الآية ٨٢ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٨٢ من سورة الإسراء

وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌۭ وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًۭا ٨٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 109 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٢ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٢ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن كتابه الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم - وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد - إنه : ( شفاء ورحمة للمؤمنين ) أي : يذهب ما في القلوب من أمراض ، من شك ونفاق ، وشرك وزيغ وميل ، فالقرآن يشفي من ذلك كله .

وهو أيضا رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه ، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه ، فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة .

وأما الكافر الظالم نفسه بذلك ، فلا يزيده سماعه القرآن إلا بعدا وتكذيبا وكفرا .

والآفة من الكافر لا من القرآن ، كما قال تعالى : ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ) [ فصلت : 44 ] وقال تعالى : ( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ) [ التوبة : 124 ، 125 ] .

والآيات في ذلك كثيرة .

قال قتادة في قوله : ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه ( ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) إنه لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه ، فإن الله جعل هذا القرآن شفاء ، ورحمة للمؤمنين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله عزّ وجلّ( وَنُنـزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) يقول تعالى ذكره: وننـزل عليك يا محمد من القرآن ما هو شفاء يستشفى به من الجهل من الضلالة، ويبصر به من العمى للمؤمنين ورحمة لهم دون الكافرين به، لأن المؤمنين يعملون بما فيه من فرائض الله، ويحلون حلاله، ويحرّمون حرامه فيدخلهم بذلك الجنة، ويُنجيهم من عذابه، فهو لهم رحمة ونعمة من الله، أنعم بها عليهم ( وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا ) يقول: ولا يزيد هذا الذي ننـزل عليك من القرآن الكافرين به إلا خسارا: يقول: إهلاكا، لأنهم كلما نـزل فيه أمر من الله بشيء أو نهى عن شيء كفروا به، فلم يأتمروا لأمره، ولم ينتهوا عما نهاهم عنه، فزادهم ذلك خسارا إلى ما كانوا فيه قبل ذلك من الخسار، ورجسا إلى رجسهم قبلُ.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَنُنـزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه ( وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ ) به ( إِلا خَسَارًا) أنه لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه، وإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا فيه سبع مسائل :الأولى : وننزل قرأ الجمهور بالنون .

وقرأ مجاهد " وينزل " بالياء [ ص: 284 ] خفيفة ، ورواها المروزي عن حفص .

ومن لابتداء الغاية ، ويصح أن تكون لبيان الجنس ; كأنه قال : وننزل ما فيه شفاء من القرآن .

وفي الخبر من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله .

وأنكر بعض المتأولين أن تكون من للتبعيض ; لأنه يحفظ من أن يلزمه أن بعضه لا شفاء فيه .

ابن عطية : وليس يلزمه هذا ، بل يصح أن تكون للتبعيض بحسب أن إنزاله إنما هو مبعض ، فكأنه قال : وننزل من القرآن شيئا شفاء ; ما فيه كله شفاء .

وقيل : شفاء في الفرائض والأحكام لما فيه من البيان .الثانية : اختلف العلماء في كونه شفاء على قولين : أحدهما : أنه شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها وإزالة الريب ، ولكشف غطاء القلب من مرض الجهل لفهم المعجزات والأمور الدالة على الله - تعالى - .

الثاني : شفاء من الأمراض الظاهرة بالرقى والتعوذ ونحوه .

وقد روى الأئمة - واللفظ للدارقطني - عن أبي سعيد الخدري قال : بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سرية ثلاثين راكبا قال : فنزلنا على قوم من العرب فسألناهم أن يضيفونا فأبوا ; قال : فلدغ سيد الحي ، فأتونا فقالوا : فيكم أحد يرقي من العقرب ؟

في رواية ابن قتة : إن الملك يموت .

قال : قلت أنا نعم ، ولكن لا أفعل حتى تعطونا .

فقالوا : فإنا نعطيكم ثلاثين شاة .

قال : فقرآت عليه الحمد لله رب العالمين سبع مرات فبرأ .

في رواية سليمان بن قتة عن أبي سعيد : فأفاق وبرأ .

فبعث إلينا بالنزل وبعث إلينا بالشاء ، فأكلنا الطعام أنا وأصحابي وأبوا أن يأكلوا من الغنم ، حتى أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته الخبر فقال : وما يدريك أنها رقية قلت : يا رسول الله ، شيء ألقي في روعي .

قال : كلوا وأطعمونا من الغنم خرجه في كتاب السنن .

وخرج في ( كتاب المديح ) من حديث السري بن يحيى قال : حدثني المعتمر بن سليمان عن ليث بن أبي سليم عن الحسن عن أبي أمامة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ينفع بإذن الله - تعالى - من البرص والجنون والجذام والبطن والسل والحمى والنفس أن تكتب بزعفران أو بمشق - يعني المغرة - أعوذ بكلمات الله التامة وأسمائه كلها عامة من شر السامة والغامة ومن شر العين اللامة ومن شر حاسد إذا حسد ومن أبي فروة وما ولد .

كذا قال ، ولم يقل من شر أبي قترة .

العين اللامة : التي [ ص: 285 ] تصيب بسوء .

تقول : أعيذه من كل هامة لامة .

وأما قوله : أعيذه من حادثات اللمة فيقول : هو الدهر .

ويقال الشدة .

والسامة : الخاصة .

يقال : كيف السامة والعامة .

والسامة السم .

ومن أبي فروة وما ولد .

وقال : ثلاثة وثلاثون من الملائكة أتوا ربهم - عز وجل - فقالوا : وصب بأرضنا .

فقال : خذوا تربة من أرضكم فامسحوا نواصيكم .

أو قال : نوصيكم رقية محمد - صلى الله عليه وسلم - لا أفلح من كتمها أبدا أو أخذ عليها صفدا .

ثم تكتب فاتحة الكتاب وأربع آيات من أول [ البقرة ] ، والآية التي فيها تصريف الرياح وآية الكرسي والآيتين اللتين بعدها ، وخواتيم سورة [ البقرة ] من موضع لله ما في السماوات وما في الأرض إلى آخرها ، وعشرا من أول [ آل عمران ] وعشرا من آخرها ، وأول آية من [ النساء ] ، وأول آية من [ المائدة ] ، وأول آية من [ الأنعام ] ، وأول آية من [ الأعراف ] ، والآية التي في [ الأعراف ] إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض حتى تختم الآية ; والآية التي في [ يونس ] من موضع قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ، والآية التي في [ طه ] وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى ، وعشرا من أول [ الصافات ] ، و قل هو الله أحد ، والمعوذتين .

تكتب في إناء نظيف ثم تغسل ثلاث مرات بماء نظيف ثم يحثو منه الوجع ثلاث حثوات ثم يتوضأ منه كوضوئه للصلاة ويتوضأ قبل وضوءه للصلاة حتى يكون على طهر قبل أن يتوضأ به ثم يصب على رأسه وصدره وظهره ولا يستنجي به ثم يصلي ركعتين ثم يستشفي الله - عز وجل - ; يفعل ذلك ثلاثة أيام ، قدر ما يكتب في كل يوم كتابا .

في رواية : ومن شر أبي قترة وما ولد .

وقال : " فامسحوا نواصيكم " ولم يشك .

وروى البخاري عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركتها .

فسألت الزهري كيف كان ينفث ؟

قال : كان ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه .

وروى مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتكى قرأ على نفسه المعوذتين وتفل أو نفث .

قال أبو بكر بن الأنباري : قال اللغويون تفسير " نفث " نفخ نفخا ليس معه ريق .

ومعنى " تفل " نفخ نفخا معه ريق .

قال الشاعر :[ ص: 286 ]فإن يبرأ فلم أنفث عليه وإن يفقد فحق له الفقودوقال ذو الرمة :ومن جوف ماء عرمض الحول فوقه متى يحس منه مائح القوم يتفلأراد ينفخ بريق .

وسيأتي ما للعلماء في النفث في سورة [ الفلق ] إن شاء الله - تعالى - .الثالثة : روى ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يكره الرقى إلا بالمعوذات .

قال الطبري : وهذا حديث لا يجوز الاحتجاج بمثله في الدين ; إذ في نقلته من لا يعرف .

ولو كان صحيحا لكان إما غلطا وإما منسوخا ; لقوله - عليه السلام - في الفاتحة ما أدراك أنها رقية .

وإذا جاز الرقي بالمعوذتين وهما سورتان من القرآن كانت الرقية بسائر القرآن مثلهما في الجواز إذ كله قرآن .

وروي عنه - عليه السلام - أنه قال : شفاء أمتي في ثلاث آية من كتاب الله أو لعقة من عسل أو شرطة من محجم .

وقال رجاء الغنوي : ومن لم يستشف بالقرآن فلا شفاء له .الرابعة : واختلف العلماء في النشرة ، وهي أن يكتب شيئا من أسماء الله أو من القرآن ثم يغسله بالماء ثم يمسح به المريض أو يسقيه ، فأجازها سعيد بن المسيب .

قيل له : الرجل يؤخذ عن امرأته أيحل عنه وينشر ؟

قال : لا بأس به ، وما ينفع لم ينه عنه .

ولم ير مجاهد أن تكتب آيات من القرآن ثم تغسل ثم يسقاه صاحب الفزع .

وكانت عائشة تقرأ بالمعوذتين في إناء ثم تأمر أن يصب على المريض .

وقال المازري أبو عبد الله : النشرة أمر معروف عند أهل التعزيم ; وسميت بذلك لأنها تنشر عن صاحبها أي تحل .

ومنعها الحسن وإبراهيم النخعي ، قال النخعي : أخاف أن يصيبه بلاء ; وكأنه ذهب إلى أنه ما يجيء به القرآن فهو إلى أن يعقب بلاء أقرب منه إلى أن يفيد شفاء .

وقال الحسن : سألت أنسا فقال : ذكروا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها من الشيطان .

وقد روى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن النشرة فقال : من عمل الشيطان .

قال ابن عبد البر .

وهذه آثار لينة ولها وجوه محتملة ، وقد قيل : إن هذا محمول على ما إذا كانت خارجة عما في كتاب الله وسنة رسوله - عليه السلام - ، وعن المداواة المعروفة .

والنشرة من جنس الطب فهي غسالة شيء له فضل ، فهي كوضوء [ ص: 287 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقال - صلى الله عليه وسلم - : لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك ومن استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل .قلت : قد ذكرنا النص في النشرة مرفوعا وأن ذلك لا يكون إلا من كتاب الله فليعتمد عليه .الخامسة : قال مالك : لا بأس بتعليق الكتب التي فيها أسماء الله - عز وجل - على أعناق المرضى على وجه التبرك بها إذا لم يرد معلقها بتعليقها مدافعة العين .

وهذا معناه قبل أن ينزل به شيء من العين .

وعلى هذا القول جماعة أهل العلم ، لا يجوز عندهم أن يعلق على الصحيح من البهائم أو بني آدم شيء من العلائق خوف نزول العين ، وكل ما يعلق بعد نزول البلاء من أسماء الله - عز وجل - وكتابه رجاء الفرج والبرء من الله - تعالى - ، فهو كالرقى المباح الذي وردت السنة بإباحته من العين وغيرها .

وقد روى عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا فزع أحدكم في نومه فليقل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وسوء عقابه ومن شر الشياطين وأن يحضرون .

وكان عبد الله يعلمها ولده من أدرك منهم ، ومن لم يدرك كتبها وعلقها عليه .

فإن قيل : فقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من علق شيئا وكل إليه .

ورأى ابن مسعود على أم ولده تميمة مربوطة فجبذها جبذا شديدا فقطعها وقال : إن آل ابن مسعود لأغنياء عن الشرك ، ثم قال : إن التمائم والرقى والتولة من الشرك .

قيل : ما التولة ؟

قال : ما تحببت به لزوجها .

وروي عن عقبة بن عامر الجهني قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من علق تميمة فلا أتم الله له ومن علق ودعة فلا ودع الله له قلبا .

قال الخليل بن أحمد : [ ص: 288 ] التميمة قلادة فيها عوذ ، والودعة خرز .

وقال أبو عمر : التميمة في كلام العرب القلادة ، ومعناه عند أهل العلم ما علق في الأعناق من القلائد خشية العين أو غيرها أن تنزل أو لا تنزل قبل أن تنزل .

فلا أتم الله عليه صحته وعافيته ، ومن تعلق ودعة - وهي مثلها في المعنى - فلا ودع الله له ; أي فلا بارك الله له ما هو فيه من العافية .

والله أعلم .

وهذا كله تحذير مما كان أهل الجاهلية يصنعونه من تعليق التمائم والقلائد ، ويظنون أنها تقيهم وتصرف عنهم البلاء ، وذلك لا يصرفه إلا الله - عز وجل - ، وهو المعافي والمبتلي ، لا شريك له .

فنهاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما كانوا يصنعون من ذلك في جاهليتهم .

وعن عائشة قالت : ما تعلق بعد نزول البلاء فليس من التمائم .

وقد كره بعض أهل العلم تعليق التميمة على كل حال قبل نزول البلاء وبعده .

والقول الأول أصح في الأثر والنظر إن شاء الله - تعالى - .

وما روي عن ابن مسعود يجوز أن يريد بما كره تعليقه غير القرآن أشياء مأخوذة عن العرافين والكهان ; إذ الاستشفاء بالقرآن معلقا وغير معلق لا يكون شركا ، وقوله - عليه السلام - : من علق شيئا وكل إليه فمن علق القرآن ينبغي أن يتولاه الله ولا يكله إلى غيره ; لأنه - تعالى - هو المرغوب إليه والمتوكل عليه في الاستشفاء بالقرآن .

وسئل ابن المسيب عن التعويذ أيعلق ؟

قال : إذا كان في قصبة أو رقعة يحرز فلا بأس به .

وهذا على أن المكتوب قرآن .

وعن الضحاك أنه لم يكن يرى بأسا أن يعلق الرجل الشيء من كتاب الله إذا وضعه عند الجماع وعند الغائط .

ورخص أبو جعفر محمد بن علي في التعويذ يعلق على الصبيان .

وكان ابن سيرين لا يرى بأسا بالشيء من القرآن يعلقه الإنسان .السادسة : قوله تعالى : ورحمة للمؤمنين تفريج الكروب وتطهير العيوب وتكفير الذنوب مع ما تفضل به - تعالى - من الثواب في تلاوته ; كما روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف .

قال هذا حديث حسن صحيح غريب .

وقد تقدم .ولا يزيد الظالمين إلا خسارا لتكذيبهم .

قال قتادة : ما جالس أحد القرآن إلا قام عنه بزيادة أو نقصان ، ثم قرأ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين الآية .

ونظير هذه الآية قوله : قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى .

وقيل شفاء في الفرائض والأحكام لما فيه من البيان .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فالقرآن مشتمل على الشفاء والرحمة، وليس ذلك لكل أحد، وإنما ذلك للمؤمنين به، المصدقين بآياته، العاملين به، وأما الظالمون بعدم التصديق به أو عدم العمل به، فلا تزيدهم آياته إلا خسارًا، إذ به تقوم عليهم الحجة، فالشفاء الذي تضمنه القرآن عام لشفاء القلوب، من الشبه، والجهالة، والآراء الفاسدة، والانحراف السيئ، والقصود السيئة فإنه مشتمل على العلم اليقيني، الذي تزول به كل شبهة وجهالة، والوعظ والتذكير، الذي يزول به كل شهوة تخالف أمر الله، ولشفاء الأبدان من آلامها وأسقامها.

وأما الرحمة، فإن ما فيه من الأسباب والوسائل التي يحث عليها، متى فعلها العبد فاز بالرحمة والسعادة الأبدية، والثواب العاجل والآجل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) قيل : " من " ليس للتبعيض ومعناه : وننزل من القرآن ما كله شفاء أي : بيان من الضلالة والجهالة يتبين به المختلف ويتضح به المشكل ويستشفى به من الشبهة ويهتدى به من الحيرة فهو شفاء القلوب بزوال الجهل عنها ورحمة للمؤمنين .

( ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) لأن الظالم لا ينتفع به والمؤمن من ينتفع به فيكون رحمة له .

وقيل : زيادة الخسارة للظالم من حيث أن كل آية تنزل يتجدد منهم تكذيب ويزداد لهم خسارة .

قال قتادة : لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان قضى الله الذي قضى شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وننزل من» للبيان «القرآن ما هو شفاء» من الضلالة «ورحمة للمؤمنين» به «ولا يزيد الظالمين» الكافرين «إلا خسارا» لكفرهم به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وننزل من آيات القرآن العظيم ما يشفي القلوب مِنَ الأمراض، كالشك والنفاق والجهالة، وما يشفي الأبدان برُقْيتها به، وما يكون سببًا للفوز برحمة الله بما فيه من الإيمان، ولا يزيد هذا القرآن الكفار عند سماعه إلا كفرًا وضلالا؛ لتكذيبهم به وعدم إيمانهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال الفخر الرازى - رحمه الله - : اعلم أنه - تعالى - لما أطنب فى شرح الإِلهيات والنبوات ، والحشر والمعاد والبعث ، وإثبات القضاء والقدر ، ثم أتبعه بالأمر بالصلاة ، ونبه على ما فيها من الأسرار ، وإنما ذكر كل ذلك فى القرآن ، أتبعه ببيان كون القرآن شفاء ورحمة .

فقال - تعالى - : ( وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ .

.

) .ثم قال : ولفظة ( من ) ههنا ليست للتبعيض ، بل هى للجنس كقوله : ( فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان ) والمعنى : وننزل من هذا الجنس الذى هو قرآن ما هو شفاء ، فجميع القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين .ومما لا شك فيه ، أن قراءة القرآن ، والعمل بأحكامه وآدابه وتوجيهاته .

.

شفاء للنفوس من الوسوسة ، والقلق ، والحيرة ، والنفاق ، والرذائل المختلفة ، ورحمة للمؤمنين من العذاب الذى يحزنهم ويشقيهم .إنه شفاء ورحمة لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإِيمان ، فأشرقت بنور ربها ، وتفتحت لتلقى ما فى القرآن من هدايات وإرشادات .إنه شفاء للنفوس من الأمراض القلبية كالحسد والطمع والانحراف عن طريق الحق ، وشفاء لها من الأمراض الجسمانية .قال القرطبى عند تفسيره لهذه الآية : اختلف العلماء فى كونه - أى القرآن - شفاء على قولين :أحدهما : أنه شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها وإزالة الريب ، ولكشف غطاء القلب من مرض الجهل .الثانى : أنه شفاء من الأمراض الظاهرة بالرقى والتعوذ ونحوه ، وقد روى الأئمة - واللفظ للدار قطنى - عن أبى سعيد الخُدرى قال : " بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سرية ثلاثين راكبًا .

قال : فنزلنا على قوم من العرب فسألناهم أن يضيفونا فأبوا .

قال : فلدغ سيد الحى ، فأتونا فقالوا : أفيكم أحد يَرْقى من العقرب؟

قال : قلت : أنا نعم ، ولكن لا أفعل حتى تعطونا فقالوا : فإنا نعطيكم ثلاثين شاة .

قال : فقرأت عليه ( الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ) سبع مرات فبرئ .

فبعثوا إلينا بالنُّزل وبعثوا إلينا بالشاء .

فأكلنا الطعام أنا وأصحابى ، وأبوا أن يأكلوا من الغنم ، حتى أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر ، فقال " ما يدريك أنها رقية "؟

قلت : يا رسول الله ، شئ ألقى فى روعى .

قال : " كلوا وأطعمونا من الغنم " " .والذى تطمئن إليه النفس أن قراءة القرآن الكريم ، والعمل بما فيه من هدايات وإرشادات وتشريعات .

.

كل ذلك يؤدى - بإذن الله تعالى - إلى الشفاء من أمراض القلوب ومن أمراض الأجسام .قال بعض العلماء : " وقوله - تعالى - فى هذه الآية ( مَا هُوَ شِفَآءٌ ) يشمل كونه شفاء للقلب من أمراضه ، كالشك والنفاق وغير ذلك .

وكونه شفاء للأجسام إذا رقى عليه به ، كما تدل له قصة الذى رقى الرجل اللديغ بالفاتحة ، وهى صحيحة مشهورة " .وبعد أن بين - سبحانه - أثر القرآن بالنسبة للمؤمنين ، أتبع ذلك ببيان أثره بالنسبة للظالمين ، فقال : ( وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَاراً ) .أى : ولا يزيد ما ننزله من قرآن الظالمين إلا خسارا وهلاكًا ، بسبب عنادهم وجحودهم للحق بعد إذ تبين .قال الآلوسى : وإسناد الزيادة المذكورة إلى القرآن .

مع أنهم المزدادون فى ذلك لسوء صنيعهم ، باعتباره سببا لذلك ، وفيه تعجيب من أمره من حيث كونه مدارًا للشفاء والشقاء .كماء صار فى الأصداف درا ...

وفى ثغر الأفاعى صار سماوشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَاناً فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) وقوله - تعالى - ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ والذين لاَ يُؤْمِنُونَ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أطنب في شرح الإلهيات والنبوات والحشر والمعاد والبعث وإثبات القضاء والقدر ثم أتبعه بالأمر بالصلاة ونبه على ما فيها من الأسرار، وإنما ذكر كل ذلك في القرآن أتبعه ببيان كون القرآن شفاء ورحمة فقال: ﴿ وَنُنَزّلُ مِنَ القرءان مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ ﴾ ولفظة ﴿ من ﴾ هاهنا ليست للتبعيض بل هي للجنس كقوله: ﴿ فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان  ﴾ والمعنى وننزل من هذا الجنس الذي هو قرآن ما هو شفاء.

فجميع القرآن شفاء للمؤمنين، واعلم أن القرآن شفاء من الأمراض الروحانية، وشفاء أيضاً من الأمراض الجسمانية، أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية فظاهر، وذلك لأن الأمراض الروحانية نوعان: الاعتقادات الباطلة والأخلاق المذمومة، أما الاعتقادات الباطلة فأشدها فساداً الاعتقادات الفاسدة في الإلهيات والنبوات والمعاد والقضاء والقدر والقرآن كتاب مشتمل على دلائل المذهب الحق في هذه المطالب، وإبطال المذاهب الباطلة فيها، ولما كان أقوى الأمراض الروحانية هو الخطأ في هذه المطالب والقرآن مشتمل على الدلائل الكاشفة عما في هذه المذاهب الباطلة من العيوب الباطنة لا جرم كان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض الروحاني.

وأما الأخلاق المذمومة فالقرآن مشتمل على تفصيلها وتعريف ما فيها من المفاسد والإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة الكاملة والأعمال المحمودة فكان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض فثبت أن القرآن شفاء من جميع الأمراض الروحانية، وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية فلأن التبرك بقراءته يدفع كثيراً من الأمراض.

ولما اعترف الجمهور من الفلاسفة وأصحاب الطلسمات بأن لقراءة الرقي المجهولة والعزائم التي لا يفهم منها شيء آثاراً عظيمة في تحصيل المنافع ودفع المفاسد، فلأن تكون قراءة هذا القرآن العظيم المشتمل على ذكر الله وكبريائه وتعظيم الملائكة المقربين وتحقير المردة والشياطين سبباً لحصول النفع في الدين والدنيا كان أولى ويتأكد ما ذكرنا بما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله تعالى».

وأما كونه رحمة للمؤمنين فاعلم أنا بينا أن الأرواح البشرية مريضة بسبب العقائد الباطلة والأخلاق الفاسدة والقرآن قسمان بعضهما يفيد الخلاص عن شبهات الضالين وتمويهات المبطلين وهو الشفاء.

وبعضهما يفيد تعليم كيفية اكتساب العلوم العالية، والأخلاق الفاضلة التي بها يصل الإنسان إلى جوار رب العالمين، والاختلاط بزمرة الملائكة المقربين وهو الرحمة، ولما كان إزالة المرض مقدمة على السعي في تكميل موجبات الصحة لا جرم بدأ الله تعالى في هذه الآية بذكر الشفاء ثم أتبعه بذكر الرحمة، واعلم أنه تعالى لما بين كون القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين بين كونه سبباً للخسار والضلال في حق الظالمين والمراد به المشركون وإنما كان كذلك لأن سماع القرآن يزيدهم غيظاً وغضباً وحقداً وحسداً وهذه الأخلاق الذميمة تدعوهم إلى الأعمال الباطلة وتزيد في تقوية تلك الأخلاق الفاسدة في جواهر نفوسهم ثم لا يزال الخلق الخبيث النفساني يحمل على الأعمال الفاسدة والإتيان بتلك الأعمال يقوي تلك الأخلاق فبهذا الطريق يصير القرآن سبباً لتزايد هؤلاء المشركين الضالين في درجات الخزي والضلال والفساد والنكال ثم إنه تعالى ذكر السبب الأصلي في وقوع هؤلا الجاهلين الضالين في أودية الضلال ومقامات الخزي والنكال وهو حب الدنيا والرغبة في المال والجاه واعتقادهم أن ذلك إنما يحصل بسبب جدهم واجتهادهم فقال: ﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ﴾ وفيه مباحث: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الإنسان هاهنا هو الوليد بن المغيرة وهذا بعيد، بل المراد أن نوع الإنسان من شأنه أنه إذا فاز بمقصوده ووصل إلى مطلوبه اغتر وصار غافلاً عن عبودية الله تعالى متمرداً عن طاعة الله كما قال: ﴿ كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَيَطْغَىٰٓ  أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ  ﴾ .

البحث الثاني: قوله: ﴿ أعرض ﴾ أي ولى ظهره أي عرضه إلى ناحية ونأى بجانبه أي تباعد، ومعنى النأي في اللغة البعد والإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه والنأي بالجانب أن يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره وأراد الاستكبار لأن ذلك عادة المتكبرين وفي قوله: ﴿ نأى ﴾ قراءات.

إحداها: وهي قراءة العامة بفتح النون والهمزة وفي حم السجدة مثله وهي اللغة الغالبة والنأي البعد يقال نأى أي بعد.

وثانيها: قراءة ابن عامر ناء وله وجهان تقديم اللام على العين كقولهم راء في رأى ويجوز أن يكون من نأى بمعنى نهض.

وثالثها: قراءة حمزة والكسائي بإمالة الفتحتين وذلك لأنهم أمالوا الهمزة من نأى ثم كسروا النون إتباعاً للكسرة مثل رأى.

ورابعها: قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ونصير عن الكسائي وحمزة نأى بفتح النون وكسر الهمزة على الأصل في فتح النون وإمالة الهمزة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ الشر كَانَ يؤوساً ﴾ أي إذا مسه فقر أو مرض أو نازلة من النوازل كان يؤوساً شديد اليأس من رحمة الله: ﴿ وَلاَ ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون  ﴾ والحاصل أنه إن فاز بالنعمة والدولة اغتر بها فنسي ذكر الله، وإن بقي في الحرمان عن الدنيا استولى عليه الأسف والحزن ولم يتفرغ لذكر الله تعالى فهذا المسكين محروم أبداً عن ذكر الله ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبّى أَكْرَمَنِ  ﴾ إلى قوله: ﴿ رَبّى أَهَانَنِ  ﴾ وكذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا  إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعًا  وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعًا  ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ ﴾ قال الزجاج: الشاكلة الطريقة والمذهب.

والدليل عليه أنه يقال هذا طريق ذو شواكل أي يتشعب منه طرق كثيرة ثم الذي يقوي عندي أن المراد من الآية ذلك قوله تعالى: ﴿ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً ﴾ وفيه وجه آخروهو أن المراد أن كل أحد يفعل على وفق ما شاكل جوهر نفسه ومقتضى روحه فإن كانت نفسه نفساً مشرقة خيرة طاهرة علوية صدرت عنه أفعال فاضلة كريمة وإن كانت نفسه نفساً كدرة نذلة خبيثة مضلة ظلمانية صدرت عنه أفعال خسيسة فاسدة، وأقول: العقلاء اختلفوا في أن النفوس الناطقة البشرية هل هي مختلفة بالماهية أم لا؟

منهم من قال: إنها مختلفة بالماهية وإن اختلاف أفعالها وأحوالها لأجل اختلاف جواهرها وماهياتها، ومنهم من قال إنها متساوية في الماهية واختلاف أفعالها لأجل اختلاف أمزجتها.

والمختار عندي هو القسم الأول والقرآن مشعر بذلك، وذلك لأنه تعالى بين في الآية المتقدمة أن القرآن بالنسبة إلى البعض يفيد الشفاء والرحمة وبالنسبة إلى أقوام آخرين يفيد الخسارة والخزي ثم أتبعه بقوله: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ ﴾ ومعناه أن اللائق بتلك النفوس الطاهرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الذكاء والكمال، وبتلك النفوس الكدرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الخزي والضلال كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار وتسود وجهه.

وهذا الكلام إنما يتم المقصود منه إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة بماهياتها فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن نور على نور وبعضها كدرة ظلمانية يظهر فيها من القرآن ضلال على ضلال ونكال على نكال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَنُنَزّلُ ﴾ قرئ (بالتخفيف والتشديد) ﴿ مِن القرءان ﴾ من للتبيين، كقوله: ﴿ مِنَ الأوثان ﴾ أو للتبعيض، أي: كل شيء نزل من القرآن فهو شفاء للمؤمنين، يزدادون به إيماناً، ويستصلحون به دينهم، فموقعه منهم موقع الشفاء من المرضى.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله» ولا يزداد به الكافرون ﴿ إَلاَّ خَسَارًا ﴾ أي نقصاناً لتكذيبهم به وكفرهم، كقوله تعالى: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ﴾ [التوبة: 125] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ما هو في تَقْوِيمِ دِينِهِمْ واسْتِصْلاحِ نُفُوسِهِمْ كالدَّواءِ الشّافِي لِلْمَرْضى، و ﴿ مِنَ ﴾ لِلْبَيانِ فَإنَّ كُلَّهُ كَذَلِكَ.

وقِيلَ إنَّهُ لِلتَّبْعِيضِ والمَعْنى أنَّ مِنهُ ما يَشْفِي مِنَ المَرَضِ كالفاتِحَةِ وآياتِ الشِّفاءِ.

وقَرَأ البَصْرِيّانِ (نُنْزِلُ) بِالتَّخْفِيفِ.

﴿ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا ﴾ لِتَكْذِيبِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَنُنَزّلُ} وبالتخفيف أبو عمرو {مِن القرآن} من للتبيين {مَا هُوَ شِفَاء} من أمراض القلوب {ورحمة} لكروب وتفريج وتطهير للعيوب وتكفير للذنوب {لِلْمُؤْمِنِينَ} وفي الحديث من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه

الله {وَلاَ يَزِيدُ الظالمين} الكافرين {إَلاَّ خَسَارًا} ضلالاً لتكذيبهم به وكفرهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: ما هو في تَقْدِيمِ دِينِهِمْ واسْتِصْلاحِ نُفُوسِهِمْ كالدَّواءِ الشّافِي لِلْمَرْضى.

و«مِن» لِلْبَيانِ، وقُدِّمَ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ، وأنْكَرَ أبُو حَيّانَ جَوازَ التَّقْدِيمِ واخْتارَ هُنا كَوْنَ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، وهو إنْكارٌ غَيْرُ مَسْمُوعٍ فَيُفِيدُ أنَّ كُلَّ القُرْآنِ كَذَلِكَ.

وفِي الخَبَرِ: «مَن لَمْ يَسْتَشْفَ بِالقُرْآنِ فَلا شَفاهُ اللَّهُ تَعالى».

أوْ لِلتَّبْعِيضِ ومَعْناهُ عَلى ما في الكَشْفِ ونُنَزِّلُ ما هو شِفاءٌ أيْ: تَدَرَّجَ في نُزُولِهِ شِفاءً فَشِفاءً ولَيْسَ مَعْناهُ أنَّهُ مُنْقَسِمٌ إلى ما هو شِفاءٌ ولَيْسَ بِشِفاءٍ، والمُنَزَّلُ الأوَّلُ كَما وهَمَ الحُوفِيُّ فَأنْكَرَ جَوازَ إرادَةِ التَّبْعِيضِ وإنَّما المَعْنى: أنَّ ما لَمْ يَنْزِلْ بَعْدُ لَيْسَ بِشِفاءٍ لِلْمُؤْمِنِينَ لِعَدَمِ الِاطِّلاعِ، وأنَّ كُلَّ ما يَنْزِلُ فَهو شِفاءٌ لِداءٍ خاصٍّ يَتَجَدَّدُ نُزُولُ الشِّفاءِ كِفاءَ تَجَدُّدِ الدّاءِ.

وفِيهِ أيْضًا أنَّ هَذا الوَجْهَ أوْفَقُ لِمُقْتَضى المَقامِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ بُعْدُهُ ولِذا اخْتِيرَ في تَوْجِيهِ التَّبْعِيضِ أنَّهُ بِاعْتِبارِ الشِّفاءِ الجُسْمانِيِّ وهو مِن خَواصِّ بَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ ومِنَ البَعْضِ الأوَّلِ الفاتِحَةُ وفِيها آثارٌ مَشْهُورَةٌ، وآياتُ الشِّفاءِ وهي سِتٌّ: ﴿ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ ﴾ ، ﴿ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ ، ﴿ ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ ﴾ ، ﴿ قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ ﴾ .

قالَ السُّبْكِيُّ: وقَدْ جَرَّبْتُ كَثِيرًا، وعَنِ القُشَيْرِيِّ أنَّهُ مَرِضَ لَهُ ولَدٌ أيِسَ مِن حَياتِهِ فَرَأى اللَّهَ تَعالى في مَنامِهِ فَشَكا لَهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ فَقالَ لَهُ: اجْمَعْ آياتِ الشِّفاءِ واقْرَأْها عَلَيْهِ أوِ اكْتُبْها في إناءٍ واسْقِهِ فِيهِ ما مُحِيَتْ بِهِ فَفَعَلَ فَشَفاهُ اللَّهُ تَعالى، والأطِبّاءُ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ مِنَ الأُمُورِ والرُّقى ما يَشْفِي بِخاصِّيَّةٍ رُوحانِيَّةٍ كَما فَصَّلَهُ الأنْدَلُسِيُّ في مُفْرَداتِهِ، وكَذا داوُدُ في المُجَلَّدِ الثّانِي مِن تَذْكِرَتِهِ، ومَن يُنْكِرُ لا يُعْبَأُ بِهِ، نَعَمْ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في جَوازِ نَحْوِ ما صَنَعَهُ القُشَيْرِيُّ عَنِ الرُّؤْيا وهو نَوْعٌ مِنَ النَّشْرَةِ وعَرَّفُوها بِأنَّها أنْ يُكْتَبَ شَيْءٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أوْ مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ يُغْسَلُ بِالماءِ ثُمَّ يُمْسَحُ بِهِ المَرِيضُ أوْ يُسْقاهُ، فَمَنَعَ ذَلِكَ الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ.

ورَوى أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ «أنَّ النَّبِيَّ  سُئِلَ عَنِ النَّشْرَةِ فَقالَ: هي مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ».

وأجازَ ذَلِكَ ابْنُ المُسَيِّبِ، والنَّشْرَةُ الَّتِي قالَ فِيها  ما قالَ هي النَّشْرَةُ الَّتِي كانَتْ تُفْعَلُ في الجاهِلِيَّةِ وهي أنْواعٌ، مِنها ما يَفْعَلُهُ أهْلُ التَّعْزِيمِ في غالِبِ الأعْصارِ مِن قِراءَةِ أشْياءَ غَيْرِ مَعْلُومَةِ المَعْنى ولَمْ تَثْبُتْ في السُّنَّةِ أوْ كِتابَتُها وتَعْلِيقُها أوْ سَقْيُها، وقالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ بِتَعْلِيقِ الكُتُبِ الَّتِي فِيها أسْماءُ اللَّهِ تَعالى عَلى أعْناقِ المَرْضى عَلى وجْهِ التَّبَرُّكِ بِها إذا لَمْ يُرِدُ مُعَلِّقُها بِذَلِكَ مُدافَعَةَ العَيْنِ، وعَنى بِذَلِكَ أنَّهُ لا بَأْسَ بِالتَّعْلِيقِ بَعْدَ نُزُولِ البَلاءِ رَجاءَ الفَرَجِ والبِرِّ.

كالرُّقى الَّتِي ورَدَتِ السُّنَّةُ بِها مِنَ العَيْنِ، وأمّا قَبْلَ النُّزُولِ فَفِيهِ بَأْسٌ وهو غَرِيبٌ، وعِنْدَ ابْنِ المُسَيِّبِ يَجُوزُ تَعْلِيقُ العُوذَةِ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى في قَصَبَةٍ ونَحْوِها وتُوضَعُ عِنْدَ الجِماعِ، وعِنْدَ الغائِطِ ولَمْ يُقَيَّدْ بِقَبْلُ أوْ بَعْدُ، ورَخَّصَ الباقِرُ في العُوذَةِ تُعَلَّقُ عَلى الصِّبْيانِ مُطْلَقًا، وكانَ ابْنُ سِيرِينَ لا يَرى بَأْسًا بِالشَّيْءِ مِنَ القُرْآنِ يُعَلِّقُهُ الإنْسانُ كَبِيرًا أوْ صَغِيرًا مُطْلَقًا، وهو الَّذِي عَلَيْهِ النّاسُ قَدِيمًا وحَدِيثًا في سائِرِ الأمْصارِ لَكِنَّ تَوْجِيهَ التَّبْعِيضِ بِما ذُكِرَ لا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا ﴾ أيْ: لا يَزِيدُ القُرْآنُ كُلُّهُ أوْ كُلُّ بَعْضٍ مِنهُ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ بِهِ الواضِعِينَ لِلْأشْياءِ في غَيْرِ مَوْضِعِها مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ مِن أدْواءِ الرِّيَبِ وأسْقامِ الأوْهامِ.

﴿ إلا خَسارًا ﴾ أيْ: هَلاكًا بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ وزِيادَتِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم كُلَّما جَدَّدُوا الكُفْرَ والتَّكْذِيبَ بِالآيَةِ النّازِلَةِ تَدْرِيجًا ازْدادُوا بِذَلِكَ هَلاكًا، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الخَسارَ بِالنُّقْصانِ، ورَجَّحَ أبُو السُّعُودِ الأوَّلَ بِأنَّ ما بِهِمْ مِن داءِ الكُفْرِ والضَّلالِ حَقِيقٌ بِأنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِالهَلاكِ لا بِالنُّقْصانِ المُنْبِئِ عَنْ حُصُولِ بَعْضِ مَبادِئِ الإسْلامِ فِيهِمْ، وفِيهِ كَما قالَ: إيماءٌ إلّا أنَّ ما بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الشُّبَهِ والشُّكُوكِ المُعْتَرِيَةِ لَهم في أثْناءِ الِاهْتِداءِ والِاسْتِرْشادِ بِمَنزِلَةِ الأمْراضِ، وما بِالكَفَرَةِ مِنَ الجَهْلِ والعِنادِ بِمَنزِلَةِ المَوْتِ والهَلاكِ، وإسْنادُ الزِّيادَةِ المَذْكُورَةِ إلى القُرْآنِ مَعَ أنَّهُمُ المُزْدادُونَ في ذَلِكَ لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ سَبَبًا لِذَلِكَ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن أمْرِهِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَدارًا لِلشِّفاءِ والهَلاكِ: كَماءٍ صارَ في الأصْدافِ دُرًّا وفي ثَغْرِ الأفاعِي صارَ سُمّا هَذا ورُبَّما يُقالُ: إنَّ انْقِسامَ القُرْآنِ إلى ما هو شِفاءٌ مِن أدْواءِ الرِّيَبِ وأسْقامِ الوَهْمِ وإلى ما لَيْسَ كَذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ فِيهِ رَيْبٌ؛ لِأنَّ الشّافِيَ مِن أدْواءِ الرِّيَبِ إنَّما هو الأدِلَّةُ كالآياتِ الدّالَّةِ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وثُبُوتِ الوَحْدانِيَّةِ لَهُ تَعالى وكالآياتِ الدّالَّةِ عَلى إمْكانِ الحَشْرِ الجُسْمانِيِّ ولَيْسَ كُلُّ آياتِ القُرْآنِ كَذَلِكَ؛ فَإنَّ مِنهُ ما هو أمْرٌ بِصَلاةٍ وصَوْمٍ وزَكاةٍ ومِنهُ ما هو نَهْيٌ عَنْ قَتْلٍ وزِنًى وسَرِقَةٍ ونَحْوَ ذَلِكَ وهو لا يُشْفى بِهِ أدْواءُ الرِّيَبِ وأسْقامُ الوَهْمِ وكَذا آياتُ القَصَصِ، نَعَمْ فِيما ذُكِرَ نَفْعٌ غَيْرُ الشِّفاءِ مِن تِلْكَ الأدْواءِ فَهو رَحْمَةٌ وحِينَئِذٍ يُقالُ: في الآيَةِ حَذْفٌ؛ أيْ: نُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ وما هو رَحْمَةٌ عَلى مَعْنى نُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ آياتٌ هي شِفاءٌ وآياتٌ هي رَحْمَةٌ.

وفِيهِ أنَّ الرَّيْبَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبِإمْكانِ الحَشْرِ بَلْ يَكُونُ أيْضًا في الرِّسالَةِ وصِدْقِهِ  في دَعْواها، وما مِن آيَةٍ في القُرْآنِ إلّا وهي مُسْتَقِلَّةٌ أوْ لَها دَخْلٌ في الشِّفاءِ مِن ذَلِكَ الدّاءِ لِما فِيها مِنَ الإعْجازِ، وكَذا ما مِن آيَةٍ إلّا وفِيها نَفْعٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى، فَكُلُّ آيَةِ رَحْمَةٍ كَما أنَّ كُلَّها شِفاءٌ لَكِنَّ كَوْنَهُ رَحْمَةً بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ إذْ كَلُّ مُؤْمِنٍ يَنْتَفِعُ بِهِ نَوْعًا مِنَ الِانْتِفاعِ وكَوْنُهُ شِفاءً بِالفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن عَرَضَ لَهُ شَيْءٌ مِن أدْواءِ الرِّيَبِ وأسْقامِ الوَهْمِ ولَيْسَ كُلُّ المُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ، والقَوْلُ بِأنَّ كُلًّا كَذَلِكَ في أوَّلِ الإيمانِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولا يُحْتاجُ إلَيْهِ كَما لا يَخْفى.

والإمامُ عَمَّمَ شِفائِيَّتَهُ وقَدْ أحْسَنَ فَقالَ: هو شِفاءٌ لِلْأمْراضِ الرُّوحانِيَّةِ وهي نَوْعانِ: اعْتِقاداتٌ باطِلَةٌ وأخْلاقٌ مَذْمُومَةٌ فَلِاشْتِمالِهِ عَلى الدَّلائِلِ الحَقَّةِ الكاشِفَةِ عَنِ المَذاهِبِ الباطِلَةِ في الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ والقَضاءِ والقَدَرِ المُبَيِّنَةِ لِبُطْلانِها يَشْفِي عَنِ النَّوْعِ الأوَّلِ مِنَ الأمْراضِ ولِاشْتِمالِهِ عَلى تَفاصِيلِ الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ وتَعْرِيفِ ما فِيها مِنَ المَفاسِدِ والإرْشادِ إلى الأخْلاقِ الفاضِلَةِ والأعْمالِ المَحْمُودَةِ يَشْفِي عَنِ النَّوْعِ الآخَرِ، والشِّفاءُ إشارَةٌ إلى التَّخْلِيَةِ، والرَّحْمَةُ إشارَةٌ إلى التَّحْلِيَةِ، ولِأنَّ الأُولى أهَمُّ مِنَ الثّانِيَةِ قُدِّمَ الشِّفاءُ عَلى الرَّحْمَةِ فَتَأمَّلْ.

واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

وقَرَأ البَصْرِيّانِ: «نُنْزِلُ» بِالنُّونِ والتَّخْفِيفِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِالياءِ والتَّخْفِيفِ، ورَواها المَرْوَزِيُّ عَنْ حَفْصٍ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «شِفاءً ورَحْمَةً» بِنَصْبِهِما، قالَ أبُو حَيّانَ: ويَتَخَرَّجُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُما حالانِ، والخَبَرُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والعامِلُ في الحالِ ما في الجارِّ والمَجْرُورِ مِنَ الفِعْلِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ: «والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٍ بِيَمِينِهِ» في قِراءَةِ نَصْبِ «مَطْوِيّاتٍ» وقَوْلُ الشّاعِرِ: رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْراعِهِمْ ∗∗∗ فِيهِمْ ورَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حَذارِ ثُمَّ قالَ: وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى العامِلِ فِيهِ مِنَ الظَّرْفِ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ الأخْفَشِ، ومَن مَنَعَ جَعَلَهُ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ أعْنِي، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَن يُجَوِّزُ مَجِيءَ الحالِ مِنَ المُبْتَدَأِ لا يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أي بيان من العمى، ويقال: شفاء للبدن، إذا قرئ على المريض يبرأ، أو يهون عليه.

وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أي ونعمة من العذاب لمن آمن بالقرآن.

وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ، أي المشركين ما نزل من القرآن إِلَّا خَساراً أي تخسيراً وغبنا.

قوله عز وجل: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ، أي إذا وسعنا على الكافر الرزق ورفعنا عنه العذاب في الدنيا، أَعْرَضَ عن الدعاء.

ويقال: النعمة هي إرسال محمد  ، أعرض عنه الكافر.

وَنَأى بِجانِبِهِ، يعني: تباعد عن الإيمان فلم يقربه.

قرأ ابن عامر: وَنَاءَ بمد الألف على وزن باع وقرأ أبو عمرو بنصب النون وكسر الألف، وقرأ حمزة والكسائي بكسر النون والألف، وقرأ الباقون بنصب النون.

وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً، يعني: إذَا أصابه الفقر في معيشته والسقم في الجسم، كان آيساً من رحمة الله.

ثم قال تعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ قال القتبي: أي: على خليقته وطبيعته وهو من الشكل.

وقال الحسن: عَلى شاكِلَتِهِ أي: على نيّته، وكذلك قال معاوية بن قرة.

وقال الكلبي: على ناحيته ومنهاجه وحديثه وأمره الذي هو عليه.

فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا، أي بمن هو أصوب ديناً، ويقال: هو عالم بمن هو على الحق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً (٨٢) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً (٨٤)

وقوله سبحانه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ ...

الآية: أي شفاءٌ بحسب إِزالته للرَّيْب، وكشفه غطاء القَلْب، وشفاءٌ أيضاً من الأمراض بالرقى والتعويذِ ونحوه.

وقوله سبحانه: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ: يحتمل أن يكون الْإِنْسانِ عامَّا للجنْسِ، فالكافرُ يبالغ في الإعراض، والعاصي يأخذ بحظّ منه وَ (نَأَى) أي: بَعُد، قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ، أي: على ما يليق به، قال ابن عباس: عَلى شاكِلَتِهِ معناه: على ناحيته «١» ، وقال قتادة: معناه: على ناحيته وعلى ما ينوي «٢» .

وقوله سبحانه: فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا توعّد بيّن.

وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٥) وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً (٨٦) إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً (٨٧)

وقوله سبحانه: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ روى ابن مسعود أن اليهود قال بعضُهم لبعْض: سَلُوا محمداً عن الرُّوحِ فإِن أجاب فيه، عرفْتم أنه ليس بنبي.

قال ع «٣» : وذلك أنه كان عندهم في التوراة أَن الروح ممَّا انفرد اللَّه بعلْمه، ولا يَطَّلع عليه أحَدٌ من عباده، فسألوه، فنزلَتِ الآية.

وقيل: إن الآية مكِّية، والسائلون هم قريشٌ، بإِشارة اليهودِ، واختلف الناس في الرّوح المسئول عَنْه، أيُّ رُوحٍ هو؟

فقال الجمهُور: وقع السؤال عن الأرواحِ التي في الأشخاصِ الحيوانيَّة ما هي، فالرُّوح: اسم جنسٍ على هذا، وهذا هو الصوابُ، وهو المُشِكْل الذي لا تفسير له.

وقوله سبحانه: مِنْ أَمْرِ رَبِّي يحتملُ أن يريد أنَّ الرُّوح مِنْ جملة أمور اللَّه التي استأثر سبحانه بعلْمها، وهي إِضافةُ خَلْقٍ إِلى خَالِقٍ، قال ابنُ رَاشِدٍ في «مرقبته» : أخبرني شيخي شهابُ الدِّينِ القَرِافِيُّ عن ابْنِ دَقِيقِ العِيد أنَهَ رأى كتاباً لبعض الحكماءِ في حقيقة النفْسِ، وفيه ثَلاَثُمِائَةِ قولٍ، قال رحمه اللَّه: وكثرُة الخلافِ تؤذنُ بكثرة الجهالاتِ، ثم علماءُ الإِسلام اختلفوا في جوازِ الخَوْضِ فيها على قولَيْن، ولكلٍّ حُجَجٌ يطُولُ بنا سَرْدُها، ثم القائلون بالجوازِ اختلفوا، هَلْ هي عَرَضٌ أو جوهرٌ، أو ليستْ بجوهرٍ ولا عرضٍ، ولا توصَفُ بأنها داخلُ الجسمِ ولا خارجُه، وإِليه ميل الإِمام أبي حامد وغيره، والذي عليه المحقِّقون من المتأخِّرين أنها جسْمٌ نوارنيٌّ شفَّافٌ سارٍ في الجسْمِ سَرَيانَ النارِ في الفَحْم والدليلُ على أنها في الجسْم قوله تعالى: فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ [الواقعة: ٨٣] فلو لم تكن في الجِسْمِ، لما قال ذلك، وقد أخبرني الفقيهُ الخطيبُ أبو/ محمد البرجيني رحمه الله عن الشيخ الصّالح أبي الطاهر الرّكراكيّ رحمه الله قال: حَضَرْتُ عند وَلِيٍّ من الأولياء حين النَّزْعِ، فشاهدتُّ نَفْسَهُ قد خَرَجَتْ من مواضع من جَسَده، ثم تشكَّلت على رأْسِه بشَكْله وصُورَته، ثم صَعِدت إِلى السماء، وصَعِدت نفْسي معها، فلما انتهينا إلى السماء الدنيا، شاهَدتُّ باباً ورجْلَ مَلَكٍ ممدودةً عليه، فأزال ذلك المَلَكُ رِجْله، وقال لنفْسِ ذلك الوليِّ:

اصْعَدِي، فَصَعِدَتْ، فأرادَتْ نفْسي أنْ تَصْعَدَ معها، فقال لها: ارْجِعي، فقد بقي لك وقْتٌ، قال: فرجعت فشاهدت الناسَ دائرين على جسْمي، وقائلٌ يقولُ: ماتَ، وآخر يقول: لم يَمُتْ، فدخلَتْ من أنْفي، أو قال: مِنْ عَيْني، وقَمْتُ.

انتهى.

ت: وهذه الحكايةُ صحيحةٌ، ورجال إِسنادها ثقاتٌ معروفون بالفَضْل، فابنَ راشِدٍ هو شارِحُ ابنِ الحاجِبِ الفَرْعِيِّ، والبرجينيُّ معروفٌ عند أهْل إفريقيّة وأبو الطاهر من أكابر الأولياء معظّم عند أهل تُونُسَ، مزاره وقبره بالزلاج معروفٌ زرته رحمه الله، وقرأ الجمهور «١» : «وما أوتيتم» ، واختلف فيمَنْ خوطب بذلك، فقالت فرقة: السَّائِلُونَ فقَطْ، وقالت فرقة: العالم كلّه، وقد نص على ذلك صلّى الله عليه وسلّم على ما حكاه الطبريُّ «٢» .

وقوله: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ ...

الآية: المعنى وما أوتيتم أنْت يا محمَّد، وجميعُ الخلائق من العلْم إِلا قليلاً، فاللَّه يُعلِّم مَنْ علَّمه بما شاء، ويَدَعُ ما شاء، ولو شاء لذهب بالوحْيِ الذي آتاك، وقوله إِلَّا رَحْمَةً استثناءٌ منقطعٌ، أي: لكن رحمة من ربّك تمسك

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ " ﴾ : " مِن " هاهُنا لِبَيانِ الجِنْسِ، فَجَمِيعُ القُرْآَنِ شِفاءٌ.

وفي هَذا الشِّفاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: شِفاءٌ مِنَ الضَّلالِ لِما فِيهِ مِنَ الهُدى.

والثّانِي: شِفاءٌ مِنَ السَّقَمِ لِما فِيهِ مِنَ البَرَكَةِ.

والثّالِثُ: شِفاءٌ مِنَ البَيانِ لِلْفَرائِضِ والأحْكامِ.

وَفِي " الرَّحْمَةِ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: النِّعْمَةُ.

والثّانِي: سَبَبُ الرَّحْمَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ ﴿ إلا خَسارًا ﴾ لِأنَّهم يَكْفُرُونَ بِهِ، ولا يَنْتَفِعُونَ بِمَواعِظِهِ، فَيَزِيدُ خُسْرانُهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا ﴾ ﴿ وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلُ كانَ زَهُوقًا ﴾ ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظالِمِينَ إلا خَسارًا ﴾ ﴿ وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَرُّ كانَ يَئُوسًا ﴾ ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلا ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ والأحْسَنُ فِيها أنْ يَكُونَ دُعاءً في أنْ يُحْسِنَ اللهُ حالَتَهُ في كُلِّ ما يَتَناوَلُ مِنَ الأُمُورِ، ويُحاوِلُ مِنَ الأسْفارِ والأعْمالِ، ويَنْتَظِرُ مِن تَصَرُّفِ المَقادِيرِ في المَوْتِ والحَياةِ، فَهي عَلى أتَمَّ عُمُومٍ، مَعْناها: رَبِّ أصْلَحِ لِي وِرْدِي في كُلِّ الأُمُورِ وصَدْرِي، وذَهَبَ المُفَسِّرُونَ إلى أنَّها في غَرَضٍ مَخْصُوصٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: أرادَ: أدْخِلْنِي المَدِينَةَ وأخْرِجْنِي مِن مَكَّةَ، وتَقَدَّمَ في هَذا التَأْوِيلِ المُتَأخِّرِ في الوُقُوعِ، فَإنَّهُ مُتَقَدِّمٌ في القَوْلِ لِأنَّ الإخْراجَ مِن مَكَّةَ هو المُتَقَدِّمُ، اللهُمَّ إنَّ مَكانَ الدُخُولِ والفِرارِ هو الأهَمُّ.

وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُجاهِدٌ: أدْخِلْنِي في أمْرِ تَبْلِيغِ الشَرْعِ، وأخْرِجْنِي مِنهُ بِالإعْدادِ التامِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الإدْخالُ بِالمَوْتِ في القَبْرِ، والإخْراجِ البَعْثُ.

وما قَدَّمْتُ مِنَ العُمُومِ التامِّ الَّذِي يَتَناوَلُ هَذا كُلَّهُ أصْوَبُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مُدْخَلَ" و "مُخْرَجَ" بِضَمِّ المِيمِ، فَهو جَرى عَلى: أدْخِلْنِي وأخْرِجْنِي.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وقَتادَةُ، وحَمِيدٌ: "مَدْخَلَ" و"مَخْرَجَ" بِفَتْحِ المِيمِ، فَهو غَيْرُ جارٍ عَلى: أدْخِلْنِي، ولَكِنَّ التَقْدِيرَ: "أدْخَلَنِي فَأدْخُلُ مَدْخَلَ"، لِأنَّهُ إنَّما يَجْرِي عَلى دَخَلَ، و"الصِدْقُ" هُنا صِفَةٌ تَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ واسْتِيعابَ المَدْحِ، كَما تَقُولُ: "رَجُلُ صِدْقٍ" أيْ: جامِعٌ لِلْمَحاسِنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: حُجَّةً، يُرِيدُ: تَنْصُرُنِي بِبَيانِها عَلى الكُفّارِ، وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: يُرِيدُ: مَنَعَةً ورِياسَةً وسَيْفًا يَنْصُرُ دِينَ اللهِ تَعالى، فَطَلَبَ رَسُولُ اللهِ  ذَلِكَ بِأمْرِ اللهِ إيّاهُ بِهِ رَغْبَةً في نَصْرِ الدِينِ، فَرُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى وعَدَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ أنْجَزَ لَهُ في حَياتِهِ وتَمَّمَهُ بَعْدَ وفاتِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ ﴾ الآيَةَ.

قالَ قَتادَةُ: "الحَقُّ": القُرْآنُ، و"الباطِلُ": الشَيْطانُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الحَقُّ" الإيمانُ، و"الباطِلُ": الكُفْرُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الحَقُّ: الجِهادُ، و"الباطِلُ": الشِرْكُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والصَوابُ تَعْمِيمُ اللَفْظِ بِالغايَةِ المُمْكِنَةِ، فَيَكُونُ التَعْبِيرُ: جاءَ الشَرْعُ بِجَمِيعِ ما انْطَوى فِيهِ، وزَهَقَ الكُفْرُ بِجَمِيعِ ما انْطَوى فِيهِ، و"الباطِلُ": كُلُّ ما لا تُنالُ بِهِ غايَةٌ نافِعَةٌ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كانَ زَهُوقًا ﴾ ، لَيْسَتْ "كانَ" إشارَةً إلى زَمَنٍ مَضى، بَلِ المَعْنى: كانَ وهو يَكُونُ، وهَذا كَقَوْلِكِ: كانَ اللهُ عالِمًا قادِرًا، ونَحْوَ هَذا.

وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ يَسْتَشْهِدُ بِها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقْتَ طَعْنِهِ الأصْنامَ، وسُقُوطِها لِطَعْنِهِ إيّاها بِمِخْصَرَةٍ، حَسْبَما في السِيرَةِ لِابْنِ هِشامٍ وفي غَيْرِها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَنُنَزِّلُ" بِالنُونِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "وَيُنْزِلُ" بِالياءِ خَفِيفَةً، ورَواها المَرُوزِيُّ عن حَفْصٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ القُرْآنِ ﴾ ، يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مِنَ" لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، كَأنَّهُ قالَ ونُنَزِّلُ ما فِيهِ شِفاءٌ مِنَ "القُرْآنِ"، وأنْكَرَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ أنْ تَكُونَ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ تَحَفَّظَ مِن أنْ يَلْزَمَهُ أنَّ بَعْضَهُ لا شِفاءَ فِيهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ يَلْزَمُهُ هَذا، بَلْ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ بِحَسْبِ أنَّ إنْزالَهُ إنَّما هو مُبَعَّضٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: "وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ" شَيْئًا شَيْئًا ما فِيهِ كُلُّهُ شِفاءٌ.

واسْتِعارَتُهُ الشِفاءَ لِلْقُرْآنِ هو بِحَسْبَ إزالَتِهِ لِلرَّيْبِ، وكَشْفِهِ غِطاءَ القَلْبِ لِفَهْمِ المُعْجِزاتِ والأُمُورِ الدالَّةِ عَلى اللهِ تَعالى، المُقَرِّرَةِ لِشَرْعِهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالشِفاءِ نَفْعُهُ مِنَ الأمْراضِ بِالرُقى والتَعْوِيذِ ونَحْوِهِ، وكَوْنُهُ رَحْمَةً ظاهِرَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَزِيدُ الظالِمِينَ إلا خَسارًا ﴾ بِمَعْنى أنَّهُ عَلَيْهِمْ عَمًى؛ إذْ هم مُعَرَّضُونَ بِحالَةِ مَن لا يَفْهَمُ ولا يُلَقَّنُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ ﴾ الآيَةَ.

"الإنْسانُ" في هَذِهِ الآيَةِ لا يُرادُ بِهِ العُمُومُ، وإنَّما يُرادُ بِهِ بَعْضُهُ وهُمُ الكَفَرَةُ، وهَذا كَما تَقُولُ عِنْدَ غَضَبٍ: "لا خَيْرَ في الأصْدِقاءِ ولا أمانَةَ في الناسِ"، فَأنْتَ تُعَمِّمُ مُبالِغَةً، ومُرادُكَ البَعْضُ، وهَذا بِحَسْبِ ذِكْرِ الظالِمِينَ والخَسارِ في الآيَةِ، قِيلَ: فاتَّصَلَ ذِكْرُ الكَفَرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الإنْسانُ" في هَذِهِ الآيَةِ عامّا لِلْجِنْسِ، عَلى مَعْنى: إنَّ هَذا الخُلُقَ الذَمِيمَ في سَجِيَّتِهِ، فالكافِرُ يُبالِغُ في الإعْراضِ، والعاصِي يَأْخُذُ بِحَظِّهِ مِنهُ.

وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ  في مُؤْمِنٍ: « "فَأعْرَضَ فَأعْرَضَ اللهُ عنهُ".» ومَعْنى "أعْرَضَ" ولّانا عُرْضَهُ، "وَنَأى" أيْ: بَعُدَ، وهَذِهِ، وهَذا اسْتِعارَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ يَفْعَلُ أفْعالَ المُعْرِضِ النائِي في تَرْكِهِ الإيمانَ بِاللهِ وشُكْرِ نِعَمِهِ عَلَيْهِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "وَناءَ"، ومَعْناهُ: نَهَضَ مُتَباعِدًا، هَذا قَوْلُ طائِفَةٍ، وقالَ أُخْرى: هو قَلْبُ الهَمْزَةِ بَعْدَ الألْفِ مِن "نَأى" بِعَيْنِهِ، وهي لُغَةٌ كَرَأى وراءَ، ونَحْوَ هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ رامٍ: حَتّى إذا ما التَأمَتْ مَفاصِلُهُ ∗∗∗ وناءَ في شِقِّ الشِمالِ كاهِلُهُ أيْ: نَهَضَ مُتَوَرِّكًا عَلى شِمالِهِ.

والَّذِي عِنْدِي أنَّ "ناءَ" و"نَأى" فِعْلانِ مُتَبايِنانِ.

وناءَ بِجانِبِهِ عِبارَةٌ عَنِ التَحَيُّرِ والِاسْتِبْدادِ، و"ناءَ" عِبارَةٌ عَنِ البُعْدِ والفِراقِ.

ثُمَّ وصَفَ اللهُ تَعالى الكَفَرَةَ بِأنَّهم إذا مَسَّهم شَرٌّ مِن مَرَضٍ أو مُصِيبَةٍ في مالٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ يَئِسُوا مِن حَيْثُ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ، ولا يَرْجُونَ تَصَرُّفَ أقْدارِهِ.

ثُمَّ قالَ عَزَّ وجَلَّ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: ﴿ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ﴾ ، أيْ: طَرِيقَتُهُ وبِحَسْبِ نِيَّتِهِ ومَذْهَبِهِ الَّذِي يُشْبِهُهُ.

وهو شَكْلٌ لَهُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ دَلالَةً عَلى أنَّ "الإنْسانَ" أوَّلًا لَمْ يُرَدْ بِهِ العُمُومُ، أيْ أنَّ الكُفّارَ بِهَذِهِ الصِفاتِ، والمُؤْمِنُونَ بِخِلافِها، وكُلٌّ مِنهم يَعْمَلُ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ، والرَبُّ تَعالى أعْلَمُ بِالمُهْتَدِي.

وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ عَلى شاكِلَتِهِ ﴾ مَعْناهُ: عَلى طَبِيعَتِهِ، وقالَ أيْضًا: مَعْناهُ: عَلى حِدَتِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: عَلى ناحِيَتِهِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: عَلى حِدَتِهِ وعَلى ما يَنْوِي، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: عَلى دِينِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأرْجَحُ هَذِهِ العِباراتِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلا ﴾ تَوَعُّدٌ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ وقل جاء الحق وزهق الباطل ﴾ [الإسراء: 81] على ما في تلك الجملة والجمل التي سبقتها من معنى التأييد للنبيء ومن الإغاظة للمشركين ابتداء من قوله: ﴿ وإن كادوا ليفتنونك عن الذين أوحينا إليك ﴾ [الإسراء: 73].

فإنه بعد أن امتن عليه بأن أيده بالعصمة من الركون إليهم وتبشيره بالنصرة عليهم وبالخلاص من كيدهم، وبعد أن هددهم بأنهم صائرون قريباً إلى هلاك وأن دينهم صائر إلى الاضمحلال، أعلن له ولهم في هذه الآية: أن ما منه غيظهم وحنقهم، وهو القرآن الذي طمعوا أن يسألوا النبي أن يبدله بقرآن ليس فيه ذكر أصنامهم بسوء، أنه لا يزال متجدداً مستمراً، فيه شفاء للرسول وأتباعه وخسارة لأعدائه الظالمين، ولأن القرآن مصدرُ الحق ومَدحَض الباطل أعقب قولُه: ﴿ جاء الحق وزهق الباطل ﴾ [الإسراء: 81] بقوله: ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة ﴾ الآية.

ولهذا اختير للإخبار عن التنزيل الفعل المضارع المشتق من فَعَّلَ المضاعف للدلالة على التجديد والتكرير والتكثير، وهو وعد بأنه يستمر هذا التنزيل زمناً طويلاً.

و ﴿ ما هو شفاء ﴾ مفعول ﴿ ننزل ﴾ .

و ﴿ من القرآن ﴾ بيان لما في (ما) من الإبهام كالتي في قوله تعالى: ﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان ﴾ [الحج: 30]، أي الرجس الذي هو الأوثان.

وتقديم البيان لتحصيل غرض الاهتمام بذكر القرآن مع غرض الثناء عليه بطريق الموصولية بقوله: ما هو شفاء ورحمة } إلخ، للدلالة على تمكن ذلك الوصف منه بحيث يعرف به.

والمعنى: ننزل الشفاء والرحمة وهو القرآن.

وليست (مِن) للتبعيض ولا للابتداء.

والشفاء حقيقته زوال الداء، ويستعمل مجازاً في زوال ما هو نقص وضلال وعائق عن النفع من العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة والأخلاق الذميمة تشبيهاً له ببرء السقم، كقول عنترة: ولقد شَفَى نفسي وابرأ سُقمها *** قيلُ الفوارس: ويْكَ عنترَ قَدّمِ والمعنى: أن القرآن كله شفاءً ورحمة للمؤمنين ويزيد خسارة للكافرين، لأن كل آية من القرآن من أمره ونهيه ومواعظه وقصصه وأمثاله ووعده ووعيده، كل آية من ذلك مشتملة على هَديٍ وصلاححِ حاللٍ للمؤمنين المتبعينَه، ومشتملة بضد ذلك على ما يزيد غيظ المستمرين على الظلم، أي الشرك، فيزدادون بالغيظ كراهية للقرآن فيزدادون بذلك خساراً بزيادة آثامهم واستمرارهم على فاسد أخلاقهم وبُعْدِ ما بينهم وبين الإيمان.

وهذا كقوله: ﴿ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ﴾ [التوبة: 124- 125].

وفي الآية دليل على أن في القرآن آيات يشتفى بها من الأدواء والآلام ورد تعيينها في الأخبار الصحيحة فشملتها الآية بطريقة استعمال المشترك في معنييه.

وهذا مما بينا تأصيله في المقدمة التاسعة من مقدمات هذا التفسير.

والأخبار الصحيحة في قراءة آيات معينة للاستشفاء من أدواء موصوفة بله الاستعاذة بآيات منه من الضلال كثيرة في صحيح البخاري} و«جامع الترمذي» وغيرهما، وفي الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه قال: «بعثنا رسول الله في سرية ثلاثين راكباً فنزلنا على قوم من العرب فسألناهم أن يضيفونا فأبوا فلُدغ سيد الحَيّ فأتونا، فقالوا: أفيكم أحد يَرقي من العقرب؟

قال: قلت: نعم ولكن لا أفعل حتى يُعطونا، فقالوا: فإنا نعطيكم ثلاثين شاة، قال: فقرأت عليه فاتحة الكتاب سبع مرات فبرأ» الحديث.

وفيه: «حتى أتينا رسول الله فأخبرته فقال: وما يُدريكَ أنها رُقْيَة، قلت: يا رسول الله شيءٌ ألقي في روعي (أي إلهام ألهمه الله)، قال: كلوا وأطعمونا من الغنم» فهذا تقرير من النبي صلى الله عليه وسلم بصحة إلهام أبي سعيد رضي الله عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: شِفاءٌ مِنَ الضَّلالِ، لِما فِيهِ مِنَ الهُدى.

الثّانِي: شِفاءٌ مِنَ السُّقْمِ، لِما فِيهِ مِنَ البَرَكَةِ.

الثّالِثُ: شِفاءٌ مِنَ الفَرائِضِ والأحْكامُ، لِما فِيهِ مِنَ البَيانِ.

وَتَأْوِيلُهُ الرَّحْمَةُ ها هُنا عَلى الوُجُوهِ الأُوَلِ الثَّلاثَةِ: أحَدُها: أنَّها الهُدى.

الثّانِي: أنَّها البَرَكَةُ.

الثّالِثُ: أنَّها البَيانُ.

﴿ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَزِيدُهم خَسارًا لِزِيادَةِ تَكْذِيبِهِمْ.

الثّانِي: يَزِيدُهم خَسارًا لِزِيادَةِ ما يَرِدُ فِيهِ مِن عَذابِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿ جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ﴾ ﴿ وجاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد ﴾ [ سبأ: 49] .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن المنذر، عن جابر رضي الله عنه قال: «دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبت لوجهها وقال: ﴿ جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ﴾ » .

وأخرج الطبراني في الصغير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعلى الكعبة ثلثمائة وستون صنماً، فشد لهم إبليس أقدامها بالرصاص، فجاء ومعه قضيب فجعل يهوي به إلى كل صنم منها فيخرّ لوجهه فيقول: ﴿ جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ﴾ حتى مر عليها كلها» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن الباطل كان زهوقاً ﴾ قال: ذاهباً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقل جاء الحق ﴾ قال: القرآن ﴿ وزهق الباطل ﴾ قال: هلك، وهو الشيطان.

وفي قوله: ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة ﴾ قال: الله تعالى جعل هذا القرآن ﴿ شفاء ورحمة للمؤمنين ﴾ إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه ﴿ ولا يزيد الظالمين إلا خساراً ﴾ لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه.

وأخرج ابن عساكر عن أويس القرني رضي الله عنه قال: لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، قضاء الله الذي قضى ﴿ شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ (من) هاهنا ليست للتبعيض بل هو للجنس، [كقوله: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ  ﴾ ، والمعنى: ﴿ وَنُنَزِّلُ ﴾ : من هذا الجنس] (١) ﴿ مَا هُوَ شِفَاءٌ ﴾ ، فجميع القرآن شفاء للمؤمنين، قال قتادة: إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه (٢) (٣) وقال ابن عباس: يريد شفاءً من كل داء (٤)  - قال: "من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله" [[وورد في "تفسير الثعلبي" 9/ 117 أب نصه عن رجاء الغنوي، و"الزمخشري" 2/ 373، و"الفخر الرازي" 21/ 34، و"أسد الغابة" 2/ 271 في ترجمة رجاء، وورد في "تفسير القرطبي" 10/ 315، و"كنز العمال" 10/ 9 وعزاه إلى الدارقطني في الأفراد، وقد أشار إلى ضعف الحديث الذهبي -فيما نقله المناوي عنه في "الفيض" 1/ 491 في تاريخ الصحابة- فقال في ترجمة رجاء: هذا له صحبة، نزل البصرة، وله حديث لا يصح في فضل القرآن.

أما الشوكاني فقد ذكره في "الموضوعات" [الفوائد المجموعة] ص 296 وقال: هو موضوع، وقال الألباني: ضعيف جدًا.

"سلسلة الأحاديث الضعيفة" (152) (1/ 283)]].

وقوله تعالى: ﴿ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد ثوابًا من الله لا انقطاع له (٥) قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ يعني لا يزيد ما هو شفاء للمؤمنين إلا خسارًا للظالمين، والفعل الذي هو (يزيد) مسند إلى ما في قوله: ﴿ مَا هُوَ شِفَاءٌ ﴾ ، المراد بـ ﴿ الظَّالِمِينَ ﴾ : المشركين، قاله ابن عباس.

قال قتادة: لأنه لا يحفظه ولا ينتفع به ولا ينتفعون بمواعظه (٦) (١) ما بين معقوفين ساقط من (أ)، (د).

(٢) أخرجه "الطبري" 15/ 153 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 9/ 117 أبنصه، انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 66، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 360 وزاد نسبته إلى عبد الرزاق -لم أجده- وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٣) ساقطة من (ع).

(٤) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 537، وورد بلا نسبة في "تفسير الثعلبي" 7/ 119 أ.

(٥) ورد في تفسير "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 537 (٦) أخرجه "الطبري" 15/ 153، بنحوه، انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 67، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 360 وزاد نسبته إلى عبد الرزاق -لم أجده- وابن المنذر وابن أبي حاتم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقُلْ جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل ﴾ الحق الإيمان والباطل الكفر ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ ﴾ من للتبعيض، أو لبيان الجنس، والمراد بالشفاء أنه يشفى القلوب من الريبة والجهل، ويحتمل أن يريد نفعه من الأمراض بالرقيا به والتعويذ ﴿ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان ﴾ الآية: المراد بالإنسان هنا الجنس، لأن ذلك من سجية الإنسان، وقيل: إنما يراد الكافر لأنه هو الذي يعرض عن الله ﴿ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ﴾ أي بعُد، وذلك تأكيد وبيان للإعراض، وقرأ ابن عامر ناءٍ وهو بمعنى واحد ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ ﴾ أي مذهبه وطريقته التي تشاكله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ خلفك ﴾ ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وأبو بكر وحماد.

الآخرون ﴿ خلافك ﴾ بكسر الخاء بالألف ﴿ وننزل من ﴾ مخففاً: أبو عمرو ويعقوب الياقوت بالتشديد وياء تحتانية ﴿ وناء بجانبه ﴾ مثل "ناع": يزيد وابن ذكوان ﴿ ونأى ﴾ يفتح النون وإمالة الهمزة مثل "رمى".

حمزة غير خلف والعجلي وحماد ويحيى وعباس وأبو شعيب ونصير مثله ولكن بكسر النون على غير نصير، وخلف والعجلي وخلف لنفسه.

الباقون بفتحتين كرمى.

الوقوف: ﴿ خليلاً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه لا لتعلق "إذا" ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ تحويلاً ﴾ ه ﴿ وقرآن ﴾ ه ﴿ الفجر ﴾ ط ﴿ مشهوداً ﴾ ه ﴿ نافلة لك ﴾ قف والوصل أولى لأن "عسى" وعد على التهجد ﴿ محموداً ﴾ ه ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ وزهق الباطل ﴾ ط ﴿ زهوقاً ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه لا لأن ما بعده من صلة "ما" ﴿ خساراً ﴾ ه ﴿ بجانبه ﴾ ج لعطف حملتي الظرف ﴿ بؤساً ﴾ ه ﴿ شاكلته ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ عن الروح ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ه لا ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ ظهيراً ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ز لعطف المتفقين معنى المختلفين لفظاً ﴿ كفوراً ﴾ ه.

التفسير: لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على بني آدم وشرح أحوال السعداء أردفه بما يجري مجرى تحذير السعداء من الاغترار بوساوس الأشقياء.

عن ابن عباس في رواية عطاء أن وفد ثقيف قالوا للنبي  : لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالاً نفتخر بها على العرب، لا نعشر - أي لا تؤخذ عشور أموالنا - ولا نحشر ولا نجبي في صلاتنا أي لا نسجد، وكل رباً لنا فهو لنا، وكل رباً علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة ولا نكسرها بأيدينا عند رأس الحول، وأن تمنع من قصد وادينا وجّ فعضد شجره فإذا سألتك العرب لم فعلت ذلك؟

فقل: إن الله أمرني به وجاؤا بكتابهم فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لثقيف لا يعشرون ولا يحشرون فقالوا: ولا يجبون، فسكت رسول الله ثم قالوا للكاتب: اكتب "ولا يجبون" والكاتب ينظر إلى رسول الله.

فقام عمر بن الخطاب فسل سيفه وقال: أسعرتم قلب نبينا يا معشر ثقيف أسعر الله قلوبكم ناراً.

فقالوا: لسنا نكلمك إنما نكلم محمداً.

وقال عمر: أما ترون رسول الله  أمسك عن الكلام كراهية لما تذكرونه فأنزل الله الآية.

وهذه القصة وقعت بعد الهجرة فلهذا قال المفسرون إنها ليست بمكية.

وروي أن قريشاً قالوا له اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة فنزلت.

وقال الحسن: إن الكفار أخذوا رسول الله  بمكة قبل الهجرة فقالوا: كف يا محمد عن ذم آلهتنا وشتمها، ولو كان ذلك حقاً كان فلان وفلان بهذا الأمر أحق منك.

فوقع في قلب رسول الله أن يكف عن شتم آلهتهم.

وعن سعيد بن جبير أنه  كان يستلم الحجر فتمنعه قريش ويقولون: لا ندعك حتى تستلم بآلهتنا فوقع في نفسه أن يفعل ذلك مع كراهية فنزلت.

قال القفال: من المعلوم أن المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر رسول الله  بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون: لو عبدت آلهتنا عبدنا آلهك فنزلت: ﴿ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون  ﴾ وقوله: ﴿ ودّوا لو تدهن فيدهنون  ﴾ وتارة عرضوا عليه الأموال الكثيرة والنسوان الجميلة ليترك ادعاء النبوة فنزلت ﴿ ولا تمدّن عينيك إلى ما متعنا  ﴾ وأخرى دعوه إلى طرد المؤمنين فنزل: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم  ﴾ وكل ذلك دليل على أنهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه ويزيلوه عن منهجه.

فلو لم يكن شيء من الروايات المذكورة موجوداً لكان للآية محمل صحيح.

والمعنى وإن الشأن قاربوا أن يخدعوك فاتنين.

وأصل الفتنة الاختبار ومنه فتن الصائغ الذهب ثم استعمل في كل من أزال الشيء عن حده وجهته، وذلك في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن وافتراء على الله من تبديل الوعد بالوعيد وغير ذلك ﴿ وإذا لاتخذوك ﴾ أي لو اتبعت مرادهم لاتخذوك ﴿ خليلاً ﴾ ولكنت لهم ولياً وخرجت من ولايتي ﴿ ولولا أن ثبتناك ﴾ لولا تثبيتنا وعصمتنا لك ﴿ لقد كدت تركن إليهم ﴾ لقاربت أن تميل إلى مرادهم ﴿ شيئاً قليلاً ﴾ أي ركوناً قليلاً.

قال ابن عباس: يريد حيث سكت عن جوابهم.

قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال النبي  : "اللَّهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين." ثم توعده في ذلك أشد الوعيد فقال: ﴿ إذا لأذقناك ﴾ أي لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون لأذقناك ﴿ ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

والضعف عبارة عن ضم الشيء إلى مثله.

وقال صاحب الكشاف: المراد عذاب الممات وهو عذاب القبر، وعذاب الحياة وهو عذاب حياة الآخرة أي عذاب النار.

والعذاب يوصف بالضعف كقوله: ﴿ فزده عذابا ضعفاً في النار  ﴾ بمعني مضاعفاً فكان أصل الكلام عذاباَ ضعفاً في الحياة الدنيا وعذاباً ضعفاً في الممات، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ثم أضيفت الصفة كإضافة الموصوف فقيل: ضعف الحياة وضعف الممات كما لو قيل: لأذقناك أليم الحياة وأليم الممات.

وقال التفسير الكبير: حاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك وعقدت على الركون إليه همك لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة، ولصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة.

والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله تعالى في حق الأنبياء أكثر فكانت ذنوبهم وكذا عقوبتهم أعظم نظير ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين  ﴾ ثم إن إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه لأن دليل الخطاب لا حجة فيه فقد يرتقى الضعف إلى مالا حد له كما جاء في الحديث: " "من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" ﴿ ثم لا تجد لك علينا نصيراً ﴾ يعني لو أذقناك ذلك لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا.

واعلم أن القرب من الفتنة لا يدل على الوقوع فيها.

والتهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها فلا يلزم من الآية طعن في عصمة النبي  .

وفيه أنه لا عصمة من المعاصي إلا بتوفيق الله وتثبيته على الحق.

وقالت المعتزلة: المراد بهذا التثبيت الألطاف الصارفة عن ذلك وهي ما أخطر الله بباله من ذكر وعده ووعيده كونه نبياً من عنده.

وأجيب بأنه لو لم يوجد المقتضى للإقدام على ذلك الفعل المحذور لم يكن إلى إيجاد المانع حاجة، وليس ذلك المقتضي إلا القدرة مع الداعي ولا ذلك المانع إلا داعية أخرى معارضة للداعي الأول وقد أوجدها الله  عقيب ذلك.

ثم ذكر طرفاً آخر من مكايدهم فقال: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ "إن" مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة كما في الآية الأولى ومعنى ﴿ ليستفزونك ﴾ ليزعجونك كما مر في قوله: ﴿ واستفزز  ﴾ والأرض إما أرض مكة، كما قال قتادة ومجاهد ويرد عليه أن "كاد" للمقاربة لا للحصول لكن الإخراج قد حصل قوله: ﴿ وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك  ﴾ ويمكن أن يقال: إنهم هموا بإخراجه ولكن الله منعهم من ذلك حتى هاجر بأمر ربه، فأطلق الإخراج على إرادة الإخراج مجوزاً يؤيده قوله: ﴿ وإذا لا يلبثون ﴾ وهو معطوف على ﴿ يستفزونك ﴾ أي لا يبقون بعد إخراجك إلا زماناً قليلاً أي لو أخرجوك لاستؤصلوا لكنه لم يقع الاستئصال فدل ذلك على عدم وقوع الإخراج.

ومن جوز وقوع الإخراج قال: المراد بعدم اللبث أنهم أهلكوا ببدر بعد إخراجه بقليل.

واما أرض المدينة على ما روي عن ابن عباس أن رسول الله  لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم وقالوا: يا أبا القاسم إن الأنبياء بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة وكانت مهاجر إبراهيم، فلو خرجت إلى الشام لآمنا بك واتبعناك.

وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم، فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم فعسكر رسول الله  على أميال من المدينة أو بذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازماً على الخروج إلى الشأم لحرصه على دخول الناس في دين الله فنزلت الآية فرجع.

وعلى هذا القول تكون هذه الآية أيضاً مدنية، والخلاف في معنى الخلف كما مر في قوله: ﴿ بمقعدهم خلاف رسول الله  ﴾ وقرىء: ﴿ وإذا لا يلبثوا ﴾ بحذف النون على إعمال "إذن" فتكون الجملة برأسها معطوفة على جملة قوله: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ .

ثم بين أن عادته  جارية بأن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم فإنه يهلكهم ﴿ فقال سنة من قد أرسلنا ﴾ وهو منصوب على المصدر المؤكد أي سن الله ذلك سنة ﴿ ولا تجد لسنتنا تحويلاً ﴾ لأن الأسباب الكلية في الأزل اقتضت توزع كل من أجزاء الزمان على حادث معين بسبب معين، فتبيدل إحدى الحوادث وتحويلها إلى وقت آخر يقتضي تغيير الأسباب عن أوضاعها وهو محال عقلاً وعادة.

وقال أهل النظم: لما قرر الإلهيات والمعاد والجزاء أردفها بذكر أشرف الطاعات وهي الصلاة.

وأيضاً لما قال: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ أمره بالاشتغال بعبادته تفويضاً للأمور إلى الله وتعويلاً على فضله في دفع شر أعدائه نظيره قوله في سورة طه: ﴿ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها  ﴾ ذهب كثير من المفسرين كابن قتيبة وسعيد بن جبير منقولاً عن ابن عباس، أن دلوك الشمس هو غروبها.

وعلى هذا لا تشمل الآية صلاتي الظهر والعصر.

وأكثر الصحابة والتابعين على أن دلوك الشمس زوالها عن كبد السماء ويؤيده ما روي أنه  قال: " أتاني جبرائيل لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر." قالوا: واشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه إذ ينظر إليها وهي في كبد السماء.

وعلى هذا التفسير تشمل الآية جميع الصلوات الخمس.

وحمل كلام الله على ما هو أكثر فائدة أولى واللام بمعنى الوقت أو للتعليل أي أدم الصلاة في هذا الوقت أو لأجل دخول هذا الوقت ﴿ إلى غسق الليل ﴾ أي ظلمته.

قال الكسائي: غسق الليل غسوقاً أي أظلم، والاسم الغسق بفتح السين والتركيب يدور على السيلان ومنه يقال: غسقت العين إذا هملت وكأن الظلام انهمل على الدنيا وتراكم.

وهذا عند سيبويه الشفق الأبيض، فاستدل به بعض الشافعية على أن أول وقت العشاء الآخرة يدخل بغروب الشفق الأحمر لأن المحدود إلى غاية يكون مشروعاً قبل حصول تلك الغاية.

وهذا الاستدلال مبني على أن الغاية لا تدخل في ذي الغاية، وعلى أن الآية يجب أن تشمل جميع الصلوات، وللخصم المنع في المقامين.

ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد بقرآن الفجر هو صلاة الصبح تسمية للشيء ببعض أجزائه، ومثله تسمية الصلاة ركوعاً وسجوداً وقنوتاً.

قال جار الله: إنه حجة علي ابن علية والأصم في زعمهما أن القراءة ليست بركن.

قلت: أجزاء الصلاة أعم من أركانها ولهذا قسمت الفقهاء الصلاة إلى أركان وأبعاض وهيئات فلا يتم هذ الاعتراض.

وفي الآية مسائل: الأولى: استدل بعض الشيعة بها على جواز الجميع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقاً.

وأجيب بأن الآية مخصوصة بفعل الرسول أو بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ويستثنى منه عذر السفر والمطر لعدم الدليل المخصص في تلك الصورة فلزم إبقاؤها على الجواز الأصلي.

الثاني: استدل بعض الشافعية بها على أن التغليس في صلاة الصبح أفضل من التنوير لوجوه منها: أنه أضاف القرآن إلى الفجر والتقدير: أقم قرآن الفجر.

وظاهر الآية للوجوب فلا أقل من الندب حتى لا تكثر مخالفة الدليل.

والفجر انفجار ظلمة الليل فيلزم أن تكون إقامة الفجر في أول الوقت أفضل.

ومنها أنه خص الفجر بإضافة القراءة إليه فدل ذلك على أن طول القراءة في هذه الصلاة مطلوب، ولن يتم هذا المطلوب إلا إذا شرع في أدائه في أول الوقت، ومنها أنه وصف قرآن الفجر بكونه مشهوداً فقيل: أي يشهده الكثير من المصلين في العادة، أو من حقه أن يكون مشهوداً بالجماعة الكثيرة.

وقال أكثر المفسرين: معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح تنزل هؤلاء وتصعد هؤلاء في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار.

وقيل: إنهم يجتمعون خلف الإمام تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الصبح قبل أن تعرج ملائكة الليل.

فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار.

ثم إن ملائكة الليل إذا صعدت قالت: يا رب إنا تركنا عبادك لك، وتقول ملائكة النهار: ربنا لقينا عبادك وهم يصلون.

فيقول الله لملائكته: اشهدوا فإني قد غفرت لهم.

والغرض أن المكلف إذا شرع في صلاة الصبح في آخر الظلمة الذي هو أول الفجر كانت ملائكة الليل حاضرين بعد.

ثم إذا امتدت هذه الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة بالكل أو بالأكثر وحضرت ملائكة النهار، وهذا المعنى لا يحصل إذا ابتدىء بها وقت التنوير.

قال أهل التحقيق: إذا شرع في صلاة الصبح في أول وقتها شاهد في أثنائها انقلاب العالم من الظلمة - التي هي نظيره الموت - إلى الضياء الذي هو نظير الحياة، فإنه يفيء عقله من هذه الحالة إلى عجيب صنع الخلاق المدبر للأنفس والآفاق، فيزداد بصيرة وإيقاناً ومعرفة وإيماناً، وتنفتح عليه أبواب المكاشفة والمشاهدة.

وإذا كان هذا المعنى في الجماعة الكثيرة صارت نفوسهم كالمرايا المشرقة المتقابلة المتعاكسة أضواؤها الواقعة على كل منها، فيزداد كل منهم نورية وبهاء.

فيحتمل أن يكون قوله: ﴿ مشهوداً ﴾ إشارة إلى هذه الأحوال المشاهدة.

ولا ريب أنه إذا شرع في الصلاة أول انتباهه من النوم قبل أن يرد على لوح عقله وفكره النقوش الفاسدة من الأمور الدنيوية الدنية، كان أولى فإن الأنبياء ما بعثوا إلا لإزالة مثل هذه الأمراض عن النفوس.

ثم حث على قيام الليل فقال: ﴿ ومن الليل فتهجد به نافلة لك ﴾ قال أبو عبيدة وابن الأعرابي: هذا من الأضداد لأنه يقال: هجد الرجل إذا نام وهجد أيضاً إذا صلى من الليل، وبوسط الأزهري فقال: الهجود في الأصل هو النوم بالليل، ولكن تاء التفعل فيه لأجل التجنب به ومنه "تأثم" "وتحرج" وإذا ألقى الإثم والحرج عن نفسه.

فكأن به المتهجد يدفع الهجود عن نفسه.

وبوجه آخر لما كان غرض المصلي بالليل أن يطيب رقاده وهجوده بعد الموت سمي بذلك الاعتبار متهجداً.

وربما يقال: سمي تهجداً لأن الأصل فيه أن يرقد ثم يصلي ثم يرقد ثم يصلي، فهو صلاة بعد رقاد كما كانت لرسول الله  ولداود كما جاء في الحديث: "أفضل القيام قيام داود كان ينام ثلثه ويقوم سدسه ثم ينام ثلثه ويقوم سدسه" قال جار الله: معنى ﴿ ومن الليل ﴾ وعليك بعض الليل ﴿ فتهجد به ﴾ وقال في التفسير الكبير: تقديره وأقم الصلاة في بعض الليل فتهجد به أي بالقرآن ومعنى نافلة زائدة كما مر في أول "الأنفال".

ثم من ذهب إلى أن صلاة الليل كانت واجبة على النبي  .

زعم أن معناها كونها فريضة له زائدة على الصلوات الخمس، أو المراد أن فرضيتها نسخت عنك فصارت تطوعاً زائدة على الفرائض.

ويرد عليه أن الأمر ظاهره الوجوب فيكون بين قوله: ﴿ فتهجد ﴾ وبين قوله ﴿ نافلة ﴾ تعارض، وكذا الاعتراض على قول من يقول إن صلاة الليل لم تكن واجبة عليه.

ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله: ﴿ نافلة ﴾ قرينة صارفة للوجوب إلى الندب.

وعن مجاهد والسدي أن كل طاعة يأتي بها النبي سوى المكتوبة فإن تأثيرها لا يكون في كفارة الذنوب لأنه غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر، وإنما تكون مؤثرة في زيادة الدرجات وكثرة الثواب ولا كذلك حال الأمة فكأنه قيل للنبي: إن هذه الطاعات زوائد ونوافل في حقك لا في حق غيرك، لأن غيرك يحتاج إليها في تكفير السيئات ومن تقييد التهجد بقوله: ﴿ نافلة لك ﴾ يعلم أن قوله: ﴿ أقم الصلاة ﴾ عام له ولكل أمته وإن كان ظاهره خطاباً معه.

ثم وعده على إقامة الفرائض والنوافل بقوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك ﴾ ولا ريب أن "عسى" من الكريم أطماع واجب قال في الكشاف: انتصب ﴿ مقاماً محموداً ﴾ على الظرف أي عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاماً محموداً، أو ضمن يبعثك معنى يقيمك، أو هو حال أي يبعثك ذا مقام محمود، وقيل: إنه مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات.

والأولى أن يخص ذلك بالشفاعة لأنه الحمد إنما يكون بإزاء إنعام ولا إنعام للنبي على أمته في الآخرة إلا إنعام الشفاعة، أو لا إنعام أجل منها لأن السعي في تخليص الغير من العقاب أهم من السعي في إيصال الثواب إليه، ويؤيده رواية أبي هريرة عن النبي  : "هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي." وأما ما روى عن حذيفة أن المقام المحمود هو أن يجمع الناس في صعيد واحد ولا تتكلم نفس، فأول مدعو محمد فيقول: لبيك وسعديك والشر ليس إليك، والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت.

فليس بقوي لأن هذا القول من محمد لا يوجب حمداً له من أمته إلا أن يكون من مقامات الشفاعة فيرجع إلى الأول.

وقيل: أراد مقاماً تحمد عاقبته.

وروى الواحدي عن ابن مسعود أن ذلك حين يقعد محمد معه على العرش وزيف بلزوم التحيز له  .

قوله: ﴿ مدخل صدق ﴾ و ﴿ مخرج صدق ﴾ مصدران بمعنى الإدخال والإخراج، والإضافة إلى الصدق لأجل المبالغة نحو "حاتم الجود" أي إدخالاً يستأهل أن يسمى إدخالاً ولا يرى فيه ما يكره.

قال الحسن وقتادة: نزلت حين أمر بالهجرة يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة، وقيل: إن اليهود لما قالوا له اذهب إلى الشام فإنه مسكن الأنبياء وعزم رسول الله  على الذهاب إليه فكأنه قيل له المعبود واحد في كل البلاد ﴿ وما النصر إلا من عند الله ﴾ فداوم على الصلاة وارجع إلى مقرك ومسكنك.

﴿ وقل رب أدخلني ﴾ في المدينة ﴿ مدخل صدق وأخرجني ﴾ منها إلى مكة ﴿ مخرج صدق ﴾ أي افتحها لي فعلى هذين القولين يكون الكلام عوداً إلى الواقعة المذكورة في قوله ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ والأولى أن يقال إنه عام في كل ما يدخل فيه ويلابسه ثم يتركه من أمر ومكان.

وقيل: أراد إدخاله مكة ظاهراً عليها الفتح وإخراجه منها آمناً من المشركين.

وقيل: إدخاله الغار وإخراجه منه سالماً.

وقيل: إدخاله فيما حمله من عظيم الأمر وهو النبوّة، وإخراجه منه مؤدياً لما كلفه من غير تفريط.

وقيل: أراد رب أدخلني الصلاة وأخرجني منها مع الصدق والإخلاص والقيام بلوازم الحضور، أو أدخلني في مجاري دلائل التوحيد وأخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة المدلول.

وقال صاحب الكشاف: أدخلني القبر إدخالاً مرضياً وأخرجني منه عند البعث ملقى بالكرامة.

يدل على هذا التفسير ذكره على أثر ذكر البعث ﴿ واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ﴾ حجة ظاهرة تنصرني بها جميع من خالفني أو ملكاً وعزاً ناصراً للإسلام وذويه.

ثم شرفه باستجابة دعائه بقوله: ﴿ وقل جاء الحق ﴾ أي الإسلام ﴿ وزهق الباطل ﴾ اضمحل الشرك من زهقت نفسه إذا خرجت ﴿ إن الباطل كان زهوقاً ﴾ غير ثابت في كل وقت وإن اتفقت له دولة وصولة كانت كنار العرفج.

عن ابن مسعود أن النبي  دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً لقبائل العرب.

صنم كل - قوم بحيالهم - فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل.

فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعاً وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة - وكان من قوارير صفر - فقال: يا علي ارم به.

فحمله رسول الله  حتى صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا رجلاً أسحر من محمد فلا جرم كذبهم الله وصدق نبيه بقوله: ﴿ وننزل من القرآن ﴾ "من" للبيان كقوله: ﴿ من الأوثان  ﴾ أو للتبعيض أي ننزل ما هو شفاء.

وهو هذا القرآن أو بعض هذا الجنس.

وقيل: زائدة ولما كانت إزالة المرض مقدمة على السعي في تكميل موجبات الصحة ذكر كون القرآن شفاء من الأمراض الروحانية كالعقائد الفاسدة والأخلاق الدميمة ومن الأمراض الجسمانية أيضاً لما في قراءته من التيمن والبركة وحصول الشفاء للمرض كما قال  : "من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله" .

ثم بين أنه رحمة للمؤمنين لما فيه من كيفية اقتناص العلوم الجليلة والأخلاق الفاضلة التي بها يصل الإنسان إلى جوار الملائكة المقرّبين بل إلى جناب رب العالمين، ولما كان قبول القابل شرطاً في ظهور الأثر من الفاعل فلا جرم ﴿ لا يزيد ﴾ القرآن ﴿ الظالمين ﴾ الذي وضعوا التكذيب مقام التصديق والشك موضع الإيقان والاطمئنان ﴿ إلا خساراً ﴾ لأن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شراً فلا يزال سماع القرآن يزيد المشركين غيظاً وحنقاً ويدعوهم ذلك إلى زيادة ارتكاب الأعمال القبيحة وهلم جراً إلى أن يدفع الله مكرهم ونكرهم.

ثم ذكر قبح شيمة الإنسان الذي جبل عليه فقال: ﴿ وإذا أنعمنا على الإنسان ﴾ أي على هذا الجنس بالصحة والغنى.

وعن ابن عباس أنه الوليد بن المغيرة.

وفي التخصيص نظر إلا أن يكون سبب النزول ﴿ أعرض ونأى بجانبه ﴾ النأي البعد، والباء للتعدية أو للمصاحبة وهو تأكيد للإعراض، لأن الإعراض عن الشيء هو أن يوليه عرض وجهه أي ناحيته.

والنأي بالجانب أن يلوي عن عطفه ويوليه ظهره، أو أراد الاستكبار لأن هذا الفعل من شأن المستكبرين.

ومن قرأ ﴿ ناء ﴾ فإما من النوء بمعنى النهوض مستثقلاً.

وإما مقلوب كقولهم: "راء" في رأى.

﴿ وإذا مسه الشر ﴾ من مرض أو فقر ﴿ كان يؤساً ﴾ شديد اليأس من روح الله.

والحاصل أنه إن فاز بالمطلوب الدنيوي وظفر بالمقصود الدني نسي المنعم الحقيقي، وإن فاته شيء من ذلك استولى عليه الأسف حتى كاد يتلف أو يدنف، وكلتا الخصلتين مذمومة ولا مقتضى لهما إلا العجز والطيش وكل بقدر كما قال: ﴿ قل كل يعمل على شاكلته ﴾ أي كل واحد من الخلائق إنما يتيسر له أن يعمل على سيرته وطريقته التي تشاكل حاله التي جبل عليها من قولهم "طريق ذو شواكل" وهي الطرق التي تتشعب منه.

﴿ فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً ﴾ لأنه الذي خلق كل شيء ورباه وهو عالم بخاصية كل نفس وبمقتضى جوهرها المشرق، أو المظلم سواء قلنا إن النفوس مختلفة بالماهيات، أو هي متساوية الحقائق واختلاف أحوالها لاختلاف أمزجة أبدانها، كما أن الشمس تعقد الملك وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار وتسود وجهه.

ولما انجر الكلام إلى ذكر الإنسان وما جبل هو عليه لزم البحث عن ماهية الروح فلذلك قال: ﴿ ويسألونك عن الروح ﴾ ذكر المفسرون في سبب نزوله أن اليهود قالوا لقريش: سلوا محمداً عن ثلاث: عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح.

فإن أجاب عن الأولين وأبهم الثالثة فهو نبي لأن ذكر الروح مبهم في التوراة، وإن أجاب عن الكل أو سكت فليس بنبي.

فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح إذا قال: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ أي مما استأثر الله بعلمه فندموا على سؤالهم.

ومن الناس من طعن في هذه الرواية لوجوه منها: أن الروح ليس أعلى شأناً من الله  ، وإذا كانت معرفة الله  .

ممكنة بل حاصلة فما المانع من معرفة الروح: ومنها أن هذه المسألة تعرفها الفلاسفة والمتكلمون فكيف يليق بالنبي  أن يقول إني لا أعرفها مع وفور علمه وكمال معرفته؟

وكيف يصح ما روي عن ابن أبي بريدة لقد مضى النبي  وما يعلم الروح.

ومنها أن جعل الحكاية دليلاً على النبوة غير معقول.

ونحن نتقصى عن المسألة فنقول: السؤال عن الروح إما أن يكون عن حقيقته أو عن حال من أحواله ككونة متحيزاً أو غير متحيز، أو قديماً أو حادثاً أو باقياً بعد البدن أو فانياً، وعلى تقدير البقاء ما سعادته وشقاوته.

وبالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة.

وقوله  : ﴿ وسألونك عن الروح ﴾ ليس فيه ما يدل على تعيين شيء من هذه المسائل، فالأولى أن يحمل السؤال على السؤال عن الحقيقة لأن معرفة حقيقة النبي أهم وأقدم من معرفة حال من أحواله، فيكون قوله: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ رمز إلى أن الروح جوهر بسيط مجرد حصل بمجرد الأمر وهو قوله: ﴿ كن فيكون  ﴾ لأن الآية دلت على أن الروح من أمر الرب.

وقال في آخر سورة يس ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون  ﴾ ينتج أن الروح إذا أراده فإنما يقول له كن فيكون، ومنه يعلم أنه شيء مغاير للأجسام المتوقعة على المادة والمدة وللأعراض الموقوفة على الأجسام، وأنه بسيط محض وإلا لتوقف على انضمام أجزائه.

ولا يلزم من كون الروح كذلك كونه مشاركاً للباري  في الحقيقة، فإن الاشتراك في اللوازم لا يقتضي الاشتراك في الملزومات.

وليس في الآية دلالة على حدوث الروح إلا بحسب الذات، بل لمستدل أن يستدل بها على قدمه بالزمان إذا لو كان متوقفاً على الزمان لم يكن حاصلاً بمجرد الأمر والمفروض خلافه.

ولما كان أمر الروح مشتبهاً على الناس كلهم أو جلهم ختم الآية بقوله: ﴿ وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً ﴾ وذلك أن الإنسان وإن كمل علمه وكثرت معرفته بحقائق الأشياء ودقائقها فإن ما علم يكون أقل ما لم يعلم، فإذا نسب معلومه إلى معلومات الله المشار إليها بقوله: ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام  ﴾ ﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي  ﴾ كان كلا شيء فإنه لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلاً.

وقال بعض المفسرين: هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي  : قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة وقد تلوت: ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً  ﴾ فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله، وذكر الإمام فخر الدين الرازي أن قوله: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ يدل على أن الروح حادث لأن الأمر قد جاء بمعنى الفعل.

قال  : ﴿ وما أمر فرعون برشيد  ﴾ أي فعله وقال: ﴿ ولما جاء أمرنا  ﴾ أي فعلنا.

وإذا حصل الروح بفعل الله وتكوينه كان من المحدثات.

ثم ذكر حجة أخرى على حدوث الروح مستنبطة من قوله  : ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ ووجه تقريرها أن الإنسان بل روحه في مبدأ الفطرة خال عن العلوم والمعارف، ثم لا يزال يحصل له المعارف فهو دائماً في التبدل والتغير من النقصان إلى الكمال وكل متغير محدث.

ومنع كلية هذه القضية عند الخصم مشهور على أن حمل وقت قلة العلم على أول الفطرة تخصيص من غير دليل، مع أن ظاهر الآية يدل على أن الإنسان وإن أوتي حظاً من العلم وافراً، فإنه قليل بالإضافة إلى علم عالم الذات.

وقيل: الروح المذكور في الآية هو القرآن الذي تسبب لحياة الروح كأن القوم استعظموا أمره فسألوا إنه من جنس الشعر أو من جنس الكهانة فأجابهم الله  بأنه ليس من جنس كلام البشر وإنما هو كلام ظهر بأمر الله ووحيه وتنزيله.

وقيل: هو ملك في غاية العظم والشرف وهو المراد من قوله  : ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً  ﴾ ونقل عن علي  أن له سبعين ألف وجه، ولكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله  بتلك اللغات كلها ويخلق الله من كل تسبيحة ملكاً يطيرمع الملائكة يوم القيامة ولم يخلق الله خلقاً أعظم من الروح غير العرش، ولو شاء الله أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع بلقمة واحدة لفعل.

وأمثال هذه الروايات مسرحة إلى بقعة الإمكان ولا وجه للاعتراض عقلاً عليه.

وقال الحسن وقتادة: هذا الروح جبرائيل كأنهم سألوا الرسول كيف جبرائيل في نفسه وكيف قيامه بتبليغ الوحي؟

فأمر بأن يقول الروح من أمر ربي أن نزوله بأمر الرب كقوله: ﴿ ما نتنزل إلا بأمر ربك  ﴾ وقال مجاهد: الروح خلق ليسوا بالملائكة على صورة بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس يأكلون كما يأكل الناس، وليسوا بالناس.

وزيفت هذه الأقوال بأن صرف السؤال عن الروح الإنساني الذي تتوفر دواعي العقلاء على معرفته إلى أشياء مجهولة الوجود مستنكر.

واعلم أن للعقلاء في حقيقة الإنسان اختلافات كثيرة، وإذا كان حال العلم بأقرب الأشياء إلى الإنسان وهو نفسه هكذا، فما ظنك بما هو الأبعد!

ولنذكر بعض تلك المذاهب فلعل الحق يلوح في تضاعيف ذلك فنقول: العلم الضروري حاصل بوجود شيء يشير إليه كل واحد بقوله "أنا" فذلك المشار إليه إما أن يكونه جوهراً مفارقاً، أو جسماً هو هذه البنية، أو جسماً داخلاً فيها أو خارجاً عنها أو عرضاً.

أما المتكلمون فالجمهور منهم ذهبوا إلى أن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، وزيف بأن البدن دائماً في التغير والتبدل.

والمشار إليه بأنا واحد من أول العمر إلى آخره، وبأن الإنسان غير غافل عن نفسه حين ما يكون ذاهلاً عن أجزاء بدنه، بأن النصوص الواردة في القرآن والخبر كقوله عز من قائل: ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتاً بل أحياء  ﴾ ، ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي  ﴾ ﴿ النار يعرضون عليها غدواً أو عشياً ﴾ {الزمر: 46] وكقوله  : "أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران وقوله في خطبة طويلة: حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش ويقول يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال من حله وغير حله فالهناء لغيري والتبعة عليّ فاحذر وامثل ما حل بي" توجب مغايرة النفس للبدن، وبأن جميع فرق الدنيا من أرباب الملل والنحل يتصدقون عن موتاهم يزورونهم ويدعون لهم بالخير، وبأن الميت قد يرى في المنام فيخبر عن أمور غائبه وتكون كما أخبر، وبأن الإنسان قد يقطع عضو من أعضائه ويعلم يقيناً أنه هو الذي كان قبل ذلك، وبثبوت المسخ في حق طائفة من أهل الكتاب وليس المسخ إلا تغيير البنية مع بقاء الحقيقة، وبأن جبرائيل قد رؤي في صورة دحية، وإبليس رؤي في صورة الشيخ النجدي، فعلم أن لا عبرة بالبنية، وبأن الزاني يزني بفرجه فيضرب على ظهره، فعلم أن المتلذذ والمتألم شيء آخر سوى العضوين، وبأنا نعلم ضرورة أن العالم الفاهم للخطاب إنما هو في ناحية القلب ليس جملة البدن ولا شيئاً من الأعضاء.

أما إن قيل: الإنسان جسم هو في داخل البدن.

فاعلم أن أحداً من العقلاء لم يقل بأن الإنسان عبارة عن الأعضاء الكثيفة الصلبة التي غلبت عليها الأرضية كالعظم والغضروف والعصب والوتر والرباط والشحم واللحم والجلد، ولكن منهم من قال: إنه الجسم الذي غلب عليه المائية من الأخلاط الأربعة، أعني الدم بدليل أنه إذا خرج لزم الموت.

ومنهم من قال: إنه الذي غلب عليه الهوائية والنارية وهو الروح الذي في القلب، أو جزء لا يتجزأ في الدماغ، ومنهم من يقول: اختلطت بهذه الأرواح القلبية والدماغية أجزاء نارية مسماة بالحرارة الغريزية وهي الإنسان.

ومنهم من قال: إذا تكوّن بدن الإنسان وتم استعداده نفذت فيه أجرام سماوية نورانية لطيفة الجوهر على طبيعة ضوء الشمس غير قابلة للتبديل والتحويل ولا للتفرق والتمزق، نفوذاً يشبه نفوذ النار في الفحم والدهن في السمسم وماء الورد في الورد.

وهذا النفوذ هو المراد بقوله: ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ ثم إذا تولد في البدن من أخلاط غليظة منعت من سريان تلك الأجسام فيها، فانفصلت لذلك عن البدن فحينئذ يعرض الموت للجوهر.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: هذا مما ذهب إليه ثابت بن قرة وغيره وهو مذهب قوي شريف يجب التأمل فيه فإنه شديد المطابقة لما في الكتب الإلهية من أحوال الحياة والموت.

قلت: أما نفوذ الجوهر النوري في البدن كنفوذ الدهن في السمسم فمسلم، وأما أنه أجرام وأجسام ففيه نظر، واعلم أنه لم يذهب أحد إلى أن الإنسان جسم خارج عن البدن، ولا إلى أنه عرض حال في البدن إلا ما نقل عن الأطباء، وعن أبي الحسين البصري من المعتزلة، أن الإنسانية عبارة عن امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص وعلى نسبة معلومة تخص هذا الصنف.

ومن شيوخ المعتزلة من قال: الإنسان عبارة عن أجزاء مخصوصة بشرط كونها موصوفة بأعراض مخصوصة هي الحياة والعلم والقدرة.

ومنهم من قال: إنه يمتاز عن سائر الحيوانات بشكل جسده وهيئة أعضائه.

والصحيح من المذاهب عند أكثر علماء الإسلام - كالشيخ أبي القاسم الراغب الأصفهاني والشيخ أبي حامد الغزالي، من قدماء المعتزلة معمر بن عباد السلمي، ومن الشيعة الشيخ المفيد  ، ومن الكرامية جماعة، ومن الفلاسفة الإلهيين كلهم - أن الروح الإنساني جوهر مجرد ليس داخل العالم الجسماني ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، ولكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف كما أن إله العالم لا تعلق له بالعالم إلا على سبيل التصرف والتدبير، ومهما انقطعت علاقته عن البدن بقي البدن معطلاً ميتاً، واستدلوا على هذا المطلوب بحجج منها ما اختاره الإمام فخر الدين الرازي وهي لو كان الإنسان جوهراً متحيزاً لكان كونه متحيزاً عن ذاته المخصوصة إذ لو كان صفة قائمة بها لزم كون الشيء الواحد متحيزاً مرتين ولزم اجتماع المثلين.

وأيضاً لم يكن جعل أحدهما ذاتاً والآخر صفة أولى من العكس.

وأيضاً التحيز الثاني إن كان عين الذات فهو المقصود، وإن كان صفة لزم التسلسل، وإذا كان التحيز عين ذاته لزم أنه متى عرف ذاته عرف تحيزه لكنا قد نعرف ذاتنا مع الجهل بالتحيز والامتداد في الجهات الثلاث وذلك ظاهر عند الاختبار والامتحان، وإذا كان اللازم باطلاً فالملزوم منتفٍ وعورض بأنه لو كان الإنسان جَوهراً مجرداً لكان كل من عرف ذاته عرف تجرده وليس كذلك.

وأجيب بالفرق بين التحيز - وهو صفة ثبوتية - وبين التجرد وهو صفة سلبية، ومنها أن الشيء الذي يشير إليه كل واحداً بقوله: "أنا واحد" بالبديهة، ولأن الغضب مثلاً حالة نفسانية تحدث عند محاولة دفع المنافي مشروطاً بالشعور بكون الشيء منافياً.

فالذي يغضب لا بد أن يكون هو بعينه مدركاً، ولأن اشتغال الإنسان بالغضب وانصبابه إليه يمنعه من الاشتغال بالشهوة والانصباب إليها.

فعلمنا أنهما صفتان مختلفتان لجوهر واحد إذ لو كان لكل منهما مبدأ مستقل لم يكن اشتغال أحدهما بفعله مانعاً للآخر، وأيضاً شيئاً فقد يكون الإدراك سبباً لحصول الشهوة، وقد يكون سبباً للغضب، فعلمنا أن صاحب الإدراك بعينه هو صاحب الشهوة والغضب.

وأيضاً النفس لا يمكنها أن تتحرك بالإرادة إلا عند حصول الداعي ولا معنى للداعي إلا الشعور بخير يرغب في جذبه أو بشر يرغب في دفعه، وهذا يقتضي أن المتحرك بالإرادة هو بعينه المدرك للخير والشر واللذيذ والمؤذي والنافع والضار، وهو المبصر والسامع والشام والذائق واللامس والمتخّيل والمتفكر والمشتهي والغاضب بوساطة آلات مختلفة وقوى متغايرة.

وإذا ثبت ذلك فلو كانت النفس عبارة عن جملة البدن كان للكل أثر واحد، ولو كانت جزءاً من أجزاء البدن كانت قوة سارية في جميع أجزاء البدن، والوجود بخلاف الكل فحصل اليقين بأن النفس شيء مغاير لكل البدن ولكل جزء من أجزائه.

ومنها أن الاستقراء يدل على أحوال النفس بالضد من أحوال الجسد لأن الجسم إذا قبل شكل التثليث مثلاً امتنع أن يقبل حينئذ شكل التربيع ولا كذلك حال النفس، فإن إدراك كل صورة يعينها على إدراك ما عداها ولذلك يزداد الإنسان فهماً وذكاء بازدياد العلوم.

وأيضاً كثرة الأفكار توجب قوة للنفس وتستدعي استيلاء النفس على الدماغ وقد تصير أبدان أرباب الرياضة في غاية النحافة والهزال وتقوى نفوسهم بحيث لا يلتفتون إلى السلاطين وأصحاب الشوكة والقوة، ومما يختص بهذه الآية التي نحن في تفسيرها أن الروح لو كان جسماً منتقلاً من حالة إلى حالة لكان مساوياً للبدن في كونه متولداً من أجسام متغيرة من صفة إلى صفة، فحيث سئل رسول الله  عن الروح كان الأنسب أن يقول: إنه جسم كان كذا ثم صار كذا وكذا كما ذكر في كيفية تولد البدن أنه كان نطفة ثم صار علقة ثم مضغة إلى آخره.

والأحاديث الواردة في أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد تؤكد ذلك الرأي الذي ادعينا من أن النفس شيء مغاير للبدن ولأجزائه والله أعلم بحقائق الأمور.

قال أهل النظم: لما بين أنه ما أتاهم من العلم إلا القليل أراد يبين أنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل لقدر عليه فقال: ﴿ ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ﴾ قلت: في نسبة علم القرآن إلى القلة خروج من الأدب فالأولى في وجه النظم أن يقال: إنه لما كشف لهم الغطاء عن مسألة الروح، وبين أن ذلك من العلوم الإلهية التي لا نهاية لها لا من العلوم الإنسانية القليلة، وكان فيه بيان كمال علمه  ونقصان علم الإنسان، أراد أن يبين غاية قدرته ونهاية ضعف الإنسان أيضاً فبين أنه قادر على ذهاب القرآن ونحوه عن الصدور والمصاحف، وسيكون ذلك في آخر الزمان كما جاء في الروايات ثم لا يجد النبي - الذي هو أكمل أنواع الإنسان - من يتوكل عليه باسترداده فضلا عن غيره ﴿ إلاَّ رحمة من ربك ﴾ استثناء متصل أي إلا أن يرحمك بربك فيرده عليك كأن رحمته تتوكل عليه بالرد، أو منقطع معناه ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به ﴿ إن فضله ﴾ بإيحاء القرآن إليك ثم إبقائه عليك أو بهذا وبسائر الخصائص والمزايا ﴿ كان عليك كبيراً ﴾ وفيه أن نعمة القرآن وبقاءه محفوظاً في الصدور مسطوراً في الدفاتر من أجلّ النعم وأشرفها، فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن شكرها والقيام بمواجبها جعلنا الله ممن يراعي حق القرآن ويعمل بمقتضاه.

واحتج الكعبي بالآية على أن القرآن مخلوق لأن ما يمكن إزالته والذهاب به يستحيل أن يكون قديماً، وأجيب بأن إزالة العلم عن القلوب والذهاب بالنقوش الدالة عليه في المصاحف لا يوجب حدوث الكلام النفسي الذي هو محل النزاع.

ثم دل على أن الذي أوحى إليه ليس من جنس كلام المخلوقين فقال: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ الآية.

وقد مرّ وجه إعجاز القرآن في أوائل سورة البقرة.

فإن قيل: هب أنه ظهر عجز الإنسان عن معارضته فكيف يعرف عجز الجن عن معارضته، ولم لا يجوز أن يقال: إن الجن أعانوه على هذا التأليف سعياً في إضلال الخلق؟

وإخبار محمد بأنه ليس من كلام الجن يوجب الدور وليس لأحد أن يقول: إن الجن ليسوا بفصحاء، فكيف يعقل أن يكون القرآن كلامهم لأنا نقول: التحدي مع الجن إنما يحسن لو كانوا فصحاء؟

فالجواب أن عجز البشر عن معارضته يكفي في إثبات كونه معجزاً.

ثم إن الصادق لذي ثبت صدقه بظهور المعجز على وفق دعواه أخبر أن الجن أيضاً عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن فسقط السؤال بالكلية.

على أنه  قد أجاب عنه في آخر سورة الشعراء بقوله: ﴿ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين  ﴾ وسوف يجيء تفسيره إن شاء الله  .

قالت المعتزلة: التحدي بالقديم محال.

وأجيب بمثل ما مر أن محل النزاع هو الكلام النفس لا الألفاظ التي يقع التحدي بها وبفصاحتها.

ثم بين أنهم مع ظهور عجزهم بقوا مصرين على كفرهم فقال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ رددنا وكررنا ﴿ للناس في هذا القرآن من كل مثل ﴾ "من كل" معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه وذلك كدلائل التوحيد والنبوة والمعاد وكالقصص اللائقة وغيرها من المواعظ والنصائح.

﴿ فأبى أكثر الناس ﴾ فيه معنى النفي كأنه قيل: فلم يرضوا ﴿ إلا كفوراً ﴾ وجحوداً.

قال أهل البرهان: إنما لم يذكر الناس في أوائل السورة حين قال: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا  ﴾ لتقدم ذكرهم في السورة.

وذكرهم في "الكهف" إذا لم يجر ذكرهم وذكر الناس ههنا وإن جرى ذكرهم دفعاً للالتباس، لأن ذكر الجن أيضاً قد جرى وقدم للناس على قوله: ﴿ في هذا القرآن ﴾ كما قدمه في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ وأما في "الكهف" فعكس الترتيب لأن اليهود سألته عن قصة أصحاب الكهف وغيرها.

وقد أوحاها الله  إليه في القرآن فكانت العناية بالقرآن أكثر فكان تقديمه أجدر.

التأويل: ﴿ وإن كادوا ليفتنونك ﴾ أي من عمى قلوبهم ﴿ ولولا أن ثبتناك ﴾ بالقول الثابت وهو قول "لا إله إلا الله" إلى أن بلغت حقيقة "لا إله إلا الله" ﴿ شيئاً قليلاً ﴾ وإنما وصفه بالقلة لأن بشريته مغلوبة وروحانيته غالبة.

﴿ ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ أي نحيي نفسك وأذقناك عذاب حياتها واستيلائها على الروح ونميت قلبك.

وأذقناك عذاب مماته وضعف روحك وبعده عن الحق.

﴿ سنة من قد أرسلنا ﴾ أي جرت عادة الله  بأن يجعل لكل نبي عدواً يؤذيه ويمكر به.

ثم بين طريق خلاص الأنبياء والأولياء عن ورطة الابتلاء فقال: ﴿ أقم الصلاة ﴾ أي أدّها بالقلب الحاضر نهاراً وليلاً.

﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ بشواهد الحق بل الحق مشهود له.

ثم ﴿ أدخلني مدخل صدق ﴾ يعني السير في الله بالله ﴿ وأخرجني مخرج صدق ﴾ من حولي وأنانيتي ﴿ واجعل لي من لدنك ﴾ لا من لدن غيرك.

وفيه أن كل ذي مقام فإنه لا يصل إلى مقام إلا بسعي يلائم الوصول إلى ذلك المقام كقوله: ﴿ وسعى لها سعيها  ﴾ .

"روي أن رجلاً جاء إلى النبي  يعرض حاجة فقال  : ما تريد؟

فقال: مرافقتك في الجنة.

فقال  : أو غير ذلك؟

فقال الرجل: بلى مرافقتك في الجنة.

فقال النبي  : فأعني على نفسك بكثرة السجود" ﴿ جاء الحق ﴾ من الواردات والشواهد وتجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وزهق الباطل ﴾ وهو كل ما خلا الله من الموجودات ومن الخواطر كقوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ﴾ لأن كلام الحبيب طبيب القلوب إن الأحاديث من سلمى تسليني *** ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ قال العارفون: لله  عالمان: عالم الأمر الذي خلق لا من شيء، وعالم الخلق الذي خلق من شيء ويعبر عنهما بالآخرة والدنيا والملكوت والملك والغيب والشهادة.

والمعنى والصورة والباطن والظاهر والأرواح والأجسام، وما روي أنه  قال: "أول ما خلق الله جوهرة" - وفي رواية - "درّة فنظر إليها فذابت" "أول ما خلق الله اللوح" "أول ما خلق الله روحي" وفي رواية "نوري" "وأول ما خلق الله العقل" "وأول ما خلق الله القلم" وما قيل عن بعض السلف إن أول ما خلق الله على الإطلاق ملك كروبي.

فالأسماء مختلفة والمسمى واحد وهو روح النبي  .

فباعتبار أنه كان درة صدف الموجودات سمي درة وجوهرة، وباعتبار نورانيته سمي نوراً، وباعتبار وفور عقله سمي عقلاً، إذ قال له أقبل إلى الدنيا رحمة للعالمين فأقبل.

ثم قال له: أدبر أي ارجع إلى ربك فأدبر عن الدنيا ورجع إلى المعراج، ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إليّ منك، بك أعرف، وبك آخذ، يعني طاعة من أخذ منك الدين والشريعة، وبك أعطي أي بشفاعتك أعطي الدرجات العالية، وبك أعاقب الكافرين وبك أثبت المؤمنين.

وباعتبار جريان الأمور على وفق متابعته والاقتداء به سمي قلماً، وباعتبار غلبات صفات الملائكة عليه سمي ملكاً كروبياً، ولأن كل الأرواح خلقت من روحه كان أم الأرواح وروحها فلهذا قيل له "أمي".

وقد ورد في الحديث: "آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة" ولما كان الروح خليفة الله  اتصف بالأزلية دون الأبدية، ولما كان الجسد خليفة الروح فبالروح قوامه وقيامه لم يكن الجسد أزلياً ولا أبدياً إلا بتبعية الروح.

ثم أخبر عن عزة القرآن وغيرة الرحمن بقوله: ﴿ ولئن شئنا لنذهبن ﴾ الآية.

وفيه أنه لا يقدر على الإتيان والذهاب به إلا الله  لكنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ والمراد بالجن كل ما هو مستور عن العيون فيتناول الملائكة أيضاً.

وفيه أنه لا مثل لصفاته حتى الكلام كما أنه لا مثل لذاته والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .

يحتمل الأمر بإقامة الصلاة: الأمر بالدوام عليها واللزوم بها، أي: الزم بها وأدها.

أو اسم التمام والكمال، أي: أتممها وأكملها بالشرائط التي أمرت بها.

ويحتمل قوله: ﴿ أَقِمِ ﴾ : فعلها، ولم يفهم من قوله: ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ﴾ الانتصاب على ما ينصب الشيء ويقام به؛ فدلّ أنه لا يفهم من الخطاب ظاهره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ زوالها ﴿ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ ﴾ ، أي: إلى ظلمة الليل ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ ﴾ ، أي: صلاة الفجر، فيقول [بعض] الناس: في هذه الآية بيان أوقات الصلوات الخمس جميعاً؛ لأنه ذكر أول ما يجب من الصلاة وهي الظهر إلى ما ينتهي وهي الفجر؛ فعلى هذا التأويل ﴿ إِلَىٰ ﴾ لا تكون غاية، ولكن تكون كأنه قال: ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ ﴾ ، والله أعلم.

[وقوله - عز وجل -: ﴿ لِدُلُوكِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: دلوك الشمس: زوالها ﴿ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ ﴾ ، أي: إلى ظلمة الليل].

ومنهم من يقول: فيه ذكر صلوات النهار؛ لأنه ذكر دلوك الشمس، وهو زوالها ﴿ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ ﴾ ، وغسق الليل هو بدوّ ظلمة الليل.

فيدخل فيه الظهر والعصر؛ فعلى تأويل هذا يكون حرف ﴿ إِلَىٰ ﴾ غاية لا تدخل صلاة الليل فيه.

ثم تخصيص الخطاب لرسول الله  والأمر له بإقامة الصلاة يكون كأنه قال: (أقم لهم الصلاة)، فإن كان هذا، ففيه دلالة صحة صلاة القوم بصلاة الإمام، وتعلق صلاتهم بصلاة الإمام حيث قال: (أقم لهم الصلاة)، ولو كان كل أحد يقيم صلاة نفسه، لكان لا يقول: (أقم لهم الصلاة)، ولكن يقول (صل الصلاة)؛ فدلّ أنه على ما ذكرنا.

ثم قوله: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: أقم الصلاة للذي تدلك له الشمس [أي: تسجد] كقوله: ﴿ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ...

﴾ الآية [النحل: 48].

والثاني: أقم الصلاة للوقت الذي يتلو دلوك الشمس الصلاة [وأقم قراءة الصلاة].

ثم تخصيص الفجر لما ذكر حيث قال: ﴿ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ ، التخصيص لقرآن الفجر لأنه مشهود، والفرضية بها بقوله: أقم قرآن الصلاة على ما ذكرنا.

ثم قوله: ﴿ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ \[أي: لم يزل في علم الله كان مشهوداً، أو صار مشهوداً\]، ثم قال: ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ ﴾ : وهي صلاة الفجر، وإنما ذكر صلوات النهار فدخل صلوات الليل بقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ ﴾ ، لكنهم يقولون: إن التهجد بعد النوم، وقد يكره النوم قبل فعل المغرب والعشاء فلا يصح هذا.

ومنهم من يقول: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ غروبها، وهو قول عبد الله بن مسعود وغيره.

وقال بعضهم: فيه ذكر صلوات الليل؛ لأنه ذكر بدوّ ظلمة الليل، وذلك بالغروب، وقرآن الفجر وهو آخر ما ينتهي ظلمة الليل؛ لأنه يبقي ظلمة الليل إلى وقت الفراغ من الفجر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: القرآن يكون كناية عن صلاة الفجر، كأنه قال: أقم الصلاة لدلوك الشمس، وأقم - أيضاً - صلاة الفجر؛ لأنه نسق على الأول، ويحتمل قوله: ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ ﴾ ، أي: قراءة الفجر، أي: أقم قراءة الفجر.

ويجوز أن يقال: (القرآن) مكان (القراءة)، كقوله: ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ  ﴾ ، أي: قراءته.

ثم من الناس من احتج بفرضية القراءة في الصلاة بهذا؛ لأنه نسق على الأول على ما ذكرنا كأنه [قال] (أقم القراءة).

ومنهم من يقول: إنما حث على قراءة الفجر دون غيرها من الصلوات لما طول القراءة فيها لتقصيره عن الأربع؛ لأنه لم يجعل غيرها من الصلوات ركعتين فحث على قراءتها لهذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، أي: حرس الليل وحرس النهار، وعلى ذلك رويت الآثار عن رسول الله  وعن الصحابة.

وقوله: ﴿ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ : أي: قراءة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، على هذا حمله أهل التأويل، وعلى ذلك رويت الأخبار، وإلا جاز أن يقال فيه [بوجه] آخر: وهو أن تشهده القلوب والسمع والعقول؛ لأن ذلك الوقت هو وقت الفراغ عن جميع الأشغال والموانع التي تشغل عن الاستماع والفهم عنه ما لا يكون ذلك الفراغ لغيرها من الصلوات من صلاة المغرب والعشاء؛ لأنها بقرب من الأشغال والحوائج، ألا ترى أن الجهر بالقراءة إنما جعل في الأوقات التي هي أوقات الفراغ عن الاشتغال: وهي المغرب والعشاء، ثم وقت الفجر هو أخلى وقت عن غيره؛ لأنه بعد فراغ النوم، وقبل هجوم وقت التقلب، فالقراءة فيها والقلوب أشهد لها، لكن أهل التأويل صرفوا ذلك إلى ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ .

قال بعضهم: النافلة: الغنيمة، كقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ  ﴾ ، أي: الغنائم، وقوله - عز وجل -: ﴿ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ ، أي: غنيمة لك تغنم بها غنائم أو كلام نحو هذا.

وقال الحسن: قوله: ﴿ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ : أي: خالصة لك، وخلوصها له وهو ألا يغفل هو عن شيء منها في حال من الأحوال، وغيره من الناس يغفلون فيها عن أشياء.

وقال بعضهم: ذكر أنه نافلة له؛ لأنه كان مغفوراً له فما يعمل يكون له نافلة، وأما غيره فإن ما يعمل من الخيرات يكون كفارة لذنوبهم فلا يكون لهم نافلة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ .

قال: ﴿ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ ، تحمد عاقبته بالتهجد، أي: يبعثك ربك مقاماً تحمد أنت تلك العاقبة جزاء بتهجدك في الدنيا.

وقال بعضهم: ﴿ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ ما يحمده كل الخلائق الأولون والآخرون.

وقال بعضهم: ﴿ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ هو مقام الشفاعة، والله أعلم، أي: تشفع لأمتك وأهل العصيان منهم.

وجائز أن يكون هو صلة قوله - ما تقدم من قوله: ﴿ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً  ﴾ ، وما ذكر من المواعيد لما سمع هذا وقرع سمعه أخافه ذلك وأفزعه؛ فنزل قوله: ﴿ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ إن عبدت الله وأطعته في جميع أموره ونواهيه، وأقمت له الصلاة والصيام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ : ظاهر هذا الخطاب يكون لرسول الله  حيث أمره أن يدعو بما ذكر، وقد عرف هو ما أمره من الدعاء بقوله: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ ، فلا حاجة تقع لنا إلى أن نطلب المراد من ذلك، إلا أن يكون لغير في ذلك اشتراك، فعند ذلك يتكلف فيه ويطلب المراد منه.

وقد تكلم أهل التأويل في ذلك.

قال بعضهم: قوله: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ ، كان النبي  بمكة ثم أمر بالهجرة منها إلى المدينة وأمر أن يدعو بهذا الدعاء: (رب أدخلني في المدينة مدخل صدق آمنا على زعم اليهود، وأخرجني من المدينة إلى مكة مخرج صدق على زعم كفار مكة ظاهراً عليهم)؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً ﴾ عليهم ففعل الله ذلك له وأجابه، وقد ذكرنا في غير موضع أن حرف (السلطان) يتوجه إلى وجوه ثلاثة: يكون مرة عبارة عن حجة قاهرة غالبة.

ويكون عبارة عن ولاية نافذة غالبة.

ويكون عبارة عن اليد الغالبة الظاهرة أيضاً، وقد كان - بحمد الله ومنته - لرسول الله على الكفرة ذلك كله.

وقال بعضهم: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ في مكة؛ ليعلم أهل مكة أني قد بلغت الرسالة ﴿ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ ؛ ليعلم يهود المدينة أني نصرت وبلغت ما أمرت به.

وقال الحسن: أخرجني من مكة مخرج صدق.

وأدخلني في الجنة مدخل صدق.

وقال بعضهم: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ فيما حملتني من الرسالة والنبوة، وما أمرتني به لأؤديها على ما أمرتني، وأبلغ الرسالة إلى الخلق على ما كلفتني، ﴿ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ ، أي: أخرجني مما كلفتني سالماً لا تبعة علي، أو كلام نحوه.

وأصله: كأنه أمره أن يسأل ربه الصدق في جميع أفعاله وأقواله؛ وفي جميع ما يعبده به من الدخول في أمر أو الخروج منه؛ إذ لا يخلو العبد من هذين: من الدخول في أمر والخروج منه، سأله الصدق في كل حال وكل دخول وكل خروج.

وقال مجاهد: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ في الرسالة والنبوة، وهو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً ﴾ .

قال بعضهم: حجة منه، وقد أقامها على الكفرة.

وقال بعضهم: ﴿ سُلْطَاناً نَّصِيراً ﴾ ، أي: اجعل في قلوب الناس هيبة، ليهابوني، وقد كان من الهيبة بحيث هابوه من مسيرة شهرين.

وقال بعضهم: هو السلطان الذي ينصرون به الدين، ويقيمون الحدود والأحكام ونحوه.

وقيل: السلطان: هو إقامة الحدود والأحكام والشرائع، وهو تفسير الولاية؛ لأنه بالولاية ما يقيمها، وهو ما ذكرنا: أن الولاية إقامة الأحكام.

ثم قيل في الصدق والإخلاص: قال بعضهم: الإخلاص: هو ألا يجعل الشخص بقلبه نصيباً لأحد سواه، والصدق وإن جعل لا يجد لذلك لذة، الصدق عندنا أن يجعل الفضل في جميع أفعاله لله لا يجعل لنفسه شيئاً من الفضل، وعلى ذلك يلزمه الشكر لربّه في جميع خيراته.

وعن الحسن قال: لما مكر كفار مكة برسول الله  ؛ ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، فأراد الله بقاء أهل مكة، فأمر نبيه أن يخرج منها مهاجراً إلى المدينة، وعلمه ما يقول، فأنزل الله: ﴿ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً ﴾ ؛ وعده الله لينزعن ملك فارس والروم ويجعله لأمته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ ﴾ وهو الإسلام.

وقيل: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ ﴾ : القرآن.

وقيل: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: محمد.

أو يقول: جاءت آثار الحق فذهب الباطل وآثاره.

أو جاءت حجج الحق وبراهينه وذهبت شبه الباطل وتمويهاته، والحق: يحتمل ما ذكرنا من الإسلام ورسول الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ ، أي: ذهب وبطل غيره من الأديان، وغيره من المذاهب، وعبادة الأصنام ونحو ذلك.

قالوا: وأصله: أن الناس كانوا في حيرة وتيه قبل بعث الرسول؛ لما كانوا فقدوا دين الله وسبيله منذ كان رفع عيسى من الأرض إلى السماء لا يجدون سبيل الله، ولا يهتدون إلى شيء، حيارى، حزانى حتى بعث الله محمداً، ليدعوهم إلى دين الله، ويبين لهم سبيله الذي كان يتمسك به الأنبياء من قبله، ويخرجهم من تلك الحيرة التي كانوا فيه، ففعل  ؛ فذلك الذي قال الله  : ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ ، أي: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ ﴾ الذي [كانوا] فقدوه فسرُّوا بذلك، ﴿ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ ، أي: ذهب واضمحل، ﴿ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾ ، أي: ذاهباً مضمحلاً، لا يجدي خيراً، ولا يعقب لأهله نفعاً، والحق هو الذي يعقب ويجدي نفعاً لأهله.

ثم قوله: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ لم يفهم أهل الخطاب بمجيء الحق: الانتقال من مكان إلى مكان، ولا بذهاب الباطل على ما يفهم من مجيء فلان وذهاب فلان، بل فهموا من مجيء الحق ظهوره وعلوه، وفهموا من زهوق الباطل وذهابه: فناه واضمحلاله وتلاشيه، وعلى ذلك لم يفهموا من مجيء الأعراض ما فهموا من مجيء الأجسام والأجساد؛ فعلى ذلك لا يجب أن يفهموا من قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ  ﴾ : الانتقال من مكان إلى مكان؛ وكذلك لا يفهم من قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ  ﴾ استواء الخلق، ولا من نزوله: نزول الخلق؛ على ما لم يفهم مما أضيف إلى الأعراض من الأفعال ما فهموا من الأجساد والأجسام، بل فهموا [من الله غير الذي فهموا من الآخر]؛ فعلى ذلك لا يفهم مما أضيف إلى الله  ما يفهم مما أضيف إلى الخلق، بل يتعالى عن أن يشبه الخلق أو يشبهه الخلق في معنى من المعاني، أو في وجه من الوجوه، بل هو كما وصف نفسه؛ ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ سُبْحَٰنَهُ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ  ﴾ وتعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ ﴾ ، كأن الآية نزلت في ابتداء الأمر، حيث قال: ﴿ وَنُنَزِّلُ ﴾ ولم يقل: (ونزلنا من القرآن ما هو شفاء).

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ ﴾ : نفس القرآن، وهو ما ذكرنا.

ويحتمل المواعيد التي في القرآن من وقائع تكون عليهم، وكأن في ذلك شفاء للمؤمنين، كقوله: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 14].

أو نقول بأنه يجوز (نفعل) بمعنى (فعلنا)، وذلك كثير في القرآن.

ثم قوله: ﴿ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: شفاء للمستشفين في الدنيا، ورحمة لمن تمسك به في الآخرة، فيه شفاء لمن استشفاه في الدنيا، ورحمة في الآخرة لمن تمسّك به، وعمى وخسار وظلمة لمن أعرض عنه، ونظر إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء [والاستثقال]، وأما من نظر إليه بعين التعظيم والإجلال فهو له شفاء ورحمة وإن كان القرآن نفسه شفاء ونوراً، وهكذا في الشاهد أن من أبصر شيئاً إنما يبصر بنور البصر وبنور الهواء بارتفاع ما يستر النورين جميعاً؛ لأنه إذا كان عمى البصر لم يبصر شيئاً، وإن كان نور الهواء متجلياً وكذلك لا يبصر إذا كان نور البصر متجلياً، بعد أن سترت الظلمة نور الهواء.

فإن كان ما ذكرنا أنه لا يبصر في الشاهد شيئاً إلا بنورين: نور البصر، ونور الهواء، فالكافر لم يبصر نور القرآن وشفاءه؛ لما سترت الظلمة نور قلبه، والمؤمن أبصر نوره وشفاءه بنور إيمانه، وهكذا الأدوية؛ فإنها لا تجدي نفعاً وإن كانت نافعة شافية في أنفسها إلا بقبول الطبيعة؛ لأن الطبع إذا لم يقبلها وإن كانت نافعة شافية - لم تنفع صاحبها، ولم تكن له شفاء، وصارت كأنها في الأصل كانت ضارة غير شافية؛ فعلى ذلك القرآن - وإن كان في نفسه شفاء ونوراً - ضار للكافر عمى وخساراً، كأن لا شفاء فيه ولا رحمة لما سترت ظلمة الكفر نوره فصار كالزائد رجساً وطغياناً ونفوراً، وهو ما قال: ﴿ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ونُنزِّل من القرآن ما هو شفاءً للقلوب من الجهل والكفر والشك، وما هو شفاء للأبدان إذا رقيت به، وما هو رحمة للمؤمنين العاملين به، ولا يزيد هذا القرآن الكفار إلا هلاكًا؛ لأن سماعه يغيظهم، ويزيدهم تكذيبًا وإعراضًا عنه.

<div class="verse-tafsir" id="91.dB8ZM"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله