الآية ١٨ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ١٨ من سورة الكهف

وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًۭا وَهُمْ رُقُودٌۭ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ ۖ وَكَلْبُهُم بَـٰسِطٌۭ ذِرَاعَيْهِ بِٱلْوَصِيدِ ۚ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًۭا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًۭا ١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 170 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ذكر بعض أهل العلم أنهم لما ضرب الله على آذانهم بالنوم ، لم تنطبق أعينهم ؛ لئلا يسرع إليها البلى ، فإذا بقيت‌ ظاهرة للهواء كان أبقى لها ؛ ولهذا قال تعالى : ( وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ) وقد ذكر عن الذئب أنه ينام فيطبق عينا ويفتح عينا ، ثم يفتح هذه ويطبق هذه وهو راقد ، كما قال الشاعر ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بأخرى الرزايا فهو يقظان نائم وقوله تعالى : ( ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ) قال بعض السلف : يقلبون في العام مرتين .

قال ابن عباس : لو لم يقلبوا لأكلتهم الأرض .

وقوله : ( وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ) قال ابن عباس ، وقتادة ومجاهد وسعيد بن جبير الوصيد : الفناء .

وقال ابن عباس : بالباب .

وقيل : بالصعيد ، وهو التراب .

والصحيح أنه بالفناء ، وهو الباب ، ومنه قوله تعالى : ( إنها عليهم مؤصدة ) [ الهمزة : 8 ] أي : مطبقة مغلقة .

ويقال : " وصيد " و " أصيد " .

ربض كلبهم على الباب كما جرت به عادة الكلاب .

قال ابن جريج يحرس عليهم الباب .

وهذا من سجيته وطبيعته ، حيث يربض ببابهم كأنه يحرسهم ، وكان جلوسه خارج الباب ؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب - كما ورد في الصحيح - ولا صورة ولا جنب ولا كافر ، كما ورد به الحديث الحسن وشملت كلبهم بركتهم ، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال .

وهذا فائدة صحبة الأخيار ؛ فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن .

وقد قيل : إنه كان كلب صيد لأحدهم ، وهو الأشبه .

وقيل : كان كلب طباخ الملك ، وقد كان وافقهم على الدين فصحبه كلبه فالله أعلم .

وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة " همام بن الوليد الدمشقي " : حدثنا صدقة بن عمر الغساني ، حدثنا عباد المنقري ، سمعت الحسن البصري ، رحمه الله ، يقول : كان اسم كبش إبراهيم : جرير واسم هدهد سليمان : عنقز ، واسم كلب أصحاب الكهف : قطمير ، واسم عجل بني إسرائيل الذي عبدوه : بهموت .

وهبط آدم ، عليه السلام ، بالهند ، وحواء بجدة ، وإبليس بدست بيسان ، والحية بأصبهان وقد تقدم عن شعيب الجبائي أنه سماه : حمران .

واختلفوا في لونه على أقوال لا حاصل لها ، ولا طائل تحتها ولا دليل عليها ، ولا حاجة إليها ، بل هي مما ينهى عنه ، فإن مستندها رجم بالغيب .

وقوله تعالى : ( لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا ) أي : أنه تعالى ألقى عليهم المهابة بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم ؛ لما ألبسوا من المهابة والذعر ؛ لئلا يدنو منهم أحد ولا تمسهم يد لامس ، حتى يبلغ الكتاب أجله ، وتنقضي رقدتهم التي شاء تبارك وتعالى فيهم ، لما له في ذلك من الحجة والحكمة البالغة ، والرحمة الواسعة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وتحسب يا محمد هؤلاء الفتية الذين قصصنا عليك قصتهم، لو رأيتهم في حال ضربنا على آذانهم في كهفهم الذي أووا إليه أيقاظا.

والأيقاظ: جمع يَقِظ ، ومنه قول الراجز: وَوَجـــدُوا إخْـــوَتهُمْ أيْقاظـــا وسَــيْفَ غَيَّــاظٍ لَهُــمْ غَيَّاظــا (4) وقوله: ( وَهُمْ رُقُودٌ ) يقول: وهم نيام ، والرقود: جمع راقد، كالجلوس: جمع جالس، والقعود: جمع قاعد ، وقوله وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ) يقول جل ثناؤه: ونقلب هؤلاء الفتية في رقدتهم مرّة للجنب الأيمن، ومرّة للجنب الأيسر.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ، قوله ( وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ) وهذا التقليب في رقدتهم الأولى ، قال: وذكر لنا أن أبا عياض قال: لهم في كل عام تقليبتان.

حُدثت عن يزيد، قال: أخبرنا سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ( وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ) قال: لو أنهم لا يقلَّبون لأكلتهم الأرض.

وقوله: ( وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ) اختلف أهل التأويل في الذي عنى الله بقوله: ( وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ ) فقال بعضهم: هو كلب من كلابهم كان معهم ، وقد ذكرنا كثيرا ممن قال ذلك فيما مضى ، وقال بعضهم: كان إنسانا (5) من الناس طباخا لهم تَبِعهم.

وأما الوصيد، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: هو الفناء.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (بالوَصِيد) يقول: بالفِناء.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَهديّ، قال: ثنا محمد بن أبي الوضَّاح، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير ( وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ) قال: بالفناء.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (بالوَصِيد) قال: بالفناء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد (بالوَصِيد) قال: بالفناء.

قال ابن جريج: يمسك باب الكهف.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ) يقول: بفناء الكهف.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: (بالوَصِيد) قال: بفناء الكهف.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (بالوَصِيد) قال: يعني بالفناء.

وقال آخرون: الوَصِيد: الصعيد.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ) يعني فناءهم، ويقال: الوصيد: الصعيد.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن هارون، عن عنترة ، عن سعيد بن جبير، في قوله: ( وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ) قال : الوصيد: الصعيد.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، عن عمرو، في قوله: ( وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ) قال: الوصيد: الصعيد، التراب.

وقال آخرون: الوصيد الباب.

* ذكر من قال ذلك: حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا أبو عاصم ، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس ( وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ) قال: بالباب، وقالوا بالفناء.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: الوصيد: الباب، أو فناء الباب حيث يغلق الباب، وذلك أن الباب يُوصَد، وإيصاده: إطباقه وإغلاقه من قول الله عز وجل: إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ وفيه لغتان: الأصيد، وهي لغة أهل نجد، والوصيد: وهي لغة أهل تهامة وذُكِر عن أبي عمرو بن العلاء، قال: إنها لغة أهل اليمن، وذلك نظير قولهم: ورّخت الكتاب وأرخته، ووكدت الأمر وأكدته ، فمن قال الوصيد، قال: أوصدت الباب فأنا أُوصِده، وهو مُوصَد ، ومن قال الأصيد، قال: آصدت الباب فهو مُؤْصَد، فكان معنى الكلام: وكلبهم باسط ذراعيه بفناء كهفهم عند الباب، يحفظ عليهم بابه.

وقوله : ( لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا ) يقول: لو اطلعت عليهم في رقدتهم التي رقدوها في كهفهم، لأدبرت عنهم هاربا منهم فارّا، ( وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ) يقول: ولملئت نفسُك من اطلاعك عليهم فَزَعا، لما كان الله ألبسهم من الهيبة، كي لا يصل إليهم واصل، ولا تلمِسهم يد لامس حتى يبلغ الكتاب فيهم أجله، وتوقظهم من رقدتهم قدرته وسلطانه في الوقت الذي أراد أن يجعلهم عبرة لمن شاء من خلقه، وآية لمن أراد الاحتجاج بهم عليه من عباده، ليعلموا أن وعد الله حق، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ) فقرأته عامة قراء المدينة بتشديد اللام من قوله: ( وَلَمُلِّئْتَ ) بمعنى أنه كان يمتلئ مرّة بعد مرّة.

وقرأ ذلك عامة قراء العراق: (وَلَمُلِئْتَ) بالتخفيف، بمعنى: لملئت مرّة، وهما عندنا قراءتان مستفيضتان في القراءة، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

------------------------ الهوامش: (4) البيتان (في ديوان العجاج الراجز ، في الملحق بديوانه ص 81 - 82 ) من أرجوزة عدتها 19 بيتا.

ورقما البيتين فيها هما 8 ، 16 .

وهما من شواهد أبي عبيدة في ( مجاز القرآن 1 : 397 ) قال " وتحسبهم أيقاظا " : واحدهم يقظ .

ورجال أيقاظ ؛ وكذلك جمع يقظان : أيقاظ ، يذهبون به إلى جمع يقظ.

وقال رؤبة : " ووجدوا ...

البيتين" وقد نسبهما لرؤبة ، وهما في ديوان العجاج .

وقد تداخلت أشعارهما على الرواة واللغويين .

وغياظ : اسم رجل.

(5) قوله " كان إنسانا ...

إلخ " كذا في الأصول وفي ابن كثير .

قيل كلب طباخ الملك ، وقد كان وافقهم على الدين وصحبه كلبه.

أ ه

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وقال أهل التفسير : كانت أعينهم مفتوحة وهم نائمون ; فكذلك كان الرائي يحسبهم أيقاظا .

وقيل : تحسبهم أيقاظا لكثرة تقلبهم كالمستيقظ في مضجعه .

وأيقاظا جمع يقظ ويقظان ، وهو المنتبه .وهم رقود كقولهم : وهم قوم ركوع وسجود وقعود فوصف الجمع بالمصدر .ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال قال ابن عباس : لئلا تأكل الأرض لحومهم .

قال أبو هريرة : كان لهم في كل عام تقليبتان .

وقيل : في كل سنة مرة .

وقال مجاهد : في كل سبع سنين مرة .

وقالت فرقة : إنما قلبوا في التسع الأواخر ، وأما في الثلاثمائة فلا .

وظاهر كلام المفسرين أن التقليب كان من فعل الله ، ويجوز أن يكون من ملك بأمر الله ، فيضاف إلى الله - تعالى - .قوله تعالى : وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيدفيه أربع مسائل :الأولى : وكلبهم قال عمرو بن دينار : إن مما أخذ على العقرب ألا تضر [ ص: 332 ] أحدا [ قال ] في ليله أو في نهاره : صلى الله على نوح .

وإن مما أخذ على الكلب ألا يضر من حمل عليه [ إذا قال ] : وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد .أكثر المفسرين على أنه كلب حقيقة ، وكان لصيد أحدهم أو لزرعه أو غنمه ; على ما قال مقاتل .

واختلف في لونه اختلافا كثيرا ، ذكره الثعلبي .

تحصيله : أي لون ذكرت أصبت ; حتى قيل لون الحجر وقيل لون السماء .

واختلف أيضا في اسمه ; فعن علي : ريان .

ابن عباس : قطمير .

الأوزاعي : مشير .

عبد الله بن سلام : بسيط .

كعب : صهيا .

وهب : نقيا .

وقيل قطمير ; ذكره الثعلبي .

وكان اقتناء الكلب جائزا في وقتهم ، كما هو عندنا اليوم جائز في شرعنا .

وقال ابن عباس : هربوا ليلا ، وكانوا سبعة فمروا براع معه كلب فاتبعهم على دينهم .

وقال كعب : مروا بكلب فنبح لهم فطردوه فعاد فطردوه مرارا ، فقام الكلب على رجليه ورفع يديه إلى السماء كهيئة الداعي ، فنطق فقال : لا تخافوا مني أنا أحب أحباء الله - تعالى - فناموا حتى أحرسكم .الثانية : ورد في الصحيح عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان .

وروى الصحيح أيضا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط .

قال الزهري : وذكر لابن عمر قول أبي هريرة فقال : يرحم الله أبا هريرة كان صاحب زرع .

فقد دلت السنة الثابتة على اقتناء الكلب للصيد والزرع والماشية .

وجعل النقص في أجر من اقتناها على غير ذلك من المنفعة ; إما لترويع الكلب المسلمين وتشويشه عليهم بنباحه ، أو لمنع دخول الملائكة البيت ، أو لنجاسته ، على ما يراه الشافعي ، أو لاقتحام النهي عن اتخاذ ما لا منفعة فيه ; والله أعلم .

وقال في إحدى الروايتين قيراطان وفي الأخرى قيراط .

وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب أحدهما أشد أذى من الآخر ، كالأسود [ ص: 333 ] الذي أمر - عليه السلام - بقتله ، ولم يدخله في الاستثناء حين نهى عن قتلها كما هو منصوص في حديث جابر ; أخرجه الصحيح .

وقال : عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان .

ويحتمل أن يكون ذلك لاختلاف المواضع ، فيكون ممسكه بالمدينة مثلا أو بمكة ينقص قيراطان وبغيرها قيراط .

وأما المباح اتخاذه فلا ينقص ; كالفرس والهرة .

والله أعلم .الثالثة : وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو الذي يسرح معها ، لا الذي يحفظها في الدار من السراق .

وكلب الزرع هو الذي يحفظها من الوحوش بالليل أو بالنهار لا من السراق .

وقد أجاز غير مالك اتخاذها لسراق الماشية والزرع .

وقد تقدم في " المائدة " من أحكام الكلاب ما فيه كفاية ، والحمد لله .الرابعة : قال ابن عطية : وحدثني أبي - رضي الله عنه - قال سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة : إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم ; كلب أحب أهل فضل وصحبهم فذكره الله في محكم تنزيله .قلت : إذا كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العليا بصحبته ومخالطته الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله - تعالى - بذلك في كتابه جل وعلا فما ظنك بالمؤمنين الموحدين المخالطين المحبين للأولياء والصالحين بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصرين عن درجات الكمال ، المحبين للنبي - صلى الله عليه وسلم - وآله خير آل .

روى الصحيح عن أنس بن مالك قال : بينا أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - خارجان من المسجد فلقينا رجل عند سدة المسجد فقال : يا رسول الله ، متى الساعة ؟

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما أعددت لها قال : فكأن الرجل استكان ، ثم قال : يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة ، ولكني أحب الله ورسوله .

قال : فأنت مع من أحببت .

في رواية قال أنس بن مالك : فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : فأنت مع من أحببت .

قال أنس : فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر ، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم .قلت : وهذا الذي تمسك به أنس يشمل من المسلمين كل ذي نفس ، فكذلك تعلقت أطماعنا بذلك وإن كنا مقصرين ، ورجونا رحمة الرحمن وإن كنا غير مستأهلين ; كلب أحب [ ص: 334 ] قوما فذكره الله معهم فكيف بنا وعندنا عقد الإيمان وكلمة الإسلام ، وحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا .وقالت فرقة : لم يكن كلبا حقيقة ، وإنما كان أحدهم ، وكان قد قعد عند باب الغار طليعة لهم كما سمي النجم التابع للجوزاء كلبا ; لأنه منها كالكلب من الإنسان ; ويقال له : كلب الجبار .

قال ابن عطية : فسمي باسم الحيوان اللازم لذلك الموضع أما إن هذا القول يضعفه ذكر بسط الذراعين فإنها في العرف من صفة الكلب حقيقة ; ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب .

وقد حكى أبو عمر المطرز في كتاب اليواقيت أنه قرئ " وكالبهم باسط ذراعيه بالوصيد " .

فيحتمل أن يريد بالكالب هذا الرجل على ما روي ; إذ بسط الذراعين واللصوق بالأرض مع رفع الوجه للتطلع هي هيئة الريبة المستخفي بنفسه .

ويحتمل أن يريد بالكالب الكلب .

وقرأ جعفر بن محمد الصادق " كالبهم " يعني صاحب الكلب .قوله تعالى : باسط ذراعيه أعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضي ; لأنها حكاية حال ولم يقصد الإخبار عن فعل الكلب .

والذراع من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى .

ثم قيل : بسط ذراعيه لطول المدة .

وقيل : نام الكلب ، وكان ذلك من الآيات .

وقيل : نام مفتوح العين .بالوصيد الوصيد : الفناء ; قاله ابن عباس ومجاهد وابن جبير ، أي فناء الكهف ، والجمع وصائد ووصد .

وقيل الباب .

وقاله ابن عباس أيضا .

وأنشد :بأرض فضاء لا يسد وصيدها علي ومعروفي بها غير منكروقد تقدم .

وقال عطاء : عتبة الباب ، والباب الموصد هو المغلق .

وقد أوصدت الباب وآصدته أي أغلقته .

والوصيد : النبات المتقارب الأصول ، فهو مشترك ، والله أعلم .قوله تعالى : لو اطلعت عليهم قرأ الجمهور بكسر الواو .

والأعمش ويحيى بن وثاب بضمها .لوليت منهم فرارا أي لو أشرفت عليهم لهربت منهم .ولملئت منهم رعبا أي لما حفهم الله - تعالى - من الرعب واكتنفهم من الهيبة .

وقيل : لوحشة مكانهم ; وكأنهم [ ص: 335 ] آواهم الله إلى هذا المكان الوحش في الظاهر لينفر الناس عنهم .

وقيل : كان الناس محجوبين عنهم بالرعب ، لا يجسر أحد منهم على الدنو إليهم .

وقيل : الفرار منهم لطول شعورهم وأظفارهم ; وذكره المهدوي والنحاس والزجاج والقشيري .

وهذا بعيد ; لأنهم لما استيقظوا قال بعضهم لبعض : لبثنا يوما أو بعض يوم .

ودل هذا على أن شعورهم وأظفارهم كانت بحالها ; إلا أن يقال : إنما قالوا ذلك قبل أن ينظروا إلى أظفارهم وشعورهم .

قال ابن عطية : والصحيح في أمرهم أن الله - عز وجل - حفظ لهم الحالة التي ناموا عليها لتكون لهم ولغيرهم فيهم آية ، فلم يبل لهم ثوب ولم تغير صفة ، ولم ينكر الناهض إلى المدينة إلا معالم الأرض والبناء ، ولو كانت في نفسه حالة ينكرها لكانت عليه أهم .

وقرأ نافع وابن كثير وابن عباس وأهل مكة والمدينة " لملئت منهم " بتشديد اللام على تضعيف المبالغة ; أي ملئت ثم ملئت .

وقرأ الباقون لملئت بالتخفيف ، والتخفيف أشهر في اللغة .

وقد جاء التثقيل في قول المخبل السعدي :وإذ فتك النعمان بالناس محرما فملي من كعب بن عوف سلاسلهوقرأ الجمهور رعبا بإسكان العين .

وقرأ بضمها أبو جعفر .

قال أبو حاتم : هما لغتان .

وفرارا نصب على الحال ورعبا مفعول ثان أو تمييز .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ } أي: تحسبهم أيها الناظر إليهم [كأنهم] أيقاظ، والحال أنهم نيام، قال المفسرون: وذلك لأن أعينهم منفتحة، لئلا تفسد، فالناظر إليهم يحسبهم أيقاظا، وهم رقود، { وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ } وهذا أيضا من حفظه لأبدانهم، لأن الأرض من طبيعتها، أكل الأجسام المتصلة بها، فكان من قدر الله، أن قلبهم على جنوبهم يمينا وشمالا، بقدر ما لا تفسد الأرض أجسامهم، والله تعالى قادر على حفظهم من الأرض، من غير تقليب، ولكنه تعالى حكيم، أراد أن تجري سنته في الكون، ويربط الأسباب بمسبباتها.

{ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } أي: الكلب الذي كان مع أصحاب الكهف، أصابه ما أصابهم من النوم وقت حراسته، فكان باسطا ذراعيه بالوصيد، أي: الباب، أو فنائه، هذا حفظهم من الأرض.

وأما حفظهم من الآدميين، فأخبر أنه حماهم بالرعب، الذي نشره الله عليهم، فلو اطلع عليهم أحد، لامتلأ قلبه رعبا، وولى منهم فرارا، وهذا الذي أوجب أن يبقوا كل هذه المدة الطويلة، وهم لم يعثر عليهم أحد، مع قربهم من المدينة جدا، والدليل على قربهم، أنهم لما استيقظوا، أرسلوا أحدهم، يشتري لهم طعاما من المدينة، وبقوا في انتظاره، فدل ذلك على شدة قربهم منها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وتحسبهم أيقاظا ) أي : منتبهين جمع يقظ ويقظ ( وهم رقود ) نيام جمع راقد مثل قاعد وقعود وإنما اشتبه حالهم لأنهم كانوا مفتحي الأعين يتنفسون ولا يتكلمون .

( ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ) مرة للجنب الأيمن ومرة للجنب الأيسر .

قال ابن عباس : كانوا يقلبون في السنة مرة من جانب إلى جانب لئلا تأكل الأرض لحومهم .

وقيل كان يوم عاشوراء يوم تقلبهم .

وقال أبو هريرة : كان لهم في كل سنة تقلبان .

( ( وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ) أكثر أهل التفسير على أنه كان من جنس الكلاب .

وروي عن ابن جريج : أنه كان أسدا وسمي الأسد كلبا فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي لهب فقال : " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " فافترسه أسد .

والأول أصح .

قال ابن عباس : كان كلبا أغر .

ويروى عنه : فوق القلطي ودون الكردي [ والقلطي : كلب صيني ] .

وقال مقاتل : كان أصفر .

وقال القرظي : كان شدة صفرته تضرب إلى الحمرة .

وقال الكلبي : لونه كالخلنج وقيل : لون الحجر .

قال ابن عباس : كان اسمه قطمير وعن علي : اسمه ريان .

وقال الأوزاعي : بتور .

وقال السدي : تور وقال كعب : صهيلة .

قال خالد بن معدان : ليس في الجنة شيء من الدواب سوى كلب أصحاب الكهف وحمار بلعام .

قوله ( بالوصيد ) قال مجاهد والضحاك : " والوصيد " : فناء الكهف وقال عطاء : " الوصيد " عتبة الباب .

وقال السدي : " الوصيد " الباب وهو رواية عكرمة عن ابن عباس .

فإن قيل : لم يكن للكهف باب ولا عتبة؟

قيل : معناه موضع الباب والعتبة كان الكلب قد بسط ذراعيه وجعل وجهه عليهم .

قال السدي : كان أصحاب الكهف إذا انقلبوا انقلب الكلب معهم وإذا انقلبوا إلى اليمين كسر الكلب أذنه اليمنى ورقد عليها وإذا انقلبوا إلى الشمال كسر أذنه اليسرى ورقد عليها .

( لو اطلعت عليهم ) يا محمد ( لوليت منهم فرارا ) لما ألبسهم الله من الهيبة حتى لا يصل إليهم أحد حتى يبلغ الكتاب أجله فيوقظهم الله تعالى من رقدتهم ( ولملئت منهم رعبا ) خوفا قرأ أهل الحجاز بتشديد اللام والآخرون بتخفيفها .

واختلفوا في أن الرعب كان لماذا قيل من وحشة المكان .

وقال الكلبي : لأن أعينهم كانت مفتحة كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم وهم نيام .

وقيل : لكثرة شعورهم وطول أظفارهم ولتقلبهم من غير حس ولا إشعار .

وقيل : إن الله تعالى منعهم بالرعب لئلا يراهم أحد .

وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : غزونا مع معاوية نحو الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف ، فقال معاوية : لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم .

فقال ابن عباس رضي الله عنهم : لقد منع ذلك من هو خير منك ، فقال : " لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا " فبعث معاوية ناسا فقال : اذهبوا فانظروا فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحا فأخرجتهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وتحسبهم» لو رأيتهم «أيقاظا» أي منتبهين لأن أعينهم منفتحة، جمع يقظ بكسر القاف «وهم رقود» نيام جمع راقد «ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال» لئلا تأكل الأرض لحومهم «وكلبهم باسط ذراعيه» يديه «بالوصيد» بفناء الكهف وكانوا إذا انقلبوا انقلب هو مثلهم في النوم واليقظة «لو اطلعت عليهم لولَّيت منهم فرارا ولملِّئت» بالتشديد والتخفيف «منهم رعْبا» بسكون العين وضمها منعهم الله بالرعب من دخول أحد عليهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وتظن -أيها الناظر- أهل الكهف أيقاظًا، وهم في الواقع نيام، ونتعهدهم بالرعاية، فنُقَلِّبهم حال نومهم مرة للجنب الأيمن ومرة للجنب الأيسر؛ لئلا تأكلهم الأرض، وكلبهم الذي صاحَبهم مادٌّ ذراعيه بفناء الكهف، لو عاينتهم لأدبرت عنهم هاربًا، ولَمُلِئَتْ نفسك منهم فزعًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم صور - سبحانه - بعد ذلك مشهدا عجيبا من أحوال هؤلاء الفتية فقال : ( وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ .

.

.

) .والحسبان بمعنى الظن ، والأيقاظ جمع يقظ وهو ضد النائم ، والرقود : جمع راقد والمراد به هنا : النائم .أى : وتظنهم - أيها المخاطب لو قدر لك أن تراهم - أيقاظا منتبهين ، والحال أنهم رقود أى : نيام .وقالوا : وسبب هذا الظن والحسبان ، أن عيونه كانت مفتوحة ، وأنهم كانوا يتقلبون من جهة إلى جهة ، كما قال - تعالى - بعد ذلك : ( وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال ) .أى : ونحركهم وهم رقود إلى الجهة التى تلى أيمانهم ، وإلى الجهة التى تلى شمائلهم ، رعاية منا لأجسامهم حتى لا تأكل الأرض شيئا منها بسبب طول رقادهم عليهم .وعدد مرات هذا التقليب لا يعلمه إلا الله - تعالى - وما أورده المفسرون فى ذلك لم يثبت عن طريق النقل الصحيح ، لذا ضربنا صفحا عنه .ثم بين - سبحانه - حالة - كلبهم فقال : ( وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوصيد ) .والمراد بالوصيد - على الصحيح - فناء الكهف قريبا من الباب ، أو هو من الباب نفسه ، ومنه قول الشاعر : بأرض فضاء لا يسد وصيدها .

أى : لا يسد بابها .أى : وكلبهم الذى كان معهم فى رحلتهم ماد ذراعيه بباب الكهف حتى لكأنه يحرسهم ويمنع من الوصول إليهم .وما ذكره بعض المفسرين هنا عن اسم الكلب وصفاته ، لم نهتم بذكره لعدم فائدته .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ) .أى .

لو عاينتهم وشاهدتهم - أيها المخاطب - لأعرضت بوجهك عنهم من هول ما رأيت .

ولملئ قلبك خوفا ورعبا من منظرهم .وقد أخذ العلماء من هذه الآية أحكاماً منها : أن صحبة الأخيار لها من الفوائد ما لها .قال ابن كثير - رحمه الله - ربض كلبهم على الباب كما جرت به عادة الكلاب وهذا من سجيته وطبيعته حيث يربض ببابهم كأنه يحرسهم ، وكان جلوسه خارج الباب .

لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب - كما ورد فى الصحيح .

.

وشملت كلبهم بركتهم ، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال ، وهذا فائدة صحبة الأخيار ، فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن .وقال القرطبى - رحمه الله - ما ملخصه : قال ابن عطية : وحدثنى أبى قال : سمعت أبا الفضل الجوهرى فى جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة : إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم ، كلب أحب أهل فضل وصحبهم فذكره الله فى محكم تنزيله .قلت - أى القرطبى - : إذا كان بعض الكلام نال هذه الدرجة العليا بصحبة ومخالطة الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله بذلك فى كتابه ، فما ظنك بالمؤمنين المخالطين المحبين للأولياء .

والصالحين!!

بل فى هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصرين عن درجات الكلمات : المحبين للنبى صلى الله عليه وسلم وآله خير آله .روى فى الصحيح عن أنس قال : " بينا أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم خارجان من المسجد ، فلقينا رجل عند سدة المسجد ، فقال : يا رسول الله .

متى الساعة؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أعدَدْتَ لها؟

" قال : فكأن الرجل استكان ، ثم قال : يا رسول الله ، ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة ، ولكنى أحببت الله ورسوله : قال صلى الله عليه وسلم : " فأنت مع من أحببت " "

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن معنى قوله: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ ﴾ على ما ذكرناه في قوله: ﴿ وَتَرَى الشمس  ﴾ أي لو رأيتهم لحسبتهم ﴿ أَيْقَاظًا ﴾ وهو جمع يقظ ويقظان قاله الأخفش وأبو عبيدة والزجاج وأنشدوا لرؤبة: ووجدوا إخوانهم أيقاظاً *** ومثله قوله نجد ونجدان وأنجاد، وهم رقود أي نائمون وهو مصدر سمي المفعول به كما يقال قوم ركوع وقعود وسجود يوصف الجمع بالمصدر، ومن قال إنه جمع راقد فقد أبعد لأنه لم يجمع فاعل على فعول، قال الواحدي: وإنما يحسبون ﴿ أَيْقَاظًا ﴾ لأن أعينهم مفتحة وهم نيام وقال الزجاج لكثرة تقلبهم يظن أنهم أيقاظ، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَنُقَلّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال ﴾ واختلفوا في مقدار مدة التقليب فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن لهم في كل عام تقليبتين وعن مجاهد يمكثون على أيمانهم تسع سنين ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقوداً تسع سنين وقيل لهم تقليبة واحدة في يوم عاشوراء.

وأقول هذه التقديرات لا سبيل للعقل إليها، ولفظ القرآن لا يدل عليه، وما جاء فيه خبر صحيح فكيف يعرف؟

وقال ابن عباس رضي الله عنهما فائدة تقليبهم لئلا تأكل الأرض لحومهم ولا تبليهم.

وأقول هذا عجيب لأنه تعالى لما قدر على أن يمسك حياتهم مدة ثلثمائة سنة وأكثر فلم لا يقدر على حفظ أجسادهم أيضاً من غير تقليب؟

وقوله: ﴿ ذَاتُ ﴾ منصوبة على الظرف لأن المعنى ﴿ نقلبهم ﴾ في ناحية ﴿ اليمين ﴾ أو على ناحية ﴿ اليمين ﴾ كما قلنا في قوله: ﴿ تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليمين ﴾ وقوله: ﴿ وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ ﴾ قال ابن عباس وأكثر المفسرين قالوا إنهم هربوا ليلاً من ملكهم، فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم ومعه كلبه، وقال كعب مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا مراراً، فقال لهم الكلب ما تريدون مني لا تخشوا جانبي أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم، وقال عبيد بن عمير كان ذلك كلب صيدهم ومعنى: ﴿ باسط ذِرَاعَيْهِ ﴾ أي يلقيهما على الأرض مبسوطتين غير مقبوضتين، ومنه الحديث في الصلاة: أنه نهى عن افتراش السبع وقال: لا تفترش ذراعيك افتراش السبع قوله: ﴿ بالوصيد ﴾ يعني فناء الكهف قال الزجاج الوصيد فناء البيت وفناء الدار وجمعه وصائد ووصد، وقال يونس والأخفش والفراء الوصيد والأصيد لغتان مثل الوكاف والإكاف، وقال السدي: ﴿ الوصيد ﴾ الباب والكهف لا يكون له باب ولا عتبة وإنما أراد أن الكلب منه بموضع العتبة من البيت، ثم قال: ﴿ لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ ﴾ أي أشرفت عليهم يقال اطلعت عليهم أي أشرفت عليهم، ويقال أطلعت فلاناً على الشيء فاطلع وقوله: ﴿ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا ﴾ قال الزجاج قوله: ﴿ فِرَاراً ﴾ منصوب على المصدر لأن معنى وليت منهم فررت: ﴿ وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ﴾ أي فزعاً وخوفاً قيل في التفسير طالت شعورهم وأظفارهم وبقيت أعينهم مفتوحة وهم نيام، فلهذا السبب لو رآهم الرائي لهرب منهم مرعوباً، وقيل: إنه تعالى جعلهم بحيث كل من رآهم فزع فزعاً شديداً، فأما تفصيل سبب الرعب فالله أعلم به.

وهذا هو الأصح وقوله: ﴿ وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ﴾ قرأ نافع وابن كثير لملئت بتشديد اللام والهمزة والباقون بتخفيف اللام، وروى عن ابن كثير بالتخفيف والمعنى واحد إلا أن في التشديد مبالغة، قال الأخفش الخفيفة أجود في كلام العرب، يقال: ملأتني رعباً، ولا يكادون يعرفون ملأتني، ويدل على هذا أكثر استعمالهم كقوله: فيملأ بيتنا أقطاً وسمناً *** وقول الآخر: ومن مالئ عينيه من شيء غيره *** إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى وقال الآخر: لا تملأ الدلو وعرق فيها *** وقال الآخر: امتلأ الحوض وقال قطني *** وقد جاء التثقيل أيضاً، وأنشدوا للمخبل السعدي: وإذا قتل النعمان بالناس محرما *** فملأ من عوف بن كعب سلاسله وقرأ ابن عامر والكسائي رعباً بضم العين في جميع القرآن والباقون بالإسكان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَتَحْسَبُهُمْ ﴾ بكسر السين وفتحها: خطاب لكل أحد والأيقاظ: جمع يقظ، كأنكاد في نكد.

قيل: عيونهم مفتحة وهم نيام، فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظاً وقيل: لكثرة تقلبهم وقيل: لهم تقلبتان في السنة وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء.

وقرئ ﴿ ويقلبهم ﴾ بالياء والضمير لله تعالى.

وقرئ ﴿ وتقلبهم ﴾ على المصدر منصوباً، وانتصابه بفعل مضمر يدل عليه ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا ﴾ كأنه قيل: وترى وتشاهد تقلبهم.

وقرأ جعفر الصادق ﴿ وكالبهم ﴾ أي وصاحب كلبهم ﴿ باسط ذِرَاعَيْهِ ﴾ حكاية حال ماضية؛ لأنّ اسم الفاعل لا يعمل إذا كان في معنى المضي، وإضافته إذا أضيف حقيقية معرفة، كغلام زيد، إلا إذا نويت حكاية الحال الماضية.

والوصيد: الفناء، وقيل: العتبة.

وقيل: الباب.

وأنشد: بِأَرْضٍ فَضَاء لاَ يُسَدُّ وَصِيدُهَا ** عَلَىَّ وَمَعْرُوفِي بِهَا غَيْرُ مُنْكَرِ وقرئ ﴿ ولملئت ﴾ بتشديد اللام للمبالغة.

وقرئ (بتخفيف الهمزة وقلبها ياء).

و ﴿ رُعْبًا ﴾ بالتخفيف والتثقيل، وهو الخوف الذي يرعب الصدر أي يملؤه، وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة.

وقيل: لطول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم.

وقيل: لوحشة مكانهم.

وعن معاوية أنه غزا الروم فمرّ بالكهف فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال له ابن عباس رضي الله عنه: ليس لك ذلك، قد منع الله تعالى منه من هو خير منك فقال: ﴿ لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا ﴾ فقال معاوية، لا أنتهي حتى أعلم علمهم، فبعث ناساً وقال لهم: اذهبوا فانظروا، ففعلوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحاً فأحرقتهم.

وقرئ: ﴿ لوُ اطلعت ﴾ ، بضم الواو.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَتَحْسَبُهم أيْقاظًا ﴾ لِانْفِتاحِ عُيُونِهِمْ أوْ لِكَثْرَةِ تَقَلُّبِهِمْ.

﴿ وَهم رُقُودٌ ﴾ نِيامٌ.

﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ﴾ في رَقْدَتِهِمْ.

﴿ ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ ﴾ كَيْلا تَأْكُلَ الأرْضُ ما يَلِيها مِن أبْدانِهِمْ عَلى طُولِ الزَّمانِ.

وقُرِئَ « ويُقَلِّبُهم» بِالياءِ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، و « تَقَلُّبَهم» عَلى المَصْدَرِ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَحْسَبُهم أيْ وتَرى تَقَلُّبَهم.

﴿ وَكَلْبُهُمْ ﴾ هو كَلْبٌ مَرُّوا بِهِ فَتَبِعَهم فَطَرَدُوهُ فَأنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: أنا أحَبُّ أحِبّاءِ اللَّهِ فَنامُوا وأنا أحْرُسُكم.

أوْ كَلْبُ راعٍ مَرُّوا بِهِ فَتَبِعَهم وتَبِعَهُ الكَلْبُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: « وكالِبُهم» أيْ وصاحِبُ كَلْبِهِمْ.

﴿ باسِطٌ ذِراعَيْهِ ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ ولِذَلِكَ أُعْمِلُ اسْمُ الفاعِلِ.

﴿ بِالوَصِيدِ ﴾ بِفِناءِ الكَهْفِ، وقِيلَ الوَصِيدُ البابُ، وقِيلَ العَتَبَةُ.

﴿ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ فَنَظَرْتَ إلَيْهِمْ، وقُرِئَ « لَوُ اطَّلَعْتَ» بِضَمِّ الواوِ.

﴿ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ﴾ لَهَرَبْتَ مِنهم، و ﴿ فِرارًا ﴾ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّوْلِيَةِ والعِلَّةِ والحالِ.

﴿ وَلَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا ﴾ خَوْفًا يَمْلَأُ صَدْرَكَ بِما ألْبَسَهُمُ اللَّهُ مِنَ الهَيْبَةِ أوْ لِعِظَمِ أجْرامِهِمْ وانْفِتاحِ عُيُونِهِمْ.

وقِيلَ لِوَحْشَةِ مَكانِهِمْ.

وعَنْ مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ غَزا الرُّومَ فَمَرَّ بِالكَهْفِ فَقالَ: لَوْ كَشَفْتَ لَنا عَنْ هَؤُلاءِ فَنَظَرْنا إلَيْهِمْ، فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ قَدْ مَنَعَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ مَن هو خَيْرٌ مِنكَ فَقالَ ﴿ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ﴾ فَلَمْ يَسْمَعْ وبَعَثَ ناسًا فَلَمّا دَخَلُوا جاءَتْ رِيحٌ فَأحْرَقَتْهم.

وقَرَأ الحِجازِيّانِ (لَمُلِّئْتَ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ ﴿ رُعْبًا ﴾ بِالتَّثْقِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وتحسبهم} بفتح السين شامي

(الكهف (١٩ - ١٨)

وحمزة وعاصم غير الأعش وهو خطاب لكل أحد {أَيْقَاظًا} جمع يقظ {وَهُمْ رُقُودٌ} نيام قيل عيونهم مفتحة وهم نيام فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظاً {وَنُقَلّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال} قيل لهم تقلّبتان في السنة وقيل تقلبة واحدة في يوم عاشوراء

{وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ} حكاية حال ماضية لأن اسم الفاعل لا يعمل إذا كان في معنى المضي {بالوصيد} بالفناء أبو بالعتبة {لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ} لو أشرفت عليهم فنظرت إليهم {لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ} لأعرضت عنهم وهربت منهم {فِرَاراً} منصوب على المصدر لأن معنى وليت منهم فررت منهم {ولملئت منهم} وبتشديد اللام حجازي للمبالغة {رُعْبًا} تمييز وبضم العين شامي وعلي وهو الخوف الذي يرعب الصدر أي يملأه وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة أو لطول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم وعن معاوية أنه غزا الروم فمر بالكهف فقال أريد أن أدخل فقال ابن عباس رضي الله عنهما لقد قيل لمن هو خير منك لوليت منهم فراراً فدخلت جماعة بأمره فأحرقتهم ريح

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وتَحْسَبُهُمْ ﴾ بِفَتْحِ السِّينِ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِكَسْرِها؛ أيْ: تَظُنُّهُمْ، والخِطابُ فِيهِ كَما فِيما سَبَقَ.

والظّاهِرُ أنَّ هَذا إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ ولَيْسَ عَلى تَقْدِيرِ شَيْءٍ، وقِيلَ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْ رَأيْتَهم تَحْسَبُهم ﴿ أيْقاظًا ﴾ جَمْعُ يَقِظٍ بِكَسْرِ القافِ كَأنْكادٍ ونَكِدٍ كَما في الكَشّافِ وبِضَمِّها كَأعْضادٍ وعَضُدٍ كَما في الدُّرِّ المَصُونِ.

وفِي القامُوسِ: رَجُلٌ يَقِظٌ كَنَدِسٍ وكَتِفٍ فَحَكى اللُّغَتَيْنِ ضَمَّ العَيْنِ وكَسْرَها وهو اليَقْظانُ، ومَدارُ الحُسْبانِ انْفِتاحُ عُيُونِهِمْ عَلى هَيْئَةِ النّاظِرِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَحْسَبَ الرّائِي ذَلِكَ لِشِدَّةِ الحِفْظِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِمْ وقِلَّةِ التَّغَيُّرِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الغالِبَ عَلى النِّيامِ اسْتِرْخاءٌ وهَيْئاتٌ يَقْتَضِيها النَّوْمُ، فَإذا لَمْ تَكُنْ لِنائِمٍ يَحْسَبُهُ الرّائِي يَقْظانَ وإنْ كانَ مَسْدُودَ العَيْنَيْنِ ولَوْ صَحَّ فَتْحُ أعْيُنِهِمْ بِسَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ كانَ أبْيَنَ في هَذا الحُسْبانِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَدارُهُ كَثْرَةُ تَقَلُّبِهِمْ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِذِكْرِ ذَلِكَ بَعْدُ، وفِيهِ أنَّهُ لا يُلائِمُهُ ﴿ وهم رُقُودٌ ﴾ جَمْعُ راقِدٍ أيْ نائِمٍ، وما قِيلَ إنَّهُ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى الفاعِلِ واسْتَوى فِيهِ القَلِيلُ والكَثِيرُ كَرُكُوعٍ وقُعُودٍ لِأنَّ فاعِلًا لا يُجْمَعُ عَلى فَعَوْلٍ مَرْدُودٌ لِأنَّهُ نَصَّ عَلى جَمْعِهِ كَذَلِكَ النُّحاةُ كَما صَرَّحَ بِهِ في المُفَصَّلِ والتَّسْهِيلِ، وهَذا تَقْرِيرٌ لِما لَمْ يُذْكَرْ فِيما سَلَفَ اعْتِمادًا عَلى ذِكْرِهِ السّابِقِ مِنَ الضَّرْبِ عَلى آذانِهِمْ ﴿ ونُقَلِّبُهُمْ ﴾ في رَقْدَتِهِمْ كَثِيرًا ﴿ ذاتَ اليَمِينِ ﴾ أيْ جِهَةً تَلِي أيْمانَهم ﴿ وذاتَ الشِّمالِ ﴾ أيْ: جِهَةً تَلِي شَمائِلَهم كَيْلا تَأْكُلَ الأرْضُ ما عَلَيْها مِن أبْدانِهِمْ كَما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ وقالَ الإمامُ: إنَّهُ عَجِيبٌ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى الَّذِي قَدَرَ عَلى أنْ يُبْقِيَهم أحْياءً تِلْكَ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ هو عَزَّ وجَلَّ قادِرٌ عَلى حِفْظِ أبْدانِهِمْ أيْضًا مِن غَيْرِ تَقْلِيبٍ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعالى أنْ يَكُونَ حِفْظُ أبْدانِهِمْ بِما جَرَتْ بِهِ العادَةُ وإنْ لَمْ نَعْلَمْ وجْهَ تِلْكَ الحِكْمَةِ، ويَجْرِي نَحْوُ هَذا فِيما قِيلَ في التَّزاوُرِ وأخِيهِ، وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ تَقْلِيبُهم حِفْظًا لِما هو عادَتُهم في نَوْمِهِمْ مِنَ التَّقَلُّبِ يَمِينًا وشِمالًا اعْتِناءً بِشَأْنِهِمْ.

وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إظْهارًا لِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ تَعالى في شَأْنِهِمْ حَيْثُ جَمَعَ تَعالى شَأْنُهُ فِيهِمُ الإنامَةَ الثَّقِيلَةَ المَدْلُولَ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ ﴾ والتَّقْلِيبَ الكَثِيرَ، ومِمّا جَرَتْ بِهِ العادَةُ أنَّ النَّوْمَ الثَّقِيلَ لا يَكُونُ فِيهِ تَقَلُّبٌ كَثِيرٌ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

واخْتُلِفَ في أوْقاتِ تَقْلِيبِهِمْ فَأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم كانُوا يُقَلَّبُونَ في كُلِّ سِتَّةِ أشْهُرٍ مُرَّةً، وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ أبِي عِياضٍ نَحْوَهُ، وقِيلَ: يُقَلَّبُونَ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، وذَلِكَ يَوْمَ عاشُوراءَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ التَّقْلِيبَ في التِّسْعِ سِنِينَ الضَّمِيمَةِ لَيْسَ فِيما سِواها، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ هَذا التَّقْلِيبَ في رَقْدَتِهِمُ الأُولى يَعْنِي الثَّلاثَمِائَةِ سَنَةٍ، وكانُوا يُقَلَّبُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً ولَمْ يَكُنْ في مُدَّةِ الرَّقْدَةِ الثّانِيَةِ يَعْنِي التِّسْعَ.

وتَعَقَّبَ الإمامُ ذَلِكَ بِأنَّ هَذِهِ التَّقْدِيراتِ لا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إلَيْها، ولَفْظُ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلَيْها وما جاءَ فِيها خَبَرٌ صَحِيحٌ انْتَهى.

فَظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ لِمَكانِ المُضارِعِ الدّالِّ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّثْقِيلِ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿ ونُقَلِّبُهُمْ ﴾ إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ، وجَوَّزَ الطِّيبِيُّ بِناءً عَلى ما سَمِعْتُ عَنِ الزَّجّاجِ كَوْنَ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الحالِ وهو كَما تَرى، وقُرِئَ: «ويُقَلِّبُهُمْ» بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ مَعَ التَّشْدِيدِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، وقِيلَ: لِلْمَلَكِ.

وقَرَأ الحَسَنُ فِيما حَكى الأهْوازِيُّ في الإقْناعِ: «ويَقْلِبُهُمْ» بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ وقافٍ ساكِنَةٍ ولامٍ مُخَفَّفَةٍ، وقَرَأ فِيما حَكى ابْنُ جِنِّيٍّ: «وتَقَلُّبَهُمْ» عَلى المَصْدَرِ مَنصُوبًا، ووُجِّهَهُ أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ: «وتَحْسَبُهُمْ» أيْ وتَرى أوْ تُشاهِدُ تَقَلُّبَهُمْ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفْعٌ، وهو عَلى الِابْتِداءِ كَما قالَ أبُو حاتِمٍ والخَبَرُ ما بَعْدُ أوْ مَحْذُوفٌ أيْ: آيَةٌ عَظِيمَةٌ، أوْ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، وحَكى ابْنُ خالَوَيْهِ هَذِهِ القِراءَةَ عَنِ اليَمانِيِّ وذَكَرَ أنَّ عِكْرِمَةَ قَرَأ: «وتَقْلِبُهُمْ» بِالتّاءِ ثالِثَةِ الحُرُوفِ مُضارِعَ قَلَبَ مُخَفَّفًا، ووُجِّهَ بِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ: وأنْتَ تَقْلِبُهُمْ، وجَعَلَ الجُمْلَةَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿ تَحْسَبُهُمْ ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى قُوَّةِ اشْتِباهِهِمْ بِالإيقاظِ بِحَيْثُ إنَّهم يُحْسَبُونَ إيقاظًا في حالِ سَبْرِ أحْوالِهِمْ وقَلْبِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ ﴿ وكَلْبُهُمْ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ الحَيَوانُ المَعْرُوفُ النَّبّاحُ، ولَهُ أسْماءٌ كَثِيرَةٌ أفْرَدَ لَها الجَلالُ السُّيُوطِيُّ رِسالَةً.

قالَ كَعْبُ الأحْبارِ: هو كَلْبٌ مَرُّوا بِهِ فَتَبِعَهم فَطَرَدُوهُ فَعادَ فَفَعَلُوا ذَلِكَ مِرارًا.

فَقالَ لَهُمْ: ما تُرِيدُونَ مِنِّي لا تَخْشَوْا جانِبِي، أنا أُحِبُّ أحِبّاءَ اللَّهِ تَعالى فَنامُوا وأنا أحْرُسُكم.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كَلْبُ راعٍ مَرُّوا بِهِ فَتَبِعَ دِينَهم وذَهَبَ مَعَهم وتَبِعَهُمُ الكَلْبُ، وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: هو كَلْبُ صَيْدِ أحَدِهِمْ، وقِيلَ: كَلْبُ غَنَمِهِ ولا بَأْسَ في شَرِيعَتِنا بِاقْتِناءِ الكَلْبِ لِذَلِكَ، وأمّا فِيما عَداهُ وما عَدا ما أُلْحِقَ بِهِ فَمَنهِيٌّ عَنْهُ، فَفي البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: ««مَنِ اقْتَنى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ أوْ ماشِيَةٍ نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِن عَمَلِهِ قِيراطانِ»، وفي رِوايَةٍ: «قِيراطٌ»،» واخْتُلِفَ في لَوْنِهِ؛ فَأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ سُفْيانَ قالَ: قالَ لِي رَجُلٌ بِالكُوفَةِ يُقالُ لَهُ عُبَيْدٌ وكانَ لا يُتَّهَمُ بِكَذِبٍ: رَأيْتُ كَلْبَ أصْحابِ الكَهْفِ أحْمَرَ كَأنَّهُ كِساءٌ أنْبِجانِيٌّ، وأخْرَجَ عَنْ كَثِيرِ النِّواءِ قالَ: كانَ الكَلْبُ أصْفَرَ، وقِيلَ: كانَ أنْمَرَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وفي اسْمِهِ؛ فَأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قِطْمِيرٌ، وأخْرَجَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قَطْمُورا، وقِيلَ رَيّانُ، وقِيلَ ثَوْرٌ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهو في الكِبَرِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَوْقَ القَلَطِيِّ ودُونَ الكُرْدِيِّ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُبَيْدٍ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُهُ صَغِيرًا زَيْنِيًّا.

قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: يَعْنِي صِينِيًّا، وفي التَّفْسِيرِ الخازِنِيِّ تَفْسِيرُ القَلَطِيِّ بِذَلِكَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالكَلْبِ هُنا الأسَدُ وهو عَلى ما في القامُوسِ أحَدُ مَعانِيهِ.

وقَدْ جاءَ أنَّهُ  دَعا عَلى كافِرٍ بِقَوْلِهِ: ««اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ»» فافْتَرَسَهُ أسَدٌ.

وهُوَ خِلافُ الظّاهِرِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِرَجُلٍ مِن أهْلِ العِلْمِ زَعَمُوا أنَّ كَلْبَهم كانَ أسَدًا فَقالَ: لَعَمْرُ اللَّهِ ما كانَ أسَدًا ولَكِنَّهُ كانَ كَلْبًا أحْمَرَ خَرَجُوا بِهِ مِن بُيُوتِهِمْ يُقالُ: لَهُ قَطْمُورا وأبْعَدُ مِن هَذا زَعْمُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ رَجُلٌ طَبّاخٌ لَهم تَبِعَهُمْ، أوْ أحَدُهم قَعَدَ عِنْدَ البابِ طَلِيعَةً لَهُمْ، نَعَمْ حَكى أبُو عَمْرٍو الزّاهِدِيُّ غُلامُ ثَعْلَبٍ أنَّهُ قُرِئَ: «وكالِئُهُمْ» بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ بَدَلَ الباءِ وألِفٍ بَعْدَ الكافِ مِن كَلَأ إذا حَفِظَ.

ولا يَبْعُدُ فِيهِ أنْ يُرادَ الرَّجُلُ الرَّبِيئَةُ، لَكِنَّ ظاهِرَ القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ يَقْتَضِي إرادَةَ الكَلْبِ المَعْرُوفِ مِنهُ أيْضًا وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِحِفْظِهِ ما اسْتُحْفِظَ عَلَيْهِ وحِراسَتِهِ إيّاهُ.

وقِيلَ في هَذِهِ القِراءَةِ: إنَّها تَفْسِيرٌ أوْ تَحْرِيفٌ.

وقَرَأ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «وكالِبُهُمْ» بِباءٍ مُوَحَّدَةٍ وزِنَةَ اسْمِ الفاعِلِ.

والمُرادُ صاحِبُ كَلْبِهِمْ كَما تَقُولُ لابِنٌ وتامِرٌ؛ أيْ صاحِبُ لَبَنٍ وتَمْرٍ، وجاءَ في شَأْنِ كَلْبِهِمْ أنَّهُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ.

فَعَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ مِنَ الدَّوابِّ إلّا كَلْبُ أصْحابِ الكَهْفِ وحِمارُ بَلْعَمَ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ ناقَةَ صالِحٍ وكَبْشَ إسْماعِيلَ أيْضًا في الجَنَّةِ، ورَأيْتُ أيْضًا أنَّ سائِرَ الحَيَواناتِ المُسْتَحْسَنَةِ في الدُّنْيا كالظِّباءِ والطَّواوِيسِ وما يَنْتَفِعُ بِهِ المُؤْمِنُ كالغَنَمِ تَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلى كَيْفِيَّةٍ تَلِيقُ بِذَلِكَ المَكانِ وتِلْكَ النَّشْأةِ، ولَيْسَ فِيما ذُكِرَ خَبَرٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِيما أعْلَمُ، نَعَمْ في الجَنَّةِ حَيَواناتٌ مَخْلُوقَةٌ فِيها، وفي خَبَرٍ يُفْهَمُ مِن كَلامِ التِّرْمِذِيِّ صِحَّتُهُ التَّصْرِيحُ بِالخَيْلِ مِنها.

واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقَدِ اشْتُهِرَ القَوْلُ بِدُخُولِ هَذا الكَلْبِ الجَنَّةَ حَتّى إنَّ بَعْضَ الشِّيعَةِ يُسَمُّونَ أبْناءَهم بِكَلْبِ عَلِيٍّ ويُؤَمِّلُ مَن سُمِّيَ بِذَلِكَ النَّجاةَ بِالقِياسِ الأوْلَوِيِّ عَلى ما ذُكِرَ ويُنْشِدُ: فِتْيَةُ الكَهْفِ نَجا كَلْبُهُمُ كَيْفَ لا يَنْجُو غَدًا كَلْبُ عَلِيْ ولَعَمْرِي إنْ قَبِلَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ كَلْبًا لَهُ نَجا، ولَكِنْ لا أظُنُّ يَقْبَلُهُ لِأنَّهُ عَقُورٌ ﴿ باسِطٌ ذِراعَيْهِ ﴾ مادُّهُما، والذِّراعُ مِنَ المِرْفَقِ إلى رَأْسِ الأُصْبُعِ الوُسْطى ونُصِبَ ﴿ ذِراعَيْهِ ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ﴿ باسِطٌ ﴾ وعَمِلَ مَعَ أنَّهُ بِمَعْنى الماضِي، واسْمُ الفاعِلِ لا يَعْمَلُ إذا كانَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المُرادَ حِكايَةُ الحالِ الماضِيَةِ.

وذَهَبَ الكِسائِيُّ وهِشامٌ وأبُو جَعْفَرِ بْنُ مَضاءٍ إلى جَوازِ عَمَلِ اسْمِ الفاعِلِ كَيْفَما كانَ فَلا سُؤالَ ولا جَوابَ ﴿ بِالوَصِيدِ ﴾ بِمَوْضِعِ البابِ ومَحَلِّ العُبُورِ مِنَ الكَهْفِ وأنْشَدُوا: بِأرْضٍ فَضاءٍ لا يُسَدُّ وصِيدُها ∗∗∗ عَلَيَّ ومَعْرُوفِي بِها غَيْرُ مُنْكَرِ وهُوَ المُرادُ بِالفِناءِ في التَّفْسِيرِ المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعَطِيَّةَ، وقِيلَ: بِالعَتَبَةِ والمُرادُ بِها ما يُحاذِي ذَلِكَ مِنَ الأرْضِ لا المُتَعارَفِ، فَلا يُقالُ: إنَّ الكَهْفَ لا بابَ لَهُ ولا عَتَبَةَ عَلى أنَّهُ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ الوَصِيدَ الصَّعِيدُ ولَيْسَ بِذاكَ، وذَكَرُوا في حِكْمَةِ كَوْنِهِ بِالوَصِيدِ غَيْرُنا ومَعَهم أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وقَدْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ حارِسًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ يُمْسِكُ عَلَيْهِمْ بابَ الكَهْفِ، وكانَ فِيما قِيلَ: يَكْسِرُ أُذُنَهُ اليُمْنى ويَنامُ عَلَيْها إذا قُلِبُوا ذاتَ اليَمِينِ، ويَكْسِرُ أُذُنَهُ اليُسْرى ويَنامُ عَلَيْها إذا قُلِبُوا ذاتَ الشِّمالِ، والظّاهِرُ أنَّهُ نامَ كَما نامُوا، لَكِنْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْدٍ المَكِّيِّ أنَّهُ جُعِلَ رِزْقُهُ في لَحْسِ ذِراعَيْهِ؛ فَإنَّهُ كالظّاهِرِ أنَّهُ لَمْ يَسْتَغْرِقْ نَوْمُهُ كَما اسْتَغْرَقَ نَوْمُهم ﴿ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ لَوْ عايَنْتَهم وشاهَدَتْهم وأصْلُ الِاطِّلاعِ الوُقُوفُ عَلى الشَّيْءِ بِالمُعايَنَةِ والمُشاهَدَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: «لَوُ اطَّلَعْتَ» بِضَمِّ الواوِ تَشْبِيهًا لَها بِواوِ الضَّمِيرِ فَإنَّها قَدْ تُضَمُّ إذا لَقِيَها ساكِنٌ نَحْوَ: رَمُوا السِّهامَ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ عَنْ شَيْبَةَ وأبِي جَعْفَرٍ.

﴿ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ﴾ أيْ لَأعْرَضْتَ بِوَجْهِكَ عَنْهم وأوْلَيْتَهم كَشْحَكَ، ونُصِبَ ﴿ فِرارًا ﴾ إمّا عَلى المَصْدَرِ لَوَلَّيْتَ؛ إذِ التَّوْلِيَةُ والفِرارُ مِن وادٍ واحِدٍ فَهو كَ «جَلَسْتُ قُعُودًا» أوْ لَفَرَرْتَ مَحْذُوفًا، وإمّا عَلى الحالِيَّةِ بِتَأْوِيلِهِ بِاسْمِ الفاعِلِ أوْ بِجَعْلِهِ مِن بابِ: «فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ»، وإمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ: لَرَجَعْتَ لِأجْلِ الفِرارِ ﴿ ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا ﴾ أيْ: خَوْفًا يَمْلَأُ الصَّدْرَ، ونُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا وهو مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، وكَوْنُ الخَوْفِ يَمْلَأُ مَجازٌ في عَظْمِهِ مَشْهُورٌ كَما يُقالُ في الحُسْنِ: إنَّهُ يَمْلَأُ العُيُونَ.

وفِي البَحْرِ: أبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ المَفْعُولِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا ﴾ لِأنَّ الفِعْلَ لَوْ سُلِّطَ عَلَيْهِ ما تَعَدّى إلَيْهِ تَعِدِيَّ المَفْعُولِ بِهِ بِخِلافِ ما في الآيَةِ، وسَبَبُ ما ذُكِرَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ألْقى عَلَيْهِمْ مِنَ الهَيْبَةِ والجَلالِ ما ألْقى، وقِيلَ: سَبَبُهُ طُولُ شُعُورِهِمْ وأظْفارِهِمْ وصُفْرَةُ وُجُوهِهِمْ وتَغَيُّرُ أطْمارِهِمْ وقِيلَ: إظْلامُ المَكانِ وإيحاشُهُ.

وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ القَوْلَيْنِ لَيْسا بِشَيْءٍ لِأنَّهم لَوْ كانُوا بِتِلْكَ الصِّفَةِ أنْكَرُوا أحْوالَهم ولَمْ يَقُولُوا: ﴿ لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ولِأنَّ الَّذِي بُعِثَ إلى المَدِينَةِ لَمْ يُنْكِرْ إلّا المَعالِمَ والبِناءَ لا حالَ نَفْسِهِ، ولِأنَّهم بِحالَةٍ حَسَنَةٍ بِحَيْثُ لا يُفَرِّقُ الرّائِي بَيْنَهم وبَيْنَ الأيْقاظِ وهم في فَجْوَةٍ مَوْصُوفَةٍ بِما مَرَّ فَكَيْفَ يَكُونُ مَكانُهم مُوحِشًا اه.

وأُجِيبَ بِأنَّهم لا يَبْعُدُ عَدَمُ تَيَقُّظِهِمْ لِحالِهِمْ؛ فَإنَّ القائِمَ مِنَ النَّوْمِ قَدْ يُذْهَلُ عَنْ كَثِيرٍ مِن أُمُورِهِ، ويُدْعى اسْتِمْرارُ الغَفْلَةِ في الرَّسُولِ وإنْكارُهُ لِلْمَعالِمِ لا يُنافِي إنْكارَ النّاسِ لِحالِهِ وكَوْنَهُ عَلى حالَةٍ مُنْكَرَةٍ لَمْ يَتَنَبَّهْ لَها، وأيْضًا يَجُوزُ أنَّهم لَمْ يَطَّلِعُوا عَلى حالِهِمُ ابْتِداءً فَقالُوا: ﴿ لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ثُمَّ تَنَبَّهُوا لَهُ فَقالُوا: ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ﴾ ، وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  ، وذَلِكَ الحالُ إنَّما حَدَثَ بَعْدَ انْتِباهِهِمُ الَّذِي بَعَثُوا فِيهِ رَسُولَهم إلى المَدِينَةِ، وعَلى هَذا لا يَضُرُّ عَدَمُ إنْكارِ الرَّسُولِ حالَ نَفْسِهِ لِأنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ ما يُنْكَرُ بَعْدُ، وإيحاشُ المَكانِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَدَثَ بَعْدُ عَلى هَذا أيْضًا، وذَلِكَ بِتَغَيُّرِهِ بِمُرُورِ الزَّمانِ اه، ولا يَخْفى عَلى مُنْصِفٍ ما في هَذِهِ الأجْوِبَةِ فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ أنَّ السَّبَبَ في ذَلِكَ ما ألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِنَ الهَيْبَةِ وهم في كَهْفِهِمْ، وأنَّ شُعُورَهم وأظْفارَهم إنْ كانَتْ قَدْ طالَتْ فَهي لَمْ تَطُلْ إلى حَدٍّ يُنْكِرُهُ مَن يَراهُ، واخْتارَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُغَيِّرْ حالَهم وهَيْئَتَهم أصْلًا لِيَكُونَ ذَلِكَ آيَةً بَيِّنَةً، والخِطابُ هُنا كالخِطابِ فِيما سَبَقَ، وعَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ لَهُ  يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا باقِينَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي تُوجِبُ فِرارَ المُطَّلِعِ عَلَيْهِمْ ومَزِيدَ رُعْبِهِ إلى ما بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ، فَمَن لا يَقُولُ بِهِ لا يَقُولُ بِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: غَزَوْنا مَعَ مُعاوِيَةَ غَزْوَةَ المَضِيقِ نَحْوَ الرُّومِ فَمَرَرْنا بِالكَهْفِ الَّذِي فِيهِ أصْحابُ الكَهْفِ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ فَقالَ مُعاوِيَةُ: لَوْ كُشِفَ لَنا عَنْ هَؤُلاءِ فَنَظَرْنا إلَيْهِمْ فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، قَدْ مَنَعَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مَن هو خَيْرٌ مِنكَ فَقالَ: ﴿ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا ﴾ فَقالَ مُعاوِيَةُ: لا أنْتَهِي حَتّى أعْلَمَ عِلْمَهُمْ؛ فَبَعَثَ رِجالًا وقالَ: اذْهَبُوا فادْخُلُوا الكَهْفَ وانْظُرُوا فَذَهَبُوا فَلَمّا دَخَلُوهُ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ رِيحًا فَأخْرَجَتْهُمْ، قِيلَ: وكَأنَّ مُعاوِيَةَ إنَّما لَمْ يَجْرِ عَلى مُقْتَضى كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ظَنًّا مِنهُ تَغَيُّرَ حالِهِمْ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ أوْ طَلَبًا لِعِلْمِهِمْ مَهْما أمْكَنَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قالَ: كانَ لِي صاحِبٌ ماضٍ شَدِيدُ النَّفْسِ فَمَرَّ بِجانِبِ الكَهْفِ فَقالَ: لا أنْتَهِي حَتّى أنْظُرَ إلَيْهِمْ فَقِيلَ لَهُ: لا تَفْعَلْ أما تَقْرَأُ: ﴿ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ إلَخْ.

فَأبى إلّا أنْ يَنْظُرَ فَأشْرَفَ عَلَيْهِمْ فابْيَضَّتْ عَيْناهُ وتَغَيَّرَ شَعْرُهُ وكانَ يُخْبِرُ النّاسَ بِأنَّ عِدَّتَهم سَبْعَةٌ، ورُبَّما يُسْتَأْنَسُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأخْبارِ لِوُجُودِهِمُ اليَوْمَ بَلْ لِبَقائِهِمْ عَلى تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي لا يُسْتَطاعُ مَعَها الوُقُوفُ عَلى أحْوالِهِمْ وفي ذَلِكَ خِلافٌ.

فَحَكى السُّهَيْلِيُّ عَنْ قَوْمٍ القَوْلَ بِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنْكارُهُ فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ غَزا مَعَ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَمَرُّوا بِالكَهْفِ فَإذا فِيهِ عِظامٌ، فَقالَ رَجُلٌ: هَذِهِ عِظامُ أهْلِ الكَهْفِ.

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَقَدْ ذَهَبَتْ عِظامُهم مُنْذُ أكْثَرَ مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، ولا يَخْفى ما بَيْنَ هَذا الخَبَرِ والخَبَرِ السّابِقِ عَنْهُ، بَلْ والآخَرِ أيْضًا مِنَ المُخالَفَةِ، والَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ عَدَمُ وُجُودِهِمُ اليَوْمَ، وإنَّهم إنْ كانُوا مَوْجُودِينَ فَلَيْسُوا عَلى تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي أشارَ اللَّهُ تَعالى إلَيْها، وأنَّ الخِطابَ الَّذِي في الآيَةِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وأنَّ المُرادَ مِنها الإخْبارُ عَنْ أنَّهم بِتِلْكَ الحالَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: ««أصْحابُ الكَهْفِ أعْوانُ المَهْدِيِّ»».

عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لا يَدُلُّ عَلى وُجُودِهِمُ اليَوْمَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى القَوْلِ بِعُمُومِ الخِطابِ لَيْسَ مِنَ الأفْرادِ المُعَيَّنَةِ بِهِ؛ لِأنَّهُ  اطَّلَعَ عَلى ما هو أعْظَمُ مِنهم مِن مَلَكُوتِ السَّمَواتِ والأرْضِ، ومِن جَعَلَهُ  مُعَيَّنًا قالَ: المُرادُ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا بِحُكْمِ جَرْيِ العادَةِ والطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ وعَدَمِ تَرَتُّبِ الجَزاءِ عَلى اطِّلاعِهِ  عَلى ما هو أعْظَمُ مِنهم أمْرٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ ومَنُوطٌ بِقُوَّةٍ مَلَكِيَّةٍ بَلْ بِما هو فَوْقَها أوِ المُرادُ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ بِنَفْسِكَ مِن غَيْرِ أنْ نُطْلِعَكَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا إلَخْ.

واطِّلاعُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما اطَّلَعَ عَلَيْهِ كانَ بِإطْلاعِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إيّاهُ، وفَرْقٌ بَيْنَ الِاطِّلاعَيْنِ.

يُحْكى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وجِعَهُ بَطْنُهُ فَشَكى إلى رَبِّهِ سُبْحانَهُ فَقالَ لَهُ: اذْهَبْ إلى نَباتِ كَذا في مَوْضِعِ كَذا فَكُلْ مِنهُ، فَذَهَبَ وأكَلَ فَذَهَبَ ما كانَ يَجِدُ، ثُمَّ عاوَدَهُ ذَلِكَ بَعْدَ سَنَواتٍ فَذَهَبَ إلى ذَلِكَ النَّباتِ فَأكَلَ مِنهُ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ.

فَقالَ: يا رَبِّ، أنْتَ أعْلَمُ وجِعَنِي بَطْنِي في سَنَةِ كَذا فَأمَرْتَنِي أنْ أذْهَبَ إلى نَباتِ كَذا فَذَهَبْتُ فَأكَلْتُ فانْتَفَعْتُ ثُمَّ عاوَدَنِي ما كُنْتُ أجِدُ فَذَهَبْتُ إلى ذَلِكَ وأكَلْتُ فَلَمْ أنْتَفِعْ فَقالَ سُبْحانَهُ: أتَدْرِي يا مُوسى ما سَبَبُ ذَلِكَ؟

قالَ: لا يا رَبِّ، قالَ: السَّبَبُ أنَّكَ في المَرَّةِ الأُولى ذَهَبْتَ مِنّا إلى النَّباتِ، وفي المَرَّةِ الثّانِيَةِ ذَهَبْتَ مِن نَفْسِكَ إلَيْهِ.

ومِمّا يُسْتَهْجَنُ مِنَ القَوْلِ ما يُحْكى عَنْ بَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ أنَّهُ سَمِعَ قارِئًا يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: لَوِ اطَّلَعْتُ أنا ما ولَّيْتُ مِنهم فِرارًا، وما مُلِئْتُ مِنهم رُعْبًا.

وما نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنَ الجَوابِ بِأنَّ مُرادَ قائِلِهِ إثْباتُ مَرْتَبَةِ الطُّفُولِيَّةِ لِنَفْسِهِ فَإنَّ الطِّفْلَ لا يَهابُ الحَيَّةَ مَثَلًا إذا رَآها ولا يُفَرِّقُ بَيْنَها وبَيْنَ الحَبْلِ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أنَّ مُرادَهُ ذَلِكَ لا يَدْفَعُ الِاسْتِهْجانَ، وذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ مَن قالَ: سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَعْلَمُ الغَيْبَ عَلى مَعْنى أنَّهُ لا غَيْبَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَتَعَلَّقَ بِهِ عِلْمُهُ، ولَنِعْمَ ما قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كَلِّمُوا النّاسَ بِما يَفْهَمُونَ، أتُرِيدُونَ أنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ  ؟

هَذا وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والحَرَمِيّانِ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «ولَمُلِّئْتَ» بِتَشْدِيدِ اللّامِ والهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِتَشْدِيدِ اللّامِ وقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِالتَّخْفِيفِ والقَلْبِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى: «رُعُبًا» بِضَمِّ العَيْنِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ، أي تميل وتنحرف عن كهفهم.

ذاتَ الْيَمِينِ، وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ، أي تجاوزهم.

ويقال: تتركهم وتمر بهم، وأصل القرض: القطع، ومنه سمي المقراض.

ذاتَ الشِّمالِ، أي شمال الكهف.

وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ، أي في ناحية من الغار، ويقال: في متسع منه.

فأخبر أنه بوأهم كهفاً مستقبلاً بنات نعش، والشمس تميل عنه وتستدير طالعة وغاربة، ولا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرّها، ولا يحلفهم سمومها فيغير ألوانهم وتبلى أبدانهم، وكانوا في متسع منه ينالهم نسيم الريح، وينفي عنهم غمة الغار، والغمة: الهواء العفن، ويجوز الرفع النصب فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ الغار وكربه.

قوله: ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ، أي: ذلك الخبر والذكر، ويقال: ذلك الذي فعل بهم واختار لهم المكان الموافق من عجائب الله ولطفه وكرمه.

مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، أي من يوفقه الله للهدى فهو المهتدي.

وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً، أي موفقاً يرشده إلى التوحيد.

قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً بنصب الميم وكسر الفاء، والباقون بكسر الميم ونصب الفاء ومعناهما واحد، وهو ما يرتفق به.

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: تَتَزاوَرُ بتشديد الزاي مع الألف، لأن أصله: تتزاور أي: تميل، فأدغم وشدد الزاي.

وقرأ ابن عامر تَزْورُّ بجزم الزاي وتشديد الراء، ومعنى ذلك كله واحد وهو الميل.

قال الله تعالى: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ، لأن عيونهم كانت مفتحة، ويقال: من كثرة تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال.

وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وذلك أن جبريل  كان يقلبهم في كل سنة مرة لكيلا تأكل الأرض لحومهم، وهو قول ابن عباس.

وقال مجاهد: مكثوا ثلاثمائة عام على شق واحد، وقلبوا في التسع سنين.

وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ، أي مَاداً ذراعيه بفناء الباب.

لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً، أي لو هجمت عليهم اليوم، لأدبرت فراراً من هيئتهم.

وروى سعيد بن جابر، عن ابن عباس أنه قال: «غزا معاوية غزوة نحو الروم، فمروا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف، فقال معاوية: لو كشفنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال ابن عباس: قد منع الله ذلك عمن هو خير منك، يعني: قال للنبي  لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً فقال معاوية: «لا أنتهي حتى أعلم علمهم، فبعث أناسا، فقال: اذهبوا فادخلوا الكهف، فلما ذهبوا ودخلوا، بعث الله تعالى ريحاً فأخرجتهم» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الهُرُوب إلى اللَّه ومنابذة النَّاس كما تقول: قَامَ فُلاَنٌ إِلى أمْرِ كذا إذا اعتزم عليه بغايةِ الجِدِّ، وبهذه الألفاظ التي هي: قامُوا فَقالُوا، تعلَّقتِ الصوفيَّة في القيامِ والقَوْل، «والشَّطَط» : الجَوْر وتعدِّي الحدِّ والحقِّ بِحَسَبِ أَمْرٍ أَمْرٍ، و «السلطان» : الحجة، وقال قتادة: المعنى بعذرٍ «١» بيِّن، ثم عظموا جرم الداعين مع اللَّه غيره، وظُلُمَهم بقولهم: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً، وقولهم: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ ...

الآية: المعنى قال بعضهم لبعضٍ، وبهذا يترجَّح أن قوله تعالى: إِذْ قامُوا فَقالُوا إنما المراد به إِذ عزموا ونَفَذُوا لأمْرهم، وفي مصحف ابن مسعود: «ومَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» ، ومضمَّن هذه الآية الكريمة أن بعضهم قال لبعض: إِذ قد فارَقْنَا الكفَّار، وانفردْنا باللَّه تعالى، فلنجعل الكَهْفَ مأوًى، ونَّتكل على اللَّهِ تعالى، فإنه سيبسُطُ علينا رحمته، وينشرها علينا ويهيِّىءُ لنا من أمرنا مرفقاً، وهذا كله دعاءٌ بحَسَب الدنيا، وهم على ثِقَة من اللَّه في أمر آخرتهم، وقرأ نافع وغيره: «مَرْفِقاً» بفتح الميم وكسر الفاء، وقرأ حمزة وغيره بكسر الميم وفتح الفاء، ويقالان معاً في الأمر، وفي الجارحة، حكاه الزَّجَّاج «٢» .

وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (١٨)

وقوله سبحانه: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وتَتَزاوَرُ، أي: تميل، وتَقْرِضُهُمْ معناه/ تتركهم، والمعنى: أنهم كانوا لا تصيبهم شمْسٌ البتة، وهو قول ابن عباس «٣» ، وحكى الزَّجَّاج «٤» وغيره، قال: كان بابُ الكَهْف ينْظُرُ إِلى بناتِ نَعْشٍ، وذهب الزَّجَّاج «٥» إِلى أن فعْلَ الشمس كان آيةً من اللَّه تعالى دون أنْ يكون باب الكهْفِ إِلى جهة توجِبُ ذلك، وال فَجْوَةٍ: المتَّسِعَ، قال قتادة: في فضاء منه ومنه الحديث: «فَإِذَا وَجَدَ فجوة نصّ» «٦» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَحْسَبُهم أيْقاظًا ﴾ ؛ أيْ: لَوْ رَأيْتَهم لَحَسِبْتَهم أيْقاظًا.

قالَ الزَّجّاجُ: الأيْقاظُ: المُنْتَبِهُونَ، واحِدُهُمْ: يَقِطٌ ويَقْظانٌ، والجَمِيعُ: أيْقاظٌ، والرُّقُودُ: النِّيامُ.

قالَ الفَرّاءُ: واحِدُ الأيْقاظِ: يَقُظٌ ويَقِظٌ.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: وإنَّما يُحْسَبُونَ أيْقاظًا؛ لِأنَّ أعْيُنَهم مُفَتَّحَةً وهم نِيامٌ.

وقِيلَ: لِتَقَلُّبِهِمْ يَمِينًا وشِمالًا.

وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ وجْهَ الحِكْمَةِ في فَتْحِ أعْيُنِهِمْ، أنَّهُ لَوْ دامَ طَبْقَها لَذابَتْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: ( وتُقَلِّبُهم ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، وسُكُونِ القافِ، وتَخْفِيفِ اللّامِ المَكْسُورَةِ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ وعِكْرِمَةُ: ( ونُقَلِّبُهم ) مِثْلُها، إلّا أنَّهُ بِالنُّونِ.

﴿ ذاتَ اليَمِينِ ﴾ ؛ أيْ: عَلى أيْمانِهِمْ وعَلى شَمائِلِهِمْ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يُقَلَّبُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّتَيْنِ، سِتَّةِ أشْهُرٍ عَلى هَذا الجَنْبِ، وسِتَّةِ أشْهُرٍ عَلى هَذا الجَنْبِ؛ لِئَلّا تَأْكُلَ الأرْضُ لُحُومَهم.

وقالَ مُجاهِدٌ: كانُوا ثَلاثَمِائَةِ عامٍ عَلى شِقٍّ واحِدٍ، ثُمَّ قُلِّبُوا تِسْعَ سِنِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ ﴾ أخْبَرَ أنَّ الكَلْبَ كانَ عَلى مِثْلِ حالِهِمْ في النَّوْمِ، وهو في رَأْيِ العَيْنِ مُنْتَبِهٌ.

وفي " الوَصِيدِ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الفِناءُ فِناءُ الكَهْفِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ.

قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: الوَصِيدُ والأصِيدُ لُغَتانِ، مِثْلُ: الإكْفافِ والوِكافِ، وأرَّخْتُ الكِتابَ ووَرَّخْتُ، ووَكَّدْتُ الأمْرَ وأكَّدْتُ، وأهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: الوَصِيدُ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: الأصِيدُ، وهو الحَظِيرَةُ والفِناءُ.

والثّانِي: أنَّهُ البابُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَيَكُونُ المَعْنى: وكَلْبُهم باسِطٌ ذِارَعَيْهِ بِالبابِ، قالَ الشّاعِرُ: بِأرْضٍ فَضاءٍ لا يُسَدُّ وصَيْدُها عَلَيَّ ومَعْرُوفِي بِها غَيْرُ مُنْكِرِ والثّالِثُ: أنَّهُ الصَّعِيدُ، وهو التُّرابُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ عَنْهُما.

والرّابِعُ: أنَّهُ عَتَبَةُ البابِ، قالَهُ عَطاءٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: أوْصِدْ بابَكَ؛ أيْ: أغْلِقْهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ  ﴾ ؛ أيْ: مُطْبَقَةً مُغْلَقَةً، وأصْلُهُ أنْ تُلْصِقَ البابَ بِالعَتَبَةِ إذا أغْلَقْتَهُ، ومِمّا يُوَضِّحُ هَذا أنَّكَ إذا جَعَلْتَ الكَلْبَ بِالفِناءِ كانَ خارِجًا مِنَ الكَهْفِ، وإنْ جَعَلْتَهُ بِعَتَبَةِ البابِ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ داخِلَ الكَهْفِ، والكَهْفُ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بابٌ وعَتَبَةٌ، فَإنَّما أرادَ أنَّ الكَلْبَ مَوْضِعُ العَتَبَةِ مِنَ البَيْتِ، فاسْتُعِيرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ \[ وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو حَصِينٍ: ( لَوِ اطَّلَعْتَ ) بِضَمِّ الواوِ \]، ﴿ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ﴾ رَهْبَةً لَهُمْ، ﴿ وَلَمُلِئْتَ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( ولَمُلِئْتَ ) خَفِيفَةً مَهْمُوزَةً.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ: ( ولَمُلِّئْتَ ) مُشَدَّدَةً مَهْمُوزَةً.

﴿ رُعْبًا ﴾ ؛ [ أيْ ]: فَزَعًا وخَوْفًا، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَهم بِالرُّعْبِ؛ لِئَلّا يَدْخُلَ إلَيْهِمْ أحَدٌ.

وقِيلَ: إنَّهم طالَتْ شُعُورُهم وأظْفارُهم جِدًّا، فَلِذَلِكَ كانَ الرّائِي لَهم لَوْ رَآَهم هَرَبَ مَرْعُوبًا، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَرى الشَمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عن كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِمالِ وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ مِن يَهْدِ اللهِ فَهو المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا ﴾ ﴿ وَتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ ونُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِمالِ وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا ﴾ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ اقْتِضابٌ يُبَيِّنُهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ، وتَقْدِيرُهُ: فَآوَوْا وضَرَبَ اللهُ عَلى آذانِهِمْ، ومَكَثُوا كَذَلِكَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "تَزّاوَرُ" بِتَشْدِيدِ الزايِ وإدْغامِ التاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَزاوَرُ" بِتَخْفِيفِها، بِتَقْدِيرِ: تَتَزاوَرُ، فَحُذِفَتْ إحْدى التاءَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ: (تَزْوَرُّ) في وزْنٍ تَحْمَرُّ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو رَجاءٍ: "تَزْوارُّ" بِألْفٍ بَعْدِ الواوِ.

ومَعْنى اللَفْظَةِ عَلى كُلِّ هَذا التَصْرِيفِ: تَعْدِلُ وتَرُوغُ وتَمِيلُ، وهَذِهِ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ، أمّا إنَّ الأخْفَشَ قالَ: "تَزْوَرُّ" مَعْناهُ: تَنْقَبِضُ، والزَوْرُ: المَيْلُ، والأزْوَرُ في العَيْنِ: المائِلُ النَظَرِ إلى ناحِيَةٍ، ويُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ العَيْنِ، كَقَوْلِ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ: وجَنْبِي خِيفَةَ القَوْمِ أزْوَرُ ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ عنتَرَةَ: فازْوَرَّ مِن وقَعَ القَنا بِلَبانِهِ ومِنهُ قَوْلُ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ: تَؤُمُّ بِها الحُداةُ مِياهَ نَخْلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وفِيها عن أبانَيْنِ ازْوِرارُ وَفِي حَدِيثِ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ أنَّ النَبِيَّ  رَأى في سَرِيرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ ازْوِرارًا عن سَرِيرَيْ جَعْفَرٍ وزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَقْرِضُهُمْ" بِالتاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَقْرِضُهُمْ" بِالياءِ، أيِ الكَهْفِ، كَأنَّهُ مِنَ القَرْضِ وهو القَطْعُ، أيْ: يَقْتَطِعُهُمُ الكَهْفُ بِظِلِّهِ مِن ضَوْءِ الشَمْسِ.

وجُمْهُورُ مَن قَرَأ بِالتاءِ فالمَعْنى أنَّهم كانُوا لا تُصِيبُهم شَمْسٌ البَتَّةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَيَتَأوَّلُونَ "تَقْرِضُهُمْ" بِمَعْنى: تَتْرُكُهُمْ، أيْ: كَأنَّها عِنْدَهُ تَقْطَعُ كُلَّ ما لا تَنالُهُ عن نَفْسِها، وفِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ بِالتاءِ تَأوَّلَتْ أنَّها كانَتْ بِالعَشِيِّ تَنالُهم فَكَأنَّها "تَقْرِضُهُمْ"، أيْ تَقْتَطِعُهم مِمّا لا تَنالُهُ، وقالُوا: كانَ في مَسِّها لَهم بِالعَشِيِّ صَلاحٌ لِأجْسامِهِمْ.

وحَكى الطَبَرِيٌّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: قَرَضْتُ مَوْضِعَ كَذا، أيْ قَطَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: إلى ظُعُنٍ يَقْرِضْنَ أجْوازَ مُشْرِفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ شِمالًا وعن أيْمانِهِنَّ الفَوارِسُ ومِنهُ: أقْرِضْنِي دِرْهَمًا، أيِ: اقْطَعْهُ لِي مِن مالِكَ.

وهَذِهِ الصِفَةُ مَعَ الشَمْسِ تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ لَهم حاجِبٌ مِن جِهَةِ الجَنُوبِ، وحاجِبٌ مِن جِهَةِ الدَبُّورِ، وهم في زاوِيَتِهِ.

وحَكى الزَجّاجُ وغَيْرُهُ قالَ: كانَ بابُ الكَهْفِ يَنْظُرُ إلى بَناتِ نَعْشٍ، وقالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وهَذا نَحْوَ ما قُلْناهُ، غَيْرَ أنَّ الكَهْفَ كانَ مَسْتُورَ الأعْلى مِنَ المَطَرِ.

وذَهَبَ الزَجّاجُ إلى أنَّ فِعْلَ الشَمْسِ كانَ آيَةً مِنَ اللهِ تَعالى دُونَ أنْ يَكُونَ بابُ الكَهْفِ إلى جِهَةٍ تُوجِبُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذاتَ اليَمِينِ ﴾ ﴿ وَذاتَ الشِمالِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ذاتَ يَمِينِ الكَهْفِ، بِأنْ تُقَدِّرَ بابَ الكَهْفِ بِمَثابَةِ وجْهِ إنْسانٍ، فَإنَّ الشَمْسَ تَجِيءُ مِنهُ أوَّلَ النَهارِ عن يَمِينٍ وآخِرَهِ عن شِمالٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ذاتَ يَمِينِ الشَمْسِ وذاتَ شِمالِها، بِأنْ نُقَدِّرَ الشُعاعَ المُمْتَدَّ مِنها إلى الكَهْفِ بِمَثابَةِ وجْهِ الإنْسانِ.

والوَجْهُ الأوَّلُ أوضَحُ.

و"الفَجْوَةُ": المُتَّسِعُ، وجَمْعُها فِجاءٌ، قالَ قَتادَةُ: في فَضاءٍ مِنهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «كانَ رَسُولُ اللهِ  يَسِيرُ العَنَقَ، فَإذا وجَدَ فَجْوَةً نَصَّ.» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ﴿ فِي فَجْوَةٍ مِنهُ ﴾ : في مَكانٍ داخِلٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ ﴾ الإشارَةُ إلى الأمْرِ بِجُمْلَتِهِ، وعَلى قَوْلِ الزَجّاجِ "إنَّ الشَمْسَ كانَتْ تَزاوَرُ وتَقْرِضُ دُونَ حِجابٍ" تَكُونُ الإشارَةُ إلى هَذا المَعْنى خاصَّةً.

ثُمَّ تابَعَ بِتَعْظِيمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ والتَسْلِيمِ لَهُ وما يَقْتَضِي صَرْفَ الآمالِ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ ﴾ الآيَةَ.

صِفَةُ حالٍ قَدْ نَقَضَتْ، وجاءَتْ أفْعالُها مُسْتَقْبِلَةً تَجَوُّزًا واتِّساعًا.

و"أيْقاظًا" جَمْعُ يَقِظٍ، كَعَضُدٍ وأعْضادٍ، وهو المُنْتَبِهُ.

قالَ أهْلُ التَفْسِيرِ: كانَتْ أعْيُنُهم مَفْتُوحَةً وهم نائِمُونَ، فَلِذَلِكَ كانَ الرائِي يَحْسَبُهم أيْقاظًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَحْسَبَ الرائِي ذَلِكَ لِشِدَّةِ الحِفْظِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِمْ، وقِلَّةِ التَغَيُّرِ، وذَلِكَ أنَّ الغالِبَ عَلى النُوّامِ أنْ يَكُونَ لَهُمُ اسْتِرْخاءٌ وهَيْئاتٌ تَقْتَضِي النَوْمَ، ورَبَّ نائِمٍ عَلى أحْوالٍ لَمْ تَتَغَيَّرْ عن حالَةِ اليَقَظَةِ، فَيَحْسَبُهُ الرائِي يَقْظانًا وإنْ كانَ مَسْدُودَ العَيْنِ، ولَوْ صَحَّ فَتْحُ أعْيُنِهِمْ بِسَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ كانَ أبْيَنَ في أنْ يَحْسِبَ عَلَيْهِمُ التَيَقُّظَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَنُقَلِّبُهُمْ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَتَقَلُّبُهُمْ" بِالتاءِ المَفْتُوحَةِ وضَمَّ اللامَ والباءَ، وهو مَصْدَرٌ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.

وحَكى ابْنُ جِنِّيٍّ القِراءَةَ عَنِ الحَسَنِ بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ اللامِ وفَتْحِ الباءِ، وقالَ: هَذا نَصْبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قالَ: وتَرى، أو تُشاهِدُ تَقَلُّبَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأبُو حاتِمٍ أثْبَتُ.

ورَأتْ فِرْقَةٌ أنَّ التَقَلُّبَ هو الَّذِي مِن أجْلِهِ كانَ الرائِي يَحْسَبُهم أيْقاظًا.

وهَذا -وَإنْ كانَ التَقَلُّبُ لِمَن صادَفَ رُؤْيَتَهُ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ- فَإنَّ ألْفاظَ الآيَةِ لَمْ تَسُقْهُ إلّا خَبَرًا مُسْتَأْنِفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ هَذا التَقْلِيبُ مَرَّتَيْنِ في السَنَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كُلُّ سَنَةٍ مَرَّةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كُلُّ سَبْعِ سِنِينَ مَرَّةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما قُلِّبُوا في التِسْعِ الأواخِرِ، وأمّا في الثَلاثِمِائَةِ فَلا.

وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ تَقَلُّبَهم إنَّما كانَ حِفْظًا مِنَ الأرْضِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: لَوْ مَسَّتْهُمُ الشَمْسُ لَأحْرَقَتْهُمْ، ولَوْلا التَقْلِيبُ لِأكْلَتِهِمُ الأرْضُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وآيَةُ اللهِ تَعالى في نَوْمِهِمْ هَذِهِ المُدَّةَ الطَوِيلَةَ وحَياتِهِمْ دُونَ تَغَذٍّ أذْهَبُ في الغَرابَةِ مِن حِفْظِهِمْ مَعَ مَسِّ الشَمْسِ ولُزُومِ الأرْضِ، ولَكِنَّها رِواياتٌ تَخْتَلِفُ وتُتَأمَّلُ بَعْدُ، وظاهِرُ كَلامِ المُفَسِّرِينَ أنَّ التَقَلُّبَ كانَ بِأمْرِ اللهِ تَعالى وفَعَلَ مَلائِكَتِهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإقْدارِ اللهِ إيّاهم عَلى ذَلِكَ وهم في غَمْرَةِ النَوْمِ لا يَنْتَبِهُونَ كَما يَعْتَرِي كَثِيرًا مِنَ النُوّامِ؛ لِأنَّ القَوْمَ لَمْ يَكُونُوا مَوْتى.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَكَلْبُهُمْ".

أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ كَلْبٌ حَقِيقَةً، كانَ لِصَيْدِ أحَدِهِمْ فِيما رُوِيَ، وقِيلَ: كانَ لِراعٍ مُرُوا عَلَيْهِ فَصَحِبَهم وتَبِعَهُ الكَلْبُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتُ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيَّ في جامِعِ مِصْرَ يَقُولُ عَلى مِنبَرِ وعْظِهِ سَنَةَ تِسْعٍ وسِتِّينَ وأرْبَعِمِائَةٍ: إنَّ مَن أحَبَّ أهْلَ الخَيْرِ نالَ مِن بَرَكَتِهِمْ، كَلْبٌ أحَبَّ أهْلَ فَضَلٍ وصَحِبَهم فَذَكَرَهُ اللهُ تَعالى في مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ.

وقِيلَ: كانَ أنْمَرَ، وَقِيلَ: كانَ أحْمَرَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ رَجُلًا طَبّاخًا لَهُمْ، حَكاهُ الطَبَرِيٌّ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ أحَدُهُمْ، وكانَ قَعَدَ عِنْدَ بابِ الغارِ طَلِيعَةً لَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَسُمِّي بِاسْمِ الحَيَوانِ المُلازِمِ لِذَلِكَ المَوْضِعِ مِنَ الناسِ، كَما سُمِّيَ النَجْمُ التابِعُ لِلْجَوْزاءِ كَلْبًا لِأنَّهُ مِنها كالكَلْبِ مِنَ الإنْسانِ، ويُقالُ لَهُ: كَلْبُ الجَبّارِ.

أمّا أنَّ هَذا القَوْلَ يُضْعِفُهُ ذِكْرُ بَسْطِ الذِراعَيْنِ فَإنَّهُما في العُرْفِ مِن صِفَةِ الكَلْبِ حَقِيقَةً، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "وَلا يَبْسُطْ أحَدُكم ذِراعَيْهِ في السُجُودِ انْبِساطَ الكَلْبِ"،» وقَدْ حَكى أبُو عُمَرَ المُطَرِّزُ في كِتابِ اليَواقِيتِ أنَّهُ قُرِئَ: "وَكالِبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ"، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الكالِبِ" هَذا الرَجُلُ، عَلى ما رُوِيَ؛ إذْ بَسْطُ الذِراعَيْنِ واللُصُوقِ بِالأرْضِ مَعَ رَفْعِ الوَجْهِ لِلتَّطَلُّعِ هي هَيْئَةُ الرَبِيئَةِ، المُسْتَخْفِي بِنَفْسِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الكالِبِ" الكَلْبَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ باسِطٌ ذِراعَيْهِ ﴾ أعْمَلَ اسْمَ الفاعِلِ وهو بِمَعْنى المُضِيِّ لِأنَّها حِكايَةٌ، ولَمْ يَقْصِدِ الإخْبارَ عن فِعْلِ الكَلْبِ.

و"الوَصِيدُ": العَتَبَةُ الَّتِي لِبابِ الكَهْفِ، أو مَوْضِعُها حَيْثُ لَيْسَتْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: الوَصِيدُ: الفَناءُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الوَصِيدُ: البابُ، وقالَ ابْنٌ جُبَيْرٍ أيْضًا: الوَصِيدُ: التُرابُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والبابُ المُوصَدُ هو المُغْلَقُ، أيْ: قَدْ وقَفَ عَلى وصِيدِهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى ما حَفَّهم مِنَ الرُعْبِ واكْتَنَفَهم مِنَ الهَيْبَةِ، وقَرَأ: "لَوِ اطَّلَعَتْ" بِكَسْرِ الواوِ جُمْهُورُ القُرّاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "لَوُ اطَّلَعَتْ" بِضَمِّها، وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ عن نافِعٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وأهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ: "لَمُلِّئَتْ" بِشَدِّ اللامِ عَلى تَضْعِيفِ المُبالِغَةِ، أيْ: مُلِئَتْ ثُمَّ مُلِئَتْ، وقَرَأ الباقُونَ: "لَمُلِئَتْ" بِتَخْفِيفِ اللامِ، والتَخْفِيفُ أشْهَرُ في اللُغَةِ، وقَدْ جاءَ التَثْقِيلُ في قَوْلِ المُخَبَّلِ السَعْدِيِّ: وإذْ فَتَكَ النُعْمانُ بِالناسِ مُحْرِمًا ∗∗∗ ∗∗∗ فَمُلِّئَ مِن كَعْبِ بْنِ عَوْفٍ سَلاسِلُهُ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما حَفَّهم هَذا الرُعْبُ لِطُولِ شُعُورِهِمْ وأظْفارِهِمْ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ والزَجّاجُ، وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ، ولَوْ كانَتْ حالُهم هَكَذا، لَمْ يَقُولُوا: ﴿ لَبِثْنا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ  ﴾ ، وإنَّما الصَحِيحُ في أمْرِهِمْ، أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ حَفِظَ لَهُمُ الحالَةَ الَّتِي قامُوا عَلَيْها لِتَكُونَ لَهم ولِغَيْرِهِمْ فِيهِمْ آيَةٌ، فَلَمْ يَبْلَ لَهم ثَوْبٌ، ولا تَغَيَّرَتْ صِفَةٌ، ولا أنْكَرَ الناهِضُ إلى المَدِينَةِ إلّا مَعالِمَ الأرْضِ والبِناءِ، ولَوْ كانَتْ في نَفْسِهِ حالَةٌ يُنْكِرُها لَكانَتْ عَلَيْهِ أهَمَّ، ولِرُوِيَ ذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رُعْبًا" بِسُكُونِ العَيْنِ، وقَرَأ "رُعُبًا" بِضَمِّها أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى، قالَ أبُو حاتِمٍ: هُما لُغَتانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال ﴾ عطف على بقية القصة، وما بينهما اعتراض.

والخطاب فيه كالخطاب في قوله: ﴿ وترى الشمس ﴾ [الكهف: 17].

وهذا انتقال إلى ما في حالهم من العبرة لمن لو رآهم من الناس مُدمَج فيه بيان كرامتهم وعظيم قدرة الله في شأنهم، وهو تعجيب من حالهم لمن لو رآه من الناس.

ومعنى حسبانهم أيقاضاً: أنهم في حالة تشبه حال اليقظة وتخالف حال النوم، فقيل: كانت أعينهم مفتوحة.

وصيغ فعل تحسبهم} مضارعاً للدلالة على أن ذلك يتكرر مدة طويلة.

والأيقاظ: جمع يَقِظ، بوزن كتف، وبضم القاف بوزن عَضُد.

والرقود: جمع راقد.

والتقليب: تغيير وضع الشيء من ظاهره إلى باطنه، قال تعالى: ﴿ فأصبح يقلب كفيه ﴾ [الكهف: 42].

وذات اليمين وذات الشمال} أي إلى جهة أيمانهم وشمائلهم.

والمعنى: أنّ الله أجرى عليهم حال الأحياء الأيقاظ فجعلهم تتغير أوضاعهم من أيمانهم إلى شمائلهم والعكس، وذلك لحكمة لعل لها أثراً في بقاء أجسامهم بحالة سلامة.

والإتيان بالمضارع للدلالة على التجدد بحسب الزمن المحكي.

ولا يلزم أن يكونوا كذلك حين نزول الآية.

﴿ وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد ﴾ هذا يدل على أن تقليبهم لليمين وللشمال كرامة لهم بمنحهم حالة الأحياء وعناية بهم، ولذلك لم يذكر التقليب لكلبهم بل استمر في مكانه باسطاً ذراعيه شأن جلسة الكلب.

والوصيد: مدخل الكهف، شبه بالباب الذي هو الوصيد لأنه يوصد ويغلق.

وعدم تقليب الكلب عن يمينه وشماله يدل على أن تقليبهم ليس من أسباب سلامتهم من البلى وإلا لكان كلبهم مثلهم فيه بل هو كرامة لهم.

وقد يقال: إنهم لم يفنوا وأما كلبهم ففني وصار رِمة مبسوطةٌ عظامُ ذراعيه.

﴿ لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ﴾ الخطاب لغير معين، أي لو اطلعت عليهم أيها السامع حين كانوا في تلك الحالة قبل أن يبعثهم الله، إذ ليس في الكلام أنهم لم يزالوا كذلك زمن نزول الآية.

والمعنى: لو اطلعت عليهم ولم تكن علمت بقصتهم لحسبتهم لصوصاً قطاعاً للطريق، إذ هم عدد في كهف وكانت الكهوف مخابئ لقطاع الطريق، كما قال تأبط شراً: أقولُ للَحْيَاننٍ وقد صفّرتْ لهم *** وطابي يوَمي ضَيّقُ الجُحْر مُعوِر ففررت منهم وملكك الرعب من شرهم، كقوله تعالى: ﴿ نكرهم وأوجس منهم خيفة ﴾ [هود: 70].

وليس المراد الرعب من ذواتهم إذ ليس في ذواتهم ما يخالف خلق الناس، ولا الخوف من كونهم أمواتاً إذ لم يكن الرعب من الأموات من خلال العرب، على أنه قد سبق وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود } .

والاطلاع: الإشراف على الشيء ورؤيته من مكان مرتفع، لأنه افتعال من طَلع إذا ارتقى جَبلا، فصيغ الافتعال للمبالغة في الارتقاء، وضمن معنى الإشراف فعدي ب (على)، ثم استعمل مجازاً مشهوراً في رؤية الشيء الذي لا يراه أحد، وسيأتي ذكر هذا الفعل عند قوله تعالى: ﴿ أطلع الغيب ﴾ في سورة مريم (78)، فضلاً عن أن يكون الخطاب للنبيء.

وفي الكشاف } عن ابن عباس ما يقتضي ذلك وليس بصحيح.

وانتصب ﴿ فراراً ﴾ على المفعول المطلق المبين لنوع ومُلّئتَ} مبني للمجهول، أي مَلاك الرعب ومَلّا بتشديد اللام مضاعف مَلاَ وقرئ بهما.

والمَلْء: كون المظروف حالاً في جميع فراغ الظرف بحيث لا تبقى في الظرف سعة لزيادة شيء من المظروف، فمثلت الصفة النفسية بالمظروف، ومُثل عقل الإنسان بالظرف، ومثل تمكن الصفة من النفس بحيث لا يُخالطها تفكير في غيرها بملء الظرف بالمظروف، فكان في قوله: ﴿ ملّئت ﴾ استعارة تمثيلية، وعكسه قوله تعالى: ﴿ وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً ﴾ [القصص: 10].

وانتصب رعباً} على تمييز النسبة المحول عن الفاعل في المعنى لأن الرعب هو الذي يَمْلأ، فلما بني الفعل إلى المجهول لقصد الإجمال ثم التفصيل صار ما حقه أن يكون فاعلاً تمييزاً.

وهو إسناد بديع حصل منه التفصيل بعد الإجمال، وليس تمييزا مُحولاً عن المفعول كما قد يلوح بادئ الرأي.

والرعب تقدم في قوله تعالى: ﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ﴾ في سورة آل عمران (151).

وقرأ نافع وابن كثير ولَمُلِّئْتَ} بتشديد اللام على المبالغة في الملء، وقرأ الباقون بتخفيف اللام على الأصل.

وقرأ الجمهور ﴿ رعباً ﴾ بسكون العين.

وقرأه ابن عامر والكسائي وأبو جعفر ويعقوب بضم العين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ ﴾ الأيْقاظُ: المُنْتَبِهُونَ.

قالَ الرّاجِزُ: قَدْ وجَدُوا إخْوانَهم أيْقاظا والسَّيْفُ غَيّاظٌ لَهم غَيّاظا والرُّقُودُ: النِّيامُ.

قِيلَ إنَّ أعْيُنَهم كانَتْ مَفْتُوحَةً ويَتَنَفَّسُونَ ولا يَتَكَلَّمُونَ.

﴿ وَنُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ ﴾ يَعْنِي تَقَلُّبَ النِّيامِ لِأنَّهم لَوْ لَمْ يُقَلَّبُوا لَأكْلَتْهُمُ الأرْضُ لِطُولِ مُكْثِهِمْ.

وَقِيلَ إنَّهم كانُوا يُقَلَّبُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّتَيْنِ، سِتَّةَ أشْهُرٍ عَلى جَنْبٍ.

وَسِتَّةَ أشْهُرٍ عَلى جَنْبٍ آخَرَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ مُجاهِدٌ: إنَّما قُلِّبُوا تِسْعَ سِنِينَ بَعْدَ ثَلاثِمائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُقَلَّبُوا فِيها.

وَفِيما تَحْسَبُهم مِن أجْلِهِ أيْقاظًا وهم رُقُودٌ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِانْفِتاحِ أعْيُنِهِمْ.

الثّانِي: لِتَقْلِيبِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ.

﴿ وَكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ ﴾ في ﴿ وَكَلْبُهُمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَلْبٌ مِنَ الكِلابِ كانَ مَعَهم، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وَقِيلَ إنَّ اسْمَهُ كانَ حُمْرانَ.

الثّانِي: أنَّهُ إنْسانٌ مِنَ النّاسِ كانَ طَبّاخًا لَهم تَبِعَهم، وقِيلَ بَلْ كانَ راعِيًا.

وَفي ﴿ بِالوَصِيدِ ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ العَتَبَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ الفِناءُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الحَظِيرُ، حَكاهُ اليَزِيدِيُّ.

الرّابِعُ: أنَّ الوَصِيدَ والصَّعِيدَ التُّرابُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الخامِسُ: أنَّهُ البابُ، قالَهُ عَطِيَّةُ، وقالَ الشّاعِرُ: بِأرْضِ فَضاءٍ لا يُسَدُّ وصَيْدُها ∗∗∗ عَلَيَّ ومَعْرُوفِي بِها غَيْرُ مُنْكَرِ وَحَكى جَرِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ أنَّهُ كانَ كَلْبًا رَبِيبًا صَغِيرًا.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانَ أصْفَرَ اللَّوْنِ.

﴿ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِطُولِ أظْفارِهِمْ وشُعُورِهِمْ يَأْخُذُهُ الرُّعْبُ مِنهم فَزَعًا.

الثّانِي: لِما ألْبَسَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الهَيْبَةِ الَّتِي تَرُدُّ عَنْهُمُ الأبْصارَ لِئَلّا يَصِلَ إلَيْهِمْ أحَدٌ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ فِيهِمْ أجْلَهُ.

حَكى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: غَزَوْتُ مَعَ مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في بَحْرِ الرُّومِ فانْتَهَيْنا إلى الكَهْفِ الَّذِي فِيهِ أصْحابُ الكَهْفِ، فَقالَ مُعاوِيَةُ أُرِيدُ أنْ أدْخُلَ عَلَيْهِمْ فَأنْظُرَ إلَيْهِمْ، فَقُلْتُ لَيْسَ هَذا لَكَ فَقَدْ مَنَعَهُ اللَّهُ مَن هو خَيْرٌ مِنكَ، قالَ تَعالى ﴿ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ﴾ الآيَةِ.

فَأرْسَلَ جَماعَةً إلَيْهِمْ دَخَلُوا الكَهْفَ أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا أخْرَجَتْهم.

وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ المُعْجِزَةَ مِن قَوْمِهِمْ كانَتْ لِنَبِيٍّ قِيلَ إنَّهُ كانَ أحَدَهم وهو الرَّئِيسُ الَّذِي اتَّبَعُوهُ وآمَنُوا بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ تزاور ﴾ قال: تميل.

وفي قوله: ﴿ تقرضهم ﴾ قال: تذرهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ تقرضهم ﴾ قال: تتركهم ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ قال: المكان الداخل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ قال: يعني بالفجوة، الخلوة من الأرض.

ويعني بالخلوة، الناحية من الأرض.

وأخرج ابن المنذر عن أبي مالك في قوله: ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ قال: في ناحية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وتحسبهم ﴾ يا محمد ﴿ أيقاظاً وهم رقود ﴾ يقول: في رقدتهم الأولى ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ قال: وهذا التقليب في رقدتهم الأولى، كانوا يقلبون في كل عام مرة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ قال: ستة أشهر على ذي الجنب، وستة أشهر على ذي الجنب.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عياض في قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ قال: في كل عام مرتين.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ونقلبهم ﴾ قال: في التسع سنين ليس فيما سواه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ قال: كي لا تأكل الأرض لحومهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وكلبهم ﴾ قال: اسم كلبهم قطمور.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: اسم كلب أصحاب الكهف، قطمير.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: قلت لرجل من أهل العلم: زعموا أن كلبهم كان أسداً، قال: لعمر الله ما كان أسداً، ولكنه كان كلباً أحمر خرجوا به من بيوتهم يقال له، قطمور.

وأخرج ابن أبي حاتم عن كثير النواء قال: كان كلب أصحاب الكهف أصفر.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان قال: قال رجل بالكوفة يقال له: عبيد وكان لا يتهم بكذب، قال: رأيت كلب أصحاب الكهف أحمر كأنه كساء انبجاني.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق جويبر، عن عبيد السواق قال: رأيت كلب أصحاب الكهف صغيراً، باسطاً ذراعيه بفناء باب الكهف، وهو يقول: هكذا يضرب بأذنيه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدالله بن حميد المكي في قوله: ﴿ وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ﴾ قال: جعل رزقه في لحس ذراعيه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس في قوله: ﴿ بالوصيد ﴾ قال: بالفناء.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ بالوصيد ﴾ قال: بالباب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية في قوله: ﴿ بالوصيد ﴾ قال: بفناء باب الكهف.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ بالوصيد ﴾ قال: بالصعيد.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ﴾ قال: ممسك عليهم باب الكهف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب رضي الله عنه قال: كان لي صاحب شديد النفس، فمر بجانب كهفهم فقال: لا أنتهي حتى أنظر إليهم، فقيل له: لا تفعل...

أما تقرأ ﴿ لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً ﴾ فأبى إلا أن ينظر، فأشرف عليهم فابيضت عيناه وتغير شعره، وكان يخبر الناس بعد يقول: عدتهم سبعة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أزكى طعاماً ﴾ قال: أحل ذبيحة، وكانوا يذبحون للطواغيت.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أزكى طعاماً ﴾ يعني، أطهر؛ لأنهم كانوا يذبحون الخنازير.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ ﴾ معنى هذا الخطاب على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَتَرَى الشَّمْسَ ﴾ ، أي: لو رأيتهم لحسبتهم أيقاظًا، هو جمع: أيقاظ، ويقظ، ويقظان، قا له الأخفمش، وأبو عبيدة، والزجاج (١) (٢) ومثله: نَجْدٌ، نُجد، وأَنْجاد.

وقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ رُقُودٌ ﴾ أي: نائمون، وهو مصدر سمِّي به، كما يقال: قوم ركوع، وقعود، وسجود، يوصف الجميع بالمصدر (٣) (٤) (وإنما يحسبون أيقاظًا؛ لأن أعينهم مفتحة وهم نيام) (٥) ﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ﴾ ) (٦) قال قتادة: (ذكر لنا أن أبا عياض (٧) (٨) وهو قول أبي هريرة (٩) (١٠) وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: (يمكثون رقودًا على أيمانهم تسع سنين، ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقودًا تسع سنين) (١١) ﴿ ذَاتَ ﴾ منصوبة على الظرف؛ لأن المعنى: نقلبهم في ناحية اليمين، كما قلنا في قوله: ﴿ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ ﴾ قال ابن عباس وأكثر المفسرين: (هربوا ليلاً من ملكهم، فمروا براع معه كلب، فتبعهم على دينهم ومعه كلبه) (١٢) (١٣) وقال عبيد بن عمير: (كان ذلك كلب صيدهم) (١٤) ومعنى: ﴿ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ ﴾ أي: يلقيهما على الأرض مبسوطتين غير مقبوضتين، ومنه الحديث في الصلاة: أنه نهى عن افتراش السبع، وقال: "لا تفترش ذراعيك افتراش السبع" (١٥) قال الليث: (الذراع: من طرف المرفق إلى أطراف الأصبع الوسطى) (١٦) (١٧) قال أبو علي: (لولا حكاية الحال لم يعمل اسم الفاعل في ذراعيه؛ لأنه إذا مضى اختص وصار معهودًا، فخرج بذلك من شبه الفعل، ألا ترى أن الفعل لا يكون معهودًا، فكما أن اسم الفاعل إذا وصف وحقر لم يعمل عمل الفعل لزوال شبهه عنه، كذلك إذا كان ماضيًا، ولكن المعنى على حكايته الحال الماضية) (١٨) ﴿ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ بِالْوَصِيدِ ﴾ قال ابن عباس في رواية على وعطاء: (بالفناء) (١٩) (٢٠) روى أبو عبيد عن الأحمر (٢١) (٢٢) وقال الزجاج: (الوصيد: فناء البيت، وفناء الدار) (٢٣) وقال أبو عبيدة: (الوصيد: الفناء، والجميع وصائد ووصدٌ) (٢٤) وقال يونس والأخفش والفراء: (الوَصِيد والأصَيد لغتان، مثل: الوِكَاف (٢٥) (٢٦) وقال الكسائي: (أهل تهامة (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقال السدي: (الوصيد: الباب، وهو رواية عكرمة عن ابن عباس) (٣٠) ﴿ بِالْوَصِيدِ ﴾ عند أهل اللغة: بالباب، أي: بحضرة الباب، يقال: فلان بالباب، وإنما يراد بحضرة الباب).

وقال عطاء: (الوصيد: عتبة الباب) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) بأرض فضاءٍ لا يسدُّ وصيدها ...

عليَّ ومعروفي بها غير منكرِ ويقال: أصدت الباب، وأوصدته إذا أطبقته، وباللغتين قرئ: ﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ  ﴾ (٣٥) (٣٦) (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: أشرفت عليهم، يقال: أطلعت فلانًا على الشيء فاطلع هو، قال الله تعالى: ﴿ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ  ﴾ .

﴿ لوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا ﴾ ، أي: لأدبرت وانقلبت منهم فرارًا.

قال الزجاج: (منصوب على المصدر؛ لأن معنى وليت منهم: فررت منهم) (٣٨) ﴿ وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ﴾ أي: فزعًا وخوفًا، قال المفسرون: (هو أن الله تعالى منعهم بالرعب لئلا يراهم أحد) (٣٩) وقال أبو إسحاق: (قيل في التفسير: إنهم طالت شعورهم جدًا، وأظفارهم، فلذلك كان الرائي لو رآهم لهرب مرعوبًا) (٤٠) وفي قوله: ﴿ وَلَمُلِئْتَ ﴾ قراءتان: التخفيف، والتشديد (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) فيملأ بيتنا أقطًا وسمنًا وقول الآخر (٤٥) ومن مالئ من شيء غيره إذا ...

راح نحو الحمرة البيض بالدُّمى وقول الآخر (٤٦) وقول الآخر (٤٧) امتلأ الحوض وقال قطني وامتلأ يدل على ملأ؛ لأنه مطاوعه، وقد جاء الثقيل أيضًا، أنشدوا للمُخبَّل السعدي (٤٨) وإذا فتك النعمان بالنَّاس محرمًا ...

فملئ من كعب بن عوفٍ سلاسله قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ أشار إلى ما تقدم من قوله: ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ﴾ أي: كما فعلنا بهم هذه الأشياء بعثناهم، قال ابن قتيبة: (أجسامهم من تلك النومة التي تشبه الموت) (٤٩) (١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 274، و "معاني القرآن" للأخفش 1/ 617، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 396.

(٢) هذا صدر بيت لرؤبة، وعجزه: وسيف غيَّاظٍ لهم غِيَاظا انظر: "ديوانه" ص 81، "مجاز القرآن" 1/ 397، و"معاني القرآن"، للزجاج 3/ 274، و"جامع البيان" 15/ 213.

(٣) "القرطبي" 10/ 370، و"التفسير الكبير" 11/ 101، و"روح المعاني" 15/ 224.

(٤) "معالم التنزيل" 5/ 157، و"الدر المصون" 7/ 460، وقال القاسمي في "تفسيره" 10/ 4032: وما قيل أنه مصدر أطلق على الفاعل واستوى فيه القليل والكثير كركوع وقعود؛ لأن فاعلا لا يجمع على فعول، مردود بما نص عليه النحاة كما صرح به في المفصل والتسهيل.

(٥) "النكت والعيون" 3/ 291، و"معالم التنزيل" 5/ 158، و"الكشاف" 2/ 383، و"المحرر الوجيز" 9/ 259، وقال الألوسي في "تفسيره" 15/ 224: ولو صح فتح أعينهم بسند يقطع العذر كان أبين في هذا الحسبان.

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 274.

(٧) عمرو بن الأسود العنسي، الهمداني، الدمشقي، الدارني، أبو عياض، مخضرم، من كبار التابعين، أخرج له الستة، وكان من زهاد الشام الكبار، روى عن عمر وجماعة من الصحابة -  م-، وروى عنه عدد من التابعين، توفى -رحمه الله- في خافة معاوية -  -.

انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 153، و"الجرح والتعديل" 3/ 220، و"الحلية" لأبي نعيم 5/ 155، و"تهذيب التهذيب" 8/ 4.

(٨) "جامع البيان" 15/ 213، و"المحرر الوجيز" 9/ 260 ذكره بدون نسبة، و"الدر المنثور" 4/ 291، و"التفسير الكبير" 11/ 101.

(٩) "معالم التنزيل" 5/ 158، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 370، و"التفسير الكبير" 11/ 101.

(١٠) "جامع البيان" 15/ 214، و"معالم التنزيل" 5/ 158، و"زاد المسير" 5/ 118، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 85.

(١١) "روح المعاني" 15/ 225، وذكره الرازي في "التفسير الكبير" 11/ 101 وقال: هذه التقديرات لا سبيل للعقل إليها، ولفظ القرآن لا يدل عليها، وما لم يأت فيه خبر صحيح فكيف يعرف؟

(١٢) "المحرر الوجيز" 9/ 261، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 370، و"التفسير الكبير" 11/ 101، و"الدر المنثور" 4/ 388.

(١٣) "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 370، و"التفسير الكبير" 11/ 101، و"روح المعاني" 15/ 225.

(١٤) "المحرر الوجيز" 9/ 261، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 370، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 85، و"التفسير الكبير" 11/ 101، و "محاسن التأويل" 11/ 4032.

(١٥) أخرجه ابن ماجه في "سننه" كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب الاعتدال في السجود 2/ 288، وأبو داود في "سننه" كتاب الصلاة، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود 1/ 539، والنسائي في "سننه" كتاب التطبيق، باب النهي عن بسط الذراعين في السجود، وأحمد في "مسنده" 5/ 447، وأخرج نحوه الترمذي في "جامعه" كتاب الصلاة، باب ما جاء في الاعتدال في السجود حديث رقم (275) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأورده ابن الأثير في "جامع الأصول" كتاب الصلة، باب هيئة الركوع والسجود 5/ 374.

(١٦) "تهذيب اللغة" (ذرع) 2/ 1277، و"القاموس المحيط" (الذراع) ص 716، و"لسان العرب" (ذرع) 3/ 1495.

(١٧) "تهذيب اللغة" (ذرع) 2/ 1277، و"القاموس المحيط" (الذراع) ص 716، و"الصحاح" (ذرع) 3/ 1209.

(١٨) "الكشاف" 2/ 383، و"البحر المحيط" 6/ 109، و"الدر المصون" 7/ 460، و"شرح الكافية الشافية" 2/ 1043.

(١٩) "جامع البيان" 15/ 214، و"تفسير المشكل من غريب القرآن" ص 142، و"اللغات في القرآن" ص 33، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 137، و"معالم التنزيل" 5/ 158، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 243.

(٢٠) "جامع البيان" 15/ 214، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 137، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 453، و"معالم التنزيل" 5/ 158.

(٢١) أبان بن عثمان بن يحيى بن زكريا اللؤلؤي البجلي بالولاء، أبو عبد الله المعروف بالأحمر، عالم بالأخبار والأنساب، أصله من الكوفة، وكان يسكنها تارة، ويسكن البصرة تارة أخرى، أخذ عنه أبو عبيدة معمر بن المثنى، وأبو عبد الله بن سلام وغيرهما، وله مصنفات وكتب.

انظر: "بغية الوعاة" (177)، و"إنباه الرواة" 1/ 170، و"الأعلام" 1/ 27.

(٢٢) "تهذيب اللغة" (وصد) 1/ 165.

(٢٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 274.

(٢٤) "مجاز القرآن" 3/ 274.

(٢٥) يقال: استوكف: استقطر، والوِكَاف لغة في الإِكَاف.

والوكفُ: الإثم والعيب، والوكف: النطع، والوِكَاف والإكَاف: يكون للبعير والحمار والبغل، والجمع وكف.

انظر: "تهذيب اللغة" (وكف) 4/ 3946، و"مقاييس اللغة" (وكف) 6/ 139، و"الصحاح" (وكف) 4/ 1441، و"لسان العرب" (وكف) 8/ 4908.

(٢٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 137، و"تهذيب اللغة" (وصد) 1/ 165، و"التفسير الكبير" 11/ 101.

(٢٧) تِهَامة -بكسر التاء-: اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز ومكة من تهامة، وقي: تهامة إلى عرق اليمن إلى أسياف البحر إلى الجحفة وذات عرق.

انظر: "معجم البلدان" 2/ 63، و"تهذيب الأسماء واللغات" 3/ 44.

(٢٨) نَجْد -بفتح أوله وسكون ثانيه-: اسم للأرض العريضة التي أعلاها تهامة واليمن، وأسفلها العراق والشام، فما ارتفع من بطن الرمة فهو نجد إلى ثنايا ذات عرق.

انظر: "معجم البلدان" 5/ 261، و"تهذيب الأسماء واللغات" 3/ 175.

(٢٩) "جامع البيان" 15/ 215، و"زاد المسير" 5/ 119، و"تهذيب اللغة" (وصد) 1/ 165.

(٣٠) "معالم التنزيل" 5/ 158، و"الكشاف" 2/ 383، و"زاد المسير" 5/ 119.

(٣١) "تفسير المشكل من غريب القرآن" ص 142، و"النكت العيون" 3/ 292، و"معالم التنزيل" 3/ 154، و"الكشاف" 2/ 383.

(٣٢) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).

(٣٣) "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 265، و"النكت والعيون" 3/ 292.

(٣٤) البيت ينسب إلى عبيد بن وهب العبسي.

انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 265، و"النكت والعيون" 3/ 292، و"البحر المحيط" 6/ 93، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 351، و"روح المعاني" 15/ 226، و"الدر المصون" 7/ 461.

(٣٥) قرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر، والكسائي: (موصدة) بغير همز، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، وحفص عن عاصم: (مؤصدة) بالهمز.

انظر: "السبعة" ص 686، و"التبصرة" ص 381، و"المبسوط في القراءات" ص 410، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 377.

(٣٦) قال الطبري في "تفسيره" 15/ 215: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال الوصيد: الباب أو فناء الباب، حيث يغلق الباب، وذلك أن الباب يوصد، وإيصاده إطباقه وإغلاقه من قول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ  ﴾ .

وانظر: "أضواء البيان" 4/ 41.

(٣٧) "جامع البيان" 15/ 214، و"المحرر الوجيز" 9/ 263، و"زاد المسير" 5/ 119، و"الدر المنثور" 4/ 392.

(٣٨) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 275.

(٣٩) "جامع البيان" 15/ 215، و"النكت والعيون" 3/ 293، و"معالم التنزيل" 5/ 159، و"المحرر الوجيز" 9/ 264.

(٤٠) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 275.

وهذا قول بعيد، ولو كانت حالهم هكذ لم يقولوا ﴿ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ  ﴾ ، وإذا الصحيح -والله أعلم- في آمرهم أن الله -عز وجل- حفظ لهم الحالة التى ناموا عليها لتكون لهم ولغيرهم آية.

قال الشوكاني في "تفسيره" 3/ 393: ويدفعه قوله تعالى: ﴿ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ == فإن ذلك يدل على أنهم لم ينكروا من حالهم شيئًا ولا وجدوا من أظافرهم وشعورهم ما يدل على طول المدة.

وانظر: "المحرر الوجيز" 9/ 264، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 373.

(٤١) قرأ ابن كثير، ونافع: (ولَمُلِّئْت) بالتشديد والهمز.

وقرأ ابن عامر، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: (ولملئت) بالتخفيف والهمز.

انظر: "السبعة" (389)، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 134، و"الغاية" ص 305، و"التبصرة" 248، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 310.

(٤٢) من هنا ساقط حتى قوله: (..

المختلفون في عدد) من نسخة (ص).

(٤٣) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 134، و"التفسير الكبير" 11/ 101.

(٤٤) هذا صدر بيت لامرئ القيس.

وعجزه: وحسبك من غنى شبع وريُّ والأقطُ: شيء يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك ثم يمصل.

والسَّمنُ: سلاء الزبد.

انظر: "ديوانه" ص 171، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 134، و"التفسير الكبير" 11/ 102، و"لسان العرب" (سمن) 4/ 2104.

(٤٥) لم أهتد إلى قائله، وأورد أبو علي الفارسي الشطر الأول منه في كتابه "الحجة للقراء السبعة" 5/ 135 بدون نسبة، وكذلك الرازي في "التفسير الكبير" 11/ 102.

(٤٦) هذا شطر بيت من الرجز.

وبعده: == ألا ترى حبار من يسقيها عرِّق: عرِّق الدلو جعل فيها ماء قيلاً.

انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 135، و"تهذيب اللغة" (عرق) 5/ 2459، و"لسان العرب" (عرق) 5/ 2905، و"التفسير الكبير" 11/ 102، و"مجالس ثعلب" ص 238.

(٤٧) هذا شطر بيت من الرجز.

وبعده: مهلاً رويدًا قد ملأت بطني قطني: بمعنى حسبي.

وقد تقدم.

(٤٨) هذا البيت ضمن قصيدة قالها حينما بعث النعمان إلى كعب بن عوف جيشًا في الشهر الحرام وهم آمنون فقتل فيهم وسبى.

انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 135، و"تهذيب اللغة" (فتك) 3/ 2737، و"لسان العرب" (فتك) 6/ 3343، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 374.

(٤٩) "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 265 <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَتَرَى الشمس إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليمين وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشمال ﴾ قيل: هنا كلام محذوف تقديره فأوى القوم إلى الكهف ومكثوا فيه، وضرب الله على آذانهم، ومعنى تزاور تميل وتزوغ، ومعنى: تقرضهم تقطعهم: أي تبعد عنهم، وهو بمعنى القطع، وذات اليمين والشمال أي جهته، ومعنى الآية: أن الشمس لا تصيبهم عند طلوعها، ولا عند غروبها لئلا يحترقوا بحرها، فقيل: إن ذلك كرامة لهم وخرق عادة، وقيل: كان باب الكهف شمالياً يستقبل بنات نعش، فلذلك لا تصيبهم الشمس، والأول أظهر لقوله: ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ﴾ أي في موضع واسع، وذلك مفتح لإصابة الشمس، ومع ذلك حجبها الله عنهم ﴿ ذلك مِنْ آيات الله ﴾ الإشارة إلى حجب الشمس عنهم إن كان خرق عادة، وإن كان لكون بابهم إلى الشمال فالإشارة إلى أمرهم بجملته ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ ﴾ أيقاظاً جمع يقظ، وهو المنتبه، كانت أعينهم مفتوحة وهم نائمون، فيحسبهم من يراهم أيقاظاً وفي قوله: أيقاظاً ورقود مطابقة، وهي من أدوات البيان ﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال ﴾ أي نقلبهم من جانب إلى جانب، ولولا ذلك لأكلتهم الأرض، وكان هذا التقليب من فعل الله وملائكته، وهم لا ينتبهون من نومهم، وروي أنهم كانوا يقلبون مرتين في السنة، وقيل من سبع سنين إلى مثلها ﴿ وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ ﴾ قيل إنه كان كلباً لأحدهم يصيد به، وقيل كان كلباً لراع فمروا عليه فصحبهم وتبعه كلبه وأعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضيّ لأنه حكاية حال.

﴿ بالوصيد ﴾ أي بباب الكهف، وقيل عتبته وقيل البناء ﴿ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ﴾ ذلك لما ألبسهم الله من الهيبة، وقيل: لطول أظافرهم وشعورهم وعظم أجرامهم.

وقيل: لوحشة مكانهم، وعن معاوية أنه غزا الروم فمر بالكهف، فأراد الدخول إليه فقال له ابن عباس: لا تستطيع ذلك، قد قال الله لمن هو خير منك: لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً فبعث ناساً إليهم، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحاً فأحرقتهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ من لدنه ﴾ بإشمام الدال ﴿ شيئاً ﴾ بالضم وكسر النون ووصل الهاء بالياء: يحيى.

الآخرون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء ﴿ ويبشر ﴾ مخففاً.

حمزة وعلي.

الباقون بالتشديد.

﴿ هيىء لنا ﴾ ﴿ ويهيىء لكم ﴾ بتليين الهمزة فيهما إلا أوقية والأعشى في الوقوف ﴿ فاووا ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ مرفقاً ﴾ بفتح الميم وكسر الفاء: أو جعفر ونافع وابن عامر والأعشى والبرجمي، الآخرون على العكس ﴿ تزاور ﴾ خفيفاً بحذف تاء التفاعل: عاصم وحمزة علي وخلف ﴿ تزور ﴾ بتشديد الراء: ابن عامر مثل "تحمر" ويعقوب.

الباقون ﴿ تزوار ﴾ بتشديد الزاي لإدغام التاء فيه ﴿ المهتدي ﴾ كما مر في "سبحان" ﴿ ولملئت ﴾ مشددة للمبالغة: أبو جعفر ونافع وابن كثير، وقرأ أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف غير مهموز: ﴿ بورقكم ﴾ بسكون الراء: أبو عمرو وحمزة وحماد وأبو بكر والخزاز عن هبيرة وعباس بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف الآخرون بكسر الراء مظهراً ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ أن يهديني ﴾ و ﴿ أن ترني ﴾ و ﴿ وأن يؤتيني ﴾ و ﴿ أن تعلمني ﴾ بالياآت في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح.

وزمعة.

وروى ابن شنبوذ عن قنبل كلها بالياء في الحالين.

وعن البزي وابن فليح كلها بغير ياء - في الحالين - وافقهم أبو جعفر ونافع وأبو عمرو بالياء في الوصل ﴿ ثلثمائة سنين ﴾ بالإضافة: حمزة وعلي وخلف الباقون بالتنوين ﴿ ولا تشرك ﴾ بالتاء على النهي: ابن عامر وروح وزيد.

الآخرون ﴿ ولا يشرك ﴾ بياء الغيبة ورفع الكاف.

الوقوف: ﴿ عوجاً ﴾ ه ط لأن ﴿ قيماً ﴾ ليس بصفة له ولكنه انتصب بمحذوف دل عليه المتلو وهو أنزل أي أنزله قيما، وللوصل وجه وهو أن يكون حالاً من الكتاب أو العبد وما بينهما اعتراض ﴿ حسناً ﴾ ، ه لا ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ ولداً ﴾ ج ه، لأن ما بعده يحتمل الصفة أو ابتداء وإخبار، والوقف أوضح ليكون ادعاء الولد مطلقاً كما هو الظاهر ﴿ لآبائهم ﴾ ط ﴿ من أفواههم ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ أسفا ﴾ ه ﴿ عملا ﴾ ه ﴿ جرزا ﴾ ، ه ط لتمام القصة ما بعده استفهام تقرير وتعجيب ﴿ عجباً ﴾ ه ﴿ رشدا ﴾ ه ﴿ عددا ﴾ ، لا للعطف ﴿ أمدا ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ هدى ﴾ والوصل أولى للعطف ﴿ شططاً ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ط لابتداء التحضيض ﴿ بين ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ مرفقاً ﴾ ه ﴿ فجوة منه ﴾ ط ﴿ آيات الله ﴾ ط ﴿ فهو المهتد ﴾ ج ﴿ مرشداً ﴾ ه ﴿ رقود ﴾ قف والأولى الوصل على أن ما بعده حال أي رقدوا ونحن نقلبهم ﴿ الشمال ﴾ قف والوصل أحسن على أن المعنى نقلبهم وكلبهم باسط ﴿ بالوصيد ﴾ ط ﴿ رعباً ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ كم لبثتم ﴾ ط ﴿ بعض يوم ﴾ ط ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ لا ريب فيها ﴾ ج لأن "إذا" يصلح أن يكون طرفاً للإعثار عليهم وأن يكون منصوباً بإضمار "اذكر" ﴿ بنياناً ﴾ ط ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ مسجداً ﴾ ه ﴿ رابعهم كلبهم ﴾ ج فصلاً بين المقالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ بالغيب ﴾ ج لوقوع العارض ﴿ كلبهم ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ ظاهراً ﴾ ص ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ يشاء الله ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع عارض الظرف والاستثناء ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ تسعاً ﴾ ه ﴿ لبثوا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده مفعول "قل" أو إخبار مستأنف ﴿ والأرض ﴾ ط لابتداء التعجب ﴿ وأسمع ﴾ ط ﴿ من ولى ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ولا تشرك ﴾ على النهي، ومن قرأ على الغيبة إخباراً جوز وقفه لاختلاف الجملتين ﴿ أحداً ﴾ ه.

التفسير: ألصق الحمد والتكبير المذكورين في آخر السورة المتقدمة بالحمد على أجزل نعمائه على العباد وهي نعمة إنزال الكتاب على محمد  .

قال بعض العلماء: نزه نفسه في أوّل سورة "سبحان" عمَّا لا ينبغي وهو إشارة إلى كونه كاملاً في ذاته، وحمد نفسه في أول هذه السورة وهو إشارة إلى كونه مكملاً لغيره، وفيه تنبيه على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية موافقاً لما ورد في الذكر "سبحان الله والحمد لله".

وفيه أن الإسراء أول درجات كماله من حيث إنه يقتضي حصول الكمال له وإنزال الكتاب غاية درجات كماله لأن فيه تكميل الأرواح البشرية ونقلها من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ولا شك أن المنافع المتعدية أفضل من القاصرة كما ورد في الخبر: "من تعلم وعلم وعمل فذاك يدعى عظيماً في السموات" وإنزال الكتاب على النبي  نعمة عليه وعلينا.

أما أنه نعمة عليه فلأنه اطلع بواسطته على أسرار التوحيد ونعوت الجلال والإكرام وأحوال الملائكة والأنبياء وسائر النفوس المقدسة، وعلى كيفية القضاء والقدر وتعلق أحوال العالم السفلي بالعالم العلوي والشهادة بالغيب وارتباط أحدهما بالآخر.

وأما أنه نعمة علينا فلأنا نستفيد منه أيضاً مثل ذلك ونعرف منه الأحكام الشرعية المفضية إلى إصلاح المعاش والمعاد.

وفي انتصاب ﴿ قيماً ﴾ وجوه فاختار صاحب الكشاف أن يكون منصوباً بمضمر أي جعله وأنزله قيماً.

وأبى أن يكون حالاً لأن العطف يدل على تمام الكلام وجعله حالاً يدل على نقصانه.

قال جامع الأصفهاني: هما حالان متواليان إلا أن الأولى جملة والثانية مفرد.

وقيل: حال من الضمير في قوله: ﴿ ولم يجعل له ﴾ وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة هي التأكيد، فرب مستقيم في الظاهر لا يخرج عن أدنى عوج في الحقيقة هذا تفسير ابن عباس.

ويحتمل أن يراد أنه قيم على سائر الكتب مصدّق لها شاهد بصحتها، وأنه قيم بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع والأحكام، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ ولم يجعل له عوجاً ﴾ إشارة إلى أنه كامل في ذاته، مبرأ عن الاختلاف والتناقض، مشتمل على كل ما هو في نفس الأمر حق وصدق.

وقوله: ﴿ قيماً ﴾ إشارة إلى أنه مكمل لغيره مصلح بحسن بيانه وإرشاده لأحوال معاشه ومعاده، فتكون الآية نظير قوله في أول "البقرة".

﴿ لا ريب فيه هدى للمتقين ﴾ ثم أراد أن يفصل ما أجمله في قوله فيما قال: ﴿ لينذر بأساً شديداً من لدنه ﴾ وحذف المنذر للعلم به بعمومه ولتطهير اللسان عن ذكره أي لينذر الذين كفروا عذاباً إليماً صادراً من عنده.

والأجر الحسن الجنة بدليل قوله: ﴿ ماكثين فيه ﴾ وهو حال من الضمير في ﴿ لهم ﴾ ثم كرر الإنذار وذكر المنذر لخصوصه وحذف المنذر به وهو البأس الشديد لتقدم ذكره.

وقد تذكر قضية كلية ثم يعطف عليها بعض جزئياتها تنبيهاً على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي.

ففي عطف الإنذار المخصوص على الإنذار المطلق دليل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله  على ما زعم بعض كفار قريش من أن الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله.

ثم قال: ﴿ ما لهم به ﴾ أي بالولد أو باتخاذ الله إياه ﴿ من علم ولا لآبائهم ﴾ وانتفاء العلم بالشي إما بالجهل بالطريق الموصل إليه.

وإما لأنه في نفسه محال فلا يتعلق به العلم لذلك وهو المراد في الآية، أي قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد لآبائهم الذين هم مثلهم في الجهالة.

قال جار الله: الضمير في قوله: ﴿ كبرت ﴾ يعود إلى قولهم "اتخذ الله ولداً" وسميت ﴿ كلمة ﴾ كما يسمون القصيدة بها.

قلت: ويجوز أن يعود إلى مضمر ذهني يفسره الظاهر كقوله "ربه رجلاً ونعمت امرأة عندي".

قال الواحدي: انتصبت ﴿ كلمة ﴾ على التمييز وذلك أنك لو قلت: كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن يتوهم أنها كبرت كذباً أو جهلاً أو افتراءً، فلما قلت: كلمة فقد ميزتها من محتملاتها.

وقرىء بالرفع على الفاعلية كما يقال "عظم قولك".

قال أهل البيان: النصب أقوى وأبلغ لإفادته التعب من جهتين: من جهة الصيغة ومن جهة التمييز كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.

وفي وصف الكلمة بقوله: ﴿ يخرج من أفواههم ﴾ مبالغة أخرى من وجهين: الأول أن كثيراً من وساوس الشيطان وهواجس القلوب لا يتمالك العقلاء أن يتفوهوا به حياء وخجلاً، فبين الله  أن هذا المنكر لم يستحيوا من إظهاره والنطق به فما أشنع فعلتهم وما أعظم فحشهم.

الثاني أن هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم ألبتة لكونه في غاية البطلان، وكأنه شيء يجري على لسانهم بطريق التقليد: احتج النظام على مذهبه أن الكلام جسم بأن الخروج عبارة عن الحركة من خواص الأجسام.

والجواب أن الخارج من الفم هو الهواء لأن الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهواء فأسند إلى الحال ما هو من شأن المحل مجازاً.

ثم زاد في تقبيح صورتهم بقوله: ﴿ إن يقولون إلا كذباً ﴾ وفيه إبطال قول من زعم أن الكذب هو الخبر الذي يطابق المخبر عنه مع علم قائله بأنه غير مطابق وذلك لأن القيد الأخير غير موجود ههنا مع أنه  سماه كذباً.

ثم سلى رسول الله صلى الله عيله وسلم بقوله: ﴿ فلعلك باخع ﴾ قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظاً: وقال الأخفش والفراء: أصل البخع الجهد.

يروى أن عائشة ذكرت عمر فقالت: بخع الأرض أي جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال الملوك.

وقال الكسائي: بخعت الأرض بالزراعة إذ جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة، وبخع الرجل نفسه إذا نهكها و ﴿ أسفاً ﴾ منصوب على المصدر أي تأسف أسفاً وحذف الفعل لدلالة الكلام عليه.

وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال أو مفعول له أي لفرط الحزن شبهه وإياهم حين لم يؤمنوا بالقرآن وأعرضوا عن نبيهم برجل فارقته أحبته فهو يتساقط حسرات عليهم.

والحاصل أنه قيل له لا تعظم حزنك عليهم بسبب كفرهم فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فأما تحصيل الإيمان فيهم فليس إليك.

قال القاضي، أطلق الحديث على القرآن فدل ذلك على أنه غير قديم.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الحروف والأصوات وإنما النزاع في الكلام النفسي، قوله  : ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ﴾ قال أهل النظم: كأنه  يقول: إني خلقت الأرض وزينتها ابتلاء للخلق بالتكاليف، ثم إنهم يتمردون ويكفرون ومع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم، فأنت أيضاً يا محمد لا تترك الاشتغال بدعوتهم بعد أن لا تأسف عليهم وما على الأرض المواليد الثلاثة أعنى المعادن والنبات والحيوان وأشرفها الإنسان.

وقال القاضي: الأولى أن لا يدخل المكلف فيه لأن ما على الأرض ليس زينة لها بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها الغرض الابتلاء، فالذي له الزينة يكون خارجاً عن الزينة.

ومضى أنه مجاز بالصورة والمراد أنه  يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره لكان من قبيل الابتلاء والامتحان.

وقد مر هذا البحث بتمامه في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه  ﴾ .

واللام في ﴿ لنبلوهم ﴾ للغرض عند المعتزلة، أو العاقبة أو استتباع الغاية عند غيرهم حذراً من لزوم الاستكمال.

قال الزجاج ﴿ أيهم ﴾ رفع بالابتداء لأن لفظه لفظ الاستفهام والمعنى لنمتحن هذا ﴿ أحسن عملاً ﴾ أم ذلك.

ثم زهد في الميل إلى زينة الأرض بقوله: ﴿ وإنا لجاعلون ما عليها ﴾ من هذه الزينة ﴿ صعيداً جرزاً ﴾ أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته وإماتة سكانه.

قال أبو عبيد: الصعيد المستوي من الأرض التي لا نبات فيها من قولهم "امرأة جروز" إذا كانت أكولاً، "وسيف جراز" إذا كان مستأصلاً وجرز الجراد والشاه والإبل الأرض إذا أكملت ما عليها.

ثم إن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنه الرسول  على سبيل الامتحان فقال  ﴿ أم حسبت ﴾ يعني بل أظننت يا إنسان أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط فلا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب، فإن من كان قادراً على تخليق السموات والأرض ثم تزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان، ثم جعلها بعد ذلك صعيداً خالياً عن الكل كيف تستبعدون قدرته وحفظه ورحمته بالنسبة إلى طائفة مخصوصة.

وقال جار الله: يعني أن ذلك التزيين وغيره أعظم من قصة أصحاب الكهف يعني أنه ذكر أولاً عظيم قدرته، ثم أضرب عن ذلك موبخاً للإنسان.

والحاصل أنك تعجب من هذا الأدنى فكيف بما فوقه، والكهف الغار الواسع في الجبل، والرقيم اسم كلبهم، وعن سعيد بن جبير ومجاهد أنه لوح من حجارة أو رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف، فعلى هذا يكون اللفظ عربياً "فعيلاً" بمعنى "مفعول" ومثله ما روي أن الناس رقموا حديثهم نقرأ في الجبل.

وعن السدي أنه القرية التي خرجوا منها.

وقيل: هو الوادي أو الجبل الذي فيه الكهف.

والعجب مصدر وصف به أو المراد ذات عجب.

وقوله: ﴿ إذ أوى الفتية إلى الكهف ﴾ صاروا إليه وجعلوه مأواهم منصوب بإضمار "اذكر" بـ ﴿ حسبت ﴾ لفساد المعنى، ولا يبعد أن يتعلق بـ ﴿ عجباً ﴾ والتنوين في ﴿ رحمة ﴾ إما للتعظيم أو للنوع.

وتقديم ﴿ من لدنك ﴾ للاختصاص أي رحمة مخصوصة بأنها من خزائن رحمتك وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء ﴿ وهيىء لنا ﴾ أي أصلح لنا من قولك هيئات الأمر فتهيأ ﴿ من أمرنا ﴾ الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ﴿ رشداً ﴾ أي أمر إذا رشد حتى نكون بسببه راشدين غير ضالين فتكون "من" للابتداء.

ويجوز أن تكون للتجريد كما في قولك "رأيت منك أسداً" أي اجعل أمرنا رشداً كله.

﴿ فضربنا على آذانهم ﴾ قال المفسرون: أي أنمناهم والأصل فيه أن المفعول محذوف وهو الحجاب كما يقال: "بنى على امرأته" أي بنى عليها القبة.

و ﴿ سنين ﴾ ظرف زمان و ﴿ عدداً ﴾ أي ذوات عدد وهو مصدر وصف به والمراد بهذا الوصف إما القلة لأن الكثير قليل عند الله ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون  ﴾ وإما الكثرة.

قال الزجاج: إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج إلى العدد وإذا كثر احتاج إلى أن يعدّ ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أيقظناهم ﴿ لنعلم ﴾ ليظهر معلومنا وفعل العلم معلق لما في "أي" من معنى الاستفهام فارتفع ﴿ أي الحزبين ﴾ على الابتداء وخبره ﴿ أحصى ﴾ وهو فعل ماض و "ما" في ﴿ لما لبثوا ﴾ مصدرية أي أحصى ﴿ أحداً ﴾ للبثهم فيكون الجار والمجرور صفة للأمد فلما قدم صار حالاً منه.

وقيل: اللام "زائدة" و "ما" بمعنى الذي وأمداً تمييز والتقدير: أحصى لما لبثوه أمداً والأمد الغاية.

وزعم بعضهم أن ﴿ أحصى ﴾ أفعل تفضيل كما في قولهم "أعدى من الجرب" و "أفلس من ابن المذلق"، ولم يستصوبه في الكشاف لأن الشاذ لا يقاس عليه.

واختلفوا في تعيين الحزبين فعن عطاء عن ابن عباس أن أصحاب الكهف حزب والملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك حزب.

وقال مجاهد: الحزبان من أصحاب الكهف.

وذلك أنهم لما انتبهوا اختلفوا فقال بعضهم: ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ وقال آخرون: ﴿ ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ وذلك حين حدسوا أن لبثهم قد تطاول.

وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم ﴿ نحن نقص عليك نبأهم بالحق ﴾ أي على وجه الصدق ﴿ أنهم فتية ﴾ شباب ﴿ آمنوا بربهم ﴾ أي بي فوضع الظاهر موضع المضمر ﴿ وزدناهم هدى ﴾ أي بالتوفيق والتثبيت ﴿ وربطنا على قلوبهم ﴾ قوّيناهم بإلهام الصبر على فراق الخلائق والأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران ﴿ إذ قاموا ﴾ وفي هذا القيام أقوال: فعن مجاهد أنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد فقال رجل منهم:هو أكبر القوم إني لأجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده، أجد أن ربي رب السموات والأرض.

فقالوا: نحن كذلك في أنفسنا فقاموا جميعاً ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وقال أكثر المفسرين: إنه كان لهم ملك جبار - يقال له دقيانوس - وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وعن عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم.

والشطط الإفراط في الظلم والإبعاد فيه من شط إذا بعد والمراد قولاً ذا شطط أي بعيد عن الحق.

﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ و ﴿ قومنا ﴾ عطف بيان أبو بدل ﴿ اتخذوا ﴾ خير وهو إخبار في معنى إنكار.

وفي اسم الإشارة تحقير لهم ﴿ لولا يأتون عليهم ﴾ هلا يأتون على حقيقة إلهيتهم أو على عبادتهم ﴿ بسلطان بين ﴾ بحجة ظاهرة، استدل بعدم الدليل على عدم الشركاء والأضداد فاستدل بعض العلماء بذلك على أن هذه طريقة صحيحة، ويمكن أن يجاب بأنه إنما ذكر ذلك على سبيل التبكيت، فمن المعلوم أن الإتيان بسلطان على عباده الأوثان محال، وفيه دليل على فساد التقليد ويؤكده قوله ﴿ فمن أظلم من افترى على الله كذباً ﴾ بنسبة الشريك إليه وخاطب بعضهم بعضاً حين صمم عزمهم على الفرار بالدين.

وقوله: ﴿ وما يعبدون ﴾ عطف على المضمير المنصوب يعني وإذا اعتزلتموهم ومعبوديهم.

وقوله: ﴿ إلا الله ﴾ استثناء منقطع على الدهر، ويجوز أن يكون متصلاً بتاءً على أن المشركين يقرون بالخالق الأكبر.

وقيل هو كلام معترض إخبار من الله  عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله فـ "ما" نافية.

قال الفراء ﴿ فأووا إلى الكهف ﴾ جواب "إذا" ومعناه إذهبوا إليه واجعلوا مأواكم ﴿ ينشر لكم ربكم من رحمته ﴾ يبسطها لكم و ﴿ مرفقاً ﴾ على القراءتين مشتق من الارتفاق الانتفاع.

وقيل: فتح الميم أقيس وكسرها أكثر.

وقيل: المرفق بالكسر ما ارتفعت به، والمرفق بالفتح الأمر الرافق.

وكان الكسائي ينكر في مرفق اليد إلا كسر الميم.

قالوا ذلك ثقة بفضل الله وتوكلاً عليه، وإما لأنه أخبرهم نبي في عصرهم منهم أو من غيرهم.

﴿ وترى الشمس ﴾ أيها الإنسان ﴿ إذا طلعت تزاور ﴾ أصله من الزور بفتح الواو وهو الميل ومنه زاره إذا مال إليه.

والمراد أن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.

والفجوة المتسع إن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.

والفجوة المتسع من المكان ومنه الحديث "فإذا وجد فجوة نص" وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح وإلى هذا الحجب أشار بقوله: ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ وثانيهما أن باب ذلك الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على يساره فلذلك كانت الشمس لا تصل إليهم.

ثم إنهم كانوا مع ذلك في منفسح من الغار ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم، واعترض بأن عدم وصول الشمس إليهم لا يكون آية من آيات الله على هذا التقدير.

وأجيب بأن المشار إليه حفظهم في ذلك الغار مدة طويلة، والمقصود من بيان وضع الغار تعيين مكانهم.

ثم بين الله  لطفه بهم بصون أبدانهم عن الفساد في تلك المدة المديدة كما لطف بهم في أول الأمر بالهداية فكان فيه ثناء عليهم وتذكير لغيرهم إن الهداية وضدها كليهما بمشيئة الله وعنايتها الأزلية وبلطفه وقهره الذي سبق به القلم, قال جار الله: فيه تنبيه على أن من سلك طريق الراشدين المهديين فهو الذي أصاب الفلاح، ومن تعرض للخسران فلن يجد من يليه ويرشده.

ثم حكى طرفاً آخر من غرائب أحوالهم فقال ﴿ وتحسبهم أيقاظاً ﴾ هي جمع يقظ بكسر القاف كأنكاد في جمع نكد ﴿ وهم رقود ﴾ جمع راقد كقعود في قاعد.

واستبعده في التفسير الكبير.

وقيل: عيونهم مفتحة وهم نيام فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظاً.

وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم.

وقيل: لهم تقلبتان في السنة.

وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء.

وعن مجاهد: يمكثون رقوداً على أيمانهم سبع سنين ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقوداً سبع سنين، وفائدة تقلبهم ظاهرة وهي أن لا تأكل لحومهم الأرض.

قال ابن عباس: وتعجب منه الإمام فخر الدين قال: وإن الله  قادر على حفظهم من غير تقليب.

وأقول: لا ريب في قدرة الله  ولكن الوسائط معتبرة في أغلب الأحوال ﴿ وكلبهم باسط ﴾ حكاية الحال الماضية ولهذا عمل في المفعول به.

والوصيد الفناء وقيل العتبة أو الباب.

قال السدي: الكهف لا يكون له عتبة ولا باب وإنما أراد أن الكلب منه موضع العتبة من البيت.

عن ابن عباس: هربوا ليلاً من ملكهم فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم ومعه كلبه.

وقال كعب: مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك ثلاث مرات فقال لهم الكلب: ما تريدون مني أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم.

وقال عبيد ابن عمرو: كان ذلك كلب صيدهم والاطلاع على الشيء الإشراف عليه.

قال الزجاج قوله ﴿ فراراً ﴾ منصوب على المصدر لأنه بمعنى التولية.

وسبب الرعب هيبة ألبسهم الله إياهم.

وقيل طول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم ووحشة مكانهم منه يحكى أن معاوية غزا الروم فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس: ليس لك ذلك قد منع الله منه من هو خير منك؟

فقال: ﴿ لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ﴾ فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث ناساً فقال لهم: اذهبوا فانظروا ففعلوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحاً فأخرجتهم ﴿ وكذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله أي وكما أنمناهم تلك النومة وفعلنا بهم ما فعلنا من الكرامات كذلك ﴿ بعثناهم ﴾ وفيه تذكير لقدرته على الإنامة والبعث جميعاً، ثم ذكر غاية بعثهم فقال: ﴿ ليتساءلوا ﴾ أي ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع في مدة اللبث غرض صحيح لما فيه من انكشاف الحال وظهور آثار القدرة ﴿ قال قائل منهم كم لبثتم ﴾ قال ابن عباس: وهو رئيسهم يمليخارد علم ذلك إلى الله  حين رأى التغير في شعورهم وأظفارهم وبشرتهم.

والفاء في ﴿ فابعثوا ﴾ للتسبيب كأنه قيل: واذ قد حصل اليأس من تعيين مدة اللبث فخذوا في شيء آخر مما يهمكم.

والورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة.

وفي تزودهم الورق عند فرارهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان في سفره وحضره لا ينافي التوكل على الله.

والمدينة طرسوس.

قال في الكشاف: ﴿ أيها ﴾ معناه أيّ أهلها ﴿ أزكى طعاماً ﴾ وأقول: يحتمل أن يعود الضمير إلى الأطعمة ذهناً كقوله: "زيد طيب أباً" على أن الأب هو زيد، ويجوز أن يراد أي أطعمة المدينة أزكى طعاماً على الوجه المذكور.

عن ابن عباس: يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوساً وفيهم قوم يخفون أديانهم.

وقال مجاهد: احترزوا من المغصوب لأن ملكهم كان ظلماً.

وقيل: أيها أطيب وألذ.

وقيل: الرخص ﴿ وليتلطف ﴾ وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن.

والأظهر أنهم طلبوا اللطف في أمر التخفي حتى لا يعرف.

يؤيده قوله ﴿ ولا يشعرون بكم أحد ﴾ أي لا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور ويسبب له ﴿ إنهم إن يظهروا ﴾ يطلعوا على مكانكم أو ﴿ عليكم يرجموكم ﴾ يقتلوكم أخبث القتلة وهي الرجم وكأنه كانت عادتهم ﴿ أو يعيدوكم في ملتهم ﴾ بالإكراه العنيف.

وقال في الكشاف: العود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم يقولون ما عدت أفعل كذا يريدون ابتداء الفعل.

قلت: يحتمل أن يكون العود ههنا على معناه الأصلي لاحتمال أن يكون أصحاب الكهف على ملة أهل المدينة قبل أن هداهم الله.

وفي "أذن" معنى الشرط كأنه قال: إن رجعتم إلى دينهم فلم تفلحوا أبداً، قال المحققون: لا خوف على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين.

ففي الأول هلاك الدنيا، وفي الثاني هلاك الآخرة.

وإنما نفى الفلاح على التأبيد مع أن كفر المكره لا يضر، لأنهم خافوا أن يجرهم ظاهر الموافقة إلى الكفر القلبي، وكما أنمناهم وبعثناهم ﴿ أعثرنا عليهم ﴾ سمى الإعلام إعثاراً والعلم عثوراً لأن من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه وعرفه وكان الإعثار سبباً لحصول العلم واليقين.

وفي سبب الإعثار قولان: أحدهما أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولاً مخالفاً للعادة وتغيرت بشرتهم فعرفوا بذلك.

والأكثرون قالوا: إن ذلك الرجل لما ذهب بالورق إلى السوق وكانت دارهم دقيانوسية اتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملك فقال له: من أين وجدت هذه الدراهم؟

قال: بعت به أمس شيئاً من التمر.

فعرف الملك أنه ما وجد كنزاً وأن الله بعثه بعد موته فقص عليه القصة.

ثم ذكر  غاية الإعثار فقال: ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ يروى أن ملك ذلك العصر من كان ينكر البعث إلا أنه كان مع كفره منصفاً فجعل الله أمر الفتية دليلاً للملك.

وقيل: بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم: الجسد والروح يبعثان جميعاً.

وقال آخرون: الروح تبعث وأما الجسد فتأكله الأرض.

ثم إن ذلك الملك كان يتضرع أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في المسألة فأطلعه الله  على أمر أصحاب الكهف حتى تقرر عنده صحة بعث الأجساد، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث.

فالمراد بالتنازع هو اختلافهم في حقيقة البعث.

والضمائر في قوله: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم ﴾ تعود إلى تلك الأمة.

وقيل: أراد إذ يتنازع الناس بينهم أمر أصحاب الكهف ويتكلمون في قصتهم، أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا كيف يخفون مكانهم وكيف يسدون الطريق إليهم.

﴿ فقالوا ابنوا ﴾ على باب كهفهم ﴿ بنياناً ﴾ يروى أنه انطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم وحمدوا الله على آياته الدالة على البعث.

ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإنس ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه وأمر فجعل لكل واحد تابوتاً من ذهب فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجداً.

فيكون فيه دليل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله  ومعترفين بالعبادة والصلاة، وقيل: إن الكفار قالوا: إنهم كانوا على ديننا ونتخذ عليهم بنياناً، والمسلمين قالوا: بل كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجداً، وقيل: إنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم.

قال جار الله: ﴿ ربهم أعلم بهم ﴾ من كلام المتنازعين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقته قالوا ذلك، أو هو من كلام الله عز وجل رد القول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا عوافيهم على عهد رسول الله  من أهل الكتاب.

والذين غلبوا على أمرهم المسلمون وملكهم المسلم لأنهم بنوا عليهم مسجداً يصلى فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم وكانوا أولى بهم بالبناء عليهم حفظاً لتربتهم بها وضناً بها ﴿ سيقولون ﴾ يعنى الخائضين في قصتهم من المؤمنين ومن أهل الكتاب المعاصرين وكان كما أخبر فكان معجزاً، يروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي  فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبياً هم ﴿ ثلاثة رابعهم كلبهم ﴾ وقال العاقب وكان نسطورياً هم ﴿ خمسة وسادسهم كلبهم ﴾ فزيف الله قولهما بأن قال: ﴿ رجماً بالغيب ﴾ أي يرمون رمياً بالخبر الخفي يقال: فلان يرمي بالكلام رمياً أي يتكلم من غير تدبر.

وكثيراً ما يقال رجم بالظن.

مكان قولهم ظن.

وقال المسلمون.

هم سبعة ثامنهم كلبهم.

قال العلماء: وهذا قول محقق عرفه المسلمون بأخبار رسول الله  عن لسان جبرائيل  .

والذي يدل عليه أمور منها ما روي عن علي  أنهم سبعة تقرأ أسماؤهم.

يمليخا ومكشلينيا ومشلينيا - هؤلاء أصحاب يمين الملك - وكان عن يساره مرنوس ودبرنوش وشادنوش.

وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره، والسابع الراعي الذي وافقهم واسمه كفشططوش.

واسم مدينتهم أفسوس، واسم كلبهم قطمير.

وقيل ريان.

عن ابن عباس: أن أسماء أصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب وإطفاء الحريق تكتب في خرقة ويرمى بها في وسط النار، ولبكاء الطفل تكتب وتوضع تحت رأسه في المهد، وللحرث تكتب على القرطاس.

وترفع على خشب منصوب في وسط الزرع، وللضربان وللحمى المثلثة والصداع الغنى والجاه.

والدخول على السلاطين تشد على الفخذ اليمنى، ولعسر الولادة تشد على فخذها الأيسر، ولحفظ المال والركوب في البحار والنجاة من القتل.

ومنها قول صاحب الكشاف إن الواو في قوله ﴿ وثامنهم ﴾ هي التي تدخل على الجملة والواقعة صفة للنكرة في قولك "جاءني رجل ومعه آخر" كما تدخل على الجملة الواقعة حالاً من المعرفة في قولك "مررت بزيد ومعه سيف" وفائدته توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر لأن الواو مقتضاها الجمعية وكأنهم وصفوا بكونهم سبعة مرتين بخلاف القولين الأولين فإنهم وصفوا بما وصفوا مرة واحدة.

ولقائل أن يقول: إن العاطف لا يوسط بين الوصف والموصوف ألبتة لشدة الاتصال بينهما، ومقتضى الواو هو الحالة المتوسطة بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع.

بل الواو للعطف عطف الجملة على الجملة وإما للحال وجاز لأنهم لم يسوغوا إذا الحال نكرة، لا مكان التباس الحال بالصفة في نحو قولك "رأيت رجلاً راكباً" وههنا الالتباس مرتفع لمكان الواو.

ومنها بعضهم إن الضمير في قوله: ﴿ ويقولون سبعة ﴾ لله تعالى والجمع للتعظيم.

ومنها قول ابن عباس حين وقعت الواو انقطعت العدّة أي لم تبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات.

ومنها أنه خص القولين الأولين بزيادة قوله: ﴿ رحيماً بالغيب ﴾ وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فمن البعيد أن يذكر الله  جملة الأقوال الباطلة ولا يذكر الحق على أنه  منعه عن المناظرة معهم وعن الاستفتاء منهم في هذا الباب، وهذا المنع إنما يصح إذا علمه حكم هذه الواقعة.

وأيضاً الله  قال: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ ويبعد أن لا يحصل العلم بذلك للنبي  ويحصل لغير النبي  كعلي وابن عباس حسين قال: أنا من أولئك القليل.

وقد عرفت قولهما في هذا الباب.

وإذا حصل فالظاهر أنه حصل بهذا الوحي لأن الأصل فيما سواه العدم.

وقيل: الضمير في ﴿ سيقولون ﴾ لأهل الكتاب خاصة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وقوله  في الموضعين الأخيرين و ﴿ يقولون ﴾ بغير السين لا ريب أنهما للاستقبال أيضاً إلا أن ذلك يحتمل أن يكون لأجل الصيغة التي تصلح له، وأن يكون لتقدير السين بحكم العطف كما تقول: قد أكرم وأنعم أي وقد أنعم.

أما فائدة تخصيص الواو في قوله: ﴿ وثامنهم ﴾ فقد عرفت آنفاً وقد يقال: إن لعدد السبعة عند العرب تداولاً على الألسنة في مظان المبالغة من ذلك قوله  : ﴿ إن تستغفر لهم سبعين مرة  ﴾ لأن هذا العدد سبعة عقودٍ، فإذا وصلوا إلى الثامنة ذكروا لفظاً يدل على الاستئناف كقوله في أبواب الجنة ﴿ وفتحت أبوابها  ﴾ وكقوله ﴿ ثيبات وأبكاراً  ﴾ وزيف القفال هذا الوجه بقوله  : ﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر  ﴾ وذلك لم يذكر الواو في النعت الثامن.

والانصاف أن هذا التزييف ليس في موضعه لأن وجود الواو هو الذي يفتقر إلى التوجيه، وأما عدمه فعلى الأصل وبين التوجيه والإيجاب بون بعيد، والقائل بصدد الأول دون الأخير.

ثم نهى نبيه  عن الجدال مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف ثم قال: ﴿ الأمراء ظاهراً ﴾ فقال جار الله: أي جد إلا غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد من غير تجهيل ولا تعنيف.

وقال في التفسير الكبير: المراد أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد بل يقول هذا التعيين لا دليل عليه فوجب التوقف.

ثم نهاه عن الاستفتاء منهم في شأنهم لأن المفتي يجب أن يكون أعلم من المستفتي وههنا الأمر بالعكس ولا سيما في باب واقعة أصحاب الكهف كما بينا.

ولنذكر ههنا مسألة جواز الكرامات وما تتوقف هي عليه فنقول: الولي مشتق من الولي وهو القرب.

فقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" كعليم وقدير وذلك أنه توالت طاعاته من غير تخلل معصية.

وقيل: بمعنى "مفعول" كقتيل وذلك أن الحق  تولى حفظه وحراسته وقرب منه بالفضل والإحسان، فإذا ظهر فعل خارق للعادة على إنسان فإن كان مقروناً بدعوى الإلهية كما نقل أن فرعون كانت تظهر على يده الخوارق، وكما ينقل أن الدجال سيكون منه ذلك فهذا القسم جوزه الأشاعرة لأن شكله وخلقه يدل على كذبه فلا يفضي إلى التلبيس وإن كان مقروناً بدعوى النبوة.

فإن كان صادقاً وجب أن لا يحصل له المعارض، وإن كان كاذباً وجب.

ويمكن أن يقال: إن الكاذب يستحيل أن يظهر منه الفعل الخارق وإليه ذهب جمهور المعتزلة، وخالفهم أبو الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي وجوزا ظهور خوارق العادات على من كان مردوداً على طاعة الله وسموه بالاستدراج.

وقد يفرق بين النبي الصادق والساحر الخبيث بالدعاء إلى الخير والشر وإن كان مقروناً بدعوى الولاية فصاحبه هو الولي، ومن المحققين من لم يجوّز للولي دعوى الولاية لأنه مأمور بالإخفاء كما أن النبي مأمور بالإظهار.

ثم إن المعتزلة أنكروا كرامات الأولياء وأثبتها أهل السنة مستدلين بالقرآن والأخبار والآثار والمعقول.

أما القرآن فكقصة مريم ونبأ أصحاب الكهف.

قال القاضي: لا بد أن يكون في ذلك الزمان نبي تنسب إليه تلك الكرامات.

وأجيب في التفسير الكبير بأن إقدامهم على النوم أمر غير خارق للعادة حتى يجعل ذلك معجزة لأحد، وأما قيامهم من النوم بعد ثلثمائة سنة فهذا أيضاً لا يمكن جعله معجزة لأن الناس لا يصدقونهم في هذه الواقعة لأنهم لا يعرف كونهم صادقين في هذه الدعوى إلا إذا بقوا طول هذه المدة وعرفوا أن هؤلاء الذين جاؤا في هذا الوقت هم الذين ناموا قبل ذلك بثلثمائة وتسع سنين، وكل هذه الشرائط لم توجد فامتنع جعل هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء، فلم يبق إلا أن تجعل كرامة لهم.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون نفس بعثهم معجز النبي هذا الزمان؟

وأما أن ذلك البعث بعد نوم طويل فيعرف بأمارات أخر كما مر من حديث الدرهم وغيره.

وأما الأخبار فمنها ما أخرج في الصحاح عن أبي هريرة عن النبي  أنه قال: " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصبي في زمان جريج وصبي آخر.

أما عيسى فقد عرفتموه، وأما جريج فكان رجلاً عابداً في بني إسرائيل وكانت له أم وكان يوماً يصلي إذ اشتاقت إليه أمه فقالت: يا جريج فقال: يا رب الصلاة خير أم رؤيتها ثم صلى.

فدعته ثانياً مثل ذلك حتى كان ذلك ثلاث مرار.

وكان يصلي ويدعها فاشتد ذلك على أمة فقالت: اللَّهم لا تمته حتى تريه المومسات.

وكانت في بني إسرائيل زانية فقالت لهم: أنا أفتن جريجاً حتى يزني فأتته فلم تقدر عليه شيئاً وكان هناك راع يأوى بالليل إلى أصل صومعته فأرادت الراعي على نفسها فأتاها فولدت غلاماً وقالت: ولدي هذا من جريج.

فأتاه بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه فصلى ودعا ثم نخس الغلام.

قال أبو هريرة: كأنى أنظر إلى النبي  حين قال بيده يا غلام من أبوك؟

فقال: فلان الراعي فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا إليه وقالوا نبني صومعتك من ذهب وفضة فأبى عليهم وبناها كما كانت.

وأما الصبي الآخر فإن امرأة كانت معها صبي ترضعه إذ مر بها شاب جميل ذو شارة فقالت: اللَّهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي: اللَّهم لا تجعلني مثله.

ثم مر بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت: اللَّهم لا تجعل ابني مثل هذه.

فقال: اللَّهم اجعلني مثلها.

فقالت له أمه في ذلك فقال: إن الراكب جبار من الجبابرة وإن هذه قيل لها سرقت ولم تسرق وزنيت ولم تزن هي تقول حسبي الله" .

ومنها ما روي عن ابن عمر أن رسول الله  قال: " انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا إنه والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فقال رجل منهم كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما فناما في ظل شجرة يوماً فلم أبرح عنهما وحلبت لهما غبوقهما فجئتهما به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما فقمت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللَّهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه.

ثم قال الآخر اللَّهم إنه كانت لي ابنة عم وكانت أحب الناس إليّ فأردتها عن نفسها فامتنعت حتى ألمت سنة من السنين فجاءتني وأعطيتها مالاً عظيماً على أن تخلي بيني وبين نفسها فلما قدرت عليها قالت لا آذن لك أن تفك الخاتم إلا بحقه فتحرجت من ذلك العمل وتركتها وتركت المال معها اللَّهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.

فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها قال رسول الله  : ثم قال الثالث اللَّهم إني استأجرت أجراء أعطيتهم أجورهم غير رجل واحد منهم ترك الذي له وذهب فثمرت أجرته حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدّ إليّ أجرتي فقلت له كل ما ترى من الإبل والغنم والرقيق من أجرتك فقال يا عبد الله لاتستهزىء بي فقلت إني لا أستهزىء بأحد فأخذ ذلك كله اللَّهم إن كنت فعلته ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون" وهذا حديث صحيح متفق عليه.

ومنها قوله  : "رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره" .

ولم يفرق بين شيء وشيء فيما يقسم به على الله.

ومنها رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي  قال: "بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها إذا التفتت البقرة وقالت إني لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث فقال الناس: سبحان الله!

فقال النبي  : آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر" .

ومنها رواية أبي هريرة عن النبي  : "بينا رجل سمع رعداً أو صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان قال فغدوت إلى تلك الحديقة فإذا رجل قائم فيها فقلت له: ما اسمك؟

قال: فلان ابن فلان.

فقلت: فما تصنع بحديقتك هذه إذا صرمتها؟

قال: ولم تسأل عن ذلك؟

قلت: لأني سمعت صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان.

قال: أما إذ قلت فإني أجعلها أثلاثاً فأجعل لنفسي ولأهلي ثلثاً وأجعل للمساكين وأبناء السبيل ثلثاً وأنفق عليها ثلثاً" وأما الآثار فمن كرامات أبي بكر الصديق أنه لما حملت جنازته إلى باب قبر النبي  ونودي السلام عليك يا رسول الله هذا أبو بكر بالباب فإذا الباب قد فتح فإذا هاتف يهتف من القبر أدخلوا الحبيب إلى الحبيب.

ومن كرامات عمر ما روي أنه بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً يدعى سارية بن حصين.

فبينا عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته يا سارية الجبل الجبل.

قال علي بن أبي طالب  : وكتبت تاريخ هذه الكلمة.

فقدم رسول ذلك الجيش.

فقال: يا أمير المؤمنين غدونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فدهمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزم الله الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة.

قال بعض العلماء: كان ذلك بالحقيقة معجزة للنبي  لأنه قال لأبي بكر وعمر: أنتما مني بمنزلة السمع والبصر.

فلما كان عمر بمنزلة البصر لا جرم قدر على رؤية الجيش من بعد.

ومنها ما روي أن نيل مصر كان في الجاهلية يقف في كل سنة مرة واحدة وكان لا يجري حتى يلقى فيه فيه جارية حسناء.

فلما جاء الإسلام كتب عمرو بن العاص بهذه الحالة إلى عمر.

فكتب عمر على الخزف: من عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجري بأمرك فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت تجري بأمر الله فاجر على بركة الله.

وأمر أن يلقى الخزف في النيل فجرى ولم يقف بعد ذلك.

ووقعت الزلزلة بالمدينة فضرب عمر الدرة على الأرض وقال: اسكني بإذن الله فسكنت.

ووقعت النار في بعض دورالمدينة فكتب عمر على خزفة: يا نار اسكني بإذن الله  فألقوها في النار فانطفأت في الحال.

ويروى أن رسول ملك الروم جاء إلى عمر وطلب داره فظن أن داره مثل قصور الملوك فقالوا: ليس له ذلك إنما هو في الصحراء يضرب اللبن.

فلما ذهب إلى الصحراء رأى عمر واضعاً درته تحت رأسه وهو نائم على التراب فتعجب الرسول من ذلك وقال في نفسه: أهل الشرق والغرب يخافون منه وهو على هذه الصفة فسل سيفه ليقتله فأخرج الله أسدين من الأرض فقصداه فخاف فألقى السيف فانتبه عمر وأسلم الرجل.

قال أهل السير: لم يتفق لأحد من أول عهد إلى الآن ما تيسر له فإنه مع غاية بعده عن التكلفات كيف قدر على تلك السياسات، ولا شك أن هذا من أعظم الكرامات.

وأما عثمان فعن أنس قال: مررت في طريق فوقعت عيني على امرأة ثم دخلت على عثمان فقال: ما لي أراكم تدخلون عليّ وآثار الزنا عليكم؟!

فقلت: أوحي نزل بعد رسول الله  ؟

فقال: لا ولكن فراسة صادقة.

وقيل: لما طعن بالسيف فأول قطرة سقطت من دمه سقطت على المصحف على قوله: ﴿ فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم  ﴾ .

ويروى أن جهجاهاً الغفاري انتزع العصا من يده وكسرها في ركبته فوقعت الآكلة في ركبته.

وأما علي صلوات الله عليه فيروى أن واحداً من أصحابه سرق وكان عبداً أسود فأتي به إلى علي  فقال: أسرقت؟

قال: نعم.

فقطع يده فانصرف من عند علي  فلقيه سلمان الفارسي وابن الكواء فقال ابن الكواء: من قطع يدك؟

قال: أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج البتول.

فقال: قطع يدك وتمدحه.

قال: ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق وخلصني من النار.

فسمع سلمان ذلك فأخبر به علياً  فدعا الأسود ووضع يده على ساعده وغطاه بمنديل ودعا بدعوات، فسمعنا صوتاً من السماء ارفع الرداء عن اليد فرفعنا الرداء فإذا اليد كما كانت بإذن الله  .

وأما سائر الصحابة فعن محمد بن المنذر أنه قال: ركبت البحر فانكسرت السفينة التي كنت فيها فركبت لوحاً من ألواحها فطرحني اللوح في أجمة فيها أسد، فخرج إليّ أسد فقلت: يا أبا الحرث أنا مولى رسول الله  قال: فتقدم ودلني على الطريق ثم همهم فظننت أنه يودعني ورجع.

وروى ثابت عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلاً آخر من الأنصار خرجاً من عند رسول الله  حين ذهب من الليل قطع، وكانت ليلة مظلمة وفي يد كل واحد منهما عصاه فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها، فلما افترقا أضاءت لكل واحد منهما عصاه حتى مشى في ضوئها وبلغ منزله.

وقيل لخالد بن الوليد إن في عسكرك من يشرب الخمر فركب فرسه ليلاً فطاف في العسكر فرأى رجلاً على فرس ومعه زق من خمر فقال: ما هذا؟

فقال: خل.

فقال خالد: اللَّهم اجعله خلاً.

فذهب الرجل إلى أصحابه وقال: أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثلها.

فلما فتحوا فإذا هي خل.

فقالوا: والله ما جئتنا إلا بخل.

فقال: هذه والله دعوة خالد.

ومن الوقائع المشهورة أن خالد بن الوليد أكل كفاً من السم على اسم الله وما ضره.

وعن ابن عمر أنه كان في بعض أسفاره فلقي جماعة على طريق خائفين من السبع فطرد السبع عن طريقهم ثم قال: إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء.

وروي أن النبي  بعث العلاء بن الحضرمي في غزاة فحال بينه وبين المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم الله الأعظم فمشوا على الماء.

وفي كتب الصوفية من هذا الباب روايات كثيرة ولا سيما في كتاب تذكرة الأولياء ومن أرادها فليطالعها.

وأما المعقول فهو أن الرب حبيب العبد والعبد حبيب الرب لقوله ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ فإذا بلغ العبد في طاعته مع عجزه إلى حيث يفعل كل ما أمره الله.

فأي بعد في أن يفعل الرب مع غاية قدرته وسعة جوده مرة واحدة ما يريد العبد.

وأيضاً لو امتنع إظهار الكرامة فذلك إما لأجل أن الله  ليس أهلاً له فذلك قدح في قدرته، وإما لأن المؤمن ليس أهلاً له وهو بعيد لأن معرفة الله والتوفيق على طاعته أشرف العطايا وأجزلها، وإذا لم يبخل الفياض بالأشرف فلأن لا يبخل بالأدون أولى ومن هنا قالت الحكماء: إن النفس إذا قويت بحسب قوتها العلمية والعملية تصرفت في أجسام العالم السفلي كما تتصرف في جسده.

قلت: وذلك أن النفس نور ولا يزال يتزايد نوريته وإشراقه بالمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية عليه حتى ينبسط ويقوى على إنارة غيره والتصرف فيه، والوصول إلى مثل هذا المقام هو المعني بقول علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.

والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة ربانية.

حجة المنكرين للكرامات أن ظهور الخوارق دليل على النبوة، فلو حصل لغير النبي لبطلت هذه الدلالة.

وأجيب بالفرق بين المعجز والكرامة بأن المعجز مقرون بدعوى النبوة والكرامة مقرونة بدعوى الولاية.

وأيضاً النبي يدعي المعجزة ويقطع بها.

والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها،وأيضاً أنه يجب نفي المعارضة عن المعجزة ولا يجب نفيها عن الكرامة.

جميع هذا عند من يجوّز للولي دعوى الولاية، وأما من لا يجوّز ذلك من حيث إن النبي مأمور بالإظهار لضرورة الدعوة والولي ليس كذلك ولكن إظهاره يوجب طلب الإشهار والفخر المنهي عنهما، فإنه يفرق بينهما بأن المعجز مسبوق بدعوى النبوة، والكرامة غير مسبوقة بشيء من الدعاوى قالوا: قال  حكاية عن الله  : "لن يتقرب إليّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم" لكن المتقرب إلى الله بأداء الفرائض لا يحصل له شيء من الكرامات، فالمتقرب إليه بأداء النوافل أولى بأن لا يحصل له ذلك.

وأجيب بأن الكلام في المتقرب إليه بأداء الفرائض والنوافل جميعاً.

قالوا: قال  : ﴿ وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس  ﴾ فالقول بطيّ الأرض للأولياء طعن في الآية وطعن في محمد  حين لم يصل من المدينة إلى مكة إلا في أيام.

وأجيب بأن الآية وردت على ما هو المعهود المتعارف وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثناة من ذلك العموم، وإن محمداً  لم يكن قاصراً عن رتبة بعض الأولياء ولكنه لم يتفق له ذلك، أو لعله اتفق له في غير ذلك السفر قالوا: إذا ادعى الولي على إنسان درهماً فإن لم يطالبه بالبينة كان تاركاً لقوله: "البينة على المدعي." وإن طالبه كان عبثاً لأن ظهور الكرامة عليه دليل قاطع على أنه لا يكذب ومع الدليل القاطع لا يجوز العمل بالظن.

والجواب مثل ما مر من أن النادر لا يحكم به.

قالوا: لو جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء لجاز على كلهم، وإذا كثرت الكرامات انقلب خرق لعادة وفقاً لها.

وأجيب بأن المطيعين فيهم قلة لقوله  : ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ والولي فيهم أعز من الكبريت الأحمر، واتفاق الكرامة للولي أيضاً على سبيل الندرة فكيف يصير ما يظهر عليه معتاداً؟!

في الفرق بين الكرامات والاستدراج هو أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وقد يسمى مكراً وكيداً وضلالاً وإملاء، والفرق أن صاحب الكرامة لا يستأنس بها ولكنه يخاف سوء الخاتمة، وصاحب الاستدراج يسكن إلى ما أوتي ويشتغل به، وإنما كان الاستئناس بالكرامات قاطعاً للطريق لأنه حينئذ اعتقد أنه مستحق لذلك وأن له حقاً على الخالق فيعظم شأنه في عينه ويفتخر بها لا بالمكرم، ولا ريب أن الإعجاب مهلك ولهذا وقع إبليس فيما وقع، والعبد الصالح هو الذي يزداد تذللـه وتواضعه بين يدي مولاه بازدياد آثار الكرامة والولاية عليه، قرأ المقرئ في مجلس الأستاذ أبى علي الدقاق ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه  ﴾ فقال: علامة رفع العمل أن لا يبقى منه في نظرك شيء، فإن بقي فهو غير مرفوع.

واختلف في أن الولي هل يعرف كونه ولياً؟.

قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: لا يجوز لأن ذلك يوجب الأمن ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ والأمن ينافي اعتقاد قهارية الله  ويقتضي زوال العبودية الموجب لسخط الله.

وكيف يأمن الولي وقد وصف الله عباده المخلصين بقوله: ﴿ ويدعوننا رغباً ورهباً  ﴾ وأيضاً إن طاعة العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته لأنها محدثة متناهية وصفاته قديمة غير متناهية، والمحدث المتناهي لا يغلب القديم غير المتناهي.

فقد يكون العبد في عين المعصية ونصيبه في الأزل هو المحبة وقد يكون في عين الطاعة ونصيبه المبغضية، ولهذا لا يحصل الجزم بكيفية الخاتمة.

قيل: من هنا قال  : ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ ولم يقل من عمل حسنة.

ومن كانت محبته لا لعلة امتنع أن يصير عدوّاً لعلة المعصية وبالعكس، ومحبة الحق وعداوته من الأسرار التي لا يطلع عليها إلا الله أو من أطلعه عليها الله.

وقال الأستاذ أبو علي الدقاق وتلميذه أبو القاسم القشيري: إن للولاية ركنين: أحدهما انقياد للشريعة في الظاهر، والثاني كونه في الباطن مستغرقاً في نور الحقيقة فإذا حصل هذان الأمران وعرف الإنسان ذلك عرف لا محالة كونه ولياً، وعلامته أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه بذكر الله.

قلت: لا ريب أن مداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة، ودون الوصول إلى عالم الربوبية حجب وأستار من نيران وأنوار، فالجزم بالولاية خطر والقضاء بالمحبة عسر والله  أعلم.

قال المفسرون: إن اليهود حين قالت لقريش: سلوا محمداً عن مسائل ثلاثة عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فسألوهن قال  : "أجيبكم عنها غداً ولم يستثن فاحتبس الوحي عنه خمس عشرة ليلة." وقيل: أربعين يوماً ثم نزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً ﴾ أي لأجل شيء تعزم عليه ليس فيه بيان أنه ماذا ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فقال العلماء: إنه لا يمكن أن يكون من تمام قوله ﴿ إني فاعل ﴾ إذا يصير المعنى إلا أن يشاء الله أن لا أفعله أي إلا أن تعرض مشيئة الله دون فعله وهذا ليس منهياً عنه.

فالصواب أن يقال: إنه من تمام قوله: ﴿ ولا تقولن ﴾ ثم إن قدر المراد إلا أن يشاء الله أن تقول إني فاعل ذلك غداً أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد بعينه.وقوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ أن تقوله بأن يأذن لك في ذلك الإخبار كان معنى صحيحاً، ولكنه لا يكون موافقاً لسبب النزول.

فالمعنى الموافق هو أن يكون قوله هذا في موضع الحال أي لا تقولنه إلا متلبساً بأن يشاء الله يعني قائلاً إن شاء الله.

وهذا نهي تأديب لنبيه  لأن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غداً لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد أو يعوقه عن ذلك عائق، فلو لم يقل إن شاء الله صار كاذباً في هذا الوعد والكذب منهي وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إن شاء الله ﴾ في معنى كلمة تأبيد كأنه قيل: ولا تقولنه أبداً.

قال أهل السنة: في صحة الاستثناء بل في وجوبه دلالة على أن إرادة الله  غالبة وإرادة العبد مغلوبة ويؤكده أنه إذا قال المديون القادر على أداء الدين: والله لأقضين هذا الدين غداً ثم قال: إن شاء الله فإذا جاء الغد ولم يقض لم يحنث بالاتفاق، وما ذاك إلا لأن الله ما شاء ذلك الفعل مع أنه أمره باداء الدين، وإنما لم يقع الطلاق في قول الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، لأن مشيئة الله غير معلومة فيلزم الدور لتوقف العلم بالمشيئة على العلم بوقوع الطلاق وبالعكس.

واستدل القائلون بأن المعدوم شيء بقوله: ﴿ ولا تقولن لشيء ﴾ وذلك أن الشيء الذي سيفعله غداً معدوم مع أنه سماه شيئاً في الحال.

وأجيب بأنه مجاز كقوله: ﴿ أعصر خمراً  ﴾ ﴿ واذكر ربك ﴾ أي مشيئة ربك ﴿ إذا نسيت ﴾ كلمة الاستثناء.

ثم تنبهت لها، وللعلماء في مدة النسيان إلى الذكر خلاف، فعن ابن عباس: يستثني ولو بعد سنة ما لم يحنث.

وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة وهو قول ابن عباس بعينه.

وعن طاوس: هو استثناء ما دام في مجلسه.

وعن عطاء: يستثني على مقدار حلب ناقة غزيرة.

وعند عامة الفقهاء لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً.

قالوا: إن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعهد والعقد فإذا أتى بالعهد وجب عليه الوفاء بمقتضاه خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان الاستثناء متصلاً بناء على أن المستثنى منه مع الاستثناء وأداته كالكلام الواحد، فإذا كان منفصلاً لم يمكن هذا التوجيه فوجب الرجوع إلى أصل الدليل.

وقيل: أراد واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، وفيه بعث على الاهتمام بها.

وقيل: اذكر إذا اعتراك النسيان في بعض الأمور لتذكر المنسي، أو اذكره إذا تركت بعض ما أمرك به ليس لهذين القولين شديد ارتباط بما قيل، وكذا قوله من حمله على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها.

واختلفوا في المشار إليه بقوله: ﴿ لأقرب من هذا ﴾ الظاهر عند صاحب الكشاف أن المراد إذا نسيت شيئاً فاذكر ربك، وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه ﴿ رشداً ﴾ وأدنى خيراً ومنفعة.

وقيل: إن ترك قوله "إن شاء الله" ليس بحسن وذكره أحسن.

فقوله "هذا" إشارة إلى الترك وأقرب منه ذكر هذه الكلمة، وقيل: إنه إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتيني من البينات والحجج على أني صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشداً من نبئهم، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والأخبار بالمغيبات ما هو أعظم وأدل.

عن قتادة.

أن قوله  : ﴿ ولبثوا في كهفهم ﴾ حكاية لأهل الكتاب و ﴿ قل الله أعلم بما لبثوا ﴾ رد عليه ويؤيده قراءة عبد الله ﴿ وقالوا لبثوا ﴾ والجمهور على أنه بيان لما أجمل في قوله: ﴿ فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً ﴾ والمراد من قوله ﴿ قل الله أعلم ﴾ أن لا تتجاوزوا الحق الذي أخبر الله به ولا تلتفتوا إلى ما سواه من اختلافات أهل الأديان نظيره قوله: ﴿ قل ربي أعلم بعدّتهم ﴾ بعد قوله: ﴿ سبعة وثامنهم كلبهم ﴾ قال النحويون: سنين عطف بيان لثلثمائة لأن مميز مائة وأخواتها مجرور مفرد.

وقيل: فيه تقديم وتأخير أي لبثوا سنين ثلثمائة.

ومن قرأ بالإضافة فعلى وضع الجميع موضع الجميع موضع الواحد في التمييز كما مر في قوله: ﴿ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً  ﴾ قوله: ﴿ وازدادوا تسعاً ﴾ أي تسع سنين لدلالة لما قبله عليه دون أن يقول "ولبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين".

فعن الزجاج المراد ثلثمائة بحساب السنين الشمسية وثلثمائة وتسع بالسنين القمرية وهذا شيء تقريبي.

وقيل: إنهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قرب أمرهم من الانتباه.

ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين، ثم أكد قوله: ﴿ الله أعلم بما لبثوا ﴾ بقوله: ﴿ له غيب السموات والأرض ﴾ أي ليس لغيره ما خفى فيهما من أحوالهما وأحوال سكانهما وهو مختص بذلك.

ثم زاد في المبالغة فجاء بما دل على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات.

والضمير في قوله: ﴿ مالهم ﴾ لأهل السموات والأرض.

وفيه بيان لكمال قدرته وأن الكل تحت قهره وتسخيره وأنه لا يتولى أمورهم غيره ﴿ ولا يشرك في حكمه ﴾ وقضائه قبل أصحاب الكهف ﴿ أحداً ﴾ منهم ومن قرأ ﴿ لا نشرك ﴾ على النهي فهو عطف معطوف على ﴿ لا تقولن ﴾ والمراد أنه لا يسأل أحداً عما أخبره الله به من نبأ أصحاب الكهف.

واقتصر على بيانه.

وقيل: الضمير في مالهم لأصحاب الكهف أي أنه هو الذي حفظهم في ذلك النوم الطويل وتولى أمرهم.

وقيل: ليس للمختلفين في مدة لبثهم من دون الله من يتولى أمورهم فكيف يعلمون هذه الواقعة من دون إعلامه؟!

وقيل: فيه نوع تهديد لأنهم لما ذكروا في هذا الباب أقوالاً على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب فبين الله  أنه: ﴿ ليس لهم من دونه ولي ﴾ يمنع العقاب عنهم.

واعلم أن الناس اختلفوا في زمان لبث أصحاب الكهف في مكانهم فقيل: كانوا قبل موسى  وأنه ذكرهم في التوراة فلهذا سألت اليهود ما سألوا وقيل: دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبروه بخبرهم ثم لبثوا في الوقت الذي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.

وحكى القفال عن محمد بن إسحق أنهم دخلوا كهفهم بعد عيسى.

وقيل: إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة.

وذكر أبو علي بن سينا في باب الزمان من كتاب الشفاء إن أرسطا طاليس الحكيم زعم أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف ثم قال أبو علي: ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف.

وأما المكان فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه إلى ملك الروم ليعرف أحوال أصحاب الكهف، فوجهه مع طائفة إلى ذلك الموضع قال: وإن الرجل الموكل بذلك المقام فزعني من الدخول عليهم، فدخلت فرأيت الشعور على صدورهم فعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة الحافظة لأبدان الموتى عن البلى كالصبر وغيره.

قلت: حين لم يملأ الخوارزمي رعباً من الاطلاع عليهم حصل القطع بأنهم ليسوا أصحاب الكهف والرقيم، ولو صح ما حكينا عن معاوية حين غزا الروم حصل ظن غالب بأنهم منهم والله  أعلم.

التأويل: ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ﴾ والعبد الحقيقي من يكون حراً عن الكونين وهو محمد  إذ يقول: "أمتي أمتي" يوم يقول كل نبي " نفسي نفسي"، ولأنه هو الذي صحح نسبة العبودية كما ينبغي أطلق عليه اسم العبد مطلقاً وقيد لسائر الأنبياء كما قال: ﴿ عبده زكريا  ﴾ ، ﴿ واذكر عبدنا داود  ﴾ ، ولأنه كان خلقه القرآن قيل: ﴿ ولم يجعل له ﴾ أي لقلبه ﴿ عوجاً ﴾ لا يستقيم فيه القرآن، ومن استقامة قلبه نال ليلة المعراج رتبة ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ بلا واسطة جبرائيل، ونال قلبه الاستقامة بأمر التكوين بقوله: ﴿ فاستقم كما أمرت  ﴾ ﴿ أجراً حسناً ﴾ .

هو التمتع من حسن الله وجماله.

﴿ لعلك باخع نفسك ﴾ كان من عادته عليه الصلاة والسلام أن يبالغ في المأمور به حتى ينهى عنه، بالغ في الدعوة والشفقة على أمته حتى قيل له لا تبخع نفسك، وبالغ في الإنفاق إلى أن أعطى قميصه فقعد عرياناً فنهى عنه بقوله: ﴿ ولا تبسطها كل البسط  ﴾ ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة ﴾ أي زينا الدنيا وشهواتها للخلق ملائماً لطبائعهم وجعلناها محل ابتلاء للمحب وللسائل ﴿ لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ﴾ في تركها ومخالفة هوى نفسه طلباً لله ومرضاته.

ثم أخبر عن سعادة السادة الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على المولى بقوله: ﴿ أم حسبت ﴾ ومعناه لا تعجب من حالهم فإن في أمتك من هو أعجب حالاً منهم، ففيهم أصحاب الخلوات الذين كهفهم بيت الخلوة، ورقيمهم قلوبهم المرقومة برقم المحبة فإنهم أووا إلى الكهف خوفاً من لقاء دقيانوس وفراراً منه، فهؤلاء أووا إلى الخلوة شوقاً إلى لقائي وفراراً إليّ.

وإنهم طلبوا النجاة من شر.

والخروج من الغار بالسلامة بقولهم ﴿ ربنا آتنا ﴾ الآية.

فهؤلاء طلبوا الخلاص من شر نفوسهم والخروج من ظلمات الغار المجازي للوصول إلى نور الوجود الحقيقي.

﴿ فضربنا ﴾ على آذان باطنه وحواسهم الآخر في مدة الخلوة لمحو النقوش الفاسدة عن ألواح نفوسهم وانتقاشها بالعلوم الدينية والأنوار الإلهية ليفنيهم الله عنهم ويبقيهم به وهو سر قوله: ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أي أحييناهم بنا ﴿ لنعلم أي الحزبين ﴾ أصحاب الخلوة أم أصحاب السلوة: ﴿ أحصى ﴾ أي أكثر فائدة وأتم عائدة لأمد لبثهم في الدنيا التي هي مزرعة الآخرة ﴿ وزدناهم هدى ﴾ فإنهم كانوا يريدون الإيمان الغيبي فأنمناهم ﴿ ثم بعثناهم ﴾ حتى صار الإيمان إيقاناً والغيب عياناً ﴿ اتخذوا من دونه آلهة ﴾ من الدنيا والهوى.

﴿ وترى الشمس إذا طلعت ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين.

المعروف: بداية هذا أخبار من أصناف ألطافه بأضيافه، وفيه إشارة إلى أن نور ولايتهم يغلب نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن نار جهنم لقول  : "إن المؤمن إذا ورد النار تستغيث النار وتقول: حزباً مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ في متسع وفراغ من ذلك النور يدفع عنهم كل ضر ويراعيهم عن بلى أجسادهم وثيابهم.

قلت: يحتمل أن يراد أن شمس الروح أو المعرفة والولاية إذا طلعت من أفق الهداية وأشرقت في سماء الواردات - وهو حالة السكر وغلبات الوجد - لا تنصرف في حال خلوتهم إلى أمر يتعلق بالعقبى وهو جانب اليمين ﴿ وإذا غربت ﴾ أي سكنت تلك الغلبات وظهرت حالة الصحو لا تلتفت همم أرواحهم إلى أمر يتعلق بالدنيا وهو جانب الشمال، بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى وهم في حال دفاع وفراغ ما يشغلهم عن الله ﴿ وتحسبهم إيقاظاً ﴾ متصرفين في أمور الدنيا ﴿ وهم رقود ﴾ عنها لأنهم يتصرفون فيها لأجل الحق لا لحظ النفس، أو تحسبهم أيقاظاً مشغولين بأمور الآخرة لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، وهم رقود متصرفون في أمور الدنيا لأن الناس بهم يرزقون ويمطرون.

وفي قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ إشارة إلى أنهم في التسليم لمقلب القلوب في الأحوال كلها كالميت بين يدي الغسال.

قيل: في الآية دلالة على أن المريد الذي يربيه الله بلا واسطة المشايخ تكامل أمره في ثلثمائة وتسع سنين، والذي يربيه بواسطتهم تم أمره في أربعينات معدودة ولهذا تكون ثمرة البساتين الزهر وثمرة الجبال وفي قوله: ﴿ وكلبهم باسط ﴾ إشارة أن أكلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال بها.

ربيت القلوب والأرواح معنى أن هذا النوع من التربية من قبيل القدرة الإلهية التي اختصهم بها، ويمكن أن يراد أن نفوسهم صارت بحيث تطيعهم في جميع الأحوال وتحرسهم عما يضرهم ﴿ ولملئت منهم رعباً ﴾ بما شاهدت عليهم من آثار الأنوار التي زدناهم، ولجلاليب الهيبة والعظمة التي ألبسناهم ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ لأن أيام الوصال قصيرة، فما رأوا أنهم في دهشة الوصال وحياة الأحوال ﴿ قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ لأنه كان حاضراً معكم وأنتم غيب عنكم ﴿ فابعثوا أحدكم ﴾ من العجب أنهم ما احتاجوا مدة ثلثمائة وتسع سنين بما نالوا من غذاء الروح كقوله  : "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" .

فلما رجعوا من عند الله الحق إلى عبدية أنفسهم احتاجوا إلى الغذاء الجسماني ﴿ أزكى طعاماً ﴾ لما رجعوا إلى العالم الجسماني، تعللوا من جمال الله بمشاهدة كل جميل وتوسلوا إلى تلك الملاطفات بلطافة الأغذية الجسمانية وزكائها.

﴿ ولا يشعرنّ بكم أحد ﴾ فيه أن أرباب المعرفة والمحبة يجب أن يحترزوا عن شعور أهل الغفلة والسلوة ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ بإحياء القلوب الميتة حق قدره، الأمر فيما أظهر وأبدى أو أسر وأخفى.

﴿ سيقولون ﴾ أن القوى والأركان الأصلية للإنسان ﴿ ثلاثة ﴾ الحيوانية والطبيعية والنفسانية التي منشؤهن القلب والكبد والدماغ.

﴿ رابعهم كلبهم ﴾ هو النفس الناطقة.

﴿ ويقولون خمسة ﴾ هو الحواس الظاهرة ﴿ سادسهم ﴾ النفس ﴿ ويقولون سبعة ﴾ هو الحواس الظاهرة مع الوهم المدرك للمعاني والخيال المدرك للصور ﴿ وثامنهم كلبهم ﴾ هو النفس المدرك للكليات ﴿ قل ربي أعلم بعدتهم ﴾ لأن القوى الباطنة والظاهرة وأفاعيلها وغاياتها لا يعلمهن إلا الله  ومن أطلعه الله عليه وذلك قوله: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ﴾ .

قيل: تميل عن كهفهم.

﴿ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ ﴾ .

كانت لا تصيبهم لا عند طلوعها ولا عند غروبها؛ لأن الكهف كان مستقبل بنات النعش، وكل شيء يكون مستقبل بنات النعش لا تصيبه الشمس.

وقال بعضهم: لا، ولكن كان ثمة حجاب وستر يحجب الشمس عن أن تقع عليهم، لكن هذا لا يصلح؛ لأن الله - عز وجل - جعل لهم ذلك آية من آياته، وكرامة من كراماته؛ فليس فيما لا يقع عليهم الشمس بحجاب أو ستر كبير آية ومنة؛ إنما الآية فيما تقع الشمس عليهم، ثم يدفع عنهم ضررها وأذاها؛ فإذا كانوا بحيث لا تصيبهم الشمس - فأذاها وضررها - أيضاً - لا يصيبهم؛ فليس في ذلك كبير آية وحكمة؛ إذ ليس فيما لا يصيب الشمس ضرر أو أذى، ولكن يذكر لطفه؛ حيث منع ضرر الشمس وأذاها عنهم مع إصابة الشمس إياهم ووقوعها عليهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ ﴾ يمينهم، أو يمين القبلة، وكذلك ﴿ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ ﴾ : شمال أولئك، أو شمال القبلة، فأما يمين الجبل والغار، على ما قال أهل التأويل، فإنه ليس للجبل يمين ولا شمال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ﴾ : قال بعضهم: الفجوة: الظل.

وقال بعضهم: الفجوة: الفضاء.

وقال بعضهم: هي سعة المكان: يخبر - عز وجل - عن لطفه ومننه: أنه قد حشرهم إلى غار كانوا يسعون فيه حتى يتقلبوا فيه، والغار الذي يكون في الجبال لا هكذا يكون؛ بل يكون ضيقاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

هذا يرد قول من ينكر جري الآيات على يدي غير الأنبياء؛ لأنه جعل في أصحاب الكهف عدداً من الآيات: كلها خارجة عن احتمال وسع الخلق وعادتهم؛ لمفارقتهم قومهم لسلامة دينهم.

أحدها: ما أخبر أنه ضرب على آذانهم، وأنامهم نوماً خارجاً عن طبع الخلق وعادتهم، وهو ثلاثمائة سنة، ثم بعثهم ليتساءلوا بينهم، على ما أخبر، عز وجل.

والثاني: لم تبل ثيابهم في مثل تلك المدة ومثل المكان، ولم تتغير؛ ألا ترى أنهم قالوا حين بعثوا: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ، ولو كانت ثيابهم بالية أو متغيرة، لم يستقلوا ولا استقصروا كل هذا يوماً أو بعض يوم؛ ألا ترى أنهم فزعوا إلى الطعام، ولم يفزعوا إلى الثياب؛ حيث قالوا: ﴿ فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ ﴾ ، ولو كانت ثيابهم بالية أو متغيرة - لكان فزعهم إلى الثياب كهو إلى الطعام، وهو أولي.

والثالث: ما أخبر: من تزاور الشمس إذا طلعت ذات اليمين، وقرضها إياهم ذات الشمال.

والرابع: دفع الحر والبرد عنهم؛ إذ من طبعهما الإهلاك والفساد إذا اشتدا وكثرا.

والخامس: ما ذكر من تقليبه إياهم ذات اليمين وذات الشمال، وحفظه إياهم عن أن تفسدهم الأرض وتأكلهم؛ إذ من طبع الأرض ذلك عند امتداد الوقت.

والسادس: ما ذكر في الآية من الهول والهيبة إذا دخل عليهم واطلع؛ حيث قال: ﴿ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ﴾ : خوفاً مما ترى فيهم من الأهوال: هذا لرسول الله  فكيف لمن دونه؟!.

والسابع: حفظه إياهم عن جميع الخلائق حتى لم يطلع، ولم يعثر عليهم أحد من الخلائق.

والثامن: إبقاؤهم أحياء أكثر من ثلاثمائة سنة بلا غذاء، والأنفس لا تبقى بلا غذاء بدون ذلك؛ وذلك باللطف، وأمثال هذا كثير مما يكثر عدها وإحصاؤها.

كله من آيات عظيمة خارجة عن وسع [البشر] وعادتهم؛ فذلك لهم باختيارهم دين الله من بين قومهم، وبمفارقتهم إياهم؛ ليسلم لهم دينهم؛ إذ الغلبة فيهم يومئذ الكفر، فأكرمهم الله بذلك بالكرامات التي ذكرنا؛ فلا ننكر أن يعطي الله أحداً من أوليائه قطع مسيرة أيام بيوم أو بساعة، أو المشي على الماء، ونحو ذلك، ليس بمستبعد ولا مستنكر.

وقال أهل التأويل: إنهم كانوا كذا، والكلب كذا، وأساميهم كذا، وعددهم كذا، ونحوه؛ فذلك مما لا يعلم إلا بخبر الصدق وقول الحق، وقد نهى رسوله  أن يستفتي فيهم منهم أحداً حيث قال: ﴿ وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً ﴾ وما ذكر هؤلاء كله من الاستفتاء الذي نهى عنه رسوله عن ذلك.

قال أبو عوسجة: ﴿ تَّزَاوَرُ ﴾ أي: تميل، وتزور مثله.

﴿ تَّقْرِضُهُمْ ﴾ ، أي: تدعهم على شمالها، أي: أن الشمس لا تصيبهم طالعة ولا غاربة عند طلوعها وغروبها، ويقال: قرضته: تركته، أقرضه قرضاً، ويقال: قرضت موضع كذا، أي: جاوزته وتركته خلفي، ويقال: قرضه، أي: قطعه بمقراض، وتزاور يتزاور، أي: عدل ومال ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ﴾ : أي سعة، وفجوات جمع.

ويحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ أي: ذلك النبأ وما ذكر من قصة أصحاب الكهف من آيات قدرة الله، أو من حجج الله على إثبات رسالة رسوله ونبوته.

أو من آيات كراماته للفتية ولمن اختار دين الله وآثره على غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً ﴾ .

قد ذكرناه في غير موضع.

وقال بعضهم: ﴿ تَّزَاوَرُ ﴾ و ﴿ تَّقْرِضُهُمْ ﴾ كلاهما واحد، وهو أن تميل عن كهفهم فتدعهم ذات اليمين، و ﴿ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ﴾ أي: تدعهم ذات الشمال.

وقوله: ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ﴾ أي: زائفة من الكهف، قال أبو معاذ: الزائفة: قدر ما يصلح.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ ﴾ أي: يبوئ لكم؛ كقوله: ﴿ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أي: تهيئ، ﴿ وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً ﴾ الرشيد: الصالح.

وقال مقاتل: ﴿ رَشَداً ﴾ ، أي: مخرجا.

﴿ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً ﴾ : قال ابن عباس -  -: غذاء تأكلونه، وهو ما ذكرنا كل ما يترفق به، ويقال: مخرجا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ ﴾ .

قال بعضهم: لأنهم كانوا مفتحي الأعين والأبصار كاليقظان.

وقال بعضهم: وتحسبهم أيقاظاً؛ لأنهم كانوا يتقلبون في رقودهم اليمين والشمال كما يتقلب اليقظان يمينا وشمالا.

وقال بعض أهل التأويل: إنما كان يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، ليدفع عنهم أذى الأرض وضررها؛ لئلا يفسدوا ولا يتلاشوا، وإن كان الله قادراً أن يدفع عنهم الأذى وضرر الأرض لا بتقليب من جانب إلى جانب وإن كان [ذلك] مما يفعله من لا يملك دفع الأذى [إلا] بما ذكرنا، فأما من كان قادراً بذاته مستغنيا عن الأسباب التي بها يدفع فغير محتمل.

وهو: على التعليم منه إياهم: أن كيف يتقي الأذى؟

وكيف يدفع الضرر؟

فإذا لم يكن بمشهد من الخلق فلا معنى له.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ ﴾ ؛ لأنهم كانوا في مكان الريبة واللصوص مما لا يأوي إليه إلا هارب من ريبة وشر أو قاصد ريبة وطالب عثرة ومكابرة لم يكونوا في مكان يسلم فيه ويرقد ولا يختار للنوم مثله، فقال: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ ﴾ لما كانوا في مكان لا ينام فيه للخوف، كأنهم أيقاظ وهم رقود، والله أعلم.

ولكن لا ندري لأي معنى ذكر أنه يحسب الناظر إليهم كأنهم أيقاظ وهم رقود؟

وإذا لم يبين الله ذلك فلا نفسر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ ﴾ هو ما ذكرنا أنهم: قد يتقلبون في نومهم من جانب إلى جانب، وذكر التقليب جائز أن يكون؛ لما ذكر بعضهم من دفع أذى الأرض وضررها.

أو ذكر فعله؛ لما له في تقلبهم صنع وفعل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ ﴾ إذ لا يفهم من ذات الشيء غير ذلك الشيء أو شيء آخر سواه؛ لأنه ذكر ذات اليمين فهو اليمين والشمال نفسه لا غير؛ فعلى ذلك في قولنا: عالم بذاته، لا يفهم غير علمه، أي: عالم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ ﴾ .

قال بعضهم: الوصيد: هو فناء الباب.

وقال بعضهم: الوصيد: هو عتبة الباب.

قال القتبي: الوصيد: الفناء، ويقال: عتبة الباب، وهذا أعجب إليّ؛ لأنهم يقولون: أوصد بابك، أي: أغلقه.

ومنها ﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ  ﴾ أي: مطبقة، وأصله: أن تلصق الباب إلى العتبة إذا أغلقته.

فإن كان الوصيد هو عتبة الباب، ففيه أن الكلب كان داخل باب الغار، وإن كان الفناء ففيه أنه كان خارج باب الغار، وفيه أيضاً [أنه] أبقى الكلب ثلاثمائة سنة على ما أبقاهم، وإن لم يكن من جوهرهم بلطفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ذلك أن شعورهم قد طالت وأظفارهم قد امتدت وعظمت، فكانوا بحال يرغب عنهم ويهاب.

لكن هذا لا يحتمل؛ لأنهم قالوا: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ فلو كانوا على الحال التي ذكروا من تطاول الشعور وامتداد الأظفار وتغير أحوالهم، لم يكونوا ليقولوا: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ؛ إذ لو نظروا في أنفسهم من تغير الأحوال، لعرفوا أنهم لم يلبثوا ما ذكروا من الوقت؛ دل ذلك أن ذلك الخوف والهيبة لا لذلك.

وقال بعضهم: لأنهم كانوا في مكان الريبة فيما لا يؤوي إلى مثله إلا لخوف ريبة أو طلب ريبة لا يأويه إلا لهذين: هارب من شر، أو طالب شر على آخر؛ على ما ذكرنا: أن من أقام في مهاب ومكان مخوف يهاب منه ويخاف.

أو أن يكونوا بحيث يهابون ويخاف منهم لئلا يدنو منهم أحد، ولا يقرب، فلا يوقظهم أحد، ليبقوا إلى المدة التي أراد الله أن يبقوا فيه؛ ولذلك يحتمل هذا المعنى في تقليب اليمين والشمال؛ فجائز أن يكون قوله: ﴿ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ﴾ ذلك الخوف وتلك الهيبة: هيبة الدين، على ما روي عن رسول الله  أنه قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" ، وذلك لدينه ولحقيقة أمره؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من هيبة أحوالهم لدينهم الذي اختاروا من بين قومهم وفارقوهم؛ ليسلم دينهم إلى مكان لا طعام فيه ولا شراب؛ وذلك لحقيقة ما اختاروا من الدين، كان ذلك لمعنى لم يطلع الله رسوله على ذلك؛ فلا نفسر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ ﴾ أي: كما أنبأكم من أنبائهم وقصصهم أو كما ضرب على آذانهم وأنامهم سنين كذلك يبعثهم.

وقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ ﴾ بعثهم؛ لما علم ما يكون منهم، وهو التساؤل، وهكذا جميع ما يخلق وينشئ، إنما يخلق وينشئ؛ لما يعلم أنه يكون منهم؛ كقوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً...

﴾ الآية [الأعراف: 179] ذرأهم؛ لما علم أنه يكون منهم، وهو عمل أهل جهنم، وكذلك قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ من علم أنه يعبده ويعمل له عمل أهل الجنة خلقه لذلك، هكذا كل ما يخلق، لما يعلم أنه يكون منه؛ إذ يخرج الفعل لذلك مخرج العجز والجهل بالعواقب، فإذا كان الله عالماً بما كان ويكون، ويتعالى عن أن يكون فعله عبثا - لم يجز أن يخلق شيئاً لغير ما علم أنه يكون، وهكذا في الشاهد من عمل عملا أو فعل فعلا لغير ما علم أنه يكون - فهو عابث أو جاهل بعواقبه، وبالله العصمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ .

وتأويله ما ذكر: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً ﴾ .

وقوله: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ قالوا ذلك، لما لم يروا في أنفسهم آثاراً وأعلاما تدل على طول المكث والمقام فيه، ثم لما تذكروا أحوالهم، وما يرى النائم في نومه من العجائب وأشياء كثيرة، عرفوا أن ذلك القدر من الأشياء ومثل ذلك من العجائب التي رأوا لا يحتمل أن يكون في يوم أو بعض يوم، فعند ذلك وكلوا الأمر إلى الله، فقالوا: ﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ﴾ .

وأما الذي أماته مائة عام لما بعثه قطع القول في ذلك، ولم يكل الأمر إلى الله حيث قال: ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ  ﴾ ؛ لأنه كان ميتا، والميت لا يرى شيئا، ولم يكن في نفسه آثار تدل على ذلك، فقطع القول فيه، ولم يكل الأمر إلى الله.

وأما النائم فإنه يرى في نومه أشياء فيعرف أنه لا يكون في وقت قصير؛ لذلك وكلوا الأمر إلى الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ ﴾ .

فيه أنهم لما فارقوا ومعهم زاد وهو الورق، أمر بعضهم بعضا: أن يبعث بالورق، ليأتيهم بالطعام، وفيه أنه أضاف الورق إليهم، ولا شك أنه كان له فيه نصيب حيث قال: ﴿ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ ﴾ ، وفيه دلالة جواز المناهدة في الأسفار وغيرها؛ إذ كان ذلك الورق بينهم، وفيه دلالة جواز الوكالة، وأنها ليست بمبدعة، ولكن كانت في القرون الماضية وهي متوارثة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ أَزْكَىٰ طَعَاماً ﴾ أي: أحل طعاما؛ لأن بعض أهل تلك المدينة يذبحون للأصنام وباسم الأوثان التي كانوا يعبدونها، فأمروا بأن يأتيهم بحلال يحل لهم أكله والتناول منه.

وقال بعضهم: ﴿ أَزْكَىٰ ﴾ : أرخص وأكثر؛ لأنهم في مكان لا يدرون متى يخرجون منه، فطلبوا الأكثر؛ لشدة حاجتهم إليه ويكفي لوقت مقامهم ونحوه.

وقال بعضهم: ﴿ أَزْكَىٰ طَعَاماً ﴾ أي: أطيب وأجود؛ لأن الطيب أزيد للعقول وأصلح للأنفس وأنفع؛ ولذلك جعل الله أرزاق البشر ما هو أطيب وألين؛ لما يزيد ذلك في العقول والفهم، وجعل لغيرهم من الدواب كل خشن خبيث، لما ليس لهم عقول يحتاج إلى ما يزيد لها فيها، وأصل الزكاء: النماء والزيادة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ أي: ليرفق بهم؛ لئلا يشعروا أنه من أولئك الذين فارقوهم لدينهم.

أو أمره بالتلطف، أي: بالسماحة والسهولة في الشراء؛ لما جاء في الخبر: "رحم الله سهل البيع سمح الشراء" ﴿ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ﴾ أنه فلان بن فلان وأنه من قوم كذا فيعرفون أنه من أصحاب الكهف.

أو لا يشعرن بمكانكم أحدا، من الناس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ .

يحتمل: يقتلوكم أو ما أرادوا بكم.

﴿ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ﴾ ، أي: في دينهم الكفر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً ﴾ .

أي: ما دمتم في ملتهم ودينهم، هذا كأنهم لم يعرفوا التقية، وإلا لو أعطوهم بلسانهم ولم يعطوهم بقلوبهم، لكانوا قد أفلحوا.

أو عرفوا التقية إلا أنه لم يكن للقرون الماضية التقية، ولم يؤذن لهم فيها.

أو هي رخصة رخص لهم، والأفضل ألا يعطي ذلك ولا يظهر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ ﴾ ؛ قال بعضهم: كما أخرج المبعوث بشراء الطعام من الكهف مع الورق المتقدم ضربها، فكان ذلك بسبب إعلام أهل المدينة عن الفتية ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: أطلعنا عليهم.

وقال بعضهم: كما أعلم عن أنباء الفتية وأصحاب الكهف وقصصهم من أولها إلى آخرها، ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي: أطلعنا عليهم، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي: كما ضرب على آذانهم ليعلموا أن ما وعد لهم الرسل عن الله حق.

ثم اختلف في إطلاعهم عليهم: قال بعضهم: أطلع الله الملك الذي هربوا منه وأهل المدينة بعدما أنامهم، لكن حيل بينهم وبين أولئك.

وقال بعضهم: أطلعهم قبل أن ينيمهم، فحيل بينهم وبينهم، فسدو باب الكهف، فبقوا هنالك، ثم أنامهم بعد ذلك ما ذكر، فهلك ذلك الملك، وانقرض تلك القرون، ثم ولي ملك آخر مسلم صالح، ثم أطلع ذلك الملك عليهم، وأمثال ذلك قد قالوا، فلا ندري كيف كانت القصة؟

وفي ظاهر الآية أنه أطلع عليهم بعدما أنامهم وبعثهم، وليس فيه بيان أنه من أطلع عليهم الملك الأول أو الثاني أو القوم أو غيرهم؟

ولا يجوز أن يقطع القول فيه أنه فلان؛ لأن هذه الأنباء ذكرت في القرآن حجة لرسول الله  ، فلو قطع القول على شيء أو زيد أو نقص عما كان في كتبهم، خرجت عن أن تكون حجة له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ .

يشبه أن يكون الرسل من قبل كانوا يخبرون قومهم أن نفراً يهربون من ملكهم؛ إشفاقاً على دينهم، ويلتجئون إلى الكهف فينامون كذا وكذا سنة، ثم يبعثون، فأكذبهم قومهم بما أخبروا قومهم من أنبائهم، فقال: ﴿ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوۤاْ ﴾ أن ما وعد الرسل وأخبروهم من نبأ أصحاب الكهف حق.

والثاني: يحتمل أن يكونوا ينكرون البعث والساعة، والرسل يخبرون أنهم يبعثون، فأطلع على أولئك؛ ليعلموا أن البعث والقيامة حق؛ لأن الأعجوبة في إبقاء أنفس أصحاب الكهف في نومهم ثلاثمائة سنة أو أكثر بلا غذاء يغتذون، ولا طعام يطعمون، ولا شيء تقوم به الأنفس - إن لم تكن أكثر وأعظم من إحياء الموتى وجمع العظام الناخرة البالية لا تكون دونه؛ لما لم يروا الأنفس لا تبقى أياما بلا غذاء فضلا أن تبقى سنين كثيرة ثلاثمائة أو أكثر، فبعث هؤلاء؛ ليعلم من أنكر البعث [أن] من قدر على إبقاء الأنفس مدة مديدة طويلة بلا غذاء تغتذي [به] لقادر على إحياء الموتى وبعثهم بعد الموت.

أو أن يكون ما ذكرنا بدءاً: أن الرسل السالفة كأنهم أخبروا قومهم عن قصة أصحاب الكهف فكذبوهم، فأطلع الله نبأهم وخبرهم؛ ليعلم أولئك أن الذي أخبرهم الرسل حق وصدق، والله أعلم.

ثم إن هذه الأنباء والقصص المتقدمة ذكرت في القرآن حجة لرسول الله  ودلالة في إثبات رسالته، فلا يجوز أن يقطع القول في شيء لم يبين فيه ولم يوضح ولم يفسر؛ لما يخاف فيه الكذب على الله، ولا الزيادة فيها والنقصان على ما ذكر فيه؛ لما لعلها تخرج مخالفة لما ذكر في كتبهم؛ فلا يكون له فيها حجة ولا دلالة.

فإن قيل: كيف علموا أن ما أخبرهم الرسل حق إذا كانوا لا ينكرون أن وعد الله حق، ولكن يظنون أن ما وعدهم الرسل ويخبرونهم إنما هو اختراع منهم لا وعد من الله وخبر عن الله؟

قيل: علموا أن ذلك حق بوجوه: أحدها: ما رأوا من الدراهم التي كانت في يدي المبعوث بشراء الطعام من الضرب المتقدم، وإن كان يجوز أن تكون تلك الدراهم من كنز أصاب ذلك الرجل لا من دراهم أصحاب الكهف، فإذا صدقوا ذلك الرجل فيما أخبر أنها من دراهم أصحاب الكهف، فتصديق الرسل أولى وخبرهم أحق أن يصدق.

والثاني: علموا لما رأوا أنه أنامهم مدة طويلة خارجة عن العادة، وحفظهم من كل ضرر وأذى وفساد، وأبقاهم من غير طعام ولا شراب، على علم منهم أن الأنفس لا تبقى ولا تقوم بغير طعام ولا شراب بدون تلك المدة بكثير، فضلا أن تبقى إلى مثل تلك المدة؛ فعلموا أن من قدر على حفظ ما ذكرنا وإبقائهم، لقادر على البعث والإحياء ولا يعجز عن شيء يريد كونه، وأنه فعال لما يريد.

والثالث: علموا أن ذلك حق؛ لما رأوا أنه أنامهم وقتاً طويلا، وحفظهم عن جميع الآفات، ثم بعثهم وأحياهم - أنه لم ينمهم ولم يبعثهم إلا لعاقبة تتأمل وحكمة تقصد؛ فعلى ذلك إحياء الخلق وإماتتهم ليس إلا لعاقبة تتأمل وحكمة تقصد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ﴾ : لسنا ندري في ماذا تنازعوا في أمرهم فيما بينهم: أقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالُواْ ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً ﴾ ، أو تنازعوا في السبب الذي به التجئوا إلى الكهف؟

ويشبه أن يكون تنازعهم في البناء الذي ذكر في المسجد وغيره، ويحتمل في عددهم ونحوه، ولكن لا نقطع القول فيه؛ إذ وكل أمرهم إلى الله حيث قال: ﴿ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً ﴾ ، ثم قوله: ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً ﴾ يحتمل بناء المسجد عليهم إكراماً لهم وإعظاماً؛ ليذكروهم في ذلك المكان على قرب منهم، على ما ظهر عندهم من إكرام الله إياهم.

أو يتخذون مسجداً لعبادة أنفسهم، ليعبدوا الله على قرب منهم؛ ليسألوا من بركتهم ونحوه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وتظنّهم -أيها الناظر إليهم- مستيقظين لانفتاح أعينهم، والواقع أنهم نيام، ونقلّبهم في نومهم تارة يمينًا، وتارة شمالًا حتى لا تأكل الأرض أجسامهم، وكلبهم المرافق لهم مادّ ذراعيه بمدخل الكهف، لو اطلعت عليهم وشاهدتهم لأدبرت عنهم هاربًا خوفًا منهم، ولامتلأت نفسك رعبًا منهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.lyYJN"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر