الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٨٣ من سورة الإسراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 111 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٣ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى عن نقص الإنسان من حيث هو ، إلا من عصم الله تعالى في حالتي سرائه وضرائه ، بأنه إذا أنعم الله عليه بمال وعافية ، وفتح ورزق ونصر ، ونال ما يريد ، أعرض عن طاعة الله وعبادته ونأى بجانبه .
قال مجاهد : بعد عنا .
قلت : وهذا كقوله تعالى : ( فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ) [ يونس : 12 ] ، وقوله ) فلما نجاكم إلى البر أعرضتم ) [ الإسراء : 67 ] .
وبأنه إذا مسه الشر - وهو المصائب والحوادث والنوائب - ( كان يئوسا ) أي : قنط أن يعود يحصل له بعد ذلك خير ، كما قال تعالى : ( ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير ) [ هود : 10 ، 11 ] .
يقول تبارك وتعالى: وإذا أنعمنا على الإنسان، فنجَّيناه من كرب ما هو فيه في البحر، وهو ما قد أشرف فيه عليه من الهلاك بعصوف الريح عليه إلى البرّ، وغير ذلك من نعمنا، أعرض عن ذكرنا، وقد كان بنا مستغيثا دون كلّ أحد سوانا في حال الشدّة التي كان فيها( وَنَأَى بِجَانِبِهِ ) يقول: وبعد منا بجانبه، يعني بنفسه، كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ قبل ذلك.
كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن مجاهد ، في قوله ( وَنَأَى بِجَانِبِهِ ) قال: تباعد منا.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
والقراءة على تصيير الهمزة في نَأَى قبل الألف، وهي اللغة الفصيحة، وبها نقرأ.
وكان بعض أهل المدينة يقرأ ذلك " ونَاء " فيصير الهمزة بعد الألف، وذلك وإن كان لغة جائزة قد جاءت عن العرب بتقديمهم في نظائر ذلك الهمز في موضع هو فيه مؤخرّ، وتأخيرهموه في موضع، هو مقدّم، كما قال الشاعر: أعـــلامٌ يُقَلِّـــلُ رَاءَ رُؤْيـــا فَهْـوَ يَهْـذِي بِمـا رأى فِـي المَنـامِ (9) وكما قال آبار وهي أبآر، فقدموا الهمزة، فليس ذلك هو اللغة الجُودَى، بل الأخرى هي الفصيحة.
وقوله عزّ وجلّ( وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ) يقول: وإذا مسه الشرّ والشدّة كان قنوطا من الفرج والروْح.
وبنحو الذي قلنا في اليئوس، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا عليّ بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ) يقول: قَنُوطا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ) يقول: إذا مسه الشرّ أَيِس وقَنِط.
--------------------- الهوامش : (9) هكذا جاء هذا البيت في الأصول، ولم نهتد إلى قائله بعد بحث، وهو من بحر الخفيف، وفيه تحريف في شطره الأول.
ولعل الصواب في روايته هكذا: أم غـــلامٌ مُضلــل راء رُؤْيــا فَهْـوَ يَهْـذِي بِمـا رأى فِـي المنَـامِ أما محل الشاهد في البيت فسليم، في قوله "راء" فإنه مقلوب رأى، قدمت اللام على العين، وهو في تقدير "فلع" والدليل على ذلك أن مصدر الفعلين واحد هو الرؤيا، ومثله في القلب: "ناء" ومصدرهما النأي.
قوله تعالى : وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا [ ص: 289 ] قوله تعالى : وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه أي هؤلاء الذين يزيدهم القرآن خسارا صفتهم الإعراض عن تدبر آيات الله والكفران لنعمه .
وقيل : نزلت في الوليد بن المغيرة .
ومعنى نأى بجانبه أي تكبر وتباعد .
وناء مقلوب منه ; والمعنى : بعد عن القيام بحقوق الله - عز وجل - ; يقال : نأى الشيء أي بعد .
ونأيته ونأيت عنه بمعنى ، أي بعدت .
وأنأيته فانتأى ; أي أبعدته فبعد .
وتناءوا تباعدوا .
والمنتأى : الموضع البعيد .
قال النابغة :فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسعوقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان ناء مثل باع ، الهمزة مؤخرة ، وهو على طريقة القلب من نأى ; كما يقال : راء ورأى .
وقيل : هو من النوء وهو النهوض والقيام .
وقد يقال أيضا للوقوع والجلوس نوء ; وهو من الأضداد .
وقرئ " ونئي " بفتح النون وكسر الهمزة .
والعامة نأى في وزن رأى .وإذا مسه الشر كان يئوسا أي إذا ناله شدة من فقر أو سقم أو بؤس يئس وقنط ; لأنه لا يثق بفضل الله - تعالى - .
هذه طبيعة الإنسان من حيث هو، إلا من هداه الله، فإن الإنسان- عند إنعام الله عليه - يفرح بالنعم ويبطر بها، ويعرض وينأى بجانبه عن ربه، فلا يشكره ولا يذكره.
{ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ } كالمرض ونحوه { كَانَ يَئُوسًا } من الخير قد قطع ربه رجاءه، وظن أن ما هو فيه دائم أبدًا.
وأما من هداه الله فإنه- عند النعم -يخضع لربه، ويشكر نعمته، وعند الضراء يتضرع، ويرجو من الله عافيته، وإزالة ما يقع فيه، وبذلك يخف عليه البلاء.
قوله تعالى : ( وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ) عن ذكرنا ودعائنا ( ونأى بجانبه ) أي تباعد عنا بنفسه أي ترك التقرب إلى الله بالدعاء وقال عطاء : تعظم وتكبر .
ويكسر النون والهمزة حمزة والكسائي ويفتح النون ويكسر الهمزة أبو بكر وقرأ ابن عامر وأبو جعفر " وناء " مثل جاء قيل : هو بمعنى نأى وقيل : ناء من النوء وهو النهوض والقيام .
( وإذا مسه الشر ) الشدة والضرر ( كان يئوسا ) أي آيسا قنوطا .
وقيل : معناه أنه يتضرع ويدعو عند الضر والشدة فإذا تأخرت الإجابة يئس ولا ينبغي للمؤمن أن ييأس من الإجابة وإن تأخرت فيدع الدعاء .
«وإذا أنعمنا على الإنسان» الكافر «أعرض» عن الشكر «ونأى بجانبه» ثنى عطفه متبخترا «وإذا مسه الشر» الفقر والشدة «كان يؤوسا» قنوطا من رحمة الله.
وإذا أنعمنا على الإنسان من حيث هو بمال وعافية ونحوهما، تولَّى وتباعد عن طاعة ربه، وإذا أصابته شدة مِن فقر أو مرض كان قنوطًا؛ لأنه لا يثق بفضل الله تعالى، إلا من عصم الله في حالتي سرَّائه وضرَّائه.
ثم صور - سبحانه - حال الإِنسان عند اليسر والعسر ، وعند الرخاء والشدة فقال - تعالى - : ( وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشر كَانَ يَئُوساً ) .أى : ( وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان ) بنعمة الصحة والغنى وما يشبههما مما يسره ويبهجه ( أعرض ) عن طاعتنا وشكرنا ( ونأى بجانبه ) أى : وابتعد عنا ، وولانا ظهره والنأى : البعد ، يقال : مكان ناء ، أى بعيد ، ونأى فلان عن الشئ نأيا : إذا ابتعد عنه .وقوله - تعالى - : ( نأى بجانبه ) تأكيد للإِعراض ، لأن الإِعراض عن الشئ أن يوليه عرض وجهه ، والنأى بالجانب : أن يلوى عنه عطفه ، ويوليه ظهره ، ويظهر الاستكبار والغرور .
وقوله - تعالى - : ( وَإِذَا مَسَّهُ الشر كَانَ يَئُوساً ) أى : وإذا مس الشر هذا الإِنسان من فقر أو مرض ، كان يئوسا وقنوطًا من رحمه الله - تعالى - .فهو فى حالة الصحة والغنى يبطر ويتكبر ويطغى .
وفى حالة الفقر والمرض ييئس ويقنط ويستولى عليه الحزن والهم .والمراد بالإِنسان هنا جنسه ، إذ ليس جميع الناس على هذه الحالة ، وإنما منهم المؤمنون الصادقون الذين يشكرون الله - تعالى - على نعمه ، ويذكرونه ويطيعونه فى السراء والضراء .قال - تعالى - : ( وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السيئات عني إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أولئك لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ) فأنت ترى أن الله - تعالى - قد استثنى الذين صبروا وعملوا الصالحات ، من رذيلة الجحود عند اليسر ، واليأس عند العسر .قال الآلوسى ما ملخصه : والمراد بالإِنسان فى قوله - تعالى - ( وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ .
.
.
) جنسه ، إذ يكفى فى صحة الحكم وجوده فى بعض الأفراد ، ولا يضر وجود نقيض فى البعض الآخر ، وقيل : المراد به الوليد بن المغيرة .
اعلم أنه تعالى لما أطنب في شرح الإلهيات والنبوات والحشر والمعاد والبعث وإثبات القضاء والقدر ثم أتبعه بالأمر بالصلاة ونبه على ما فيها من الأسرار، وإنما ذكر كل ذلك في القرآن أتبعه ببيان كون القرآن شفاء ورحمة فقال: ﴿ وَنُنَزّلُ مِنَ القرءان مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ ﴾ ولفظة ﴿ من ﴾ هاهنا ليست للتبعيض بل هي للجنس كقوله: ﴿ فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان ﴾ والمعنى وننزل من هذا الجنس الذي هو قرآن ما هو شفاء.
فجميع القرآن شفاء للمؤمنين، واعلم أن القرآن شفاء من الأمراض الروحانية، وشفاء أيضاً من الأمراض الجسمانية، أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية فظاهر، وذلك لأن الأمراض الروحانية نوعان: الاعتقادات الباطلة والأخلاق المذمومة، أما الاعتقادات الباطلة فأشدها فساداً الاعتقادات الفاسدة في الإلهيات والنبوات والمعاد والقضاء والقدر والقرآن كتاب مشتمل على دلائل المذهب الحق في هذه المطالب، وإبطال المذاهب الباطلة فيها، ولما كان أقوى الأمراض الروحانية هو الخطأ في هذه المطالب والقرآن مشتمل على الدلائل الكاشفة عما في هذه المذاهب الباطلة من العيوب الباطنة لا جرم كان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض الروحاني.
وأما الأخلاق المذمومة فالقرآن مشتمل على تفصيلها وتعريف ما فيها من المفاسد والإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة الكاملة والأعمال المحمودة فكان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض فثبت أن القرآن شفاء من جميع الأمراض الروحانية، وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية فلأن التبرك بقراءته يدفع كثيراً من الأمراض.
ولما اعترف الجمهور من الفلاسفة وأصحاب الطلسمات بأن لقراءة الرقي المجهولة والعزائم التي لا يفهم منها شيء آثاراً عظيمة في تحصيل المنافع ودفع المفاسد، فلأن تكون قراءة هذا القرآن العظيم المشتمل على ذكر الله وكبريائه وتعظيم الملائكة المقربين وتحقير المردة والشياطين سبباً لحصول النفع في الدين والدنيا كان أولى ويتأكد ما ذكرنا بما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله تعالى».
وأما كونه رحمة للمؤمنين فاعلم أنا بينا أن الأرواح البشرية مريضة بسبب العقائد الباطلة والأخلاق الفاسدة والقرآن قسمان بعضهما يفيد الخلاص عن شبهات الضالين وتمويهات المبطلين وهو الشفاء.
وبعضهما يفيد تعليم كيفية اكتساب العلوم العالية، والأخلاق الفاضلة التي بها يصل الإنسان إلى جوار رب العالمين، والاختلاط بزمرة الملائكة المقربين وهو الرحمة، ولما كان إزالة المرض مقدمة على السعي في تكميل موجبات الصحة لا جرم بدأ الله تعالى في هذه الآية بذكر الشفاء ثم أتبعه بذكر الرحمة، واعلم أنه تعالى لما بين كون القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين بين كونه سبباً للخسار والضلال في حق الظالمين والمراد به المشركون وإنما كان كذلك لأن سماع القرآن يزيدهم غيظاً وغضباً وحقداً وحسداً وهذه الأخلاق الذميمة تدعوهم إلى الأعمال الباطلة وتزيد في تقوية تلك الأخلاق الفاسدة في جواهر نفوسهم ثم لا يزال الخلق الخبيث النفساني يحمل على الأعمال الفاسدة والإتيان بتلك الأعمال يقوي تلك الأخلاق فبهذا الطريق يصير القرآن سبباً لتزايد هؤلاء المشركين الضالين في درجات الخزي والضلال والفساد والنكال ثم إنه تعالى ذكر السبب الأصلي في وقوع هؤلا الجاهلين الضالين في أودية الضلال ومقامات الخزي والنكال وهو حب الدنيا والرغبة في المال والجاه واعتقادهم أن ذلك إنما يحصل بسبب جدهم واجتهادهم فقال: ﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ﴾ وفيه مباحث: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الإنسان هاهنا هو الوليد بن المغيرة وهذا بعيد، بل المراد أن نوع الإنسان من شأنه أنه إذا فاز بمقصوده ووصل إلى مطلوبه اغتر وصار غافلاً عن عبودية الله تعالى متمرداً عن طاعة الله كما قال: ﴿ كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَيَطْغَىٰٓ أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ ﴾ .
البحث الثاني: قوله: ﴿ أعرض ﴾ أي ولى ظهره أي عرضه إلى ناحية ونأى بجانبه أي تباعد، ومعنى النأي في اللغة البعد والإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه والنأي بالجانب أن يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره وأراد الاستكبار لأن ذلك عادة المتكبرين وفي قوله: ﴿ نأى ﴾ قراءات.
إحداها: وهي قراءة العامة بفتح النون والهمزة وفي حم السجدة مثله وهي اللغة الغالبة والنأي البعد يقال نأى أي بعد.
وثانيها: قراءة ابن عامر ناء وله وجهان تقديم اللام على العين كقولهم راء في رأى ويجوز أن يكون من نأى بمعنى نهض.
وثالثها: قراءة حمزة والكسائي بإمالة الفتحتين وذلك لأنهم أمالوا الهمزة من نأى ثم كسروا النون إتباعاً للكسرة مثل رأى.
ورابعها: قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ونصير عن الكسائي وحمزة نأى بفتح النون وكسر الهمزة على الأصل في فتح النون وإمالة الهمزة.
ثم قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ الشر كَانَ يؤوساً ﴾ أي إذا مسه فقر أو مرض أو نازلة من النوازل كان يؤوساً شديد اليأس من رحمة الله: ﴿ وَلاَ ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ والحاصل أنه إن فاز بالنعمة والدولة اغتر بها فنسي ذكر الله، وإن بقي في الحرمان عن الدنيا استولى عليه الأسف والحزن ولم يتفرغ لذكر الله تعالى فهذا المسكين محروم أبداً عن ذكر الله ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبّى أَكْرَمَنِ ﴾ إلى قوله: ﴿ رَبّى أَهَانَنِ ﴾ وكذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ ﴾ قال الزجاج: الشاكلة الطريقة والمذهب.
والدليل عليه أنه يقال هذا طريق ذو شواكل أي يتشعب منه طرق كثيرة ثم الذي يقوي عندي أن المراد من الآية ذلك قوله تعالى: ﴿ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً ﴾ وفيه وجه آخروهو أن المراد أن كل أحد يفعل على وفق ما شاكل جوهر نفسه ومقتضى روحه فإن كانت نفسه نفساً مشرقة خيرة طاهرة علوية صدرت عنه أفعال فاضلة كريمة وإن كانت نفسه نفساً كدرة نذلة خبيثة مضلة ظلمانية صدرت عنه أفعال خسيسة فاسدة، وأقول: العقلاء اختلفوا في أن النفوس الناطقة البشرية هل هي مختلفة بالماهية أم لا؟
منهم من قال: إنها مختلفة بالماهية وإن اختلاف أفعالها وأحوالها لأجل اختلاف جواهرها وماهياتها، ومنهم من قال إنها متساوية في الماهية واختلاف أفعالها لأجل اختلاف أمزجتها.
والمختار عندي هو القسم الأول والقرآن مشعر بذلك، وذلك لأنه تعالى بين في الآية المتقدمة أن القرآن بالنسبة إلى البعض يفيد الشفاء والرحمة وبالنسبة إلى أقوام آخرين يفيد الخسارة والخزي ثم أتبعه بقوله: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ ﴾ ومعناه أن اللائق بتلك النفوس الطاهرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الذكاء والكمال، وبتلك النفوس الكدرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الخزي والضلال كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار وتسود وجهه.
وهذا الكلام إنما يتم المقصود منه إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة بماهياتها فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن نور على نور وبعضها كدرة ظلمانية يظهر فيها من القرآن ضلال على ضلال ونكال على نكال.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان ﴾ بالصحة والسعة ﴿ أَعْرَضَ ﴾ عن ذكر الله، كأنه مستغن عنه مستبدّ بنفسه ﴿ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ﴾ تأكيد للإعراض: لأنّ الإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه.
والنأي بالجانب: أن يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره، وأراد الاستكبار؛ لأنّ ذلك من عادة المستكبرين ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ الشر ﴾ من فقر أو مرض أو نازلة من النوازل ﴿ كَانَ يَئُوساً ﴾ شديد اليأس من روح الله ﴿ إنه لاييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ وقرئ ﴿ وناء بجانبه ﴾ بتقديم اللام على العين، كقوله (راء) في (رأى) ويجوز أن يكون من (ناء) بمعنى (نهض) ﴿ قُلْ كُلٌّ ﴾ أحد ﴿ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ ﴾ أي على مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلالة، من قولهم (طريق ذو شواكل) وهي الطرق التي تتشعب منه، والدليل عليه قوله: ﴿ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً ﴾ أي أسدّ مذهباً وطريقة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ ﴾ بِالصِّحَّةِ والسِّعَةِ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
﴿ وَنَأى بِجانِبِهِ ﴾ لَوى عِطْفَهُ وبَعُدَ بِنَفْسِهِ عَنْهُ كَأنَّهُ مُسْتَغْنٍ مُسْتَبِدٌّ بِأمْرِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الِاسْتِكْبارِ لِأنَّهُ مِن عادَةِ المُسْتَكْبِرِينَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ هُنا وفي « فُصِّلَتْ» (وَناءٍ) عَلى القَلْبِ أوْ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى نَهَضَ.
﴿ وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ ﴾ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ.
﴿ كانَ يَئُوسًا ﴾ شَدِيدَ اليَأْسِ مِن رُوحِ اللَّهِ.
﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ﴾ قُلْ كُلُّ أحَدٍ يَعْمَلُ عَلى طَرِيقَتِهِ الَّتِي تُشاكِلُ حالَهُ في الهُدى والضَّلالَةِ، أوْ جَوْهَرِ رُوحِهِ وأحْوالِهِ التّابِعَةِ لِمِزاجِ بَدَنِهِ.
﴿ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلا ﴾ أسَدُّ طَرِيقًا وأبْيَنُ مَنهَجًا، وقَدْ فُسِّرَتِ الشّاكِلَةُ بِالطَّبِيعَةِ والعادَةِ والدِّينِ.
<div class="verse-tafsir"
وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣)
{وإذا أنعمنا على الإنسان} بالصحة والسعة
الإسراء (٨٣ _ ٨٦)
{أَعْرَضَ} عن ذكر الله أو أنعمنا بالقرآن أعرض {وَنَأَى بِجَانِبِهِ} تأكيد للإعراض لأن الإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه والنأي بالجانب أن يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره أو أراد الاستكبار لأن ذلك من عادة المستكبرين نأى بالأمالة حمزة وبكسرها عليَّ {وَإِذَا مَسَّهُ الشر} الفقر والمرض أو نازلة من النوازل {كَانَ يؤوسا} شديد اليأس من روح الله
﴿ وإذا أنْعَمْنا ﴾ بِالصِّحَّةِ والسِّعَةِ ونَحْوِهِما ﴿ عَلى الإنْسانِ ﴾ أيْ: جِنْسِهِ فَيَكْفِي في صِحَّةِ الحُكْمِ وُجُودُهُ في بَعْضِ الأفْرادِ ولا يَضُرُّ وُجُودُ نَقِيضِهِ في البَعْضِ الآخَرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ ﴿ أعْرَضَ ﴾ عَنْ ذِكْرِنا كَأنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنّا فَضْلًا عَنِ القِيامِ بِمَواجِبِ شُكْرِنا ﴿ ونَأى بِجانِبِهِ ﴾ لَوى عَطْفَهُ عَنْ طاعَتِنا ووَلّاها ظَهْرَهُ، وأصْلُ مَعْنى النَّأْيِ البُعْدُ؛ وهو تَأْكِيدٌ لِلْإعْراضِ بِتَصْوِيرِ صُورَتِهِ فَهو أوْفى بِتَأْدِيَةِ المُرادِ مِنهُ، ومِثْلُهُ يَجُوزُ عَطْفُهُ لِإيهامِ المُغايَرَةِ بَيْنَهُما وهو أبْلَغُ مِن تَرْكِ العَطْفِ عَلى ما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، عَلى أنَّ ما ذَكَرَهُ أهْلُ المَعانِي مِن أنَّ التَّأْكِيدَ يَتَعَيَّنُ فِيهِ تَرْكُ العَطْفِ لِكَمالِ الِاتِّصالِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، والجانِبُ عَلى ظاهِرِهِ والمُرادُ تَرْكُ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الِاسْتِكْبارِ؛ فَإنَّ ثَنْيَ العَطْفِ مِن أفْعالِ المُسْتَكْبِرِينَ ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالجانِبِ النَّفْسُ كَما يُقالُ جاءَ مِن جانِبِ فُلانٍ كَذا؛ أيْ: مِنهُ وهو كِنايَةٌ أيْضًا كَما يُعَبَّرُ بِالمَقامِ والمَجْلِسِ عَنْ صاحِبِهِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ «وناءَ» هُنا، وفي فُصِّلَتْ فَقِيلَ ذَلِكَ مِن بابِ القَلْبِ ووَضْعُ العَيْنِ مَحَلَّ اللّامِ كَراءٍ ووَراءٍ، وقِيلَ: لا قَلْبَ وناءَ بِمَعْنى نَهَضَ كَما في قَوْلِهِ: حَتّى إذا ما التَأمَتْ مَفاصِلُهُ وناءَ في شِقِّ الشِّمالِ كاهِلُهُ أيْ: نَهَضَ مُتَوَكِّئًا عَلى شِمالِهِ، وفُسِّرَ نَهَضَ هُنا بِأسْرَعَ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: أسْرَعَ بِصَرْفِ جانِبِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَثاقَلَ عَنْ أداءِ الشُّكْرِ فِعْلَ المُعْرِضِ ﴿ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ ﴾ مِن مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ أوْ نازِلَةٍ مِنَ النَّوازِلِ ﴿ كانَ يَئُوسًا ﴾ شَدِيدَ اليَأْسِ مِن رَحْمَتِنا لِأنَّهُ لَمْ يُحْسِنْ مُعامَلَتَنا في الرَّخاءِ حَتّى يَرْجُوَ فَضْلَنا في الشِّدَّةِ، وفي إسْنادِ المَساسِ إلى الشَّرِّ بَعْدَ إسْنادِ الإنْعامِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى إيذانٌ بِأنَّ الخَيْرَ مُرادٌ بِالذّاتِ والشَّرُّ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الكَرَمُ المُطْلَقُ والرَّحْمَةُ الواسِعَةُ وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ : ««اللَّهُمَّ إنَّ الخَيْرَ بِيَدَيْكَ والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ»».
ولِلْفَلاسِفَةِ ومِن يَحْذُو حَذْوَهم في ذَلِكَ بَحْثٌ طَوِيلٌ لا بَأْسَ بِالِاطِّلاعِ عَلَيْهِ لِيُؤْخَذَ مِنهُ ما صَفا ويُتْرَكَ مِنهُ ما كَدَرَ؛ قالُوا: إنَّ الأوَّلَ تَعالى تامُّ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ والعِلْمِ كامِلٌ في جَمِيعِ أفاعِيلِهِ، لا يُتَصَوَّرُ بُخْلُهُ بِإفاضَةِ الخَيْراتِ ولَيْسَ الدّاعِي لَهُ لِذَلِكَ إلّا عِلْمُهُ بِوُجُوهِ الخَيْرِ ومَصالِحِ الغَيْرِ الَّذِي هو عَيْنُ ذاتِهِ كَسائِرِ صِفاتِهِ، وأمّا النَّقائِصُ والشُّرُورُ الواقِعَةُ في ضَرْبٍ مِنَ المُمْكِناتِ وعَدَمُ وُصُولِها إلى كَمالِها المُتَصَوَّرِ في حَقِّها فَهي لِقُصُورِ قابِلِيّاتِها ونَقْصِ اسْتِعْداداتِها لا مِن بُخْلِ الحَقِّ تَعالى مَجْدُهُ عَنْ ذَلِكَ.
وقُصُورُ القابِلِيَّةِ يَنْتَهِي في الآخِرَةِ إلى لَوازِمِ الماهِيّاتِ الإمْكانِيَّةِ ومَنبَعُها الإمْكانُ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ الشَّرَّ يُطْلَقُ عُرْفًا عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما ما هو عَدَمٌ كالفَقْرِ والجَهْلِ البَسِيطِ وهَذا عَلى ضَرْبَيْنِ: الأوَّلُ عَدَمٌ مَحْضٌ لَيْسَ بِإزاءِ الوُجُودِ الَّذِي يَطْلُبُهُ طِباعُ الشَّيْءِ ولا مِمّا يُمْكِنُ حُصُولُهُ لَهُ مِنَ الكَمالاتِ والخَيْراتِ كَقُصُورِ المُمْكِنِ عَنِ الوُجُودِ الواجِبِيِّ والوُجُوبِ الذّاتِيِّ، وقُصُورُ بَعْضِ المُمْكِناتِ عَنْ بَعْضٍ كَقُصُورِ الأجْسامِ عَنِ النُّفُوسِ فالخَيْرُ الَّذِي يُقابِلُ هَذا مُنْحَصِرٌ في الواجِبِ تَعالى؛ إذْ لَهُ الكَمالُ المُطْلَقُ والوُجُودُ الحَقُّ بِلا جِهَةِ إمْكانِيَّةٍ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وما عَداهُ مِنَ المُهَيِّئاتِ المَعْرُوضَةِ لِلْوُجُودِ لا يَخْلُو مِن شَوْبِ شَرِّيَّةٍ ما وظُلْمَةٍ ما عَلى تَفاوُتِ إمْكاناتِهِمْ حَسْبَ تَفاوُتِ طَبَقاتِهِمْ في البُعْدِ عَنْ يَنْبُوعِ الوُجُودِ ومَطْلَعِ نُورِ الخَيْرِ والجُودِ، وهَذا الشَّرُّ مَنبَعُهُ الإمْكانُ الذّاتِيُّ، والثّانِي ما يَكُونُ عَدَمُ ما يَطْلُبُهُ الشَّيْءُ أوْ ما يُمْكِنُ حُصُولُهُ لَهُ مِنَ الكَمالاتِ ولا يُتَصَوَّرُ هَذا في غَيْرِ المادِّيّاتِ إذِ الإبْداعِيّاتُ يَكُونُ وُجُودُها عَلى أكْمَلِ ما يُتَصَوَّرُ في حَقِّها فَلا يَكُونُ لَها شَرِّيَّةٌ بِهَذا المَعْنى وما عَداها مِنَ المُتَعَلِّقَةِ بِالمادَّةِ لا تَخْلُو مِن شَرِّيَّةٍ عَلى تَفاوُتِ إمْكاناتِها الِاسْتِعْدادِيَّةِ بِحَسْبِ تَفاوُتِ مَراتِبِها في التَّعَلُّقِ بِالهَيُولى وهَذا الشَّرُّ مَنبَعُهُ الهَيُولى ومَنبَعُها الإمْكانُ؛ إذْ لَوْلاهُ ما صَدَرَتْ مِن مَصْدَرِها فَآلَ الشَّرُّ إلى الإمْكانِ كَما سَمِعْتَ أوَّلًا.
وثانِيهِما ما يَمْنَعُ الشَّيْءَ عَنِ الوُصُولِ إلى الخَيْرِ المُمْكِنِ في حَقِّهِ مِنَ الوُجُودِ أوْ كَمالِ الوُجُودِ كالبَرْدِ والحَرِّ المُفْسِدَيْنِ لِلثِّمارِ والمَطَرِ المانِعِ لِلْقِصارِ عَنْ تَبْيِيضِ الثِّيابِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ المانِعَةِ لِلنَّفْسِ عَنْ وُصُولِها إلى كَمالِها العَقْلِيِّ كالبُخْلِ والإسْرافِ والجَهْلِ المُرَكَّبِ والسَّفاهَةِ والأفْعالِ الذَّمِيمَةِ كالزِّنا والسَّرِقَةِ والنَّمِيمَةِ وأشْباهِ ذَلِكَ مِنَ الآلامِ والغُمُومِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ الوُجُودِيَّةِ لَكِنْ يَتْبَعُها إعْدامٌ، وإطْلاقُ الشَّرِّ عِنْدَهم عَلى المَعْنى الأوَّلِ حَقِيقَةٌ، وعَلى الثّانِي مَجازٌ؛ لِأنَّ الشَّرَّ الحَقِيقِيَّ لا ذاتَ لَهُ بَلْ هو إمّا عَدَمُ ذاتٍ أوْ عَدَمُ كَمالٍ لِذاتٍ، والبُرْهانُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ كانَ أمْرًا وُجُودِيًّا فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ شَرًّا لِنَفْسِهِ أوْ لِغَيْرِهِ، والأوَّلُ باطِلٌ وإلّا لَما وُجِدَ إذِ الشَّيْءُ لا يَقْتَضِي لِذاتِهِ عَدَمَهُ أوْ عَدَمَ كَمالِهِ كَيْفَ وجَمِيعُ الأشْياءِ طالِبَةٌ لِكِمالاتِها لا مُقْتَضِيَةٌ لِعَدَمِها مَعَ أنَّهُ لَوِ اقْتَضى كانَ الشَّرُّ ذَلِكَ العَدَمَ لا نَفْسَهُ، وكَذا الثّانِي لِأنَّ كَوْنَهُ لِغَيْرِهِ إمّا لِأنَّهُ لِعَدَمِ ذَلِكَ الغَيْرِ أوْ لِأنَّهُ لِعَدَمِ بَعْضِ كَمالاتِهِ فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْدَمًا لِشَيْءٍ أصْلًا لا لِوُجُودِهِ ولا لِكَمالِ وُجُودِهِ لَمْ يَكُنْ شَرًّا لِذَلِكَ الشَّيْءِ ضَرُورَةً، أنَّ كُلَّ ما لا يُوجِبُ عَدَمَ شَيْءٍ ولا عَدَمَ كَمالٍ لَهُ لا يَكُونُ شَرًّا لَهُ فَإذًا لَيْسَ الشَّرُّ إلّا عَدَمَ ذَلِكَ الشَّيْءِ أوْ عَدَمَ كَمالِهِ لا نَفْسَ الأمْرِ الوُجُودِيِّ المُعْدَمِ بَلْ هو في ذاتِهِ مِنَ الكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ أوِ الجُسْمانِيَّةِ كالظُّلْمِ فَإنَّهُ وإنْ كانَ شَرًّا بِالقِياسِ إلى المَظْلُومِ وإلى النَّفْسِ النّاطِقَةِ الَّتِي كَمالُها في تَسْخِيرِ قُواها وكَسْرِها لَكِنَّهُ خَيْرٌ بِالقِياسِ إلى القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ الَّتِي كَمالُها بِالِانْتِقامِ، وكَذا الإحْراقُ كَمالٌ لِلنّارِ وشَرٌّ لِمَن يَتَضَرَّرُ بِهِ فَعُلِمَ أنَّ الشَّرَّ إمّا عَدَمُ ذاتٍ أوْ عَدَمُ كَمالٍ لَها فالوُجُودُ مِن حَيْثُ إنَّهُ وُجُودُ خَيْرٍ مَحْضٍ والعَدَمُ مِن حَيْثُ إنَّهُ عَدَمُ شَرٍّ مَحْضٍ، ثُمَّ إنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ الشَّرَّ الَّذِي هو بِمَعْنى العَدَمِ مِنهُ ما هو مِن لَوازِمِ الماهِيّاتِ الَّتِي لا عِلَّةَ لَها، ومِنهُ ما لا يَكُونُ مِن هَذا القَبِيلِ بَلْ قَدْ يَلْحَقُ الماهِيّاتِ لا مِن ذاتِها فَلا بُدَّ لَهُ مِن عِلَّةٍ، والكَلامُ لَيْسَ في الأوَّلِ الَّذِي لا لُمِّيَّةَ لَهُ؛ إذْ قَدْ تَقَرَّرَ أنَّهُ لَيْسَ لِلْماهِيّاتِ في كَوْنِها مُمْكِنَةً ولا في حاجَتِها إلى عِلَّةٍ لِوُجُودِها عِلَّةٌ ولا لِقُصُورِ المُمْكِنِ عَنِ الواجِبِ بِذاتِهِ ولا لِتَفاوُتِ مَراتِبِ هَذا النُّقْصانِ في الماهِيّاتِ عِلَّةٌ بَلْ إنَّما ذَلِكَ لِاخْتِلافِ الماهِيّاتِ في حُدُودِ ذاتِها لا لِأمْرٍ خارِجٍ عَنْها كَيْفَ ولَوْ كانَ النَّقْصُ في جَمِيعِها مُتَشابِهًا لَكانَتِ الماهِيّاتُ ماهِيَّةً واحِدَةً بَلِ الكَلامُ في الثّانِي وهو عَدَمُ ما هو مِنَ الأُمُورِ الزّائِدَةِ عَلى مُقْتَضى النَّوْعِ كالجَهْلِ بِالفَلْسَفَةِ لِلْإنْسانِ مَثَلًا فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ شَرًّا لَهُ لِأجْلِ كَوْنِهِ إنْسانًا بَلْ لِأجْلِ أنَّهُ فَقْدٌ لِما اقْتَضاهُ شَخْصٌ مُسْتَعِدٌّ لَهُ مُشْتاقٌ إلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ وُجِدَ فِيهِ هَذا الِاسْتِحْقاقُ والِاشْتِياقُ الَّذِي لا صَلاحَ في أنْ يَعُمَّ.
وهَذا الشَّرُّ إنَّما يُوجَدُ في الأشْياءِ عَلى سَبِيلِ النُّدْرَةِ فَكُلُّ ما وُجِدَ فَهو خَيْرٌ مَحْضٌ أوْ خَيْرُهُ أكْثَرُ مِن شَرِّهِ، وأمّا ما يَكُونُ شَرًّا مَحْضًا أوْ مُسْتَوْلِيَ الشَّرِّيَّةِ أوْ مُتَساوِيَ الطَّرَفَيْنِ فَمِمّا لا وُجُودَ لَهُ أصْلًا حَتّى يُحْتاجَ فِيهِ إلى مَنشَأٍ سِوى الواجِبِ تَعالى الَّذِي هو خَيْرٌ مَحْضٌ لا يُوجَدُ مِنهُ شَرٌّ أصْلًا كَما تَوَهَّمَهُ كَفَرَةُ المَجُوسِ، ثُمَّ كَلُّ ما كانَ خَيْرًا مَحْضًا أوْ كانَ خَيْرُهُ أكْثَرَ يَصْدُرُ مِنَ الواجِبِ بِمُقْتَضى أنَّ مِن شَأْنِهِ إفاضَةَ الخَيْرِ لِأنَّ تَرْكَ الأوَّلِ شَرٌّ مَحْضٌ وتَرْكَ الثّانِي شَرٌّ غالِبٌ، وعالَمُ العَناصِرِ مِنَ القِسْمِ الثّانِي؛ فَإنَّ إيجابَهُ لِلشُّرُورِ عَلى الوَجْهِ النّادِرِ ولا تُسَوِّغُ عِنايَةُ المُبْدِعِ ورَحْمَةُ الجَوادِ إهْمالَهُ وإلّا لَزِمَ خَيْرٌ كَثِيرٌ لِشَرٍّ قَلِيلٍ وهو شَرٌّ كَثِيرٌ عَلى أنَّها إنَّما تَكُونُ لِلنَّفْعِ في أشْياءَ لَوْ لَمْ تُخْلَقْ لَخَلِقَ سِرْبالُ الوُجُودِ وقَصُرَ رِداءُ الجُودِ وبَقِيَ في كَتْمِ العَدَمِ عَوالِمُ كَثِيرَةٌ ونَفائِسُ جَمَّةٌ غَفِيرَةٌ، فَمِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ يَكُونُ ذَلِكَ الشَّرُّ القَلِيلُ مُقْتَضِيًا بِالذّاتِ وهي مَعَ ذَلِكَ إنَّما تُوجَدُ تَحْتَ كُرَةِ القَمَرِ في بَعْضِ جَوانِبِ الأرْضِ الَّتِي هي حَقِيرَةٌ بَلْ لا شَيْءَ بِالنِّسْبَةِ إلى ما عِنْدَ رَبِّكَ سُبْحانَهُ، وتَكُونُ لِبَعْضِ الأشْخاصِ في بَعْضِ الأوْقاتِ ولَيْسَتْ أيْضًا شُرُورًا بِالنِّسْبَةِ إلى نِظامِ الكُلِّ فَإذا تَصَوَّرْتَ ذَرَّةَ الشَّرِّ في أبْحُرِ أشِعَّةِ شَمْسِ الخَيْرِ لا يَضُرُّها بَلْ يَزِيدُها بِهاءً وجَمالًا وضِياءً وكَمالًا كالشّامَةِ السَّوْداءِ عَلى الصُّورَةِ المَلِيحَةِ البَيْضاءِ يَزِيدُها حُسْنًا ومَلاحَةً وإشْراقًا وصَباحَةً.
ولا يَخْفى أنَّ هَذا إنَّما يَتِمُّ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ تَعالى لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ إرادَتُهُ مُتَساوِيَةَ النِّسْبَةِ إلى الشَّيْءِ ومُقابِلِهِ بِلا داعٍ ومَصْلَحَةٍ كَما هو مَذْهَبُ الأشاعِرَةِ وإلّا فَقَدْ يُقالُ: إنَّ الفاعِلَ لِلْكُلِّ إذا كانَ مُخْتارًا فَلَهُ أنْ يَخْتارَ أيَّما شاءَ مِنَ الخَيْراتِ والشُّرُورِ لَكِنَّ الحُكَماءَ وأساطِينَ الإسْلامِ قالُوا: إنَّ اخْتِيارَهُ تَعالى أرْفَعُ مِن هَذا النَّمَطِ، وأُمُورُ العالَمِ مَنُوطَةٌ بِقَوانِينَ كُلِّيَّةٍ وأفْعالُهُ تَعالى مَرْبُوطَةٌ بِحِكَمٍ ومَصالِحَ جَلِيَّةٍ وخَفِيَّةٍ.
وقَوْلُ الإمامِ: إنَّ الفَلاسِفَةَ لَمّا قالُوا بِالإيجابِ والجَبْرِ في الأفْعالِ فَخَوْضُهم في هَذا المَبْحَثِ مِن جُمْلَةِ الفُضُولِ والضَّلالِ؛ لِأنَّ السُّؤالَ بِلِمَ عَنْ صُدُورِها غَيْرُ وارِدٍ كَصُدُورِ الإحْراقِ مِنَ النّارِ لِأنَّهُ يَصْدُرُ عَنْها لِذاتِها ناشِئٌ مِنَ التَّعَصُّبِ لِأنَّ مُحَقِّقِيهِمْ يُثْبِتُونَ الِاخْتِيارَ، ولَيْسَ صُدُورُ الأفْعالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَهم صُدُورَ الإحْراقِ مِنَ النّارِ، وبَعْدَ فَرْضِ التَّسْلِيمِ بَحْثُهم عَنْ كَيْفِيَّةِ وُقُوعِ الشَّرِّ في هَذا العالَمِ لِأجْلِ أنَّ البارِيَ تَبارَكَ اسْمُهُ خَيْرٌ مَحْضٌ بَسِيطٌ عِنْدَهم ولا يُجَوِّزُونَ صُدُورَ الشَّرِّ عَمّا لا جِهَةَ شَرِّيَّةً فِيهِ أصْلًا فَيَلْزَمُ عَلَيْهِمْ في بادِئِ النَّظَرِ إثْباتُ ما افْتَرَتْهُ الثَّنَوِيَّةُ مِن مَبْدَأيْنِ خَيْرِيٍّ وشَرِّيٍّ فَتَخَلَّصُوا عَنْ ذَلِكَ بِذَلِكَ البَحْثِ فَهو فَضْلٌ لا فُضُولٌ، وبِالجُمْلَةِ ما يَصْدُرُ عَنْهُ تَعالى إمّا ما هو بَرِيءٌ بِالكُلِّيَّةِ عَنِ الشَّرِّ، وإمّا ما يَلْزَمُهُ شَرٌّ قَلِيلٌ وفي تَرْكِهِ شَرٌّ كَثِيرٌ ولا يَصْدُرُ عَنْهُ تَعالى ذَلِكَ أيْضًا في حَقِّ شَخْصٍ إلّا بَعْدَ طَلَبِ ماهِيَّتِهِ لَهُ في نَفْسِها كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وفِي الإشاراتِ وشُرُوحِها كَلامٌ طَوِيلٌ يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ ولَعَلَّ فِيما ذَكَرْنا كِفايَةً لِذَوِي الأفْهامِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أي بيان من العمى، ويقال: شفاء للبدن، إذا قرئ على المريض يبرأ، أو يهون عليه.
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أي ونعمة من العذاب لمن آمن بالقرآن.
وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ، أي المشركين ما نزل من القرآن إِلَّا خَساراً أي تخسيراً وغبنا.
قوله عز وجل: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ، أي إذا وسعنا على الكافر الرزق ورفعنا عنه العذاب في الدنيا، أَعْرَضَ عن الدعاء.
ويقال: النعمة هي إرسال محمد ، أعرض عنه الكافر.
وَنَأى بِجانِبِهِ، يعني: تباعد عن الإيمان فلم يقربه.
قرأ ابن عامر: وَنَاءَ بمد الألف على وزن باع وقرأ أبو عمرو بنصب النون وكسر الألف، وقرأ حمزة والكسائي بكسر النون والألف، وقرأ الباقون بنصب النون.
وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً، يعني: إذَا أصابه الفقر في معيشته والسقم في الجسم، كان آيساً من رحمة الله.
ثم قال تعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ قال القتبي: أي: على خليقته وطبيعته وهو من الشكل.
وقال الحسن: عَلى شاكِلَتِهِ أي: على نيّته، وكذلك قال معاوية بن قرة.
وقال الكلبي: على ناحيته ومنهاجه وحديثه وأمره الذي هو عليه.
فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا، أي بمن هو أصوب ديناً، ويقال: هو عالم بمن هو على الحق.
<div class="verse-tafsir"
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً (٨٢) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً (٨٤)
وقوله سبحانه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ ...
الآية: أي شفاءٌ بحسب إِزالته للرَّيْب، وكشفه غطاء القَلْب، وشفاءٌ أيضاً من الأمراض بالرقى والتعويذِ ونحوه.
وقوله سبحانه: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ: يحتمل أن يكون الْإِنْسانِ عامَّا للجنْسِ، فالكافرُ يبالغ في الإعراض، والعاصي يأخذ بحظّ منه وَ (نَأَى) أي: بَعُد، قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ، أي: على ما يليق به، قال ابن عباس: عَلى شاكِلَتِهِ معناه: على ناحيته «١» ، وقال قتادة: معناه: على ناحيته وعلى ما ينوي «٢» .
وقوله سبحانه: فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا توعّد بيّن.
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٥) وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً (٨٦) إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً (٨٧)
وقوله سبحانه: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ روى ابن مسعود أن اليهود قال بعضُهم لبعْض: سَلُوا محمداً عن الرُّوحِ فإِن أجاب فيه، عرفْتم أنه ليس بنبي.
قال ع «٣» : وذلك أنه كان عندهم في التوراة أَن الروح ممَّا انفرد اللَّه بعلْمه، ولا يَطَّلع عليه أحَدٌ من عباده، فسألوه، فنزلَتِ الآية.
وقيل: إن الآية مكِّية، والسائلون هم قريشٌ، بإِشارة اليهودِ، واختلف الناس في الرّوح المسئول عَنْه، أيُّ رُوحٍ هو؟
فقال الجمهُور: وقع السؤال عن الأرواحِ التي في الأشخاصِ الحيوانيَّة ما هي، فالرُّوح: اسم جنسٍ على هذا، وهذا هو الصوابُ، وهو المُشِكْل الذي لا تفسير له.
وقوله سبحانه: مِنْ أَمْرِ رَبِّي يحتملُ أن يريد أنَّ الرُّوح مِنْ جملة أمور اللَّه التي استأثر سبحانه بعلْمها، وهي إِضافةُ خَلْقٍ إِلى خَالِقٍ، قال ابنُ رَاشِدٍ في «مرقبته» : أخبرني شيخي شهابُ الدِّينِ القَرِافِيُّ عن ابْنِ دَقِيقِ العِيد أنَهَ رأى كتاباً لبعض الحكماءِ في حقيقة النفْسِ، وفيه ثَلاَثُمِائَةِ قولٍ، قال رحمه اللَّه: وكثرُة الخلافِ تؤذنُ بكثرة الجهالاتِ، ثم علماءُ الإِسلام اختلفوا في جوازِ الخَوْضِ فيها على قولَيْن، ولكلٍّ حُجَجٌ يطُولُ بنا سَرْدُها، ثم القائلون بالجوازِ اختلفوا، هَلْ هي عَرَضٌ أو جوهرٌ، أو ليستْ بجوهرٍ ولا عرضٍ، ولا توصَفُ بأنها داخلُ الجسمِ ولا خارجُه، وإِليه ميل الإِمام أبي حامد وغيره، والذي عليه المحقِّقون من المتأخِّرين أنها جسْمٌ نوارنيٌّ شفَّافٌ سارٍ في الجسْمِ سَرَيانَ النارِ في الفَحْم والدليلُ على أنها في الجسْم قوله تعالى: فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ [الواقعة: ٨٣] فلو لم تكن في الجِسْمِ، لما قال ذلك، وقد أخبرني الفقيهُ الخطيبُ أبو/ محمد البرجيني رحمه الله عن الشيخ الصّالح أبي الطاهر الرّكراكيّ رحمه الله قال: حَضَرْتُ عند وَلِيٍّ من الأولياء حين النَّزْعِ، فشاهدتُّ نَفْسَهُ قد خَرَجَتْ من مواضع من جَسَده، ثم تشكَّلت على رأْسِه بشَكْله وصُورَته، ثم صَعِدت إِلى السماء، وصَعِدت نفْسي معها، فلما انتهينا إلى السماء الدنيا، شاهَدتُّ باباً ورجْلَ مَلَكٍ ممدودةً عليه، فأزال ذلك المَلَكُ رِجْله، وقال لنفْسِ ذلك الوليِّ:
اصْعَدِي، فَصَعِدَتْ، فأرادَتْ نفْسي أنْ تَصْعَدَ معها، فقال لها: ارْجِعي، فقد بقي لك وقْتٌ، قال: فرجعت فشاهدت الناسَ دائرين على جسْمي، وقائلٌ يقولُ: ماتَ، وآخر يقول: لم يَمُتْ، فدخلَتْ من أنْفي، أو قال: مِنْ عَيْني، وقَمْتُ.
انتهى.
ت: وهذه الحكايةُ صحيحةٌ، ورجال إِسنادها ثقاتٌ معروفون بالفَضْل، فابنَ راشِدٍ هو شارِحُ ابنِ الحاجِبِ الفَرْعِيِّ، والبرجينيُّ معروفٌ عند أهْل إفريقيّة وأبو الطاهر من أكابر الأولياء معظّم عند أهل تُونُسَ، مزاره وقبره بالزلاج معروفٌ زرته رحمه الله، وقرأ الجمهور «١» : «وما أوتيتم» ، واختلف فيمَنْ خوطب بذلك، فقالت فرقة: السَّائِلُونَ فقَطْ، وقالت فرقة: العالم كلّه، وقد نص على ذلك صلّى الله عليه وسلّم على ما حكاه الطبريُّ «٢» .
وقوله: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ ...
الآية: المعنى وما أوتيتم أنْت يا محمَّد، وجميعُ الخلائق من العلْم إِلا قليلاً، فاللَّه يُعلِّم مَنْ علَّمه بما شاء، ويَدَعُ ما شاء، ولو شاء لذهب بالوحْيِ الذي آتاك، وقوله إِلَّا رَحْمَةً استثناءٌ منقطعٌ، أي: لكن رحمة من ربّك تمسك
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الإنْسانُ هاهُنا: الكافِرُ، والمُرادُ بِهِ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا الإنْعامُ: سَعَةُ الرِّزْقِ وكَشْفُ البَلاءِ.
﴿ وَنَأى بِجانِبِهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٌ: ( ونَأى ) عَلى وزْنِ ( نَعى ) بِفَتْحِ النُّونِ والهَمْزَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( ناءَ ) مِثْلَ ( باعَ ) .
وقَرَأ الكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، عَنْ سَلِيمٍ، عَنْ حَمْزَةُ: ( وناءَ ) بِإمالِةِ النُّونِ والهَمْزَةِ.
ورَوى خَلّادُ عَنْ سَلِيمٍ: ( نُئِيَ ) بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى: تَباعَدَ عَنِ القِيامِ بِحُقُوقِ النِّعَمِ، وقِيلَ: تَعَظَّمَ وتَكَبَّرَ.
﴿ وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ ﴾ ؛ أيْ: نَزَلَ بِهِ البَلاءُ والفَقْرُ ﴿ كانَ يَئُوسًا ﴾ ؛ أيْ: قَنُوطًا شَدِيدَ اليَأْسِ، لا يَرْجُو فَضْلَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: عَلى ناحِيَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قالَ الفَرّاءُ: الشّاكِلَةُ: النّاحِيَةُ، والجَدِيلَةُ، والطَّرِيقَةُ، سَمِعْتُ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: وعَبْدُ المَلِكِ إذْ ذاكَ عَلى جَدِيلَتِهِ، وابْنُ الزُّبَيْرِ عَلى جَدِيلَتِهِ، يُرِيدُ: عَلى ناحِيَتِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلى ناحِيَتِهِ وخَلِيقَتِهِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: عَلى خَلِيقَتِهِ وطَبِيعَتِهِ، وهو مِنَ الشَّكْلِ.
يُقالُ: لَسْتُ عَلى شَكْلِي ولا شاكِلَتِي.
وقالَ الزَّجّاجُ: عَلى طَرِيقَتِهِ وعَلى مَذْهَبِهِ.
والثّانِي: عَلى نِيَّتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ.
وقالَ اللَّيْثُ: الشّاكِلَةُ مِنَ الأُمُورِ: ما وافَقَ فاعِلَهُ.
والثّالِثُ: عَلى دِينِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وتَحْرِيرُ المَعْنى: أنَّ كُلَّ واحِدٍ يَعْمَلُ عَلى طَرِيقَتِهِ الَّتِي تُشاكِلُ أخْلاقَهُ، فالكافِرُ يَعْمَلُ ما يُشْبِهُ طَرِيقَتَهُ مِنَ الإعْراضِ عِنْدَ النِّعَمِ، واليَأْسِ عِنْدَ الشِّدَّةِ، والمُؤْمِنُ يَعْمَلُ ما يُشْبِهُ طَرِيقَتَهُ مِنَ الشُّكْرِ عِنْدَ الرَّخاءِ، والصَّبْرِ عِنْدَ البَلاءِ، واللَّهُ يُجازِي الفَرِيقَيْنِ.
وذَكَرَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا ﴾ ﴿ وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلُ كانَ زَهُوقًا ﴾ ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظالِمِينَ إلا خَسارًا ﴾ ﴿ وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَرُّ كانَ يَئُوسًا ﴾ ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلا ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ والأحْسَنُ فِيها أنْ يَكُونَ دُعاءً في أنْ يُحْسِنَ اللهُ حالَتَهُ في كُلِّ ما يَتَناوَلُ مِنَ الأُمُورِ، ويُحاوِلُ مِنَ الأسْفارِ والأعْمالِ، ويَنْتَظِرُ مِن تَصَرُّفِ المَقادِيرِ في المَوْتِ والحَياةِ، فَهي عَلى أتَمَّ عُمُومٍ، مَعْناها: رَبِّ أصْلَحِ لِي وِرْدِي في كُلِّ الأُمُورِ وصَدْرِي، وذَهَبَ المُفَسِّرُونَ إلى أنَّها في غَرَضٍ مَخْصُوصٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: أرادَ: أدْخِلْنِي المَدِينَةَ وأخْرِجْنِي مِن مَكَّةَ، وتَقَدَّمَ في هَذا التَأْوِيلِ المُتَأخِّرِ في الوُقُوعِ، فَإنَّهُ مُتَقَدِّمٌ في القَوْلِ لِأنَّ الإخْراجَ مِن مَكَّةَ هو المُتَقَدِّمُ، اللهُمَّ إنَّ مَكانَ الدُخُولِ والفِرارِ هو الأهَمُّ.
وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُجاهِدٌ: أدْخِلْنِي في أمْرِ تَبْلِيغِ الشَرْعِ، وأخْرِجْنِي مِنهُ بِالإعْدادِ التامِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الإدْخالُ بِالمَوْتِ في القَبْرِ، والإخْراجِ البَعْثُ.
وما قَدَّمْتُ مِنَ العُمُومِ التامِّ الَّذِي يَتَناوَلُ هَذا كُلَّهُ أصْوَبُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مُدْخَلَ" و "مُخْرَجَ" بِضَمِّ المِيمِ، فَهو جَرى عَلى: أدْخِلْنِي وأخْرِجْنِي.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وقَتادَةُ، وحَمِيدٌ: "مَدْخَلَ" و"مَخْرَجَ" بِفَتْحِ المِيمِ، فَهو غَيْرُ جارٍ عَلى: أدْخِلْنِي، ولَكِنَّ التَقْدِيرَ: "أدْخَلَنِي فَأدْخُلُ مَدْخَلَ"، لِأنَّهُ إنَّما يَجْرِي عَلى دَخَلَ، و"الصِدْقُ" هُنا صِفَةٌ تَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ واسْتِيعابَ المَدْحِ، كَما تَقُولُ: "رَجُلُ صِدْقٍ" أيْ: جامِعٌ لِلْمَحاسِنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: حُجَّةً، يُرِيدُ: تَنْصُرُنِي بِبَيانِها عَلى الكُفّارِ، وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: يُرِيدُ: مَنَعَةً ورِياسَةً وسَيْفًا يَنْصُرُ دِينَ اللهِ تَعالى، فَطَلَبَ رَسُولُ اللهِ ذَلِكَ بِأمْرِ اللهِ إيّاهُ بِهِ رَغْبَةً في نَصْرِ الدِينِ، فَرُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى وعَدَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ أنْجَزَ لَهُ في حَياتِهِ وتَمَّمَهُ بَعْدَ وفاتِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ ﴾ الآيَةَ.
قالَ قَتادَةُ: "الحَقُّ": القُرْآنُ، و"الباطِلُ": الشَيْطانُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الحَقُّ" الإيمانُ، و"الباطِلُ": الكُفْرُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الحَقُّ: الجِهادُ، و"الباطِلُ": الشِرْكُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والصَوابُ تَعْمِيمُ اللَفْظِ بِالغايَةِ المُمْكِنَةِ، فَيَكُونُ التَعْبِيرُ: جاءَ الشَرْعُ بِجَمِيعِ ما انْطَوى فِيهِ، وزَهَقَ الكُفْرُ بِجَمِيعِ ما انْطَوى فِيهِ، و"الباطِلُ": كُلُّ ما لا تُنالُ بِهِ غايَةٌ نافِعَةٌ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كانَ زَهُوقًا ﴾ ، لَيْسَتْ "كانَ" إشارَةً إلى زَمَنٍ مَضى، بَلِ المَعْنى: كانَ وهو يَكُونُ، وهَذا كَقَوْلِكِ: كانَ اللهُ عالِمًا قادِرًا، ونَحْوَ هَذا.
وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ يَسْتَشْهِدُ بِها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقْتَ طَعْنِهِ الأصْنامَ، وسُقُوطِها لِطَعْنِهِ إيّاها بِمِخْصَرَةٍ، حَسْبَما في السِيرَةِ لِابْنِ هِشامٍ وفي غَيْرِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَنُنَزِّلُ" بِالنُونِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "وَيُنْزِلُ" بِالياءِ خَفِيفَةً، ورَواها المَرُوزِيُّ عن حَفْصٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ القُرْآنِ ﴾ ، يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مِنَ" لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، كَأنَّهُ قالَ ونُنَزِّلُ ما فِيهِ شِفاءٌ مِنَ "القُرْآنِ"، وأنْكَرَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ أنْ تَكُونَ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ تَحَفَّظَ مِن أنْ يَلْزَمَهُ أنَّ بَعْضَهُ لا شِفاءَ فِيهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ يَلْزَمُهُ هَذا، بَلْ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ بِحَسْبِ أنَّ إنْزالَهُ إنَّما هو مُبَعَّضٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: "وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ" شَيْئًا شَيْئًا ما فِيهِ كُلُّهُ شِفاءٌ.
واسْتِعارَتُهُ الشِفاءَ لِلْقُرْآنِ هو بِحَسْبَ إزالَتِهِ لِلرَّيْبِ، وكَشْفِهِ غِطاءَ القَلْبِ لِفَهْمِ المُعْجِزاتِ والأُمُورِ الدالَّةِ عَلى اللهِ تَعالى، المُقَرِّرَةِ لِشَرْعِهِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالشِفاءِ نَفْعُهُ مِنَ الأمْراضِ بِالرُقى والتَعْوِيذِ ونَحْوِهِ، وكَوْنُهُ رَحْمَةً ظاهِرَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَزِيدُ الظالِمِينَ إلا خَسارًا ﴾ بِمَعْنى أنَّهُ عَلَيْهِمْ عَمًى؛ إذْ هم مُعَرَّضُونَ بِحالَةِ مَن لا يَفْهَمُ ولا يُلَقَّنُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ ﴾ الآيَةَ.
"الإنْسانُ" في هَذِهِ الآيَةِ لا يُرادُ بِهِ العُمُومُ، وإنَّما يُرادُ بِهِ بَعْضُهُ وهُمُ الكَفَرَةُ، وهَذا كَما تَقُولُ عِنْدَ غَضَبٍ: "لا خَيْرَ في الأصْدِقاءِ ولا أمانَةَ في الناسِ"، فَأنْتَ تُعَمِّمُ مُبالِغَةً، ومُرادُكَ البَعْضُ، وهَذا بِحَسْبِ ذِكْرِ الظالِمِينَ والخَسارِ في الآيَةِ، قِيلَ: فاتَّصَلَ ذِكْرُ الكَفَرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الإنْسانُ" في هَذِهِ الآيَةِ عامّا لِلْجِنْسِ، عَلى مَعْنى: إنَّ هَذا الخُلُقَ الذَمِيمَ في سَجِيَّتِهِ، فالكافِرُ يُبالِغُ في الإعْراضِ، والعاصِي يَأْخُذُ بِحَظِّهِ مِنهُ.
وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ في مُؤْمِنٍ: « "فَأعْرَضَ فَأعْرَضَ اللهُ عنهُ".» ومَعْنى "أعْرَضَ" ولّانا عُرْضَهُ، "وَنَأى" أيْ: بَعُدَ، وهَذِهِ، وهَذا اسْتِعارَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ يَفْعَلُ أفْعالَ المُعْرِضِ النائِي في تَرْكِهِ الإيمانَ بِاللهِ وشُكْرِ نِعَمِهِ عَلَيْهِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "وَناءَ"، ومَعْناهُ: نَهَضَ مُتَباعِدًا، هَذا قَوْلُ طائِفَةٍ، وقالَ أُخْرى: هو قَلْبُ الهَمْزَةِ بَعْدَ الألْفِ مِن "نَأى" بِعَيْنِهِ، وهي لُغَةٌ كَرَأى وراءَ، ونَحْوَ هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ رامٍ: حَتّى إذا ما التَأمَتْ مَفاصِلُهُ ∗∗∗ وناءَ في شِقِّ الشِمالِ كاهِلُهُ أيْ: نَهَضَ مُتَوَرِّكًا عَلى شِمالِهِ.
والَّذِي عِنْدِي أنَّ "ناءَ" و"نَأى" فِعْلانِ مُتَبايِنانِ.
وناءَ بِجانِبِهِ عِبارَةٌ عَنِ التَحَيُّرِ والِاسْتِبْدادِ، و"ناءَ" عِبارَةٌ عَنِ البُعْدِ والفِراقِ.
ثُمَّ وصَفَ اللهُ تَعالى الكَفَرَةَ بِأنَّهم إذا مَسَّهم شَرٌّ مِن مَرَضٍ أو مُصِيبَةٍ في مالٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ يَئِسُوا مِن حَيْثُ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ، ولا يَرْجُونَ تَصَرُّفَ أقْدارِهِ.
ثُمَّ قالَ عَزَّ وجَلَّ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: ﴿ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ﴾ ، أيْ: طَرِيقَتُهُ وبِحَسْبِ نِيَّتِهِ ومَذْهَبِهِ الَّذِي يُشْبِهُهُ.
وهو شَكْلٌ لَهُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ دَلالَةً عَلى أنَّ "الإنْسانَ" أوَّلًا لَمْ يُرَدْ بِهِ العُمُومُ، أيْ أنَّ الكُفّارَ بِهَذِهِ الصِفاتِ، والمُؤْمِنُونَ بِخِلافِها، وكُلٌّ مِنهم يَعْمَلُ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ، والرَبُّ تَعالى أعْلَمُ بِالمُهْتَدِي.
وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ عَلى شاكِلَتِهِ ﴾ مَعْناهُ: عَلى طَبِيعَتِهِ، وقالَ أيْضًا: مَعْناهُ: عَلى حِدَتِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: عَلى ناحِيَتِهِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: عَلى حِدَتِهِ وعَلى ما يَنْوِي، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: عَلى دِينِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأرْجَحُ هَذِهِ العِباراتِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلا ﴾ تَوَعُّدٌ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
لما كان القرآن نعمة عظيمة للناس، وكان إعراض المشركين عنه حرماناً عظيماً لهم من خيرات كثيرة، ولم يكن من شأن أهل العقول السليمة أن يرضوا بالحرمان من الخير، كان الإخبار عن زيادته الظالمين خساراً مستغرباً من شأنه أن يثير في نفوس السامعين التساؤل عن سبب ذلك، أعقب ذلك ببيان السبب النفساني الذي يوقع العقلاء في مهواة هذا الحرمان، وذلك بعد الاشتغال بما هو فيه من نعمة هَويها وأولع بها، وهي نعمة تتقاصر عن أوج تلك النعم التي حرم منها لولا الهوى الذي علق بها والغرور الذي أراه إياها قصَارى المطلوب، وما هي إلا إلى زوال قريب، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا ﴾ [المزمّل: 11] وقوله: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ﴾ [آل عمران: 196- 197].
فهذه الجملة مضمونها مقصود بذاته استفيد بيانها بوقوعها عقب التي قبلها.
والتعريف في الإنسان} تعريف الجنس، وهو يفيد الاستغراق وهو استغراق عرفي، أي أكثر أفراد الإنسان لأن أكثر الناس يومئذٍ كفار وأكثر العرب مشركون.
فالمعنى: إذا أنعمنا على المشركين أعرضوا وإذا مسهم الشر يئسوا.
وهذا مقابل حال أهل الإيمان الذين كان القرآن شفاءً لأنفسهم وشكر النعمة من شِيمهم والصبر على الضر من خلقهم.
والمراد بالإنعام: إعطاء النعمة.
وليس المراد النعم الكاملة من الإيمان والتوفيق، كما في قوله: ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ [الفاتحة: 7].
وقوله: ﴿ فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصدّيقين ﴾ [النساء: 69].
والإعراض: الصد، وضد الإقبال.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فأعرض عنهم وعِظهم ﴾ في سورة [النساء: 63]، وقوله: ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ﴾ في سورة [الأنعام: 68].
والنأي: البعد، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ وينأون عنه ﴾ في سورة [الأنعام: 26].
والجانب: الجنب.
وهو الجهة من الجسد التي فيها اليد، وهما جانبان: يمين ويسار.
والباء في قوله: بجانبه} للمصاحبة، أي بَعِدَ مصاحباً لجانبه، أي مبعداً جانبه.
والبُعد بالجانب تمثيل الإجفال من الشيء، قال عنترة: وكأنما ينأى بجانب دَفّها الْ *** وَحْشِيّ من هزج العشي مؤوم فالمفاد من قوله: ﴿ وناء بجانبه ﴾ صد عن العبادة والشكر.
وهذا غير المفاد من معنى ﴿ أعرض ﴾ فليس تأكيداً له، فالمعنى: أعرض وتباعد.
وحذف متعلق ﴿ أعرض ونأى ﴾ لدلالة المقام عليه من قوله: ﴿ أنعمنا على الإنسان ﴾ ، أي أعرض عنا وأجفل منا، أي من عبادتنا وأمرنا ونهينا.
وقرأ الجمهور ﴿ وناء ﴾ بهمزة بعد النون وألف بعد الهمزة.
وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان وأبو جعفر ﴿ وناء ﴾ بألف بعد النون ثم همزة.
وهذا من القلب المكاني لأن العرب قد يتطلبون تخفيف الهمزة إذا وقعت بعد حرف صحيح وبعدها مدة فيقلبون المدة قبل الهمزة لأن وقوعها بعد المد أخف.
من ذلك قولهم: راء في رأى، وقولهم: آرام في أرْام، جمع رئم، وقيل: ناء في هذه القراءة بمعنى ثقل، أي عن الشكر، أي في معنى قوله تعالى: ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ [الأعراف: 176].
وجملة {وإذا مسه الشر كان يؤساً احتراس من أن يتَوهم السامع من التقييد بقوله: {وإذا أنعمنا أنه إذا زالت عنه النعمة صلح حاله فبين أن حاله ملازم لنكران الجميل في السراء والضراء، فإذا زالت النعمة عنه لم يقلع عن الشرك والكفر ويتب إلى الله ولكنه ييَأس من الخير ويبقى حنقاً ضيق الصدر لا يعرف كيف يتدارك أمره.
ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله في سورة [فصلت: 51] ﴿ وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ﴾ كما سيأتي هنالك.
ودل قوله: كان يؤساً} على قوة يأسه إذ صيغ له مثال المبالغة.
وأقحم معه فعل (كان) الدال على رسوخ الفعل، تعجيباً من حاله في وقت مس الضر إياه لأن حالة الضر أدعى إلى الفكرة في وسائل دفعه، بخلاف حالة الإعراض في وقت النعمة فإنها حالة لا يستغرب فيها الازدهاء لما هو فيه من النعمة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إذا أنْعَمْنا عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ والغِنى أعْرَضَ ونَأى وبَعُدَ مِنَ الخَيْرِ.
الثّانِي: إذا أنْعَمْنا عَلَيْهِ بِالهِدايَةِ أعْرَضَ عَنِ السَّماعِ وبَعُدَ مِنَ القَبُولِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ وَنَأى بِجانِبِهِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أُعْجِبَ بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ المُعْجَبَ نافِرٌ مِنَ النّاسِ مُتَباعِدٌ عَنْهم.
الثّانِي: تَباعَدَ مِن رَبِّهِ.
﴿ وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا ﴾ يَحْتَمِلُ إياسُهُ مِنَ الفَرَجِ إذا مَسَّهُ الشَّرُّ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِجُحُودِهِ وتَكْذِيبِهِ.
الثّانِي: بِعِلْمِهِ بِمَعْصِيَتِهِ أنَّهُ مُعاقَبٌ عَلى ذَنْبِهِ.
وَفي ﴿ الشَّرُّ ﴾ ها هُنا ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الفَقْرُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ السُّقْمُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: السَّيْفُ، وهو مُحْتَمَلٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: عَلى حِدَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: عَلى طَبِيعَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: عَلى بَيْتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: عَلى دِينِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الخامِسُ: عَلى عادَتِهِ.
السّادِسُ: عَلى أخْلاقِهِ.
﴿ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أحْسَنُ دِينًا.
الثّانِي: أسْرَعُ قَبُولًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونأى بجانبه ﴾ قال: تباعد منا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كان يؤوساً ﴾ قال: قنوطاً.
وفي قوله: ﴿ قل كل يعمل على شاكلته ﴾ قال: على ناحيته.
وأخرج هناد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ على شاكلته ﴾ قال: على نيته.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ ﴾ قال ابن عباس: يريد الوليد بن المغيرة (١) ﴿ أَعْرَضَ ﴾ ، معنى أعرض في اللغة: وَلَّى عَرْضَه، أي ناحيته (٢) (٣) ﴿ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ﴾ قال مجاهد وابن عباس: تباعد (٤) وروى شِبْل عن مجاهد: بَعُدَ مِنّا (٥) (٦) وقال أهل المعاني: بَعَّد نفسه عن القيام بحقوق نعم الله -عز وجل- (٧) (٨) ﴿ وَيَنْئَوْنَ عَنهُ ﴾ ، ومعنى ﴿ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ﴾ كمعنى أعرض، وفيه زيادة معنى البعد، وفي قوله: ﴿ وَنَأَى ﴾ وجوه من القراءة؛ أحدها: وهو قراءة العامة (نَئَا) بفتحتين (٩) (١٠) (١١) وكلُّ خليلٍ راءني فهو قائلٌ ...
مِن أجلِكِ هذا هامَةُ اليومِ أو غَدِ (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) ولقد أراكَ تُشَآء بالأَظْعَانِ (١٦) أراد تُشَاء فأَخَّر الهمزة، ومما (١٧) (١٨) وقرأ حمزة والكسائي: (نِئى) بإمالة الفتحتين (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ﴾ قال ابن عباس: يريد إذا أصابه مرض أو فقر يئس من رحمة الله (٢٣) وقال أهل المعاني: هذا من صفة الجاهل بالله، وهو ذمّ له بأنه لا يثق بفضل الله على عباده، فيطمع في كشف تلك البلية من جهته، وحَسِبَ أن الشَّرّ ضَرْبَة لازب (٢٤) ﴿ فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ ﴾ (١) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 538، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 80، و"الفخر الرازي" 21/ 35، والآية عامة في كل من اتصف بما فيها، وذكر الوليد من قبيل التفسير بالمثال.
(٢) انظر عرض في "المحيط في اللغة" 1/ 306، و"الصحاح" 3/ 1084، و"اللسان" 5/ 2889.
(٣) ورد في "الحجة للقراء" 5/ 116، بنصه تقريبًا.
(٤) "تفسير مجاهد" 1/ 368 بلفظه، وأخرجه "الطبري" 15/ 153 بلفظه عن مجاهد من طريقين، وورد بلفظه عن مجاهد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 187، و"تفسير هود الهواري" 2/ 438، و"الطوسي" 6/ 514، وأورده المسيوطى في "الدر المنثور" 4/ 361 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٥) انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 67.
(٦) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 119 أ، بنصه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 123، و"تفسير ابن الجوزي" 5/ 80 بلا نسبة.
(٧) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 514، بنصه، انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 321.
(٨) انظر: "تهذيب اللغة" (ناء) 4/ 3472، و"المحيط في اللغة" (نأى) 10/ 419، و"اللسان" (نأي) 7/ 4314.
(٩) قرأ بها: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص وغيرهم.
انظر: "السبعة" ص 384، و"علل القراءات" 1/ 327، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 382، و"الحجة للقراء" 5/ 115، و"المبسوط في القراءات" ص 230.
(١٠) انظر المصادر السابقة.
(١١) أي مقلوب الميزان فعل: فلع.
(١٢) "ديوانه" ص 133، وورد في "الكتاب" 3/ 467، و"الكامل" 2/ 806، و"الحلبيات" ص 47، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 202، و"اللسان" (هوم) 8/ 4723، (رأى) 3/ 1545، (هامةُ اليوم أو غد): كناية عن اقتراب المريض من أجله؛ أي سيموت أليوم أو غدًا، وذلك من تأثير الشوق والحزن فيه، وأصل الهامة: طائر يخرج من رأس الميت -كما تزعم العرب.
والشاهد: راءني يريد رآني، ولكنه قلب فأخّر الهمزة.
(١٣) ورد في"الحجة للقراء" 5/ 117، بنصه.
(١٤) ليس في مجازه (١٥) للحارث بن خالد المخزومي (جاهلي).
(١٦) وصدره: مرّ الحُمُولُ فما شَأَوْنَكَ نَقْرَةً "شعر الحارث بن خالد" ص 107، وورد في: "المعاني الكبير" 1/ 70، و"تهذيب اللغة" (شأي) 2/ 1817، و"المنصف" 3/ 77، و"اللسان" (شأي) 4/ 2179، و"المزهر" 1/ 479، و"نوادر أبي زيد" ص 224 نسبه للأصمعي، وورد بلا نسبة في "المخصص" 14/ 27، و"الخزانة" 8/ 167 (الحمول): الإبل عليها النساء، (شَأَوْنَكَ): شَآني الشيءُ شَاوًا: أعجبني، وقيل: حَزَنَنِي، (نقرة): النقر هو الصوت العالي، كضرب الرّحى والحجر، (الأظعان): واحده ظعينة، وهو الهودج تكون فيه المرأة، يقول: مرت الحمول فما هيجن شوقك وكنت قبل ذلك يهيج وجدك بهن إذا عاينت الحمول.
انظر: "اللسان" (نقر) 8/ 4518، (ظعن) 5/ 2748.
(١٧) ساقطة من (ع).
(١٨) ساقط من (أ)، (د).
(١٩) انظر: "السبعة" ص 384، و"علل القراءات" 1/ 327، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 382، و"الحجة للقراء" 5/ 115، و"المبسوط في القراءات" ص230.
(٢٠) في جميع النسخ: (خلف)، والصحيح (خلاَّد)، كما ورد في المصدر "الحجة"، و"السبعة" ص 384، و"المبسوط في القراءات" ص230، أما رواية خلف عن سُليم فهي: بإمالة النون وكسر الهمزة، كما في السبعة والحجة.
وخلاَّد هو: ابن خالد، أبو عيسى الصَّيرفي الكوفي، الأحول، إمام في القراءة ثقة عارف محقق أستاذ، أخذ القراءة عرضًا عن سليم، وهو من أضبط أصحابه وأجلهم، روى القراءة عنه عرضًا أحمد الحلواني وعنبسة بن النضر، حدث عنه أبو زرعة وأبو حاتم، مات سنة (220 هـ).
انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 210، و"غاية النهاية" 1/ 274، و"النشر" 1/ 166.
(٢١) سُلَيْم بن عامر بن غالب، أبو عيسى الحنفي الكوفي، المقرئ صاحب حمزة الزيات وأخص تلامذته وأحذقهم بالقراءة، وهو الذي خلف حمزة في الإقراء بالكوفة، قرأ عليه خلف وخلاد، ولد سنة (130 هـ)، وتوفي سنة (188 هـ) انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 138، و"غاية النهاية" 1/ 318، و"النشر" 1/ 166.
(٢٢) ورد في "الحجة للقراء" 5/ 117، باختصار وتصرف.
(٢٣) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 539، انظر: "تنوير المقباس" ص 304.
(٢٤) أي لازم، يقول الفراء: اللاّزب واللاصق واحد ، والعرب تقول: ليس هذا بِضَرْبة لازم ولازب ، يبدلون الباءَ ميمًا.
ورد في "تهذيب اللغة" (لزب) 4/ 3258.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقُلْ جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل ﴾ الحق الإيمان والباطل الكفر ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ ﴾ من للتبعيض، أو لبيان الجنس، والمراد بالشفاء أنه يشفى القلوب من الريبة والجهل، ويحتمل أن يريد نفعه من الأمراض بالرقيا به والتعويذ ﴿ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان ﴾ الآية: المراد بالإنسان هنا الجنس، لأن ذلك من سجية الإنسان، وقيل: إنما يراد الكافر لأنه هو الذي يعرض عن الله ﴿ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ﴾ أي بعُد، وذلك تأكيد وبيان للإعراض، وقرأ ابن عامر ناءٍ وهو بمعنى واحد ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ ﴾ أي مذهبه وطريقته التي تشاكله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ خلفك ﴾ ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وأبو بكر وحماد.
الآخرون ﴿ خلافك ﴾ بكسر الخاء بالألف ﴿ وننزل من ﴾ مخففاً: أبو عمرو ويعقوب الياقوت بالتشديد وياء تحتانية ﴿ وناء بجانبه ﴾ مثل "ناع": يزيد وابن ذكوان ﴿ ونأى ﴾ يفتح النون وإمالة الهمزة مثل "رمى".
حمزة غير خلف والعجلي وحماد ويحيى وعباس وأبو شعيب ونصير مثله ولكن بكسر النون على غير نصير، وخلف والعجلي وخلف لنفسه.
الباقون بفتحتين كرمى.
الوقوف: ﴿ خليلاً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه لا لتعلق "إذا" ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ تحويلاً ﴾ ه ﴿ وقرآن ﴾ ه ﴿ الفجر ﴾ ط ﴿ مشهوداً ﴾ ه ﴿ نافلة لك ﴾ قف والوصل أولى لأن "عسى" وعد على التهجد ﴿ محموداً ﴾ ه ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ وزهق الباطل ﴾ ط ﴿ زهوقاً ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه لا لأن ما بعده من صلة "ما" ﴿ خساراً ﴾ ه ﴿ بجانبه ﴾ ج لعطف حملتي الظرف ﴿ بؤساً ﴾ ه ﴿ شاكلته ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ عن الروح ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ه لا ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ ظهيراً ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ز لعطف المتفقين معنى المختلفين لفظاً ﴿ كفوراً ﴾ ه.
التفسير: لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على بني آدم وشرح أحوال السعداء أردفه بما يجري مجرى تحذير السعداء من الاغترار بوساوس الأشقياء.
عن ابن عباس في رواية عطاء أن وفد ثقيف قالوا للنبي : لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالاً نفتخر بها على العرب، لا نعشر - أي لا تؤخذ عشور أموالنا - ولا نحشر ولا نجبي في صلاتنا أي لا نسجد، وكل رباً لنا فهو لنا، وكل رباً علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة ولا نكسرها بأيدينا عند رأس الحول، وأن تمنع من قصد وادينا وجّ فعضد شجره فإذا سألتك العرب لم فعلت ذلك؟
فقل: إن الله أمرني به وجاؤا بكتابهم فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لثقيف لا يعشرون ولا يحشرون فقالوا: ولا يجبون، فسكت رسول الله ثم قالوا للكاتب: اكتب "ولا يجبون" والكاتب ينظر إلى رسول الله.
فقام عمر بن الخطاب فسل سيفه وقال: أسعرتم قلب نبينا يا معشر ثقيف أسعر الله قلوبكم ناراً.
فقالوا: لسنا نكلمك إنما نكلم محمداً.
وقال عمر: أما ترون رسول الله أمسك عن الكلام كراهية لما تذكرونه فأنزل الله الآية.
وهذه القصة وقعت بعد الهجرة فلهذا قال المفسرون إنها ليست بمكية.
وروي أن قريشاً قالوا له اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة فنزلت.
وقال الحسن: إن الكفار أخذوا رسول الله بمكة قبل الهجرة فقالوا: كف يا محمد عن ذم آلهتنا وشتمها، ولو كان ذلك حقاً كان فلان وفلان بهذا الأمر أحق منك.
فوقع في قلب رسول الله أن يكف عن شتم آلهتهم.
وعن سعيد بن جبير أنه كان يستلم الحجر فتمنعه قريش ويقولون: لا ندعك حتى تستلم بآلهتنا فوقع في نفسه أن يفعل ذلك مع كراهية فنزلت.
قال القفال: من المعلوم أن المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر رسول الله بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون: لو عبدت آلهتنا عبدنا آلهك فنزلت: ﴿ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ﴾ وقوله: ﴿ ودّوا لو تدهن فيدهنون ﴾ وتارة عرضوا عليه الأموال الكثيرة والنسوان الجميلة ليترك ادعاء النبوة فنزلت ﴿ ولا تمدّن عينيك إلى ما متعنا ﴾ وأخرى دعوه إلى طرد المؤمنين فنزل: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ﴾ وكل ذلك دليل على أنهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه ويزيلوه عن منهجه.
فلو لم يكن شيء من الروايات المذكورة موجوداً لكان للآية محمل صحيح.
والمعنى وإن الشأن قاربوا أن يخدعوك فاتنين.
وأصل الفتنة الاختبار ومنه فتن الصائغ الذهب ثم استعمل في كل من أزال الشيء عن حده وجهته، وذلك في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن وافتراء على الله من تبديل الوعد بالوعيد وغير ذلك ﴿ وإذا لاتخذوك ﴾ أي لو اتبعت مرادهم لاتخذوك ﴿ خليلاً ﴾ ولكنت لهم ولياً وخرجت من ولايتي ﴿ ولولا أن ثبتناك ﴾ لولا تثبيتنا وعصمتنا لك ﴿ لقد كدت تركن إليهم ﴾ لقاربت أن تميل إلى مرادهم ﴿ شيئاً قليلاً ﴾ أي ركوناً قليلاً.
قال ابن عباس: يريد حيث سكت عن جوابهم.
قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال النبي : "اللَّهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين." ثم توعده في ذلك أشد الوعيد فقال: ﴿ إذا لأذقناك ﴾ أي لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون لأذقناك ﴿ ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
والضعف عبارة عن ضم الشيء إلى مثله.
وقال صاحب الكشاف: المراد عذاب الممات وهو عذاب القبر، وعذاب الحياة وهو عذاب حياة الآخرة أي عذاب النار.
والعذاب يوصف بالضعف كقوله: ﴿ فزده عذابا ضعفاً في النار ﴾ بمعني مضاعفاً فكان أصل الكلام عذاباَ ضعفاً في الحياة الدنيا وعذاباً ضعفاً في الممات، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ثم أضيفت الصفة كإضافة الموصوف فقيل: ضعف الحياة وضعف الممات كما لو قيل: لأذقناك أليم الحياة وأليم الممات.
وقال التفسير الكبير: حاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك وعقدت على الركون إليه همك لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة، ولصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة.
والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله تعالى في حق الأنبياء أكثر فكانت ذنوبهم وكذا عقوبتهم أعظم نظير ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ﴾ ثم إن إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه لأن دليل الخطاب لا حجة فيه فقد يرتقى الضعف إلى مالا حد له كما جاء في الحديث: " "من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" ﴿ ثم لا تجد لك علينا نصيراً ﴾ يعني لو أذقناك ذلك لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا.
واعلم أن القرب من الفتنة لا يدل على الوقوع فيها.
والتهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها فلا يلزم من الآية طعن في عصمة النبي .
وفيه أنه لا عصمة من المعاصي إلا بتوفيق الله وتثبيته على الحق.
وقالت المعتزلة: المراد بهذا التثبيت الألطاف الصارفة عن ذلك وهي ما أخطر الله بباله من ذكر وعده ووعيده كونه نبياً من عنده.
وأجيب بأنه لو لم يوجد المقتضى للإقدام على ذلك الفعل المحذور لم يكن إلى إيجاد المانع حاجة، وليس ذلك المقتضي إلا القدرة مع الداعي ولا ذلك المانع إلا داعية أخرى معارضة للداعي الأول وقد أوجدها الله عقيب ذلك.
ثم ذكر طرفاً آخر من مكايدهم فقال: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ "إن" مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة كما في الآية الأولى ومعنى ﴿ ليستفزونك ﴾ ليزعجونك كما مر في قوله: ﴿ واستفزز ﴾ والأرض إما أرض مكة، كما قال قتادة ومجاهد ويرد عليه أن "كاد" للمقاربة لا للحصول لكن الإخراج قد حصل قوله: ﴿ وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك ﴾ ويمكن أن يقال: إنهم هموا بإخراجه ولكن الله منعهم من ذلك حتى هاجر بأمر ربه، فأطلق الإخراج على إرادة الإخراج مجوزاً يؤيده قوله: ﴿ وإذا لا يلبثون ﴾ وهو معطوف على ﴿ يستفزونك ﴾ أي لا يبقون بعد إخراجك إلا زماناً قليلاً أي لو أخرجوك لاستؤصلوا لكنه لم يقع الاستئصال فدل ذلك على عدم وقوع الإخراج.
ومن جوز وقوع الإخراج قال: المراد بعدم اللبث أنهم أهلكوا ببدر بعد إخراجه بقليل.
واما أرض المدينة على ما روي عن ابن عباس أن رسول الله لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم وقالوا: يا أبا القاسم إن الأنبياء بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة وكانت مهاجر إبراهيم، فلو خرجت إلى الشام لآمنا بك واتبعناك.
وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم، فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم فعسكر رسول الله على أميال من المدينة أو بذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازماً على الخروج إلى الشأم لحرصه على دخول الناس في دين الله فنزلت الآية فرجع.
وعلى هذا القول تكون هذه الآية أيضاً مدنية، والخلاف في معنى الخلف كما مر في قوله: ﴿ بمقعدهم خلاف رسول الله ﴾ وقرىء: ﴿ وإذا لا يلبثوا ﴾ بحذف النون على إعمال "إذن" فتكون الجملة برأسها معطوفة على جملة قوله: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ .
ثم بين أن عادته جارية بأن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم فإنه يهلكهم ﴿ فقال سنة من قد أرسلنا ﴾ وهو منصوب على المصدر المؤكد أي سن الله ذلك سنة ﴿ ولا تجد لسنتنا تحويلاً ﴾ لأن الأسباب الكلية في الأزل اقتضت توزع كل من أجزاء الزمان على حادث معين بسبب معين، فتبيدل إحدى الحوادث وتحويلها إلى وقت آخر يقتضي تغيير الأسباب عن أوضاعها وهو محال عقلاً وعادة.
وقال أهل النظم: لما قرر الإلهيات والمعاد والجزاء أردفها بذكر أشرف الطاعات وهي الصلاة.
وأيضاً لما قال: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ أمره بالاشتغال بعبادته تفويضاً للأمور إلى الله وتعويلاً على فضله في دفع شر أعدائه نظيره قوله في سورة طه: ﴿ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ﴾ ذهب كثير من المفسرين كابن قتيبة وسعيد بن جبير منقولاً عن ابن عباس، أن دلوك الشمس هو غروبها.
وعلى هذا لا تشمل الآية صلاتي الظهر والعصر.
وأكثر الصحابة والتابعين على أن دلوك الشمس زوالها عن كبد السماء ويؤيده ما روي أنه قال: " أتاني جبرائيل لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر." قالوا: واشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه إذ ينظر إليها وهي في كبد السماء.
وعلى هذا التفسير تشمل الآية جميع الصلوات الخمس.
وحمل كلام الله على ما هو أكثر فائدة أولى واللام بمعنى الوقت أو للتعليل أي أدم الصلاة في هذا الوقت أو لأجل دخول هذا الوقت ﴿ إلى غسق الليل ﴾ أي ظلمته.
قال الكسائي: غسق الليل غسوقاً أي أظلم، والاسم الغسق بفتح السين والتركيب يدور على السيلان ومنه يقال: غسقت العين إذا هملت وكأن الظلام انهمل على الدنيا وتراكم.
وهذا عند سيبويه الشفق الأبيض، فاستدل به بعض الشافعية على أن أول وقت العشاء الآخرة يدخل بغروب الشفق الأحمر لأن المحدود إلى غاية يكون مشروعاً قبل حصول تلك الغاية.
وهذا الاستدلال مبني على أن الغاية لا تدخل في ذي الغاية، وعلى أن الآية يجب أن تشمل جميع الصلوات، وللخصم المنع في المقامين.
ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد بقرآن الفجر هو صلاة الصبح تسمية للشيء ببعض أجزائه، ومثله تسمية الصلاة ركوعاً وسجوداً وقنوتاً.
قال جار الله: إنه حجة علي ابن علية والأصم في زعمهما أن القراءة ليست بركن.
قلت: أجزاء الصلاة أعم من أركانها ولهذا قسمت الفقهاء الصلاة إلى أركان وأبعاض وهيئات فلا يتم هذ الاعتراض.
وفي الآية مسائل: الأولى: استدل بعض الشيعة بها على جواز الجميع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقاً.
وأجيب بأن الآية مخصوصة بفعل الرسول أو بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ويستثنى منه عذر السفر والمطر لعدم الدليل المخصص في تلك الصورة فلزم إبقاؤها على الجواز الأصلي.
الثاني: استدل بعض الشافعية بها على أن التغليس في صلاة الصبح أفضل من التنوير لوجوه منها: أنه أضاف القرآن إلى الفجر والتقدير: أقم قرآن الفجر.
وظاهر الآية للوجوب فلا أقل من الندب حتى لا تكثر مخالفة الدليل.
والفجر انفجار ظلمة الليل فيلزم أن تكون إقامة الفجر في أول الوقت أفضل.
ومنها أنه خص الفجر بإضافة القراءة إليه فدل ذلك على أن طول القراءة في هذه الصلاة مطلوب، ولن يتم هذا المطلوب إلا إذا شرع في أدائه في أول الوقت، ومنها أنه وصف قرآن الفجر بكونه مشهوداً فقيل: أي يشهده الكثير من المصلين في العادة، أو من حقه أن يكون مشهوداً بالجماعة الكثيرة.
وقال أكثر المفسرين: معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح تنزل هؤلاء وتصعد هؤلاء في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار.
وقيل: إنهم يجتمعون خلف الإمام تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الصبح قبل أن تعرج ملائكة الليل.
فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار.
ثم إن ملائكة الليل إذا صعدت قالت: يا رب إنا تركنا عبادك لك، وتقول ملائكة النهار: ربنا لقينا عبادك وهم يصلون.
فيقول الله لملائكته: اشهدوا فإني قد غفرت لهم.
والغرض أن المكلف إذا شرع في صلاة الصبح في آخر الظلمة الذي هو أول الفجر كانت ملائكة الليل حاضرين بعد.
ثم إذا امتدت هذه الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة بالكل أو بالأكثر وحضرت ملائكة النهار، وهذا المعنى لا يحصل إذا ابتدىء بها وقت التنوير.
قال أهل التحقيق: إذا شرع في صلاة الصبح في أول وقتها شاهد في أثنائها انقلاب العالم من الظلمة - التي هي نظيره الموت - إلى الضياء الذي هو نظير الحياة، فإنه يفيء عقله من هذه الحالة إلى عجيب صنع الخلاق المدبر للأنفس والآفاق، فيزداد بصيرة وإيقاناً ومعرفة وإيماناً، وتنفتح عليه أبواب المكاشفة والمشاهدة.
وإذا كان هذا المعنى في الجماعة الكثيرة صارت نفوسهم كالمرايا المشرقة المتقابلة المتعاكسة أضواؤها الواقعة على كل منها، فيزداد كل منهم نورية وبهاء.
فيحتمل أن يكون قوله: ﴿ مشهوداً ﴾ إشارة إلى هذه الأحوال المشاهدة.
ولا ريب أنه إذا شرع في الصلاة أول انتباهه من النوم قبل أن يرد على لوح عقله وفكره النقوش الفاسدة من الأمور الدنيوية الدنية، كان أولى فإن الأنبياء ما بعثوا إلا لإزالة مثل هذه الأمراض عن النفوس.
ثم حث على قيام الليل فقال: ﴿ ومن الليل فتهجد به نافلة لك ﴾ قال أبو عبيدة وابن الأعرابي: هذا من الأضداد لأنه يقال: هجد الرجل إذا نام وهجد أيضاً إذا صلى من الليل، وبوسط الأزهري فقال: الهجود في الأصل هو النوم بالليل، ولكن تاء التفعل فيه لأجل التجنب به ومنه "تأثم" "وتحرج" وإذا ألقى الإثم والحرج عن نفسه.
فكأن به المتهجد يدفع الهجود عن نفسه.
وبوجه آخر لما كان غرض المصلي بالليل أن يطيب رقاده وهجوده بعد الموت سمي بذلك الاعتبار متهجداً.
وربما يقال: سمي تهجداً لأن الأصل فيه أن يرقد ثم يصلي ثم يرقد ثم يصلي، فهو صلاة بعد رقاد كما كانت لرسول الله ولداود كما جاء في الحديث: "أفضل القيام قيام داود كان ينام ثلثه ويقوم سدسه ثم ينام ثلثه ويقوم سدسه" قال جار الله: معنى ﴿ ومن الليل ﴾ وعليك بعض الليل ﴿ فتهجد به ﴾ وقال في التفسير الكبير: تقديره وأقم الصلاة في بعض الليل فتهجد به أي بالقرآن ومعنى نافلة زائدة كما مر في أول "الأنفال".
ثم من ذهب إلى أن صلاة الليل كانت واجبة على النبي .
زعم أن معناها كونها فريضة له زائدة على الصلوات الخمس، أو المراد أن فرضيتها نسخت عنك فصارت تطوعاً زائدة على الفرائض.
ويرد عليه أن الأمر ظاهره الوجوب فيكون بين قوله: ﴿ فتهجد ﴾ وبين قوله ﴿ نافلة ﴾ تعارض، وكذا الاعتراض على قول من يقول إن صلاة الليل لم تكن واجبة عليه.
ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله: ﴿ نافلة ﴾ قرينة صارفة للوجوب إلى الندب.
وعن مجاهد والسدي أن كل طاعة يأتي بها النبي سوى المكتوبة فإن تأثيرها لا يكون في كفارة الذنوب لأنه غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر، وإنما تكون مؤثرة في زيادة الدرجات وكثرة الثواب ولا كذلك حال الأمة فكأنه قيل للنبي: إن هذه الطاعات زوائد ونوافل في حقك لا في حق غيرك، لأن غيرك يحتاج إليها في تكفير السيئات ومن تقييد التهجد بقوله: ﴿ نافلة لك ﴾ يعلم أن قوله: ﴿ أقم الصلاة ﴾ عام له ولكل أمته وإن كان ظاهره خطاباً معه.
ثم وعده على إقامة الفرائض والنوافل بقوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك ﴾ ولا ريب أن "عسى" من الكريم أطماع واجب قال في الكشاف: انتصب ﴿ مقاماً محموداً ﴾ على الظرف أي عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاماً محموداً، أو ضمن يبعثك معنى يقيمك، أو هو حال أي يبعثك ذا مقام محمود، وقيل: إنه مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات.
والأولى أن يخص ذلك بالشفاعة لأنه الحمد إنما يكون بإزاء إنعام ولا إنعام للنبي على أمته في الآخرة إلا إنعام الشفاعة، أو لا إنعام أجل منها لأن السعي في تخليص الغير من العقاب أهم من السعي في إيصال الثواب إليه، ويؤيده رواية أبي هريرة عن النبي : "هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي." وأما ما روى عن حذيفة أن المقام المحمود هو أن يجمع الناس في صعيد واحد ولا تتكلم نفس، فأول مدعو محمد فيقول: لبيك وسعديك والشر ليس إليك، والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت.
فليس بقوي لأن هذا القول من محمد لا يوجب حمداً له من أمته إلا أن يكون من مقامات الشفاعة فيرجع إلى الأول.
وقيل: أراد مقاماً تحمد عاقبته.
وروى الواحدي عن ابن مسعود أن ذلك حين يقعد محمد معه على العرش وزيف بلزوم التحيز له .
قوله: ﴿ مدخل صدق ﴾ و ﴿ مخرج صدق ﴾ مصدران بمعنى الإدخال والإخراج، والإضافة إلى الصدق لأجل المبالغة نحو "حاتم الجود" أي إدخالاً يستأهل أن يسمى إدخالاً ولا يرى فيه ما يكره.
قال الحسن وقتادة: نزلت حين أمر بالهجرة يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة، وقيل: إن اليهود لما قالوا له اذهب إلى الشام فإنه مسكن الأنبياء وعزم رسول الله على الذهاب إليه فكأنه قيل له المعبود واحد في كل البلاد ﴿ وما النصر إلا من عند الله ﴾ فداوم على الصلاة وارجع إلى مقرك ومسكنك.
﴿ وقل رب أدخلني ﴾ في المدينة ﴿ مدخل صدق وأخرجني ﴾ منها إلى مكة ﴿ مخرج صدق ﴾ أي افتحها لي فعلى هذين القولين يكون الكلام عوداً إلى الواقعة المذكورة في قوله ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ والأولى أن يقال إنه عام في كل ما يدخل فيه ويلابسه ثم يتركه من أمر ومكان.
وقيل: أراد إدخاله مكة ظاهراً عليها الفتح وإخراجه منها آمناً من المشركين.
وقيل: إدخاله الغار وإخراجه منه سالماً.
وقيل: إدخاله فيما حمله من عظيم الأمر وهو النبوّة، وإخراجه منه مؤدياً لما كلفه من غير تفريط.
وقيل: أراد رب أدخلني الصلاة وأخرجني منها مع الصدق والإخلاص والقيام بلوازم الحضور، أو أدخلني في مجاري دلائل التوحيد وأخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة المدلول.
وقال صاحب الكشاف: أدخلني القبر إدخالاً مرضياً وأخرجني منه عند البعث ملقى بالكرامة.
يدل على هذا التفسير ذكره على أثر ذكر البعث ﴿ واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ﴾ حجة ظاهرة تنصرني بها جميع من خالفني أو ملكاً وعزاً ناصراً للإسلام وذويه.
ثم شرفه باستجابة دعائه بقوله: ﴿ وقل جاء الحق ﴾ أي الإسلام ﴿ وزهق الباطل ﴾ اضمحل الشرك من زهقت نفسه إذا خرجت ﴿ إن الباطل كان زهوقاً ﴾ غير ثابت في كل وقت وإن اتفقت له دولة وصولة كانت كنار العرفج.
عن ابن مسعود أن النبي دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً لقبائل العرب.
صنم كل - قوم بحيالهم - فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل.
فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعاً وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة - وكان من قوارير صفر - فقال: يا علي ارم به.
فحمله رسول الله حتى صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا رجلاً أسحر من محمد فلا جرم كذبهم الله وصدق نبيه بقوله: ﴿ وننزل من القرآن ﴾ "من" للبيان كقوله: ﴿ من الأوثان ﴾ أو للتبعيض أي ننزل ما هو شفاء.
وهو هذا القرآن أو بعض هذا الجنس.
وقيل: زائدة ولما كانت إزالة المرض مقدمة على السعي في تكميل موجبات الصحة ذكر كون القرآن شفاء من الأمراض الروحانية كالعقائد الفاسدة والأخلاق الدميمة ومن الأمراض الجسمانية أيضاً لما في قراءته من التيمن والبركة وحصول الشفاء للمرض كما قال : "من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله" .
ثم بين أنه رحمة للمؤمنين لما فيه من كيفية اقتناص العلوم الجليلة والأخلاق الفاضلة التي بها يصل الإنسان إلى جوار الملائكة المقرّبين بل إلى جناب رب العالمين، ولما كان قبول القابل شرطاً في ظهور الأثر من الفاعل فلا جرم ﴿ لا يزيد ﴾ القرآن ﴿ الظالمين ﴾ الذي وضعوا التكذيب مقام التصديق والشك موضع الإيقان والاطمئنان ﴿ إلا خساراً ﴾ لأن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شراً فلا يزال سماع القرآن يزيد المشركين غيظاً وحنقاً ويدعوهم ذلك إلى زيادة ارتكاب الأعمال القبيحة وهلم جراً إلى أن يدفع الله مكرهم ونكرهم.
ثم ذكر قبح شيمة الإنسان الذي جبل عليه فقال: ﴿ وإذا أنعمنا على الإنسان ﴾ أي على هذا الجنس بالصحة والغنى.
وعن ابن عباس أنه الوليد بن المغيرة.
وفي التخصيص نظر إلا أن يكون سبب النزول ﴿ أعرض ونأى بجانبه ﴾ النأي البعد، والباء للتعدية أو للمصاحبة وهو تأكيد للإعراض، لأن الإعراض عن الشيء هو أن يوليه عرض وجهه أي ناحيته.
والنأي بالجانب أن يلوي عن عطفه ويوليه ظهره، أو أراد الاستكبار لأن هذا الفعل من شأن المستكبرين.
ومن قرأ ﴿ ناء ﴾ فإما من النوء بمعنى النهوض مستثقلاً.
وإما مقلوب كقولهم: "راء" في رأى.
﴿ وإذا مسه الشر ﴾ من مرض أو فقر ﴿ كان يؤساً ﴾ شديد اليأس من روح الله.
والحاصل أنه إن فاز بالمطلوب الدنيوي وظفر بالمقصود الدني نسي المنعم الحقيقي، وإن فاته شيء من ذلك استولى عليه الأسف حتى كاد يتلف أو يدنف، وكلتا الخصلتين مذمومة ولا مقتضى لهما إلا العجز والطيش وكل بقدر كما قال: ﴿ قل كل يعمل على شاكلته ﴾ أي كل واحد من الخلائق إنما يتيسر له أن يعمل على سيرته وطريقته التي تشاكل حاله التي جبل عليها من قولهم "طريق ذو شواكل" وهي الطرق التي تتشعب منه.
﴿ فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً ﴾ لأنه الذي خلق كل شيء ورباه وهو عالم بخاصية كل نفس وبمقتضى جوهرها المشرق، أو المظلم سواء قلنا إن النفوس مختلفة بالماهيات، أو هي متساوية الحقائق واختلاف أحوالها لاختلاف أمزجة أبدانها، كما أن الشمس تعقد الملك وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار وتسود وجهه.
ولما انجر الكلام إلى ذكر الإنسان وما جبل هو عليه لزم البحث عن ماهية الروح فلذلك قال: ﴿ ويسألونك عن الروح ﴾ ذكر المفسرون في سبب نزوله أن اليهود قالوا لقريش: سلوا محمداً عن ثلاث: عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح.
فإن أجاب عن الأولين وأبهم الثالثة فهو نبي لأن ذكر الروح مبهم في التوراة، وإن أجاب عن الكل أو سكت فليس بنبي.
فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح إذا قال: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ أي مما استأثر الله بعلمه فندموا على سؤالهم.
ومن الناس من طعن في هذه الرواية لوجوه منها: أن الروح ليس أعلى شأناً من الله ، وإذا كانت معرفة الله .
ممكنة بل حاصلة فما المانع من معرفة الروح: ومنها أن هذه المسألة تعرفها الفلاسفة والمتكلمون فكيف يليق بالنبي أن يقول إني لا أعرفها مع وفور علمه وكمال معرفته؟
وكيف يصح ما روي عن ابن أبي بريدة لقد مضى النبي وما يعلم الروح.
ومنها أن جعل الحكاية دليلاً على النبوة غير معقول.
ونحن نتقصى عن المسألة فنقول: السؤال عن الروح إما أن يكون عن حقيقته أو عن حال من أحواله ككونة متحيزاً أو غير متحيز، أو قديماً أو حادثاً أو باقياً بعد البدن أو فانياً، وعلى تقدير البقاء ما سعادته وشقاوته.
وبالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة.
وقوله : ﴿ وسألونك عن الروح ﴾ ليس فيه ما يدل على تعيين شيء من هذه المسائل، فالأولى أن يحمل السؤال على السؤال عن الحقيقة لأن معرفة حقيقة النبي أهم وأقدم من معرفة حال من أحواله، فيكون قوله: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ رمز إلى أن الروح جوهر بسيط مجرد حصل بمجرد الأمر وهو قوله: ﴿ كن فيكون ﴾ لأن الآية دلت على أن الروح من أمر الرب.
وقال في آخر سورة يس ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ﴾ ينتج أن الروح إذا أراده فإنما يقول له كن فيكون، ومنه يعلم أنه شيء مغاير للأجسام المتوقعة على المادة والمدة وللأعراض الموقوفة على الأجسام، وأنه بسيط محض وإلا لتوقف على انضمام أجزائه.
ولا يلزم من كون الروح كذلك كونه مشاركاً للباري في الحقيقة، فإن الاشتراك في اللوازم لا يقتضي الاشتراك في الملزومات.
وليس في الآية دلالة على حدوث الروح إلا بحسب الذات، بل لمستدل أن يستدل بها على قدمه بالزمان إذا لو كان متوقفاً على الزمان لم يكن حاصلاً بمجرد الأمر والمفروض خلافه.
ولما كان أمر الروح مشتبهاً على الناس كلهم أو جلهم ختم الآية بقوله: ﴿ وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً ﴾ وذلك أن الإنسان وإن كمل علمه وكثرت معرفته بحقائق الأشياء ودقائقها فإن ما علم يكون أقل ما لم يعلم، فإذا نسب معلومه إلى معلومات الله المشار إليها بقوله: ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ﴾ ﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي ﴾ كان كلا شيء فإنه لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلاً.
وقال بعض المفسرين: هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي : قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة وقد تلوت: ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً ﴾ فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله، وذكر الإمام فخر الدين الرازي أن قوله: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ يدل على أن الروح حادث لأن الأمر قد جاء بمعنى الفعل.
قال : ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ أي فعله وقال: ﴿ ولما جاء أمرنا ﴾ أي فعلنا.
وإذا حصل الروح بفعل الله وتكوينه كان من المحدثات.
ثم ذكر حجة أخرى على حدوث الروح مستنبطة من قوله : ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ ووجه تقريرها أن الإنسان بل روحه في مبدأ الفطرة خال عن العلوم والمعارف، ثم لا يزال يحصل له المعارف فهو دائماً في التبدل والتغير من النقصان إلى الكمال وكل متغير محدث.
ومنع كلية هذه القضية عند الخصم مشهور على أن حمل وقت قلة العلم على أول الفطرة تخصيص من غير دليل، مع أن ظاهر الآية يدل على أن الإنسان وإن أوتي حظاً من العلم وافراً، فإنه قليل بالإضافة إلى علم عالم الذات.
وقيل: الروح المذكور في الآية هو القرآن الذي تسبب لحياة الروح كأن القوم استعظموا أمره فسألوا إنه من جنس الشعر أو من جنس الكهانة فأجابهم الله بأنه ليس من جنس كلام البشر وإنما هو كلام ظهر بأمر الله ووحيه وتنزيله.
وقيل: هو ملك في غاية العظم والشرف وهو المراد من قوله : ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ ونقل عن علي أن له سبعين ألف وجه، ولكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله بتلك اللغات كلها ويخلق الله من كل تسبيحة ملكاً يطيرمع الملائكة يوم القيامة ولم يخلق الله خلقاً أعظم من الروح غير العرش، ولو شاء الله أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع بلقمة واحدة لفعل.
وأمثال هذه الروايات مسرحة إلى بقعة الإمكان ولا وجه للاعتراض عقلاً عليه.
وقال الحسن وقتادة: هذا الروح جبرائيل كأنهم سألوا الرسول كيف جبرائيل في نفسه وكيف قيامه بتبليغ الوحي؟
فأمر بأن يقول الروح من أمر ربي أن نزوله بأمر الرب كقوله: ﴿ ما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ وقال مجاهد: الروح خلق ليسوا بالملائكة على صورة بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس يأكلون كما يأكل الناس، وليسوا بالناس.
وزيفت هذه الأقوال بأن صرف السؤال عن الروح الإنساني الذي تتوفر دواعي العقلاء على معرفته إلى أشياء مجهولة الوجود مستنكر.
واعلم أن للعقلاء في حقيقة الإنسان اختلافات كثيرة، وإذا كان حال العلم بأقرب الأشياء إلى الإنسان وهو نفسه هكذا، فما ظنك بما هو الأبعد!
ولنذكر بعض تلك المذاهب فلعل الحق يلوح في تضاعيف ذلك فنقول: العلم الضروري حاصل بوجود شيء يشير إليه كل واحد بقوله "أنا" فذلك المشار إليه إما أن يكونه جوهراً مفارقاً، أو جسماً هو هذه البنية، أو جسماً داخلاً فيها أو خارجاً عنها أو عرضاً.
أما المتكلمون فالجمهور منهم ذهبوا إلى أن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، وزيف بأن البدن دائماً في التغير والتبدل.
والمشار إليه بأنا واحد من أول العمر إلى آخره، وبأن الإنسان غير غافل عن نفسه حين ما يكون ذاهلاً عن أجزاء بدنه، بأن النصوص الواردة في القرآن والخبر كقوله عز من قائل: ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتاً بل أحياء ﴾ ، ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي ﴾ ﴿ النار يعرضون عليها غدواً أو عشياً ﴾ {الزمر: 46] وكقوله : "أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران وقوله في خطبة طويلة: حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش ويقول يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال من حله وغير حله فالهناء لغيري والتبعة عليّ فاحذر وامثل ما حل بي" توجب مغايرة النفس للبدن، وبأن جميع فرق الدنيا من أرباب الملل والنحل يتصدقون عن موتاهم يزورونهم ويدعون لهم بالخير، وبأن الميت قد يرى في المنام فيخبر عن أمور غائبه وتكون كما أخبر، وبأن الإنسان قد يقطع عضو من أعضائه ويعلم يقيناً أنه هو الذي كان قبل ذلك، وبثبوت المسخ في حق طائفة من أهل الكتاب وليس المسخ إلا تغيير البنية مع بقاء الحقيقة، وبأن جبرائيل قد رؤي في صورة دحية، وإبليس رؤي في صورة الشيخ النجدي، فعلم أن لا عبرة بالبنية، وبأن الزاني يزني بفرجه فيضرب على ظهره، فعلم أن المتلذذ والمتألم شيء آخر سوى العضوين، وبأنا نعلم ضرورة أن العالم الفاهم للخطاب إنما هو في ناحية القلب ليس جملة البدن ولا شيئاً من الأعضاء.
أما إن قيل: الإنسان جسم هو في داخل البدن.
فاعلم أن أحداً من العقلاء لم يقل بأن الإنسان عبارة عن الأعضاء الكثيفة الصلبة التي غلبت عليها الأرضية كالعظم والغضروف والعصب والوتر والرباط والشحم واللحم والجلد، ولكن منهم من قال: إنه الجسم الذي غلب عليه المائية من الأخلاط الأربعة، أعني الدم بدليل أنه إذا خرج لزم الموت.
ومنهم من قال: إنه الذي غلب عليه الهوائية والنارية وهو الروح الذي في القلب، أو جزء لا يتجزأ في الدماغ، ومنهم من يقول: اختلطت بهذه الأرواح القلبية والدماغية أجزاء نارية مسماة بالحرارة الغريزية وهي الإنسان.
ومنهم من قال: إذا تكوّن بدن الإنسان وتم استعداده نفذت فيه أجرام سماوية نورانية لطيفة الجوهر على طبيعة ضوء الشمس غير قابلة للتبديل والتحويل ولا للتفرق والتمزق، نفوذاً يشبه نفوذ النار في الفحم والدهن في السمسم وماء الورد في الورد.
وهذا النفوذ هو المراد بقوله: ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ ثم إذا تولد في البدن من أخلاط غليظة منعت من سريان تلك الأجسام فيها، فانفصلت لذلك عن البدن فحينئذ يعرض الموت للجوهر.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: هذا مما ذهب إليه ثابت بن قرة وغيره وهو مذهب قوي شريف يجب التأمل فيه فإنه شديد المطابقة لما في الكتب الإلهية من أحوال الحياة والموت.
قلت: أما نفوذ الجوهر النوري في البدن كنفوذ الدهن في السمسم فمسلم، وأما أنه أجرام وأجسام ففيه نظر، واعلم أنه لم يذهب أحد إلى أن الإنسان جسم خارج عن البدن، ولا إلى أنه عرض حال في البدن إلا ما نقل عن الأطباء، وعن أبي الحسين البصري من المعتزلة، أن الإنسانية عبارة عن امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص وعلى نسبة معلومة تخص هذا الصنف.
ومن شيوخ المعتزلة من قال: الإنسان عبارة عن أجزاء مخصوصة بشرط كونها موصوفة بأعراض مخصوصة هي الحياة والعلم والقدرة.
ومنهم من قال: إنه يمتاز عن سائر الحيوانات بشكل جسده وهيئة أعضائه.
والصحيح من المذاهب عند أكثر علماء الإسلام - كالشيخ أبي القاسم الراغب الأصفهاني والشيخ أبي حامد الغزالي، من قدماء المعتزلة معمر بن عباد السلمي، ومن الشيعة الشيخ المفيد ، ومن الكرامية جماعة، ومن الفلاسفة الإلهيين كلهم - أن الروح الإنساني جوهر مجرد ليس داخل العالم الجسماني ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، ولكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف كما أن إله العالم لا تعلق له بالعالم إلا على سبيل التصرف والتدبير، ومهما انقطعت علاقته عن البدن بقي البدن معطلاً ميتاً، واستدلوا على هذا المطلوب بحجج منها ما اختاره الإمام فخر الدين الرازي وهي لو كان الإنسان جوهراً متحيزاً لكان كونه متحيزاً عن ذاته المخصوصة إذ لو كان صفة قائمة بها لزم كون الشيء الواحد متحيزاً مرتين ولزم اجتماع المثلين.
وأيضاً لم يكن جعل أحدهما ذاتاً والآخر صفة أولى من العكس.
وأيضاً التحيز الثاني إن كان عين الذات فهو المقصود، وإن كان صفة لزم التسلسل، وإذا كان التحيز عين ذاته لزم أنه متى عرف ذاته عرف تحيزه لكنا قد نعرف ذاتنا مع الجهل بالتحيز والامتداد في الجهات الثلاث وذلك ظاهر عند الاختبار والامتحان، وإذا كان اللازم باطلاً فالملزوم منتفٍ وعورض بأنه لو كان الإنسان جَوهراً مجرداً لكان كل من عرف ذاته عرف تجرده وليس كذلك.
وأجيب بالفرق بين التحيز - وهو صفة ثبوتية - وبين التجرد وهو صفة سلبية، ومنها أن الشيء الذي يشير إليه كل واحداً بقوله: "أنا واحد" بالبديهة، ولأن الغضب مثلاً حالة نفسانية تحدث عند محاولة دفع المنافي مشروطاً بالشعور بكون الشيء منافياً.
فالذي يغضب لا بد أن يكون هو بعينه مدركاً، ولأن اشتغال الإنسان بالغضب وانصبابه إليه يمنعه من الاشتغال بالشهوة والانصباب إليها.
فعلمنا أنهما صفتان مختلفتان لجوهر واحد إذ لو كان لكل منهما مبدأ مستقل لم يكن اشتغال أحدهما بفعله مانعاً للآخر، وأيضاً شيئاً فقد يكون الإدراك سبباً لحصول الشهوة، وقد يكون سبباً للغضب، فعلمنا أن صاحب الإدراك بعينه هو صاحب الشهوة والغضب.
وأيضاً النفس لا يمكنها أن تتحرك بالإرادة إلا عند حصول الداعي ولا معنى للداعي إلا الشعور بخير يرغب في جذبه أو بشر يرغب في دفعه، وهذا يقتضي أن المتحرك بالإرادة هو بعينه المدرك للخير والشر واللذيذ والمؤذي والنافع والضار، وهو المبصر والسامع والشام والذائق واللامس والمتخّيل والمتفكر والمشتهي والغاضب بوساطة آلات مختلفة وقوى متغايرة.
وإذا ثبت ذلك فلو كانت النفس عبارة عن جملة البدن كان للكل أثر واحد، ولو كانت جزءاً من أجزاء البدن كانت قوة سارية في جميع أجزاء البدن، والوجود بخلاف الكل فحصل اليقين بأن النفس شيء مغاير لكل البدن ولكل جزء من أجزائه.
ومنها أن الاستقراء يدل على أحوال النفس بالضد من أحوال الجسد لأن الجسم إذا قبل شكل التثليث مثلاً امتنع أن يقبل حينئذ شكل التربيع ولا كذلك حال النفس، فإن إدراك كل صورة يعينها على إدراك ما عداها ولذلك يزداد الإنسان فهماً وذكاء بازدياد العلوم.
وأيضاً كثرة الأفكار توجب قوة للنفس وتستدعي استيلاء النفس على الدماغ وقد تصير أبدان أرباب الرياضة في غاية النحافة والهزال وتقوى نفوسهم بحيث لا يلتفتون إلى السلاطين وأصحاب الشوكة والقوة، ومما يختص بهذه الآية التي نحن في تفسيرها أن الروح لو كان جسماً منتقلاً من حالة إلى حالة لكان مساوياً للبدن في كونه متولداً من أجسام متغيرة من صفة إلى صفة، فحيث سئل رسول الله عن الروح كان الأنسب أن يقول: إنه جسم كان كذا ثم صار كذا وكذا كما ذكر في كيفية تولد البدن أنه كان نطفة ثم صار علقة ثم مضغة إلى آخره.
والأحاديث الواردة في أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد تؤكد ذلك الرأي الذي ادعينا من أن النفس شيء مغاير للبدن ولأجزائه والله أعلم بحقائق الأمور.
قال أهل النظم: لما بين أنه ما أتاهم من العلم إلا القليل أراد يبين أنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل لقدر عليه فقال: ﴿ ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ﴾ قلت: في نسبة علم القرآن إلى القلة خروج من الأدب فالأولى في وجه النظم أن يقال: إنه لما كشف لهم الغطاء عن مسألة الروح، وبين أن ذلك من العلوم الإلهية التي لا نهاية لها لا من العلوم الإنسانية القليلة، وكان فيه بيان كمال علمه ونقصان علم الإنسان، أراد أن يبين غاية قدرته ونهاية ضعف الإنسان أيضاً فبين أنه قادر على ذهاب القرآن ونحوه عن الصدور والمصاحف، وسيكون ذلك في آخر الزمان كما جاء في الروايات ثم لا يجد النبي - الذي هو أكمل أنواع الإنسان - من يتوكل عليه باسترداده فضلا عن غيره ﴿ إلاَّ رحمة من ربك ﴾ استثناء متصل أي إلا أن يرحمك بربك فيرده عليك كأن رحمته تتوكل عليه بالرد، أو منقطع معناه ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به ﴿ إن فضله ﴾ بإيحاء القرآن إليك ثم إبقائه عليك أو بهذا وبسائر الخصائص والمزايا ﴿ كان عليك كبيراً ﴾ وفيه أن نعمة القرآن وبقاءه محفوظاً في الصدور مسطوراً في الدفاتر من أجلّ النعم وأشرفها، فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن شكرها والقيام بمواجبها جعلنا الله ممن يراعي حق القرآن ويعمل بمقتضاه.
واحتج الكعبي بالآية على أن القرآن مخلوق لأن ما يمكن إزالته والذهاب به يستحيل أن يكون قديماً، وأجيب بأن إزالة العلم عن القلوب والذهاب بالنقوش الدالة عليه في المصاحف لا يوجب حدوث الكلام النفسي الذي هو محل النزاع.
ثم دل على أن الذي أوحى إليه ليس من جنس كلام المخلوقين فقال: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ الآية.
وقد مرّ وجه إعجاز القرآن في أوائل سورة البقرة.
فإن قيل: هب أنه ظهر عجز الإنسان عن معارضته فكيف يعرف عجز الجن عن معارضته، ولم لا يجوز أن يقال: إن الجن أعانوه على هذا التأليف سعياً في إضلال الخلق؟
وإخبار محمد بأنه ليس من كلام الجن يوجب الدور وليس لأحد أن يقول: إن الجن ليسوا بفصحاء، فكيف يعقل أن يكون القرآن كلامهم لأنا نقول: التحدي مع الجن إنما يحسن لو كانوا فصحاء؟
فالجواب أن عجز البشر عن معارضته يكفي في إثبات كونه معجزاً.
ثم إن الصادق لذي ثبت صدقه بظهور المعجز على وفق دعواه أخبر أن الجن أيضاً عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن فسقط السؤال بالكلية.
على أنه قد أجاب عنه في آخر سورة الشعراء بقوله: ﴿ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ﴾ وسوف يجيء تفسيره إن شاء الله .
قالت المعتزلة: التحدي بالقديم محال.
وأجيب بمثل ما مر أن محل النزاع هو الكلام النفس لا الألفاظ التي يقع التحدي بها وبفصاحتها.
ثم بين أنهم مع ظهور عجزهم بقوا مصرين على كفرهم فقال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ رددنا وكررنا ﴿ للناس في هذا القرآن من كل مثل ﴾ "من كل" معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه وذلك كدلائل التوحيد والنبوة والمعاد وكالقصص اللائقة وغيرها من المواعظ والنصائح.
﴿ فأبى أكثر الناس ﴾ فيه معنى النفي كأنه قيل: فلم يرضوا ﴿ إلا كفوراً ﴾ وجحوداً.
قال أهل البرهان: إنما لم يذكر الناس في أوائل السورة حين قال: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا ﴾ لتقدم ذكرهم في السورة.
وذكرهم في "الكهف" إذا لم يجر ذكرهم وذكر الناس ههنا وإن جرى ذكرهم دفعاً للالتباس، لأن ذكر الجن أيضاً قد جرى وقدم للناس على قوله: ﴿ في هذا القرآن ﴾ كما قدمه في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ وأما في "الكهف" فعكس الترتيب لأن اليهود سألته عن قصة أصحاب الكهف وغيرها.
وقد أوحاها الله إليه في القرآن فكانت العناية بالقرآن أكثر فكان تقديمه أجدر.
التأويل: ﴿ وإن كادوا ليفتنونك ﴾ أي من عمى قلوبهم ﴿ ولولا أن ثبتناك ﴾ بالقول الثابت وهو قول "لا إله إلا الله" إلى أن بلغت حقيقة "لا إله إلا الله" ﴿ شيئاً قليلاً ﴾ وإنما وصفه بالقلة لأن بشريته مغلوبة وروحانيته غالبة.
﴿ ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ أي نحيي نفسك وأذقناك عذاب حياتها واستيلائها على الروح ونميت قلبك.
وأذقناك عذاب مماته وضعف روحك وبعده عن الحق.
﴿ سنة من قد أرسلنا ﴾ أي جرت عادة الله بأن يجعل لكل نبي عدواً يؤذيه ويمكر به.
ثم بين طريق خلاص الأنبياء والأولياء عن ورطة الابتلاء فقال: ﴿ أقم الصلاة ﴾ أي أدّها بالقلب الحاضر نهاراً وليلاً.
﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ بشواهد الحق بل الحق مشهود له.
ثم ﴿ أدخلني مدخل صدق ﴾ يعني السير في الله بالله ﴿ وأخرجني مخرج صدق ﴾ من حولي وأنانيتي ﴿ واجعل لي من لدنك ﴾ لا من لدن غيرك.
وفيه أن كل ذي مقام فإنه لا يصل إلى مقام إلا بسعي يلائم الوصول إلى ذلك المقام كقوله: ﴿ وسعى لها سعيها ﴾ .
"روي أن رجلاً جاء إلى النبي يعرض حاجة فقال : ما تريد؟
فقال: مرافقتك في الجنة.
فقال : أو غير ذلك؟
فقال الرجل: بلى مرافقتك في الجنة.
فقال النبي : فأعني على نفسك بكثرة السجود" ﴿ جاء الحق ﴾ من الواردات والشواهد وتجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وزهق الباطل ﴾ وهو كل ما خلا الله من الموجودات ومن الخواطر كقوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ﴾ لأن كلام الحبيب طبيب القلوب إن الأحاديث من سلمى تسليني *** ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ قال العارفون: لله عالمان: عالم الأمر الذي خلق لا من شيء، وعالم الخلق الذي خلق من شيء ويعبر عنهما بالآخرة والدنيا والملكوت والملك والغيب والشهادة.
والمعنى والصورة والباطن والظاهر والأرواح والأجسام، وما روي أنه قال: "أول ما خلق الله جوهرة" - وفي رواية - "درّة فنظر إليها فذابت" "أول ما خلق الله اللوح" "أول ما خلق الله روحي" وفي رواية "نوري" "وأول ما خلق الله العقل" "وأول ما خلق الله القلم" وما قيل عن بعض السلف إن أول ما خلق الله على الإطلاق ملك كروبي.
فالأسماء مختلفة والمسمى واحد وهو روح النبي .
فباعتبار أنه كان درة صدف الموجودات سمي درة وجوهرة، وباعتبار نورانيته سمي نوراً، وباعتبار وفور عقله سمي عقلاً، إذ قال له أقبل إلى الدنيا رحمة للعالمين فأقبل.
ثم قال له: أدبر أي ارجع إلى ربك فأدبر عن الدنيا ورجع إلى المعراج، ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إليّ منك، بك أعرف، وبك آخذ، يعني طاعة من أخذ منك الدين والشريعة، وبك أعطي أي بشفاعتك أعطي الدرجات العالية، وبك أعاقب الكافرين وبك أثبت المؤمنين.
وباعتبار جريان الأمور على وفق متابعته والاقتداء به سمي قلماً، وباعتبار غلبات صفات الملائكة عليه سمي ملكاً كروبياً، ولأن كل الأرواح خلقت من روحه كان أم الأرواح وروحها فلهذا قيل له "أمي".
وقد ورد في الحديث: "آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة" ولما كان الروح خليفة الله اتصف بالأزلية دون الأبدية، ولما كان الجسد خليفة الروح فبالروح قوامه وقيامه لم يكن الجسد أزلياً ولا أبدياً إلا بتبعية الروح.
ثم أخبر عن عزة القرآن وغيرة الرحمن بقوله: ﴿ ولئن شئنا لنذهبن ﴾ الآية.
وفيه أنه لا يقدر على الإتيان والذهاب به إلا الله لكنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ والمراد بالجن كل ما هو مستور عن العيون فيتناول الملائكة أيضاً.
وفيه أنه لا مثل لصفاته حتى الكلام كما أنه لا مثل لذاته والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ﴾ : فيشبه أن يكون النعمة التي ذكر هو محمد؛ لما ذكرنا أنهم كانوا في حيرة وعمى لا يجدون السبيل إلى دين الله، ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ﴾ فذلك الإعراض الذي ذكروا، والله أعلم، فبعث الله محمداً ليدعوهم إلى دين الله ويبين سبيله، فذلك منه نعمة عظيمة أعرضوا عنها وتباعدوا عنها.
ويشبه أن يكون ما قاله أهل التأويل إنه إذا وسع عليه الرزق والعيش أعرض عن الدعاء له وتباعد بجانبه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَئُوساً ﴾ ، أي: يائساً من الخير ألا يعود إليه أصلاً، وهكذا كانت عادتهم أنهم [كانوا] يخلصون الدعاء له إذا مسّهم سوء وأصابتهم شدة، ويكفرون به إذا تجلى ذلك عنهم وانكشف، كقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ...
﴾ الآية [العنكبوت: 65].
﴿ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ...
﴾ الآية.
وأمثاله، وكان الناس كلهم فرقاً أربعة: منهم من كان مذهبهم ما ذكرنا: أنهم كانوا يخلصون له الدعاء في حال الشدة ويكفرون في حال الرخاء.
ومنهم من كان يؤمن به في حال الرخاء والنعمة ويكفر به في حال الشدة، كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ الآية [الحج: 11].
وهم أهل النفاق.
ومنهم من يكفر به في الأحوال كلها كقوله: [...].
والفرقة الرابعة هم أهل الإسلام يؤمنون به في حال الرخاء وحال الشدّة في الأحوال كلها، على هذا كانوا في الأصل، وعلى هذا يجيء أن يكون قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَئُوساً ﴾ من الأصنام، كقوله: ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ فيكون إياسهم من الأصنام التي عبدوها.
لكن أهل التأويل صرفوا إلى ما ذكرنا من الإياس عن الخير من [أن يعود إليهم.
وقوله : ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ ﴾ : لسنا نعلم إزاء أي سبب كان هنالك حتى قال: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ ﴾ ؛ إذ إنه يجوز أن يقال هذا بلا سبب كان منهم، لكن يشبه أن يكون] قال هذا على الإياس من إيمانهم لما لم يزدهم دعاؤه إياهم وكثرة تلاوة آياته عليهم وإقامة حججه عليهم - إلا عناداً وإنكاراً، فقال عند ذلك: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ ﴾ ، أي: على دينه وطريقته، كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ ، فهو كله على الإياس عن أن يؤمنوا به ويقبلوا دينه، ثم قال: ﴿ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً ﴾ ، أي: ربكم أعلم بمن منا على الهدى، ومن ليس.
أو [من] منا أهدى سبيلاً نحن أو أنتم؟
وقال أبو عوسجة: الشاكلة: الحاضرة أي: على ناحيته.
وقال القتبي: شاكلته، أي: على خليقته [وطبيعته].
وقال قطرب: على طريقته، وكأن هذا أشبه.
وقال بعضهم: على نيته.
وقيل: على دينه ومذهبه.
وقيل: على جديلته ومنهاجه، وكله يرجع إلى واحد.
ويشبه أن يكون: أي: كل يعمل بما هو الشبيه به وما هو يشبهه؛ لأن الشكل هو ما يشبه الشيء، يقال: هذا شكل هذا، وقوله: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ ﴾ على قول من يقول على خليقة خلق عليها؛ لأنه خلق على علم منه أنه يختارها ويؤثرها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾ قيل: ذاهباً باطلاً، لا يجدي لأهله نفعاً؛ لأنه يتلاشى ولا يبقى، والحق يجدي لأهله نفعاً ويبقى، وعلى ذلك ضرب الله مثل الحق بالشيء الذي يبقى، وضرب مثل الباطل بالشيء الذي لا يبقى ولا يثبت؛ فقال: ﴿ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، وقد ذكرناه في موضعه: ضرب مثل الباطل بالزبد وهو يتلاشى، لا ينتفع به؛ فعلى ذلك الباطل، وضرب مثل الحق بالماء، وهو يبقى في الأرض، وينفع الناس، وضرب مثل الباطل - أيضاً - بالشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار بقوله: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ...
﴾ الآية [إبراهيم: 26]، وضرب مثل الحق بالشجرة الطيبة الثابتة في الأرض ذات قرار وثبات بقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .
فهو على ما وصفها: الحق ثابت باق وله قرار ينفع أهله، والباطل يرى ثم يتلاشى ولا بقاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ : اختلف فيه: قال أبو بكر الأصم: الروح: القرآن هاهنا، كقوله: ﴿ يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ...
﴾ الآية [الشورى: 52].
﴿ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ ، أي: من تدبير ربي، ما لو اجتمع الخلائق ما قدروا على مثله.
فإن قيل: كيف سألوا عن القرآن، وهم لم يقروا بالقرآن؟
فقال: سمّوه: قرآناً وروحاً على ما عنده - أعني: عند رسول الله - كقوله: ﴿ وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ ﴾ وهم لم يكونوا أقروا أنّه رسول، ولكن سمّوه: رسولاً؛ لما [أنه] عند نفسه وزعمه رسول، أي: ما لهذا الذي يزعم أنه رسول يأكل الطعام؟
فعلى ذلك قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ﴾ وهو الذي به حياة الأبدان من هلاك الضلال، أي: من تمسك به نجا من هلاك الضلال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ ، أي: بأمر ربي ينزل.
وعن ابن عباس - - قال: ﴿ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ ، أي: من خلق ربي، وهما واحد.
وقال بعضهم: الروح: هو الملك وإنما سألوه عنه، كقوله: ﴿ تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا ﴾ : يعني: الملك.
وقال بعضهم: إنما سألوا عن الروح المعروف الذي به حياة الأبدان، لكنه لم يجبهم، فوكل أمره إلى الله لما لا يدركون ذلك لو بين لهم وأمثاله.
وروى عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه كان ينهى عن الخوض في الكلام، ويحتج بظاهر هذه الآية؛ حيث سألوه عن الروح، فلم يجبهم، ولكن فوض أمره إلى الله، وما سئل من الأحكام إلا وقد بين لهم كقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ...
﴾ الآية [البقرة: 219]، و ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ...
﴾ الآية [الأنفال: 1]، و ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ ﴾ ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ﴾ ، ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ﴾ ، مثل هذا ما سئل عن شيء من الأحكام إلا وقد أجابهم وبين لهم بياناً شافياً، وقال هاهنا: ﴿ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ .
وقال جعفر بن حرب: إن الله قد أمر بالتكلم في الكلام بقوله: ﴿ وَجَٰدِلْهُم...
﴾ الآية [النحل: 125]، وقال: ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ...
﴾ الآية [الكهف: 22].
ونحوه، فكيف نهى عن الخوض في الكلام؟
لكن أبا يوسف إنما نهى عن الخوض في الكلام الذي لا يدرك ولا يزيد الخوض فيه إلا حيرة وضلالاً نحو ما روى عن نبي الله أنه قال: "تفكروا في المخلوق ولا تتفكروا في الخالق" لأنه لا يدرك، فالتفكر فيما لا يدرك لا يزيد إلا عمى وحيرة وتيهاً، وأمّا الخوض في الذي يدرك ويعقل فإنه لم ينه عن مثله.
وأصله: ما ذكرنا من إباحة التكلم في الدين والخوض في الكلام في كثير من الآيات من ذلك قوله: ﴿ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...
﴾ الآية [النحل: 125].
ونحوه.
قال الشيخ - رحمه الله -: أو لا نفسر الروح ما هو؟
لما لا يعلم ما أرادوا بالروح وهم قد علموا ما أرادوا.
أو علم رسول الله ما سألوا، وإنما سألوا ذلك عما في كتبهم؛ ليعلموا صدقه فيما يدعي من الرسالة؛ لما علموا أن غير الرسول لا يعلم ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .
قال بعضهم: أي: ما أوتيتم من العلم الذي به مصالحكم وما جاءكم إلا قليلاً.
وقال بعضهم: أي: ما أوتيتم من العلم الذي أنشأه والعلم الذي عنده إلا قليلاً، وهو هكذا: أنا لم نؤت من العلم إلا علم ظواهر الأشياء وباديها، لم نؤت علم بواطن الأشياء وحقائقها، وذلك أنا نعلم أن البصر يبصر، والسمع يسمع، واللسان ينطق، واليد تقبض وتأخذ، والرجل تمشي، والعقل يدرك، لكن لا نعلم المعنى الذي جعل فيه به يسمع وبه يبصر وبه ينطق وبه يأخذ وبه يمشي وبه يدرك، وكذلك نعرف هذه الحيوانات التي نشاهدها ونعايشها بأن هذا حمار، وهذا ثور، وهذا كذا، ولكن لا نعرف المعنى الذي [به] صار هذا حماراً، أو هذا ثوراً، وكذلك كل جواهر وأجناس، فلا نعرف من العلوم التي أنشأها الله إلا القليل منها - ظواهرها - وأما الحقائق فلا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ من يقول بأن الروح الذي سألوه عنه هو الوحي والقرآن الذي أنزل عليه يحتج بهذه الآية، وبقوله: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ لما خرج ذكرها على أثر سؤال الروح، فدلّ أنه ما ذكرنا، وقد ضل بهذه الآية فريقان: الحشوية، والمعتزلة.
أمّا الحشوية فإنهم يقولون: إن القرآن والكلام هو صفة الله الذي هو لم يزل به موصوفاً، وإنه لا يزايله، ثم [إنهم] يقولون: القرآن في المصاحف بعينه وهو في الأرض وفي القلوب، فقولهم مناقض؛ لأنه إذا كان صفته لا هو ولا غيره، لا يجوز أن يكون في المصاحف بعينه أو في الأرض أو في القلوب.
قال الشيخ أبو منصور - رحمه الله -: أمّا الذي في المصاحف هذا ما يفهم به ذلك أو ما يوافق به ذاك - أعني: القرآن - ويقال: هذا حكاية عن ذلك.
وأما المعتزلة: فإنهم ينكرون خلق أفعال العباد، ثم يقولون: إن القرآن مخلوق؛ فعلى زعمهم يكون القرآن والكلام ما يكتب ويثبت ويمحى، وذلك فعل العباد، ثم يقولون: أفعالهم غير مخلوقة؛ فذلك تناقض في القول بيِّن.
وعلى قولنا: ما ذكر من الذهاب والمجيء كله على المجاز، أي: الموافقة لا على الحقيقة، كما يقال: سمعت كلام فلان وقول فلان، وكتبت حديث فلان ونحوه؛ فذلك كله على المجاز لا على التحقيق؛ لأنه لا يسمع قول فلان حقيقة ولا كلامه ولا حديثه، ولكن يسمع صوتاً يفهم به قوله وكلامه وحديثه، فعلى ذلك الأول يذهب بالذي يسمع ويكتب، فأما حقيقة ذلك فلا يوصف بشيء من ذلك.
وبعد: فإنه قد أضيف المجيء إلى الذي لا يعرف منه ذلك، ثم يحتمل قوله: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ ، أن يكون صلة قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ حتى لا يظفر به، وإلا كان رسول الله يعلم أنه لو شاء لذهب بالذي أوحى إليه وقادر عليه وله رفعه، وكذلك يعرف هذا كل مؤمن.
وإن كانت الآية على الابتداء فهو يخرج على ذكر المنة والرحمة، أي: له أن يرفع هذا الذي أوحى إليه؛ ليعلموا أن إبقاء النبوة والوحي فضل منه ورحمة، وكذلك الوحي إليه في الابتداء وبعثه رسولاً إليهم فضلاً واختصاصاً لا استحقاقاً منه واستيجاباً، كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ، وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ أخبر أن النبوة له وما أرسل إليه اختصاصاً منه وفضلاً، لا استحقاقاً منه؛ فعلى ذلك إبقاء النبوة والوحي رحمة وفضل منه.
وفيه دلالة نقض قول المعتزلة من وجوه: أحدها: ما قالوا: إنه لا يختار الله أحداً لرسالته ونبوته إلا من كان مستحقّاً لها ومستوجباً لذلك، وقد أخبر أنه بفضله واختصاصه أرسله رسولاً، وبفضله ورحمته أبقاها وتركها بعدما أوحى إليه وأرسله رسوله.
والثاني: فيه أن له أن يفعل ما ليس هو بأصلح لهم في الدين، حيث أوعد لهم برفع ما أوحى إليه [وأرسله] وإذهابه إياه، ولا يوعد إلا بما له أن يفعل ما أوعد؛ إذ لا يوعد بما ليس له الفعل في الحكمة، ثم لا شك أن إبقاء النبوة وترك ما أوحى إليه أصلح لهم من رفعها وتركه إياهم خلوّاً عن ذلك، دلّ أنه قد يفعل ما ليس لهم بأصلح لهم في الدين.
وفيه أنه قد يكلف خلقه التوحيد والإيمان وإن لم يرسل رسولاً ولا أوحى إليه وحياً؛ لأنه معلوم أنه لو لم يرسل الرسول، ولا كانوا مكلفين في أنفسهم، لكان خلقه إياهم عبثاً ليتركهم سدى؛ فدل أنهم مكلفون بتوحيده ومعرفته وإن لم يرسل ولا أوحى؛ حيث أخبر أن بعث الرسالة وإبقاءها فضل منه ورحمة بقوله: ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ﴾ : وقوله: ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ﴾ .
أي: إبقاء النبوة والوحي رحمة من ربك، وفضله - أيضاً - في إبقاء ذلك كبيراً.
وفيه أن الحفظ والنسيان - وإن كانا من العبد - فلله فيهما صنع به يحفظ؛ حيث قال: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ ، أخبر أنه لو شاء، لذهب بالمحفوظ في القلب وينسيه؛ دلّ أن له قدرة في فعل العبد.
وفي قوله: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ وجه آخر من الحكمة؛ وهو أن يعلم المؤمنون: أن الفضل كله من الله؛ لئلا يروا لأنفسهم في ذلك فضلاً ومعنى، وإليه يضيفون جميع ما يجرى على أيديهم من أفعال الخير والطاعة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ .
يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ ، ثم لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما قدروا عليه، وقوله: بمثله، أي: به، كقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ أي: ليس كهو شيء؛ إذ لا مثل له؛ فدلّ أن قوله: ﴿ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ ، أي: لا يقدرون أن يأتوا به بعد ما عرفوه وعاينوه؛ فلئلا يقدروا على إتيانه ابتداء قبل أن نظروا فيه وعرفوا مثاله - أشدّ وأبعد؛ إذ نظم الشيء وتصوره بعدما عاينوا الأشياء والصّور أهون وأيسر من تصويرها ونظمها قبل أن يعاينوها ويشاهدوها.
وجائز أن يستدل بهذه الآية على أنه كان مبعوثاً إلى الإنس والجن جميعاً حيث قال: ﴿ لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ ﴾ ؛ لأنه لو لم يكن مبعوثاً إلى الفريقين جميعاً لم يكن لذكرهما معنى وفائدة.
وفيه دلالة: أن في الجن من لسانه لسان العرب؛ إذ لو لم يكن [كذلك، لم يكن] لذكر أولئك [معنى] ثم جائز أن يكون قوله: ﴿ لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ ﴾ ، أي: الإنس مع الجن، أو هؤلاء مع هؤلاء، ﴿ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ .
وقال بعض أهل التأويل: إنما ذكر هذا لقولهم: إنه سحر وإنما يعلمه بشر [النحل: 103] وقولهم: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى ﴾ وقولهم: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ \[المؤمنون: 38\]، ومثله، يقول: إن الإفك والسحر وما ذكرتم لا يكون إلا من هذين، من الجن والإنس، فأخبر أنهم لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله ما قدروا عليه.
والدلالة على أنهم عجزوا عن ذلك، ولم يطمع أحد منهم ذلك إلا سفيه أظهر الله سفهه وكذبه في القرآن؛ حيث قال: ﴿ لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ لم يسأل التوفيق إن كان هو حقّاً، ولكن سأل العذاب؛ دلّ أنه كان سفيهاً، فآية السفه: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، ثم ارتاب فيه وشك بقوله: ﴿ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ ﴾ وإلا لم يطمع ولم يخطر ببال أحد من الخلائق التكلف لذلك، دلّ أنه آية معجزة من الله .
ثم اختلف في قوله: ﴿ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ ﴾ .
قيل: مثل نظمه ورصفه.
وقيل: مثل حقه وصدقه.
ويحتمل مثل حججه وبراهينه.
ويحتمل مثل علمه وحكمته.
ويحتمل مثل إحكامه وإتقانه.
يحتمل قوله: ﴿ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ هذه الوجوه الخمسة التي ذكرنا.
ثم قوله: ﴿ بِمِثْلِهِ ﴾ يحتمل ما ذكرنا؛ أي: بالذي رفع وذهب به؛ على التأويل الذي جعلناه صلة قوله: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ ، ﴿ لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ ﴾ الذي ذهب به ورفع ﴿ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ ، أي: لا يقدرون على إتيانه.
وإن كان على الابتداء، فهو على المثل؛ أي: لا يقدرون على أن يأتوا بمثله، على ما لم يقدروا عليه بعدما قرع سمعهم هذا فلو كان في وسعهم هذا لفعلوا؛ ليخرج قولهم صدقاً وقول الرسول كذباً، فإذا لم يفعلوا ذلك، ولم يتكلفوا؛ دل أنهم عرفوا أن ذلك من الله وأنه آية معجزة خارجة عن وسعهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا ﴾ .
أي: بيّنا، وتحتمل ضربنا، وتحتمل فرقنا للناس: ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ ، أي: ذكرنا للناس مثلاً على أثر مثل، ومثلاً بعد مثل ما لو تفكروا فيه، وتأمّلوا لعرفوا صدق رسول الله وكذب أنفسهم وسفههم، ولعرفوا الحق من الباطل والمحق من المبطل، ولكن لم يتفكروا فيه ولم يتأمّلوا وعاندوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ .
لا يريد كل الأمثال، ولكن ما ذكرنا من كل مثل لو تأملوا فيه، وتفكروا، لكان لهم معتبراً.
وفي قوله: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ ، يكون ما ذكر من تصريف الأمثال وضربها للناس من وجوه ثلاثة: أحدها: ضرب المثل لهذه الأمة من شهد رسول الله ، وغيره من مكذّبهم ومصدّقهم بالأمم الماضية ماذا حلَّ بهم بالمكذبين منهم رسل الله من نقمته وعذابه، وقدر أخبر أن تلك سنته في المكذبين منهم، وذكر أن سنته تلك لا تحول، ولا تبدل، [وهو قوله: ﴿ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً ﴾ ، و ﴿ تَحْوِيلاً ﴾ ، فهي لا تبدل، ولا تحول فكانت لأولئك معجلة ولهذه الأمة مؤخرة] وهي غير محوّلة ولا مبدّلة لواحدة من الأمم.
والثاني: يحتمل تصريف الأمثال هو ما بين لهم، وذكر ما به صلاح معاشهم ومعادهم، وصلاح دينهم ودنياهم ما لو تأمّلوا فيه وتفكروا، أدركوا ذلك.
والثالث: يكون تصريف الأمثال التي ذكر دعاءه إلى دين الله وسبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، كقوله: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ .
إلى هذه الوجوه الثلاثة يصرف جميع ما ذكر من الأمثال في القرآن والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ﴾ يحتمل أبي أكثر الناس إلا كفوراً بالأمثال التي ضربها في القرآن، وصرفها لهم.
أو يقول: فأبى أكثر الناس إلا كفوراً بنعم الله في صرف الشكر إلى غيره، أو كفوراً في وحدانية الله وألوهيته.
<div class="verse-tafsir"
وإذا أنعمنا على الإنسان بنعمة مثل الصحة والغنى أعرض عن شكر الله وطاعته، وتباعد تكبرًا وإذا أصابه مرض أو فقر ونحوهما كان شديد القنوط واليأس من رحمة الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.mMlAp"