الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ١٩ من سورة الكهف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 167 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٩ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : وكما أرقدناهم بعثناهم صحيحة أبدانهم وأشعارهم وأبشارهم ، لم يفقدوا من أحوالهم وهيئاتهم شيئا ، وذلك بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين ؛ ولهذا تساءلوا بينهم : ( كم لبثتم ) ؟
أي : كم رقدتم ؟
( قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ) كان دخولهم إلى الكهف في أول نهار ، واستيقاظهم كان في آخر نهار ؛ ولهذا استدركوا فقالوا : ( أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ) أي : الله أعلم بأمركم ، وكأنه حصل لهم نوع تردد في كثرة نومهم ، فالله أعلم ، ثم عدلوا إلى الأهم في أمرهم إذ ذاك وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب ، فقالوا : ( فابعثوا أحدكم بورقكم ) أي فضتكم هذه .
وذلك أنهم كانوا قد استصحبوا معهم دراهم من منازلهم لحاجتهم إليها ، فتصدقوا منها وبقي منها ؛ فلهذا قالوا : ( فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة ) أي مدينتكم التي خرجتم منها والألف واللام للعهد .
( فلينظر أيها أزكى طعاما ) أي : أطيب طعاما ، كقوله : ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ) [ النور : 21 ] وقوله ) قد أفلح من تزكى ) [ الأعلى : 14 ] ومنه الزكاة التي تطيب المال وتطهره .
وقيل : أكثر طعاما ، ومنه زكاة الزرع إذا كثر ، قال الشاعر : قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة وللسبع أزكى من ثلاث وأطيب والصحيح الأول ؛ لأن مقصودهم إنما هو الطيب الحلال ، سواء كان قليلا أو كثيرا .
وقوله ) وليتلطف ) أي : في خروجه وذهابه ، وشرائه وإيابه ، يقولون : وليتخف كل ما يقدر عليه ) ولا يشعرن ) أي : ولا يعلمن ( بكم أحدا)
القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) يقول تعالى ذكره: كما أرقدنا هؤلاء الفتية في الكهف، فحفظناهم من وصول واصل إليهم، وعين ناظر أن ينظر إليهم، وحفظنا أجسامهم من البلاء على طول الزمان، وثيابهم من العفن على مرّ الأيام بقدرتنا ، فكذلك بعثناهم من رقدتهم، وأيقظناهم من نومهم، لنعرّفهم عظيم سلطاننا، وعجيب فعلنا في خلقنا، وليزدادوا بصيرة في أمرهم الذي هم عليه من براءتهم من عبادة الآلهة، وإخلاصهم لعبادة الله وحده لا شريك له، إذا تبيَّنوا طول الزمان عليهم، وهم بهيئتهم حين رقدوا ، وقوله: (لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ) يقول: ليسأل بعضهم بعضا(قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ) يقول عزّ ذكره: فتساءلوا فقال قائل منهم لأصحابه: (كَمْ لَبِثْتُمْ) وذلك أنهم استنكروا من أنفسهم طول رقدتهم (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) يقول: فأجابه الآخرون فقالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم ، ظنا منهم أن ذلك كذلك كان، فقال الآخرون: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) فسلِّموا العلم إلى الله.
وقوله: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) يعني مدينتهم التي خرجوا منها هِرابا، التي تسمى أفسوس (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) ذكر أنهم هبوا من رقدتهم جِياعا، فلذلك طلبوا الطعام.
* ذكر من قال ذلك، وذكر السبب الذي من أجله ذكر أنهم بعثوا من رقدتهم حين بعثوا منها: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرني إسماعيل بن بشروس، أنه سمع وهب بن منبه يقول: إنهم غبروا، يعني الفتية من أصحاب الكهف بعد ما بني عليهم باب الكهف زمانا بعد زمان، ثم إن راعيا أدركه المطر عند الكهف، فقال: لو فتحت هذا الكهف وأدخلت غنمي من المطر، فلم يزل يعالجه حتى فتح ما أدخله فيه، وردّ إليهم أرواحهم في أجسامهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بورق يشتري طعاما ، فلما أتى باب مدينتهم، رأى شيئا يُنكره، حتى دخل على رجل فقال: بعني بهذه الدراهم طعاما، فقال: ومن أين لك هذه الدراهم؟
قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس، فآوانا الليل، ثم أصبحوا، فأرسلوني، فقال: هذه الدراهم كانت على عهد مُلك فلان، فأنَّى لك بها، فرفعه إلى الملك، وكان ملكا صالحا، فقال: من أين لك هذه الورق؟
قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس، حتى أدركنا الليل في كهف كذا وكذا، ثم أمروني أن أشتريَ لهم طعاما ، قال: وأين أصحابك؟
قال: في الكهف ، قال: فانطلقوا معه حتى أتوا باب الكهف، فقال: دعوني أدخل على أصحابي قبلكم ، فلما رأوه، ودنا منهم ضُرِب على أذنه وآذانهم، فجعلوا كلما دخل رجل أرعب، فلم يقدروا على أن يدخلوا عليهم، فبنوا عندهم كنيسة، اتخذوها مسجدا يصلون فيه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن عكرمة، قال: كان أصحاب الكهف أبناء ملوك الروم، رزقهم الله الإسلام، فتعوّذوا بدينهم، واعتزلوا قومهم، حتى انتهوا إلى الكهف، فضرب الله على سمعهم، فلبثوا دهرا طويلا حتى هلكت أمتهم، وجاءت أمة مسلمة، وكان ملكهم مسلما، فاختلفوا في الروح والجسد، فقال قائل: يبعث الروح والجسد جميعا ، وقال قائل: يُبعث الروح، فأما الجسد فتأكله الأرض، فلا يكون شيئا ، فشقّ على ملكهم اختلافهم، فانطلق فلبس المُسُوح، وجلس على الرَّماد ، ثم دعا الله تعالى فقال: أي ربّ، قد ترى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آية تبين لهم، فبعث الله أصحاب الكهف، فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاما، فدخل السوق، فجعل يُنكر الوجوه، ويعرف الطرق، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهرا، فانطلق وهو مستخف حتى أتى رجلا يشتري منه طعاما ، فلما نظر الرجل إلى الوَرِق أنكرها، قال: حسبت أنه قال: كأنها أخفاف الرُّبَع، يعني الإبل الصغار، فقال له الفتى: أليس ملككم فلانا؟
قال: بل ملكنا فلان ، فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك، فسأله، فأخبره الفتى خبر أصحابه، فبعث الملك في الناس، فجمعهم، فقال: إنكم قد اختلفتم في الروح والجسد، وإن الله قد بعث لكم آية، فهذا رجل من قوم فلان، يعني ملكهم الذي مضى، فقال الفتى: انطلقوا بي إلى أصحابي ، فركب الملك، وركب معه الناس حتى انتهوا إلى الكهف ، فقال الفتى دعوني أدخل إلى أصحابي، فلما أبصرهم ضُرِب على أذنه وعلى آذانهم ، فلما استبطئوه دخل الملك، ودخل الناس معه، فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئا، غير أنها لا أرواح فيها، فقال الملك: هذه آية بعثها الله لكم ، قال قتادة: وعن ابن عباس، كان قد غزا مع حبيب بن مسلمة، فمرّوا بالكهف، فإذا فيه عظام، فقال رجل: هذه عظام أصحاب الكهف، فقال ابن عباس ، لقد ذهبت عظامهم منذ أكثر من ثلاث مئة سنة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق فيما ذكر من حديث أصحاب الكهف، قال: ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له تيذوسيس ، فلما ملك بقي ملكه ثمانيا وستين سنة، فتحزّب الناس في مُلكه، فكانوا أحزابا، فمنهم من يؤمن بالله، ويعلم أنّ الساعة حقّ، ومنهم من يكذّب، فكبر ذلك على الملك الصالح تيذوسيس، وبكى إلى الله وتضرّع إليه، وحزن حزنا شديدا لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق ويقولون: لا حياة إلا الحياة الدنيا ، وإنما تُبعث النفوس، ولا تُبعث الأجساد، ونسُوا ما في الكتاب ، فجعل تيذوسيس يرسل إلى من يظنّ فيه خيرا، وأنهم أئمة في الحق، فجعلوا يكذّبون بالساعة، حتى كادوا أن يُحوّلوا الناس عن الحق وملةِ الحَواريين ، فلما رأى ذلك الملك الصالح تيذوسيس، دخل بيته فأغلقه عليه، ولبس مِسْحا وجعل تحته رمادا، ثم جلس عليه، فدأب ذلك ليله ونهاره زمانا يتضرّع إلى الله، ويبكي إليه مما يرى فيه الناس ، ثم إن الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العباد، أراد أن يَظْهر على الفتية أصحاب الكهف، ويبين للناس شأنهم، ويجعلهم آية لهم، وحجة عليهم، ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن يستجيب لعبده الصالح تيذوسيس، ويتمّ نعمته عليه، فلا ينـزع منه مُلكه، ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يعبد الله لا يشرك به شيئا، وأن يجمع من كان تبدّد من المؤمنين، فألقى الله في نفس رجل من أهل ذلك البلد الذي به الكهف ، وكان الجبل بنجلوس الذي فيه الكهف لذلك الرجل، وكان اسم ذلك الرجل أولياس، أن يهدم البنيان الذي على فم الكهف، فيبني به حظيرة لغنمه، فاستأجر عاملين، فجعلا ينـزعان تلك الحجارة، ويبنيان بها تلك الحظيرة، حتى نـزعا ما على فم الكهف، حتى فتحا عنهم باب الكهف، وحجبهم الله من الناس بالرعب ، فيزعمون أن أشجع من يريد أن ينظر إليهم غاية ما يمكنه أن يدخل من باب الكهف، ثم يتقدم حتى يرى كلبهم دونهم إلى باب الكهف نائما ، فلما نـزعا الحجارة، وفتحا عليهم باب الكهف، أذن الله ذو القدرة والعظمة والسلطان محيي الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهراني الكهف، فجلسوا فرحين مُسْفِرة وجوههم طيِّبة أنفُسهم، فسلَّم بعضهم على بعض، حتى كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون لها إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتون فيها ، ثم قاموا إلى الصلاة فصلّوا، كالذي كانوا يفعلون، لا يَرون، ولا يُرَى في وجوههم، ولا أبشارهم، ولا ألوانهم شيء يُنكرونه كهيئتهم حين رقدوا بعشيّ أمس، وهم يرون أن ملكهم دقينوس الجبار في طلبهم والتماسهم فلما قضوا صلاتهم كما كانوا يفعلون، قالوا ليمليخا، وكان هو صاحب نفقتهم، الذي كان يبتاع لهم طعامهم وشرابهم من المدينة، وجاءهم بالخبر أن دقينوس يلتمسهم، ويسأل عنهم: أنبئنا يا أخي ما الذي قال الناس في شأننا عشيّ أمس عند هذا الجبار، وهم يظنون أنهم رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون، وقد خُيِّل إليهم أنهم قد ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي أصبحوا فيها، حتى تساءلوا بينهم، فقال بعضهم لبعض: (كَمْ لَبِثْتُمْ) نياما؟(قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) وكل ذلك في أنفسهم يسير.
فقال لهم يمليخا: افتُقِدتم والتمستم بالمدينة، وهو يريد أن يُؤْتَى بكم اليوم، فتَذْبحُون للطواغيت، أو يقتُلُكم، فما شاء الله بعد ذلك ، فقال لهم مكسلمينا: يا إخوتاه اعلموا أنكم ملاقَوْن، فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدوّ الله، ولا تُنكروا الحياة التي لا تبيد بعد إيمانكم بالله، والحياة من بعد الموت ، ثم قالوا ليمليخا: انطلق إلى المدينة فتسمَّع ما يقال لنا بها اليوم، وما الذي نُذكر به عند دقينوس، وتلطَّف، ولا يشعرَنّ بنا أحد، وابتع لنا طعاما فأتنا به، فإنه قد آن لك، وزدنا على الطعام الذي قد جئتنا به، فإنه قد كان قليلا فقد أصبحنا جياعا ، ففعل يمليخا كما كان يفعل، ووضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان يتنكر فيها، وأخذ وَرِقا من نفقتهم التي كانت معهم، التي ضُربت بطابع دقينوس الملك، فانطلق يمليخا خارجا ، فلما مرّ بباب الكهف، رأى الحجارة منـزوعة عن باب الكهف.
فعجب منها، ثم مرّ فلم يبال بها، حتى أتى المدينة مستخفيا يصدّ عن الطريق تخوّفا أن يراه أحد من أهلها، فيعرفه، فيذهب به إلى دقينوس ، ولا يشعر العبد الصالح أن دقينوس وأهل زمانه قد هَلكوا قبل ذلك بثلاثمائة وتسع سنين، أو ما شاء الله من ذلك ، إذ كان ما بين أن ناموا إلى أن استيقظوا ثلاثمائة وتسع سنين ، فلما رأى يمليخا باب المدينة رفع بصره، فرأى فوق ظهر الباب علامة تكون لأهل الإيمان، إذا كان ظاهرا فيها ، فلما رآها عجب وجعل ينظر مستخفيا إليها ، فنظر يمينا وشمالا فتعجب بينه وبين نفسه، ثم ترك ذلك الباب، فتحوّل إلى باب آخر من أبوابها، فنظر فرأى من ذلك ما يحيط بالمدينة كلها، ورأى على كلّ باب مثل ذلك ، فجعل يخيل إليه أن المدينة ليست بالمدينة التي كان يعرف، ورأى ناسا كثيرين محدثين لم يكن يراهم قبل ذلك، فجعل يمشي ويعجب ويخيل إليه أنه حيران ثم رجع إلى الباب الذي أتى منه، فجعل يعجب بينه وبين نفسه ويقول: يا ليت شعري، أما هذه عشية أمس، فكان المسلمون يخفون هذه العلامة ويستخفون بها ، وأما اليوم فإنها ظاهرة لعلّي حالم ، ثم يرى أنه ليس بنائم ، فأخذ كساءه فجعله على رأسه، ثم دخل المدينة، فجعل يمشي بين ظهراني سوقها، فيسمع أناسا كثيرا يحلفون باسم عيسى ابن مريم، فزاده فرقا ، ورأى أنه حيران، فقام مسندا ظهره إلى جدار من جُدُر المدينة ويقول في نفسه: والله ما أدري ما هذا!
أما عشية أمس فليس على الأرض إنسان يذكر عيسى ابن مريم إلا قُتل ، وأما الغداة فأسمعهم، وكلّ إنسان يذكر أمر عيسى لا يخاف، ثم قال في نفسه: لعلّ هذه ليست بالمدينة التي أعرف أسمع كلام أهلها ولا أعرف أحدا منهم، والله ما أعلم مدينة قرب مدينتنا ، فقام كالحيران لا يتوجه وجها ، ثم لقي فتى من أهل المدينة، فقال له: ما اسم هذه المدينة يا فتى؟
قال: اسمها أفسوس، فقال في نفسه: لعلّ بي مسا، أو بي أمر أذهب عقلي، والله يحق لي أن أسرع الخروج منها قبل أن أخزى فيها أو يصيبني شرّ فأهلك ، هذا الذي يحدّث به يمليخا أصحابه حين تبين لهم ما به ، ثم إنه أفاق فقال: والله لو عجلت الخروج من المدينة قبل أن يفطن بي لكان أكيس لي ، فدنا من الذين يبيعون الطعام، فأخرج الورِق التي كانت معه، فأعطاها رجلا منهم، فقال: بعني بهذه الورق يا عبد الله طعاما ، فأخذها الرجل، فنظر إلى ضرب الورق ونقشها، فعجب منها، ثم طرحها إلى رجل من أصحابه، فنظر إليها، ثم جعلوا يتطارحونها بينهم من رجل إلى رجل، ويتعجبون منها، ثم جعلوا يتشاورون بينهم ويقول بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد أصاب كنـزا خبيئا في الأرض منذ زمان ودهر طويل ، فلما رآهم يتشاورون من أجله فرق فرقا شديدا، وجعل يرتعد ويظنّ أنهم قد فطنوا به وعرفوه، وأنهم إنما يريدون أن يذهبوا به إلى ملكهم دقينوس يسلمونه إليه ، وجعل أناس آخرون يأتونه فيتعرّفونه، فقال لهم وهو شديد الفرق منهم: أفضلوا عليّ، فقد أخذتم ورقي فأمسكوا، وأما طعامكم فلا حاجة لي به ، قالوا له: من أنت يا فتى، وما شأنك؟
والله لقد وجدت كنـزا من كنوز الأوّلين، فأنت تريد أن تخفيه منا، فانطلق معنا فأرناه وشاركنا فيه، نخف عليك ما وجدت، فإنك إن لا تفعل نأت بك السلطان، فنسلمك إليه فيقتلك ، فلما سمع قولهم، عجب في نفسه فقال : قد وقعت في كلّ شيء كنت أحذر منه ، ثم قالوا: يا فتى إنك والله ما تستطيع أن تكتم ما وجدت، ولا تظنّ في نفسك أنه سيخفى حالك ، فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم، وما يرجع إليهم، وفَرق حتى ما يحير إليهم جوابا ، فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه فطوقوه في عنقه ، ثم جعلوا يقودونه في سكك المدينة ملببا، حتى سمع به من فيها، فقيل: أخذ رجل عنده كنـز واجتمع عليه أهل المدينة صغيرهم وكبيرهم، فجعلوا ينظرون إليه ويقولون: والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة، وما رأيناه فيها قطّ، وما نعرفه ، فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم، مع ما يسمع منهم ، فلما اجتمع عليه أهل المدينة، فرق، فسكت فلم يتكلم ، ولو أنه قال إنه من أهل المدينة لم يصدّق ، وكان مستيقنا أن أباه وإخوته بالمدينة، وأن حسبه من أهل المدينة من عظماء أهلها، وأنهم سيأتونه إذا سمعوا، وقد استيقن أنه من عشية أمس يعرف كثيرا من أهلها، وأنه لا يعرف اليوم من أهلها أحدا ، فبينما هو قائم كالحيران ينتظر متى يأته بعض أهله، أبوه أو بعض إخوته فيخلصه من أيديهم، إذ اختطفوه فانطلقوا به إلى رئيسي المدينة ومدبريها اللذين يدبران أمرها، وهما رجلان صالحان، كان اسم أحدهما أريوس، واسم الآخر أسطيوس ، فلما انطلق به إليهما، ظنّ يمليخا أنه ينطلق به إلى دقينوس الجبار ملكهم الذي هربوا منه، فجعل يلتفت يمينا وشمالا وجعل الناس يسخرون منه، كما يسخر من المجنون والحيران، فجعل يمليخا يبكي ، ثم رفع رأسه إلى السماء وإلى الله، ثم قال: اللهمّ إله السماوات والأرض، أولج معي روحا منك اليوم تؤيدني به عند هذا الجبار، وجعل يبكي ويقول في نفسه: فرق بيني وبين إخوتي ، يا ليتهم يعلمون ما لقيت، وأني يُذهب بي إلى دقينوس الجبار ، فلو أنهم يعلمون، فيأتون، فنقوم جميعا بين يدي دقينوس ، فإنا كنا تواثقنا لنكوننّ معا، لا نكفر بالله ولا نشرك به شيئا، ولا نعبد الطواغيت من دون الله ، فرق بيني وبينهم، فلن يروني ولن أراهم أبدا ، وقد كنا تواثقنا أن لا نفترق في حياة ولا موت أبدا ، يا ليت شعري ما هو فاعل بي؟
أقاتلي هو أم لا؟
ذلك الذي يحدّث به يمليخا نفسه فيما أخبر أصحابه حين رجع إليهم.
فلما انتهى إلى الرجلين الصالحين أريوس وأسطيوس، فلما رأى يمليخا أنه لم يُذهب به إلى دقينوس، أفاق وسكن عنه البكاء ، فأخذ أريوس وأسطيوس الورِق فنظرا إليها وعجبا منها، ثم قال أحدهما: أين الكنـز الذي وجدت يا فتى، هذا الورِق يشهد عليك أنك قد وجدت كنـزا ، فقال لهما يمليخا: ما وجدت كنـزا ولكن هذه الورِق ورق آبائي، ونقش هذه المدينة وضربها، ولكن والله ما أدري ما شأني، وما أدري ما أقول لكم ، فقال له أحدهما: ممن أنت؟
فقال له يمليخا: ما أدري، فكنت أرى أني من أهل هذه القرية، قالوا: فمن أبوك ومن يعرفك بها؟
فأنبأهم باسم أبيه، فلم يجدوا أحدا يعرفه ولا أباه ، فقال له أحدهما: أنت رجل كذاب لا تنبئنا بالحقّ ، فلم يدر يمليخا ما يقول لهم، غير أنه نكس بصره إلى الأرض ، فقال له بعض من حوله: هذا رجل مجنون ، فقال بعضهم: ليس بمجنون، ولكنه يحمق نفسه عمدا لكي ينفلت منكم ، فقال له أحدهما، ونظر إليه نظرا شديدا: أتظنّ أنك إذ تتجانن نرسلك ونصدّقك بأن هذا مال أبيك، وضرب هذه الورِق ونقشها منذ أكثر من ثلاثمائة سنة؟
وإنما أنت غلام شاب تظنّ أنك تأفكنا، ونحن شمط كما ترى، وحولك سُراة أهل المدينة، وولاة أمرها، إني لأظنني سآمر بك فتعذّب عذابا شديدا، ثم أوثقك حتى تعترف بهذا الكنـز الذي وجدت، فلما قال ذلك، قال يمليخا: أنبئوني عن شيء أسألكم عنه، فإن فعلتم صدقتكم عما عندي ، أرأيتم دقينوس الملك الذي كان في هذه المدينة عشية أمس ما فعل، فقال له الرجل: ليس على وجه الأرض رجل اسمه دقينوس، ولم يكن إلا ملك قد هلك منذ زمان ودهر طويل، وهلكت بعده قرون كثيرة ، فقال له يمليخا: فوالله إني إذا لحيران، وما هو بمصدّق أحد من الناس بما أقول ، والله لقد علمت، لقد فررنا من الجبار دقينوس، وإني قد رأيته عشية أمس حين دخل مدينة أفسوس، ولكن لا أدري أمدينة أفسوس هذه أم لا؟
فانطلقا معي إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس أريكم أصحابي، فلما سمع أريوس ما يقول يمليخا قال: يا قوم لعلّ هذه آية من آيات الله جعلها لكم على يدي هذا الفتى، فانطلقوا بنا معه يرنا أصحابه، كما قال: فانطلق معه أريوس وأسطيوس، وانطلق معهم أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم، نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم.
ولما رأى الفتية أصحاب الكهف يمليخا قد احتبس عليهم بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتي به، ظنوا أنه قد أُخِذ فذُهب به إلى ملكهم دَقْينوس الذي هربوا منه ، فبينما هم يظنون ذلك ويتخوفونه، إذ سمعوا الأصوات وجلبة الخيل مصعدة نحوهم، فظنوا أنهم رُسل الجبار دقينوس بعث إليهم ليُؤْتي بهم، فقاموا حين سمعوا ذلك إلى الصلاة، وسلَّم بعضهم على بعض، وأوصى بعضهم بعضا، وقالوا: انطلقوا بنا نأت أخانا يمليخا، فإنه الآن بين يدي الجبار دقينوس ينتظر متى نأته ، فبينما هم يقولون ذلك، وهم جلوس بين ظهراني الكهف، فلم يروا إلا أريوس وأصحابه وقوفا على باب الكهف، وسبقهم يمليخا، فدخل عليهم وهو يبكي ، فلما رأوه يبكي بكوا معه ، ثم سألوه عن شأنه، فأخبرهم خبره وقصّ عليهم النبأ كله، فعرفوا عند ذلك أنهم كانوا نياما بأمر الله ذلك الزمان كله، وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس، وتصديقا للبعث، وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها ، ثم دخل على إثر يمليخا أريوس، فرأى تابوتا من نحاس مختوما بخاتم من فضة، فقام بباب الكهف ، ثم دعا رجالا من عظماء أهل المدينة، ففتح التابوت عندهم، فوجدوا فيه لوحين من رصاص، مكتوبا فيهما كتاب، فقرأهما فوجد فيهما (6) أن مكسلمينا، ومحسلمينا، ويمليخا، ومرطونس، وكسطونس، ويبورس، ويكرونس، ويطبيونس، وقالوش، كانوا فتية هربوا من ملكهم دقينوس الجبار، مخافة أن يفتنهم عن دينهم، فدخلوا هذا الكهف ، فلما أخبر بمكانهم أمر بالكهف فسدّ عليهم بالحجارة، وإنا كتبنا شأنهم وقصة خبرهم، ليعلمه من بعدهم إن عثر عليهم.
فلما قرءوه، عجبوا وحمدوا الله الذي أراهم آية للبعث فيهم، ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه ، ثم دخلوا على الفتية الكهف، فوجودهم جلوسا بين ظهرانيه، مُشرقة وجوههم، لم تبل ثيابهم ، فخرّ أريوس وأصحابه سجودا، وحمدوا الله الذي أراهم آية من آياته ، ثم كلم بعضهم بعضا، وأنبأهم الفتية عن الذين لقوا من ملكهم دقينوس ذلك الجبار الذي كانوا هربوا منه ، ثم إن أريوس وأصحابه بعثوا بريدا إلى ملكهم الصالح تيذوسيس، أن عجل لعلك تنظر إلى آية من آيات الله، جعلها الله على ملكك، وجعلها آية للعالمين، لتكون لهم نورا وضياء، وتصديقا بالبعث، فاعجل على فتية بعثهم الله، وقد كان توفاهم منذ أكثر من ثلاثمائة سنة ، فلما أتى الملك تيذوسيس الخبر، قام من المَسْندة التي كان عليها، ورجع إليه رأيه وعقله، وذهب عنه همه، ورجع إلى الله عزّ وجلّ، فقال: أحمدك اللهمّ ربّ السماوات والأرض، أعبدك، وأحمدك، وأسبح لك ، تطوّلت عليّ، ورحمتني برحمتك، فلم تطفئ النور الذي كنت جعلته لآبائي، وللعبد الصالح قسطيطينوس الملك، فلما نبأ به أهل المدينة ركبوا إليه، وساروا معه حتى أتوا مدينة أفسوس، فتلقاهم أهل المدينة، وساروا معه حتى صعدوا نحو الكهف حتى أتوه ، فلما رأى الفتية تيذوسيس، فرحوا به، وخرّوا سجودا على وجوههم ، وقام تيذوسيس قدامهم، ثم اعتنقهم وبكى، وهم جلوس بين يديه على الأرض يسبحون الله ويحمدونه، ويقول: والله ما أشبه بكم إلا الحواريون (7) حين رأوا المسيح ، وقال: فرج الله عنكم، كأنكم الذي تُدْعَون فتحْشَرون من القبور ، فقال الفتية لتيذوسيس: إنا نودّعك السلام، والسلام عليكم ورحمة الله، حفظك الله، وحفظ لك ملكك بالسلام، ونعيذك بالله من شرّ الجنّ والإنس ، فأمر بعيش من خُلَّر ونشيل إن أسوأ ما سلك في بطن الإنسان أن لا يعلم شيئا إلا كرامة إن أكرم بها، ولا هوان إن أهين به.
(8) فبينما الملك قائم، إذ رجعوا إلى مضاجعهم، فناموا، وتوفى الله أنفسهم بأمره، وقام الملك إليهم، فجعل ثيابه عليهم، وأمر أن يجعل لكلّ رجل منهم تابوت من ذهب ، فلما أَمْسَوا ونام، أتوه في المنام، فقالوا: إنا لم نخلق من ذهب ولا فضة، ولكنا خُلقنا من تراب وإلى التراب نصير، فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله منه ، فأمر الملك حينئذ بتابوت من ساج، فجعلوهم فيه، وحجبهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب، فلم يقدر أحد على أن يدخل عليهم ، وأمر الملك فجعل كهفهم مسجدا يُصَلَّى فيه، وجعل لهم عيدا عظيما، وأمر أن يؤتى كلّ سنة ، فهذا حديث أصحاب الكهف.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن عبد العزيز بن أبي روّاد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: بعثهم الله - يعني الفتية أصحاب الكهف - وقد سلط عليهم ملك مسلم، يعني على أهل مدينتهم ، وسلَّط الله على الفتية الجوع، فقال قائل منهم: (كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) قال: فردّوا علم ذلك إلى الله ، (قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) وإذا معهم ورِق من ضرب الملك الذي كانوا في زمانه (فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) : أي بطعام (وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا).
فخرج أحدهم فرأى المعالم متنكرة حتى انتهى إلى المدينة، فاستقبله الناس لا يعرف منهم أحدا ، فخرج ولا يعرفونه، حتى انتهى إلى صاحب الطعام، فسامه بطعامه، فقال صاحب الطعام: هات ورقك ، فأخرج إليه الورق، فقال: من أين لك هذا الورق؟
قال: هذه ورِقُنا وورِق أهل بلادنا ، فقال: هيهات هذه الورِق من ضرب فلان بن فلان منذ ثلاثمائة وتسع سنين ، أنت أصبت كنـزا ، ولست بتاركك حتى أرفعك إلى الملك ، فرفعه إلى الملك، وإذا الملك مسلم وأصحابه مسلمون، ففرح واستبشر، وأظهر لهم أمره، وأخبرهم خبر أصحابه ، فبعثوا إلى اللوح في الخزانة، فأتوا به، فوافق ما وصف من أمرهم، فقال المشركون: نحن أحقّ بهم هؤلاء أبناء آبائنا، وقال المسلمون: نحن أحقّ بهم، هم مسلمون منا ، فانطلقوا معه إلى الكهف ، فلما أتوا باب الكهف قال: دعوني حتى أدخل على أصحابي حتى أبشرهم، فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم ، فدخل فبشَّرهم، وقبض الله أرواحهم، قال: وعمى الله عليهم مكانهم، فلم يهتدوا، فقال المشركون: نبني عليهم بُنيانا، فإنهم أبناء آبائنا، ونعبد الله فيه، وقال المسلمون: نحن أحق بهم، هم منا، نبني عليهم مسجدا نصلي فيه، ونعبد الله فيه.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال: إن الله تعالى بعثهم من رقدتهم ليتساءلوا بينهم كما بيَّنا قبل، لأن الله عزّ ذكره ، كذلك أخبر عباده في كتابه، وإن الله أعثر عليهم القوم الذين أعثرهم عليهم، ليتحقق عندهم ببعث الله هؤلاء الفتية من رقدتهم بعد طول مدتها بهيئتهم يوم رقدوا، ولم يشيبوا على مرّ الأيام والليالي عليهم، ولم يهرموا على كرّ الدهور والأزمان فيهم قدرته على بعث من أماته في الدنيا من قبره إلى موقف القيامة يوم القيامة، لأن الله عزّ ذكره بذلك أخبرنا، فقال: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا .
واختلفت القراء في قراءة قوله: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ) فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة وبعض العراقيين (بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ) بفتح الواو وكسر الراء والقاف.
وقرأ عامة قراء الكوفة والبصرة ( بَورْقِكُمْ ) بسكون الراء، وكسر القاف.
وقرأه بعض المكيين بكسر الراء ، وإدغام القاف في الكاف، وكلّ هذه القراءات متفقات المعاني، وإن اختلفت الألفاظ منها، وهنّ لغات معروفات من كلام العرب، غير أن الأصل في ذلك فتح الواو وكسر الراء والقاف، لأنه الورق، وما عدا ذلك فإنه داخل عليه طلب التخفيف.
وفيه أيضا لغة أخرى وهو الوَرْق ، كما يقال للكَبِد كَبْد.
فإذا كان ذلك هو الأصل، فالقراءة به إلي أعجب، من غير أن تكون الأخريان مدفوعة صحتهما، وقد ذكرنا الرواية بأن الذي بعث معه بالوَرِق إلى المدينة كان اسمه يمليخا.
وقد: حدثني عبيد الله بن محمد الزهري، قال: ثنا سفيان، عن مقاتل (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ) اسمه يمليخ.
وأما قوله: (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله ، فقال بعضهم: معناه فلينظر أي أهل المدينة أكثر طعاما.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن عكرمة (أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) قال: أكثر.
وحدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبي حُصَين، عن عكرِمة مثله، إلا أنه قال: ( أيُّهُ أكْثَرُ).
وقال آخرون: بل معناه: أيها أحلّ طعاما.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: (أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) قال : أحلّ.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، مثله.
وقال آخرون: بل معناه: أيها خير طعاما.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: (أَزْكَى طَعَامًا) قال: خير طعاما.
وأولى الأقوال عندي في ذلك بالصواب: قول من قال: معنى ذلك: أحلّ وأطهر، وذلك أنه لا معنى في اختيار الأكثر طعاما للشراء منه إلا بمعنى إذا كان أكثرهم طعاما، كان خليقا أن يكون الأفضل منه عنده أوجد، وإذا شرط على المأمور الشراء من صاحب الأفضل، فقد أمر بشراء الجيد، كان ما عند المشتري ذلك منه قليلا الجيد أو كثيرا، وإنما وجه من وجه تأويل أزكى إلى الأكثر، لأنه وجد العرب تقول: قد زكا مال فلان: إذا كثر، وكما قال الشاعر: قَبائِلُنـــا سَــبْعٌ وأنْتُــمْ ثَلاثَــةٌ وَللسَّـبْعُ أزْكَـى مِـن ثَـلاثٍ وأطْيَبُ (9) بمعنى: أكثر، وذلك وإن كان كذلك، فإن الحلال الجيد وإن قل، أكثر من الحرام الخبيث وإن كثر.
وقيل: (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا) فأضيف إلى كناية المدينة، والمراد بها أهلها، لأن تأويل الكلام: فلينظر أيّ أهلها أزكى طعاما لمعرفة السامع بالمراد من الكلام ، وقد يُحتمل أن يكونوا عنوا بقوله (أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) : أيها أحلّ، من أجل أنهم كانوا فارقوا قومهم وهم أهل أوثان، فلم يستجيزوا أكل ذبيحتهم.
وقوله: (فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) يقول: فليأتكم بقوت منه تقتاتونه ، وطعام تأكلونه.
كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير (فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) قال: بطعام.
وقوله: (وَلْيَتَلَطَّفْ) يقول: وليترفق في شرائه ما يشتري، وفي طريقه ودخوله المدينة (وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) يقول: ولا يعلمنّ بكم أحدا من الناس ،
قوله : وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحداقوله تعالى : وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم البعث : التحريك عن سكون .
والمعنى : كما ضربنا على آذانهم وزدناهم هدى وقلبناهم بعثناهم أيضا ; أي أيقظناهم من نومهم على ما كانوا عليهم من هيئتهم في ثيابهم وأحوالهم .
قال الشاعر :وفتيان صدق قد بعثت بسحرة فقاموا جميعا بين عاث ونشوانأي أيقظت واللام في قوله ليتساءلوا لام الصيرورة وهي لام العاقبة ; كقوله ليكون لهم عدوا وحزنا فبعثهم لم يكن لأجل تساؤلهم .[ ص: 336 ] قوله تعالى : قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم وذلك أنهم دخلوه غدوة وبعثهم الله في آخر النهار ; فقال رئيسهم يمليخا أو مكسلمينا : الله أعلم بالمدة .قوله تعالى : فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فيه سبع مسائل :الأولى : قال ابن عباس : كانت ورقهم كأخفاف الربع ; ذكره النحاس .
وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم بورقكم بكسر الراء .
وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم " بورقكم " بسكون الراء ، حذفوا الكسرة لثقلها ، وهما لغتان .
وقرأ الزجاج " بورقكم " بكسر الواو وسكون الراء .
ويروى أنهم انتبهوا جياعا ، وأن المبعوث هو يمليخا ، كان أصغرهم ; فيما ذكر الغزنوي .
والمدينة : أفسوس ويقال هي طرسوس ، وكان اسمها في الجاهلية أفسوس ; فلما جاء الإسلام سموها طرسوس .
وقال ابن عباس : كان معهم دراهم عليها صورة الملك الذي كان في زمانهم .الثانية : قوله تعالى : فلينظر أيها أزكى طعاما قال ابن عباس : أحل ذبيحة ; لأن أهل بلدهم كانوا يذبحون على اسم الصنم ، وكان فيهم قوم يخفون إيمانهم .
ابن عباس : كان عامتهم مجوسا .
وقيل أزكى طعاما أي أكثر بركة .
قيل : إنهم أمروه أن يشتري ما يظن أنه طعام اثنين أو ثلاثة لئلا يطلع عليهم ، ثم إذا طبخ كفى جماعة ; ولهذا قيل ذلك الطعام الأرز .
وقيل : كان زبيبا .
وقيل تمرا ; فالله أعلم .
وقيل : " أزكى " أطيب .
وقيل أرخص .فليأتكم برزق منه أي بقوت .وليتلطف أي في دخول المدينة وشراء الطعام .ولا يشعرن بكم أحدا أي لا يخبرن .
وقيل : إن ظهر عليه فلا يوقعن إخوانه فيما وقع فيه .
يقول تعالى: { وكذلك بعثناهم } أي: من نومهم الطويل { ليتساءلوا بينهم } أي: ليتباحثوا للوقوف على الحقيقة من مدة لبثهم.
{ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } وهذا مبني على ظن القائل، وكأنهم وقع عندهم اشتباه.
في طول مدتهم، فلهذا { قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ } فردوا العلم إلى المحيط علمه بكل شيء، جملة وتفصيلا، ولعل الله تعالى -بعد ذلك- أطلعهم على مدة لبثهم، لأنه بعثهم ليتساءلوا بينهم، وأخبر أنهم تساءلوا، وتكلموا بمبلغ ما عندهم، وصار آخر أمرهم، الاشتباه، فلا بد أن يكون قد أخبرهم يقينا، علمنا ذلك من حكمته في بعثهم، وأنه لا يفعل ذلك عبثا.
ومن رحمته بمن طلب علم الحقيقة في الأمور المطلوب علمها، وسعى لذلك ما أمكنه، فإن الله يوضح له ذلك، وبما ذكر فيما بعده من قوله.
{ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا } فلولا أنه حصل العلم بحالهم، لم يكونوا دليلا على ما ذكر، ثم إنهم لما تساءلوا بينهم، وجرى منهم ما أخبر الله به، أرسلوا أحدهم بورقهم، أي: بالدراهم، التي كانت معهم، ليشتري لهم طعاما يأكلونه، من المدينة التي خرجوا منها، وأمروه أن يتخير من الطعام أزكاه، أي: أطيبه وألذه، وأن يتلطف في ذهابه وشرائه وإيابه، وأن يختفي في ذلك، ويخفي حال إخوانه، ولا يشعرن بهم أحدا.
وذكروا المحذور من اطلاع غيرهم عليهم، وظهورهم عليهم، أنهم بين أمرين، إما الرجم بالحجارة، فيقتلونهم أشنع قتلة، لحنقهم عليهم وعلى دينهم، وإما أن يفتنوهم عن دينهم، ويردوهم في ملتم، وفي هذه الحال، لا يفلحون أبدا، بل يحشرون في دينهم ودنياهم وأخراهم، وقد دلت هاتان الآيتان، على عدة فوائد.
منها: الحث على العلم، وعلى المباحثة فيه، لكون الله بعثهم لأجل ذلك.
ومنها: الأدب فيمن اشتبه عليه العلم، أن يرده إلى عالمه، وأن يقف عند حده.
ومنها: صحة الوكالة في البيع والشراء، وصحة الشركة في ذلك.
ومنها: جواز أكل الطيبات، والمطاعم اللذيذة، إذا لم تخرج إلى حد الإسراف المنهي عنه لقوله { فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ } وخصوصا إذا كان الإنسان لا يلائمه إلا ذلك ولعل هذا عمدة كثير من المفسرين، القائلين بأن هؤلاء أولاد ملوك لكونهم أمروه بأزكى الأطعمة، التي جرت عادة الأغنياء الكبار بتناولها.
قوله تعالى : ( وكذلك بعثناهم ) أي : كما أنمناهم في الكهف وحفظنا أجسادهم من البلى على طول الزمان فكذلك بعثناهم من النومة التي تشبه الموت ( ليتساءلوا بينهم ) ليسأل بعضهم بعضا واللام فيه لام العاقبة لأنهم لم يبعثوا للسؤال .
( قال قائل منهم ) وهو رئيسهم مكسلمينا ( كم لبثتم ) في نومكم؟
وذلك أنهم استنكروا طول نومهم ويقال : إنهم راعهم ما فاتهم من الصلاة فقالوا ذلك .
( قالوا لبثنا يوما ) وذلك أنهم دخلوا الكهف غدوة فقالوا فانتبهوا [ حين انتبهوا ] عشية فقالوا : لبثنا يوما ثم نظروا وقد بقيت من الشمس بقية فقالوا : ( أو بعض يوم ) فلما نظروا إلى طول شعورهم وأظفارهم علموا أنهم لبثوا أكثر من يوم .
( قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ) وقيل : إن رئيسهم مكسلمينا لما سمع الاختلاف بينهم قال : دعوا الاختلاف ربكم أعلم بما لبثتم ( فابعثوا أحدكم بورقكم هذه ) يعني يمليخا .
قرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر : بورقكم ساكنة الراء والباقون بكسرها ومعناهما واحد وهي الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة .
( إلى المدينة ) قيل : هي طرسوس وكان اسمها في الجاهلية أفسوس فسموها في الإسلام طرسوس .
( فلينظر أيها أزكى طعاما ) أي : أحل طعاما حتى لا يكون من غصب أو سبب حرام وقيل : أمروه أن يطلب ذبيحة مؤمن ولا يكون من ذبيحة من يذبح لغير الله وكان فيهم مؤمنون يخفون إيمانهم وقال الضحاك : أطيب طعاما وقال مقاتل بن حيان : أجود طعاما وقال عكرمة : أكثر وأصل الزكاة الزيادة وقيل : أرخص طعاما .
( فليأتكم برزق منه ) أي : قوت وطعام تأكلونه ( وليتلطف ) وليترفق في الطريق وفي المدينة وليكن في ستر وكتمان ( ولا يشعرن ) ولا يعلمن ( بكم أحدا ) من الناس .
«وكذلك» كما فعلنا بهم ما ذكرنا «بعثناهم» أيقظناهم «ليتساءلوا بينهم» عن حالهم ومدة لبثهم «قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم» لأنهم دخلوا الكهف عند طلوع الشمس وبُعثوا عند غروبها فظنوا أنه غروب يوم الدخول ثم «قالوا» متوقفين في ذلك «ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بوَرقِكُمْ» بسكون الراء وكسرها بفضتكم «هذه إلى المدينة» يقال إنها المسماة الآن طرسوس بفتح الراء «فلينظر أيها أزكى طعاما» أي أيّ أطعمة المدينة أحل «فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحداً».
وكما أنمناهم وحفظناهم هذه المدة الطويلة أيقظناهم مِن نومهم على هيئتهم دون تغيُّر؛ لكي يسأل بعضهم بعضًا: كم من الوقت مكثنا نائمين هنا؟
فقال بعضهم: مكثنا يوما أو بعض يوم، وقال آخرون التبس عليهم الأمر: فَوِّضوا عِلْم ذلك لله، فربكم أعلم بالوقت الذي مكثتموه، فأرسِلوا أحدكم بنقودكم الفضية هذه إلى مدينتنا فلينظر: أيَّ أهل المدينة أحلُّ وأطيب طعامًا؟
فليأتكم بقوت منه، وليتلطف في شرائه مع البائع حتى لا ننكشف، ويظهر أمرنا، ولا يُعْلِمَنَّ بكم أحدًا من الناس.
وقوله - سبحانه - : ( وكذلك بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ ) ، بيان للعلة التى من أجلها بعث أصحاب الكهف من نومهم الطويل .أى : وكما أنمناهم تلك المدة الطويلة ، بعثناهم من نومهم بعدها ، ليسأل بعضهم بعضا ، وكأنهم قد أحسوا بأن نومهم قد طال .والاقتصار على التساؤل الذى حصل الإِيقاظ من أجله ، لا ينفى أن يكون هناك أسباب أخرى غيره حصل من أجلها إيقاظهم ، وإنما أفرده - سبحانه - بالذكر لاستتباعه لسائر الآثار الأخرى .ثم حكى - سبحانه - بعض تساؤلهم فقال : ( قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ ) أى : كم مكثتم مستغرقين فى النوم فى هذا الكهف .فأجابه بعضهم بقوله : ( لبثنا يوماً ) لظنهم أن الشمس قد غربت ، فلما رأوها لم تغرب بعد قالوا : ( أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) أى : مكثنا نائمين بعض ساعات اليوم .ويصح أن تكون أو للشك .
أى قال بعضهم فى الرد على سؤال السائل كم لبثتم ، لبثنا فى النوم يوما أو بعض يوم ، لأننا لا ندرى على الحقيقة كم مكثنا نائمين .ثم حكى القرآن أن بعضهم رد عِلْمَ مقدار مدة نومهم على جهة اليقين إلى الله - تعالى - فقال : ( قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ) أى : ربكم وحده هو العليم بمقدار الزمن الذى قضيتموه نائمين فى هذا الكهف .قال الآلوسى : وهذا رد منهم على الأولين ، على أحسن ما يكون من مراعاة حسن الأدب ، وبه كما قيل يتحقق التحزب إلى الحزبين المعهودين فيما سبق فى قوله - تعالى - ( لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ ) وقال بعضهم : وقد استدل ابن عباس على أن عدد الفتية سبعة بهذه الآية ، لأنه قد قال فى الآية : قال قائل منهم ، وهذا واحد ، وقالوا فى جوابه : لبثنا يوما ، أو بعض يوم وهو جمع وأقله ثلاثة ، ثم قالوا : ربكم أعلم بما لبثتم ، وهذا قول جمع آخرين فصاروا سبعة .ثم بين - سبحانه - ما قالوه بعد أن تركوا الحديث فى مسألة الزمن الذى قضوه نائمين فى الكهف فقال - تعالى - : ( فابعثوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذه إلى المدينة فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أزكى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ) .أى : كفوا عن الحديث فى مسألة المدة التى نمتموها ، فعلمها عند الله ، وابعثوا أحدكم ( بورقكم ) .
أى : بدراهمكم المضروبة من الفضة ، ( إلى المدينة ) التى يوجد بها الطعام الذى نحن فى حاجة إليه ، والتى هى أقرب مكان إلى الكهف .قالوا : والمراد بها مدينتهم التى كانوا يسكنونها قبل أن يلجأوا إلى الكهف فراراً بدينهم .( فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أزكى طَعَاماً ) أى : ومتى وصل إلى المدينة ، فليتفقد أسواقها ، وليتخير أى أطعمتها أحل وأطهر وأجود وأكثر بركة .( فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ ) أى : فليأتكم بما يسد جوعكم من ذلك الأزكى طعاما ، فيكون الضمير فى " منه " للطعام الأزكى .
اعلم أن التقدير وكما: زدناهم هدى، وربطنا على قلوبهم، فضربنا على آذانهم وأنمناهم وأبقيناهم أحياء لا يأكلون ولا يشربون ونقلبهم فكذلك بعثناهم أي أحييناهم من تلك النومة التي تشبه الموت ليتساءلوا بينهم تساءل تنازع واختلاف في مدة لبثهم، فإن قيل: هل يجوز أن يكون الغرض من بعثهم أن يتساءلوا ويتنازعوا؟
قلنا: لا يبعد ذلك لأنهم إذا تساءلوا انكشف لهم من قدرة الله تعالى أمور عجيبة وأحوال غريبة، وذلك الانكشاف أمر مطلوب لذاته.
ثم قال تعالى: ﴿ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ ﴾ أي كم مقدار لبثنا في هذا الكهف: ﴿ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ قال المفسرون إنهم دخلوا الكهف غدوة وبعثهم الله في آخر النهار، فلذلك قالوا لبثنا يوماً فلما رأوا الشمس باقية قالوا أو بعض يوم، ثم قال تعالى: ﴿ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ﴾ ، قال ابن عباس هو رئيسهم يمليخا رد علم ذلك إلى الله تعالى لأنه لما نظر إلى أشعارهم وأظفارهم وبشرة وجوههم رأى فيها آثار التغير الشديد فعلم أن مثل ذلك التغير لا يحصل إلا في الأيام الطويلة.
ثم قال: ﴿ فابعثوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذه إلى المدينة ﴾ قرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم بورقكم ساكنة الراء مفتوحة الواو ومنهم من قرأ (ها) مكسورة الواو ساكنة الراء وقرأ ابن كثير بورقكم بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف وعن ابن محيصن أنه كسر الواو وأسكن الراء وأدغم القاف في الكاف، وهذا غير جائز لالتقاء الساكنين على هذه، والورق اسم للفضة سواء كانت مضروبة أم لا، ويدل عليه ما روى أن عرفجة اتخذ أنفاً من ورق، وفيه لغات ورق وورق وورق مثل كبد وكبد وكبد، ذكره الفراء والزجاج قال الفراء وكسر الواو أردؤها.
ويقال أيضاً للورق الرقة، قال الأزهري أصله ورق مثل صلة وعدة، قال المفسرون كانت معهم دراهم عليها صورة الملك الذي كان في زمانهم يعني بالمدينة التي يقال لها اليوم طرسوس، وهذه الآية تدل على أن السعي في إمساك الزاد أمر مهم مشروع وأنه لا يبطل التوكل وقوله: ﴿ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أزكى طَعَامًا ﴾ .
قال ابن عباس: يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوساً وفيهم قوم يخفون إيمانهم.
وقال مجاهد: كان ملكهم ظالماً فقولهم: ﴿ أزكى طَعَامًا ﴾ يريدون أيها أبعد عن الغضب، وقيل أيها أطيب وألذ، وقيل أيها أرخص، قال الزجاج: قوله: ﴿ أَيُّهَا ﴾ رفع بالابتداء، و ﴿ أزكى ﴾ خبره و ﴿ طَعَامًا ﴾ نصب على التمييز، وقوله: ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ أي يكون ذلك في سر وكتمان يعني دخول المدينة وشراء الطعام ﴿ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ﴾ أي لا يخبرن بمكانكم أحداً من أهل المدينة: ﴿ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ ﴾ أي يطلعوا ويشرفوا على مكانكم أو على أنفسكم من قولهم: ظهرت على فلان إذا علوته وظهرت على السطح إذا صرت فوقه، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَأَصْبَحُواْ ظاهرين ﴾ أي عالين، وكذلك قوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ ﴾ أي ليعليه وقوله: ﴿ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ يقتلوكم، والرجم بمعنى القتل كثير في التنزيل كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لرجمناك ﴾ وقوله: ﴿ أَن تَرْجُمُونِ ﴾ وأصله الرمي، قال الزجاج: أي يقتلوكم بالرجم، والرجم أخبث أنواع القتل: ﴿ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ﴾ أي يردوكم إلى دينهم ﴿ وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا ﴾ أي إذا رجعتم إلى دينهم لن تسعدوا في الدنيا ولا في الآخرة قال الزجاج قوله: ﴿ إِذًا أَبَدًا ﴾ يدل على الشرط أي ولن تفلحوا إن رجعتم إلى ملتهم أبداً، قال القاضي: ما على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين فأحدهما فيه هلاك النفس وهو الرجم الذي هو أخبث أنواع القتل، والآخر هلاك الدين بأن يردوا إلى الكفر، فإن قيل: أليس أنهم لو أكرهوا على الكفر حتى إنهم أظهروا الكفر لم يكن عليهم مضرة فكيف قالوا: ﴿ وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا ﴾ قلنا يحتمل أن يكون المراد أنهم لو ردوا هؤلاء المسلمين إلى الكفر على سبيل الإكراه بقوا مظهرين لذلك الكفر مدة فإنه يميل قلبهم إلى ذلك الكفر ويصيرون كافرين في الحقيقة، فهذا الاحتمال قائم فكان خوفهم منه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وكذلك بعثناهم ﴾ وكما أنمناهم تلك النومة كذلك بعثناهم، إدكاراً بقدرته على الإنامة والبعث جميعاً ليسأل بعضهم بعضاً ويعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، فيعتبروا، ويستدلوا على عظم قدرة الله تعالى ويزدادوا يقيناً، ويشكروا ما أنعم الله به عليهم وكرموا به ﴿ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ جواب مبني على غالب الظن.
وفيه دليل على جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب، وأنه لا يكون كذباً وإن جاز أن يكون خطأ ﴿ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ﴾ إنكار عليهم من بعضهم، وأن الله أعلم بمدّة لبثهم، كأنّ هؤلاء قد علموا بالأدلة أو بإلهام من الله أنّ المدة متطاولة، وأنّ مقدارها مبهم لا يعلمه إلا الله.
وروي أنهم دخلوا الكهف غدوة وكان انتباههم بعد الزوال، فظنوا أنهم في يومهم، فلما نظروا إلى طول أظفارهم وأشعارهم قالوا ذلك.
فإن قلت: كيف وصلوا قولهم ﴿ فابعثوا ﴾ بتذاكر حديث المدة؟
قلت: كأنهم قالوا: ربكم أعلم بذلك، لا طريق لكم إلى علمه، فخذوا في شيء آخر مما يهمكم.
والورق: الفضة، مضروبة كانت أو غير مضروبة.
ومنه الحديث: «أنّ عرفجة أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفاً من ورق فأنتن، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفاً من ذهب» وقرئ: ﴿ بورْقكم ﴾ بسكون الراء والواو مفتوحة أو مكسورة.
وقرأ ابن كثير ﴿ بورِقكم ﴾ ، بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف.
وعن ابن محيصن أنه كسر الواو وأسكن الراء وأدغم، وهذا غير جائز لالتقاء الساكنين لا على حده.
وقيل: المدينة طرسوس.
قالوا: وتزوّدهم ما كان معهم من الورق عند فرارهم: دليل على أنّ حمل النفقة وما يصلح المسافر هو رأي المتوكلين على الله، دون المتكلين على الاتفاقات وعلى ما في أوعية القوم من النفقات.
ومنه قول عائشة رضي الله عنها- لمن سألها عن محرم يشدّ عليه هميانه-: أوثق عليك نفقتك.
وما حكي عن بعض صعاليك العلماء أنه كان شديد الحنين إلى أن يرزق حج بيت الله، وتعولم منه ذلك، فكانت مياسير أهل بلده كلما عزم منهم فوج على حج أتوه فبذلوا له أن يحجوا به وألحوا عليه، فيعتذر إليهم ويحمد إليهم بذلهم، فإذا انفضوا عنه قال لمن عنده: ما لهذا السفر إلا شيئان: شدّ الهميان، والتوكل على الرحمن ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ أيّ أهلها، فحذف الأهل كما في قوله ﴿ واسئل القرية ﴾ [يوسف: 82] ، ﴿ أزكى طَعَامًا ﴾ أحلّ وأطيب وأكثر وأرخص ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ وليتكلف اللطف والنيقة فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن.
أو في أمر التخفي حتى لا يعرف ﴿ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ﴾ يعني: ولا يفعلنّ ما يؤدي من غير قصد منه إلى الشعور بنا، فسمى ذلك إشعاراً منه بهم؛ لأنه سبب فيه الضمير في ﴿ إِنَّهُمْ ﴾ راجع إلى الأهل المقدر في ﴿ أَيُّهَا ﴾ .
﴿ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ يقتلوكم أخبث القتلة وهي الرجم، وكانت عادتهم ﴿ أَوْ يُعِيدُوكُمْ ﴾ أو يدخلوكم ﴿ فِى مِلَّتِهِمْ ﴾ بالإكراه العنيف ويصيروكم إليها.
والعود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم، يقولون: ما عدت أفعل كذا، يريدون ابتداء الفعل ﴿ وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا ﴾ إذ دخلتم في دينهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْناهُمْ ﴾ وكَما أنَمْناهم آيَةً بَعَثْناهم آيَةً عَلى كَمالِ قُدْرَتِنا.
﴿ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ ﴾ لِيَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا فَتَعْرِفُوا حالَهم وما صَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ فَيَزْدادُوا يَقِينًا عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَسْتَبْصِرُوا بِهِ أمْرَ البَعْثِ ويَشْكُرُوا ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ.
﴿ قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ بِناءً عَلى غالِبِ ظَنِّهِمْ لِأنَّ النّائِمَ لا يُحْصِي مُدَّةَ نَوْمِهِ ولِذَلِكَ أحالُوا العِلْمَ إلى اللَّهِ تَعالى.
﴿ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ وهَذا إنْكارٌ الآخَرِينَ عَلَيْهِمْ.
وقِيلَ إنَّهم دَخَلُوا الكَهْفَ غُدْوَةً وانْتَبَهُوا ظَهِيرَةً وظَنُّوا أنَّهم في يَوْمِهِمْ أوِ اليَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ قالُوا ذَلِكَ، فَلَمّا نَظَرُوا إلى طُولِ أظْفارِهِمْ وأشْعارِهِمْ قالُوا هَذا ثُمَّ لَمّا عَلِمُوا أنَّ الأمْرَ مُلْتَبِسٌ لا طَرِيقَ لَهم إلى عِلْمِهِ أخَذُوا فِيما يُهِمُّهم وقالُوا: ﴿ فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ ﴾ والوَرِقُ الفِضَّةُ مَضْرُوبَةً كانَتْ أوْ غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالتَّخْفِيفِ.
وقُرِئَ بِالتَّثْقِيلِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ وبِالتَّخْفِيفِ مَكْسُورَ الواوِ مُدْغَمًا وغَيْرَ مُدْغَمٍ، ورُدَّ المُدْغَمُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، وحَمْلُهم لَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّزَوُّدَ رَأْيُ المُتَوَكِّلِينَ والمَدِينَةُ طَرْسُوسُ.
﴿ فَلْيَنْظُرْ أيُّها ﴾ أيُّ أهْلِها.
﴿ أزْكى طَعامًا ﴾ أحَلُّ وأطِيبُ أوْ أكْثَرُ وأرْخَصُ.
﴿ فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ ﴾ ولْيَتَكَلَّفِ اللُّطْفَ في المُعامَلَةِ حَتّى لا يُغْبَنَ، أوْ في التَّخَفِّي حَتّى لا يُعْرَفَ.
﴿ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا ﴾ ولا يَفْعَلَنَّ ما يُؤَدِّي إلى الشُّعُورِ.
﴿ إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ يَطَّلِعُوا عَلَيْكم أوْ يَظْفَرُوا بِكم، والضَّمِيرُ لِلْأهْلِ المُقَدَّرِ في ﴿ أيُّها ﴾ .
﴿ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ يَقْتُلُوكم بِالرَّجْمِ.
﴿ أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ﴾ أوْ يُصَيِّرُوكم إلَيْها كَرْهًا مِنَ العَوْدِ بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ.
وقِيلَ كانُوا أوَّلًا عَلى دِينِهِمْ فَآمَنُوا.
﴿ وَلَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا ﴾ إنْ دَخَلْتُمْ في مِلَّتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{وكذلك بعثناهم} وكما أنمناهم تلك النومة كذلك أيقظناهم إظهاراً للقدرة على الإنامة والبعث جميعاً {لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ} ليسأل بعضهم بعضاً ويتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم فيعتبروا ويستدلوا على عظم قدرة الله ويزدادوا يقيناً ويشكروا ما أنعم الله به عليهم {قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ} رئيسهم {كَمْ لَبِثْتُمْ} كم مدة لبثكم {قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} جواب مبني على غالب الظن وفيه دليل على جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب {قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} بمدة لبثكم إنكار عليهم من بعضهم كأنهم قد علموا بالأدلة أو بإلهام أن المدة متطاولة وأن مقدارها لا يعلمه إلا الله ورُوي أنهم دخلوا الكهف غدوة وكان انتباههم بعد الزوال فظنوا أنهم في يومهم فلما نظروا إلى طوال أظفارهم وأشعارهم قالوا ذلك وقد استدل ابن عباس رضي الله عنه على أن الصحيح أن عددهم سبعة لأنه قد قال في الآية قال قائل منهم كم لبثتم وهذا واحد وقالوا في جوابه لبثنا يوماً أو بعض يوم وهو جمع وأقله ثلاثة ثم قال ربكم أعلم بما لبثتم وهذا
قول جمع آخرين فصاروا سبعة {فابعثوا أَحَدَكُمْ} كأنهم قالوا ربكم أعلم بذلك لا طريق لكم إلى علمه فخذوا في شيء آخر مما يهمكم فابعثوا أحدكم أي تمليخا {بِوَرِقِكُمْ} هي الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة وبسكون الراء أبو عمرو وحمزة وأبو بكر {هذه إلى المدينة} هي طرسوس وحملهم الورق عند فرارهم دليل على أن حمل النفقة وما يصلح للمسافر هو رأي المتوكلين على الله دون المتكلين على الاتفاقات وعلى ما في أوعية
الكهف (٢١ - ١٩)
القوم من النفقات وعن بعض العلماء أنه كان شديد الحنين إلى بيت الله ويقول ما لهذا السفر إلا شيئان شد المحميان والتوكل على الرحمن {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا} أي أهلها فحذف كما في واسئل القرية واي مبتدأ وخبره {أزكى} أحل وأطيب وأكثر وأرخص {طَعَامًا} تمييز {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ} وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن أو في أمر التخفي حتى لا يعرف {وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} ولا يفعلن ما يؤدي إلى الشعر بنا من غير قصد منه فسمى ذلك إشعاراً منه بهم لأنه سبب فيه
﴿ وكَذَلِكَ بَعَثْناهُمْ ﴾ أيْ: كَما أنَمْناهم هَذِهِ الإنامَةَ الطَّوِيلَةَ وهي المَفْهُومَةُ مِمّا مَرَّ أيْقَظْناهم فالمُشَبَّهُ الإيقاظُ والمُشَبَّهُ بِهِ الإنامَةُ المُشارُ إلَيْها ووَجْهُ الشَّبَهِ كَوْنُ كُلٍّ مِنهُما آيَةً دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ: لِيَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ما فُصِّلَ مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ، وجُعِلَ عِلَّةً لِلْبَعْثِ المُعَلَّلِ بِما سَبَقَ فِيما سَبَقَ، قِيلَ: مِن حَيْثُ إنَّهُ مِن أحْكامِهِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِهِ لِاسْتِتْباعِهِ لِسائِرِ آثارِهِ، وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ، واسْتَظْهَرَهُ الخَفاجِيُّ وادَّعى أنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ لاحَظَ أنَّ الغَرَضَ مِن فِعْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ إظْهارُ كَمالِ قُدْرَتِهِ لا ما ذُكِرَ مِنَ التَّساؤُلِ فَتَأمَّلْ.
﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ تَساؤُلِهِمْ ﴿ قائِلٌ مِنهُمْ ﴾ قِيلَ: هو كَبِيرُهم مَكْسِلْمِينا، وقِيلَ: صاحِبُ نَفَقَتِهِمْ يَمْلِيخا ﴿ كَمْ لَبِثْتُمْ ﴾ أيْ: كَمْ يَوْمًا أقَمْتُمْ نائِمِينَ، وكَأنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِما رَأى مِن مُخالَفَةِ حالِهِمْ لِما هو المُعْتادُ في الجُمْلَةِ، وقِيلَ: راعَهم ما فاتَهم مِنَ الصَّلاةِ فَقالُوا ذَلِكَ.
﴿ قالُوا ﴾ أيْ: قالَ بَعْضُهُمْ: ﴿ لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ أوْ لِلشَّكِّ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، والمُرادُ: لَمْ نَتَحَقَّقْ مِقْدارَ لُبْثِنا؛ أيْ: لا نَدْرِي أنَّ مُدَّةَ ذَلِكَ هَلْ هي مِقْدارُ مُدَّةِ يَوْمٍ أوْ مِقْدارُ مُدَّةِ بَعْضِ يَوْمٍ مِنهُ، والظّاهِرُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ لِأنَّ لَوْثَةَ النَّوْمِ لَمْ تَذْهَبْ مِن بَصَرِهِمْ وبَصِيرَتِهِمْ فَلَمْ يَنْظُرُوا إلى الأماراتِ، وهَذا مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ سَواءٌ كانَ نَوْمُهم وانْتِباهُهم جَمِيعًا أوْ أحَدُهُما في النَّهارِ أمْ لا، والمَشْهُورُ أنَّ نَوْمَهم كانَ غَدْوَةً وانْتِباهَهم كانَ آخِرَ النَّهارِ، وقِيلَ: فَلَمْ يَدْرُوا أنَّ انْتِباهَهم في اليَوْمِ الَّذِي نامُوا فِيهِ أمْ في اليَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ فَقالُوا ما قالُوا، واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَّرَدُّدُ في بَعْضِ يَوْمٍ ويَوْمٍ وبَعْضٍ، ومِن هُنا قِيلَ إنَّ «أوْ» لِلْإضْرابِ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا انْتَبَهُوا آخِرَ النَّهارِ وكانُوا في جَوْفِ الغارِ ولَوْثَةُ النَّوْمِ لَمْ تُفارِقْهم بَعْدُ قالُوا قَبْلَ النَّظَرِ: ﴿ لَبِثْنا يَوْمًا ﴾ ثُمَّ لَمّا حَقَّقُوا أنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ بَعْدُ قالُوا: ﴿ أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ أنَّها لَكَ، والِاعْتِراضُ مُنْدَفِعٌ بِإرادَةِ ما سَمِعْتَ مِنهُ، نَعَمْ هو في ذَلِكَ مَجازٌ، وحَكى أبُو حَيّانَ أنَّها لِلتَّفْصِيلِ عَلى مَعْنى: قالَ بَعْضُهُمْ: لَبِثْنا يَوْمًا، وقالَ آخَرُونَ: لَبِثْنا بَعْضَ يَوْمٍ، وقَوْلُ كُلٍّ مَبْنِيٌّ عَلى غالِبِ الظَّنِّ عَلى ما قِيلَ فَلا يَكُونُ كَذِبًا، ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِأنَّها لِلتَّفْصِيلِ مِمّا لا يَكادُ يَذْهَبُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، ولا حاجَةَ إلى بِناءِ الأمْرِ عَلى غالِبِ الظَّنِّ لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ كَذِبًا بِناءً عَلى ما ذَكَرْنا مِن أنَّ المُرادَ لَمْ نَتَحَقَّقْ مِقْدارَهُ كَما ذَكَرَهُ أهْلُ المَعانِي في «قَوْلِ النَّبِيِّ وقَدْ سَلَّمَ سَهْوًا مِن صَلاةٍ رُباعِيَّةٍ فَقالَ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ: أقْصُرَتِ الصَّلاةُ أمْ نَسِيتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟
قالَ: «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ»».
﴿ قالُوا ﴾ أيْ قالَ بَعْضٌ آخَرُ مِنهُمُ اسْتِدْلالًا أوْ إلْهامًا: ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ﴾ أيْ: أنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ مُدَّةَ لُبْثِكُمْ، وإنَّما يَعْلَمُها اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهَذا رَدٌّ مِنهم عَلى الأوَّلِينَ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ مِن مُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ وبِهِ كَما قِيلَ يَتَحَقَّقُ التَّحَزُّبُ إلى الحِزْبَيْنِ المَعْهُودَيْنِ فِيما سَبَقَ، وقِيلَ: قائِلُ القَوْلَيْنِ مُتَّحِدٍ لَكِنَّ الحالَةَ مُخْتَلِفَةٌ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ؛ فَإنَّ الِاسْتِئْنافَ في الحِكايَةِ والخِطابَ في المَحْكِيِّ يَقْضِي بِأنَّ الكَلامَ جارٍ عَلى مِنهاجِ المُحاوَرَةِ والمُجاوَبَةِ وإلّا لَقِيلَ ثُمَّ قالُوا: رَبُّنا أعْلَمُ بِما لَبِثْنا ﴿ فابْعَثُوا أحَدَكُمْ ﴾ أيْ: واحِدًا مِنكم ولَمْ يَقُلْ: واحِدَكم لِإيهامِهِ إرادَةَ سَيِّدِكم فَكَثِيرًا ما يُقالُ: جاءَ واحِدُ القَوْمِ ويُرادُ سَيِّدُهم ﴿ بِوَرِقِكُمْ ﴾ أيْ بِدَراهِمِكُمُ المَضْرُوبَةِ كَما هو مَشْهُورٌ بَيْنَ اللُّغَوِيِّينَ، وقِيلَ: الوَرِقُ الفِضَّةُ مَضْرُوبَةً أوْ غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِما وقَعَ في حَدِيثِ عَرْفَجَةَ أنَّهُ لَمّا قُطِعَ أنْفُهُ اتَّخَذَ أنْفًا مِن ورِقٍ فَأنْتَنَ فاتَّخَذَ أنْفًا مِن ذَهَبٍ، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ أُطْلِقَ فِيهِ الوَرِقُ عَلى غَيْرِ المَضْرُوبِ مِنَ الفِضَّةِ، وقَوْلُ الأصْمَعِيِّ كَما حَكى عَنْهُ القُتَيْبِيُّ: الوَرَقُ في الحَدِيثِ بِفَتْحِ الرّاءِ، والمُرادُ بِهِ الوَرَقُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ؛ لِأنَّ الفِضَّةَ لا تُنْتِنُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، والمُنْتِنُ الَّذِي ذَكَرَهُ لا صِحَّةَ لَهُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ والحَسَنُ والأعْمَشُ واليَزِيدِيُّ ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ، وخَلَفٌ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدانَ: «بِوَرْقِكُمْ» بِإسْكانِ الرّاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ بِكَسْرِ الواوِ وإسْكانِ الرّاءِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ، وكَذا إسْماعِيلُ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الرّاءَ لِئَلّا يَلْزَمَ التِقاءُ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ كَما في الرِّوايَةِ الأُخْرى، وبِهَذا اعْتُرِضَ عَلَيْها، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ جائِزٌ وواقِعٌ في كَلامِ العَرَبِ لَكِنْ عَلى شُذُوذٍ، وقَدْ قُرِئَ: «نِعْمّا» بِسُكُونِ العَيْنِ والإدْغامِ، وما قِيلَ إنَّهُ لا يُمْكِنُ التَّلَفُّظُ بِهِ قِيلَ عَلَيْهِ إنَّهُ سَهْوٌ، وحَكى الزَّجّاجُ أنَّهُ قُرِئَ بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الرّاءِ مِن غَيْرِ إدْغامٍ.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ «بَوارِقِكُمْ» عَلى وزْنِ فاعِلٍ.
جَعَلَهُ اسْمَ جَمْعٍ كَباقِرٍ وحامِلٍ، ووَصْفُ الوَرِقِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَذِهِ ﴾ يُشْعِرُ بِأنَّ القائِلَ أحْضَرَها لِيُناوِلَها بَعْضَ أصْحابِهِ، وإشْعارُهُ بِأنَّهُ ناوَلَها إيّاهُ بَعِيدٌ، وفي حَمْلِهِمْ لَها دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّأهُّبَ لِأسْبابِ المَعاشِ لِمَن خَرَجَ مِن مَنزِلِهِ بِحَمْلِ النَّفَقَةِ ونَحْوِها لا يُنافِي التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ تَعالى كَما في الحَدِيثِ ««اعْقِلْها وتَوَكَّلْ»».
نَعَمْ قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ تَوَكُّلَ أبِي وقّاصٍ وأبِي مُسْلِمٍ الخَوْلانِيِّ بِالجُيُوشِ عَلى مَتْنِ البَحْرِ ودُخُولَ تَمِيمٍ في الغارِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنهُ نارُ الحَرَّةِ لِيَرُدَّها بِأمْرِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وقَدْ نَصَّ الإمامُ أحْمَدُ وإسْحاقُ وغَيْرُهُما مِنَ الأئِمَّةِ عَلى جَوازِ دُخُولِ المَفاوِزِ بِغَيْرِ زادٍ وتَرْكِ التَّكَسُّبِ والتَّطَبُّبِ لِمَن قَوِيَ يَقِينُهُ وتَوَكُّلُهُ، وفَسَّرَ الإمامُ أحْمَدُ التَّوَكُّلَ بِقَطْعِ الِاسْتِشْرافِ بِاليَأْسِ مِنَ المَخْلُوقِينَ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ عَرَضَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ أُلْقِيَ في النّارِ وقالَ لَهُ: ألَكَ حاجَةٌ؟
أمّا إلَيْكَ فَلا، ولَيْسَ طَرْحُ الأسْبابِ سَبِيلَ تَوَكُّلِ الخَواصِّ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ فَقَطْ، كَما يُشْعِرُ بِهِ كَلامُ بَعْضِ الفُضَلاءِ بَلْ جاءَ عَنْ غَيْرِهِمْ أيْضًا.
﴿ إلى المَدِينَةِ ﴾ المَعْهُودَةِ وهي المَدِينَةُ الَّتِي خَرَجُوا مِنها، قِيلَ: وتُسَمّى الآنَ طَرْسُوسَ، وكانَ اسْمُها يَوْمَ خَرَجُوا مِنها أفْسُوسَ، وبِهَذا يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، وكانَ هَذا القَوْلُ صَدَرَ مِنهم إعْراضًا عَنِ التَّعَمُّقِ في البَحْثِ وإقْبالًا عَلى ما يَهُمُّهم بِحَسَبِ الحالِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ كَقَوْلِهِ: أتَتْ تَشْتَكِي عِنْدِي مُزاوَلَةَ القِرى وقَدْ رَأتِ الضِّيفانَ يَنْحُونَ مَنزِلِي فَقُلْتُ كَأنِّي ما سَمِعْتُ كَلامَها ∗∗∗ هُمُ الضَّيْفُ جِدِّي في قُراهم وعَجِّلِي ﴿ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا ﴾ أيْ: أحَلُّ فَإنَّ أهْلَ المَدِينَةِ كانُوا في عَهْدِهِمْ يَذْبَحُونَ لِلطَّواغِيتِ كَما رَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهم كانُوا يَذْبَحُونَ الخَنازِيرَ، وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّ أكْثَرَ أمْوالِهِمْ كانَتْ مَغْصُوبَةً، فَأزْكى مِنَ الزَّكاةِ وأصْلُها النُّمُوُّ والزِّيادَةُ وهي تَكُونُ مَعْنَوِيَّةً أُخْرَوِيَّةً وحِسِّيَّةً دُنْيَوِيَّةً، وأُرِيدَ بِها الأُولى لِما في تَوَخِّي الحَلالِ مِنَ الثَّوابِ وحُسْنِ العاقِبَةِ، وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: أيْ: أطْيَبُ، فَإنْ كانَ بِمَعْنى «أحَلُّ» لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ رَجَعَ إلى الأوَّلِ، وإنْ كانَ بِمَعْناهُ المُتَبادَرِ فالزِّيادَةُ قِيلَ: حِسِّيَّةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أيْ: أكْثَرُ.
وقالَ يَمانُ بْنُ رَيّانَ: أيْ: أرْخَصُ، وقالَ قَتادَةُ: أيْ: أجْوَدُ؛ وهو أجْوَدُ، وعَلَيْهِ وكَذا عَلى سابِقِيهِ عَلى ما قِيلَ تَكُونُ الزِّيادَةُ حِسِّيَّةً دُنْيَوِيَّةً أيْضًا زَعَمَ بَعْضُهم أنَّهم عَنَوْا بِالأزْكى الأرُزَّ وقِيلَ التَّمْرَ وقِيلَ الزَّبِيبَ، وحُسْنُ الظَّنِّ بِالفِتْيَةِ يَقْتَضِي أنَّهم تَحَرَّوُا الحَلالَ، والنَّظَرُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن نَظَرِ القَلْبِ وأنْ يَكُونَ مِن نَظَرِ العَيْنِ، وأيُّ اسْتِفْهامٌ مُبْتَدَأٌ و ﴿ أزْكى ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مُعَلَّقٌ عَنْها الفِعْلُ لِلِاسْتِفْهامِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ «أيُّ» مَوْصُولًا مَبْنِيًّا مَفْعُولًا لِيَنْظُرَ و ﴿ أزْكى ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو صَدْرُ الصِّلَةِ وضَمِيرُ أيُّها إمّا لِلْمَدِينَةِ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: أيُّ أهْلِها وإمّا لِلْمَدِينَةِ مُرادًا بِها أهْلُها مَجازًا، وفي الكَلامِ اسْتِخْدامٌ ولا حَذْفٌ، وإمّا لِما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلْيَنْظُرْ أيَّ الأطْعِمَةِ أوِ المَأْكَلِ أزْكى طَعامًا ﴿ فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ الأزْكى طَعامًا فَمِن لِابْتِداءِ الغايَةِ أوِ التَّبْعِيضِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْوَرِقِ فَيَكُونُ «مِن» لِلْبَدَلِ، ثُمَّ إنَّ الفِتْيَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَحَرَّوُا الحَلالَ سابِقًا فَلْيَكُنْ مُرادُهم بِالرِّزْقِ هُنا الحَلالَ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِهِ عِنْدَنا.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُعْلَمُ مِنهُ ما فِيهِ عَلى صِحَّةِ الوِكالَةِ والنِّيابَةِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهي أقْوى آيَةٍ في ذَلِكَ وفِيها كَما قالَ الكَيا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ خَلْطِ دَراهِمِ الجَماعَةِ والشِّراءِ بِها والأكْلِ مِنَ الطَّعامِ الَّذِي بَيْنَهم بِالشَّرِكَةِ وإنْ تَفاوَتُوا في الأكْلِ، نَعَمْ لا بَأْسَ لِلْأكُولِ أنْ يَزِيدَ حِصَّتَهُ مِنَ الدَّراهِمِ.
﴿ ولْيَتَلَطَّفْ ﴾ أيْ: ولْيَتَكَلَّفِ اللُّطْفَ في المُعامَلَةِ كَيْلا تَقَعَ خُصُومَةٌ تَجُرُّ إلى مَعْرِفَتِهِ أوْ لِيَتَكَلَّفِ اللُّطْفَ في الِاسْتِخْفاءِ دُخُولًا وخُرُوجًا، وقِيلَ: لِيَتَكَلَّفْ ذَلِكَ كَيْ لا يُغْبَنَ فَيَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا ﴾ أيْ: لا يَفْعَلْنَّ ما يُؤَدِّي إلى شُعُورِ أحَدٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ بِكم تَأْسِيسًا عَلى هَذا، وهو عَلى الأوَّلِينَ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالتَّلَطُّفِ وتَفْسِيرُهُ بِما ذُكِرَ مِن بابِ الكِنايَةِ نَحْوَ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، وفَسَّرَهُ الإمامُ بِلا يُخْبِرَنَّ بِكم أحَدًا فَهو عَلى ظاهِرِهِ، وقَرَأ الحَسَنُ: «ولِيَتَلَطَّفْ» بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ، وعَنْ قُتَيْبَةَ المَيّالِ: «ولِيُتَلَطَّفْ» بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ هو وأبُو صالِحٍ ويَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ: «ولا يَشْعُرَنَّ بِكم أحَدٌ» بِبِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ورَفْعِ أحَدٍ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ <div class="verse-tafsir"
وقال: وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ، أيقظناهم من نومهم.
لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ، ليتحدثوا.
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ، أي: كم مكثتم في نومكم؟
قالُوا لَبِثْنا يَوْماً.
فلما رأوا الشمس قد زالت قالوا: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
وروى مجاهد، عن ابن عباس قال: «كانت دراهم أصحاب الكهف مثل أخفاف الإبل» .
قرأ ابن كثير ونافع وَلَمُلِئْتَ بتشديد اللام، وهي لغة لبعض العرب، وقرأ الباقون بالتخفيف، وهما لغتان.
وقرأ أبو عمرو وحمزة وعاصم في رواية أبي بكر بِوَرِقِكُمْ بجزم الراء، وقرأ الباقون بالكسر وهما لغتان.
فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً، أي أطيب خبزاً أو أحل ذبيحة، وهذا قول ابن عباس، ويقال: أي أهلها أزكى طعاماً.
وقال عكرمة: أي أكثر وأرخص طعاما.
فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ، أي بطعام مِنْهُ.
وَيُقَالُ: أَزْكى طَعاماً أي: لم يكن غصبا.
وَلْيَتَلَطَّفْ، أي: وليرفق في السؤال.
وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً، أي لا يُعلمن بمكانكم أحداً من الناس.
إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ، يعني: إن يطلعوا عليكم يَرْجُمُوكُمْ، يقتلوكم.
أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً، أي لن تفوزوا، ولن تسعدوا إذاً أبداً إن عبدتم غير الله تعالى.
وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ، يقول: أطلعنا الملك عليهم.
قال القتبي: وأصله في اللغة أن من عثر بشيء، نظر إليه حتى يعرفه، فاستعير العثار مكان التبين والظهور لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، يعني: البعث بعد الموت.
وذلك أن القوم كانوا مختلفين، منهم من كان مقراً بالبعث، ومنهم من كان جاحداً، فلما ظهر حالهم، عرفوا أن البعث حق وأنه كائن.
وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ، يعني: إذ يختلفون فيما بينهم، وقال بعضهم: اختلفوا في عددهم وقال بعضهم: اختلفوا، فقال المؤمنون: فيما بينهم نبني مسجداً وقالت النصارى: نبني كنيسة، فغلب عليهم المسلمون وبنوا المسجد.
فذلك قوله: فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً، أي مسجداً.
رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ، أي عالم بِهِمْ.
قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ، الذين كانوا على دين أصحاب الكهف وهم المؤمنون.
لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً قال الزجاج: فيه دليل أنه ظهر أمرهم، وغلب الذين أقروا بالبعث على غيرهم، لأنهم اتخذوا مسجداً، والمسجد للمسلمين.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ الإِشارة إلى الأمر بجملته.
وقوله سبحانه: وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ ...
الآية: ذكر بعض المفسِّرين أن تقليبهم إِنما كان حفظاً من الأرض، وروي عن ابن عبَّاس، أنه قال لو مَسَّتهم الشمْسُ، لأحرقتهم، ولولا التقليبُ، لأكلتهم «١» الأرض، وظاهر كلام المفسِّرين أن التقليب كان بأمر اللَّه وفعْلِ ملائكته، ويحتمل أنْ يكون ذلك بإِقدار اللَّه إِياهم على ذلك، وهم في غَمْرة النَّوْم.
وقوله: وَكَلْبُهُمْ: أكثر المفسِّرين على أنه كَلْبٌ حقيقة.
قال ع «٢» : وحدثني أَبِي رحمه الله قال: سَمِعْتُ أبا الفضل بن الجَوْهَرِيِّ في جامِعِ مِصْرَ يقُولُ على منبر وعْظِهِ سنَةَ تسْعٍ وستِّينَ وأربعمائةٍ: مَنْ أحَبَّ أهْلَ الخير، نال مِنْ بركتهم، كَلْبٌ أحبَّ أهْل الفضل، وصَحبهم، فَذَكَره اللَّه في مُحْكَم تنزيله.
و «الوَصِيدُ» العَتَبة التي لباب الكهْفِ أو موضعها إِن لم تكنْ، وقال ابن عباس:
«الوصيد» »
الباب والأول أصحُّ، والباب المُوَصَدُ هو المُغْلَق، ثم ذكر سبحانه ما حفَّهم به من الرُّعْب، واكتنفهم من الهَيْبة، حْفظاً منه سبحانه لهم، فقال: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ ...
الآية.
وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ الإِشارة ب «ذلك» إلى الأمر الذي ذكَره اللَّه في جِهَتِهِمْ، والعبرة التي فعلها فيهم، «والبَعْث» : التحريك عن سكونٍ، واللام في قوله: لِيَتَسائَلُوا لام الصيرورة، وقول القائلِ: كَمْ لَبِثْتُمْ يقتضى أنه هجس في خاطره
طُولُ نومهم، واستشعر أنَّ أمرهم خَرَجَ عن العادة بعضَ الخروجِ، وظاهر أمرهم أنهم انتبهوا في حالٍ منَ الوَقْت، والهواء الزمانيُّ لا يباين الحالة التي ناموا عليها، وقولهم:
فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ يروى أنهم انتبهوا، وهُمْ جيَاعٌ، وأنَّ المبعوثَ هو تَمْلِيخَا، وروي أن باب الكهف انهدَمَ بناءُ الكفَّار منه لطول السنين، ويروى أن راعياً هدمه ليدخل فيه غنمه، فأخذ تمليخا ثياباً رثَّةً منْكَرة ولبسها، وخرَجَ من الكهف، فأنكر ذلك البِنَاءَ المهدُومَ إذ لم يعرفه بالأمْسِ، ثم مَشى، فجعل يُنْكِر الطريق والمعالمَ، ويتحيَّر وهو في ذلك لا يشعر شعوراً تامًّا، بل يكذِّب ظنه فيما تغيَّر عنده حتى بَلَغَ بابَ المدينة، فرأى على بابها أمَارة الإِسلام، فزادَتْ حَيْرَتُه، وقال: كيف هَذَا بِبَلد دقْيُوس، وبالأمْسِ كنا معه تَحْتَ ما كنا، فنهض إلى بابٍ آخر، فرأى نحواً من ذلك حتى مشَى الأبوابَ كلَّها، فزادَتْ حيرته، ولم يميِّز بشراً، وسمع الناس يُقْسِمُون باسم عيسى، فاستراب بنَفْسه، وظنَّ أنه جُنَّ، أو انفسد عقله، فبقي حَيْرَان يدعو اللَّه تعالى، ثم نهض إِلى باب الطعام الذي أراد/ اشتراءه، فقال: يا عبد اللَّه، بِعْنِي من طعامك بهذه الوَرِقِ، فدفع إِليه دَرَاهِمَ، كأخْفَافِ الربع فيما ذُكِرَ، فعجب لها البائعُ ودَفَعَهَا إلى آخر يُعَجِّبُهُ، وتعاطَاهَا النَّاسُ، وقالوا له: هذه دراهِمُ عَهْدِ فلانٍ المَلِكِ، مِنْ أيْن أنْتَ؟
وكَيْفَ وجدتَّ هذا الكَنْزَ، فجعل يبهت ويعجَبُ، وقد كان بالبلد مشهوراً هو وبَيْتُهُ، فقال: ما أعرفُ غير أنِّي وأصْحَابي خَرَجْنا بالأمْس من هذه المدينةِ، فقال النَّاس: هذا مجنونٌ، اذهبوا به إِلى المَلِكِ، ففزِعَ عند ذلك، فَذُهِبَ به حتى جيءَ به إلى المَلِكِ، فلما لم يَرَ دْقيُوس الكافِرَ، تأنَّس، وكان ذلك المَلِكُ مؤمناً فاضلاً يسمَّى تبدوسِيس، فقال له المَلِكُ: أين وجدت هذا الكَنْز؟
فقال له: إِنما خرجْتُ أنا وأصْحَابي أمْس من هذه المدينة، فأوينا إِلى الكَهْف الذي في جَبَل أنجلوس، فلما سمع المَلِكُ ذلك، قال في بعض ما رُوِيَ: لعلَّ اللَّه قَدْ بعث لكُمْ أيُّها الناس آيَةً فَلْنَسِرْ إِلى الكهف، حتى نرى أصحابه، فساروا، وروي أنه أو بعض جلسائه قال: هؤلاءِ هُمُ الفتيةُ الذين ورِّخَ أمرهم على عهد دقْيُوس المَلِك، وكتب على لُوح النُّحَاس بباب المدينةِ، فسار الملك إليهم، وسار الناس معه فلما انتهوا إلى الكهف، قال تَمْليَخا: أدخُلُ عليهم لئلا يرعبوا، فدخل عليهم، فأعلمهم بالأمْر، وأن الأمة أمَّة إِسْلام، فروي أنهم سُرُّوا وخَرَجُوا إلى الملك، وعظَّموه، وعظَّمهم، ثم رجَعُوا إلى الكهف، وأكثرُ الروايات على أنهم ماتُوا حين حدَّثهم تملِيخَا، فانتظرهم النَّاسُ، فلما أبطأ خروجُهم، دَخَل الناس إليهم، فرعبَ كلُّ من دخل، ثم أقدموا فوجَدُوهم موتى، فتنازعوا بحَسَب ما يأتى، وفي هذه القصص من الاختلاف ما تَضِيقُ به الصُحفُ فاختصرته، وذكرت المهم الذي به تتفسَّر ألفاظ الآيةِ، واعتمدتُّ الأصحَّ واللَّه المعينُ برحمته، وفي هذا البعث بالورق جواز الوكالة، وصحّتها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْناهُمْ ﴾ ؛ أيْ: وكَما فَعَلْنا بِهِمْ ما ذَكَرْنا، بَعَثْناهم مِن تِلْكَ النَّوْمَةِ، ﴿ لِيَتَساءَلُوا ﴾ ؛ أيْ: لِيَكُونَ بَيْنَهم تَساؤُلٌ وتَنازُعٌ واخْتِلافٌ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ، فَيُفِيدُ تَساؤُلُهُمُ اعْتِبارَ المُعْتَبِرِينَ بِحالِهِمْ.
﴿ قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ ﴾ ؛ أيْ: كَمْ مَرَّ عَلَيْنا مُنْذُ دَخَلْنا هَذا الكَهْفَ ؟
﴿ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم دَخَلُوا غَدْوَةً، وبَعَثَهُمُ اللَّهُ في آَخِرِ النَّهارِ؛ فَلِذَلِكَ قالُوا: ( يَوْمًا )، فَلَمّا رَأوُا الشَّمْسَ قالُوا: ( أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) .
﴿ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القائِلُ لِهَذا يَمْلِيخا رَئِيسُهُمْ، رَدَّ عِلْمَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى.
وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: إنَّما قالَهُ مَكْسِلِمِينا، وهو أكْبَرُهم.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ: وهَذا يُوجِبُ أنْ تَكُونَ نُفُوسُهم قَدْ حَدَّثَتْهم أنَّهم قَدْ لَبِثُوا أكْثَرَ مِمّا ذَكَرُوا.
وقِيلَ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ؛ لِأنَّهم رَأوْا أظْفارَهم وأشْعارَهم قَدْ طالَتْ جِدًّا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فابْعَثُوا أحَدَكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما قالَ: " أحَدَكم "، وَلَمْ يَقُلْ: ( واحِدُكم )؛ لِئَلّا يَلْتَبِسَ البَعْضُ بِالمَمْدُوحِ المُعَظَّمِ، فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ: رَأيْتُ أحَدَ القَوْمِ، ولا يَقُولُونَ: رَأيْتُ واحِدَ القَوْمِ، إلّا إذا أرادُوا المُعَظِّمَ، فَأرادَ بِأحَدِهِمْ: بَعْضُهُمْ، ولَمْ يُرِدْ شَرِيفَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِوَرِقِكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( بِوَرِقِكُمُ ) الرّاءُ مَكْسُورَةٌ خَفِيفَةٌ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ساكِنَةَ الرّاءِ.
وعَنْ أبِي عَمْرٍو: ( بِوَرِقِكم ) مُدْغَمَةً يَشُمُّها شَيْئًا مِنَ التَّثْقِيلِ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَصِيرُ كافًا خالِصَةً.
قالَ الفَرّاءُ: الوَرِقُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وتَمِيمٌ يَقُولُونَ: الوَرِقُ، وبَعْضُ العَرَبِ يَكْسِرُونَ الواوَ فَيَقُولُونَ: الوِرِقُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الوَرِقُ: الفِضَّةُ، دَراهِمَ كانَتْ أوْ غَيْرَ دَراهِمَ، يَدُلُّكَ عَلى ذَلِكَ حَدِيثُ عَرْفَجَةَ أنَّهُ اتَّخَذَ أنْفًا مِن ورِقٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى المَدِينَةِ ﴾ يَعْنُونَ: الَّتِي خَرَجُوا مِنها، واسْمُها دَقْسُوسُ، ويُقالُ: هي اليَوْمَ طَرْسُوسُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرْ أيُّها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أيُّ أهْلُها.
﴿ أزْكى طَعامًا ﴾ ولِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْناهُ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أحَلُّ ذَبِيحَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ، وذَلِكَ أنَّ عامَّةَ أهْلِ بَلَدِهِمْ كانُوا كُفّارًا، فَكانُوا يَذْبَحُونَ لِلطَّواغِيتِ، وكانَ فِيهِمْ قَوْمٌ يُخْفُونَ إيمانَهم.
والثّانِي: أحَلُّ طَعامًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ الضَّحّاكُ: وكانَ أكْثَرُ أمْوالِهِمْ غُصُوبًا.
وقالَ مُجاهِدٌ: قالُوا لِصاحِبِهِمْ: لا تَبْتَعْ طَعامًا فِيهِ ظُلْمٌ ولا غَصْبٌ.
والثّالِثُ: أكْثَرُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والرّابِعُ: خَيْرٌ؛ أيْ: أجْوَدُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والخامِسُ: أطْيَبُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ.
والسّادِسُ: أرْخَصُ، قالَهُ يَمانُ بْنُ رَيّابٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ الزَّكاةِ: النَّماءُ والزِّيادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ﴾ ؛ أيْ: بِما تَأْكُلُونَهُ.
﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ ؛ أيْ: لِيُدَقِّقَ النَّظَرَ فِيهِ ولِيَحْتَلْ؛ لِئَلّا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ.
﴿ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ ﴾ ؛ أيْ: ولا يُخْبِرَنَّ أحَدٌ بِمَكانِكم.
﴿ إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا ﴾ ؛ أيْ: يَطَّلِعُوا ويُشْرِفُوا عَلَيْكُمْ، ﴿ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَقْتُلُوكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: يَقْتُلُوكم بِالرَّجْمِ.
والثّانِي: يَرْجُمُوكم بِأيْدِيهِمِ اسْتِنْكارًا لَكُمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: بِألْسِنَتِهِمْ شَتْمًا لَكُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: يَرُدُّوكم في دِينِهِمْ، ﴿ وَلَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا ﴾ ؛ أيْ: إنْ رَجَعْتُمْ في دِينِهِمْ لَمْ تُسْعَدُوا في الدُّنْيا ولا في الآَخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا ﴾ ﴿ إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أو يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا ﴾ الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى الأمْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ في جِهَتِهِمْ والعِبْرَةِ الَّتِي جُعِلَتْ فِيهِمْ.
و"البَعْثُ": التَحْرِيكُ عن سُكُونٍ، واللامُ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: "لِيَتَساءَلُوا" لامُ الصَيْرُورَةِ؛ لِأنَّ بَعْثَهم لَمْ يَكُنْ لِنَفْسِ تَساؤُلِهِمْ، وقَوْلُ القائِلِ: ﴿ كَمْ لَبِثْتُمْ ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ هَجَسَ بِخاطِرِهِ طُولُ نَوْمِهِمْ، واسْتَشْعَرَ أنَّ أمْرَهم خَرَجَ عَنِ العادَةِ بَعْضَ الخُرُوجِ، وظاهِرُ أمْرِهِمْ أنَّهُمُ انْتَبَهُوا في حالٍ مِنَ الوَقْتِ والهَواءِ الزَمَنِيِّ لا تُبايِنُ الَّتِي نامُوا فِيها، وأمّا أنْ يُحَدِّدَ الأمْرَ جِدًّا فَذَلِكَ بِعِيدٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "بِوَرَقِكُمْ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "بِوَرْقِكُمْ" بِسُكُونِ الراءِ، وهُما لُغَتانِ، وحَكى الزَجّاجُ قِراءَةَ "بِوِرْقِكُمْ" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الراءِ دُونَ إدْغامٍ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو الإدْغامُ، وإنَّما هو إخْفاءٌ؛ لِأنَّ الإدْغامَ مَعَ سُكُونِ الراءِ مُتَعَذِّرٌ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ القافَ في الكافِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ إنَّما يَجُوزُ مَعَ تَحْرِيكِ الراءِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "بَوارِقِكُمُ"، اسْمُ جَمْعٍ كالجائِلِ والباقِرِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "بِوِرِقِكُمْ" بِكَسْرِ الواوِ والراءِ والإدْغامِ.
ويُرْوى أنَّهُمُ انْتَبَهُوا أحْيانًا، وأنَّ المَبْعُوثَ هو تَمْلِيخا، ورُوِيَ أنَّهم نامُوا لَيْلَةً واحِدَةً وبَعَثُوا تَمْلِيخا في صَبِيحَتِها.
ورُوِيَ أنَّ بابَ الكَهْفِ انْهَدَمَ بِناءُ الكُفّارِ مِنهُ لِطُولِ السِنِينَ، ورُوِيَ أنَّ راعِيًا هَدَمَهُ لِيُدْخِلَ فِيهِ غَنَمَهُ.
فَأخَذَ تَمْلِيخا ثِيابًا مُنْكِرَةً رَثَّةً ولَبِسَها، وخَرَجَ مِنَ الكَهْفِ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ البِناءَ المَهْدُومَ؛ إذْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِالأمْسِ، ثُمَّ مَشى فَجَعَلَ يَذْكُرُ الطَرِيقَ والمَعالِمَ ويَتَحَيَّرُ، وهو في ذَلِكَ لا يَشْعُرُ شُعُورًا تامًّا، بَلْ يُكَذِّبُ ظَنَّهُ فِيما تَغَيَّرَ عِنْدَهُ، حَتّى بَلَغَ بابَ المَدِينَةِ، فَرَأى عَلى بابِها أمارَةَ الإسْلامِ فَزادَتْ حَيْرَتُهُ وقالَ: كَيْفَ هَذا بِبَلَدِ دَقْنَيُوسَ وبِالأمْسِ كُنّا مَعَهُ حَيْثُما كُنّا؟
فَنَهَضَ إلى بابٍ آخَرَ فَرَأى نَحْوًا مِن ذَلِكَ حَتّى مَشى الأبْوابَ كُلَّها، فَزادَتْ حَيْرَتُهُ ولَمْ يُمَيِّزْ بَشَرًا، وسَمِعَ الناسَ يُقْسِمُونَ باسِمِ عِيسى فاسْتَرابَ بِنَفْسِهِ وظَنَّ أنَّهُ جُنَّ وانْفَسَدَ عَقْلُهُ، فَبَقِيَ حَيْرانَ يَدْعُو اللهَ تَعالى، ثُمَّ نَهَضَ إلى بائِعِ الطَعامِ الَّذِي أرادَ شِراءَهُ، فَقالَ: يا عَبْدَ اللهِ بِعْنِي مِن طَعامِكَ بِهَذا الوَرِقِ، فَدَفَعَ إلَيْهِ دَراهِمَ كَأخْفافِ الرُبَعِ فِيما يُذْكَرُ، فَعَجِبَ لَها البَيّاعُ ودَفَعَها إلى آخَرَ بِعَجَبِهِ، وتَعاطاها الناسُ وقالُوا لَهُ: هَذِهِ دَراهِمُ عَهْدِ فُلانٍ المَلِكِ، مِن أيْنَ أنْتَ؟
وكَيْفَ وجَدَتْ هَذا الكَنْزَ؟
فَجَعَلَ يَبْهَتُ ويَعْجَبُ، وقَدْ كانَ بِالبَلَدِ مَشْهُورًا هو وفِتْيَتُهُ، فَقالَ: ما أعْرِفُ غَيْرَ أنِّي وأصْحابِي خَرَجْنا بِالأمْسِ مِن هَذِهِ المَدِينَةِ، فَقالَ الناسُ: هَذا مَجْنُونٌ، اذْهَبُوا بِهِ إلى المَلِكِ، فَفَزِعَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَذُهِبَ بِهِ حَتّى جِيءَ بِهِ المَلِكَ، فَلَمّا لَمْ يَرَ دِقْنَيُوسَ الكافِرَ تَأنَّسَ، وكانَ ذَلِكَ المَلِكُ مُؤْمِنًا فاضِلًا يُسَمّى تَيْرُوسِيسُ، فَقالَ لَهُ المَلِكُ: أيْنَ وجَدَتْ هَذا الكَنْزَ؟
فَقالَ لَهُ: إنَّما خَرَجْتُ أنا وأصْحابِي أمْسِ مِن هَذِهِ المَدِينَةِ، فَأوَيْنا إلى الكَهْفِ الَّذِي في جَبَلِ أنْجِلُوسَ، فَلَمّا سَمِعَ المَلِكُ ذَلِكَ قالَ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ-: لَعَلَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكم أيُّها الناسُ آيَةً، فَلْنَسِرْ إلى الكَهْفِ مَعَهُ حَتّى نَرى أصْحابَهُ، فَسارَ.
ورُوِيَ أنَّهُ أو بَعْضَ جُلَسائِهِ قالَ: هَؤُلاءِ هُمُ الفِتْيَةُ الَّذِينَ أُرِّخَ أمْرُهم عَلى عَهْدِ دِقْنَيُوسَ المَلِكِ وكُتِبَ عَلى لَوْحِ النُحاسِ بِبابِ المَدِينَةِ، فَسارَ المَلِكُ إلَيْهِمْ، وسارَ الناسُ مَعَهُ، فَلَمّا انْتَهَوْا إلى الكَهْفِ قالَ تَمْلِيخا: أدْخُلُ عَلَيْهِمْ لِئَلّا يُرْعَبُوا، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ، وأعْلَمَهم بِالأمْرِ وأنَّ الأُمَّةَ أمَةُ إسْلامٍ، فَرُوِيَ أنَّهم سُرُّوا وخَرَجُوا إلى المَلِكِ وعَظَّمُوهُ وعَظَّمَهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى كَهْفِهِمْ، وأكْثَرُ الرِواياتِ عَلى أنَّهم ماتُوا حَيْثُ حَدَّثَهم تَمْلِيخا، فانْتَظَرَهُمُ الناسُ، فَلَمّا أبْطَأ خُرُوجُهم دَخَلَ الناسُ إلَيْهِمْ، فَرُعِبَ كُلُّ مِن دَخَلَ، ثُمَّ أقْدَمُوا فَوَجَدُوهم مَوْتى، فَتَنازَعُوا بِحَسْبِ ما يَأْتِي في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.
وفِي هَذا القَصَصِ مِنَ اخْتِلافِ الرِواياتِ والألْفاظِ ما تَضِيقُ بِهِ الصُحُفُ، فاخْتَصَرْتُهُ وذَكَرْتُ المُهِمَّ الَّذِي تَتَفَسَّرُ بِهِ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ، واعْتَمَدْتُ ا لْأصَحَّ، واللهُ المُعِينُ بِرَحْمَتِهِ.
وفِي هَذِهِ البِعْثَةِ بِالوَرَقِ الوِكالَةُ وصِحَّتُها، وقَدْ وكَّلَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أخاهُ عَقِيلًا عِنْدَ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلْيَنْظُرْ" بِسُكُونِ لامِ الأمْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "فَلِيَنْظُرْ" بِكَسْرِها.
و"أزْكى" مَعْناها أكْثَرُ، فِيما ذَكَرَ عِكْرِمَةُ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: خَيْرٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ: أطْيَبُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ: أحَلُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: مِن جِهَةِ ذَبائِحِ الكَفَرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَرُوِيَ أنَّهُ أرادَ شِراءَ زَبِيبٍ، وقِيلَ: بَلْ شِراءَ تَمْرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلْيَتَلَطَّفْ"، أيْ: في اخْتِفائِهِ وتُحِيُّلِهِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلِيَتَلَطَّفْ" بِكَسْرِ اللامِ.
والضَمِيرُ في "إنَّهُمْ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ آلِ دِقْنَيُوسَ، و ﴿ إنْ يَظْهَرُوا ﴾ مَعْناهُ: يَثْقَفُوكم بَعْلُوِّهِمْ وغَلَبَتِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ قالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: بِالحِجارَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ الأصَحُّ؛ لِأنَّهُ كانَ عازِمًا عَلى قَتْلِهِمْ لَوْ ظَفِرَ بِهِمْ.
والرَجْمُ فِيما سَلَفَ هي كانَتْ -عَلى ما ذُكِرَ- قِتْلَةُ مُخالِفِ دِينِ الناسِ، إذْ هي أشَفى لِحَمَلَةِ ذَلِكَ الدِينِ، ولَهم فِيها مُشارَكَةٌ، وقالَ حَجّاجٌ: "يَرْجُمُوكُمْ" مَعْناهُ بِالقَوْلِ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
عطف لجزء من القصة الذي فيه عبرة لأهل الكهف بأنفسهم ليعلموا من أكرمهم الله به من حفظهم عن أن تنالهم أيدي أعدائهم بإهانة، ومن إعلامهم علم اليقين ببعض كيفية البعث، فإن علمه عظيم وقد قال إبراهيم ﴿ رب أرني كيف تحيي الموتى ﴾ [البقرة: 260].
والإشارة بقوله: وكذلك} إلى المذكور من إنامتهم وكيفيتها، أي كما أنمناهم قروناً بعثناهم.
ووجه الشبه: أن في الإفاقة آية على عظيم قدرة الله تعالى مثل آية الإنامة.
ويجوز أن يكون تشبيه البعث المذكور بنفسه للمبالغة في التعجيب كما تقدم في قوله: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا ﴾ [البقرة: 143].
وتقدم الكلام على معنى البعث في الآية المتقدمة، وفي حسن موقع لفظ البعث في هذه القصة، وفي التعليل من قوله: ليتساءلوا } عند قوله: ﴿ ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى ﴾ [الكهف: 12].
والمعنى: بعثناهم فتساءلوا بينهم.
وجملة قال قائل منهم } بيان لجملة ﴿ ليتساءلوا ﴾ .
وسميت هذه المحاورة تساؤلاً لأنها تحاور عن تطلب كل رأيَ الآخر للوصول إلى تحقيق المدة.
والذين قالوا: ﴿ لبثنا يوماً أو بعض ﴾ هم مَن عدا الذي قال: ﴿ كم لبثتم ﴾ .
وأسند الجواب إلى ضمير جماعتهم: إما لأنهم تواطؤوا عليه، وإما على إرادة التوزيع، أي منهم من قال: لبثنا يوماً، ومنهم قال: لبثنا بعض يوم.
وعلى هذا يجوز أن تكون (أو) للتقسيم في القول بدليل قوله بعد ﴿ قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ ، أي لما اختلفوا رجعوا فعدلوا عن القول بالظن إلى تفويض العلم إلى الله تعالى، وذلك من كمال إيمانهم.
فالقائلون ﴿ ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ يجوز أن يكون جميعهم وهو الظاهر.
ويجوز أن يكون قول بعضهم فأسند إليهم لأنهم رأوه صواباً.
وتفريع قولهم: ﴿ فابعثوا أحدكم ﴾ على قولهم: ﴿ ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ لأنه في معنى فدَعُوا الخوض في مدة اللبث فلا يعلمها إلا الله وخذوا في شيء آخر مما يهمكم، وهو قريب من الأسلوب الحكيم.
وهو تلقي السائل بغير ما يتطلب تنبيهاً على أن غيره أولى بحاله، ولولا قولهم: ﴿ ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ لكان قولهم: ﴿ فابعثوا أحدكم ﴾ عين الأسلوب الحكيم.
والوَرِق بفتح الواو وكسر الراءِ: الفضة.
وكذلك قرأه الجمهور.
ويقال وَرْق بفتح الواو وسكون الراء وبذلك قرأ أبوعمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم ورَوح عن يعقوب وخلف.
والمراد بالورق هنا القطعة المسكوكة من الفضة، وهي الدراهم قيل: كانت من دراهم (دقيوس) سلطان الروم.
والإشارة بهذه إلى دَراهم معينة عندهم، والمدينة هي (أبْسُسْ) بالباء الموحدة.
وقد قدمنا ذكرها في صدر القصة.
و ﴿ أيها ﴾ ما صدقه أي مكان من المدينة، لأن المدينة كل له أجزاء كثيرة منها دكاكين الباعة، أي فلينظر أي مكان منها هو أزكى طعاماً، أي أزكى طعامُه من طعام غيره.
وانتصب ﴿ طعاماً ﴾ على التمييز لنسبة (أزكى) إلى (أي).
والأزكى: الأطْيب والأحسن، لأن الزّكْوَ الزيادة في الخير والنفع.
والرزق: القوت.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قال لا يأتيكما طعام ترزقانه ﴾ في سورة يوسف (37)، والفاء لتفريع أمرهم مَن يبعثونه بأن يأتي بطعام زكي وبأن يتلطف.
وصيغة الأمر في قوله: فليأتكم } و ﴿ ليتلطف ﴾ أمر لأحدٍ غير معين سيوكَلونه، أي أن تبعثوه يأتكم برزق، ويجوز أن يكون المأمور معيناً بينهم وإنما الإجمال في حكاية كلامهم لا في الكلام المحكي.
وعلى الوجهين فهم مأمورون بأن يوصوه بذلك.
قيل التاء من كلمة ﴿ وليتلطف ﴾ هي نصف حروف القرآن عَدًّا.
وهنالك قول اقتصر عليه ابن عطية هو أن النون من قوله تعالى: ﴿ لقد جئت شيئاً نكراً ﴾ [الكهف: 74] هي نصف حروف القرآن.
والإشعار: الإعلام، وهو إفعال من شَعَر من باب نصر وكَرُم شُعوراً، أي علم.
فالهمزة للتعدية مثل همزة أعلم} من علم الذي هو عِلم العرفان يتعدى إلى واحد.
وقوله: ﴿ بكم ﴾ متعلق ب ﴿ يُشعِرَنَّ ﴾ .
فمدخول الباء هو المشعور، أي المعلوم.
والمعلوم إنما يكون معنى من المعاني متعلق الضمير المجرور بفعل ﴿ يشعرن ﴾ من قبيل تعليق الحكم بالذات، والمراد بعض أحوالها.
والتقدير: ولا يخبرن بوجودكم أحداً.
فهنا مضاف محذوف دلت عليه دلالة الاقتضاء فيشمل جميع أحوالهم من عددهم ومكانهم وغير ذلك.
والنون لتوكيد النهي تحذيراً من عواقبه المضمنة في جملة ﴿ إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم ﴾ الواقعة تعليلاً للنهي، وبياناً لوجه توكيد النهي بالنون، فهي واقعة موقع العلة والبيان، وكلاهما يقتضي فصلها عما قبلها.
وجملة ﴿ إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم ﴾ علة للأمر بالتلطف والنهي عن إشعار أحد بهم.
وضمير ﴿ إنهم ﴾ عائد إلى ما أفاده العموم في قوله: ﴿ ولا يشعرن بكم أحداً ﴾ ، فصار ﴿ أحداً ﴾ في معنى جميع الناس على حكم النكرة في سياق شبه النهي.
والظهور أصله: البروز دون ساتر.
ويطلق على الظفر بالشيء، وعلى الغلبة على الغير، وهو المراد هنا.
قال تعالى: ﴿ أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ﴾ [النور: 31] وقال: ﴿ وأظهره الله عليه ﴾ [التحريم: 3] وقال: ﴿ تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان ﴾ [البقرة: 85].
والرجم: القتل برمي الحجارة على المرجوم حتى يموت، وهو قتل إذلال وإهانة وتعذيب.
وجملة ﴿ يرجموكم ﴾ جواب شرط ﴿ إن يظهروا عليكم ﴾ .
ومجموع جملتي الشرط وجوابه دليل على خبر (إن) المحذوف لدلالة الشرط وجوابه عليه.
ومعنى ﴿ يعيدوكم في ملتهم ﴾ يرجعوكم إلى الملة التي هي من خصائصهم، أي لا يخلو أمرهم عن أحد الأمرين إما إرجاعكم إلى دينهم أو قتلكم.
والملة.
الدين.
وقد تقدم في سورة يوسف (37) عند قوله: ﴿ إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله.
﴾ وأكد التحذير من الإرجاع إلى ملتهم بأنها يترتب عليها انتفاء فلاحهم في المستقبل، لما دلت عليه حرف (إذاً) من الجزائية.
وأبداً} ظرف للمستقبل كله.
وهو تأكيد لما دل عليه النفي ب (لن) من التأبيد أو ما يقاربه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْناهُمْ ﴾ يَعْنِي بِهِ إيقاظَهم مِن نَوْمِهِمْ.
قالَ مُقاتِلٌ: وأنامَ اللَّهُ كَلْبَهم مَعَهم.
﴿ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ ﴾ لِيَعْلَمُوا قَدْرَ نَوْمِهِمْ.
﴿ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ كانَ السّائِلُ مِنهم أحَدَهم، والمُجِيبُ لَهُ غَيْرَهُ، فَقالَ لَبِثْنا يَوْمًا لِأنَّهُ أطْوَلُ مُدَّةِ النَّوْمِ المَعْهُودِ، فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ قالَ ﴿ أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ لِأنَّهم أُنِيمُوا أوَّلَ النَّهارِ ونُبِّهُوا آخِرَهُ.
﴿ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ﴾ وفي قائِلِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حِكايَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ أعْلَمُ بِمُدَّةِ لُبْثِهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ كَبِيرِهِمْ مِكْسِلْمِينا حِينَ رَأى الفِتْيَةَ مُخْتَلِفِينَ فِيهِ فَقالَ ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ﴾ فَنَطَقَ بِالصَّوابِ ورَدَّ الأمْرَ إلى اللَّهِ عالِمِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ ﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ الرّاءِ وبِتَسْكِينِها، وهو في القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا الدَّراهِمُ، وأمّا الوَرَقُ بِفَتْحِ الرّاءِ فَهي الإبِلُ والغَنَمُ، قالَ الشّاعِرُ: إيّاكَ أدْعُو فَتَقَبَّلْ مَلَقِي كَفِّرْ خَطايايَ وثَمِّرْ ورَقِي يَعْنِي إبِلَهُ وغَنَمَهُ.
﴿ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيُّها أكْثَرُ طَعامًا، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.
الثّانِي: أيُّها أحَلُّ طَعامًا، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
الثّالِثُ: أطْيَبُ طَعامًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الرّابِعُ: أرْخَصُ طَعامًا.
﴿ فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِما تُرْزَقُونَ أكْلَهُ.
الثّانِي: بِما يَحِلُّ لَكم أكْلُهُ.
﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ولْيَسْتَرْخِصْ.
الثّانِي: ولْيَتَلَطَّفْ في إخْفاءِ أمْرِكم.
وَهَذا يَدُلُّ عَلى جَوازِ اشْتِراكِ الجَماعَةِ في طَعامِهِمْ وإنْ كانَ بَعْضُهم أكْثَرَ أكْلًا وهي المُناهَدَةُ، وكانَتْ مُسْتَقْبَحَةً في الجاهِلِيَّةِ فَجاءَ الشَّرْعُ بِإباحَتِها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَرْجُمُوكم بِأيْدِيِمُ اسْتِنْكارًا لَكم، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: بِألْسِنَتِهِمْ غِيبَةً لَكم وشَتْمًا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّالِثُ: يَقْتُلُوكم.
والرَّجْمُ القَتْلُ لِأنَّهُ أحَدُ أسْبابِهِ.
﴿ أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ﴾ يَعْنِي في كُفْرِهِمْ.
﴿ وَلَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا ﴾ إنْ أعادُوكم في مِلَّتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ تزاور ﴾ قال: تميل.
وفي قوله: ﴿ تقرضهم ﴾ قال: تذرهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ تقرضهم ﴾ قال: تتركهم ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ قال: المكان الداخل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ قال: يعني بالفجوة، الخلوة من الأرض.
ويعني بالخلوة، الناحية من الأرض.
وأخرج ابن المنذر عن أبي مالك في قوله: ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ قال: في ناحية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وتحسبهم ﴾ يا محمد ﴿ أيقاظاً وهم رقود ﴾ يقول: في رقدتهم الأولى ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ قال: وهذا التقليب في رقدتهم الأولى، كانوا يقلبون في كل عام مرة.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ قال: ستة أشهر على ذي الجنب، وستة أشهر على ذي الجنب.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عياض في قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ قال: في كل عام مرتين.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ونقلبهم ﴾ قال: في التسع سنين ليس فيما سواه.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ قال: كي لا تأكل الأرض لحومهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وكلبهم ﴾ قال: اسم كلبهم قطمور.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: اسم كلب أصحاب الكهف، قطمير.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: قلت لرجل من أهل العلم: زعموا أن كلبهم كان أسداً، قال: لعمر الله ما كان أسداً، ولكنه كان كلباً أحمر خرجوا به من بيوتهم يقال له، قطمور.
وأخرج ابن أبي حاتم عن كثير النواء قال: كان كلب أصحاب الكهف أصفر.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان قال: قال رجل بالكوفة يقال له: عبيد وكان لا يتهم بكذب، قال: رأيت كلب أصحاب الكهف أحمر كأنه كساء انبجاني.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق جويبر، عن عبيد السواق قال: رأيت كلب أصحاب الكهف صغيراً، باسطاً ذراعيه بفناء باب الكهف، وهو يقول: هكذا يضرب بأذنيه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدالله بن حميد المكي في قوله: ﴿ وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ﴾ قال: جعل رزقه في لحس ذراعيه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس في قوله: ﴿ بالوصيد ﴾ قال: بالفناء.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ بالوصيد ﴾ قال: بالباب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية في قوله: ﴿ بالوصيد ﴾ قال: بفناء باب الكهف.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ بالوصيد ﴾ قال: بالصعيد.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ﴾ قال: ممسك عليهم باب الكهف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب رضي الله عنه قال: كان لي صاحب شديد النفس، فمر بجانب كهفهم فقال: لا أنتهي حتى أنظر إليهم، فقيل له: لا تفعل...
أما تقرأ ﴿ لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً ﴾ فأبى إلا أن ينظر، فأشرف عليهم فابيضت عيناه وتغير شعره، وكان يخبر الناس بعد يقول: عدتهم سبعة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أزكى طعاماً ﴾ قال: أحل ذبيحة، وكانوا يذبحون للطواغيت.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أزكى طعاماً ﴾ يعني، أطهر؛ لأنهم كانوا يذبحون الخنازير.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ ﴾ قال أبو علي الجرجاني: (ليكون بينهم تساؤل وتنازع واختلاف في مدة لبثهم) (١) ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ﴾ قال ابن عباس: (يريد كم لنا منذ دخلنا الكهف) (٢) ﴿ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ قال المفسرون: (إنهم دخلوا الكهف غدوة، وبعثهم الله في آخر النهار، لذلك قالوا: ﴿ يَوْمًا ﴾ فلما رأوا الشمس قالوا: ﴿ أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ، وكان قد بقيت من النهار بقية) (٣) ﴿ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ﴾ قال ابن عباس: (يرد تمليخا رئيسهم رد علم ذلك إلى الله) (٤) ﴿ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ ﴾ ، الورق: اسم للدراهم.
وقال أبو عبيدة: (الفضة كانت مضروبة دراهم أو لا) (٥) (٦) (٧) (٨) ويقال أيضًا: للورق: الرِّقَة، قال الأزهري: (أصله: وِرْقَة، مثل: صِلَة وعِدَة) (٩) قال ابن عباس: (وكانت معهم دراهم عليها صورة الملك الذي كان في زمانهم، فهربوا منه) (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: أحل الذبائح) (١٢) وهو قول سعيد بن جبير (١٣) (١٤) وقال مجاهد: (أيها أحل، وكان لهم ملك غشوم يظلم الناس في طعامهم وأسواقهم، فقالوا لصاحبهم: لا تبتع طعامًا فيه ظلم ولا غصبًا) (١٥) وذكر أبو إسحاق القولين جميعًا وقال: (الآية من باب حذف المضاف؛ لأن المعنى: أي أهلها أزكى طعامًا، أي: أحل، إما من جهة أنه ذبيحة مؤمن، وإما من جهة أنه لا غصب فيه، هذا معنى قوله.
قال: و ﴿ أَيُّهَا ﴾ رفع بالابتداء، و ﴿ أَزْكَى ﴾ خبره، و ﴿ طَعَامًا ﴾ منصوب على التمييز) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ قال ابن عباس: (يريد يكون ذلك في ستر وكتمان) (١٧) ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ : وليدقق النظر وليحتل حتى لا يطلع عليه.
وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ﴾ قال ابن عباس: (يريد لا يخبرن بكم، ولا بمكانكم أحدًا من أهل المدينة) (١٨) وقال أبو إسحاق: (أي إن ظهر عليه فلا يوقعن إخوانه فيما يقع فيه) (١٩) (٢٠) (١) ذكر نحوه بلا نسبة الرازي "التفسير الكبير" 21/ 102، والطبرسي في "مجمع == البيان" 6/ 705، وقال الشوكاني في "فتح القدير" 3/ 293: ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع في مدة اللبث لما يترتب على ذلك من انكشاف الحال وظهور القدرة الباهرة، والاقتصار على علة التساؤل لا ينفي غيرها، وإنما أفرده لاستتباعه لسائر الآثار.
(٢) ذكره "زاد المسير" 5/ 120، و"التفسير الكبير" 11/ 103 بدون نسبة.
(٣) "النكت والعيون" 3/ 293، و"معالم التنزيل" 5/ 159، و"زاد المسير" 5/ 120، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 375.
(٤) "معالم التنزيل" 5/ 159، و"زاد المسير" 5/ 120، و"التفسير الكبير" 11/ 103.
(٥) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (ورق) 4/ 3874.
(٦) عرفجة بن أسعد بن كريب، وقيل: ابن صفوان التيمي، العطاردي، أحد أصحاب النبي - -، أصيب أنفه يوم الكلاب بالجاهلية، وكان من أهل البصرة، روى عنه ابنه طرفة، وابن ابنه عبد الِرحمن.
انظر: "أسد الغابة" 3/ 518، و"الاستيعاب" 3/ 1062، و"الإصابة" 2/ 467، و"تهذيب التهذيب" 7/ 176.
(٧) أخرجه أبو داود في "سننه" كتاب: الخاتم، باب: ما جاء في ربط الأسنان == بالذهب 4/ 434، والترمذي في "جامعه" كتاب: اللباس، باب: ما جاء في شد الأسنان بالذهب 4/ 211 وقال: هذا حديث حسن غريب.
والنسائي في "سننه" كتاب: الزينة، باب: من أصيب أنفه هل يتخذ أنفًا من ذهب 8/ 163، والإمام أحمد في "مسنده" 4/ 342، وابن الأثير في "جامع الأصول" كتاب: الزينة، فصل: في أنواع من الحلي متفرقة 4/ 731، وابن حجر في "الكافي الشاف" ص 103.
(٨) "معاني القرآن" للفراء 2/ 137، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 275.
(٩) "تهذيب اللغة" (ورق) 4/ 3876، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 270.
(١٠) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة انظر: "جامع البيان" 15/ 216، و"الجامع لأحكام القرآن" 15/ 375، و"التفسير الكبير" 11/ 103.
(١١) طَرَسوس: بفتح أوله وثانيه وسينين مهملتين بينهما واو ساكنة: عجمية رومية، وهي في الإقليم الرابع، وقالوا: سميت بـ (طرسوس بن الروم بن اليفز بن سام بن نوح)، وقيل: إن مدينة طرسوس أحدثها سليمان كان خادمًا للرشيد في سنة نيف وتسعين ومائة، وهي مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم.
انظر: "معجم البلدان" 4/ 28، و"تهذيب الأسماء واللغات" 3/ 152.
(١٢) "زاد المسير" 5/ 121، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 375، و"الدر المنثور" 4/ 392، و"البحر المحيط" 6/ 111.
(١٣) "جامع البيان" 15/ 223، و"تفسير القرآن" للصنعاني 4/ 400، و"زاد المسير" 5/ 185.
(١٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 137.
(١٥) "زاد المسير" 5/ 122، و"البحر المحيط" 6/ 11، و"التفسير الكبير" 11/ 103.
(١٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 276.
(١٧) ذكره البغوي في "معالم التنزيل" 5/ 160 بدون نسبة.
(١٨) ذكره "جامع البيان" بدون نسبة 15/ 224، وكذلك "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 375، و"التفسير الكبير" 11/ 103.
(١٩) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 276.
(٢٠) ذكر نحوه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 389 أ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وكذلك بعثناهم لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ ﴾ أي كما أنمناهم، كذلك بعثناهم ليسأل بعضهم بعضاً، واللام في ليتساءلوا لام الصيرورة ﴿ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ﴾ هذا قول من استشعر منهم أن مدة لبثهم طويلة، فأنكر على من قال يوماً أو بعض يوم، ولكنه لم يعلم مقدارها فأسند علمها إلى الله.
﴿ فابعثوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ ﴾ الوّرِق: الفضة، وكانت دراهم تزودوها حين خروجهم إلى الكهف، ويستدل بذلك على أن التزود للمسافر أفضل من تركه، ويستدل ببعث أحدهم على جواز الوكالة، فإن قيل: كيف اتصل بعث أحدهم بتذكر مدة لبثهم؟.
فالجواب أنهم كانوا قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم، ولا سبيل لكم إلى العلم بذلك، فخذوا فيما هو أهم من هذا وأنفع لكم فابعثوا أحدكم ﴿ إلى المدينة ﴾ قيل: أنها طرسوس ﴿ أزكى طَعَاماً ﴾ قيل: أكثر، وقيل: أحل، وقيل: إنه أراد شراء زبيب، وقيل: تمر ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ في اختفائه وتحيله ﴿ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ أي: إن يظفروا بكم يقتلوكم بالحجارة، وقيل: المعنى يرجموكم بالقول، والأول أظهر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ من لدنه ﴾ بإشمام الدال ﴿ شيئاً ﴾ بالضم وكسر النون ووصل الهاء بالياء: يحيى.
الآخرون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء ﴿ ويبشر ﴾ مخففاً.
حمزة وعلي.
الباقون بالتشديد.
﴿ هيىء لنا ﴾ ﴿ ويهيىء لكم ﴾ بتليين الهمزة فيهما إلا أوقية والأعشى في الوقوف ﴿ فاووا ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ مرفقاً ﴾ بفتح الميم وكسر الفاء: أو جعفر ونافع وابن عامر والأعشى والبرجمي، الآخرون على العكس ﴿ تزاور ﴾ خفيفاً بحذف تاء التفاعل: عاصم وحمزة علي وخلف ﴿ تزور ﴾ بتشديد الراء: ابن عامر مثل "تحمر" ويعقوب.
الباقون ﴿ تزوار ﴾ بتشديد الزاي لإدغام التاء فيه ﴿ المهتدي ﴾ كما مر في "سبحان" ﴿ ولملئت ﴾ مشددة للمبالغة: أبو جعفر ونافع وابن كثير، وقرأ أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف غير مهموز: ﴿ بورقكم ﴾ بسكون الراء: أبو عمرو وحمزة وحماد وأبو بكر والخزاز عن هبيرة وعباس بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف الآخرون بكسر الراء مظهراً ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ أن يهديني ﴾ و ﴿ أن ترني ﴾ و ﴿ وأن يؤتيني ﴾ و ﴿ أن تعلمني ﴾ بالياآت في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح.
وزمعة.
وروى ابن شنبوذ عن قنبل كلها بالياء في الحالين.
وعن البزي وابن فليح كلها بغير ياء - في الحالين - وافقهم أبو جعفر ونافع وأبو عمرو بالياء في الوصل ﴿ ثلثمائة سنين ﴾ بالإضافة: حمزة وعلي وخلف الباقون بالتنوين ﴿ ولا تشرك ﴾ بالتاء على النهي: ابن عامر وروح وزيد.
الآخرون ﴿ ولا يشرك ﴾ بياء الغيبة ورفع الكاف.
الوقوف: ﴿ عوجاً ﴾ ه ط لأن ﴿ قيماً ﴾ ليس بصفة له ولكنه انتصب بمحذوف دل عليه المتلو وهو أنزل أي أنزله قيما، وللوصل وجه وهو أن يكون حالاً من الكتاب أو العبد وما بينهما اعتراض ﴿ حسناً ﴾ ، ه لا ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ ولداً ﴾ ج ه، لأن ما بعده يحتمل الصفة أو ابتداء وإخبار، والوقف أوضح ليكون ادعاء الولد مطلقاً كما هو الظاهر ﴿ لآبائهم ﴾ ط ﴿ من أفواههم ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ أسفا ﴾ ه ﴿ عملا ﴾ ه ﴿ جرزا ﴾ ، ه ط لتمام القصة ما بعده استفهام تقرير وتعجيب ﴿ عجباً ﴾ ه ﴿ رشدا ﴾ ه ﴿ عددا ﴾ ، لا للعطف ﴿ أمدا ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ هدى ﴾ والوصل أولى للعطف ﴿ شططاً ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ط لابتداء التحضيض ﴿ بين ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ مرفقاً ﴾ ه ﴿ فجوة منه ﴾ ط ﴿ آيات الله ﴾ ط ﴿ فهو المهتد ﴾ ج ﴿ مرشداً ﴾ ه ﴿ رقود ﴾ قف والأولى الوصل على أن ما بعده حال أي رقدوا ونحن نقلبهم ﴿ الشمال ﴾ قف والوصل أحسن على أن المعنى نقلبهم وكلبهم باسط ﴿ بالوصيد ﴾ ط ﴿ رعباً ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ كم لبثتم ﴾ ط ﴿ بعض يوم ﴾ ط ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ لا ريب فيها ﴾ ج لأن "إذا" يصلح أن يكون طرفاً للإعثار عليهم وأن يكون منصوباً بإضمار "اذكر" ﴿ بنياناً ﴾ ط ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ مسجداً ﴾ ه ﴿ رابعهم كلبهم ﴾ ج فصلاً بين المقالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ بالغيب ﴾ ج لوقوع العارض ﴿ كلبهم ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ ظاهراً ﴾ ص ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ يشاء الله ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع عارض الظرف والاستثناء ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ تسعاً ﴾ ه ﴿ لبثوا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده مفعول "قل" أو إخبار مستأنف ﴿ والأرض ﴾ ط لابتداء التعجب ﴿ وأسمع ﴾ ط ﴿ من ولى ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ولا تشرك ﴾ على النهي، ومن قرأ على الغيبة إخباراً جوز وقفه لاختلاف الجملتين ﴿ أحداً ﴾ ه.
التفسير: ألصق الحمد والتكبير المذكورين في آخر السورة المتقدمة بالحمد على أجزل نعمائه على العباد وهي نعمة إنزال الكتاب على محمد .
قال بعض العلماء: نزه نفسه في أوّل سورة "سبحان" عمَّا لا ينبغي وهو إشارة إلى كونه كاملاً في ذاته، وحمد نفسه في أول هذه السورة وهو إشارة إلى كونه مكملاً لغيره، وفيه تنبيه على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية موافقاً لما ورد في الذكر "سبحان الله والحمد لله".
وفيه أن الإسراء أول درجات كماله من حيث إنه يقتضي حصول الكمال له وإنزال الكتاب غاية درجات كماله لأن فيه تكميل الأرواح البشرية ونقلها من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ولا شك أن المنافع المتعدية أفضل من القاصرة كما ورد في الخبر: "من تعلم وعلم وعمل فذاك يدعى عظيماً في السموات" وإنزال الكتاب على النبي نعمة عليه وعلينا.
أما أنه نعمة عليه فلأنه اطلع بواسطته على أسرار التوحيد ونعوت الجلال والإكرام وأحوال الملائكة والأنبياء وسائر النفوس المقدسة، وعلى كيفية القضاء والقدر وتعلق أحوال العالم السفلي بالعالم العلوي والشهادة بالغيب وارتباط أحدهما بالآخر.
وأما أنه نعمة علينا فلأنا نستفيد منه أيضاً مثل ذلك ونعرف منه الأحكام الشرعية المفضية إلى إصلاح المعاش والمعاد.
وفي انتصاب ﴿ قيماً ﴾ وجوه فاختار صاحب الكشاف أن يكون منصوباً بمضمر أي جعله وأنزله قيماً.
وأبى أن يكون حالاً لأن العطف يدل على تمام الكلام وجعله حالاً يدل على نقصانه.
قال جامع الأصفهاني: هما حالان متواليان إلا أن الأولى جملة والثانية مفرد.
وقيل: حال من الضمير في قوله: ﴿ ولم يجعل له ﴾ وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة هي التأكيد، فرب مستقيم في الظاهر لا يخرج عن أدنى عوج في الحقيقة هذا تفسير ابن عباس.
ويحتمل أن يراد أنه قيم على سائر الكتب مصدّق لها شاهد بصحتها، وأنه قيم بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع والأحكام، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ ولم يجعل له عوجاً ﴾ إشارة إلى أنه كامل في ذاته، مبرأ عن الاختلاف والتناقض، مشتمل على كل ما هو في نفس الأمر حق وصدق.
وقوله: ﴿ قيماً ﴾ إشارة إلى أنه مكمل لغيره مصلح بحسن بيانه وإرشاده لأحوال معاشه ومعاده، فتكون الآية نظير قوله في أول "البقرة".
﴿ لا ريب فيه هدى للمتقين ﴾ ثم أراد أن يفصل ما أجمله في قوله فيما قال: ﴿ لينذر بأساً شديداً من لدنه ﴾ وحذف المنذر للعلم به بعمومه ولتطهير اللسان عن ذكره أي لينذر الذين كفروا عذاباً إليماً صادراً من عنده.
والأجر الحسن الجنة بدليل قوله: ﴿ ماكثين فيه ﴾ وهو حال من الضمير في ﴿ لهم ﴾ ثم كرر الإنذار وذكر المنذر لخصوصه وحذف المنذر به وهو البأس الشديد لتقدم ذكره.
وقد تذكر قضية كلية ثم يعطف عليها بعض جزئياتها تنبيهاً على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي.
ففي عطف الإنذار المخصوص على الإنذار المطلق دليل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله على ما زعم بعض كفار قريش من أن الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله.
ثم قال: ﴿ ما لهم به ﴾ أي بالولد أو باتخاذ الله إياه ﴿ من علم ولا لآبائهم ﴾ وانتفاء العلم بالشي إما بالجهل بالطريق الموصل إليه.
وإما لأنه في نفسه محال فلا يتعلق به العلم لذلك وهو المراد في الآية، أي قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد لآبائهم الذين هم مثلهم في الجهالة.
قال جار الله: الضمير في قوله: ﴿ كبرت ﴾ يعود إلى قولهم "اتخذ الله ولداً" وسميت ﴿ كلمة ﴾ كما يسمون القصيدة بها.
قلت: ويجوز أن يعود إلى مضمر ذهني يفسره الظاهر كقوله "ربه رجلاً ونعمت امرأة عندي".
قال الواحدي: انتصبت ﴿ كلمة ﴾ على التمييز وذلك أنك لو قلت: كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن يتوهم أنها كبرت كذباً أو جهلاً أو افتراءً، فلما قلت: كلمة فقد ميزتها من محتملاتها.
وقرىء بالرفع على الفاعلية كما يقال "عظم قولك".
قال أهل البيان: النصب أقوى وأبلغ لإفادته التعب من جهتين: من جهة الصيغة ومن جهة التمييز كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.
وفي وصف الكلمة بقوله: ﴿ يخرج من أفواههم ﴾ مبالغة أخرى من وجهين: الأول أن كثيراً من وساوس الشيطان وهواجس القلوب لا يتمالك العقلاء أن يتفوهوا به حياء وخجلاً، فبين الله أن هذا المنكر لم يستحيوا من إظهاره والنطق به فما أشنع فعلتهم وما أعظم فحشهم.
الثاني أن هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم ألبتة لكونه في غاية البطلان، وكأنه شيء يجري على لسانهم بطريق التقليد: احتج النظام على مذهبه أن الكلام جسم بأن الخروج عبارة عن الحركة من خواص الأجسام.
والجواب أن الخارج من الفم هو الهواء لأن الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهواء فأسند إلى الحال ما هو من شأن المحل مجازاً.
ثم زاد في تقبيح صورتهم بقوله: ﴿ إن يقولون إلا كذباً ﴾ وفيه إبطال قول من زعم أن الكذب هو الخبر الذي يطابق المخبر عنه مع علم قائله بأنه غير مطابق وذلك لأن القيد الأخير غير موجود ههنا مع أنه سماه كذباً.
ثم سلى رسول الله صلى الله عيله وسلم بقوله: ﴿ فلعلك باخع ﴾ قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظاً: وقال الأخفش والفراء: أصل البخع الجهد.
يروى أن عائشة ذكرت عمر فقالت: بخع الأرض أي جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال الملوك.
وقال الكسائي: بخعت الأرض بالزراعة إذ جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة، وبخع الرجل نفسه إذا نهكها و ﴿ أسفاً ﴾ منصوب على المصدر أي تأسف أسفاً وحذف الفعل لدلالة الكلام عليه.
وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال أو مفعول له أي لفرط الحزن شبهه وإياهم حين لم يؤمنوا بالقرآن وأعرضوا عن نبيهم برجل فارقته أحبته فهو يتساقط حسرات عليهم.
والحاصل أنه قيل له لا تعظم حزنك عليهم بسبب كفرهم فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فأما تحصيل الإيمان فيهم فليس إليك.
قال القاضي، أطلق الحديث على القرآن فدل ذلك على أنه غير قديم.
وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الحروف والأصوات وإنما النزاع في الكلام النفسي، قوله : ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ﴾ قال أهل النظم: كأنه يقول: إني خلقت الأرض وزينتها ابتلاء للخلق بالتكاليف، ثم إنهم يتمردون ويكفرون ومع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم، فأنت أيضاً يا محمد لا تترك الاشتغال بدعوتهم بعد أن لا تأسف عليهم وما على الأرض المواليد الثلاثة أعنى المعادن والنبات والحيوان وأشرفها الإنسان.
وقال القاضي: الأولى أن لا يدخل المكلف فيه لأن ما على الأرض ليس زينة لها بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها الغرض الابتلاء، فالذي له الزينة يكون خارجاً عن الزينة.
ومضى أنه مجاز بالصورة والمراد أنه يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره لكان من قبيل الابتلاء والامتحان.
وقد مر هذا البحث بتمامه في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه ﴾ .
واللام في ﴿ لنبلوهم ﴾ للغرض عند المعتزلة، أو العاقبة أو استتباع الغاية عند غيرهم حذراً من لزوم الاستكمال.
قال الزجاج ﴿ أيهم ﴾ رفع بالابتداء لأن لفظه لفظ الاستفهام والمعنى لنمتحن هذا ﴿ أحسن عملاً ﴾ أم ذلك.
ثم زهد في الميل إلى زينة الأرض بقوله: ﴿ وإنا لجاعلون ما عليها ﴾ من هذه الزينة ﴿ صعيداً جرزاً ﴾ أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته وإماتة سكانه.
قال أبو عبيد: الصعيد المستوي من الأرض التي لا نبات فيها من قولهم "امرأة جروز" إذا كانت أكولاً، "وسيف جراز" إذا كان مستأصلاً وجرز الجراد والشاه والإبل الأرض إذا أكملت ما عليها.
ثم إن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنه الرسول على سبيل الامتحان فقال ﴿ أم حسبت ﴾ يعني بل أظننت يا إنسان أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط فلا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب، فإن من كان قادراً على تخليق السموات والأرض ثم تزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان، ثم جعلها بعد ذلك صعيداً خالياً عن الكل كيف تستبعدون قدرته وحفظه ورحمته بالنسبة إلى طائفة مخصوصة.
وقال جار الله: يعني أن ذلك التزيين وغيره أعظم من قصة أصحاب الكهف يعني أنه ذكر أولاً عظيم قدرته، ثم أضرب عن ذلك موبخاً للإنسان.
والحاصل أنك تعجب من هذا الأدنى فكيف بما فوقه، والكهف الغار الواسع في الجبل، والرقيم اسم كلبهم، وعن سعيد بن جبير ومجاهد أنه لوح من حجارة أو رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف، فعلى هذا يكون اللفظ عربياً "فعيلاً" بمعنى "مفعول" ومثله ما روي أن الناس رقموا حديثهم نقرأ في الجبل.
وعن السدي أنه القرية التي خرجوا منها.
وقيل: هو الوادي أو الجبل الذي فيه الكهف.
والعجب مصدر وصف به أو المراد ذات عجب.
وقوله: ﴿ إذ أوى الفتية إلى الكهف ﴾ صاروا إليه وجعلوه مأواهم منصوب بإضمار "اذكر" بـ ﴿ حسبت ﴾ لفساد المعنى، ولا يبعد أن يتعلق بـ ﴿ عجباً ﴾ والتنوين في ﴿ رحمة ﴾ إما للتعظيم أو للنوع.
وتقديم ﴿ من لدنك ﴾ للاختصاص أي رحمة مخصوصة بأنها من خزائن رحمتك وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء ﴿ وهيىء لنا ﴾ أي أصلح لنا من قولك هيئات الأمر فتهيأ ﴿ من أمرنا ﴾ الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ﴿ رشداً ﴾ أي أمر إذا رشد حتى نكون بسببه راشدين غير ضالين فتكون "من" للابتداء.
ويجوز أن تكون للتجريد كما في قولك "رأيت منك أسداً" أي اجعل أمرنا رشداً كله.
﴿ فضربنا على آذانهم ﴾ قال المفسرون: أي أنمناهم والأصل فيه أن المفعول محذوف وهو الحجاب كما يقال: "بنى على امرأته" أي بنى عليها القبة.
و ﴿ سنين ﴾ ظرف زمان و ﴿ عدداً ﴾ أي ذوات عدد وهو مصدر وصف به والمراد بهذا الوصف إما القلة لأن الكثير قليل عند الله ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ وإما الكثرة.
قال الزجاج: إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج إلى العدد وإذا كثر احتاج إلى أن يعدّ ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أيقظناهم ﴿ لنعلم ﴾ ليظهر معلومنا وفعل العلم معلق لما في "أي" من معنى الاستفهام فارتفع ﴿ أي الحزبين ﴾ على الابتداء وخبره ﴿ أحصى ﴾ وهو فعل ماض و "ما" في ﴿ لما لبثوا ﴾ مصدرية أي أحصى ﴿ أحداً ﴾ للبثهم فيكون الجار والمجرور صفة للأمد فلما قدم صار حالاً منه.
وقيل: اللام "زائدة" و "ما" بمعنى الذي وأمداً تمييز والتقدير: أحصى لما لبثوه أمداً والأمد الغاية.
وزعم بعضهم أن ﴿ أحصى ﴾ أفعل تفضيل كما في قولهم "أعدى من الجرب" و "أفلس من ابن المذلق"، ولم يستصوبه في الكشاف لأن الشاذ لا يقاس عليه.
واختلفوا في تعيين الحزبين فعن عطاء عن ابن عباس أن أصحاب الكهف حزب والملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك حزب.
وقال مجاهد: الحزبان من أصحاب الكهف.
وذلك أنهم لما انتبهوا اختلفوا فقال بعضهم: ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ وقال آخرون: ﴿ ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ وذلك حين حدسوا أن لبثهم قد تطاول.
وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم ﴿ نحن نقص عليك نبأهم بالحق ﴾ أي على وجه الصدق ﴿ أنهم فتية ﴾ شباب ﴿ آمنوا بربهم ﴾ أي بي فوضع الظاهر موضع المضمر ﴿ وزدناهم هدى ﴾ أي بالتوفيق والتثبيت ﴿ وربطنا على قلوبهم ﴾ قوّيناهم بإلهام الصبر على فراق الخلائق والأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران ﴿ إذ قاموا ﴾ وفي هذا القيام أقوال: فعن مجاهد أنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد فقال رجل منهم:هو أكبر القوم إني لأجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده، أجد أن ربي رب السموات والأرض.
فقالوا: نحن كذلك في أنفسنا فقاموا جميعاً ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وقال أكثر المفسرين: إنه كان لهم ملك جبار - يقال له دقيانوس - وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وعن عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم.
والشطط الإفراط في الظلم والإبعاد فيه من شط إذا بعد والمراد قولاً ذا شطط أي بعيد عن الحق.
﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ و ﴿ قومنا ﴾ عطف بيان أبو بدل ﴿ اتخذوا ﴾ خير وهو إخبار في معنى إنكار.
وفي اسم الإشارة تحقير لهم ﴿ لولا يأتون عليهم ﴾ هلا يأتون على حقيقة إلهيتهم أو على عبادتهم ﴿ بسلطان بين ﴾ بحجة ظاهرة، استدل بعدم الدليل على عدم الشركاء والأضداد فاستدل بعض العلماء بذلك على أن هذه طريقة صحيحة، ويمكن أن يجاب بأنه إنما ذكر ذلك على سبيل التبكيت، فمن المعلوم أن الإتيان بسلطان على عباده الأوثان محال، وفيه دليل على فساد التقليد ويؤكده قوله ﴿ فمن أظلم من افترى على الله كذباً ﴾ بنسبة الشريك إليه وخاطب بعضهم بعضاً حين صمم عزمهم على الفرار بالدين.
وقوله: ﴿ وما يعبدون ﴾ عطف على المضمير المنصوب يعني وإذا اعتزلتموهم ومعبوديهم.
وقوله: ﴿ إلا الله ﴾ استثناء منقطع على الدهر، ويجوز أن يكون متصلاً بتاءً على أن المشركين يقرون بالخالق الأكبر.
وقيل هو كلام معترض إخبار من الله عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله فـ "ما" نافية.
قال الفراء ﴿ فأووا إلى الكهف ﴾ جواب "إذا" ومعناه إذهبوا إليه واجعلوا مأواكم ﴿ ينشر لكم ربكم من رحمته ﴾ يبسطها لكم و ﴿ مرفقاً ﴾ على القراءتين مشتق من الارتفاق الانتفاع.
وقيل: فتح الميم أقيس وكسرها أكثر.
وقيل: المرفق بالكسر ما ارتفعت به، والمرفق بالفتح الأمر الرافق.
وكان الكسائي ينكر في مرفق اليد إلا كسر الميم.
قالوا ذلك ثقة بفضل الله وتوكلاً عليه، وإما لأنه أخبرهم نبي في عصرهم منهم أو من غيرهم.
﴿ وترى الشمس ﴾ أيها الإنسان ﴿ إذا طلعت تزاور ﴾ أصله من الزور بفتح الواو وهو الميل ومنه زاره إذا مال إليه.
والمراد أن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.
والفجوة المتسع إن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.
والفجوة المتسع من المكان ومنه الحديث "فإذا وجد فجوة نص" وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح وإلى هذا الحجب أشار بقوله: ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ وثانيهما أن باب ذلك الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على يساره فلذلك كانت الشمس لا تصل إليهم.
ثم إنهم كانوا مع ذلك في منفسح من الغار ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم، واعترض بأن عدم وصول الشمس إليهم لا يكون آية من آيات الله على هذا التقدير.
وأجيب بأن المشار إليه حفظهم في ذلك الغار مدة طويلة، والمقصود من بيان وضع الغار تعيين مكانهم.
ثم بين الله لطفه بهم بصون أبدانهم عن الفساد في تلك المدة المديدة كما لطف بهم في أول الأمر بالهداية فكان فيه ثناء عليهم وتذكير لغيرهم إن الهداية وضدها كليهما بمشيئة الله وعنايتها الأزلية وبلطفه وقهره الذي سبق به القلم, قال جار الله: فيه تنبيه على أن من سلك طريق الراشدين المهديين فهو الذي أصاب الفلاح، ومن تعرض للخسران فلن يجد من يليه ويرشده.
ثم حكى طرفاً آخر من غرائب أحوالهم فقال ﴿ وتحسبهم أيقاظاً ﴾ هي جمع يقظ بكسر القاف كأنكاد في جمع نكد ﴿ وهم رقود ﴾ جمع راقد كقعود في قاعد.
واستبعده في التفسير الكبير.
وقيل: عيونهم مفتحة وهم نيام فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظاً.
وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم.
وقيل: لهم تقلبتان في السنة.
وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء.
وعن مجاهد: يمكثون رقوداً على أيمانهم سبع سنين ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقوداً سبع سنين، وفائدة تقلبهم ظاهرة وهي أن لا تأكل لحومهم الأرض.
قال ابن عباس: وتعجب منه الإمام فخر الدين قال: وإن الله قادر على حفظهم من غير تقليب.
وأقول: لا ريب في قدرة الله ولكن الوسائط معتبرة في أغلب الأحوال ﴿ وكلبهم باسط ﴾ حكاية الحال الماضية ولهذا عمل في المفعول به.
والوصيد الفناء وقيل العتبة أو الباب.
قال السدي: الكهف لا يكون له عتبة ولا باب وإنما أراد أن الكلب منه موضع العتبة من البيت.
عن ابن عباس: هربوا ليلاً من ملكهم فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم ومعه كلبه.
وقال كعب: مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك ثلاث مرات فقال لهم الكلب: ما تريدون مني أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم.
وقال عبيد ابن عمرو: كان ذلك كلب صيدهم والاطلاع على الشيء الإشراف عليه.
قال الزجاج قوله ﴿ فراراً ﴾ منصوب على المصدر لأنه بمعنى التولية.
وسبب الرعب هيبة ألبسهم الله إياهم.
وقيل طول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم ووحشة مكانهم منه يحكى أن معاوية غزا الروم فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس: ليس لك ذلك قد منع الله منه من هو خير منك؟
فقال: ﴿ لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ﴾ فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث ناساً فقال لهم: اذهبوا فانظروا ففعلوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحاً فأخرجتهم ﴿ وكذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله أي وكما أنمناهم تلك النومة وفعلنا بهم ما فعلنا من الكرامات كذلك ﴿ بعثناهم ﴾ وفيه تذكير لقدرته على الإنامة والبعث جميعاً، ثم ذكر غاية بعثهم فقال: ﴿ ليتساءلوا ﴾ أي ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع في مدة اللبث غرض صحيح لما فيه من انكشاف الحال وظهور آثار القدرة ﴿ قال قائل منهم كم لبثتم ﴾ قال ابن عباس: وهو رئيسهم يمليخارد علم ذلك إلى الله حين رأى التغير في شعورهم وأظفارهم وبشرتهم.
والفاء في ﴿ فابعثوا ﴾ للتسبيب كأنه قيل: واذ قد حصل اليأس من تعيين مدة اللبث فخذوا في شيء آخر مما يهمكم.
والورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة.
وفي تزودهم الورق عند فرارهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان في سفره وحضره لا ينافي التوكل على الله.
والمدينة طرسوس.
قال في الكشاف: ﴿ أيها ﴾ معناه أيّ أهلها ﴿ أزكى طعاماً ﴾ وأقول: يحتمل أن يعود الضمير إلى الأطعمة ذهناً كقوله: "زيد طيب أباً" على أن الأب هو زيد، ويجوز أن يراد أي أطعمة المدينة أزكى طعاماً على الوجه المذكور.
عن ابن عباس: يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوساً وفيهم قوم يخفون أديانهم.
وقال مجاهد: احترزوا من المغصوب لأن ملكهم كان ظلماً.
وقيل: أيها أطيب وألذ.
وقيل: الرخص ﴿ وليتلطف ﴾ وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن.
والأظهر أنهم طلبوا اللطف في أمر التخفي حتى لا يعرف.
يؤيده قوله ﴿ ولا يشعرون بكم أحد ﴾ أي لا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور ويسبب له ﴿ إنهم إن يظهروا ﴾ يطلعوا على مكانكم أو ﴿ عليكم يرجموكم ﴾ يقتلوكم أخبث القتلة وهي الرجم وكأنه كانت عادتهم ﴿ أو يعيدوكم في ملتهم ﴾ بالإكراه العنيف.
وقال في الكشاف: العود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم يقولون ما عدت أفعل كذا يريدون ابتداء الفعل.
قلت: يحتمل أن يكون العود ههنا على معناه الأصلي لاحتمال أن يكون أصحاب الكهف على ملة أهل المدينة قبل أن هداهم الله.
وفي "أذن" معنى الشرط كأنه قال: إن رجعتم إلى دينهم فلم تفلحوا أبداً، قال المحققون: لا خوف على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين.
ففي الأول هلاك الدنيا، وفي الثاني هلاك الآخرة.
وإنما نفى الفلاح على التأبيد مع أن كفر المكره لا يضر، لأنهم خافوا أن يجرهم ظاهر الموافقة إلى الكفر القلبي، وكما أنمناهم وبعثناهم ﴿ أعثرنا عليهم ﴾ سمى الإعلام إعثاراً والعلم عثوراً لأن من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه وعرفه وكان الإعثار سبباً لحصول العلم واليقين.
وفي سبب الإعثار قولان: أحدهما أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولاً مخالفاً للعادة وتغيرت بشرتهم فعرفوا بذلك.
والأكثرون قالوا: إن ذلك الرجل لما ذهب بالورق إلى السوق وكانت دارهم دقيانوسية اتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملك فقال له: من أين وجدت هذه الدراهم؟
قال: بعت به أمس شيئاً من التمر.
فعرف الملك أنه ما وجد كنزاً وأن الله بعثه بعد موته فقص عليه القصة.
ثم ذكر غاية الإعثار فقال: ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ يروى أن ملك ذلك العصر من كان ينكر البعث إلا أنه كان مع كفره منصفاً فجعل الله أمر الفتية دليلاً للملك.
وقيل: بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم: الجسد والروح يبعثان جميعاً.
وقال آخرون: الروح تبعث وأما الجسد فتأكله الأرض.
ثم إن ذلك الملك كان يتضرع أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في المسألة فأطلعه الله على أمر أصحاب الكهف حتى تقرر عنده صحة بعث الأجساد، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث.
فالمراد بالتنازع هو اختلافهم في حقيقة البعث.
والضمائر في قوله: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم ﴾ تعود إلى تلك الأمة.
وقيل: أراد إذ يتنازع الناس بينهم أمر أصحاب الكهف ويتكلمون في قصتهم، أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا كيف يخفون مكانهم وكيف يسدون الطريق إليهم.
﴿ فقالوا ابنوا ﴾ على باب كهفهم ﴿ بنياناً ﴾ يروى أنه انطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم وحمدوا الله على آياته الدالة على البعث.
ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإنس ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه وأمر فجعل لكل واحد تابوتاً من ذهب فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجداً.
فيكون فيه دليل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله ومعترفين بالعبادة والصلاة، وقيل: إن الكفار قالوا: إنهم كانوا على ديننا ونتخذ عليهم بنياناً، والمسلمين قالوا: بل كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجداً، وقيل: إنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم.
قال جار الله: ﴿ ربهم أعلم بهم ﴾ من كلام المتنازعين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقته قالوا ذلك، أو هو من كلام الله عز وجل رد القول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا عوافيهم على عهد رسول الله من أهل الكتاب.
والذين غلبوا على أمرهم المسلمون وملكهم المسلم لأنهم بنوا عليهم مسجداً يصلى فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم وكانوا أولى بهم بالبناء عليهم حفظاً لتربتهم بها وضناً بها ﴿ سيقولون ﴾ يعنى الخائضين في قصتهم من المؤمنين ومن أهل الكتاب المعاصرين وكان كما أخبر فكان معجزاً، يروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبياً هم ﴿ ثلاثة رابعهم كلبهم ﴾ وقال العاقب وكان نسطورياً هم ﴿ خمسة وسادسهم كلبهم ﴾ فزيف الله قولهما بأن قال: ﴿ رجماً بالغيب ﴾ أي يرمون رمياً بالخبر الخفي يقال: فلان يرمي بالكلام رمياً أي يتكلم من غير تدبر.
وكثيراً ما يقال رجم بالظن.
مكان قولهم ظن.
وقال المسلمون.
هم سبعة ثامنهم كلبهم.
قال العلماء: وهذا قول محقق عرفه المسلمون بأخبار رسول الله عن لسان جبرائيل .
والذي يدل عليه أمور منها ما روي عن علي أنهم سبعة تقرأ أسماؤهم.
يمليخا ومكشلينيا ومشلينيا - هؤلاء أصحاب يمين الملك - وكان عن يساره مرنوس ودبرنوش وشادنوش.
وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره، والسابع الراعي الذي وافقهم واسمه كفشططوش.
واسم مدينتهم أفسوس، واسم كلبهم قطمير.
وقيل ريان.
عن ابن عباس: أن أسماء أصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب وإطفاء الحريق تكتب في خرقة ويرمى بها في وسط النار، ولبكاء الطفل تكتب وتوضع تحت رأسه في المهد، وللحرث تكتب على القرطاس.
وترفع على خشب منصوب في وسط الزرع، وللضربان وللحمى المثلثة والصداع الغنى والجاه.
والدخول على السلاطين تشد على الفخذ اليمنى، ولعسر الولادة تشد على فخذها الأيسر، ولحفظ المال والركوب في البحار والنجاة من القتل.
ومنها قول صاحب الكشاف إن الواو في قوله ﴿ وثامنهم ﴾ هي التي تدخل على الجملة والواقعة صفة للنكرة في قولك "جاءني رجل ومعه آخر" كما تدخل على الجملة الواقعة حالاً من المعرفة في قولك "مررت بزيد ومعه سيف" وفائدته توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر لأن الواو مقتضاها الجمعية وكأنهم وصفوا بكونهم سبعة مرتين بخلاف القولين الأولين فإنهم وصفوا بما وصفوا مرة واحدة.
ولقائل أن يقول: إن العاطف لا يوسط بين الوصف والموصوف ألبتة لشدة الاتصال بينهما، ومقتضى الواو هو الحالة المتوسطة بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع.
بل الواو للعطف عطف الجملة على الجملة وإما للحال وجاز لأنهم لم يسوغوا إذا الحال نكرة، لا مكان التباس الحال بالصفة في نحو قولك "رأيت رجلاً راكباً" وههنا الالتباس مرتفع لمكان الواو.
ومنها بعضهم إن الضمير في قوله: ﴿ ويقولون سبعة ﴾ لله تعالى والجمع للتعظيم.
ومنها قول ابن عباس حين وقعت الواو انقطعت العدّة أي لم تبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات.
ومنها أنه خص القولين الأولين بزيادة قوله: ﴿ رحيماً بالغيب ﴾ وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فمن البعيد أن يذكر الله جملة الأقوال الباطلة ولا يذكر الحق على أنه منعه عن المناظرة معهم وعن الاستفتاء منهم في هذا الباب، وهذا المنع إنما يصح إذا علمه حكم هذه الواقعة.
وأيضاً الله قال: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ ويبعد أن لا يحصل العلم بذلك للنبي ويحصل لغير النبي كعلي وابن عباس حسين قال: أنا من أولئك القليل.
وقد عرفت قولهما في هذا الباب.
وإذا حصل فالظاهر أنه حصل بهذا الوحي لأن الأصل فيما سواه العدم.
وقيل: الضمير في ﴿ سيقولون ﴾ لأهل الكتاب خاصة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وقوله في الموضعين الأخيرين و ﴿ يقولون ﴾ بغير السين لا ريب أنهما للاستقبال أيضاً إلا أن ذلك يحتمل أن يكون لأجل الصيغة التي تصلح له، وأن يكون لتقدير السين بحكم العطف كما تقول: قد أكرم وأنعم أي وقد أنعم.
أما فائدة تخصيص الواو في قوله: ﴿ وثامنهم ﴾ فقد عرفت آنفاً وقد يقال: إن لعدد السبعة عند العرب تداولاً على الألسنة في مظان المبالغة من ذلك قوله : ﴿ إن تستغفر لهم سبعين مرة ﴾ لأن هذا العدد سبعة عقودٍ، فإذا وصلوا إلى الثامنة ذكروا لفظاً يدل على الاستئناف كقوله في أبواب الجنة ﴿ وفتحت أبوابها ﴾ وكقوله ﴿ ثيبات وأبكاراً ﴾ وزيف القفال هذا الوجه بقوله : ﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ﴾ وذلك لم يذكر الواو في النعت الثامن.
والانصاف أن هذا التزييف ليس في موضعه لأن وجود الواو هو الذي يفتقر إلى التوجيه، وأما عدمه فعلى الأصل وبين التوجيه والإيجاب بون بعيد، والقائل بصدد الأول دون الأخير.
ثم نهى نبيه عن الجدال مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف ثم قال: ﴿ الأمراء ظاهراً ﴾ فقال جار الله: أي جد إلا غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد من غير تجهيل ولا تعنيف.
وقال في التفسير الكبير: المراد أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد بل يقول هذا التعيين لا دليل عليه فوجب التوقف.
ثم نهاه عن الاستفتاء منهم في شأنهم لأن المفتي يجب أن يكون أعلم من المستفتي وههنا الأمر بالعكس ولا سيما في باب واقعة أصحاب الكهف كما بينا.
ولنذكر ههنا مسألة جواز الكرامات وما تتوقف هي عليه فنقول: الولي مشتق من الولي وهو القرب.
فقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" كعليم وقدير وذلك أنه توالت طاعاته من غير تخلل معصية.
وقيل: بمعنى "مفعول" كقتيل وذلك أن الحق تولى حفظه وحراسته وقرب منه بالفضل والإحسان، فإذا ظهر فعل خارق للعادة على إنسان فإن كان مقروناً بدعوى الإلهية كما نقل أن فرعون كانت تظهر على يده الخوارق، وكما ينقل أن الدجال سيكون منه ذلك فهذا القسم جوزه الأشاعرة لأن شكله وخلقه يدل على كذبه فلا يفضي إلى التلبيس وإن كان مقروناً بدعوى النبوة.
فإن كان صادقاً وجب أن لا يحصل له المعارض، وإن كان كاذباً وجب.
ويمكن أن يقال: إن الكاذب يستحيل أن يظهر منه الفعل الخارق وإليه ذهب جمهور المعتزلة، وخالفهم أبو الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي وجوزا ظهور خوارق العادات على من كان مردوداً على طاعة الله وسموه بالاستدراج.
وقد يفرق بين النبي الصادق والساحر الخبيث بالدعاء إلى الخير والشر وإن كان مقروناً بدعوى الولاية فصاحبه هو الولي، ومن المحققين من لم يجوّز للولي دعوى الولاية لأنه مأمور بالإخفاء كما أن النبي مأمور بالإظهار.
ثم إن المعتزلة أنكروا كرامات الأولياء وأثبتها أهل السنة مستدلين بالقرآن والأخبار والآثار والمعقول.
أما القرآن فكقصة مريم ونبأ أصحاب الكهف.
قال القاضي: لا بد أن يكون في ذلك الزمان نبي تنسب إليه تلك الكرامات.
وأجيب في التفسير الكبير بأن إقدامهم على النوم أمر غير خارق للعادة حتى يجعل ذلك معجزة لأحد، وأما قيامهم من النوم بعد ثلثمائة سنة فهذا أيضاً لا يمكن جعله معجزة لأن الناس لا يصدقونهم في هذه الواقعة لأنهم لا يعرف كونهم صادقين في هذه الدعوى إلا إذا بقوا طول هذه المدة وعرفوا أن هؤلاء الذين جاؤا في هذا الوقت هم الذين ناموا قبل ذلك بثلثمائة وتسع سنين، وكل هذه الشرائط لم توجد فامتنع جعل هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء، فلم يبق إلا أن تجعل كرامة لهم.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون نفس بعثهم معجز النبي هذا الزمان؟
وأما أن ذلك البعث بعد نوم طويل فيعرف بأمارات أخر كما مر من حديث الدرهم وغيره.
وأما الأخبار فمنها ما أخرج في الصحاح عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصبي في زمان جريج وصبي آخر.
أما عيسى فقد عرفتموه، وأما جريج فكان رجلاً عابداً في بني إسرائيل وكانت له أم وكان يوماً يصلي إذ اشتاقت إليه أمه فقالت: يا جريج فقال: يا رب الصلاة خير أم رؤيتها ثم صلى.
فدعته ثانياً مثل ذلك حتى كان ذلك ثلاث مرار.
وكان يصلي ويدعها فاشتد ذلك على أمة فقالت: اللَّهم لا تمته حتى تريه المومسات.
وكانت في بني إسرائيل زانية فقالت لهم: أنا أفتن جريجاً حتى يزني فأتته فلم تقدر عليه شيئاً وكان هناك راع يأوى بالليل إلى أصل صومعته فأرادت الراعي على نفسها فأتاها فولدت غلاماً وقالت: ولدي هذا من جريج.
فأتاه بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه فصلى ودعا ثم نخس الغلام.
قال أبو هريرة: كأنى أنظر إلى النبي حين قال بيده يا غلام من أبوك؟
فقال: فلان الراعي فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا إليه وقالوا نبني صومعتك من ذهب وفضة فأبى عليهم وبناها كما كانت.
وأما الصبي الآخر فإن امرأة كانت معها صبي ترضعه إذ مر بها شاب جميل ذو شارة فقالت: اللَّهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي: اللَّهم لا تجعلني مثله.
ثم مر بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت: اللَّهم لا تجعل ابني مثل هذه.
فقال: اللَّهم اجعلني مثلها.
فقالت له أمه في ذلك فقال: إن الراكب جبار من الجبابرة وإن هذه قيل لها سرقت ولم تسرق وزنيت ولم تزن هي تقول حسبي الله" .
ومنها ما روي عن ابن عمر أن رسول الله قال: " انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا إنه والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فقال رجل منهم كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما فناما في ظل شجرة يوماً فلم أبرح عنهما وحلبت لهما غبوقهما فجئتهما به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما فقمت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللَّهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه.
ثم قال الآخر اللَّهم إنه كانت لي ابنة عم وكانت أحب الناس إليّ فأردتها عن نفسها فامتنعت حتى ألمت سنة من السنين فجاءتني وأعطيتها مالاً عظيماً على أن تخلي بيني وبين نفسها فلما قدرت عليها قالت لا آذن لك أن تفك الخاتم إلا بحقه فتحرجت من ذلك العمل وتركتها وتركت المال معها اللَّهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.
فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها قال رسول الله : ثم قال الثالث اللَّهم إني استأجرت أجراء أعطيتهم أجورهم غير رجل واحد منهم ترك الذي له وذهب فثمرت أجرته حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدّ إليّ أجرتي فقلت له كل ما ترى من الإبل والغنم والرقيق من أجرتك فقال يا عبد الله لاتستهزىء بي فقلت إني لا أستهزىء بأحد فأخذ ذلك كله اللَّهم إن كنت فعلته ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون" وهذا حديث صحيح متفق عليه.
ومنها قوله : "رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره" .
ولم يفرق بين شيء وشيء فيما يقسم به على الله.
ومنها رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي قال: "بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها إذا التفتت البقرة وقالت إني لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث فقال الناس: سبحان الله!
فقال النبي : آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر" .
ومنها رواية أبي هريرة عن النبي : "بينا رجل سمع رعداً أو صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان قال فغدوت إلى تلك الحديقة فإذا رجل قائم فيها فقلت له: ما اسمك؟
قال: فلان ابن فلان.
فقلت: فما تصنع بحديقتك هذه إذا صرمتها؟
قال: ولم تسأل عن ذلك؟
قلت: لأني سمعت صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان.
قال: أما إذ قلت فإني أجعلها أثلاثاً فأجعل لنفسي ولأهلي ثلثاً وأجعل للمساكين وأبناء السبيل ثلثاً وأنفق عليها ثلثاً" وأما الآثار فمن كرامات أبي بكر الصديق أنه لما حملت جنازته إلى باب قبر النبي ونودي السلام عليك يا رسول الله هذا أبو بكر بالباب فإذا الباب قد فتح فإذا هاتف يهتف من القبر أدخلوا الحبيب إلى الحبيب.
ومن كرامات عمر ما روي أنه بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً يدعى سارية بن حصين.
فبينا عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته يا سارية الجبل الجبل.
قال علي بن أبي طالب : وكتبت تاريخ هذه الكلمة.
فقدم رسول ذلك الجيش.
فقال: يا أمير المؤمنين غدونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فدهمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزم الله الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة.
قال بعض العلماء: كان ذلك بالحقيقة معجزة للنبي لأنه قال لأبي بكر وعمر: أنتما مني بمنزلة السمع والبصر.
فلما كان عمر بمنزلة البصر لا جرم قدر على رؤية الجيش من بعد.
ومنها ما روي أن نيل مصر كان في الجاهلية يقف في كل سنة مرة واحدة وكان لا يجري حتى يلقى فيه فيه جارية حسناء.
فلما جاء الإسلام كتب عمرو بن العاص بهذه الحالة إلى عمر.
فكتب عمر على الخزف: من عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجري بأمرك فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت تجري بأمر الله فاجر على بركة الله.
وأمر أن يلقى الخزف في النيل فجرى ولم يقف بعد ذلك.
ووقعت الزلزلة بالمدينة فضرب عمر الدرة على الأرض وقال: اسكني بإذن الله فسكنت.
ووقعت النار في بعض دورالمدينة فكتب عمر على خزفة: يا نار اسكني بإذن الله فألقوها في النار فانطفأت في الحال.
ويروى أن رسول ملك الروم جاء إلى عمر وطلب داره فظن أن داره مثل قصور الملوك فقالوا: ليس له ذلك إنما هو في الصحراء يضرب اللبن.
فلما ذهب إلى الصحراء رأى عمر واضعاً درته تحت رأسه وهو نائم على التراب فتعجب الرسول من ذلك وقال في نفسه: أهل الشرق والغرب يخافون منه وهو على هذه الصفة فسل سيفه ليقتله فأخرج الله أسدين من الأرض فقصداه فخاف فألقى السيف فانتبه عمر وأسلم الرجل.
قال أهل السير: لم يتفق لأحد من أول عهد إلى الآن ما تيسر له فإنه مع غاية بعده عن التكلفات كيف قدر على تلك السياسات، ولا شك أن هذا من أعظم الكرامات.
وأما عثمان فعن أنس قال: مررت في طريق فوقعت عيني على امرأة ثم دخلت على عثمان فقال: ما لي أراكم تدخلون عليّ وآثار الزنا عليكم؟!
فقلت: أوحي نزل بعد رسول الله ؟
فقال: لا ولكن فراسة صادقة.
وقيل: لما طعن بالسيف فأول قطرة سقطت من دمه سقطت على المصحف على قوله: ﴿ فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ﴾ .
ويروى أن جهجاهاً الغفاري انتزع العصا من يده وكسرها في ركبته فوقعت الآكلة في ركبته.
وأما علي صلوات الله عليه فيروى أن واحداً من أصحابه سرق وكان عبداً أسود فأتي به إلى علي فقال: أسرقت؟
قال: نعم.
فقطع يده فانصرف من عند علي فلقيه سلمان الفارسي وابن الكواء فقال ابن الكواء: من قطع يدك؟
قال: أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج البتول.
فقال: قطع يدك وتمدحه.
قال: ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق وخلصني من النار.
فسمع سلمان ذلك فأخبر به علياً فدعا الأسود ووضع يده على ساعده وغطاه بمنديل ودعا بدعوات، فسمعنا صوتاً من السماء ارفع الرداء عن اليد فرفعنا الرداء فإذا اليد كما كانت بإذن الله .
وأما سائر الصحابة فعن محمد بن المنذر أنه قال: ركبت البحر فانكسرت السفينة التي كنت فيها فركبت لوحاً من ألواحها فطرحني اللوح في أجمة فيها أسد، فخرج إليّ أسد فقلت: يا أبا الحرث أنا مولى رسول الله قال: فتقدم ودلني على الطريق ثم همهم فظننت أنه يودعني ورجع.
وروى ثابت عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلاً آخر من الأنصار خرجاً من عند رسول الله حين ذهب من الليل قطع، وكانت ليلة مظلمة وفي يد كل واحد منهما عصاه فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها، فلما افترقا أضاءت لكل واحد منهما عصاه حتى مشى في ضوئها وبلغ منزله.
وقيل لخالد بن الوليد إن في عسكرك من يشرب الخمر فركب فرسه ليلاً فطاف في العسكر فرأى رجلاً على فرس ومعه زق من خمر فقال: ما هذا؟
فقال: خل.
فقال خالد: اللَّهم اجعله خلاً.
فذهب الرجل إلى أصحابه وقال: أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثلها.
فلما فتحوا فإذا هي خل.
فقالوا: والله ما جئتنا إلا بخل.
فقال: هذه والله دعوة خالد.
ومن الوقائع المشهورة أن خالد بن الوليد أكل كفاً من السم على اسم الله وما ضره.
وعن ابن عمر أنه كان في بعض أسفاره فلقي جماعة على طريق خائفين من السبع فطرد السبع عن طريقهم ثم قال: إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء.
وروي أن النبي بعث العلاء بن الحضرمي في غزاة فحال بينه وبين المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم الله الأعظم فمشوا على الماء.
وفي كتب الصوفية من هذا الباب روايات كثيرة ولا سيما في كتاب تذكرة الأولياء ومن أرادها فليطالعها.
وأما المعقول فهو أن الرب حبيب العبد والعبد حبيب الرب لقوله ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ فإذا بلغ العبد في طاعته مع عجزه إلى حيث يفعل كل ما أمره الله.
فأي بعد في أن يفعل الرب مع غاية قدرته وسعة جوده مرة واحدة ما يريد العبد.
وأيضاً لو امتنع إظهار الكرامة فذلك إما لأجل أن الله ليس أهلاً له فذلك قدح في قدرته، وإما لأن المؤمن ليس أهلاً له وهو بعيد لأن معرفة الله والتوفيق على طاعته أشرف العطايا وأجزلها، وإذا لم يبخل الفياض بالأشرف فلأن لا يبخل بالأدون أولى ومن هنا قالت الحكماء: إن النفس إذا قويت بحسب قوتها العلمية والعملية تصرفت في أجسام العالم السفلي كما تتصرف في جسده.
قلت: وذلك أن النفس نور ولا يزال يتزايد نوريته وإشراقه بالمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية عليه حتى ينبسط ويقوى على إنارة غيره والتصرف فيه، والوصول إلى مثل هذا المقام هو المعني بقول علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.
والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة ربانية.
حجة المنكرين للكرامات أن ظهور الخوارق دليل على النبوة، فلو حصل لغير النبي لبطلت هذه الدلالة.
وأجيب بالفرق بين المعجز والكرامة بأن المعجز مقرون بدعوى النبوة والكرامة مقرونة بدعوى الولاية.
وأيضاً النبي يدعي المعجزة ويقطع بها.
والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها،وأيضاً أنه يجب نفي المعارضة عن المعجزة ولا يجب نفيها عن الكرامة.
جميع هذا عند من يجوّز للولي دعوى الولاية، وأما من لا يجوّز ذلك من حيث إن النبي مأمور بالإظهار لضرورة الدعوة والولي ليس كذلك ولكن إظهاره يوجب طلب الإشهار والفخر المنهي عنهما، فإنه يفرق بينهما بأن المعجز مسبوق بدعوى النبوة، والكرامة غير مسبوقة بشيء من الدعاوى قالوا: قال حكاية عن الله : "لن يتقرب إليّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم" لكن المتقرب إلى الله بأداء الفرائض لا يحصل له شيء من الكرامات، فالمتقرب إليه بأداء النوافل أولى بأن لا يحصل له ذلك.
وأجيب بأن الكلام في المتقرب إليه بأداء الفرائض والنوافل جميعاً.
قالوا: قال : ﴿ وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ﴾ فالقول بطيّ الأرض للأولياء طعن في الآية وطعن في محمد حين لم يصل من المدينة إلى مكة إلا في أيام.
وأجيب بأن الآية وردت على ما هو المعهود المتعارف وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثناة من ذلك العموم، وإن محمداً لم يكن قاصراً عن رتبة بعض الأولياء ولكنه لم يتفق له ذلك، أو لعله اتفق له في غير ذلك السفر قالوا: إذا ادعى الولي على إنسان درهماً فإن لم يطالبه بالبينة كان تاركاً لقوله: "البينة على المدعي." وإن طالبه كان عبثاً لأن ظهور الكرامة عليه دليل قاطع على أنه لا يكذب ومع الدليل القاطع لا يجوز العمل بالظن.
والجواب مثل ما مر من أن النادر لا يحكم به.
قالوا: لو جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء لجاز على كلهم، وإذا كثرت الكرامات انقلب خرق لعادة وفقاً لها.
وأجيب بأن المطيعين فيهم قلة لقوله : ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ والولي فيهم أعز من الكبريت الأحمر، واتفاق الكرامة للولي أيضاً على سبيل الندرة فكيف يصير ما يظهر عليه معتاداً؟!
في الفرق بين الكرامات والاستدراج هو أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وقد يسمى مكراً وكيداً وضلالاً وإملاء، والفرق أن صاحب الكرامة لا يستأنس بها ولكنه يخاف سوء الخاتمة، وصاحب الاستدراج يسكن إلى ما أوتي ويشتغل به، وإنما كان الاستئناس بالكرامات قاطعاً للطريق لأنه حينئذ اعتقد أنه مستحق لذلك وأن له حقاً على الخالق فيعظم شأنه في عينه ويفتخر بها لا بالمكرم، ولا ريب أن الإعجاب مهلك ولهذا وقع إبليس فيما وقع، والعبد الصالح هو الذي يزداد تذللـه وتواضعه بين يدي مولاه بازدياد آثار الكرامة والولاية عليه، قرأ المقرئ في مجلس الأستاذ أبى علي الدقاق ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ فقال: علامة رفع العمل أن لا يبقى منه في نظرك شيء، فإن بقي فهو غير مرفوع.
واختلف في أن الولي هل يعرف كونه ولياً؟.
قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: لا يجوز لأن ذلك يوجب الأمن ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ والأمن ينافي اعتقاد قهارية الله ويقتضي زوال العبودية الموجب لسخط الله.
وكيف يأمن الولي وقد وصف الله عباده المخلصين بقوله: ﴿ ويدعوننا رغباً ورهباً ﴾ وأيضاً إن طاعة العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته لأنها محدثة متناهية وصفاته قديمة غير متناهية، والمحدث المتناهي لا يغلب القديم غير المتناهي.
فقد يكون العبد في عين المعصية ونصيبه في الأزل هو المحبة وقد يكون في عين الطاعة ونصيبه المبغضية، ولهذا لا يحصل الجزم بكيفية الخاتمة.
قيل: من هنا قال : ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ولم يقل من عمل حسنة.
ومن كانت محبته لا لعلة امتنع أن يصير عدوّاً لعلة المعصية وبالعكس، ومحبة الحق وعداوته من الأسرار التي لا يطلع عليها إلا الله أو من أطلعه عليها الله.
وقال الأستاذ أبو علي الدقاق وتلميذه أبو القاسم القشيري: إن للولاية ركنين: أحدهما انقياد للشريعة في الظاهر، والثاني كونه في الباطن مستغرقاً في نور الحقيقة فإذا حصل هذان الأمران وعرف الإنسان ذلك عرف لا محالة كونه ولياً، وعلامته أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه بذكر الله.
قلت: لا ريب أن مداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة، ودون الوصول إلى عالم الربوبية حجب وأستار من نيران وأنوار، فالجزم بالولاية خطر والقضاء بالمحبة عسر والله أعلم.
قال المفسرون: إن اليهود حين قالت لقريش: سلوا محمداً عن مسائل ثلاثة عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فسألوهن قال : "أجيبكم عنها غداً ولم يستثن فاحتبس الوحي عنه خمس عشرة ليلة." وقيل: أربعين يوماً ثم نزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً ﴾ أي لأجل شيء تعزم عليه ليس فيه بيان أنه ماذا ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فقال العلماء: إنه لا يمكن أن يكون من تمام قوله ﴿ إني فاعل ﴾ إذا يصير المعنى إلا أن يشاء الله أن لا أفعله أي إلا أن تعرض مشيئة الله دون فعله وهذا ليس منهياً عنه.
فالصواب أن يقال: إنه من تمام قوله: ﴿ ولا تقولن ﴾ ثم إن قدر المراد إلا أن يشاء الله أن تقول إني فاعل ذلك غداً أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد بعينه.وقوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ أن تقوله بأن يأذن لك في ذلك الإخبار كان معنى صحيحاً، ولكنه لا يكون موافقاً لسبب النزول.
فالمعنى الموافق هو أن يكون قوله هذا في موضع الحال أي لا تقولنه إلا متلبساً بأن يشاء الله يعني قائلاً إن شاء الله.
وهذا نهي تأديب لنبيه لأن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غداً لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد أو يعوقه عن ذلك عائق، فلو لم يقل إن شاء الله صار كاذباً في هذا الوعد والكذب منهي وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إن شاء الله ﴾ في معنى كلمة تأبيد كأنه قيل: ولا تقولنه أبداً.
قال أهل السنة: في صحة الاستثناء بل في وجوبه دلالة على أن إرادة الله غالبة وإرادة العبد مغلوبة ويؤكده أنه إذا قال المديون القادر على أداء الدين: والله لأقضين هذا الدين غداً ثم قال: إن شاء الله فإذا جاء الغد ولم يقض لم يحنث بالاتفاق، وما ذاك إلا لأن الله ما شاء ذلك الفعل مع أنه أمره باداء الدين، وإنما لم يقع الطلاق في قول الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، لأن مشيئة الله غير معلومة فيلزم الدور لتوقف العلم بالمشيئة على العلم بوقوع الطلاق وبالعكس.
واستدل القائلون بأن المعدوم شيء بقوله: ﴿ ولا تقولن لشيء ﴾ وذلك أن الشيء الذي سيفعله غداً معدوم مع أنه سماه شيئاً في الحال.
وأجيب بأنه مجاز كقوله: ﴿ أعصر خمراً ﴾ ﴿ واذكر ربك ﴾ أي مشيئة ربك ﴿ إذا نسيت ﴾ كلمة الاستثناء.
ثم تنبهت لها، وللعلماء في مدة النسيان إلى الذكر خلاف، فعن ابن عباس: يستثني ولو بعد سنة ما لم يحنث.
وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة وهو قول ابن عباس بعينه.
وعن طاوس: هو استثناء ما دام في مجلسه.
وعن عطاء: يستثني على مقدار حلب ناقة غزيرة.
وعند عامة الفقهاء لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً.
قالوا: إن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعهد والعقد فإذا أتى بالعهد وجب عليه الوفاء بمقتضاه خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان الاستثناء متصلاً بناء على أن المستثنى منه مع الاستثناء وأداته كالكلام الواحد، فإذا كان منفصلاً لم يمكن هذا التوجيه فوجب الرجوع إلى أصل الدليل.
وقيل: أراد واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، وفيه بعث على الاهتمام بها.
وقيل: اذكر إذا اعتراك النسيان في بعض الأمور لتذكر المنسي، أو اذكره إذا تركت بعض ما أمرك به ليس لهذين القولين شديد ارتباط بما قيل، وكذا قوله من حمله على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها.
واختلفوا في المشار إليه بقوله: ﴿ لأقرب من هذا ﴾ الظاهر عند صاحب الكشاف أن المراد إذا نسيت شيئاً فاذكر ربك، وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه ﴿ رشداً ﴾ وأدنى خيراً ومنفعة.
وقيل: إن ترك قوله "إن شاء الله" ليس بحسن وذكره أحسن.
فقوله "هذا" إشارة إلى الترك وأقرب منه ذكر هذه الكلمة، وقيل: إنه إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتيني من البينات والحجج على أني صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشداً من نبئهم، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والأخبار بالمغيبات ما هو أعظم وأدل.
عن قتادة.
أن قوله : ﴿ ولبثوا في كهفهم ﴾ حكاية لأهل الكتاب و ﴿ قل الله أعلم بما لبثوا ﴾ رد عليه ويؤيده قراءة عبد الله ﴿ وقالوا لبثوا ﴾ والجمهور على أنه بيان لما أجمل في قوله: ﴿ فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً ﴾ والمراد من قوله ﴿ قل الله أعلم ﴾ أن لا تتجاوزوا الحق الذي أخبر الله به ولا تلتفتوا إلى ما سواه من اختلافات أهل الأديان نظيره قوله: ﴿ قل ربي أعلم بعدّتهم ﴾ بعد قوله: ﴿ سبعة وثامنهم كلبهم ﴾ قال النحويون: سنين عطف بيان لثلثمائة لأن مميز مائة وأخواتها مجرور مفرد.
وقيل: فيه تقديم وتأخير أي لبثوا سنين ثلثمائة.
ومن قرأ بالإضافة فعلى وضع الجميع موضع الجميع موضع الواحد في التمييز كما مر في قوله: ﴿ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً ﴾ قوله: ﴿ وازدادوا تسعاً ﴾ أي تسع سنين لدلالة لما قبله عليه دون أن يقول "ولبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين".
فعن الزجاج المراد ثلثمائة بحساب السنين الشمسية وثلثمائة وتسع بالسنين القمرية وهذا شيء تقريبي.
وقيل: إنهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قرب أمرهم من الانتباه.
ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين، ثم أكد قوله: ﴿ الله أعلم بما لبثوا ﴾ بقوله: ﴿ له غيب السموات والأرض ﴾ أي ليس لغيره ما خفى فيهما من أحوالهما وأحوال سكانهما وهو مختص بذلك.
ثم زاد في المبالغة فجاء بما دل على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات.
والضمير في قوله: ﴿ مالهم ﴾ لأهل السموات والأرض.
وفيه بيان لكمال قدرته وأن الكل تحت قهره وتسخيره وأنه لا يتولى أمورهم غيره ﴿ ولا يشرك في حكمه ﴾ وقضائه قبل أصحاب الكهف ﴿ أحداً ﴾ منهم ومن قرأ ﴿ لا نشرك ﴾ على النهي فهو عطف معطوف على ﴿ لا تقولن ﴾ والمراد أنه لا يسأل أحداً عما أخبره الله به من نبأ أصحاب الكهف.
واقتصر على بيانه.
وقيل: الضمير في مالهم لأصحاب الكهف أي أنه هو الذي حفظهم في ذلك النوم الطويل وتولى أمرهم.
وقيل: ليس للمختلفين في مدة لبثهم من دون الله من يتولى أمورهم فكيف يعلمون هذه الواقعة من دون إعلامه؟!
وقيل: فيه نوع تهديد لأنهم لما ذكروا في هذا الباب أقوالاً على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب فبين الله أنه: ﴿ ليس لهم من دونه ولي ﴾ يمنع العقاب عنهم.
واعلم أن الناس اختلفوا في زمان لبث أصحاب الكهف في مكانهم فقيل: كانوا قبل موسى وأنه ذكرهم في التوراة فلهذا سألت اليهود ما سألوا وقيل: دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبروه بخبرهم ثم لبثوا في الوقت الذي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.
وحكى القفال عن محمد بن إسحق أنهم دخلوا كهفهم بعد عيسى.
وقيل: إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة.
وذكر أبو علي بن سينا في باب الزمان من كتاب الشفاء إن أرسطا طاليس الحكيم زعم أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف ثم قال أبو علي: ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف.
وأما المكان فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه إلى ملك الروم ليعرف أحوال أصحاب الكهف، فوجهه مع طائفة إلى ذلك الموضع قال: وإن الرجل الموكل بذلك المقام فزعني من الدخول عليهم، فدخلت فرأيت الشعور على صدورهم فعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة الحافظة لأبدان الموتى عن البلى كالصبر وغيره.
قلت: حين لم يملأ الخوارزمي رعباً من الاطلاع عليهم حصل القطع بأنهم ليسوا أصحاب الكهف والرقيم، ولو صح ما حكينا عن معاوية حين غزا الروم حصل ظن غالب بأنهم منهم والله أعلم.
التأويل: ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ﴾ والعبد الحقيقي من يكون حراً عن الكونين وهو محمد إذ يقول: "أمتي أمتي" يوم يقول كل نبي " نفسي نفسي"، ولأنه هو الذي صحح نسبة العبودية كما ينبغي أطلق عليه اسم العبد مطلقاً وقيد لسائر الأنبياء كما قال: ﴿ عبده زكريا ﴾ ، ﴿ واذكر عبدنا داود ﴾ ، ولأنه كان خلقه القرآن قيل: ﴿ ولم يجعل له ﴾ أي لقلبه ﴿ عوجاً ﴾ لا يستقيم فيه القرآن، ومن استقامة قلبه نال ليلة المعراج رتبة ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ بلا واسطة جبرائيل، ونال قلبه الاستقامة بأمر التكوين بقوله: ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ ﴿ أجراً حسناً ﴾ .
هو التمتع من حسن الله وجماله.
﴿ لعلك باخع نفسك ﴾ كان من عادته عليه الصلاة والسلام أن يبالغ في المأمور به حتى ينهى عنه، بالغ في الدعوة والشفقة على أمته حتى قيل له لا تبخع نفسك، وبالغ في الإنفاق إلى أن أعطى قميصه فقعد عرياناً فنهى عنه بقوله: ﴿ ولا تبسطها كل البسط ﴾ ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة ﴾ أي زينا الدنيا وشهواتها للخلق ملائماً لطبائعهم وجعلناها محل ابتلاء للمحب وللسائل ﴿ لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ﴾ في تركها ومخالفة هوى نفسه طلباً لله ومرضاته.
ثم أخبر عن سعادة السادة الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على المولى بقوله: ﴿ أم حسبت ﴾ ومعناه لا تعجب من حالهم فإن في أمتك من هو أعجب حالاً منهم، ففيهم أصحاب الخلوات الذين كهفهم بيت الخلوة، ورقيمهم قلوبهم المرقومة برقم المحبة فإنهم أووا إلى الكهف خوفاً من لقاء دقيانوس وفراراً منه، فهؤلاء أووا إلى الخلوة شوقاً إلى لقائي وفراراً إليّ.
وإنهم طلبوا النجاة من شر.
والخروج من الغار بالسلامة بقولهم ﴿ ربنا آتنا ﴾ الآية.
فهؤلاء طلبوا الخلاص من شر نفوسهم والخروج من ظلمات الغار المجازي للوصول إلى نور الوجود الحقيقي.
﴿ فضربنا ﴾ على آذان باطنه وحواسهم الآخر في مدة الخلوة لمحو النقوش الفاسدة عن ألواح نفوسهم وانتقاشها بالعلوم الدينية والأنوار الإلهية ليفنيهم الله عنهم ويبقيهم به وهو سر قوله: ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أي أحييناهم بنا ﴿ لنعلم أي الحزبين ﴾ أصحاب الخلوة أم أصحاب السلوة: ﴿ أحصى ﴾ أي أكثر فائدة وأتم عائدة لأمد لبثهم في الدنيا التي هي مزرعة الآخرة ﴿ وزدناهم هدى ﴾ فإنهم كانوا يريدون الإيمان الغيبي فأنمناهم ﴿ ثم بعثناهم ﴾ حتى صار الإيمان إيقاناً والغيب عياناً ﴿ اتخذوا من دونه آلهة ﴾ من الدنيا والهوى.
﴿ وترى الشمس إذا طلعت ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين.
المعروف: بداية هذا أخبار من أصناف ألطافه بأضيافه، وفيه إشارة إلى أن نور ولايتهم يغلب نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن نار جهنم لقول : "إن المؤمن إذا ورد النار تستغيث النار وتقول: حزباً مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ في متسع وفراغ من ذلك النور يدفع عنهم كل ضر ويراعيهم عن بلى أجسادهم وثيابهم.
قلت: يحتمل أن يراد أن شمس الروح أو المعرفة والولاية إذا طلعت من أفق الهداية وأشرقت في سماء الواردات - وهو حالة السكر وغلبات الوجد - لا تنصرف في حال خلوتهم إلى أمر يتعلق بالعقبى وهو جانب اليمين ﴿ وإذا غربت ﴾ أي سكنت تلك الغلبات وظهرت حالة الصحو لا تلتفت همم أرواحهم إلى أمر يتعلق بالدنيا وهو جانب الشمال، بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى وهم في حال دفاع وفراغ ما يشغلهم عن الله ﴿ وتحسبهم إيقاظاً ﴾ متصرفين في أمور الدنيا ﴿ وهم رقود ﴾ عنها لأنهم يتصرفون فيها لأجل الحق لا لحظ النفس، أو تحسبهم أيقاظاً مشغولين بأمور الآخرة لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، وهم رقود متصرفون في أمور الدنيا لأن الناس بهم يرزقون ويمطرون.
وفي قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ إشارة إلى أنهم في التسليم لمقلب القلوب في الأحوال كلها كالميت بين يدي الغسال.
قيل: في الآية دلالة على أن المريد الذي يربيه الله بلا واسطة المشايخ تكامل أمره في ثلثمائة وتسع سنين، والذي يربيه بواسطتهم تم أمره في أربعينات معدودة ولهذا تكون ثمرة البساتين الزهر وثمرة الجبال وفي قوله: ﴿ وكلبهم باسط ﴾ إشارة أن أكلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال بها.
ربيت القلوب والأرواح معنى أن هذا النوع من التربية من قبيل القدرة الإلهية التي اختصهم بها، ويمكن أن يراد أن نفوسهم صارت بحيث تطيعهم في جميع الأحوال وتحرسهم عما يضرهم ﴿ ولملئت منهم رعباً ﴾ بما شاهدت عليهم من آثار الأنوار التي زدناهم، ولجلاليب الهيبة والعظمة التي ألبسناهم ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ لأن أيام الوصال قصيرة، فما رأوا أنهم في دهشة الوصال وحياة الأحوال ﴿ قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ لأنه كان حاضراً معكم وأنتم غيب عنكم ﴿ فابعثوا أحدكم ﴾ من العجب أنهم ما احتاجوا مدة ثلثمائة وتسع سنين بما نالوا من غذاء الروح كقوله : "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" .
فلما رجعوا من عند الله الحق إلى عبدية أنفسهم احتاجوا إلى الغذاء الجسماني ﴿ أزكى طعاماً ﴾ لما رجعوا إلى العالم الجسماني، تعللوا من جمال الله بمشاهدة كل جميل وتوسلوا إلى تلك الملاطفات بلطافة الأغذية الجسمانية وزكائها.
﴿ ولا يشعرنّ بكم أحد ﴾ فيه أن أرباب المعرفة والمحبة يجب أن يحترزوا عن شعور أهل الغفلة والسلوة ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ بإحياء القلوب الميتة حق قدره، الأمر فيما أظهر وأبدى أو أسر وأخفى.
﴿ سيقولون ﴾ أن القوى والأركان الأصلية للإنسان ﴿ ثلاثة ﴾ الحيوانية والطبيعية والنفسانية التي منشؤهن القلب والكبد والدماغ.
﴿ رابعهم كلبهم ﴾ هو النفس الناطقة.
﴿ ويقولون خمسة ﴾ هو الحواس الظاهرة ﴿ سادسهم ﴾ النفس ﴿ ويقولون سبعة ﴾ هو الحواس الظاهرة مع الوهم المدرك للمعاني والخيال المدرك للصور ﴿ وثامنهم كلبهم ﴾ هو النفس المدرك للكليات ﴿ قل ربي أعلم بعدتهم ﴾ لأن القوى الباطنة والظاهرة وأفاعيلها وغاياتها لا يعلمهن إلا الله ومن أطلعه الله عليه وذلك قوله: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ﴾ .
قيل: تميل عن كهفهم.
﴿ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ ﴾ .
كانت لا تصيبهم لا عند طلوعها ولا عند غروبها؛ لأن الكهف كان مستقبل بنات النعش، وكل شيء يكون مستقبل بنات النعش لا تصيبه الشمس.
وقال بعضهم: لا، ولكن كان ثمة حجاب وستر يحجب الشمس عن أن تقع عليهم، لكن هذا لا يصلح؛ لأن الله - عز وجل - جعل لهم ذلك آية من آياته، وكرامة من كراماته؛ فليس فيما لا يقع عليهم الشمس بحجاب أو ستر كبير آية ومنة؛ إنما الآية فيما تقع الشمس عليهم، ثم يدفع عنهم ضررها وأذاها؛ فإذا كانوا بحيث لا تصيبهم الشمس - فأذاها وضررها - أيضاً - لا يصيبهم؛ فليس في ذلك كبير آية وحكمة؛ إذ ليس فيما لا يصيب الشمس ضرر أو أذى، ولكن يذكر لطفه؛ حيث منع ضرر الشمس وأذاها عنهم مع إصابة الشمس إياهم ووقوعها عليهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ ﴾ يمينهم، أو يمين القبلة، وكذلك ﴿ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ ﴾ : شمال أولئك، أو شمال القبلة، فأما يمين الجبل والغار، على ما قال أهل التأويل، فإنه ليس للجبل يمين ولا شمال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ﴾ : قال بعضهم: الفجوة: الظل.
وقال بعضهم: الفجوة: الفضاء.
وقال بعضهم: هي سعة المكان: يخبر - عز وجل - عن لطفه ومننه: أنه قد حشرهم إلى غار كانوا يسعون فيه حتى يتقلبوا فيه، والغار الذي يكون في الجبال لا هكذا يكون؛ بل يكون ضيقاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .
هذا يرد قول من ينكر جري الآيات على يدي غير الأنبياء؛ لأنه جعل في أصحاب الكهف عدداً من الآيات: كلها خارجة عن احتمال وسع الخلق وعادتهم؛ لمفارقتهم قومهم لسلامة دينهم.
أحدها: ما أخبر أنه ضرب على آذانهم، وأنامهم نوماً خارجاً عن طبع الخلق وعادتهم، وهو ثلاثمائة سنة، ثم بعثهم ليتساءلوا بينهم، على ما أخبر، عز وجل.
والثاني: لم تبل ثيابهم في مثل تلك المدة ومثل المكان، ولم تتغير؛ ألا ترى أنهم قالوا حين بعثوا: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ، ولو كانت ثيابهم بالية أو متغيرة، لم يستقلوا ولا استقصروا كل هذا يوماً أو بعض يوم؛ ألا ترى أنهم فزعوا إلى الطعام، ولم يفزعوا إلى الثياب؛ حيث قالوا: ﴿ فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ ﴾ ، ولو كانت ثيابهم بالية أو متغيرة - لكان فزعهم إلى الثياب كهو إلى الطعام، وهو أولي.
والثالث: ما أخبر: من تزاور الشمس إذا طلعت ذات اليمين، وقرضها إياهم ذات الشمال.
والرابع: دفع الحر والبرد عنهم؛ إذ من طبعهما الإهلاك والفساد إذا اشتدا وكثرا.
والخامس: ما ذكر من تقليبه إياهم ذات اليمين وذات الشمال، وحفظه إياهم عن أن تفسدهم الأرض وتأكلهم؛ إذ من طبع الأرض ذلك عند امتداد الوقت.
والسادس: ما ذكر في الآية من الهول والهيبة إذا دخل عليهم واطلع؛ حيث قال: ﴿ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ﴾ : خوفاً مما ترى فيهم من الأهوال: هذا لرسول الله فكيف لمن دونه؟!.
والسابع: حفظه إياهم عن جميع الخلائق حتى لم يطلع، ولم يعثر عليهم أحد من الخلائق.
والثامن: إبقاؤهم أحياء أكثر من ثلاثمائة سنة بلا غذاء، والأنفس لا تبقى بلا غذاء بدون ذلك؛ وذلك باللطف، وأمثال هذا كثير مما يكثر عدها وإحصاؤها.
كله من آيات عظيمة خارجة عن وسع [البشر] وعادتهم؛ فذلك لهم باختيارهم دين الله من بين قومهم، وبمفارقتهم إياهم؛ ليسلم لهم دينهم؛ إذ الغلبة فيهم يومئذ الكفر، فأكرمهم الله بذلك بالكرامات التي ذكرنا؛ فلا ننكر أن يعطي الله أحداً من أوليائه قطع مسيرة أيام بيوم أو بساعة، أو المشي على الماء، ونحو ذلك، ليس بمستبعد ولا مستنكر.
وقال أهل التأويل: إنهم كانوا كذا، والكلب كذا، وأساميهم كذا، وعددهم كذا، ونحوه؛ فذلك مما لا يعلم إلا بخبر الصدق وقول الحق، وقد نهى رسوله أن يستفتي فيهم منهم أحداً حيث قال: ﴿ وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً ﴾ وما ذكر هؤلاء كله من الاستفتاء الذي نهى عنه رسوله عن ذلك.
قال أبو عوسجة: ﴿ تَّزَاوَرُ ﴾ أي: تميل، وتزور مثله.
﴿ تَّقْرِضُهُمْ ﴾ ، أي: تدعهم على شمالها، أي: أن الشمس لا تصيبهم طالعة ولا غاربة عند طلوعها وغروبها، ويقال: قرضته: تركته، أقرضه قرضاً، ويقال: قرضت موضع كذا، أي: جاوزته وتركته خلفي، ويقال: قرضه، أي: قطعه بمقراض، وتزاور يتزاور، أي: عدل ومال ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ﴾ : أي سعة، وفجوات جمع.
ويحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ أي: ذلك النبأ وما ذكر من قصة أصحاب الكهف من آيات قدرة الله، أو من حجج الله على إثبات رسالة رسوله ونبوته.
أو من آيات كراماته للفتية ولمن اختار دين الله وآثره على غيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً ﴾ .
قد ذكرناه في غير موضع.
وقال بعضهم: ﴿ تَّزَاوَرُ ﴾ و ﴿ تَّقْرِضُهُمْ ﴾ كلاهما واحد، وهو أن تميل عن كهفهم فتدعهم ذات اليمين، و ﴿ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ﴾ أي: تدعهم ذات الشمال.
وقوله: ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ﴾ أي: زائفة من الكهف، قال أبو معاذ: الزائفة: قدر ما يصلح.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ ﴾ أي: يبوئ لكم؛ كقوله: ﴿ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: تهيئ، ﴿ وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً ﴾ الرشيد: الصالح.
وقال مقاتل: ﴿ رَشَداً ﴾ ، أي: مخرجا.
﴿ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً ﴾ : قال ابن عباس - -: غذاء تأكلونه، وهو ما ذكرنا كل ما يترفق به، ويقال: مخرجا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ ﴾ .
قال بعضهم: لأنهم كانوا مفتحي الأعين والأبصار كاليقظان.
وقال بعضهم: وتحسبهم أيقاظاً؛ لأنهم كانوا يتقلبون في رقودهم اليمين والشمال كما يتقلب اليقظان يمينا وشمالا.
وقال بعض أهل التأويل: إنما كان يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، ليدفع عنهم أذى الأرض وضررها؛ لئلا يفسدوا ولا يتلاشوا، وإن كان الله قادراً أن يدفع عنهم الأذى وضرر الأرض لا بتقليب من جانب إلى جانب وإن كان [ذلك] مما يفعله من لا يملك دفع الأذى [إلا] بما ذكرنا، فأما من كان قادراً بذاته مستغنيا عن الأسباب التي بها يدفع فغير محتمل.
وهو: على التعليم منه إياهم: أن كيف يتقي الأذى؟
وكيف يدفع الضرر؟
فإذا لم يكن بمشهد من الخلق فلا معنى له.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ ﴾ ؛ لأنهم كانوا في مكان الريبة واللصوص مما لا يأوي إليه إلا هارب من ريبة وشر أو قاصد ريبة وطالب عثرة ومكابرة لم يكونوا في مكان يسلم فيه ويرقد ولا يختار للنوم مثله، فقال: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ ﴾ لما كانوا في مكان لا ينام فيه للخوف، كأنهم أيقاظ وهم رقود، والله أعلم.
ولكن لا ندري لأي معنى ذكر أنه يحسب الناظر إليهم كأنهم أيقاظ وهم رقود؟
وإذا لم يبين الله ذلك فلا نفسر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ ﴾ هو ما ذكرنا أنهم: قد يتقلبون في نومهم من جانب إلى جانب، وذكر التقليب جائز أن يكون؛ لما ذكر بعضهم من دفع أذى الأرض وضررها.
أو ذكر فعله؛ لما له في تقلبهم صنع وفعل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ ﴾ إذ لا يفهم من ذات الشيء غير ذلك الشيء أو شيء آخر سواه؛ لأنه ذكر ذات اليمين فهو اليمين والشمال نفسه لا غير؛ فعلى ذلك في قولنا: عالم بذاته، لا يفهم غير علمه، أي: عالم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ ﴾ .
قال بعضهم: الوصيد: هو فناء الباب.
وقال بعضهم: الوصيد: هو عتبة الباب.
قال القتبي: الوصيد: الفناء، ويقال: عتبة الباب، وهذا أعجب إليّ؛ لأنهم يقولون: أوصد بابك، أي: أغلقه.
ومنها ﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ ﴾ أي: مطبقة، وأصله: أن تلصق الباب إلى العتبة إذا أغلقته.
فإن كان الوصيد هو عتبة الباب، ففيه أن الكلب كان داخل باب الغار، وإن كان الفناء ففيه أنه كان خارج باب الغار، وفيه أيضاً [أنه] أبقى الكلب ثلاثمائة سنة على ما أبقاهم، وإن لم يكن من جوهرهم بلطفه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: ذلك أن شعورهم قد طالت وأظفارهم قد امتدت وعظمت، فكانوا بحال يرغب عنهم ويهاب.
لكن هذا لا يحتمل؛ لأنهم قالوا: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ فلو كانوا على الحال التي ذكروا من تطاول الشعور وامتداد الأظفار وتغير أحوالهم، لم يكونوا ليقولوا: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ؛ إذ لو نظروا في أنفسهم من تغير الأحوال، لعرفوا أنهم لم يلبثوا ما ذكروا من الوقت؛ دل ذلك أن ذلك الخوف والهيبة لا لذلك.
وقال بعضهم: لأنهم كانوا في مكان الريبة فيما لا يؤوي إلى مثله إلا لخوف ريبة أو طلب ريبة لا يأويه إلا لهذين: هارب من شر، أو طالب شر على آخر؛ على ما ذكرنا: أن من أقام في مهاب ومكان مخوف يهاب منه ويخاف.
أو أن يكونوا بحيث يهابون ويخاف منهم لئلا يدنو منهم أحد، ولا يقرب، فلا يوقظهم أحد، ليبقوا إلى المدة التي أراد الله أن يبقوا فيه؛ ولذلك يحتمل هذا المعنى في تقليب اليمين والشمال؛ فجائز أن يكون قوله: ﴿ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ﴾ ذلك الخوف وتلك الهيبة: هيبة الدين، على ما روي عن رسول الله أنه قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" ، وذلك لدينه ولحقيقة أمره؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من هيبة أحوالهم لدينهم الذي اختاروا من بين قومهم وفارقوهم؛ ليسلم دينهم إلى مكان لا طعام فيه ولا شراب؛ وذلك لحقيقة ما اختاروا من الدين، كان ذلك لمعنى لم يطلع الله رسوله على ذلك؛ فلا نفسر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ ﴾ أي: كما أنبأكم من أنبائهم وقصصهم أو كما ضرب على آذانهم وأنامهم سنين كذلك يبعثهم.
وقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ ﴾ بعثهم؛ لما علم ما يكون منهم، وهو التساؤل، وهكذا جميع ما يخلق وينشئ، إنما يخلق وينشئ؛ لما يعلم أنه يكون منهم؛ كقوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً...
﴾ الآية [الأعراف: 179] ذرأهم؛ لما علم أنه يكون منهم، وهو عمل أهل جهنم، وكذلك قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ من علم أنه يعبده ويعمل له عمل أهل الجنة خلقه لذلك، هكذا كل ما يخلق، لما يعلم أنه يكون منه؛ إذ يخرج الفعل لذلك مخرج العجز والجهل بالعواقب، فإذا كان الله عالماً بما كان ويكون، ويتعالى عن أن يكون فعله عبثا - لم يجز أن يخلق شيئاً لغير ما علم أنه يكون، وهكذا في الشاهد من عمل عملا أو فعل فعلا لغير ما علم أنه يكون - فهو عابث أو جاهل بعواقبه، وبالله العصمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ .
وتأويله ما ذكر: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً ﴾ .
وقوله: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ قالوا ذلك، لما لم يروا في أنفسهم آثاراً وأعلاما تدل على طول المكث والمقام فيه، ثم لما تذكروا أحوالهم، وما يرى النائم في نومه من العجائب وأشياء كثيرة، عرفوا أن ذلك القدر من الأشياء ومثل ذلك من العجائب التي رأوا لا يحتمل أن يكون في يوم أو بعض يوم، فعند ذلك وكلوا الأمر إلى الله، فقالوا: ﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ﴾ .
وأما الذي أماته مائة عام لما بعثه قطع القول في ذلك، ولم يكل الأمر إلى الله حيث قال: ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ؛ لأنه كان ميتا، والميت لا يرى شيئا، ولم يكن في نفسه آثار تدل على ذلك، فقطع القول فيه، ولم يكل الأمر إلى الله.
وأما النائم فإنه يرى في نومه أشياء فيعرف أنه لا يكون في وقت قصير؛ لذلك وكلوا الأمر إلى الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ ﴾ .
فيه أنهم لما فارقوا ومعهم زاد وهو الورق، أمر بعضهم بعضا: أن يبعث بالورق، ليأتيهم بالطعام، وفيه أنه أضاف الورق إليهم، ولا شك أنه كان له فيه نصيب حيث قال: ﴿ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ ﴾ ، وفيه دلالة جواز المناهدة في الأسفار وغيرها؛ إذ كان ذلك الورق بينهم، وفيه دلالة جواز الوكالة، وأنها ليست بمبدعة، ولكن كانت في القرون الماضية وهي متوارثة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ أَزْكَىٰ طَعَاماً ﴾ أي: أحل طعاما؛ لأن بعض أهل تلك المدينة يذبحون للأصنام وباسم الأوثان التي كانوا يعبدونها، فأمروا بأن يأتيهم بحلال يحل لهم أكله والتناول منه.
وقال بعضهم: ﴿ أَزْكَىٰ ﴾ : أرخص وأكثر؛ لأنهم في مكان لا يدرون متى يخرجون منه، فطلبوا الأكثر؛ لشدة حاجتهم إليه ويكفي لوقت مقامهم ونحوه.
وقال بعضهم: ﴿ أَزْكَىٰ طَعَاماً ﴾ أي: أطيب وأجود؛ لأن الطيب أزيد للعقول وأصلح للأنفس وأنفع؛ ولذلك جعل الله أرزاق البشر ما هو أطيب وألين؛ لما يزيد ذلك في العقول والفهم، وجعل لغيرهم من الدواب كل خشن خبيث، لما ليس لهم عقول يحتاج إلى ما يزيد لها فيها، وأصل الزكاء: النماء والزيادة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ أي: ليرفق بهم؛ لئلا يشعروا أنه من أولئك الذين فارقوهم لدينهم.
أو أمره بالتلطف، أي: بالسماحة والسهولة في الشراء؛ لما جاء في الخبر: "رحم الله سهل البيع سمح الشراء" ﴿ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ﴾ أنه فلان بن فلان وأنه من قوم كذا فيعرفون أنه من أصحاب الكهف.
أو لا يشعرن بمكانكم أحدا، من الناس.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ .
يحتمل: يقتلوكم أو ما أرادوا بكم.
﴿ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ﴾ ، أي: في دينهم الكفر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً ﴾ .
أي: ما دمتم في ملتهم ودينهم، هذا كأنهم لم يعرفوا التقية، وإلا لو أعطوهم بلسانهم ولم يعطوهم بقلوبهم، لكانوا قد أفلحوا.
أو عرفوا التقية إلا أنه لم يكن للقرون الماضية التقية، ولم يؤذن لهم فيها.
أو هي رخصة رخص لهم، والأفضل ألا يعطي ذلك ولا يظهر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ .
اختلف في قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ ﴾ ؛ قال بعضهم: كما أخرج المبعوث بشراء الطعام من الكهف مع الورق المتقدم ضربها، فكان ذلك بسبب إعلام أهل المدينة عن الفتية ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: أطلعنا عليهم.
وقال بعضهم: كما أعلم عن أنباء الفتية وأصحاب الكهف وقصصهم من أولها إلى آخرها، ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي: أطلعنا عليهم، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي: كما ضرب على آذانهم ليعلموا أن ما وعد لهم الرسل عن الله حق.
ثم اختلف في إطلاعهم عليهم: قال بعضهم: أطلع الله الملك الذي هربوا منه وأهل المدينة بعدما أنامهم، لكن حيل بينهم وبين أولئك.
وقال بعضهم: أطلعهم قبل أن ينيمهم، فحيل بينهم وبينهم، فسدو باب الكهف، فبقوا هنالك، ثم أنامهم بعد ذلك ما ذكر، فهلك ذلك الملك، وانقرض تلك القرون، ثم ولي ملك آخر مسلم صالح، ثم أطلع ذلك الملك عليهم، وأمثال ذلك قد قالوا، فلا ندري كيف كانت القصة؟
وفي ظاهر الآية أنه أطلع عليهم بعدما أنامهم وبعثهم، وليس فيه بيان أنه من أطلع عليهم الملك الأول أو الثاني أو القوم أو غيرهم؟
ولا يجوز أن يقطع القول فيه أنه فلان؛ لأن هذه الأنباء ذكرت في القرآن حجة لرسول الله ، فلو قطع القول على شيء أو زيد أو نقص عما كان في كتبهم، خرجت عن أن تكون حجة له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ .
يشبه أن يكون الرسل من قبل كانوا يخبرون قومهم أن نفراً يهربون من ملكهم؛ إشفاقاً على دينهم، ويلتجئون إلى الكهف فينامون كذا وكذا سنة، ثم يبعثون، فأكذبهم قومهم بما أخبروا قومهم من أنبائهم، فقال: ﴿ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوۤاْ ﴾ أن ما وعد الرسل وأخبروهم من نبأ أصحاب الكهف حق.
والثاني: يحتمل أن يكونوا ينكرون البعث والساعة، والرسل يخبرون أنهم يبعثون، فأطلع على أولئك؛ ليعلموا أن البعث والقيامة حق؛ لأن الأعجوبة في إبقاء أنفس أصحاب الكهف في نومهم ثلاثمائة سنة أو أكثر بلا غذاء يغتذون، ولا طعام يطعمون، ولا شيء تقوم به الأنفس - إن لم تكن أكثر وأعظم من إحياء الموتى وجمع العظام الناخرة البالية لا تكون دونه؛ لما لم يروا الأنفس لا تبقى أياما بلا غذاء فضلا أن تبقى سنين كثيرة ثلاثمائة أو أكثر، فبعث هؤلاء؛ ليعلم من أنكر البعث [أن] من قدر على إبقاء الأنفس مدة مديدة طويلة بلا غذاء تغتذي [به] لقادر على إحياء الموتى وبعثهم بعد الموت.
أو أن يكون ما ذكرنا بدءاً: أن الرسل السالفة كأنهم أخبروا قومهم عن قصة أصحاب الكهف فكذبوهم، فأطلع الله نبأهم وخبرهم؛ ليعلم أولئك أن الذي أخبرهم الرسل حق وصدق، والله أعلم.
ثم إن هذه الأنباء والقصص المتقدمة ذكرت في القرآن حجة لرسول الله ودلالة في إثبات رسالته، فلا يجوز أن يقطع القول في شيء لم يبين فيه ولم يوضح ولم يفسر؛ لما يخاف فيه الكذب على الله، ولا الزيادة فيها والنقصان على ما ذكر فيه؛ لما لعلها تخرج مخالفة لما ذكر في كتبهم؛ فلا يكون له فيها حجة ولا دلالة.
فإن قيل: كيف علموا أن ما أخبرهم الرسل حق إذا كانوا لا ينكرون أن وعد الله حق، ولكن يظنون أن ما وعدهم الرسل ويخبرونهم إنما هو اختراع منهم لا وعد من الله وخبر عن الله؟
قيل: علموا أن ذلك حق بوجوه: أحدها: ما رأوا من الدراهم التي كانت في يدي المبعوث بشراء الطعام من الضرب المتقدم، وإن كان يجوز أن تكون تلك الدراهم من كنز أصاب ذلك الرجل لا من دراهم أصحاب الكهف، فإذا صدقوا ذلك الرجل فيما أخبر أنها من دراهم أصحاب الكهف، فتصديق الرسل أولى وخبرهم أحق أن يصدق.
والثاني: علموا لما رأوا أنه أنامهم مدة طويلة خارجة عن العادة، وحفظهم من كل ضرر وأذى وفساد، وأبقاهم من غير طعام ولا شراب، على علم منهم أن الأنفس لا تبقى ولا تقوم بغير طعام ولا شراب بدون تلك المدة بكثير، فضلا أن تبقى إلى مثل تلك المدة؛ فعلموا أن من قدر على حفظ ما ذكرنا وإبقائهم، لقادر على البعث والإحياء ولا يعجز عن شيء يريد كونه، وأنه فعال لما يريد.
والثالث: علموا أن ذلك حق؛ لما رأوا أنه أنامهم وقتاً طويلا، وحفظهم عن جميع الآفات، ثم بعثهم وأحياهم - أنه لم ينمهم ولم يبعثهم إلا لعاقبة تتأمل وحكمة تقصد؛ فعلى ذلك إحياء الخلق وإماتتهم ليس إلا لعاقبة تتأمل وحكمة تقصد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ﴾ : لسنا ندري في ماذا تنازعوا في أمرهم فيما بينهم: أقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالُواْ ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً ﴾ ، أو تنازعوا في السبب الذي به التجئوا إلى الكهف؟
ويشبه أن يكون تنازعهم في البناء الذي ذكر في المسجد وغيره، ويحتمل في عددهم ونحوه، ولكن لا نقطع القول فيه؛ إذ وكل أمرهم إلى الله حيث قال: ﴿ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً ﴾ ، ثم قوله: ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً ﴾ يحتمل بناء المسجد عليهم إكراماً لهم وإعظاماً؛ ليذكروهم في ذلك المكان على قرب منهم، على ما ظهر عندهم من إكرام الله إياهم.
أو يتخذون مسجداً لعبادة أنفسهم، ليعبدوا الله على قرب منهم؛ ليسألوا من بركتهم ونحوه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وكما فعلنا بهم مما ذكرنا من عجائب قدرتنا أيقظناهم بعد مدة طويلة ليسأل بعضهم بعضًا عن المدة التي مكثوها نائمين، فأجاب بعضهم: مكثنا نائمين يومًا أو بعض يوم، وأجاب بعض منهم ممن لم تظهر له مدة مكثهم نائمين: ربكم أعلم بمدة مكثكم نائمين، ففوِّضوا إليه علم ذلك وانشغلوا بما يعنيكم، فأرسلوا أحدكم بنقودكم الفضية هذه إلى مدينتنا المعهودة، فلينظر أي أهلها أطيب طعامًا وأطيب مكسبًا, ولْيتَأنّ في دخوله وخروجه ومعاملته، وليكن لَبقًا, ولا يدع أحدًا يعلم بمكانكم؛ لما يترتب على ذلك من ضرر عظيم.
<div class="verse-tafsir" id="91.X4oJQ"