الآية ١٧ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ١٧ من سورة الكهف

۞ وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمْ فِى فَجْوَةٍۢ مِّنْهُ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ۗ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيًّۭا مُّرْشِدًۭا ١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 152 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا دليل على أن باب هذا الكهف من نحو الشمال ؛ لأنه تعالى أخبر أن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تزاور عنه ) ذات اليمين ) أي : يتقلص الفيء يمنة كما قال ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وقتادة : ( تزاور ) أي : تميل ؛ وذلك أنها كلما ارتفعت في الأفق تقلص شعاعها بارتفاعها حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في مثل ذلك المكان ؛ ولهذا قال : ( وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال ) أي : تدخل إلى غارهم من شمال بابه ، وهو من ناحية المشرق ، فدل على صحة ما قلناه ، وهذا بين لمن تأمله وكان له علم بمعرفة الهيئة ، وسير الشمس والقمر والكواكب ، وبيانه أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق لما دخل إليه منها شيء عند الغروب ، ولو كان من ناحية القبلة لما دخل منها شيء عند الطلوع ولا عند الغروب ، ولا تزاور الفيء يمينا ولا شمالا ولو كان من جهة الغرب لما دخلته وقت الطلوع ، بل بعد الزوال ولم تزل فيه إلى الغروب .

فتعين ما ذكرناه ولله الحمد .

وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة : ( تقرضهم ) تتركهم .

وقد أخبر الله تعالى بذلك وأراد منا فهمه وتدبره ، ولم يخبرنا بمكان هذا الكهف في أي البلاد من الأرض ؛ إذ لا فائدة لنا فيه ولا قصد شرعي .

وقد تكلف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالا فتقدم عن ابن عباس أنه قال : [ هو ] قريب من أيلة .

وقال ابن إسحاق : هو عند نينوى .

وقيل : ببلاد الروم .

وقيل : ببلاد البلقاء .

والله أعلم بأي بلاد الله هو .

ولو كان لنا فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله ورسوله إليه فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما تركت شيئا يقربكم إلى [ الجنة ] ويباعدكم من النار ، إلا وقد أعلمتكم به " .

فأعلمنا تعالى بصفته ، ولم يعلمنا بمكانه ، فقال ( وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ) قال مالك ، عن زيد بن أسلم : تميل ( ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ) أي : في متسع منه داخلا بحيث لا تمسهم ؛ إذ لو أصابتهم لأحرقت أبدانهم وثيابهم ؛ قاله ابن عباس .

( ذلك من آيات الله ) حيث أرشدهم تعالى إلى هذا الغار الذي جعلهم فيه أحياء ، والشمس والريح تدخل عليهم فيه لتبقى أبدانهم ؛ ولهذا قال : ( ذلك من آيات الله ) ثم قال : ( من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ) أي : هو الذي أرشد هؤلاء الفتية إلى الهداية من بين قومهم ، فإنه من هداه الله اهتدى ، ومن أضله فلا هادي له .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17) يقول تعالى ذكره ( وَتَرَى الشَّمْسَ ) يا محمد ( إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ ) يعني بقوله: ( تَزَاوَرُ ) : تعدل وتميل، من الزور: وهو الْعَوج والميل ، يقال منه: في هذه الأرض زَوَر: إذا كان فيها اعوجاج، وفي فلان عن فلان ازورار، إذا كان فيه عنه إعراض ، ومنه قول بشر بن أبي خازم: يَــؤُمُّ بِهــا الحُــدَاةُ مِيـاهَ نَخْـلٍ وفيهـــا عَـــنْ أبــانَين ازْوِرَارُ (2) يعني: إعراضا وصدا.

وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء المدينة ومكة والبصرة: " تزَّاور " بتشديد الزاي، بمعنى: تتزاور بتاءين، ثم أدغم إحدى التاءين في الزاي، كما قيل: تظَّاهرون عليهم.

وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: (تَزَاوَرُ) بتخفيف التاء والزاي، كأنه عنى به تفاعل من الزور ، ورُوي عن بعضهم: " تَزْوَرّ" بتخفيف التاء وتسكين الزاي وتشديد الراء مثل تحمرُّ، وبعضهم : تَزْوَارّ: مثل تحمارّ.

والصواب من القول في قراءه ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان، أعني (تَزَاوَرُ) بتخفيف الزاي، و (تزَّاوَرُ) بتشديدها معروفتان، مستفيضة القراءة بكلّ واحدة منهما في قرّاء الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب.

وأما القراءتان الأخريان فإنهما قراءتان لا أرى القراءة بهما، وإن كان لهما في العربية وجه مفهوم، لشذوذهما عما عليه قرأة الأمصار.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ( تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ) قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا محمد بن أبي الوضاح، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير ، قال: ( وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ ) قال: تميل.

حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس ( تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ ) يقول: تميل عنهم.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ ) يقول: تميل عن كهفهم يمينا وشمالا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: ( وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ ) يقول: تميل ذات اليمين، تدعهم ذات اليمين.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ( تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ ) قال: تميل عن كهفهم ذات اليمين.

حُدثت عن يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لو أن الشمس تطلع عليهم لأحرقتهم، ولو أنهم لا يقلَّبون لأكلتهم الأرض، قال: وذلك قوله: ( وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ ).

حدثني محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: ( تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ) تميل.

وقوله: ( وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ ) يقول تعالى ذكره:وإذا غربت الشمس تتركهم من ذات شمالهم.

وإنما معنى الكلام: وترى الشمس إذا طلعت تعدل عن كهفهم، فتطلع عليه من ذات اليمين، لئلا تصيب الفتية، لأنها لو طلعت عليهم قبالهم لأحرقتهم وثيابهم، أو أشحبتهم ، وإذا غربت تتركهم بذات الشمال، فلا تصيبهم ، يقال منه:قرضت موضع كذا: إذا قطعته فجاوزته ، وكذلك كان يقول بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة ، وأما الكوفيون فإنهم يزعمون أنه المحاذاة، وذكروا أنهم سمعوا من العرب قرضته قُبُلا ودبرا، وحذوته ذات اليمين والشمال، وقُبلا ودبرا: أي كنت بحذائه ، قالوا: والقرض والحذو بمعنى واحد ، وأصل القرض: القطع، يقال منه: قرضت الثوب: إذا قطعته ، ومنه قيل للمقراض: مقراض، لأنه يقطع ، ومنه قرض الفأر الثوب ، ومنه قول ذي الرُّمَّة: إلـى ظُعْـن يَقْـرِضْنَ أجْوَاز مُشْرِفٍ شِــمالا وعـن أيمـانِهنَّ الفـوارِسُ (3) يعنى بقوله: يَقْرِضْنَ: يقطعن.

وبنحو ما قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثني أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ( وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ ) يقول : تذرهم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا محمد بن أبي الوضاح، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال ( وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ) تتركهم ذات الشمال.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: (تَقْرِضُهُمْ) قال: تتركهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ ) يقول: تدعهم ذات الشمال.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمر، عن قتادة، قوله: ( تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ ) قال: تدعهم ذات الشمال.

حدثنا ابن سنان القَزّاز، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: أخبرنا محمد بن مسلم بن أبي الوضَّاح عن سالم، عن سعيد بن جبير ( وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ) قال: تتركهم.

وقوله: ( وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ) يقول: والفتية الذين أووا إليه في متسع منه يُجْمَع: فَجَوات، وفِجَاء ممدودا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ) يقول: في فضاء من الكهف، قال الله ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ).

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا محمد بن أبي الوضاح، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير ( وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ) قال: المكان الداخل.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ) قال: المكان الذاهب.

حدثني ابن سنان، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا محمد بن مسلم أبو سعيد بن أبي الوضَّاح، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير ( فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ) قال: في مكان داخل.

وقوله: (ذلك من آيات الله) يقول عز ذكره: فعلنا هذا الذي فعلنا بهؤلاء الفتية الذين قصصنا عليكم أمرهم من تصييرناهم، إذ أردنا أن نضرب على آذانهم بحيث تزاور الشمس عن مضاجعهم ذات اليمين إذا هي طلعت، وتقرضهم ذات الشمال إذا هي غَرَبت، مع كونهم في المتسع من المكان، بحيث لا تحرْقهم الشمس فتُشحبهم، ولا تبلى على طول رقدتهم ثيابهم، فتعفَّن على أجسادهم، من حجج الله وأدلته على خلقه، والأدلة التي يستدل بها أولو الألباب على عظيم قدرته وسلطانه، وأنه لا يعجزه شيء أراده ، وقوله ( مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ) يقول عزّ وجلّ: من يوفقه الله للاهتداء بآياته وحججه إلى الحق التي جعلها أدلة عليه، فهو المهتدي : يقول: فهو الذي قد أصاب سبيل الحقّ( وَمَنْ يُضْلِلِ ) يقول: ومن أضله الله عن آياته وأدلته ، فلم يوفقه للاستدلال بها على سبيل الرشاد ( فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ) يقول: فلن تجد له يا محمد خليلا وحليفا يرشده لإصابتها، لأن التوفيق والخِذْلان بيد الله، يوفق من يشاء من عباده، ويخذل من أراد ، يقول: فلا يَحْزنُك إدبار من أدبر عنك من قومك وتكذيبهم إياك ، فإني لو شئت هديتهم فآمنوا، وبيدي الهداية والضلال.

------------------------ الهوامش: (2) البيت لبشر بن خازم .

ذكره البكري في معجم ما استعجم طبع القاهرة ( لجنة التأليف ، بتحقيق مصطفى السقا) في رسم "أبان" .

قال : أبان جبل .

وهما أبانان : أبان الأبيض وأبان الأسود ، بينهما فرسخ ، ووادي الرمة يقطع بينهما .

فأبان الأبيض لبني جريد من بني فزارة خاصة ، والأسود لبني والبة ، من بني الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد .وقال بشر فيهما وفيهـــا عـــن أبــانين ازورار .

وقال الأصمعي : أراد أبانا ، فثناه للضرورة .

ونخل ، كما في معجم ما استعجم : على لفظ جمع نخلة ، وقال يعقوب : هي قرية بواد يقال له شدخ ، لفزارة وأشجع وأنمار وقريش والأنصار ...

على ليلتين من المدينة .

أو هي ماء بين القصة والثاملية .

ويؤم بها : يقصد بها بالإبل ، والحداة : جمع حاد وهو سائق الإبل يحدو بها ، ويغني لها.

والازورار : الميل والعدول والإعراض عن الشيء ، كما استشهد به المؤلف عند قوله تعالى: ( تزاور عن كهفهم ) أي تميل عنه وتنحرف.

(3) البيت في ديوان ذي الرمة طبع كيمبردج سنة 1919 ص 313 من القصيدة رقم 41 ، وعدة أبياتها 51 بيتا .

أي نظرت إلى ظعن يقرضن أي يملن عنها .

والفوارس : رمال بالدهناء .

والبيت من شواهد أبي عبيدة في ( مجاز القرآن : 1 : 396 ) ، قال : " تقرضهم ذات الشمال ، أي تخلفهم شمالا ، وتجاوزهم وتقطعهم ، وتتركهم عن شمالها .

ويقال : هل مررت بمكان كذا وكذا ؟

فيقول المسئول : قرضته ذات اليمين ليلا .

وقال ذو الرمة : إلـى ظعـن يقـرضن أجواز مشرف ...

البيت .

ومشرف والفوارس : موضعان بنجد ، كما في معجم ما استعجم ، وأنشد البيت في رسم الفوارس ، ونسبه إلى ذي الرمة .

والظعن : جمع ظعينة ، وهي المرأة في الهودج على جملها أو ناقتها .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين أي ترى أيها المخاطب الشمس عند طلوعها تميل عن كهفهم .

والمعنى : إنك لو رأيتهم لرأيتهم كذا ; لا أن المخاطب رآهم على التحقيق .

وتزاور تتنحى وتميل ; من الازورار .

والزور الميل .

والأزور في العين المائل النظر إلى ناحية ، ويستعمل في غير العين ; كما قال ابن أبي ربيعة :وجنبي خيفة القوم أزورومن اللفظة قول عنترة :فازور من وقع القنا بلبانهوفي حديث غزوة مؤتة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سرير جعفر وزيد بن حارثة .

وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو " تزاور " بإدغام التاء في الزاي ، والأصل " تتزاور " .

وقرأ عاصم وحمزة والكسائي تزاور مخففة الزاي .

وقرأ ابن عامر " تزور " مثل تحمر .

وحكى الفراء " تزوار " مثل تحمار ; كلها بمعنى واحد .وإذا غربت تقرضهم قرأ الجمهور بالتاء على معنى تتركهم ; قاله مجاهد .

وقال قتادة : تدعهم .

النحاس : وهذا معروف في اللغة ، حكى البصريون أنه يقال : قرضه يقرضه إذا تركه ; والمعنى : أنهم كانوا لا تصيبهم شمس ألبتة كرامة لهم ; وهو قول ابن عباس .

يعني أن الشمس [ ص: 331 ] إذا طلعت مالت عن كهفهم ذات اليمين ، أي يمين الكهف ، وإذا غربت تمر بهم ذات الشمال ، أي شمال الكهف ، فلا تصيبهم في ابتداء النهار ولا في آخر النهار .

وكان كهفهم مستقبل بنات نعش في أرض الروم ، فكانت الشمس تميل عنهم طالعة وغاربة وجارية لا تبلغهم لتؤذيهم بحرها ، وتغير ألوانهم وتبلي ثيابهم .

وقد قيل : إنه كان لكهفهم حاجب من جهة الجنوب ، وحاجب من جهة الدبور وهم في زاويته .

وذهب الزجاج إلى أن فعل الشمس كان آية من الله ، دون أن يكون باب الكهف إلى جهة توجب ذلك .

وقرأت فرقة " يقرضهم " بالياء من القرض وهو القطع ، أي يقطعهم الكهف بظله من ضوء الشمس .

وقيل : وإذا غربت تقرضهم أي يصيبهم يسير منها ، مأخوذ من قراضة الذهب والفضة ، أي تعطيهم الشمس اليسير من شعاعها .

وقالوا : كان في مسها لهم بالعشي إصلاح لأجسادهم .

وعلى الجملة فالآية في ذلك أن الله - تعالى - آواهم إلى كهف هذه صفته لا إلى كهف آخر يتأذون فيه بانبساط الشمس عليهم في معظم النهار .

وعلى هذا فيمكن أن يكون صرف الشمس عنهم بإظلال غمام أو سبب آخر .

والمقصود بيان حفظهم عن تطرق البلاء وتغير الأبدان والألوان إليهم ، والتأذي بحر أو برد .وهم في فجوة منه أي من الكهف ، والفجوة المتسع ، وجمعها فجوات وفجاء ; مثل ركوة وركاء وركوات وقال الشاعر :ونحن ملأنا كل واد وفجوة رجالا وخيلا غير ميل ولا عزلأي كانوا بحيث يصيبهم نسيم الهواء .ذلك من آيات الله لطف بهم .

وهذا يقوي قول الزجاج .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: حفظهم الله من الشمس فيسر لهم غارا إذا طلعت الشمس تميل عنه يمينا، وعند غروبها تميل عنه شمالا، فلا ينالهم حرها فتفسد أبدانهم بها، { وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ } أي: من الكهف أي: مكان متسع، وذلك ليطرقهم الهواء والنسيم، ويزول عنهم الوخم والتأذي بالمكان الضيق، خصوصا مع طول المكث، وذلك من آيات الله الدالة على قدرته ورحمته بهم، وإجابة دعائهم وهدايتهم حتى في هذه الأمور، ولهذا قال: { مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ } أي: لا سبيل إلى نيل الهداية إلا من الله، فهو الهادي المرشد لمصالح الدارين، { وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا } أي: لا تجد من يتولاه ويدبره، على ما فيه صلاحه، ولا يرشده إلى الخير والفلاح، لأن الله قد حكم عليه بالضلال، ولا راد لحكمه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وترى الشمس إذا طلعت تزاور ) قرأ ابن عامر ويعقوب : " تزور " بسكون الزاي وتشديد الراء على وزن تحمر وقرأ أهل الكوفة : بفتح الزاي خفيفة وألف بعدها وقرأ الآخرون بتشديد الزاي وكلها بمعنى واحد أي : تميل وتعدل ( عن كهفهم ذات اليمين ) أي : جانب اليمين ( وإذا غربت تقرضهم ) أي : تتركهم وتعدل عنهم ( ذات الشمال ) أصل القرض القطع ( وهم في فجوة منه ) أي : متسع من الكهف وجمعها فجوات قال ابن قتيبة : كان كهفهم مستقبل بنات نعش لا تقع فيه الشمس عند الطلوع ولا عند الغروب ولا فيما بين ذلك قال : اختار الله لهم مضطجعا في مقناة لا تدخل عليهم الشمس فتؤذيهم بحرها وتغير ألوانهم وهم في متسع ينالهم برد الريح ونسيمها ويدفع عنهم كرب الغار وغمومه .

وقال بعضهم : هذا القول خطأ ، وهو أن الكهف كان مستقبل بنات نعش فكانت الشمس لا تقع عليهم ولكن الله صرف الشمس عنهم بقدرته وحال بينها وبينهم ، ألا ترى أنه قال : ( ذلك من آيات الله ) من عجائب صنع الله ودلالات قدرته التي يعتبر بها ( من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل ) أي : من يضلله الله ولم يرشده ( فلن تجد له وليا ) معينا ( مرشدا )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وترى الشمس إذا طلعت تزّاور» بالتشديد والتخفيف تميل «عن كهفهم ذات اليمين» ناحيته «وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال» تتركهم وتتجاوز عنهم فلا تصيبهم ألبتة «وهم في فجوة منه» متسع من الكهف ينالهم برد الريح ونسيمها «ذلك» المذكور «من آيات الله» دلائل قدرته «من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلما فعلوا ذلك ألقى الله عليهم النوم وحَفِظهم.

وترى -أيها المشاهد لهم- الشمس إذا طلعت من المشرق تميل عن مكانهم إلى جهة اليمين، وإذا غربت تتركهم إلى جهة اليسار، وهم في متسع من الكهف، فلا تؤذيهم حرارة الشمس ولا ينقطع عنهم الهواء، ذلك الذي فعلناه بهؤلاء الفتية من دلائل قدرة الله.

من يوفقه الله للاهتداء بآياته فهو الموفَّق إلى الحق، ومن لم يوفقه لذلك فلن تجد له معينًا يرشده لإصابة الحق؛ لأن التوفيق والخِذْلان بيد الله وحده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال الآلوسى : " قوله : ( وترى الشمس .

.

) بيان لحالهم بعد ما أووا إلى الكهف .

.

والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح ، وهو للمبالغة فى الظهور ، وليس المراد الإِخبار بوقوع الرؤية ، بل المراد الإِخبار بكون الكهف لو رأيته ترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين .

.

.

" .وقوله ( تزاور ) من الزور بمعنى الميل .

ومنه قولهم : زار فلان صديقه ، أى : مال إليه .

ومنه شهادة الزور ، لأنها ميل عن الحق إلى الباطل .

ويقال : فلان أزور ، إذا كان مائل الصدر ، ويقال : تزاور فلان عن الشئ ، إذا انحرف عنه .وفى هذا اللفظ ثلاث قراءات سبعية .

فقد قرأ ابن عامر ( تزور ) بزنة تحمر .

وقرأ الكوفيون - عاصم وحمزة والكسائى - ( تزاور ) بفتح الزاى - وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ( تزَّاور ) بتشديد الزاى - .

وأصله تتزاور فحذفت إحدى التاءين تخفيفا .ومعنى : ( تقرضهم ) تقطعهم وتتجاوزهم وتتركهم ، من القرض بمعنى القطع والصرم ، يقال : قرض المكان ، أى : عدل عنه وتركه .والمعنى : إنك - أيها المخاطب - لو رأيت أهل الكهف ، لرأيتهم على هذه الصورة ، وهى أن الشمس إذا طلعت من مشرقها ، مالت عن كهفهم جهة اليمين ، وإذا غربت ، تراها عند غروبها ، تميل عنهم كذلك ، فهى فى الحالتين لا تصل إليهم ، حماية من الله - تعالى - لهم ، حتى لا تؤذيهم بحرها ، بأن تغير ألوانهم ، وتبلى ثيابهم .وقوله : ( وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ) جملة حالية .

أى : والحال أنهم فى مكان متسع من الكهف وهو وسطه ، والفجوة : هى المكان المتسع ، مأخوذة من الفجا ، وهو تباعد ما بين الفخذين ، ومنه قولهم : رجل أفجى ، وامرأة فَجْوَاء .وللمفسرين فى تأويل هذه الآية اتجاهان لخصهما الإِمام الرازى فقال : " للمفسرين هنا قولان : أولهما : أن باب ذلك الكهف كان مفتوحا إلى جانب الشمال ، فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف ، وإذا غربت كانت على شماله ، فضوء الشمس ما كان يصل إلى داخل الكهف ، وكان الهواء الطيب والنسيم الموافق يصل .والثانى : يرى أصحابه أنه ليس المراد ذلك ، وإنما المراد أن الشمس إذا طلعت منع الله - تعالى - ضوءها من الوقوع عليهم ، وكذا القول فى حال غروبها ، وكان ذلك فعلا خارقا للعادة ، وكرامة عظيمة خص الله بها أصحاب الكهف .

.

" .ومن هذين الرأيين يتبين لنا أن أصحاب الرأى الأول ، يرجعون عدم وصول حر الشمس إلى هؤلاء الفتية إلى أسباب طبيعية حماهم الله - تعالى - بها ومن بينها أن الكهف كان مفتوحا إلى جهة الشمال .أما أصحاب الرأى الثانى فيردون عدم وصول أشعة الشمس إليهم إلى أسباب غير طبيعية ، بمعنى أن الفتية كانوا فى متسع من الكهف ، أى : فى مكان تصيبه الشمس ، إلا أن الله - تعالى - بقدرته التى لا يعجزها شئ ، منع ضوء الشمس وحرها من الوصول إليهم ، خرقا للعادة على سبيل التكريم لهم .ومع وجاهة الرأيين ، إلا أن النفس أميل إلى الرأى الثانى ، لأن قوله - تعالى - ( وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ) يشير إلى أنهم مع اتساع المكان الذى ينامون فيه - وهو الفجوة - لا تصيبهم الشمس لا عند الطلوع ولا عند الغروب ، وهذا أمر خارق للعادة ، ويدل على عجيب حالهم ، كما أن قوله - تعالى - بعد ذلك ( ذلك مِنْ آيَاتِ الله ) يشعر بأن أمر هؤلاء الفتية فيه غرابة ، وليس أمراً عاديا مألوفا .قال الآلوسى : " وأكثر المفسرين على أنهم لم تصبهم الشمس أصلا ، وإن اختلفوا فى منشأ ذلك واختار جمع منهم ، أنه لمحض حجب الله - تعالى - الشمس على خلاف ما جرت به العادة ، والإِشارة تؤيد ذلك أتم تأييد ، والاستبعاد مما لا يلتفت إليه ، لا سيما فيما نحن فيه ، فإن شأن أصحاب الكهف كله على خلاف العادة .

.

" .وعلى هذا الرأى الثانى يكون اسم الإِشارة فى قوله : ( ذلك مِنْ آيَاتِ الله ) إلى ما فعله الله - تعالى - معهم ، من حجب ضوء الشمس عنهم مع أنهم فى متسع من الكهف .أى : ذلك الذى فعلناه معهم من آياتنا الدالة على قدرتنا الباهرة ، وإرادتنا التى لا يعجزها شئ .وأما على الرأى الأول فيكون اسم الاشارة مرجعه إلى ما سبق من الحديث عنهم ، كهدايتهم إلى التوحيد ، وإخراجهم من بين عبدة الأوثان ، ولجوئهم إلى الكهف ، وجعل باب الكهف على تلك الكيفية ، إلى غير ذلك مما ذكر - سبحانه - عنهم .أى : ذلك الذى ذكرناه لك عنهم - أيها الرسول الكريم - هو من آيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً ) .أى : من يهده الله إلى طريق الحق ، ويوفقه إلى الصواب ، فهو المهتد ، أى فهو الفائز بالحظ الأوفر فى الدارين ، ومن يضلله الله - تعالى - عن الطريق المستقيم ، فلن تجد له - يا محمد - نصيرا ينصره ، ومرشدا يرشده إلى طريق الحق .كما قال تعالى : - ( مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدي وَمَن يُضْلِلْ فأولئك هُمُ الخاسرون ) وكما قال - سبحانه - : ( وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ .

.

.

).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المراد أنه قال بعضهم لبعض: ﴿ وَإِذَا اعتزلتموهم ﴾ واعتزلتم الشيء الذي يعبدونه إلا الله فإنكم لم تعتزلوا عبادة الله: ﴿ فَأْوُواْ إِلَى الكهف ﴾ قال الفراء هو جواب إذ كما تقول إذ فعلت كذا فافعل كذا، ومعناه: إذهبوا إليه واجعلوه مأواكم: ﴿ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مّن رَّحْمَتِهِ ﴾ أي يبسطها عليكم: ﴿ وَيُهَيّئ لَكُمْ مّنْ أَمْرِكُمْ مّرْفَقًا ﴾ قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية مرفقاً بفتح الميم وكسر الفاء والباقون مرفقاً بكسر الميم وفتح الفاء، قال الفراء: وهما لغتان واشتقاقهما من الارتفاق، وكان الكسائي ينكر في مرفق الإنسان الذي في اليد إلا كسر الميم وفتح الفاء، والفراء يجيزه في الأمر وفي اليد وقيل هما لغتان إلا أن الفتح أقيس والكسر أكثر وقيل المرفق ما ارتفقت به، والمرفق بالفتح المرافق ثم قال تعالى: ﴿ وَتَرَى الشمس إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليمين وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشمال ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قرأ ابن عامر تَزْوَرُّ ساكنة الزاي المعجمة مشددة الراء مثل تحمر، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي تزاور بالألف والتخفيف والباقون تزاور بالتشديد والألف والكل بمعنى واحد، والتزاور هو الميل والانحراف، ومنه زاره إذا مال إليه والزور الميل عن الصدق، وأما التشديد فأصله تتزاور سكنت التاء الثانية وأدغمت في الزاي، وأما التخفيف فهو تفاعل من الزور وأما تزور فهو من الازورار.

البحث الثاني: قوله: ﴿ وَتَرَى الشمس ﴾ أي أنت أيها المخاطب ترى الشمس عند طلوعها تميل عن كهفهم وليس المراد أن من خوطب بهذا يرى هذا المعنى ولكن العادة في المخاطبة تكون على هذا النحو، ومعناه أنك لو رأيته على هذه الصورة.

البحث الثالث: قوله: ﴿ ذَاتَ اليمين ﴾ أي جهة اليمين وأصله أن ذات صفة أقيمت مقام الموصوف لأنها تأنيث ذو في قولهم رجل ذو مال، وامرأة ذات مال، والتقدير كأنه قيل تزاور عن كهفهم جهة ذات اليمين، وأما قوله: ﴿ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشمال ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: قال الكسائي قرضت المكان أي عدلت عنه وقال أبو عبيدة القرض في أشياء فمنها القطع، وكذلك السير في البلاد أي إذا قطعها.

تقول لصاحبك هل وردت مكان كذا فيقول المجيب إنما قرضته فقوله: ﴿ تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشمال ﴾ أي تعدل عن سمت رؤوسهم إلى جهة الشمال.

البحث الثاني: للمفسرين هاهنا قولان: القول الأول: أن باب ذلك الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف وإذا غربت كانت على شماله فضوء الشمس ما كان يصل إلى داخل الكهف، وكان الهواء الطيب والنسيم الموافق يصل، والمقصود أن الله تعالى صان أصحاب الكهف من أن يقع عليهم ضوء الشمس وإلا لفسدت أجسامهم فهي مصونة عن العفونة والفساد.

والقول الثاني: أنه ليس المراد ذلك، وإنما المراد أن الشمس إذا طلعت منع الله ضوء الشمس من الوقوع.

وكذا القول حال غروبها، وكان ذلك فعلاً خارقاً للعادة وكرامة عظيمة خص الله بها أصحاب الكهف، وهذا قول الزجاج واحتج على صحته بقوله: ﴿ ذلك مِنْ آيات الله ﴾ قال ولو كان الأمر كما ذكره أصحاب القول الأول لكان ذلك أمراً معتاداً مألوفاً فلم يكن ذلك من آيات الله، وأما إذا حملنا الآية على هذا الوجه الثاني كان ذلك كرامة عجيبة فكانت من آيات الله، واعلم أنه تعالى أخبر بعد ذلك أنهم كانوا في متسع من الكهف ينالهم فيه برد الريح ونسيم الهواء، قال: ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مّنْهُ ﴾ أي من الكهف، والفجوة متسع في مكان، قال أبو عبيدة وجمعها فجوات، ومنه الحديث: فإذا وجد فجوة نص ثم قال تعالى: ﴿ ذلك مِنْ آيات الله ﴾ وفيه قولان الذين قالوا إنه يمنع وصول ضوء الشمس بقدرته قالوا المراد من قوله ذلك أي ذلك التزاور والميل، والذين لم يقولوا به قالوا المراد بقوله ذلك أي ذلك الحفظ الذي حفظهم الله في الغار تلك المدة الطويلة، من آيات الله الدالة على عجائب قدرته وبدائع حكمته، ثم بين تعالى أنه كما أن بقاءهم هذه المدة الطويلة مصوناً عن الموت والهلاك من تدبيراته ولطفه وكرمه، فكذلك رجوعهم أولاً عن الكفر ورغبتهم في الإيمان كان بإعانة الله ولطفه فقال: ﴿ مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد ﴾ مثل أصحاب الكهف: ﴿ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّا مُّرْشِدًا ﴾ كدقيانوس الكافر وأصحابه، ومناظرات أهل الجبر والقدر في هذه الآية معلومة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ تَّزَاوَرُ ﴾ أي تمايل، أصله تتزاور فخفف بإدغام التاء في الزاي أو حذفها.

وقد قرئ ﴿ بهما ﴾ .

وقرئ ﴿ تزورّ وتزوارّ ﴾ بوزن تحمرّ وتحمارّ، وكلها من الزور وهو الميل.

ومنه زاره إذا مال إليه.

والزور: الميل عن الصدق ﴿ ذَاتَ اليمين ﴾ جهة اليمين وحقيقتها.

الجهة المسماة باليمين ﴿ تَّقْرِضُهُمْ ﴾ تقطعهم لا تقربهم من معنى القطيعة والصرم.

قال ذو الرمة: إلَى ظُعُنٍ يَقْرِضْنَ أَقْوَازَ مُشْرِف ** شَمِالاً وَعَنْ أَيْمَانِهنَّ الْفَوَارِسُ ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مّنْهُ ﴾ وهم في متسع من الكهف.

والمعنى أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها، مع أنهم في مكان واسع منفتح معرّض لإصابة الشمس لولا أنّ الله يحجبها عنهم.

وقيل: في متفسح من غارهم ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم ولا يحسون كرب الغار ﴿ ذلك منءايات الله ﴾ أي ما صنعه الله بهم- من ازورار الشمس وقرضها طالعة وغاربة- آية من آياته، يعني: أنّ ما كان في ذلك السمت تصيبه الشمس ولا تصيبهم، اختصاصاً لهم بالكرامة.

وقيل: باب الكهف شمالي مستقبل لبنات نعش، فهم في مقنأة أبداً ومعنى (ذلك من آيات الله) أنّ شأنهم وحديثهم من آيات الله ﴿ مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد ﴾ ثناء عليهم بأنهم جاهدوا في الله وأسلموا له وجوههم، فلطف بهم وأعانهم، وأرشدهم إلى نيل تلك الكرامة السنية والاختصاص بالآية العظيمة، وأن كل من سلك طريقة المهتدين الراشدين فهو الذي أصاب الفلاح، واهتدى إلى السعادة، ومن تعرّض للخذلان، فلن يجد من يليه ويرشده بعد خذلان الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَتَرى الشَّمْسَ ﴾ لَوْ رَأيْتَهم، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ.

﴿ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ﴾ تَمِيلُ عَنْهُ ولا يَقَعُ شُعاعُها عَلَيْهِمْ فَيُؤْذِيهِمْ، لِأنَّ الكَهْفَ كانَ جَنُوبِيًّا، أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى زُوَّرَها عَنْهم.

وأصْلُهُ تَتَزاوَرُ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِحَذْفِها وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ « تَزْوَرُّ» كَتَحْمَرُّ، وقُرِئَ « تَزْوارُّ» كَتَحْمارُّ وكُلُّها مِنَ الزَّوْرِ بِمَعْنى المَيْلِ.

﴿ ذاتَ اليَمِينِ ﴾ جِهَةَ اليَمِينِ وحَقِيقَتُها الجِهَةُ ذاتُ اسْمِ اليَمِينِ.

﴿ وَإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ﴾ تَقْطَعُهم وتَصْرُمُ عَنْهم.

﴿ ذاتَ الشِّمالِ ﴾ يَعْنِي يَمِينَ الكَهْفِ وشِمالَهُ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَهم في فَجْوَةٍ مِنهُ ﴾ أيْ وهم في مُتَّسَعٍ مِنَ الكَهْفِ، يَعْنِي في وسَطِهِ بِحَيْثُ يَنالُهم رُوحُ الهَواءِ ولا يُؤْذِيهِمْ كَرْبُ الغارِ ولا حَرُّ الشَّمْسِ، وذَلِكَ لِأنَّ بابَ الكَهْفِ في مُقابَلَةِ بَناتِ نَعْشٍ، وأقْرَبُ المَشارِقِ والمَغارِبِ إلى مُحاذاتِهِ مَشْرِقُ رَأْسِ السَّرَطانِ ومَغْرِبُهُ، والشَّمْسُ إذا كانَ مَدارُها مَدارُهُ تَطْلُعُ مائِلَةً عَنْهُ مُقابَلَةً لِجانِبِهِ الأيْمَنِ وهو الَّذِي يَلِي المَغْرِبَ، وتَغْرُبُ مُحاذِيَةً لِجانِبِهِ الأيْسَرِ فَيَقَعُ شُعاعُها عَلى جانِبَيْهِ، ويُحَلِّلُ عُفُونَتَهُ ويُعَدِّلُ هَواءَهُ ولا يَقَعُ عَلَيْهِمْ فَيُؤْذِي أجْسادَهم ويُبْلِي ثِيابَهم.

﴿ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ ﴾ أيْ شَأْنُهم وإيواؤُهم إلى كَهْفٍ شَأْنُهُ كَذَلِكَ، أوْ إخْبارُكَ قِصَّتَهم، أوِ ازْوِرارُ الشَّمْسِ عَنْهم وقَرْضُها طالِعَةً وغارِبَةً مِن آياتِ اللَّهِ.

﴿ مَن يَهْدِ اللَّهُ ﴾ بِالتَّوْفِيقِ.

﴿ فَهُوَ المُهْتَدِ ﴾ الَّذِي أصابَ الفَلاحَ، والمُرادُ بِهِ إمّا الثَّناءُ عَلَيْهِمْ أوِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أمْثالَ هَذِهِ الآياتِ كَثِيرَةٌ ولَكِنَّ المُنْتَفِعَ بِها مَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِلتَّأمُّلِ فِيها والِاسْتِبْصارِ بِها.

﴿ وَمَن يُضْلِلْ ﴾ ومَن يَخْذُلْهُ.

﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا ﴾ مَن يَلِيهِ ويُرْشِدُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وترى الشمس إذا طلعت تزاور} بتخفيف الزاي كوفي تزور شامي تزواور غيرهم وأصله تتزاور فخفف بإدغام التاء في الزاي أو حذفها والكل من الزور وهو الميل ومنه زاره إذا مال إليه

والزور الميل عن الصدق {عَن كَهْفِهِمْ} أي تميل عنه ولا يقع شعاعها عليهم {ذَاتَ اليمين} جهة اليمين وحقيقتها الجهة المسماة باليمين {وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ} تقطعهم أي تتركهم وتعدل عنهم {ذَاتَ الشمال وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مّنْهُ} في متسع من الكهف والمعنى أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح معرض لإصابة الشمس لولا أن الله يحجبها عنهم وقيل منفسح من غارهم ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم ولا يحسون كرب الغار {ذلك مِنْ آيات الله} أي ماصنعه الله بهم من إزورار الشمس وقرضها طالعة وغاربة آية من آيات الله يعني أن ما كان في ذلك السمت تصيبه الشمس ولا تصيبهم اختصاصاً لهم بالكرامة وقيل باب الكهف شمالي مستقبل لبنات نعش فهم في مقنأة أبداً ومعنى ذلك من آيات الله أن شأنهم وحديثهم من آيات الله {مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد} مثل ما مر في سبحان وهو ثناء عليهم بأنهم جاهدوا في الله وأسلموا له وجوههم فأرشدهم إلى نيل تلك الكرامة السنية {وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّا مُّرْشِدًا} أي من أضله فلا هادي له

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وتَرى الشَّمْسَ ﴾ بَيانٌ لِحالِهِمْ بَعْدَ ما أوَوْا إلى الكَهْفِ ولَمْ يُصَرِّحْ سُبْحانَهُ بِهِ تَعْوِيلًا عَلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ ﴾ وما لَحِقَ مِن إضافَةِ الكَهْفِ إلَيْهِمْ وكَوْنِهِمْ في فَجْوَةٍ مِنهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إيذانًا بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ لِظُهُورِ جَرَيانِهِمْ عَلى مُوجِبِ الأمْرِ لِكَوْنِهِ صادِرًا عَنْ رَأْيٍ صائِبٍ وقَدْ حَذَفَ سُبْحانَهُ وتَعالى أيْضًا جُمَلًا أُخْرى لا تَخْفى، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ  أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لَهُ وهو لِلْمُبالَغَةِ في الظُّهُورِ ولَيْسَ المُرادُ الإخْبارَ بِوُقُوعِ الرُّؤْيَةِ بَلِ الإنْباءُ بِكَوْنِ الكَهْفِ لَوْ رَأيْتَهُ تَرى الشَّمْسَ ﴿ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ ﴾ أيْ: تَتَنَحّى وأصْلُهُ تَتَزاوَرُ بِتاءَيْنِ فَحَذَفَ أحَدَهُما تَخْفِيفًا وهي قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ الأعْمَشِ وطَلْحَةَ وابْنِ أبِي لَيْلى وخَلَفٍ وابْنِ سَعْدانَ وأبِي عُبَيْدَةَ وأحْمَدَ بْنِ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيِّ ومُحَمَّدِ بْنِ عِيسى الأصْبَهانِيِّ، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: «تَزّاوَرُ» بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ الزّايِ، وأصْلُهُ أيْضًا تَتَزاوَرُ إلّا أنَّهُ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ بَعْدَ قَلْبِها زايًا، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ عامِرٍ وقَتادَةُ وحُمَيْدٌ ويَعْقُوبُ عَنِ العُمَرِيِّ: «تَزْوَرُّ» كَ «تَحْمَرُّ» وهو مِن بِناءِ الأفْعالِ مِن غَيْرِ العُيُوبِ والألْوانِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ نادِرًا وقَرَأ جابِرٌ والجَحْدَرِيُّ وأبُو رَجاءٍ والسِّخْتِيانِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ووَرْدانُ عَنْ أبِي أيُّوبَ: «تَزْوارُّ» كَ «تَحْمارُّ» وهو في البِناءِ كَسابِقِهِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ «تَزْوَئِرُّ» بِهَمْزَةٍ قَبْلَ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ كَ «تَطْمَئِنُّ»، ولَعَلَّهُ إنَّما جِيءَ بِالهَمْزَةِ فِرارًا مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وإنْ كانَ جائِزًا في مِثْلِ ذَلِكَ مِمّا كانَ الأوَّلُ حَرْفَ مَدٍّ والثّانِي مُدْغَمًا في مِثْلِهِ وكُلُّها مِنَ الزَّوَرِ بِفَتْحَتَيْنِ مَعَ التَّخْفِيفِ وهو المَيْلُ، وقَيَّدَهُ بَعْضُهم بِالخُلُقِيِّ، والأكْثَرُونَ عَلى الإطْلاقِ، ومِنهُ الأزْوَرُ المائِلُ بِعَيْنِهِ إلى ناحِيَةٍ ويَكُونُ في غَيْرِ العَيْنِ قالَ ابْنُ أبِي رَبِيعَةَ: وجَنْبِي خِيفَةَ القَوْمِ أزْوَرُ وقالَ عَنْتَرَةُ: فازْوَرَّ مِن وقْعِ القَنا بِلَبانِهِ ∗∗∗ وشَكا إلَيَّ بِعَبْرَةٍ وتَحَمْحُمِ وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي حازِمٍ: تَؤُمُّ بِها الحُداةُ مِياهَ نَخْلٍ ∗∗∗ وفِيها عَنْ أبانِينَ ازْوِرارُ ومِنهُ زارَهُ إذا مالَ إلَيْهِ، والزُّورُ أيِ الكَذِبُ لِمَيْلِهِ عَنِ الواقِعِ وعَدَمِ مُطابَقَتِهِ، وكَذا الزُّورُ بِمَعْنى الصَّنَمِ في قَوْلِهِ: جاؤُوا بِزُورَيْهِمْ وجِئْنا بِالأصَمِّ وقالَ الرّاغِبُ: إنَّ الزَّوَرَ بِتَحْرِيكِ الواوِ مَيْلٌ في الزَّوْرِ بِتَسْكِينِها وهو أعْلى الصَّدْرِ، والأزْوَرُ المائِلُ الزَّوْرِ أيِ الصَّدْرِ وزُرْتُ فُلانًا تَلَقَّيْتُهُ بِزَوْرِي أوْ قَصَدْتُ زَوْرَهُ نَحْوَ وجَّهْتُهُ أيْ قَصَدْتُ وجْهَهُ، والمَشْهُورُ ما قَدَّمْناهُ، وحُكِيَ عَنْ أبِي الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لا مَعْنى لِ «تَزْوَرُّ» في الآيَةِ لِأنَّ الِازْوِرارَ الِانْقِباضُ، وهو طَعْنٌ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ ومَن مَعَهُ بِما يُوجِبُ تَغْيِيرَ الكُنْيَةِ، وبِالجُمْلَةِ المُرادُ: إذا طَلَعَتْ تَرُوغُ وتَمِيلُ ﴿ عَنْ كَهْفِهِمْ ﴾ الَّذِي آوَوْا إلَيْهِ فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ ﴿ ذاتَ اليَمِينِ ﴾ أيْ: جِهَةَ ذاتِ يَمِينِ الكَهْفِ عِنْدَ تَوَجُّهِ الدّاخِلِ إلى قَعْرِهِ أيْ جانِبِهِ الَّذِي يَلِي المَغْرِبَ أوْ جِهَةَ ذاتِ يَمِينِ الفِتْيَةِ ومَآلُهُ كَسابِقِهِ، وهو نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ.

قالَ المُبَرِّدُ في المُقْتَضَبِ: ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ مِنَ الظُّرُوفِ المُتَصَرِّفَةِ كَيَمِينًا وشِمالًا.

﴿ وإذا غَرَبَتْ ﴾ أيْ تَراها عِنْدَ غُرُوبِها ﴿ تَقْرِضُهُمْ ﴾ أيْ تَعْدِلُ عَنْهُمْ، قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: قَرَضْتُ المَكانَ إذا عَدَلْتَ عَنْهُ ولَمْ تَقَرَّ بِهِ ﴿ ذاتَ الشِّمالِ ﴾ أيْ: جِهَةَ ذاتِ شَمالِ الكَهْفِ أيْ جانِبِهِ الَّذِي يَلِي المَشْرِقَ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هُوَ مِنَ القَرْضِ بِمَعْنى القَطْعِ تَقُولُ العَرَبُ: قَرَضْتُ مَوْضِعَ كَذا أيْ قِطْعَتُهُ.

قالَ ذُو الرُّمَّةِ: إلى ظُعُنٍ يَقْرِضْنَ أقْوازَ مُشْرِفٍ ∗∗∗ شِمالًا وعَنْ أيْمانِهِنَّ الفَوارِسُ والمُرادُ تَتَجاوَزُهم ﴿ وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ ﴾ أيْ: في مُتَّسَعٍ مِنَ الكَهْفِ، وهي عَلى ما قِيلَ مِنَ الفَجا وهو تَباعُدُ ما بَيْنَ الفَخْذَيْنِ، يُقالُ: رَجُلٌ أفْجى وامْرَأةٌ فَجْواءُ، وتُجْمَعُ عَلى فِجاءٍ وفِجًا وفَجَواتٍ.

وحاصِلُ الجُمْلَتَيْنِ أنَّهم كانُوا لا تُصِيبُهُمُ الشَّمْسُ أصْلًا فَتُؤْذِيهِمْ وهم في وسَطِ الكَهْفِ بِحَيْثُ يَنالُهم رُوحُ الهَواءِ، ولا يُؤْذِيهِمْ كَرْبُ الغارِ ولا حَرُّ الشَّمْسِ، وذَلِكَ لِأنَّ بابَ الكَهْفِ كَما قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ وابْنُ عَطِيَّةَ كانَ في مُقابَلَةِ بَناتِ نَعْشٍ، وأقْرَبُ المَشارِقِ والمَغارِبِ إلى مُحاذاتِهِ مَشْرِقُ رَأْسِ السَّرَطانِ ومَغْرِبُهُ والشَّمْسُ إذا كانَ مَدارُها مَدارَهُ تَطْلُعُ مائِلَةً عَنْهُ مُقابِلَةً لِجانِبِهِ الأيْمَنِ، وهو الَّذِي يَلِي المَغْرِبَ، وتَغْرُبُ مُحاذِيَةً لِجانِبِهِ الأيْسَرِ فَيَقَعُ شُعاعُها عَلى جَنْبِهِ، وتُحَلِّلُ عُفُونَتَهُ وتَعْدِلُ هَواهُ ولًَا تَقَعُ عَلَيْهِمْ فَتُؤْذِيَ أجْسادَهم وتُبْلِي ثِيابَهُمْ، ولَعَلَّ مَيْلَ البابِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ كانَ أكْثَرَ ولِذَلِكَ وقَعَ التَّزاوُرُ عَلى كَهْفِهِمْ والقَرْضُ عَلى أنْفُسِهِمْ وقالَ الزَّجّاجُ: لَيْسَ ذَلِكَ لِما ذُكِرَ بَلْ لِمَحْضِ صَرْفِ اللَّهِ تَعالى الشَّمْسَ بِيَدِ قُدْرَتِهِ عَنْ أنْ تُصِيبَهم عَلى مِنهاجِ خَرْقِ العادَةِ كَرامَةً لَهُمْ، وجِيءَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ ﴾ حالًا مُبَيِّنَةً لِكَوْنِ ما ذُكِرَ أمْرًا بَدِيعًا كَأنَّهُ قِيلَ: تَرى الشَّمْسَ تَمِيلُ عَنْهم يَمِينًا وشِمالًا ولا تَحُومُ حَوْلَهم مَعَ كَوْنِهِمْ في مُتَّسَعٍ مِنَ الكَهْفِ مُعَرَّضٌ لِإصابَتِها لَوْلا أنْ كَفَّها عَنْهم كَفُّ التَّقْدِيرِ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ ﴾ حَيْثُ جُعِلَ ( ذَلِكَ ) إشارَةً إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّزاوُرِ والقَرْضِ في الطُّلُوعِ والغُرُوبِ يَمِينًا وشِمالًا، ولا يَظْهَرُ كَوْنُهُ آيَةً عَلى القَوْلِ السّابِقِ ظُهُورُهُ عَلى قَوْلِهِ؛ فَإنَّ كَوْنَهُ آيَةً دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وكَرامَةِ أهْلِهِ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ عَلى هَذا أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ في رابِعَةِ النَّهارِ.

وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ سَدِّ بابِ الكَهْفِ عَلى ما قِيلَ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى تَقْرِضُهم تُعْطِيهِمْ مِن ضَوْئِها شَيْئًا ثُمَّ تَزُولُ سَرِيعًا وتَسْتَرِدُّ ضَوْءَها فَهو كالقَرْضِ يَسْتَرِدُّهُ صاحِبُهُ، وحاصِلُ الجُمْلَتَيْنِ عِنْدَهُ أنَّ الشَّمْسَ تَمِيلُ بِالغَدْوَةِ عَنْ كَهْفِهِمْ وتُصِيبُهم بِالعَشِيِّ إصابَةً خَفِيفَةً، ورُدَّ بِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ لِلْقَرْضِ بِهَذا المَعْنى فِعْلٌ ثُلاثِيٌّ لِيُفْتَحَ حَرْفُ المُضارَعَةِ، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ المُرادِ ما ذُكِرَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ تَقْرِضُهم مِنَ القَرْضِ لَهُمْ، وأنَّ المَعْنى: وإذا غَرَبَتْ تَقْطَعُ لَهم مِن ضَوْئِها شَيْئًا، والسَّبَبُ لِاخْتِيارِهِ ذَلِكَ تَوَهُّمُهُ أنَّ الشَّمْسَ لَوْ لَمْ تُصِبْ مَكانَهم أصْلًا لَفَسَدَ هَواؤُهُ وتَعَفَّنَ ما فِيهِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِهَلاكِهِمْ وفِيهِ ما فِيهِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهم لَمْ تُصِبْهُمُ الشَّمْسُ أصْلًا، وإنِ اخْتَلَفُوا في مَنشَأِ ذَلِكَ.

واخْتارَ جَمْعٌ أنَّهُ لِمَحْضِ حَجْبِ اللَّهِ تَعالى الشَّمْسَ عَلى خِلافِ ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ قالُوا: والإشارَةُ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ أتَمَّ تَأْيِيدٍ، والِاسْتِبْعادُ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لا سِيَّما فِيما نَحْنُ فِيهِ؛ فَإنَّ شَأْنَ أصْحابِ الكَهْفِ كُلِّهِ عَلى خِلافِ العادَةِ.

وبَعْضُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَنشَأ كَوْنُ بابِ الكَهْفِ في مُقابَلَةِ بَناتِ نَعْشٍ جَعَلَ ذَلِكَ إشارَةً إلى إيوائِهِمْ إلى كَهْفٍ هَذا شَأْنُهُ، وبَعْضٌ آخَرُ جَعَلَهُ إشارَةً إلى حِفْظِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم في ذَلِكَ الكَهْفِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، وآخَرُ جَعْلَهُ إشارَةً إلى إطْلاعِهِ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ  عَلى أخْبارِهِمْ.

واعْتُرِضَ عَلى الأخِيرَيْنِ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُما إيرادُ ذَلِكَ في تَضاعِيفِ القِصَّةِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم إشارَةً إلى هِدايَتِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ ومُخالَفَتِهِمْ قَوْمَهم وآباءَهم وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ وبِمَلِكِهِمْ مَعَ حَداثَتِهِمْ وإيوائِهِمْ إلى كَهْفٍ شَأْنُهُ ذَلِكَ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وإلَيْهِ أمِيلُ.

واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقُرِئَ: «يَقْرِضُهُمْ» بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ ولَعَلَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى غُرُوبِ الشَّمْسِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: أيْ: يَقْرِضُهُمُ الكَهْفُ.

﴿ مَن يَهْدِ اللَّهُ ﴾ مِن يَدُلُّهُ سُبْحانَهُ دَلالَةً مَوْصُولَةً إلى الحَقِّ ويُوَفِّقُهُ لِما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ ﴿ فَهُوَ المُهْتَدِ ﴾ الفائِزُ بِالحَظِّ الأوْفَرِ في الدّارَيْنِ، والمُرادُ إمّا الثَّناءُ عَلى أصْحابِ الكَهْفِ والشَّهادَةُ لَهم بِإصابَةِ المَطْلُوبِ والإخْبارُ بِتَحَقُّقِ ما أمْلَوْهُ مِن نَشْرِ الرَّحْمَةِ وتَهْيِئَةِ المِرْفَقِ أوِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ أمْثالَ هَذِهِ الآياتِ كَثِيرَةٌ ولَكِنَّ المُشَفَّعَ بِها مَن وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلتَّأمُّلِ فِيها والِاسْتِبْصارِ بِها، فالمُرادُ بِمَن إمّا الفِتْيَةُ أوْ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهُمْ، وفِيهِ ثَناءٌ عَلَيْهِمْ أيْضًا وهو كَما تَرى.

وجَعَلَهُ بَعْضُهم ثَناءً عَلى اللَّهِ تَعالى لِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وزِدْناهم هُدًى ﴾ ورَبَطْنا ومُلاءَمَةِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ومَن يُضْلِلْ ﴾ يَخْلُقْ فِيهِ الضَّلالَ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلَيْهِ ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ﴾ أبَدًا وإنْ بالَغْتَ في التَّتَبُّعِ والِاسْتِقْصاءِ ﴿ ولِيًّا ﴾ ناصِرًا ﴿ مُرْشِدًا ﴾ يَهْدِيهِ إلى الحَقِّ ويُخَلِّصُهُ مِنَ الضَّلالِ لِاسْتِحالَةِ وجُودِهِ في نَفْسِهِ لا أنَّكَ لا تَجِدُهُ مَعَ وُجُودِهِ أوْ إمْكانِهِ إذْ لَوْ أُرِيدَ مَدْحُهم لاكْتَفى بِقَوْلِهِ تَعالى: «فَهُوَ المُهْتَدِ» وفِيهِ أنَّهُ لا يُطابِقُ المُقامَ، والمُقابَلَةُ لا تُنافِي المَدْحَ بَلْ تُؤَكِّدُهُ فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أهْلُ الوِلايَةِ والرَّشادِ؛ لِأنَّ لَهُمُ الوَلِيَّ المُرْشِدَ، ولَعَلَّ في الآيَةِ صَنْعَةَ الِاحْتِباكِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ، أي تميل وتنحرف عن كهفهم.

ذاتَ الْيَمِينِ، وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ، أي تجاوزهم.

ويقال: تتركهم وتمر بهم، وأصل القرض: القطع، ومنه سمي المقراض.

ذاتَ الشِّمالِ، أي شمال الكهف.

وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ، أي في ناحية من الغار، ويقال: في متسع منه.

فأخبر أنه بوأهم كهفاً مستقبلاً بنات نعش، والشمس تميل عنه وتستدير طالعة وغاربة، ولا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرّها، ولا يحلفهم سمومها فيغير ألوانهم وتبلى أبدانهم، وكانوا في متسع منه ينالهم نسيم الريح، وينفي عنهم غمة الغار، والغمة: الهواء العفن، ويجوز الرفع النصب فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ الغار وكربه.

قوله: ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ، أي: ذلك الخبر والذكر، ويقال: ذلك الذي فعل بهم واختار لهم المكان الموافق من عجائب الله ولطفه وكرمه.

مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، أي من يوفقه الله للهدى فهو المهتدي.

وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً، أي موفقاً يرشده إلى التوحيد.

قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً بنصب الميم وكسر الفاء، والباقون بكسر الميم ونصب الفاء ومعناهما واحد، وهو ما يرتفق به.

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: تَتَزاوَرُ بتشديد الزاي مع الألف، لأن أصله: تتزاور أي: تميل، فأدغم وشدد الزاي.

وقرأ ابن عامر تَزْورُّ بجزم الزاي وتشديد الراء، ومعنى ذلك كله واحد وهو الميل.

قال الله تعالى: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ، لأن عيونهم كانت مفتحة، ويقال: من كثرة تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال.

وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وذلك أن جبريل  كان يقلبهم في كل سنة مرة لكيلا تأكل الأرض لحومهم، وهو قول ابن عباس.

وقال مجاهد: مكثوا ثلاثمائة عام على شق واحد، وقلبوا في التسع سنين.

وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ، أي مَاداً ذراعيه بفناء الباب.

لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً، أي لو هجمت عليهم اليوم، لأدبرت فراراً من هيئتهم.

وروى سعيد بن جابر، عن ابن عباس أنه قال: «غزا معاوية غزوة نحو الروم، فمروا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف، فقال معاوية: لو كشفنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال ابن عباس: قد منع الله ذلك عمن هو خير منك، يعني: قال للنبي  لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً فقال معاوية: «لا أنتهي حتى أعلم علمهم، فبعث أناسا، فقال: اذهبوا فادخلوا الكهف، فلما ذهبوا ودخلوا، بعث الله تعالى ريحاً فأخرجتهم» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الهُرُوب إلى اللَّه ومنابذة النَّاس كما تقول: قَامَ فُلاَنٌ إِلى أمْرِ كذا إذا اعتزم عليه بغايةِ الجِدِّ، وبهذه الألفاظ التي هي: قامُوا فَقالُوا، تعلَّقتِ الصوفيَّة في القيامِ والقَوْل، «والشَّطَط» : الجَوْر وتعدِّي الحدِّ والحقِّ بِحَسَبِ أَمْرٍ أَمْرٍ، و «السلطان» : الحجة، وقال قتادة: المعنى بعذرٍ «١» بيِّن، ثم عظموا جرم الداعين مع اللَّه غيره، وظُلُمَهم بقولهم: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً، وقولهم: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ ...

الآية: المعنى قال بعضهم لبعضٍ، وبهذا يترجَّح أن قوله تعالى: إِذْ قامُوا فَقالُوا إنما المراد به إِذ عزموا ونَفَذُوا لأمْرهم، وفي مصحف ابن مسعود: «ومَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» ، ومضمَّن هذه الآية الكريمة أن بعضهم قال لبعض: إِذ قد فارَقْنَا الكفَّار، وانفردْنا باللَّه تعالى، فلنجعل الكَهْفَ مأوًى، ونَّتكل على اللَّهِ تعالى، فإنه سيبسُطُ علينا رحمته، وينشرها علينا ويهيِّىءُ لنا من أمرنا مرفقاً، وهذا كله دعاءٌ بحَسَب الدنيا، وهم على ثِقَة من اللَّه في أمر آخرتهم، وقرأ نافع وغيره: «مَرْفِقاً» بفتح الميم وكسر الفاء، وقرأ حمزة وغيره بكسر الميم وفتح الفاء، ويقالان معاً في الأمر، وفي الجارحة، حكاه الزَّجَّاج «٢» .

وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (١٨)

وقوله سبحانه: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وتَتَزاوَرُ، أي: تميل، وتَقْرِضُهُمْ معناه/ تتركهم، والمعنى: أنهم كانوا لا تصيبهم شمْسٌ البتة، وهو قول ابن عباس «٣» ، وحكى الزَّجَّاج «٤» وغيره، قال: كان بابُ الكَهْف ينْظُرُ إِلى بناتِ نَعْشٍ، وذهب الزَّجَّاج «٥» إِلى أن فعْلَ الشمس كان آيةً من اللَّه تعالى دون أنْ يكون باب الكهْفِ إِلى جهة توجِبُ ذلك، وال فَجْوَةٍ: المتَّسِعَ، قال قتادة: في فضاء منه ومنه الحديث: «فَإِذَا وَجَدَ فجوة نصّ» «٦» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا [ قَوْلُ ] يَمْلِيخا، وهو رَئِيسُ أصْحابِ الكَهْفِ، قالَ لَهُمْ: وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم؛ أيْ: فارَقْتُمُوهُمْ، يُرِيدُ: عَبَدَةَ الأصْنامِ، " وما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ " فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: واعْتَزَلْتُمْ ما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ، فَإنَّ القَوْمَ كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ ويَعْبُدُونَ مَعَهُ آَلِهَةً، فاعْتَزَلَ الفِتْيَةُ عِبادَةَ الآَلِهَةِ ولَمْ يَعْتَزِلُوا عِبادَةَ اللَّهِ، هَذا قَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ والفَرّاءِ.

والثّانِي: وما يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، قالَ قَتادَةُ: هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ )، وهَذا تَفْسِيرُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ ﴾ ؛ أيِ: اجْعَلُوهُ مَأْواكُمْ، ﴿ يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ﴾ ؛ أيْ: يَبْسُطُ عَلَيْكم مِن رِزْقِهِ، ﴿ وَيُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مِرْفَقًا بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ( مَرْفِقًا بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ.

قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: ( مَرْفِقًا ) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، في كُلِّ مَرْفِقٍ ارْتَفَقَتْ بِهِ، ويَكْسِرُونَ مِرْفَقَ الإنْسانِ، والعَرَبُ قَدْ يَكْسِرُونَ المِيمَ مِنهُما جَمِيعًا.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الآَيَةِ: ويُهَيِّئْ لَكم بَدَلًا مِن أمْرِكُمُ الصَّعْبَ مِرْفَقًا، قالَ الشّاعِرُ: فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ مَعْناهُ: فَلَيْتَ لَنا بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ ﴾ : يَسْهُلُ عَلَيْكم ما تَخافُونَ مِنَ المَلِكِ وظُلْمِهِ، ويَأْتِكم بِاليُسْرِ والرِّفْقِ واللُّطْفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ ﴾ المَعْنى: لَوْ رَأيْتَها لَرَأيْتَ ما وصَفْنا.

﴿ تَزاوَرُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( تَزّاوَرُ ) بِتَشْدِيدِ الزّايِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( تَزاوَرُ ) خَفِيفَةً.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( تَزْوَرُّ ) مِثْلُ: ( تَحْمَرُّ ) .

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، والجَحْدَرِيُّ: ( تَزْوارُّ ) بِإسْكانِ الزّايِ وبِألِفٍ مَمْدُودَةٍ بَعْدَ الواوِ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ مُشَدَّدَةِ الرّاءِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( تَزْوَئِرُّ ) بِهَمْزَةٍ قَبْلَ الرّاءِ مِثْلُ: ( تَزْوَعِرُّ ) .

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ وأبُو السَّمّاكِ: ( تَزَوَّرُ ) بِفَتْحِ التّاءِ والزّايِ وتَشْدِيدِ الواوِ المَفْتُوحَةِ خَفِيفَةَ الرّاءِ، مِثْلُ: ( تُكَوَّرُ )؛ أيْ: تَمِيلُ وتَعْدِلُ.

قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ " تَزاوَرُ ": تَتَزاوَرُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ.

و ﴿ تَقْرِضُهُمْ ﴾ ؛ أيْ: تَعْدِلُ عَنْهم وتَتْرُكُهُمْ، وقالَ ذُو الرُّمَّةِ: إلى ظَعْنٍ يُقْرِضْنَ أجْوازَ مُشْرِفٍ ∗∗∗ شَمالًا وعَنْ أيْمانِهِنَّ الفَوارِسُ يُقْرِضْنَ: يَتْرُكْنَ، وأصْلُ القَرْضِ: القَطْعُ والتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الأشْياءِ، ومِنهُ قَوْلُكَ: أقْرِضْنِي دِرْهَمًا؛ أيِ: اقْطَعْ لِي مِن مالِكَ دِرْهَمًا.

قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ كَهْفُهم بِإزاءِ بَناتِ نَعْشٍ في أرْضِ الرُّومِ، فَكانَتِ الشَّمْسُ تَمِيلُ عَنْهم طالِعَةً وغارِبَةً، لا تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ فَتُؤْذِيهِمْ بَحَرِّها وتُغَيِّرُ ألْوانَهُمْ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم كانُوا في مُتَّسَعٍ مِنَ الكَهْفِ يَنالُهم فِيهِ بَرْدُ الرِّيحِ ونَسِيمُ الهَواءِ، فَقالَ: ﴿ وَهم في فَجْوَةٍ مِنهُ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: [ في ] مُتَّسِعٍ، والجَمِيعُ: فَجَواتٌ وفِجاءٌ، بِكَسْرِ الفاءِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما صَرَفَ الشَّمْسَ عَنْهم آَيَةً مِنَ الآَياتِ، ولَمْ يَرْضَ قَوْلُ مَن قالَ: كانَ كَهْفُهم بِإزاءِ بَناتِ نَعْشٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ ﴾ يُشِيرُ إلى ما صَنَعَهُ بِهِمْ مِنَ اللُّطْفِ في هِدايَتِهِمْ، وصَرْفِ أذى الشَّمْسِ عَنْهُمْ، والرُّعْبَ الَّذِي ألْقى عَلَيْهِمْ، حَتّى لَمْ يَقْدِرِ المَلِكُ الظّالِمُ ولا غَيْرُهُ عَلى أذاهم.

﴿ مِن آياتِ اللَّهِ ﴾ ؛ أيْ: مِن دَلائِلِهِ عَلى قُدْرَتِهِ ولُطْفِهِ.

﴿ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِ ﴾ هَذا بَيانٌ أنَّهُ هو الَّذِي تَوَلّى هِدايَةَ القَوْمِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَهْتَدُوا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَرى الشَمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عن كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِمالِ وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ مِن يَهْدِ اللهِ فَهو المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا ﴾ ﴿ وَتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ ونُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِمالِ وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا ﴾ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ اقْتِضابٌ يُبَيِّنُهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ، وتَقْدِيرُهُ: فَآوَوْا وضَرَبَ اللهُ عَلى آذانِهِمْ، ومَكَثُوا كَذَلِكَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "تَزّاوَرُ" بِتَشْدِيدِ الزايِ وإدْغامِ التاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَزاوَرُ" بِتَخْفِيفِها، بِتَقْدِيرِ: تَتَزاوَرُ، فَحُذِفَتْ إحْدى التاءَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ: (تَزْوَرُّ) في وزْنٍ تَحْمَرُّ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو رَجاءٍ: "تَزْوارُّ" بِألْفٍ بَعْدِ الواوِ.

ومَعْنى اللَفْظَةِ عَلى كُلِّ هَذا التَصْرِيفِ: تَعْدِلُ وتَرُوغُ وتَمِيلُ، وهَذِهِ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ، أمّا إنَّ الأخْفَشَ قالَ: "تَزْوَرُّ" مَعْناهُ: تَنْقَبِضُ، والزَوْرُ: المَيْلُ، والأزْوَرُ في العَيْنِ: المائِلُ النَظَرِ إلى ناحِيَةٍ، ويُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ العَيْنِ، كَقَوْلِ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ: وجَنْبِي خِيفَةَ القَوْمِ أزْوَرُ ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ عنتَرَةَ: فازْوَرَّ مِن وقَعَ القَنا بِلَبانِهِ ومِنهُ قَوْلُ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ: تَؤُمُّ بِها الحُداةُ مِياهَ نَخْلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وفِيها عن أبانَيْنِ ازْوِرارُ وَفِي حَدِيثِ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ أنَّ النَبِيَّ  رَأى في سَرِيرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ ازْوِرارًا عن سَرِيرَيْ جَعْفَرٍ وزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَقْرِضُهُمْ" بِالتاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَقْرِضُهُمْ" بِالياءِ، أيِ الكَهْفِ، كَأنَّهُ مِنَ القَرْضِ وهو القَطْعُ، أيْ: يَقْتَطِعُهُمُ الكَهْفُ بِظِلِّهِ مِن ضَوْءِ الشَمْسِ.

وجُمْهُورُ مَن قَرَأ بِالتاءِ فالمَعْنى أنَّهم كانُوا لا تُصِيبُهم شَمْسٌ البَتَّةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَيَتَأوَّلُونَ "تَقْرِضُهُمْ" بِمَعْنى: تَتْرُكُهُمْ، أيْ: كَأنَّها عِنْدَهُ تَقْطَعُ كُلَّ ما لا تَنالُهُ عن نَفْسِها، وفِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ بِالتاءِ تَأوَّلَتْ أنَّها كانَتْ بِالعَشِيِّ تَنالُهم فَكَأنَّها "تَقْرِضُهُمْ"، أيْ تَقْتَطِعُهم مِمّا لا تَنالُهُ، وقالُوا: كانَ في مَسِّها لَهم بِالعَشِيِّ صَلاحٌ لِأجْسامِهِمْ.

وحَكى الطَبَرِيٌّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: قَرَضْتُ مَوْضِعَ كَذا، أيْ قَطَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: إلى ظُعُنٍ يَقْرِضْنَ أجْوازَ مُشْرِفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ شِمالًا وعن أيْمانِهِنَّ الفَوارِسُ ومِنهُ: أقْرِضْنِي دِرْهَمًا، أيِ: اقْطَعْهُ لِي مِن مالِكَ.

وهَذِهِ الصِفَةُ مَعَ الشَمْسِ تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ لَهم حاجِبٌ مِن جِهَةِ الجَنُوبِ، وحاجِبٌ مِن جِهَةِ الدَبُّورِ، وهم في زاوِيَتِهِ.

وحَكى الزَجّاجُ وغَيْرُهُ قالَ: كانَ بابُ الكَهْفِ يَنْظُرُ إلى بَناتِ نَعْشٍ، وقالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وهَذا نَحْوَ ما قُلْناهُ، غَيْرَ أنَّ الكَهْفَ كانَ مَسْتُورَ الأعْلى مِنَ المَطَرِ.

وذَهَبَ الزَجّاجُ إلى أنَّ فِعْلَ الشَمْسِ كانَ آيَةً مِنَ اللهِ تَعالى دُونَ أنْ يَكُونَ بابُ الكَهْفِ إلى جِهَةٍ تُوجِبُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذاتَ اليَمِينِ ﴾ ﴿ وَذاتَ الشِمالِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ذاتَ يَمِينِ الكَهْفِ، بِأنْ تُقَدِّرَ بابَ الكَهْفِ بِمَثابَةِ وجْهِ إنْسانٍ، فَإنَّ الشَمْسَ تَجِيءُ مِنهُ أوَّلَ النَهارِ عن يَمِينٍ وآخِرَهِ عن شِمالٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ذاتَ يَمِينِ الشَمْسِ وذاتَ شِمالِها، بِأنْ نُقَدِّرَ الشُعاعَ المُمْتَدَّ مِنها إلى الكَهْفِ بِمَثابَةِ وجْهِ الإنْسانِ.

والوَجْهُ الأوَّلُ أوضَحُ.

و"الفَجْوَةُ": المُتَّسِعُ، وجَمْعُها فِجاءٌ، قالَ قَتادَةُ: في فَضاءٍ مِنهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «كانَ رَسُولُ اللهِ  يَسِيرُ العَنَقَ، فَإذا وجَدَ فَجْوَةً نَصَّ.» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ﴿ فِي فَجْوَةٍ مِنهُ ﴾ : في مَكانٍ داخِلٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ ﴾ الإشارَةُ إلى الأمْرِ بِجُمْلَتِهِ، وعَلى قَوْلِ الزَجّاجِ "إنَّ الشَمْسَ كانَتْ تَزاوَرُ وتَقْرِضُ دُونَ حِجابٍ" تَكُونُ الإشارَةُ إلى هَذا المَعْنى خاصَّةً.

ثُمَّ تابَعَ بِتَعْظِيمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ والتَسْلِيمِ لَهُ وما يَقْتَضِي صَرْفَ الآمالِ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ ﴾ الآيَةَ.

صِفَةُ حالٍ قَدْ نَقَضَتْ، وجاءَتْ أفْعالُها مُسْتَقْبِلَةً تَجَوُّزًا واتِّساعًا.

و"أيْقاظًا" جَمْعُ يَقِظٍ، كَعَضُدٍ وأعْضادٍ، وهو المُنْتَبِهُ.

قالَ أهْلُ التَفْسِيرِ: كانَتْ أعْيُنُهم مَفْتُوحَةً وهم نائِمُونَ، فَلِذَلِكَ كانَ الرائِي يَحْسَبُهم أيْقاظًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَحْسَبَ الرائِي ذَلِكَ لِشِدَّةِ الحِفْظِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِمْ، وقِلَّةِ التَغَيُّرِ، وذَلِكَ أنَّ الغالِبَ عَلى النُوّامِ أنْ يَكُونَ لَهُمُ اسْتِرْخاءٌ وهَيْئاتٌ تَقْتَضِي النَوْمَ، ورَبَّ نائِمٍ عَلى أحْوالٍ لَمْ تَتَغَيَّرْ عن حالَةِ اليَقَظَةِ، فَيَحْسَبُهُ الرائِي يَقْظانًا وإنْ كانَ مَسْدُودَ العَيْنِ، ولَوْ صَحَّ فَتْحُ أعْيُنِهِمْ بِسَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ كانَ أبْيَنَ في أنْ يَحْسِبَ عَلَيْهِمُ التَيَقُّظَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَنُقَلِّبُهُمْ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَتَقَلُّبُهُمْ" بِالتاءِ المَفْتُوحَةِ وضَمَّ اللامَ والباءَ، وهو مَصْدَرٌ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.

وحَكى ابْنُ جِنِّيٍّ القِراءَةَ عَنِ الحَسَنِ بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ اللامِ وفَتْحِ الباءِ، وقالَ: هَذا نَصْبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قالَ: وتَرى، أو تُشاهِدُ تَقَلُّبَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأبُو حاتِمٍ أثْبَتُ.

ورَأتْ فِرْقَةٌ أنَّ التَقَلُّبَ هو الَّذِي مِن أجْلِهِ كانَ الرائِي يَحْسَبُهم أيْقاظًا.

وهَذا -وَإنْ كانَ التَقَلُّبُ لِمَن صادَفَ رُؤْيَتَهُ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ- فَإنَّ ألْفاظَ الآيَةِ لَمْ تَسُقْهُ إلّا خَبَرًا مُسْتَأْنِفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ هَذا التَقْلِيبُ مَرَّتَيْنِ في السَنَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كُلُّ سَنَةٍ مَرَّةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كُلُّ سَبْعِ سِنِينَ مَرَّةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما قُلِّبُوا في التِسْعِ الأواخِرِ، وأمّا في الثَلاثِمِائَةِ فَلا.

وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ تَقَلُّبَهم إنَّما كانَ حِفْظًا مِنَ الأرْضِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: لَوْ مَسَّتْهُمُ الشَمْسُ لَأحْرَقَتْهُمْ، ولَوْلا التَقْلِيبُ لِأكْلَتِهِمُ الأرْضُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وآيَةُ اللهِ تَعالى في نَوْمِهِمْ هَذِهِ المُدَّةَ الطَوِيلَةَ وحَياتِهِمْ دُونَ تَغَذٍّ أذْهَبُ في الغَرابَةِ مِن حِفْظِهِمْ مَعَ مَسِّ الشَمْسِ ولُزُومِ الأرْضِ، ولَكِنَّها رِواياتٌ تَخْتَلِفُ وتُتَأمَّلُ بَعْدُ، وظاهِرُ كَلامِ المُفَسِّرِينَ أنَّ التَقَلُّبَ كانَ بِأمْرِ اللهِ تَعالى وفَعَلَ مَلائِكَتِهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإقْدارِ اللهِ إيّاهم عَلى ذَلِكَ وهم في غَمْرَةِ النَوْمِ لا يَنْتَبِهُونَ كَما يَعْتَرِي كَثِيرًا مِنَ النُوّامِ؛ لِأنَّ القَوْمَ لَمْ يَكُونُوا مَوْتى.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَكَلْبُهُمْ".

أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ كَلْبٌ حَقِيقَةً، كانَ لِصَيْدِ أحَدِهِمْ فِيما رُوِيَ، وقِيلَ: كانَ لِراعٍ مُرُوا عَلَيْهِ فَصَحِبَهم وتَبِعَهُ الكَلْبُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتُ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيَّ في جامِعِ مِصْرَ يَقُولُ عَلى مِنبَرِ وعْظِهِ سَنَةَ تِسْعٍ وسِتِّينَ وأرْبَعِمِائَةٍ: إنَّ مَن أحَبَّ أهْلَ الخَيْرِ نالَ مِن بَرَكَتِهِمْ، كَلْبٌ أحَبَّ أهْلَ فَضَلٍ وصَحِبَهم فَذَكَرَهُ اللهُ تَعالى في مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ.

وقِيلَ: كانَ أنْمَرَ، وَقِيلَ: كانَ أحْمَرَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ رَجُلًا طَبّاخًا لَهُمْ، حَكاهُ الطَبَرِيٌّ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ أحَدُهُمْ، وكانَ قَعَدَ عِنْدَ بابِ الغارِ طَلِيعَةً لَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَسُمِّي بِاسْمِ الحَيَوانِ المُلازِمِ لِذَلِكَ المَوْضِعِ مِنَ الناسِ، كَما سُمِّيَ النَجْمُ التابِعُ لِلْجَوْزاءِ كَلْبًا لِأنَّهُ مِنها كالكَلْبِ مِنَ الإنْسانِ، ويُقالُ لَهُ: كَلْبُ الجَبّارِ.

أمّا أنَّ هَذا القَوْلَ يُضْعِفُهُ ذِكْرُ بَسْطِ الذِراعَيْنِ فَإنَّهُما في العُرْفِ مِن صِفَةِ الكَلْبِ حَقِيقَةً، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "وَلا يَبْسُطْ أحَدُكم ذِراعَيْهِ في السُجُودِ انْبِساطَ الكَلْبِ"،» وقَدْ حَكى أبُو عُمَرَ المُطَرِّزُ في كِتابِ اليَواقِيتِ أنَّهُ قُرِئَ: "وَكالِبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ"، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الكالِبِ" هَذا الرَجُلُ، عَلى ما رُوِيَ؛ إذْ بَسْطُ الذِراعَيْنِ واللُصُوقِ بِالأرْضِ مَعَ رَفْعِ الوَجْهِ لِلتَّطَلُّعِ هي هَيْئَةُ الرَبِيئَةِ، المُسْتَخْفِي بِنَفْسِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الكالِبِ" الكَلْبَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ باسِطٌ ذِراعَيْهِ ﴾ أعْمَلَ اسْمَ الفاعِلِ وهو بِمَعْنى المُضِيِّ لِأنَّها حِكايَةٌ، ولَمْ يَقْصِدِ الإخْبارَ عن فِعْلِ الكَلْبِ.

و"الوَصِيدُ": العَتَبَةُ الَّتِي لِبابِ الكَهْفِ، أو مَوْضِعُها حَيْثُ لَيْسَتْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: الوَصِيدُ: الفَناءُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الوَصِيدُ: البابُ، وقالَ ابْنٌ جُبَيْرٍ أيْضًا: الوَصِيدُ: التُرابُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والبابُ المُوصَدُ هو المُغْلَقُ، أيْ: قَدْ وقَفَ عَلى وصِيدِهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى ما حَفَّهم مِنَ الرُعْبِ واكْتَنَفَهم مِنَ الهَيْبَةِ، وقَرَأ: "لَوِ اطَّلَعَتْ" بِكَسْرِ الواوِ جُمْهُورُ القُرّاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "لَوُ اطَّلَعَتْ" بِضَمِّها، وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ عن نافِعٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وأهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ: "لَمُلِّئَتْ" بِشَدِّ اللامِ عَلى تَضْعِيفِ المُبالِغَةِ، أيْ: مُلِئَتْ ثُمَّ مُلِئَتْ، وقَرَأ الباقُونَ: "لَمُلِئَتْ" بِتَخْفِيفِ اللامِ، والتَخْفِيفُ أشْهَرُ في اللُغَةِ، وقَدْ جاءَ التَثْقِيلُ في قَوْلِ المُخَبَّلِ السَعْدِيِّ: وإذْ فَتَكَ النُعْمانُ بِالناسِ مُحْرِمًا ∗∗∗ ∗∗∗ فَمُلِّئَ مِن كَعْبِ بْنِ عَوْفٍ سَلاسِلُهُ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما حَفَّهم هَذا الرُعْبُ لِطُولِ شُعُورِهِمْ وأظْفارِهِمْ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ والزَجّاجُ، وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ، ولَوْ كانَتْ حالُهم هَكَذا، لَمْ يَقُولُوا: ﴿ لَبِثْنا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ  ﴾ ، وإنَّما الصَحِيحُ في أمْرِهِمْ، أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ حَفِظَ لَهُمُ الحالَةَ الَّتِي قامُوا عَلَيْها لِتَكُونَ لَهم ولِغَيْرِهِمْ فِيهِمْ آيَةٌ، فَلَمْ يَبْلَ لَهم ثَوْبٌ، ولا تَغَيَّرَتْ صِفَةٌ، ولا أنْكَرَ الناهِضُ إلى المَدِينَةِ إلّا مَعالِمَ الأرْضِ والبِناءِ، ولَوْ كانَتْ في نَفْسِهِ حالَةٌ يُنْكِرُها لَكانَتْ عَلَيْهِ أهَمَّ، ولِرُوِيَ ذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رُعْبًا" بِسُكُونِ العَيْنِ، وقَرَأ "رُعُبًا" بِضَمِّها أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى، قالَ أبُو حاتِمٍ: هُما لُغَتانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَتَرَى الشمس إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليمين وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشمال وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مِّنْهُ ﴾ .

عطف بعض أحوالهم على بعض.

انتقل إلى ذكره بمناسبة الإشارة إلى تحقيق رجائهم في ربهم حين قال بعضهم لبعض ﴿ ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً ﴾ [الكهف: 16].

وهذا حال عظيم وهو ما هيأ الله لهم في أمرهم من مرفق، وأن ذلك جزاؤهم على اهتدائهم وهو من لطف الله بهم.

والخطاب لغير معين.

والمعنى: يَرى مَن تُمكنه الرؤيةُ.

وهذا كثير في الاستعمال، ومنه قول النابغة: ترى عافيات الطير قد وثقت لها *** بشبع من السُخل العتاق الأكايل وقد أوجز من الخبر أنهم لما قال بعضهم لبعض ﴿ فأووا إلى الكهف ﴾ [الكهف: 16] أنهم أووا إليه.

والتقدير: فأخذوا بنصيحته فأووا إلى الكهف.

ودل عليه قوله في صدر القصة ﴿ إذ أوى الفتية إلى الكهف ﴾ [الكهف: 10] فرُد عجزُ الكلام على صدره.

وتزاور} مضارع مشتق من الزور بفتح الزاي، وهو المَيل.

وقرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر بفتح التاء وتشديد الزاي بعدها ألف وفتح الواو.

وأصله: تتزاور بتاءين أدغمت تاء التفاعل في الزاي تخفيفاً.

وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف بتخفيف الزاي على حذف إحدى التاءين وهي تاء المضارعة للتخفيف اجتزاء برفع الفعل الدال على المضارعة.

وقرأه ابن عامر ويعقوب ﴿ تزور ﴾ بفتح التاء بعدها زاي ساكنة وبفتح الواو وتشديد الراء بوزن تَحْمَرُّ.

وكلها أبنية مشتقة من الزَوَر بالتحريك، وهو الميل عن المكان، قال عنترة: فازورّ من وقع القنَا بلبَانِه *** أي مال بعض بدنه إلى بعض وانقبض.

والإتيان بفعل المضارعة للدلالة على تكرر ذلك كل يوم.

و ﴿ تقرضهم ﴾ أي تنصرف عنهم.

وأصل القَرْض القطع، أي أنها لا تطلع في كهفهم.

و ﴿ ذات اليمين وذات الشمال ﴾ بمعنى صاحبة، وهي صفة لمحذوف يدل عليه الكلام، أي الجهة صاحبة اليمين.

وتقدم الكلام على ﴿ ذات ﴾ عند قوله تعالى: ﴿ وأصلحوا ذات بينكم ﴾ في سورة الأنفال (1).

والتعريف في اليمين } ، و ﴿ الشمال ﴾ عوض عن المضاف إليه، أي يمين الكهف وشماله، فيدل على أن فم الكهف كان مفتوحاً إلى الشمال الشرقي، فالشمس إذا طلعت تطلع على جانب الكهف ولا تخترقه أشعتُها، وإذا غربتْ كانت أشعتها أبعد عن فم الكهف منها حينَ طلوعها.

وهذا وضع عجيب يسّره الله لهم بحكمته ليكون داخلُ الكهف بحالة اعتدال فلا ينتاب البِلى أجسادَهم، وذلك من آيات قدرة الله.

والفجوة: المتسع من داخل الكهف، بحيث لم يكونوا قريبين من فم الكهف.

وفي تلك الفجوة عون على حفظ هذا الكهف كما هو.

﴿ ذلك مِنْ ءَايَاتِ الله ﴾ الإشارة بقوله: ﴿ ذلك ﴾ إلى المذكور من قوله: ﴿ وترى الشمس ﴾ .

وآيات الله: دلائل قدرته وعنايته بأوليائه ومؤيدي دين الحق.

والجملة معترضة في خلال القصة للتنويه بأصحابها.

والإشارةُ للتعظيم.

استئناف بياني لما اقتضاه اسمُ الإشارة من تعظيم أمر الآية وأصحابِها.

وعموم (مَن) الشرطية يشمل المتحدَث عنهم بقرينة المقام.

والمعنى: أنَهم كانوا مهتدين لأن الله هداهم فيمن هدى، تنبيهاً على أن تيسير ذلك لهم من الله هو أثر تيسيرهم لليسرى والهُدى، فأبلغهم الحق على لسان رسولهم، ورزقهم أفهاماً تؤمن بالحق.

وقد تقدم الكلام على نظير ﴿ من يهد الله فهو المهتد ﴾ ، وعلى كتابة ﴿ المهتد ﴾ بدون ياء في سورة الإسراء.

والمرشد: الذي يُبين للحيران وجه الرشد، وهو إصابة المطلوب من الخير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: تُعْرِضُ عَنْهُ فَلا تُصِيبُهُ.

الثّانِي: تَمِيلُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ.

﴿ وَإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْنى تَقْرِضُهم تُحاذِيهِمْ، والقَرْضُ المُحاذاةُ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ.

الثّانِي: مَعْناهُ تُقَطِّعُهم ذاتَ الشِّمالِ أيْ أنَّها تَجُوزُهم مُنْحَرِفَةً عَنْهم، مِن قَوْلِكَ قَرَضْتُهُ بِالمِقْراضِ أيْ قَطَعْتَهُ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ تُعْطِيهِمُ اليَسِيرَ مِن شُعاعِها ثُمَّ تَأْخُذُهُ بِانْصِرافِها، مَأْخُوذٌ مِن قَرْضِ الدَّراهِمِ الَّتِي تُرَدُّ لِأنَّهم كانُوا في مَكانٍ مُوحِشٍ، وقِيلَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ سَقْفٌ يُظِلُّهم ولَوْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمْ لَأحْرَقَتْهم.

وَفي انْحِرافِها عَنْهم في الطُّلُوعِ والغُرُوبِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ كَهْفَهم كانَ بِإزاءِ بَناتِ نَعْشٍ فَلِذَلِكَ كانَتِ الشَّمْسُ لا تُصِيبُهُ في وقْتِ الشُّرُوقِ ولا في وقْتِ الغُرُوبِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَفَ الشَّمْسَ عَنْهم لِتَبْقى أجْسامُهم وتَكُونَ عِبْرَةً لِمَن يُشاهِدُهم أوْ يَتَّصِلُ بِهِ خَبَرُهم.

﴿ وَهم في فَجْوَةٍ مِنهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي في فَضاءٍ مِنهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: داخِلٌ مِنهُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المَكانُ المُوحِشُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ ناحِيَةٌ مُتَّسِعَةٌ، قالَهُ الأخْفَشُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ ونَحْنُ مَلَأْنا كُلَّ وادٍ وفَجْوَةٍ رِجالًا وخَيْلًا غَيْرَ مَيْلٍ ولا عُزْلِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ تزاور ﴾ قال: تميل.

وفي قوله: ﴿ تقرضهم ﴾ قال: تذرهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ تقرضهم ﴾ قال: تتركهم ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ قال: المكان الداخل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ قال: يعني بالفجوة، الخلوة من الأرض.

ويعني بالخلوة، الناحية من الأرض.

وأخرج ابن المنذر عن أبي مالك في قوله: ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ قال: في ناحية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وتحسبهم ﴾ يا محمد ﴿ أيقاظاً وهم رقود ﴾ يقول: في رقدتهم الأولى ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ قال: وهذا التقليب في رقدتهم الأولى، كانوا يقلبون في كل عام مرة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ قال: ستة أشهر على ذي الجنب، وستة أشهر على ذي الجنب.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عياض في قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ قال: في كل عام مرتين.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ونقلبهم ﴾ قال: في التسع سنين ليس فيما سواه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ قال: كي لا تأكل الأرض لحومهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وكلبهم ﴾ قال: اسم كلبهم قطمور.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: اسم كلب أصحاب الكهف، قطمير.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: قلت لرجل من أهل العلم: زعموا أن كلبهم كان أسداً، قال: لعمر الله ما كان أسداً، ولكنه كان كلباً أحمر خرجوا به من بيوتهم يقال له، قطمور.

وأخرج ابن أبي حاتم عن كثير النواء قال: كان كلب أصحاب الكهف أصفر.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان قال: قال رجل بالكوفة يقال له: عبيد وكان لا يتهم بكذب، قال: رأيت كلب أصحاب الكهف أحمر كأنه كساء انبجاني.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق جويبر، عن عبيد السواق قال: رأيت كلب أصحاب الكهف صغيراً، باسطاً ذراعيه بفناء باب الكهف، وهو يقول: هكذا يضرب بأذنيه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدالله بن حميد المكي في قوله: ﴿ وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ﴾ قال: جعل رزقه في لحس ذراعيه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس في قوله: ﴿ بالوصيد ﴾ قال: بالفناء.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ بالوصيد ﴾ قال: بالباب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية في قوله: ﴿ بالوصيد ﴾ قال: بفناء باب الكهف.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ بالوصيد ﴾ قال: بالصعيد.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ﴾ قال: ممسك عليهم باب الكهف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب رضي الله عنه قال: كان لي صاحب شديد النفس، فمر بجانب كهفهم فقال: لا أنتهي حتى أنظر إليهم، فقيل له: لا تفعل...

أما تقرأ ﴿ لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً ﴾ فأبى إلا أن ينظر، فأشرف عليهم فابيضت عيناه وتغير شعره، وكان يخبر الناس بعد يقول: عدتهم سبعة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أزكى طعاماً ﴾ قال: أحل ذبيحة، وكانوا يذبحون للطواغيت.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أزكى طعاماً ﴾ يعني، أطهر؛ لأنهم كانوا يذبحون الخنازير.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ ﴾ الآية، التاء في قوله: ﴿ وَتَرَى ﴾ لمخاطب، أي: ترى أنت أيها المخاطب الشمس عند طلوعها تميل عن كهفهم، وليس أن من خوطب بهذا يرى ذلك، ولكن العادة في المخاطبة تكون على هذا النحو، ومعناه: أنك لو رأيته على هذه الصورة (١) ومعنى ﴿ تَزَاوَرُ ﴾ قال ابن عباس: تتنحى (٢) (٣) (٤) كَلَون الحِصَان الأنبطِ البطن قائمًا ...

تمايل عنه الجلُّ واللونُ أشقرُ وكذلك قالوا: تجانف، بهذا المعنى (٥) (٦) (٧) (٨) أي: انقبض.

والذي حسَّن القراءة به قول جرير (٩) وفي الأظعان عن طلح ازورار فظاهر استعمال هذا في الأظعان مثل استعماله في الشمس (١٠) وقوله تعالى: ﴿ ذَاتَ الْيَمِينِ ﴾ ، أي: ناحية اليمين، فذات هاهنا صفة قامت مقام الموصوف، كأنه قيل: ناحية ذات اليمين.

قال الأخفش: (وهو نصب على الظرف) (١١) وقوله تعالى: ﴿ تَقْرِضُهُمْ ﴾ قال الوالبي عن ابن عباس: (تذرهم) (١٢) وقال قتادة: (تدعهم) (١٣) (١٤) وقال الأخفش، والزجاج، وأبو عبيدة: (تعدل عنهم وتتركهم) (١٥) (١٦) وأنشد قول ذي الرمة (١٧) إلى ظُعُنٍ يَقْرضْن أقواز مشرفٍ ...

شمالا عن أيمانهن الفوارسُ وقال أبو عبيد: (القرض في أشياء) فمنها: القطع، وكذلك السير في البلاد إذا قطعتها، وأنشد البيت (١٨) قال أبو عبيدة: (تقول لصاحبك: هل وردت مكان كذا؟

فيقول المجيب: إنما قرضته ذات الشمال، إذا مرَّ به وتجاوز عنه وهو على شماله) (١٩) قال الكلبي: (يقول إذا طلعت الشمس مالت عن كهفهم ذات اليمين، يعني: يمين الكهف، وإذا غربت تمر بهم ذات الشمال، يعني: شمال الكهف لا تصيبه، وكان كهفهم نحو بنات نعش (٢٠) (٢١) وقال المفسرون: (أعلم الله تعالى أنه ثواهم في مَقنَاة (٢٢) (٢٣) وقال أبو علي الفارسي: (إذا مالت الشمس عنهم إذا طلعت، وتجاوزتهم إذا غربت، دلَّ أن الشمس لا تصيبهم ألبتة، أو في أكثر الأمر، فتكون صورهم محفوظة) (٢٤) هذا الذي ذكرنا قول المفسرين قالوا في سبب ميل الشمس عنهم: (إنهم كانوا في مَقْنَاة) (٢٥) (٢٦) ﴿ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ﴾ يعني: أن الله تعالى بقدرته (٢٧) ﴿ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ﴾ (٢٨) ثم أخبر أنهم كانوا في متسع من الكهف، ينالهم فيه برد الريح، ونسيم الهوى فقال: "وهم في فجوة منه" أي: من الكهف، والفجوة: متسع في مكان (٢٩) قال أبو عبيدة: (وجمعها فَجَوات) (٣٠) (٣١) (٣٢) وقال مجاهد: (الفجوة: المكان الذاهب) (٣٣) (٣٤) ﴿ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ﴾ ، أي: ذلك التزاور والقرض من دلائل قدرة الله ولطفه بأصحاب الكهف.

﴿ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَد ﴾ أشار إلى أن الله تعالى هو الذي تولى هداية أصحاب الكهف] (٣٥) ﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ﴾ ، كدقيانوس الكافر وأصحابه.

(١) "زاد المسير" 5/ 117، و"القرطبي" 10/ 368، و"التفسير الكبير" 11/ 99.

(٢) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة.

انظر: "القرطبي" 10/ 368، و"إرشاد العقل السليم" 5/ 211، و"روح المعاني" 15/ 222.

(٣) "جامع البيان" 15/ 210، و"الدر المنثور" 4/ 391 وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٤) البيت لذي الرمة.

والنبط: بياض الجنبين، فإذا كان الفرس أبيض البطن فهو أنبط.

قال الليث: النبط والنبطة: بياض تحت أبط الفرس، وربما عرض حتى يغشى البطن والصدر.

انظر: "ديوانها" (227)، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 133، و"تهذيب اللغة" (نبط) 4/ 3497، و"لسان العرب" (نبط) 7/ 4326.

(٥) الزَّوْرُ: الميل في وسط الصدر، ويقال للقوس: زَوْرَاء لميلها.

والازوار عن الشيء: العدول عنه.

انظر: "تهذيب اللغة" (زار) 2/ 1499، و"اللسان" (زور) 3/ 1887.

(٦) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: (تَزَّاور) بثديد الزاي.

وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: (تَزَاور) خفيفة.

وقرأ ابن عامر: (تَزْور) بغير ألف، على وزن: تحمر.

انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 131، و"السبعة" ص 388، و"الغاية" ص 305، و"التبصرة" ص 248، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 56.

(٧) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 132، و"الدر المصون" 7/ 457، و"روح المعاني" 15/ 222.

(٨) هذا صدر بيت لعنترة، وعجزه: وشكا إلى بعبرة وتحمحم ازور من وقع القنا، أي: أعرض الفرس لما رأى الرماح تقع بنحوه.

واللبان: الصدر، وقيل: ما بين الثديين ويكون للإنسان وغيره.

والتحمحم: الصوت الخفي، فإن اشتد فهو الصهيل.

انظر: "ديوانه" ص 18، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 132، و"الجامع لآحكام القرآن" 10/ 386.

(٩) هذا عجز بيت لجرير.

وصدره: عفن على الأماعز من حبي عسفن: عدلن.

والأماعز: الواحد أمعز: وهو المكان الصلب الكثير الحجارة والحصى.

وطلح: مكان.

انظر: "ديوانه" ص 182، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 133.

(١٠) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 133.

(١١) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 617.

(١٢) "جامع البيان" 15/ 212، و"الكشف والبيان" 3/ 388 أ.

(١٣) "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 336، و"جامع البيان" 15/ 212، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 369.

(١٤) "الكشف والبيان" 3/ 388 أ، و"تفسير المشكل" لمكي بن أبي طالب ص 142.

(١٥) "معالم التنزيل" 5/ 157، و"زاد المسير" 5/ 117 بدون نسبة، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 273، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 396.

(١٦) "تهذيب اللغة" (قرض) 3/ 2932، و"روح المعاني" 15/ 222.

(١٧) البيت لذي الرمة.

القَوَز: كثيب الرمل المستدير.

ومشرف، والفوارس: موضعان.

انظر: "ديوانه" (313)، و"المحرر الوجيز" 9/ 257، و"الكشاف" 2/ 388، و"البحر المحيط" 6/ 93، و"تهذيب اللغة" (قرض) 3/ 2932، و"الدر المصون" 7/ 458، و"لسان العرب" (قرض) 6/ 3590.

(١٨) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (قرض) 3/ 2932.

(١٩) ذكره في "مجاز القرآن" 1/ 396.

(٢٠) بنات نعش: سبعة كواكب، فأربعة منها نعش؛ لأنها مربعة، وثلاثة منها بنات، يقال للواحد منها: ابن نعش؛ لأن الكوكب مذكر.

انظر: "تهذيب اللغة" (نعش) 4/ 3611، و"مقاييس اللغة" (نعش) 5/ 450، و"لسان العرب" (نعش) 7/ 4474، و"القاموس المحيط" (نعش) ص 607.

(٢١) "زاد المسير" 5/ 157، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 369، وذكره "الكشف والبيان" 3/ 388 أبلا نسبة.

(٢٢) المَقْنُوَةُ، خفيفة، من الظل: حيث لا تصيبه الشمس في الشتاء.

قال أبو عمر: مَقْنَاةٌ ومَقْنُوة بغير همز.

وقال ابن السكيت: المَقْنَأَة: المكان الذي لا تصيبه الشمس.

انظر: "تهذيب اللغة" (قنا) 3/ 3050، و"لسان العرب" (قنأ) 6/ 3746.

(٢٣) "الكشف والبيان" 3/ 388 أ، و"بحر العلوم" 2/ 293، و"النكت والعيون" 3/ 290، و"معالم التنزيل" 5/ 117، و"المحرر الوجيز" 9/ 255.

(٢٤) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 134.

(٢٥) "معالم التنزيل" 5/ 157، و"المحرر الوجيز" 9/ 255، و"البحر المحيط" 6/ 108، و"أضواء البيان" 4/ 435.

(٢٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 273.

(٢٧) قوله: (بقدرته)، ساقط من نسخة (س).

(٢٨) "الكشاف" 2/ 382، و"المحرر الوجيز" 9/ 295.

وهذا القول هو الراجح -والله أعلم- للقرينة القرآنية وهي قوله: ﴿ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ﴾ ، قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 34: وأما القول الذي تدل القرينة في هذه الآية على صحته فهو أن أصحاب الكهف كانوا في فجوة من الكهف على سمت تصيبه الشمس وتقابله، إلا أن الله منع ضوء الشمس من الوقوع عليهم على وجه خرق العادة، كرامة لهؤلاء القوم الصالحين الذين فروا بدينهم طاعة لربهم جل وعلا.

وقال الشوكاني في "تفسيره" 3/ 392: فإن صرف الشمس عنهم مع توجه الفجوة إلى مكان تصل إليه عادة أنسب بمعنى كونها آية، ويؤيده أيضًا إطلاق الفجوة وعدم تقيدها بكونها إلى جهة كذا.

وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 273، و"التفسير الكبير" 11/ 100.

(٢٩) انظر: "تهذيب اللغة" (فج) 10/ 507، و"مقاييس اللغة" (فجَّ) 3/ 2742، و"القاموس المحيط" (فج) ص 200، و"الصحاح" (فجَّ) ص 206، و"المفردات في غريب القرآن" (فجج) ص 373.

(٣٠) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 396.

(٣١) النص: نصَّ الدابة ينصها نصًّا: رفعها في السير، قال أبو عبيد: النص التحريك حتى تستخرج من الناقة أقصى سيرها.

وأصل النص أقصى الشيء وغايته، ثم سمي به ضرب من السير سريع.

انظر: "تهذيب اللغة" (نصَّ) 4/ 3585، و"لسان العرب" (نصص) 7/ 4441.

(٣٢) أخرجه البخاري "صحيحه" كتاب: الجهاد، باب: السرعة في السير 3/ 1093، == ومسلم في "صحيحه" كتاب الحج، باب الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة 2/ 936، وأبو داود في "سننه" كتاب الحج، باب الدفعة من عرفة 2/ 472، والنسائي في "سننه" كتاب الحج، باب كيف يسير من عرفة 5/ 183، ومالك في "الموطأ" كتاب الحج، باب السير إلى عرفة 1/ 392.

(٣٣) "جامع البيان" 15/ 145، و"تفسير مجاهد" 446.

(٣٤) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة.

انظر: "جامع البيان" 15/ 212 - 213 بمعناه، و"الكشف والبيان" 3/ 388 ب، و"معالم التنزيل" 5/ 157، و"المحرر الوجيز" 9/ 295.

(٣٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَتَرَى الشمس إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليمين وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشمال ﴾ قيل: هنا كلام محذوف تقديره فأوى القوم إلى الكهف ومكثوا فيه، وضرب الله على آذانهم، ومعنى تزاور تميل وتزوغ، ومعنى: تقرضهم تقطعهم: أي تبعد عنهم، وهو بمعنى القطع، وذات اليمين والشمال أي جهته، ومعنى الآية: أن الشمس لا تصيبهم عند طلوعها، ولا عند غروبها لئلا يحترقوا بحرها، فقيل: إن ذلك كرامة لهم وخرق عادة، وقيل: كان باب الكهف شمالياً يستقبل بنات نعش، فلذلك لا تصيبهم الشمس، والأول أظهر لقوله: ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ﴾ أي في موضع واسع، وذلك مفتح لإصابة الشمس، ومع ذلك حجبها الله عنهم ﴿ ذلك مِنْ آيات الله ﴾ الإشارة إلى حجب الشمس عنهم إن كان خرق عادة، وإن كان لكون بابهم إلى الشمال فالإشارة إلى أمرهم بجملته ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ ﴾ أيقاظاً جمع يقظ، وهو المنتبه، كانت أعينهم مفتوحة وهم نائمون، فيحسبهم من يراهم أيقاظاً وفي قوله: أيقاظاً ورقود مطابقة، وهي من أدوات البيان ﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال ﴾ أي نقلبهم من جانب إلى جانب، ولولا ذلك لأكلتهم الأرض، وكان هذا التقليب من فعل الله وملائكته، وهم لا ينتبهون من نومهم، وروي أنهم كانوا يقلبون مرتين في السنة، وقيل من سبع سنين إلى مثلها ﴿ وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ ﴾ قيل إنه كان كلباً لأحدهم يصيد به، وقيل كان كلباً لراع فمروا عليه فصحبهم وتبعه كلبه وأعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضيّ لأنه حكاية حال.

﴿ بالوصيد ﴾ أي بباب الكهف، وقيل عتبته وقيل البناء ﴿ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ﴾ ذلك لما ألبسهم الله من الهيبة، وقيل: لطول أظافرهم وشعورهم وعظم أجرامهم.

وقيل: لوحشة مكانهم، وعن معاوية أنه غزا الروم فمر بالكهف، فأراد الدخول إليه فقال له ابن عباس: لا تستطيع ذلك، قد قال الله لمن هو خير منك: لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً فبعث ناساً إليهم، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحاً فأحرقتهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ من لدنه ﴾ بإشمام الدال ﴿ شيئاً ﴾ بالضم وكسر النون ووصل الهاء بالياء: يحيى.

الآخرون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء ﴿ ويبشر ﴾ مخففاً.

حمزة وعلي.

الباقون بالتشديد.

﴿ هيىء لنا ﴾ ﴿ ويهيىء لكم ﴾ بتليين الهمزة فيهما إلا أوقية والأعشى في الوقوف ﴿ فاووا ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ مرفقاً ﴾ بفتح الميم وكسر الفاء: أو جعفر ونافع وابن عامر والأعشى والبرجمي، الآخرون على العكس ﴿ تزاور ﴾ خفيفاً بحذف تاء التفاعل: عاصم وحمزة علي وخلف ﴿ تزور ﴾ بتشديد الراء: ابن عامر مثل "تحمر" ويعقوب.

الباقون ﴿ تزوار ﴾ بتشديد الزاي لإدغام التاء فيه ﴿ المهتدي ﴾ كما مر في "سبحان" ﴿ ولملئت ﴾ مشددة للمبالغة: أبو جعفر ونافع وابن كثير، وقرأ أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف غير مهموز: ﴿ بورقكم ﴾ بسكون الراء: أبو عمرو وحمزة وحماد وأبو بكر والخزاز عن هبيرة وعباس بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف الآخرون بكسر الراء مظهراً ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ أن يهديني ﴾ و ﴿ أن ترني ﴾ و ﴿ وأن يؤتيني ﴾ و ﴿ أن تعلمني ﴾ بالياآت في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح.

وزمعة.

وروى ابن شنبوذ عن قنبل كلها بالياء في الحالين.

وعن البزي وابن فليح كلها بغير ياء - في الحالين - وافقهم أبو جعفر ونافع وأبو عمرو بالياء في الوصل ﴿ ثلثمائة سنين ﴾ بالإضافة: حمزة وعلي وخلف الباقون بالتنوين ﴿ ولا تشرك ﴾ بالتاء على النهي: ابن عامر وروح وزيد.

الآخرون ﴿ ولا يشرك ﴾ بياء الغيبة ورفع الكاف.

الوقوف: ﴿ عوجاً ﴾ ه ط لأن ﴿ قيماً ﴾ ليس بصفة له ولكنه انتصب بمحذوف دل عليه المتلو وهو أنزل أي أنزله قيما، وللوصل وجه وهو أن يكون حالاً من الكتاب أو العبد وما بينهما اعتراض ﴿ حسناً ﴾ ، ه لا ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ ولداً ﴾ ج ه، لأن ما بعده يحتمل الصفة أو ابتداء وإخبار، والوقف أوضح ليكون ادعاء الولد مطلقاً كما هو الظاهر ﴿ لآبائهم ﴾ ط ﴿ من أفواههم ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ أسفا ﴾ ه ﴿ عملا ﴾ ه ﴿ جرزا ﴾ ، ه ط لتمام القصة ما بعده استفهام تقرير وتعجيب ﴿ عجباً ﴾ ه ﴿ رشدا ﴾ ه ﴿ عددا ﴾ ، لا للعطف ﴿ أمدا ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ هدى ﴾ والوصل أولى للعطف ﴿ شططاً ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ط لابتداء التحضيض ﴿ بين ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ مرفقاً ﴾ ه ﴿ فجوة منه ﴾ ط ﴿ آيات الله ﴾ ط ﴿ فهو المهتد ﴾ ج ﴿ مرشداً ﴾ ه ﴿ رقود ﴾ قف والأولى الوصل على أن ما بعده حال أي رقدوا ونحن نقلبهم ﴿ الشمال ﴾ قف والوصل أحسن على أن المعنى نقلبهم وكلبهم باسط ﴿ بالوصيد ﴾ ط ﴿ رعباً ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ كم لبثتم ﴾ ط ﴿ بعض يوم ﴾ ط ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ لا ريب فيها ﴾ ج لأن "إذا" يصلح أن يكون طرفاً للإعثار عليهم وأن يكون منصوباً بإضمار "اذكر" ﴿ بنياناً ﴾ ط ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ مسجداً ﴾ ه ﴿ رابعهم كلبهم ﴾ ج فصلاً بين المقالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ بالغيب ﴾ ج لوقوع العارض ﴿ كلبهم ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ ظاهراً ﴾ ص ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ يشاء الله ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع عارض الظرف والاستثناء ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ تسعاً ﴾ ه ﴿ لبثوا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده مفعول "قل" أو إخبار مستأنف ﴿ والأرض ﴾ ط لابتداء التعجب ﴿ وأسمع ﴾ ط ﴿ من ولى ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ولا تشرك ﴾ على النهي، ومن قرأ على الغيبة إخباراً جوز وقفه لاختلاف الجملتين ﴿ أحداً ﴾ ه.

التفسير: ألصق الحمد والتكبير المذكورين في آخر السورة المتقدمة بالحمد على أجزل نعمائه على العباد وهي نعمة إنزال الكتاب على محمد  .

قال بعض العلماء: نزه نفسه في أوّل سورة "سبحان" عمَّا لا ينبغي وهو إشارة إلى كونه كاملاً في ذاته، وحمد نفسه في أول هذه السورة وهو إشارة إلى كونه مكملاً لغيره، وفيه تنبيه على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية موافقاً لما ورد في الذكر "سبحان الله والحمد لله".

وفيه أن الإسراء أول درجات كماله من حيث إنه يقتضي حصول الكمال له وإنزال الكتاب غاية درجات كماله لأن فيه تكميل الأرواح البشرية ونقلها من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ولا شك أن المنافع المتعدية أفضل من القاصرة كما ورد في الخبر: "من تعلم وعلم وعمل فذاك يدعى عظيماً في السموات" وإنزال الكتاب على النبي  نعمة عليه وعلينا.

أما أنه نعمة عليه فلأنه اطلع بواسطته على أسرار التوحيد ونعوت الجلال والإكرام وأحوال الملائكة والأنبياء وسائر النفوس المقدسة، وعلى كيفية القضاء والقدر وتعلق أحوال العالم السفلي بالعالم العلوي والشهادة بالغيب وارتباط أحدهما بالآخر.

وأما أنه نعمة علينا فلأنا نستفيد منه أيضاً مثل ذلك ونعرف منه الأحكام الشرعية المفضية إلى إصلاح المعاش والمعاد.

وفي انتصاب ﴿ قيماً ﴾ وجوه فاختار صاحب الكشاف أن يكون منصوباً بمضمر أي جعله وأنزله قيماً.

وأبى أن يكون حالاً لأن العطف يدل على تمام الكلام وجعله حالاً يدل على نقصانه.

قال جامع الأصفهاني: هما حالان متواليان إلا أن الأولى جملة والثانية مفرد.

وقيل: حال من الضمير في قوله: ﴿ ولم يجعل له ﴾ وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة هي التأكيد، فرب مستقيم في الظاهر لا يخرج عن أدنى عوج في الحقيقة هذا تفسير ابن عباس.

ويحتمل أن يراد أنه قيم على سائر الكتب مصدّق لها شاهد بصحتها، وأنه قيم بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع والأحكام، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ ولم يجعل له عوجاً ﴾ إشارة إلى أنه كامل في ذاته، مبرأ عن الاختلاف والتناقض، مشتمل على كل ما هو في نفس الأمر حق وصدق.

وقوله: ﴿ قيماً ﴾ إشارة إلى أنه مكمل لغيره مصلح بحسن بيانه وإرشاده لأحوال معاشه ومعاده، فتكون الآية نظير قوله في أول "البقرة".

﴿ لا ريب فيه هدى للمتقين ﴾ ثم أراد أن يفصل ما أجمله في قوله فيما قال: ﴿ لينذر بأساً شديداً من لدنه ﴾ وحذف المنذر للعلم به بعمومه ولتطهير اللسان عن ذكره أي لينذر الذين كفروا عذاباً إليماً صادراً من عنده.

والأجر الحسن الجنة بدليل قوله: ﴿ ماكثين فيه ﴾ وهو حال من الضمير في ﴿ لهم ﴾ ثم كرر الإنذار وذكر المنذر لخصوصه وحذف المنذر به وهو البأس الشديد لتقدم ذكره.

وقد تذكر قضية كلية ثم يعطف عليها بعض جزئياتها تنبيهاً على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي.

ففي عطف الإنذار المخصوص على الإنذار المطلق دليل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله  على ما زعم بعض كفار قريش من أن الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله.

ثم قال: ﴿ ما لهم به ﴾ أي بالولد أو باتخاذ الله إياه ﴿ من علم ولا لآبائهم ﴾ وانتفاء العلم بالشي إما بالجهل بالطريق الموصل إليه.

وإما لأنه في نفسه محال فلا يتعلق به العلم لذلك وهو المراد في الآية، أي قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد لآبائهم الذين هم مثلهم في الجهالة.

قال جار الله: الضمير في قوله: ﴿ كبرت ﴾ يعود إلى قولهم "اتخذ الله ولداً" وسميت ﴿ كلمة ﴾ كما يسمون القصيدة بها.

قلت: ويجوز أن يعود إلى مضمر ذهني يفسره الظاهر كقوله "ربه رجلاً ونعمت امرأة عندي".

قال الواحدي: انتصبت ﴿ كلمة ﴾ على التمييز وذلك أنك لو قلت: كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن يتوهم أنها كبرت كذباً أو جهلاً أو افتراءً، فلما قلت: كلمة فقد ميزتها من محتملاتها.

وقرىء بالرفع على الفاعلية كما يقال "عظم قولك".

قال أهل البيان: النصب أقوى وأبلغ لإفادته التعب من جهتين: من جهة الصيغة ومن جهة التمييز كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.

وفي وصف الكلمة بقوله: ﴿ يخرج من أفواههم ﴾ مبالغة أخرى من وجهين: الأول أن كثيراً من وساوس الشيطان وهواجس القلوب لا يتمالك العقلاء أن يتفوهوا به حياء وخجلاً، فبين الله  أن هذا المنكر لم يستحيوا من إظهاره والنطق به فما أشنع فعلتهم وما أعظم فحشهم.

الثاني أن هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم ألبتة لكونه في غاية البطلان، وكأنه شيء يجري على لسانهم بطريق التقليد: احتج النظام على مذهبه أن الكلام جسم بأن الخروج عبارة عن الحركة من خواص الأجسام.

والجواب أن الخارج من الفم هو الهواء لأن الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهواء فأسند إلى الحال ما هو من شأن المحل مجازاً.

ثم زاد في تقبيح صورتهم بقوله: ﴿ إن يقولون إلا كذباً ﴾ وفيه إبطال قول من زعم أن الكذب هو الخبر الذي يطابق المخبر عنه مع علم قائله بأنه غير مطابق وذلك لأن القيد الأخير غير موجود ههنا مع أنه  سماه كذباً.

ثم سلى رسول الله صلى الله عيله وسلم بقوله: ﴿ فلعلك باخع ﴾ قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظاً: وقال الأخفش والفراء: أصل البخع الجهد.

يروى أن عائشة ذكرت عمر فقالت: بخع الأرض أي جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال الملوك.

وقال الكسائي: بخعت الأرض بالزراعة إذ جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة، وبخع الرجل نفسه إذا نهكها و ﴿ أسفاً ﴾ منصوب على المصدر أي تأسف أسفاً وحذف الفعل لدلالة الكلام عليه.

وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال أو مفعول له أي لفرط الحزن شبهه وإياهم حين لم يؤمنوا بالقرآن وأعرضوا عن نبيهم برجل فارقته أحبته فهو يتساقط حسرات عليهم.

والحاصل أنه قيل له لا تعظم حزنك عليهم بسبب كفرهم فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فأما تحصيل الإيمان فيهم فليس إليك.

قال القاضي، أطلق الحديث على القرآن فدل ذلك على أنه غير قديم.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الحروف والأصوات وإنما النزاع في الكلام النفسي، قوله  : ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ﴾ قال أهل النظم: كأنه  يقول: إني خلقت الأرض وزينتها ابتلاء للخلق بالتكاليف، ثم إنهم يتمردون ويكفرون ومع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم، فأنت أيضاً يا محمد لا تترك الاشتغال بدعوتهم بعد أن لا تأسف عليهم وما على الأرض المواليد الثلاثة أعنى المعادن والنبات والحيوان وأشرفها الإنسان.

وقال القاضي: الأولى أن لا يدخل المكلف فيه لأن ما على الأرض ليس زينة لها بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها الغرض الابتلاء، فالذي له الزينة يكون خارجاً عن الزينة.

ومضى أنه مجاز بالصورة والمراد أنه  يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره لكان من قبيل الابتلاء والامتحان.

وقد مر هذا البحث بتمامه في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه  ﴾ .

واللام في ﴿ لنبلوهم ﴾ للغرض عند المعتزلة، أو العاقبة أو استتباع الغاية عند غيرهم حذراً من لزوم الاستكمال.

قال الزجاج ﴿ أيهم ﴾ رفع بالابتداء لأن لفظه لفظ الاستفهام والمعنى لنمتحن هذا ﴿ أحسن عملاً ﴾ أم ذلك.

ثم زهد في الميل إلى زينة الأرض بقوله: ﴿ وإنا لجاعلون ما عليها ﴾ من هذه الزينة ﴿ صعيداً جرزاً ﴾ أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته وإماتة سكانه.

قال أبو عبيد: الصعيد المستوي من الأرض التي لا نبات فيها من قولهم "امرأة جروز" إذا كانت أكولاً، "وسيف جراز" إذا كان مستأصلاً وجرز الجراد والشاه والإبل الأرض إذا أكملت ما عليها.

ثم إن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنه الرسول  على سبيل الامتحان فقال  ﴿ أم حسبت ﴾ يعني بل أظننت يا إنسان أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط فلا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب، فإن من كان قادراً على تخليق السموات والأرض ثم تزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان، ثم جعلها بعد ذلك صعيداً خالياً عن الكل كيف تستبعدون قدرته وحفظه ورحمته بالنسبة إلى طائفة مخصوصة.

وقال جار الله: يعني أن ذلك التزيين وغيره أعظم من قصة أصحاب الكهف يعني أنه ذكر أولاً عظيم قدرته، ثم أضرب عن ذلك موبخاً للإنسان.

والحاصل أنك تعجب من هذا الأدنى فكيف بما فوقه، والكهف الغار الواسع في الجبل، والرقيم اسم كلبهم، وعن سعيد بن جبير ومجاهد أنه لوح من حجارة أو رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف، فعلى هذا يكون اللفظ عربياً "فعيلاً" بمعنى "مفعول" ومثله ما روي أن الناس رقموا حديثهم نقرأ في الجبل.

وعن السدي أنه القرية التي خرجوا منها.

وقيل: هو الوادي أو الجبل الذي فيه الكهف.

والعجب مصدر وصف به أو المراد ذات عجب.

وقوله: ﴿ إذ أوى الفتية إلى الكهف ﴾ صاروا إليه وجعلوه مأواهم منصوب بإضمار "اذكر" بـ ﴿ حسبت ﴾ لفساد المعنى، ولا يبعد أن يتعلق بـ ﴿ عجباً ﴾ والتنوين في ﴿ رحمة ﴾ إما للتعظيم أو للنوع.

وتقديم ﴿ من لدنك ﴾ للاختصاص أي رحمة مخصوصة بأنها من خزائن رحمتك وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء ﴿ وهيىء لنا ﴾ أي أصلح لنا من قولك هيئات الأمر فتهيأ ﴿ من أمرنا ﴾ الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ﴿ رشداً ﴾ أي أمر إذا رشد حتى نكون بسببه راشدين غير ضالين فتكون "من" للابتداء.

ويجوز أن تكون للتجريد كما في قولك "رأيت منك أسداً" أي اجعل أمرنا رشداً كله.

﴿ فضربنا على آذانهم ﴾ قال المفسرون: أي أنمناهم والأصل فيه أن المفعول محذوف وهو الحجاب كما يقال: "بنى على امرأته" أي بنى عليها القبة.

و ﴿ سنين ﴾ ظرف زمان و ﴿ عدداً ﴾ أي ذوات عدد وهو مصدر وصف به والمراد بهذا الوصف إما القلة لأن الكثير قليل عند الله ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون  ﴾ وإما الكثرة.

قال الزجاج: إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج إلى العدد وإذا كثر احتاج إلى أن يعدّ ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أيقظناهم ﴿ لنعلم ﴾ ليظهر معلومنا وفعل العلم معلق لما في "أي" من معنى الاستفهام فارتفع ﴿ أي الحزبين ﴾ على الابتداء وخبره ﴿ أحصى ﴾ وهو فعل ماض و "ما" في ﴿ لما لبثوا ﴾ مصدرية أي أحصى ﴿ أحداً ﴾ للبثهم فيكون الجار والمجرور صفة للأمد فلما قدم صار حالاً منه.

وقيل: اللام "زائدة" و "ما" بمعنى الذي وأمداً تمييز والتقدير: أحصى لما لبثوه أمداً والأمد الغاية.

وزعم بعضهم أن ﴿ أحصى ﴾ أفعل تفضيل كما في قولهم "أعدى من الجرب" و "أفلس من ابن المذلق"، ولم يستصوبه في الكشاف لأن الشاذ لا يقاس عليه.

واختلفوا في تعيين الحزبين فعن عطاء عن ابن عباس أن أصحاب الكهف حزب والملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك حزب.

وقال مجاهد: الحزبان من أصحاب الكهف.

وذلك أنهم لما انتبهوا اختلفوا فقال بعضهم: ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ وقال آخرون: ﴿ ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ وذلك حين حدسوا أن لبثهم قد تطاول.

وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم ﴿ نحن نقص عليك نبأهم بالحق ﴾ أي على وجه الصدق ﴿ أنهم فتية ﴾ شباب ﴿ آمنوا بربهم ﴾ أي بي فوضع الظاهر موضع المضمر ﴿ وزدناهم هدى ﴾ أي بالتوفيق والتثبيت ﴿ وربطنا على قلوبهم ﴾ قوّيناهم بإلهام الصبر على فراق الخلائق والأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران ﴿ إذ قاموا ﴾ وفي هذا القيام أقوال: فعن مجاهد أنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد فقال رجل منهم:هو أكبر القوم إني لأجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده، أجد أن ربي رب السموات والأرض.

فقالوا: نحن كذلك في أنفسنا فقاموا جميعاً ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وقال أكثر المفسرين: إنه كان لهم ملك جبار - يقال له دقيانوس - وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وعن عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم.

والشطط الإفراط في الظلم والإبعاد فيه من شط إذا بعد والمراد قولاً ذا شطط أي بعيد عن الحق.

﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ و ﴿ قومنا ﴾ عطف بيان أبو بدل ﴿ اتخذوا ﴾ خير وهو إخبار في معنى إنكار.

وفي اسم الإشارة تحقير لهم ﴿ لولا يأتون عليهم ﴾ هلا يأتون على حقيقة إلهيتهم أو على عبادتهم ﴿ بسلطان بين ﴾ بحجة ظاهرة، استدل بعدم الدليل على عدم الشركاء والأضداد فاستدل بعض العلماء بذلك على أن هذه طريقة صحيحة، ويمكن أن يجاب بأنه إنما ذكر ذلك على سبيل التبكيت، فمن المعلوم أن الإتيان بسلطان على عباده الأوثان محال، وفيه دليل على فساد التقليد ويؤكده قوله ﴿ فمن أظلم من افترى على الله كذباً ﴾ بنسبة الشريك إليه وخاطب بعضهم بعضاً حين صمم عزمهم على الفرار بالدين.

وقوله: ﴿ وما يعبدون ﴾ عطف على المضمير المنصوب يعني وإذا اعتزلتموهم ومعبوديهم.

وقوله: ﴿ إلا الله ﴾ استثناء منقطع على الدهر، ويجوز أن يكون متصلاً بتاءً على أن المشركين يقرون بالخالق الأكبر.

وقيل هو كلام معترض إخبار من الله  عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله فـ "ما" نافية.

قال الفراء ﴿ فأووا إلى الكهف ﴾ جواب "إذا" ومعناه إذهبوا إليه واجعلوا مأواكم ﴿ ينشر لكم ربكم من رحمته ﴾ يبسطها لكم و ﴿ مرفقاً ﴾ على القراءتين مشتق من الارتفاق الانتفاع.

وقيل: فتح الميم أقيس وكسرها أكثر.

وقيل: المرفق بالكسر ما ارتفعت به، والمرفق بالفتح الأمر الرافق.

وكان الكسائي ينكر في مرفق اليد إلا كسر الميم.

قالوا ذلك ثقة بفضل الله وتوكلاً عليه، وإما لأنه أخبرهم نبي في عصرهم منهم أو من غيرهم.

﴿ وترى الشمس ﴾ أيها الإنسان ﴿ إذا طلعت تزاور ﴾ أصله من الزور بفتح الواو وهو الميل ومنه زاره إذا مال إليه.

والمراد أن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.

والفجوة المتسع إن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.

والفجوة المتسع من المكان ومنه الحديث "فإذا وجد فجوة نص" وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح وإلى هذا الحجب أشار بقوله: ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ وثانيهما أن باب ذلك الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على يساره فلذلك كانت الشمس لا تصل إليهم.

ثم إنهم كانوا مع ذلك في منفسح من الغار ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم، واعترض بأن عدم وصول الشمس إليهم لا يكون آية من آيات الله على هذا التقدير.

وأجيب بأن المشار إليه حفظهم في ذلك الغار مدة طويلة، والمقصود من بيان وضع الغار تعيين مكانهم.

ثم بين الله  لطفه بهم بصون أبدانهم عن الفساد في تلك المدة المديدة كما لطف بهم في أول الأمر بالهداية فكان فيه ثناء عليهم وتذكير لغيرهم إن الهداية وضدها كليهما بمشيئة الله وعنايتها الأزلية وبلطفه وقهره الذي سبق به القلم, قال جار الله: فيه تنبيه على أن من سلك طريق الراشدين المهديين فهو الذي أصاب الفلاح، ومن تعرض للخسران فلن يجد من يليه ويرشده.

ثم حكى طرفاً آخر من غرائب أحوالهم فقال ﴿ وتحسبهم أيقاظاً ﴾ هي جمع يقظ بكسر القاف كأنكاد في جمع نكد ﴿ وهم رقود ﴾ جمع راقد كقعود في قاعد.

واستبعده في التفسير الكبير.

وقيل: عيونهم مفتحة وهم نيام فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظاً.

وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم.

وقيل: لهم تقلبتان في السنة.

وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء.

وعن مجاهد: يمكثون رقوداً على أيمانهم سبع سنين ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقوداً سبع سنين، وفائدة تقلبهم ظاهرة وهي أن لا تأكل لحومهم الأرض.

قال ابن عباس: وتعجب منه الإمام فخر الدين قال: وإن الله  قادر على حفظهم من غير تقليب.

وأقول: لا ريب في قدرة الله  ولكن الوسائط معتبرة في أغلب الأحوال ﴿ وكلبهم باسط ﴾ حكاية الحال الماضية ولهذا عمل في المفعول به.

والوصيد الفناء وقيل العتبة أو الباب.

قال السدي: الكهف لا يكون له عتبة ولا باب وإنما أراد أن الكلب منه موضع العتبة من البيت.

عن ابن عباس: هربوا ليلاً من ملكهم فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم ومعه كلبه.

وقال كعب: مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك ثلاث مرات فقال لهم الكلب: ما تريدون مني أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم.

وقال عبيد ابن عمرو: كان ذلك كلب صيدهم والاطلاع على الشيء الإشراف عليه.

قال الزجاج قوله ﴿ فراراً ﴾ منصوب على المصدر لأنه بمعنى التولية.

وسبب الرعب هيبة ألبسهم الله إياهم.

وقيل طول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم ووحشة مكانهم منه يحكى أن معاوية غزا الروم فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس: ليس لك ذلك قد منع الله منه من هو خير منك؟

فقال: ﴿ لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ﴾ فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث ناساً فقال لهم: اذهبوا فانظروا ففعلوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحاً فأخرجتهم ﴿ وكذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله أي وكما أنمناهم تلك النومة وفعلنا بهم ما فعلنا من الكرامات كذلك ﴿ بعثناهم ﴾ وفيه تذكير لقدرته على الإنامة والبعث جميعاً، ثم ذكر غاية بعثهم فقال: ﴿ ليتساءلوا ﴾ أي ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع في مدة اللبث غرض صحيح لما فيه من انكشاف الحال وظهور آثار القدرة ﴿ قال قائل منهم كم لبثتم ﴾ قال ابن عباس: وهو رئيسهم يمليخارد علم ذلك إلى الله  حين رأى التغير في شعورهم وأظفارهم وبشرتهم.

والفاء في ﴿ فابعثوا ﴾ للتسبيب كأنه قيل: واذ قد حصل اليأس من تعيين مدة اللبث فخذوا في شيء آخر مما يهمكم.

والورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة.

وفي تزودهم الورق عند فرارهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان في سفره وحضره لا ينافي التوكل على الله.

والمدينة طرسوس.

قال في الكشاف: ﴿ أيها ﴾ معناه أيّ أهلها ﴿ أزكى طعاماً ﴾ وأقول: يحتمل أن يعود الضمير إلى الأطعمة ذهناً كقوله: "زيد طيب أباً" على أن الأب هو زيد، ويجوز أن يراد أي أطعمة المدينة أزكى طعاماً على الوجه المذكور.

عن ابن عباس: يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوساً وفيهم قوم يخفون أديانهم.

وقال مجاهد: احترزوا من المغصوب لأن ملكهم كان ظلماً.

وقيل: أيها أطيب وألذ.

وقيل: الرخص ﴿ وليتلطف ﴾ وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن.

والأظهر أنهم طلبوا اللطف في أمر التخفي حتى لا يعرف.

يؤيده قوله ﴿ ولا يشعرون بكم أحد ﴾ أي لا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور ويسبب له ﴿ إنهم إن يظهروا ﴾ يطلعوا على مكانكم أو ﴿ عليكم يرجموكم ﴾ يقتلوكم أخبث القتلة وهي الرجم وكأنه كانت عادتهم ﴿ أو يعيدوكم في ملتهم ﴾ بالإكراه العنيف.

وقال في الكشاف: العود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم يقولون ما عدت أفعل كذا يريدون ابتداء الفعل.

قلت: يحتمل أن يكون العود ههنا على معناه الأصلي لاحتمال أن يكون أصحاب الكهف على ملة أهل المدينة قبل أن هداهم الله.

وفي "أذن" معنى الشرط كأنه قال: إن رجعتم إلى دينهم فلم تفلحوا أبداً، قال المحققون: لا خوف على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين.

ففي الأول هلاك الدنيا، وفي الثاني هلاك الآخرة.

وإنما نفى الفلاح على التأبيد مع أن كفر المكره لا يضر، لأنهم خافوا أن يجرهم ظاهر الموافقة إلى الكفر القلبي، وكما أنمناهم وبعثناهم ﴿ أعثرنا عليهم ﴾ سمى الإعلام إعثاراً والعلم عثوراً لأن من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه وعرفه وكان الإعثار سبباً لحصول العلم واليقين.

وفي سبب الإعثار قولان: أحدهما أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولاً مخالفاً للعادة وتغيرت بشرتهم فعرفوا بذلك.

والأكثرون قالوا: إن ذلك الرجل لما ذهب بالورق إلى السوق وكانت دارهم دقيانوسية اتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملك فقال له: من أين وجدت هذه الدراهم؟

قال: بعت به أمس شيئاً من التمر.

فعرف الملك أنه ما وجد كنزاً وأن الله بعثه بعد موته فقص عليه القصة.

ثم ذكر  غاية الإعثار فقال: ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ يروى أن ملك ذلك العصر من كان ينكر البعث إلا أنه كان مع كفره منصفاً فجعل الله أمر الفتية دليلاً للملك.

وقيل: بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم: الجسد والروح يبعثان جميعاً.

وقال آخرون: الروح تبعث وأما الجسد فتأكله الأرض.

ثم إن ذلك الملك كان يتضرع أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في المسألة فأطلعه الله  على أمر أصحاب الكهف حتى تقرر عنده صحة بعث الأجساد، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث.

فالمراد بالتنازع هو اختلافهم في حقيقة البعث.

والضمائر في قوله: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم ﴾ تعود إلى تلك الأمة.

وقيل: أراد إذ يتنازع الناس بينهم أمر أصحاب الكهف ويتكلمون في قصتهم، أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا كيف يخفون مكانهم وكيف يسدون الطريق إليهم.

﴿ فقالوا ابنوا ﴾ على باب كهفهم ﴿ بنياناً ﴾ يروى أنه انطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم وحمدوا الله على آياته الدالة على البعث.

ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإنس ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه وأمر فجعل لكل واحد تابوتاً من ذهب فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجداً.

فيكون فيه دليل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله  ومعترفين بالعبادة والصلاة، وقيل: إن الكفار قالوا: إنهم كانوا على ديننا ونتخذ عليهم بنياناً، والمسلمين قالوا: بل كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجداً، وقيل: إنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم.

قال جار الله: ﴿ ربهم أعلم بهم ﴾ من كلام المتنازعين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقته قالوا ذلك، أو هو من كلام الله عز وجل رد القول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا عوافيهم على عهد رسول الله  من أهل الكتاب.

والذين غلبوا على أمرهم المسلمون وملكهم المسلم لأنهم بنوا عليهم مسجداً يصلى فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم وكانوا أولى بهم بالبناء عليهم حفظاً لتربتهم بها وضناً بها ﴿ سيقولون ﴾ يعنى الخائضين في قصتهم من المؤمنين ومن أهل الكتاب المعاصرين وكان كما أخبر فكان معجزاً، يروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي  فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبياً هم ﴿ ثلاثة رابعهم كلبهم ﴾ وقال العاقب وكان نسطورياً هم ﴿ خمسة وسادسهم كلبهم ﴾ فزيف الله قولهما بأن قال: ﴿ رجماً بالغيب ﴾ أي يرمون رمياً بالخبر الخفي يقال: فلان يرمي بالكلام رمياً أي يتكلم من غير تدبر.

وكثيراً ما يقال رجم بالظن.

مكان قولهم ظن.

وقال المسلمون.

هم سبعة ثامنهم كلبهم.

قال العلماء: وهذا قول محقق عرفه المسلمون بأخبار رسول الله  عن لسان جبرائيل  .

والذي يدل عليه أمور منها ما روي عن علي  أنهم سبعة تقرأ أسماؤهم.

يمليخا ومكشلينيا ومشلينيا - هؤلاء أصحاب يمين الملك - وكان عن يساره مرنوس ودبرنوش وشادنوش.

وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره، والسابع الراعي الذي وافقهم واسمه كفشططوش.

واسم مدينتهم أفسوس، واسم كلبهم قطمير.

وقيل ريان.

عن ابن عباس: أن أسماء أصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب وإطفاء الحريق تكتب في خرقة ويرمى بها في وسط النار، ولبكاء الطفل تكتب وتوضع تحت رأسه في المهد، وللحرث تكتب على القرطاس.

وترفع على خشب منصوب في وسط الزرع، وللضربان وللحمى المثلثة والصداع الغنى والجاه.

والدخول على السلاطين تشد على الفخذ اليمنى، ولعسر الولادة تشد على فخذها الأيسر، ولحفظ المال والركوب في البحار والنجاة من القتل.

ومنها قول صاحب الكشاف إن الواو في قوله ﴿ وثامنهم ﴾ هي التي تدخل على الجملة والواقعة صفة للنكرة في قولك "جاءني رجل ومعه آخر" كما تدخل على الجملة الواقعة حالاً من المعرفة في قولك "مررت بزيد ومعه سيف" وفائدته توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر لأن الواو مقتضاها الجمعية وكأنهم وصفوا بكونهم سبعة مرتين بخلاف القولين الأولين فإنهم وصفوا بما وصفوا مرة واحدة.

ولقائل أن يقول: إن العاطف لا يوسط بين الوصف والموصوف ألبتة لشدة الاتصال بينهما، ومقتضى الواو هو الحالة المتوسطة بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع.

بل الواو للعطف عطف الجملة على الجملة وإما للحال وجاز لأنهم لم يسوغوا إذا الحال نكرة، لا مكان التباس الحال بالصفة في نحو قولك "رأيت رجلاً راكباً" وههنا الالتباس مرتفع لمكان الواو.

ومنها بعضهم إن الضمير في قوله: ﴿ ويقولون سبعة ﴾ لله تعالى والجمع للتعظيم.

ومنها قول ابن عباس حين وقعت الواو انقطعت العدّة أي لم تبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات.

ومنها أنه خص القولين الأولين بزيادة قوله: ﴿ رحيماً بالغيب ﴾ وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فمن البعيد أن يذكر الله  جملة الأقوال الباطلة ولا يذكر الحق على أنه  منعه عن المناظرة معهم وعن الاستفتاء منهم في هذا الباب، وهذا المنع إنما يصح إذا علمه حكم هذه الواقعة.

وأيضاً الله  قال: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ ويبعد أن لا يحصل العلم بذلك للنبي  ويحصل لغير النبي  كعلي وابن عباس حسين قال: أنا من أولئك القليل.

وقد عرفت قولهما في هذا الباب.

وإذا حصل فالظاهر أنه حصل بهذا الوحي لأن الأصل فيما سواه العدم.

وقيل: الضمير في ﴿ سيقولون ﴾ لأهل الكتاب خاصة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وقوله  في الموضعين الأخيرين و ﴿ يقولون ﴾ بغير السين لا ريب أنهما للاستقبال أيضاً إلا أن ذلك يحتمل أن يكون لأجل الصيغة التي تصلح له، وأن يكون لتقدير السين بحكم العطف كما تقول: قد أكرم وأنعم أي وقد أنعم.

أما فائدة تخصيص الواو في قوله: ﴿ وثامنهم ﴾ فقد عرفت آنفاً وقد يقال: إن لعدد السبعة عند العرب تداولاً على الألسنة في مظان المبالغة من ذلك قوله  : ﴿ إن تستغفر لهم سبعين مرة  ﴾ لأن هذا العدد سبعة عقودٍ، فإذا وصلوا إلى الثامنة ذكروا لفظاً يدل على الاستئناف كقوله في أبواب الجنة ﴿ وفتحت أبوابها  ﴾ وكقوله ﴿ ثيبات وأبكاراً  ﴾ وزيف القفال هذا الوجه بقوله  : ﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر  ﴾ وذلك لم يذكر الواو في النعت الثامن.

والانصاف أن هذا التزييف ليس في موضعه لأن وجود الواو هو الذي يفتقر إلى التوجيه، وأما عدمه فعلى الأصل وبين التوجيه والإيجاب بون بعيد، والقائل بصدد الأول دون الأخير.

ثم نهى نبيه  عن الجدال مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف ثم قال: ﴿ الأمراء ظاهراً ﴾ فقال جار الله: أي جد إلا غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد من غير تجهيل ولا تعنيف.

وقال في التفسير الكبير: المراد أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد بل يقول هذا التعيين لا دليل عليه فوجب التوقف.

ثم نهاه عن الاستفتاء منهم في شأنهم لأن المفتي يجب أن يكون أعلم من المستفتي وههنا الأمر بالعكس ولا سيما في باب واقعة أصحاب الكهف كما بينا.

ولنذكر ههنا مسألة جواز الكرامات وما تتوقف هي عليه فنقول: الولي مشتق من الولي وهو القرب.

فقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" كعليم وقدير وذلك أنه توالت طاعاته من غير تخلل معصية.

وقيل: بمعنى "مفعول" كقتيل وذلك أن الحق  تولى حفظه وحراسته وقرب منه بالفضل والإحسان، فإذا ظهر فعل خارق للعادة على إنسان فإن كان مقروناً بدعوى الإلهية كما نقل أن فرعون كانت تظهر على يده الخوارق، وكما ينقل أن الدجال سيكون منه ذلك فهذا القسم جوزه الأشاعرة لأن شكله وخلقه يدل على كذبه فلا يفضي إلى التلبيس وإن كان مقروناً بدعوى النبوة.

فإن كان صادقاً وجب أن لا يحصل له المعارض، وإن كان كاذباً وجب.

ويمكن أن يقال: إن الكاذب يستحيل أن يظهر منه الفعل الخارق وإليه ذهب جمهور المعتزلة، وخالفهم أبو الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي وجوزا ظهور خوارق العادات على من كان مردوداً على طاعة الله وسموه بالاستدراج.

وقد يفرق بين النبي الصادق والساحر الخبيث بالدعاء إلى الخير والشر وإن كان مقروناً بدعوى الولاية فصاحبه هو الولي، ومن المحققين من لم يجوّز للولي دعوى الولاية لأنه مأمور بالإخفاء كما أن النبي مأمور بالإظهار.

ثم إن المعتزلة أنكروا كرامات الأولياء وأثبتها أهل السنة مستدلين بالقرآن والأخبار والآثار والمعقول.

أما القرآن فكقصة مريم ونبأ أصحاب الكهف.

قال القاضي: لا بد أن يكون في ذلك الزمان نبي تنسب إليه تلك الكرامات.

وأجيب في التفسير الكبير بأن إقدامهم على النوم أمر غير خارق للعادة حتى يجعل ذلك معجزة لأحد، وأما قيامهم من النوم بعد ثلثمائة سنة فهذا أيضاً لا يمكن جعله معجزة لأن الناس لا يصدقونهم في هذه الواقعة لأنهم لا يعرف كونهم صادقين في هذه الدعوى إلا إذا بقوا طول هذه المدة وعرفوا أن هؤلاء الذين جاؤا في هذا الوقت هم الذين ناموا قبل ذلك بثلثمائة وتسع سنين، وكل هذه الشرائط لم توجد فامتنع جعل هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء، فلم يبق إلا أن تجعل كرامة لهم.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون نفس بعثهم معجز النبي هذا الزمان؟

وأما أن ذلك البعث بعد نوم طويل فيعرف بأمارات أخر كما مر من حديث الدرهم وغيره.

وأما الأخبار فمنها ما أخرج في الصحاح عن أبي هريرة عن النبي  أنه قال: " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصبي في زمان جريج وصبي آخر.

أما عيسى فقد عرفتموه، وأما جريج فكان رجلاً عابداً في بني إسرائيل وكانت له أم وكان يوماً يصلي إذ اشتاقت إليه أمه فقالت: يا جريج فقال: يا رب الصلاة خير أم رؤيتها ثم صلى.

فدعته ثانياً مثل ذلك حتى كان ذلك ثلاث مرار.

وكان يصلي ويدعها فاشتد ذلك على أمة فقالت: اللَّهم لا تمته حتى تريه المومسات.

وكانت في بني إسرائيل زانية فقالت لهم: أنا أفتن جريجاً حتى يزني فأتته فلم تقدر عليه شيئاً وكان هناك راع يأوى بالليل إلى أصل صومعته فأرادت الراعي على نفسها فأتاها فولدت غلاماً وقالت: ولدي هذا من جريج.

فأتاه بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه فصلى ودعا ثم نخس الغلام.

قال أبو هريرة: كأنى أنظر إلى النبي  حين قال بيده يا غلام من أبوك؟

فقال: فلان الراعي فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا إليه وقالوا نبني صومعتك من ذهب وفضة فأبى عليهم وبناها كما كانت.

وأما الصبي الآخر فإن امرأة كانت معها صبي ترضعه إذ مر بها شاب جميل ذو شارة فقالت: اللَّهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي: اللَّهم لا تجعلني مثله.

ثم مر بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت: اللَّهم لا تجعل ابني مثل هذه.

فقال: اللَّهم اجعلني مثلها.

فقالت له أمه في ذلك فقال: إن الراكب جبار من الجبابرة وإن هذه قيل لها سرقت ولم تسرق وزنيت ولم تزن هي تقول حسبي الله" .

ومنها ما روي عن ابن عمر أن رسول الله  قال: " انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا إنه والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فقال رجل منهم كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما فناما في ظل شجرة يوماً فلم أبرح عنهما وحلبت لهما غبوقهما فجئتهما به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما فقمت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللَّهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه.

ثم قال الآخر اللَّهم إنه كانت لي ابنة عم وكانت أحب الناس إليّ فأردتها عن نفسها فامتنعت حتى ألمت سنة من السنين فجاءتني وأعطيتها مالاً عظيماً على أن تخلي بيني وبين نفسها فلما قدرت عليها قالت لا آذن لك أن تفك الخاتم إلا بحقه فتحرجت من ذلك العمل وتركتها وتركت المال معها اللَّهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.

فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها قال رسول الله  : ثم قال الثالث اللَّهم إني استأجرت أجراء أعطيتهم أجورهم غير رجل واحد منهم ترك الذي له وذهب فثمرت أجرته حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدّ إليّ أجرتي فقلت له كل ما ترى من الإبل والغنم والرقيق من أجرتك فقال يا عبد الله لاتستهزىء بي فقلت إني لا أستهزىء بأحد فأخذ ذلك كله اللَّهم إن كنت فعلته ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون" وهذا حديث صحيح متفق عليه.

ومنها قوله  : "رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره" .

ولم يفرق بين شيء وشيء فيما يقسم به على الله.

ومنها رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي  قال: "بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها إذا التفتت البقرة وقالت إني لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث فقال الناس: سبحان الله!

فقال النبي  : آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر" .

ومنها رواية أبي هريرة عن النبي  : "بينا رجل سمع رعداً أو صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان قال فغدوت إلى تلك الحديقة فإذا رجل قائم فيها فقلت له: ما اسمك؟

قال: فلان ابن فلان.

فقلت: فما تصنع بحديقتك هذه إذا صرمتها؟

قال: ولم تسأل عن ذلك؟

قلت: لأني سمعت صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان.

قال: أما إذ قلت فإني أجعلها أثلاثاً فأجعل لنفسي ولأهلي ثلثاً وأجعل للمساكين وأبناء السبيل ثلثاً وأنفق عليها ثلثاً" وأما الآثار فمن كرامات أبي بكر الصديق أنه لما حملت جنازته إلى باب قبر النبي  ونودي السلام عليك يا رسول الله هذا أبو بكر بالباب فإذا الباب قد فتح فإذا هاتف يهتف من القبر أدخلوا الحبيب إلى الحبيب.

ومن كرامات عمر ما روي أنه بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً يدعى سارية بن حصين.

فبينا عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته يا سارية الجبل الجبل.

قال علي بن أبي طالب  : وكتبت تاريخ هذه الكلمة.

فقدم رسول ذلك الجيش.

فقال: يا أمير المؤمنين غدونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فدهمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزم الله الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة.

قال بعض العلماء: كان ذلك بالحقيقة معجزة للنبي  لأنه قال لأبي بكر وعمر: أنتما مني بمنزلة السمع والبصر.

فلما كان عمر بمنزلة البصر لا جرم قدر على رؤية الجيش من بعد.

ومنها ما روي أن نيل مصر كان في الجاهلية يقف في كل سنة مرة واحدة وكان لا يجري حتى يلقى فيه فيه جارية حسناء.

فلما جاء الإسلام كتب عمرو بن العاص بهذه الحالة إلى عمر.

فكتب عمر على الخزف: من عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجري بأمرك فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت تجري بأمر الله فاجر على بركة الله.

وأمر أن يلقى الخزف في النيل فجرى ولم يقف بعد ذلك.

ووقعت الزلزلة بالمدينة فضرب عمر الدرة على الأرض وقال: اسكني بإذن الله فسكنت.

ووقعت النار في بعض دورالمدينة فكتب عمر على خزفة: يا نار اسكني بإذن الله  فألقوها في النار فانطفأت في الحال.

ويروى أن رسول ملك الروم جاء إلى عمر وطلب داره فظن أن داره مثل قصور الملوك فقالوا: ليس له ذلك إنما هو في الصحراء يضرب اللبن.

فلما ذهب إلى الصحراء رأى عمر واضعاً درته تحت رأسه وهو نائم على التراب فتعجب الرسول من ذلك وقال في نفسه: أهل الشرق والغرب يخافون منه وهو على هذه الصفة فسل سيفه ليقتله فأخرج الله أسدين من الأرض فقصداه فخاف فألقى السيف فانتبه عمر وأسلم الرجل.

قال أهل السير: لم يتفق لأحد من أول عهد إلى الآن ما تيسر له فإنه مع غاية بعده عن التكلفات كيف قدر على تلك السياسات، ولا شك أن هذا من أعظم الكرامات.

وأما عثمان فعن أنس قال: مررت في طريق فوقعت عيني على امرأة ثم دخلت على عثمان فقال: ما لي أراكم تدخلون عليّ وآثار الزنا عليكم؟!

فقلت: أوحي نزل بعد رسول الله  ؟

فقال: لا ولكن فراسة صادقة.

وقيل: لما طعن بالسيف فأول قطرة سقطت من دمه سقطت على المصحف على قوله: ﴿ فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم  ﴾ .

ويروى أن جهجاهاً الغفاري انتزع العصا من يده وكسرها في ركبته فوقعت الآكلة في ركبته.

وأما علي صلوات الله عليه فيروى أن واحداً من أصحابه سرق وكان عبداً أسود فأتي به إلى علي  فقال: أسرقت؟

قال: نعم.

فقطع يده فانصرف من عند علي  فلقيه سلمان الفارسي وابن الكواء فقال ابن الكواء: من قطع يدك؟

قال: أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج البتول.

فقال: قطع يدك وتمدحه.

قال: ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق وخلصني من النار.

فسمع سلمان ذلك فأخبر به علياً  فدعا الأسود ووضع يده على ساعده وغطاه بمنديل ودعا بدعوات، فسمعنا صوتاً من السماء ارفع الرداء عن اليد فرفعنا الرداء فإذا اليد كما كانت بإذن الله  .

وأما سائر الصحابة فعن محمد بن المنذر أنه قال: ركبت البحر فانكسرت السفينة التي كنت فيها فركبت لوحاً من ألواحها فطرحني اللوح في أجمة فيها أسد، فخرج إليّ أسد فقلت: يا أبا الحرث أنا مولى رسول الله  قال: فتقدم ودلني على الطريق ثم همهم فظننت أنه يودعني ورجع.

وروى ثابت عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلاً آخر من الأنصار خرجاً من عند رسول الله  حين ذهب من الليل قطع، وكانت ليلة مظلمة وفي يد كل واحد منهما عصاه فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها، فلما افترقا أضاءت لكل واحد منهما عصاه حتى مشى في ضوئها وبلغ منزله.

وقيل لخالد بن الوليد إن في عسكرك من يشرب الخمر فركب فرسه ليلاً فطاف في العسكر فرأى رجلاً على فرس ومعه زق من خمر فقال: ما هذا؟

فقال: خل.

فقال خالد: اللَّهم اجعله خلاً.

فذهب الرجل إلى أصحابه وقال: أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثلها.

فلما فتحوا فإذا هي خل.

فقالوا: والله ما جئتنا إلا بخل.

فقال: هذه والله دعوة خالد.

ومن الوقائع المشهورة أن خالد بن الوليد أكل كفاً من السم على اسم الله وما ضره.

وعن ابن عمر أنه كان في بعض أسفاره فلقي جماعة على طريق خائفين من السبع فطرد السبع عن طريقهم ثم قال: إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء.

وروي أن النبي  بعث العلاء بن الحضرمي في غزاة فحال بينه وبين المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم الله الأعظم فمشوا على الماء.

وفي كتب الصوفية من هذا الباب روايات كثيرة ولا سيما في كتاب تذكرة الأولياء ومن أرادها فليطالعها.

وأما المعقول فهو أن الرب حبيب العبد والعبد حبيب الرب لقوله ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ فإذا بلغ العبد في طاعته مع عجزه إلى حيث يفعل كل ما أمره الله.

فأي بعد في أن يفعل الرب مع غاية قدرته وسعة جوده مرة واحدة ما يريد العبد.

وأيضاً لو امتنع إظهار الكرامة فذلك إما لأجل أن الله  ليس أهلاً له فذلك قدح في قدرته، وإما لأن المؤمن ليس أهلاً له وهو بعيد لأن معرفة الله والتوفيق على طاعته أشرف العطايا وأجزلها، وإذا لم يبخل الفياض بالأشرف فلأن لا يبخل بالأدون أولى ومن هنا قالت الحكماء: إن النفس إذا قويت بحسب قوتها العلمية والعملية تصرفت في أجسام العالم السفلي كما تتصرف في جسده.

قلت: وذلك أن النفس نور ولا يزال يتزايد نوريته وإشراقه بالمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية عليه حتى ينبسط ويقوى على إنارة غيره والتصرف فيه، والوصول إلى مثل هذا المقام هو المعني بقول علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.

والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة ربانية.

حجة المنكرين للكرامات أن ظهور الخوارق دليل على النبوة، فلو حصل لغير النبي لبطلت هذه الدلالة.

وأجيب بالفرق بين المعجز والكرامة بأن المعجز مقرون بدعوى النبوة والكرامة مقرونة بدعوى الولاية.

وأيضاً النبي يدعي المعجزة ويقطع بها.

والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها،وأيضاً أنه يجب نفي المعارضة عن المعجزة ولا يجب نفيها عن الكرامة.

جميع هذا عند من يجوّز للولي دعوى الولاية، وأما من لا يجوّز ذلك من حيث إن النبي مأمور بالإظهار لضرورة الدعوة والولي ليس كذلك ولكن إظهاره يوجب طلب الإشهار والفخر المنهي عنهما، فإنه يفرق بينهما بأن المعجز مسبوق بدعوى النبوة، والكرامة غير مسبوقة بشيء من الدعاوى قالوا: قال  حكاية عن الله  : "لن يتقرب إليّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم" لكن المتقرب إلى الله بأداء الفرائض لا يحصل له شيء من الكرامات، فالمتقرب إليه بأداء النوافل أولى بأن لا يحصل له ذلك.

وأجيب بأن الكلام في المتقرب إليه بأداء الفرائض والنوافل جميعاً.

قالوا: قال  : ﴿ وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس  ﴾ فالقول بطيّ الأرض للأولياء طعن في الآية وطعن في محمد  حين لم يصل من المدينة إلى مكة إلا في أيام.

وأجيب بأن الآية وردت على ما هو المعهود المتعارف وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثناة من ذلك العموم، وإن محمداً  لم يكن قاصراً عن رتبة بعض الأولياء ولكنه لم يتفق له ذلك، أو لعله اتفق له في غير ذلك السفر قالوا: إذا ادعى الولي على إنسان درهماً فإن لم يطالبه بالبينة كان تاركاً لقوله: "البينة على المدعي." وإن طالبه كان عبثاً لأن ظهور الكرامة عليه دليل قاطع على أنه لا يكذب ومع الدليل القاطع لا يجوز العمل بالظن.

والجواب مثل ما مر من أن النادر لا يحكم به.

قالوا: لو جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء لجاز على كلهم، وإذا كثرت الكرامات انقلب خرق لعادة وفقاً لها.

وأجيب بأن المطيعين فيهم قلة لقوله  : ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ والولي فيهم أعز من الكبريت الأحمر، واتفاق الكرامة للولي أيضاً على سبيل الندرة فكيف يصير ما يظهر عليه معتاداً؟!

في الفرق بين الكرامات والاستدراج هو أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وقد يسمى مكراً وكيداً وضلالاً وإملاء، والفرق أن صاحب الكرامة لا يستأنس بها ولكنه يخاف سوء الخاتمة، وصاحب الاستدراج يسكن إلى ما أوتي ويشتغل به، وإنما كان الاستئناس بالكرامات قاطعاً للطريق لأنه حينئذ اعتقد أنه مستحق لذلك وأن له حقاً على الخالق فيعظم شأنه في عينه ويفتخر بها لا بالمكرم، ولا ريب أن الإعجاب مهلك ولهذا وقع إبليس فيما وقع، والعبد الصالح هو الذي يزداد تذللـه وتواضعه بين يدي مولاه بازدياد آثار الكرامة والولاية عليه، قرأ المقرئ في مجلس الأستاذ أبى علي الدقاق ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه  ﴾ فقال: علامة رفع العمل أن لا يبقى منه في نظرك شيء، فإن بقي فهو غير مرفوع.

واختلف في أن الولي هل يعرف كونه ولياً؟.

قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: لا يجوز لأن ذلك يوجب الأمن ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ والأمن ينافي اعتقاد قهارية الله  ويقتضي زوال العبودية الموجب لسخط الله.

وكيف يأمن الولي وقد وصف الله عباده المخلصين بقوله: ﴿ ويدعوننا رغباً ورهباً  ﴾ وأيضاً إن طاعة العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته لأنها محدثة متناهية وصفاته قديمة غير متناهية، والمحدث المتناهي لا يغلب القديم غير المتناهي.

فقد يكون العبد في عين المعصية ونصيبه في الأزل هو المحبة وقد يكون في عين الطاعة ونصيبه المبغضية، ولهذا لا يحصل الجزم بكيفية الخاتمة.

قيل: من هنا قال  : ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ ولم يقل من عمل حسنة.

ومن كانت محبته لا لعلة امتنع أن يصير عدوّاً لعلة المعصية وبالعكس، ومحبة الحق وعداوته من الأسرار التي لا يطلع عليها إلا الله أو من أطلعه عليها الله.

وقال الأستاذ أبو علي الدقاق وتلميذه أبو القاسم القشيري: إن للولاية ركنين: أحدهما انقياد للشريعة في الظاهر، والثاني كونه في الباطن مستغرقاً في نور الحقيقة فإذا حصل هذان الأمران وعرف الإنسان ذلك عرف لا محالة كونه ولياً، وعلامته أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه بذكر الله.

قلت: لا ريب أن مداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة، ودون الوصول إلى عالم الربوبية حجب وأستار من نيران وأنوار، فالجزم بالولاية خطر والقضاء بالمحبة عسر والله  أعلم.

قال المفسرون: إن اليهود حين قالت لقريش: سلوا محمداً عن مسائل ثلاثة عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فسألوهن قال  : "أجيبكم عنها غداً ولم يستثن فاحتبس الوحي عنه خمس عشرة ليلة." وقيل: أربعين يوماً ثم نزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً ﴾ أي لأجل شيء تعزم عليه ليس فيه بيان أنه ماذا ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فقال العلماء: إنه لا يمكن أن يكون من تمام قوله ﴿ إني فاعل ﴾ إذا يصير المعنى إلا أن يشاء الله أن لا أفعله أي إلا أن تعرض مشيئة الله دون فعله وهذا ليس منهياً عنه.

فالصواب أن يقال: إنه من تمام قوله: ﴿ ولا تقولن ﴾ ثم إن قدر المراد إلا أن يشاء الله أن تقول إني فاعل ذلك غداً أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد بعينه.وقوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ أن تقوله بأن يأذن لك في ذلك الإخبار كان معنى صحيحاً، ولكنه لا يكون موافقاً لسبب النزول.

فالمعنى الموافق هو أن يكون قوله هذا في موضع الحال أي لا تقولنه إلا متلبساً بأن يشاء الله يعني قائلاً إن شاء الله.

وهذا نهي تأديب لنبيه  لأن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غداً لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد أو يعوقه عن ذلك عائق، فلو لم يقل إن شاء الله صار كاذباً في هذا الوعد والكذب منهي وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إن شاء الله ﴾ في معنى كلمة تأبيد كأنه قيل: ولا تقولنه أبداً.

قال أهل السنة: في صحة الاستثناء بل في وجوبه دلالة على أن إرادة الله  غالبة وإرادة العبد مغلوبة ويؤكده أنه إذا قال المديون القادر على أداء الدين: والله لأقضين هذا الدين غداً ثم قال: إن شاء الله فإذا جاء الغد ولم يقض لم يحنث بالاتفاق، وما ذاك إلا لأن الله ما شاء ذلك الفعل مع أنه أمره باداء الدين، وإنما لم يقع الطلاق في قول الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، لأن مشيئة الله غير معلومة فيلزم الدور لتوقف العلم بالمشيئة على العلم بوقوع الطلاق وبالعكس.

واستدل القائلون بأن المعدوم شيء بقوله: ﴿ ولا تقولن لشيء ﴾ وذلك أن الشيء الذي سيفعله غداً معدوم مع أنه سماه شيئاً في الحال.

وأجيب بأنه مجاز كقوله: ﴿ أعصر خمراً  ﴾ ﴿ واذكر ربك ﴾ أي مشيئة ربك ﴿ إذا نسيت ﴾ كلمة الاستثناء.

ثم تنبهت لها، وللعلماء في مدة النسيان إلى الذكر خلاف، فعن ابن عباس: يستثني ولو بعد سنة ما لم يحنث.

وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة وهو قول ابن عباس بعينه.

وعن طاوس: هو استثناء ما دام في مجلسه.

وعن عطاء: يستثني على مقدار حلب ناقة غزيرة.

وعند عامة الفقهاء لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً.

قالوا: إن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعهد والعقد فإذا أتى بالعهد وجب عليه الوفاء بمقتضاه خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان الاستثناء متصلاً بناء على أن المستثنى منه مع الاستثناء وأداته كالكلام الواحد، فإذا كان منفصلاً لم يمكن هذا التوجيه فوجب الرجوع إلى أصل الدليل.

وقيل: أراد واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، وفيه بعث على الاهتمام بها.

وقيل: اذكر إذا اعتراك النسيان في بعض الأمور لتذكر المنسي، أو اذكره إذا تركت بعض ما أمرك به ليس لهذين القولين شديد ارتباط بما قيل، وكذا قوله من حمله على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها.

واختلفوا في المشار إليه بقوله: ﴿ لأقرب من هذا ﴾ الظاهر عند صاحب الكشاف أن المراد إذا نسيت شيئاً فاذكر ربك، وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه ﴿ رشداً ﴾ وأدنى خيراً ومنفعة.

وقيل: إن ترك قوله "إن شاء الله" ليس بحسن وذكره أحسن.

فقوله "هذا" إشارة إلى الترك وأقرب منه ذكر هذه الكلمة، وقيل: إنه إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتيني من البينات والحجج على أني صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشداً من نبئهم، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والأخبار بالمغيبات ما هو أعظم وأدل.

عن قتادة.

أن قوله  : ﴿ ولبثوا في كهفهم ﴾ حكاية لأهل الكتاب و ﴿ قل الله أعلم بما لبثوا ﴾ رد عليه ويؤيده قراءة عبد الله ﴿ وقالوا لبثوا ﴾ والجمهور على أنه بيان لما أجمل في قوله: ﴿ فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً ﴾ والمراد من قوله ﴿ قل الله أعلم ﴾ أن لا تتجاوزوا الحق الذي أخبر الله به ولا تلتفتوا إلى ما سواه من اختلافات أهل الأديان نظيره قوله: ﴿ قل ربي أعلم بعدّتهم ﴾ بعد قوله: ﴿ سبعة وثامنهم كلبهم ﴾ قال النحويون: سنين عطف بيان لثلثمائة لأن مميز مائة وأخواتها مجرور مفرد.

وقيل: فيه تقديم وتأخير أي لبثوا سنين ثلثمائة.

ومن قرأ بالإضافة فعلى وضع الجميع موضع الجميع موضع الواحد في التمييز كما مر في قوله: ﴿ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً  ﴾ قوله: ﴿ وازدادوا تسعاً ﴾ أي تسع سنين لدلالة لما قبله عليه دون أن يقول "ولبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين".

فعن الزجاج المراد ثلثمائة بحساب السنين الشمسية وثلثمائة وتسع بالسنين القمرية وهذا شيء تقريبي.

وقيل: إنهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قرب أمرهم من الانتباه.

ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين، ثم أكد قوله: ﴿ الله أعلم بما لبثوا ﴾ بقوله: ﴿ له غيب السموات والأرض ﴾ أي ليس لغيره ما خفى فيهما من أحوالهما وأحوال سكانهما وهو مختص بذلك.

ثم زاد في المبالغة فجاء بما دل على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات.

والضمير في قوله: ﴿ مالهم ﴾ لأهل السموات والأرض.

وفيه بيان لكمال قدرته وأن الكل تحت قهره وتسخيره وأنه لا يتولى أمورهم غيره ﴿ ولا يشرك في حكمه ﴾ وقضائه قبل أصحاب الكهف ﴿ أحداً ﴾ منهم ومن قرأ ﴿ لا نشرك ﴾ على النهي فهو عطف معطوف على ﴿ لا تقولن ﴾ والمراد أنه لا يسأل أحداً عما أخبره الله به من نبأ أصحاب الكهف.

واقتصر على بيانه.

وقيل: الضمير في مالهم لأصحاب الكهف أي أنه هو الذي حفظهم في ذلك النوم الطويل وتولى أمرهم.

وقيل: ليس للمختلفين في مدة لبثهم من دون الله من يتولى أمورهم فكيف يعلمون هذه الواقعة من دون إعلامه؟!

وقيل: فيه نوع تهديد لأنهم لما ذكروا في هذا الباب أقوالاً على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب فبين الله  أنه: ﴿ ليس لهم من دونه ولي ﴾ يمنع العقاب عنهم.

واعلم أن الناس اختلفوا في زمان لبث أصحاب الكهف في مكانهم فقيل: كانوا قبل موسى  وأنه ذكرهم في التوراة فلهذا سألت اليهود ما سألوا وقيل: دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبروه بخبرهم ثم لبثوا في الوقت الذي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.

وحكى القفال عن محمد بن إسحق أنهم دخلوا كهفهم بعد عيسى.

وقيل: إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة.

وذكر أبو علي بن سينا في باب الزمان من كتاب الشفاء إن أرسطا طاليس الحكيم زعم أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف ثم قال أبو علي: ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف.

وأما المكان فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه إلى ملك الروم ليعرف أحوال أصحاب الكهف، فوجهه مع طائفة إلى ذلك الموضع قال: وإن الرجل الموكل بذلك المقام فزعني من الدخول عليهم، فدخلت فرأيت الشعور على صدورهم فعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة الحافظة لأبدان الموتى عن البلى كالصبر وغيره.

قلت: حين لم يملأ الخوارزمي رعباً من الاطلاع عليهم حصل القطع بأنهم ليسوا أصحاب الكهف والرقيم، ولو صح ما حكينا عن معاوية حين غزا الروم حصل ظن غالب بأنهم منهم والله  أعلم.

التأويل: ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ﴾ والعبد الحقيقي من يكون حراً عن الكونين وهو محمد  إذ يقول: "أمتي أمتي" يوم يقول كل نبي " نفسي نفسي"، ولأنه هو الذي صحح نسبة العبودية كما ينبغي أطلق عليه اسم العبد مطلقاً وقيد لسائر الأنبياء كما قال: ﴿ عبده زكريا  ﴾ ، ﴿ واذكر عبدنا داود  ﴾ ، ولأنه كان خلقه القرآن قيل: ﴿ ولم يجعل له ﴾ أي لقلبه ﴿ عوجاً ﴾ لا يستقيم فيه القرآن، ومن استقامة قلبه نال ليلة المعراج رتبة ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ بلا واسطة جبرائيل، ونال قلبه الاستقامة بأمر التكوين بقوله: ﴿ فاستقم كما أمرت  ﴾ ﴿ أجراً حسناً ﴾ .

هو التمتع من حسن الله وجماله.

﴿ لعلك باخع نفسك ﴾ كان من عادته عليه الصلاة والسلام أن يبالغ في المأمور به حتى ينهى عنه، بالغ في الدعوة والشفقة على أمته حتى قيل له لا تبخع نفسك، وبالغ في الإنفاق إلى أن أعطى قميصه فقعد عرياناً فنهى عنه بقوله: ﴿ ولا تبسطها كل البسط  ﴾ ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة ﴾ أي زينا الدنيا وشهواتها للخلق ملائماً لطبائعهم وجعلناها محل ابتلاء للمحب وللسائل ﴿ لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ﴾ في تركها ومخالفة هوى نفسه طلباً لله ومرضاته.

ثم أخبر عن سعادة السادة الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على المولى بقوله: ﴿ أم حسبت ﴾ ومعناه لا تعجب من حالهم فإن في أمتك من هو أعجب حالاً منهم، ففيهم أصحاب الخلوات الذين كهفهم بيت الخلوة، ورقيمهم قلوبهم المرقومة برقم المحبة فإنهم أووا إلى الكهف خوفاً من لقاء دقيانوس وفراراً منه، فهؤلاء أووا إلى الخلوة شوقاً إلى لقائي وفراراً إليّ.

وإنهم طلبوا النجاة من شر.

والخروج من الغار بالسلامة بقولهم ﴿ ربنا آتنا ﴾ الآية.

فهؤلاء طلبوا الخلاص من شر نفوسهم والخروج من ظلمات الغار المجازي للوصول إلى نور الوجود الحقيقي.

﴿ فضربنا ﴾ على آذان باطنه وحواسهم الآخر في مدة الخلوة لمحو النقوش الفاسدة عن ألواح نفوسهم وانتقاشها بالعلوم الدينية والأنوار الإلهية ليفنيهم الله عنهم ويبقيهم به وهو سر قوله: ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أي أحييناهم بنا ﴿ لنعلم أي الحزبين ﴾ أصحاب الخلوة أم أصحاب السلوة: ﴿ أحصى ﴾ أي أكثر فائدة وأتم عائدة لأمد لبثهم في الدنيا التي هي مزرعة الآخرة ﴿ وزدناهم هدى ﴾ فإنهم كانوا يريدون الإيمان الغيبي فأنمناهم ﴿ ثم بعثناهم ﴾ حتى صار الإيمان إيقاناً والغيب عياناً ﴿ اتخذوا من دونه آلهة ﴾ من الدنيا والهوى.

﴿ وترى الشمس إذا طلعت ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين.

المعروف: بداية هذا أخبار من أصناف ألطافه بأضيافه، وفيه إشارة إلى أن نور ولايتهم يغلب نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن نار جهنم لقول  : "إن المؤمن إذا ورد النار تستغيث النار وتقول: حزباً مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ في متسع وفراغ من ذلك النور يدفع عنهم كل ضر ويراعيهم عن بلى أجسادهم وثيابهم.

قلت: يحتمل أن يراد أن شمس الروح أو المعرفة والولاية إذا طلعت من أفق الهداية وأشرقت في سماء الواردات - وهو حالة السكر وغلبات الوجد - لا تنصرف في حال خلوتهم إلى أمر يتعلق بالعقبى وهو جانب اليمين ﴿ وإذا غربت ﴾ أي سكنت تلك الغلبات وظهرت حالة الصحو لا تلتفت همم أرواحهم إلى أمر يتعلق بالدنيا وهو جانب الشمال، بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى وهم في حال دفاع وفراغ ما يشغلهم عن الله ﴿ وتحسبهم إيقاظاً ﴾ متصرفين في أمور الدنيا ﴿ وهم رقود ﴾ عنها لأنهم يتصرفون فيها لأجل الحق لا لحظ النفس، أو تحسبهم أيقاظاً مشغولين بأمور الآخرة لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، وهم رقود متصرفون في أمور الدنيا لأن الناس بهم يرزقون ويمطرون.

وفي قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ إشارة إلى أنهم في التسليم لمقلب القلوب في الأحوال كلها كالميت بين يدي الغسال.

قيل: في الآية دلالة على أن المريد الذي يربيه الله بلا واسطة المشايخ تكامل أمره في ثلثمائة وتسع سنين، والذي يربيه بواسطتهم تم أمره في أربعينات معدودة ولهذا تكون ثمرة البساتين الزهر وثمرة الجبال وفي قوله: ﴿ وكلبهم باسط ﴾ إشارة أن أكلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال بها.

ربيت القلوب والأرواح معنى أن هذا النوع من التربية من قبيل القدرة الإلهية التي اختصهم بها، ويمكن أن يراد أن نفوسهم صارت بحيث تطيعهم في جميع الأحوال وتحرسهم عما يضرهم ﴿ ولملئت منهم رعباً ﴾ بما شاهدت عليهم من آثار الأنوار التي زدناهم، ولجلاليب الهيبة والعظمة التي ألبسناهم ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ لأن أيام الوصال قصيرة، فما رأوا أنهم في دهشة الوصال وحياة الأحوال ﴿ قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ لأنه كان حاضراً معكم وأنتم غيب عنكم ﴿ فابعثوا أحدكم ﴾ من العجب أنهم ما احتاجوا مدة ثلثمائة وتسع سنين بما نالوا من غذاء الروح كقوله  : "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" .

فلما رجعوا من عند الله الحق إلى عبدية أنفسهم احتاجوا إلى الغذاء الجسماني ﴿ أزكى طعاماً ﴾ لما رجعوا إلى العالم الجسماني، تعللوا من جمال الله بمشاهدة كل جميل وتوسلوا إلى تلك الملاطفات بلطافة الأغذية الجسمانية وزكائها.

﴿ ولا يشعرنّ بكم أحد ﴾ فيه أن أرباب المعرفة والمحبة يجب أن يحترزوا عن شعور أهل الغفلة والسلوة ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ بإحياء القلوب الميتة حق قدره، الأمر فيما أظهر وأبدى أو أسر وأخفى.

﴿ سيقولون ﴾ أن القوى والأركان الأصلية للإنسان ﴿ ثلاثة ﴾ الحيوانية والطبيعية والنفسانية التي منشؤهن القلب والكبد والدماغ.

﴿ رابعهم كلبهم ﴾ هو النفس الناطقة.

﴿ ويقولون خمسة ﴾ هو الحواس الظاهرة ﴿ سادسهم ﴾ النفس ﴿ ويقولون سبعة ﴾ هو الحواس الظاهرة مع الوهم المدرك للمعاني والخيال المدرك للصور ﴿ وثامنهم كلبهم ﴾ هو النفس المدرك للكليات ﴿ قل ربي أعلم بعدتهم ﴾ لأن القوى الباطنة والظاهرة وأفاعيلها وغاياتها لا يعلمهن إلا الله  ومن أطلعه الله عليه وذلك قوله: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ﴾ .

قيل: تميل عن كهفهم.

﴿ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ ﴾ .

كانت لا تصيبهم لا عند طلوعها ولا عند غروبها؛ لأن الكهف كان مستقبل بنات النعش، وكل شيء يكون مستقبل بنات النعش لا تصيبه الشمس.

وقال بعضهم: لا، ولكن كان ثمة حجاب وستر يحجب الشمس عن أن تقع عليهم، لكن هذا لا يصلح؛ لأن الله - عز وجل - جعل لهم ذلك آية من آياته، وكرامة من كراماته؛ فليس فيما لا يقع عليهم الشمس بحجاب أو ستر كبير آية ومنة؛ إنما الآية فيما تقع الشمس عليهم، ثم يدفع عنهم ضررها وأذاها؛ فإذا كانوا بحيث لا تصيبهم الشمس - فأذاها وضررها - أيضاً - لا يصيبهم؛ فليس في ذلك كبير آية وحكمة؛ إذ ليس فيما لا يصيب الشمس ضرر أو أذى، ولكن يذكر لطفه؛ حيث منع ضرر الشمس وأذاها عنهم مع إصابة الشمس إياهم ووقوعها عليهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ ﴾ يمينهم، أو يمين القبلة، وكذلك ﴿ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ ﴾ : شمال أولئك، أو شمال القبلة، فأما يمين الجبل والغار، على ما قال أهل التأويل، فإنه ليس للجبل يمين ولا شمال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ﴾ : قال بعضهم: الفجوة: الظل.

وقال بعضهم: الفجوة: الفضاء.

وقال بعضهم: هي سعة المكان: يخبر - عز وجل - عن لطفه ومننه: أنه قد حشرهم إلى غار كانوا يسعون فيه حتى يتقلبوا فيه، والغار الذي يكون في الجبال لا هكذا يكون؛ بل يكون ضيقاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

هذا يرد قول من ينكر جري الآيات على يدي غير الأنبياء؛ لأنه جعل في أصحاب الكهف عدداً من الآيات: كلها خارجة عن احتمال وسع الخلق وعادتهم؛ لمفارقتهم قومهم لسلامة دينهم.

أحدها: ما أخبر أنه ضرب على آذانهم، وأنامهم نوماً خارجاً عن طبع الخلق وعادتهم، وهو ثلاثمائة سنة، ثم بعثهم ليتساءلوا بينهم، على ما أخبر، عز وجل.

والثاني: لم تبل ثيابهم في مثل تلك المدة ومثل المكان، ولم تتغير؛ ألا ترى أنهم قالوا حين بعثوا: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ، ولو كانت ثيابهم بالية أو متغيرة، لم يستقلوا ولا استقصروا كل هذا يوماً أو بعض يوم؛ ألا ترى أنهم فزعوا إلى الطعام، ولم يفزعوا إلى الثياب؛ حيث قالوا: ﴿ فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ ﴾ ، ولو كانت ثيابهم بالية أو متغيرة - لكان فزعهم إلى الثياب كهو إلى الطعام، وهو أولي.

والثالث: ما أخبر: من تزاور الشمس إذا طلعت ذات اليمين، وقرضها إياهم ذات الشمال.

والرابع: دفع الحر والبرد عنهم؛ إذ من طبعهما الإهلاك والفساد إذا اشتدا وكثرا.

والخامس: ما ذكر من تقليبه إياهم ذات اليمين وذات الشمال، وحفظه إياهم عن أن تفسدهم الأرض وتأكلهم؛ إذ من طبع الأرض ذلك عند امتداد الوقت.

والسادس: ما ذكر في الآية من الهول والهيبة إذا دخل عليهم واطلع؛ حيث قال: ﴿ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ﴾ : خوفاً مما ترى فيهم من الأهوال: هذا لرسول الله  فكيف لمن دونه؟!.

والسابع: حفظه إياهم عن جميع الخلائق حتى لم يطلع، ولم يعثر عليهم أحد من الخلائق.

والثامن: إبقاؤهم أحياء أكثر من ثلاثمائة سنة بلا غذاء، والأنفس لا تبقى بلا غذاء بدون ذلك؛ وذلك باللطف، وأمثال هذا كثير مما يكثر عدها وإحصاؤها.

كله من آيات عظيمة خارجة عن وسع [البشر] وعادتهم؛ فذلك لهم باختيارهم دين الله من بين قومهم، وبمفارقتهم إياهم؛ ليسلم لهم دينهم؛ إذ الغلبة فيهم يومئذ الكفر، فأكرمهم الله بذلك بالكرامات التي ذكرنا؛ فلا ننكر أن يعطي الله أحداً من أوليائه قطع مسيرة أيام بيوم أو بساعة، أو المشي على الماء، ونحو ذلك، ليس بمستبعد ولا مستنكر.

وقال أهل التأويل: إنهم كانوا كذا، والكلب كذا، وأساميهم كذا، وعددهم كذا، ونحوه؛ فذلك مما لا يعلم إلا بخبر الصدق وقول الحق، وقد نهى رسوله  أن يستفتي فيهم منهم أحداً حيث قال: ﴿ وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً ﴾ وما ذكر هؤلاء كله من الاستفتاء الذي نهى عنه رسوله عن ذلك.

قال أبو عوسجة: ﴿ تَّزَاوَرُ ﴾ أي: تميل، وتزور مثله.

﴿ تَّقْرِضُهُمْ ﴾ ، أي: تدعهم على شمالها، أي: أن الشمس لا تصيبهم طالعة ولا غاربة عند طلوعها وغروبها، ويقال: قرضته: تركته، أقرضه قرضاً، ويقال: قرضت موضع كذا، أي: جاوزته وتركته خلفي، ويقال: قرضه، أي: قطعه بمقراض، وتزاور يتزاور، أي: عدل ومال ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ﴾ : أي سعة، وفجوات جمع.

ويحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ أي: ذلك النبأ وما ذكر من قصة أصحاب الكهف من آيات قدرة الله، أو من حجج الله على إثبات رسالة رسوله ونبوته.

أو من آيات كراماته للفتية ولمن اختار دين الله وآثره على غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً ﴾ .

قد ذكرناه في غير موضع.

وقال بعضهم: ﴿ تَّزَاوَرُ ﴾ و ﴿ تَّقْرِضُهُمْ ﴾ كلاهما واحد، وهو أن تميل عن كهفهم فتدعهم ذات اليمين، و ﴿ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ﴾ أي: تدعهم ذات الشمال.

وقوله: ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ﴾ أي: زائفة من الكهف، قال أبو معاذ: الزائفة: قدر ما يصلح.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ ﴾ أي: يبوئ لكم؛ كقوله: ﴿ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أي: تهيئ، ﴿ وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً ﴾ الرشيد: الصالح.

وقال مقاتل: ﴿ رَشَداً ﴾ ، أي: مخرجا.

﴿ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً ﴾ : قال ابن عباس -  -: غذاء تأكلونه، وهو ما ذكرنا كل ما يترفق به، ويقال: مخرجا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ ﴾ .

قال بعضهم: لأنهم كانوا مفتحي الأعين والأبصار كاليقظان.

وقال بعضهم: وتحسبهم أيقاظاً؛ لأنهم كانوا يتقلبون في رقودهم اليمين والشمال كما يتقلب اليقظان يمينا وشمالا.

وقال بعض أهل التأويل: إنما كان يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، ليدفع عنهم أذى الأرض وضررها؛ لئلا يفسدوا ولا يتلاشوا، وإن كان الله قادراً أن يدفع عنهم الأذى وضرر الأرض لا بتقليب من جانب إلى جانب وإن كان [ذلك] مما يفعله من لا يملك دفع الأذى [إلا] بما ذكرنا، فأما من كان قادراً بذاته مستغنيا عن الأسباب التي بها يدفع فغير محتمل.

وهو: على التعليم منه إياهم: أن كيف يتقي الأذى؟

وكيف يدفع الضرر؟

فإذا لم يكن بمشهد من الخلق فلا معنى له.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ ﴾ ؛ لأنهم كانوا في مكان الريبة واللصوص مما لا يأوي إليه إلا هارب من ريبة وشر أو قاصد ريبة وطالب عثرة ومكابرة لم يكونوا في مكان يسلم فيه ويرقد ولا يختار للنوم مثله، فقال: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ ﴾ لما كانوا في مكان لا ينام فيه للخوف، كأنهم أيقاظ وهم رقود، والله أعلم.

ولكن لا ندري لأي معنى ذكر أنه يحسب الناظر إليهم كأنهم أيقاظ وهم رقود؟

وإذا لم يبين الله ذلك فلا نفسر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ ﴾ هو ما ذكرنا أنهم: قد يتقلبون في نومهم من جانب إلى جانب، وذكر التقليب جائز أن يكون؛ لما ذكر بعضهم من دفع أذى الأرض وضررها.

أو ذكر فعله؛ لما له في تقلبهم صنع وفعل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ ﴾ إذ لا يفهم من ذات الشيء غير ذلك الشيء أو شيء آخر سواه؛ لأنه ذكر ذات اليمين فهو اليمين والشمال نفسه لا غير؛ فعلى ذلك في قولنا: عالم بذاته، لا يفهم غير علمه، أي: عالم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ ﴾ .

قال بعضهم: الوصيد: هو فناء الباب.

وقال بعضهم: الوصيد: هو عتبة الباب.

قال القتبي: الوصيد: الفناء، ويقال: عتبة الباب، وهذا أعجب إليّ؛ لأنهم يقولون: أوصد بابك، أي: أغلقه.

ومنها ﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ  ﴾ أي: مطبقة، وأصله: أن تلصق الباب إلى العتبة إذا أغلقته.

فإن كان الوصيد هو عتبة الباب، ففيه أن الكلب كان داخل باب الغار، وإن كان الفناء ففيه أنه كان خارج باب الغار، وفيه أيضاً [أنه] أبقى الكلب ثلاثمائة سنة على ما أبقاهم، وإن لم يكن من جوهرهم بلطفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ذلك أن شعورهم قد طالت وأظفارهم قد امتدت وعظمت، فكانوا بحال يرغب عنهم ويهاب.

لكن هذا لا يحتمل؛ لأنهم قالوا: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ فلو كانوا على الحال التي ذكروا من تطاول الشعور وامتداد الأظفار وتغير أحوالهم، لم يكونوا ليقولوا: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ؛ إذ لو نظروا في أنفسهم من تغير الأحوال، لعرفوا أنهم لم يلبثوا ما ذكروا من الوقت؛ دل ذلك أن ذلك الخوف والهيبة لا لذلك.

وقال بعضهم: لأنهم كانوا في مكان الريبة فيما لا يؤوي إلى مثله إلا لخوف ريبة أو طلب ريبة لا يأويه إلا لهذين: هارب من شر، أو طالب شر على آخر؛ على ما ذكرنا: أن من أقام في مهاب ومكان مخوف يهاب منه ويخاف.

أو أن يكونوا بحيث يهابون ويخاف منهم لئلا يدنو منهم أحد، ولا يقرب، فلا يوقظهم أحد، ليبقوا إلى المدة التي أراد الله أن يبقوا فيه؛ ولذلك يحتمل هذا المعنى في تقليب اليمين والشمال؛ فجائز أن يكون قوله: ﴿ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ﴾ ذلك الخوف وتلك الهيبة: هيبة الدين، على ما روي عن رسول الله  أنه قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" ، وذلك لدينه ولحقيقة أمره؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من هيبة أحوالهم لدينهم الذي اختاروا من بين قومهم وفارقوهم؛ ليسلم دينهم إلى مكان لا طعام فيه ولا شراب؛ وذلك لحقيقة ما اختاروا من الدين، كان ذلك لمعنى لم يطلع الله رسوله على ذلك؛ فلا نفسر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ ﴾ أي: كما أنبأكم من أنبائهم وقصصهم أو كما ضرب على آذانهم وأنامهم سنين كذلك يبعثهم.

وقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ ﴾ بعثهم؛ لما علم ما يكون منهم، وهو التساؤل، وهكذا جميع ما يخلق وينشئ، إنما يخلق وينشئ؛ لما يعلم أنه يكون منهم؛ كقوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً...

﴾ الآية [الأعراف: 179] ذرأهم؛ لما علم أنه يكون منهم، وهو عمل أهل جهنم، وكذلك قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ من علم أنه يعبده ويعمل له عمل أهل الجنة خلقه لذلك، هكذا كل ما يخلق، لما يعلم أنه يكون منه؛ إذ يخرج الفعل لذلك مخرج العجز والجهل بالعواقب، فإذا كان الله عالماً بما كان ويكون، ويتعالى عن أن يكون فعله عبثا - لم يجز أن يخلق شيئاً لغير ما علم أنه يكون، وهكذا في الشاهد من عمل عملا أو فعل فعلا لغير ما علم أنه يكون - فهو عابث أو جاهل بعواقبه، وبالله العصمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ .

وتأويله ما ذكر: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً ﴾ .

وقوله: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ قالوا ذلك، لما لم يروا في أنفسهم آثاراً وأعلاما تدل على طول المكث والمقام فيه، ثم لما تذكروا أحوالهم، وما يرى النائم في نومه من العجائب وأشياء كثيرة، عرفوا أن ذلك القدر من الأشياء ومثل ذلك من العجائب التي رأوا لا يحتمل أن يكون في يوم أو بعض يوم، فعند ذلك وكلوا الأمر إلى الله، فقالوا: ﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ﴾ .

وأما الذي أماته مائة عام لما بعثه قطع القول في ذلك، ولم يكل الأمر إلى الله حيث قال: ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ  ﴾ ؛ لأنه كان ميتا، والميت لا يرى شيئا، ولم يكن في نفسه آثار تدل على ذلك، فقطع القول فيه، ولم يكل الأمر إلى الله.

وأما النائم فإنه يرى في نومه أشياء فيعرف أنه لا يكون في وقت قصير؛ لذلك وكلوا الأمر إلى الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ ﴾ .

فيه أنهم لما فارقوا ومعهم زاد وهو الورق، أمر بعضهم بعضا: أن يبعث بالورق، ليأتيهم بالطعام، وفيه أنه أضاف الورق إليهم، ولا شك أنه كان له فيه نصيب حيث قال: ﴿ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ ﴾ ، وفيه دلالة جواز المناهدة في الأسفار وغيرها؛ إذ كان ذلك الورق بينهم، وفيه دلالة جواز الوكالة، وأنها ليست بمبدعة، ولكن كانت في القرون الماضية وهي متوارثة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ أَزْكَىٰ طَعَاماً ﴾ أي: أحل طعاما؛ لأن بعض أهل تلك المدينة يذبحون للأصنام وباسم الأوثان التي كانوا يعبدونها، فأمروا بأن يأتيهم بحلال يحل لهم أكله والتناول منه.

وقال بعضهم: ﴿ أَزْكَىٰ ﴾ : أرخص وأكثر؛ لأنهم في مكان لا يدرون متى يخرجون منه، فطلبوا الأكثر؛ لشدة حاجتهم إليه ويكفي لوقت مقامهم ونحوه.

وقال بعضهم: ﴿ أَزْكَىٰ طَعَاماً ﴾ أي: أطيب وأجود؛ لأن الطيب أزيد للعقول وأصلح للأنفس وأنفع؛ ولذلك جعل الله أرزاق البشر ما هو أطيب وألين؛ لما يزيد ذلك في العقول والفهم، وجعل لغيرهم من الدواب كل خشن خبيث، لما ليس لهم عقول يحتاج إلى ما يزيد لها فيها، وأصل الزكاء: النماء والزيادة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ أي: ليرفق بهم؛ لئلا يشعروا أنه من أولئك الذين فارقوهم لدينهم.

أو أمره بالتلطف، أي: بالسماحة والسهولة في الشراء؛ لما جاء في الخبر: "رحم الله سهل البيع سمح الشراء" ﴿ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ﴾ أنه فلان بن فلان وأنه من قوم كذا فيعرفون أنه من أصحاب الكهف.

أو لا يشعرن بمكانكم أحدا، من الناس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ .

يحتمل: يقتلوكم أو ما أرادوا بكم.

﴿ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ﴾ ، أي: في دينهم الكفر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً ﴾ .

أي: ما دمتم في ملتهم ودينهم، هذا كأنهم لم يعرفوا التقية، وإلا لو أعطوهم بلسانهم ولم يعطوهم بقلوبهم، لكانوا قد أفلحوا.

أو عرفوا التقية إلا أنه لم يكن للقرون الماضية التقية، ولم يؤذن لهم فيها.

أو هي رخصة رخص لهم، والأفضل ألا يعطي ذلك ولا يظهر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ ﴾ ؛ قال بعضهم: كما أخرج المبعوث بشراء الطعام من الكهف مع الورق المتقدم ضربها، فكان ذلك بسبب إعلام أهل المدينة عن الفتية ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: أطلعنا عليهم.

وقال بعضهم: كما أعلم عن أنباء الفتية وأصحاب الكهف وقصصهم من أولها إلى آخرها، ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي: أطلعنا عليهم، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي: كما ضرب على آذانهم ليعلموا أن ما وعد لهم الرسل عن الله حق.

ثم اختلف في إطلاعهم عليهم: قال بعضهم: أطلع الله الملك الذي هربوا منه وأهل المدينة بعدما أنامهم، لكن حيل بينهم وبين أولئك.

وقال بعضهم: أطلعهم قبل أن ينيمهم، فحيل بينهم وبينهم، فسدو باب الكهف، فبقوا هنالك، ثم أنامهم بعد ذلك ما ذكر، فهلك ذلك الملك، وانقرض تلك القرون، ثم ولي ملك آخر مسلم صالح، ثم أطلع ذلك الملك عليهم، وأمثال ذلك قد قالوا، فلا ندري كيف كانت القصة؟

وفي ظاهر الآية أنه أطلع عليهم بعدما أنامهم وبعثهم، وليس فيه بيان أنه من أطلع عليهم الملك الأول أو الثاني أو القوم أو غيرهم؟

ولا يجوز أن يقطع القول فيه أنه فلان؛ لأن هذه الأنباء ذكرت في القرآن حجة لرسول الله  ، فلو قطع القول على شيء أو زيد أو نقص عما كان في كتبهم، خرجت عن أن تكون حجة له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ .

يشبه أن يكون الرسل من قبل كانوا يخبرون قومهم أن نفراً يهربون من ملكهم؛ إشفاقاً على دينهم، ويلتجئون إلى الكهف فينامون كذا وكذا سنة، ثم يبعثون، فأكذبهم قومهم بما أخبروا قومهم من أنبائهم، فقال: ﴿ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوۤاْ ﴾ أن ما وعد الرسل وأخبروهم من نبأ أصحاب الكهف حق.

والثاني: يحتمل أن يكونوا ينكرون البعث والساعة، والرسل يخبرون أنهم يبعثون، فأطلع على أولئك؛ ليعلموا أن البعث والقيامة حق؛ لأن الأعجوبة في إبقاء أنفس أصحاب الكهف في نومهم ثلاثمائة سنة أو أكثر بلا غذاء يغتذون، ولا طعام يطعمون، ولا شيء تقوم به الأنفس - إن لم تكن أكثر وأعظم من إحياء الموتى وجمع العظام الناخرة البالية لا تكون دونه؛ لما لم يروا الأنفس لا تبقى أياما بلا غذاء فضلا أن تبقى سنين كثيرة ثلاثمائة أو أكثر، فبعث هؤلاء؛ ليعلم من أنكر البعث [أن] من قدر على إبقاء الأنفس مدة مديدة طويلة بلا غذاء تغتذي [به] لقادر على إحياء الموتى وبعثهم بعد الموت.

أو أن يكون ما ذكرنا بدءاً: أن الرسل السالفة كأنهم أخبروا قومهم عن قصة أصحاب الكهف فكذبوهم، فأطلع الله نبأهم وخبرهم؛ ليعلم أولئك أن الذي أخبرهم الرسل حق وصدق، والله أعلم.

ثم إن هذه الأنباء والقصص المتقدمة ذكرت في القرآن حجة لرسول الله  ودلالة في إثبات رسالته، فلا يجوز أن يقطع القول في شيء لم يبين فيه ولم يوضح ولم يفسر؛ لما يخاف فيه الكذب على الله، ولا الزيادة فيها والنقصان على ما ذكر فيه؛ لما لعلها تخرج مخالفة لما ذكر في كتبهم؛ فلا يكون له فيها حجة ولا دلالة.

فإن قيل: كيف علموا أن ما أخبرهم الرسل حق إذا كانوا لا ينكرون أن وعد الله حق، ولكن يظنون أن ما وعدهم الرسل ويخبرونهم إنما هو اختراع منهم لا وعد من الله وخبر عن الله؟

قيل: علموا أن ذلك حق بوجوه: أحدها: ما رأوا من الدراهم التي كانت في يدي المبعوث بشراء الطعام من الضرب المتقدم، وإن كان يجوز أن تكون تلك الدراهم من كنز أصاب ذلك الرجل لا من دراهم أصحاب الكهف، فإذا صدقوا ذلك الرجل فيما أخبر أنها من دراهم أصحاب الكهف، فتصديق الرسل أولى وخبرهم أحق أن يصدق.

والثاني: علموا لما رأوا أنه أنامهم مدة طويلة خارجة عن العادة، وحفظهم من كل ضرر وأذى وفساد، وأبقاهم من غير طعام ولا شراب، على علم منهم أن الأنفس لا تبقى ولا تقوم بغير طعام ولا شراب بدون تلك المدة بكثير، فضلا أن تبقى إلى مثل تلك المدة؛ فعلموا أن من قدر على حفظ ما ذكرنا وإبقائهم، لقادر على البعث والإحياء ولا يعجز عن شيء يريد كونه، وأنه فعال لما يريد.

والثالث: علموا أن ذلك حق؛ لما رأوا أنه أنامهم وقتاً طويلا، وحفظهم عن جميع الآفات، ثم بعثهم وأحياهم - أنه لم ينمهم ولم يبعثهم إلا لعاقبة تتأمل وحكمة تقصد؛ فعلى ذلك إحياء الخلق وإماتتهم ليس إلا لعاقبة تتأمل وحكمة تقصد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ﴾ : لسنا ندري في ماذا تنازعوا في أمرهم فيما بينهم: أقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالُواْ ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً ﴾ ، أو تنازعوا في السبب الذي به التجئوا إلى الكهف؟

ويشبه أن يكون تنازعهم في البناء الذي ذكر في المسجد وغيره، ويحتمل في عددهم ونحوه، ولكن لا نقطع القول فيه؛ إذ وكل أمرهم إلى الله حيث قال: ﴿ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً ﴾ ، ثم قوله: ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً ﴾ يحتمل بناء المسجد عليهم إكراماً لهم وإعظاماً؛ ليذكروهم في ذلك المكان على قرب منهم، على ما ظهر عندهم من إكرام الله إياهم.

أو يتخذون مسجداً لعبادة أنفسهم، ليعبدوا الله على قرب منهم؛ ليسألوا من بركتهم ونحوه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فامتَثَلوا ما أمروا به، وألقى الله النوم عليهم، وحفظهم من عدوِّهم، وترى -أيها المشاهد لهم- الشمس إذا طلعت من مشرقها تميل عن كهفهم جهة يمين الداخل فيه، وإذا غابت عند غروبها تعدل عنه جهة شماله فلا تصيبه، فهم في ظل دائم لا يؤذيهم حر الشمس، وهم في مُسمَع من الكهف ينالهم من الهواء ما يحتاجون إليه، ذلك الحاصل لهم من إيوائهم إلى الكهف، وإلقاء النوم عليهم، وانحراف الشمس عنهم، واتساع مكانهم وانجائهم من قومهم: من عجائب صنع الله الدالة على قدرته، من يوفقه الله لطريق الهداية فهو المهتدي حقًّا، ومن يخذله عنها ويضله فلن تجد له ناصرًا يوفقه للهداية، ويرشده إليها؛ لأن الهداية بيد الله، وليست بيده هو.

<div class="verse-tafsir" id="91.ddblk"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله