الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٦٠ من سورة الإسراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 161 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٠ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم محرضا له على إبلاغ رسالته ومخبرا له بأنه قد عصمه من الناس فإنه القادر عليهم وهم في قبضته وتحت قهره وغلبته قال مجاهد وعروة بن الزبير والحسن وقتادة وغيرهم في قوله : ( وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ) أي عصمك منهم وقوله : ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) قال البخاري حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) قال هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به ( والشجرة الملعونة في القرآن ) شجرة الزقوم .
وكذا رواه أحمد وعبد الرزاق وغيرهما ، عن سفيان بن عيينة به ، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس وهكذا فسر ذلك بليلة الإسراء مجاهد وسعيد بن جبير والحسن ومسروق وإبراهيم وقتادة وعبد الرحمن بن زيد وغير واحد وقد تقدمت أحاديث الإسراء في أول السورة مستقصاة ولله الحمد والمنة وتقدم أن ناسا رجعوا عن دينهم بعدما كانوا على الحق لأنه لم تحمل قلوبهم وعقولهم ذلك فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه وجعل الله ذلك ثباتا ويقينا لآخرين ولهذا قال : ( إلا فتنة ) أي اختبارا وامتحانا وأما الشجرة الملعونة فهي شجرة الزقوم كما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى الجنة والنار ورأى شجرة الزقوم فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل لعنه الله [ بقوله هاتوا لنا تمرا وزبدا وجعل يأكل هذا بهذا ويقول تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا حكى ذلك ابن عباس ومسروق وأبو مالك والحسن البصري وغير واحد وكل من قال إنها ليلة الإسراء فسره كذلك بشجرة الزقوم وقد قيل المراد بالشجرة الملعونة بنو أمية وهو غريب ضعيف قال ابن جرير حدثت عن محمد بن الحسن بن زبالة حدثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد حدثني أبي عن جدي قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني فلان ينزون على منبره نزو القرود فساءه ذلك فما استجمع ضاحكا حتى مات قال وأنزل الله في ذلك ) وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) الآية .
وهذا السند ضعيف جدا فإن محمد بن الحسن بن زبالة متروك وشيخه أيضا ضعيف بالكلية ولهذا اختار ابن جرير أن المراد بذلك ليلة الإسراء وأن الشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم ، قال لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك أي في الرؤيا والشجرة وقوله : ( ونخوفهم ) أي الكفار بالوعيد والعذاب والنكال ( فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ) أي تماديا فيما هم فيه من الكفر والضلال وذلك من خذلان الله لهم
وهذا حضّ من الله تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، على تبليغ رسالته، وإعلام منه أنه قد تقدّم منه إليه القول بأنه سيمنعه، من كلّ من بغاه سوءا وهلاكا، يقول جلّ ثناؤه: واذكر يا محمد إذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس قدرة، فهم في قبضته لا يقدرون على الخروج من مشيئته، ونحن مانعوك منهم، فلا تتهيَّب منهم أحدا، وامض لما أمرناك به من تبليغ رسالتنا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، قال: سمعت الحسن يقول: أحاط بالناس، عصمك من الناس.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو بكر الهذلي، عن الحسن ( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ) قال: يقول : أحطت لك بالعرب أن لا يقتلوك، فعرف أنه لا يُقتل.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (أحاطَ بالنَّاسِ) قال: فهم في قبضته.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير قوله (أحاطَ بالنَّاسِ) قال: منعك من الناس.
قال معمر، قال قتادة ، مثله.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله ( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ) قال : منعك من الناس.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ) أي منعك من الناس حتى تبلِّغ رسالة ربك.
وقوله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: هو رؤيا عين، وهي ما رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم لما أُسري به من مكة إلى بيت المقدس.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو ، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به، وليست برؤيا منام.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، سُئِل عن قوله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال: هي رؤيا عين رآها النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، بنحوه.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عمرو، عن فرات القزاز، عن سعيد بن جبير ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال : كان ذلك ليلة أُسري به إلى بيت المقدس، فرأى ما رأى فكذّبه المشركون حين أخبرهم.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال: أُسري به عشاء إلى بيت المقدس، فصلى فيه، وأراه الله ما أراه من الآيات، ثم أصبح بمكة، فأخبرهم أنه أُسري به إلى بيت المقدس، فقالوا له: يا محمد ما شأنك، أمسيت فيه ، ثم أصبحت فينا تخبرنا أنك أتيت بيت المقدس، فعجبوا من ذلك حتى ارتدّ بعضهم عن الإسلام.
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال: قال كفار أهل مكة: أليس من كذب ابن أبي كبشة أنه يزعم أنه سار مسيرة شهرين في ليلة.
حدثني أبو حصين، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن أبي مالك في هذه الآية ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال : مسيره إلى بيت المقدس.
حدثني أبو السائب ويعقوب، قالا ثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبد الله، عن أبي الضحى، عن مسروق في قوله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال: حين أُسري به.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال: ليلة أُسري به.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال: الرؤيا التي أريناك في بيت المقدس حين أُسري به، فكانت تلك فتنة الكافر.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) يقول: الله أراه من الآيات والعبر في مسيره إلى بيت المقدس.
ذُكر لنا أن ناسا ارتدّوا بعد إسلامهم حين حدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيره، أنكروا ذلك وكذّبوا له، وعجبوا منه، وقالوا: تحدّثنا أنك سرت مسيرة شهرين في ليلة واحدة.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال: هو ما أُري في بيت المقدس ليلة أُسري به.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ ) قال: أراه الله من الآيات في طريق بيت المقدس حين أُسري به، نـزلت فريضة الصلاة ليلة أُسري به قبل أن يهاجر بسنة وتسع سنين (1) من العشر التي مكثها بمكة، ثم رجع من ليلته، فقالت قريش: تعشى فينا وأصبح فينا، ثم زعم أنه جاء الشام في ليلة ثم رجع، وايم الله إن الحدأة لتجيئها شهرين: شهرا مقبلة، وشهرا مُدبرة.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال: هذا حين أُسري به إلى بيت المقدس، افتتن فيها ناس، فقالوا: يذهب إلى بيت المقدس ويرجع في ليلة: وقال: " لَمَّا أتانِي جَبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بالبُرَاقِ لِيَحْمِلَنِي عَلَيْها صَرَّتْ بأذُنَيْها، وَانْقَبَض بَعْضُها إلى بَعْضٍ، فَنَظَرَ إِلَيْها جَبْرَائِيلُ، فقالَ: وَالَّذِي بَعَثَنِي بالحَقّ مِنْ عِنْدِهِ ما رَكبَكَ أحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ خَيْرٌ مِنْهُ، قالَ: فَصرَّتْ بأُذُنَيْها وَارْفَضَّتْ عَرَقا حتى سالَ ما تَحْتَها، وكانَ مُنْتَهَى خَطْوُها عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفها " فلما أتاهم بذلك، قالوا: ما كان محمد لينتهي حتى يأتي بكذبة تخرج من أقطارها ، فأتوا أبا بكر رضي الله عنه فقالوا: هذا صاحبك يقول كذا وكذا، فقال: وقد قال ذلك؟
قالوا: نعم، فقال: إن كان قد قال ذلك فقد صدق، فقالوا: تصدّقه إن قال ذهب إلى بيت المقدس ورجع في ليلة؟
فقال أبو بكر: إي، نـزع الله عقولكم، أصدّقه بخبر السماء، والسماء أبعد من بيت المقدس، ولا أصدّقه بخبر بيت المقدس؟
قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إنا قد جئنا بيت المقدس فصفه لنا، فلما قالوا ذلك، رفعه الله تبارك وتعالى ومثله بين عينيه، فجعل يقول: هو كذا، وفيه كذا، فقال بعضهم: وأبيكم إن أخطأ منه حرفا، فقالوا: هذا رجل ساحر.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) يعني ليلة أُسري به إلى بيت المقدس، ثم رجع من ليلته، فكانت فتنة لهم.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال.
ثنا عيسى؛ وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله (الرُّؤْيَا التي أرَيْنَاكَ) قال: حين أُسري بمحمد صلى الله عليه وسلم.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.
وقال آخرون: هي رؤياه التي رأى أنه يدخل مكة.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) قال: يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُري أنه دخل مكة هو وأصحابه، وهو يومئذ بالمدينة، فعجَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى مكة قبل الأجل، فردّه المشركون، فقالت أناس: قد ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان حدثنا أنه سيدخلها، فكانت رجعته فتنتهم.
وقال آخرون ممن قال: هي رؤيا منام: إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في منامه قوما يعلون منبره.
* ذكر من قال ذلك: حدثت عن محمد بن الحسن بن زبالة، قال: ثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، قال: ثني أبي، عن جدّي، قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني فلان ينـزون على منبره نـزو القردة، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكا (2) حتى مات، قال: وأنـزل الله عزّ وجلّ في ذلك ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ )....
الآية.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى به رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى من الآيات والعبر في طريقه إلى بيت المقدس، وبيت المقدس ليلة أُسري به، وقد ذكرنا بعض ذلك في أوّل هذه السورة.
وإنما قُلنا ذلك أولى بالصواب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن هذه الآية إنما نـزلت في ذلك، وإياه عنى الله عّز وجلّ بها، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: وما جعلنا رؤياك التي أريناك ليلة أسرينا بك من مكة إلى بيت المقدس، إلا فتنة للناس: يقول: إلا بلاء للناس الذين ارتدّوا عن الإسلام، لمَّا أُخبروا بالرؤيا التي رآها، عليه الصلاة والسلام وللمشركين من أهل مكة الذين ازدادوا بسماعهم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم تماديا في غيهم، وكفرا إلى كفرهم.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (إِلا فِتْنَةً للنَّاسِ) (3) .
وأما قوله ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) فإن أهل التأويل اختلفوا فيها، فقال بعضهم: هي شجرة الزَّقُّوم.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا أبو عبيدة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) قال: شجرة الزَّقُّوم.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) قال: هي شجرة الزقوم، قال أبو جهل: أيخوّفني ابن أبي كبشة بشجرة الزَّقوم، ثم دعا بتمر وزُبد، فجعل يقول: زقمني، فأنـزل الله تعالى طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ وأنـزل ( وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا ).
حدثني أبو السائب ويعقوب، قالا ثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن أبي الضحى، عن مسروق ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) قال: شجرة الزقوم.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الحسن بن عبيد الله، عن أبي الضحى، عن مسروق، مثله.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) فإن قريشا كانوا يأكلون التمر والزبد، ويقولون: تزقموا هذا الزقوم.
قال أبو رجاء: فحدثني عبد القدّوس، عن الحسن، قال: فوصفها الله لهم في الصافات.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، قال: قال أبو جهل وكفار أهل مكة: أليس من كذب ابن أبي كَبشة أنه يوعدكم بنار تحترق فيها الحجارة، ويزعم أنه ينبت فيها شجرة ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) قال: هي شجرة الزَّقوم.
حدثني عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن أبي مالك في هذه الآية ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) قال: شجرة الزقوم.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، قال في قوله ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) قال: هي شجرة الزقوم.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن رجل يقال له بدر، عن عكرمة، قال: شجرة الزقوم.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن فرات القزّار، قال: سُئل سعيد بن جبير عن الشجرة الملعونة، قال: شجرة الزقوم.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هشيم، عن عبد الملك العَزْرميّ، عن سعيد بن جبير (وَالشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ) قال: شجرة الزقوم.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، بمثله.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثني الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) قال: الزقوم.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج ، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن أبي المَحجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم، أنه كان يحلف ما يستثني، أن الشجرة الملعونة: شجرة الزقوم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن فُرات القزاز، قال: سألت سعيد بن جبير، عن الشجرة الملعونة في القرآن، قال: شجرة الزَّقوم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: هي الزقوم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا ) وهي شجرة الزقوم، خوّف الله بها عباده، فافتتنوا بذلك، حتى قال قائلهم أبو جهل بن هشام: زعم صاحبكم هذا أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر، وإنا والله ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد، فتزقموا، فأنـزل الله تبارك وتعالى حين عجبوا أن يكون في النار شجرة إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ، إني خلقتها من النار، وعذّبت بها من شئت من عبادي.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) قال: الزقوم؛ وذلك أن المشركين قالوا: يخبرنا هذا أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر حتى لا تدع منه شيئا، وذلك فتنة.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) قال: شجرة الزقوم.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) الزقوم التي سألوا الله أن يملأ بيوتهم منها، وقال: هي الصَّرفَان بالزبد تتزقمه، والصرفان: صنف من التمر، قال: وقال أبو جهل: هي الصرفان بالزبد، وافتتنوا بها.
وقال آخرون: هي الكشوث (4) .
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن مولى بني هاشم حدثه، أن عبد الله بن الحارث بن نوفل، أرسله إلى ابن عباس، يسأله عن الشجرة الملعونة في القرآن؟
قال: هي هذه الشجرة التي تلوي على الشجرة، وتجعل في الماء، يعني الكشوثي.
وأولى القولين في ذلك بالصواب عندنا قول من قال: عنى بها شجرة الزقوم، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك، ونصبت الشجرة الملعونة عطفا بها على الرؤيا.
فتأويل الكلام إذن: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك، والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس، فكانت فتنتهم في الرؤيا ما ذكرت من ارتداد من ارتدّ، وتمادِي أهل الشرك في شركهم، حين أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أراه الله في مسيره إلى بيت المقدس ليلة أُسري به، وكانت فتنهم في الشجرة الملعونة ما ذكرنا من قول أبي جهل والمشركين معه: يخبرنا محمد أن في النار شجرة نابتة، والنار تأكل الشجر فكيف تنبت فيها؟
وقوله ( وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا ) يقول: ونخوّف هؤلاء المشركين بما نتوعدهم من العقوبات والنكال، فما يزيدهم تخويفنا إلا طغيانا كبيرا، يقول: إلا تماديا وغيا كبيرا في كفرهم وذلك أنهم لما خُوّفوا بالنار التي طعامهم فيها الزقوم دعوا بالتمر والزبد، وقالوا: تزقموا من هذا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك؛ وقد تقدّم ذكر بعض من قال ذلك ، ونذكر بعض من بقي.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج، قال قال ابن جريج (وَالشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ) قال: طلعها كأنه رءوس الشياطين، والشياطين ملعونون.
قال ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) لما ذكرها زادهم افتتانا وطغيانا، قال الله تبارك وتعالى، ( وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا ).
-------------------- الهوامش : (1) لعله: ولتسع سنين: أي ولمضي تسع...إلخ.
(2) معناه: لم يره الناس بعدها ضاحكا ضحكا تاما حتى مات.
(3) اختصر المتن اكتفاء بما سبق قريبا.
(4) الكشوث، والكشوثا: نبت يتعلق بالأغصان، ولا عرق له في الأرض.
وهي لفظة سوادية (انظر اللسان والتاج).
قوله تعالى : وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيراقوله تعالى : وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس قال ابن عباس : الناس هنا أهل مكة ، وإحاطته بهم إهلاكه إياهم ; أي إن الله سيهلكهم .
وذكره بلفظ الماضي لتحقق كونه .
وعنى بهذا الإهلاك الموعود ما جرى يوم بدر ويوم الفتح .
وقيل : معنى أحاط بالناس أي أحاطت قدرته بهم ، فهم في قبضته لا يقدرون على الخروج من مشيئته ; قاله مجاهد وابن أبي نجيح .
وقال الكلبي : المعنى أحاط علمه بالناس .
وقيل : المراد عصمته من الناس أن يقتلوه حتى يبلغ رسالة ربه ; أي وما أرسلناك عليهم حفيظا ، بل عليك التبليغ ، فبلغ بجدك فإنا [ ص: 254 ] نعصمك منهم ونحفظك ، فلا تهبهم ، وامض لما آمرك به من تبليغ الرسالة ، فقدرتنا محيطة بالكل ; قال معناه الحسن وعروة وقتادة وغيرهم .قوله تعالى : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس لما بين أن إنزال آيات القرآن تتضمن التخويف ضم إليه ذكر آية الإسراء ، وهي المذكورة في صدر السورة .
وفي البخاري والترمذي عن ابن عباس في قوله - تعالى - : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس قال : هي رؤيا عين أريها النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به إلى بيت المقدس .
قال : والشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة الزقوم .
قال أبو عيسى الترمذي : هذا حديث صحيح .
وبقول ابن عباس قالت عائشة ومعاوية والحسن ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والضحاك وابن أبي نجيح وابن زيد .
وكانت الفتنة ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أسري به .
وقيل : كانت رؤيا نوم .
وهذه الآية تقضي بفساده ، وذلك أن رؤيا المنام لا فتنة فيها ، وما كان أحد لينكرها .
وعن ابن عباس قال : الرؤيا التي في هذه الآية هي رؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يدخل مكة في سنة الحديبية ، فرد فافتتن المسلمون لذلك ، فنزلت الآية ، فلما كان العام المقبل دخلها ، وأنزل الله - تعالى - لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق .
وفي هذا التأويل ضعف ; لأن السورة مكية وتلك الرؤيا كانت بالمدينة .
وقال في رواية ثالثة : إنه - عليه السلام - رأى في المنام بني مروان ينزون على منبره نزو القردة ، فساءه ذلك فقيل : إنما هي الدنيا أعطوها ، فسري عنه ، وما كان له بمكة منبر ولكنه يجوز أن يرى بمكة رؤيا المنبر بالمدينة .
وهذا التأويل الثالث قاله أيضا سهل بن سعد - رضي الله عنه - .
قال سهل إنما هذه الرؤيا هي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يرى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة ، فاغتم لذلك ، وما استجمع ضاحكا من يومئذ حتى مات - صلى الله عليه وسلم - .
فنزلت الآية مخبرة أن ذلك من تملكهم وصعودهم يجعلها الله فتنة للناس وامتحانا .
وقرأ الحسن بن علي في خطبته في شأن بيعته لمعاوية : وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين .
قال ابن عطية : وفي هذا التأويل نظر ، ولا يدخل في هذه الرؤيا عثمان ولا عمر بن عبد العزيز ولا معاوية .[ ص: 255 ] قوله تعالى : والشجرة الملعونة في القرآن فيه تقديم وتأخير ; أي ما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس .
وفتنتها أنهم لما خوفوا بها قال أبو جهل استهزاء : هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق الحجارة ، ثم يزعم أنها تنبت الشجر والنار تأكل الشجر ، وما نعرف الزقوم إلا التمر والزبد ، ثم أمر أبو جهل جارية فأحضرت تمرا وزبدا وقال لأصحابه : تزقموا .
وقد قيل : إن القائل ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد ابن الزبعرى حيث قال : كثر الله من الزقوم في داركم ، فإنه التمر بالزبد بلغة اليمن .
وجائز أن يقول كلاهما ذلك .
فافتتن أيضا لهذه المقالة بعض الضعفاء ، فأخبر الله - تعالى - نبيه - عليه السلام - أنه إنما جعل الإسراء وذكر شجرة الزقوم فتنة واختبارا ليكفر من سبق عليه الكفر ويصدق من سبق له الإيمان .
كما روي أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - قيل له صبيحة الإسراء : إن صاحبك يزعم أنه جاء البارحة من بيت المقدس فقال : إن كان قال ذلك فلقد صدق .
فقيل له : أتصدقه قبل أن تسمع منه ؟
فقال : أين عقولكم ؟
أنا أصدقه بخبر السماء ، فكيف لا أصدقه بخبر بيت المقدس ، والسماء أبعد منها بكثير .قلت : ذكر هذا الخبر ابن إسحاق ، ونصه : قال كان من الحديث فيما بلغني عن مسراه - صلى الله عليه وسلم - عن عبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخدري وعائشة ومعاوية بن أبي سفيان والحسن بن أبي الحسن وابن شهاب الزهري وقتادة وغيرهم من أهل العلم وأم هانئ بنت أبي طالب ، ما اجتمع في هذا الحديث ، كل يحدث عنه بعض ما ذكره من أمره حين أسري به صلى الله عليه وسلم ، وكان في مسراه وما ذكر عنه بلاء وتمحيص وأمر من أمر الله - عز وجل - في قدرته وسلطانه فيه عبرة لأولي الألباب ، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق وكان من أمر الله - تعالى - على يقين ; فأسرى به - صلى الله عليه وسلم - كيف شاء وكما شاء ليريه من آياته ما أراد ، حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم ، وقدرته التي يصنع بها ما يريد .
وكان عبد الله بن مسعود فيما بلغني عنه يقول : أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبراق - وهي الدابة التي كانت تحمل عليها الأنبياء قبله تضع حافرها في منتهى طرفها - فحمل عليها ، ثم خرج به صاحبه يرى الآيات فيما بين السماء والأرض ، حتى انتهى إلى بيت المقدس ، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء قد جمعوا له فصلى بهم ثم أتي بثلاثة آنية : إناء فيه لبن وإناء فيه خمر ; وإناء فيه ماء .
قال : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : [ ص: 256 ] فسمعت قائلا يقول حين عرضت علي إن أخذ الماء فغرق وغرقت أمته وإن أخذ الخمر فغوي وغوت أمته وإن أخذ اللبن فهدي وهديت أمته قال فأخذت إناء اللبن فشربت فقال له جبريل هديت وهديت أمتك يا محمد .
قال ابن إسحاق : وحدثت عن الحسن أنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بينما أنا نائم في الحجر جاءني جبريل - عليه السلام - فهمزني بقدمه فجلست فلم أر شيئا ثم عدت لمضجعي فجاءني الثانية فهمزني بقدمه فجلست فلم أر شيئا فعدت لمضجعي فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه فجلست فأخذ بعضدي فقمت معه فخرج إلى باب المسجد فإذا دابة أبيض بين البغل والحمار في فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه يضع حافره في منتهى طرفه فحملني عليه ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته .
قال ابن إسحاق : وحدثت عن قتادة أنه قال : حدثت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لما دنوت منه لأركبه شمس فوضع جبريل يده على معرفته ثم قال ألا تستحي يا براق مما تصنع فوالله ما ركبك عبد لله قبل محمد أكرم عليه منه قال فاستحيا حتى ارفض عرقا ثم قر حتى ركبته .
قال الحسن في حديثه : فمضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومضى معه جبريل حتى انتهى إلى بيت المقدس ، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء ، فأمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى بهم ثم أتي بإناءين : في أحدهما خمر وفي الآخر لبن ، قال : فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إناء اللبن فشرب منه وترك إناء الخمر .
قال : فقال له جبريل : هديت الفطرة وهديت أمتك وحرمت عليكم الخمر .
ثم انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة ، فلما أصبح غدا على قريش فأخبرهم الخبر ; فقال أكثر الناس : هذا والله الأمر البين والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام ، مدبرة شهرا ومقبلة شهرا ، فيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة قال : فارتد كثير ممن كان أسلم ، وذهب الناس إلى أبي بكر فقالوا : هل لك يا أبا بكر في صاحبك يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس ، وصلى فيه ورجع إلى مكة .
قال فقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - : إنكم تكذبون عليه .
فقالوا : بلى ، ها هو ذا في المسجد يحدث به الناس .
فقال أبو بكر : والله لئن كان قاله لقد صدق فما يعجبكم من ذلك فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه ، فهذا أبعد مما تعجبون منه .
ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا نبي الله ، أحدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة ؟
[ ص: 257 ] قال ( نعم ) قال : يا نبي الله ، فصفه لي فإني قد جئته ؟
فقال الحسن : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : رفع لي حتى نظرت إليه فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصفه لأبي بكر ويقول أبو بكر - رضي الله عنه - : صدقت ، أشهد إنك رسول الله .
كلما وصف له منه شيئا قال : صدقت ، أشهد إنك رسول الله .
قال : حتى إذا انتهى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر - رضي الله عنه - : وأنت يا أبا بكر الصديق فيومئذ سماه الصديق .
قال الحسن : وأنزل الله - تعالى - فيمن ارتد عن الإسلام لذلك : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا .
فهذا حديث الحسن عن مسرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما دخل فيه من حديث قتادة .
وذكر باقي الإسراء عمن تقدم في السيرة .
وقال ابن عباس : هذه الشجرة بنو أمية ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفى الحكم .
وهذا قول ضعيف محدث والسورة مكية ، فيبعد هذا التأويل ; إلا أن تكون هذه الآية مدنية ، ولم يثبت ذلك .
وقد قالت عائشة لمروان : لعن الله أباك وأنت في صلبه فأنت بعض من لعنة الله .
ثم قال : والشجرة الملعونة في القرآن ولم يجر في القرآن لعن هذه الشجرة ، ولكن الله لعن الكفار وهم آكلوها .
والمعنى : والشجرة الملعونة في القرآن آكلوها .
ويمكن أن يكون هذا على قول العرب لكل طعام مكروه ضار : ملعون .
وقال ابن عباس : الشجرة الملعونة هي هذه الشجرة التي تلتوي على الشجر فتقتله ، يعني الكشوث .ونخوفهم أي بالزقوم .فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا فما يزيدهم التخويف إلا الكفر .
{ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ } علما وقدرة فليس لهم ملجأ يلجأون إليه ولا ملاذ يلوذون به عنه، وهذا كاف لمن له عقل في الانكفاف عما يكرهه الله الذي أحاط بالناس.
{ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً } أكثر المفسرين على أنها ليلة الإسراء.
{ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ } التي ذكرت { فِي الْقُرْآنِ } وهي شجرة الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم.
والمعنى إذا كان هذان الأمران قد صارا فتنة للناس حتى استلج الكفار بكفرهم وازداد شرهم وبعض من كان إيمانه ضعيفا رجع عنه بسبب أن ما أخبرهم به من الأمور التي كانت ليلة الإسراء ومن الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كان خارقا للعادة.
والإخبار بوجود شجرة تنبت في أصل الجحيم أيضا من الخوارق فهذا الذي أوجب لهم التكذيب.
فكيف لو شاهدوا الآيات العظيمة والخوارق الجسيمة؟\" أليس ذلك أولى أن يزداد بسببه شرهم؟!
فلذلك رحمهم الله وصرفها عنهم، ومن هنا تعلم أن عدم التصريح في الكتاب والسنة بذكر الأمور العظيمة التي حدثت في الأزمنة المتأخرة أولى وأحسن لأن الأمور التي لم يشاهد الناس لها نظيرا ربما لا تقبلها عقولهم لو أخبروا بها قبل وقوعها، فيكون ذلك ريبا في قلوب بعض المؤمنين ومانعا يمنع من لم يدخل الإسلام ومنفرا عنه.
بل ذكر الله ألفاظا عامة تتناول جميع ما يكون.
{ وَنُخَوِّفُهُمْ } بالآيات { فَمَا يَزِيدُهُمْ } التخويف { إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا } وهذا أبلغ ما يكون في التملي بالشر ومحبته وبغض الخير وعدم الانقياد له.
قوله عز وجل : ( وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ( أي : هم في قبضته لا يقدرون على الخروج عن مشيئته فهو حافظك ومانعك منهم فلا تهبهم وامض إلى ما أمرك به من تبليغ الرسالة كما قال : " والله يعصمك من الناس " ( المائدة - 67 ) ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ( فالأكثرون على أن المراد منه ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم [ ليلة المعراج من العجائب والآيات .
قال ابن عباس : هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ] وهو قول سعيد بن جبير والحسن ومسروق وقتادة ومجاهد وعكرمة وابن جريج والأكثرين والعرب تقول : رأيت بعيني رؤية ورؤيا فلما ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس أنكر بعضهم ذلك وكذبوا فكان فتنة للناس .
وقال قوم : [ أسري بروحه دون بدنه .
وقال بعضهم : كان له معراجان : معراج رؤية بالعين ومعراج رؤيا بالقلب .
وقال قوم ] .
أراد بهذه الرؤيا ما رأى صلى الله عليه وسلم عام الحديبية أنه دخل مكة هو وأصحابه فعجل السير إلى مكة قبل الأجل فصده المشركون فرجع إلى المدينة وكان رجوعه في ذلك العام بعدما أخبر أنه يدخلها فتنة لبعضهم حتى دخلها في العام المقبل فأنزل الله تعالى : " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق " ( الفتح - 27 ) .
( والشجرة الملعونة في القرآن ( يعني شجرة الزقوم ، مجازه : والشجرة الملعونة المذكورة في القرآن والعرب تقول لكل طعام كريه : طعام ملعون .
وقيل : [ معناه الملعون ] آكلها ونصب الشجرة عطفا على الرؤيا أي : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة إلا فتنة للناس فكانت الفتنة في الرؤيا ما ذكرنا .
والفتنة في الشجرة الملعونة من وجهين ، أحدهما : أن أبا جهل قال : إن ابن أبي كبشة يوعدكم بنار تحرق الحجارة ثم يزعم أنه ينبت فيها شجرة وتعلمون أن النار تحرق الشجرة .
والثاني أن عبد الله بن الزبعرى قال : إن محمدا يخوفنا بالزقوم ولا نعرف الزقوم إلا الزبد والتمر وقال أبو جهل : يا جارية تعالي فزقمينا فأتت بالتمر والزبد فقال : يا قوم [ تزقموا ] فإن هذا ما يخوفكم به محمد فوصفها الله تعالى في الصافات .
وقيل : الشجرة الملعونة هي : التي تلتوي على الشجر فتجففه يعني الكشوث .
( ونخوفهم فما يزيدهم ( التخويف ( إلا طغيانا كبيرا ( أي : تمردا وعتوا عظيما .
«و» اذكر «إذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس» علما وقدرة فهم في قبضته فبلّغهم ولا تخف أحدا فهو يعصمك منهم «وما جعلنا الرؤيا التي أريناك» عيانا ليلة الإسراء «إلا فتنة للناس» أهل مكة إذ كذبوا بها وارتد بعضهم لما أخبرهم بها «والشجرة الملعونة في القرآن» هي الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم جعلناها فتنة لهم إذ قالوا: النار تحرق الشجر فكيف تنبته «ونخوفهم» بها «فما يزيدهم» تخويفنا «إلا طغيانا كبيرا».
واذكر -أيها الرسول- حين قلنا لك: إن ربك أحاط بالناس علمًا وقدرة.
وما جعلنا الرؤيا التي أريناكها عِيانًا ليلة الإسراء والمعراج من عجائب المخلوقات إلا اختبارًا للناس؛ ليتميز كافرهم من مؤمنهم، وما جعلنا شجرة الزقوم الملعونة التي ذكرت في القرآن إلا ابتلاء للناس.
ونخوِّف المشركين بأنواع العذاب والآيات، ولا يزيدهم التخويف إلا تماديًا في الكفر والضلال.
وقوله - سبحانه - : ( وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمََ .
.
.
) تذكير لبنى آدم بما جرى بين أبيهم وبين إبليس ، ليعتبروا ويتعظوا ، ويستمروا على عداوتهم لإِبليس وجنده .أى : واذكروا - يا بنى آدم - وقت أن قلنا للملائكة ( اسجدوا لآدم ) سجود تحية وتكريم ، فسجدوا امتثالاً لأمر الله - تعالى - ، بدون تردد أو تلعثم ، ( إلا إبليس ) فإنه أبى السجود لآدم - عليه السلام - ( وقال ) بتكبر وعصيان لأمر ربه - عز وجل - : ( أأسجد ) وأنا المخلوق من نار ( لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ) أى : أأسجد لمن خلقته من طين ، مع أننى أفضل منه .والتعبير بقوله ( فسجدوا ) بفاء التعقيب ، يفيد أن سجودهم - عليهم السلام - كان فى أعقاب أمر الله - تعالى - لهم مباشرة ، بدون تأخير أو تسويف .وقوله - تعالى - : ( قال أأسجد .
.
.
) استئناف بيانى ، فكأنه قيل : فماذا كان موقف إبليس من هذا الأمر؟
فكان الجواب أن إبليس فسق عن أمر ربه وقال ما قال .والاستفهام فى ( أأسجد ) للإِنكار والتعجب ، لأن يرى - لعنه الله - أنه أفضل من آدم .وقوله : ( طينا ) منصوب بنزع الخافض أى : من طين .وقد جاء التصريح بإباء إبليس عن السجود لآدم ، بأساليب متنوعة ، وفى آيات متعددة ، منها قوله - تعالى - : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لأَدَمََ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى واستكبر وَكَانَ مِنَ الكافرين ) وقوله - تعالى - : ( فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين ).
اعلم أنه تعالى لما ذكر الدليل على فساد قول المشركين وأتبعه بالوعيد أتبعه بذكر مسألة النبوة، وذلك لأن كفار قريش اقترحوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إظهار معجزات عظيمة قاهرة كما حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِئَايَةٍ ﴾ ﴿ كَمَا أُرْسِلَ الأولون ﴾ وقال آخرون: المراد ما طلبوه بقولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لك حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا ﴾ وعن سعيد بن جبير أن القوم قالوا: إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء فمنهم: من سخرت له الريح ومنهم من كان يحيي الموتى فأتنا بشيء من هذه المعجزات فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بالأيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون ﴾ وفي تفسير هذا الجواب وجوه: الوجه الأول: المعنى أنه تعالى لو أظهر تلك المعجزات القاهرة ثم لم يؤمنوا بها بل بقوا مصرين على كفرهم فحينئذ يصيرون مستحقين لعذاب الاستئصال، لكن إنزال عذاب الاستئصال على هذه الأمة غير جائز، لأن الله تعالى أعلم أن فيهم من سيؤمن أو يؤمن أولادهم، فلهذا السبب ما أجابهم الله تعالى إلى مطلوبهم وما أظهر تلك المعجزات القاهرة.
روى ابن عباس أن أهل مكة سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً وأن يزيل لهم الجبال حتى يزرعوا تلك الأراضي، فطلب الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك من الله تعالى فقال الله تعالى: إن شئت فعلت ذلك لكن بشرط أنهم إن كفروا أهلكتهم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا أريد ذلك بل تتأنى بهم» فنزلت هذه الآية.
الوجه الثاني: في تفسير هذا الجواب أنا لا نظهر هذه المعجزات لأن آباءكم الذين رأوها لم يؤمنوا بها وأنتم مقلدون لهم، فلو رأيتموها أنتم لم تؤمنوا بها أيضاً.
الوجه الثالث: أن الأولين شاهدوا هذه المعجزات وكذبوا بها، فعلم الله منكم أيضاً أنكم لو شاهدتموها لكذبتم فكان إظهارها عبثاً، والعبث لا يفعله الحكيم.
ثم قال تعالى: ﴿ وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: المعنى أن الآية التي التمسوها هي مثل آية ثمود، وقد آتيناها ثمود واضحة بينة ثم كفروا بها فاستحقوا عذاب الاستئصال فكيف يتمناها هؤلاء على سبيل الاقتراح والتحكم على الله تعالى.
البحث الثاني: قوله تعالى: ﴿ مُبْصِرَةً ﴾ وفيه وجهان: الأول: قال الفراء: ﴿ مُبْصِرَةً ﴾ أي مضيئة.
قال تعالى: ﴿ والنهار مُبْصِراً ﴾ أي مضيئاً.
الثاني: ﴿ مُبْصِرَةً ﴾ أي ذات أبصار أي فيها أبصار لمن تأملها يبصر بها رشده ويستدل بها على صدق ذلك الرسول.
البحث الثالث: قوله: ﴿ فَظَلَمُواْ بِهَا ﴾ أي ظلموا أنفسهم بتكذيبهم بها، وقال ابن قتيبة: ﴿ ظَلَمُواْ بِهَا ﴾ أي جحدوا بأنها من الله تعالى.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بالأيات إِلاَّ تَخْوِيفًا ﴾ قيل: لا آية إلا وتتضمن التخويف بها عند التكذيب إما من العذاب المعجل أو من عذاب الآخرة.
فإن قيل: المقصود الأعظم من إظهار الآيات أن يستدل بها على صدق المدعي فكيف حصر المقصود من إظهارها في التخويف.
قلنا: المقصود أن مدعي النبوة إذا أظهر الآية فإذا سمع الخلق أنه أظهر آية فهم لا يعلمون أن تلك الآية معجزة أو مخوفة، إلا أنهم يجوزون كونها معجزة، وبتقدير أن تكون معجزة فلو لم يتفكروا فيها ولم يستدلوا بها على الصدق لاستحقوا العقاب الشديد، فهذا هو الخوف الذي يحملهم على التفكر والتأمل في تلك المعجزات، فالمراد من قوله: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بالأيات إِلاَّ تَخْوِيفًا ﴾ هذا الذي ذكرناه، والله أعلم.
واعلم أن القوم لما طالبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعجزات القاهرة، وأجاب الله تعالى بأن إظهارها ليس بمصلحة صار ذلك سبباً لجرأة أولئك الكفار بالطعن فيه وأن يقولوا له: لو كنت رسولاً حقاً من عند الله تعالى لأتيت بهذه المعجزات التي اقترحناها منك، كما أتى بها موسى وغيره من الأنبياء، فعند هذا قوى الله قلبه وبين له أنه تعالى ينصره ويؤيده فقال: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس ﴾ وفيه قولان: القول الأول: المعنى أن حكمته وقدرته محيطة بالناس فهم في قبضته وقدرته، ومتى كان الأمر كذلك فهم لا يقدرون على أمر من الأمور إلا بقضائه وقدره، والمقصود كأنه تعالى يقول له: ننصرك ونقويك حتى تبلغ رسالتنا وتظهر ديننا.
قال الحسن: حال بينهم وبين أن يقتلوه كما قال تعالى: ﴿ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس ﴾ .
والقول الثاني: أن المراد بالناس أهل مكة، وإحاطة الله بهم هو أنه تعالى يفتحها للمؤمنين فكان المعنى: وإذ بشرناك بأن الله أحاط بأهل مكة بمعنى أنه يغلبهم ويقهرهم ويظهر دولتك عليهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر ﴾ وقال: ﴿ قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ أَحَاطَ بالناس ﴾ لما كان كل ما يخبر الله عن وقوعه فهو واجب الوقوع، فكان من هذا الاعتبار كالواقع فلا جرم قال: ﴿ أَحَاطَ بالناس ﴾ وروي أنه لما تزاحف الفريقان يوم بدر ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش مع أبي بكر كان يدعو ويقول: أللهم إني أسألك عهدك ووعدك لي ثم خرج وعليه الدرع يحرض الناس ويقول: ﴿ سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا الَّتي أريناك إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ ﴾ وفي هذه الرؤيا أقوال: القول الأول: أن الله أرى محمداً في المنام مصارع كفار قريش فحين ورد ماء بدر قال: «والله كأني أنظر إلى مصارع القوم ثم أخذ يقول: هذا مصرع فلان هذا مصرع فلان» فلما سمعت قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية، وكانوا يستعجلون بما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والقول الثاني: أن المراد رؤياه التي رآها أنه يدخل مكة وأخبر بذلك أصحابه، فلما منع عن البيت الحرام عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم، وقال عمر لأبي بكر أليس قد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ندخل البيت ونطوف به، فقال أبو بكر إنه لم يخبر أنا نفعل ذلك في هذه السنة فسنفعل ذلك في سنة أخرى، فلما جاء العام المقبل دخلها، وأنزل الله تعالى: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق ﴾ اعترضوا على هذين القولين فقالوا: هذه السورة مكية، وهاتان الواقعتان مدنيتان، وهذا السؤال ضعيف لأن هاتين الواقعتين مدنيتان أما رؤيتهما في المنام فلا يبعد حصولها في مكة.
والقول الثالث: قال سعيد بن المسيب رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء والإشكال المذكور عائد فيه لأن هذه الآية مكية وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة منبر، ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يبعد أن يرى بمكة أن له بالمدينة منبراً يتداوله بنو أمية.
والقول الرابع: وهو الأصح وهو قول أكثر المفسرين أن المراد بها ما أراه الله تعالى ليلة الإسراء، واختلفوا في معنى هذه الرؤيا فقال الأكثرون: لا فرق بين الرؤية والرؤيا في اللغة، يقال رأيت بعيني رؤية ورؤيا، وقال الأقلون: هذا يدل على أن قصة الإسراء إنما حصلت في المنام، وهذا القول ضعيف باطل على ما قررناه في أول هذه السورة، وقوله: ﴿ إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ ﴾ معناه: أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر لهم قصة الإسراء كذبوه وكفر به كثير ممن كان آمن به وازداد المخلصون إيماناً فلهذا السبب كان امتحاناً.
ثم قال تعالى: ﴿ والشجرة الملعونة فِي القرءان ﴾ وهذا على التقديم والتأخير، والتقدير: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس وقيل المعنى: والشجرة الملعونة في القرآن كذلك.
واختلفوا في هذه الشجرة، فالأكثرون قالوا: إنها شجرة الزقوم المذكورة في القرآن في قوله: ﴿ إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلْأَثِيمِ ﴾ وكانت هذه الفتنة في ذكر هذه الشجرة من وجهين: الأول: أن أبا جهل قال: زعم صاحبكم بأن نار جهنم تحرق الحجر حيث قال: ﴿ وَقُودُهَا الناس والحجارة ﴾ ثم يقول: بأن في النار شجراً والنار تأكل الشجر فكيف تولد فيها الشجر.
والثاني: قال ابن الزبعري ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد فتزقموا منه، فأنزل الله تعالى حين عجبوا أن يكون في النار شجر: ﴿ إِنَّا جعلناك فِتْنَةً للظالمين ﴾ الآيات.
فإن قيل: ليس في القرآن لعن هذه الشجرة.
قلنا: فيه وجوه: الأول: المراد لعن الكفار الذين يأكلونها.
الثاني: العرب تقول لكل طعام مكروه ضار إنه ملعون.
والثالث: أن اللعن في أصل اللغة هو التبعيد فلما كانت هذه الشجرة الملعونة في القرآن مبعدة عن جميع صفات الخير سميت ملعونة.
القول الثاني: قال ابن عباس رضي الله عنهما: الشجرة بنو أمية يعني الحكم بن أبي العاص قال ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام أن ولد مروان يتداولون منبره فقص رؤياه على أبي بكر وعمر وقد خلا في بيته معهما فلما تفرقوا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم يخبر برؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتد ذلك عليه، واتهم عمر في إفشاء سره، ثم ظهر أن الحكم كان يتسمع إليهم فنفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الواحدي: هذه القصة كانت بالمدينة، والسورة مكية فيبعد هذا التفسير إلا أن يقال: هذه الآية مدنية ولم يقل به أحد، ومما يؤكد هذا التأويل قول عائشة لمروان لعن الله أباك وأنت في صلبه فأنت بعض من لعنه الله.
والقول الثالث: أن الشجرة الملعونة في القرآن هي اليهود لقوله تعالى: ﴿ لُعِنَ الذين كَفَرُواْ ﴾ .
فإن قال قائل: إن القوم لما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الإتيان بالمعجزات القاهرة فأجاب أنه لا مصلحة في إظهارها لأنها لو ظهرت ولم تؤمنوا نزل الله عليكم عذاب الاستئصال، وذلك غير جائز وأي تعلق لهذا الكلام بذكر الرؤيا التي صارت فتنة للناس وبذكر الشجرة التي صارت فتنة للناس.
قلنا: التقدير كأنه قيل: إنهم لما طلبوا هذه المعجزات ثم إنك لم تظهرها صار عدم ظهورها شبهة لهم في أنك لست بصادق في دعوى النبوة إلا أن وقوع هذه الشبهة لا يوهن أمرك ولا يصير سبباً لضعف حالك ألا ترى أن ذكر تلك الرؤيا صار سبباً لوقوع الشبهة العظيمة في القلوب ثم إن قوة تلك الشبهات ما أوجبت ضعفاً في أمرك ولا فتوراً في اجتماع المحقين عليك فكذلك هذه الشبهة الحاصلة بسبب عدم ظهور هذه المعجزات لا توجب فتوراً في حالك، ولا ضعفاً في أمرك، والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَنُخَوّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا ﴾ والمقصود منه ذكر سبب آخر في أنه تعالى ما أظهر المعجزات التي اقترحوها، وذلك لأن هؤلاء خوفوا بمخاوف الدنيا والآخرة وبشجرة الزقوم فما زادهم هذا التخويف إلا طغياناً كبيراً، وذلك يدل على قسوة قلوبهم وتماديهم في الغي والطغيان، وإذا كان الأمر كذلك فبتقدير أن يظهر الله لهم تلك المعجزات التي اقترحوها لم ينتفعوا بها ولا يزدادون إلا تمادياً في الجهل والعناد، وإذا كان كذلك، وجب في الحكمة أن لا يظهر الله لهم ما اقترحوه من الآيات والمعجزات، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس ﴾ واذكر إذ أوحينا إليك أن ربك أحاط بقريش، يعني: بشرناك بوقعة بدر وبالنصرة عليهم.
وذلك قوله ﴿ سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر ﴾ [القمر: 45] ، ﴿ قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ ﴾ [آل عمران: 12] وغير ذلك، فجعله كأن قد كان ووجد، فقال: أحاط بالناس على عادته في إخباره.
وحين تزاحف الفريقان يوم بدر والنبي صلى الله عليه وسلم في العريش مع أبي بكر رضي الله عنه كان يدعو ويقول: «اللهم إني أسألك عهدك ووعدك» ثم خرج وعليه الدرع يحرض الناس ويقول: ﴿ سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر ﴾ ولعلّ الله تعالى أراه مصارعهم في منامه.
فقد كان يقول حين ورد ماء بدر «والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم» وهو يوميء إلى الأرض ويقول: هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان، فتسامعت قريش بما أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر يوم بدر وما أري في منامه من مصارعهم، فكانوا يضحكون ويستسخرون ويستعجلون به استهزاء وحين سمعوا بقوله: ﴿ إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم طَعَامُ الأثيم ﴾ [الدخان: 43] جعلوها سخرية وقالوا: إن محمداً يزعم أن الجحيم تحرق الحجارة، ثم يقول ينبت فيها الشجر.
وما قدر الله حق قدره من قال ذلك، وما أنكروا أن يجعل الله الشجرة من جنس لا تأكله النار!
فهذا وبر السمندل وهو دويبة ببلاد الترك تتخذ منه مناديل، إذا اتسخت طرحت في النار فذهب الوسخ وبقي المنديل سالماً لا تعمل فيه النار.
وترى النعامة تبتلع الجمر وقطع الحديد الحمر كالجمر بإحماء النار فلا تضرها، ثم أقرب من ذلك أنه خلق في كل شجرة ناراً فلا تحرقها، فما أنكروا أن يخلق في النار شجرة لا تحرقها.
والمعنى: أنّ الآيات إنما يرسل بها تخويفاً للعباد، وهؤلاء قد خوفوا بعذاب الدنيا وهو القتل يوم بدر.
فما كان ما ﴿ أريناك ﴾ منه في منامك بعد الوحي إليك ﴿ إِلاَّ فِتْنَةً ﴾ لهم حيث اتخذوه سخريا وخوّفوا بعذاب الآخرة وشجرة الزقوم فما أثر فيهم، ثم قال فيهم ﴿ وَنُخَوّفُهُمْ ﴾ أي نخوفهم بمخاوف الدنيا والآخرة ﴿ فَمَا يَزِيدُهُمْ ﴾ التخويف ﴿ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا ﴾ فكيف يخاف قوم هذه حالهم بإرسال ما يقترحون من الآيات.
وقيل: الرؤيا هي الإسراء، وبه تعلق من يقول: كان الإسراء في المنام، ومن قال: كان في اليقظة، فسر الرؤيا بالرؤية.
وقيل: إنما سماها رؤيا على قول المكذبين حيث قالوا له: لعلها رؤيا رأيتها، وخيال خيل إليك، استبعاداً منهم، كما سمى أشياء بأساميها عند الكفرة، نحو قوله: ﴿ فَرَاغَ إلى ءالِهَتِهِمْ ﴾ [الصافات: 91] ، ﴿ أَيْنَ شُرَكَائِىَ ﴾ [النحل: 27] ، ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم ﴾ [الدخان: 49] وقيل: هي رؤياه أنه سيدخل مكة.
وقيل: رأى في المنام أن ولد الحكم يتداولون منبره كما يتداول الصبيان الكرة.
فإن قلت: أين لعنت شجرة الزقوم في القرآن؟
قلت: لعنت حيث لعن طاعموها من الكفرة والظلمة؛ لأنّ الشجرة لا ذنب لها حتى تلعن على الحقيقة، وإنما وصفت بلعن أصحابها على المجاز.
وقيل: وصفها الله باللعن، لأن اللعن الإبعاد من الرحمة، وهي في أصل الجحيم في أبعد مكان من الرحمة، وقيل تقول العرب لكل طعام مكروه ضار: ملعون، وسألت بعضهم فقال: نعم الطعام الملعون القشب الممحوق.
وعن ابن عباس: هي الكشوث التي تتلوى بالشجر يجعل في الشراب.
وقيل: هي الشيطان وقيل: أبو جهل.
وقرئ ﴿ والشجرةُ الملعونةُ ﴾ بالرفع، على أنها مبتدأ محذوف الخبر، كأنه قيل: والشجرة الملعونة في القرآن كذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذْ قُلْنا لَكَ ﴾ واذْكُرْ إذْ أوْحَيْنا إلَيْكَ.
﴿ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ ﴾ فَهم في قَبْضَةِ قُدْرَتِهِ، أوْ أحاطَ بِقُرَيْشٍ بِمَعْنى أهْلَكَهم مِن أحاطَ بِهِمُ العَدُوُّ، فَهي بِشارَةٌ بِوَقْعَةِ بِدْرٍ والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، ﴿ وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ ﴾ لَيْلَةَ المِعْراجِ وتَعَلَّقَ بِهِ مَن قالَ إنَّهُ كانَ في المَنامِ، ومَن قالَ إنَّهُ كانَ في اليَقَظَةِ فَسَّرَ الرُّؤْيا بِالرُّؤْيَةِ.
أوْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ رَأى أنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ.
وفِيهِ أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ إلّا أنْ يُقالَ رَآها بِمَكَّةَ وحَكاها حِينَئِذٍ، وَلَعَلَّهُ رُؤْيا رَآها في وقْعَةِ بَدْرٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا ﴾ ولِما رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا ورَدَ ماءَهُ قالَ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ وهَذا مَصْرَعُ فُلانٍ، فَتَسامَعَتْ بِهِ قُرَيْشٌ واسْتَسْخَرُوا مِنهُ.» وَقِيلَ رَأى قَوْمًا مِن بَنِي أُمَيَّةَ يَرْقَوْنَ مِنبَرَهُ ويَنْزُونَ عَلَيْهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فَقالَ: «هَذا حَظُّهم مِنَ الدُّنْيا يُعْطَوْنَهُ بِإسْلامِهِمْ»، وعَلى هَذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ ﴾ ما حَدَثَ في أيّامِهِمْ.
﴿ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ الرُّؤْيا ﴾ وهي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، لَمّا سَمَّعَ المُشْرِكُونَ ذِكْرَها قالُوا إنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أنَّ الجَحِيمَ تَحْرِقُ الحِجارَةَ ثُمَّ يَقُولُ يَنْبُتُ فِيها الشَّجَرُ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ أنْ يَحْمِيَ وبَرَ السَّمَندَلِ مِن أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ، وأحْشاءَ النَّعامَةِ مِن أذى الجَمْرِ وقِطَعَ الحَدِيدِ المُحْماةَ الحُمْرَ الَّتِي تَبْتَلِعُها، قَدَرَ أنْ يَخْلُقَ في النّارِ شَجَرَةً لا تَحْرُقُها.
ولَعْنُها في القُرْآنِ لَعْنُ طاعِمِيها وُصِفَتْ بِهِ عَلى المَجازِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ وصَفَها بِأنَّها في أصْلِ الجَحِيمِ فَإنَّهُ أبْعَدُ مَكانٍ مِنَ الرَّحْمَةِ، أوْ بِأنَّها مَكْرُوهَةٌ مُؤْذِيَةٌ مِن قَوْلِهِمْ طَعامٌ مَلْعُونٌ لِما كانَ ضارًّا، وقَدْ أُوِّلَتْ بِالشَّيْطانِ وأبِي جَهْلٍ والحَكَمِ بْنِ أبِي العاصِي، وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ والشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ كَذَلِكَ.
﴿ وَنُخَوِّفُهُمْ ﴾ بِأنْواعِ التَّخْوِيفِ.
﴿ فَما يَزِيدُهم إلا طُغْيانًا كَبِيرًا ﴾ إلّا عُتُوًّا مُتَجاوِزَ الحَدِّ.
<div class="verse-tafsir"
واذكر إذ أوحيا إليك أن ربك أحاط بقريش علماً وقدرة فكلهم في قبضته فلا تبال بهم وامض لأمرك وبلغ ما أرسلت به أو بشرناك بوقعة بدر وبالنصرة عليهم وذلك قوله سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وتحشرون الى جهنم وبئس المهاد فجعله كأن قد كان ووجد فقال أحاط بالناس على سنته في إخباره ولعل الله تعالى أراه مصارعهم في منامه فقد كان يقول حين ورد ماء بدر والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يومىء إلى الأرض ويقول هذا مصرع فلان فتسامعت قريش بمااوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر بدر وماارى في منامه مصارعهم فكانوا يضحكون ويسخرون ويستعجلون به استهزاء {والشجرة الملعونة في القرآن} أي وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس فإنهم حين سمعوا بقوله ان شجرة الزقوم طعام الاثيم جعلوها سخرية وقالوا ان محمد يزعم أن الجحيم تحرق الحجارة ثم يقول تنبت فيها الشجرة وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ذلك فإنه لا يمتنع أن يجعل الله الشجرة من جنس لا تأكله النار فوبر السمندل وهو دويبة ببلاد الترك يتخذ منه مناديل إذا اتسخت طرحت في النار فذهب الوسخ وبقي المنديل سالماً لا تعمل فيه النار وترى النعامة تبتلع الجمر فلا يضرها وخلق في كل شجرة ناراً فلا تحرقها فجاز أن يخلق في النار شجرة لا تحرقها والمعنى أن الآيات إنما ترسل تخويفاً للعباد وهؤلاء قد خوفوا بعذاب الدنيا وهو القتل يوم بدر وخوفوا بعذاب الآخرة وبشجرة الزقوم فما أثر فيهم ثم قال {وَنُخَوّفُهُمْ} أي بمخاوف الدنيا والآخرة {فَمَا يَزِيدُهُمْ} التخويف {إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا} فكيف يخاف قوم هذه حالهم بإرسال ما يقترحون من الآيات وقيل الرؤيا هي الإسراء والفتنة ارتداد من استعظم ذلك وبه تعلق من يقول كان الإسراء في المنام ومن قال كان في اليقظة فسر الرؤيا
بالرؤيا وإنما سماها رؤيا على قول المكذبين حيث قالوا له لعلها رؤيا رأيتها استبعاداً منهم كما سمى أشياء بأساميها عند الكفرة كقوله فراغ الى آلهتهم أين شركائى أو هي رؤيا أنه سيدخل مكة والفتنة الصد بالحديبية فإن قلت ليس في القرآن ذكر لعن شجرة الزقوم قلت معناه والشجرة الملعون آكلها وهم الكفرة لأنه قال ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضالون المكذبون
لاَكِلُونَ مِن شَجَرٍ من زقوم فمالؤون منها البطون فوصفت بلعن أهلها على المجاز ولأن العرب تقول لكل اطعام مكروه ضار ملعون ولأن اللعن هو الايعاذ من الرحمة وهي في أصل الجحيم في أبعد مكان من الرحمة
﴿ وإذْ قُلْنا ﴾ أيْ: واذْكُرْ زَمانَ قَوْلِنا بِواسِطَةِ الوَحْيِ ﴿ لَكَ ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ ﴾ أيْ: عِلْمًا كَما رَواهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ وأفْعالِهِمُ الماضِيَةِ والمُسْتَقْبَلَةِ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى تَحَقُّقِها بِالِاسْتِدْلالِ عَلَيْها بِما صَدَرَ عَنْهم عِنْدَ مَجِيءِ بَعْضِ الآياتِ لِاشْتِراكِ الكُلِّ في كَوْنِها أُمُورًا خارِقَةً لِلْعاداتِ مُنَزَّلَةً مِن جَنابِ رَبِّ العِزَّةِ جَلَّ مَجْدُهُ لِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَتَكْذِيبُهم بِبَعْضِها يَدُلُّ عَلى تَكْذِيبِ الباقِي كَما أنَّ تَكْذِيبَ الأوَّلِينَ بِغَيْرِ المُقْتَرَحَةِ يَدُلُّ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالمُقْتَرَحَةِ، والمُرادُ بِالرُّؤْيا ما عايَنَهُ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ مِنَ العَجائِبِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهي عِنْدَ كَثِيرٍ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا وهُما مَصْدَرُ رَأى مِثْلَ القُرْبى والقَرابَةِ.
وقالَ بَعْضٌ: هي حَقِيقَةٌ في رُؤْيا المَنامِ ورُؤْيا اليَقَظَةِ لَيْلًا والمَشْهُورُ اخْتِصاصُها لُغَةً بِالمَنامِيَّةِ وبِذَلِكَ تَمَسَّكَ مَن زَعَمَ أنَّ الإسْراءَ كانَ مَنامًا وفي الآيَةِ ما يَرُدُّ عَلَيْهِ، والقائِلُونَ بِهَذا المَشْهُورِ الذّاهِبُونَ إلى أنَّهُ كانَ يَقَظَةً كَما هو الصَّحِيحُ قالُوا: إنَّ التَّعْبِيرَ بِها إمّا مُشاكَلَةً لِتَسْمِيَتِهِمْ لَهُ رُؤْيا أوْ جارٍ عَلى زَعْمِهِمْ كَتَسْمِيَةِ الأصْنامِ آلِهَةً؛ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالَ لَهُ لَمّا قَصَّ عَلَيْهِمُ الإسْراءَ: لَعَلَّهُ شَيْءٌ رَأيْتَهُ في مَنامِكَ أوْ عَلى التَّشْبِيهِ بِالرُّؤْيا لِما فِيها مِنَ العَجائِبِ أوْ لِوُقُوعِها لَيْلًا أوْ لِسُرْعَتِها؛ أيْ: وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَها عِيانًا مَعَ كَوْنِها آيَةً عَظِيمَةً وأيَّةُ آيَةٍ وقَدْ أقَمْتَ البُرْهانَ عَلى صِحَّتِها إلّا فِتْنَةً افْتَتَنَ بِها النّاسُ حَتّى ارْتَدَّ بَعْضُ مَن أسْلَمَ مِنهم ﴿ والشَّجَرَةَ ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ الرُّؤْيا ﴾ أيْ: وما جَعَلْنا الشَّجَرَةَ ﴿ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ﴾ إلّا فِتْنَةً لَهم أيْضًا.
والمُرادُ بِها كَما رَوى البُخارِيُّ وخَلْقٌ كَثِيرٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، والمُرادُ بِلَعْنِها لَعْنُ طاعِمِيها مِنَ الكَفَرَةِ كَما رُوِيَ عَنْهُ أيْضًا، ووَصْفُها بِذَلِكَ مِنَ المَجازِ في الإسْنادِ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما فِيهِ أوْ لَعْنُها نَفْسَها ويُرادُ بِاللَّعْنِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ وهو البُعْدُ؛ فَهي لِكَوْنِها في أبْعَدِ مَكانٍ مِنَ الرَّحْمَةِ وهو أصْلُ الجَحِيمِ الَّذِي تَنْبُتُ فِيهِ مَلْعُونَةٌ حَقِيقَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَبْرِ أنَّها وُصِفَتْ بِالمَلْعُونَةِ لِتَشْبِيهِ طَلْعِها بِرُؤُوسِ الشَّياطِينِ، والشَّياطِينُ مَلْعُونُونَ.
وقِيلَ: تَقُولُ العَرَبُ لِكُلِّ طَعامٍ مَكْرُوهٍ ضارٍّ: مَلْعُونٌ، ورُوِيَ في جَعْلِها فِتْنَةً لَهم أنَّهُ لَمّا نَزَلَ في أمْرِها في الصّافّاتِ وغَيْرِها ما نَزَلَ.
قالَ أبُو جَهْلٍ وغَيْرُهُ: هَذا مُحَمَّدٌ يَتَوَعَّدُكم بِنارٍ تَحْرِقُ الحِجارَةَ ثُمَّ يَقُولُ يَنْبُتُ فِيها الشَّجَرُ وما نَعْرِفُ الزَّقُّومَ إلّا بِالتَّمْرِ بِالزُّبْدِ، وأمَرَ أبُو جَهْلٍ جارِيَةً لَهُ فَأحْضَرَتْ تَمْرًا وزُبْدًا وقالَ لِأصْحابِهِ تَزَقَّمُوا.
وافْتُتِنَ بِهَذِهِ المَقالَةِ أيْضًا بَعْضُ الضُّعَفاءِ ولَقَدْ ضَلُّوا في ذَلِكَ ضَلالًا بَعِيدًا حَيْثُ كابَرُوا قَضِيَّةَ عُقُولِهِمْ؛ فَإنَّهم يَرَوْنَ النَّعامَةَ تَبْتَلِعُ الجَمْرَ وقِطَعَ الحَدِيدِ المُحْماةَ الحُمْرَ فَلا تَضُرُّها، والسَّمَندَلُ يُتَّخَذُ مِن وبَرِهِ مَنادِيلُ تُلْقى في النّارِ إذا اتَّسَخَتْ فَيَذْهَبُ الوَسَخُ وتَبْقى سالِمَةً، ومِن أمْثالِهِمْ في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها الكَشُوثُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ ﴾ ولَعْنُها في القُرْآنِ وصْفُها فِيهِ بِما سَمِعْتَ في هَذِهِ الآيَةِ، ومَرَّ آنِفًا ما مَرَّ عَنِ العَرَبِ، والِافْتِتانُ بِها أنَّهم قالُوا عِنْدَ سَماعِ الآيَةِ: ما بالُ الحَشائِشِ تُذْكَرُ في القُرْآنِ، والمَعْمُولُ عَلَيْهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ رِوايَةُ الصَّحِيحِ عَنِ الحَبْرِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «والشَّجَرَةُ» بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ وحَذْفِ الخَبَرِ؛ أيْ: والشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ كَذَلِكَ.
﴿ ونُخَوِّفُهُمْ ﴾ بِذَلِكَ ونَظائِرِهِ مِنَ الآياتِ فَإنَّ الكُلَّ لِلتَّخْوِيفِ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: «ويُخَوِّفُهُمْ» بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ ﴿ فَما يَزِيدُهُمْ ﴾ التَّخْوِيفُ ﴿ إلا طُغْيانًا ﴾ تَجاوُزًا عَنِ الحَدِّ ﴿ كَبِيرًا ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، فَلَوْ أرْسَلْنا بِما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ لَفَعَلُوا بِها فِعْلَهم بِإخْوانِها وفُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ بِأمْثالِهِمْ وقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ العامَّةِ إلى الطّامَّةِ الكُبْرى هَذا فِيما أرى هو الأوْفَقُ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ واخْتارَهُ في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ.
وعَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ تَفْسِيرُ الإحاطَةِ بِالقُدْرَةِ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ عَمّا عَسى يَعْتَرِيهِ مِن عَدَمِ الإجابَةِ إلى إنْزالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ لِمُخالَفَتِها لِلْحِكْمَةِ مَن نَوْعِ حُزْنٍ مِن طَعْنِ الكَفَرَةِ حَيْثُ كانُوا يَقُولُونَ: لَوْ كُنْتَ رَسُولًا حَقًّا لَأتَيْتَ بِهَذِهِ المُعْجِزَةِ كَما أتى بِها مِن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لَكَ: إنَّ رَبَّكَ اللَّطِيفَ بِكَ قَدْ أحاطَ بِالنّاسِ فَهم في قَبْضَةِ قُدْرَتِهِ لا يَقْدِرُونَ عَلى الخُرُوجِ مِن رِبْقَةِ مَشِيئَتِهِ فَهو يَحْفَظُكَ مِنهم فَلا تَهْتَمَّ بِهِمْ وامْضِ لِما أمَرْتُكَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، ألا تَرى أنَّ الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ مِن قَبْلُ جَعَلْناها فِتْنَةً لِلنّاسِ مُورِثَةً لِلشُّبْهَةِ مَعَ أنَّها ما أوْرَثَتْ ضَعْفًا لِأمْرِكَ وفُتُورًا في حالِكَ وبَعْضُهم حَمَلَ الإحاطَةَ عَلى الإحاطَةِ بِالعِلْمِ إلّا أنَّهُ ذَكَرَ في حاصِلِ المَعْنى ما يَقْرُبُ مِمّا ذُكِرَ فَقالَ: أيْ إنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِالنّاسِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَيَعْلَمُ قَصْدَهم إلى إيذائِكَ إذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِما اقْتَرَحُوا ويَعْصِمُكَ مِنهم فامْضِ عَلى ما أنْتَ فِيهِ مِنَ التَّبْلِيغِ والإنْذارِ ألا تَرى إلَخْ.
ولا يَخْفى أنَّ ذِكْرَ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ وأمْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذِكْرِ ذَلِكَ القَوْلِ أنْسَبُ بِكَوْنِ الآيَةِ مَسُوقَةً لِتَسْلِيَتِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي نُقِلَ، وذُكِرَ التَّخْوِيفُ وأنَّهُ ما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا أوْفَقُ بِما فُسِّرَتْ بِهِ الآيَةُ أوَّلًا، وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ تَسْلِيَةٍ، وقِيلَ: الإحاطَةُ هُنا الإهْلاكُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ والنّاسُ قُرَيْشٌ ووَقْتُ ذَلِكَ الإهْلاكِ يَوْمُ بَدْرٍ، وعُبِّرَ عَنْهُ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مُنْتَظَرًا حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ ﴾ وغَيْرُ ذَلِكَ لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وأُوِّلَتِ الرُّؤْيا بِما رَآهُ في المَنامِ مِن مَصارِعِهِمْ كَما صَرَّحَ بِهِ في بَعْضِ الرِّواياتِ.
وصَحَّ «أنَّهُ لَمّا ورَدَ ماءَ بَدْرٍ كانَ يَقُولُ: واللَّهِ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ وهو يَضَعُ يَدَهُ الشَّرِيفَةَ عَلى الأرْضِ هاهُنا وهاهُنا ويَقُولُ: هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ».
وهُوَ ظاهِرٌ في كَوْنِ ذَلِكَ مَنامًا.
ويُرْوى أنَّ قُرَيْشًا سَمِعَتْ بِما أُوحِيَ إلى رَسُولِ اللَّهِ في شَأْنِ بَدْرٍ وما أُرِيَ في مَنامِهِ مِن مَصارِعِهِمْ فَكانُوا يَضْحَكُونَ ويَسْخَرُونَ وهو المُرادُ بِالفِتْنَةِ، وبِما رَآهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ سَيَدْخُلُ مَكَّةَ وأخْبَرَ أصْحابَهُ فَتَوَجَّهَ إلَيْها فَصَدَّهُ المُشْرِكُونَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ والجُبائِيُّ، واعْتَذَرَ عَنْ كَوْنِ ما ذُكِرَ مَدَنِيًّا بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَحْيُ بِإهْلاكِهِمْ وكَذا الرُّؤْيا واقِعًا بِمَكَّةَ وذِكْرُ الرُّؤْيا وتَعْيِينُ المَصارِعِ واقِعَيْنِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الِافْتِتانُ بِذَلِكَ بَعْدَ الهِجْرَةِ وأنْ يَكُونَ ازْدِيادُهم طُغْيانًا مُتَوَقَّعًا غَيْرَ واقِعٍ عِنْدِ نُزُولِ الآيَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: «رَأى رَسُولُ اللَّهِ بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزُونَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فَساءَهُ ذَلِكَ فَما اسْتَجْمَعَ ضاحِكًا حَتّى ماتَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ وما جَعَلْنا الرُّؤْيا ﴾ إلَخْ».
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: «رَأى رَسُولُ اللَّهِ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى المَنابِرِ فَساءَهُ ذَلِكَ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: إنَّما هي دُنْيا أُعْطُوها؛ فَقَرَّتْ عَيْنُهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما جَعَلْنا ﴾ إلَخْ».
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَعْلى بْنِ مُرَّةَ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ : رَأيْتُ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى مَنابِرِ الأرْضِ وسَيَمْلِكُونَكم فَتَجِدُونَهم أرْبابَ سُوءٍ، واهْتَمَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما جَعَلْنا ﴾ الآيَةَ»».
وأُخْرِجَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: ««رَأيْتُ ولَدَ الحَكَمِ بْنِ أبِي العاصِ عَلى المَنابِرِ كَأنَّهُمُ القِرَدَةُ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ: ﴿ وما جَعَلْنا ﴾ إلَخْ والشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ الحَكَمُ ووَلَدُهُ»».
وفِي عِبارَةِ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ هي بَنُو أُمَيَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قالَتْ لِمَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ لِأبِيكَ وجَدِّكَ: إنَّكُمُ الشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ»».
فَعَلى هَذا مَعْنى إحاطَتِهِ تَعالى بِالنّاسِ إحاطَةُ أقْدارِهِ بِهِمْ، والكَلامُ عَلى ما قِيلَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: وما جَعَلْنا تَعْبِيرَ الرُّؤْيا أوِ الرُّؤْيا فِيهِ مَجازٌ عَنْ تَعْبِيرِها، ومَعْنى جَعْلِ ذَلِكَ فِتْنَةً لِلنّاسِ جَعْلُهُ بَلاءً لَهم ومُخْتَبَرًا، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ المُسَيِّبِ، وكانَ هَذا بِالنِّسْبَةِ إلى خُلَفائِهِمُ الَّذِينَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا وعَدَلُوا عَنْ سَنَنِ الحَقِّ وما عَدَلُوا، وما بَعْدَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَدا خُلَفاءَهم مِنهم مِمَّنْ كانَ عِنْدَهم عامِلًا ولِلْخَبائِثِ عامِلًا أوْ مِمَّنْ كانَ مِن أعْوانِهِمْ كَيْفَما كانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: ما جَعَلْنا خِلافَتَهم وما جَعَلْناهم أنْفُسَهم إلّا فِتْنَةً، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في ذَمِّهِمْ ما فِيهِ، وجُعِلَ ضَمِيرُ ( نُخَوِّفُهم ) عَلى هَذا لِما كانَ لَهُ أوَّلًا أوْ لِلشَّجَرَةِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بِها بَنُو أُمَيَّةَ، ولَعَنَهم لِما صَدَرَ مِنهم مَنِ اسْتِباحَةِ الدِّماءِ المَعْصُومَةِ والفُرُوجِ المُحْصَنَةِ وأخْذِ الأمْوالِ مِن غَيْرِ حَلِّها ومَنعِ الحُقُوقِ عَنْ أهْلِها وتَبْدِيلِ الأحْكامِ والحُكْمِ بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ القَبائِحِ العِظامِ والمَخازِي الجِسامِ الَّتِي لا تَكادُ تُنْسى ما دامَتِ اللَّيالِي والأيّامُ، وجاءَ لَعْنُهم في القُرْآنِ إمّا عَلى الخُصُوصِ كَما زَعَمَتْهُ الشِّيعَةُ أوْ عَلى العُمُومِ كَما نَقُولُ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ ﴾ إلى آياتٍ أُخَرَ ودُخُولُهم في عُمُومٍ ذَلِكَ يَكادُ يَكُونُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ هَذا لا يُسَوِّغُ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ السُّنَّةِ لَعْنَ واحِدٍ مِنهم بِخُصُوصِهِ؛ فَقَدْ صَرَّحُوا أنَّهُ لا يَجُوزُ لَعْنُ كافِرٍ بِخُصُوصِهِ ما لَمْ يَتَحَقَّقْ مَوْتُهُ عَلى الكُفْرِ كَفِرْعَوْنَ ونَمْرُودَ فَكَيْفَ مَن لَيْسَ كافِرًا، وادَّعى السِّراجُ البُلْقِينِيُّ جَوازَ لَعْنِ العاصِي المُعَيَّنِ ونَوَّرَ دَعَواهُ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: ««إذا دَعا الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إلى فِراشِهِ فَأبَتْ أنْ تَجِيءَ فَباتَ غَضْبانَ لَعَنَتْها المَلائِكَةُ حَتّى تُصْبِحَ»».
وقالَ ولَدُهُ الجَلالُ: بَحَثْتُ مَعَ والِدِي في ذَلِكَ بِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ لَعْنُ المَلائِكَةِ لَها بِالعُمُومِ بِأنْ يَقُولَ: لَعَنَ اللَّهُ تَعالى مَن باتَتْ مُهاجِرَةً فِراشَ زَوْجِها ولَوِ اسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِخَبَرِ مُسْلِمٍ «أنَّهُ مَرَّ بِحِمارٍ وُسِمَ بِوَجْهِهِ فَقالَ: «لَعَنَ اللَّهُ تَعالى مَن فَعَلَ هَذا»» لَكانَ أظْهَرَ.
إذِ الإشارَةُ بِهَذا صَرِيحَةٌ في لَعْنِ مُعَيَّنٍ إلّا أنْ يُؤَوَّلَ بِأنَّ المُرادَ فاعِلُ جِنْسِ ذَلِكَ لا فاعِلُ هَذا المُعَيَّنِ وفِيهِ ما فِيهِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ مَن وافَقَهُ لِذَلِكَ أيْضًا بِما صَحَّ أنَّهُ قالَ: ««اللَّهُمَّ العَنْ رِعْلًا وذَكْوانَ وعُصَيَّةَ عَصَوُا اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ»».
فَإنَّ فِيهِ لَعْنَ أقْوامٍ بِأعْيانِهِمْ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلِمَ مَوْتَهم أوْ مَوْتَ أكْثَرِهِمْ عَلى الكُفْرِ فَلَمْ يَلْعَنْ إلّا مَن عَلِمَ مَوْتَهُ عَلَيْهِ وهو كَما تَرى، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِما ذُكِرَ غَيْرُ ظاهِرِ المُلاءَمَةِ لِلسِّياقِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ الأحادِيثِ، وقِيلَ: الشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ مَجازٌ عَنْ أبِي جَهْلٍ وكانَ فِتْنَةً وبَلاءً عَلى المُسْلِمِينَ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: مَجازٌ عَنِ اليَهُودِ الَّذِينَ تَظاهَرُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ولَعْنُهم في القُرْآنِ ظاهِرٌ، وفِتْنَتُهم أنَّهم كانُوا يَنْتَظِرُونَ بِعْثَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ وقالُوا: لَيْسَ هو الَّذِي كُنّا نَنْتَظِرُهُ فَثَبَّطُوا كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِمَقالَتِهِمْ عَنِ الإسْلامِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ قال ابن عباس: «يعني: نميت أهلها» .
أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً، يعني: بالسيف والزلازل والأمراض والخوف والغرق والحرق.
كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً، أي: في الذكر الذي عند الله، وقال مجاهد: مُهْلِكُوها أي مبيدوها أو معذبوها بالقتل والبلاء، ما كان من قرية في الأرض إلا سيصيبها بعض ذلك.
روى حماد بن سلمة، عن أبي العلاء، عن مكحول أنه قال: «أول أرض تصير خراباً أرض أرمينية» .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: «أول أرض تصير خراباً أرض الشام» وروى ابن سيرين عن ابن عمر أنه قال: «البصرة أسرع الأرضين خراباً وأخبثهم تراباً» .
عن عليّ بن أبي طالب أنه قال: «أكثروا الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه، فكأني برجل من الحبشة حمش الساقين، يهدمها حجراً حجراً» .
ثم قال تعالى: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ، وذلك أن قريشاً طلبوا من رسول الله أن يأتيهم بآية، فنزل وَما مَنَعَنا أي ليس أحد يمنعنا أن نرسل الآيات عند ما سألوها.
إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ، يعني: تكذيب الأولين حين أتتهم الآيات، فلم يؤمنوا، فأتاهم العذاب.
قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا أبو العباس بن السراج قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «سأل أهل مكة النبيّ أن يجعل الصفا لهم ذهباً، وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعونها، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم لعلنا نتخير منهم وإن شئت أن نريهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما هلك من كان قبلهم.
فقال: «بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ» ، فنزل وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ.
ثم قال: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً، أي معاينة يبصرونها، ويقال: علامة لنبوته.
فَظَلَمُوا بِها، أي جحدوا بها فعقروها، فعذبوا.
فقال الله تعالى: وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً لهم ليؤمنوا، فإِن أَبَوا أتاهم العذاب.
قوله عز وجل: وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ قال الكلبي: أحاط علمه بالناس، ويقال: هم في قبضته، أي قادر عليهم وقال قتادة: يعني: يمنعك من الناس حتى تبلغ رسالات الله وقال السدي: معناه إن ربك مظهرك على الناس.
قال عز وجل: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قال: حدّثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن أحمد الدبيلي قال: حدّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال في قوله: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قال: «هي رؤيا عين أريها النبيّ ليلة أسري به» .
وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ أي: ذكر الشجرة الملعونة في القرآن فتنة لهم، يعني: بلية لهم.
وذلك أن المشركين قالوا: يخبرنا هذا أن في النار شجرة والنّار تأكل الشجرة.
فصار ذلك فتنة لهم، يعني: بلية لهم.
ويقال: لما نزل إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ قالوا: هي التّمر والزبد.
فرجع أبو جهل إلى منزله، فقال لجاريته: زقمينا، وأمرها أن تأتي بالتمر والزبد، فخرج به إلى الناس وقال: كلوا فإِن محمداً يخوفكم بهذا، فصار ذكر الشجرة فتنة لهم، ثم يخوّفهم: بذكر شجرة الزقوم فذلك قوله: وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً، يعني: تمادياً في المعصية.
قال الكلبي: قوله وَالشَّجَرَةَ قال: هي شجرة الزقوم.
ثم قال: هي ليلة أسري به مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس، فنشر له الأنبياء كلهم، فصلى بهم، ثم صلى الغداة بمكة فكذبوه، فذلك قوله: فِتْنَةً لِلنَّاسِ حين كذبه أهل مكة.
وقال عكرمة: أمَا إنَّهَا رؤيا عين يقظة ليست برؤيا منام.
وقال سعيد بن المسيب: أري النبيّ بني أمية على المنابر فساءه ذلك، فقيل له: إنّما هي دنيا يعطونها فقرَّت عينه فنزل: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ يعني: بني أمية.
<div class="verse-tafsir"
جاءتهم الآيات المقترحة، فلم يؤمنوا كثمودَ وغيرهم.
قال الزَّجَّاجِ «١» : أخبر تعالى أنَّ موعد كفار هذه الأمة الساعة بقوله سبحانه: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ [القمر: ٤٦] فهذه الآية تنظُرُ إِلى ذلك، ومُبْصِرَةً أي: ذاتُ إِبصار وهي عبارةٌ عن بيان أمْر الناقة، ووضوح إعجازها، وقوله: فَظَلَمُوا بِها، أي: بِعَقْرِها، وبالكُفْر في أمرهَا، ثم أخبر تعالى أنه إِنما يرسل بالآياتِ غيرِ المُقْتَرَحةِ تخويفاً للعباد، وهي آيات معها إِمهال، فمن ذلك الكُسْوفُ والرعْدُ والزلزلةُ وقَوْسُ قُزَحَ، وغَيْرُ ذلك، وآيات اللَّه المعَتَبرُ بها ثلاثَةُ أقْسَامٍ: فقسمٌ عامٌّ في كل شيء، إِذ حيث ما وضَعْتَ نَظَرك، وجدتَّ آيةً، وهنا فِكْرة للعلماء، وقِسْمٌ معتاد غالباً كالكسوف ونحوه، وهنا فِكْرَة الجَهَلَةِ، وقسْمٌ خَارِقٌ للعادة، وقد انقضى بانقضاء النبوَّة، وإِنما يعتبر به، توهُّماً لما سلف منه.
وقوله سبحانه: وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ هذه الآية إخبار للنبي صلّى الله عليه وسلّم بأنه محفوظٌ من الكَفَرة آمِنٌ، أي: فَلْتُبْلِّغْ رسالةَ ربِّك، ولا تتهَّيب أحداً من المخلوقين قاله الطبريُّ «٢» ونحوه للحَسَن «٣» والسُّدِّيِّ.
وقوله سبحانه: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ ...
الآية: الجمهورُ أنَّ هذه الرؤيا رؤيا عين ويقظة، وذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما كان صَبِيحَةَ الإِسراء، وأخبر بما رأى في تلك الليلة من العجائب، قال الكفَّار: إِن هذا لعجب، واستبعدوا ذلك فافتتن بهذا قومٌ من ضَعَفَةِ المسلمين فارتدوا وشقَّ ذلك على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فنزلت هذه الآية فعلى هذا يحسن
أنْ يكون معنى قوله: أَحاطَ بِالنَّاسِ في إِضلالهم وهدايتهم، أي: فلا تهتمَّ/، يا محمَّد، بكُفْر من كفر، وقال ابن عباس: الرؤيا في هذه الآية هي رؤيا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه يدخُلُ مكَّة، فعجَّل في سنة الحُدَيْبِيَة، فصدّ فافتنن المسلمون لذلك، يعني بعَضهم، وليس بفتْنَة كُفْر «١» .
وقوله: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ معطوفة على قوله: الرُّؤْيَا، أي جعلنا الرؤيا والشَّجرةَ فتنةً وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ في قول الجمهورِ: هي شجرةٌ الزَّقُّوم، وذلك أن أمرها لما نَزَلَ في سورة «والصَّافَّات» قال أبو جَهْل وغيره: هذا محمَّد يتوعَّدكم بنَارٍ تَحْرِقُ الحِجَارة، ثم يزعُمُ أنها تُنْبِتُ الشجَرَ، والنار تأكلُ الشجَر، وما نعرفُ الزَّقُّوم إِلا التمر بالزُّبْد، ثم أحضر تمراً وزُبْداً، وقال لأصحابه، تَزقَّمُوا، فافتتن أيضاً بهذه المقالةِ بعْضُ الضعفاء، قال الطبري عن «٢» ابن عباس: أن الشجرة الملعونة، يريد الملعون أُكُلُهَا لأنها لم يَجْرِ لها ذكر «٣» .
قال ع «٤» ويصحُّ أَن يريد الملعونَةِ هنا، فأكَّد الأمر بقوله: فِي الْقُرْآنِ، وقالت فرقة: الْمَلْعُونَةَ، أي: المُبْعَدَة المكْروهة، وهذا قريب في المعنى من الذي قبله، ولا شك أن ما ينبت في أصْل الجحيمِ هو في نهاية البُعْدِ من رحمة الله سبحانه.
وقوله سبحانه: وَنُخَوِّفُهُمْ يريد كفّار مكّة.
وقوله: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ الكافُ في «أَرَأَيْتَكَ» هي كافُ خطابٍ ومبالغةٍ في التنبيه، لا موضعَ لها من الإِعراب، فهي زائدةٌ، ومعنى «أَرأَيْتَ» : أتأملت ونحوه، كأنَّ المخاطِبَ بها ينبِّه المخاطَبَ ليستَجْمِعَ لما ينصُّه بعْدُ.
وقوله: لَأَحْتَنِكَنَّ معناه لأُمِيلَنَّ ولأَجُرَّنَّ، وهو مأخوذ من تَحْنِيكِ الدابَّة، وهو أن يشدَّ على حَنَكِها بحَبْل أو غيره، فتقاد، والسَّنةُ تَحْتَنِكُ المالَ، أي: تجتره، وقال الطبري «٥» «لأحتنكَنَّ» معناه لأستأصلنَّ، وعن ابن عباس: لأستولين «٦» ، وقال ابن زيد «٧» : لأضلّنّ.
قال ع «١» وهذا بدلُ اللفظ، لا تفسير.
وقوله: اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ، وما بعده من الأوامر: هي صيغةُ «افْعَلْ» بمعنى التهديد، كقوله تعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت: ٤٠] «الموفور» ، المُكْمَل، وَاسْتَفْزِزْ معناه: استخف واخدع، وقوله: بِصَوْتِكَ: قيل: هو الغِنَاء والمزامير والمَلاَهي، لأنها أصواتٌ كلُّها مختصة بالمعاصي، فهي مضافةٌ إِلى الشيطانِ، قاله مجاهد «٢» ، وقيل: بدعائك إِياهم إِلى طاعتك.
قال ابن عباس: صوته دعاءُ كُلِّ مَنْ دعا إِلى معصيةِ «٣» اللَّه، والصوابُ أنْ يكون الصوتُ يعمُّ جميع ذلك.
وقوله: وَأَجْلِبْ، أي: هوِّل، و «الجَلَبة» الصوتُ الكثير المختلِطُ الهائل.
وقوله: بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ قيل: هذا مجازٌ واستعارة بمعنى اسع سعيك، وابلغ جهدك، وقيل: حقيقة وإنَّ له خيلاً ورَجُلاً من الجنِّ، قاله «٤» قتادة، وقيل: المراد فرسان الناس، ورجالتهم المتصرِّفون في الباطل، فإِنهم كلهم أعوان لإِبليس على غيرهم «٥» قاله مجاهد.
وَشارِكْهُمْ/ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ عامٌّ لكل معصية يصنعها الناس بالمال، ولكلِّ ما يصنع في أمر الذرِّية من المعاصي، كالإيلاد بالزنا وكتسميتهم عَبْدَ شَمْس، وأبا الكُوَيْفِر، وعَبْدَ الحارِثِ، وكلَّ اسْمٍ مكروه ومن ذلك: وأد البنات ومن ذلك: صبغهم في أديان الكفر، وغير هذا، وما أدخله النَّقَّاش من وطْء الجنِّ، وأنه يُحْبِلُ المرأة من الإِنسِ، فضعيفٌ كلُّه.
ت: أما ما ذكره من الحبل، فلا شك في ضَعْفه، وفسادِ قولِ ناقله، ولم أر في ذلك حديثاً لا صحيحاً ولا سقيماً، ولو أمكن أنْ يكون الحبل من الجنّ، كما زعم ناقله،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أحاطَ عِلْمُهُ بِالنّاسِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
وقالَ مُقاتِلٌ: أحاطَ عِلْمُهُ بِالنّاسِ، يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ، أنْ يَفْتَحَها لِرَسُولِهِ .
والثّانِي: أحاطَتْ قُدْرَتُهُ بِالنّاسِ فَهم في قَبْضَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: حالَ بَيْنَكَ وبَيْنَ النّاسِ أنْ يَقْتُلُوكَ لِتُبَلِّغَ رِسالَتَهُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ ﴾ في هَذِهِ الرُّؤْيا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها رُؤْيا عَيْنٍ، وهي ما رَأى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مِنَ العَجائِبِ والآَياتِ.
رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هي رُؤْيا عَيْنٍ رَآَها لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، ومَسْرُوقٌ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، وأبُو مالِكٍ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ زَيْدٍ في آَخَرِينَ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الفِتْنَةِ: الِاخْتِبارُ، فَإنَّ قَوْمًا آَمَنُوا بِما قالَ وقَوْمًا كَفَرُوا.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُخْتارُ في هَذِهِ الرُّؤْيَةِ أنْ تَكُونَ يَقَظَةً، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَقُولَ القائِلُ: رَأيْتُ فَلانًا رُؤْيَةً، ورَأيْتُهُ رُؤْيا، إلّا أنَّ الرُّؤْيَةَ يَقِلُّ اسْتِعْمالُها في المَنامِ، والرُّؤْيا يَكْثُرُ اسْتِعْمالُها في المَنامِ، ويَجُوزُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهُما في المَعْنَيَيْنِ.
والثّانِي: أنَّها رُؤْيا مَنامٍ.
ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ قَدْ أُرِيَ أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ هو وأصْحابُهُ، وهو يَوْمئِذٍ بِالمَدِينَةِ، فَعَجَّلَ قَبْلَ الأجَلِ، فَرَدَّهُ المُشْرِكُونَ، فَقالَ أُناسٌ: قَدْ رُدَّ، وكانَ حَدَّثَنا أنَّهُ سَيَدْخُلُها، فَكانَ رُجُوعُهم فِتْنَتَهُمْ،» رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وهَذا لا يُنافِي حَدِيثَ المِعْراجِ؛ لِأنَّ هَذا كانَ بِالمَدِينَةِ، والمِعْراجُ كانَ بِمَكَّةَ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وإنَّما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى وجْهِ الزِّيادَةِ في الإخْبارِ لَنا أنَّ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ افْتُتِنُوا بِرُؤْيا عَيْنِهِ، والمُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ افْتُتِنُوا بِرُؤْيا نَوْمِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى المَنابِرِ فَساءَهُ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّها الدُّنْيا يُعْطُونَها، فَسُرِّيَ عَنْهُ.
فالفِتْنَةُ هاهُنا: البَلاءُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ بْنِ جُدْعانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وإنْ كانَ مِثْلَ هَذا لا يَصِحُّ، ولَكِنْ قَدْ ذَكَرَهُ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ.
وَرَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ قالَ: «رَأى رَسُولُ اللهِ قَوْمًا عَلى مَنابِرَ، فَشُقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وفِيهِ نَزَلَ: ﴿ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ﴾ »، قالَ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ ﴾ : إلّا بَلاءً لِلنّاسِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَمَن ذَهَبَ إلى أنَّ الشَّجَرَةَ رِجالٌ رَآَهُمُ النَّبِيُّ في مَنامِهِ يَصْعَدُونَ عَلى المَنابِرِ، احْتَجَّ بِأنَّ الشَّجَرَةَ يُكَنّى بِها عَنِ المَرْأةِ لِتَأْنِيثِها، وعَنَ الجَماعَةِ لِاجْتِماعِ أغْصانِها.
قالُوا ووَقَعَتِ اللَّعْنَةُ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ كُنِّيَ عَنْهم بِالشَّجَرَةِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وفي الآَيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: وما جَعَلْنا الرُّؤْيا والشَّجَرَةَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ.
وَفِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومَسْرُوقٌ، والنَّخَعِيُّ، والجُمْهُورُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: «لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى شَجَرَةَ الزَّقُّومِ، قالَ أبُو جَهْلٍ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّ مُحَمَّدًا يُخَوِّفُكم بِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ، ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ النّارَ تُحْرِقُ الشَّجَرَ ؟
ومُحَمَّدٌ يَزْعُمُ أنَّ النّارَ تُنْبِتُ الشَّجَرَ، فَهَلْ تَدْرُونَ ما الزَّقُّومُ ؟
فَقالَ عَبْدُ الله بْنُ الزَّبَعْرى: إنَّ الزَّقُّومَ بِلِسانِ بَرْبَرٍ: التَّمْرُ والزُّبْدُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: يا جارِيَةُ ابِغِينا تَمْرًا وزُبْدًا، فَجاءَتْهُ بِهِ، فَقالَ لِمَن حَوْلَهُ: تَزَقَّمُوا مِن هَذا الَّذِي يُخَوِّفُكم بِهِ مُحَمَّدٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَنُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلا طُغْيانًا كَبِيرًا ﴾ » .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانَتْ فِتْنَتُهم بِالرُّؤْيا قَوْلُهُمْ: كَيْفَ يَذْهَبُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ويَرْجِعُ في لَيْلَةٍ ؟
وبِالشَّجَرَةِ قَوْلُهُمْ: كَيْفَ يَكُونُ في النّارِ شَجَرَةٌ ؟
وَلِلْعُلَماءِ في مَعْنى ﴿ المَلْعُونَةَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: المَذْمُومَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: المَلْعُونُ آَكِلُها، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ في القُرْآَنِ ذِكْرُ لَعْنِها، فَفِيهِ لَعْنُ آَكِلِيها، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ طَعامٍ مَكْرُوهٍ وضارٍّ: مَلْعُونٌ؛ فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ فِي القُرْآنِ ﴾ فالمَعْنى: الَّتِي ذُكِرَتْ في القُرْآَنِ، وهي مَذْكُورَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ﴾ ﴿ طَعامُ الأثِيمِ ﴾ .
والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى " المَلْعُونَةِ ": المَبْعَدَةُ عَنْ مَنازِلِ أهْلِ الفَضْلِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ هي الَّتِي تَلْتَوِي عَلى الشَّجَرِ، يَعْنِي: الكَشُوثى، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّ الشَّجَرَةَ كِنايَةٌ عَنِ الرِّجالِ عَلى ما ذَكَرْنا عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُخَوِّفُهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَفْعُولُ " نُخَوِّفُهم " مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ونُخَوِّفُهُمُ العَذابَ، ﴿ فَما يَزِيدُهُمْ ﴾ ؛ أيْ: فَما يَزِيدُهُمُ التَّخْوِيفُ ﴿ إلا طُغْيانًا ﴾ ، وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الطُّغْيانِ في ( البَقَرَةِ: ١٥ )، وذَكَرْنا هُناكَ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالناسِ وما جَعَلْنا الرُؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلا طُغْيانًا كَبِيرًا ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالناسِ ﴾ أيْ: في مَنعِكَ يا مُحَمَّدُ وحِياطَتُكَ وحِفْظِكَ، فالآيَةُ إخْبارٌ لَهُ بِأنَّهُ مَحْفُوظٌ مِنَ الكَفَرَةِ، آمِنٌ أنْ يُقْتَلَ أو يُنالَ بِمَكْرُوهٍ عَظِيمٍ، أيْ: فَلْتُبْلِّغُ رِسالَةَ رَبِّكَ ولا تَتَهَيَّبُ أحَدًا مِنَ المَخْلُوقِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَأْوِيلٌ بَيِّنٌ جارٍ مَعَ اللَفْظِ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، والسُدَيِّ، إلّا أنَّهُ لا يُناسَبُ ما بَعْدَهُ مُناسِبَةً شَدِيدَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ الكَلامُ مُناسِبًا لِما بَعْدَهُ، تَوْطِئَةٌ لَهُ، فَأقُولُ: اخْتَلَفَ الناسُ في الرُؤْيا -فَقالَ الجُمْهُورُ: هي رُؤْيا عَيْنٍ ويَقَظَةٍ، وهي ما رَأْهُ رَسُولُ اللهِ في لَيْلَةِ الإسْراءِ، قالُوا: فَلَمّا أخْبَرَ رَسُولُ اللهِ صَبِيحَةَ الإسْراءِ بِما رَأى في تِلْكَ اللَيْلَةِ مِنَ العَجائِبِ، قالَ الكُفّارُ: إنَّ هَذا لِعَجِيبٌ، تَخُبُّ الحُداةُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ شَهْرَيْنِ إقْبالًا وإدْبارًا، ويَقُولُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- إنَّهُ جاءَهُ مِن لَيْلَةٍ وانْصَرَفَ عنهُ، فافْتَتَنَ بِهَذا التَلْبِيسِ قَوْمٌ مِن ضَعْفَةِ المُسْلِمِينَ فارْتَدُّوا، وشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالناسِ ﴾ ، أيْ: في إضْلالِهِمْ وهِدايَتِهِمْ، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مُيَسَّرٍ لِما خُلِقَ لَهُ، أيْ: فَلا تَهْتَمُّ أنْتَ بِكُفْرِ مَن كَفَرَ، ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ قِيلَ لَكَ: لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ، إنَّ اللهَ مُحِيطٌ بِهِمْ، مالِكٌ لِأمْرِهِمْ، وهو جَعَلَ هَذِهِ فِتْنَةً لِيَكْفُرَ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الكُفْرُ.
وسُمِّيَتِ الرُؤْيَةُ في هَذا التَأْوِيلِ رُؤْيا إذْ هُما مَصْدَرانِ مِن: رَأى.
قالَ النَقّاشُ: جاءَ ذَلِكَ عَلى اعْتِقادِ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّها مَنامَةٌ وإنْ كانَتِ الحَقِيقَةُ غَيْرَ ذَلِكَ.
وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الرُؤْيا في الإسْراءِ رُؤْيا مَنامٍ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ عَلى خِلافِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي بِفَسادِهِ، وذَلِكَ أنَّ رُؤْيا المَنامِ لا فِتْنَةَ فِيها، وما كانَ أحَدٌ لِيُنْكِرَها، وقَدْ ذَكَرَ هَذا مُسْتَوْعِبًا في صَدْرِ السُورَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الرُؤْيا الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ هي رُؤْيا رَسُولِ اللهِ أنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ، فَعَجَّلَ في سَنَةِ الحُدَيْبِيَةِ، فَرُدَّ، فافْتَتَنَ المُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآياتُ.
وَقالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: إنَّما هَذِهِ الرُؤْيا أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ يَرى بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزَوُنَّ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ، فاهْتَمَّ لِذَلِكَ وما اسْتَجْمَعَ ضاحِكًا مِن يَوْمَئِذٍ حَتّى ماتَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُخْبِرَةً أنَّ ذَلِكَ مِن تَمَلُّكِهِمْ وصُعُودِهِمْ عَلى المَنابِرِ، إنَّما يَجْعَلُها اللهُ فِتْنَةً لِلنّاسِ وامْتِحانًا.
ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أحاطَ بِالناسِ ﴾ ، أيْ: بِإقْدارِهِ، وأنَّ كُلَّ ما قَدَّرَهُ نافِذٌ، فَلا تَهْتَمُّ بِما يَكُونُ بَعْدَكَ مِن ذَلِكَ.
وقَدْ قالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ في خُطْبَتِهِ في شَأْنِ بَيْعَتِهِ لِمُعاوِيَةَ: ﴿ وَإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم ومَتاعٌ إلى حِينٍ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا التَأْوِيلِ نَظَرٌ، ولا يَدْخُلُ في هَذِهِ الرُؤْيا عُثْمانُ بْنُ عَفّانٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ولا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، ولا مُعاوِيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والشَجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "الرُؤْيا"، أيْ: جَعَلَنا الرُؤْيا والشَجَرَةَ فِتْنَةً، و"الشَجَرَةَ" هُنا -فِي قَوْلِ الجُمْهُورِ- هي شَجَرَةُ الزَقُّومِ، وذَلِكَ أنَّ أمْرَها لَمّا نَزَلْ في سُورَةِ الصافّاتِ قالَ أبُو جَهْلٍ وغَيْرِهِ: هَذا مُحَمَّدٌ يَتَوَعَّدُكم بِنارٍ تُحْرِقُ الحِجارَةَ ثُمَّ يَزْعُمُ أنَّها تَنْبُتُ الشَجَرُ، وما نَعْرِفُ الزَقُّومَ إلّا التَمْرُ بِالزُبْدِ، ثُمَّ أمَرَ أبُو جَهْلٍ جارِيَةً لَهُ فَأحْضَرَتْ تَمْرًا وزَبَدًا وقالَ لِأصْحابِهِ: تَزَقَّمُوا، فافْتَتَنَ أيْضًا بِهَذِهِ المَقالَةِ بَعْضُ الضُعَفاءِ، فَأخْبَرَ اللهُ نَبِيَّهُ أنَّهُ إنَّما جَعَلَ الإسْراءَ وذِكْرَ شَجَرَةِ الزَقُّومِ اخْتِبارًا لِيَكْفُرَ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الكُفْرُ، ويُصَدِّقُ مَن سَبَقَ لَهُ الإيمانُ، كَما رُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصَدِيقَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قِيلَ لَهُ صَبِيحَةَ الإسْراءِ: إنْ صاحِبَكَ يَزْعُمُ أنَّهُ جاءَ البارِحَةَ بَيْتَ المَقْدِسِ وانْصَرَفَ مِنهُ، فَقالَ: إنْ كانَ قالَ ذَلِكَ فَقَدْ صَدَقَ، فَقِيلَ لَهُ: أفَتُصَدِّقُ قَبْلَ أنْ تَسْمَعَ مِنهُ؟
فَقالَ: أيْنَ عُقُولُكُمْ؟
أنا أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَماءِ فَكَيْفَ لا أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ بَيْتِ المَقْدِسِ، والسَماءُ أبْعَدُ مِنها بِكَثِيرٍ؟
وَقالَتْ فِرْقَةٌ: الشَجَرَةُ إشارَةٌ إلى القَوْمِ المَذْكُورِينَ قَبْلُ في الرُؤْيا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ مُحْدَثٌ، ولَيْسَ هَذا عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، ولا مَثْلِهِ.
وقالَ الطَبَرِيُّ -عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما-: إنَّ الشَجَرَةَ المَلْعُونَةَ: يَعْنِي: المَلْعُونُ آكُلُها لِأنَّها لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ يُرادَ: "المَلْعُونَةُ" هُنا: فَأكَّدَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فِي القُرْآنِ ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَلْعُونَةُ: المُبْعَدَةُ المَكْرُوهَةُ، وهَذا أرادَ؛ لِأنَّهُ لَعَنَها بِلَفْظِ اللَعْنَةِ المُتَعارَفِ، وهَذا قَرِيبٌ في المَعْنى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.
وأيْضًا فَما يَنْبُتُ في أصْلِ الجَحِيمِ، فَهو في نِهايَةِ البُعْدِ مِن رَحْمَةِ اللهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُخَوِّفُهُمْ ﴾ ، يُرِيدُ: إمّا كُفّارُ مَكَّةَ، وإمّا المُلُوكُ مِن بَنِي أُمَيَّةَ بَعْدَ الخِلافَةِ الَّتِي قالَ فِيها النَبِيُّ : « "الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَضُودًا"،» والأوَّلُ مِنهُما أصْوَبُ كَما قُلْنا قَبْلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما يَزِيدُهم إلا طُغْيانًا كَبِيرًا ﴾ يُرِيدُ كُفْرَهم وانْتِهاكَهم فِيهِ، كَقَوْلِ أبِي جَهْلٍ في الزَقُّومِ والتَزَقُّمِ، فَقَدْ قالَ النَقّاشُ: إنَّ في ذَلِكَ نَزَلَتْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي نَحْوِهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَيُخَوِّفُهُمْ" بِالياءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَنُخَوِّفُهُمْ" بِالنُونِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس ﴾ هذه تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم على حزنه من تكذيب قومه إياه، ومن إمهال عتاة أعداء الدين الذين فتنوا المؤمنين، فذكره الله بوعده نصرَه.
وقد أومأ جَعْلُ المسند إليه لفظ الرب مضافاً إلى ضمير الرسول أن هذا القول مسوق مساق التكرمة للنبيء وتصبيره، وأنه بمحل عناية الله به إذ هو ربه وهو ناصره؛ قال تعالى: ﴿ واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ﴾ [الطور: 48].
فجملة وإذ قلنا لك } الخ يجوز أن تكون معطوفة على جملة ﴿ وما منعنا أن نرسل بالآيات ﴾ [الإسراء: 59] ويجوز أن تكون معترضة.
و (إذ) متعلقة بفعل محذوف، أي اذكُرْ إذ قلنا لك كلاماً هو وعد بالصبر، أي اذكر لهم ذلك وأعدهُ على أسماعهم، أو هو فعل اذكر} على أنه مشتق من الذُّكر بضم الذال وهو إعادة الخبر إلى القوة العقلية الذاكرة.
والإحاطة لما عدي فعلها هنا إلى ذاتتِ الناس لا إلى حال من أحوالهم تعين أنها مستعملة في معنى الغلبة، كما في قوله تعالى: ﴿ وظنوا أنهم أحيط بهم ﴾ في سورة [يونس: 22].
وعُبِّرَ بصيغة المضي للتنبيه على تحقيق وقوع إحاطة الله بالناس في المستقبل القريب.
ولعل هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ [الرعد: 41].
والمعنى: فلا تحزن لافترائهم وتطاولهم فسننتقم منهم.
عطف على جملة ﴿ وما منعنا أن نرسل بالآيات ﴾ [الإسراء: 59] وما بينهما معترضات.
والرؤيا أشهر استعمالها في رؤيا النوم، وتستعمل في رؤية العين كما نقل عن ابن عباس في هذه الآية، قال: هي رؤيا عَيْن أريها النبي ليلة أسري به إلى بيت المقدس، رواه الترمذي وقال: إنه قول عائشة ومعاوية وسبعة من التابعين، سماهم الترمذي.
وتأولها جماعة أنها ما رآه ليلة أسري به إذ رأى بيت المقدس وجعل يصفه للمشركين، ورأى عِيرَهم واردة في مكان معين من الطريق ووصف لهم حال رجال فيها فكان كما وصف.
ويؤيد هذا الوجه قوله: التي أريناك} فإنه وصف للرؤيا ليُعلم أنها رؤية عين.
وقيل: رأى أنه يدخل مكة في سنة الحديبية فرده المشركون فلم يدخلها فافتتن بعض من أسلموا فلما كان العام المقبل دخلها.
وقيل: هي رؤيا مصارع صناديد قريش في بَدر أريها النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أي بمكة.
وعى هذين القولين فهي رؤيا نوم ورؤيا الأنبياء وحي.
والفتنة: اضطراب الرأي واختلال نظام العيش، وتطلق على العذاب المكرر الذي لا يطاق، قال تعالى: ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ﴾ [البروج: 10]، وقال: ﴿ يوم هم على النار يفتنون ﴾ [الذاريات: 13].
فيكون المعنى على أول القولين في الرؤيا أنها سبب فتنة المشركين بازدياد بعدهم عن الإيمان، ويكون على القول الثاني أن المرئي وهو عذابهم بالسيف فتنة لهم.
﴿ والشجرة ﴾ عطف على الرؤيا، أي ما جعلنا ذكر الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس.
وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ﴾ في سورة [الصافات: 64، 66]، وقوله: ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم الآية ﴾ في سورة [الدخان: 43، 44)، وقوله: ﴿ إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم ﴾ في سورة [الواقعة: 51، 52].
روي أن أبا جهل قال: زعم صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجر؛ ثم يقول بأن في النار شجرة لا تحرقها النار.
وجهلوا أن الله يخلق في النار شجرة لا تأكلها النار.
وهذا مروي عن ابن عباس وأصحابه في أسباب النزول } للواحدي و«تفسير الطبري».
وروي أن ابن الزبعرى قال: الزقوم التمر بالزبد بلغة اليمن، وأن أبا جهل أمر جارية فأحضرت تمراً وزبداً وقال لأصحابه: تمزقوا.
فعلى هذا التأويل فالمعنى: أن شجرة الزقوم سبب فتنة مكفرهم وانصرافهم عن الإيمان.
ويتعين أن يكون معنى جعل شجرة الزّقوم فتنة على هذا الوجه أن ذكرها كان سببَ فتنة بحذف مضاف وهو ذكر بقرينة قوله: ﴿ الملعونة في القرآن ﴾ لأن ما وصفت به في آيات القرآن لعْن لها.
ويجوز أن يكون المعنى: أن إيجادها فتنة.
أي عذاب مكرر، كما قال: ﴿ إنا جعلناها فتنة للظالمين ﴾ [الصافّات: 63].
والملعونة أي المذمومة في القرآن في قوله: طعام الأثيم [الدخان: 44] وقوله: ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين ﴾ [الصافات: 65] وقوله: ﴿ كالمهل تغلي في البطون كغلي الحميم ﴾ [الدخان: 45 46].
وقيل معنى الملعونة: أنها موضوعة في مكان اللعنة وهي الإبعاد من الرحمة، لأنها مخلوقة في موضع العذاب.
وفي الكشاف } : قيل تقول العرب لكل طعام ضار: ملعون.
عطف على جملة ﴿ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ﴾ [الإسراء: 59] الدال على أنهم متصلبون في كفرهم مكابرون معاندون.
وهذه زيادة في تسلية النبي حتى لا يأسف من أن الله لم يرهم آيات، لأن النبي حريص على إيمانهم، كما قال موسى عليه السلام ﴿ فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ﴾ [يونس: 88].
ويوجد في بعض التفاسير أن ابن عباس قال: في الشجرة الملعونة بنو أمية.
وهذا من الأخبار المختلقة عن ابن عباس، ولا إخالها إلا مما وضعه الوضاعون في زمن الدعوة العباسية لإكثار المنفرات من بني أمية، وأن وصف الشجرة بأنها الملعونة في القرآن صريح في وجود آيات في القرآن ذكرت فيها شجرة ملعونة وهي شجرة الزقوم كما علمت.
ومثل هذا الاختلاق خروج عن وصايا القرآن في قوله: ﴿ ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ﴾ [الحجرات: 11].
وجيء بصيغة المضارع في نُخوِّفهم } للإشارة إلى تخويف حاضر، فإن الله خوفهم بالقحط والجوع حتى رأوا الدخان بين السماء والأرض وسألوا الله كشفه فقال تعالى: ﴿ إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون ﴾ [الدخان: 15] فذلك وغيره من التخويف الذي سبق فلم يزدهم إلا طغياناً.
فالظاهر أن هذه الآية نزلت في مدة حصول بعض المخوفات.
وقد اختير الفعل المضارع في نخوفهم } و ﴿ يزيدهم ﴾ لاقتضائه تكرر التخويف وتجدده، وأنه كلما تجدد التخويف تجدد طغيانهم وعظم.
والكبير: مستعار لِمعنى الشديد القوى في نوع الطغيان.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قل قتال فيه كبير ﴾ في سورة [البقرة: 217].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ أحاطَتْ بِالنّاسِ قُدْرَتُهُ فَهم في قَبْضَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ أبِي نَجِيحٍ.
الثّانِي: أحاطَ عِلْمُهُ بِالنّاسِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَصَمَكَ مِنَ النّاسِ أنْ يَقْتُلُوكَ حَتّى تُبَلِّغَ رِسالَةَ رَبِّكَ، قالَهُ الحَسَنُ وعُرْوَةُ وقَتادَةُ.
﴿ وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها رُؤْيا عَيْنٍ لَيْلَةَ الإسْراءِ بِهِ مِن مَكَّةَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ وابْنُ أبِي نَجِيحٍ وابْنُ زَيْدٍ، وكانَتِ الفِتْنَةُ ارْتِدادَ قَوْمٍ كانُوا أسْلَمُوا حِينَ أخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ أنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ.
الثّانِي: أنَّها رُؤْيا نَوْمٍ رَأى فِيها أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ، فَعَجَّلَ النَّبِيُّ قَبْلَ الوَقْتِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، فَرَجَعَ فَقالَ ناسٌ قَدْ كانَ قالَ إنَّهُ سَيَدْخُلُها فَكانَتْ رَجْعَتُهُ فِتْنَتَهم، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
الثّالِثُ: أنَّها رُؤْيا مَنامٍ رَأى فِيها قَوْمًا يَعْلُونَ عَلى مَنابِرِهِ يَنِزُّونَ نَزْوَ القِرَدَةِ فَساءَهُ، وهَذا قَوْلُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ.
وَقِيلَ إنَّهُ ما اسْتَجْمَعَ ضاحِكًا حَتّى ماتَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
﴿ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها شَجَرَةُ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ، وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وطاوُسٌ وابْنُ زَيْدٍ.
وَكانَتْ فِتْنَتُهم بِها قَوْلَ أبِي جَهْلٍ وأشْياعِهِ: النّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَ فَكَيْفَ تُنْبِتُها؟!.
الثّانِي: هي الكُشُوتُ الَّتِي تَلْتَوِي عَلى الشَّجَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُمُ اليَهُودُ تَظاهَرُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ مَعَ الأحْزابِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الرّابِعُ: «أنَّ النَّبِيَّ رَأى في مَنامِهِ قَوْمًا يَصْعَدُونَ المَنابِرَ، فَشَقَّ عَلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ﴾ » قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.
والشَّجَرَةُ كِنايَةٌ عَنِ المَرْأةِ، والجَماعَةُ أوْلادُ المَرْأةِ كالأغْصانِ لِلشَّجَرِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد والنسائي والبزار وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل والضياء في المختارة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعون، فقيل له: إن شئت أن تتأنى بهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم من الأمم.
قال لا: بل أستأني بهم فأنزل الله: ﴿ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ﴾ » .
وأخرج أحمد والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهباً ونؤمن لك.
قال: وتفعلون ,قالوا: نعم.
فدعا فأتاه جبريل- عليه السلام- فقال: إن ربك يقرئك السلام ويقول لك إن شئت أصبح الصفا لهم ذهباً فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمةقال:باب التوبة والرحمة» .
وأخرج البيهقي في الدلائل، عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال: «قال الناس لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- لو جئتنا بآية كما جاء بها صالح والنبيون.
فقال: رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إن شئتم دعوت الله فأنزلها عليكم، وإن عصيتم هلكتم، فقالوا: لا نريدها» .
وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال: «قال أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كان ما تقول حقاً، ويسرك أن نؤمن، فحول لنا الصفا ذهباً، فأتاه جبريل فقال:إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان، ثم لم يؤمنوا لم ينظروا، وإن شئت استأنيت بقومك قال:بل أستأني بقومي» فأنزل الله: ﴿ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ﴾ وأنزل الله: ﴿ ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون ﴾ [ الأنبياء: 6] .
وأخرج ابن جرير، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ﴾ قال: رحمة لكم أيتها الأمة.
قال: إنا لو أرسلنا بالآيات، فكذبتم بها أصابكم ما أصاب من قبلكم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: لم تؤت قرية بآية فكذبوا بها، إلا عذبوا وفي قوله: ﴿ وآتينا ثمود الناقة مبصرة ﴾ قال: آية.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً ﴾ قال: الموت.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد في الزهد وابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن جرير وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً ﴾ قال: الموت الذريع.
واخرج ابن أبي داود في البعث، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً ﴾ قال: الموت من ذلك.
وأخرج ابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً ﴾ قال: إن الله يخوّف الناس بما شاء من آياته لعلهم يعتبون، أو يذكرون، أو يرجعون.
ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود رضي الله عنه فقال: يا أيها الناس، إن ربكم يستعتبكم فاعتبوه.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ﴾ قال: عصمك من الناس.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن ربك أحاط بالناس ﴾ قال: فهم في قبضته.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن ربك أحاط بالناس ﴾ قال: أحاط بهم، فهو مانعك منهم وعاصمك، حتى تبلغ رسالته.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن ابن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ قال: هي رؤيا عين، أريها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليلة أسري به إلى بيت المقدس، وليست برؤيا منام ﴿ والشجرة الملعونة في القرآن ﴾ قال: هي شجرة الزقوم.
وأخرج سعيد بن منصور، عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك ﴾ قال: ما أري في طريقه إلى بيت المقدس.
وأخرج ابن سعد وأبو يعلى وابن عساكر، عن أم هانئ رضي الله عنها، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما أسري به أصبح يحدث نفراً من قريش وهم يستهزئون به، فطلبوا منه آية، فوصف لهم بيت المقدس، وذكر لهم قصة العير.
فقال الوليد بن المغيرة: هذا ساحر، فأنزل الله تعالى: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ .
وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أصبح يحدث بذلك، فكذب به أناس، فأنزل الله فيمن ارتد: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية، قال: هو ما رأى في بيت المقدس ليلة أسري به.
وأخرج ابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ يقول: أراه من الآيات والعبر في مسيره إلى بيت المقدس.
ذكر لنا أن ناساً ارتدوا بعد إسلامهم حين حدثهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بمسيره أنكروا ذلك، وكذبوا به، وعجبوا منه، وقالوا أتحدثنا أنك سرت مسيرة شهرين في ليلة واحدة!.
وأخرج ابن جرير، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بني فلان ينزون على منبره نزو القردة، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكاً حتى مات، وأنزل الله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عمر رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنهم القردة، وأنزل الله في ذلك ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة ﴾ يعني الحكم وولده» .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن يعلى بن مرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أريت بني أمية على منابر الأرض، وسيتملكونكم، فتجدونهم أرباب سوء» واهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك: فأنزل الله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ .
وأخرج ابن مردويه، عن الحسين بن علي رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- أصبح وهو مهموم، فقيل: مالك يا رسول الله؟
فقال: «إني رأيت في المنام كأن بني أمية يتعاورون منبري هذا» فقيل: يا رسول الله، لا تهتهم فإنها دنيا تنالهم.
فأنزل الله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر، عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية على المنابر فساءه ذلك، فأوحى الله إليه: «إنما هي دنيا أعطوها» ، فقرت عينه وهي قوله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ يعني بلاء للناس.
وأخرج ابن مردويه، «عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لمروان بن الحكم: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يقول: لأبيك وجدك إنكم الشجرة الملعونة في القرآن» .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك ﴾ الآية.
قال: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أري أنه دخل مكة هو وأصحابه، وهو يومئذ بالمدينة، فسار إلى مكة قبل الأجل، فرده المشركون، فقال أناس قدْ رُدَّ وكان حدثنا أنه سيدخلها، فكانت رجعته فتنتهم.
وأخرج ابن اسحق وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال أبو جهل لما ذكر رسول الله- صلى الله عليه وسلم شجرة الزقوم تخويفاً لهم يا معشر قريش، هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوّفكم بها محمد؟
قالوا: لا.
قال: عجوة يثرب بالزبد- والله لئن استمكنا منها لنتزقمها تزقما.
فأنزل الله: ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ [ الدخان: 43، 44] وأنزل الله: ﴿ والشجرة الملعونة في القرآن ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والشجرة الملعونة في القرآن ﴾ قال: هي شجرة الزقوم خوفوا بها.
قال أبو جهل: أيخوفني ابن أبي كبشة بشجرة الزقوم؟
ثم دعا بتمر وزبد فجعل يقول: زقموني.
فأنزل الله تعالى: ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين ﴾ [ الصافات: 65] وأنزل الله: ﴿ ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً ﴾ .
وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والشجرة الملعونة ﴾ قال: ملعونة لأن ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين ﴾ [ الصافات: 65] وهم ملعونون.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونخوفهم ﴾ قال: أبو جهل بشجرة الزقوم ﴿ فما يزيدهم ﴾ قال: ما يزيد أبا جهل ﴿ إلا طغياناً كبيراً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ﴾ قال مجاهد: أحاط بالناس فهم في قبضته (١) (٢) (٣) ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ .
فعلى هذه الأقوال: معنى الآية: أن الخلق في قبضة الله وأنه محيط بهم بالعلم والقدرة، فهو مانعك منهم وحافظك، فامض لما أمرك من تبليغ الرسالة ولا تهتم.
وروي عن ابن عباس من طريق عطاء أن المراد بالناس هاهنا: أهل مكة (٤) (٥) ﴿ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ وقد مرّ، والمعنى: أن الله أهلكهم، أي سيهلكهم، ولكن ذُكر بلفظ الماضي لتحقق كونه، وفي إهلاكه إياهم فتحها لمحمد - - ثم أهلكهم يوم بدر قتلًا بالسيف، وأكثر ما يُذْكر أهلُ مكة في القرآن بلفظ الناس.
وقوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴾ اختلفوا في معنى هذه الرؤيا؛ فأكثر المفسرين على أن المراد بها: ما أراه الله تعالى ليلة الإسراء (٦) قال عكرمة: أمَا إنه ليس برؤيا ولكنّه رَأْيُ عَين، وهي رؤيا يقظة ليست رؤيا (٧) (٨) (٩) - ليلة أُسري به إلى بيت المقدس (١٠) (١١) (١٢) ومعنى قوله: ﴿ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴾ هو أنه ارتد بعضهم حين أعلمهم قصة الإسراء، وأنكروا وكذبوا، وازداد المؤمنون المخلصون إيمانًا.
وقال ابن عباس في رواية الوالبي: هي رؤياه التي رأى أنه يدخل مكة وأخبر بذلك أصحابه، فلما صُدّ عن البيت عام الحُدَيْبِيَة (١٣) ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ﴾ (١٤) وقال سعيد بن المسيب: أُري بني أمية يَنْزُون (١٥) (١٦) - بني أمية يَنْزُون على منبره نَزْوَ القِرَدةِ فساءه ذلك" (١٧) وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء قال: رأى رسول الله - - في المنام أن ولد مروان يتداولون منبره كما يتداول الصبيان الكرة (١٨) - بمكة منبر، غير أنه لا يبعد أن يرى بمكة رؤيا المنبر بالمدينة، كأنه رأى أن له بالمدينة منبرًا يتداوله بنو أمية.
قوله تعالى: ﴿ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ﴾ هذا على التقديم والتأخير، ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ ﴾ ، ﴿ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ﴾ ، ﴿ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴾ واختلفوا في هذه الشجرة؛ فالأكثرون أنها شجرة الزقوم التي ذَكر في قوله: ﴿ إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ ﴾ وهذا قول مسروق وسعيد بن جبير وأبي مالك وإبراهيم ومجاهد وقتادة والكلبي وعكرمة والضحاك، وقول ابن عباس في رواية عكرمة من طريق سفيان عن عمرو بن دينار عنه (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ﴾ الآيات.
(٢٢) وروى السدي عن أبي مالك عن ابن عباس قال: الشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية (٢٣) وقال في رواية عطاء: يعني الحكم بن أبي العاص (٢٤) - في المنام ولد مروان يتداولون منبره، فقصّ رؤياه على أبي بكر وعمر وقد خلا في بيته معهما، فلما تفرقا سمع رسول الله - -، فاشتد ذلك عليه، واتهم عمر في إفشاء سره، ثم ظهر أن الحكم كان يَتسمَّعُ إليهم، فنفاه رسولُ الله - -" (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) قال أبو إسحاق: فإن قال: قائل ليس في القرآن ذكر لعنها، فالجواب في ذلك أنه لُعِنَ الكفارُ وهم آكلوها -فعلى هذا يكون التقدير: ﴿ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ﴾ : آكلوها- قال: وجواب آخر: وهو أن العرب تقول لكل طعام مكروه ضَارّ: ملعون (٢٩) وقال بعضهم: يعنى الشجرة الملعونة التي ذُكرت في القرآن؛ وهي شجرة الزقوم (٣٠) وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ ﴾ قال: المذمومة (٣١) ﴿ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا ﴾ ، أي: نخوفهم بالزَّقوم فما يزدادون إلا كفرًا وعتوًا، وهو ما زادوا من التكذيب والإنكار حين سمعوا بذكر هذه الشجرة في القرآن، وقد روي عن ابن عباس: أنه فسر الشجرة الملعونة بالكَشُوث (٣٢) (١) "تفسير مجاهد" ص 438 بنصه، وأخرجه "الطبري" 15/ 110 بنصه من طريقين، وورد بنصه في "معاني القرآن" للنحاس 1/ 364، و"تفسير هود الهواري" 2/ 428، و"الماوردي" 3/ 253.
(٢) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 380 مختصرًا، وأخرجه "الطبري" 15/ 110 بنصه وبنحوه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 274 بنصه، و"الماوردي" 3/ 253، بنحوه.
(٣) أخرجه "الطبري" 15/ 110 - بمعناه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 168 - بمعناه، والماوردي 3/ 253 - بمعناه.
انظر: "تفسير السمعاني" == 3/ 253 بنصه، و"ابن الجوزي" 5/ 53، و"الفخر الرازي" 20/ 235.
(٤) انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 282، وورد بلا نسبة في "تفسير مقاتل" 1/ 216 ب، و"الفخر الرازي" 20/ 235.
(٥) "تفسير مقاتل" 1/ 216 ب، بنحوه، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 126 بنصه.
(٦) وهذا القول رجحه "الطبري" 15/ 183، و"الفخر الرازي" 20/ 236.
(٧) في جميع النسخ: (ليسترونا)، والظاهر أنها كلمتان اشتبكتا في الرسم، والصحيح المثبت.
(٨) ورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 198 و"تفسير السمرقندي" 2/ 274.
(٩) "تفسير مجاهد" 1/ 365، أخرجه "الطبري" 5/ 110 - 112، عنهم كلهم عدا السدي، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 168، عن ابن جبير ومجاهد والضحاك، و"تفسير الثعلبي" 7/ 112 أ، عنهم عدا إبراهيم والسدي، و"الماوردي" 3/ 253، عنهم عدا أبي مالك وإبراهيم والسدي وابن جريج، و"الطوسي" 6/ 494، عنهم- عدا أبي مالك والسدي.
(١٠) أخرجه بنصه: "عبد الرزاق" 2/ 380، والبخاري (4716) كتاب: التفسير، الإسراء، و"الطبري" 15/ 110 من ثلاث طرق، و"السمرقندي" 2/ 274، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 112 أ، و"الماوردي" 3/ 253، و"الطوسي" 6/ 494.
(١١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 126، و"الغريب" لابن قتيبة 1/ 258.
(١٢) قال ابن الأنباري: لا فرق بين أن يقول القائل: رأيت فلانًا رؤية، ورأيته رؤيا، إلا أن الرؤية يقل استعمالها في المنام، والرؤيا يكثر استعمالها في المنام، ويجوز كل واحد منهما في المعنيين.
"تفسير ابن الجوزي" 5/ 53.
(١٣) عام الحديبية كان في السنة السادسة من الهجرة، والحديبية: قرية متوسطة سميت باسم بئر كانت هناك، عند الشجرة التي حصلت تحتها بيعة الرضوان، قال الخطابي: وسميت الحديبية بشجرة حدباء كانت في ذلك الموضع، وبين الحديبية ومكة مسافة (25) كم تقريبًا، ويقع بعضها في الحل وبعضها في الحرم، وتعرف الآن باسم الشميسي، وتقع في طريق مكة جدة القديم.
انظر: "الروض المعطار" ص 190، و"معجم البلدان" 2/ 229.
(١٤) أخرجه "الطبري" 15/ 112، بنحوه من طريق العوفي (ضعيفة)، وورد بنحوه في "تفسير الثعلبي" 7/ 112 أ، و"الماوردي" 3/ 253، و"الطوسي" 6/ 494، انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 127، و"ابن الجوزي" 5/ 54.
(١٥) النَّزْو: هو الوَثَبَان، والمقصود يتعاقبون.
انظر: "المحيط في اللغة" (نزو) 9/ 93، و"اللسان" (نزا) 7/ 4402.
(١٦) ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 274، بنحوه، وأخرجه البيهقي في "الدلائل" 6/ 509 - بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 112 أ - بنصه، وأورده "ابن الجوزي" 5/ 54 وقال: وإن كان مثل هذا لا يصح، ولكن ذكره عامة المفسرين، كذلك أشار ابن حجر إلى هذا القول ورواياته، وقال: وأسانيد الكل ضعيفة.
"فتح الباري" 8/ 250.
(١٧) أخرجه "الطبري" 15/ 112 بنصه تقريبًا، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 112 أ - بنصه، و"الماوردي" 3/ 253 بنصه تقريبًا، و"الطوسي" 6/ 494، بنحوه، وهذا الأثر ضعيف كما قال ابن كثير 3/ 55 قال: وهذا السند ضعيفٌ جدًّا؛ فإن محمد == ابن الحسن بن زبالة متروك، وشيخه -أي عبد المهيمن بن عباس- أيضًا ضعيفٌ بالكلية، وأورد الشوكاني الأثر وضعفه، وقال: وفيه ضعف؛ فإنه لا فتنة للناس في هذه الرؤيا، إلا أن يراد بالناس رسول الله - - وحده، ويراد بالفتنة ما حصل من المساءة لرسول الله - -، أو يحمل على أنه قد كان أخبر الناس بها فافتتنوا.
"تفسير الشوكاني" 3/ 342، وظاهرٌ أن هذا القول وأمثاله من المُحدث.
(١٨) ورد بنصه بلا نسبة في: "تفسير الخازن" 3/ 169، و"أبي حيان" 6/ 55.
(١٩) "تفسير مجاهد" 1/ 365، أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 381، عن ابن عباس وابن جبير، والبخاري (4716) كتاب: التفسير، الإسراء، عن ابن عباس، و"الطبري" 15/ 113 - 115، عنهم كلهم عدا الكلبي، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 169، عن ابن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك، و"تفسير الجصاص" 3/ 205، عنهم عدا مسروق وأبي مالك والكلبي وعكرمة، و"تفسير هود الهواري" 2/ 429، عن مجاهد، و"الماوردي" 3/ 253، عن مجاهد وقتادة والضحاك وابن جبير، و"الطوسي" 6/ 494، عنهم عدا الكلبي وعكرمة.
(٢٠) في جميع النسخ: (فَنُبِؤا) والتصويب من تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 515.
(٢١) عبد الله بن الزِّبَعْري بن قيس السهمي، أحد شعراء قريش، كان شديدًا على المسلمين في الجاهلية، يهجوهم ويحرِّض عليهم كفار قريش في شعره، فلما فتحت مكة هرب إلى نجران، فقال فيه حسان بيتًا فلما بلغه عاد إلى مكة وأسلم، واعتذر إلى النبي - - فقبل عذره وحسن إسلامه، وشهد ما بعد الفتح.
انظر: "الأغاني" 15/ 174، و"الاستيعاب" 3/ 36، و"أسد الغابة" 3/ 239.
(٢٢) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 381 مختصرًا، و"الطبري" 15/ 114، بنحوه، وورد بنحوه بلا نسبة في: "تفسير مقاتل" 1/ 216 ب، و"الثعلبي" 7/ 112 أ.
(٢٣) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 237 بنصه، و"القرطبي" 10/ 286 وقال: وهذا قول ضعيف محدَث.
وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 494 بنصه عن أبي جعفر، وقال ابن كثير 3/ 55: وقيل: المراد بالشجرة الملعونة بنو أمية، وهو غريب ضعيف.
(٢٤) الحكم بن أبي العاص الأموي القرشي، عمّ عثمان بن عفان - -، وهو أبو مروان بن الحكم، من مسلمة الفتح، أخرجه رسول الله - - من المدينة وطرده عنها، فنزل في الطائف مع ابنه مروان، ولم يزل بها حتى رده عثمان - - إلى المدينة في خلافته، وبقي فيها، وتوفي في آخر خلافة عثمان.
انظر: "الاستيعاب" 1/ 414، و"أسد الغابة" 2/ 48، و"الإصابة" 1/ 345.
(٢٥) انظر: "تفسير السمعاني" 3/ 255، بنحوه، وأشار ابن حجر إلى هذا القول، وقال: وإسناده ضعيف.
"فتح الباري" 8/ 251.
(٢٦) قال ثعلب: معناه: أي خرجت من صُلْبه متفرقًا، يعني ما انفضَّ من نطفة الرجل وتردد في صُلبه، وقيل في قولها: فأنت فَضَضٌ من لعنة الله: أرادت إنك قِطعة منها وطائفة منها.
"اللسان" (فضض) 6/ 3427.
(٢٧) ورد في "تهذيب اللغة" (فضض) 3/ 2800، بنحوه، و"الاستيعاب" 1/ 415، بنحوه، انظر: "أسد الغابة" 2/ 38 بنحوه، و"اللسان" (فضض) 6/ 3427 بنصه، وأورده الألوسي 15/ 107 بمعناه وعزاه إلى ابن مردويه عنها.
(٢٨) وهو ما رجحه "الطبري" 15/ 115، وقال ابن حجر: وهذا هو الصحيح، وذكره ابن أبي حاتم عن بضعة عشر نفسًا من التابعين.
"فتح الباري" 8/ 251.
(٢٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 248 - بنصه- الكلام المعترض.
(٣٠) وهي قوله تعالى: ﴿ إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ ﴾ .
(٣١) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 55، بلفظه.
(٣٢) أخرجه "الطبري" 15/ 115، بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 112 أ، بنحوه، و"الماوردي" 3/ 254 بلفظه، انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 366، و"ابن الجوزي" 5/ 56، و"القرطبي" 10/ 286، و"الخازن" 3/ 170.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس ﴾ المعنى اذكر إذ أوحينا إليك أن ربك أحاط بقريش يعني بشرناك بقتلهم يوم بدر وذلك قوله: ﴿ سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر ﴾ [القمر: 45]، وإنما قال: أحاط بلفظ الماضي وهو لم يقع لتحقيقه وصحة وقوعه بعد، وقيل: المعنى أحاط بالناس في منعك وحمايتك منهم كقوله: ﴿ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس ﴾ [المائدة: 67] ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ﴾ اختلف في هذه الرؤيا فقيل: إنها الإسراء، فمن قال إنه كان في اليقظة، فالرؤيا بمعنى الرؤية بالعين، ومن قال إنه كان في المنام فالرؤيا منامية، والفتنة على هذا تكذيب الكفار بذلك وارتداد بعض المسلمين حينئذ، وقيل: إنها رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في منامه هزيمة الكفار وقتلهم ببدر والفتنة على هذا تكذيب قريش بذلك؛ وقيل: إنه رأى في المنام أنه يدخل مكة فعجل في سنة الحديبية فرد عنها فافتتن بعض المسليمن بذلك؛ وقيل: رأى في المنام أن بني أمية يصعدون على منبره فاغتم بذلك ﴿ والشجرة الملعونة فِي القرآن ﴾ يعني شجرة الزقوم، وهي معطوفة على الرؤيا أي جعل الرؤيا والشجرة فتنة للناس، وذلك أن قريشاً لما سمعوا أن في جهنم شجرة زقوم سخروا من ذلك وقالوا: كيف تكون شجرة في النار والنار تحرق الشجر؟
وقال أبو جهل: ما أعرف الزقوم إلا التمر بالزبد، فإن قيل: لم لعنت شجرة الزقوم في القرآن؟
فالجواب أن المراد لعنة آكلها، وقيل: اللعنة بمعنى الإبعاد لأنها في أصل الجحيم ﴿ وَنُخَوِّفُهُمْ ﴾ الضمير لكفار قريش ﴿ طغيانا ﴾ تمييز أو حال من من أو من مفعول خلقت.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ليذكروا ﴾ من الذكر وكذلك في "الفرقان": حمزة وعلي وخلف.
الآخرون بتشديد الذال والكاف من التذكر.
﴿ كما يقولون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وحفص ﴿ عما تقولون ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وخلف.
﴿ تسبح ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل والخزاز عن هبيرة.
الآخرون على التذكير ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ القول فيه كما مر في "الرعد" وكذلك في آخر هذه السورة وفي سورة "قد أفلح" وفي سورة السجدة.
الوقوف: ﴿ ليذكروا ﴾ ط ﴿ نفوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ فيهن ﴾ ط ﴿ تسبيحهم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ مستوراً ﴾ لا للعطف ﴿ وقرأ ﴾ ط ﴿ نفوراً ﴾ ط ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ جديداً ﴾ ه ﴿ حديداً ﴾ لا ﴿ صدوركم ﴾ ج للفاء مع أن السين للاستئناف ﴿ بعيدنا ﴾ ط ﴿ أوَّل مرة ﴾ ج لما قلنا ﴿ متى هو ﴾ ط ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ أحسن ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ أعلم بكم ﴾ ه ﴿ يعذبكم ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ زبوراً ﴾ ه ﴿ شديداً ﴾ ط ه ﴿ مسطوراً ﴾ ه ﴿ الأوّلون ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ فظلموا بها ﴾ ط ﴿ تخويفاً ﴾ ه ﴿ بالناس ﴾ ط ﴿ في القرآن ﴾ ط الكل لما مر.
﴿ ونخوّفهم ﴾ لا لصحة عطف المستقبل على المستقبل ﴿ كبيراً ﴾ ه.
التفسير: لما بين أنواع الحكم ومكارم الأخلاق ذكر غاية مظلومية الإنسان وجهوليته فقال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ أي بينا أحسن بيان لأن من حاول بيان شيء فإنه يصرف كلامه من نوع إلى نوع ومن مثال إلى مثال حتى ينتهي به إلى ما هو مراده من الإيضاح.
ومفعول التصريف متروك أي أوقعنا التصريف ﴿ في هذا القرآن ﴾ أو محذوف للعمل به والمراد صرفنا فيه ضروباً ﴿ من كل مثل ﴾ وأراد بهذا القرآن إبطال إضافتهم البنات إلى الله لأنه مما كرر ذكره، والمقصود ولقد صرفنا القول في هذا المعنى.
وقيل: لفظة "في" زائدة كقوله { ﴿ وأصلح لي في ذريتي ﴾ قال الجبائي: في قوله: ﴿ ليذكروا ﴾ دلالة على أنه أراد منهم فهمها والإيمان بها.
والمراد بالذكر ههنا فيمن قرأ مخففاً هو التذكر والتأمل لا الذكر الذي هو نقيض النسيان.
وقالت الأشاعرة: قوله: ﴿ وما يزيدهم إلا نفوراً ﴾ دلت على عكس ذلك لأن الحكيم إذا أراد تحصيل أمر من الأمور وعلم أن الفعل الفلاني يصير سبباً لعسره وتعذره والنفرة عنه يقبح منه الأمر بذلك الفعل، ولما أخبر أن هذا التصريف يزيدهم نفوراً علمنا أنه ما أراد الإيمان منهم.
عن سفيان الثوري أنه كان إذا قرأها قال: زادني ذلك خضوعاً ما زاد أعداءك نفوراً.
ثم دل على التوحيد الذي أمر به في قوله: ﴿ ولا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ فقال: ﴿ قل لو كان معه آلهة كما يقولون ﴾ أي كما يقول المشركون من إثبات آلهة من دونه أو كما تقولون أيها المشركون.
وفي قوله ﴿ إذا ﴾ دلالة على أن ما بعدها وهو ﴿ لابتغوا ﴾ جواب عن مقالة المشركين وجزاء لـ"لو" قاله في الكشاف.
قلت: ولعل ﴿ إذا ﴾ ههنا ظرف لما دل عليه ﴿ لابتغوا ﴾ أي لطلبوا إذ ذاك ﴿ إلى ذي العرش سبيلاً ﴾ بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم ببعض ومثله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ ويسمى في عرف المتكلمين دليل التمانع وسيجيء بحثه في سورة الأنبياء إن شاء الله العزيز.
وقيل: معنى الآية لو كانت هذه الأصنام كما تقولون من أنها تقربكم إلى الله زلفى لطلبت لأنفسها المراتب العالية والدرجات الرفيعة، فلما لم تقدر أن تتخذ لأنفسها سبيلاً إلى الله فكيف يعقل أن تهديكم إلى الله.
ثم نزه نفسه عن أقوالهم فقال { وتعالى عما يقولون علواً كبيراً} فوضع الثلاثة وهو العلوّ موضع المتشعبة وهو التعالي كقوله ﴿ أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ ثم وصف العلو بالكبر مبالغة في النزاهة وتنبيهاً على أن بين الواجب لذاته والممكن لذاته وبين الغني المطلق والفقير المطلق مباينة لا تعقل الزيادة عليها.
ثم بين غاية ملكه ونهاية عظمته بقوله: ﴿ تسبح له ﴾ الآية.
قالت العقلاء: تسبيح الحي المكلف يكون تارة باللسان بأن يقول "سبحان الله" وأخرى بدلالة أحواله على وجود الصانع الحكيم، وتسبيح غيره لا يكون إلا من القبيل الثاني.
وقد تقرر في أصول الفقه أن اللفظ المشترك لا يحمل على معنييه معاً في حالة واحدة فتعين حمل التسبيح ههنا على المعنى الثاني ليشمل الكل هذا ما عليه المحققون.
وأورد عليه أنه لو كان المراد بالتسبيح ما ذكرتم لم يقل ﴿ ولكن لا تفقهون تسبيحهم ﴾ لأن التسبيح بهذا الوجه مفقوه معلوم، وأجيب بأن دلالة كل شيء على وجود الصانع معلومة على الإجمال دون التفصيل لأنك إذا أخذت تفاحة واحدة فلا شك أنها مركبة من أجزاء لا تتجزأ، ولكن عدد تلك الأجزاء وصفة كل منها من الطبع والطعم واللون والحيز والجهة وغيرها لا يعلمها إلا الله.
وأيضاً الخطاب للمشركين، وإنهم وإن كانوا مقرين بالخالق، إلا أنهم لما أثبتوا له شريكاً وأنكروا قدرته على البعث والإعادة ولم ينظروا في المعجزات الدالة على نبوة محمد فكأنهم لم يفقهوا التسبيح إذ لم يتوسلوا به إلى نتيجة النظر الصحيح ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إنه كان حليماً غفورا ﴾ حين لا يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء نظركم، وزعم بعض الظاهريين أن ما سوى الحي المكلف يسبح الله باللسان أيضاً كل بلغته ولسانه الذي لا نعرفه نحن ولا نفقهه.
وزعم أيضاً أن الحيوان إذا ذبح لا يسبح وكذا غصن الشجرة إذا كسر، فأورد عليه أن كونه جماداً لا يمنع من كونه مسبحاً فكيف صار ذبح الحيوان مانعاً له عن التسبيح.
وكذا كسر الغصن، ويمكن أن يجاب بأن تسبيح كل شيء لعله يختص بتركيبه الذي خلق عليه فإذا أبطل ذلك التركيب وفك ذلك النظم لم يبق مسبحاً مطلع مطلقاً ولا على ذلك النحو.
واعترض عليه أيضاً بأنه إذا جاز في الجمادات أن تكون عالمة بذات الله وبصفاته مسبحة له مع أنها ليس بأحياء انسدّ علينا باب العلم بكونه حياً لأنا نستدل بكونه عالماً قادراً على كونه حياً.
ويمكن أن يجاب بأنا نستدل على حياته بالإذن الشرعي، ولو سلم أن العلم يستلزم الحياة عقلاً فقد قيل: إن لكل موجود حياة تليق به.
ولما فرغ من الإلهيات شرع في النبوّات فقال: ﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ قيل: نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله إذا قرأ القرآن عليهم.
يروى أنه كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه وعن يساره أحزاب من ولد قصيّ يصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار.
وعن أسماء.
كان رسول الله جالساً ومعه أبو بكر إذا أقبلت امرأة أبي لهب ومعها حجر فهر تريد الرسول وهي تقول: مذمماً أتينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا.
فقال أبو بكر: يا رسول الله إن معها حجراً أخشى عليك.
فتلا رسول الله هذه الآيات.
فجاءت وما رأت رسول الله .
وقالت: إن قريشاَ قد علمت أني ابنة سيدها وإن صاحبك هجاني فقال أبو بكر: ورب هذه الكعبة ما هجاك.
وعن ابن عباس: أن أبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون الرسول ويسمعون حديثه.
فقال النضر يوماً: ما أدري ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه تتحركان بشيء.
وقال أبو سفيان: إني أرى بعض ما يقوله حقاً.
وقال أبو جهل: هو مجنون.
وقال أبو لهب: كاهن.
وقال حويطب بن عبد العزى: هو شاعر نزلت.
وكان رسول الله إذا أراد تلاوة القرآن تلا قبلها ثلاث آيات وهن في سورة الكهف ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً ﴾ وفي النحل: ﴿ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ﴾ {الآية: 108] وفي "حم الجاثية" ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ .
وكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات عن عيون المشركين وذلك قوله: ﴿ جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً ﴾ أي ذا ستر وقد جاء مفعول بمعنى ذا كذا كما جاء فاعل على ذلك كثير نحو "لابن وتامر" من ذلك قولهم "رجل مرطوب" أي ذو رطوبة، و"مكان مهول" و "ذهول" و "سبل مفعم" ذو إفعام.
وجوّز الأخفش مجيء مفعول بمعنى فاعل مثل "مشؤوم" و "ميمون".
وقيل: إنه حجاب يخلقه الله في عيونهم بحيث يمنعهم الحجاب عن رؤية النبي وذلك الحجاب شيء لا يراه أحد فهو مستور.
وعلى هذا يصح قول الأشاعرة إنه يجوز أن تكون الحاسة سليمة والمرئي حاضراً والرؤية غير حاصلة لأجل أنه يخلق في العيون شيئاً يمنعهم من الرؤية، ويحتمل أن يراد حجاب من دونه حجاب أو حجب فهو مستور بغيره أو حجاب يستر أن يبصر فكيف يبصر المحتجب به.
والقول الثاني في الآية أن المراد بالحجاب الطبع والختم فاستدلت الأشاعرة به وبقوله: ﴿ وجعلنا على قلوبهم ﴾ الآية.
على صحة مذهبهم في خلق الكفر والإيمان كما مر في سورة الأنعام في قوله: ﴿ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا ﴾ .
وأجاب الجبائي بأن المراد أنهم يطلبون موضعه بالليالي ليقتلوه ويستدلون عليه باستماع قراءته فأمنه الله من شرهم بأن جعل في قلوبهم ما شغلهم عن فهم القرآن وفي آذانهم ما منعهم عن سماع صوته.
وقال الكعبي: أراد به الخلية والخذلان كالسيد إذا لم يراقب حال عبده فساءت أخلاق العبد يقول: أنا ألقيتك في هذه الحالة بسبب أني خليتك ورآيك.
وقال جار الله: هذه حكاية لما كانوا يقولونه من قولهم قلوبنا غلف وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب.
ومن قبائح أهل الشرك أنهم كانوا يحبون أن تذكر آلهتهم كلما ذكر الله فإذا سمعوا ذكر الله دون ذكر آلهتهم نفروا وانهزموا عن المجلس فلذلك قال : ﴿ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ﴾ وهو مصدر سدّ مسد الحال والتقدير يحد وحده مثل "وأرسلها العراك" ﴿ ولوا على أدبارهم نفوراً ﴾ مصدر من غير لفظ التولية أو جمع نافر كقاعد وقعود فأوعدهم الله على ذلك بقوله: ﴿ نحن أعلم بما يستمعون به ﴾ من الهزء بك وبالقرآن.
قاتل جار الله ﴿ به ﴾ في موضع الحال كما تقول يستمعون بالهزء أي مصاحبين الهزء أو هازئين و ﴿ إذ يستمعون ﴾ نصب بما دل عليه أعلم أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون ﴿ وإذ هم نجوى ﴾ أي يتناجون به إذ هم ذوو نجوى ﴿ إذ يقول الظالمون ﴾ "إذ" بدل من "إذ هم" ﴿ إن تتبعون ﴾ أي على تقدير الإتباع لأنهم لم يتبعوا رسول الله ﴿ إلا رجلاً مسحوراً ﴾ سحر فاختلط عقله وزال على حد الاعتدال.
وقيل: المسحور الذي أفسد من قولهم "طعام مسحور" إذا أفسد عمله "أرض مسحورة" أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها.
وقال مجاهد ﴿ مسحوراً ﴾ مخدوعاً لأن السحر حيلة وخديعة، زعموا أن محمداً يتعلم من بعض الناس وأولئك الناس كانوا يخدعونه بهذه الحكايات، أو زعموا أن الشيطان يخدعه فيتمثل له بصورة الملك.
وقال أبو عبيدة: يريد بشراً ذا سحر وهو الرئة.
قال ابن قتيبة: لا أدري ما حمله على هذا التفسير المستنكر مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة.
﴿ انظر كيف ضربوا لك الأمثال ﴾ شبهك كل منهم بشيء آخر فقالوا: إنه كاهن وشاعر وساحر ومعلم ومجنون ﴿ فضلوا ﴾ في جميع ذلك عن طريق الحق ﴿ فلا يستطيعون سبيلاً ﴾ إلى الهدى والبيان ضلال من تحير في التيه الذي لا منار به.
وحين فرغ من شبهات القوم في النبوّات حكى شبهتهم، في أمر المعاد.
وأيضاً لما ذكر أن القوم وصفوه بأنه مسحور فاسد العقل ذكر ما كان في زعمهم دالاً على اختلاط المفتتة من كل شيء ينكسر وهو اسم كالرضاض والفتات ويقال منه: رفت عظام الجزور رفتاً إذا كسرها.
وتقرير الشبهة أن الإنسان إذا مات جفت أعضاؤه وتاثرت وتفرقت في جوانب العالم واختلطت بسائطها بأمثالها من العناصر، فكيف يعقل بعد ذلك اجتماعها بأعيانها ثم عود الحياة إلى ذلك المجموع؟
فأجاب الله عن شبهتهم بأن إعادة بدن الميت إلى حالة الحياة أمر ممكن، ولو فرضتم أن بدنه قد صار أبعد شيء من الحياة ورطوبة الحي وغضاضته ومن جنس ما ركب منه البشر كالحجارة أو الحديد فهو كقول القائل: أتطمع فيّ وأنا فلان؟
فيقول: كن ابن الخليفة أو من شئت فسأطلب منك حقي.
أما قوله: ﴿ خلقاً مما يكبر في صدوركم ﴾ .
فالمراد فرضوا شيئاً آخر أبعد عن قبول الحياة من الحجر والحديد بحيث تستبعد عقولكم كونه قابلاً لوصف الحياة، وعلى هذا لا حاجة إلى تعيين ذلك الشيء.
وقال مجاهد: أراد به السموات والأرض.
وعن ابن عباس أنه الموت أي لو صارت أبدانكم نفس الموت فإن الله يعيد الحياة إليها.
وهذا إنما يحسن على سبيل المبالغة كما يقال: هو روح مجسم أو وجود محض وإلا فالموت عرض وانقلاب الجسم عرضاً محال.
وبتقدير التسليم فالموت كيف يقبل الحياة لأن الضد يمتنع أن يقبل الضد.
وفي قوله: ﴿ قل الذي فطركم أول مرة ﴾ بيان كافٍ وبرهان شافٍ لأنه لما سلم أن خالق الحيوان هو الله فتلك الأجسام في الجملة قابلة للحياة والعقل وإله العالم عالم بجميع الجزئيات والكليات فلا يشتبه عليه أجزاء بدن كل من الأموات، وإذا قدر على جعلها متصفة بالحياة في أول الأمر فلأن يقدر على إعادتها إلى الحياة في ثاني الحال أولى.
ألزمهم أوّلاً بأن البعث أمر ممكن وإن فرضتم بدن الميت أي شيء أردتم فكأنهم سلموا إمكانه ولكن تجاهلوا وتغافلوا عن تعيين المعيد فقالوا: ﴿ من يعيدنا ﴾ فأجاب بأنه الفاطر الأول.
ثم زادوا في الاعتراض فسألوا عن تعيين الوقت يقيناً وذلك قوله: ﴿ فسينغضون إليك رؤوسهم ﴾ أي فسيحركونها نحوك تعجباً واستهزاء.
قال أبو الهيثم: يقال للرجل إذا أخبر بشيء فحرك رأسه إلى فوق وإلى أسفل إنكاراً له أنغض رأسه.
قال المفسرون "عسى" من الله واجب فعلم منه قرب وقت البعث، ولكن وقته على التعيين مما استأثر الله بعلمه.
لا يقال كيف يكون قريباً وقد انقرض أكثر من سبعمائة سنة ولم يظهر لأنا نقول: كل ما هو آتٍ قريب، وإذا كان ما مضى أكثر مما بقي فإن الباقي قليل.
قوله: ﴿ يوم يدعوكم ﴾ منتصب بـ ﴿ اذكروا ﴾ والمراد يوم يدعوكم كان ما كان، أو هو بدل من ﴿ قريباً ﴾ والمعنى عسى أن يكون البعث يوم يدعوكم بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة الأخيرة.
يروى أن إسرافيل ينادي: أيها الأجسام البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة عودي كما كنت.
والاستجابة موافقة الداعي فبما دعا إليه وهو مثل الإجابة بزيادة تأكيد لما في السين من طلب الموافقة، قال في الكشاف: الدعاء والاستجابة كلاهما مجاز، والمعنى يوم يبعثكم فتبعثون مطاوعين منقادين لا تمتنعون.
وقوله: ﴿ بحمده ﴾ حال منهم أي حامدين وهي مبالغة في انقيادهم للبعث كقولك لمن تأمره بأمر يشق عليه: ستأتي به وأنت حامد شاكر أي متهيء إلى حالة تحمد الله وتشكره على أن اكتفي منك بذلك العمل، وهذا يذكر في معرض التهديد.
وقال سعيد بن جبير: {يخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحانك اللَهم وبحمدك.
وقال قتادة: بحمده أي بمعرفته وطاعته لأن التسبيح والتحميد معرفة وطاعة ومن هنا قال بعضهم: حمدوا حين لا ينفعهم الحمد.
وقال آخرون: الخطاب مختص بالمؤمنين لأنهم الذين يليق بهم الحمد لله على إحسانه إليهم ﴿ وتظنون إن لبثتم إلاَّ قليلاً ﴾ عن قتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم حين عاينوا الآخرة ومثله قول الحسن: معناه تقريب وقت البعث وكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل.
وقال ابن عباس: يريد ما بين النفختين الأولى والثانية فإنه يزول عنهم هول العذاب في ذلك الوقت.
وقيل: أراد استقصار لبثهم في عرصة القيامة حين عاينوا هول النار.
ثم أمر المؤمنين بالرفق والتدريج عند إيراد الحجة على المخالفين فقال: ﴿ وقل لعبادي ﴾ أي المؤمنين لأن لفظ العباد يختص بهم في أكثر القرآن ﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول ﴾ ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله ﴾ ﴿ فادخلي في عبادي ﴾ ، ﴿ يقولوا ﴾ الكلمة أو الحجة ﴿ التي هي أحسن ﴾ وألين وهي أن لا تكون مخلوطة بالسب واللعن والغلظة.
ثم نبه على وجه المنفعة بهذا الطريق فقال: ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ أي بين الفريقين جميعاً فيزداد الغضب وتتكامل النفرة ويمتنع حصول المقصود.
ثم قال: ﴿ ربكم أعلم بكم أن يشأ يرحمكم ﴾ أيها المؤمنون بالإنجاء من كفار مكة إيذائهم ﴿ أو إن يشأ يعذبكم ﴾ بتسليطهم عليكم ﴿ وما أرسلناك ﴾ يا محمد عليهم وكيلاً أي حافظاً موكولاً إليك أمرهم إنما أنت بشير ونذير.
والهداية إلى الله.
وقال جار الله: الكلمة التي هي أحسن مفسرة بقوله: ﴿ ربكم أعلم بكم ﴾ إلى آخره أي قولوا لهم الكلمة ونحوها ولا تقولوا لهم إنكم من أهل النار، وإنكم معذبون وما أشبه ذلك مما يزيد غيظهم.
وقوله: ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ اعتراض.
وقيل: المراد بالعباد الكفار أي قل لعبادي الذين أقروا بكونهم عباد إلي يقولوا الكلمة التي هي أحسن وهي كلمة التوحيد والبراءة من الشركاء والأضداد، لأن ذلك أحسن بالبديهة من الإشراك.
ووصفه بالقدرة على الحشر أحسن من وصفه بالعجز عنه، والحامل على مثل هذه العقائد هو الشيطان المعادي.
ثم قال لهم: ﴿ ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم ﴾ بتوفيق الهداية، وإن يشأ يعذبكم بالإماتة على الكفر إلا أن تلك المشيئة غائبة عنكم فلا تقصروا في الجد والطلب.
ثم قال لرسوله: ﴿ وما أرسلناك عليهم وكيلاً ﴾ حتى تقسرهم على الإسلام وما عليك إلا البلاغ على سبيل الرفق والمداراة وهذا قبل نزول آية السيف.
وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب شتمه رجل فأمره الله بالعفو.
وقيل: أفرط إيذاء المشركين للمسلمين فشكوا إلى رسول الله فنزلت.
وحين قال: ﴿ ربكم أعلم بكم ﴾ عمم الحكم فقال: ﴿ وربك أعلم بمن في السموات والأرض ﴾ يعني أن علمه غير مقصور عليكم ولا على أحوالكم بل علمه متعلق بجميع الموجودات وبما يليق بكل منها وبذلك حصل التمايز والتفاضل كما قال: ﴿ ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ﴾ وفيه رد على أهل مكة في إنكارهم أن يكون يتيم أبي طالب مفضلاً على الخلائق ونبياً دون صناديد قريش وأكابرهم.
وأنما ختم الآية بقوله: ﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ ليعلم أن التفضيل ليس بالمال والملك وإنما هو بالعلم والدين فإن داود كان ملكاً عظيماً ولم يذكره الله إلا بمزية إيتاء الكتاب.
وفيه أيضاً إشارة إلى أن محمداً خاتم الأنبياء وأمته خير الأمم بدليل قوله: { ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ أي محمد وأمته.
ومعنى التنكير في "زبور" أنه كامل في كونه كتاباً.
والزبور وزبور كالعباس وعباس والحسن وحسن، أو المراد بعض الزبر أو الزبور كما يسمى بعض القرآن قرآناً.
وقيل: إن كفار قريش ما كانوا أهل نظر وجدال بل كانوا يرجعون إلى اليهود في استخراج الشبهات، وكانت اليهود تقول: إنه لا نبي بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة، فنقض الله كلامهم بإنزال الزبور على داود بعد موسى.
ثم رد على طائفة من المشركين كانوا يعبدون تماثيل على أنها صور الملائكة، أو على طائفة من أهل الكتاب كانوا يقولون بآلهية عيسى ومريم وعزير فقال: ﴿ قل ادع الذين زعمتم من دونه ﴾ وقيل: أراد بالذين زعمتم نفراً من الجن عبدهم ناس من العرب ثم أسلم الجن ولم يشعروا.
وإنما خصصت الآية بإحدى هؤلاء الطوائف لأن قوله بعد ذلك ﴿ يبتغون إلى ربهم الوسيلة ﴾ لا يليق بالجمادات.
قال ابن عباس: كل موضع في كتاب الله ورد فيه لفظ الزعم فهم بمعنى الكذب.
وتقرير الرد أن المعبود الحق هو الذي قدر على إزالة الضر وتحويله من حال إلى حال أو مكان إلى مكان، وهذه التي زعمتم أنها آلهية لا تقدر على شيء من ذلك فوجب القطع بأنها ليست بآلهة.
سؤال: ما الدليل على أن الملائكة لا قدرة لها على كشف الضر؟
فإن قلتم لأنا نرى أولئك الكفار كانوا يتضرعون إليها ولا تحصل الإجابة قلنا: إن المسلمين أيضاً يتضرعون إلى الله ولا يجابون، وبتقدير الإجابة في بعض الأوقات فالكفار أيضاً يحصل مطلوبهم أحياناً فيقولون إنه من الملائكة.
جوابه أن الملائكة مقرّون بأن الإله الأعظم خالق العالم، فكمال قدرته معلوم متفق عليه وكمال قدرة الملائكة غير معلوم ولا متفق عليه، بل المتفق عليه أن قدرتهم بالنسبة إلى قدرة الله قليلة حقيرة، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الاشتغال بعبادة الإله الأعظم أولى وأجدر أخذاً بالمعلوم المتيقن دون المظنون الموهوم.
على أن أهل السنة قاطعون بأنه لا تأثير لشيء في الوجود إلا لله .
يقول مؤلف هذا التفسير: أضعف عباد الله وأحوجهم إليه الحسن بن محمد المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في أولاه وأخراه.
رأيت في بعض الكتب مروياً عن أمير المؤمنين علي : من وقع في ملمة أو طلب كفاية مهم فليسجد في خلوة وليقل في سجدته إلهي أنت الذي قلت: ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً ﴾ فيا من يملك كشف الضر عنا وتحويله اكشف ما بي، فإنه إذا قال ذلك كشف الله عنه ضره وكفى مهمه.
وقد جرب فوجد كذلك.
ثم إنه أكد عدم اقتدار معبوديهم ببيان غاية افتقارهم إلى الله في جذب المنافع ودفع المضار فقال: ﴿ أولئك ﴾ وهو مبتدأ و ﴿ الذين يدعون ﴾ صفته ﴿ ويبتغون ﴾ خبره يعني أولئك المعبودين يطلبون ﴿ إلى ربهم الوسيلة ﴾ أي القربة في الحوائج و ﴿ أيهم ﴾ بدل من واو ﴿ ويبتغون ﴾ وهو موصول وصدر صلته محذوف أي يبتغي من هو أقرب الوسيلة إلى الله فكيف بغير الأقرب؟
والدليل على هذا الافتقار إقرار جميع الكفار بإمكانهم الذاتي وجوز في الكشاف أن يضمن يبتغون الوسيلة معنى يحرصون فكأنه قيل: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله وذلك بازدياد الخير والطاعة والصلاح، ويرجون ويخافون كغيرهم من العباد.
وقيل: أولئك الذين يدعون هم الأنبياء الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿ لقد فضلنا بعض النبيين ﴾ أي الذين عظمت منزلتهم وهم الأنبياء الداعون للأمم إلى الله، لا يعبدون إلا الله ولا يبتغون الوسيلة إلا إليه فأنتم أحق بالعبادة.
واحتج هذا القائل على صحة قوله بأن الله قال: ﴿ يخافون عذابه ﴾ والملائكة لا يعصون الله فكيف يخافون عذابه؟
وأجيب بأنهم يخافون عذابه لو أقدموا على الذنب لقوله: ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ﴾ ، ﴿ إن عذاب ربك كان محذوراً ﴾ أي حقيقاً بأن يحذره كل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل فضلاً عن غيرهم، فإن لم يحذره بعض الجهلة فإنه لا يخرج من كونه واجب الحذر.
ثم بين مآل حال الدنيا وأهلها فقال: ﴿ وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة ﴾ بالموت والاستئصال ﴿ أو معذبوها ﴾ بالقتل وأنواع العذاب كالسبي والاغتنام.
وقيل: الهلاك للصالحة والتعذيب للطالحة ﴿ كان ذلك في الكتاب ﴾ وهو اللوح المحفوظ ﴿ مسطوراً ﴾ فلا يوجد له تبديل قط.
ثم ذكر نوعاً آخر من سننه فقال: ﴿ وما منعنا ﴾ استعار المنع للترك من أجل لزوم خلاف الحكمة والمشيئة.
عن سعيد بن جبير أن كفار قريش اقترحوا منه آيات باهرة كإحياء الموتى ونحوه.
وعن ابن عباس أنهم سألوا الرسول أن يجعل لهم الصفا ذهباً وأن يزيل عنهم الجبال حتى يزرعوا تلك الأراضي، فطلب النبي من الله ذلك فقال: إن شئت فعلت لكنهم إن كفروا بعد ذلك أهلكتهم.
فقال الرسول : لا أريد ذلك وأنزل الله الآية.
والمعنى وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات ﴿ إلا أن كذب بها ﴾ الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك واستوجبوا عذاب الاستئصال على ما أجرى الله به عادته.
والحاصل أن المانع من إرسال الآيات التي اقترحوها هو أن الاقتراح مع التكذيب موجب للهلاك الكلي، وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعث إليهم إلى يوم القيامة، ويحتمل أن يراد أنهم مقلدون لآبائهم فلا يؤمنون ألبتة كما لم يؤمنوا فيكون إرسال الآيات ضائعاً.
ثم استشهد على ما ذكر بقصة صالح وناقته لأن آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبة يبصرها صادرهم وواردهم وهذا معنى قوله ﴿ مبصرة ﴾ أو المراد حال كون الناقة آية بينة يبصر المتأمل بها رشده ﴿ فظلموا ﴾ أنفسهم بقتلها أو فكفروا ﴿ بها ﴾ بمعنى أنهم حجدوا كونها من الله قاله ابن قتيبة ﴿ وما نرسل بالآيات ﴾ المقترحة ﴿ إلا تخويفاً ﴾ من نزول العذاب العاجل بمعنى أن من أنكرها وقع عليه، أو المراد وما نرسل بآيات القرآن وغيرها من المعجزات إلا إنذاراً بعذاب الآخرة على المعنى المذكور.
وحين امتنع من إرسال الآيات المقترحة على رسوله للمصارف المذكورة قوى قلبه بوعد النصر بالغلبة فقال: ﴿ وإذ قلنا لك إن ربك ﴾ أي واذكر إذا أوحينا إليك أن ربك ﴿ أحاط بالناس ﴾ أي أنهم في قبضته وقدرته فلا يقدرون على خلاف إرادته فينصرك ويقويك حتى تبلغ الرسالة.
عن الحسن: حال بينهم وبينه أن يقتلوه كما قال: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ وقيل: أراد بالناس أهل مكة،وأحاط في معنى الاستقبال إلا أن خبر الله لما كان واجب الوقوع عبر عنه بلفظ الماضي، وعد نبيه بأنه سيهلك قريشاً في وقعة بدر.
أما قوله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ ففيه أقوال: الأول أنه تعالى أراه في المنام مصارع كفار قريش حتى قال: والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يأتي الأرض ويقول: هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان، فلما سمع قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية وكانوا يستعجلون بما وعد.
الثاني: أنه رؤياه التي رأى أن يدخل مكة وبذلك أخبر أصحابه، فلما منع من البيت الحرام عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم.
وقال عمر لأبي بكر: قد أخبرنا رسول الله أنا ندخل البيت فنطوف به.
فقال أبو بكر: إنه لم يخبر أنا نفعل ذلك في هذه السنة فسنفعل ذلك في سنة أخرى.
فلما جاء العام القابل دخلها وأنزل الله : ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ .
الثالث: قول سعيد بن المسيب وابن عباس في رواية عطاء أن رسول الله رأى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك.
الرابع وهو قول أكثر المفسرين: أن المراد بهذه الرؤيا هي حديث الإسراء.
ثم اختلفوا، فالأكثرون على أن الرؤيا بمعنى الرؤية يقال: رأيت بعيني رؤية ورؤيا، أو سماها رؤيا على قول المكذبين حين قالوا لعلها رؤيا رأيتها وخيال خيل إليك.
والأقلون على أن الإسراء كان في المنام وقد مر هذا البحث في أول السورة.
قوله: ﴿ والشجرة ﴾ فيه تقديم وتأخير، والتقدير وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس قال الأكثرون: إنها شجرة الزقوم لقيت في القرآن حيث لعن طاعموها.
قال عز من قائل: ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ أو وصفت باللعن لأنه إلا بعاد وهي في أصل الجحيم أبعد مكان من الرحمة، أو العرب تقول لكل طعام مكروه ضارّ ملعون.
والفتنة فيها أن أبا جهل وغيره قالوا: زعم صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجر ثم يقول ينبت فيها الشجر فأنزل الله هذه الآية.
ونظيره قوله: ﴿ إنا جعلناها فتنة للظالمين ﴾ .
ومن شاهد حال السمندل والنعامة كيف يتعجب من قدرة الله على إنبات الشجرة من جنس لا تعمل فيه النار.
وعن ابن عباس: الشجرة الملعونة بنو أمية.
وعنه هي الكشوث التي تتلوى بالشجر تجعل في الشراب.
وقيل: هي الشيطان.
وقيل: اليهود سؤال: أي تعلق لحديث الرؤيا والشجرة إلى ما قبله من الكلام؟
جوابه كأنه قيل: إنهم لما طلبوا هذه المعجزات ثم إنك لم تظهرها صار عدم ظهورها شبهة في أنك لست بصادق في دعوى النبوة إلا أن وقوع هذه الشبهة لا ينبغي أن يكون سبباً في توهين أمرك.
ألا ترى أن ذكر تلك الرؤيا والشجرة صار سبباً لوقوع الشبهة العظيمة، ثم إنها ما أوجبت ضعفاً في أمرك ولا فتوراً في اجتماع المحقين عليك.
ثم ذكر سبباً آخر في أنه لا يظهر المقترحات عليهم فقال: ﴿ ونخوفهم ﴾ بمخاوف الدنيا والآخرة ﴿ فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً ﴾ متمادياً.
التأويل: ﴿ لا بتغوا إلى ذي العرش سبيلاً ﴾ يشتمل معنيين لأنهم إن كانوا أكبر منه أو أمثالاً له طلبوا طريقاً إلى إزعاج صاحب العرش ونزع الملك منه قهراً، وإن كانوا أدون منه طلبوا إليه الوسيلة بالخدمة والعبودية على أن الناقص لا يصلح للإلهية وهذا قريب من التفسير: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ لكل ذرة من ذرات الموجودات ملكوت لقوله: { ﴿ فسبحان الذين بيده ملكوت كل شيء ﴾ والملكوت باطن الكون وهو الآخرة، والآخرة حيوان لا جماد لقوله: ﴿ إن الدار الآخرة لهي الحيوان ﴾ فلكل ذرة لسان ملكوتي ناطق بالتسبيح والحمد تنزيهاً لصانعه وحمداً له على ما أولاه من نعمه، وبهذا اللسان ينطق الحصى في كف النبي وبه تنطق الأرض يوم القيامة ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ {الزلزلة: 4] وبه تنطق الجوارح ﴿ أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ﴾ وبه نطق السموات والأرض ﴿ قالتا أتينا طائعين ﴾ ﴿ وإنه كان حليماً ﴾ في الأزل إذا أخرج من العدم من يكفر به ويجحده ﴿ غفوراً ﴾ لمن تاب عن كفره.
﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ فيه إشارة إلى أن من قرأ القرآن بتمامه وصل إلى أعلى معارج القدس وأقصى مدارج الأنس كما جاء في الحديث "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق" .
قال أبو سليمان الخطابي: جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة فمن استوفى جميع آي القرآن استولى على أقصى درجات الجنة.
قال المحققون: استيفاء جميع آي القرآن هو أن يتخلق بأخلاقه وصفاته بل بأخلاق الله وصفات الله.
وهذا يكون بعد العبور عن الحجب الظلمانية والنورانية فيكون بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً.
لم يقل "ساتراً" لأن الحجاب يستر الواصل عن المنقطع ولا يستر المنقطع عن الواصل فيكون الواصل مستوراً بالحجاب المنقطع.
﴿ ولّوا على أدبارهم ﴾ لأنهم من سوء مزاجهم لا يكادون يقبلون الغذاء الصالح، فالحلاوة في مذاقهم مرارة ﴿ إذ يقول الظالمون ﴾ من ظلمهم لأنهم وضعوا المسحور مكان المبعوث أي ﴿ خلقاً مما يكبر في صدوركم ﴾ أي لو كانت قلوبكم التي في صدوركم أشد من الحجارة والحديد فالله قادر على إحيائه وتليينه في قيام قيامة العشق ﴿ يقولوا التي هي أحسن ﴾ من شرف من عبيده، فبتشريف الإضافة يظهر منه القول الأحسن وهو الدعاء إلى الله بلا إله إلا الله مخلصاً، والفعل الأحسن وهو أن يكون متأدباً بآداب الشريعة والطريقة، والخلق الأحسن وهو أن يكون محسناً إليهم بلا طمع الإحسان والشكر منهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويعيش فيهم بالنصيحة، يأمرهم بالمعروف بلا عنف وينهاهم عن المنكر بلا فضيحة ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ إذ لم يعيشوا بالنصيحة.
﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ فيه أن فضل النبي على داود كفضل القرآن على الزبور.
﴿ وإن من قرية ﴾ من قرى قالب الإنسان ﴿ إلا نحن مهلكوها ﴾ بموت قلبه وروحه قبل موت قالبه فمن مات فقد قامت قيامته ﴿ أو معذبوها ﴾ بأنواع الرياضات والمجاهدات ففي السير إلى الله ذوبان الأفعال، وفي السير بالله ذوبان الصفات، وفي السير في الله ذوبان الذات: ﴿ أحاط بالناس ﴾ علم مقتضى كل نفس من الخير والشر ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك ﴾ كان الوحي يصل إلى النبي في مبدأ أمره بطريق المنام وكان في ذلك اختبار للناس، فمن وقته يظهر الموافق من المنافق والصديق من الزنديق، وهكذا كان في شجرة وجود إبليس ابتلاء للناس ولم يكن للمحيط بأحوال الناس حاجة إلى الابتلاء ولكنه يعامل معاملة المختبر والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً ﴾ .
وفي سورة سبأ: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ...
﴾ الآية [سبأ: 22]، فيشبه أن يكون الآية عندما نزل بهم البلايا والشدائد على ما قاله أهل التأويل، فأمروا عند ذلك أن يطلبوا كشف ذلك عنهم من الذين يعبدون [من دون الله]، فيقول لهم: ادعوا الذين زعمتم أنها آلهة دونه يكشفوا عنكم ما نزل بكم.
ويشبه أن يكون لا على نازلة؛ ولكن على تبيين سفه أولئك، حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ وقالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ : أخبر أن ليس لهؤلاء شفاعة عند الله، وأن عبادتهم إياها لا تقربهم إلى الله زلفى، كقوله: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ ﴾ : أخبر أنهم لا يملكون ما يطعمون بعبادتهم إياها.
أو أن يذكر هذا؛ لقطع ما يرجون من دون الله من كشف ضرّ عنهم ودفعه، أو جر نفع إليهم وسوق خير، على ما أخبر أنه لا يملك ذلك أحد سواه كقوله: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ...
﴾ الآية [فاطر: 2]، وقوله: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ...
﴾ الآية [الأنعام: 17]: أخبر أنه لو فتح هو رحمة لا يملك أحد دونه إمساكها، ولو أمسك هو لا يملك أحد إرسالها دونه، ولو مسّ ضرّ لا يملك أحد كشفه، وإن أراد خيراً لا يملك أحد دفعه ورده.
هذا يذكر - والله أعلم - للمسلمين؛ لئلا يرجوا أحداً من الخلائق دون الله ولا يخافوا أحداً سواه.
ثم صرف أهل التأويل تأويل الآية إلى الملائكة، لكن الآية تحتمل كل معبود دون الله: الملائكة والجنّ والأصنام التي عبدوها.
وأمّا الآية الثانية التي تتلوها ظاهرها في الملائكة والجن، وهو قوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ ﴾ .
أي: أولئك الذين يعبدون من دون الله يبتغون هم إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ﴿ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ...
﴾ الآية [الإسراء: 57]: اختلف فيه: منهم من صرفها إلى الملائكة.
ومنهم من صرفها إلى الجنّ، وهو قول عبد الله بن مسعود - - يقول: إن قوماً من العرب كانوا يعبدون الجن، ثمّ أسلم الجنّ، فبقي أولئك [كما] كانوا يعبدونهم بعد إسلامهم؛ فيقول: أولئك الذين [يعبدون من دون الله] يبتغون إلى ربهم الوسيلة؛ فكيف تعبدونهم؟!
ومن قال: إنها في الملائكة - اختلفوا في قوله: ﴿ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ﴾ : قال الحسن: يرجون محبته ورضاه، ﴿ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ﴾ ، أي: خوف الهيبة والجلال والعظمة لا خوف عذاب النار ونقمته؛ لأن الله - - عصمهم من أن يرتكبوا ما يوجب لهم النقمة والعذاب؛ حيث قال: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ ﴾ ، وقال: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ ، وقال في قوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ﴾ : هذا إخبار أنهم لو قالوا ذلك لفعل بهم ما ذكر ليس على أن يقول أحد منهم ذلك.
وقال أبو بكر: ﴿ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ﴾ : ثوابه، ﴿ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ﴾ : نقمته؛ حيث قال: فهم من الوعيد ما قال: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ...
﴾ الآية [الأنبياء: 29]؛ فقد أثبت لهم الوعيد فيه، لكن ثوابه ما يتلذذ به وعذابه ما يتألم به ويتوجع.
ومنهم من يقول من أهل التأويل ﴿ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ﴾ ، أي: جنته، لكن هذا يشبه أن يكونوا يرجون صحبة أهل الجنة؛ كقوله: ﴿ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ...
﴾ الآية [الرعد: 23-24].
وجائز عندنا صرف قوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ ﴾ إلى الأصنام التي عبدوها من دونه أيضاً، ويكون تأويل: ﴿ يَدْعُونَ ﴾ : يبتغون، أي: لو لم يكن لهم من العبادة والطاعة، وركب فيهم من أسبابها لكانوا كما ذكر، وهو كقوله: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ ﴾ ، أي: لو مكن له وركب فيه ما ركب في البشر ومكن لهم ﴿ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ﴾ على ما ذكر من سفه أولئك الذين عبدوا [من] دون الله؛ يقول: كيف تعبدون من لو مكن من العبادة والطاعة لكانوا يبتغون بذلك الوسيلة إلى ربهم؟!
أو كيف تعبدون من هو بطاعة ربه يبتغي الوسيلة إليه؟!؛ إن كانت الآية في الملائكة؛ كأنه يذكر سفه أهل مكة؛ حيث سألوا العذاب بقوله: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً...
﴾ الآية [الأنفال: 32] ونحوه، وأهل السماء والأرض جميعاً يحذرون عذابه.
وقوله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ ﴾ ما ذكر: ليس هو بأمر في الحقيقة، وإن كان ظاهره أمراً؛ ولكن إخبار عن عجز ما يدعون من دونه، وتعجيز ما ذكر من كشف الضرّ ودفعه والتحويل، وكذلك قوله: ﴿ قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً...
﴾ الآية [الإسراء: 50]: ليس هو بأمر؛ إنما هو إخبار عن قدرته أنه لا يعجزه شيء، وإن بدلتم أصلب الأشياء وأعظمها.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ ﴾ ، أي: دفعه وردّه، ﴿ وَلاَ تَحْوِيلاً ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: فلا يملكون تحويل ذلك الضرّ إلى غيركم ولا صرفه.
والثاني: ﴿ وَلاَ تَحْوِيلاً ﴾ من الأشد والأثقل إلى الأخف والأيسر [والأهون].
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً ﴾ .
أي: يحذره أهل السماء و [أهل] الأرض.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً ﴾ .
قال أبو بكر الأصم: وإن من قرية إلا نحن مميتوها، وقد يستعمل الهلاك في موضع الموت؛ كقوله: ﴿ ٱمْرُؤٌ هَلَكَ ﴾ ، أي: مات، ويقال - أيضاً -: هلك فلان، أي: مات، فعلى ذلك يكون قوله: ﴿ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا ﴾ \[أي\]: مميتوها ﴿ قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ﴾ ، وكقوله: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ .
﴿ أَوْ مُعَذِّبُوهَا ﴾ ، أي: منتقموها ﴿ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ ؛ فعلى تأويله يصحّ على جميع القرى والمدن، ليس قرية دون قرية، ولا مدينة دون مدينة؛ ولكن على الكل على ما أخبر من إهلاك الكل بقوله: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ﴾ ، و ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ .
ويحتمل ما ذكر من إهلاك القرية: إهلاك الأهل؛ من إهلاك القرية بعد إهلاكهم؛ على ما فعل بكثير من القرى.
وجائز أن يكون يهلك الأهل ويبقي القرية على حالها، ثم تهلك بنفسها قبل يوم القيامة، والله أعلم.
وعلى تأويل أبي بكر يفعل ذا أو ذا: إمّا يميتهم [موتا] بآجالهم، أو يعذبهم عذاب إهلاك.
وقال الحسن: قوله: ﴿ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا ﴾ ، أي: مميتوها؛ على ما قال أبو بكر؛ ﴿ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً ﴾ : يقول: إذا قامت الساعة قبل يوم القيامة؛ كقوله: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ...
﴾ الآية [الزمر: 68]، وقوله: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ...
﴾ الآية [الحج: 1]؛ فذلك كله قبل يوم القيامة، وهو يقول: إن الساعة تقوم على شرار الناس؛ فيكون ما ذكر من التعذيب لأولئك الذين تقوم بهم الساعة على قوله.
وقال قتادة: هذا قضاء من الله كما تسمعه ليس منه بدّ: إمّا أن يهلكها بموت؛ كقوله: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ﴾ ، وإمّا أن يهلكها بعذاب مستأصل إذا تركوا أمره وكذبوا رسله، وهو ما ذكرنا من الانتقام.
وقال بعضهم: يميت [أهل] القرية [الصالحة] بآجالهم، وأمّا القرية الظالمة فيأخذها بالعذاب الذي ذكر؛ فهو في القرون الماضية إن احتمل ذلك.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ، وهو أن يهلك رؤساء الكفرة وقادتهم؛ فيصير الدّين كله ديناً واحداً، وهو الإسلام؛ على ما قال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ قالوا: هو أن يهلك أهل الكفر؛ فيجعل ملك أهل الكفر لأهل الإسلام؛ فذلك نقصانها من أطرافها: لا يزال ينقص أهل الكفر قرية فقرية وبلدة فبلدة؛ حتى تصير الأرض كلها لأهل الإسلام، وهو ما روي عن نبي الله أنه قال: "زُوِيَتْ لِيَ الأرضُ فأُرِيتُ مَشَارِقَهَا ومَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوي لِي مِنْهَا" ، فذلك - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا ﴾ ، أي: نهلك أهل الكفر.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً ﴾ : على ما أخبر أنه كان يفني جميع من كان على وجه الأرض، ويجعل الأرض مستوية لا بناء فيها ولا ارتفاع، حيث قال: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ ، وقال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ...
﴾ الآية [طه: 105]، وقال: ﴿ وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً...
﴾ الآية [الواقعة: 5] أخبر أنه لا يبقي عليها أحد ولا بناء، فتصير كلها ﴿ فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً ﴾ ؛ فذلك إهكلاكها وتعذيبها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً ﴾ .
قال بعضهم: كان ذلك في الكتاب الذي عند الله - وهو اللّوح المحفوظ - مكتوباً.
وقال بعضهم: كان ذلك في جميع كتب الله التي أنزلها على رسله مكتوباً، أي: ما من كتاب أنزله الله على رسله إلا وكان فيه ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ ، و ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ﴾ , مسطوراً، والله أعلم.
وقوله عزّ وجلّ -: ﴿ وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ ﴾ .
أخبر أنه ليس يمنعه من إنزال الآيات إلا تكذيب الأوّلين بها.
فإن قيل: فأي شيء فيما يكذب الأولون بالآيات؛ ما يمنع إنزالها على هؤلاء؟
قيل: كأنه على الإضمار، أي: ما منعنا أن نرسل بالآيات إلا علمنا بأن الآخرين يكذبون بها كما كذب بها الأوّلون.
فإن قيل: عن هذا يسأل: أن علمه بتكذيب الآخرين كعلمه بتكذيب الأولين، ثم لم يمنع علمه بتكذيب الأولين إياها إنزالها كيف منع علمه بتكذيب الآخرين ذلك؟!
أو ليس قد أرسل الرسول، وأنزل الكتاب على علم منه أنهم يكذبون الرسول والكتاب، ثم لم يمنع علمه بذلك إنزاله الكتاب وإرساله الرسول؟!
فكيف منع علمه بتكذيب الآيات منهم عن إرسال الآيات، ولم يمنع علمه بتكذيب الرسول [والكتاب] على بعث الرسول وإنزال الكتاب؟!
قيل: إنه قد مضى من سنته أنه إذا أنزل الآيات على أثر السؤال - أعني: سؤال الآيات - فكذبوها أهلكهم؛ هكذا مضت سنته في القرون الماضية، ثم قد سبق من وعده ألا يهلك هذه الأمة إهلاك تعذيب واستئصال في الدّنيا؛ رحمة منه وفضلاً على ما أخبر رسوله؛ حيث قال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ ، فرحمته أن منّ عليهم بإبقائهم وإزالة العذاب عنهم في الدنيا واستئصالهم؛ فكأنه قال - والله أعلم -: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا ما سبق من وعدنا ورحمتنا: ألا نهلك هذه الأمّة إهلاك استئصال وتعذيب، فذلك الوعد والرحمة الّذي ذكرنا منعنا عن إرسال الآيات على علم منّا أنهم يكذبونها إذا أرسلنا إليهم، وقد مضت السنّة منا على الإهلاك إذا أنزلنا الآيات على أثر سؤالهم إياها ثم التكذيب من بعد، ثم قد سبق الوعد لهؤلاء ألا يهلكوا في الدنيا إهلاك تعذيب؛ رحمة منه لهم على ما أخبر أنه لم يرسل إلا رحمة للعالمين.
وأصله: أن الله - عزّ وجلّ - قد أنزل الآيات والحجج [على إثبات رسالة الرسل آيات كافية، وحججاً تامة ما لم يقع لهم الحاجة إلى غيرها من الآيات والحجج]، فما سألوا من الآيات والحجج من بعد إنما سألوا سؤال تعنت وتمرد، لا سؤال استرشاد واستهداء، فإذا كان سؤالهم الآيات سؤال عناد وتعنت - أهلكوا إذا كذبوها، ولم ينظروا؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ ﴾ ، ونحوه؛ ألا ترى أن عيسى - - سألوه أن يسأل ربّه أن ينزل عليهم مائدة من السماء؛ لتكون لهم آية منه؛ فسأله، فأخبر أنه ينزلها عليكم، ثم أخبر ما يفعل بهم إذا كفروا بعد ذلك، وهم كانوا يسألونه سؤال تعنت وتمرد؛ فقال: ﴿ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ الآية [المائدة: 115].
هكذا كانت سننه فيمن سأل الآيات سؤال تعنت وعناد.
وجائز أن يكون الذي منع عن إرسال الآيات على أثر السؤال وإهلاك هذه الأمة: ما يكون من الإسلام من نسل هذه الأمة بعد نبيهم، وإبقاء التناسل إلى يوم القيامة، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً ﴾ .
قيل: آية لرسالة صالح.
وقال بعضهم: ﴿ مُبْصِرَةً ﴾ ، أي: معاينة يعاينونها أنها آية من الله لهم؛ حيث رأوها مخالفة لنوقهم، وهو ما قال: ﴿ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً ﴾ .
﴿ فَظَلَمُواْ بِهَا ﴾ ، أي: كذبوا بها وجحدوها ثم عقروها بعد علمهم أنها آية من الله لهم؛ حيث رأوها وعاينوها خلافاً لنوقهم، خارجة عن نوق البشر، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً ﴾ .
قال ابن عباس والحسن وغيرهما: الموت الذريع، أي: السريع.
وقال بعضهم: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً ﴾ للناس؛ فإن لم يؤمنوا بها عذبوا في الدنيا.
أو يقول: وما نزل بالآيات مقرونة بالسؤال سؤال التعنت فكذبوها - ﴿ إِلاَّ تَخْوِيفاً ﴾ للهلاك، على ما ذكرنا من الآيات التي سألوها.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ ﴾ : على أثر السؤال بها ثم التكذيب لها، ﴿ إِلاَّ تَخْوِيفاً ﴾ لمن تأخر ممن سأل مثلها فكذب [بها]، أو كلام نحوه.
ويحتمل الآيات التي ذكر: كسوف الشمس والقمر وغيره، وما نرسل ذلك إلا تخويفاً للناس، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ ﴾ .
أي: وقد قلنا لك: إن ربك أحاط بالناس، الإحاطة بالشيء تكون بالوجوه الثلاثة: أحدها: بالغلبة والقدرة والسلطان؛ كقوله: ﴿ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ﴾ ، أي: أخذهم الهلاك والغلبة وقدر عليهم.
والثاني: الإحاطة: العلم به؛ كقوله: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً ﴾ ، أي: عالماً، وقوله: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ ﴾ ، أي: لا يعلمون.
والثالث: الإحاطة المعروفة بين الخلق، من إحاطة بعضهم بعضاً، فذلك لا يحتمل في الله وتعالى - فهو على الوجهين الأولين: على إحاطة العلم بهم، أو القدرة عليهم والغلبة.
ثم قوله: ﴿ أَحَاطَ ﴾ \[اختلف فيه\]: قال بعضهم: أحاط بأعمالهم [بما لهم]، وما عليهم، وبما لا يصلح لهم وما يصلح، وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
وقال بعضهم: إنهم كانوا يمكرون برسول الله ؛ يريدون إطفاء نوره، ويمنعونه عن تبليغ الرسالة؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...
﴾ الآية [الأنفال: 30]؛ فيقول ﴿ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ ﴾ ، أي: قد علم بمكرهم بك، على علم منه بمكرهم بك بعثك رسولاً إليهم، وكلفك على تبليغ الرسالة إليهم، لكنه وعد أن يعصمك منهم ويمنعك [عنهم]؛ حتى تبلغ الرسالة؛ بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً...
﴾ الآية [الجن: 27].
كان - عزّ وجلّ - يبعث الرسل ويكلّفهم تبليغ الرسالة إليهم على علم منه بما يكون من قومهم من المنع والمكر برسله، لكنه عصمهم، ومكن لهم؛ حتى بلغوا الرسالة إليهم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ ﴾ بالعلم والقدوة والغلبة عليهم، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ - ﴿ وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: إن الرؤيا التي أراها إياه لم تكن رؤيا المنام؛ ولكن رؤية يقظة ورؤيا عين، معاينة بالتي تنام، لا بالذي لا ينام منه لأنه روي عنه أنه قال: "تَنَامُ عَيْنَاي، وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي" ، فإنما أراه من الرؤيا بالعين التي كانت تنام لا رؤيا قلب وعلم.
قال سعيد بن المسيب: هي رؤيا منام: روي أن نبي الله رأى قوماً على منابر، فساءه ذلك، فذكر أنهم كانوا يعطون مالاً؛ فذلك فتنة لهم.
وقال بعضهم: إنه أري رسول الله في المنام كأنه يدخل المسجد الحرام آمناً، فأخبر بذلك أصحابه أنه رأى ذلك، فلما كان عام الحديبية، وصرف عن البيت ارتاب بعض الناس في رؤياه، فذلك فتنة للناس على ما أخبر، لكنّه لم يبيّن له متى يدخل فيه، وقد وعد أنه يدخل فيه آمناً، وهو ما قال: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ...
﴾ الآية [الفتح: 27].
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ﴾ ، والفتنة: المحنة الشديدة، فإن كان ذلك في الرؤيا التي رآها في مسير بيت المقدس، وما أخبر من الآيات - لا يتوهم مثل ذلك بتعليم بشر ولا بسحر؛ فذلك الذي أخبرهم أنه رأى فتنة لهم ومحنة في التصديق والتكذيب في الخبر الذي أخبر [من الآيات، لا يتوهم، مثل ذلك بتعليم بشر]، فإن كان على رؤيا منام فهو فتنة لما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ ﴾ .
أي: كانت الشجرة الملعونة التي ذكرت في القران - أيضاً - فتنة لهم؛ كقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ...
﴾ الآية [الصافات: 63-64].
ووجه فتنتها لهم: ما ذكر في القصّة: أنهم قالوا: إن محمّداً يقول: إنّ في النّار شجرة، والنار من طبعها أن تأكل الشجرة؛ فكيف يكون في النار الشجرة، وهي تأكلها؟
ولكن لم يعرفوا أن شجر النار يكون من النار، وشرابهم من النار، وكذلك طعامهم من النار؛ فإذا كان من النار لم تأكلها النار.
ومنهم من قال: الزقوم: هو الزبد والتمر؛ فكيف يكون فيها ذلك؟!
فيدعون بذلك الكذب عليه فيما يخبرهم: إن في النار شجرة؛ فتلك الشجرة - أيضاً - كانت فتنة لهم ومحنة في تصديق رسول الله وتكذيبه.
وسماها ﴿ ٱلْمَلْعُونَةَ ﴾ قال بعضهم: إن العرب سمت كل ضارّ مؤذ ملعوناً؛ فلذلك سميت شجرة الزقوم ملعونة؛ إذ كانت ضارة لأهلها مؤذية.
قال الحسن: سميت: ملعونة؛ لما لعن أهلها بها؛ فسميت باسم أهلها، وهو ما سمي النهار مبصراً، والنهار لا يبصر؛ ولكن يبصر به؛ فسمي باسمه؛ فعلى ذلك هذا.
وأصل اللّعن: الطرد؛ فطرد منها كل خير ونفع؛ فهي ملعونة، وكقوله: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ : أضاف الإضلال إلى الأصنام [والأصنام]، لا صنع لها في ذلك؛ لكن كثيراً من الناس ضلّوا بها؛ فكأنها أضلتهم، وكقوله: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ ، أي: اغتروا بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي ٱلقُرْآنِ ﴾ ، أي: ذكرت في القرآن، وإلا: الشجرة لا تكون في القرآن، وهو ما ذكر من المصائب وغيرها، كقوله: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ الآية [الحديد: 22]، والمصائب لا تكون في الكتاب؛ لكن ذكرت فيه ويخوفهم بما ذكرنا.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً ﴾ [هو ما ذكرنا في قوله: ﴿ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ﴾ وقوله: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ فزادهم ما ذكر].
لأنهم نظروا إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء فزادهم ما ذكر، وأما أهل الإسلام فزاد لهم إيماناً وهدى؛ لأنهم نظروا إليه بعين التعظيم والتبجيل.
<div class="verse-tafsir"
واذكر -أيها الرسول- إذ قلنا لك: إن ربك أحاط بالناس قدرة، فهم في قبضته، والله مانعك منهم، فبلّغ ما أُمِرْت بتبليغه وما، جعلنا ما أريناك عيانًا ليلة الإسراء إلا امتحانًا للناس، هل يصدقون به، أم يكذبون به؛ وما جعلنا شجرة الزقوم المذكور في القرآن أنها تنبت في أصل الجحيم إلا ابتلاء لهم، فإذا لم يؤمنوا بهاتين الآيتين فلن يؤمنوا بغيرهما، ونخوّفهم بإنزال الآيات فما يزيدون بالتخويف بإنزالها إلا زيادة في الكفر وتماديًا في الضلال.
<div class="verse-tafsir" id="91.z54l8"