّذِي في وُجُوهِكُمْ، فَإنْ كُنْتُمْ غِضابًا فاغْضَبُوا عَلى أنْفُسِكُمْ؛ دُعِيَ القَوْمُ ودُعِيتُمْ فَأسْرَعُوا وأبْطَأْتُمْ، أما واللَّهِ لَما سَبَقُوكم بِهِ مِنَ الفَضْلِ أشَدُّ عَلَيْكم فَوْتًا مِن بابِكم هَذا الَّذِي تَنافَسُونَ عَلَيْهِ.

وفِي الكَشّافِ أنَّهُ قالَ: إنَّما أُتِينا مِن قِبَلِنا أنَّهم دُعُوا ودُعِينا فَأسْرَعُوا وأبْطَأنا، وهَذا بابُ عُمَرَ فَكَيْفَ التَّفاوُتُ في الآخِرَةِ، ولَئِنْ حَسَدْتُمُوهم عَلى بابِ عُمَرَ لَما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهم في الجَنَّةِ أكْبَرُ، وقُرِئَ: (أكْثَرُ تَفْضِيلًا) بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ، هَذا وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِما بِهِ الإمْدادُ العَطايا العاجِلَةُ فَقَطْ، وحُمِلَ القَصْرُ المَذْكُورُ عَلى دَفْعِ تَوَهُّمِ اخْتِصاصِها بِالفَرِيقِ الأوَّلِ، فَإنَّ تَخْصِيصَ إرادَتِهِمْ لَها ووُصُولَهم إلَيْها بِالذِّكْرِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِبَيانِ النِّسْبَةِ بَيْنَها وبَيْنَ الفَرِيقِ الثّانِي إرادَةً ووُصُولًا مِمّا يُوهِمُ اخْتِصاصَها بِالأوَّلِينَ، فالمَعْنى: كُلُّ الفَرِيقَيْنِ نَمُدُّ بِالعَطايا العاجِلَةِ لا مَن ذَكَرْنا إرادَتَهُ لَها فَقَطْ مِنَ الفَرِيقِ الأوَّلِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ الواسِعِ وما كانَ عَطاؤُهُ الدُّنْيَوِيُّ مَحْظُورًا مِن أحَدٍ مِمَّنْ يُرِيدُ ومِمَّنْ يُرِيدُ غَيْرَهُ، انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا في ذَلِكَ العَطاءِ بَعْضَ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ عَلى بَعْضٍ آخَرَ مِنهُما، ولَلْآخِرَةُ...

إلَخْ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ وقَتادَةُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُما أنَّهُما قالا في مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْزُقُ في الدُّنْيا مُرِيدِي العاجِلَةِ الكافِرِينَ ومُرِيدِي الآخِرَةِ المُؤْمِنِينَ ويَمُدُّ الجَمِيعَ بِالرِّزْقِ، وذَكَرَ الرِّزْقَ مِن بَيْنِ ما بِهِ الإمْدادُ قِيلَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، وقِيلَ: تَخْصِيصٌ لِدَلالَةِ السِّياقِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ فَيَتَناوَلُ الجاهَ ونَحْوَهُ كَما يُقالُ: السَّعادَةُ أرْزاقٌ، واعْتَبَرَ الجُمْهُورُ عَدَمَ المَحْظُورِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفَرِيقِ الأوَّلِ تَحْقِيقًا لِشُمُولِ الإمْدادِ لَهُ حَيْثُ قالُوا: لا يَمْنَعُهُ مِن عاصٍ لِعِصْيانِهِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ القَصْرِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ اخْتِصاصِ الإمْدادِ الدُّنْيَوِيِّ بِالفَرِيقِ الثّانِي مَعَ أنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ في الكَلامِ ما يُوهِمُ ثُبُوتَهُ لَهُ فَضْلًا عَنْ إيهامِ اخْتِصاصِهِ وفِيهِ تَأمُّلٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ مَعْنى ﴿ مِن عَطاءِ رَبِّكَ ﴾ مِنَ الطّاعاتِ ويَمُدُّ بِها مُرِيدَ الآخِرَةِ والمَعاصِي، ويَمُدُّ بِها مُرِيدَ العاجِلَةِ فَيَكُونُ العَطاءُ عِبارَةً عَمّا قَسَّمَ اللَّهُ تَعالى لِلْعَبْدِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يَبْعُدُ غايَةَ البُعْدِ إرادَةُ المَعاصِي مِنَ العَطاءِ، ولَعَلَّ نِسْبَةَ ذَلِكَ لِلْحَبْرِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ فَلا تَغْفُلْ واعْلَمْ أنَّ التَّقْسِيمَ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ غَيْرُ حاصِرٍ، وذَلِكَ غَيْرُ مُضِرٍّ، والتَّقْسِيمُ الحاصِرُ أنَّ كُلَّ فاعِلٍ إمّا أنْ يُرِيدَ بِفِعْلِهِ العاجِلَةَ فَقَطْ أوْ يُرِيدَ الآخِرَةَ فَقَطْ أوْ يُرِيدَهُما مَعًا أوْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا، والقِسْمانِ الأوَّلانِ قَدْ عُلِمَ حُكْمُهُما مِنَ الآيَةِ، والقِسْمُ الثّالِثُ يَنْقَسِمُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ؛ لِأنَّهُ إمّا تَكُونُ إرادَةُ الآخِرَةِ أرْجَحَ أوْ تَكُونُ مَرْجُوحَةً أوْ تَكُونُ الإرادَتانِ مُتَعادِلَتَيْنِ، وفي قَبُولِ العَمَلِ في القِسْمِ الأوَّلِ بَحْثٌ عِنْدَ الإمامِ قالَ: يُحْتَمَلُ عَدَمُ القَبُولِ لِما رُوِيَ عَنْ رَبِّ العِزَّةِ جَلَّ شَأْنُهُ: ««أنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ»».

ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إذا كانَتْ إرادَةُ الآخِرَةِ راجِحَةً عَلى إرادَةِ الدُّنْيا تَعارُضَ المَثَلِ بِالمَثَلِ فَيَبْقى القَدْرُ الزّائِدُ خالِصًا لِلْآخِرَةِ فَيَجِبُ كَوْنُهُ مَقْبُولًا، وإلى عَدَمِ القَبُولِ ذَهَبَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ، ومالَ إلى القَوْلِ بِأصْلِ الثَّوابِ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ حَيْثُ قالَ: لَوْ كانَ اطِّلاعُ النّاسِ مُرَجِّحًا أوْ مُقَوِّيًا لِنَشاطِهِ ولَوْ فُقِدَ لَمْ تُتْرَكِ العِبادَةُ ولَوِ انْفَرَدَ قَصْدُ الرِّياءِ لَما أقْدَمَ فالَّذِي نَظُنُّهُ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ لا يُحْبِطُ أصْلَ الثَّوابِ ولَكِنَّهُ يُعاقِبُ عَلى مِقْدارِ قَصْدِ الرِّياءِ ويُثابُ عَلى مِقْدارِ قَصْدِ الثَّوابِ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ الرِّياءَ ولَوْ مُحَرَّمًا لا يُمْنَعُ أصْلُ الثَّوابِ عِنْدَهُ إذا كانَ باعِثُ العِبادَةِ أغْلَبَ، وذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ أنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ تَرْجِيحُهُ أنَّهُ مَتى كانَ المُصاحِبُ بِقَصْدِ العِبادَةِ رِياءً مُباحًا لَمْ يَقْتَضِ إسْقاطَ ثَوابِها مِن أصْلِهِ بَلْ يُثابُ عَلى مِقْدارِ قَصْدِ العِبادَةِ وإنْ ضَعُفَ أوْ مُحَرَّمًا اقْتَضى سُقُوطَهُ مِن أصْلِهِ لِلْأخْبارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ قَدْ لا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ تَقْصِيرَهُ بِقَصْدِ المُحَرِّمِ اقْتَضى سُقُوطَ قَصْدِ الأجْرِ فَلَمْ تَبْقَ لَهُ ذَرَّةٌ مِن خَيْرٍ فَلَمْ تَشْمَلْهُ الآيَةُ، واتَّفَقُوا عَلى عَدَمِ قَبُولِ ما تَرَجَّحَ فِيهِ باعِثُ الدُّنْيا أوْ كانَ الباعِثانِ فِيهِ مُتَساوِيَيْنِ، وخَصَّ الغَزالِيُّ الأحادِيثَ الدّالَّةَ بِظاهِرِها عَلى عَدَمِ القَبُولِ مُطْلَقًا بِهَذَيْنَ القِسْمَيْنِ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ في الزَّواجِرِ عَنِ اقْتِرافِ الكَبائِرِ، وأمّا القِسْمُ الرّابِعُ عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّ صُدُورَ الفِعْلِ مِنَ القادِرِ يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الدّاعِي فَهو مُمْتَنِعُ الحُصُولِ، والَّذِينَ قالُوا إنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ قالُوا: ذَلِكَ الفِعْلُ لا أثَرَ لَهُ في الباطِنِ وهو مُحَرَّمٌ في الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ عَبَثٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا ﴾ فِيهِ أرْبَعُ إشاراتٍ، إشارَةُ التَّقْدِيسِ بِسُبْحانَ؛ فَهو تَنْزِيهٌ لَهُ تَعالى عَنِ اللَّواحِقِ المادِّيَّةِ والنَّقائِصِ التَّشْبِيهِيَّةِ وعَنْ جَمِيعِ ما يَرْتَسِمُ في الأذْهانِ، وإشارَةُ الغَيْرَةِ بِعَدَمِ ذِكْرِ الِاسْمِ الظّاهِرِ مِن أسْمائِهِ الحُسْنى عَزَّتْ أسْماؤُهُ، وكَذا بِعَدَمِ ذِكْرِ اسْمِهِ  ، وإشارَةُ الغَيْبِ بِذِكْرِ ضَمِيرِ الغائِبِ، وإشارَةُ السِّرِّ بِذِكْرِ اللَّيْلِ فَإنَّهُ مَحَلُّ السِّرِّ والنَّجْوى، وعَنْ بَعْضِ الأكابِرِ: لَوْلا اللَّيْلُ ما أحْبَبْتُ البَقاءَ في الدُّنْيا، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ إنَّ في اخْتِيارِ عُنْوانِ العُبُودِيَّةِ إشارَةً إلى أنَّها أعْلى المَقاماتِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ فِيما سَلَفَ، وأصْلُها الذُّلُّ والخُضُوعُ وحَيْثُ إنَّ الذُّلَّ لِشَيْءٍ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ دَلَّتِ العُبُودِيَّةُ لِلَّهِ تَعالى عَلى مَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ وكَمالُها عَلى كَمالِها، ومِن هُنا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ بِقَوْلِهِ: إلّا لِيَعْرِفُونِ، وهي تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سَهْمًا بِعَدَدِ الأسْماءِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ لِكُلِّ اسْمٍ إلَهِيٍّ عُبُودِيَّةٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِ يَتَعَبَّدُ لَهُ مَن يَتَعَبَّدُ مِنَ المَخْلُوقِينَ ولَمْ يَتَحَقَّقْ بِهَذا المَقامِ عَلى كَمالِهِ مِثْلَ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَكانَ عَبْدًا مَحْضًا زاهِدًا في جَمِيعِ الأحْوالِ الَّتِي تُخْرِجُهُ عَنْ مَرْتَبَةِ العُبُودِيَّةِ، وشَهِدَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِأنَّهُ عَبْدٌ مُضافٌ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هَوِيتُهُ هُنا واسْمُهُ الجامِعُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ ﴾ ولَمّا أمَرَ  بِتَعْرِيفِ مَقامِهِ يَوْمَ القِيامَةِ قَيَّدَ ذَلِكَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ»».

بِالرّاءِ أوِ الزّايِ عَلى اخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ وهي لِما عَلِمْتَ مِن مَعْناها لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ نَعْتًا إلَهِيًّا أصْلًا بَلْ هي صِفَةٌ خاصَّةٌ لا اشْتِراكَ فِيها، فَقَدْ قالَ أبُو يَزِيدَ البَسْطامِيُّ: ما وجَدْتُ شَيْئًا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَيْهِ تَعالى إذْ رَأيْتُ كُلَّ نَعْتٍ يُتَقَرَّبُ بِهِ لِلْأُلُوهِيَّةِ فِيهِ مَدْخَلٌ فَقُلْتُ: يا رَبِّ، بِماذا أتَقَرَّبُ إلَيْكَ؟

قالَ: تَقَرَّبْ إلَيَّ بِما لَيْسَ لِي.

قُلْتُ: يا رَبِّ، وما الَّذِي لَيْسَ لَكَ؟

قالَ: الذِّلَّةُ والِافْتِقارُ.

وذُكِرَ أنَّ العَبْدَ مَعَ الحَقِّ في حالِ عُبُودِيَّتِهِ كالظِّلِّ مَعَ الشَّخْصِ في مُقابَلَةِ السِّراجِ كُلَّما قَرُبَ إلى السِّراجِ عَظُمَ الظِّلُّ، ولا قُرْبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا بِما هو لَكَ وصْفٌ أخَصُّ لا لَهُ سُبْحانَهُ، وكُلَّما بَعُدَ عَنِ السِّراجِ صَغُرَ الظِّلُّ، فَإنَّهُ ما يُبْعِدُكَ عَنِ الحَقِّ إلّا خُرُوجُكَ عَنْ صِفَتِكَ الَّتِي تَسْتَحِقُّها وطَمَعُكَ في صِفَتِهِ تَعالى، كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ، وهُما صِفَتانِ لِلَّهِ تَعالى: و ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ ﴾ وهُما كَذَلِكَ وإلى هَذا أشارَ  بِقَوْلِهِ: ««أعُوذُ بِكَ مِنكَ»».

وأوَّلَ بَعْضُهُمُ اللَّيْلَ بِظُلْمَةِ الغَواشِي البَدَنِيَّةِ والتَّعَلُّقاتِ الطَّبِيعِيَّةِ وقالَ: إنَّ التَّرَقِّيَ والعُرُوجَ لا يَكُونُ إلّا بِواسِطَةِ البَدَنِ، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهُ  أُسَرِيَ بِهِ وكَذا عُرِجَ يَقَظَةً لَمْ يُفارِقْ بَدَنَهُ إلّا أنَّ العارِفَ الجامِيَّ قالَ: إنَّ ذَلِكَ إلى المُحَدَّدِ ثُمَّ أُلْقِيَ البَدَنُ هُناكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وفي أسْرارِ القُرْآنِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُسْرِيَ بِهِ مِن رُؤْيَةِ أفْعالِهِ إلى رُؤْيَةِ صِفاتِهِ ومِن رُؤْيَةِ صِفاتِهِ إلى رُؤْيَةِ ذاتِهِ فَرَأى الحَقَّ بِالحَقِّ وكانَتْ صُورَتُهُ رُوحَهُ ورُوحُهُ عَقْلَهُ وعَقْلُهُ قَلْبَهُ وقَلْبُهُ سِرَّهُ، وكَأنَّهُ أرادَ أنَّهُ  حَصَلَ لَهُ هَذا الإسْراءُ وإلّا فَإرادَةُ أنَّ الإسْراءَ الَّذِي في الآيَةِ هو هَذا مِمّا لا يَنْبَغِي.

ولا يَخْفى أنَّ الإسْراءَ غَيْرُ المِعْراجِ، نَعَمْ قَدْ يُطْلِقُونَ الإسْراءَ عَلى المِعْراجِ بَلْ قِيلَ: إنَّهُما إذا اجْتَمَعا افْتَرَقا، وإذا افْتَرَقا اجْتَمَعا، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ لِجَمِيعِ الوارِثِينَ مِعْراجًا إلّا أنَّهُ مِعْراجُ أرْواحٍ لا أشْباحٍ وإسْراءُ أسْرارٍ لا أسْوارٍ، ورُؤْيَةُ جَنانٍ لا عِيانٍ، وسُلُوكُ ذَوْقٍ وتَحْقِيقٍ لا سُلُوكُ مَسافَةٍ وطَرِيقٍ إلى سَمَواتِ مَعْنًى لا مَغْنًى، وهَذا المِعْراجُ مُتَفاوِتٌ حَسْبَ تَفاوُتِ مَراتِبِ الرِّجالِ، وقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في مِعْراجِهِ ما يُحَيِّرُ الألْبابَ ويَقْضِي مِنهُ العَجَبَ العُجابَ ولَمْ يُسْتَبْعَدْ ذَلِكَ مِنهُ بِناءً عَلى أنَّهُ خَتَمَ الوِلايَةَ المُحَمَّدِيَّةَ عِنْدَهُمْ، ومِن عَجائِبِ ما اتَّفَقَ في زَمانِنا أنَّ رَجُلًا يُدْعى بِعَبْدِ السَّلامِ نائِبِ القاضِي في بَغْدادَ وكانَ جَسُورًا عَلى الحُكْمِ بِالباطِلِ شَرَعَ في تَرْجَمَةِ مِعْراجِ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ بِالتُّرْكِيَّةِ مَعَ شَرْحِ بَعْضِ مُغْلِقاتِهِ ولَمْ يَكُنْ مِن خَبايا هاتِيكَ الزَّوايا فَقَبْلَ أنْ يُتِمَّ مَرامَهُ ابْتُلِيَ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى بِآكِلَةٍ في فَمِهِ فَأكَلَتْهُ إلى أُذُنَيْهِ فَماتَ وعُرِجَ بِرُوحِهِ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، نَسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ العَفْوَ والعافِيَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ، ونُقِلَ عَنِ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّ الإسْراءَ وقَعَ لَهُ  ثَلاثِينَ مَرَّةً، وفي كَلامِ الشَّيْخِ عَبْدِ الوَهّابِ الشَّعَرانِيِّ أنْ إسْراءاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَتْ أرْبَعًا وثَلاثِينَ، واحِدٌ مِنها بِجِسْمِهِ والباقِي بِرُوحِهِ، وقَدْ صَرَّحُوا أنَّ الأوَّلَ مِن خَصائِصِهِ  .

وفي الخَصائِصِ الصُّغْرى وخُصَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإسْراءِ وما تَضَمَّنَهُ مِن خَرْقِ السَّمَواتِ السَّبْعِ والعُلُوِّ إلى قابِ قَوْسَيْنِ ووَطْئِهِ مَكانًا ما وطِئَهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ولا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وأنْ قَطَعَ المَسافَةَ الطَّوِيلَةَ في الزَّمَنِ القَصِيرِ مِمّا يَكُونُ كَرامَةً لِلْوَلِيِّ، والمَشْهُورُ تَسْمِيَةُ ذَلِكَ بِطَيِّ المَسافَةِ وهو مِن أعْظَمِ خَوارِقِ العاداتِ، وأنْكَرَ ثُبُوتَهُ لِلْأوْلِياءِ الحَنَفِيَّةُ، ومِنهُمُ ابْنُ وهْبانَ قالَ: ومَن لِوَلِيٍّ قالَ طَيُّ مَسافَةٍ يَجُوزُ جَهُولٌ ثُمَّ بَعْضٌ يَكْفُرُ وهَذا مِنهم مَعَ قَوْلِهِمْ: إذا وُلِدَ لِمَغْرِبِيٍّ ولَدٌ مِنَ امْرَأتِهِ المَشْرِقِيَّةِ مَثَلًا يُلْحَقُ بِهِ، وإنْ لَمْ يَلْتَقِيا ظاهِرًا غَرِيبٌ، والكُتُبُ مَلْأى مِن حِكاياتِ الثِّقاتِ هَذِهِ الكَرامَةَ لِكَثِيرٍ مِنَ الصّالِحِينَ، وكَأنَّ مُجْهِلَ قائِلِها بَنى تَجْهِيلَهُ عَلى أنَّ في ذَلِكَ قَوْلًا بِتَداخُلِ الجَواهِرِ وقَدْ أحالَهُ المُتَكَلِّمُونَ خِلافًا لِلنِّظامِ وبَرْهَنُوا عَلى اسْتِحالَتِهِ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وادَّعى بَعْضُهُمُ الضَّرُورَةَ في ذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قَطْعَ المَسافَةِ الطَّوِيلَةِ في الزَّمَنِ القَصِيرِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى تَداخُلِ الجَواهِرِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ بِالسُّرْعَةِ كَما قالُوا في الإسْراءِ فَلْيُثْبَتْ لِلْأوْلِياءِ عَلى هَذا النَّحْوِ عَلى أنَّ الكَراماتِ كالمُعْجِزاتِ مَجْهُولَةُ الكَيْفِيَّةِ فَنُؤْمِنُ بِما صَحَّ مِنها ونُفَوِّضُ كَيْفِيَّتَهُ إلى مَن لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومِثْلُ طَيِّ المَسافَةِ ما يَحْكُونَهُ مِن نَشْرِ الزَّمانِ وأنا مُؤْمِنٌ ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ بِما يَصِحُّ نَقْلُهُ مِنَ الأمْرَيْنِ، والمُكَفِّرُ جَهُولٌ، والمُجِهِّلُ لَيْسَ بِرَسُولٍ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، وأُوِّلَ المَسْجِدُ الحَرامُ بِمَقامِ القَلْبِ المُحْتَرَمِ عَنْ أنْ يَطُوفَ بِهِ مُشْرِكُو القُوى البَدَنِيَّةِ ويُرْتَكَبَ فِيهِ فَواحِشُها وخَطاياها، والمَسْجِدُ الأقْصى بِمَقامِ الرُّوحِ الأبْعَدِ مِنَ العالَمِ الجِسْمانِيِّ ﴿ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا ﴾ أيْ آياتِ صِفاتِنا مِن جِهَةِ أنَّها مَنسُوبَةٌ إلَيْنا ونَحْنُ المُشاهِدُونَ بِها وإلّا فَأصْلُ مُشاهَدَةِ الصِّفاتِ في مَقامِ القَلْبِ ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا ﴾ قالَ سَهْلٌ: أيْ: إنْ عُدْتُمْ إلى المَعْصِيَةِ عُدْنا إلى المَغْفِرَةِ، وإنْ عُدْتُمْ إلى الإعْراضِ عَنّا عُدْنا إلى الإقْبالِ عَلَيْكُمْ، وإنْ عُدْتُمْ إلى الفِرارِ مِنّا عُدْنا إلى أخْذِ الطَّرِيقِ عَلَيْكم لِتَرْجِعُوا إلَيْنا.

وقالَ الوَرّاقُ: إنْ عُدْتُمْ إلى الطّاعَةِ عُدْنا إلى التَّيْسِيرِ والقَبُولِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

﴿ إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ﴾ الآيَةَ.

أيْ: إنَّ هَذا القُرْآنَ يَعْرِفُ أهْلُهُ بِنُورِهِ أقَوْمَ الطُّرُقِ إلى اللَّهِ تَعالى وهو طَرِيقُ الطّاعَةِ والِاقْتِداءِ بِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّهُ لا طَرِيقَ يُوصِلُ إلّا ذَلِكَ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ: وأنْتَ بابُ اللَّهِ أيُّ امْرِئٍ ∗∗∗ أتاهُ مِن غَيْرِكَ لا يَدْخُلُ وذَكَرُوا أنَّ القُرْآنَ يُرْشِدُ بِظاهِرِهِ إلى مَعانِي باطِنِهِ وبِمَعانِي باطِنِهِ إلى نُورِ حَقِيقَتِهِ، وبِنُورِ حَقِيقَتِهِ إلى أصْلِ الصِّفَةِ، وبِالصِّفَةِ إلى الذّاتِ فَطُوبى لِمَنِ اسْتَرْشَدَ بِالقُرْآنِ فَإنَّهُ يَدُلُّهُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ أحْسَنَ مَن قالَ: إذا نَحْنُ أدْلَجْنا وأنْتَ أمامَنا ∗∗∗ كَفى لِمَطايانا بِنُورِكَ هادِيا ويُبَشِّرُ أهْلَهُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَهُ أنَّ لَهم أجْرَ المُشاهَدَةِ وكَشْفِها بِلا حِجابٍ ﴿ ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولا ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أدَبٍ مِن آدابِ الدُّعاءِ وهو عَدَمُ الِاسْتِعْجالِ فَيَنْبَغِي لِلسّالِكِ أنْ يَصْبِرَ حَتّى يَعْرِفَ ما يَلِيقُ بِحالِهِ فَيَدْعُوَ بِهِ، وقالَ سَهْلٌ: أسْلَمُ الدَّعَواتِ الذِّكْرُ وتَرْكُ الِاخْتِيارِ؛ لِأنَّ في الذِّكْرِ الكِفايَةَ، ورُبَّما يَسْألُ الإنْسانُ ما فِيهِ هَلاكُهُ ولا يَشْعُرُ، وفي الأثَرِ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ: مَن شَغَلَهُ ذِكْرى عَنْ مَسْألَتِي أُعْطِيهِ أفْضَلَ ما أُعْطِيَ السّائِلِينَ» ﴿ وجَعَلْنا اللَّيْلَ ﴾ أيْ لَيْلَ الكَوْنِ وظُلْمَةَ البَدَنِ ﴿ والنَّهارَ ﴾ أيْ: نَهارَ الإبْداعِ والرُّوحِ ﴿ آيَتَيْنِ ﴾ يُتَوَصَّلُ بِهِما إلى مَعْرِفَةِ الذّاتِ والصِّفاتِ ﴿ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ ﴾ بِالفَسادِ والفَناءِ ﴿ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ﴾ مُنِيرَةً باقِيَةً بِكَمالِها تُبَصِّرُ بِنُورِها الحَقائِقَ ﴿ لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ ﴾ وهو كَمالِكُمُ الَّذِي تَسْتَعِدُّونَهُ ﴿ ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ﴾ أيْ: لِتُحْصُوا عَدَدَ المَراتِبِ والمَقاماتِ مِن بِدايَتِكم إلى نِهايَتِكم بِالتَّرَقِّي فِيها وحِسابِ أعْمالِكم وأخْلاقِكم وأحْوالِكم فَتُبَدِّلُوا السَّيِّئَ مِن ذَلِكَ بِالحَسَنِ ﴿ وكُلَّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ العُلُومِ والحِكَمِ ﴿ فَصَّلْناهُ ﴾ بِنُورِ عُقُولِكُمُ الفُرْقانِيَّةِ الحاصِلَةِ لَكم عِنْدَ الكَمالِ تَفْصِيلًا لا إجْمالَ فِيهِ كَما في مَرْتَبَةِ العَقْلِ القُرْآنِيِّ الحاصِلِ عِنْدَ البِدايَةِ ﴿ وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ﴾ الآيَةَ.

تَقَدَّمَ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإشارَةِ فِيها ﴿ وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ لِلصُّوفِيَّةِ في هَذا الرَّسُولِ كَغَيْرِهِمْ قَوْلانِ، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ رَسُولُ العَقْلِ، ومِنهم مَن قالَ: رَسُولُ الشَّرْعِ.

﴿ وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها ﴾ الآيَةَ.

فِيها إشارَةٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ إذا أرادَ أنْ يُخَرِّبَ قَلْبَ المُرِيدِ سَلَّطَ عَلَيْهِ عَساكِرَ هَوى نَفْسِهِ وجُنُودَ شَياطِينِهِ فَيُخَرِّبُ بِسَنابِكِ خُيُولِ الشَّهَواتِ وآفاتِ الطَّبْعِيّاتِ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ ﴾ لِكُدُورَةِ اسْتِعْدادِهِ وغَلَبَةِ هَواهُ وطَبِيعَتِهِ ﴿ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا ﴾ عَنْ ذَوِي العُقُولِ ﴿ مَدْحُورًا ﴾ في سَخَطِ اللَّهِ تَعالى وقَهْرِهِ ﴿ ومَن أرادَ الآخِرَةَ ﴾ لِصَفاءِ اسْتِعْدادِهِ وسَلامَةِ فِطْرَتِهِ ﴿ وسَعى لَها سَعْيَها ﴾ اللّائِقَ بِها وهو السَّعْيُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقامَةِ وما تَرْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: السَّعْيُ إلى الدُّنْيا بِالأبْدانِ، والسَّعْيُ إلى الآخِرَةِ بِالقُلُوبِ، والسَّعْيُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِالهِمَمِ ﴿ وهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ ثابِتُ الإيمانِ لا تَزَعْزُعُهُ عَواصِفُ الشُّبَهِ ﴿ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا ﴾ مَقْبُولًا مُثابًا عَلَيْهِ، وعَنْ أبِي حَفْصٍ أنَّ السَّعْيَ المَشْكُورَ ما لَمْ يَكُنْ مَشُوبًا بِرِياءٍ ولا بِسُمْعَةٍ ولا بِرُؤْيَةِ نَفْسٍ ولا بِطَلَبِ عِوَضٍ بَلْ يَكُونُ خالِصًا لِوَجْهِهِ تَعالى لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ شَيْءٌ فَلا تَغْفُلْ ﴿ كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ ﴾ لا تَأْثِيرَ لِإرادَتِهِمْ وسَعْيِهِمْ في ذَلِكَ، وإنَّما هي مُعَرَّفاتٌ وعَلاماتٌ لِما قَدَّرْنا لَهم مِنَ العَطاءِ، ورَأيْتُ في الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها ﴾ وهو نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقَدْ سَمِعْتُ ما فِيهِ ﴿ وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ عَنْ أحَدٍ مُطِيعًا كانَ أوْ عاصِيًا؛ لِأنَّ شَأْنَهُ تَعالى شَأْنُهُ الإفاضَةُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ في الدُّنْيا بِمُقْتَضى المَشِيئَةِ والحِكْمَةِ ﴿ ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا ﴾ فَهُناكَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، رَزَقَنا اللَّهُ تَعالى وإيّاكم ذَلِكَ، إنَّهُ سُبْحانَهُ الجَوادُ المالِكُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ أي: كلا الفريقين من المؤمنين والكافرين نعطي هؤلاء من أهل الطاعة، وَهَؤُلاءِ من أهل المعصية مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ أي: من رزق ربك.

وقال الحسن: كُلًّا نُمِدُّ أي: نعطي من الدنيا البر والفاجر وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً أي: محبوساً عن البر والفاجر في الدنيا.

انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ في الدنيا بالمال وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ يقول: ولفضائل الآخرة أرفع درجات مما فضلوا في الدنيا وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا أي: وأرفع في الثواب.

وقال الضحاك: وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ في الجنة، فالأعلى يرى فضله على من هو أسفل منه، والأسفل لا يرى أَن فوقه أحدا.

وقال مقاتل: معناه، فضل المؤمنين في الآخرة على الكفار أكبر من فضل الكفار على المؤمنين في المال في الدنيا، وقال بعض الحكماء: إذا أردت هذه الدرجات وهذا التفضيل فاستعمل هذه الخصال التي ذكر في هذه الآيات إلى قوله عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى حيث كتب الله له فيها، أنزلها الله تعالى على نبيه محمد  وهي كلها في التوحيد وهي في الكتب كلها موجودة لم تنسخ قط» وهو قوله تعالى: لاَّ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً أي: ويذمك الناس بفعلك مَخْذُولًا ويخذلك الذي تعبده، فتبقى في النار يذمك الله ويذمك الناس وتذم نفسك مَخْذُولًا أي: يخذلك معبودك ولا ينصرك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

حُكْم الشرع، فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ولا يشكر اللَّه سعياً ولا عملاً إِلا أثابَ عليه، وغفر بسببه ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم في حديثِ الرجُلِ الذي سَقَى الكَلْبَ العاطِشَ: «فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ له «١» » .

وقوله سبحانه: كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ يحتملُ أنْ يريد ب «العطاء» الطاعات لمريد الآخرةِ، والمعاصي لمريد العاجلةِ، وروي هذا التأويل عن ابن «٢» عباس، ويحتمل أن يريد بالعطاء رزقَ الدنيا، وهو تأويل الحسن بن أبي الحسن، وقتادة «٣» ، المعنى أنه سبحانه يرزقُ في الدنيا من يريد العاجلَة ومريدَ الآخرة، وإِنما يقع التفاضُلُ والتبايُنُ في الآخرةِ، ويتناسَبُ هذا المعنى مع قوله: وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً، أي: ممنوعاً، وقَلَّمَا تصلح هذه العبارةُ لمن يمدّ بالمعاصي.

وقوله: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ الآية تُدلُّ دلالةً ما على أن العطاء في التي قبلها الرْزُق، وباقي الآية معناه أوضَحُ من أن يبيَّن.

وقوله سبحانه: لاَّ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا هذه الآية خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم والمراد لجميعِ الخلقِ، قاله الطبري «٤» وغيره، ولا مريةَ في ذمِّ مَنْ نحت عوداً أو حجراً، وأشركه في عبادة ربه.

قال ص: فَتَقْعُدَ، أي: فتصير بهذا فسره الفراء وغيرهُ اه.

«والخذلان» في هذا بإِسلام اللَّه لعبده، ألا يتكفَّل له بنصرٍ، والمخذولُ الذي أسلمه ناصروه، والخاذل من الظباء التي تترك ولدها.

وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (٢٧)

وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً (٢٨)

وقوله سبحانه: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ...

الآية: قَضى، في هذه الآية: هي بمعنى أمر وألزم وأوجب عليكم وهكذا قال الناس، وأقول: إن المعنى وقَضَى ربك أمره، فالمقضِيُّ هنا هو الأمْرُ، وفي مصحفِ ابن مسعود «١» : «وَوَصَّى رَبُّكَ» ، وهي قراءة ابن عباس وغيره، والضمير في تَعْبُدُوا لجميع الخلق وعلى هذا التأويل مضى السلفُ والجمهور، ويحتمل أنْ يكون قَضى على مشهورها في الكلامِ، ويكون الضمير في تَعْبُدُوا للمؤمنين من الناس إِلى يوم القيامة.

وقوله: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ معنى اللفظة أنها اسمُ فعل كأن الذي يريد أن يقول:

أَضْجَرُ أو أتقذَّرُ أو أكْرَه، ونحوَ هذا، يعبِّر إيجازاً بهذه اللفظة، فتعطي معنى الفعْل المذكورِ، وإذا كان النهْيُ عن التأفيفِ فما فوقه من باب أحَرى، وهذا هو مفهومُ الخِطَابِ الذي المسكُوتُ عنه حُكْمُهُ حكْمُ المذكور.

قال ص: وقرأ الجمهور الذُّلِّ بضم الذال، وهو ضد العِزِّ، وقرأ ابن عباس «٢» وغيره بكسرها، وهو الانقيادُ ضدُّ الصعوبة انتهى، وباقي الآية بيِّن.

قال ابن الحاجب في «منتهى الوُصول» ، وهو المختصَرُ الكَبِير: المفهومُ ما دَلَّ عليه اللفظُ في غَيْرِ مَحَلِّ النُّطْق، وهو: مفهوم موافقة، ومفهومُ مخالفة، فالأول: أنْ يكون حُكْمُ المفهومِ موافقاً للمنطوق في الحُكْم، ويسمَّى فَحْوَى الخطابِ، ولَحْنَ الخِطَابِ، كتحريم الضَّرْبِ من قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وكالجَزَاء/ بما فَوْقَ المِثْقالِ من قوله تعالى:

وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [الزلزلة: ٧] ، وكتأديةِ ما دُونَ القْنطار من قوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: ٧٥] وعدم تأدية ما فوق الدينار من قوله تعالى: بِدِينارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: ٧٥] وهو من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى، والأعلى على الأدنى، فلذلك كان الحُكم في المسكوتِ أولى، وإِنما يكون ذلك إِذا عُرِفَ المقصودُ من الحُكْم، وأنه أشدُّ مناسبةً في المسكوت كهذه الأمثلة، ومفهومُ المخالفة: أنْ يكونَ المَسْكُوتُ عنه مخالفاً للمنطوقِ به في الحُكْم ويسمَّى دليلَ الخطاب «١» وهو أقسامٌ: مفهومُ الصفة «٢» مثل: «في الغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ» ، ...

ومفهومُ الشرط «١» ، مثل: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ [الطلاق: ٦] ...

ومفهوم الغاية «١» ، مثل: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠] .

ومفهوم إنَّما «١» مثل: «إنما الرِّبَا في النَّسِيئَةِ» ومفهومُ الاستثناء «٢» مِثل: لا إله إلا الله ومفهوم العددِ الخاصِّ «٣» ، مثلَ: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً [النور: ٤] ، ومفهوم حصر

المبتدإِ «١» مثل: العِالمُ زَيْد، وشرطُ مفهومِ المخالفة عْند قائله ألاَّ يظهر أن المسكوتَ عنه أولى ولا مساوياً كمفهومِ الموافَقَةِ، ولا خرج مخرج الأعمّ الأغلب، مثل: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [النساء: ٢٣] فأما مفهومُ الصفةِ، فقال به الشافعيُّ، ونفاه الغَزَّاليُّ وغيره.

انتهى.

وفسَّر الجمهوُرُ الأوَّابين بالرَّجَّاعين إلى الخير، وهي لفظة لزم عُرْفُها أهْلَ الصلاح.

ت: قال عَبْدُ الحقِّ الأشَبِيليُّ: وأعَلَمْ أنَّ الميت كالحيِّ فيما يُعْطَاه ويُهْدى إِليه، بل الميت أكثر وأكثر لأن الحي قد يستقلُّ ما يُهْدَى إِليه، ويستحقرُ ما يُتْحَفُ به، والميت لا يستحقر شيئاً من ذلك، ولو كان مقدارَ جناحِ بعوضةٍ، أو وزْنَ مثقالِ ذرةٍ، لأنه يعلم قيمته، وقد كان يقدر عليه، فضيَّعه، وقد قال عليه السلام: «إِذَا مَاتَ الإِنسانُ انقطع عمله إلّا من ثلاث: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةَ جَارِيَةٍ، أَوْ علْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» «٢» فهذا دعاء

الولدِ يصلُ إِلى والده، وينتفعُ به، وكذلك أمره عليه السلام بالسَّلاَمِ على أهْلِ القُبُورِ والدعاءِ لهمْ «١» ما ذاك إِلا لكونِ ذلك الدعاءِ لهُمْ والسلام عليهمْ، يصلُ إليهم ويأتيهم، والله

أعلم، وروي عنه عليه السلام أنه قال: «لكون الميِّتُ في قَبْرِهِ كالغَرِيقِ يَنْتَظرُ دَعْوَةً تَلْحَقُهُ من ابْنِهِ أَو أَخِيهِ أو صَدِيقِهِ، فَإِذَا لَحِقَتْهُ، كَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدَّنْيا وَمَا فِيهَا» والأخبارُ في هذا الباب كثيرةٌ انتهى من «العاقبة» .

ت: وروى مالك في «الموطإ» عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيَّب، أنه قال: كان يقال: إِن الرجُلَ ليُرْفَعُ بدعاءِ ولده من بعده وأشارَ بيَدِهِ نحو السماء «١» .

قال أبو عمرو: وقد روّيناه بإسناد جيِّدٍ، ثم أسند عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ العَبْدَ الدَّرَجَةَ، فَيقُولُ: أَيْ رَبِّ، إِنَّى لي هَذِهِ الدَّرَجَةُ؟

فَيقالُ: باسْتِغْفَارَ وَلَدِكَ لَكَ» انتهى من «التمهيد» «٢» ، وروِّينا في «سنن أبي داود» أنَّ رجُلاً مِنْ بني سَلَمَةَ قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقيَ مِنْ برِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ، أَبُّرُهُمَا/ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟

قَالَ: نَعَمْ الصَّلاَةُ عَلَيْهما، والاسْتِغْفَارُ لَهُما وإِنْفَاذُ عَهْدِهِما مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصَلَةُ الرَّحِمِ التي لاَ تُوَصَلُ إِلاَّ بِهمَا، وإِكْرَامُ صَدِيِقِهَما» «٣» انتهى.

وقوله سبحانه: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ...

الآية: قال الجمهورُ: الآية وصيةٌ للنَّاس كلِّهم بصلة قرابتهم، خوطِبَ بذلك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والمراد الأمة، «والحَقُّ» ، في هذه الآية، ما يتعيَّن له مِنْ صلة الرحم، وسدِّ الخُلْة، والمواساةِ عند الحاجة بالمالِ والمعونةِ بكلِّ وجْه قال بنحو هذا الحسنُ وابن عباس وعكرمة «٤» وغيرهم، «والتبذير» إِنفاق المال في فسادٍ أو في سرفٍ في مباحٍ.

وقوله تعالى: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ، أي: عمَّن تقدَّم ذكره من المساكين وابن السبيل، فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً، أي: فيه ترجيةٌ بفضل اللَّه، وتأنيسٌ بالميعاد الحسنِ، ودعاءٌ في توسعة اللَّه وعطائه، وروي أنه صلّى الله عليه وسلّم كان يقولُ بَعْدَ نزولِ هذه الآية، «إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُعْطِي: يَرْزُقُنا اللَّهُ وإيّاكم من فضله» «٥» والرحمة على هذا التأويل: الرزق

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " كُلًّا " مَنصُوبٌ بـِ " نُمِدُّ "، " هَؤُلاءِ " بَدَلٌ مِن " كُلِّ "، والمَعْنى: نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: كُلًّا نُعْطِي مِنَ الدُّنْيا، البَرُّ والفاجِرُ، والعَطاءُ هاهُنا: الرِّزْقُ، والمَحْظُورُ: المَمْنُوعُ، والمَعْنى: أنَّ الرِّزْقَ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، والآَخِرَةُ لِلْمُتَّقِينَ خاصَّةً.

( انْظُرْ ) يا مُحَمَّدُ، ﴿ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ وفِيما فُضِّلُوا فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الرِّزْقُ، مِنهم مُقِلٌّ ومِنهم مُكْثِرٌ.

والثّانِي: الرِّزْقُ والعَمَلُ، فَمِنهم مُوَفَّقٌ لِعَمَلٍ صالِحٍ، ومِنهم مَمْنُوعٌ مِن ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  ، والمَعْنى عامٌّ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ.

والمَخْذُولُ: الَّذِي لا ناصِرَ لَهُ، والخُذْلانُ: تَرْكُ العَوْنِ.

قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ حِينَ دَعَوْا رَسُولَ اللَّهِ  إلى مِلَّةِ آَبائِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾ ﴿ وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا ﴾ ﴿ كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءِ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا ﴾ ﴿ لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا ﴾ المَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ الدُنْيا العاجِلَةَ، ولا يَعْتَقِدُ غَيْرَ هَذا، ولا يُؤْمِنُ بِآخِرَةِ، فَهو يُفَرِّغُ أمَلَهُ ومُعْتَقَدَهُ لِلدُّنْيا، فَإنَّ اللهَ تَعالى يُعَجِّلُ لِمَن يُرِيدُ مِن هَؤُلاءِ ما يَشاءُ هَذا المُرِيدُ، أو ما يَشاءُ اللهُ تَعالى -عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "نَشاءُ" بِالنُونِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لِمَن نُرِيدُ ﴾ شَرْطٌ كافٍ عَلى القِراءَتَيْنِ، ثُمَّ يَجْعَلُ اللهُ تَعالى جَهَنَّمَ لِجَمِيعِ مَن يُرِيدُ العاجِلَةَ -عَلى جِهَةِ الكَفْرِ- مَن أعْطاهُ فِيها ما يَشاءُ ومَن حَرَمَهُ.

قالَ أبُو إسْحاقٍ الفَزارِيُّ: لِمَن نُرِيدُ هَلَكَتَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَشاءُ" بِالنُونِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا: "يَشاءُ" بِالياءِ.

و"المَدْحُورُ": المُهانُ المُبْعَدُ المُذَلَّلُ المَسْخُوطُ عَلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أرادَ الآخِرَةَ ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: ومَن أرادَ الآخِرَةَ إرادَةَ يَقِينٍ بِها وبِاللهِ وبِرِسالَتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ كُلُّهُ مُرْتَبِطٌ بِتَلازُمٍ.

ثُمَّ شَرَطَ في مُرِيدِ الآخِرَةِ أنْ يَسْعى لَها سَعْيَها، وهو مُلازِمَةُ أعْمالِ الخَيْرِ وأقْوالِهِ عَلى حُكْمِ الشَرْعِ وطُرُقِهِ، فَأُولَئِكَ يَشْكُرُ اللهُ سَعْيَهُمْ، ولا يَشْكُرُ اللهُ عَمَلًا ولا سَعْيًا إلّا أثابَ عَلَيْهِ وغَفَرَ بِسَبَبِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  في حَدِيثِ الرَجُلِ الَّذِي سَقى الكَلْبَ العاطِشَ، «فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلا نُمِدُّ ﴾ الآيَةُ.

نَصَبَ "كُلًّا" بِـ "نُمِدُّ".

وأمْدَدْتُ الشَيْءَ إذا زِدْتُ فِيهِ مَن غَيْرِ نَوْعِهِ، ومَدَدْتُ إذا زِدْتَ فِيهِ مِن نَوْعِهِ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، يُقالُ: مَدَّ وأمَدَّ.

و"هَؤُلاءِ" بَدَلٌ مِن "كُلًّا"، فَهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن عَطاءِ رَبِّكَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِنَ الطاعاتِ لِمَن يُرِيدُ الآخِرَةَ، والمَعاصِي لِمَن يُرِيدُ العاجِلَةَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالعَطاءِ رِزْقَ الدُنْيا، وهَذا هو تَأْوِيلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ وقَتادَةَ، أيْ إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَرْزُقُ في الدُنْيا مُرِيدِي الآخِرَةَ المُؤْمِنِينَ، ومُرِيدِي العاجِلَةَ مِنَ الكافِرِينَ، ويَمُدُّهم بِعَطائِهِ مِنها، وإنَّما يَقَعُ التَفاضُلُ والتَبايُنُ في الآخِرَةِ، ويَتَناسَبُ هَذا المَعْنى مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ ، أيْ إنَّ رِزْقَهُ في الدُنْيا لا يَضِيقُ عن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ وقَلَّما تَصْلُحُ هَذِهِ العِبارَةُ لِمَن يَمُدُّ بِالمَعاصِي الَّتِي تُوبِقُهُ.

و"المَحْظُورُ": المَمْنُوعُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ آيَةٌ تَدُلُّ دَلالَةً عَلى أنَّ العَطاءَ في الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها هو الرِزْقُ، وفي ذَلِكَ يَتَرَتَّبُ أنْ يَنْظُرَ مُحَمَّدٌ  إلى تَفْضِيلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِبَعْضٍ عَلى بَعْضٍ في الرِزْقِ ونَحْوَهُ مِنَ الصُوَرِ والشَرَفِ والجاهِ والحُظُوظِ، وبَيِّنٌ أنْ يَكُونَ التَفْضِيلُ الَّذِي يَنْظُرُ إلَيْهِ النَبِيُّ  أنْ أعْطى اللهُ قَوْما الطاعَةَ المُؤَدِّيَةَ إلى الجَنَّةِ، وأعْطى آخَرِينَ الكُفْرَ المُؤَدِّيَ إلى النارِ، وهَذا قَوْلُ الطَبَرِيِّ، وهَذا إنَّما هو النَظَرُ في تَفْضِيلِ فَرِيقٍ عَلى فَرِيقٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ فالنَظَرُ في تَفْضِيلِ شَخْصٍ عَلى شَخْصٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومِنَ الكافِرِينَ كَيْفَما قَرَنَتْهُما.

ثُمَّ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ التَفْصِيلَ الأكْبَرَ إنَّما يَكُونُ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ أكْبَرُ دَرَجاتٍ ﴾ لَيْسَ في اللَفْظِ: "مِن أيِّ شَيْءٍ" لَكِنَّهُ في المَعْنى -وَلا بُدَّ- أكْبَرُ دَرَجاتٍ مِن كُلِّ ما يُضافُ بِالوُجُودِ أو بِالفَرْضِ إلَيْها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأكْبَرُ تَفْضِيلا ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَأى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ هَذِهِ الدَرَجاتِ والتَفْضِيلَ إنَّما هو فِيما بَيْنُ المُؤْمِنِينَ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا نَصُّهُ: « "إنَّ بَيْنَ أعْلى الجَنَّةِ وأسْفَلِها دَرَجَةً كالنَجْمِ يُرى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبَها".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قِيلَ: وقَدْ رَضّى اللهُ الجَمِيعَ فَما يَغْبِطُ أحَدٌ أحَدًا ولا يَتَمَنّى ذَلِكَ بَدَلًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الآيَةُ.

الخُطّابُ لِمُحَمَّدٍ  ، والمُرادُ: جَمِيعُ الخَلْقِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ، و"الذَمُّ" هُنا لاحِقٌ مِنَ اللهِ تَعالى ومِن ذَوِي العُقُولِ في أنْ يَكُونَ الإنْسانُ يَجْعَلُ عُودًا أو حَجَرًا أفْضَلَ مِن نَفْسِهِ، ويَخُصُّهُ بِالكَرامَةِ، ويَنْسُبُ إلَيْهِ الأُلُوهِيَّةَ، ويُشْرِكُهُ مَعَ اللهِ الَّذِي خَلَقَهُ ورَزَقَهُ وأنْعَمَ عَلَيْهِ.

و"الخِذْلانُ" في هَذا يَكُونُ بِإسْلامِ اللهِ تَعالى، وألّا يَكْفُلَ لَهُ بِنَصْرٍ، و"المَخْذُولُ": الَّذِي لا يَنْصُرُهُ مَن يَجِبُ أنْ يَنْصُرَهُ، و"الخاذِلُ" مِنَ الظِباءِ الَّتِي تَتْرُكُ ولَدَها، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الراعِي: ؎ قَتَلُوا ابْنَ عَفّانَ الخَلِيفَةَ مُحْرِمًا ∗∗∗ وسَعى فَلَمْ أرَ مِثْلَهُ مَخْذُولا <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما كان العطاء المبذول للفريقين هو عطاء الدنيا وكان الناس مفضلين فيه على وجه يدركون حكمته لفت الله لذلك نظر نبيه عليه الصلاة والسلام لَفْتَ اعتبار وتدبر، ثم ذَكَّرَهُ بأن عطاء الآخرة أعظم عطاء، وقد فضل الله به المؤمنين.

والأمر بالنظر موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ترفيعاً في درجات علمه ويحصل به توجيه العبرة إلى غيره.

والنظر حقيقته توجه آلة الحس البَصري إلى المبصر.

وقد شاع في كلام العرب استعماله في النظر المصحوب بالتدبر وتكرير مشاهدة أشياء في غرض ما، فيقوم مقام الظن ويستعمل استعماله بهذا الاعتبار، ولذلك شاع إطلاق النظر في علم الكلام على الفكر المؤدي إلى علم أو ظن، وهو هنا كذلك.

وفد تقدم نظيره في قوله تعالى: ﴿ انظر كيف يفترون على الله الكذب ﴾ في [النساء: 50.

(و (كيف] اسم استفهام مستعمل في التنبيه، وهو معلّق فعلَ (انظر) عن العمل في المفعولين.

والمراد التفضيل في عطاء الدنيا، لأنه الذي يدركه التأمل والنظر وبقرينة مقابلته بقوله: وللآخرة أكبر درجات}.

والمقصود من هذا التنظير التنبيه إلى أن عطاء الدنيا غير منوط بصلاح الأعمال؛ ألا ترى إلى ما فيه من تفاضل بين أهل العمل المتحد، وقد يفضل المسلم فيه الكافر، ويفضل الكافر المسلم، ويفضل بعض المسلمين بعضاً، وبعض الكفرة بعضاً، وكفاك بذلك هادياً إلى أن مناط عطاء الدنيا أسباب ليست من وادي العمل الصالح ولا مما يساق إلى النفوس الخيرة.

ونصب ﴿ درجات ﴾ و ﴿ تفضيلاً ﴾ على التمييز لنسبة ﴿ أكبر ﴾ في الموضعين، والمفضل عليه هو عطاء الدنيا.

والدرجات مستعارة لعظمة الشرف، والتفضيل: إعطاء الفضل، وهو الجدة والنعمة، وفي الحديث: «ويتصدقون بفضول أموالهم» والمعنى: النعمة في الآخرة أعظم من نعم الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي البَرَّ والفاجِرَ مِن عَطاءِ رَبِّكَ في الدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ.

﴿ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَنقُوصًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مَمْنُوعًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ قال: من كان يريد بعمله الدنيا، ﴿ عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ﴾ ذاك به.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ قال: من كانت همه ورغبته وطلبته ونيته عجل الله له فيها ما يشاء، ثم اضطره إلى جهنم ﴿ يصلاها مذموماً ﴾ في نقمة الله ﴿ مدحوراً ﴾ في عذاب الله.

وفي قوله: ﴿ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك سعيهم مشكوراً ﴾ قال: شكر الله له اليسير، وتجاوز عنه الكثير وفي قوله: ﴿ كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ﴾ أي: أن الله قسم الدنيا بين البر والفاجر، والآخرة: خصوصاً عند ربك للمتقين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ كلاً نمد ﴾ الآية.

قال: كلاً نرزق في الدنيا البر والفاجر.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء ﴾ يقول: نمد الكفار والمؤمنين ﴿ من عطاء ربك ﴾ يقول: من الرزق.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كلاً نمد ﴾ الآية قال: نرزق من أراد الدنيا، ونرزق من أراد الآخرة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء ﴾ قال: هؤلاء أصحاب الدنيا، وهؤلاء أصحاب الآخرة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء ﴾ هؤلاء أهل الدنيا، وهؤلاء أهل الآخرة ﴿ وما كان عطاء ربك محظوراً ﴾ قال ممنوعاً.

واخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ محظوراً ﴾ قال ممنوعاً.

وأخرج ابن جرير وأبن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ﴾ أي في الدنيا: ﴿ وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً ﴾ وإن للمؤمنين في الجنة منازل وإن لهم فضائل بأعمالهم.

وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «بين أعلى أهل الجنة وأسفلهم درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً ﴾ قال: إن أهل الجنة بعضهم فوق بعض درجات، الأعلى يرى فضله على من هو أسفل منه، والأسفل لا يرى أن فوقه أحداً.

وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية، عن سلمان رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من عبد يريد أن يرتفع في الدنيا درجة فارتفع، إلا وضعه الله في الآخرة درجة أكبر منها وأطول» ثم قرأ ﴿ وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وهناد وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لا يصيب عبد من الدنيا شيئاً، إلا نقص من درجاته عند الله، وإن كان على الله كريماً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ يعني: في الرزق؛ فمن مُقِلٍّ ومِنْ مكثر، ومن مُوَسَّع عليه ومُقَتَّر، ﴿ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: أن هذا خاص في المؤمنين الذين يدخلون الجنة، فتتفاوت درجاتهم في الآخرة أكبر مما تتفاوت درجات المرزوقين في الدنيا في الرزق، وهذا التفضيل بين المؤمنين خاصة.

والثاني: أن هذا التفصيل بين المؤمنين والكافرين، ويكون المعنى: أن المؤمنين يدخلون الجنة، والكافرين يدخلون النار، فتبين درجاتهم، وَيفضل (١) قال ابن عباس: إذا دخلوا الجنان اقتسموا المنازل والدرجات على قَدْر أعمالهم، ألا تسمع قوله: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا ﴾ الآية.

(١) في جميع النسخ: (وتفضيل)، والمثبت أصوب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة ﴾ الآية: في الكفار الذين يريدون الدنيا، ولا يؤمنون بالآخرة، على أن لفظها أعم من ذلك، والمعنى أنهم يعجل الله لهم حظاً من الدنيا بقيدين: أحدهما تقييد المقدار المعجل بمشيئة الله، والآخر: تقييد الشخص المعجل له بإرادة الله، ولمن نريد بدل من له، وهو بدل بعض من كل ﴿ مَّدْحُوراً ﴾ أي مبعداً أو مهاناً ﴿ وسعى لَهَا سَعْيَهَا ﴾ أي عمل لها عملها ﴿ كُلاًّ نُّمِدُّ ﴾ انتصب كلاً بنمد وهو من المدد ومعناه: نزيدهم من عطائنا ﴿ هؤلاء وهؤلاء ﴾ بدل من كلاً، والإشارة إلى الفريقين المتقدمين ﴿ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ ﴾ يعني رزق الدنيا، وقيل: من الطاعات لمن أراد الآخرة، ومن المعاصي لمن اراد الدنيا، والأول أظهر ﴿ مَحْظُوراً ﴾ أي ممنوعا ﴿ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ ﴾ يعني في رزق الدنيا ﴿ لاَّ تَجْعَل ﴾ خطاب لواحد، والمراد به جميع الخلق، لأن المخاطب غير معين ﴿ مَذْمُوماً ﴾ أي يذمه الله وخيار عباده ﴿ مَّخْذُولاً ﴾ أي غير منصور.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يتخذوا ﴾ بياء الغيبة.

أبو عمرو وعباس مخيراً.

الباقون بتاء الخطاب ﴿ أساتم ﴾ بالمد: أبو عمرو ويزيد الأصبهاني عن ورش والأعشى وحمزة في الوقف.

﴿ ليسوء ﴾ بياء الغيبة على التوحيد: ابن عامر وحمزة وأبو بكر وحماد و ﴿ لنسوء ﴾ بالنون: علي.

الباقون ﴿ ليسؤوا ﴾ على الجمع ﴿ ويبشر ﴾ مخففاً: حمزة وعلي.

﴿ ويخرج ﴾ بالياء مجهولاً: يزيد ﴿ ويخرج ﴾ لازماً: يعقوب الآخرون بالنون متعدياً ﴿ تلقاه ﴾ مشدداً: ابن عامر ويزيد، وروى النقاش عن ابن ذكوان بالإمالة.

الباقون مخففة، وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة ﴿ قرأ كتابك ﴾ بغيرهم: الأعشى وأوقية وحمزة في الوقف: ﴿ أمرنا ﴾ من باب المفاعلة: يعقوب.

الوقوف: ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ تتخذوا ﴾ بتاء الخطاب لإمكان أن يجعل ﴿ ذرية ﴾ منادى ﴿ نوح ﴾ ط ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ الديار ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ نفيراً ﴾ ه ﴿ فلها ﴾ ط لأن ما بعد عائد إلى قوله ﴿ فإذا جاء وعد أولٰهما ﴾ مع اعتراض العوارض ﴿ تتبيراً ﴾ ه ﴿ يرحمكم ﴾ ه للابتداء بالشرط مع العطف ﴿ عدنا ﴾ ه حذراً من توهم العطف ﴿ حصيراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه لا للعطف ﴿ أليما ﴾ ه ﴿ بالخير ﴾ ط ﴿ عجولاً ﴾ ه ﴿ والحساب ﴾ ، ط ﴿ تفصيلاً ﴾ ه ﴿ عنقه ﴾ ط ﴿ منشوراً ﴾ ه ﴿ كتابك ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ط للابتداء بعد بالشرط ﴿ لنفسه ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ تدميراً ﴾ ه ﴿ نوح ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ مدحوراً ﴾ ه ﴿ مشكوراً ﴾ ه ﴿ عطاء ربك ﴾ ط ﴿ محظوراً ﴾ ه ﴿ بعض ﴾ ط ﴿ تفصيلاً ﴾ .

الوقوف: لما عزم على نبيه في خواتيم النحل جوامع مكارم الأخلاق حكى طرفاً مما خصة به من المعجزات فقال: ﴿ سبحان الذي ﴾ وهو اسم علم للتسبيح وقد مر إعرابه في قوله: ﴿ سبحانك لاعلم لنا إلاَّ ما علمتنا  ﴾ والمراد تنزيه الله من كل مالا يليق بجلاله ﴿ وأسرى ﴾ وسرى لغتان.

يروى أنه لما وصل النبي  إلى المراتب العلية في معراجه في معراجه أوحى الله إليه يا محمد: بم أشرِّفك؟

فقال: يا رب تنسبني إلى نفسك بالعبودية.

فأنزل فيه: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ وقوله: ﴿ ليلاً ﴾ نصب على الظرف وفيه تأكيد الإسراء، وفي تنكيره تقليل مدة الإسراء لأن التنكير فيه معنى البعضية، أخبر أنه أسرى به في بعض الليل ﴿ من المسجد الحرام ﴾ عن النبي  : بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق.

وقيل: المراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به.

وعن ابن عباس: الحرم كله مسجد وإلى هذا القول ذهب الأكثرون.

قالوا: إنه أسرى به من دار أم هانيء بنت أبي طالب قبل الهجرة بسنة.

وعن أنس والحسن أنه كان قبل البعثة.

﴿ إلى المسجد الأقصى ﴾ هو بيت المقدس بالإتفاق سمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام ولم يكن حينئذ وراءه مسجد.

﴿ الذي باركنا حوله ﴾ يري بركات الدين والدنيا لأنه متعبد الأنبياء من وقت موسى  ، ومهبط الوحي وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة.

وقوله: ﴿ أسرى ﴾ مع قوله: ﴿ باركنا ﴾ سلوك لطريقة الالتفات ﴿ لنريه من آياتنا ﴾ بيان لحكمة الإسراء.

سؤال: أرى إبراهيم  ملكوت السموات والأرض، وأرى محمداً صلى الله عليه وسلم بعض آياته فيلزم أن يكون معراج إبراهيم أفضل؟

الجواب: لعل بعض الآيات المضافة إلى الله  أشرف وأجل من ملكوت السموات والأرض كلها ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إنه هو السميع ﴾ لأقوال محمد ﴿ البصير ﴾ بأفعاله المهذبة الخالصة فيكرمه على حسب ذلك.

واعلم أن الأكثرين من علماء الإسلام اتفقوا على أنه أسري بجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأقلون على أنه ما أسرى إلا بروحه.

حكى محمد بن جرير الطبريّ في تفسيره عن حذيفة أنه قال: كان ذلك رؤيا وأنه ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه عرج بروحه.

وحكى هذا القول عن عائشة أيضاً.

وقد احتج بعض العقلاء على هذا القول بوجوه منها: أن الحركة الجسمانية البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة: ومنها أن صعوده إلى السموات يوجب انخراق الفلك.

ومنها أنه لو صح ذلك لكان من أعظم معجزاته فوجب أن يكون بمحضر من الجم الغفير حتى يستدلوا بذلك على صدقه، وما الفائدة في إسراته ليلاً على حين غفلة من الناس.

ومنها أن الإنسان عبارة عن الروح وحده لأنه باقٍ من أول عمره إلى آخره، والأجزاء البدنية في التغير والانتقال والباقي مغاير للمتغير، ولأن الإنسان يدرك ذاته حين ما يكون غافلاً عن جميع جوارحه وأعضائه.

ومنها قوله  .

﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاَّ فتنة للناس  ﴾ وما تلك الرؤيا إلاَّ حديث المعراج.

وإنما كانت فتنة للناس لأن كثيراً ممن آمن به حين سمعها ارتد وكفر به.

ومنها أن حديث المعراج الجسماني اشتمل على أشياء بعيدة عن العقل كشق بطنه وتطهيره بماء زمزم وركوب البراق وإيجاب خمسين صلاة، فإن ذلك يقتضي نسخ الحكم قبل حضور وقته، وأنه يوجب البداء.

أجاب الأكثرون عن الأول بأنه حركة الرسول  من مكة إلى فوق الفلك الأعظلم لم يكن إلاّ نصف قطر الفلك، ونسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة أمثال وسبع هي نصف حركة الفلك في يوم بليلته، وإذا كان الأكثر واقعاً فالأقل بالإمكان أولى، ولو كان القول بمعراج محمد  في ليلة واحدة ممتنعاً لكان القول بنزول جبريل من العرش إلى مكة في لحظة واحدة ممتنعاً، لأن الملائكة أيضاً أجسام عند جمهور المسلمين، وكذا القول في حركات الجن والشياطين وقد سخر الله  لسليمان الريح غدوّها شهر ورواحها شهر، وقد ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك  ﴾ .

وكان عرش بلقيس في أقصى اليمن وسليمان في الشام.

وعلى قول من يقول إن الإبصار بخروج الشعاع فإنما ينتقل شعاع العين من البصر إلى الكواكب الثابتة في آن واحد، فيثبت أن المعراج أمرممكن في نفسه.

أقصى ما في الباب الاستبعاد وخرق العادة ولكنه ليس مخصوصاً بهذه الصورة وإنما ذلك أمر حاصل في جميع المعجزات.

وعن الثاني أن انخراق الأفلاك عند حكماء الإسلام جائز.

وعن الثالث أن فائدة الإسراء قد عادت إليه حيث شاهد العالم العلوي والعرش والكرسي وما فيها وعليها فحصل في قلبه زيادة قوة وطمأنينة، بها انقطعت تعلقاته عن الكونين ولم يبق مشغول القلب بشيء من أمور الدنيا والآخرة.

وعن الرابع أن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد.

وعن الخامس أن تلك الرؤيا هي غير حكاية المعراج كما سيجيء في تفسيره، ولو سلم أنها هي المعراج فالرؤيا بمعنى الرؤية.

وعن السادس أنه لا اعتراض على الله  في شيء من أفعاله وأنه على كل شيء قدير.

واعلم أنه ليس في الآية دلالة على العروج من بيت المقدس إلى السموات وإلى ما فوق العرش إلاَّ أنه ورد الحديث به، ومنهم من استدل على ذلك بأول سورة النجم أو بقوله { ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق  ﴾ وتفسيرهما مذكور في موضعه.

يروى أنه  نائماً في بيت أم هانىء بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته وقص القصة على أم هانىء وقال: مثل لي النبيون وصليت بهم.

وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانىء بثوبه فقال: مالك؟

قالت: أخشى أن يكذبك قومك إن أخبرتهم قال: وإن كذبوني.

فخرج فجلس إليه أبو جهل فأخبره رسول الله  بحديث الإسراء به وأنه أسري به من مكة إلى بيت المقدس ومنه عرج إلى السماء ورأى ما فيها من العجائب ولقي الأنبياء وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى.

فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلم فحدثهم، فمن بين مصفقٍ وواضع يده على رأسه تعجباً وإنكاراً، وارتد ناس ممن كان آمن به.

وسعى رجال إلى أبي بكر  فقال: إن كان قال ذلك لفد صدق.

قالوا: أتصدقه على ذلك؟

قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك فسمي الصديق.

وكان فيهم من سافر إلى الشام فاستنعتوه المسجد فجلى له  بيت المقدس فطفق ينظر إليه وينعته لهم فقالوا: أما النعت فقد أصاب.

فقالوا: أخبرنا عن عيرنا فأخبرهم بعدد جمالهم وأحوالها وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد شرقت، وقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد  ، ثم لم يؤمنوا وقالوا: ما هذا إلاَّ سحر مبين.

ولما حكى طرفاً من إكرام محمد  ذكر شيئاً من إكرام موسى فقال: ﴿ وآتينا موسى الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ وجعلناه هدى لبني إسرائيل ﴾ أخرجناهم بواسطته من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والدين ﴿ ألا تتخذوا ﴾ من قرأ على الغيبة فــ"أَنْ" ناصبة ولام العاقبة محذوفة أي لئلا يتخذوا، ومن قرأ على الخطاب فَـ"أَنْ" مفسرة معناها أي لا تتخذوا كقولك: كتبت إليه أن افعل كذا، وزائدة والقول مضمر يعني قلنا لهم لا تتخذوا ﴿ من دوني وكيلاً ﴾ رباً تكلون إليه أمركم يا ﴿ ذرية من حملنا مع نوح ﴾ قال قتادة: الناس كلهم ذرية نوح  لأنه كان معه في السفينة ثلاثة بنين: سام وحام ويافث، والناس كلهم من ذرية أولئك.

فقوله "يا ذرية" قائم مقام قوله: ﴿ يا أيها الناس ﴾ وعلى القراءة الأولى انتصب ﴿ ذرية ﴾ على الاختصاص، وعلى القراءتين احتمل أن ينتصب على أنه مفعول آخر ليتخذوا أي لا تجعلوهم أرباباً كقوله: ﴿ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً  ﴾ من ذرية المحمولين مع نوح وعيسى وعزير.

ثم علل النهي عن الإشراك بقوله: ﴿ إنه كان عبداً شكوراً ﴾ أي أنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم في الشكر لله وعدم اتخاذ الشريك له.

ويجوز أن يكون تعليلاً لاختصاص بني إسرائيل والثناء عليهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح فهم متصلون به، فلهذا استأهلوا الاختصاص.

وجوز في الكشاف أن يكون ثناء على نوح بطريق الاستطراد.

يروى من شكره أنه كان إذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني، وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني، وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني، وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني، وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه، وكان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به فإن وجده محتاجاً آثر به.

ثم ذكر أن كثيراً من بني إسرائيل ما اهتدوا بهدى التوراة فقال: ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل ﴾ أوحينا إليهم وحياً مقضياً مقطوعاً به في الكتاب الذي هو التوراة.

وقول: ﴿ لتفسدن ﴾ جواب قسم محذوف، أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن ﴿ في الأرض ﴾ أرض مصر ﴿ مرتين ولتعلن ﴾ لتعظمن وتستولن على الناس ﴿ علواً كبيراً ﴾ تسلطاً عظيماً وبغياً شديداً ﴿ فإذا جاء وعد ﴾ عقاب ﴿ أولاهما ﴾ أولى المرتين ﴿ بعثنا ﴾ أرسلنا وسلطنا ﴿ عليكم عباد لنا أولي بأس شديد ﴾ أصحاب نجدة وشدة قتال ﴿ فجاسوا ﴾ ترددوا للمارة ﴿ خلال الديار ﴾ أوساطها وفرجها يعني ديار بيت المقدس ﴿ وكان ﴾ وعد العقاب ﴿ وعداً مفعولاً ﴾ لا بد من وقوعه ﴿ ثم رددنا لكم الكرة ﴾ الدولة والغلبة ﴿ عليهم ﴾ على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو: ﴿ وجعلناكم أكثر نفيراً ﴾ مما كنتم.

والنفير من ينفر مع الرجل من قومه.

احتجت الأشاعرة بقوله  : ﴿ قضينا ﴾ بعثنا ﴿ وكان وعداً مفعولاً ﴾ على صحة القضاء والقدر وأن الفساد والنهب والقتل والأسر كلها بفعله.

وأجابت المعتزلة بأن المراد أنه خلى بينهم وبين ما فعلوا ولم يمنعهم عن تخريب بيت المقدس وإحراق التوراة وقتل حفاظها.

وضعف بأن تفسير البعث بالتخلية وعدم المنع خلاف الظاهر، على أن الدليل الكلي العقلي قد دل على وجوب انتهاء الكل إليه.

ولما حكى عنهم أنهم حين عصوا سلط عليهم أعداءهم مهد قاعدة كلية في الإحسان والإساءة قائلاً ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ﴾ لم يقل فعليها أو فإليها للتقابل، مع أن حروف الإضافة بعضها يقوم مقام البعض.

قال أهل الإشارة: إنه أعاد الإحسان ولم يذكر الإساءة إلا مرة ففيه دليل على أن جانب الرحمة أغلب ﴿ فإذا جاء وعد ﴾ عقاب المرة ﴿ الآخرة ﴾ بعثناهم حذف جواب "إذاً" لدلالة ذكره أولاً عليه.

ومعنى ﴿ ليسوؤا وجوهكم ﴾ ليجعلها الله، أو الوعد، أو البعث، أو ليجعلوها بادية آثار المساءة والكآبة فيها لأن آثار الأعراض النفسانية الحاصلة في القلب إنما تظهر على الوجه ﴿ وليتبروا ما علوا ﴾ ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه، ويجوز أن يكون "ما" بمعنى المدة أي ما دام سلطانهم جارياً على بني إسرائيل.

وقوله: ﴿ تتبيراً ﴾ ذكر المصدر إزالة للشك وتحقيقاً للخبر.

وروى أن بني إسرائيل تعظموا وتكبروا واستحلوا المحارم وقتلوا الأنبياء وسفكوا الدماء وذلك أول الفسادين، فسلط الله عليهم بختنصر أو سنجاريب وجنوده أو جالوت.

عن ابن عباس: قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وسبوا منهم سبعين ألفاً وبقوا في الذل إلى أن قيض الله ملكاً آخر من أهل بابل وتزوج بامرأة من بني إسرائيل وطلبت من ذلك الملك أن يرد بني إسرائيل إلى بيت المقدس ففعل، وبعد مدة قامت فيهمالأنبياء ورجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه، ثم أقدموا على قتل زكريا ويحيى عليهما السلام وقصدوا قتل عيسى ابن مريم  ، وهذا ثاني الإفسادين فانتقم من اليهود بسبب هؤلاء ملك من الروم يقال له قسطنطين الملك.

وقال صاحب الكشاف: المرة الأولى قتل زكريا وحبس أرميا، والآخرة قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى.

واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض بمعرفة أعيان هؤلاء الأقوام، والمقصود الأصلي الذي دل عليه القرآن هو أنهم كلما عصوا وأفسدوا سلط الله عليهم أعداءهم.

وفيه تحذير للعقلاء من مخالفة أوامر الله ونواهيه، ثم قال: ﴿ عسى ربكم ﴾ يا بني إسرائيل ﴿ أن يرحمكم ﴾ بعد إنتقامه منكم في المرة الثانية ﴿ وإن عدتم ﴾ للثالثة ﴿ عدنا ﴾ لها.

قال أهل السير: ثم إنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي.

وهو تكذيب محمد وكتمان ما ورد من نعته في التوراة والإنجيل.

فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب، فجرى على بني النضير وقريظة وبني قينقاع ويهود خيبر ما جرى من القتل والإجلاء، ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية لا حشمة لهم ولا عزة فيهم إلى يوم القيامة، وأما بعد ذلك فهو قوله ﴿ وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ﴾ أي محبساً حاصراً ومحصوراً لا يتخلصون منه أبداً.

وعن الحسن: بساطاً كما يبسط الحصير المنسوج.

ثم لما شرح فعله في حق عباده المخلصين كمحمد  وموسى  وفي حق عبيدة العاصين كأكثر بني إسرائيل، وكان في ذلك تنبيه على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ومعصيته تقتضي كل شر وغرامة، عظم شأن القرآن المبين للأحكام الهادي للأنام فقال: ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي ﴾ أي للحالة أو الشريعة أو الطريقة التي ﴿ هي أقوام ﴾ وفي حذف الموصوف فخلفه بعرفها أهل البلاغة لعموم الاعتبار وذهاب الوهم كل مذهب.

قيل: هذا الشيء أقوم من ذلك.

إنما يصح في شيئين يشتركان في معنى الاستقامة، ثم يكون للأول على الآخر.

وكيف يتصور في غير هذا الدين شيء من الاستقامة حتى يستقيم هذا التفضيل؟

وأجيب بأن "أفعل" ههنا بمعنى الفاعل كقولنا "الله أكبر" هو الكبير.

وكقولهم "الناقص والأشج أعدلا بني مروان" أي عادلا بني مروان.

ويمكن أن يقال: لا شيء من الأديان إلا وفيه نوع من الاستقامة كالاعتراف بالله الواجب بالذات، والالتزام لأصول الأخلاق ومكارم العادات وقوانين السياسات إلا أن بعض الخلل أبطل الكل فالكل ينهدم بانهدام الجزء.

ثم إن كون القرآن هادياً إلى الاعتقاد الأصوب والعمل الأصلح له نتيجة وأثر وذلك هو البشارة بالأجر الكبير لأهل الإيمان والعمل الصالح وبالعذاب الأليم لغيرهم، وأنت خبير بأن لفظ البشارة بمعنى الإنذار يستعمل للتهكم إذ البشارة مطلق الخبر المغير للبشرة فكأنه قيل: ويخبر الذي لا يؤمنون بالآخرة أن لهم عذاباً.

ويجوز أن يبشر المؤمنين ببشارتين: إحداهما بثوابهم والأخرى بعذاب أعدائهم.

قال في الكشاف: كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة؟

وأجاب على أصول الاعتزال بأن الناس كانوا حينئذ إما من أهل التقوى وإما من أهل الشرك، وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك.

قلت: هذا الجواب منه عجيب، فإن هذا الصنف لو سلم أنه لم يكن موجوداً في ذلك العصر إلا أن حكمه يجب أن يذكر في القرآن الذي فيه أصول الأحكام، على أن ذكر الفساق من الأمة في القرآن المكي والمدني موجودة قال  : ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد  ﴾ ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم  ﴾ ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم  ﴾ .

وإذا كان ذكرهم في القرآن وارداً وأنه تعلى يعدد ههنا أوصاف القرآن على جهة المدح فأي مقام أدعى إلى ذكر هذا الوصف من ههنا.

والجواب الحق أن الفسقة جعلوا بالعين أهل الإيمان والله أعلم.

قيل: هذه الآية واردة في شرح أحوال اليهود وهم ما كانوا ينكرون الإيمان بالآخرة.

والجواب المنع من الخصوص ولو سلم فإيمانهم بالآخرة كلا إيمان، فبعضهم أنكروا المعاد الجسماني وبعضهم قالوا: لن تمسنا النار إلاَّ أياماً.

واعلم أنه  قال ههنا: ﴿ أجراً كبيراً ﴾ وفي أول الكهف ﴿ أجراً حسناً  ﴾ ، رعاية للفاصلة وإلا فالأجر الكبير والأجر الحسن كلاهما الجنة.

ولما بين أن القرآن كافٍ في الهداية ذكر أن الإنسان قد يعدل عن التمسك بأحكامه فقال: ﴿ ويدع الإنسان ﴾ أي جنس الكافر.

وقد ذكر جمع من المفسرين أنه النضر بن الحرث دعا ﴿ اللَّهم إن كان هذا هو الحق من عندك  ﴾ ، الآية فأجاب الله دعاءه وضربت رقبته صبراً.

وكان بعضهم يقول: ائتنا بعذاب الله، وآخرون متى هذا الوعد جهلاً منهم واعتقاداً أن محمداً  كاذب.

وقيل: المراد أنه يدعو الله عند غضبه وضجره فيلعن نفسه وولده وماله، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك.

ويروى أنه  دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً فأقبل يئن بالليل فقالت له: مالك تئن؟

فشكا ألم القد فأرخت من كتافه، فلما نامت أخرج يده وهرب.

فلما أصبح النبي  دعا به فأعلم بشأنه فقال  : اللَّهم اقطع يديها فرفعت سودة يديه تتوقع الإجابة وأن يقطع الله يديها قال النبي  : إني سألت الله أن يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما يغضب البشر فلترد سودة يديها.

﴿ وكان الإنسان عجولاً ﴾ يستعجل بالعذاب مع أنه آتيه أو يتسرع إلى طلبه كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله معتقداً أن خيره فيه وإن كان ذلك عند التأمل مضراً له.

وقيل: أراد بهذا الإنسان آدم، وذلك أنه لما انتهى الروح إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى فذهب لينهض فلم يقدر.

وليس هذا القول بالحقيقة مغايراً للأول لأن أصل الآدمي إذا كان كذلك كان كل فرد منه متصفاً به لا محالة.

قال أهل النظم: لما ذكر نعمة الدين وهو القرآن أردفها بنعمة الدنيا فقال: ﴿ وجعلنا الليل والنهار آيتين ﴾ وفيه أن القرآن لا يتم المقصود منه إلا بنوعية المحكم والمتشابه، فكذا الزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بجزئيه الليل والنهار.

فالمحكم كالنهار في وضوحه، والمتشابه بمنزلة الليل في خفائه.

وبوجه آخر لما ذكر دلائل النبوة والتوحيد أكدها بدليل آخر من عجائب الزمان.

وبوجه آخر لما وصف الإنسان بكونه عجولاً أي منتقلاً من حالة إلى حالة ومن صفة إلى صفة بين أن كل أحوال هذا العالم كذلك فينتقل الهواء من الإنارة إلى الظلام وبالعكس، وينتقل القمر من النقصان إلى الامتلاء وبالضد.

﴿ فمحونا آية الليل ﴾ هي من إضافة الشيء إلى نفسه للبيان كقولك "نفس الشيء أو ذاته" أي فمحونا الآية التي هي الليل أي جعلنا الليل ممحوّ الضوء مطموساً مظلماً لا يستبان فيه شيء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو ﴿ وجعلنا ﴾ الآية.

التي هي ﴿ النهار مبصرة ﴾ ذات إيصار وذلك باعتبار من فيها أي تبصر فيها الأشياء وتستبان، أو أريد بالإبصار الإضاءة لأنها سببه.

وقيل: المضاف محذوف والتقدير وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم يخلق له شعاع كشعاع الشمس فترى به الأشياء رؤية غير بينة، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء ﴿ لتبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ لتتواصلوا ببياض النهار أو بشعاع الشمس المستلزم للنهار إلى التصرف في وجوه معايشكم.

﴿ ولتعلموا ﴾ باختلاف الجديدين أو بزيادة ضوء القمر ونقصانه ﴿ عدد السنن ﴾ الشمسية أو القمرية المركبة من الشهور ﴿ و ﴾ لتعلموا جنس ﴿ الحساب ﴾ المبني على الساعات والأيام والشهور والسنين والأدوار.

وقيل: أراد بمحو القمر الكلف الذي هو وجهه.

وسببه في الشرع ما روي أن الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء فأرسل الله  جبريل فأمر جناحه على وجه القمر فأذهب عنه أثر الضياء.

وسببه عند الفلاسفة أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء كارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك، ولما كانت تلك الأجرام أقل ضوءاً من جرم القمر لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الإنسان.

ونحن قد ذكرنا له وجهاً آخر في الهيئة، قال أهل التجارب: إن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه لا سيما في أحوال البحار والبحارين على ما يذكره الأطباء، إلا أن الكلف ليس له مدخل في ابتغاء فضل الله وفي معرفة الحسابات تفصيلاً.

نعم لو قيل: إن الكلف نقص من نور القمر حتى لم يقو على إزالة ظلام الليل بالكلية فبقي في وقت السكون والراحة بحالة ووقت التردد في طلب المعاش بحالة، وصار تعاقب الليل والنهار سبباً لمعرفة الأيام وما يتركب منها كان متجهاً.

ثم قال: ﴿ وكل شيء ﴾ مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم ﴿ فصلناه تفصيلاً ﴾ بيناه بياناً غير ملتبس حتى انزاحت العلل وزالت الأعذار فلا يهلك من يهلك إلا عن بينة فلذلك قال: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره ﴾ أي عمله ﴿ في عنقه ﴾ وبوجه آخر لما شرح أحوال الشمس والقمر والنهار والليل لابتغاء المعاش وللدعة والراحة ولمعرفة المواقيت، وكان الغرض الأصلي من الكل هو الاشتغال بخدمة المعبود وتهذيب الأفعال وإصلاح الأقوال، ذكر أن الإنسان مؤاخذ في عرصة القيامة بأقواله وأفعاله وسائر أحواله ليظهر أنه هل أتى بما هو المقصود من خلقه أم لا.

قال أكثر أهل اللغة: إن العرب إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال اعتبروا أحوال الطائر أنه يطير بنفسه أو يحتاج إلى إزعاجه، وإذا طار فهل يطير متيامناً أو متياسراً أو صاعداً في الجو إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها ويستدلون بكل واحد منها على ما يسوقهم عملهم إليه من خير أو شر، فإطلاق الطائر على العمل تسمية للنبي باسم لازمه.

وقال أبو عبيدة: الطائر عند العرب الحظ ويقال له البخت.

فالطائر ما وقع للشخص في الأزل مما هو نصيبه من العقل والعلم والعمر والرزق والسعادة والشقاوة كأنه طائر يطير إليه من وكر الأزل وظلمات عالم الغيب طيراناً لا نهاية له ولا غاية إلا إن انتهى إلى ذلك الشخص في وقته المقدر من غير خلاص ولا مناص وفي هذا دليل على أنه لا يظهر في الأبد إلا ما حكم الله به في الأزل، والكفاية الأبدية لا تتم إلا بالعناية الأزلية.

وإنه  أكد هذا المعنى بإضافة الإلزام على نفسه ثم بقوله: ﴿ في عنقه ﴾ .

يقال: جعلت هذا الأمر في عنقك أي قلدتكه والزمتك الاحتفاظ به.

فإن كان خيراً يزينه كان كالطوق، وإن كان شراً يشينه كان كالغل.

ومن أمثال العرب "تقلدها طوق الحمامة" ﴿ ونخرج له ﴾ من قرأ بالنون فظاهر.

وقوله: ﴿ يلقاه منشوراً ﴾ صفتان للكتاب أو ﴿ يلقاه ﴾ صفة ﴿ منشوراً ﴾ حال من مفعول يلقاه.

ومن قرأ بالياء مجهولاً أو لازماً فالضمير للطائر ﴿ وكتاباً ﴾ حال منه، يقال: لقيت الشيء ولقانيه غيري.

عن الحسن: يا ابن آدم بسطت الصحيفة وطويت في قبرك معك، ثم إذا بعثت قلدتها في عنقك ﴿ اقرأ كتابك ﴾ على إضمار القول.

قال قتادة: يقرأ في ذلك اليوم من لم يكن قارئاً و ﴿ وبنفسك ﴾ فاعل كفى و ﴿ حسيباً ﴾ تمييز بمعنى حاسب وإنه كثير من فعل بالضم كقريب وبعيد، ولكنه من فعل بالفتح غريب، منه ما قال سيبويه: ضريب القداح بمعنى ضاربها، وصريم بمعنى صارم.

"وعلى" متعلق بحسيب من قولك حسب عليه كذا، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى الكافي ثم وضع.

موضع الشهيد فعدي بعلى لأن الشاهد يكفي المدعي ما أهمه.

وذكر حسيباً بمعنى رجلاً حسيباً لأنه بمنزلة الشهيد، والغالب أن الشهادة يتولاها الرجال كالقضاء والإمارة والنفس مؤوّل بالشخص، أو حمل "فعيل" بمعنى "فاعل" على "فعيل" بمعنى "مفعول" كقتيل، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب.

قال الحسن: عدل الله في حقك من جعلك حسيب نفسك.

وقال السدي: يقول الكافر يومئذٍ إنك قضيت أنك لست بظلام للعبيد فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له: ﴿ اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ﴾ وروي أن يؤتى المؤمن يوم القيامة صحيفته وحسناته في ظهرها يغبطه الناس عليها وسيئاته في جوف صحيفته وهو يقرؤها، حتى إذا ظن أنها قد أوبقته قال الله  له: فقد غفرتها لك فيما بيني وبينك فيعظم سروره ويصير من الذين قال الله في حقهم ﴿ وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة  ﴾ قال الحكيم: التكرار يوجب تقرير الآثار، فكل عمل يصدر من الإنسان خيراً أو شراً فإنه يحصل منه في جوهر روحه أثر مخصوص إلا أن ذلك الأثر يخفى ما دام الروح متعلقاً بالبدن مشتغلاً بواردات الحواس والقوى، فإذا انقطعت علاقته عن البدن قامت قيامته لأن النفس كأنها كانت ساكنة مستقرة في الجسد وعند ذلك قامت وتوجهت نحو الصعود إلى العالم العلوي، فيزول الغطاء وتنكشف الأحوال ويظهر على لوح النفس نقش كل شيء عمله في مدة عمره، وهذا معنى الكتابة والقرآءة بحسب العقل، وإنه لا ينافي ما ورد في النقل.

ثم بين أن ثواب العمل الصالح وعقاب ضده مختص بفاعله لا يتعدى منه إلى غيره فقال: ﴿ من اهتدى ﴾ إلى قوله: ﴿ وزر أخرى ﴾ .

قال الجبائي: فيها دلالة على أن الأطفال لا يعذبون بكفر آبائهم، وأن الوزر والإثم ليس من فعل الله وإلا لم يؤاخذ العبد به كما لا يؤاخذ بوزر غيره بل كان يجب أن لا وزر أصلاً لأن الصبي لا يوصف بالوزر لأنه غير مختار.

وجواب الأشاعرة أن الوزر مختص بأفعال المكلفين من الثقلين، وقدَحَت عائشة بذلك في صحة ما رواه ابن عمر "إنَّ الميت ليعذب ببكاء أهله" واستدل به جماعة من الفقهاء في الامتناع من ضرب الدية على العاقلة.

ويمكن أن يجاب بأنه ما من عام إلا وقد خصص.

أما قوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ فقد استدل به الأشاعرة في أن وجوب شكر المنعم لا يثبت بالعقل بل بالسمع لأن الوجوب لا تتقرر ما هيته إلا بترتيب العقاب على الترك ولا عقاب قبل الشرع بحكم هذه الآية.

أجاب الخصم بأنه لو لم يثبت الوجوب العقلي لم يثبت الوجوب الشرعي لأن النبي إذا جاء وادعى المعجزة فهل يجب على المستمع قبول قوله والتأمل في معجزته أو لا يجب، والثاني باطل بالاتفاق، وعلى الأوّل إن وجب بالعقل فهو المدعي، وإن وجب بالشرع فذلك الشارع إن كان ذلك النبي لزم إثبات الشيء، وإن كان غيره دار أو تسلسل.

وبوجه آخر إذا أوجب النبي بعض الأفعال وحرم بعضها فلا معنى لذلك إلا ترتب العقاب على الترك أو الفعل.

ثم إنه يجب على المكلف أن يحترز عن العقاب أو لا يجب لا سبيل إلى الثاني بالاتفاق، وعلى الأول يلزم الوجوب العقلي وإلا لزم الدور أو التسلسل.

ثم إن مذهب أهل السنة جواز العفو عن عقاب الكبيرة فتكون ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب، ولا ذم مع جواز العفو فلم يبق إلا أن ماهية الواجب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب، ولا يكون هذا الخوف إلا بمحض العقل فثبت أن الوجوب العقلي لا يمكن دفعه.

فأما أن تجري الآية على ظاهرها يقال: العقل هو رسول الله إلى الخلق، بل هو الرسول الذي لولاه لما تقررت رسالة أحد من الرسل ومجيء الأنبياء كالتنبيه على النظر وكالإيقاظ من رقدة الغفلة والحجة وإن كانت لازمة لهم قبل بعثة الرسل إلا أنها بعد البعثة ألزم.

وإما أن يخصص عموم الآية فيقال: المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع.

ومما ارتضاه الإمام فخر الدين الرازي أن مجرد العقل سبب في أنه يجب عليها فعل ما ينتفع به وترك ما يستضر به، أما مجرد العقل فلا يدل على أنه يجب على الله شيء وذلك أنا مجبولين على طلب النفع والاحتراز عن الضرر، والله  منزه عن ذلك.

ولقائل أن يقول: إنه  منزه عن الانتفاع والاستضرار إلا أنه حكيم جواد فلم لا يقبح من الحكيم الجواد ترك ما ينتفع به غيره وفعل ما يستضر به، وإذا قبح منه ذلك حسن منه ضده، والحكيم لا يترك الأحسن.

فصدور ذلك الأحسن منه ألبته هو الذي لك أن تسميه وجوباً كما وصف به نفسه في قوله: ﴿ كان على ربك حتماً مقضياً  ﴾ ولكم من آية في القرآن دالة على أن الفعل قد يصدر منه صدوراً لا يحتمل النقيض من ذلك قوله: ﴿ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ﴾ .

وللمفسرين في معنى ﴿ أمرنا ﴾ قولان: الأول أن المراد به الأمر الذي هو نقيض النهي وعلى هذا اختلفوا في المأمور به، فالأكثرون على أن الطاعة والخير.

وقال في الكشاف: معناه وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل أمرناهم بالفسق ففسقوا.

ولما كان من أصول الاعتزال أنه  لا يأمر بالفحشاء ذكر أن الأمر بالفسق ههنا مجاز، ووجهه أنه صب عليهم النعمة صباً فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكان إيتاء النعمة سبباً لإيثارهم الفسوق على الائتمار فكأنهم مأمورون بذلك.

ثم إنه جعل تقدير أمرناهم بالطاعة ففسقوا عن قبيل التكاليف بعلم الغيب، ولم يجوّز أن تكون من قبيل "أمرته فعصاني" فإنه يفهم منه أن المأمور به طاعته ولكنه حكم بأنه مثل أمرته فقام أو أمرته فقرأ فإنه لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة.

ولقائل أن يقول: كما أن قوله "أمرته فعصاني" يدل على أن المأمور به شيء غير المعصية منحيث إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له فكذلك قوله: "أمرته ففسق" يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به، فكونه فسقاً ينافي كونه مأموراً به كما أن كونها معصية ينافي كونها مأموراً بها، وهذا ظاهر فلا أدري لم أصرّ جار الله على قوله مع ضعفه ومخالفته أصله.

القول الثاني إن معنى: ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ أكثرنا فساقها.

قال الواحدي: تقول العرب: أمر القوم.

إذا كثروا، وأمرهم الله إذا كثرهم، وآمرهم أيضاً بالمد واحتج أبو عبيدة على صحة هذه اللغة بقوله  "خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة" فالسكة النخيل المصطفة، والمهرة المأمورة كثيرة النتاج.

وقد حمل بعضهم الحديث على الأمر ضد النهي أي قال الله لها: كوني كثيرة النسل فكانت، "وروي أن رجلاً من المشركين قال لرسول الله  : إني أرى أمرك هذا حقيراً.

فقال  : إنه سيأمر" أي سيكثر وسيكبر.

والمترف في اللغة المنعم الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش: ﴿ ففسقوا فيها ﴾ خرجوا عما أمرهم الله ﴿ فحق عليها القول ﴾ استوجبت العذاب ﴿ فدمرناها تدميراً ﴾ أهلكناها على سبيل الاستئصال.

قال الأشاعرة: ظاهرة الآية يدل على أنه  أراد إهلاكهم ابتداء، ثم توسل إلى إهلاكهم بهذا الطريق ويؤيده قوله: ﴿ فحق عليها القول ﴾ أي بالكفر ثم التعذيب.

وقال الكعبي: إن سائر الآيات دلت على أنه  لا يبتدىء بالتعذيب كقوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم  ﴾ وقوله: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ فتلك الآيات محكمة وهذه المتشابهات فيجب حمل هذه على تلك.

قال في التفسير الكبير: أحسن الناس كلاماً في تأويل هذه الآية القفال فإنه ذكر وجهين: الأول أخبر الله أنه لا يعذب أحداً بما علمه منه ما لم يعمل به أي لا يجعل علمه حجة على من علم أنه إن أمره عصاه بل يأمره حتى يظهر عصيانه للناس فحينئذ يعاقبه ومعنى الآية وإذا أردنا إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم.

الثاني أن نقول: وإذا أردنا إهلاك قوم بسبب ظهور العصيان منهم لم نعالجهم بالعذاب في أوّل ظهور المعصية منهم، بل أمرنا مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي.

وخص المترفين بذلك لأن نعمة الله عليهم أكثر فكان الشكر عليهم أوجب، فإذا لم يرجعوا وأصروا صب عليهم البلاء صباً.

وزعم الجبائي أن المراد بالإرادة الدنو والمشارفة كقولك إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة، وإذا أراد التاجر يريد ان يفتقر أتاه الخسران من كل جهة.

ليس المعنى أن المريض يريد أن يموت والتاجر يريد أن يفتقر، وإنما عنيت أنه سيصير إلى ذلك، فمعنى الآية وإذا قرب وقت إهلاك قرية.

وقد نقلنا مثله عن صاحب الكشاف، ولا يخفى أنه عدول عن الظاهر.

ثم ذكر عادته الجارية مع القرون الخالية فقال: ﴿ وكم أهلكنا ﴾ فـ ﴿ كم ﴾ مفعول ﴿ أهلكنا ﴾ و ﴿ من القرون ﴾ بيان لكم وتمييز له أراد بهم عاداً وثمود ونحوهما.

ثم خاطب رسوله بما هو ردع للناس كافة قائلاً ﴿ وكفى بربك ﴾ الآية.

قال الفراء: إنما يجوز إدخال الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه أو يذم كقولك "كفاك به" "وأكرم به رجلاً" "وطاب بطعامك طعاماً" ولا يقال: قام بأخيك وأنت تريد قام أخوك.

وفي الآية بشارة عظيمة لأهل الطاعة وإنذار شديد لغيرهم لأن العلم التام مع القدرة الكاملة والحكمة الشاملة يقتضيإيصال الجزاء إلى كل أحد بقدر استحقاقه.

ثم أكد المعاني المذكورة من قوله: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره ﴾ ومن قوله: ﴿ من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ﴾ بقوله: ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ أي المنفعة أو الدار العاجلة ﴿ عجلنا له فيها ﴾ ثم قيد المعجل بقيدين: أحدهما قوله: ﴿ ما نشاء ﴾ ولهذا ترى كثيراً من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضاً منه.

وثانيهما قوله: ﴿ لمن نريد ﴾ وهو بدل من ﴿ له ﴾ بدل البعض من الكل لأن الضمير يرجع إلى "من" وهو للمعلوم، ولهذا ترى كثيراً منهم يتمنون البعض اليسير من الدنيا ولا يؤتون فيجتمع عليهم فقر الدنيا وحرمان الآخرة بل عذابها لقوله: ﴿ ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ﴾ مطروداً من رحمة الله.

﴿ ومن أراد الآخرة ﴾ بأن يعقد بها همته ويتجافى عن دار الغرور ﴿ وسعى لها سعيها ﴾ أي حق السعي لأجلها وذلك أن يكون العمل الذي يتوسل به إلى الفوز بثواب الآخرة من جملة القرب والطاعات وعلى قوانين الشرع والعقل لا البدعة والهوى ﴿ وهو مؤمن ﴾ لأن شيئاً من صور الأعمال الصالحة لا يوجب الثواب إلا بعد تقديم الإيمان ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً ﴾ قال العلماء: الشكر عبارة عن مجموع أمور ثلاثة: اعتقاد كونه محسناً في تلك الأعمال، والثناء عليه بالقول، والإتيان بأفعال تدل على كونه معظماً عند ذلك الشاكر.

والله   ، يعامل المطيعين بهذه الأمور الثلاثة لأنه يعلم كونهم محسنين في تلك الأعمال وأنه يثنى عليهم بكلامه ويعاملهم المعاملات الدالة على كونهم معظمين عند الله.

وفي قوله: ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ دون أن يقول: "من أراد العاجلة" كما قال: ﴿ ومن أراد الآخرة ﴾ إشارة إلى أن مريد نفع الدنيا لا يكون مذموماً إلا إذا كان غالباً في ذلك ثابت القدم فسيح الأمل، ومريد الآخرة يكون محموداً بأدنى التفاتة بعد وجود الشرط.

قالت الأشاعرة: إن مجموع القدرة مع الداعي هو الموجب للفعل ونحن نشكر الله على الإيمان لأنه أعطى القدرة والداعية، ولكنه حين حصل الإيمان للعبد واستتبع السعادات الباقية صار العبد أيضاً مشكوراً، ولا منافاة بين الأمرين.

وقالت المعتزلة: نحن لا نشكر الله على الإيمان لأن المدح على عمل لم يعمله الممدوح قبيح.

قال  : ﴿ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ ولكنا نشكره على ما أعطانا من القدرة والعقل وإنزال الكتب وإيضاح الدلائل.

واعلم أنه  ذكر صنفين من الناس: قاصد خيرات الدنيا وقاصد خيرات الآخرة.

وههنا ثلاثة أقسام أخر: الأوّل أن يكون طلب الآخرة في عمله راجحاً فقيل إنه غير مقبول أيضاً لما روي أن النبي  قال حكاية عن رب العزة: "أنا أغنى الأغنياء عن الشكر من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه" وقيل: يعارض المثل بالمثل ويبقى القدر الزائد داعية خالصة لطلب الآخرة فيقع في حيز القبول.

الثاني أن يكون طلب الدنيا وطلب الآخرة متعادلين.

الثالث أن يكون طلب الدنيا راجحاً.

واتفقوا على أن هذين القسمين أيضاً لا يقبلان إلا أنهما على كل حال خير من الرياء المحض.

ثم بين كمال رأفته وشمول رحمته فقال: ﴿ كلا ﴾ أي كل واحد من الفريقين ﴿ نمد ﴾ أي نزيدهم من عطائنا على تلاحق من غير انقطاع بالمعصية.

وقوله: ﴿ هؤلاء وهؤلاء ﴾ بدل من كل و ﴿ من عطاء ربك ﴾ متعلق بــ ﴿ نمد ﴾ ﴿ وما كان عطاء ربك محظوراً ﴾ ممنوعاً من المكلف بسبب عصيانه ﴿ أنظر ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية النظر والاعتبار إلى عطائنا المباح للفريقين في الدنيا ﴿ كيف فضلنا بعضهم على بعض ﴾ فأوصلناه إلى مؤمن وقبضناه عن مؤمن آخر، وأوصلناه إلى كافر وقبضناه عن كافر آخر ليكون بعضهم تحت تسخير بعض.

﴿ وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً ﴾ لأن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا.

وقيل: المراد أن المؤمنين يدخلون الجنة والكافرين يدخلون النار فيظهر فضل المؤمنين على الكافرين.

وعن بعضهم: أيها المباهي بالرفع منك في مجالس الدنيا، أما ترغب في المباهاة بالرفع في مجالس الآخرة وهي أكبر وأفضل؟!.

التأويل: نزه نفسه بقوله: ﴿ سبحان ﴾ عن الاتحاد الكلي، ولكن أخبر عن مقام وصول حبيبه.

فقوله: ﴿ أسرى ﴾ إشارة إلى الجذبة الخفية عن الأغيار، وقوله ﴿ بعبده ﴾ إشارة إلى مقام تصحيح نسبة العبدية التي هي آخر مقامات السالكين، وقوله: ﴿ ليلاً ﴾ رمز إلى أن ذلك الجذب كاد يكون خفياً عن المجذوب إذا كان ذاهلاً عن أنانيته.

وقوله: ﴿ من المسجد الحرام ﴾ هو مقام يحرم فيه الالتفات إلى ما سوى الله.

﴿ إلى المسجد الأقصى ﴾ هو مقام الفناء في الله ﴿ الذي باركنا حوله ﴾ بالبقاء بالله ﴿ لنريه من آياتنا ﴾ التي لم تسمع إذن ولا أبصرت عين ﴿ إنه هو السميع البصير ﴾ فلا يصل أحد إليه إلا إذا سمع به وأبصر به.

هذا ما خطر ببال هذا الضعيف في تأويل هذه الآية فإن كان صواباً فمن فضل الله وعطائه، وإلا فمني ومن الشيطان ﴿ فجاسوا خلال الديار ﴾ الجسدانية بالقتل وفك التركيب وخلال الديار المعنوية حين استولت الصفات الذميمة على الخصال الحميدة لتخريب بيت مقدس القلب ﴿ ثم رددنا لكم الكرة عليهم ﴾ باستيلاء داود القلب وقتل جالوت النفس ﴿ وأمددناكم بأموال ﴾ الطاعات ﴿ وبنين ﴾ الإيمان والإيقان ﴿ وإذا جاء وعد الآخرة ﴾ حين ارتد عن الطريقة ﴿ ليسوؤا ﴾ وجوه قلوبكم بحجب سوء أعمالكم ﴿ وإن عدتم ﴾ إلى الجهل ﴿ عدنا ﴾ إلى الفضل، أو وإن عدتم إلى الندم عدنا إلى الكرم، أو إن عدتم إلى العبودية عدنا إلى الربوبية، أو إن عدتم إلى التقربات عدنا إلى الجذبات ﴿ وجعلنا ليل ﴾ البشرية ونهار الروحانية ﴿ فمحونا آية الليل ﴾ وهي قمر القلب فني في نور العقل حين تطلع شمس شهود الحق وهي آية النهار، فإذا طلع الصباح استغنى عن المصباح ﴿ لتبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ وهو تجلي ذاته وصفاته، وقد اختص الإنسان به من بين المخلوقات.

﴿ ولتعلموا ﴾ أيام الطلب وحساب الترقي من مقام إلى مقام وكل شيء يحتاج إليه السالك بيناه بالإشارات ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ فيه أن قلب الإنسان بين أصبعي قهر الرحمن ولطفه وبحسب ذلك يحوّل وجه الى الدنيا حتى يؤل أمره إلى درجات البعد أو يحوّله إلى الآخرة حتى يصل إلى درجات الوصال والله المستعان على ما تصفون.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: أنهم كانوا يعملون بأعمالهم الحسنة في حال كفرهم من نحو الإنفاق والصّدقات وبذل الأموال، وغير ذلك - يريدون بذلك العز والشرف والذكر في الدنيا؛ فأخبر أنه من أراد بما يفعل ذلك ﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ﴾ .

والثاني: يكون قوله: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ ﴾ ،أي: لا يريد بها إلا جمع الأموال وسعتها ﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ﴾ ، ثم أخبر أنه لا كل من أرادها يعجل له ذلك، ولا كل ما أراد يعجل له ذلك؛ ولكن إنما يعجل ما أراد الله ولمن أراد شيئاً يعطي له ذلك، وثم أخبر عما يعطي في الآخرة من أراد العاجلة فقال: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً ﴾ .

أي: مذموماً: يسمّى بأسماء قبيحة دنية مذمومة عند الخلق، أو يذم ويلام في النار، ﴿ مَّدْحُوراً ﴾ : مطروداً من الأسماء الحسنى ومن الخيرات، أو مبعداً عن رحمته.

وقوله: ﴿ مَذْمُوماً ﴾ : عند نفسه، أي: يذم نفسه يومئذ، أو مذموماً عند الملائكة والخلق جميعاً.

وفي قوله: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ﴾ وجهان: أحدهما: يحتمل أن يكون أراد بإهلاكه إياهم موتهم بآجالهم.

يقول: هم كانوا عدداً قليلاً زمن نوح، ثم كثروا حتى صاروا قروناً، ثم ماتوا حتى لم يبق منهم أحد.

ويحتمل أن يكون الإهلاك - هاهنا - إهلاك استئصال: فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أنه قد استووا في هذه الدنيا - أعني العدو والولي - وفي الحكمة: التمييز بينهما والتفريق؛ فلا بد من دار يفَرَّق بينهما فيها ويميز.

والثاني: قد هلكوا جميعاً، وفي العقل والحكمة إنشاء الخلق للإفناء خاصّة بلا عاقبةٍ تقصد - عبثٌ باطل؛ فدل أن هنالك داراً أخرى هي المقصودة حتى صار خلق هؤلاء حكمة، وفيه إلزام البعث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ .

تفسير قوله: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ﴾ ؛ كأنه قال: من كان يريد العاجلة، وهو كافر بربه مكذب بالآخرة ﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ﴾ ، ومن كان يريد الآخرة، وهو مؤمن بربه مصدق بالآخرة، ﴿ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ ، هذا يدل أنهم إنما أرادوا العاجلة بكفرهم بالآخرة، ثم أخبر أن من أراد بعمله في الدنيا الآخرة، ولها سعيها ما سعى، وهو مؤمن بها.

﴿ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً ﴾ .

أي: مَجزيّاً مقبولاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .

أي: المؤمن والكافر يعطى هذا وهذا، أي: لا نحرم عن العاجلة من أراد الآخرة؛ يخبر أولئك الكفرة بكفرهم بالآخرة أنه ليس يعطي الدنيا وسعتها لمن يكفر بالآخرة؛ ولكن يعطي من كفر بها ومن آمن بها؛ لئلا يحملهم ذلك على حبهم الدنيا وطلب العز والشرف فيها - على كفرهم بالآخرة؛ حيث قال: ﴿ كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ ﴾ ، أي: يعطي المؤمن والكافر، والبَرّ والفاجر.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾ .

أي: [ما كان] رزق ربّك وفضله محظوراً.

قال بعضهم: محبوساً ممنوعاً.

وقال بعضهم: محظوراً: منقوصاً؛ فهو في الآخرة، أي: لا ينقصون في الآخرة من جزائهم، وروي في الخبر عن رسول الله  قال: "إنَّ الله يُعْطِي الدُّنْيَا عَلَى نِيَّةِ الآخِرَةِ، وَلاَ يُعْطِي الآخِرَةَ عَلَى نِيَّةِ الدُّنْيَا" وعن الحسن قال: قال رسول الله  : "إِذَا كَانَ الْعَبدُ هَمُّهُ الآخِرَةَ كَفَى الله لَهُ مِنْ ضَيْعَتِهِ، وَجَعَلَ غَنَاءَهُ فِي قَلْبِهِ، وَإِذَا كانَ هَمُّهُ الدُّنْيَا أَفْشَى الله عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ؛ فَلا يُمْسِي إِلا فَقِيراً، ولا يُصْبِحُ إِلا فَقِيراً" وقوله: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ ﴾ ؛ للعاجلة - ﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ﴾ ، وأما من كان يريد العاجلة؛ للآخرة - فهو ليس بمذموم؛ فهو ما ذكر في قوله: ﴿ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً ﴾ ، وهو ما قال: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ...

﴾ الآية [هود: 15]، وقوله: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ...

 ﴾ .

وأمّا من أراد الحياة الدنيا؛ لحياة الآخرة - فهو ليس بلعب و[لا] لهو؛ لأن الدنيا لم تُنْشَأ لنفسها؛ إنما أنشئت للآخرة؛ فمن رآها لها وأرادها لنفسها - فهو لعب ولهو، ومن رآها للآخرة وأرادها للآخرة فهو ليس بلعب ولا لهو.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ .

في الدنيا في الرزق وفي الخلقة: يكون بعضهم أعمى، وبعضهم بصيراً، أو يكون أصمّ ويكون سميعاً، ونحوه؛ فعلى ما يكون في الدنيا على التفاوت والتفاضل يكونون في الآخرة كذلك في المنزلة والقدر عند الله، لا في الضيق والسعة والأحوال التي يكونون في الدنيا؛ حيث قال: ﴿ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾ .

ولم يقل: أكثر ولا أوسع، دل أنه على القدر والمنزلة عند الله، لا على اختلاف الأحوال التي يكونون في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أن النهي في مثل هذا والخطاب - لرسوله، وإن كان غير موهوم ذلك منه؛ للعصمة التي عصمه؛ فإنّه غير مستحيل [في ذاته]؛ لما ذكرنا أن العصمة إنما ينتفع بها مع النهي والأمر؛ لأنه لولا الأمر والنهي ما احتيج إليها، أو خاطبه به على إرادة غيرٍ؛ على ما يخاطب به ملوك الأرض الأقرب إليهم والأعظم والخطر منهم دون خسائس الناس ورذالهم.

والثاني: أنه يخاطب كلاًّ في نفسه، ليس أنه يخص رسوله بذلك، ولكن كلُّ موهومٍ ذلك منه.

ويحتمل أن يخاطب به كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ  ﴾ ، و ﴿ يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ  ﴾ ؛ ليس إنسان أحق بهذا الخطاب من إنسان؛ فعلى ذلك الأول، أو يقول: إنه يخاطب رسوله؛ ليعلم من دونه أن ليس لأحد وإن عظم قدره عند الله وارتفع محله ومنزلته - محاباة في الدين؛ لأن الرسل هم المكرمون على الله المعظمون عنده؛ فماذا لم يعف عنهم في هذا - لم يعف من دونهم؛ ألا ترى أنه قال للملائكة: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ  ﴾ ، وهم أكرم خلق الله؛ حيث وصفهم الله أنهم: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ؟!

[التحريم: 6]؛ فعلى ذلك الرسل؛ ألا ترى أنّه قال على أثره: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا ﴾ ، ومعلوم أن أبويه كانا ضالين؛ فلا يحتمل أن يخاطب رسوله في قوله: ﴿ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا ﴾ ؛ دل أنه خاطب به كل محتَمَلٍ ذلك منه وموهوم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً ﴾ .

عند الناس.

﴿ مَّخْذُولاً ﴾ .

أي: ذليلاً مقهوراً؛ لأن الخذلان هو ضد النصر والعون؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [آل عمران: 160].

ذكر الخذلان مقابل النصر؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ مَّخْذُولاً ﴾ ، أي: مقهوراً ذليلاً غير منصور، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

تأمل -أيها الرسول- كيف فضلنا بعضهم على بعض في الدنيا في الرزق والمراتب، وللآخرة أعظم تفاوتًا في درجات النعيم من الحياة الدنيا، وأعظم تفضيلًا، فليحرص المؤمن عليها.

<div class="verse-tafsir" id="91.M738L"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله