الآية ٢٨ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٢٨ من سورة الكهف

وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُۥ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمْرُهُۥ فُرُطًۭا ٢٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 136 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٨ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٨ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) أي : اجلس مع الذين يذكرون الله ويهللونه ، ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه ، ويسألونه بكرة وعشيا من عباد الله ، سواء كانوا فقراء أو أغنياء أو أقوياء أو ضعفاء .

يقال : إنها نزلت في أشراف قريش ، حين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلس معهم وحده ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه كبلال وعمار وصهيب [ وخباب ] وابن مسعود ، وليفرد أولئك بمجلس على حدة .

فنهاه الله عن ذلك ، فقال : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ) الآية [ الأنعام : 52 ] الآية ، وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء ، فقال : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) وقال مسلم في صحيحه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي ، عن إسرائيل ، عن المقدام بن شريح ، عن أبيه ، عن سعد - هو ابن أبي وقاص - قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر ، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا!

.

قال : وكنت أنا وابن مسعود ، ورجل من هذيل ، وبلال ورجلان نسيت اسميهما فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع ، فحدث نفسه ، فأنزل الله عز وجل : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي التياح قال : سمعت أبا الجعد يحدث عن أبي أمامة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قاص يقص ، فأمسك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قص ، فلأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس ، أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب " وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا هاشم حدثنا شعبة ، عن عبد الملك بن ميسرة قال : سمعت كردوس بن قيس - وكان قاص العامة بالكوفة - يقول : أخبرني رجل من أصحاب بدر : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " لأن أقعد في مثل هذا المجلس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب " .

قال شعبة : فقلت : أي مجلس ؟

قال : كان قاصا وقال أبو داود الطيالسي في مسنده : حدثنا محمد ، حدثنا يزيد بن أبان ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لأن أجالس قوما يذكرون الله من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس ، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ، ولأن أذكر الله من صلاة العصر إلى غروب الشمس أحب إلي من أن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفا " .

فحسبنا دياتهم ونحن في مجلس أنس ، فبلغت ستة وتسعين ألفا ، وهاهنا من يقول : " أربعة من ولد إسماعيل " والله ما قال إلا ثمانية ، دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفا وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا عمرو بن ثابت ، عن علي بن الأقمر ، عن الأغر أبي مسلم - وهو الكوفي - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل يقرأ سورة الكهف ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم سكت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم " .

هكذا رواه أبو أحمد ، عن عمرو بن ثابت ، عن علي بن الأقمر ، عن الأغر مرسلا .

وحدثناه يحيى بن المعلى ، عن منصور ، حدثنا محمد بن الصلت ، حدثنا عمرو بن ثابت ، عن علي بن الأقمر ، عن الأغر أبي مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورجل يقرأ سورة الحجر أو سورة الكهف ، فسكت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن بكر حدثنا ميمون المرئي ، حدثنا ميمون بن سياه ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله ، لا يريدون بذلك إلا وجهه ، إلا ناداهم مناد من السماء : أن قوموا مغفورا لكم ، قد بدلت سيئاتكم حسنات " تفرد به أحمد ، رحمه الله .

وقال الطبراني : حدثنا إسماعيل بن الحسن ، حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا ابن وهب ، عن أسامة بن زيد عن أبي حازم ، عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال : نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو في بعض أبياته : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) فخرج يلتمسهم ، فوجد قوما يذكرون الله تعالى ، منهم ثائر الرأس ، وجافي الجلد وذو الثوب الواحد ، فلما رآهم جلس معهم وقال : " الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني الله أن أصبر نفسي معهم " عبد الرحمن هذا ، ذكره أبو بكر بن أبي داود في الصحابة وأما أبوه فمن سادات الصحابة ، رضي الله عنهم .

وقوله : ( ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ) قال ابن عباس : ولا تجاوزهم إلى غيرهم : يعني : تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة .

( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ) أي : شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا ( واتبع هواه وكان أمره فرطا ) أي : أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع ، ولا تكن مطيعا له ولا محبا لطريقته ، ولا تغبطه بما هو فيه ، كما قال تعالى : ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ) [ طه : 131 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (واصْبِرْ) يا محمد (نَفْسَكَ مَعَ) أصحابك ( الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ) بذكرهم إياه بالتسبيح والتحميد والتهليل والدعاء والأعمال الصالحة من الصلوات المفروضة وغيرها(يُرِيدُونَ) بفعلهم ذلك (وَجْهَهُ) لا يريدون عرضا من عرض الدنيا.

وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في قوله ( يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ) في سورة الأنعام، والصواب من القول في ذلك عندنا، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع ، والقرّاء على قراءة ذلك ( بالغَدَاةِ والعَشيّ ) ، وقد ذُكر عن عبد الله بن عامر وأبي عبد الرحمن السلمي أنهما كانا يقرآنه (بالغَدَوةِ والعَشِيّ) ، وذلك قراءة عند أهل العلم بالعربية مكروهة، لأن غدوة معرّفة، ولا ألف ولا لام فيها، وإنما يعرف بالألف واللام ما لم يكن معرفة ، فأما المعارف فلا تعرّف بهما ، وبعد، فإن غدوة لا تضاف إلى شيء، وامتناعها من الإضافة دليل واضح على امتناع الألف واللام من الدخول عليها، لأن ما دخلته الألف واللام من الأسماء صلحت فيه الإضافة ، وإنما تقول العرب: أتيتك غداة الجمعة، ولا تقول: أتيتك غدوة الجمعة، والقراءة عندنا في ذلك ما عليه القرّاء في الأمصار لا نستجيز غيرها لإجماعها على ذلك، وللعلة التي بيَّنا من جهة العربية.

( وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ) يقول جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم: ولا تصرف عيناك عن هؤلاء الذين أمرتك يا محمد أن تصبر نفسك معهم إلى غيرهم من الكفار، ولا تجاوزهم إليه ، وأصله من قولهم: عدوت ذلك، فأنا أعدوه: إذا جاوزته.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، في قوله: ( وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ) قال: لا تجاوزهم إلى غيرهم.

حدثني عليّ، قال: ثني عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ ، عن ابن عباس، قوله: ( وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ) يقول: لا تتعدّهم إلى غيرهم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ، في قوله: ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ )...

الآية، قال: قال القوم للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إنا نستحيي أن نجالس فلانا وفلانا وفلانا، فجانبهم يا محمد، وجالس أشراف العرب، فنـزل القرآن ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ) ولا تحقرهم، قال: قد أمروني بذلك، قال: ( وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ).

حدثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد، عن أبي حازم، عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف ، أن هذه الآية لما نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) فخرج يلتمس، فوجد قوما يذكرون الله، منهم ثائر الرأس، وجافّ الجلد، وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم، فقال: " الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ لي فِي أُمَّتِي مَنْ أمرني أنْ أصبِرَ نَفْسي مَعَهُ" ورُفعت العينان بالفعل، وهو لا تعد.

وقوله: ( تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم:لا تعدُ عيناك عن هؤلاء المؤمنين الذين يدعون ربهم إلى أشراف المشركين، تبغي بمجالستهم الشرف والفخر ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه فيما ذكر قوم من عظماء أهل الشرك، وقال بعضهم: بل من عظماء قبائل العرب ممن لا بصيرة لهم بالإسلام، فرأوه جالسا مع خباب وصهيب وبلال، فسألوه أن يقيمهم عنه إذا حضروا ، قالوا: فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله عليه: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ثم كان يقوم إذا أراد القيام، ويتركهم قعودا، فأنـزل الله عليه ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) الآيَةَ(وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) يريد زينة الحياة الدنيا: مجالسة أولئك العظماء الأشراف.

وفد ذكرت الرواية بذلك فيما مضى قبل في سورة الأنعام.

حدثني الحسين بن عمرو العنقزي، قال: ثني أبي، قال: ثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي، وكان قارئ الأزد عن أبي الكنود، عن خباب في قصة ذكرها عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ذكر فيها هذا الكلام مدرجا في الخبر ( وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قال: تجالس الأشراف.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرت أن عيينة بن حصن قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم: لقد آذاني ريح سلمان الفارسي، فاجعل لنا مجلسا منك لا يجامعوننا فيه، واجعل لهم مجلسا لا نجامعهم فيه، فنـزلت الآية.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: ذُكر لنا أنه لما نـزلت هذه الآية قال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: " الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتي مَنْ أُمرْتُ أنْ أصبِرَ نَفْسِي مَعَه ".

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ، في قوله ( تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قال: تريد أشراف الدنيا.

حدثنا صالح بن مسمار، قال: ثنا الوليد بن عبد الملك، قال: سليمان بن عطاء، عن مسلمة بن عبد الله الجهنيّ ، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي، عن سلمان الفارسي، قال: جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: عيينة بن حصن، (1) والأقرع بن حابس وذووهم، فقالوا: يا نبيّ الله، إنك لو جلست في صدر المسجد، ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم يعنون سلمان وأبا ذرّ وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصوف، ولم يكن عليهم غيرها - جلسنا إليك وحادثناك، وأخذنا عنك ، فأنـزل الله : وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ، حتى بلغ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا يتهدّدهم بالنار ، فقام نبيّ الله صلى الله عليه وسلم يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله، فقال: " الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْني حتى أمَرَنِي أنْ أصْبِرَ نَفْسِي مَعَ رِجالٍ منْ أُمَّتي، مَعَكُمُ المَحْيا وَمَعَكُمُ المَماتُ".

وقوله: ( وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ) يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم:ولا تطع يا محمد من شغلنا قلبه من الكفار الذين سألوك طرد الرهط الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ عنك، عن ذكرنا، بالكفر وغلبة الشقاء عليه، واتبع هواه، وترك اتباع أمر الله ونهيه، وآثر هوى نفسه على طاعة ربه، وهم فيما ذُكر: عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس وذووهم.

حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أسباط، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي، عن أبي الكنود ، عن خباب ( وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا ) قال: عُيينة، والأقرع.

وأما قوله: ( وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معناه: وكان أمره ضياعا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ( وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) قال ابن عمرو في حديثه قال: ضائعا.

وقال الحارث في حديثه: ضياعا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: ضياعا.

وقال آخرون: بل معناه: وكان أمره ندما.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثني، قال: ثنا بدل بن المحبر، قال: ثنا عباد بن راشد، عن داود (فُرُطا) قال: ندامة.

وقال آخرون: بل معناه: هلاكا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني الحسين بن عمرو، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أسباط ، عن السديّ، عن أبي سعيد الأزدي، عن أبي الكنود، عن خباب ( وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) قال: هلاكا.

وقال آخرون: بل معناه: خلافا للحق.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد : ( وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) قال: مخالفا للحقّ، ذلك الفُرُط.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: ضياعا وهلاكا، من قولهم: أفرط فلان في هذا الأمر إفراطا: إذا أسرف فيه وتجاوز قدره، وكذلك قوله (وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) معناه: وكان أمر هذا الذي أغفلنا قلبه عن ذكرنا في الرياء والكبر، واحتقار أهل الإيمان، سرفا قد تجاوز حدّه، فَضَيَّع بذلك الحقّ وهلك.

وقد: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: قيل له: كيف قرأ عاصم؟

فقال ( وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) قال أبو كريب: قال أبو بكر: كان عُيينة بن حصن يفخر بقول أنا وأنا.

------------------------ الهوامش: (1) في الأصل : عيينة بن بدر .

والصواب : ابن حصن ، ولعله من سبق القلم .

وقد ذكره صحيحا بعده بقليل .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاقوله تعالى : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي هذا مثل قوله : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي في سورة " الأنعام " وقد مضى الكلام فيه .

وقال سلمان الفارسي - رضي الله عنه - : جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : عيينة بن [ ص: 350 ] حصن والأقرع بن حابس فقالوا : يا رسول الله ; إنك لو جلست في صدر المجلس ونحيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم - يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين ، وكانت عليهم جباب الصوف لم يكن عليهم غيرها - جلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك ، فأنزل الله - تعالى - : واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه - حتى بلغ - إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها .

يتهددهم بالنار .

فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يلتمسهم حتى إذا أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله قال : الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي ، معكم المحيا ومعكم الممات .

وقرأ نصر بن عاصم ومالك بن دينار وأبو عبد الرحمن " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي " وحجتهم أنها في السواد بالواو .

وقال أبو جعفر النحاس : وهذا لا يلزم لكتبهم الحياة والصلاة بالواو ، ولا تكاد العرب تقول الغدوة لأنها معروفة .وروي عن الحسن " ولا تعد عيناك عنهم " أي لا تتجاوز عيناك إلى غيرهم من أبناء الدنيا طلبا لزينتها ; حكاه اليزيدي .

وقيل : لا تحتقرهم عيناك ; كما يقال فلان تنبو عنه العين ; أي مستحقرا .تريد زينة الحياة الدنيا أي تتزين بمجالسة هؤلاء الرؤساء الذين اقترحوا إبعاد الفقراء من مجلسك ; ولم يرد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يفعل ذلك ، ولكن الله نهاه عن أن يفعله ، وليس هذا بأكثر من قوله لئن أشركت ليحبطن عملك .

وإن كان الله أعاذه من الشرك .وتريد فعل مضارع في موضع الحال ; أي لا تعد عيناك مريدا ; كقول امرئ القيس :فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذراوزعم بعضهم أن حق الكلام : لا تعد عيناك عنهم ; لأن " تعد " متعد بنفسه .

قيل له : والذي وردت به التلاوة من رفع العينين يئول إلى معنى النصب فيها ، إذا كان لا تعد عيناك عنهم بمنزلة لا تنصرف عيناك عنهم ، ومعنى لا تنصرف عيناك عنهم لا تصرف عينيك عنهم ; فالفعل مسند إلى العينين وهو في الحقيقة موجه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ; كما قال - تعالى - : فلا تعجبك أموالهم فأسند الإعجاب إلى الأموال ، والمعنى : لا تعجبك يا محمد أموالهم .

ويزيدك وضوحا قول الزجاج : إن المعنى لا تصرف بصرك عنهم إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة .[ ص: 351 ] قوله تعالى : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا روى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله - تعالى - : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا قال : نزلت في أمية بن خلف الجمحي ، وذلك أنه دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أمر كرهه من تجرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة ; فأنزل الله - تعالى - : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا يعني من ختمنا على قلبه عن التوحيد .

واتبع هواه يعني الشرك .وكان أمره فرطا قيل هو من التفريط الذي هو التقصير وتقديم العجز بترك الإيمان .

وقيل : من الإفراط ومجاوزة الحد ، وكأن القوم قالوا : نحن أشراف مضر إن أسلمنا أسلم الناس ; وكان هذا من التكبر والإفراط في القول .

وقيل : فرطا أي قدما في الشر ; من قولهم : فرط منه أمر أي سبق .

وقيل : معنى أغفلنا قلبه وجدناه غافلا ; كما تقول : لقيت فلانا فأحمدته ; أي وجدته محمودا .

وقال عمرو بن معديكرب لبني الحارث بن كعب : والله لقد سألناكم فما أبخلناكم ، وقاتلناكم فما أجبناكم ، وهاجيناكم فما أفحمناكم ; أي ما وجدناكم بخلاء ولا جبناء ولا مفحمين .وقيل : نزلت ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا في عيينة بن حصن الفزاري ; ذكره عبد الرزاق ، وحكاه النحاس عن سفيان الثوري .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يأمر تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، وغيره أسوته، في الأوامر والنواهي -أن يصبر نفسه مع المؤمنين العباد المنيبين { الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ } أي: أول النهار وآخره يريدون بذلك وجه الله، فوصفهم بالعبادة والإخلاص فيها، ففيها الأمر بصحبة الأخيار، ومجاهدة النفس على صحبتهم، ومخالطتهم وإن كانوا فقراء فإن في صحبتهم من الفوائد، ما لا يحصى.

{ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ } أي: لا تجاوزهم بصرك، وترفع عنهم نظرك.

{ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } فإن هذا ضار غير نافع، وقاطع عن المصالح الدينية، فإن ذلك يوجب تعلق القلب بالدنيا، فتصير الأفكار والهواجس فيها، وتزول من القلب الرغبة في الآخرة، فإن زينة الدنيا تروق للناظر، وتسحر العقل، فيغفل القلب عن ذكر الله، ويقبل على اللذات والشهوات، فيضيع وقته، وينفرط أمره، فيخسر الخسارة الأبدية، والندامة السرمدية، ولهذا قال: { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا } غفل عن الله، فعاقبه بأن أغفله عن ذكره.

{ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } أي: صار تبعا لهواه، حيث ما اشتهت نفسه فعله، وسعى في إدراكه، ولو كان فيه هلاكه وخسرانه، فهو قد اتخذ إلهه هواه، كما قال تعالى: { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم } الآية.

{ وَكَانَ أَمْرُهُ } أي: مصالح دينه ودنياه { فُرُطًا } أي: ضائعة معطلة.

فهذا قد نهى الله عن طاعته، لأن طاعته تدعو إلى الاقتداء به، ولأنه لا يدعو إلا لما هو متصف به، ودلت الآية، على أن الذي ينبغي أن يطاع، ويكون إماما للناس، من امتلأ قلبه بمحبة الله، وفاض ذلك على لسانه، فلهج بذكر الله، واتبع مراضي ربه، فقدمها على هواه، فحفظ بذلك ما حفظ من وقته، وصلحت أحواله، واستقامت أفعاله، ودعا الناس إلى ما من الله به عليه، فحقيق بذلك، أن يتبع ويجعل إماما، والصبر المذكور في هذه الآية، هو الصبر على طاعة الله، الذي هو أعلى أنواع الصبر، وبتمامه تتم باقي الأقسام.

وفي الآية، استحباب الذكر والدعاء والعبادة طرفي النهار، لأن الله مدحهم بفعله، وكل فعل مدح الله فاعله، دل ذلك على أن الله يحبه، وإذا كان يحبه فإنه يأمر به، ويرغب فيه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( واصبر نفسك ) الآية .

نزلت في عيينة بن حصن الفزاري أتى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم وعنده جماعة من الفقراء فيهم سلمان وعليه شملة قد عرق فيها وبيده خوصة يشقها ثم ينسجها فقال عيينة للنبي صلى الله عليه وسلم : أما يؤذيك ريح هؤلاء ونحن سادات مضر وأشرافها فإن أسلمنا أسلم الناس وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء فنحهم عنك حتى نتبعك أو اجعل لنا مجلسا ولهم مجلسا فأنزل الله عز وجل : ( واصبر نفسك ) أي احبس يا محمد نفسك ( مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ) طرفي النهار ( يريدون وجهه ) أي : يريدون الله لا يريدون به عرضا من الدنيا .

قال قتادة : نزلت في أصحاب الصفة وكانوا سبعمائة رجل فقراء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرجعون إلى تجارة ولا إلى زرع ولا ضرع يصلون صلاة وينتظرون أخرى فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم : " الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم " .

( ولا تعد ) أي : لا تصرف ولا تتجاوز ( عيناك عنهم ) إلى غيرهم ( تريد زينة الحياة الدنيا ) أي : طلب مجالسة الأغنياء والأشراف وصحبة أهل الدنيا .

( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ) أي : جعلنا قلبه غافلا عن ذكرنا يعني : عيينة بن حصن .

وقيل : أمية بن خلف ( واتبع هواه ) أي مراده في طلب الشهوات ( وكان أمره فرطا ) قال قتادة ومجاهد : ضياعا وقيل : معناه ضيع أمره وعطل أيامه وقيل : ندما .

وقال مقاتل بن حيان : سرفا .

وقال الفراء : متروكا .

وقيل باطلا .

وقيل : مخالفا للحق .

وقال الأخفش : مجاوزا للحد .

قيل : معنى التجاوز في الحد هو قول عيينة : إن أسلمنا أسلم الناس وهذا إفراط عظيم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«واصبر نفسك» احبسها «مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون» بعبادتهم «وجهه» تعالى لا شيئا من أعراض الدنيا وهم الفقراء «ولا تعدُ» تنصرف «عيناك عنهم» عبر بهما عن صاحبهما «تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا» أي القرآن هو عيينة بن حصن وأصحابه «واتبعَ هواه» في الشرك «وكان أمره فرطا» إسرافا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واصبر نفسك -أيها النبي- مع أصحابك مِن فقراء المؤمنين الذين يعبدون ربهم وحده، ويدعونه في الصباح والمساء، يريدون بذلك وجهه، واجلس معهم وخالطهم، ولا تصرف نظرك عنهم إلى غيرهم من الكفار لإرادة التمتع بزينة الحياة الدنيا، ولا تُطِعْ من جعلنا قلبه غافلا عن ذكرنا، وآثَرَ هواه على طاعة مولاه، وصار أمره في جميع أعماله ضياعًا وهلاكًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساقت السورة الكريمة لونا من الأدب السامى ، والتوجيه العالى ، حيث بينت أن أولى الناس بالرعاية والمجالسة هم المؤمنون الصادقون ، وأمرت النبى صلى الله عليه وسلم بأن يصبر نفسه معهم ، فقال - تعالى - : ( واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا .

.

) وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أنها نزلت فى أشراف قريش ، حين طلبوا من النبى صلى الله عليه وسلم أن يجلس معهم وحده ، ولا يجالسهم مع ضعفاء أصحابه كبلال وعمار وابن مسعود .

وليفرد أولئك بمجلس على حدة ، فنهاه الله - تعالى - عن ذلك .

.

وأمره أن يصبر نفسه فى الجلوس مع هؤلاء الفقراء فقال : ( واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) .وصبر النفس معناه : حبسها وتثبيتها على الشئ ، يقال : صبرَت فُلانا أصْبِره صَبْراً ، أى : حبسته .والغداة : أول النهار .

والعشى .

آخره .والمعنى : عليك - أيها الرسول الكريم - أن تحبس نفسك وتعودها على مجالسة أصحابك ( الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم ) أى : يعبدونه ويتقربون إليه بشتى أنواع القربات ، فى الصباح والمساء ، ويداومون على ذلك ، دون أن يريدوا شيئا من وراء هذه العبادة ، سوى رضا الله - تعالى - عنهم ورحمته بهم .وفى تخصيص الغداة والعشى بالذكر : إشعار بفضل العبادة فيهما : لأنهما محل الغفلة والاشتغال بالأمور الدنيوية غالبا .ويصح أن يكون ذكر هذين الوقتين المقصود به مداومة العبادة .

وإلى هذا المعنى أشار الآلوسى بقوله : قوله : ( يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي ) أى : يعبدونه دائما .

وشاع استعمال مثل هذه العبارة للدوام .

وهى نظير قولهم : ضرب زيد الظهر والبطن .

يريدون به ضرب جميع البدن .

وأبقى غير واحد اللفظين على ظاهرهما أى : يعبدونه فى طرفى النهار .وقوله : ( يريدون وجهه ) مدح لهم بالإِخلاص والبعد عن الرياء والمباهاة .

.

فهم لا يتقربون إلى الله - تعالى - بالطاعات من أجل دينا يصيبونها .

أو من أجل إرضاء الناس .وإنما هم يبتغون بعبادتهم رضا الله - تعالى - وحده ، لا شيئا آخر من حظوظ الدنيا .وقوله - سبحانه - ( وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا .

.

) نهى له صلى الله عليه وسلم - عن الغفلة عنهم ، بعد أمره بحبس نفسه عليهم .والفعل ( تَعْدُ ) بمعنى تصرف .

يقال عداه عن الأمر عدوا إذا صرفه عنه وشغله .أى : احبس نفسك مع هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه - سبحانه - ولا تصرف عيناك النظر عنهم ، وتتجاوزهم إلى غيرهم من الأغنياء ، طمعا فى إسلامهم .فالمراد بإرادة الحياة الدنيا الحرص على مجالسة أهل الغنى والجاه حبا فى إيمانهم .وجملة ( تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا ) فى موضع الحال من الضمير المضاف إليه فى قوله ( عيناك ) ، وإنما ساغ ذلك لأن المضاف هنا جزء من المضاف إليه .وقوله - تعالى - ( وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتبع هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ) نهى آخر مؤكد لما قبله من حبس نفسه صلى الله عليه وسلم على هؤلاء المؤمنين الفقراء ، وعدم صرف نظره عنهم إلى غيرهم من المتغطرسين الأغنياء .والفرط - بضم الفاء والراء - : مجاوزة الحد ، ونبذ الحق والصواب ، واتباع الباطل والضلال .

أى : ولا تطع - أيها الرسول الكريم - فى تنحية المؤمنين الفقراء عن مجلسك أقوال أولئك الغافلين عن طاعتنا وعبادتنا لاستحواذ الشيطان عليها ، والذين اتبعوا أهواءهم فآثروا الغى على الرشد .

والذين كان أمرهم .

فرطا أى : مخالفا للحق ، ومجاوزا للصواب ، ومؤديا للضياع والخسران .قال ابن جرير - " بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معنى قوله - تعالى - : ( فرطا ) : وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال معناه : ضياعا وهلاكا .

من قولهم : أفرط فلان فى هذا الأمر إفراطاً ، إذا أسرف فيه .

وتجاوز قدره .

وكذلك قوله : ( وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ) .

معناه : وكان أمر هذا الذى أغفلنا قلبه عن ذكرنا فى الرياء والكبر واحتقار أهل الإِيمان سرفا قد تجاوز حده ، فضيع بذلك الحق وهلك " .فالآية الكريمة تسوق للناس توجيها حكيما فى بيان القيم الحقيقية للناس؛ وهى أنها تتمثل فى الإِيمان والتقوى ، لا فى الغنى والجاه .فالمؤمن الصادق فى إيمانه ، الكريم فى أخلاقه .

.

هو الذى يحرص على مخالطة أهل الإِيمان والتقوى .

ولا يمنعه فقرهم من مجالستهم ومصاحبتهم ومؤانستهم والتواضع لهم ، والتقدم إليهم بما يسرهم ويشرح صدورهم .ولقد ربى النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه على هذا الخلق الكريم ، روى الشيخان عن سهل بن سعد الساعدى قال : " مر رجل على النبى صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس : " ما رأيك فى هذا؟

" فقال : رجل من أشرف الناس ، هذا والله حرىٌّ إن خطب أن يزوج ، وإن شفع أن يشفع .

فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مرّ رجل آخر : فقال له صلى الله عليه وسلم : " ما رأيك فى هذا "؟

فقال : يا رسول الله ، هذا رجل من فقراء المسلمين هذا والله حرى إن خطب أن لا يزوج ، وإن شفع ألا يشفع ، وإن قال أن لا يسمع لقوله .

فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا خير من ملء الأرض مثل هذا " " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن أكابر قريش اجتمعوا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أردت أن نؤمن بك فاطرد هؤلاء الفقراء من عندك، فإذا حضرنا لم يحضروا، وتعين لهم وقتاً يجتمعون فيه عندك فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ  ﴾ الآية فبين فيها إنه لا يجوز طردهم بل تجالسهم وتوافقهم وتعظم شأنهم ولا تلتفت إلى أقوال أولئك الكفار ولا تقيم لهم في نظرك وزناً سواء غابوا أو حضروا.

وهذه القصة منقطعة عما قبلها وكلام مبتدأ مستقل.

ونظير هذه الآية قد سبق في سورة الأنعام وهو قوله: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ بِهِمُ بالغداة والعشى  ﴾ ففي تلك الآية نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن طردهم وفي هذه الآية أمره بمجالستهم والمصابرة معهم فقوله: ﴿ واصبر نَفْسَكَ ﴾ أصل الصبر الحبس ومنه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المصبورة وهي البهيمة تحبس فترمى، أما قوله: ﴿ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشى ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر بالغدوة بضم الغين والباقون بالغداة وكلاهما لغة.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ بالغداة والعشى ﴾ وجوه: الأول: المراد كونهم مواظبين على هذا العمل في كل الأوقات كقول القائل: ليس لفلان عمل بالغداة والعشي إلا شتم الناس.

الثاني: أن المراد صلاة الفجر والعصر.

الثالث: المراد أن الغداة هي الوقت الذي ينتقل الإنسان فيه من النوم إلى اليقظة وهذا الانتقال شبيه بالانتقال من الموت إلى الحياة والعشي هو الوقت الذي ينتقل الإنسان فيه من اليقظة إلى النوم ومن الحياة إلى الموت والإنسان العاقل يكون في هذين الوقتين كثير الذكر لله عظيم الشكر لآلاء الله ونعمائه، ثم قال: ﴿ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ﴾ يقال عداه إذا جاوزه ومنه قولهم عدا طوره وجاء القوم عدا زيداً وإنما عدي بلفظة عن لأنها تفيد المباعدة فكأنه تعالى نهى عن تلك المباعدة وقرى: ﴿ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَيْكَ ﴾ ولا تعد عينيك من أعداه وعداه نقلاً بالهمزة وتثقيل الحشو ومنه قوله شعر: فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له *** والمقصود من الآية أنه تعالى نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يزدري فقراء المؤمنين وأن تنبو عيناه عنهم لأجل رغبته في مجالسة الأغنياء وحسن صورتهم وقوله: ﴿ تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا ﴾ نصب في موضع الحال.

يعني أنك (إن) فعلت ذلك لم يكن إقدامك عليه إلا لرغبتك في زينة الحياة الدنيا، ولما بالغ في أمره بمجالسة الفقراء من المسلمين بالغ في النهي عن الالتفات إلى أقوال الأغنياء والمتكبرين فقال: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتبع هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى هو الذي يخلق الجهل والغفلة في قلوب الجهال لأن قوله: ﴿ أَغْفَلْنَا ﴾ يدل على هذا المعنى، قالت المعتزلة: المراد بقوله تعالى: ﴿ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ﴾ أنا وجدنا قلبه غافلاً وليس المراد خلق الغفلة فيه، والدليل عليه ما روي عن عمرو بن معديكرب الزبيدي أنه قال لبني سليم: قاتلناكم فما أجبناكم، وسألناكم فما أبخلناكم، وهجوناكم فما أفحمناكم، أي ما وجدناكم جبناء ولا بخلاء ولا مفحمين.

ثم نقول: حمل اللفظ على هذا المعنى أولى ويدل عليه وجوه: الأول: أنه لو كان كذلك لما استحقوا الذم.

الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: ﴿ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ﴾ ولو كان تعالى خلق الغفلة في قلبه لما صح ذلك.

الثالث: لو كان المراد هو أنه تعالى جعل قلبه غافلاً لوجب أن يقال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه.

لأن على هذا التقدير يكون ذلك من أفعال المطاوعة، وهي إنما تعطف بالفاء لا بالواو، ويقال: كسرته فانكسر ودفعته فاندفع ولا يقال: وانكسر واندفع.

الرابع: قوله تعالى: ﴿ واتبع هَوَاهُ ﴾ ولو كان تعالى أغفل في الحقيقة قلبه لم يجز أن يضاف ذلك إلى اتباعه هواه.

والجواب: قوله المراد من قوله: ﴿ أَغْفَلْنَا ﴾ أي وجدناه غافلاً، وليس المارد تحصيل الغفلة فيه.

قلنا: الجواب عنه من وجهين: الأول: أن الاشتراك خلاف الأصل فوجب أن يعتقد أن وزن الأفعال حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر وجعله حقيقة في التكوين مجازاً في الوجدان أولى من العكس وبيانه من وجوه: أحدها: أن مجيء بناء الأفعال بمعنى التكوين أكثر من مجيئه بمعنى الوجدان والكثرة دليل الرجحان.

وثانيها: أن مبادرة الفهم من هذا البناء إلى التكوين أكثر من مبادرته إلى الوجدان ومبادرة الفهم دليل الرجحان.

وثالثها: أنا إن جعلناه حقيقة في التكوين أمكن جعله مجازاً في الوجدان لأن العلم بالشيء تابع لحصول المعلوم، فجعل اللفظ حقيقة في المتبوع ومجازاً في التبع موافق للمعقول، أما لو جعلناه حقيقة في الوجدان مجازاً في الإيجاد لزم جعله حقيقة في التبع مجازاً في الأصل وأنه عكس المعقول فثبت أن الأصل جعل هذا البناء حقيقة في الإيجاد لا في الوجدان.

الوجه الثاني: في الجواب عن السؤال أنا نسلم كون اللفظ مشتركاً بالنسبة إلى الإيجاد وإلى الوجدان إلا أنا نقول يجب حمل قوله: ﴿ أَغْفَلْنَا ﴾ على إيجاد الغفلة وذلك لأن الدليل العقلي دل على أنه يمتنع كون العبد موجداً للغفلة في نفسه والدليل عليه أنه إذا حاول إيجاد الغفلة، فأما أن يحاول إيجاد مطلق الغفلة أو يحاول إيجاد الغفلة عن شيء معين والأول باطل، وإلا لم يكن بأن تحصل له الغفلة عن هذا الشيء أولى بأن تحصل له الغفلة عن شيء آخر، لأن الطبيعة المشترك فيها بين الأنواع الكثيرة تكون نسبتها إلى كل تلك الأنواع على السوية، أما الثاني فهو أيضاً باطل لأن الغفلة عن كذا عبارة عن غفلة لا تمتاز عن سائر أقسام الغفلات إلا بكونها منتسبة إلى ذلك الشيء المعين بعينه، فعلى هذا لا يمكنه أن يقصد إلى إيجاد الغفلة عن كذا إلا إذا تصور أن تلك الغفلة غفلة عن كذا، ولا يمكنه أن يتصور كون تلك الغفلة غفلة عن كذا إلا إذا تصور كذا لأن العلم بنسبة أمر إلى أمر آخر مشروط بتصور كل واحد من المنتسبين.

فثبت أنه لا يمكنه القصد إلى إيجاد الغفلة عن كذا إلا مع الشعور بكذا لكن الغفلة عن كذا ضد الشعور بكذا؛ فثبت أن العبد لا يمكنه إيجاد هذه الغفلة إلا عند اجتماع الضدين وذلك محال، والموقوف على المحال محال، فثبت أن العبد غير قادر على إيجاد الغفلة، فوجب أن يكون خالق الغفلات وموجدها في العباد هو الله، وهذه نكتة قاطعة في إثبات هذا المطلوب، وعند هذا يظهر أن المراد بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ ﴾ هو إيجاد الغفلة لا وجدانها، أما حديث المدح والذم فقد عارضناه مراراً وأطواراً بالعلم والداعي، أما قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ  ﴾ فالبحث عنه سيأتي إن شاء الله تعالى، أما قوله: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ ﴾ لو كان المراد إيجاد الغفلة لوجب ذكر الفاء، لا ذكر الواو، فنقول: هذا إنما يلزم لو كان خلق الغفلة في القلب من لوازمه حصول اتباع الهوى كما أن الكسر من لوازمه حصول الانكسار، وليس الأمر كذلك لأنه لا يلزم من حصول الغفلة عن الله حصول متابعة الهوى لاحتمال أن يصير غافلاً عن ذكر الله، ومع ذلك فلا يتبع الهوى بل يبقى متوقفاً لا ينافي مقام الحيرة والدهشة والخوف من الكل فسقط هذا السؤال، وذكر القفال في تأويل الآية على مذهب المعتزلة وجوهاً أخرى.

فأحدها: أنه تعالى لما صب عليهم الدنيا صباً وأدى ذلك إلى رسوخ الغفلة في قلوبهم صح على هذا التأويل أنه تعالى حصل الغفلة في قلوبهم كما في قوله تعالى: ﴿ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً  ﴾ .

والوجه الثاني: أن معنى قوله: ﴿ أَغْفَلْنَا ﴾ أي تركناه غافلاً فلم نسمه بسمة أهل الطهارة والتقوى وهو من قولهم بعير غفل أي لا سمة عليه.

وثالثها: أن المراد من قوله أغفلنا قلبه أي خلاه مع الشيطان ولم يمنع الشيطان منه فيقال في: الوجه الأول: إن فتح باب لذات الدنيا عليه هل يؤثر في حصول الغفلة في قلبه أو لا يؤثر، فإن أثر كان أثر إيصال اللذات إليه سبباً لحصول الغفلة في قلبه.

وذلك عين القول بأنه تعالى فعل ما يوجب حصول الغفلة في قلبه، وإن كان لا تأثير له في حصول هذه الغفلة بطل إسناده إليه، وقد يقال في: الوجه الثاني: إن قوله أغفلنا قلبه بمنزلة قوله سودنا قلبه وبيضنا وجهه ولا يفيد إلا ما ذكرناه، ويقال في الوجه الثالث إن كان لتلك التخلية أثر في حصول تلك الغفلة فقد صح قولنا، وإلا بطل استناد تلك الغفلة إلى الله تعالى.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتبع هَوَاهُ ﴾ يدل على أن شر أحوال الإنسان أن يكون قلبه خالياً عن ذكر الحق ويكون مملوءاً من الهوى الداعي إلى الاشتغال بالخلق وتحقيق القول أن ذكر الله نور وذكر غيره ظلمة لأن الوجود طبيعة النور والعدم منبع الظلمة، والحق تعالى واجب الوجود لذاته فكان النور الحق هو الله، وما سوى الله فهو ممكن الوجود لذاته.

والإمكان طبيعة عدمية فكان منبع الظلمة فالقلب إذا أشرق فيه ذكر الله فقد حصل فيه النور والضوء والإشراق، وإذا توجه القلب إلى الخلق فقد حصل فيه الظلم والظلمة بل الظلمات، فلهذا السبب إذا أعرض القلب عن الحق وأقبل على الخلق فهو الظلمة الخالصة التامة، فالإعراض عن الحق هو المراد بقوله: ﴿ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ﴾ والإقبال على الخلق هو المراد بقوله: ﴿ واتبع هَوَاهُ ﴾ .

المسألة الثالثة: قيل: ﴿ فُرُطًا ﴾ أي مجاوزاً للحد من قولهم: فرس فرط، إذا كان متقدماً الخيل، قال الليث: الفرط الأمر الذي يفرط فيه يقال كل أمر فلان فرط، وأنشد شعراً: لقد كلفني شططا *** وأمراً خائباً فرطا أي مضيعاً، فقوله وكان أمره فرطاً معناه أن الأمر الذي يلزمه الحفظ له والاهتمام به وهو أمر دينه يكون مخصوصاً بإيقاع التفريط والتقصير فيه، وهذه الحالة صفة من لا ينظر لدينه وإنما عمله لدنياه.

فبين تعالى من حال الغافلين عن ذكر الله التابعين لهواهم أنهم مقصرون في مهماتهم معرضون عما وجب عليهم من التدبر في الآيات والتحفظ بمهمات الدنيا والآخرة، والحاصل أنه تعالى وصف أولئك الفقراء بالمواظبة على ذكر الله والإعراض عن غير ذكر الله فقال: ﴿ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشى يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ ووصف هؤلاء الأغنياء بالإعراض عن ذكر الله تعالى والإقبال على غير الله وهو قوله: ﴿ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ واتبع هَوَاهُ ﴾ ثم أمر رسوله بمجالسة أولئك والمباعدة عن هؤلاء، روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنت جالساً في عصابة من ضعفاء المهاجرين وإن بعضهم ليستر بعضاً من العرى وقارئ يقرأ القرآن فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا كنتم تصنعون؟

قلنا: يا رسول الله كان واحد يقرأ من كتاب الله ونحن نستمع، فقال عليه السلام: «الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت إلى أن أصبر نفسي معهم ثم جلس وسطنا» وقال: «أبشروا يا صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار خمسين ألف سنة».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقال قوم من رؤساء الكفرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: نحِّ هؤلاء الموالي الذين كأن ريحهم ريح الضأن، وهم: صهيب وعمار وخباب وغيرهم من فقراء المسلمين، حتى نجالسك كما قال نوح: ﴿ أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون ﴾ [الشعراء: 111] فنزلت: ﴿ واصبر نَفْسَكَ ﴾ وأحبسها معهم وثبتها.

قال أبو ذؤيب: فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً ** تَرْسُوا إذَا نَفْسُ الْجَبَانِ تَطَلَّعُ ﴿ بالغداة والعشى ﴾ دائبين على الدعاء في كل وقت.

وقيل: المراد صلاة الفجر والعصر.

وقرئ: ﴿ بالغدوة ﴾ وبالغداة أجود؛ لأن غدوة علم في أكثر الاستعمال.

وإدخال اللام على تأويل التنكير كما قال: ......

وَالزَّيْدُ زَيْدُ المَعَارِكِ ونحوه قليل في كلامهم، يقال: عداه إذا جاوزه ومنه قولهم.

عدا طوره.

وجاءني القوم عدا زيداً.

وإنماعدي بعن، لتضمين عدا معنى نبا وعلا، في قولك: نبت عنه عينه وعلت عنه عينه: إذا اقتحمته ولم تعلق به.

فإن قلت: أي غرض في هذا التضمين؟

وهلا قيل: ولا تعدهم عيناك، أو لا تعل عيناك عنهم؟

قلت الغرض فيه إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم؟

ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم ﴾ [النساء: 2] أي ولا تضموها إليها أكلين لها.

وقرئ ﴿ ولا تعد عينيك، ولا تعدّ عينيك ﴾ من أعداه نقلا بالهمزة وتثقيل الحشو.

ومنه قوله: فَعُدْ عَمَّا تَرَى إذْ لاَ ارْتِجَاعَ لَهُ لأن معناه: فعد همك عما ترى.

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزدرى بفقراء المؤمنين، وأن تنبو عينه عن رثاثة زيهم طموحاً إلى زيّ الأغنياء وحسن شارتهم ﴿ تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا ﴾ في موضع الحال ﴿ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ ﴾ من جعلنا قلبه غافلاً عن الذكر بالخذلان.

أو وجدناه غافلاً عنه، كقولك: أجبنته وأفحمته وأبخلته، إذا وجدته كذلك.

أو من أغفل إبله إذا تركها بغير سمة، أي: لم نسمه بالذكر ولم نجعلهم من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان وقد أبطل الله توهم المجبرة بقوله ﴿ واتبع هواه ﴾ وقرئ ﴿ أغفلنا قلبه ﴾ بإسناد الفعل إلى القلب على معنى: حسبنا قلبه غافلين، من أغفلته إذا وجدته غافلاً ﴿ فُرُطًا ﴾ متقدّماً للحق والصواب نابذاً له وراء ظهره من قولهم (فرس فرط) متقدّم للخيل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ ﴾ مِنَ القُرْآنِ، ولا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ ﴾ .

﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ﴾ لا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى تَبْدِيلِها وتَغْيِيرِها غَيْرَهُ.

﴿ وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ مُلْتَجَأً عَلَيْهِ إنْ هَمَمْتَ بِهِ.

﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ ﴾ واحْبِسْها وثَبِّتْها.

﴿ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ في مَجامِعِ أوْقاتِهِمْ، أوْ في طَرَفَيِ النَّهارِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ « بِالغُدْوَةِ» وفِيهِ أنَّ غُدْوَةً عَلَمٌ في الأكْثَرِ فَتَكُونُ اللّامُ فِيهِ عَلى تَأْوِيلِ التَّنْكِيرِ.

﴿ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ﴾ رِضا اللَّهِ وطاعَتَهُ.

﴿ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ ﴾ ولا يُجاوِزُهم نَظَرُكَ إلى غَيْرِهِمْ، وتَعْدِيَتُهُ بِعَنْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى نَبَأٍ.

وقُرِئَ « ولا تَعْدِ عَيْنَيْكَ» « ولا تُعَدِّ» مِن أعْداهُ وعَدّاهُ.

والمُرادُ نَهْيُ الرَّسُولِ  أنْ يَزْدَرِيَ بِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ وتَعْلُوَ عَيْنُهُ عَنْ رَثاثَةِ زِيِّهِمْ طُمُوحًا إلى طَراوَةِ زِيِّ الأغْنِياءِ.

﴿ تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ حالٌ مِنَ الكافِ في المَشْهُورَةِ ومِنَ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ في غَيْرِها.

﴿ وَلا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ ﴾ مَن جَعَلْنا قَلْبَهُ غافِلًا.

﴿ عَنْ ذِكْرِنا ﴾ كَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ في دُعائِكَ إلى طَرْدِ الفُقَراءِ عَنْ مَجْلِسِكَ لِصَنادِيدِ قُرَيْشٍ.

وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الدّاعِيَ لَهُ إلى هَذا الِاسْتِدْعاءِ غَفْلَةُ قَلْبِهِ عَنِ المَعْقُولاتِ وانْهِماكُهُ في المَحْسُوساتِ، حَتّى خَفِيَ عَلَيْهِ أنَّ الشَّرَفَ بِحِلْيَةِ النَّفْسِ لا بِزِينَةِ الجَسَدِ، وأنَّهُ لَوْ أطاعَهُ كانَ مِثْلَهُ في الغَباوَةِ.

والمُعْتَزِلَةُ لَمّا غاظَهم إسْنادُ الإغْفالِ إلى اللَّهِ تَعالى قالُوا: إنَّهُ مِثْلُ أجْبَنْتُهُ إذا وجَدْتُهُ كَذَلِكَ أوْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ، أوْ مِن أغْفَلَ إبِلَهُ إذا تَرَكَها بِغَيْرِ سِمَةٍ أيْ لَمْ نُسَمِّهِ بِذِكْرِنا كَقُلُوبِ الَّذِينَ كَتَبْنا في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ، واحْتَجُّوا عَلى أنَّ المُرادَ لَيْسَ ظاهِرَ ما ذُكِرَ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ واتَّبَعَ هَواهُ ﴾ وجَوابُهُ ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وقُرِئَ « أغْفَلْنا» بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى القَلْبِ عَلى مَعْنى حَسِبْنا قَلْبَهُ غافِلِينَ عَنْ ذِكْرِنا إيّاهُ بِالمُؤاخَذَةِ.

﴿ وَكانَ أمْرُهُ فُرُطًا ﴾ أيْ تَقَدُّمًا عَلى الحَقِّ ونَبْذًا لَهُ وراءَ ظَهْرِهِ يُقالُ: فَرَسٌ فَرَطٌ أيْ مُتَقَدِّمٌ لِلْخَيْلِ ومِنهُ الفَرَطُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)

ولما قال قوم من رؤساء الكفرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم نحِّ هؤلاء الموالي وهم صهيب وعمار وخباب وسلمان وغيرهم من فقراء المسلمين

حتى نجالسك نزل {واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم}

واحبسها معهم وثبتها {بالغداة والعشى} دائبين على الدعاء في كل وقت أو بالغداة لطلب التوفيق والتيسير والعشي لطلب عفو التقصير أو هما صلاة الفجر والعصر بالغُدوة شامي {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} رضا الله {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} ولا تجاوز عداه إذا جاوزه وعدى بعن لنضمن عدا معنى نبا في قولك نبت عنه عينه وفائدة التضمين إعطاء مجموع معنيين وذلك أقوى من اعطاء معنى فذ {تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا} في موضع الحال {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} من جعلنا قلبه غافلاً عن الذكر وهو دليل لنا على أنه تعالى خالق أفعال العباد {واتبع هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} مجاوزاً عن الحق

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ ﴾ أيِ احْبِسْها وثَبِّتْها، يُقالُ: صَبَرْتُ زَيْدًا؛ أيْ: حَبَسْتُهُ، وفي الحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ صَبْرِ الحَيَوانِ؛ أيْ: حَبْسِهِ لِلرَّمْيِ، واسْتِعْمالُ ذَلِكَ في الثَّباتِ عَلى الأمْرِ وتَحَمُّلِهُ تَوَسُّعٌ، ومِنهُ الصَّبْرُ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ، ولَمْ يُجْعَلْ هَذا مِنهُ لِتَعَدِّي هَذا ولُزُومِهِ ﴿ مَعَ الَّذِينَ ﴾ أيْ: مُصاحَبَةً مَعَ الَّذِينَ ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ أيْ: يَعْبُدُونَهُ دائِمًا، وشاعَ اسْتِعْمالُ مِثْلِ هَذِهِ العِبارَةِ لِلدَّوامِ وهي نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: ضُرِبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، يُرِيدُونَ بِهِ ضُرِبَ جَمِيعُ بَدَنِهِ، وأبْقى غَيْرُ واحِدٍ الغَداةَ والعَشِيَّ عَلى ظاهِرِهِما ولَمْ يُرِدْ عُمُومَ الأوْقاتِ؛ أيْ: يَعْبُدُونَهُ في طَرَفَيِ النَّهارِ، وخُصّا بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما مَحَلُّ الغَفْلَةِ والِاشْتِغالِ بِالأُمُورِ، والمُرادُ بِتِلْكَ العِبادَةِ قِيلَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى، ورُوِيَ ذَلِكَ مِن طَرِيقِ مُغِيرَةَ عَنْ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: قِراءَةُ القُرْآنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيارِ، وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ المُرادَ بِها المُفاوَضَةُ في الحَلالِ والحَرامِ.

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ومُجاهِدٍ هي شُهُودُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وعَنْ قَتادَةَ شُهُودُ صَلاةِ الصُّبْحِ والعَصْرِ، وفِيما تَقَدَّمَ ما يُؤَيِّدُ ثانِيَ الأقْوالِ وفِيما بَعْدُ ما يُؤَيِّدُ ظاهِرُهُ أوَّلَها فَتَدَبَّرْ جِدًّا، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ فُقَراءُ الصَّحابَةِ؛ عَمّارٌ وصُهَيْبٌ وسَلْمانُ وابْنُ مَسْعُودٍ وبِلالٌ وأضْرابُهم قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ كَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وغَيْرِهِ مِن صَنادِيدِ أهْلِ مَكَّةَ: لَوْ أبْعَدْتَ هَؤُلاءِ عَنْ نَفْسِكَ لَجالَسْناكَ؛ فَإنَّ رِيحَ جِبابِهِمْ تُؤْذِينا فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ سَلْمانَ قالَ: «جاءَتِ المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم إلى رَسُولِ اللَّهِ  عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ جَلَسْتَ في صَدْرِ المَجْلِسِ وتَغَيَّبْتَ عَنْ هَؤُلاءِ وأرْواحِ جِبابِهِمْ، يَعْنُونَ سَلْمانَ وأبا ذَرٍّ وفُقَراءَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ عَلَيْهِمْ جِبابُ الصُّوفِ جالَسْناكَ أوْ حَدَّثْناكَ وأخَذْنا عَنْكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا ﴾ يَتَهَدَّدُهم بِالنّارِ».

ورَوى أبُو الشَّيْخِ عَنْ سَلْمانَ أنَّها «لَمّا نَزَلَتْ قامَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَلْتَمِسُهم حَتّى أصابَهم في مُؤَخَّرِ المَسْجِدِ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتّى أمَرَنِي أنْ أُصَبِّرَ نَفْسِي مَعَ رِجالٍ مِن أُمَّتِي مَعَكُمُ الحَياةَ والمَماتَ».

والآيَةُ عَلى هَذا مَدَنِيَّةٌ وعَلى الأوَّلِ مَكِّيَّةٌ، قالَ أبُو حَيّانَ: وهو أصَحُّ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وأقُولُ: أكْثَرُ الرِّواياتِ تُؤَيِّدُ الثّانِيَ، وعَلَيْهِ تَكُونُ الآياتُ مُسْتَثْناةً مِن حُكْمِ السُّورَةِ وكَمْ مِثْلُ ذَلِكَ، وقَدْ أخْرَجَ ما يُؤَيِّدُ الأوَّلَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ولَعَلَّ الآياتِ بَعْدُ تُؤَيِّدُهُ أيْضًا، والتَّعْبِيرُ عَنْ أُولَئِكَ بِالمَوْصُولِ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الخَصْلَةِ الدّاعِيَةِ إلى إدامَةِ الصُّحْبَةِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «بِالغَدْوَةِ» وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ مِن أنَّ بَعْضَ العَرَبِ يُنَكِّرُ غَدْوَةً فَيَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ غَدْوَةً بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنَّ الرَّضِيَّ قالَ: إنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمالُها نَكِرَةً اتِّفاقًا، والمَشْهُورُ أنَّ الأكْثَرَ اسْتِعْمالُها عَلَمَ جِنْسٍ مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ فَلا تَدْخُلُ عَلَيْها ألْ؛ لِأنَّهُ لا يَجْتَمِعُ في كَلِمَةٍ تَعْرِيفانِ، ومَتى أُرِيدَ إدْخالُها عَلَيْها قُصِدَ تَنْكِيرُها فَأُدْخِلَتْ كَما قُصِدَ تَنْكِيرُ العَلَمِ الشَّخْصِيِّ في قَوْلِهِ: وقَدْ كانَ مِنهم صاحِبٌ وابْنُ عَمِّهِ أبُو جَنْدَلٍ والزَّيْدُ زَيْدُ المَعارِكِ والقِراءَةُ المَذْكُورَةُ مُخَرَّجَةٌ عَلى ذَلِكَ، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ التَّخْرِيجَ الأوَّلَ وقالَ: إنَّهُ أحْسَنُ دِرايَةً ورِوايَةً؛ لِأنَّ التَّنْكِيرَ في العَلَمِ الشَّخْصِيِّ ظاهِرٌ، وأمّا في الجِنْسِيِّ فَفِيهِ خَفاءٌ؛ لِأنَّهُ شائِعٌ في إفْرادِهِ قَبْلَ تَنْكِيرِهِ فَتَنْكِيرُهُ إنَّما يُتَصَوَّرُ بِتَرْكِ حُضُورِهِ في الذِّهْنِ الفارِقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ النَّكِرَةِ، وهو خَفِيٌّ؛ فَلِذا أنْكَرَهُ الفَنارِيُّ في حَواشِيهِ عَلى التَّلْوِيحِ في تَنْكِيرِ رَجَبٍ عَلَمِ الشَّهْرِ انْتَهى، ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ.

وهَذِهِ الآيَةُ كَما في البَحْرِ أبْلَغُ مِنَ الَّتِي في الأنْعامِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ ﴾ بِذَلِكَ الدُّعاءِ ﴿ وجْهَهُ ﴾ أيْ: رِضاهُ سُبْحانَهُ وتَعالى دُونَ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ بِناءً عَلى ما قالَهُ الإمامُ السُّهَيْلِيُّ مِن أنَّ الوَجْهَ إذا أُضِيفَ إلَيْهِ تَعالى يُرادُ بِهِ الرِّضا والطّاعَةُ المَرْضِيَّةُ مَجازًا لِأنَّ مَن رَضِيَ عَلى شَخْصٍ يُقْبِلُ عَلَيْهِ، ومَن غَضِبَ يُعْرِضُ عَنْهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوَجْهِ الذّاتُ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ.

وقِيلَ: هو بِمَعْنى التَّوَجُّهِ، والمَعْنى: يُرِيدُونَ التَّوَجُّهَ إلَيْهِ تَعالى والزُّلْفى لَدَيْهِ سُبْحانَهُ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ «يَدْعُونَ» أيْ: يَدْعُونَ مُرِيدِينَ ذَلِكَ.

﴿ ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ ﴾ أيْ: لا تَصْرِفْ عَيْناكَ النَّظَرَ عَنْهم إلى أبْناءِ الدُّنْيا، والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ احْتِقارِهِمْ وصَرْفِ النَّظَرِ عَنْهم لِرَثاثَةِ حالِهِمْ إلى غَيْرِهِمْ فَعَدا بِمَعْنى صَرَفَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ وإلى آخَرَ بِعَنْ، قالَ في القامُوسِ يُقالُ: عَداهُ عَنِ الأمْرِ عَدُوًّا وعُدْوانًا صَرَفَهُ، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ وهو الَّذِي قَدَّرَ المَفْعُولَ كَما سَمِعْتَ، وقَدْ تَتَعَدّى عَدا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ بِعْنَ كَما تَتَعَدّى إلَيْهِ بِنَفْسِها فَتَكُونُ بِمَعْنى جاوَزَ وتَرَكَ؛ قالَ في القامُوسِ: يُقالُ: عَدا الأمْرَ وعَنْهُ جاوَزَهُ وتَرَكَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ عَلى ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَتْرُكْهم عَيْناكَ، وقِيلَ: إنَّ عَدا حَقِيقَةُ مَعْناهُ تَجاوَزَ كَما صَرَّحَ بِهِ الرّاغِبُ، والتَّجاوُزُ لا يَتَعَدّى بِعَنْ إلّا إذا كانَ بِمَعْنى العَفْوِ كَما صَرَّحُوا بِهِ أيْضًا وهو هُنا غَيْرُ مُرادٍ؛ فَلا بُدَّ مِن تَضْمِينِ عَدا مَعْنى نَبا وعَلا في قَوْلِكَ: نَبَتْ عَنْهُ عَيْنُهُ، وعَلَتْ عَنْهُ عَيْنُهُ، إذا اقْتَحَمَتْهُ ولَمْ تَعْلَقْ بِهِ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ثُمَّ قالَ: لَمْ يَقِلْ: ولا تَعْدُهم عَيْناكَ أوْ ولا تَعْلُ عَيْناكَ عَنْهم وارْتَكَبَ التَّضْمِينَ لِيُعْطِيَ الكَلامَ مَجْمُوعَ مَعْنَيَيْنِ؛ وذَلِكَ أقْوى مِن إعْطاءِ مَعْنًى فَذٍّ، ألا تَرى كَيْفَ رَجَعَ المَعْنى إلى قَوْلِكَ: ولا تُقْحِمْهم عَيْناكَ مُجاوِزَتَيْنِ إلى غَيْرِهِمْ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ التَّضْمِينَ لا يَنْقاسُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وإنَّما يُذْهَبُ إلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، أمّا إذا أمْكَنَ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى مَدْلُولِهِ الوَضْعِيِّ فَإنَّهُ يَكُونُ أوْلى، واعْتُرِضَ أيْضًا ما قِيلَ: بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ اتِّحادِ الفِعْلَيْنِ في المَعْنى اتِّحادُهُما في التَّعْدِيَةِ فَلا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ عَدا بِمَعْنى تَجاوَزَ أنْ يَتَعَدّى كَما يَتَعَدّى لِيُقالَ: إنَّ التَّجاوُزَ لا يَتَعَدّى بِعَنْ إلّا إذا كانَ بِمَعْنى العَفْوِ وهو غَيْرُ مُرادٍ، فَلا بُدَّ مِن تَضْمِينِ عَدا مَعْنى فِعْلٍ مُتَعَدٍّ بِعَنْ، ويَكْفِي كَلامُ القامُوسِ مُسْتَنَدًا لِمَن خالَفَ الزَّمَخْشَرِيَّ فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ.

وقَرَأ الحَسَنُ: «ولا تُعْدِ عَيْنَيْكَ» بِضَمِّ التّاءِ وسُكُونِ العَيْنِ وكَسْرِ الدّالِ المُخَفَّفَةِ مِن أعْداهُ، ونَصْبِ العَيْنَيْنِ، وعَنْهُ وعَنْ عِيسى والأعْمَشِ أنَّهم قَرَءُوا: «ولا تُعَدِّ عَيْنَيْكَ» بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ المَكْسُورَةِ مِن عَدّاهُ يُعَدِّيهِ ونَصْبِ العَيْنَيْنِ أيْضًا، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وصاحِبُ اللَّوامِحِ الهَمْزَةَ والتَّضْعِيفَ لِلتَّعْدِيَةِ.

وتَعَقَّبَ ذَلِكَ في البَحْرِ بِأنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ بَلِ الهَمْزَةُ والتَّضْعِيفُ في هَذِهِ الكَلِمَةِ لِمُوافَقَةِ أفْعَلَ وفَعَّلَ لِلْفِعْلِ المُجَرَّدِ وذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ أقَرَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّها قَبْلَ ذَيْنِكَ الأمْرَيْنِ مُتَعَدِّيَةٌ بِنَفْسِها إلى واحِدٍ، وعُدِّيَتْ بِعَنْ لِلتَّضْمِينِ، فَمَتى كانَ الأمْرانِ لِلتَّعْدِيَةِ لَزِمَ أنْ تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ مَعَ أنَّها لَمْ تَتَعَدَّ في القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ إلَيْهِما.

﴿ تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ أيْ: تَطْلُبُ مُجالَسَةَ مَن لَمْ يَكُنْ مِثْلَهم مِنَ الأغْنِياءِ وأصْحابِ الدُّنْيا، والجُمْلَةُ عَلى القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ حالٌ مِن كافِ ﴿ عَيْناكَ ﴾ وجازَتِ الحالُ مِنهُ لِأنَّهُ جُزْءُ المُضافِ إلَيْهِ، والعامِلُ عَلى ما قِيلَ مَعْنى الإضافَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وقالَ في الكَشْفِ: العامِلُ الفِعْلُ السّابِقُ كَما تَقَرَّرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا ﴾ ولَكَ أنْ تَقُولَ: هاهُنا خاصَّةً العَيْنُ مُقْحِمَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ولا يَبْعُدُ أنْ يُجْعَلَ حالًا مِنَ الفاعِلِ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ إمّا لِاتِّحادِ الإحْساسِ أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَكانِ الإقْحامِ أوْ لِلِاكْتِفاءِ بِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ أوْ لِأنَّهُما عُضْوٌ واحِدٌ في الحَقِيقَةِ، واسْتِبْشاعُ إسْنادِ الإرادَةِ إلى العَيْنِ مُنْدَفِعٌ بِأنَّ إرادَتَها كِنايَةٌ عَنْ إرادَةِ صاحِبِها، ألا تَرى إلى ما شاعَ مِن نَحْوِ قَوْلِهِمْ: يَسْتَلِذُّهُ العَيْنُ أوِ السَّمْعُ، وإنَّما المُسْتَلِذُّ الشَّخْصُ عَلى أنَّ الإرادَةَ يُمْكِنُ جَعْلُها مَجازًا عَنِ النَّظَرِ لِلَّهْوِ لا لِلْعِبَرِ اه.

ولا يَخْفى أنَّ فِيهِ عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ داعٍ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ لا يَجُوزُ مَجِيءُ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لِاخْتِلافِ العامِلِ في الحالِ وذِيها لا يَصْلُحُ داعِيًا لِظُهُورِ ضَعْفِهِ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّهُ لا فَرْقَ في جَوازِ كَوْنِ الجُمْلَةِ حالًا مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، أوِ المُضافُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُفَسَّرَ ﴿ تَعْدُ ﴾ بِتَجاوُزٍ، وتَقْدِيرِ أنْ تُفَسَّرَ بِتَصَرُّفٍ.

وخَصَّ بَعْضُهم كَوْنَها حالًا مِنَ المُضافِ إلَيْهِ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ وكَوْنِها حالًا مِنَ المُضافِ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي ولَعَلَّهُ أمْرٌ اسْتِحْسانِيٌّ، وذَلِكَ لِأنَّ في أوَّلِ الكَلامِ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي إسْنادُ ما هو مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ لَيْسَ إلّا وهو الصَّرْفُ إلى العَيْنِ فَناسَبَ إسْنادُ الإرادَةِ إلَيْها في آخِرِهِ لِيَكُونَ أوَّلُ الكَلامِ وآخِرُهُ عَلى طَرْزٍ واحِدٍ مَعَ رِعايَةِ ما هو الأكْثَرُ في أحْوالِ الأحْوالِ مِن مَجِيئِها مِنَ المُضافِ دُونَ المُضافِ إلَيْهِ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ عَدَمَ مُواجَهَةِ الحَبِيبِ  بِإسْنادِ إرادَةِ الحَياةِ الدُّنْيا إلَيْهِ صَرِيحًا وإنْ كانَتْ مَصَبَّ النَّهْيِ، ولَيْسَ في أوَّلِ الكَلامِ ذَلِكَ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ؛ إذِ الظّاهِرُ أنَّ التَّجاوُزَ لَيْسَ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ لا غَيْرُ، بَلْ يَتَّصِفُ بِهِ المُخْتارُ وغَيْرُهُ، مَعَ أنَّ في جَعْلِ الجُمْلَةِ حالًا مِنَ الفاعِلِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مَعَ قَوْلِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ؛ إنَّ المُتَجاوِزَ في الحَقِيقَةِ هو النَّظَرُ احْتِياجًا إلى اعْتِبارِ الشَّيْءِ وتَرْكِهِ في كَلامٍ واحِدٍ، ولَيْسَ لَكَ أنْ تَجْعَلَهُ اسْتِخْدامًا بِأنْ تُرِيدَ مِنَ العَيْنَيْنِ أوَّلًا النَّظَرَ مَجازًا وتُرِيدُ عِنْدَ عَوْدِ ضَمِيرِ ﴿ تُرِيدُ ﴾ مِنهُما الحَقِيقَةَ لِأنَّ التَّثْنِيَةَ تَأْبى ذَلِكَ، وإنِ اعْتُبِرَ ذَلِكَ أوَّلًا وآخِرًا ولَمْ يُتْرَكْ احْتِيجَ إلى مُؤَنٍ لا تَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ فَتَأمَّلْ وتَدَبَّرْ، وهي عَلى القِراءَتَيْنِ الشّاذَّتَيْنِ حالٌ مِن فاعِلِ الفِعْلِ المُسْتَتِرِ؛ أيْ: لا تَعْدُ أوْ لا تُعَدِّ عَيْنَيْكَ عَنْهم مُرِيدًا ذَلِكَ.

﴿ ولا تُطِعْ ﴾ في تَنْحِيَةِ الفُقَراءِ عَنْ مَجْلِسِكَ ﴿ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ ﴾ أيْ: جَعَلْنا قَلْبَهُ غافِلًا ﴿ عَنْ ذِكْرِنا ﴾ لِبُطْلانِ اسْتِعْدادِهِ لِلذِّكْرِ بِالمَرَّةِ؛ كَأُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَكَ إلى طَرْدِ الفُقَراءِ فَإنَّهم غافِلُونَ عَنْ ذِكْرِنا عَلى خِلافِ ما عَلَيْهِ أُولَئِكَ الفُقَراءُ مِنَ الدُّعاءِ في الغَداةِ والعَشِيِّ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الباعِثَ لَهم إلى اسْتِدْعاءِ الطَّرْدِ غَفْلَةُ قُلُوبِهِمْ عَنْ جَنابِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ ومُلاحَظَةِ المَعْقُولاتِ وانْهِماكِهِ في الحِسِّيّاتِ حَتّى خَفِيَ عَلَيْهِ أنَّ الشَّرَفَ بِحِلْيَةِ النَّفْسِ لا بِزِينَةِ الجَسَدِ.

ومَعْنى الذِّكْرِ ظاهِرٌ، وفَسَّرَهُ المُفَضَّلُ بِالقُرْآنِ.

والآيَةُ ظاهِرَةٌ في مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، وأوَّلَها المُعْتَزِلَةُ فَقِيلَ: المُرادُ أغْفَلْنا قَلْبَهُ بِالخِذْلانِ وهَذا هو التَّأْوِيلُ المَشْهُورُ عِنْدَهم في أمْثالِ ذَلِكَ، وحالُهُ مَعْلُومٌ عِنْدَكَ، وقِيلَ: المُرادُ صادَفْناهُ غافِلًا كَما في قَوْلِهِمْ: سَألْناكم فَما أفْحَمْناكم وقاتَلْناكم فَما أجَبْناكم.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُتَجَرَّأ عَلى تَفْسِيرِ فِعْلٍ أسْنَدَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ بِالمُصادَفَةِ الَّتِي تُفْهِمُ وِجْدانَ الشَّيْءِ بَغْتَةً عَنْ جَهْلٍ سابِقٍ وعَدَمِ عِلْمٍ، وقِيلَ: المُرادُ: نَسَبْناهُ إلى الغَفْلَةِ كَما في قَوْلِ الكُمَيْتِ: وطائِفَةٌ قَدْ أكْفَرُونِي بِحُبِّكم ∗∗∗ وطائِفَةٌ قالُوا مُسِيءٌ ومُذْنِبُ وهُوَ كَما تَرى، وقالَ الرُّمّانِيُّ: المُرادُ: لَمْ نَسِمْ قَلْبَهُ بِالذِّكْرِ ولَمْ نَجْعَلْهُ مِنَ القُلُوبِ الَّتِي كَتَبْنا فِيها الإيمانَ كَقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ مِن قَوْلِهِمْ: أغْفَلَ فُلانٌ إبِلَهُ إذا تَرَكَها غُفْلًا مِن غَيْرِ سِمَةٍ وعَلامَةٍ بِكَيٍّ ونَحْوِهِ، ومِنهُ إغْفالُ الخَطِّ لِعَدَمِ إعْجامِهِ فالإغْفالُ المَذْكُورُ اسْتِعارَةٌ لِجَعْلِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى الدّالِّ عَلى الإيمانِ بِهِ كالسِّمَةِ لِأنَّهُ عَلامَةٌ لِلسَّعادَةِ كَما جُعِلَ ثُبُوتُ الإيمانِ في القَلْبِ بِمَنزِلَةِ الكِتابَةِ، وهو تَأْوِيلٌ رَقِيقُ الحاشِيَةِ لَطِيفُ المَعْنى وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ؛ فَهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ لِمَن لَمْ يَكُنْ غَرَضُهُ مِنهُ الهَرَبَ مِن مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، واحْتَجَّ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ ظاهِرَ الآيَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ واتَّبَعَ هَواهُ ﴾ في طَلَبِ الشَّهَواتِ حَيْثُ أسْنَدَ اتِّباعَ الهَوى إلى العَبْدِ فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ فِعْلُهُ لا فِعْلُ اللَّهِ تَعالى، ولَوْ كانَ ذَلِكَ فِعْلَ اللَّهِ سُبْحانَهُ والإسْنادُ مَجازِيٌّ لَقِيلَ: فاتَّبَعَ بِالفاءِ السَّبَبِيَّةِ؛ لِتَفَرُّعِهِ عَلَيْهِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ فِعْلَ العَبْدِ لِكَوْنِهِ بِكَسْبِهِ وقُدْرَتِهِ، وخَلْقُ اللَّهِ تَعالى يَجُوزُ إسْنادُهُ إلَيْهِ بِالِاعْتِبارِ الأوَّلِ وإلى اللَّهِ تَعالى بِالثّانِي، والتَّنْصِيصُ عَلى التَّفْرِيعِ لَيْسَ بِلازِمٍ؛ فَقَدْ يُتْرَكُ لِنُكْتَةٍ كالقَصْدِ إلى الإخْبارِ بِهِ اسْتِقْلالًا؛ لِأنَّهُ أدْخَلُ في الذَّمِّ وتَفْوِيضًا إلى السّامِعِ في فَهْمِهِ ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ: فَقِيلَ: واتَّبَعَ هَواهُ.

وقَرَأ عُمَرُ بْنُ فائِدٍ ومُوسى الأسْوارِيُّ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: «أغْفَلَنا» بِفَتْحِ الفاءِ واللّامِ «قَلْبُهُ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلُ أغْفَلَنا، وهو عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِن أغْفَلَهُ إذا وجَدَهُ غافِلًا، والمُرادُ ظَنَنّا وحَسَبَنا غافِلِينَ عَنْ ذِكْرِنا لَهُ ولِصَنِيعِهِ بِالمُؤاخَذَةِ بِجَعْلِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى لَهُ كِنايَةً عَنْ مَجازاتِهِ سُبْحانَهُ، واسْتُشْكِلَ النَّهْيُ عَنْ إطاعَةِ أُولَئِكَ الغافِلِينَ في طَرْدِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ ورَدَ أنَّهم أرادُوا طَرْدَهم لِيُؤْمِنُوا فَكانَ يَنْبَغِي تَحْصِيلُ إيمانِهِمْ بِذَلِكَ، وغايَةُ ما يَلْزَمُ تَرَتُّبُ نَفْعٍ كَثِيرٍ وهو إيمانُ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ عَلى ضَرَرٍ قَلِيلٍ وهو سُقُوطُ حُرْمَةِ أُولَئِكَ البَرَرَةِ وفي عَدَمِ طَرْدِهِمْ لَزِمَ تَرَتُّبُ ضَرَرٍ عَظِيمٍ وهو بَقاءُ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ عَلى كُفْرِهِمْ عَلى نَفْعٍ قَلِيلٍ.

ومِن قَواعِدِ الشَّرْعِ المُقَرَّرَةِ: تُدْفَعُ المَفْسَدَةُ الكُبْرى بِالمَفْسَدَةِ الصُّغْرى، وأُجِيبَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ عَلِمَ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لا يُؤْمِنُونَ إيمانًا حَقِيقِيًّا بَلْ إنْ يُؤْمِنُوا يُؤْمِنُوا إيمانًا ظاهِرِيًّا، ومِثْلُهُ لا يُرْتَكَبُ لَهُ إسْقاطُ حُرْمَةِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ الأبْرارِ؛ فَلِذا جاءَ النَّهْيُ عَنِ الإطاعَةِ.

وقَدْ يُقالُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ عَلِمَ أنَّ طَرْدَ أُولَئِكَ الفُقَراءِ السّابِقِينَ إلى الإيمانِ المُنْقَطِعِينَ لِعِبادَةِ الرَّحْمَنِ وكَسْرِ قُلُوبِهِمْ وإسْقاطِ حُرْمَتِهِمْ لِجَلْبِ الأغْنِياءِ وتَطْيِيبِ خَواطِرِهِمْ يُوجِبُ نُفْرَةَ القُلُوبِ وإساءَةَ الظَّنِّ بِرَسُولِهِ  فَرُبَّما يَرْتَدُّ مَن هو قَرِيبُ عَهْدٍ بِإسْلامٍ ويَقِلُّ الدّاخِلُونَ في دِينِهِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ فَوْقَ ضَرَرِ بَقاءِ شِرْذِمَةٍ مِنَ الكُفّارِ عَلى الكُفْرِ؛ فَلِذا نَهى جَلَّ وعَلا عَنْ إطاعَةِ مَن أغْفَلَ قَلْبَهُ واتَّبَعَ هَواهُ ﴿ وكانَ أمْرُهُ ﴾ في اتِّباعِ الهَوى وتَرْكِ الإيمانِ ﴿ فُرُطًا ﴾ أيْ: ضَياعًا وهَلاكًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ مُتَقَدِّمًا عَلى الحَقِّ والصَّوابِ نابِذًا لَهُ وراءَ ظَهْرِهِ مِن قَوْلِهِمْ: فَرَسٌ فُرُطٌ أيْ: مُتَقَدِّمٌ لِلْخَيْلِ وهو في مَعْنى ما قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ مُخالِفًا لِلْحَقِّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفَرَطُ بِمَعْنى التَّفْرِيطِ والتَّضْيِيعِ؛ أيْ: كانَ أمْرُهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يَلْزَمَ ويَهْتَمَّ بِهِ مِنَ الدِّينِ تَفْرِيطًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإفْراطِ والإسْرافِ؛ أيْ: كانَ أمْرُهُ وهَواهُ الَّذِي هو سَبِيلُهُ إفْراطًا وإسْرافًا، وبِالإسْرافِ فَسَّرَهُ مُقاتِلٌ، والتَّعْبِيرُ عَنْ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ المُسْتَدْعِينَ طَرْدَ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ بِالمَوْصُولِ لِلْإيذانِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلنَّهْيِ عَنِ الإطاعَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثمّ قال تعالى: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ، يقول: اقرأ عليهم الذي أنزل إليك مِنْ كِتابِ رَبِّكَ، يعني: القرآن.

لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ يقول: لا مغير لنزول القرآن ولا خلف له، ويقال: ولا ينقص منه ولا يزاد فيه.

وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً، أي لا ملجأ يمنعك منه، ويقال: مُلْتَحَداً، أي: مانعاً يمنعك ويقال: معدلاً.

وإنما سمي اللحد لحداً، لأنه في ناحية، ويقال: معناه وإن زدت فيه أو نقصت منه، لن تجد من عذابه ملجأ.

وَاصْبِرْ نَفْسَكَ، يقول: واحبس نفسك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ، أي يصلون لله تعالى بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ، يعني: الصلوات الخمس.

قال ابن عباس: «نزلت الآية في سلمان، وصهيب، وعمار بن ياسر، وخباب بن الأرت، وعامر بن فهيرة، ونحوهم من الفقراء قالوا: بينا رسول الله  جالس ذات يوم، عنده سلمان على بساط منسق بالخوص أي منسوج إذ دخل عليه عيينة بن حصن الفزاري، فجعل يدفعه بمرفقه وينحيه، حتى أخرجه من البساط.

وكان على سلمان شملة قد عرق فيها فقال عيينة: إنَّ لنا شرفاً، فإذا دخلنا عليك فأخرج هذا أو اضربه، فو الله إنه ليؤذيني ريحه، أما يؤذيك ريحه؟

فإذا خرجنا من عندك، فأدخلهم وأذن لهم بالدخول إن بدا لك أن يدخلوا عليك، أو اجعل لنا مجلساً ولهم مجلساً، فنزل: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ ...

الآية يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، أي يطلبون رضاه.

وقال: وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ، أي لا تجاوزهم ويقال: لا تحتقرهم ولا تزدرهم.

تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا، أي ما قال عيينة بن حصن الفزاري وأمثاله وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا، أي عن القرآن، وَاتَّبَعَ هَواهُ في عبادة الأصنام.

وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً، أي ضياعاً.

وقال السدي: هلاكاً.

قال أبو عبيدة: ندماً.

وقال القتبي: أصله من العجلة والسبق.

قال المفسرون: أي سرفاً.

وقال الزجاج: تفريطا وهو العجز.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ، أي: ما أَسْمَعَهُ سبحانه، وما أبْصَرَهُ، قال قتادة:

لا أحَدَ أبْصَرُ مِنَ اللَّه، ولا أسْمَعَ «١» .

قال ع «٢» وهذه عبارةٌ عن الإِدراك، ويحتملُ أن يكون المعنى: أبْصِرْ به أي:

بوحيه وإِرشاده، هُدَاكَ، وحُجَجَكَ، والحَقَّ من الأمور، وأسْمِعْ به العَالَم، فتكون اللفظتان/ أمرين لا على وجْه التعجُّب.

وقوله سبحانه: مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ: الضمير في لَهُمْ يحتمل أنْ يرجع إِلى أهْلِ الكهْفِ، ويحتمل أنَّ يرجع إلى معاصري النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من الكُفَّار، ويكون في الآية تهديدٌ لهم.

وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨)

وقوله سبحانه: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ، أي: اتبع، وقيل: اسْرُدْ بتلاوتك ما أوحِيَ إليك من كتاب ربِك، لا نَقْضَ في قوله، ولا مُبَدِّلَ لكلماته، وليس لك سواه جَانِبٌ تميلُ إِليه، وتستند، و «المُلَتَحد» الجانب الذي يَمَالُ إِليه ومنه اللَّحْد.

ت قال النوويُّ: يستحبُّ لتالي القرآن إذا كان منفرداً أنْ يكون خَتْمُهُ في الصَّلاة، ويستحبُّ أن يكون ختمه أوَل الليلِ أو أول النهار، ورُوِّينا في مسند الإمام المُجْمَعِ على حْفظِهِ وجلالته وإِتقانه وبَرَاعته أبي محمَّدٍ الدَّارِمِيِّ رحمه اللَّه تعالى، عن سَعْدِ بنِ أبي وقَّاص رَضِيَ اللَّه عنه قَالَ: إِذَا وَافَقَ خَتْمُ القُرْآنِ أوَّلَ اللَّيّلِ، صَلَّتَ عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَإِنْ وَافَقَ خَتْمُهُ أَوَّلَ النَّهَارِ صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ حَتَّى يُمْسِي «٣» .

قال الدارمي: هذا حديثٌ حسنٌ وعن طلحة بن مُطَرِّفٍ، قال: مَنْ خَتَمَ القُرْآنَ أَيَّةَ سَاعَةٍ كَانَتْ مِنَ النَّهَار، صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلاَئكَةُ حَتَّى يُمْسِيَ، وأيَّةَ سَاعَةٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلاِئَكَةُ حَتَّى يصبح، وعن مجاهد نحوه انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ ﴾ في هَذِهِ التِّلاوَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى القِراءَةِ.

والثّانِي: بِمَعْنى الِاتِّباعِ.

فَيَكُونُ المَعْنى عَلى الأوَّلِ: اقْرَإ القُرْآَنَ، وعَلى الثّانِي: اتَّبِعْهُ واعْمَلْ بِهِ.

وقَدْ شَرَحْنا في ( الأنْعامِ: ١١٥ ) مَعْنى ﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ﴾ .

قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والفَرّاءُ: مَلْجَأً.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْدِلًا عَنْ أمْرِهِ ونَهْيِهِ.

وقالَ غَيْرُهُمْ: مَوْضِعًا تَمِيلُ إلَيْهِ في الِالتِجاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ المُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهم جاؤُوا إلى رَسُولِ اللهِ  : عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، وذَوُوهُمْ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ؛ لَوْ أنَّكَ جَلَسْتَ في صَدْرِ المَجْلِسِ ونَحَّيْتَ هَؤُلاءِ عَنّا - يَعْنُونَ: سَلْمانَ، وأبا ذَرٍّ، وفُقَراءَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ عَلَيْهِمْ جِبابُ الصُّوفِ - جَلَسْنا إلَيْكَ وأخَذْنا عَنْكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا ﴾ ، فَقامَ رَسُولُ اللهِ  يَلْتَمِسُهُمْ، حَتّى إذا أصابَهم في مُؤَخَّرِ المَسْجِدِ يَذْكُرُونَ اللَّهَ، قالَ: " الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتّى أمَرَنِي أنْ أُصَبِّرَ نَفْسِي مَعَ رِجالٍ مِن أُمَّتِي، مَعَكُمُ المَحْيا ومَعَكُمُ المَماتُ "»، هَذا قَوْلُ سَلْمانَ الفارِسِيِّ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ ؛ أيِ: احْبِسْها مَعَهم عَلى أداءِ الصَّلَواتِ ﴿ بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ .

وقَدْ فَسَّرْنا هَذِهِ الآَيَةَ في ( الأنْعامِ: ٥٢ ) إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ ﴾ ؛ أيْ: لا تَصْرِفْ بَصَرَكَ إلى غَيْرِهِمْ مِن ذَوِي الغِنى والشَّرَفِ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَرِيصًا عَلى إيمانِ الرُّؤَساءِ لِيُؤْمِنَ أتْباعُهُمْ، ولَمْ يَكُنْ مُرِيدًا لِزِينَةِ الدُّنْيا قَطُّ، فَأمَرَ أنْ يَجْعَلَ إقْبالَهُ عَلى فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ الجُمَحِيَّ دَعا رَسُولَ اللهِ  إلى طَرْدِ الفُقَراءِ عَنْهُ، وتَقْرِيبِ صَنادِيدِ أهْلِ مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو عُيَيْنَةُ وأشْباهُهُ.

ومَعْنى ﴿ أغْفَلْنا قَلْبَهُ ﴾ : جَعَلْناهُ غافِلًا.

وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ: ( مَن أغْفَلْنا ) بِفَتْحِ اللّامِ ورَفْعِ باءِ القَلْبِ.

﴿ عَنْ ذِكْرِنا ﴾ : عَنِ التَّوْحِيدِ والقُرْآَنِ والإسْلامِ، ﴿ واتَّبَعَ هَواهُ ﴾ في الشِّرْكِ.

﴿ وَكانَ أمْرُهُ فُرُطًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أفْرَطَ في قَوْلِهِ؛ لِأنَّهُ قالَ: إنّا رُؤُوسُ مُضَرٍ، وإنْ نُسْلِمْ يُسْلِمِ النّاسُ بَعْدَنا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ضَياعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَرَفًا وتَضْيِيعًا.

والثّالِثُ: نَدَمًا، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ.

والرّابِعُ: كانَ أمْرُهُ التَّفْرِيطُ، والتَّفْرِيطُ: تَقْدِيمُ العَجْزِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْناكَ عنهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُنْيا ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عن ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا ﴾ ﴿ وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عُظَماءَ الكُفّارِ قِيلَ: مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ عَيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وأصْحابُهُ، والأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، قالُوا لِرَسُولِ اللهِ  : لَوْ أبْعَدْتَ هَؤُلاءِ عن نَفْسِكَ لَجالَسْناكَ وصَحِبْناكَ، يُرِيدُونَ: عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، وصُهَيْبَ بْنَ سِنانٍ، وسَلْمانَ الفارِسِيَّ، وعَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وغَيْرَهم مِنَ الفُقَراءِ كَبِلالٍ ونَحْوِهِ، وقالُوا: إنَّ رِيحَ جِبابِهِمْ تُؤْذِينا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  خَرَجَ إلَيْهِمْ، وجَلَسَ بَيْنَهم وقالَ: « "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِن أُمَّتِي مَن أُمِرْتُ أنْ أصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُ"،» وَرُوِيَ أنَّهُ قالَ لَهُمْ: « "مَرْحَبًا بِالَّذِينِ عاتَبَنِي فِيهِمْ رَبِّي"،» ورَوى سَلْمانُ أنَّ المُؤَلَّفَةَ قُلُوبَهُمْ، عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، والأقْرَعَ، وذَوِيهِمْ قالُوا ما ذُكِرَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالآيَةُ -عَلى هَذا- مَدَنِيَّةٌ، ويُشَبَّهُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَكِّيَّةً، وفَعَلَ المُؤَلَّفَةُ فِعْلَ قُرَيْشٍ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِالآيَةِ.

و"اصْبِرْ" مَعْناهُ: احْبِسْ، ومِنهُ المَصْبُورَةُ الَّتِي جاءَ فِيها الحَدِيثُ « "نَهى رَسُولُ اللهِ  عن صَبْرِ الحَيَوانِ"،» أيْ: حَبْسِهِ لِلرَّمْيِ ونَحْوِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "بِالغَداةِ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "بِالغَدْوَةِ"، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ، وهي في الخَطِّ عَلى القِراءَتَيْنِ بِالواوِ، فَمَن يَقْرَأْها "بِالغَداةِ" فَيَكْتُبُها كَما تُكْتَبُ "الصَلاةُ والزِكْوَةُ"، وفي قِراءَةِ مَن قَرَأ: "بِالغَدْوَةِ" ضَعْفٌ؛ لِأنَّ "غَدْوَةَ" اسْمٌ مُعَرَّفٌ فَحَقُّهُ ألّا تُدْخِلَ عَلَيْهِ الألِفَ واللامَ، ووَجْهُ القِراءَةِ بِذَلِكَ أنَّهم ألْحَقُوها ضَرْبًا مِنَ التَنْكِيرِ؛ إذْ قالُوا: "جِئْتُ غَدْوَةً"، يُرِيدُونَ: مِنَ الغَدَواتِ، فَحَسُنَ دُخُولُ الألِفِ واللامِ، كَقَوْلِهِمُ: الفَيْنَةُ، وفَيْنَةُ اسْمٌ مُعَرَّفٌ.

والإشارَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ إلى الصَلَواتِ الخَمْسِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ.

وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ العَصْرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَدْخُلُ في الآيَةِ مَن يَدْعُو في غَيْرِ صَلاةٍ، ومَن يَجْتَمِعُ لِمُذاكَرَةِ عِلْمٍ.

وقَدْ رَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "لَذِكْرُ اللهِ بِالغَداةِ والعَشِيِّ أفْضَلُ مِن حَطْمِ السُيُوفِ في سَبِيلِ اللهِ، ومِن إعْطاءِ المالِ سَحًّا".» وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "بِالغُدُوِّ" دُونَ هاءٍ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بِالغَدَواتِ والعَشِيّاتِ" عَلى الجَمْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عنهُمْ ﴾ ، أيْ: لا تَتَجاوَزْ عنهم إلى أبْناءِ الدُنْيا والمَلابِسِ مِنَ الكُفّارِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلا تُعَدِّ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ العَيْنِ وشَدِّ الدالِّ المَكْسُورَةِ، أيْ: لا تُجاوِزْها أنْتَ عنهُمْ، ورُوِيَ عنهُ: "وَلا تُعْدِ" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ العَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مَن أغْفَلْنا ﴾ ، قِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ مُعَيَّنًا وهو عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، والأقْرَعُ، قالَهُ خِبابٌ، وقِيلَ: إنَّما أرادَ مِن هَذِهِ صَفَّتْهُ، وإنَّما المُرادُ أوَّلًا كُفّارُ قُرَيْشٍ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أغْفَلْنا قَلْبَهُ" بِنَصْبَ الباءِ، عَلى مَعْنى: جَعَلْناهُ غافِلًا، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ، ومُوسى الأسْوارِيُّ: "أغْفَلَنا قَلْبُهُ"، عَلى مَعْنى: أهْمَلَ ذِكْرَنا وتَرَكَهُ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ المَعْنى: مَن ظَنَّنا غافِلِينَ عنهُ، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: إنَّها قِراءَةُ عَمْرِو بْنِ عَبِيدٍ.

و"الفَرْطُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَفْرِيطِ والتَضْيِيعِ، أيْ أمْرُهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يَلْتَزِمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإفْراطِ والإسْرافِ، أيْ أمْرُهُ وهَواهُ الَّذِي هو بِسَبِيلِهِ، وقَدْ فَسَّرَ المُتَأوِّلُونَ بِالعِبارَتَيْنِ، أعْنِي التَضْيِيعَ والإسْرافَ، وعَبَّرَ عنهُ خِبابٌ بِالهَلاكِ، وداوُدُ بِالنَدامَةِ، وابْنُ زَيْدٍ بِالخِلافِ لِلْحَقِّ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ ﴾ الآيَةَ.

المَعْنى: وقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: هَذا الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ، أيْ: هَذا القُرْآنُ، أو هَذا الإعْراضُ عنكُمْ، وتَرْكُ الطاعَةِ لَكُمْ، وصَبْرُ النَفْسِ مَعَ المُؤْمِنِينَ.

وقَرَأ قُعْنُبٌ وأبُو السَمّالِ: "وَقُلَ" بِفَتْحِ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ رَدِيءٌ في العَرَبِيَّةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ﴾ الآيَةُ، تَوَعُّدٌ وتَهْدِيدٌ، أيْ: فَلْيَخْتَرْ كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ ما يَجِدُهُ غَدًا عِنْدَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

وتَأوَّلَتْ فِرْقَةٌ: فَمَن شاءَ اللهُ إيمانَهُ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ اللهُ كُفْرَهُ فَلْيَكْفُرْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُتَوَجِّهٌ، أيْ: فَحَقُّهُ الإيمانُ وحَقُّهُ الكُفْرُ، ثُمَّ عَبَّرَ عن ذَلِكَ بِلَفْظِ الأمْرِ إلْزامًا وتَحْرِيضًا مِن حَيْثُ لِلْإنْسانِ - في ذَلِكَ - التَكَسُّبُ الَّذِي بِهِ يَتَعَلَّقُ ثَوابُ الإيمانِ وعِقابُ الكُفْرِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ: "فَلِيُؤْمِن..

ولِيَكْفُرْ" بِكَسْرِ اللامَيْنِ.

و"أعْتَدْنا" مَأْخُوذٌ مِنَ العَتادِ، وهو الشَيْءُ المُعَدُّ الحاضِرُ.

و"السُرادِقُ" هو الجِدارُ المُحِيطُ كالحِجارَةِ الَّتِي تَدُورُ وتُحِيطُ الفُسْطاطَ، وقَدْ تَكُونُ مِن نَوْعِ الفُسْطاطِ أدِيمًا أو ثَوْبًا أو نَحْوَهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: يا حَكَمَ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودِ ∗∗∗ سُرادِقُ المَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودُ وَمِنهُ قَوْلُ سَلامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ: هو المُولِجُ النُعْمانَ بَيْتًا سَماؤُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ صُدُورُ الفُيُولِ بَعْدَ بَيْتٍ مُسَرْدَقٍ وقالَ الزَجاجُ: "السُرادِقُ": كُلُّ ما أحاطَ بِالشَيْءٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي أخَصُّ مِمّا قالَ الزَجاجُ.

واخْتُلِفَ في سُرادِقِ النارِ - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُرادِقُها حائِطٌ مِن نارٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سُرادِقُها دُخّانٌ يُحِيطُ بِالكُفّارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ  ﴾ .

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإحاطَةُ هي في الدُنْيا، والسُرادِقُ: البَحْرُ، ورُوِيَ هَذا المَعْنى مِن طَرِيقِ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ عَنِ النَبِيِّ  ، فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أحاطَ بِهِمْ ﴾ ، أيْ: بِالبَشَرِ، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ الحَدِيثَ عن يَعْلى، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "البَحْرُ هُو جَهَنَّمُ"،» وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: « "واللهِ لا أدْخُلُهُ أبَدًا، أو ما دُمْتُ حَيًّا"،» ورُوِيَ عنهُ أيْضًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ: « "لِسُرادِقِ النارِ أرْبَعَةُ جُدُرٍ كُثُفٍ، عَرْضُ كُلِّ جَدارٍ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً".» وقَوْلُهُ تَعالى: "يُغاثُوا" أيْ يَكُونُ لَهم مَقامُ الغَوْثِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِ الشاعِرِ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ أيِ: القائِمُ مَقامَ التَحِيَّةِ.

و"المُهْلُ"، قالَ أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَبِيِّ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هو دُرْدِيُّ الزَيْتِ إذا انْتَهى حَرُّهُ، وقالَتْ فَرِقَّةٌ: هو كُلُّ مائِعٍ سُخِّنَ حَتّى انْتَهى حَرُّهُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: كُلُّ ما أُذِيبَ مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو رَصاصٍ أو نَحْوَ هَذا مِنَ الفِلِزِّ حَتّى تَمَيَّعَ، ورُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ أُهْدِيَتْ إلَيْهِ سِقايَةٌ مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ فَأمَرَ بِها فَأُذِيبَتْ حَتّى تَمَيَّعَتْ وتَلَوَّنَتْ ألْوانًا، ثُمَّ دَعا مَن بِبابِهِ مِن أهْلِ الكُوفَةِ فَقالَ: ما رَأيْتُ في الدُنْيا شَيْئًا أدْنى شَبَهًا بِالمَهْلِ مِن هَذا، يُرِيدُ: أدْنى شَبَهًا بِشَرابِ أهْلِ النارِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "المُهْلُ": الصَدِيدُ والدَمُ إذا اخْتَلَطا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ في الكَفَنِ: "إنَّما هو لِلْمُهْلَةِ"، يُرِيدُ: لِما يَسِيلُ مِنَ المَيِّتِ في قَبْرِهِ، ويَقْوى هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن ماءٍ صَدِيدٍ  ﴾ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَشْوِي الوُجُوهَ ﴾ رُوِيَ في مَعْناهُ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "تُقَرَّبُ الشَرْبَةُ مِنَ الكافِرِ، فَإذا دَنَتْ مِنهُ تَكَرَّهَها، فَإذا دَنَتْ أكْثَرَ شَوَتْ وجْهَهُ وسَقَطَتْ فِيها فَرْوَةَ وجْهِهِ، وإذا شَرَبَ تَقَطَّعَتْ أمْعاؤُهُ".» و"المُرْتَفَقُ": الشَيْءُ الَّذِي يُرْتَفَقُ بِهِ، أيْ يَطْلُبُ رِفْقَهُ، و"المُرْتَفَقُ" الَّذِي هو المُتَّكَأُ أخَصُّ مِن هَذا الَّذِي في الآيَةِ؛ لِأنَّهُ في شَيْءٍ واحِدٍ مِن مَعْنى الرِفْقِ، عَلى أنَّ الطَبَرِيَّ قَدْ فَسَّرَ الآيَةَ بِهِ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ "المُرْتَفَقُ" بِمَعْنى الشَيْءِ الَّذِي يُطْلَبُ رَفْقِهِ بِاتِّكاءٍ وغَيْرِهِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: "المُرْتَفَقُ": المُجْتَمَعُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّهُ ذَهَبَ بِها إلى مَوْضِعِ الرَفاقَةِ، ومِنهُ الرُفْقَةُ، وهَذا كُلُّهُ راجِعٌ إلى الرِفْقِ، وأنْكَرَ الطَبَرِيُّ أنْ يَعْرِفَ لِقَوْلِ مُجاهِدٍ مَعْنًى، والقَوْلُ بَيِّنُ الوَجْهِ، واللهُ المُعِينُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشى يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا ﴾ .

هذا من ذيول الجواب عن مسألتهم عن أهل الكهف، فهو مشارك لقوله: ﴿ واتل ما أوحى إليك من كتاب ﴾ [الكهف: 27].

الآية وتقدم في سورة الأنعام (52) عند قوله تعالى: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ﴾ أن سادة المشركين كانوا زعموا أنه لولا أن من المؤمنين ناساً أهل خصاصة في الدنيا وأرقاء لا يدانوهم ولا يستأهلون الجلوس معهم لأتَوْا إلى مجالسة النبي واستمعوا القرآن، فاقترحوا عليْه أن يطردهم من حوله إذا غشيه سادة قريش، فرد الله عليهم بما في سورة الأنعام وما في هذه السورة.

وما هنا آكدُ إذْ أمرَه بملازمتهم بقوله: واصبر نفسك}، أي احبسها معهم حبس ملازمة.

والصبر: الشد بالمكان بحيث لا يفارقه.

ومنه سميت المَصْبورة وهي الدابة تشد لتُجعل غَرضاً للرمي.

ولتضمين فعل (اصبر) معنى الملازمة علق به ظرف (مع).

و ﴿ الغداة ﴾ قرأه الجمهور بألف بعد الدال: اسم الوقت الذي بين الفجر وطلوع الشمس.

والعَشي: المساء.

والمقصود أنهم يدعون الله دعاءً متخللاً سائر اليوم والليلة.

والدعاء: المناجاة والطلب.

والمراد به ما يشمل الصلوات.

والتعبير عنهم بالموصول للإيماء إلى تعليل الأمر بملازمتهم، أي لأنهم أحرياء بذلك لأجل إقبالهم على الله فهم الأجدر بالمقارنة والمصاحبة.

وقرأ ابن عامر ﴿ بالغَدْوَةِ ﴾ بسكون الدال وواو بعد الدال مفتوحة وهو مرادف الغداة.

وجملة ﴿ يريدون وجهه ﴾ في موضع الحال.

ووجه الله: مجاز في إقباله على العبد.

ثم أكّد الأمر بمواصلتهم بالنهي عن أقل إعراض عنهم.

وظاهر ﴿ ولا تعد عيناك عنهم ﴾ نَهْي العينين عن أن تَعْدُوَا عن الذين يدعون ربهم، أي أن تُجاوزاهم، أي تبعُدَا عنهم.

والمقصود: الإعراض، ولذلك ضمن فعل العَدْو معنى الإعراض، فعدي إلى المفعول ب (عن) وكان حقه أن يتعدى إليه بنفسه يقال: عداه، إذا جاوزه.

ومعنى نهي العينين نهي صاحبهما، فيؤول إلى معنى: ولا تعدّي عينيك عنهم.

وهو إيجاز بديع.

وجملة ﴿ تريد زينة الحياة الدنيا ﴾ حال من كاف الخطاب، لأن المضاف جزء من المضاف إليه، أي لا تكن إرادة الزينة سبب الإعراض عنهم لأنهم لا زينة لهم من بزة وسمت.

وهذا الكلام تعريض بحماقة سادة المشركين الذين جعلوا همهم وعنايتهم بالأمور الظاهرة وأهملوا الاعتبار بالحقائق والمكارم النفسية فاستكبروا عن مجالسة أهل الفضل والعقول الراجحة والقلوب النيرة وجعلوا همّهم الصور الظاهرة.

هذا نهي جامع عن ملابسة شيء مما يأمره به المشركون.

والمقصود من النهي تأسيس قاعدة لأعمال الرسول والمسلمين تُجاه رغائب المشركين وتأييس المشركين من نوال شيء مما رغبوه من النبي صلى الله عليه وسلم وما صدق (مَن) كل من اتصف بالصلة، وقيل نزلت في أمية بن خَلَف الجُمَحي، دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى طرد فقراء المسلمين عن مجلسه حين يجلس إليه هو وأضرابه من سادة قريش.

والمراد بإغفال القلب جعله غافلاً عن الفكر في الوحدانية حتى راج فيه الإشراك، فإن ذلك ناشئ عن خلقة عقول ضيفة التبصر مسوقة بالهوى والإلف.

وأصل الإغفال: إيجاد الغفلة، وهي الذهول عن تذكر الشيء، وأريد بها هنا غفلة خاصة، وهي الغفلة المستمرة المستفادة من جعل الإغفال من الله تعالى كناية عن كونه في خِلقة تلك القلوب، وما بالطبع لا يتخلف.

وقد اعتضد هذا المعنى بجملة ﴿ واتبع هواه ﴾ ، فإن اتباع الهوى يكون عن بصيرة لا عن ذهول، فالغفلة خلقة في قلوبهم، واتباع الهوى كسب من قدرتهم.

والفُرُط بضمتين: الظلم والاعتداء.

وهو مشتق من الفُروط وهو السبق لأن الظلم سبْق في الشر.

والأمر: الشأن والحال.

وزيادة فعل الكون للدلالة على تمكن الخبر من الاسم، أي حالة تمكن الإفراط والاعتداء على الحق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَلْجَأً، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ الشّاعِرُ: لا تُحْفِيا يا أخانا مِن مَوَدَّتِنا فَما لَنا عَنْكَ في الأقْوامِ مُلْتَحِدُ الثّانِي: مَهْرَبًا، قالَهُ قُطْرُبٌ، قالَ الشّاعِرُ: يا لَهْفَ نَفْسِي ولَهْفٌ غَيْرُ مُغْنِيَةٍ ∗∗∗ عَنِّي وما مِن قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحِدُ الثّالِثُ: مَعْدِلًا، قالَهُ الأخْفَشُ.

الرّابِعُ: ولِيًّا، قالَهُ قَتادَةُ.

وَمَعانِيها مُتَقارِبَةٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُونَ تَعْظِيمَهُ.

الثّانِي: يُرِيدُونَ طاعَتَهُ.

قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى النَّبِيِّ  بِالمَدِينَةِ فَلَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ قالَ: « (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِن أُمَّتِي مَن أُمِرْتُ أنْ أصْبِرَ مَعَهُمْ)» .

﴿ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَدْعُونَهُ رَغْبَةً ورَهْبَةً.

الثّانِي: أنَّهُمُ المُحافِظُونَ عَلى صَلاةِ الجَماعَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّها الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا رابِعًا: أنْ يُرِيدَ الدُّعاءَ في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ لِيَسْتَفْتِحُوا يَوْمَهم بِالدُّعاءِ رَغْبَةً في التَّوْفِيقِ، ويَخْتِمُوهُ بِالدُّعاءِ طَلَبًا لِلْمَغْفِرَةِ.

﴿ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِدُعائِهِمْ.

الثّانِي: بِعَمَلِ نَهارِهِمْ.

وَخَصَّ النَّهارَ بِذَلِكَ دُونَ اللَّيْلِ لِأنَّ عَمَلَ النَّهارِ إذا كانَ لِلَّهِ تَعالى فَعَمَلُ اللَّيْلِ أوْلى أنْ يَكُونَ لَهُ.

﴿ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولا تَتَجاوَزْهم بِالنَّظَرِ إلى غَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الدُّنْيا طَلَبًا لِزِينَتِها، حَكاهُ اليَزِيدِيُّ.

الثّانِي: ما حَكاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ «أنَّ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ قالَ لِلنَّبِيِّ  قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ: لَقَدْ آذانِي رِيحُ سَلْمانَ الفارِسِيِّ وأصْحابِهِ فاجْعَلْ لَنا مَجْلِسًا مِنكَ لا يُجامِعُونا فِيهِ، واجْعَلْ لَهم مَجْلِسًا لا نُجامِعُهم فِيهِ، فَنَزَلَتْ.

﴿ وَلا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا ﴾ » قَوْلُهُ ﴿ أغْفَلْنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: جَعَلْناهُ غافِلًا عَنْ ذِكْرِنا.

الثّانِي: وجَدْناهُ غافِلًا عَنْ ذِكْرِنا.

وَفي هَذِهِ الغَفْلَةِ لِأصْحابِ الخَواطِرِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها إبْطالُ الوَقْتِ بِالبَطالَةِ، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

الثّانِي: أنَّها طُولُ الأمَلِ.

الثّالِثُ: أنَّها ما يُورِثُ الغَفْلَةَ.

﴿ واتَّبَعَ هَواهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في شَهَواتِهِ وأفْعالِهِ.

الثّانِي: في سُؤالِهِ وطَلَبِهِ التَّمْيِيزَ عَنْ غَيْرِهِ.

﴿ وَكانَ أمْرُهُ فُرُطًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ضِيقًا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: مَتْرُوكًا، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّالِثُ: نَدَمًا قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الرّابِعُ: سَرَفًا وإفْراطًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الخامِسُ: سَرِيعًا.

قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

يُقالُ أفْرَطَ إذا أسْرَفَ وفَرَّطَ إذا قَصَّرَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ملتحداً ﴾ قال: ملجأ.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ ولن تجد من دونه ملتحداً ﴾ ما الملتحد؟

قال: المدخل في الأرض، قال فيه خصيب الضمري: يا لهف نفسي ولهف غير محدثه ** عليّ وما عن قضاء الله ملتحد وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان، عن سلمان قال: جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: عيينة بن بدر، والأقرع بن حابس، فقالوا: يا رسول الله، لو جلست في صدر المجلس وتغيبت عن هؤلاء وأرواح جبابهم- يعنون سلمان، وأبا ذر وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصفوف- جالسناك أو حادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله: ﴿ واتل ما أوحي إليك من كتاب رَبك ﴾ إلى قوله: ﴿ أعتدنا للظالمين ناراً ﴾ يهددهم بالنار.

وأخرج أبو الشيخ عن سلمان قال: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله، فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا والممات» .

وأخرج عبد بن حميد عن سلمان قال: نزلت هذه الآية فيّ وفي رجل دخل على النبي صلى الله عليه وسلم- ومعي شن خوص- فوضع مرفقه في صدري فقال: تَنَحَّ.

حتى ألقاني على البساط، ثم قال: يا محمد، إنا ليمنعنا كثيراً من أمرك هذا وضرباؤه، أن ترى لي قدماً وسواداً، فلو نَحّيْتَهُمْ إذا دخلنا عليك، فإذا خرجنا أذنت لهم إذا شئت.

فلما خرج أنزل الله: ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ﴾ إلى قوله: ﴿ وكان أمره فرطاً ﴾ .

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه، «عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ فخرج يلتمسهم فوجد قوماً يذكرون الله، فيهم ثائر الرأس وجاف الجلد وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم وقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم» .

وأخرج البزار عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: «جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقرأ سورة الحجر وسورة الكهف، فسكت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عمر بن ذر، عن أبيه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى نفر من أصحابه- منهم عبد الله بن رواحة- يذكرهم بالله، فلما رآه عبدالله سكت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذكّر أصحابك.

فقال: يا رسول الله، أنت أحق.

فقال: أما إنكم الملأ الذين أمرني أن أصبر نفسي معهم، ثم تلا ﴿ واصبر نفسك ﴾ الآية» .

وأخرج الطبراني في الصغير وابن مردويه من طريق عمر بن ذر: حدثني مجاهد عن ابن عباس قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن رواحة وهو يذكر أصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنكم للملأ الذين أمرني الله أن أصبر نفسي معهم.

ثم تلا ﴿ واصبر نفسك ﴾ الآية.

قال: إنه ما جلس عدتكم إلا جلس معه عدتهم جليسهم من الملائكة، إن سبّحوا الله سبحوه، وإن حَمَدوا الله حمدوه، وإن كبّروا الله كبروه...

يصعدون إلى الرب وهو أعلم فيقولون: ربنا، إن عبادك سبحوك فسبحنا، وكبروك فكبرنا، وحمدوك فحمدنا.

فيقول ربنا: يا ملائكتي أشهدكم أني قد غفرت لهم.

فيقولون: فيهم فلان الخطاء.

فيقول: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم» .

وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قاصّ يقص، فأمسك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قصّ، فلأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس، أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب» .

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وأبو نصر السجزي في الإبانة، «عن أبي سعيد قال: أتى علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ناس من ضعفة المسلمين، ورجل يقرأ علينا القرآن ويدعو لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم، ثم قال: بشر فقراء المسلمين بالنور التام يوم القيامة، يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، مقدار خمسمائة عام.

هؤلاء في الجنة يتنعمون وهؤلاء يحاسبون» .

وأخرج أحمد في الزهد، عن ثابت قال: «كان سلمان في عصابة يذكرون الله، فمر النبي فكفوا فقال: ما كنتم تقولون؟

قلنا: نذكر الله.

قال: فإني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها.

ثم قال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم» .

وأخرج أحمد عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم منادٍ من السماء أن: قوموا مغفوراً لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن نافع قال: أخبرني عبد الله بن عمر في هذه الآية ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ﴾ أنهم الذين يشهدون الصلوات المكتوبة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده في قوله: ﴿ واصبر نفسَكَ ﴾ الآية.

قال: نزلت في صلاة الصبح وصلاة العصر.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبيدالله بن عبدالله بن عدي بن الخيار في هذه الآية قال: هم الذين يقرأون القرآن.

وأخرج ابن مردويه من طريق جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ﴾ قال: نزلت في أمية بن خلف، وذلك أنه دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمر كرهه الله من طرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة، فأنزل الله: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ﴾ يعني، من ختمنا على قلبه، يعني التوحيد ﴿ واتبع هواه ﴾ يعني الشرك ﴿ وكان أمره فرطاً ﴾ يعني فرطا في أمر الله وجهالة بالله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن بريدة قال: دخل عيينة بن حصن على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم حار وعنده سلمان عليه جبة من صوف، فثار منه ريح العرق في الصوف، فقال عيينة: يا محمد، إذا نحن أتيناك فأخرج هذا وضرباءه من عندك؛ لا يؤذونا؛ فإذا خرجنا فأنت وهم أعلم.

فأنزل الله: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال: «حدثنا أن النبي صلى الله عليه وسلم تصدى لأمية بن خلف وهو ساه غافل عما يقال له، فأنزل الله: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قَلبَه ﴾ الآية.

فرجع إلى أصحابه وخلى عن أمية، فوجد سلمان يذكرهم فقال: الحمد لله الذي لم أفارق الدنيا حتى أراني أقواماً من أمتي أمرني أن أصبر نفسي معهم» .

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مغيرة، عن إبراهيم في قوله: ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال: هم أهل الذكر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر من طريق منصور، عن إبراهيم في قوله: ﴿ واصبر نفسَكَ ﴾ الآية.

قال: لا تطردهم عن الذكر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن أبي جعفر في الآية قال: أمر أن يصبر نفسه مع أصحابه يعلمهم القرآن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ مع الذين يدعون ربهم ﴾ قال: يعبدون ربهم.

وقوله: ﴿ ولا تعد عيناك عنهم ﴾ يقول: لا تتعداهم إلى غيرهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هاشم في الآية قال: كانوا يتفاضلون في الحلال والحرام.

وأخرج الحكيم الترمذي، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال: المفاضلة في الحلال والحرام.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن إبراهيم ومجاهد ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال: الصلوات الخمس.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: نزلت ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ﴾ في عيينة بن حصن؛ قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد آذاني ريح سلمان الفارسي، فاجعل لنا مجلساً معك لا يجامعنا فيه، واجعل لهم مجلساً منك لا نجامعهم فيه.

فنزلت.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وكان أمره فرطاً ﴾ قال: ضياعاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وقل الحق من ربكم ﴾ قال: الحق هو القرآن.

وأخرج حنيش في الاستقامة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ﴾ يقول: من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء الله له الكفر كفر، وهو قوله: ﴿ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ﴾ [ التكوير: 29] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ﴾ قال: هذا تهديد ووعيد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن رباح بن زياد قال: سألت عمر بن حبيب عن قوله: ﴿ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ﴾ قال: حدثني داود بن نافع أن مجاهداً كان يقول: فليس بمعجزي وعيد من الله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ أحاط بهم سرادقها ﴾ قال: حائط من نار.

وأخرج أحمد والترمذي وابن أبي الدنيا في صفة النار، وابن جرير وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السرادق النار أربعة جدر كافة، كل جدار منها أربعون سنة» .

وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه، وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن يعلى بن أمية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن البحر من جهنم ثم تلا ﴿ ناراً أحاط بهم سرادقها ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن قتادة أن الأحنف بن قيس كان لا ينام في السرادق ويقول: لم يذكر السرادق إلا لأهل النار.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ بماء كالمهل ﴾ ، قال: كعكر الزيت، فإذا أقرب إليه سقطت فروة وجهه فيه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ كالمهل ﴾ يقول: أسود كعكر الزيت.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطية قال: سئل ابن عباس عن المهل قال: ماء غليظ كدردي الزيت.

وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ كالمهل ﴾ قال: كدردي الزيت.

وأخرج عبد بن حميد عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: المهل، دردي الزيت.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك في قوله: ﴿ كالمهل ﴾ قال: المهل، دردي الزيت.

وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، عن ابن مسعود أنه سئل عن المهل فدعا بذهب وفضة، فإذا به قلما ذاب.

قال: هذا أشبه شيء بالمهل الذي هو شراب أهل النار، ولونه لون السماء، غير أن شراب أهل النار أشد حراً من هذا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ كالمهل ﴾ قال: القيح والدم أسود كعكر الزيت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ كالمهل ﴾ قال: أسود، وهي سوداء وأهلها سود.

وأخرج ابن المنذر عن خصيف قال: المهل، النحاس إذا أذيب فهو أشد حراً من النار.

وأخرج عبد بن حميد عن الحكم في قوله: ﴿ كالمهل ﴾ قال: مثل الفضة إذا أذيبت.

وأخرج عبد بن حميد، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ كالمهل ﴾ قال: أشد ما يكون حراً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: هل تدرون ما المهل؟

مهل الزيت: يعني آخره.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وساءت مرتفقاً ﴾ قال: مجتمعاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وساءت مرتفقاً ﴾ قال: منزلاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وساءت مرتفقاً ﴾ قال: عليها مرتفقون على الحميم حين يشربون، والإرتفاق هو المتكأ.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ مفسرا بما فيه من النزول، واختلاف القراءة في سورة الأنعام (١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ﴾ قال علي عن ابن عباس: (يقول لا تتعداهم إلى غيرهم) (٢) (٣) وقال الفراء: (لا تصرف عيناك عنهم) (٤) وقال الزجاج: (لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة) (٥)  -.

قوله تعالى: ﴿ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ قال المفسرون: (يعني مجالسة أهل الشرف والغنى) (٦) وقال أهل المعاني: (قوله: ﴿ تُرِيدُ ﴾ هاهنا في موضع الحال) (٧)  - حريصًا على إيمان الرؤساء طمعًا في إيمان أتباعهم، ولم ينسب إلى إرادة زينة الحياة الدنيا؛ لأنه لم يمل إلى الدنيا قط ولا إلى أهلها، وإنما كان يلين في بعض الأحيان للرؤساء طمعًا في إيمانهم، فعوتب بهذه الآية، وأمر بأن يجعل إقباله على المؤمنين، وأن لا يلتفت إلى غيرهم، ونهي أن يكون له حال يميل فيها إلى الأشراف دون الضعفاء، ومثل هذه الآية قوله: ﴿ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ لَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا ﴾ قال ابن عباس: (يريد عيينة وأباهه) (٨) وسئل أبو العباس عن قوله: ﴿ لَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا ﴾ فقال: (من جعلناه غافلاً.

قال: ويكون في الكلام أغفلته سميته غافلاً، ووجدته غافلاً) (٩) ﴿ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا ﴾ تركناه غُفْلا عن الذكر، كالأرض الغُفْل التي لا علامة بها، والكتاب الغُفْل الذي لا شكل عليه.

وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ قال مجاهد: (ضياعا) (١٠) (١١) (١٢) وقال أبو الهيثم: (أمر فرط، أي: متهاون به) (١٣) (١٤) الليث: (الفَرَطُ: الأمر الذي يُفَرَّط فيه، تقول: كل أمر فلان فَرَط) (١٥) (١٦) وقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد أنه أفرط في مسألته، وأحب أن يرتفع عند الله بغير تقوى) (١٧)  - والقرب منه، والتقدم على أهل الإيمان من غير طاعة وتقى.

وعلى هذا الفَرَط اسم من الإفراط وهو مجاوزة الحد، ونحو هذا روي عن مقاتل أنه قال في قوله: ﴿ فُرُطًا ﴾ قال: (سرفا) (١٨) قال الكلبي: (قال عيينة: إنا رؤوس مضر (١٩) (٢٠) وقال الفراء: (إنه أفرط في القول فقال: نحن رؤوس مضر وأشرافها، وليس كذلك) (٢١) (٢٢) (٢٣) ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا  ﴾ ، ومنه يقال: فرس فُرُط، أي: سريعة، قال لبيد (٢٤) فُرُط وشاحي إذ غدوتُ لجامها (١) عند قوله سبحانه في سورة الأنعام: 52: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ .

(٢) "جامع البيان" 15/ 234.

(٣) ذكرت نحوه كتب التفسير بلا نسبة انظر: "جامع البيان" 15/ 234، و"بحر العلوم" 2/ 297، و"النكت والعيون" 3/ 302، و"المحرر الوجيز" 9/ 293، و"زاد المسير" 5/ 132.

(٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 140.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 281.

(٦) "جامع البيان" 15/ 235، و"معالم التنزيل" 5/ 166، و"النكت والعيون" 3/ 302، و"زاد المسير" 5/ 133.

(٧) "الكشاف" 2/ 388، و"البحر المحيط" 6/ 119، و"الدر المصون" 7/ 474.

(٨) ذكره البغوي في "معالم التنزيل" 5/ 166 بدون نسبة، و"زاد المسير" 5/ 133، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 392.

(٩) "تهذيب اللغة" (غفل) 3/ 2681.

(١٠) "جامع البيان" 15/ 236، و"معالم التنزيل" 5/ 167، و"زاد المسير" 5/ 133، و"الدر المنثور" 4/ 399.

(١١) "معالم التنزيل" 5/ 167.

(١٢) "جامع البيان" 15/ 236، و"بحر العلوم" 2/ 297.

(١٣) "تهذيب اللغة" (فرط) 3/ 2773.

(١٤) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 281.

(١٥) "التفسير الكبير" 16/ 118، و"تهذيب اللغة" (فرط) 3/ 2773.

(١٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 140.

(١٧) ذكر نحوه بلا نسبة الألوسي في "روح المعاني" 15/ 265.

(١٨) "معالم التنزيل" 15/ 167، و"النكت والعيون" 3/ 302، و"البحر المحيط" 6/ 120، و"روح المعاني" 15/ 265.

(١٩) مضر: نسبة إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهو جد جاهلي تنتسب إليه كثير من القبائك العدنانية، وهو أخو ربيعة بن نزار.

انظر: "سير ابن هشام" 1/ 73، و"الأنساب" 5/ 318، و"الإيناس بعلم الإنساب" ص 29، و"المنتخب في ذكر أنساب قبائل العرب" ص 403.

(٢٠) ذكر نحوه البغوي في "معالم التنزيل" 5/ 167، و"زاد المسير" 5/ 133، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 392.

(٢١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 140.

(٢٢) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" بلا نسبة (فرط) 3/ 2773، و"لسان العرب" (فرط) 6/ 3391.

(٢٣) انظر: "تهذيب اللغة" (فرط) 3/ 2773، و"مقاييس اللغة" (فرط) 4/ 490، و"القاموس المحيط" (فرط) ص (681)، و"لسان العرب" 6/ 3391، و"الصحاح" (فرط) 3/ 1148.

وقال الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 15/ 236: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معناه ضياعًا وهلاكًا من قولهم: أفرط فلان في هذا الأمر إفراطًا، إذا أسرف فيه وتجاوز قدره.

وكذلك قوله ﴿ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا  ﴾ ، معناه وكان أمر هذا الذي أغفلنا قلبه عن ذكرنا في الرياء والكبر واحتقار أهل الإيمان سرفًا قد تجاوز حده فضيع بذلك الحق وهلك.

(٢٤) هذا عجز بيت لبيد، وصدره: ولقد حميتُ الخيل تحمل سكَّتى والفرَطُ: الفرس السريعة التي تتفرط الخيل أي تتقدمها.

وشاحي، لجامها: أن الفرسان كان أحدهم يتوشح اللجام، وتوشحه إياه أن يلقيه على عاتقه ويخرج يده منه.

انظر: "ديوانه" 315، و"تهذيب اللغة" (فرط) 3/ 2773، و"لسان العرب" (فرط) 6/ 3391، و"شرح القصائد العشر" للتبريزي 195.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ واصبر نَفْسَكَ ﴾ أي احبسها صابراً ﴿ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم ﴾ هم فقراء المسلمين: كبلال وخباب وصهيب وكان الكفار قد قالوا له: اطرد هؤلاء نجالسك نحن، فنزلت الآية ﴿ بالغداة والعشي ﴾ قيل: المراد الصلوات الخمس، وقيل: الدعاء على الإطلاق ﴿ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ﴾ أي لا تتجاوز عنهم إلى أبناء الدنيا، وقال الزمخشري: يقال عداه إذا جاوزه، فهذا الفعل يتعدى بنفسه دون حرف، وإنما تعدى هنا بعن لأنه تضمن معنى: نَبَتْ عينه عن الرجل إذا احتقره ﴿ تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا ﴾ جملة في موضع الحال فهي متصلة بما قبلها، وهي في معنى تعليل الفعل المنهي عنه في قوله: ولا تعد عيناك عنهم: أي لا تبعد عنهم من أجل إرادتك لزينة الدنيا ﴿ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ ﴾ أي جعلناه غافلاً أو وجدناه غافلاً، وقيل: يعني أنه عيينه بن حصن الفزاري، والأظهر أنها مطلقة من غير تقييد ﴿ فُرُطاً ﴾ من التفريط والتضييع، أو من الإفراط والإسراف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وفجرنا ﴾ بالتخفيف: سهل ويعقوب غير رويس ﴿ له ثمر ﴾ وكذا ﴿ بثمره ﴾ بفتح الثاء والميم: يزيد.

وعاصم وسهل ويعقوب وأبو عامر: بضم الثاء وإسكان الميم.

الباقون بضم الثاء والميم جميعاً ﴿ منها ﴾ على الوحدة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون على التثنية ﴿ لكن ﴾ بالتشديد من غير ألف في الحالين: قتيبة وابن عامر وابن فليح ويعقوب بالألف في الوصل.

الباقون بغير الألف واتفقوا على الألف في الوقف ﴿ بربي أحد ﴾ مفتوحة الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ أن ترني ﴾ فتح الياء: السرانديبي عن قنبل ﴿ غوراً ﴾ بضم الغين وكذلك في ﴿ الملك ﴾ البرجمي الباقون بفتحها.

﴿ ولم يكن له ﴾ بياء الغيبة ﴿ الولاية ﴾ بكسر الواو: حمزة وعلي وخلف.

الآخرون بتاء التأنيث وفتح الواو ﴿ لله الحق ﴾ بالرفع: أبو عمرو وعلي.

الآخرون بالجر ﴿ عقباً ﴾ بسكون القاف: عاصم وحمزة وخلف.

الباقون بضمها ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ من كتاب ربك ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ ملتحداً ﴾ ه ﴿ عنهم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستفهاماً محذوف الألف لدلالة حال العتاب.

﴿ فرطاً ﴾ ه ﴿ فليكفر ﴾ لا لأن الأمر للتهديد بدليل ﴿ إنا أعتدنا ﴾ فلو فصل صار مطلقاً ﴿ ناراً ﴾ ، لأن ما بعده صفة ﴿ سرادقها ﴾ ط ﴿ الوجوه ﴾ ط ﴿ الشراب ﴾ ط ﴿ مرتفقاً ﴾ ه ﴿ عملاً ﴾ ج ه لاحتمال كون ﴿ أولئك ﴾ مع ما بعده خبر ﴿ إن الذين ﴾ وقوله: ﴿ إنا لا نضيف ﴾ جملة معترضة ﴿ الأرائك ﴾ ط ﴿ الثواب ﴾ ط ﴿ مرتفقاً ﴾ ه ﴿ زرعاً ﴾ ه، ط ﴿ شيئاً ﴾ لا للعطف ﴿ نهراً ﴾ ه ط ﴿ ثمر ﴾ ج للعدول مع الفاء ﴿ نفراً ﴾ ، ج ﴿ لنفسه ﴾ ج لاتحاد العامل بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ه ط ﴿ قائمة ﴾ لا لأن ما بعده شك من قول الكافر في البعث ﴿ منقلباً ﴾ ه ﴿ رجلاً ﴾ ، ه ط لتمام الاستفهام ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ لا لاتمام المقول ﴿ إلا بالله ﴾ ج لابتداء الشرط المحذوف جوابه مع اتحاد القائل والمقول له ﴿ وولداً ﴾ ه، ج لاحتمال كون ما بعده جواباً للشرط ﴿ زلقاً ﴾ ه ﴿ طلباً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ منتصرا ﴾ ، ط وقيل: يوقف على ﴿ هنالك ﴾ والأوجه أن يبتدأ بـ ﴿ هنالك ﴾ أي عند ذلك يظهر لكل شاك سلطان الله ونفاد أمره ﴿ الحق ﴾ ط على القراءتين ﴿ عقباً ﴾ ه ﴿ الرياح ﴾ ط ﴿ مقتدراً ﴾ ه ﴿ زينة الحياة الدنيا ﴾ ج مفصلاً بين المعجل الفاني والمؤجل الباقي مع اتفاق الجملتين ﴿ أملاً ﴾ .

التفسير: لما أجب عن سؤالهم بما أجاب أمر نبيه  أن يواظب على تلاوة الكتاب الموحى إليه وعلى الصبر مع الفقراء الذين آمنوا بما أنزل عليه، واحتمل أن يكون ﴿ اتل ﴾ أمراً من التلو لا من التلاوة أي اتبع ما أوحي إليك والزم العمل بمقتضاه وقوله: ﴿ من كتاب ربك ﴾ بيان للذي أوحي إليه.

ثم بين سبب اللزوم فقال: ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ أي لا يقدر أحد على تغييرها وإنما يقدر على ذلك هو وحده فليس لك ولا لغيرك إلا المواظبة على العلم والعمل به يؤكده قوله: ﴿ ولن تجد من دونه ملتحداً ﴾ أي ملجأ تعدل إليه إن هممت بذلك فرضاً: وأصل اللحد الميل كما مر في قوله: ﴿ يلحدون في أسمائه  ﴾ نهى رسول الله  في سورة الأنعام عن طرد فقراء المؤمنين بقوله: ﴿ ولا تطرد الذين  ﴾ الآية وأمره في هذه السورة بحبس النفس معهم وبمراقبة أحوالهم بقوله: ﴿ ولا تعد عيناك ﴾ قال جار الله: إنما لم يقل ولا تعدهم عيناك من عداه إذا جاوزه لأنه ضمن عدا معنى نبا وفيه مبالغة من جهة تحصيل المعنيين جميعاً كأنه قيل: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم.

ثم نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء الكفرة الذين التمسوا منه طرد الفقراء حتى يؤمنوا به فقال: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه ﴾ قال أهل السنة: معنى الإغفال إيجاد الغفلة وخلقها فيهم، أو هو من أغفلها إذا تركها بغير سمة أي لم نسمه بالذكر ولم نجعله من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان، ويؤيد هذا المعنى أن الغفلة عن الذكر لو كانت بإيجاد العبد والقصد إلى إيجاد الغفلة عن الشي لا يتصور إلا مع الشعور بذلك الشيء لزم اجتماع الضدين.

وقالت المعتزلة: معنى أغفلناه وجدناه غافلاً بالخذلان والتخلية بينه وبين الأسباب المؤدية إلى الغفلة يؤيده قوله: ﴿ واتبع هواه ﴾ بالواو دون الفاء إذ لو كان اتباع الهوى من نتيجة خلق الغفلة في القلب لقيل" فاتبع" بالفاء.

ويمكن أن يجاب بأنه لا يلزم من كون الشيء في نفس الأمر نتيجة لشيء أن يعتبر كونه نتيجة له والفاء من لوازم الثاني دون الأول، على أن الملازمة بين الغفلة عن ذكر الله وبين متابعة الهوى غير كلية، فقد يكون الإنسان غافلاً عن ذكر الله ومع ذلك لا يتبع هواه بل يبقى متوقفاً متحيراً ﴿ وكان أمره فرطاً ﴾ أي متجاوزاً عن حد الاعتدال من قولهم "فرس فرط" إذا كان متقدماً للخيل، ويلزم منه أن يكون نابذاً للحق وراء ظهره.

وأنت إذا تأملت وجدت حال الأغنياء المتحيرين بخلاف الفقراء المؤمنين، لأن هؤلاء الفقراء يدعون ربهم بالغداة والعشى ابتغاء وجه الله وطلباً لمرضاته فأقبلوا على الحق وشغلوا عن الخلق، والأغنياء قد أعرضوا عن المولى وأقبلوا على الدنيا فوقعوا في ظلمة الهوى وبقوا في تيه الجهل والعمى.

وإنما لم يجز طرد الفقراء لأجل إيمان الأغنياء لأن إيمان من ترك الإيمان احترازاً من مجالسة الفقراء كلا إيمان فوجب أن لا يلتفت إليه.

ثم بين أن الحق ما هو ومن أين هو قائلاً ﴿ وقل الحق من ربكم ﴾ أي الدين الحق حصل ووجد من عند الله، ويحتمل أن يراد بالحق الصبر مع الفقراء.

وقال في الكشاف: الحق خبر مبتدأ محذوف والمعنى جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختيار الإيمان أو الكفر، وفيه دليل على أن الإيمان والكفر والطاعة والمعصية كلها مفوّضة إلى مشيئة العبد واختياره.

وحمله الأشاعرة على أمر التهديد وقالوا: إن الفعل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه، ثم ذلك القصد لا بد أن يقع بالاختيار والقصد فنقل الكلام إليه ولا يتسلسل فلا بد أن ينتهي إلى قصد واختيار يخلقه الله فيه.

فالإنسان مضطر في صورة مختار وفي صورة هذا التخيير دلالة على أنه  لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين.

ثم بين وعيد الظالمين الذين وضعوا الكفر موضع الإيمان وتحقير المؤمنين لأجل فقرهم مكان تعظيمهم لأجل إيمانهم فقال: ﴿ إنا أعتدنا ﴾ أي أعددنا وهيأنا ﴿ للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها ﴾ وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط فأثبت  للنار شيئاً شبيهاً بذلك يحيط بهم من جميع الجهات، والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرج.

وقيل: هو حائط من نار يطبق بهم.

وقيل: هو دخان محيط بالكفار قبل دخولهم النار وهو المراد بقوله ﴿ انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب  ﴾ وقوله: ﴿ يغاثوا بماء ﴾ وارد على سبيل التهكم كقولهم "عتابك السيف".

والمهل كل ما أذيب من المعدنيات كالذهب والفضة والنحاس قاله أبو عبيدة والأخفش.

وقيل في حديث مرفوع إنه درديّ الزيت.

وقيل: الصديد والقيح أو ضرب من القطران.

وهذه الاستغاثة إما لطلب الشراب كقوله: ﴿ تسقى من عين آنية  ﴾ وإما لدفع الحر ولأجل التبريد كقوله حكاية عنهم ﴿ أفيضوا علينا من الماء  ﴾ ويروى أنهم إذا استغاثوا من حر جهنم صب عليهم القطران الذي يعم كل أبدانهم كالقميص، وقد يفسر بهذا قوله: ﴿ سرابيلهم من قطران  ﴾ عن النبي  " "هو - يعني المهل - كعكر الزيت إذا قرب إليه سقطت فروة وجهه" وهذا معنى قوله: ﴿ يشوي الوجوه بئس الشراب ﴾ ذلك لأن المقصود من الشراب إراحة الأحشاء وهذا يحرقها ويشويها ﴿ وساءت ﴾ أي النار ﴿ مرتفقاً ﴾ متكئاً لأهلها ومنه المرفق لأنه يتكأ عليه.

قال جار الله: هذا لمشاكلة قوله في أهل الجنة ﴿ وحسنت مرتفقاً ﴾ وإلا فلا ارتفاق لأهل النار إلا أن يقال: معنى ارتفق أنه نصب مرفقه ودعم به خده كعادة المغتمين.

وقال قائلون: إن الشياطين رفقاء أهل النار من الإنس والمعنى ساءت النار مجتمعاً لأولئك الرفقاء.

ثم شرع في وعد المؤمنين فقال: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية فإن جعلت ﴿ إنا لا نضيّع ﴾ اعتراضاً فظاهر وإن جعلته خبراً و ﴿ أولئك ﴾ خبراً آخر أو كلاماً مستأنفاً للأجر أو بياناً لمبهم فمعنى العموم في ﴿ من أحسن ﴾ يقوم مقام الرابط المحذوف والتقدير ﴿ من أحسن عملاً ﴾ منهم.

وتفسير جنات عدن قد مر في سورتي "التوبة" و "الرعد".

ولأهل الجنة لباسان: لباس التحلي والباس الستر.

ولم يسم فاعل ﴿ يحلون ﴾ للتعظيم وهو الله جل وعلا، أو الملائكة بإذن.

و"من" في ﴿ من أساور ﴾ للابتداء وفي ﴿ من ذهب ﴾ للتبيين.

وتنكير أساور لإبهام أمرها في الحسن، وأساور أهل الجنة بعضها ذهب لهذه الآية، وبعضها فضة لقوله: ﴿ وحلوا أساور من فضة  ﴾ وبعضها لؤلؤ لقوله في الحج ﴿ ولؤلؤاً  ﴾ وجمع في لباس الستر بين السندس - وهو مارق من الديباج - وبين الاستبرق - وهو الغليظ منه - جمعاً بين النوعين والاستبرق عند بعضهم معرب استبره.

قيل: إنما لم يسم فاعل ﴿ يحلون ﴾ إشارة إلى أن الحلي تفضل الله بها عليهم كرماً وجوداً ونسب اللبس إليهم تنبيهاً على أنهم استوجبوه بعملهم، ثم وصفهم بهيئة المتنعمين والملوك من الاتكاء على أسرتهم.

والأرائك جمع أريكة وهو السرير المزين بالحجلة، أما السرير وحده فلا يسمى أريكة.

ثم إن الكفار كانوا يفتخرون بخدمهم وحشمهم وأموالهم وأصناف تمتعاتهم على الفقراء المؤمنين فضرب الله مثلاً للطائفتين تنبيهاً على أن متاع الدنيا لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الغني فقيراً والفقير غنياً إنما الفخر بالأعمال الصالحات.

والمراد مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين وكانا أخوين من بني إسرائيل أحدهما كافر- اسمه فطروس - والآخر مؤمن - اسمه يهوذا - وقيل: هما المذكوران في سورة "والصافات" في قوله: ﴿ قال قائل منهم إني كان لي قرين  ﴾ ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطراهما، فاشترى الكافر أرضاً بألف فقال المؤمن: اللَّهم إن أخي اشترى أرضاً بألف دينار وأنا أشتري منك أرضاً في الجنة بألف فتصدق به.

ثم بنى أخوه داراً بألف فقال: اللَّهم إن أخي بنى داراً بألف وإني أشتري منك داراً في الجنة بألف فتصدق به.

ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال: اللَّهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور.

ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف فقال: اللَّهم إني إشتريت منك الولدان المخلدين بألف فتصدق به.

ثم أصابته حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده وبخسه على التصدق بماله.

وقيل: هما مثل لأخوين من بني مخزوم مؤمن وهو عبد الله بن الأشد زوج أم سلمة قبل رسول الله  ، وكافر وهو الأسود بن عبد الأشد.

أما قوله: ﴿ وحففناهما بنخل ﴾ فقال صاحب الكشاف: إنه يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء ومعناه جعلنا النخيل محيطاً بالجنتين وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار ولا سيما المثمرة منها وخاصة النخيل إذا أمكن.

﴿ وجعلنا بينهما زرعاً ﴾ فهما جامعتان للأقوات والفواكه.

وفيه أنهما مع سعة أطرافهما وتباعد أكنافهما لم يتوسطهما بقعة معطلة، وفيه أنهما أتاني كل وقت بمنعفة أخرى متواصلة متشابكة وكل منهما منعوتة بوفاء الثمار لتمام الأكل.

﴿ وآتت ﴾ محمول على لفظ ﴿ كلتا ﴾ لأن لفظه مفرد.

ولو قيل: "آتتا".

على المعنى لجاز.

والظلم أصله النقصان وهو المراد ههنا.

﴿ وفجرنا ﴾ من قرأ بالتخفيف فظاهر لأنه نهر واحد، ومن قرأ بالتشديد فللمبالغة لأن النهر ممتد في وسطهما فهو كالأنهار ﴿ وكان له ثمر ﴾ قال الكسائي: الثمرة اسم الواحد والثمر جمع وجمعه ثمار ثم ثمر ككتاب وكتب بالحركة أو بالسكون.

وذكر أهل اللغة أن الثمر بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة وغيرهما، والثمر بالفتح حمل الشجر.

وقال قطرب: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: الثمر المال والولد أي كان يملك مع الجنتين أشياء من النقود وغيرها وكان متمكناً من عمارة الأرض ومن سائر التمتعات كيف شاء.

والمحاورة مراجعة الكلام من حار إذا رجع.

والنفر الأنصار والحشم الذين يقومون بالذب عنه.

وقيل: الأولاد الذكور لأنهم ينفرون معه دون الإناث.

ثم إن الكافر كأنه أخذ بيد المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويفاخره بما ملك من المال دونه وذلك قوله  ﴿ ودخل جنته ﴾ فقال جار الله: معنى أفراد الجنة بعد التثنية أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما.

قلت: لا يبعد أن يكون قد دخل مع أخيه جنةواحدة منهما أو جعل مجموع الجنتين في حكم جنة واحدة منهما يؤيده توحيد الضمير على أكثر القراآت في قوله: ﴿ لأجدن خيراً منها ﴾ وإنما وصفه بقوله: ﴿ وهو ظالم لنفسه ﴾ لأنه لما اغتر بتلك النعم ولم يجعلها وسيلة إلى الإيمان بالله والاعتراف بالبعث وسائر مقدورات الله كان واضعاً للنعم في غير موضعها، على أن نعمة الجنة بخصوصها مما يجب أن يستدل بها على أحوال النشور كقوله عز من قائل: ﴿ وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج  ﴾ عكس الكافر القضيتين زعم دوام جنته التي هي بصدد الزوال قائلاً ﴿ ما أظن أن تبيد ﴾ أي تهلك ﴿ هذه ﴾ الجنة ﴿ أبداً ﴾ وذلك لطول أمله واستيلاء الحرص عليه واغتراره بالمهلة حتى أنكر المحسوس وادعى غلبة الظن بامتناع النشور مع قيام الدلائل العقلية والحسية على إمكانه ووجود الدلائل الشرعية على وجوبه قائلاً ﴿ وما أظن الساعة قائمة ﴾ ثم أقسم على أنه إن رد إلى ره فرضاً وتقديراً وكما يزعم صاحبه أن له رباً وأنه سيرد إليه وجد خيراً من جنته في الدنيا كأنه قاس الغائب على الشاهد أو ادعى أن النعم الدنيوية لن تكون استدراجية أصلاً وإنما تكون استحقاقاً وكرامة.

﴿ منقلباً ﴾ نصب على التمييز أي مرجع تلك وعاقبتها لكونها باقية بزعمكم خير من هذه لكونها فانية حساً أو في اعتقادكم.

قال بعض العلماء: الرد يتضمن كراهة المردود إليه فلهذا قال: ﴿ ولئن رددت ﴾ أي عن جنتي هذه التي أظن أن لا تبيد أبداً إلى ربي، ولما لم يسبق مثل هذا المعنى في "حم" قال هناك: ﴿ ولئن رجعت إلى ربي  ﴾ ، قوله: ﴿ أكفرت ﴾ زعم الجمهور أن أخاه إنما حكم بكفره لأنه أنكر البعث.

وأقول: يحتمل أن يكون كافراً بالله أيضاً بل مشركاً لقوله بعد ذلك: ﴿ يا ليتني لم أشرك بربي أحداً ﴾ ولقول أخيه معرضاً به ﴿ لكنا هو الله ربي ﴾ وليس في قوله: ﴿ ولئن رددت إلى ربي ﴾ دلالة على أنه كان عارفاً بربه لاحتمال أن يكون قد قال ذلك بزعم صاحبه كما أشرنا إليه.

وقوله: ﴿ خلقك من تراب ﴾ أي خلق أصلك وهو إشارة إلى مادته البعيدة.

وقوله: ﴿ من نطفة ﴾ إشارة إلى مادته القريبة.

ومعنى ﴿ سوّاك رجلاً ﴾ عدلك وكلك حال كونك إنساناً ذكراً بالغاً مبلغ الرجال المكلفين ويجوز أن يكون ﴿ رجلاً ﴾ تمييزاً.

ولعل السر في تخصيص الله  في هذا المقام بهذا الوصف هو أن يكون دليلاً على وجود الصانع أولاً، لأن الاستدلال على هذا المطلوب بخلق الإنسان أقرب الاستدلالات، وفيه أيضاً إشارة إلى إمكان البعث لأن الذي قدر على الإبداء أقدر على الإعادة، وفيه أنه خلقه فقيراً لا غنياً علم منه أنه خلقه للعبودية والإقرار لا للفخر والإنكار، ثم استدرك لقوله ﴿ أكفرت ﴾ كأنه قال لأخيه: أنت كافر بالله لكني مؤمن موحد.

وأصل ﴿ لكنا ﴾ "لكن أنا" حذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على ما قبلها، ثم استثقل اجتماع النونين فسكنت الأولى وأدغمت في الثانية وضمير الغائب للشأن، والجملة بعده خبر للشأن، والمجموع خبر "أنا" والراجع ياء الضمير وتقدير الكلام: لكن أنا الشأن الله ربي.

قال أهل العربية: إثبات ألف "أنا" في الوصل ضعيف، ولكن قراءة ابن عامر قوية بناء على أن الألف كالعوض عن حذف الهمزة ﴿ ولولا ﴾ للتخفيض وفعله.

قلت: ﴿ وإذ دخلت ﴾ ظرف وقع في البين توسعاً.

وقوله: ﴿ ما شاء الله ﴾ خبر مبتدأ محذوف أو جملة شرطية محذوفة الجزاء تقدير الكلام الأمر ما شاء الله أو أي شيء شاء الله كان.

استدل أهل السنة بالآية في أنه لا يدخل في الوجود شيء إلا بأمر الله ومشيئته.

وأجاب الكعبي بأن المراد ما شاء الله مما تولى فعله لا ما هو من فعل العباد.

والجواب أن هذا التقدير مما يخرج الكلام عن الفائدة فإنه كقول القائل "السماء فوقنا".

وأجاب القفال بأنه أراد ما شاء الله من عمارة هذا البستان ويؤيده قوله ﴿ لا قوة إلا بالله ﴾ أي ما قويت به على عمارته وتدبير أمره فهو بمعونة الله، وزيف بأنه تخصيص للظاهر من غير دليل على أن عمارة ذلك البستان لعلها حصلت بالظلم والعدوان، فالتحقيق أنه لا قوة لأحد على أمر من الأمور إلا بإعانة الله وإقداره.

عن عروه بن الزبير أنه كان يثلم حائطه أيام الرطب فيدخل من يشاء، وكان إذا دخله ردد هذه الآية حتى يخرج.

ثم لما علمه الإيمان وتفويض الأمر إلى مشيئة الله أجابه عن افتخاره بالمال والنفر فقال: ﴿ إن ترن أنا أقل ﴾ فـ"أنا" فصل و ﴿ أقل ﴾ مفعول ثان ﴿ مالاً وولداً ﴾ نصب على التمييز ﴿ فعسى ربي أن يؤتيني ﴾ في الدنيا أو في الآخرة جنة ﴿ خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً ﴾ هو مصدر كالغفران بمعنى الحساب أي مقداراً وقع في حساب الله وهو الحكم بتخريبها.

وعن الزجاج: عذاب حسبان وهو حساب ما كسبت يداك.

وقيل: هو جمع حسبانة وهو السهم القصير يعني الصواعق.

﴿ فتصبح صعيداً زلقاً ﴾ أرضاً بيضاء يزلق عليها زلقاً لملاستها.

وزلقاً وغوراً كلاهما بالمصدر كقولهم "فلان زور وصوم".

ثم أخبر  عن تحقيق ما قدر المؤمن فقال: ﴿ وأحيط بثمره ﴾ وهو عبارة عن إهلاكه وإفنائه بالكلية من إحاطة العدوّ بالشخص كقوله: ﴿ إلا أن يحاط بكم  ﴾ ، ﴿ فأصبح يقلب كفيه ﴾ أي يندم ﴿ على ما أنفق فيها ﴾ لأن النادم يفعل كذلك غالباً كما قد يعض أنامله.

﴿ وهي خاوية على عروشها ﴾ أي سقطت عروشها على الأرض وسقطت فوقها الكروم وقد مر في البقرة في قصة عزير.

وقوله: ﴿ يا ليتني لم أشرك ﴾ تذكر لموعظة أخيه وفيه دلالة ظاهرة على ما قلنا من أنه كان غير عارف بالله بل كان عابد صنم، ومن ذهب إلى أنه جعل كافراً لإنكاره البعث فسره بأن الكافر لما اغتر بكثرة الأموال والأولاد فكأنه أثبت لله شريكاً في إعطاء العز والغنى، أو أنه لما عجز الله عن البعث فقد جعله مساوياً لخلقه في هذا الباب وهو نوع من الإشراك.

وليس هذا الكلام منه ندماً على الشرك ورغبة في التوحيد المحض ولكنه رغب في الإيمان رغبة في جنته وطمعاً في دوام ذلك عليه، فلهذا لم يصر ندمه مقبولاً ووصفه بعد ذلك بقوله: ﴿ ولم يكن له فئة ﴾ طائفة ﴿ ينصرونه من دون الله ﴾ لأنه وحده قادر على نصرة العباد.

﴿ وما كان منتصراً ﴾ ممتنعاً بقوته عن انتقام الله.

ولما علم من قصة الرجلين أن النصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر علم أن الأمر هكذا يكون في حق كل مؤمن وكافر فقيل ﴿ هنالك ﴾ أي في مثل ذلك الوقت والمقام والولاية الحق لله أو ﴿ الولاية لله الحق ﴾ والولاية بالفتح النصرة والتولي، وبالكسر السلطان والملك، أو المراد في مثل تلك الحالة الشديدة يتوب إلى الله ويلتجىء إليه كل مضطر يعني أن قول الكافر ﴿ يا ليتني ﴾ إنما صدر عنه إلجاءً واضطراراً وجزعاً ومما دهاه من شؤم كفره ولولا ذلك لم يقلها.

وقيل: ﴿ هنالك ﴾ إِشارة إلى الآخرة كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله  ﴾ ﴿ عقباً ﴾ بضم القاف وسكونها بمعنى العاقبة لأن من عمل لوجه الله لم يخسر قط.

ثم ضرب مثلاً آخر لجبابرة قريش فقال ﴿ واضرب لهم ﴾ الآية.

وقد مر مثله في أوائل "يونس" ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا كماء ﴾ ومعنى ﴿ فاختلط به ﴾ التف بسببه.

وقيل: معناه روى النبات ورف لاختلاط الماء به وذلك لأن الاختلاط يكون من الجانبين.

والهشيم ما تهشم وتحطم، والذر والتطيير والإذهاب.

تقول: ذرت الريح التراب وغيره تذروه وتذريه ذرواً وذرياً.

﴿ وكان الله على كل شيء مقتدراً ﴾ من تكونيه أوّلاً وتنميته وسطاً وإذهابه آخراً.

ولا ريب أن أحوال الدنيا أيضاً كذلك تظهر أولاً في غاية الحسن والنضارة، ثم تتزايد إلى أن تتكامل، ثم تنتهي إلى الزوال والفناء، ومثل هذا ليس للعاقل أن يبتهج به.

وحين مهد القاعدة الكلية خصصها بصورة جزئية فقال: ﴿ المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات ﴾ هي أعمال الخير التي تبقى ثمرتها ﴿ خير عند ربك ثواباً ﴾ أي تعلق ثواب وخير أملاً لأن الجواد المطلق أفضل مسؤول وأكرم مأمول.

وقيل: هن الصلوات الخمس.

وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

ففي التسبيح تنزيه له عن كل مالاً ينبغي، وفي الحمد إقرار له بكونه مبدأ لإفادة كل ما ينبغي، وفي التهليل اعتراف بأنه لا شيء في الإمكان متصفاً بالوصفين إلا هو، وفي التكبير إذعان لغاية عظمته وأنه أجلّ من أن يعظم.

وقيل: الطيب من القول.

والأصح كل عمل أريد به وجه الله وحده قاله قتادة.

التأويل: ﴿ واتل ﴾ على نفسك ﴿ وما أوحي إليك من كتاب ﴾ كتبه ﴿ ربك ﴾ في الأزل ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ إلى الأبد مع الذين ﴿ يدعون ربهم ﴾ وهم القلب والسر والروح والخفى في غداة الأزل إلى عشي الأبد فإنهم مجبولون على طاعة الله كما أن النفس جبلت على طاعة الهوى وطلب الدنيا.

﴿ ولا تعد ﴾ عينا همتك ﴿ عنهم ﴾ فإنك إن لم تراقب أحوالهم تصرف فيهم النفس الأمارة ﴿ ولا تطع من أغفلنا ﴾ يعني: النفس ناراً هي نار القهر والغضب ﴿ أحاط بهم سرادقها ﴾ يعني سرادق العزة ﴿ بماء كالمهل ﴾ كل ما هو لأهل اللطف أسباب لسهولة العيش وفراغ البال فإنه  جعل لأهل القهر سبباً لصعوبة الأمر وشدة التعلق حتى شوت الوجوه أي أحرقت مواد التفاتهم إلى عالم الأرواح، وفسدت استعداداتهم فبقوا في أسفل سافلين الطبيعة ﴿ يحلون فيها من أساور ﴾ والتحلية بالأساور إشارة إلى ظهور آثار الملكات عليهم وقوله: ﴿ من ذهب ﴾ رمز إلى أنها ملكات مستحسنة معتدلة راسخة ﴿ يلبسون ثياباً ﴾ فيه أن أنوار العبادات تلوح عليهم وتشتمل بهم.

وقوله: ﴿ خضراً ﴾ إشارة إلى أنها أنوار غير قاهرة و ﴿ من سندس ﴾ إشارة إلى ما لطف من الرياضات ﴿ واستبرق ﴾ إلى ما شق منها ﴿ متكئين فيها على الأرائك ﴾ لأنهم فرغوا بها وكلفوا وقضوا ما عليهم من المجاهدات وبقي ما لهم من المشاهدات ﴿ مثلاً رجلين ﴾ هما النفس الكافرة والقلب المؤمن.

﴿ جعلنا لأحدهما ﴾ وهو النفس ﴿ جنتين ﴾ هما الهوى والدنيا ﴿ من أعناب ﴾ الشهوات ﴿ وحففناهما بنخل ﴾ حب الرياسة ﴿ وجعلنا بينهما زرعاً ﴾ من التمتعات البهيمية ﴿ وفجرنا خلالهما نهراً ﴾ من القوى البشرية والحواس.

﴿ وكان له ثمر ﴾ من أنواع الشهوات ﴿ وهو يحاوره ﴾ يجاذب النفس والقلب ﴿ أنا أكثر منك مالاً ﴾ أي ميلاً ﴿ وأعز نفراً ﴾ من أوصاف المذمومات ﴿ وهو ظالم لنفسه ﴾ في الاستمتاع بجنة الدنيا على وفق الهوى ﴿ لأجدن خيراً منها ﴾ لأنه غر بالله وكرمه فلا جرم يقال له ما غرك بربك الكريم، هلا قلت ﴿ ما شاء الله ﴾ أي أتصرف في جنة الدنيا كما شاء الله ﴿ على ما أنفق فيها ﴾ من العمر وحسن الاستعداد ﴿ كما أنزلناه ﴾ هو الروح العلوي الذي نزل إلى أرض الجسد ﴿ فاختلط ﴾ الروح بالأخلاق الذميمة ﴿ فأصبح هشيماً ﴾ تلاشت منه نداوة الأخلاق الروحانية ﴿ تذروه ﴾ رياح الأهوية المختلفة فيكون حاله خلاف روح أدركته العناية الأزلية فبعث إليه دهقان من أهل الكمال فرباه بماء العلم والعمل حتى يصير شجرة طيبة.

﴿ والباقيات الصالحات ﴾ أي ما فني منك وبقي بربك والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ﴾ .

يحتمل: ﴿ كِتَابِ رَبِّكَ ﴾ : اللوح المحفوظ، أي: بلغ ما أوحي إليك من اللوح الذي عند الله من متلو [وغير متلو]؛ كقوله: ﴿ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ  ﴾ وهو جميع ما أنزل إليه من المتلو وغير المتلو.

ويحتمل: ﴿ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ﴾ : الكتاب الذي أنزل عليه، وهو القرآن، أي: اتل عليهم ذلك الكتاب، فإن كان هذا ففيه أن القرآن مما يتقرب بتلاوته.

ثم في قوله: ﴿ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ ﴾ فريضة ضيعناها؛ وذلك أنه أمر رسوله بتبليغ رسالته وما أنزل إليه، ثم معلوم أن من كان في أقصى الدنيا وأبعد أطرافها لم يقدر رسوله أن يتولى التبليغ بنفسه وكذلك بعد وفاته لا يجوز أن يتولى بتبليغه، فكان ذلك القيام يلزم المسلمين وأئمتهم بتبليغه فضيعوا ذلك؛ ولهذا ما رخص - والله أعلم - بدخول المسلمين دار الحرب للتجارة، ودخول أولئك دار الإسلام للتجارة أيضاً؛ لينتهي إليهم خبر هذا الدين؛ حيث علم أنه يكون أئمة في آخر الزمان لا يهتمون لدينه ولا يتولون بتبليغ ما أمروا بتبليغه، ويضيعون أمره، فيلزمهم حجة الله، وإلا ما الحاجة في تلك التجارة والأموال التي يتجرون فيها؟!

ولكن ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ : قال بعضهم: لا مبدل لسنته؛ إذ سنته في المكذبين الإهلاك، والمصدقين النجاة، هذا سنته وإن أمكن تعجيلها وتأخيرها، فأما نفس سنته فهي لا تبدل ولا تحول؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً  ﴾ و ﴿ تَبْدِيلاً  ﴾ .

وقال الحسن في قوله: ﴿ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ : ما وعد وأوعد لهم في الدنيا، فذلك في الآخرة لا يبدل ولا يحول؛ إذ وعد للمؤمنين الجنة، وللكافرين العذاب، فذلك لا يبدل.

وقال بعضهم: ﴿ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ وهي القرآن لا يتبدل، ولا يغير، ولا يزداد، ولا ينقص؛ كقوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ لحججه وبراهينه التي جعل لدينه وأقام له ذلك، يلزم الإسلام ودينه، إلا من قصر عليه في العبادة، أو كان المقام عليه الحجة معناداً مكابراً.

وأما من لم يكن هذين المعنيين يسلم لا محالة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً ﴾ .

هذا الخطاب وإن كان في الظاهر لرسول الله، فهو يخرج مخرج التنبيه على ما ذكرنا في غير آي من القرآن.

وقوله: ﴿ مُلْتَحَداً ﴾ قال بعضهم: مدخلا؛ ولذلك سمي اللحد: لحداً؛ لما يدخل فيه.

وقال بعضهم: ملجأ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ ﴾ .

يحتمل: واصبر نفسك بالغداة والعشي مع الذين يدعون ربهم، فيكون في الأمر بالجلوس لهم بالغدوات والعشيات؛ للتذكير وتعليم العلم، على ما تعارف الناس الجلوس للناس لذلك في هذين الوقتين؛ إذ ذانك الوقتان خاليان عن الأشغال التي تشغلهم عن ذلك [ذكر] الغداة والعشي لما لم يجعل عليهم بعد صلاة الغداة صلاة، وكذلك بعد العصر؛ للذكر الذي ذكرنا وتعليم ما يحتاجون في ليلهم ونهارهم.

أو أن يكون ذلك كناية عن صلاة الفجر والعصر؛ لما جاء لهما من فضل وعيد لم يجئ في غيرهما من الصلوات؛ نحو ما ذكر: ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً  ﴾ ، وما روي في العصر من الوعيد: "من فاته العصر فكأنما وتر أهله وماله" ، ونحوه أمر بصبر نفسه على حفظ هذين؛ لما ذكرنا مع من ذكر.

أو أن يكون لا على إرادة غداة أو عشي، ولكن بالكون مع أتباعه في كل وقت والصبر معهم.

وقال أهل التأويل: ذكر هذا؛ لأن رؤساء كفار مكة سألوه أن يطرد أتباعه من عنده ويتخذ لهم مجلساً، فنزل قوله: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ...

﴾ الآية [الأنعام: 52]، وقوله: ﴿ وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ...

﴾ الآية.

وقالوا في قوله: ﴿ وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ في أصحاب الكهف، يقول: وأخبرهم ما سألوك مما أوحينا إليك من أخبار أصحاب الكهف ولا تزيد ولا تنقص عليه.

فإن كان في أمرهم نزل هذا فرسول الله كان لا يخبرهم إلا ما أوحي إليه وأنزل عليه من أمرهم، والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ﴾ .

قيل: لا تتعد عنهم إلى غيرهم.

وقيل: لا تصرف ولا ترفع عينيك عنهم تجاوزهم إلى غيرهم.

﴿ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: إن كان على تأويل أهل التأويل أنهم سألوه أن يتخذ لهم مجلساً دون أولئك، فيكون تأويل قوله: ﴿ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: تريد أولئك الذين يطلبون منك مجلساً على حدة يريدون بذلك زينة الحياة الدنيا لا يريدون بذلك وجه الله.

والثاني: لو فعلت ما سألوك كان فعل ذلك [كفعل] من يريد زينة الحياة الدنيا؛ لأن المجلس الذي يحضره الأشراف والرؤساء إنما يراد به زينة الحياة الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ﴾ .

تأويل الآية على قولنا ظاهر، نحن نقول على ما نطق ظاهر الآية: من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، أي: من خلقنا ظلمة الكفر بكفرهم في قلوبهم، أو خذلناهم بكفرهم الذي فعلوا.

وأما المعتزلة فإنهم قد تحيروا فيه وتاهوا وأكثروا التأويلات فيها، حتى أن منهم من صرف القراءة عن وجهها فقال: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا ﴾ بنصب اللام، و ﴿ قَلْبَهُ ﴾ برفع الباء، معناه: أن من أغفل قلبه عن ذكرنا على قول المعتزلة، على صرف الفعل إلى القلب، وكذلك قالوا في قوله: ﴿ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ  ﴾ ؛ ليصح على مذهبهم ويستقيم.

ومنهم من قال: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ﴾ ، أي: لا تطع من وجدنا قلبه غافلا، وقال: ذلك مستقيم في اللغة؛ يقال: قاتلناهم فيما أجبَنَّاهم، أي: ما وجدناهم جبناء، ويقال: فسألناهم فما أبخلناهم، أي: ما وجدناهم بخلاء، ونحوه من الكلام، وهو تأويل الجبائي فيما أظن.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ ﴾ ، أي: من خلينا بينه وبين ما يفعل وهو كما يقال لمن خلى عبده حتى أفسده كثيراً من الناس يقال: سلطت عبدك على الناس، وهو لم يسلطه عليهم، لكنه يقال له؛ لما قدر على منعه عن ذلك والحيلولة بينه وبين ما فعل أضيف ذلك إليه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ﴾ أي: خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم، وهو تأويل جعفر بن حرب.

وقال بعضهم: أضاف ذلك إلى نفسه للأسباب التي أعطاهم من السعة والغناء والشرف في الدنيا، فتلك الأسباب التي أعطاهم هي التي حملتهم على ذلك؛ فأضيف إليه ذلك لذلك، وهو ما قال: ﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً  ﴾ وهو تأويل أبي بكر الأصم.

وقال الحسن: ﴿ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ ﴾ أي: خذلناهم وطبعنا على قلوبهم، وهو يقول: إن للكفر حدّاً إذا بلغ ذلك الحد يخذله ويطبع على قلبه؛ فلا يؤمن أبداً.

فيقال: خذله في أول حال الكفر أو بعد ذلك بأوقات وزمان.

فإن قال: في أول حال كفره فهو قولنا.

وإن قال: لا في أول حاله، ولكن بعد زمان، فهو كافر موفق ومؤمن مخذول على قوله، فنعوذ بالله مما قال.

ثم الجواب للأول ما ذكرنا من صرف التنزيل عن وجهه وظاهره، فلو جاز لهم ذلك، [لجاز] لغيرهم صرف جميع الآيات عن ظاهر التنزيل، وذلك بعيد محال.

وأما تأويل الجبائي، أي: ما وجدناهم كذا، فإنما يسوغ له هذا إذا كان جميع حروف (أفعل) يخرج على ما يقوله في اللغة، فأمّا أن يقال في بعض، فإن ذلك غير مستقيم.

وبعد فإنه لو كان كما ذكر لكان يقول: (ولا تطع من أغفلته عن ذكرنا)، أي: وجدته غافلا عن ذكرنا؛ لأنه نهى عن أن يطيع من وجده غافلا، فهو لا يعلم من وجده الله غافلا، إنما يعلم من وجده بنفسه غافلا.

فأما إذا كان ما ذكرنا لم يكن للنهي عما ذكر معنى؛ فدل أن تأويله فاسد وخيال، وأن إضافته إليه لمعنى يكون من الله.

وأما جواب جعفر بن حرب أنه على التخلية والتسليط، فهو إنما يقال: سلطت عبدك على كذا على الذم لا على المدح؛ فلا يجوز أن يقال ذلك في الله على الذم ويضاف إليه أيضاً ذلك.

وكذلك يقال لأبي بكر حيث قال: إنما أضاف ذلك إليه للأسباب التي ذكر أنه أعطاهم، يقال له: ذلك يضاف على الذم: إنك أعطيت كذا حتى فعل كذا، فأما أن يقال على المدح فلا؛ فيبطل قوله وتأويله؛ فدل إضافة ذلك إلى نفسه أنه كان منه في ذلك معنى يستقيم إضافته إليه، وهو ما ذكرنا من خلق الظلمة في قلوبهم بكفرهم الذي اختاروا وخذلانه إياهم لما اختاروا وآثروا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فُرُطاً ﴾ أي: ضياعاً وهلاكاً.

وقال بعضهم: ﴿ فُرُطاً ﴾ أي: خسرانا وخساراً.

وقال أبو عوسجة: هو من التفريط.

وقال غيره: أفرط في القول كما قال: (إنا رءوس من مضر إن نسلم يسلم الناس بعدنا) على ما ذكر في بعض القصة.

وقال أبو عبيدة: فرطاً، أي: ندماً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ .

كأنه على الإضمار، أي: قل: قد جئتكم بالحق من ربكم.

أو يقول: قل لهم: قد تعلمون أني قد جئتكم من الآيات والحجج على ما أدعوكم إليه ما لا يحتمل بليتي ويخرج عن وسعي وطاقتي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ .

ثم يحتمل هذا وجوهاً: أحدها: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر؛ فإنه إنما يعمل لنفسه ليس يعمل لأحد سواه؛ كقوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ...

﴾ الآية [الإسراء: 7]؛ فعلى ذلك يقول، والله أعلم.

والثاني: يقول: إني بلغت الرسالة إليكم فلا أكرهكم أنا على الإسلام ولا أحد سواي، فمن شاء منكم فليؤمن ومن شاء فليكفر، فإنه إنما يؤمن باختياره ومشيئته، ومن كفر فإنما يكفر باختياره ومشيئته لا يكره على ذلك.

والثالث: أن الإيمان والكفر قد بين الله لهما العواقب ما عاقبة من اختار الإيمان وما عاقبة من اختار الكفر، وهو ما قال: ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا...

﴾ إلى آخر ما ذكر، وقال للمؤمنين: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ...

﴾ الآية.

يقول: قد بين لكل واحد منهما عاقبة، فمن شاء اكتسب لنفسه في العاقبة الجنان وما فيها من النعيم، ومن شاء اكتسب ما ذكر في العاقبة من النار وأنواع العذاب، فذلك كله يخرج على الوعيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ ﴾ وقت دخولهم النار أو هو في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ﴾ يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على إرادة حقيقة السرادق.

والثاني: على التمثيل، أي: يحيط بهم النار فلا يقدرون على الخروج منها على ما يمنع السرادق من الخروج في الدنيا ودفع الحرّ والبرد، فإن كان على حقيقة السرادق فهو - والله أعلم - على ما جعل الله لهم من أنواع ما كانوا يتفاخرون في الدنيا من اللباس والطعام والشراب وغير ذلك يجعل لهم في الآخرة من ذلك النوع من النار، وهو ما ذكر: ﴿ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ  ﴾ ، وما قال: ﴿ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ  ﴾ والشراب ما ذكر من الصديد والغسلين، وغير ذلك من النوع الذي كانوا يتفاخرون به في الدنيا ويمنعهم عن الإيمان جعل لهم في الآخرة من ذلك النوع من النار وبه يعاقبهم، فعلى ذلك جائز أن يكونوا يتفاخرون به في الدنيا بالسرادق إذا خرجوا في السفر، فيعاقبهم الله في النار بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ ﴾ .

يحتمل استغاثتهم هو ما ذكر في الآية ﴿ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ  ﴾ فيغاثون ﴿ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ ﴾ ، ويحتمل: أن يطلبوا في النار الماء بعدما طعموا فيها منها فيغاثون بالمهل.

ثم المهل: قال عامتهم: المهل: هو دردي الزيت أو العصير، لكنهم اختلفوا في معنى التشبيه به: قال بعضهم: يشبه به لغلظه؛ لأن الشيء الغليظ يكون ألصق وآخذ من غيره.

وقال بعضهم: شبهه به لسواده.

وقال الحسن وأبو بكر: تشبيهه به؛ لكثرة تلونه من الحمرة والصفرة والسواد ونحوه لشدته، وهو ما ذكر: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ  ﴾ شبهه كالمهل لتلونه؛ لشدة ذلك اليوم وهوله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ ﴾ ذلك الشراب، ﴿ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً ﴾ أي: ساءت النار مرتفقا، اختلف فيه: قال بعضهم: المرتفق: المتكأ.

وقال بعضهم: المجتمع، أي: بئس الاجتماع.

وقال بعضهم: مجلساً.

وقال بعضهم: بئس المنزل النار قرناؤهم فيها الكفار والشياطين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ﴾ .

قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير كأنه قال: إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، ثم قال: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

وقال بعضهم: ليس على التقديم والتأخير، ولكن على ما ذكر أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، ثم بين ما لهم فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

قال أبو عوسجة: السرادق: البناء الذي يبنى من الكرابيس يشبه الدار والحجرة، ﴿ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً ﴾ ، أي: متكأ ومنزلا.

وقال القتبي: السرادق: الحجرة التي تكون حول الفسطاط، قال: وهو الدخان يحيط بالكفار يوم القيامة، وهو الظل ذو الثلاث الشعب، و ﴿ كَٱلْمُهْلِ ﴾ دردي الزيت، ويقال: ما أذيب من النحاس والرصاص، و ﴿ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً ﴾ ، أي: مجلسا وأصل الارتفاق: الاتكاء على المرفق.

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ ﴾ .

يذكر ثواب المؤمنين الذين تركوا شهواتهم في الدنيا لها.

﴿ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ﴾ .

قالوا: الإستبرق: الديباج الغليظ، والسندس: وهو الرقيق والغليظ منه لا يلبس، لكنه كأنه جمع بين ما يلبس وبين ما يبسط، فذكر اللبس لما يلبس، كما يقال: أطعمت فلاناً طعاماً وشراباً والشراب لا يطعم.

وقيل: إن الإستبرق هو الرقيق من الديباج بلغة قوم، فإن كان ما ذكر فكأنه إنما ذكر ذلك لأولئك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ ٱلأَرَآئِكِ ﴾ : السرر في الحجال، والأريكة: السرير في الحجلة.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلأَرَآئِكِ ﴾ : السرر عليها حجال.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ٱلأَرَآئِكِ ﴾ : الوسادة.

﴿ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً ﴾ قيل: منزلا.

وأصل هذا: أنه وعد لهم في الآخرة ما كانت أنفسهم ترغب فيه في الدنيا ليتركوا ذلك في الدنيا للموعود في الآخرة، وكذلك حذرهم في الآخرة بأشياء تنفر [منها] أنفسهم وطباعهم في الدنيا؛ ليحذروا ما يستوجبون الموعود في الآخرة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ألزم نفسك بصحبة الذين يدعون ربهم دعاء عبادة ودعاء مسألة أول النهار وآخره، مخلصين له, لا تتجاوز عيناك عنهم، تريد مجالسة أهل الغنى والشرف, ولا تطع من صَيَّرنا قلبه غافلًا عن ذكرنا بختمنا عليه، فَأمَرك بتنحية الفقراء عن مجلسك، وقَدَّم اتباع ما تهواه نفسه على طاعة ربه، وكانت أعماله ضياعًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.MQr1O"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر