الآية ٥٩ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٥٩ من سورة الإسراء

وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْـَٔايَـٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ ۚ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةًۭ فَظَلَمُوا۟ بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْـَٔايَـٰتِ إِلَّا تَخْوِيفًۭا ٥٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 124 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٩ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٩ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال سنيد عن حماد بن زيد عن أيوب عن سعيد بن جبير قال قال المشركون يا محمد إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء فمنهم من سخرت له الريح ومنهم من كان يحيي الموتى فإن سرك أن نؤمن بك ونصدقك فادع ربك أن يكون لنا الصفا ذهبا فأوحى الله إليه إني قد سمعت الذي قالوا فإن شئت أن نفعل الذي قالوا فإن لم يؤمنوا نزل العذاب فإنه ليس بعد نزول الآية مناظرة وإن شئت أن نستأني بقومك استأنيت بهم قال يا رب استأن بهم .

وكذا قال قتادة وابن جريج وغيرهما قال الإمام أحمد حدثنا عثمان بن محمد حدثنا جرير عن الأعمش عن جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا فقيل له إن شئت أن نستأني بهم وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من كان قبلهم من الأمم قال لا بل استأن بهم وأنزل الله : ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة ) رواه النسائي من حديث جرير به .

وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن عمران أبي الحكيم ، عن ابن عباس قال قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك قال وتفعلون قالوا نعم .

قال فدعا فأتاه جبريل فقال إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة فقال بل باب التوبة والرحمة " وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده : حدثنا محمد بن إسماعيل بن علي الأنصاري حدثنا خلف بن تميم المصيصي عن عبد الجبار بن عمار الأيلي عن عبد الله بن عطاء بن إبراهيم عن جدته أم عطاء مولاة الزبير بن العوام قالت سمعت الزبير يقول لما نزلت : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) [ الشعراء 214 ] صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي قبيس يا آل عبد مناف إني نذير!

فجاءته قريش فحذرهم وأنذرهم ، فقالوا تزعم أنك نبي يوحى إليك وأن سليمان سخر له الريح والجبال وأن موسى سخر له البحر وأن عيسى كان يحيي الموتى فادع الله أن يسير عنا هذه الجبال ويفجر لنا الأرض أنهارا فنتخذها محارث فنزرع ونأكل وإلا فادع الله أن يحيي لنا موتانا فنكلمهم ويكلمونا وإلا فادع الله أن يصير لنا هذه الصخرة التي تحتك ذهبا فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف فإنك تزعم أنك كهيئتهم!

قال فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي فلما سري عنه قال والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة فلا يؤمن منكم أحد فاخترت باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وأخبرني أنه إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم أنه يعذبكم عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين ونزلت : ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ) وحتى قرأ ثلاث آيات ونزلت ( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ) [ الرعد 31 ] .

ولهذا قال تعالى ( وما منعنا أن نرسل بالآيات ) أي نبعث الآيات ونأتي بها على ما سأل قومك منك فإنه سهل علينا يسير لدينا إلا أنه قد كذب بها الأولون بعدما سألوها وجرت سنتنا فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إذا كذبوا بها بعد نزولها كما قال الله تعالى في المائدة : ( قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ) [ المائدة 115 ] وقال تعالى عن ثمود حين سألوا آية ناقة تخرج من صخرة عينوها فدعا صالح ربه فأخرج له منها ناقة على ما سألوا فظلموا بها أي كفروا بمن خلقها وكذبوا رسوله وعقروا الناقة فقال ( تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ) [ هود 65 ] ؛ ولهذا قال تعالى ( وآتينا ثمود الناقة ) أي دالة على وحدانية من خلقها وصدق الرسول الذي أجيب دعاؤه فيها ( فظلموا بها ) أي كفروا بها ومنعوها شربها وقتلوها فأبادهم الله عن آخرهم وانتقم منهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر وقوله : ( وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) قال قتادة إن الله خوف الناس بما يشاء من آياته لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود فقال يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه وهكذا روي أن المدينة زلزلت على عهد عمر بن الخطاب مرات فقال عمر أحدثتم والله لئن عادت لأفعلن ولأفعلن وكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله عز وجل يرسلهما يخوف بهما عباده فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره " ثم قال : يا أمة محمد والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا "

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ يقول تعالى ذكره: وما منعنا يا محمد أن نرسل بالآيات التي سألها قومك، إلا أن كان من قبلهم من الأمم المكذّبة، سألوا ذلك مثل سؤالهم؛ فلما آتاهم ما سألوا منه كذّبوا رسلهم، فلم يصدّقوا مع مجيء الآيات، فعوجلوا فلم نرسل إلى قومك بالآيات، لأنَّا لو أرسلنا بها إليها، فكذّبوا بها، سلكنا في تعجيل العذاب لهم مسلك الأمم قبلها.

وبالذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا ثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: سأل أهل مكة النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال، فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن نستأني بهم لعلنا نجتني منهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من قبلهم، قال: بل تستأني بهم، فأنـزل الله ( وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً ).

حدثني إسحاق بن وهب، قال: ثنا أبو عامر، قال : ثنا مسعود بن عباد، عن مالك بن دينار، عن الحسن في قول الله تعالى ( وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ ) قال: رحمة لكم أيتها الأمة، إنا لو أرسلنا بالآيات فكذّبتم بها، أصابكم ما أصاب من قبلكم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، قال: قال المشركون لمحمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء، فمنهم من سخرت له الريح.

ومنهم من كان يحيي الموتى، فإن سرّك أن نؤمن بك ونصدّقك، فادع ربك أن يكون لنا الصفا ذهبا.

فأوحى الله إليه: إني قد سمعت الذي قالوا، فإن شئت أن نفعل الذي قالوا، فإن لم يؤمنوا نـزل العذاب، فإنه ليس بعد نـزول الآية مناظرة، وإن شئت أن تستأني قومك استأنيت بها، قال: يا ربّ أستأني.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ ) قال: قال أهل مكة لنبيّ الله صلى الله عليه وسلم: إن كان ما تقول حقا.

ويسرّك أن نؤمن، فحوّل لنا الصفا ذهبا، فأتاه جبرائيل عليه السلام فقال: إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان ثم لم يؤمنوا لم يناظروا، وإن شئت استأنيت بقومك، قال: بَلِ أسْتَأْنِي بقَوْمي.

فأنـزل الله وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وأنـزل الله عزّ وجلّ مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ .

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، أنهم سألوا أن يحوّل الصفا ذهبا، قال الله ( وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ ) قال ابن جريج: لم يأت قرية بآية فيكذّبوا بها إلا عذّبوا، فلو جعلت لهم الصفا ذهبا ثم لم يؤمنوا عذّبوا، و " أن " الأولى التي مع مَنَعَنا، في موضع نصب بوقوع منعنا عليها، وأن الثانية رفع، لأن معنى الكلام: وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأوّلين من الأمم، فالفعل لأن الثانية.

يقول تعالى ذكره: وقد سأل الآيات يا محمد مِن قَبْل قومك ثمود، فآتيناها ما سألت، وحملنا تلك الآية ناقة مبصرة، جعل الإبصار للناقة.

كما تقول للشجة: موضحة، وهذه حجه مبينة.

وإنما عنى بالمبصرة: المضيئة البينة التي من يراها كانوا أهل بصر بها، أنها لله حجة، كما قيل: وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا .

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) : أي بيِّنة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عزّ ذكره (النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) قال: آية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

وقوله (فَظَلَمُوا بِها) يقول عزّ وجلّ: فكان بها ظلمهم، وذلك أنهم قتلوها وعقروها، فكان ظلمهم بعقرها وقتلها، وقد قيل: معنى ذلك: فكفروا بها، ولا وجه لذلك إلا أن يقول قائله أراد: فكفروا بالله بقتلها، فيكون ذلك وجها.

وأما قوله ( وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا ) فإنه يقول: وما نرسل بالعبر والذكر إلا تخويفا للعباد.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا ) وإن الله يخوّف الناس بما شاء من آية لعلهم يعتبرون، أو يذكَّرون، أو يرجعون، ذُكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود، فقال: يأيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا نوح بن قيس، عن أبي رجاء، عن الحسن ( وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا ) قال: الموت الذريع.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفاقوله تعالى : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون في الكلام حذف ، والتقدير : وما منعنا أن نرسل بالآيات التي اقترحوها إلا أن يكذبوا بها فيهلكوا كما فعل بمن كان قبلهم .

قال معناه قتادة وابن جريج وغيرهما .

فأخر الله - تعالى - العذاب عن كفار قريش لعلمه أن فيهم من يؤمن وفيهم من يولد مؤمنا .

وقد تقدم في [ الأنعام ] وغيرها أنهم طلبوا أن يحول الله [ ص: 253 ] لهم الصفا ذهبا وتتنحى الجبال عنهم ; فنزل جبريل وقال : ( إن شئت كان ما سأل قومك ولكنهم إن لم يؤمنوا لم يمهلوا وإن شئت استأنيت بهم ) .

فقال : لا بل استأن بهم .

وأن الأولى في محل نصب بوقوع المنع عليهم ، وأن الثانية في محل رفع .

والباء في بالآيات زائدة .

ومجاز الكلام : وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين ، والله - تعالى - لا يكون ممنوعا عن شيء ; فالمعنى المبالغة في أنه لا يفعل ، فكأنه قد منع عنه .ثم بين ما فعل بمن سأل الآيات فلم يؤمن بها فقال : وآتينا ثمود الناقة مبصرة أي آية دالة مضيئة نيرة على صدق صالح ، وعلى قدرة الله - تعالى - .

وقد تقدم ذلك .فظلموا بها أي ظلموا بتكذيبها .

وقيل : جحدوا بها وكفروا أنها من عند الله فاستأصلهم الله بالعذاب .وما نرسل بالآيات إلا تخويفا فيه خمسة أقوال : [ الأول ] العبر والمعجزات التي جعلها الله على أيدي الرسل من دلائل الإنذار تخويفا للمكذبين .

[ الثاني ] أنها آيات الانتقام تخويفا من المعاصي .

[ الثالث ] أنها تقلب الأحوال من صغر إلى شباب ثم إلى تكهل ثم إلى مشيب ، لتعتبر بتقلب أحوالك فتخاف عاقبة أمرك ; وهذا قول أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - .

[ الرابع ] القرآن .

[ الخامس ] الموت الذريع ; قاله الحسن .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يذكر تعالى رحمته بعدم إنزاله الآيات التي يقترح بها المكذبون، وأنه ما منعه أن يرسلها إلا خوفا من تكذيبهم لها، فإذا كذبوا بها عاجلهم العقاب وحل بهم من غير تأخير كما فعل بالأولين الذين كذبوا بها.

ومن أعظم الآيات الآية التي أرسلها الله إلى ثمود وهي الناقة العظيمة الباهرة التي كانت تصدر عنها جميع القبيلة بأجمعها ومع ذلك كذبوا بها فأصابهم ما قص الله علينا في كتابه، وهؤلاء كذلك لو جاءتهم الآيات الكبار لم يؤمنوا، فإنه ما منعهم من الإيمان خفاء ما جاء به الرسول واشتباهه هل هو حق أو باطل؟

فإنه قد جاء من البراهين الكثيرة ما دل على صحة ما جاء به الموجب لهداية من طلب الهداية فغيرها مثلها فلا بد أن يسلكوا بها ما سلكوا بغيرها فترك إنزالها والحالة هذه خير لهم وأنفع.

وقوله: { وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا } أي: لم يكن القصد بها أن تكون داعية وموجبة للإيمان الذي لا يحصل إلا بها، بل المقصود منها التخويف والترهيب ليرتدعوا عن ما هم عليه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ( قال ابن عباس : سأل أهل مكة [ رسول الله صلى الله عليه وسلم ] أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا فأوحى الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم : إن شئت أن أستأني بهم فعلت وإن شئت أن أوتيهم ما سألوا فعلت فإن لم يؤمنوا أهلكتهم كما أهلكت من كان قبلهم [ من الأمم ] فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا بل تستأني بهم " فأنزل الله عز وجل ( وما منعنا أن نرسل بالآيات ( التي سألها كفار قريش ( إلا أن كذب بها الأولون ( فأهلكناهم فإن لم يؤمن قومك بعد إرسال الآيات أهلكتهم لأن من سنتنا في الأمم إذا سألوا الآيات ثم لم يؤمنوا بعد إتيانها أن نهلكهم ولا نمهلهم وقد حكمنا بإهلاك هذه الأمة بالعذاب فقال جل ذكره : " بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر " ( القمر - 46 ) ثم قال : ( وآتينا ثمود الناقة مبصرة ( مضيئة بينة ( فظلموا بها ( أي : جحدوا بها أنها من عند الله كما قال : " بما كانوا بآياتنا يظلمون " ( الأعراف - 9 ) أي : يجحدون وقيل : ظلموا أنفسهم بتكذيبها يريد فعاجلناهم بالعقوبة .

( وما نرسل بالآيات ( أي : العبر والدلالات ( إلا تخويفا ( للعباد ليؤمنوا قال قتادة إن الله تعالى يخوف الناس بما شاء من آياته لعلهم يرجعون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما منعنا أن نرسل بالآيات» التي اقترحها أهل مكة «إلا أن كذب بها الأولون» لما أرسلناها فأهلكناهم ولو أرسلناها إلى هؤلاء لكذبوا بها واستحثوا الإهلاك وقد حكمنا بإمهالهم لإتمام أمر محمد صلى الله عليه وسلم «وآتينا ثمود الناقة» أي «مبصرة» بينة واضحة «فظلموا» كفروا «بها» فأهلكوا «وما نرسل بالآيات» المعجزات «إلا تخويفا» للعباد فيؤمنوا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما منعَنا من إنزال المعجزات التي سألها المشركون إلا تكذيب مَن سبقهم من الأمم، فقد أجابهم الله إلى ما طلبوا فكذَّبوا وهلكوا.

وأعطينا ثمود -وهم قوم صالح- معجزة واضحة وهي الناقة، فكفروا بها فأهلكناهم.

وما إرسالنا الرسل بالآيات والعبر والمعجزات التي جعلناها على أيديهم إلا تخويف للعباد؛ ليعتبروا ويتذكروا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر - سبحانه - ما يزيد النبى صلى الله عليه وسلم ثباتًا على ثباته ، ويقينًا على يقينه ، وما يدل على شمول علمه - تعالى - ونفاذ قدرته ، وبليغ حكمته فقال : ( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس .

.

.

) .أى : واذكر - أيها الرسول الكريم - وقت أن قلنا لك على لسان وحينا .

إن ربك - عز وجل - قد أحاط بالناس علمًا وقدرة .

فهم فى قبضته ، وتحت تصرفه ، وقد عصمك منهم ، فامض فى طريقك .

وبلغ رسالة ربك ، دون أن تخشى من كفار مكة أو من غيرهم ، عدوانًا على حياتك ، فقد عصمك - سبحانه - منهم .وفى هذه الجملة ما فيها من التسلية للنبى صلى الله عليه وسلم ، ومن التبشير له ولأصحابه ، بأن العاقبة ستكون لهم ، ومن الحض لهم على المضى فى طريقهم دون أن يخشوا أحدًا إلا الله .والمراد بالرؤيا فى قوله - تعالى - : ( وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا التي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ) : ما رآه النبى صلى الله عليه وسلم وعاينه بعينيه من عجائب ، ليلة الإِسراء والمعراج .أى : وما جعلنا ما رأيته وعاينته ليلة إسرائنا بك من غرائب ، إلا فتنة للناس .

ليتميز قوى الإِيمان من ضعيفه ، وسليم القلب من مريضه .وأطلق - سبحانه - على ما أراه لنبيه ليلة الإِسراء لفظ الرؤيا مع أنه كان يقظة " لأن هذا اللفظ يطلق حقيقة على رؤيا المنام ، وعلى رؤية اليقظة ليلاً فإنه قد يقال لرؤية العين رؤيا ، كما فى قول الشاعر يصف صائدا : وكبر للرؤيا وهش فؤاده .

.

أى : وسر لرؤيته للصيد الذى سيصيده .

أو أطلق عليه لفظ الرؤيا على سبيل التشبيه بالرؤيا المنامية ، نظرًا لما رآه فى تلك الليلة من عجائب سماوية وأرضية ، أو أطلق عليه ذلك بسبب أن ما رآه قد كان ليلاً .

وقد كان فى سرعته كأنه رؤيا منامية .وكان ما رآه صلى الله عليه وسلم فى تلك الليلة فتنة للناس ، لأنه لما قص عليهم ما رآه ، ارتد بعضهم عن الإِسلام ، وتردد البعض الآخر فى قبوله ، وضاقت عقولهم عن تصديقه ، زاعمة أنه لا يمكن أن يذهب صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ثم يعرج إلى السموات العلا .

.

ثم يعود إلى مكة ، كل ذلك فى ليلة واحدة .وبعضهم يرى أن المراد بالرؤيا هنا : ما رآه النبى صلى الله عليه وسلم من أنه سيدخل مكة هو وأصحابه ..وبعضهم يرى أن المراد بها هنا : ما أراه الله - تعالى - لنبيه فى منامه ، من مصارع المشركين قبل غزوة بدر؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم قبل بدء المعركة : والله لكأنى أنظر إلى مصارع القوم .

ثم أومأ إلى الأرض وقال : هذا مصرع فلان .

وهذا مصرع فلان .والذى نرجحه هو الرأى الأول ، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة ، ولأنه على الرأيين الثانى والثالث يترجح أن الآية مدنية ، لأن غزوة بدر وفتح مكة كانا بعد الهجرة ، والتحقيق أن هذه الآية مكية .قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا التي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ .

.

) لما بين أن إنزال آيات القرآن تتضمن التخويف ، ضم إليه ذكر آية الإِسراء ، وهى المذكورة فى صدر السورة .

وفى البخارى والترمذى عن ابن عباس فى قوله - تعالى - : ( وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا التي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ) قال : هى رؤيا عين أريها النبى صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به إلى بيت المقدس .

.

.وكانت الفتنة ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبى صلى الله عليه وسلم أنه أسرى به .وقيل : كانت رؤيا نوم .

وهذه الآية تقض بفساده ، وذلك أن رؤيا المنام لا فتنة فيها ، وما كان أحد لينكرها .وعن ابن عباس قال : الرؤيا التى فى هذه الآية ، رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يدخل مكة فى سنة الحديبية - فرده المشركون عن دخولها فى تلك السنة - ، فافتتن بعض المسلمين لذلك ، فنزلت هذه الآية .

.

وفى هذا التأويل ضعف .

لأن السورة مكية ، وتلك الرؤيا كانت بالمدينة .

.

.

" .وقوله - سبحانه - : ( والشجرة الملعونة فِي القرآن ) معطوف على الرؤيا .أى : وما جعلنا الرؤيا التى أريناك والشجرة الملعونة فى القرآن إلا فتنة للناس .والمراد بالشجرة الملعونة هنا : شجرة الزقوم ، المذكورة فى قوله - تعالى - : ( أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزقوم إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أَصْلِ الجحيم طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشياطين ) والمراد بلعنها : لعن الآكلين منها وهم المشركون ، أو هى ملعونة لأنها تخرج فى أصل الجحيم .

أو هى ملعونة لأن طعامها مؤذ وضار ، والعرب تقول لكل طعام ضار : إنه ملعون .قال الآلوسى : وروى فى جعلها فتنة لهم : أنه لما نزل فى شأنها فى سورة الصافات وغيرها ما نزل ، قال أبو جهل وغيره : هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق الحجارة ، ثم يقول ينبت فيها الشجر .

وما نعرف الزقوم إلا بالتمر والزبد ، ثم أمر جارية له فأحضرت تمرًا وزبدًا ، وقال لأصحابه : تزقموا .وافتتن بهذه الآية أيضًا بعض الضعفاء ، ولقد ضلوا فى ذلك ضلالا بعيدًا .

.

.

.وقوله - تعالى - : ( وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً ) تذييل قصد به بيان ما جبل عليه هؤلاء المشركون من جحود ، وقسوة قلب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر الدليل على فساد قول المشركين وأتبعه بالوعيد أتبعه بذكر مسألة النبوة، وذلك لأن كفار قريش اقترحوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إظهار معجزات عظيمة قاهرة كما حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِئَايَةٍ  ﴾ ﴿ كَمَا أُرْسِلَ الأولون  ﴾ وقال آخرون: المراد ما طلبوه بقولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لك حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا  ﴾ وعن سعيد بن جبير أن القوم قالوا: إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء فمنهم: من سخرت له الريح ومنهم من كان يحيي الموتى فأتنا بشيء من هذه المعجزات فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بالأيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون ﴾ وفي تفسير هذا الجواب وجوه: الوجه الأول: المعنى أنه تعالى لو أظهر تلك المعجزات القاهرة ثم لم يؤمنوا بها بل بقوا مصرين على كفرهم فحينئذ يصيرون مستحقين لعذاب الاستئصال، لكن إنزال عذاب الاستئصال على هذه الأمة غير جائز، لأن الله تعالى أعلم أن فيهم من سيؤمن أو يؤمن أولادهم، فلهذا السبب ما أجابهم الله تعالى إلى مطلوبهم وما أظهر تلك المعجزات القاهرة.

روى ابن عباس أن أهل مكة سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً وأن يزيل لهم الجبال حتى يزرعوا تلك الأراضي، فطلب الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك من الله تعالى فقال الله تعالى: إن شئت فعلت ذلك لكن بشرط أنهم إن كفروا أهلكتهم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا أريد ذلك بل تتأنى بهم» فنزلت هذه الآية.

الوجه الثاني: في تفسير هذا الجواب أنا لا نظهر هذه المعجزات لأن آباءكم الذين رأوها لم يؤمنوا بها وأنتم مقلدون لهم، فلو رأيتموها أنتم لم تؤمنوا بها أيضاً.

الوجه الثالث: أن الأولين شاهدوا هذه المعجزات وكذبوا بها، فعلم الله منكم أيضاً أنكم لو شاهدتموها لكذبتم فكان إظهارها عبثاً، والعبث لا يفعله الحكيم.

ثم قال تعالى: ﴿ وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: المعنى أن الآية التي التمسوها هي مثل آية ثمود، وقد آتيناها ثمود واضحة بينة ثم كفروا بها فاستحقوا عذاب الاستئصال فكيف يتمناها هؤلاء على سبيل الاقتراح والتحكم على الله تعالى.

البحث الثاني: قوله تعالى: ﴿ مُبْصِرَةً ﴾ وفيه وجهان: الأول: قال الفراء: ﴿ مُبْصِرَةً ﴾ أي مضيئة.

قال تعالى: ﴿ والنهار مُبْصِراً  ﴾ أي مضيئاً.

الثاني: ﴿ مُبْصِرَةً ﴾ أي ذات أبصار أي فيها أبصار لمن تأملها يبصر بها رشده ويستدل بها على صدق ذلك الرسول.

البحث الثالث: قوله: ﴿ فَظَلَمُواْ بِهَا ﴾ أي ظلموا أنفسهم بتكذيبهم بها، وقال ابن قتيبة: ﴿ ظَلَمُواْ بِهَا ﴾ أي جحدوا بأنها من الله تعالى.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بالأيات إِلاَّ تَخْوِيفًا ﴾ قيل: لا آية إلا وتتضمن التخويف بها عند التكذيب إما من العذاب المعجل أو من عذاب الآخرة.

فإن قيل: المقصود الأعظم من إظهار الآيات أن يستدل بها على صدق المدعي فكيف حصر المقصود من إظهارها في التخويف.

قلنا: المقصود أن مدعي النبوة إذا أظهر الآية فإذا سمع الخلق أنه أظهر آية فهم لا يعلمون أن تلك الآية معجزة أو مخوفة، إلا أنهم يجوزون كونها معجزة، وبتقدير أن تكون معجزة فلو لم يتفكروا فيها ولم يستدلوا بها على الصدق لاستحقوا العقاب الشديد، فهذا هو الخوف الذي يحملهم على التفكر والتأمل في تلك المعجزات، فالمراد من قوله: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بالأيات إِلاَّ تَخْوِيفًا ﴾ هذا الذي ذكرناه، والله أعلم.

واعلم أن القوم لما طالبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعجزات القاهرة، وأجاب الله تعالى بأن إظهارها ليس بمصلحة صار ذلك سبباً لجرأة أولئك الكفار بالطعن فيه وأن يقولوا له: لو كنت رسولاً حقاً من عند الله تعالى لأتيت بهذه المعجزات التي اقترحناها منك، كما أتى بها موسى وغيره من الأنبياء، فعند هذا قوى الله قلبه وبين له أنه تعالى ينصره ويؤيده فقال: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس ﴾ وفيه قولان: القول الأول: المعنى أن حكمته وقدرته محيطة بالناس فهم في قبضته وقدرته، ومتى كان الأمر كذلك فهم لا يقدرون على أمر من الأمور إلا بقضائه وقدره، والمقصود كأنه تعالى يقول له: ننصرك ونقويك حتى تبلغ رسالتنا وتظهر ديننا.

قال الحسن: حال بينهم وبين أن يقتلوه كما قال تعالى: ﴿ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس  ﴾ .

والقول الثاني: أن المراد بالناس أهل مكة، وإحاطة الله بهم هو أنه تعالى يفتحها للمؤمنين فكان المعنى: وإذ بشرناك بأن الله أحاط بأهل مكة بمعنى أنه يغلبهم ويقهرهم ويظهر دولتك عليهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر  ﴾ وقال: ﴿ قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ أَحَاطَ بالناس ﴾ لما كان كل ما يخبر الله عن وقوعه فهو واجب الوقوع، فكان من هذا الاعتبار كالواقع فلا جرم قال: ﴿ أَحَاطَ بالناس ﴾ وروي أنه لما تزاحف الفريقان يوم بدر ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش مع أبي بكر كان يدعو ويقول: أللهم إني أسألك عهدك ووعدك لي ثم خرج وعليه الدرع يحرض الناس ويقول: ﴿ سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا الَّتي أريناك إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ ﴾ وفي هذه الرؤيا أقوال: القول الأول: أن الله أرى محمداً في المنام مصارع كفار قريش فحين ورد ماء بدر قال: «والله كأني أنظر إلى مصارع القوم ثم أخذ يقول: هذا مصرع فلان هذا مصرع فلان» فلما سمعت قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية، وكانوا يستعجلون بما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والقول الثاني: أن المراد رؤياه التي رآها أنه يدخل مكة وأخبر بذلك أصحابه، فلما منع عن البيت الحرام عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم، وقال عمر لأبي بكر أليس قد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ندخل البيت ونطوف به، فقال أبو بكر إنه لم يخبر أنا نفعل ذلك في هذه السنة فسنفعل ذلك في سنة أخرى، فلما جاء العام المقبل دخلها، وأنزل الله تعالى: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق  ﴾ اعترضوا على هذين القولين فقالوا: هذه السورة مكية، وهاتان الواقعتان مدنيتان، وهذا السؤال ضعيف لأن هاتين الواقعتين مدنيتان أما رؤيتهما في المنام فلا يبعد حصولها في مكة.

والقول الثالث: قال سعيد بن المسيب رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء والإشكال المذكور عائد فيه لأن هذه الآية مكية وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة منبر، ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يبعد أن يرى بمكة أن له بالمدينة منبراً يتداوله بنو أمية.

والقول الرابع: وهو الأصح وهو قول أكثر المفسرين أن المراد بها ما أراه الله تعالى ليلة الإسراء، واختلفوا في معنى هذه الرؤيا فقال الأكثرون: لا فرق بين الرؤية والرؤيا في اللغة، يقال رأيت بعيني رؤية ورؤيا، وقال الأقلون: هذا يدل على أن قصة الإسراء إنما حصلت في المنام، وهذا القول ضعيف باطل على ما قررناه في أول هذه السورة، وقوله: ﴿ إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ ﴾ معناه: أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر لهم قصة الإسراء كذبوه وكفر به كثير ممن كان آمن به وازداد المخلصون إيماناً فلهذا السبب كان امتحاناً.

ثم قال تعالى: ﴿ والشجرة الملعونة فِي القرءان ﴾ وهذا على التقديم والتأخير، والتقدير: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس وقيل المعنى: والشجرة الملعونة في القرآن كذلك.

واختلفوا في هذه الشجرة، فالأكثرون قالوا: إنها شجرة الزقوم المذكورة في القرآن في قوله: ﴿ إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ  طَعَامُ ٱلْأَثِيمِ  ﴾ وكانت هذه الفتنة في ذكر هذه الشجرة من وجهين: الأول: أن أبا جهل قال: زعم صاحبكم بأن نار جهنم تحرق الحجر حيث قال: ﴿ وَقُودُهَا الناس والحجارة  ﴾ ثم يقول: بأن في النار شجراً والنار تأكل الشجر فكيف تولد فيها الشجر.

والثاني: قال ابن الزبعري ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد فتزقموا منه، فأنزل الله تعالى حين عجبوا أن يكون في النار شجر: ﴿ إِنَّا جعلناك فِتْنَةً للظالمين  ﴾ الآيات.

فإن قيل: ليس في القرآن لعن هذه الشجرة.

قلنا: فيه وجوه: الأول: المراد لعن الكفار الذين يأكلونها.

الثاني: العرب تقول لكل طعام مكروه ضار إنه ملعون.

والثالث: أن اللعن في أصل اللغة هو التبعيد فلما كانت هذه الشجرة الملعونة في القرآن مبعدة عن جميع صفات الخير سميت ملعونة.

القول الثاني: قال ابن عباس رضي الله عنهما: الشجرة بنو أمية يعني الحكم بن أبي العاص قال ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام أن ولد مروان يتداولون منبره فقص رؤياه على أبي بكر وعمر وقد خلا في بيته معهما فلما تفرقوا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم يخبر برؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتد ذلك عليه، واتهم عمر في إفشاء سره، ثم ظهر أن الحكم كان يتسمع إليهم فنفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الواحدي: هذه القصة كانت بالمدينة، والسورة مكية فيبعد هذا التفسير إلا أن يقال: هذه الآية مدنية ولم يقل به أحد، ومما يؤكد هذا التأويل قول عائشة لمروان لعن الله أباك وأنت في صلبه فأنت بعض من لعنه الله.

والقول الثالث: أن الشجرة الملعونة في القرآن هي اليهود لقوله تعالى: ﴿ لُعِنَ الذين كَفَرُواْ  ﴾ .

فإن قال قائل: إن القوم لما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الإتيان بالمعجزات القاهرة فأجاب أنه لا مصلحة في إظهارها لأنها لو ظهرت ولم تؤمنوا نزل الله عليكم عذاب الاستئصال، وذلك غير جائز وأي تعلق لهذا الكلام بذكر الرؤيا التي صارت فتنة للناس وبذكر الشجرة التي صارت فتنة للناس.

قلنا: التقدير كأنه قيل: إنهم لما طلبوا هذه المعجزات ثم إنك لم تظهرها صار عدم ظهورها شبهة لهم في أنك لست بصادق في دعوى النبوة إلا أن وقوع هذه الشبهة لا يوهن أمرك ولا يصير سبباً لضعف حالك ألا ترى أن ذكر تلك الرؤيا صار سبباً لوقوع الشبهة العظيمة في القلوب ثم إن قوة تلك الشبهات ما أوجبت ضعفاً في أمرك ولا فتوراً في اجتماع المحقين عليك فكذلك هذه الشبهة الحاصلة بسبب عدم ظهور هذه المعجزات لا توجب فتوراً في حالك، ولا ضعفاً في أمرك، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَنُخَوّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا ﴾ والمقصود منه ذكر سبب آخر في أنه تعالى ما أظهر المعجزات التي اقترحوها، وذلك لأن هؤلاء خوفوا بمخاوف الدنيا والآخرة وبشجرة الزقوم فما زادهم هذا التخويف إلا طغياناً كبيراً، وذلك يدل على قسوة قلوبهم وتماديهم في الغي والطغيان، وإذا كان الأمر كذلك فبتقدير أن يظهر الله لهم تلك المعجزات التي اقترحوها لم ينتفعوا بها ولا يزدادون إلا تمادياً في الجهل والعناد، وإذا كان كذلك، وجب في الحكمة أن لا يظهر الله لهم ما اقترحوه من الآيات والمعجزات، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

استعير المنع لترك إرسال الآيات من أجل صارف الحكمة.

و (إن) الأولى منصوبة والثانية مرفوعة، تقديره: وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين.

والمراد: الآيات التي اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهباً ومن إحياء الموتى وغير ذلك: وعادة الله في الأمم أن من اقترح منهم آية فأجيب إليها ثم لم يؤمن أن يعاجل بعذاب الاستئصال، فالمعنى: وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك وقالوا هذا سحر مبين كما يقولون في غيرها، واستوجبوا العذاب المستأصل، وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة، ثم ذكر من تلك الآيات- التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها لما أرسلت فأهلكوا- واحدة: وهي ناقة صالح؛ لأن آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم ﴿ مُبْصِرَةً ﴾ بينة.

وقرئ ﴿ مبصرة ﴾ بفتح الميم ﴿ فَظَلَمُواْ بِهَا ﴾ فكفروا بها ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بالأيات ﴾ إن أراد بها الآيات المقترحة فالمعنى لا نرسلها ﴿ إِلاَّ تَخْوِيفًا ﴾ من نزول العذاب العاجل كالطليعة والمقدّمة له، فإن لم يخافوا وقع عليهم وإن أراد غيرها فالمعنى: وما نرسل ما نرسل من الآيات كآيات القرآن وغيرها إلا تخويفاً وإنذاراً بعذاب الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإنْ مِن قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ بِالمَوْتِ والِاسْتِئْصالِ.

﴿ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا ﴾ بِالقَتْلِ وأنْواعِ البَلِيَّةِ.

﴿ كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ ﴾ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

﴿ مَسْطُورًا ﴾ مَكْتُوبًا.

﴿ وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ ﴾ وما صَرَفَنا عَنْ إرْسالِ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَها قُرَيْشٌ.

﴿ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ ﴾ إلّا تَكْذِيبَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ هم أمْثالُهم في الطَّبْعِ كَعادٍ وثَمُودَ، وأنَّها لَوْ أُرْسِلَتْ لَكَذَّبُوا بِها تَكْذِيبَ أُولَئِكَ، واسْتَوْجَبُوا الِاسْتِئْصالَ عَلى ما مَضَتْ بِهِ سُنَّتُنا وقَدْ قَضَيْنا أنْ لا نَسْتَأْصِلَهم، لِأنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ أوْ يَلِدُ مَن يُؤْمِنُ.

ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ بِتَكْذِيبِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ فَقالَ: ﴿ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ ﴾ بِسُؤالِهِمْ.

﴿ مُبْصِرَةً ﴾ بَيِّنَةً ذاتَ أبْصارٍ أوْ بَصائِرَ، أوْ جاعِلَتَهم ذَوِي بَصائِرَ وقُرِئَ بِالفَتْحِ.

﴿ فَظَلَمُوا بِها ﴾ فَكَفَرُوا بِها، أوْ فَظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ عَقْرِها.

﴿ وَما نُرْسِلُ بِالآياتِ ﴾ أيْ بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ.

﴿ إلا تَخْوِيفًا ﴾ مِن نُزُولِ العَذابِ المُسْتَأْصَلِ، فَإنْ لَمْ يَخافُوا نَزَلَ أوْ بِغَيْرِ المُقْتَرَحَةِ كالمُعْجِزاتِ وآياتِ القُرْآنِ إلّا تَخْوِيفًا بِعَذابِ الآخِرَةِ، فَإنَّ أمْرَ مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ مُؤَخَّرٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ أوْ في مَوْقِعِ الحالِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون} استعير المنع لترك إرسال الآيات وأن الأولى مع صلتها في موضع النصب لأنها مفعول ثان لمنعا وأن الثانية مع صلتها في موضع الرفع لأنها فاعل منعنا والتقدير وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين والمراد الآيات التي اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهباً ومن إحياء الموتى وغير ذلك وسنة الله في الأمم أن من اقترح منهم آية فأجيب إليها ثم لم يؤمن أن يعاجل بعذاب الاستئصال والمعنى وما منعنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك وعذبوا العذاب المستأصل وقد حكمنا أن نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة ثم ذكر من تلك الآيات التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها لما أرسلت فأهلكوا واحدة وهي ناقة صالح عليه السلام لأن آثار هلاكهم قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم فقال {وآتينا ثمود الناقة} باقتراحهم {مُبْصِرَةً} آية بينة {فَظَلَمُواْ بِهَا} فكفروا بها {وَمَا نُرْسِلُ بالآيات} إن أراد بها الآيات المقترحة فالمعنى لا نرسلها {إِلاَّ تَخْوِيفًا} من نزول العذاب العاجل كالطليعة والمقدمة له فإن لم يخافوا وقع عليهم وإن أراد غيرها فالمعنى وما نرسل ما نرسل من الآيات كآيات القرآن وغيرها إلا تخويفا وانذار بعذاب الآخرة وهو مفعول

الإسراء (٦٠ _ ٦١)

له

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ ﴾ أيِ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَتْها قُرَيْشٌ.

فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سَألَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ  أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهُمُ الجِبالَ فَيَزْرَعُوا فَقِيلَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أنْ تَسْتَأْنِيَ بِهِمْ وإنْ شِئْتَ أنْ تُؤْتِيَهُمُ الَّذِي سَألُوا، فَإنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَما أهْلَكْتُ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا بَلِ أسْتَأْنِي بِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ».

وأنَّ ما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَنصُوبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُنِعَ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الطَّبَرْسِيُّ أوْ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ كَما قِيلَ: لِتَعَدِّي الفِعْلِ إلى مَفْعُولِهِ الثّانِي بِالحَرْفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: وما مَنَعَنا الإرْسالَ أوْ مِنَ الإرْسالِ بِالآياتِ ﴿ إلا أنْ كَذَّبَ بِها ﴾ أيْ: بِجِنْسِها ﴿ الأوَّلُونَ ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُقْتَرِحَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ وأنَّ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ فاعِلُ مَنَعَ؛ أيْ: ما مَنَعَنا شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ إلّا تَكْذِيبُ الأوَّلِينَ.

وزَعَمَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ إلّا إهْلاكُ تَكْذِيبِ الأوَّلِينَ، ولا حاجَةَ إلَيْهِ عِنْدَ الآخَرِينَ.

والمَنعُ لُغَةً كَفُّ الغَيْرِ وقَسْرُهُ عَنْ فِعْلٍ يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَهُ ولِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ لِاسْتِلْزامِهِ العَجْزَ المُحالَ المُنافِيَ لِلرُّبُوبِيَّةِ قالُوا: إنَّهُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلصَّرْفِ وأنَّ المَعْنى: وما صَرَفَنا عَنْ إرْسالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ إلّا تَكْذِيبُ الأوَّلِينَ المُقْتَرِحِينَ المُسْتَتْبِعُ لِاسْتِئْصالِهِمْ فَإنَّهُ يُؤَدِّي إلى تَكْذِيبِ الآخَرِينَ المُقْتَرِحِينَ بِحُكْمِ اشْتِراكِهِمْ في العُتُوِّ والعِنادِ وهو مُفْضٍ إلى أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ بِحُكْمِ الشَّرِكَةِ في الجَرِيرَةِ والفَسادِ وجَرَيانِ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ والعادَةِ الرَّبّانِيَّةِ بِذَلِكَ، وفِعْلُ ذَلِكَ بِهِمْ مُخالِفٌ لِما كُتِبَ في لَوْحِ القَضاءِ بِمِدادِ الحِكْمَةِ مِن تَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ، وحاصِلُهُ أنّا تَرَكْنا إرْسالَ الآياتِ لِسَبْقِ مَشِيئَتِنا تَأْخِيرَ العَذابِ عَنْهم لِحِكَمٍ نَعْلَمُها، واسْتَشْعَرَ بَعْضُهم مِنَ الصَّرْفِ نَوْعَ مَحْذُورٍ فَجَعَلَ المَنعَ مَجازًا عَنِ التَّرْكِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ مَعَ كَوْنِ الفاعِلِ التَّكْذِيبَ لِأنَّ التّارِكَ هو اللَّهُ تَعالى.

وأُجِيبَ بِأنَّ دَعْوى لُزُومِ اتِّحادِ الفاعِلِ في المَعْنى الحَقِيقِيِّ والمُسْتَعارِ لَهُ مِمّا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ بَلِ الظّاهِرُ خِلافُهُ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ -ولِلَّهِ تَعالى أبُوهُ- وإنْ نُوقِشَ أنَّ تَكْذِيبَ الأوَّلِينَ المُسْتَتْبِعَ لِلِاسْتِئْصالِ والمُسْتَلْزِمَ لِتَكْذِيبِ الآخَرِينَ المُفْضِيَ لِحُلُولِ الوَبالِ مُنافٍ لِإرْسالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ لَتَعَيَّنَ التَّكْذِيبُ المُسْتَدْعِي لِما يُنافِي الحِكْمَةَ في تَأْخِيرِ عُقُوبَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ المُنافاةِ بِالمَنعِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِعارَةِ إيذانًا بِتَعاضُدِ مَبادِئِ الإرْسالِ لا كَما زَعَمُوا مِن عَدَمِ إرادَتِهِ تَعالى لِتَأْيِيدِ رَسُولِهِ  بِالمُعْجِزاتِ وهو السِّرُّ في إيثارِ الإرْسالِ عَلى الإيتاءِ لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِتَداعِي الآياتِ إلى النُّزُولِ لَوْلا أنْ تَمَسِكَها يَدُ التَّقْدِيرِ، وإسْنادُ المَنعِ إلى تَكْذِيبِ الأوَّلِينَ لا إلى عِلْمِهِ تَعالى بِما سَيَكُونُ مِنَ المُقْتَرِحِينَ الآخَرِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ ﴾ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإبْرازِ الأُنْمُوذَجِ ولِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ عَدَمِ الإجابَةِ إلى إيتاءِ مُقْتَرَحِهِمْ لَيْسَ إلّا صَنِيعُهُمْ، ثُمَّ حِكْمَةُ التَّأْخِيرِ قِيلَ إظْهارُ مَزِيدِ شَرَفِ النَّبِيِّ  ، وقِيلَ: العِنايَةُ بِمَن سَيُولَدُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ وبِمَن سَيُؤْمِنُ مِنهُمْ، ويَنْبَغِي أنْ يُزادَ في كُلٍّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مَثَلًا وإلّا فَلا حَصْرَ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: إنّا لا نُرْسِلُ الآياتِ المُقْتَرَحَةَ لِعِلْمِنا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ عِنْدَها كَما لَمْ يُؤْمِن بِها مَنِ اقْتَرَحُوها قَبْلَهم فَيَكُونُ إرْسالُها عَبَثًا لا فائِدَةَ فِيهِ، والحَكِيمُ لا يَفْعَلُهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا كانَ إرْسالُ المُقْتَرَحِ إذا لَمْ يُؤْمِنُ عِنْدَهُ المُقْتَرِحُ عَبَثًا لا يَفْعَلُهُ الحَكِيمُ أشْكَلَ فِعْلُهُ مِن أوَّلِ مَرَّةٍ عَلى أنَّ ما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ يَقْتَضِي التَّفْسِيرَ الأوَّلَ كَما لا يَخْفى وفُسِّرَتِ الآياتُ بِالمُقْتَرَحَةِ لِأنَّ ما بِها إثْباتَ دَعْوى الرِّسالَةِ مِن مُقْتَضَياتِ الإرْسالِ وما زادَ عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ عَنِ اقْتِراحٍ لُطْفٌ مِنَ المَلِكِ المُتَعالِ.

﴿ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما يُفْصِحُ عَنْهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ كَأنَّهُ قِيلَ: وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنَّ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ حَيْثُ آتَيْناهم ما اقْتَرَحُوا عَلى أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ فَكَذَّبُوها وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ بِاقْتِراحِهِمْ عَلى نَبِيِّهِمْ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخْرَجْناها لَهم مِنَ الصَّخْرَةِ ﴿ مُبْصِرَةً ﴾ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ حالٌ مِنَ النّاقَةِ، والمُرادُ ذاتُ إبْصارٍ أوْ ذاتُ بَصِيرَةٍ يُبْصِرُها الغَيْرُ ويَتَبَصَّرُ بِها فالصِّيغَةُ لِلنَّسَبِ أوْ جاعِلَةٌ النّاسَ ذَوِي بَصائِرَ عَلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أبْصَرَهُ والهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ جَعَلَهُ ذا بَصِيرَةٍ وإدْراكٍ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إسْنادُ الإبْصارِ إلَيْها مَجازًا وهو في الحَقِيقَةِ حالُ مَن يُشاهِدُها وقَرَأ قَوْمٌ: «مُبْصَرَةً» بِزِنَةِ اسْمِ المَفْعُولِ أيْ يُبْصِرُها النّاسُ ولا خَفاءَ في ذَلِكَ.

وقَرَأ قَتادَةُ: «مُبَصَرَةً» بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ أيْ مَحَلَّ إبْصارٍ بِجَعْلِ الحامِلِ عَلى الشَّيْءِ بِمَنزِلَةِ مَحَلِّهِ نَحْوَ: الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «مُبْصِرَةً» بِزِنَةِ اسْمِ الفاعِلِ والرَّفْعُ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ؛ أيْ: هي مُبْصِرَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ( ثَمُودَ ) مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ، وقالَ هارُونُ: أهْلُ الكُوفَةِ يُنَوِّنُونَ في كُلِّ وجْهٍ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُنَوِّنُ العامَّةُ، والعُلَماءُ بِالقُرْآنِ ( ثَمُودَ ) في وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وفي أرْبَعَةِ مُواطِنَ ألِفٌ مَكْتُوبَةٌ ونَحْنُ نَقْرَؤُهُ بِغَيْرِ ألِفٍ اه.

وهُوَ كَما قالَ الرّاغِبُ عَجَمِيٌّ، وقِيلَ: عَرَبِيٌّ وتُرِكَ صَرْفُهُ لِكَوْنِهِ اسْمَ قَبِيلَةٍ، وهو فَعَوْلٌ مِنَ الثَّمْدِ وهو الماءُ القَلِيلُ الَّذِي لا مادَّةَ لَهُ ومِنهُ قِيلَ: فُلانٌ مَثْمُودٌ ثَمَدَتْهُ النِّساءُ، أيْ قَطَعْنَ مادَّةَ مائِهِ لِكَثْرَةِ غِشْيانِهِ لَهُنَّ، ومَثْمُودٌ إذا كَثُرَ عَلَيْهِ السُّؤالُ حَتّى نَفِدَتْ مادَّةُ مالِهِ وصَحَّحَ كَثِيرٌ عَرَبِيَّتَهُ، أيْ: آتَيْنا تِلْكَ القَبِيلَةَ النّاقَةَ ﴿ فَظَلَمُوا بِها ﴾ أيْ فَكَفَرُوا بِها وجَحَدُوا كَوْنَها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ أوْ فَكَفَرُوا بِها ظالِمِينَ، أيْ: لَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الكُفْرِ بِها بَلْ فَعَلُوا بِها ما فَعَلُوا مِنَ العَقْرِ أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وعَرَّضُوها لِلْهَلاكِ بِسَبَبِ عَقْرِها.

ولَعَلَّ تَخْصِيصَ إيتائِها بِالذِّكْرِ لِما أنَّ ثَمُودَ عَرَبٌ مِثْلَ أهْلِ مَكَّةَ المُقْتَرِحِينَ وأنَّ لَهم مِنَ العِلْمِ بِحالِهِمْ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ حَيْثُ يُشاهِدُونَ آثارَ هَلاكِهِمْ لِقُرْبِ دِيارِهِمْ مِنهم وُرُودًا وصُدُورًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّ النّاقَةَ مِن جِهَةِ أنَّها حَيَوانٌ أُخْرِجَ مِنَ الحَجَرِ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا ﴾ إلَخْ.

والأوَّلُ أقْرَبُ ﴿ وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا ﴾ أيْ: لِمَن أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ بِها إمّا المُقْتَرَحَةُ فالتَّخْوِيفُ بِالِاسْتِئْصالِ لِإنْذارِها بِهِ في عادَةِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: ما نُرْسِلُها إلّا تَخْوِيفًا مِنَ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ كالطَّلِيعَةِ لَهُ، فَإنْ لَمْ يَخافُوا فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ، وإمّا غَيْرُها كَآياتِ القُرْآنِ والمُعْجِزاتِ فالتَّخْوِيفُ بِعَذابِ الآخِرَةِ دُونَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ بِالِاسْتِئْصالِ أيْ ما نُرْسِلُها إلّا تَخْوِيفًا وإنْذارًا بِعَذابِ الآخِرَةِ.

واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ المُرادِ بِها الآياتِ الَّتِي مَعَها إمْهالٌ كالخُسُوفِ والكُسُوفِ وشِدَّةِ الرَّعْدِ والبَرْقِ والرِّياحِ والزَّلازِلِ وغَوْرِ ماءِ العُيُونِ وزِيادَتِها عَلى الحَدِّ حَتّى يَغْرَقَ مِنها بَعْضُ الأرْضِينَ، وعَدَّ الحَسَنُ مِن ذَلِكَ المَوْتَ الذَّرِيعَ؛ أيْ: ما نُرْسِلُها إلّا تَخْوِيفًا مِمّا هو أعْظَمُ مِنها.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُخَوِّفُ النّاسَ بِما شاءَ مِن آياتِهِ لَعَلَّهم يَعْتِبُونَ أوْ يَذْكُرُونَ ويَرْجِعُونَ، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ آياتِ اللَّهِ تَعالى المُعْتَبَرَ بِها ثَلاثَةُ أقْسامٍ، قِسْمٌ عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ، فَفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ، تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ، وهُناكَ فِكْرَةُ العُلَماءِ، وقِسْمٌ مُعْتادٌ كالرَّعْدِ والكُسُوفِ وهُناكَ فِكْرَةُ الجَهَلَةِ، وقِسْمٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ وقَدِ انْقَضى بِانْقِضاءِ النُّبُوَّةِ وإنَّما يُعْتَبَرُ اليَوْمَ بِتَوَهُّمِ مِثْلِهِ وتَصَوُّرِهِ اه.

وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنِ الكَرامَةِ فَإنَّ أهْلَ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَها لِلْوَلِيِّ في كُلِّ عَصْرٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ظَلَمُوا؛ أيْ: فَظَلَمُوا بِها ولَمْ يَخافُوا العاقِبَةَ، والحالُ أنّا ما نُرْسِلُ بِالآياتِ الَّتِي هي مِن جُمْلَتِها إلّا تَخْوِيفًا مِنَ العَذابِ الَّذِي يَعْقِبُها فَنَزَلَ بِهِمْ ما نَزَلَ، ونُصِبَ ﴿ تَخْوِيفًا ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ مُخَوَّفِينَ، والباءُ في المَوْضِعَيْنِ سَيْفُ خَطِيبٍ، و(الآياتِ) مَفْعُولُ نُرْسِلُ أوْ لِلْمُلابَسَةِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ما نُرْسِلُ نَبِيًّا مُلْتَبِسًا بِها، وقِيلَ: إنَّها لِلتَّعْدِيَةِ وأنَّ أُرْسِلَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالباءِ.

ورَدَ بِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أحَدٍ مِنَ الثِّقاتِ، قالَ الخَفاجِيُّ: ولا حُجَّةَ في قَوْلِ كُثَيِّرٍ: لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهُمُ بِسِرٍّ ولا أرْسَلَتُهم بِرَسُولِ لِاحْتِمالِ الزِّيادَةِ فِيهِ أيْضًا مَعَ أنَّ الرَّسُولَ فِيهِ بِمَعْنى الرِّسالَةِ فَهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ والكَلامُ في دُخُولِها عَلى المَفْعُولِ بِهِ، ولا يَخْفى أنَّ جَعْلَ الرَّسُولِ مَفْعُولًا بِهِ وزِيادَةَ الباءِ فِيهِ مِمّا لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ فاضِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ قال ابن عباس: «يعني: نميت أهلها» .

أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً، يعني: بالسيف والزلازل والأمراض والخوف والغرق والحرق.

كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً، أي: في الذكر الذي عند الله، وقال مجاهد: مُهْلِكُوها أي مبيدوها أو معذبوها بالقتل والبلاء، ما كان من قرية في الأرض إلا سيصيبها بعض ذلك.

روى حماد بن سلمة، عن أبي العلاء، عن مكحول أنه قال: «أول أرض تصير خراباً أرض أرمينية» .

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: «أول أرض تصير خراباً أرض الشام» وروى ابن سيرين عن ابن عمر أنه قال: «البصرة أسرع الأرضين خراباً وأخبثهم تراباً» .

عن عليّ بن أبي طالب أنه قال: «أكثروا الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه، فكأني برجل من الحبشة حمش الساقين، يهدمها حجراً حجراً» .

ثم قال تعالى: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ، وذلك أن قريشاً طلبوا من رسول الله  أن يأتيهم بآية، فنزل وَما مَنَعَنا أي ليس أحد يمنعنا أن نرسل الآيات عند ما سألوها.

إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ، يعني: تكذيب الأولين حين أتتهم الآيات، فلم يؤمنوا، فأتاهم العذاب.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا أبو العباس بن السراج قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «سأل أهل مكة النبيّ  أن يجعل الصفا لهم ذهباً، وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعونها، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم لعلنا نتخير منهم وإن شئت أن نريهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما هلك من كان قبلهم.

فقال: «بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ» ، فنزل وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ.

ثم قال: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً، أي معاينة يبصرونها، ويقال: علامة لنبوته.

فَظَلَمُوا بِها، أي جحدوا بها فعقروها، فعذبوا.

فقال الله تعالى: وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً لهم ليؤمنوا، فإِن أَبَوا أتاهم العذاب.

قوله عز وجل: وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ قال الكلبي: أحاط علمه بالناس، ويقال: هم في قبضته، أي قادر عليهم وقال قتادة: يعني: يمنعك من الناس حتى تبلغ رسالات الله وقال السدي: معناه إن ربك مظهرك على الناس.

قال عز وجل: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قال: حدّثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن أحمد الدبيلي قال: حدّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال في قوله: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قال: «هي رؤيا عين أريها النبيّ  ليلة أسري به» .

وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ أي: ذكر الشجرة الملعونة في القرآن فتنة لهم، يعني: بلية لهم.

وذلك أن المشركين قالوا: يخبرنا هذا أن في النار شجرة والنّار تأكل الشجرة.

فصار ذلك فتنة لهم، يعني: بلية لهم.

ويقال: لما نزل إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ قالوا: هي التّمر والزبد.

فرجع أبو جهل إلى منزله، فقال لجاريته: زقمينا، وأمرها أن تأتي بالتمر والزبد، فخرج به إلى الناس وقال: كلوا فإِن محمداً يخوفكم بهذا، فصار ذكر الشجرة فتنة لهم، ثم يخوّفهم: بذكر شجرة الزقوم فذلك قوله: وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً، يعني: تمادياً في المعصية.

قال الكلبي: قوله وَالشَّجَرَةَ قال: هي شجرة الزقوم.

ثم قال: هي ليلة أسري به  مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس، فنشر له الأنبياء كلهم، فصلى بهم، ثم صلى الغداة بمكة فكذبوه، فذلك قوله: فِتْنَةً لِلنَّاسِ حين كذبه أهل مكة.

وقال عكرمة: أمَا إنَّهَا رؤيا عين يقظة ليست برؤيا منام.

وقال سعيد بن المسيب: أري النبيّ  بني أمية على المنابر فساءه ذلك، فقيل له: إنّما هي دنيا يعطونها فقرَّت عينه فنزل: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ يعني: بني أمية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أنَّ هؤلاء المعبودين يَطْلُبُون التقرُّب إِلى اللَّه والتزلُّف إِليه، وأنَّ هذه حقيقة حالهِمْ.

وقوله سبحانه: وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ...

الآية: قال عزُّ الدين بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ، في اختصاره ل «رِعَايَة المُحَاسِبِيِّ» : الخوفُ والرجاءُ: وسيلَتَانِ إِلى فعْلِ الواجباتِ والمندوباتِ، وتركِ المحرَّمات والمكروهاتِ، ولكنْ لا بدَّ من الإِكباب على استحضار ذلك واستدامته في أكثر الأوقات حتى يصير الثواب والعقاب نُصُبَ عينيه، فَيَحُثَّاه على فعْلِ الطاعات، وتركِ المخالفات، ولَنْ يحصُلَ له ذلك إِلا بتَفْريغ القَلْبِ مِنْ كل شيء سِوَى ما يفكر فيه، أو يعينه على الفِكْرِ، وقد مُثِّلَ القلْبُ المريضُ بالشهوات بالثوْبِ المتَّسِخِ الذي لا تَزُولُ أدرانه إِلا بتَكْرير غَسْله وحَتِّه وقَرْضِهِ، انتهى.

وباقي الآية بيِّن.

وقوله سبحانه: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها ...

الآية: أخبر سبحانه في هذه الآية أنَّه ليس مدينَةٌ من المُدُنِ إِلا هي هَالِكَة قبل يوم القيامة بالموتِ والفناءِ، هذا مع السَّلامة وأخْذِها جُزْءاً جُزْءاً، أو هي معذَّبة مأخوذةٌ مرةً واحدةً.

/ وقوله: فِي الْكِتابِ: يريد في سابقِ القَضَاء، وما خَطَّه القلم في اللوْحِ المحفوظ، «والمسطور» : المكتوب أسطارا.

وقوله سبحانه: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ ...

الآية: هذه العبارة في مَنَعَنا هي على ظاهر ما تَفْهَمُ العربُ، فسمى سبحانه سبْقَ قضائِهِ بتَكْذيب مَنْ كذَّب وتعذيبِهِ- مَنْعاً وسبب هذه الآية أن قريشاً اقترحوا على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أَن يجعل لهم الصَّفَا ذَهَباً، ونحو هذا من الاقتراحات، فأوحى اللَّه إِلى نبيه عليه السلام: إِن شئْتَ أفعلُ لهم ذلك، ثم إِن لم يؤمنوا، عاجَلْتُهُمْ بالعقوبة، وإِن شئْتَ، استأْنَيْتُ بهم عسى أن أَجْتَبِيَ منهم مؤمنين، فقال عليه السلام: بل استأذن بِهِمْ يَا رَبِّ «١» ، فأخبر سبحانه في هذه الآية أنه لم يمنعه جلَّ وعلاَ من إرسال الآيات المقترحة إلا الاستثناء إِذ قد سلفت عادته سبحانه بمعاجلة الأمم الذين

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوا رَسُولَ اللهِ  أنْ يَجْعَلَ لَهم الصَّفا ذَهَبًا، وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهُمُ الجِبالَ فَيَزْرَعُوا، فَقِيلَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أنْ تَسْتَأْنِيَ بِهِمْ لَعَلَّنا نَجْتَبِي مِنهُمْ، وإنْ شِئْتَ نُؤْتِيهِمُ الَّذِي سَألُوا، فَإنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَما أُهْلِكَ مَن كانَ قَبْلَهُمْ، قالَ: " لا، بَلْ أسَتَأْنِي بِهِمْ "، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: قَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ  ﴾ ، ومَعْنى الآَيَةِ: وما مَنَعَنا إرْسالَ الآَياتِ الَّتِي سَألُوها إلّا تَكْذِيبُ الأوَّلِينَ، يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ سَألُوا الآَياتِ الَّتِي اسْتَوْجَبَ بِتَكْذِيبِها الأوَّلُونَ العَذابَ، فَلَمْ يُرْسِلْها لِئَلّا يُكَذِّبَ بِها هَؤُلاءِ، فَيُهْلَكُوا كَما هَلَكَ أُولَئِكَ، وسُنَّةُ اللَّهِ في الأُمَمِ أنَّهم إذا سَألُوا الآَياتِ ثُمَّ كَذَّبُوا بِها عَذَّبَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بَيِّنَةً، يُرِيدُ: مُبْصَرًا بِها.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُبَصِّرَةً، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مُبْصِرٌ مُشاهِدُوها، فَنُسِبَ إلَيْها فِعْلُ غَيْرِها تَجُوُّزًا، كَما يُقالُ: لا أُرِينَّكَ هاهُنا، فَأُدْخِلَ حَرْفُ النَّهْيِ عَلى غَيْرِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ إذِ المَعْنى: لا تَحْضُرُ هاهُنا حَتّى إذا جِئْتَ لَمْ أرَكَ فِيهِ.

ومَن قَرَأ ( مَبْصَرَةً ) بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ، فَمَعْناهُ: المُبالَغَةُ في وصْفِ النّاقَةِ بِالتِّبْيانِ، كَقَوْلِهِمْ: الوَلَدُ مَجْبَنَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَظَلَمُوا بِها ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَجَحَدُوا بِها.

وقالَ الأخْفَشُ: بِها كانَ ظُلْمُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا ﴾ ؛ أيْ: نُخَوِّفُ العِبادَ لِيَتَّعِظُوا.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذِهِ الآَياتِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها المَوْتُ الذَّرِيعُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: مُعْجِزاتُ الرُّسُلِ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى تَخْوِيفًا لِلْمُكَذِّبِينَ.

والثّالِثُ: آَياتُ الِانْتِقامِ تَخْوِيفًا مِنَ المَعاصِي.

والرّابِعُ: تَقْلِبُ أحْوالَ الإنْسانِ مِن صِغَرٍ إلى شَبابٍ، ثُمَّ إلى كُهُولَةٍ، ثُمَّ إلى مَشِيبٍ؛ لِيَعْتَبِرَ بِتَقَلُّبِ أحْوالِهِ فَيَخافُ عاقِبَةَ أمْرِهِ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةُ الماوَرْدِيُّ، ونَسَبَ القَوْلَ الأخِيرَ مِنها إلى إمامِنا أحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُرِّ عنكم ولا تَحْوِيلا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا ﴾ ﴿ وَإنْ مِن قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أو مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا ﴾ ﴿ وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ الناقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا ﴾ الَّذِينَ أُمِرَ رَسُولُ اللهِ  أنْ يَقُولَ لَهم في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسُوا عَبَدَةَ الأصْنامِ، وإنَّما هم عَبَدَةُ مَن يَعْقِلُ، واخْتُلِفَ في ذَلِكَ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي في عَبَدَةِ العُزَيْرِ والمَسِيحِ وأمِّهِ ونَحْوَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي في عَبَدَةِ الشَمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ وعُزَيْزِ والمَسِيحِ وأُمِّهِ ونَحْوَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ مَسْعُودٍ: هي في عَبَدَةِ المَلائِكَةِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: هي في عَبَدَةِ شَياطِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ  ، فَأسْلَمَ أُولَئِكَ الشَياطِينُ، و بَقِيَ عَبَدَتُهم يَعْبُدُونَهُمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ].

فَمَعْنى الآيَةِ: قُلْ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ: ادْعُوا عِنْدَ الشَدائِدِ والضُرِّ هَؤُلاءِ المَعْبُودِينَ، فَإنَّهم لا يَمْلِكُونَ كَشْفَهُ ولا تَحْوِيلَهُ عنكُمْ، ثُمَّ أخْبَرَهم -عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَتادَةَ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ-، أو أخْبَرَ النَبِيُّ  -عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: "يَدَّعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ- أنَّ هَؤُلاءِ المَعْبُودِينَ يَطْلُبُونَ التَقَرُّبَ إلى اللهِ والتَزَلُّفَ إلَيْهِ، وأنَّ هَذِهِ حَقِيقَةَ حالِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إلى رَبِّكَ".

والضَمِيرُ في "رَبِّهِمُ" لِلْمُتَّبَعِينَ أو لِلْجَمِيعِ.

و"الوَسِيلَةُ" هي القُرْبَةُ وسَبَبُ الوُصُولِ إلى البُغْيَةِ، وتَوَسُّلُ الرَجُلِ إذا طُلِبَ الدُنُوِّ والنَيْلَ لِأمْرٍ ما، وقالَ عنتَرَةُ: إنَّ الرِجالَ لَهم إلَيْكَ وسِيلَةٌ ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "مَن سَألَ اللهَ لِي الوَسِيلَةَ...

الحَدِيثُ"».

و"أيُّهُمُ" ابْتِداءٌ، و"أقْرَبُ" خَبَرُهُ، و"أُولَئِكَ" يُرادُ بِهِ المَعْبُودُونَ.

وهو ابْتِداءٌ خَبَرُهُ "يَبْتَغُونَ" والضَمِيرُ في "يَدْعُونَ" لِلْكُفّارِ، وفي "يَبْتَغُونَ" لِلْمَعْبُودِينَ، والتَقْدِيرُ: نَظَرُهم ووَكْدُهم أيُّهم أقْرَبُ، وهَذا كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في حَدِيثِ الرايَةِ بِخَيْبَرٍ: "فَباتَ الناسُ يُدُوكُونَ أيُّهم يُعْطاها"، أيْ: يَتَبارَوْنَ في طَلَبِ القُرْبِ، وطَفَّفَ الزَجّاجُ في هَذا المَوْضِعِ فَتَأمَّلْهُ.

وَقالَ ابْنُ فَوْرِكِ، وغَيْرُهُ: إنَّ الكَلامَ مِن قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ﴾ راجِعٌ إلى النَبِيِّينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ، و"يَدْعُونَ" -عَلى هَذا- مِنَ الدُعاءِ بِمَعْنى الطَلَبَةِ إلى اللهِ تَعالى، والضَمائِرُ لَهم في "يَدْعُونَ" وفي "يَبْتَغُونَ".

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِن قَرْيَةٍ ﴾ الآيَةُ.

أخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ مَدِينَةٌ مِنَ المُدُنِ إلّا هي هالِكَةٌ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ بِالمَوْتِ والفَناءِ، هَذا مَعَ السَلامَةِ وأخَذَها جُزْءًا، أو هي مُعَذَّبَةٌ مَأْخُوذَةٌ مَرَّةٌ واحِدَةٌ، فَهَذا عُمُومٌ في كُلِّ مَدِينَةٍ، و"مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، وقِيلَ: المُرادُ الخُصُوصُ، [والتَقْدِيرُ] وإنْ مِن قَرْيَةٍ ظالِمَةٍ.

وحَكى النَقّاشُ أنَّهُ وُجِدَ في كِتابِ الضَحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ اسْتِقْراءُ البِلادِ المَعْرُوفَةِ اليَوْمَ، وذَكَرَ لِهَلاكِ كُلِّ قُطْرٍ مِنها صِفَةً، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ عنوَهْبِ بْنِ مُنَبَّهَ، فَذَكَرَ فِيهِ أنَّ هَلاكَ الأنْدَلُسِ وخَرابَها يَكُونُ بِسَنابِكِ الخَيْلِ واخْتِلافِ الجُيُوشِ فِيها، وتَرَكَتْ سائِرَها لِعَدَمِ الصِحَّةِ في ذَلِكَ، والمَعْلُومُ أنَّ كُلَّ قَرْيَةٍ تَهْلَكُ إمّا مِن جِهَةِ القُحُوطِ والخَسْفِ غَرَقًا، وإمّا مِن جِهَةِ الفِتَنِ، أو مِنهُما، وصِوَرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللهُ تَعالى، فَأمّا ما هَلَكَ بِالفِتْنَةِ فَمِن ظُلْمٍ ولا بُدَّ، إمّا في كُفْرٍ أو مَعاصٍ أو تَقْصِيرٍ في دِفاعٍ، وأمّا القَحْطُ فَيُصِيبُ اللهُ بِهِ مَن يَشاءُ وكَذَلِكَ الخَسْفُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مُهْلِكُوها" الضَمِيرُ لَها وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الأهْلُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أو مُعَذِّبُوها ﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، فَإنَّهُ لا يُعَذِّبُ إلّا الأهْلُ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي الكِتابِ ﴾ يُرِيدُ: في سابِقِ القَضاءِ وما خَطَّهُ القَلَمُ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ.

و"المَسْطُورُ": المَكْتُوبُ أسْطارًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ العِبارَةُ في "مَنعِنا" هي عَلى ظاهِرِ ما تَفْهَمُ العَرَبُ، فَسَمّى سَبْقَ قَضائِهِ بِتَكْذِيبِ مَن كَذَّبَ وتَعْذِيبِهِ مَنعًا.

و"أنِ" الأُولى في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والثانِيَةُ في مَوْضِعِ رَفْعِ، والتَقْدِيرُ: وما مَنَعْنا الإرْسالَ إلّا التَكْذِيبُ.

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قُرَيْشًا اقْتَرَحُوا عَلى رَسُولِ اللهِ  أنْ يُجْعَلَ لَهُمُ الصَفا ذَهَبا، واقْتَرَحَ بَعْضُهم أنْ يُزِيلَ عنهُمُ الجِبالَ حَتّى يَزْرَعُوا الأرْضَ، فَأوحى اللهُ تَعالى إلى مُحَمَّدٍ  : إنْ شِئْتَ أنْ أفْعَلَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَإنْ تَأخَّرُوا عَنِ الإيمانِ عاجَلَتْهُمُ العُقُوبَةُ، وإنْ شِئْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ، عَسى أنْ أجْتَبِيَ مِنهم مُؤْمِنِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "بَلْ تَسْتَأْنِي بِهِمْ يا رَبُّ"، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُ مِن إرْسالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ إلّا الاسْتِيناءُ؛ إذْ أنَّهُ قَدْ سَلَفَتْ عادَتُهُ بِمُعاجَلَةِ الأُمَمِ الَّذِينَ جاءَتْهُمُ الآيَةُ المُقْتَرَحَةُ فَلَمْ يُؤْمِنُوا.

قالَ الزَجّاجُ: أخْبَرَ تَعالى أنَّ مَوْعِدَ كَفّارِ هَذِهِ الأُمَّةِ الساعَةُ، لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهُمْ  ﴾ ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَنْظُرُ إلى ذَلِكَ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى أمْرَ ثَمُودَ احْتِجاجًا إنَّ قالَ مِنهم قائِلٌ: نَحْنُ كُنّا نُؤْمِنُ لَوْ جاءَتْنا آيَةٌ اقْتَرَحْناها ولا نَكْفُرُ بِوَجْهٍ، فَذِكْرَ اللهُ تَعالى ثَمُودَ، بِمَعْنى: لا تَأْمَنُونَ أنْ تَظْلِمُوا بِالآيَةِ كَما ظَلَمَتْ ثَمُودُ بِالناقَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ثَمُودَ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، قالَ هارُونُ: أهْلُ الكُوفَةِ يُنَوِّنُونَ (ثَمُودًا) في كُلِّ وجْهٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُنَوِّنُ العامَّةُ والعُلَماءُ بِالقِراءاتِ "ثَمُودَ" في وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وفي أرْبَعَةُ مُواطِنَ ألِفٌ مَكْتُوبَةٌ، ونَحْنُ نَقْرَؤُها بِغَيْرِ ألِفٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مُبْصِرَةً" عَلى جِهَةِ النَسَبِ، أيْ: مَعَها إبْصارٌ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وَجَعَلْنا آيَةَ النَهارِ مُبْصِرَةً  ﴾ ، أيْ: مَعَها إبْصارٌ مِمَّنْ يَنْظُرُ، وهَذا عِبارَةٌ عن بَيانِ أمْرِها ووُضُوحِ إعْجازِها.

وقَرَأ قَوْمٌ: "مُبْصَرَةً" بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الصادِ، حَكاهُ الزَجّاجُ، ومَعْناهُ: مُتَبَيَّنَةً، وقَرَأ قَتادَةُ: "مَبْصَرَةٌ" بِفَتْحِ المِيمِ والصادِ، وهي مَفْعَلَةٌ مِنَ البَصَرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عنتَرَةَ: والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعِمِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَظَلَمُوا بِها ﴾ ، أيْ: وضَعُوا الفِعْلَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، أيْ: بِعَقْرِها، وقِيلَ: بِالكُفْرِ في أمْرِها.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ إنَّما يُرْسِلُ بِالآياتِ غَيْرِ المُقْتَرَحَةِ تَخْوِيفًا لِلْعِبادِ، وهي آياتٌ مَعَها إمْهالٌ لا مُعاجَلَةٌ فَمِن ذَلِكَ الكُسُوفُ والرَعْدُ والزَلْزَلَةُ وقَوْسُ قُزَحٍ وغَيْرُ ذَلِكَ.

قالَ الحَسَنُ: والمَوْتُ الذَرِيعُ، ورُوِيَ أنَّ الكُوفَةَ رَجَفَتْ في مُدَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقالَ: أيُّها الناسُ، إنَّ رَبَّكم يَسْتَعْتِبُكم فَأعْتِبُوهُ، ومِن هَذا «قَوْلِ النَبِيِّ  في الكُسُوفِ: "فافْزَعُوا إلى الصَلاةِ"» الحَدِيثُ، وآياتُ اللهِ المُعْتَبَرُ بِها ثَلاثَةُ أقْسامٍ: فَقِسْمٌ عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ؛ إذْ حَيْثُما وضَعْتَ نَظَرَكَ وجَدْتَ آيَةً، وهُنا فِكْرَةُ العُلَماءِ، وقِسْمٌ مُعْتادٌ غِبًّا كالرَعْدِ والكُسُوفِ ونَحْوَهُ، وهُنا فِكْرَةُ الجَهَلَةِ فَقَطْ، وقِسْمٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ، وقَدِ انْقَضى بِانْقِضاءِ النُبُوَّةِ، وإنَّما يُعْتَبَرُ بِهِ تَوَهَّما لِما سَلَفَ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالايات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الاولون وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ الناقة مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا ﴾ هذا كشف شبهة أخرى من شبه تكذيبهم إذ كانوا يسألون النبي أن يأتيهم بآيات على حسب اقتراحهم، ويقولون: لو كان صادقاً وهو يطلب منا أن نؤمن به لجاءنا بالآيات التي سألناه، غروراً بأنفسهم أن الله يتنازل لمباراتهم.

والجملة معطوفة على جملة ﴿ وإن من قرية إلا نحن مهلكوها ﴾ الآية [الإسراء: 58]، أي إنما أمهلنا المتمردين على الكفر إلى أجل نزول العذاب ولم نجبهم إلى ما طلبوا من الآيات لعدم جدوى إرسال الآيات للأولين من قبيلهم في الكفر على حسب اقتراحهم فكذبوا بالآيات.

وحقيقة المنع: كف الفاعل عن فعل يريد فعله أو يسعى في فعله، وهذا محال عن الله تعالى إذ لا مكره للقادر المختار.

فالمنع هنا مستعار للصرف عن الفعل وعدم إيقاعه دون محاولة إتيَانِه.

والإرسال يجوز أن يكون حقيقة فيكون مفعول ﴿ أن نرسل ﴾ محذوفاً دل عليه فعل ﴿ نرسل ﴾ .

والتقدير: أن نرسل رسولَنا، فالباء في قوله: ﴿ بالآيات ﴾ للمصاحبة، أي مصاحباً للآيات التي اقترحها المشركون.

ويجوز أن يكون الإرسال مستعاراً لإظهار الآيات وإيجادها، فتكون الباء مزيدة لتأكيد تعلق فعل ﴿ نرسل بالآيات ﴾ ، وتكون ﴿ بالآيات ﴾ مفعولاً في المعنى كقوله تعالى: ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ [المائدة: 6].

والتعريف في بالآيات } على كلا الوجهين للعهد، أي المعهودة من اقتراحهم كقولهم: ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ ، [الإسراء: 90] و ﴿ قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى ﴾ [القصص: 48] و ﴿ قالوا لن نؤمن حتى نوتَى مثل ما أوتي رسل الله ﴾ [الأنعام: 124] على أحد التأويلين.

و (أن) الأولى مفيدة مصدراً منصوباً على نزع الخافض}، وهو (مِن) التي يتعدى بها فعل المنع، وهذا الحذف مطرد مع (أن).

و (أن) الثانية مصدرها فاعل منعنا} على الاستثناء المفرغ.

وإسناد المنع إلى تكذيب الأولين بالآيات مجاز عقلي لأن التكذيب سبب الصرف.

والمعنى: أننا نعلم أنهم لا يؤمنون كما لم يؤمن من قبلهم من الكفرة لما جاءتهم أمثال تلك الآيات.

فعلم الناس أن الإصْرار على الكفر سجية للمشرك لا يقلعها إظهار الآيات، فلو آمن الأولون عندما أظهرت لهم الآيات لكان لهؤلاء أن يجعلوا إيمانهم موقوفاً على إيجاد الآيات التي سألوها.

قال تعالى: ﴿ إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية ﴾ [يونس: 96 97].

والأظهر أن هذا تثبيت لأفئدة المؤمنين لئلا يفتنهم الشيطان، وتسلية للنبيء لحرصه على إيمان قومه فلعله يتمنى أن يجيبهم الله لما سألوا من الآيات ولحزنه من أن يظنوه كاذباً.

وجملة وآتينا ثمود الناقة } في محل الحال من ضمير الجلالة في ﴿ منعنا ﴾ ، أي وقد آتينا ثموداً آية كما سألوه فزادوا كفراً بسببها حتى عجل لهم العذاب.

ومعنى ﴿ مبصرة ﴾ واضحة الدلالة، فهو اسم فاعل أبصر المتعدي إلى مفعول، أي جعل غيرَه مُبصراً وذا بصيرة.

فالمعنى: أنها مفيدة البصيرة، أي اليقين، أي تجعل من رآها ذا بصيرة وتفيدهُ أنها آية.

ومنه قوله تعالى: ﴿ فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين ﴾ [النمل: 13].

وخص بالذكر ثمود وآيتها لشهرة أمرهم بين العرب، ولأن آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبَة من أهل مكة يبصرها صادرهم وواردهم في رحلاتهم بين مكة والشام.

وقوله: فظلموا بها } يجوز أن يكون استُعمل الظلم بمعنى الكُفر لأنه ظلم النفس، وتكون الباء للتعدية لأن فعل الكفر يعدى إلى المكفور بالباء.

ويجوز أن يكون الظلم مضمناً معنى الجحد، أي كابروا في كونها آية، كقوله تعالى: ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ﴾ [النمل: 14].

ويجوز بقاء الظلم على حقيقته، وهي الاعتداء بدون حق، والباء صلة لتوكيد التعدية مثل الباء في ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ [المائدة: 6]، أي ظلموا الناقة حينَ عَقَروها وهي لم تجن عليهم، فكان عقرها ظلماً.

والاعتداء على العجماوات ظلم إذا كان غير مأذون فيه شرعاً كالصيد.

هذا بيان لحكمة أخرى في ترك إرسال الآيات إلى قريش، تشير إلى أن الله تعالى أراد الإبقاء عليهم ليدخل منهم في الإسلام كثير ويكون نشر الإسلام على يد كثير منهم.

وتلك مكرمة للنبيء صلى الله عليه وسلم فلو أرسل الله لهم الآيات كما سألوا مع أن جبلتهم العناد لأصروا على الكفر فحقت عليهم سنّة الله التي قد خلت في عباده وهي الاستئصال عقب إظهار الآيات، لأن إظهار الآيات تخويف من العذاب والله أراد الإبقاء على هذه الأمة قال: ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ [الأنفال: 33] الآية، فعوضنا تخويفهم بدلاً عن إرسال الآيات التي اقترحوها.

والقول في تعدية وما نرسل بالآيات } كالقول في ﴿ وما منعنا أن نرسل بالآيات ﴾ معنى وتقديراً على الوجهين.

والتخويف: جعل المرء خائفاً.

والقصر في قوله: ﴿ إلا تخويفاً ﴾ لقصر الإرسال بالآيات على علة التخويف، وهو قصر إضافي، أي لا مباراة بين الرسل وأقوامهم أو لا طمعاً في إيمان الأقوام فقد علمنا أنهم لا يؤمنون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الآياتِ مُعْجِزاتُ الرُّسُلِ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى مِن دَلائِلِ الإنْذارِ تَخْوِيفًا لِلْمُكَذِّبِينَ.

الثّانِي: أنَّها آياتُ الِانْتِقامِ تَخْوِيفًا مِنَ المَعاصِي.

الثّالِثُ: أنَّها تَقَلُّبُ الأحْوالِ مِن صِغَرٍ إلى شَبابٍ ثُمَّ إلى تَكَهُّلٍ ثُمَّ إلى مَشِيبٍ، لِتَعْتَبِرَ بِتَقَلُّبِ أحْوالِكَ فَتَخافُ عاقِبَةَ أمْرِكَ، وهَذا قَوْلُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والنسائي والبزار وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل والضياء في المختارة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعون، فقيل له: إن شئت أن تتأنى بهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم من الأمم.

قال لا: بل أستأني بهم فأنزل الله: ﴿ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ﴾ » .

وأخرج أحمد والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهباً ونؤمن لك.

قال: وتفعلون ,قالوا: نعم.

فدعا فأتاه جبريل- عليه السلام- فقال: إن ربك يقرئك السلام ويقول لك إن شئت أصبح الصفا لهم ذهباً فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمةقال:باب التوبة والرحمة» .

وأخرج البيهقي في الدلائل، عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال: «قال الناس لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- لو جئتنا بآية كما جاء بها صالح والنبيون.

فقال: رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إن شئتم دعوت الله فأنزلها عليكم، وإن عصيتم هلكتم، فقالوا: لا نريدها» .

وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال: «قال أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كان ما تقول حقاً، ويسرك أن نؤمن، فحول لنا الصفا ذهباً، فأتاه جبريل فقال:إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان، ثم لم يؤمنوا لم ينظروا، وإن شئت استأنيت بقومك قال:بل أستأني بقومي» فأنزل الله: ﴿ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ﴾ وأنزل الله: ﴿ ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون ﴾ [ الأنبياء: 6] .

وأخرج ابن جرير، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ﴾ قال: رحمة لكم أيتها الأمة.

قال: إنا لو أرسلنا بالآيات، فكذبتم بها أصابكم ما أصاب من قبلكم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: لم تؤت قرية بآية فكذبوا بها، إلا عذبوا وفي قوله: ﴿ وآتينا ثمود الناقة مبصرة ﴾ قال: آية.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً ﴾ قال: الموت.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد في الزهد وابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن جرير وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً ﴾ قال: الموت الذريع.

واخرج ابن أبي داود في البعث، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً ﴾ قال: الموت من ذلك.

وأخرج ابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً ﴾ قال: إن الله يخوّف الناس بما شاء من آياته لعلهم يعتبون، أو يذكرون، أو يرجعون.

ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود رضي الله عنه فقال: يا أيها الناس، إن ربكم يستعتبكم فاعتبوه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ﴾ قال: عصمك من الناس.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن ربك أحاط بالناس ﴾ قال: فهم في قبضته.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن ربك أحاط بالناس ﴾ قال: أحاط بهم، فهو مانعك منهم وعاصمك، حتى تبلغ رسالته.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن ابن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ قال: هي رؤيا عين، أريها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليلة أسري به إلى بيت المقدس، وليست برؤيا منام ﴿ والشجرة الملعونة في القرآن ﴾ قال: هي شجرة الزقوم.

وأخرج سعيد بن منصور، عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك ﴾ قال: ما أري في طريقه إلى بيت المقدس.

وأخرج ابن سعد وأبو يعلى وابن عساكر، عن أم هانئ رضي الله عنها، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما أسري به أصبح يحدث نفراً من قريش وهم يستهزئون به، فطلبوا منه آية، فوصف لهم بيت المقدس، وذكر لهم قصة العير.

فقال الوليد بن المغيرة: هذا ساحر، فأنزل الله تعالى: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ .

وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أصبح يحدث بذلك، فكذب به أناس، فأنزل الله فيمن ارتد: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية، قال: هو ما رأى في بيت المقدس ليلة أسري به.

وأخرج ابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ يقول: أراه من الآيات والعبر في مسيره إلى بيت المقدس.

ذكر لنا أن ناساً ارتدوا بعد إسلامهم حين حدثهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بمسيره أنكروا ذلك، وكذبوا به، وعجبوا منه، وقالوا أتحدثنا أنك سرت مسيرة شهرين في ليلة واحدة!.

وأخرج ابن جرير، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بني فلان ينزون على منبره نزو القردة، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكاً حتى مات، وأنزل الله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عمر رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنهم القردة، وأنزل الله في ذلك ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة ﴾ يعني الحكم وولده» .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن يعلى بن مرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أريت بني أمية على منابر الأرض، وسيتملكونكم، فتجدونهم أرباب سوء» واهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك: فأنزل الله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ .

وأخرج ابن مردويه، عن الحسين بن علي رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- أصبح وهو مهموم، فقيل: مالك يا رسول الله؟

فقال: «إني رأيت في المنام كأن بني أمية يتعاورون منبري هذا» فقيل: يا رسول الله، لا تهتهم فإنها دنيا تنالهم.

فأنزل الله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر، عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية على المنابر فساءه ذلك، فأوحى الله إليه: «إنما هي دنيا أعطوها» ، فقرت عينه وهي قوله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ يعني بلاء للناس.

وأخرج ابن مردويه، «عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لمروان بن الحكم: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يقول: لأبيك وجدك إنكم الشجرة الملعونة في القرآن» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك ﴾ الآية.

قال: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أري أنه دخل مكة هو وأصحابه، وهو يومئذ بالمدينة، فسار إلى مكة قبل الأجل، فرده المشركون، فقال أناس قدْ رُدَّ وكان حدثنا أنه سيدخلها، فكانت رجعته فتنتهم.

وأخرج ابن اسحق وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال أبو جهل لما ذكر رسول الله- صلى الله عليه وسلم شجرة الزقوم تخويفاً لهم يا معشر قريش، هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوّفكم بها محمد؟

قالوا: لا.

قال: عجوة يثرب بالزبد- والله لئن استمكنا منها لنتزقمها تزقما.

فأنزل الله: ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ [ الدخان: 43، 44] وأنزل الله: ﴿ والشجرة الملعونة في القرآن ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والشجرة الملعونة في القرآن ﴾ قال: هي شجرة الزقوم خوفوا بها.

قال أبو جهل: أيخوفني ابن أبي كبشة بشجرة الزقوم؟

ثم دعا بتمر وزبد فجعل يقول: زقموني.

فأنزل الله تعالى: ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين ﴾ [ الصافات: 65] وأنزل الله: ﴿ ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً ﴾ .

وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والشجرة الملعونة ﴾ قال: ملعونة لأن ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين ﴾ [ الصافات: 65] وهم ملعونون.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونخوفهم ﴾ قال: أبو جهل بشجرة الزقوم ﴿ فما يزيدهم ﴾ قال: ما يزيد أبا جهل ﴿ إلا طغياناً كبيراً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ ﴾ قال ابن عباس وقتادة والمفسرون: "سأل أهل مكة النبيّ -  - أن يجعل لهم الصفا ذهبًا وأن يُنَحِّي الجبال عنهم فيزْدرعوا (١) قال أبو إسحاق: (أن) الأولى نصب والثانية رفع، المعنى: ما منعنا الإرسالَ إلا تكذيبُ الأولين، والتأويل: أنهم سألوا الآيات التي استوجب بها الأولون العذاب لما كذبوا بها (٢) فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ وَمَا مَنَعَنَا ﴾ والله تعالى لا يجوز أن يكون ممنوعًا عن شيء؟!

قلنا: معناه هاهنا المبالغة في أنه لا يفعل ذلك، فكأنه قد مُنع منه؛ وذلك أن الإرادة الأزلية قد سبقت بتدبير الأمور وإمضائها؛ لا يؤخرُ منها مَقَدّم ولا يُقَدمُ مؤخّر، فإذا منعت الإرادة والمشيئة أمرًا جاز إطلاق لفظ المنع على الوجه الذي ذكرنا، والباء في قوله: ﴿ بِالْآيَاتِ ﴾ زيادة [[يقصد زيادة للتأكيد، انظر التعليق على اتاقول بالزيادة في القرآن، عند آية [10] من سورة إبراهيم.]]، والمعنى: أن نرسل الآيات، والآية مختصرة؛ لأن التقدير: ﴿ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ﴾ فأهلكناهم، قال المفسرون: وسنة الله في الأمم إذا سألوا الآيات فأتتهم ثم لم يؤمنوا أن يعذبهم ولا يمهلهم (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً ﴾ قال ابن عباس: يريد كانت لهم عيانًا، وقال قتادة؛: بينة (٤) (٥) قال الأخفش: المُبْصِرةُ: البَيِّنَة، كما تقول: المُوضِحَة والمُبَيِّنَة (٦) (٧) وقال الفراء: جعل الفعل لها، ومعنى ﴿ مُبْصِرَةً ﴾ : مضيئة، كما قال تعالى: ﴿ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا  ﴾ ، أي: مضيئًا (٨) قال الأزهري: والقول ما قال الفراء؛ أراد: آتينا ثمود الناقة آية مبصرة، أي مضيئة (٩) ﴿ آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ ظَلَمُوا بِهَا ﴾ قال الزجاج: أي فظلموا بتكذيبها (١٠) (١١) قال ابن قتيبة: ويكون الظلم: الجَحْد؛ كقوله: ﴿ فَظَلَمُوا بِهَا ﴾ ، أي: جحدوا بأنها من الله، وكقوله: ﴿ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ  ﴾ ، أي: يجحدون (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ ﴾ ، أي: العبر والدلالات، ﴿ إِلَّا تَخْوِيفًا ﴾ : للعباد؛ ليتعظوا ويخافوا، قال قتادة: إن الله يخوف الناس بما يشاء من آياته، لعلهم يعتبرون (١٣) (١٤) (١) يقال: ازْدرع إذا زرع أو أمر به لنفسه خُصوصًا.

"المحيط في اللغة" (زرع) 1/ 383.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 247 بنصه.

(٣) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 111 ب بنصه تقريبًا، انظر: "تفسير الخازن" 3/ 169.

(٤) أخرجه "الطبري" 15/ 108 بلفظه، انظر: "تفسير الخازن" 3/ 169 بلا نسبة.

(٥) "تفسير مجاهد" 1/ 364 بلفظه، أخرجه "الطبري" 15/ 109 بلفظه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 167 بلفظه، و"تفسير هود الهواري" 2/ 427 بلفظه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 325 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.

(٦) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 614 بنصه.

(٧) ساقطة من (أ)، (د).

(٨) "معاني القرآن" للفراء 2/ 126، باختصار.

(٩) "تهذيب اللغة" (بصر) 1/ 342، بلفظه.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 247 بنصه.

(١١) ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 217 أ، و"السمرقندي" 2/ 274، و"الثعلبي" 7/ 111 ب.

(١٢) "تأويل مشكل القرآن" ص 468، بنصه (١٣) في جميع النسخ: يعينون، وفي "الدر المنثور" والألوسي: (يعتبون)، والتصويب من تفسير الطبري والثعلبي، ويحتمل الرسم أنها يفيئون؛ والله أعلم.

(١٤) أخرجه "الطبري" 15/ 109 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 112 أبنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 102، و"ابن كثير" 3/ 55، و"الدر المنثور" 4/ 345، و"تفسير الألوسي" 15/ 104.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون ﴾ الآيات يراد بها هنا التي يقترحها الكفار فإذا رأوها ولم يؤمنوا أهلكم الله.

وسبب الآية أن قريشاً اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، فأخبر الله أنه لم يفعل ذلك لئلا يكذبوا فيهلكوا، وعبر بالمنع عن تارك ذلك، وأن نرسل في موضع نصب وأن كذب في موضع رفع، ثم ذكر ناقة ثمود تنبيهاً على ذلك لأنهم اقترحوها وكانت سبب هلاكهم، ومعنى مبصرة: بينة واضحة الدلالة ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بالآيات إِلاَّ تَخْوِيفاً ﴾ إن أراد بالآيات هنا المقترحة فالمعنى أنه يرسل بها تخويفاً من العذاب العاجل وهو الإهلاك، وإن أراد المعجزات غير المقترحة فالمعنى أنه يرسل بها تخويفاً من عذاب الآخرة، ليراها الكافر فيؤمن، وقيل: المراد بالآيات هنا الرعد والزلازل والكسوف وغير ذلك من المخاوف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ليذكروا ﴾ من الذكر وكذلك في "الفرقان": حمزة وعلي وخلف.

الآخرون بتشديد الذال والكاف من التذكر.

﴿ كما يقولون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وحفص ﴿ عما تقولون ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وخلف.

﴿ تسبح ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل والخزاز عن هبيرة.

الآخرون على التذكير ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ القول فيه كما مر في "الرعد" وكذلك في آخر هذه السورة وفي سورة "قد أفلح" وفي سورة السجدة.

الوقوف: ﴿ ليذكروا ﴾ ط ﴿ نفوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ فيهن ﴾ ط ﴿ تسبيحهم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ مستوراً ﴾ لا للعطف ﴿ وقرأ ﴾ ط ﴿ نفوراً ﴾ ط ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ جديداً ﴾ ه ﴿ حديداً ﴾ لا ﴿ صدوركم ﴾ ج للفاء مع أن السين للاستئناف ﴿ بعيدنا ﴾ ط ﴿ أوَّل مرة ﴾ ج لما قلنا ﴿ متى هو ﴾ ط ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ أحسن ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ أعلم بكم ﴾ ه ﴿ يعذبكم ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ زبوراً ﴾ ه ﴿ شديداً ﴾ ط ه ﴿ مسطوراً ﴾ ه ﴿ الأوّلون ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ فظلموا بها ﴾ ط ﴿ تخويفاً ﴾ ه ﴿ بالناس ﴾ ط ﴿ في القرآن ﴾ ط الكل لما مر.

﴿ ونخوّفهم ﴾ لا لصحة عطف المستقبل على المستقبل ﴿ كبيراً ﴾ ه.

التفسير: لما بين أنواع الحكم ومكارم الأخلاق ذكر غاية مظلومية الإنسان وجهوليته فقال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ أي بينا أحسن بيان لأن من حاول بيان شيء فإنه يصرف كلامه من نوع إلى نوع ومن مثال إلى مثال حتى ينتهي به إلى ما هو مراده من الإيضاح.

ومفعول التصريف متروك أي أوقعنا التصريف ﴿ في هذا القرآن ﴾ أو محذوف للعمل به والمراد صرفنا فيه ضروباً ﴿ من كل مثل ﴾ وأراد بهذا القرآن إبطال إضافتهم البنات إلى الله لأنه مما كرر ذكره، والمقصود ولقد صرفنا القول في هذا المعنى.

وقيل: لفظة "في" زائدة كقوله { ﴿ وأصلح لي في ذريتي  ﴾ قال الجبائي: في قوله: ﴿ ليذكروا ﴾ دلالة على أنه أراد منهم فهمها والإيمان بها.

والمراد بالذكر ههنا فيمن قرأ مخففاً هو التذكر والتأمل لا الذكر الذي هو نقيض النسيان.

وقالت الأشاعرة: قوله: ﴿ وما يزيدهم إلا نفوراً ﴾ دلت على عكس ذلك لأن الحكيم إذا أراد تحصيل أمر من الأمور وعلم أن الفعل الفلاني يصير سبباً لعسره وتعذره والنفرة عنه يقبح منه الأمر بذلك الفعل، ولما أخبر أن هذا التصريف يزيدهم نفوراً علمنا أنه ما أراد الإيمان منهم.

عن سفيان الثوري أنه كان إذا قرأها قال: زادني ذلك خضوعاً ما زاد أعداءك نفوراً.

ثم دل على التوحيد الذي أمر به في قوله: ﴿ ولا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ فقال: ﴿ قل لو كان معه آلهة كما يقولون ﴾ أي كما يقول المشركون من إثبات آلهة من دونه أو كما تقولون أيها المشركون.

وفي قوله ﴿ إذا ﴾ دلالة على أن ما بعدها وهو ﴿ لابتغوا ﴾ جواب عن مقالة المشركين وجزاء لـ"لو" قاله في الكشاف.

قلت: ولعل ﴿ إذا ﴾ ههنا ظرف لما دل عليه ﴿ لابتغوا ﴾ أي لطلبوا إذ ذاك ﴿ إلى ذي العرش سبيلاً ﴾ بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم ببعض ومثله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ ويسمى في عرف المتكلمين دليل التمانع وسيجيء بحثه في سورة الأنبياء إن شاء الله العزيز.

وقيل: معنى الآية لو كانت هذه الأصنام كما تقولون من أنها تقربكم إلى الله زلفى لطلبت لأنفسها المراتب العالية والدرجات الرفيعة، فلما لم تقدر أن تتخذ لأنفسها سبيلاً إلى الله فكيف يعقل أن تهديكم إلى الله.

ثم نزه نفسه عن أقوالهم فقال {  وتعالى عما يقولون علواً كبيراً} فوضع الثلاثة وهو العلوّ موضع المتشعبة وهو التعالي كقوله ﴿ أنبتكم من الأرض نباتاً  ﴾ ثم وصف العلو بالكبر مبالغة في النزاهة وتنبيهاً على أن بين الواجب لذاته والممكن لذاته وبين الغني المطلق والفقير المطلق مباينة لا تعقل الزيادة عليها.

ثم بين غاية ملكه ونهاية عظمته بقوله: ﴿ تسبح له ﴾ الآية.

قالت العقلاء: تسبيح الحي المكلف يكون تارة باللسان بأن يقول "سبحان الله" وأخرى بدلالة أحواله على وجود الصانع الحكيم، وتسبيح غيره لا يكون إلا من القبيل الثاني.

وقد تقرر في أصول الفقه أن اللفظ المشترك لا يحمل على معنييه معاً في حالة واحدة فتعين حمل التسبيح ههنا على المعنى الثاني ليشمل الكل هذا ما عليه المحققون.

وأورد عليه أنه لو كان المراد بالتسبيح ما ذكرتم لم يقل ﴿ ولكن لا تفقهون تسبيحهم ﴾ لأن التسبيح بهذا الوجه مفقوه معلوم، وأجيب بأن دلالة كل شيء على وجود الصانع معلومة على الإجمال دون التفصيل لأنك إذا أخذت تفاحة واحدة فلا شك أنها مركبة من أجزاء لا تتجزأ، ولكن عدد تلك الأجزاء وصفة كل منها من الطبع والطعم واللون والحيز والجهة وغيرها لا يعلمها إلا الله.

وأيضاً الخطاب للمشركين، وإنهم وإن كانوا مقرين بالخالق، إلا أنهم لما أثبتوا له شريكاً وأنكروا قدرته على البعث والإعادة ولم ينظروا في المعجزات الدالة على نبوة محمد  فكأنهم لم يفقهوا التسبيح إذ لم يتوسلوا به إلى نتيجة النظر الصحيح ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إنه كان حليماً غفورا ﴾ حين لا يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء نظركم، وزعم بعض الظاهريين أن ما سوى الحي المكلف يسبح الله باللسان أيضاً كل بلغته ولسانه الذي لا نعرفه نحن ولا نفقهه.

وزعم أيضاً أن الحيوان إذا ذبح لا يسبح وكذا غصن الشجرة إذا كسر، فأورد عليه أن كونه جماداً لا يمنع من كونه مسبحاً فكيف صار ذبح الحيوان مانعاً له عن التسبيح.

وكذا كسر الغصن، ويمكن أن يجاب بأن تسبيح كل شيء لعله يختص بتركيبه الذي خلق عليه فإذا أبطل ذلك التركيب وفك ذلك النظم لم يبق مسبحاً مطلع مطلقاً ولا على ذلك النحو.

واعترض عليه أيضاً بأنه إذا جاز في الجمادات أن تكون عالمة بذات الله  وبصفاته مسبحة له مع أنها ليس بأحياء انسدّ علينا باب العلم بكونه  حياً لأنا نستدل بكونه عالماً قادراً على كونه حياً.

ويمكن أن يجاب بأنا نستدل على حياته  بالإذن الشرعي، ولو سلم أن العلم يستلزم الحياة عقلاً فقد قيل: إن لكل موجود حياة تليق به.

ولما فرغ من الإلهيات شرع في النبوّات فقال: ﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ قيل: نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله  إذا قرأ القرآن عليهم.

يروى أنه كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه وعن يساره أحزاب من ولد قصيّ يصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار.

وعن أسماء.

كان رسول الله  جالساً ومعه أبو بكر إذا أقبلت امرأة أبي لهب ومعها حجر فهر تريد الرسول  وهي تقول: مذمماً أتينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا.

فقال أبو بكر: يا رسول الله إن معها حجراً أخشى عليك.

فتلا رسول الله  هذه الآيات.

فجاءت وما رأت رسول الله  .

وقالت: إن قريشاَ قد علمت أني ابنة سيدها وإن صاحبك هجاني فقال أبو بكر: ورب هذه الكعبة ما هجاك.

وعن ابن عباس: أن أبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون الرسول  ويسمعون حديثه.

فقال النضر يوماً: ما أدري ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه تتحركان بشيء.

وقال أبو سفيان: إني أرى بعض ما يقوله حقاً.

وقال أبو جهل: هو مجنون.

وقال أبو لهب: كاهن.

وقال حويطب بن عبد العزى: هو شاعر نزلت.

وكان رسول الله  إذا أراد تلاوة القرآن تلا قبلها ثلاث آيات وهن في سورة الكهف ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً  ﴾ وفي النحل: ﴿ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ﴾ {الآية: 108] وفي "حم الجاثية" ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه  ﴾ .

وكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات عن عيون المشركين وذلك قوله: ﴿ جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً ﴾ أي ذا ستر وقد جاء مفعول بمعنى ذا كذا كما جاء فاعل على ذلك كثير نحو "لابن وتامر" من ذلك قولهم "رجل مرطوب" أي ذو رطوبة، و"مكان مهول" و "ذهول" و "سبل مفعم" ذو إفعام.

وجوّز الأخفش مجيء مفعول بمعنى فاعل مثل "مشؤوم" و "ميمون".

وقيل: إنه حجاب يخلقه الله في عيونهم بحيث يمنعهم الحجاب عن رؤية النبي  وذلك الحجاب شيء لا يراه أحد فهو مستور.

وعلى هذا يصح قول الأشاعرة إنه يجوز أن تكون الحاسة سليمة والمرئي حاضراً والرؤية غير حاصلة لأجل أنه  يخلق في العيون شيئاً يمنعهم من الرؤية، ويحتمل أن يراد حجاب من دونه حجاب أو حجب فهو مستور بغيره أو حجاب يستر أن يبصر فكيف يبصر المحتجب به.

والقول الثاني في الآية أن المراد بالحجاب الطبع والختم فاستدلت الأشاعرة به وبقوله: ﴿ وجعلنا على قلوبهم  ﴾ الآية.

على صحة مذهبهم في خلق الكفر والإيمان كما مر في سورة الأنعام في قوله: ﴿ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا  ﴾ .

وأجاب الجبائي بأن المراد أنهم يطلبون موضعه بالليالي ليقتلوه ويستدلون عليه باستماع قراءته فأمنه الله من شرهم بأن جعل في قلوبهم ما شغلهم عن فهم القرآن وفي آذانهم ما منعهم عن سماع صوته.

وقال الكعبي: أراد به الخلية والخذلان كالسيد إذا لم يراقب حال عبده فساءت أخلاق العبد يقول: أنا ألقيتك في هذه الحالة بسبب أني خليتك ورآيك.

وقال جار الله: هذه حكاية لما كانوا يقولونه من قولهم قلوبنا غلف وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب.

ومن قبائح أهل الشرك أنهم كانوا يحبون أن تذكر آلهتهم كلما ذكر الله فإذا سمعوا ذكر الله دون ذكر آلهتهم نفروا وانهزموا عن المجلس فلذلك قال  : ﴿ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ﴾ وهو مصدر سدّ مسد الحال والتقدير يحد وحده مثل "وأرسلها العراك" ﴿ ولوا على أدبارهم نفوراً ﴾ مصدر من غير لفظ التولية أو جمع نافر كقاعد وقعود فأوعدهم الله على ذلك بقوله: ﴿ نحن أعلم بما يستمعون به ﴾ من الهزء بك وبالقرآن.

قاتل جار الله ﴿ به ﴾ في موضع الحال كما تقول يستمعون بالهزء أي مصاحبين الهزء أو هازئين و ﴿ إذ يستمعون ﴾ نصب بما دل عليه أعلم أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون ﴿ وإذ هم نجوى ﴾ أي يتناجون به إذ هم ذوو نجوى ﴿ إذ يقول الظالمون ﴾ "إذ" بدل من "إذ هم" ﴿ إن تتبعون ﴾ أي على تقدير الإتباع لأنهم لم يتبعوا رسول الله ﴿ إلا رجلاً مسحوراً ﴾ سحر فاختلط عقله وزال على حد الاعتدال.

وقيل: المسحور الذي أفسد من قولهم "طعام مسحور" إذا أفسد عمله "أرض مسحورة" أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها.

وقال مجاهد ﴿ مسحوراً ﴾ مخدوعاً لأن السحر حيلة وخديعة، زعموا أن محمداً يتعلم من بعض الناس وأولئك الناس كانوا يخدعونه بهذه الحكايات، أو زعموا أن الشيطان يخدعه فيتمثل له بصورة الملك.

وقال أبو عبيدة: يريد بشراً ذا سحر وهو الرئة.

قال ابن قتيبة: لا أدري ما حمله على هذا التفسير المستنكر مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة.

﴿ انظر كيف ضربوا لك الأمثال ﴾ شبهك كل منهم بشيء آخر فقالوا: إنه كاهن وشاعر وساحر ومعلم ومجنون ﴿ فضلوا ﴾ في جميع ذلك عن طريق الحق ﴿ فلا يستطيعون سبيلاً ﴾ إلى الهدى والبيان ضلال من تحير في التيه الذي لا منار به.

وحين فرغ من شبهات القوم في النبوّات حكى شبهتهم، في أمر المعاد.

وأيضاً لما ذكر أن القوم وصفوه بأنه مسحور فاسد العقل ذكر ما كان في زعمهم دالاً على اختلاط المفتتة من كل شيء ينكسر وهو اسم كالرضاض والفتات ويقال منه: رفت عظام الجزور رفتاً إذا كسرها.

وتقرير الشبهة أن الإنسان إذا مات جفت أعضاؤه وتاثرت وتفرقت في جوانب العالم واختلطت بسائطها بأمثالها من العناصر، فكيف يعقل بعد ذلك اجتماعها بأعيانها ثم عود الحياة إلى ذلك المجموع؟

فأجاب الله  عن شبهتهم بأن إعادة بدن الميت إلى حالة الحياة أمر ممكن، ولو فرضتم أن بدنه قد صار أبعد شيء من الحياة ورطوبة الحي وغضاضته ومن جنس ما ركب منه البشر كالحجارة أو الحديد فهو كقول القائل: أتطمع فيّ وأنا فلان؟

فيقول: كن ابن الخليفة أو من شئت فسأطلب منك حقي.

أما قوله: ﴿ خلقاً مما يكبر في صدوركم ﴾ .

فالمراد فرضوا شيئاً آخر أبعد عن قبول الحياة من الحجر والحديد بحيث تستبعد عقولكم كونه قابلاً لوصف الحياة، وعلى هذا لا حاجة إلى تعيين ذلك الشيء.

وقال مجاهد: أراد به السموات والأرض.

وعن ابن عباس أنه الموت أي لو صارت أبدانكم نفس الموت فإن الله يعيد الحياة إليها.

وهذا إنما يحسن على سبيل المبالغة كما يقال: هو روح مجسم أو وجود محض وإلا فالموت عرض وانقلاب الجسم عرضاً محال.

وبتقدير التسليم فالموت كيف يقبل الحياة لأن الضد يمتنع أن يقبل الضد.

وفي قوله: ﴿ قل الذي فطركم أول مرة ﴾ بيان كافٍ وبرهان شافٍ لأنه لما سلم أن خالق الحيوان هو الله فتلك الأجسام في الجملة قابلة للحياة والعقل وإله العالم عالم بجميع الجزئيات والكليات فلا يشتبه عليه أجزاء بدن كل من الأموات، وإذا قدر على جعلها متصفة بالحياة في أول الأمر فلأن يقدر على إعادتها إلى الحياة في ثاني الحال أولى.

ألزمهم أوّلاً بأن البعث أمر ممكن وإن فرضتم بدن الميت أي شيء أردتم فكأنهم سلموا إمكانه ولكن تجاهلوا وتغافلوا عن تعيين المعيد فقالوا: ﴿ من يعيدنا ﴾ فأجاب بأنه الفاطر الأول.

ثم زادوا في الاعتراض فسألوا عن تعيين الوقت يقيناً وذلك قوله: ﴿ فسينغضون إليك رؤوسهم ﴾ أي فسيحركونها نحوك تعجباً واستهزاء.

قال أبو الهيثم: يقال للرجل إذا أخبر بشيء فحرك رأسه إلى فوق وإلى أسفل إنكاراً له أنغض رأسه.

قال المفسرون "عسى" من الله واجب فعلم منه قرب وقت البعث، ولكن وقته على التعيين مما استأثر الله بعلمه.

لا يقال كيف يكون قريباً وقد انقرض أكثر من سبعمائة سنة ولم يظهر لأنا نقول: كل ما هو آتٍ قريب، وإذا كان ما مضى أكثر مما بقي فإن الباقي قليل.

قوله: ﴿ يوم يدعوكم ﴾ منتصب بـ ﴿ اذكروا ﴾ والمراد يوم يدعوكم كان ما كان، أو هو بدل من ﴿ قريباً ﴾ والمعنى عسى أن يكون البعث يوم يدعوكم بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة الأخيرة.

يروى أن إسرافيل ينادي: أيها الأجسام البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة عودي كما كنت.

والاستجابة موافقة الداعي فبما دعا إليه وهو مثل الإجابة بزيادة تأكيد لما في السين من طلب الموافقة، قال في الكشاف: الدعاء والاستجابة كلاهما مجاز، والمعنى يوم يبعثكم فتبعثون مطاوعين منقادين لا تمتنعون.

وقوله: ﴿ بحمده ﴾ حال منهم أي حامدين وهي مبالغة في انقيادهم للبعث كقولك لمن تأمره بأمر يشق عليه: ستأتي به وأنت حامد شاكر أي متهيء إلى حالة تحمد الله وتشكره على أن اكتفي منك بذلك العمل، وهذا يذكر في معرض التهديد.

وقال سعيد بن جبير: {يخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحانك اللَهم وبحمدك.

وقال قتادة: بحمده أي بمعرفته وطاعته لأن التسبيح والتحميد معرفة وطاعة ومن هنا قال بعضهم: حمدوا حين لا ينفعهم الحمد.

وقال آخرون: الخطاب مختص بالمؤمنين لأنهم الذين يليق بهم الحمد لله على إحسانه إليهم ﴿ وتظنون إن لبثتم إلاَّ قليلاً ﴾ عن قتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم حين عاينوا الآخرة ومثله قول الحسن: معناه تقريب وقت البعث وكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل.

وقال ابن عباس: يريد ما بين النفختين الأولى والثانية فإنه يزول عنهم هول العذاب في ذلك الوقت.

وقيل: أراد استقصار لبثهم في عرصة القيامة حين عاينوا هول النار.

ثم أمر المؤمنين بالرفق والتدريج عند إيراد الحجة على المخالفين فقال: ﴿ وقل لعبادي ﴾ أي المؤمنين لأن لفظ العباد يختص بهم في أكثر القرآن ﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول  ﴾ ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله  ﴾ ﴿ فادخلي في عبادي  ﴾ ، ﴿ يقولوا ﴾ الكلمة أو الحجة ﴿ التي هي أحسن ﴾ وألين وهي أن لا تكون مخلوطة بالسب واللعن والغلظة.

ثم نبه على وجه المنفعة بهذا الطريق فقال: ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ أي بين الفريقين جميعاً فيزداد الغضب وتتكامل النفرة ويمتنع حصول المقصود.

ثم قال: ﴿ ربكم أعلم بكم أن يشأ يرحمكم ﴾ أيها المؤمنون بالإنجاء من كفار مكة إيذائهم ﴿ أو إن يشأ يعذبكم ﴾ بتسليطهم عليكم ﴿ وما أرسلناك ﴾ يا محمد عليهم وكيلاً أي حافظاً موكولاً إليك أمرهم إنما أنت بشير ونذير.

والهداية إلى الله.

وقال جار الله: الكلمة التي هي أحسن مفسرة بقوله: ﴿ ربكم أعلم بكم ﴾ إلى آخره أي قولوا لهم الكلمة ونحوها ولا تقولوا لهم إنكم من أهل النار، وإنكم معذبون وما أشبه ذلك مما يزيد غيظهم.

وقوله: ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ اعتراض.

وقيل: المراد بالعباد الكفار أي قل لعبادي الذين أقروا بكونهم عباد إلي يقولوا الكلمة التي هي أحسن وهي كلمة التوحيد والبراءة من الشركاء والأضداد، لأن ذلك أحسن بالبديهة من الإشراك.

ووصفه بالقدرة على الحشر أحسن من وصفه بالعجز عنه، والحامل على مثل هذه العقائد هو الشيطان المعادي.

ثم قال لهم: ﴿ ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم ﴾ بتوفيق الهداية، وإن يشأ يعذبكم بالإماتة على الكفر إلا أن تلك المشيئة غائبة عنكم فلا تقصروا في الجد والطلب.

ثم قال لرسوله: ﴿ وما أرسلناك عليهم وكيلاً ﴾ حتى تقسرهم على الإسلام وما عليك إلا البلاغ على سبيل الرفق والمداراة وهذا قبل نزول آية السيف.

وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب شتمه رجل فأمره الله بالعفو.

وقيل: أفرط إيذاء المشركين للمسلمين فشكوا إلى رسول الله  فنزلت.

وحين قال: ﴿ ربكم أعلم بكم ﴾ عمم الحكم فقال: ﴿ وربك أعلم بمن في السموات والأرض ﴾ يعني أن علمه غير مقصور عليكم ولا على أحوالكم بل علمه متعلق بجميع الموجودات وبما يليق بكل منها وبذلك حصل التمايز والتفاضل كما قال: ﴿ ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ﴾ وفيه رد على أهل مكة في إنكارهم أن يكون يتيم أبي طالب مفضلاً على الخلائق ونبياً دون صناديد قريش وأكابرهم.

وأنما ختم الآية بقوله: ﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ ليعلم أن التفضيل ليس بالمال والملك وإنما هو بالعلم والدين فإن داود كان ملكاً عظيماً ولم يذكره الله  إلا بمزية إيتاء الكتاب.

وفيه أيضاً إشارة إلى أن محمداً  خاتم الأنبياء وأمته خير الأمم بدليل قوله: { ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون  ﴾ أي محمد وأمته.

ومعنى التنكير في "زبور" أنه كامل في كونه كتاباً.

والزبور وزبور كالعباس وعباس والحسن وحسن، أو المراد بعض الزبر أو الزبور كما يسمى بعض القرآن قرآناً.

وقيل: إن كفار قريش ما كانوا أهل نظر وجدال بل كانوا يرجعون إلى اليهود في استخراج الشبهات، وكانت اليهود تقول: إنه لا نبي بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة، فنقض الله كلامهم بإنزال الزبور على داود بعد موسى.

ثم رد على طائفة من المشركين كانوا يعبدون تماثيل على أنها صور الملائكة، أو على طائفة من أهل الكتاب كانوا يقولون بآلهية عيسى ومريم وعزير فقال: ﴿ قل ادع الذين زعمتم من دونه ﴾ وقيل: أراد بالذين زعمتم نفراً من الجن عبدهم ناس من العرب ثم أسلم الجن ولم يشعروا.

وإنما خصصت الآية بإحدى هؤلاء الطوائف لأن قوله بعد ذلك ﴿ يبتغون إلى ربهم الوسيلة ﴾ لا يليق بالجمادات.

قال ابن عباس: كل موضع في كتاب الله ورد فيه لفظ الزعم فهم بمعنى الكذب.

وتقرير الرد أن المعبود الحق هو الذي قدر على إزالة الضر وتحويله من حال إلى حال أو مكان إلى مكان، وهذه التي زعمتم أنها آلهية لا تقدر على شيء من ذلك فوجب القطع بأنها ليست بآلهة.

سؤال: ما الدليل على أن الملائكة لا قدرة لها على كشف الضر؟

فإن قلتم لأنا نرى أولئك الكفار كانوا يتضرعون إليها ولا تحصل الإجابة قلنا: إن المسلمين أيضاً يتضرعون إلى الله ولا يجابون، وبتقدير الإجابة في بعض الأوقات فالكفار أيضاً يحصل مطلوبهم أحياناً فيقولون إنه من الملائكة.

جوابه أن الملائكة مقرّون بأن الإله الأعظم خالق العالم، فكمال قدرته معلوم متفق عليه وكمال قدرة الملائكة غير معلوم ولا متفق عليه، بل المتفق عليه أن قدرتهم بالنسبة إلى قدرة الله قليلة حقيرة، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الاشتغال بعبادة الإله الأعظم أولى وأجدر أخذاً بالمعلوم المتيقن دون المظنون الموهوم.

على أن أهل السنة قاطعون بأنه لا تأثير لشيء في الوجود إلا لله  .

يقول مؤلف هذا التفسير: أضعف عباد الله  وأحوجهم إليه الحسن بن محمد المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في أولاه وأخراه.

رأيت في بعض الكتب مروياً عن أمير المؤمنين علي  : من وقع في ملمة أو طلب كفاية مهم فليسجد في خلوة وليقل في سجدته إلهي أنت الذي قلت: ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً ﴾ فيا من يملك كشف الضر عنا وتحويله اكشف ما بي، فإنه إذا قال ذلك كشف الله عنه ضره وكفى مهمه.

وقد جرب فوجد كذلك.

ثم إنه  أكد عدم اقتدار معبوديهم ببيان غاية افتقارهم إلى الله  في جذب المنافع ودفع المضار فقال: ﴿ أولئك ﴾ وهو مبتدأ و ﴿ الذين يدعون ﴾ صفته ﴿ ويبتغون ﴾ خبره يعني أولئك المعبودين يطلبون ﴿ إلى ربهم الوسيلة ﴾ أي القربة في الحوائج و ﴿ أيهم ﴾ بدل من واو ﴿ ويبتغون ﴾ وهو موصول وصدر صلته محذوف أي يبتغي من هو أقرب الوسيلة إلى الله فكيف بغير الأقرب؟

والدليل على هذا الافتقار إقرار جميع الكفار بإمكانهم الذاتي وجوز في الكشاف أن يضمن يبتغون الوسيلة معنى يحرصون فكأنه قيل: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله وذلك بازدياد الخير والطاعة والصلاح، ويرجون ويخافون كغيرهم من العباد.

وقيل: أولئك الذين يدعون هم الأنبياء الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿ لقد فضلنا بعض النبيين ﴾ أي الذين عظمت منزلتهم وهم الأنبياء الداعون للأمم إلى الله، لا يعبدون إلا الله ولا يبتغون الوسيلة إلا إليه فأنتم أحق بالعبادة.

واحتج هذا القائل على صحة قوله بأن الله  قال: ﴿ يخافون عذابه ﴾ والملائكة لا يعصون الله فكيف يخافون عذابه؟

وأجيب بأنهم يخافون عذابه لو أقدموا على الذنب لقوله: ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم  ﴾ ، ﴿ إن عذاب ربك كان محذوراً ﴾ أي حقيقاً بأن يحذره كل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل فضلاً عن غيرهم، فإن لم يحذره بعض الجهلة فإنه لا يخرج من كونه واجب الحذر.

ثم بين مآل حال الدنيا وأهلها فقال: ﴿ وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة ﴾ بالموت والاستئصال ﴿ أو معذبوها ﴾ بالقتل وأنواع العذاب كالسبي والاغتنام.

وقيل: الهلاك للصالحة والتعذيب للطالحة ﴿ كان ذلك في الكتاب ﴾ وهو اللوح المحفوظ ﴿ مسطوراً ﴾ فلا يوجد له تبديل قط.

ثم ذكر نوعاً آخر من سننه فقال: ﴿ وما منعنا ﴾ استعار المنع للترك من أجل لزوم خلاف الحكمة والمشيئة.

عن سعيد بن جبير أن كفار قريش اقترحوا منه آيات باهرة كإحياء الموتى ونحوه.

وعن ابن عباس أنهم سألوا الرسول أن يجعل لهم الصفا ذهباً وأن يزيل عنهم الجبال حتى يزرعوا تلك الأراضي، فطلب النبي  من الله  ذلك فقال: إن شئت فعلت لكنهم إن كفروا بعد ذلك أهلكتهم.

فقال الرسول  : لا أريد ذلك وأنزل الله الآية.

والمعنى وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات ﴿ إلا أن كذب بها ﴾ الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك واستوجبوا عذاب الاستئصال على ما أجرى الله  به عادته.

والحاصل أن المانع من إرسال الآيات التي اقترحوها هو أن الاقتراح مع التكذيب موجب للهلاك الكلي، وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعث إليهم إلى يوم القيامة، ويحتمل أن يراد أنهم مقلدون لآبائهم فلا يؤمنون ألبتة كما لم يؤمنوا فيكون إرسال الآيات ضائعاً.

ثم استشهد على ما ذكر بقصة صالح وناقته لأن آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبة يبصرها صادرهم وواردهم وهذا معنى قوله ﴿ مبصرة ﴾ أو المراد حال كون الناقة آية بينة يبصر المتأمل بها رشده ﴿ فظلموا ﴾ أنفسهم بقتلها أو فكفروا ﴿ بها ﴾ بمعنى أنهم حجدوا كونها من الله قاله ابن قتيبة ﴿ وما نرسل بالآيات ﴾ المقترحة ﴿ إلا تخويفاً ﴾ من نزول العذاب العاجل بمعنى أن من أنكرها وقع عليه، أو المراد وما نرسل بآيات القرآن وغيرها من المعجزات إلا إنذاراً بعذاب الآخرة على المعنى المذكور.

وحين امتنع من إرسال الآيات المقترحة على رسوله للمصارف المذكورة قوى قلبه بوعد النصر بالغلبة فقال: ﴿ وإذ قلنا لك إن ربك ﴾ أي واذكر إذا أوحينا إليك أن ربك ﴿ أحاط بالناس ﴾ أي أنهم في قبضته وقدرته فلا يقدرون على خلاف إرادته فينصرك ويقويك حتى تبلغ الرسالة.

عن الحسن: حال بينهم وبينه أن يقتلوه كما قال: ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ وقيل: أراد بالناس أهل مكة،وأحاط في معنى الاستقبال إلا أن خبر الله  لما كان واجب الوقوع عبر عنه بلفظ الماضي، وعد نبيه بأنه سيهلك قريشاً في وقعة بدر.

أما قوله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ ففيه أقوال: الأول أنه تعالى أراه في المنام مصارع كفار قريش حتى قال: والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يأتي الأرض ويقول: هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان، فلما سمع قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية وكانوا يستعجلون بما وعد.

الثاني: أنه رؤياه التي رأى أن يدخل مكة وبذلك أخبر أصحابه، فلما منع من البيت الحرام عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم.

وقال عمر لأبي بكر: قد أخبرنا رسول الله  أنا ندخل البيت فنطوف به.

فقال أبو بكر: إنه لم يخبر أنا نفعل ذلك في هذه السنة فسنفعل ذلك في سنة أخرى.

فلما جاء العام القابل دخلها وأنزل الله  : ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق  ﴾ .

الثالث: قول سعيد بن المسيب وابن عباس في رواية عطاء أن رسول الله  رأى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك.

الرابع وهو قول أكثر المفسرين: أن المراد بهذه الرؤيا هي حديث الإسراء.

ثم اختلفوا، فالأكثرون على أن الرؤيا بمعنى الرؤية يقال: رأيت بعيني رؤية ورؤيا، أو سماها رؤيا على قول المكذبين حين قالوا لعلها رؤيا رأيتها وخيال خيل إليك.

والأقلون على أن الإسراء كان في المنام وقد مر هذا البحث في أول السورة.

قوله: ﴿ والشجرة ﴾ فيه تقديم وتأخير، والتقدير وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس قال الأكثرون: إنها شجرة الزقوم لقيت في القرآن حيث لعن طاعموها.

قال عز من قائل: ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ أو وصفت باللعن لأنه إلا بعاد وهي في أصل الجحيم أبعد مكان من الرحمة، أو العرب تقول لكل طعام مكروه ضارّ ملعون.

والفتنة فيها أن أبا جهل وغيره قالوا: زعم صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجر ثم يقول ينبت فيها الشجر فأنزل الله  هذه الآية.

ونظيره قوله: ﴿ إنا جعلناها فتنة للظالمين  ﴾ .

ومن شاهد حال السمندل والنعامة كيف يتعجب من قدرة الله على إنبات الشجرة من جنس لا تعمل فيه النار.

وعن ابن عباس: الشجرة الملعونة بنو أمية.

وعنه هي الكشوث التي تتلوى بالشجر تجعل في الشراب.

وقيل: هي الشيطان.

وقيل: اليهود سؤال: أي تعلق لحديث الرؤيا والشجرة إلى ما قبله من الكلام؟

جوابه كأنه قيل: إنهم لما طلبوا هذه المعجزات ثم إنك لم تظهرها صار عدم ظهورها شبهة في أنك لست بصادق في دعوى النبوة إلا أن وقوع هذه الشبهة لا ينبغي أن يكون سبباً في توهين أمرك.

ألا ترى أن ذكر تلك الرؤيا والشجرة صار سبباً لوقوع الشبهة العظيمة، ثم إنها ما أوجبت ضعفاً في أمرك ولا فتوراً في اجتماع المحقين عليك.

ثم ذكر سبباً آخر في أنه  لا يظهر المقترحات عليهم فقال: ﴿ ونخوفهم ﴾ بمخاوف الدنيا والآخرة ﴿ فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً ﴾ متمادياً.

التأويل: ﴿ لا بتغوا إلى ذي العرش سبيلاً ﴾ يشتمل معنيين لأنهم إن كانوا أكبر منه أو أمثالاً له طلبوا طريقاً إلى إزعاج صاحب العرش ونزع الملك منه قهراً، وإن كانوا أدون منه طلبوا إليه الوسيلة بالخدمة والعبودية على أن الناقص لا يصلح للإلهية وهذا قريب من التفسير: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ لكل ذرة من ذرات الموجودات ملكوت لقوله: { ﴿ فسبحان الذين بيده ملكوت كل شيء  ﴾ والملكوت باطن الكون وهو الآخرة، والآخرة حيوان لا جماد لقوله: ﴿ إن الدار الآخرة لهي الحيوان  ﴾ فلكل ذرة لسان ملكوتي ناطق بالتسبيح والحمد تنزيهاً لصانعه وحمداً له على ما أولاه من نعمه، وبهذا اللسان ينطق الحصى في كف النبي  وبه تنطق الأرض يوم القيامة ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ {الزلزلة: 4] وبه تنطق الجوارح ﴿ أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء  ﴾ وبه نطق السموات والأرض ﴿ قالتا أتينا طائعين  ﴾ ﴿ وإنه كان حليماً ﴾ في الأزل إذا أخرج من العدم من يكفر به ويجحده ﴿ غفوراً ﴾ لمن تاب عن كفره.

﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ فيه إشارة إلى أن من قرأ القرآن بتمامه وصل إلى أعلى معارج القدس وأقصى مدارج الأنس كما جاء في الحديث "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق" .

قال أبو سليمان الخطابي: جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة فمن استوفى جميع آي القرآن استولى على أقصى درجات الجنة.

قال المحققون: استيفاء جميع آي القرآن هو أن يتخلق بأخلاقه وصفاته بل بأخلاق الله وصفات الله.

وهذا يكون بعد العبور عن الحجب الظلمانية والنورانية فيكون بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً.

لم يقل "ساتراً" لأن الحجاب يستر الواصل عن المنقطع ولا يستر المنقطع عن الواصل فيكون الواصل مستوراً بالحجاب المنقطع.

﴿ ولّوا على أدبارهم ﴾ لأنهم من سوء مزاجهم لا يكادون يقبلون الغذاء الصالح، فالحلاوة في مذاقهم مرارة ﴿ إذ يقول الظالمون ﴾ من ظلمهم لأنهم وضعوا المسحور مكان المبعوث أي ﴿ خلقاً مما يكبر في صدوركم ﴾ أي لو كانت قلوبكم التي في صدوركم أشد من الحجارة والحديد فالله قادر على إحيائه وتليينه في قيام قيامة العشق ﴿ يقولوا التي هي أحسن ﴾ من شرف من عبيده، فبتشريف الإضافة يظهر منه القول الأحسن وهو الدعاء إلى الله بلا إله إلا الله مخلصاً، والفعل الأحسن وهو أن يكون متأدباً بآداب الشريعة والطريقة، والخلق الأحسن وهو أن يكون محسناً إليهم بلا طمع الإحسان والشكر منهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويعيش فيهم بالنصيحة، يأمرهم بالمعروف بلا عنف وينهاهم عن المنكر بلا فضيحة ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ إذ لم يعيشوا بالنصيحة.

﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ فيه أن فضل النبي  على داود كفضل القرآن على الزبور.

﴿ وإن من قرية ﴾ من قرى قالب الإنسان ﴿ إلا نحن مهلكوها ﴾ بموت قلبه وروحه قبل موت قالبه فمن مات فقد قامت قيامته ﴿ أو معذبوها ﴾ بأنواع الرياضات والمجاهدات ففي السير إلى الله ذوبان الأفعال، وفي السير بالله ذوبان الصفات، وفي السير في الله ذوبان الذات: ﴿ أحاط بالناس ﴾ علم مقتضى كل نفس من الخير والشر ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك ﴾ كان الوحي يصل إلى النبي  في مبدأ أمره بطريق المنام وكان في ذلك اختبار للناس، فمن وقته يظهر الموافق من المنافق والصديق من الزنديق، وهكذا كان في شجرة وجود إبليس ابتلاء للناس ولم يكن للمحيط بأحوال الناس حاجة إلى الابتلاء ولكنه يعامل معاملة المختبر والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً ﴾ .

وفي سورة سبأ: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ...

﴾ الآية [سبأ: 22]، فيشبه أن يكون الآية عندما نزل بهم البلايا والشدائد على ما قاله أهل التأويل، فأمروا عند ذلك أن يطلبوا كشف ذلك عنهم من الذين يعبدون [من دون الله]، فيقول لهم: ادعوا الذين زعمتم أنها آلهة دونه يكشفوا عنكم ما نزل بكم.

ويشبه أن يكون لا على نازلة؛ ولكن على تبيين سفه أولئك، حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وقالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ : أخبر أن ليس لهؤلاء شفاعة عند الله، وأن عبادتهم إياها لا تقربهم إلى الله زلفى، كقوله: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ  ﴾ : أخبر أنهم لا يملكون ما يطعمون بعبادتهم إياها.

أو أن يذكر هذا؛ لقطع ما يرجون من دون الله من كشف ضرّ عنهم ودفعه، أو جر نفع إليهم وسوق خير، على ما أخبر أنه لا يملك ذلك أحد سواه كقوله: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ...

﴾ الآية [فاطر: 2]، وقوله: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [الأنعام: 17]: أخبر أنه لو فتح هو رحمة لا يملك أحد دونه إمساكها، ولو أمسك هو لا يملك أحد إرسالها دونه، ولو مسّ ضرّ لا يملك أحد كشفه، وإن أراد خيراً لا يملك أحد دفعه ورده.

هذا يذكر - والله أعلم - للمسلمين؛ لئلا يرجوا أحداً من الخلائق دون الله ولا يخافوا أحداً سواه.

ثم صرف أهل التأويل تأويل الآية إلى الملائكة، لكن الآية تحتمل كل معبود دون الله: الملائكة والجنّ والأصنام التي عبدوها.

وأمّا الآية الثانية التي تتلوها ظاهرها في الملائكة والجن، وهو قوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ ﴾ .

أي: أولئك الذين يعبدون من دون الله يبتغون هم إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ﴿ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ...

﴾ الآية [الإسراء: 57]: اختلف فيه: منهم من صرفها إلى الملائكة.

ومنهم من صرفها إلى الجنّ، وهو قول عبد الله بن مسعود -  - يقول: إن قوماً من العرب كانوا يعبدون الجن، ثمّ أسلم الجنّ، فبقي أولئك [كما] كانوا يعبدونهم بعد إسلامهم؛ فيقول: أولئك الذين [يعبدون من دون الله] يبتغون إلى ربهم الوسيلة؛ فكيف تعبدونهم؟!

ومن قال: إنها في الملائكة - اختلفوا في قوله: ﴿ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ﴾ : قال الحسن: يرجون محبته ورضاه، ﴿ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ﴾ ، أي: خوف الهيبة والجلال والعظمة لا خوف عذاب النار ونقمته؛ لأن الله -  - عصمهم من أن يرتكبوا ما يوجب لهم النقمة والعذاب؛ حيث قال: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ  ﴾ ، وقال: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ  ﴾ ، وقال في قوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ  ﴾ : هذا إخبار أنهم لو قالوا ذلك لفعل بهم ما ذكر ليس على أن يقول أحد منهم ذلك.

وقال أبو بكر: ﴿ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ﴾ : ثوابه، ﴿ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ﴾ : نقمته؛ حيث قال: فهم من الوعيد ما قال: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ...

﴾ الآية [الأنبياء: 29]؛ فقد أثبت لهم الوعيد فيه، لكن ثوابه ما يتلذذ به وعذابه ما يتألم به ويتوجع.

ومنهم من يقول من أهل التأويل ﴿ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ﴾ ، أي: جنته، لكن هذا يشبه أن يكونوا يرجون صحبة أهل الجنة؛ كقوله: ﴿ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ...

﴾ الآية [الرعد: 23-24].

وجائز عندنا صرف قوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ ﴾ إلى الأصنام التي عبدوها من دونه أيضاً، ويكون تأويل: ﴿ يَدْعُونَ ﴾ : يبتغون، أي: لو لم يكن لهم من العبادة والطاعة، وركب فيهم من أسبابها لكانوا كما ذكر، وهو كقوله: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ  ﴾ ، أي: لو مكن له وركب فيه ما ركب في البشر ومكن لهم ﴿ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ  ﴾ على ما ذكر من سفه أولئك الذين عبدوا [من] دون الله؛ يقول: كيف تعبدون من لو مكن من العبادة والطاعة لكانوا يبتغون بذلك الوسيلة إلى ربهم؟!

أو كيف تعبدون من هو بطاعة ربه يبتغي الوسيلة إليه؟!؛ إن كانت الآية في الملائكة؛ كأنه يذكر سفه أهل مكة؛ حيث سألوا العذاب بقوله: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً...

﴾ الآية [الأنفال: 32] ونحوه، وأهل السماء والأرض جميعاً يحذرون عذابه.

وقوله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ ﴾ ما ذكر: ليس هو بأمر في الحقيقة، وإن كان ظاهره أمراً؛ ولكن إخبار عن عجز ما يدعون من دونه، وتعجيز ما ذكر من كشف الضرّ ودفعه والتحويل، وكذلك قوله: ﴿ قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً...

﴾ الآية [الإسراء: 50]: ليس هو بأمر؛ إنما هو إخبار عن قدرته أنه لا يعجزه شيء، وإن بدلتم أصلب الأشياء وأعظمها.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ ﴾ ، أي: دفعه وردّه، ﴿ وَلاَ تَحْوِيلاً ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: فلا يملكون تحويل ذلك الضرّ إلى غيركم ولا صرفه.

والثاني: ﴿ وَلاَ تَحْوِيلاً ﴾ من الأشد والأثقل إلى الأخف والأيسر [والأهون].

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً ﴾ .

أي: يحذره أهل السماء و [أهل] الأرض.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: وإن من قرية إلا نحن مميتوها، وقد يستعمل الهلاك في موضع الموت؛ كقوله: ﴿ ٱمْرُؤٌ هَلَكَ  ﴾ ، أي: مات، ويقال - أيضاً -: هلك فلان، أي: مات، فعلى ذلك يكون قوله: ﴿ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا ﴾ \[أي\]: مميتوها ﴿ قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ  ﴾ .

﴿ أَوْ مُعَذِّبُوهَا ﴾ ، أي: منتقموها ﴿ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ ؛ فعلى تأويله يصحّ على جميع القرى والمدن، ليس قرية دون قرية، ولا مدينة دون مدينة؛ ولكن على الكل على ما أخبر من إهلاك الكل بقوله: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ  ﴾ ، و ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ  ﴾ .

ويحتمل ما ذكر من إهلاك القرية: إهلاك الأهل؛ من إهلاك القرية بعد إهلاكهم؛ على ما فعل بكثير من القرى.

وجائز أن يكون يهلك الأهل ويبقي القرية على حالها، ثم تهلك بنفسها قبل يوم القيامة، والله أعلم.

وعلى تأويل أبي بكر يفعل ذا أو ذا: إمّا يميتهم [موتا] بآجالهم، أو يعذبهم عذاب إهلاك.

وقال الحسن: قوله: ﴿ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا ﴾ ، أي: مميتوها؛ على ما قال أبو بكر؛ ﴿ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً ﴾ : يقول: إذا قامت الساعة قبل يوم القيامة؛ كقوله: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ...

﴾ الآية [الزمر: 68]، وقوله: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ...

﴾ الآية [الحج: 1]؛ فذلك كله قبل يوم القيامة، وهو يقول: إن الساعة تقوم على شرار الناس؛ فيكون ما ذكر من التعذيب لأولئك الذين تقوم بهم الساعة على قوله.

وقال قتادة: هذا قضاء من الله كما تسمعه ليس منه بدّ: إمّا أن يهلكها بموت؛ كقوله: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ  ﴾ ، وإمّا أن يهلكها بعذاب مستأصل إذا تركوا أمره وكذبوا رسله، وهو ما ذكرنا من الانتقام.

وقال بعضهم: يميت [أهل] القرية [الصالحة] بآجالهم، وأمّا القرية الظالمة فيأخذها بالعذاب الذي ذكر؛ فهو في القرون الماضية إن احتمل ذلك.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ، وهو أن يهلك رؤساء الكفرة وقادتهم؛ فيصير الدّين كله ديناً واحداً، وهو الإسلام؛ على ما قال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا  ﴾ قالوا: هو أن يهلك أهل الكفر؛ فيجعل ملك أهل الكفر لأهل الإسلام؛ فذلك نقصانها من أطرافها: لا يزال ينقص أهل الكفر قرية فقرية وبلدة فبلدة؛ حتى تصير الأرض كلها لأهل الإسلام، وهو ما روي عن نبي الله  أنه قال: "زُوِيَتْ لِيَ الأرضُ فأُرِيتُ مَشَارِقَهَا ومَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوي لِي مِنْهَا" ، فذلك - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا ﴾ ، أي: نهلك أهل الكفر.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً ﴾ : على ما أخبر أنه كان يفني جميع من كان على وجه الأرض، ويجعل الأرض مستوية لا بناء فيها ولا ارتفاع، حيث قال: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ...

﴾ الآية [طه: 105]، وقال: ﴿ وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً...

﴾ الآية [الواقعة: 5] أخبر أنه لا يبقي عليها أحد ولا بناء، فتصير كلها ﴿ فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً  لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً  ﴾ ؛ فذلك إهكلاكها وتعذيبها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً ﴾ .

قال بعضهم: كان ذلك في الكتاب الذي عند الله - وهو اللّوح المحفوظ - مكتوباً.

وقال بعضهم: كان ذلك في جميع كتب الله التي أنزلها على رسله مكتوباً، أي: ما من كتاب أنزله الله على رسله إلا وكان فيه ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ  ﴾ ، و ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ  ﴾ , مسطوراً، والله أعلم.

وقوله عزّ وجلّ -: ﴿ وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ ﴾ .

أخبر أنه ليس يمنعه من إنزال الآيات إلا تكذيب الأوّلين بها.

فإن قيل: فأي شيء فيما يكذب الأولون بالآيات؛ ما يمنع إنزالها على هؤلاء؟

قيل: كأنه على الإضمار، أي: ما منعنا أن نرسل بالآيات إلا علمنا بأن الآخرين يكذبون بها كما كذب بها الأوّلون.

فإن قيل: عن هذا يسأل: أن علمه بتكذيب الآخرين كعلمه بتكذيب الأولين، ثم لم يمنع علمه بتكذيب الأولين إياها إنزالها كيف منع علمه بتكذيب الآخرين ذلك؟!

أو ليس قد أرسل الرسول، وأنزل الكتاب على علم منه أنهم يكذبون الرسول والكتاب، ثم لم يمنع علمه بذلك إنزاله الكتاب وإرساله الرسول؟!

فكيف منع علمه بتكذيب الآيات منهم عن إرسال الآيات، ولم يمنع علمه بتكذيب الرسول [والكتاب] على بعث الرسول وإنزال الكتاب؟!

قيل: إنه قد مضى من سنته أنه إذا أنزل الآيات على أثر السؤال - أعني: سؤال الآيات - فكذبوها أهلكهم؛ هكذا مضت سنته في القرون الماضية، ثم قد سبق من وعده ألا يهلك هذه الأمة إهلاك تعذيب واستئصال في الدّنيا؛ رحمة منه وفضلاً على ما أخبر رسوله؛ حيث قال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ ، فرحمته أن منّ عليهم بإبقائهم وإزالة العذاب عنهم في الدنيا واستئصالهم؛ فكأنه قال - والله أعلم -: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا ما سبق من وعدنا ورحمتنا: ألا نهلك هذه الأمّة إهلاك استئصال وتعذيب، فذلك الوعد والرحمة الّذي ذكرنا منعنا عن إرسال الآيات على علم منّا أنهم يكذبونها إذا أرسلنا إليهم، وقد مضت السنّة منا على الإهلاك إذا أنزلنا الآيات على أثر سؤالهم إياها ثم التكذيب من بعد، ثم قد سبق الوعد لهؤلاء ألا يهلكوا في الدنيا إهلاك تعذيب؛ رحمة منه لهم على ما أخبر أنه لم يرسل إلا رحمة للعالمين.

وأصله: أن الله - عزّ وجلّ - قد أنزل الآيات والحجج [على إثبات رسالة الرسل آيات كافية، وحججاً تامة ما لم يقع لهم الحاجة إلى غيرها من الآيات والحجج]، فما سألوا من الآيات والحجج من بعد إنما سألوا سؤال تعنت وتمرد، لا سؤال استرشاد واستهداء، فإذا كان سؤالهم الآيات سؤال عناد وتعنت - أهلكوا إذا كذبوها، ولم ينظروا؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ  ﴾ ، ونحوه؛ ألا ترى أن عيسى -  - سألوه أن يسأل ربّه أن ينزل عليهم مائدة من السماء؛ لتكون لهم آية منه؛ فسأله، فأخبر أنه ينزلها عليكم، ثم أخبر ما يفعل بهم إذا كفروا بعد ذلك، وهم كانوا يسألونه سؤال تعنت وتمرد؛ فقال: ﴿ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ الآية [المائدة: 115].

هكذا كانت سننه فيمن سأل الآيات سؤال تعنت وعناد.

وجائز أن يكون الذي منع عن إرسال الآيات على أثر السؤال وإهلاك هذه الأمة: ما يكون من الإسلام من نسل هذه الأمة بعد نبيهم، وإبقاء التناسل إلى يوم القيامة، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً ﴾ .

قيل: آية لرسالة صالح.

وقال بعضهم: ﴿ مُبْصِرَةً ﴾ ، أي: معاينة يعاينونها أنها آية من الله لهم؛ حيث رأوها مخالفة لنوقهم، وهو ما قال: ﴿ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً  ﴾ .

﴿ فَظَلَمُواْ بِهَا ﴾ ، أي: كذبوا بها وجحدوها ثم عقروها بعد علمهم أنها آية من الله لهم؛ حيث رأوها وعاينوها خلافاً لنوقهم، خارجة عن نوق البشر، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً ﴾ .

قال ابن عباس والحسن وغيرهما: الموت الذريع، أي: السريع.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً ﴾ للناس؛ فإن لم يؤمنوا بها عذبوا في الدنيا.

أو يقول: وما نزل بالآيات مقرونة بالسؤال سؤال التعنت فكذبوها - ﴿ إِلاَّ تَخْوِيفاً ﴾ للهلاك، على ما ذكرنا من الآيات التي سألوها.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ ﴾ : على أثر السؤال بها ثم التكذيب لها، ﴿ إِلاَّ تَخْوِيفاً ﴾ لمن تأخر ممن سأل مثلها فكذب [بها]، أو كلام نحوه.

ويحتمل الآيات التي ذكر: كسوف الشمس والقمر وغيره، وما نرسل ذلك إلا تخويفاً للناس، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ ﴾ .

أي: وقد قلنا لك: إن ربك أحاط بالناس، الإحاطة بالشيء تكون بالوجوه الثلاثة: أحدها: بالغلبة والقدرة والسلطان؛ كقوله: ﴿ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ  ﴾ ، أي: أخذهم الهلاك والغلبة وقدر عليهم.

والثاني: الإحاطة: العلم به؛ كقوله: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً  ﴾ ، أي: عالماً، وقوله: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ  ﴾ ، أي: لا يعلمون.

والثالث: الإحاطة المعروفة بين الخلق، من إحاطة بعضهم بعضاً، فذلك لا يحتمل في الله  وتعالى - فهو على الوجهين الأولين: على إحاطة العلم بهم، أو القدرة عليهم والغلبة.

ثم قوله: ﴿ أَحَاطَ ﴾ \[اختلف فيه\]: قال بعضهم: أحاط بأعمالهم [بما لهم]، وما عليهم، وبما لا يصلح لهم وما يصلح، وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ .

وقال بعضهم: إنهم كانوا يمكرون برسول الله  ؛ يريدون إطفاء نوره، ويمنعونه عن تبليغ الرسالة؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ الآية [الأنفال: 30]؛ فيقول ﴿ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ ﴾ ، أي: قد علم بمكرهم بك، على علم منه بمكرهم بك بعثك رسولاً إليهم، وكلفك على تبليغ الرسالة إليهم، لكنه وعد أن يعصمك منهم ويمنعك [عنهم]؛ حتى تبلغ الرسالة؛ بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً...

﴾ الآية [الجن: 27].

كان - عزّ وجلّ - يبعث الرسل ويكلّفهم تبليغ الرسالة إليهم على علم منه بما يكون من قومهم من المنع والمكر برسله، لكنه عصمهم، ومكن لهم؛ حتى بلغوا الرسالة إليهم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ ﴾ بالعلم والقدوة والغلبة عليهم، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ - ﴿ وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: إن الرؤيا التي أراها إياه لم تكن رؤيا المنام؛ ولكن رؤية يقظة ورؤيا عين، معاينة بالتي تنام، لا بالذي لا ينام منه لأنه روي عنه  أنه قال: "تَنَامُ عَيْنَاي، وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي" ، فإنما أراه من الرؤيا بالعين التي كانت تنام لا رؤيا قلب وعلم.

قال سعيد بن المسيب: هي رؤيا منام: روي أن نبي الله  رأى قوماً على منابر، فساءه ذلك، فذكر أنهم كانوا يعطون مالاً؛ فذلك فتنة لهم.

وقال بعضهم: إنه أري رسول الله  في المنام كأنه يدخل المسجد الحرام آمناً، فأخبر بذلك أصحابه أنه رأى ذلك، فلما كان عام الحديبية، وصرف عن البيت ارتاب بعض الناس في رؤياه، فذلك فتنة للناس على ما أخبر، لكنّه لم يبيّن له متى يدخل فيه، وقد وعد أنه يدخل فيه آمناً، وهو ما قال: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ...

﴾ الآية [الفتح: 27].

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ﴾ ، والفتنة: المحنة الشديدة، فإن كان ذلك في الرؤيا التي رآها في مسير بيت المقدس، وما أخبر من الآيات - لا يتوهم مثل ذلك بتعليم بشر ولا بسحر؛ فذلك الذي أخبرهم أنه رأى فتنة لهم ومحنة في التصديق والتكذيب في الخبر الذي أخبر [من الآيات، لا يتوهم، مثل ذلك بتعليم بشر]، فإن كان على رؤيا منام فهو فتنة لما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ ﴾ .

أي: كانت الشجرة الملعونة التي ذكرت في القران - أيضاً - فتنة لهم؛ كقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ...

﴾ الآية [الصافات: 63-64].

ووجه فتنتها لهم: ما ذكر في القصّة: أنهم قالوا: إن محمّداً يقول: إنّ في النّار شجرة، والنار من طبعها أن تأكل الشجرة؛ فكيف يكون في النار الشجرة، وهي تأكلها؟

ولكن لم يعرفوا أن شجر النار يكون من النار، وشرابهم من النار، وكذلك طعامهم من النار؛ فإذا كان من النار لم تأكلها النار.

ومنهم من قال: الزقوم: هو الزبد والتمر؛ فكيف يكون فيها ذلك؟!

فيدعون بذلك الكذب عليه فيما يخبرهم: إن في النار شجرة؛ فتلك الشجرة - أيضاً - كانت فتنة لهم ومحنة في تصديق رسول الله وتكذيبه.

وسماها ﴿ ٱلْمَلْعُونَةَ ﴾ قال بعضهم: إن العرب سمت كل ضارّ مؤذ ملعوناً؛ فلذلك سميت شجرة الزقوم ملعونة؛ إذ كانت ضارة لأهلها مؤذية.

قال الحسن: سميت: ملعونة؛ لما لعن أهلها بها؛ فسميت باسم أهلها، وهو ما سمي النهار مبصراً، والنهار لا يبصر؛ ولكن يبصر به؛ فسمي باسمه؛ فعلى ذلك هذا.

وأصل اللّعن: الطرد؛ فطرد منها كل خير ونفع؛ فهي ملعونة، وكقوله: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ : أضاف الإضلال إلى الأصنام [والأصنام]، لا صنع لها في ذلك؛ لكن كثيراً من الناس ضلّوا بها؛ فكأنها أضلتهم، وكقوله: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا  ﴾ ، أي: اغتروا بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي ٱلقُرْآنِ ﴾ ، أي: ذكرت في القرآن، وإلا: الشجرة لا تكون في القرآن، وهو ما ذكر من المصائب وغيرها، كقوله: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [الحديد: 22]، والمصائب لا تكون في الكتاب؛ لكن ذكرت فيه ويخوفهم بما ذكرنا.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً ﴾ [هو ما ذكرنا في قوله: ﴿ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً  ﴾ وقوله: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ  ﴾ فزادهم ما ذكر].

لأنهم نظروا إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء فزادهم ما ذكر، وأما أهل الإسلام فزاد لهم إيماناً وهدى؛ لأنهم نظروا إليه بعين التعظيم والتبجيل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما تركنا إنزال العلامات الحسية الدالة على صدق الرسول التي طلبها المشركون كإحياء الموتى ونحوه، إلا لأننا أنزلناها على الأمم الأولى فكذبوا بها، فقد أعطينا ثمود آية عظيمة واضحة، هي الناقة، فكفروا بها فعاجلناهم بالعذاب، وما نبعث بالآيات على أيدي الرسل إلا تخويفًا لأممهم؛ لعلهم يسلمون.

<div class="verse-tafsir" id="91.7xrLy"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله