الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٢٩ من سورة الكهف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 136 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٩ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم : وقل يا محمد للناس : هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) هذا من باب التهديد والوعيد الشديد ؛ ولهذا قال : ( إنا أعتدنا ) أي : أرصدنا ) للظالمين ) وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه ( نارا أحاط بهم سرادقها ) أي : سورها .
قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا دراج ، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لسرادق النار أربعة جدر ، كثافة كل جدار مسافة أربعين سنة " .
وأخرجه الترمذي في " صفة النار " وابن جرير في تفسيره ، من حديث دراج أبي السمح به [ وقال ابن جريج : قال ابن عباس : ( أحاط بهم سرادقها ) قال : حائط من نار ] وقال ابن جرير : حدثني الحسين بن نصر والعباس بن محمد قالا : حدثنا أبو عاصم ، عن عبد الله بن أمية ، حدثني محمد بن حيي بن يعلى ، عن صفوان بن يعلى ، عن يعلى بن أمية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البحر هو جهنم " قال : فقيل له : [ كيف ذلك ؟
] فتلا هذه الآية - أو : قرأ هذه الآية - : ( نارا أحاط بهم سرادقها ) ثم قال : " والله لا أدخلها أبدا أو : ما دمت حيا - ولا تصيبني منها قطرة " .
وقوله : ( وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا ) قال ابن عباس : " المهل " : ماء غليظ مثل دردي الزيت .
وقال مجاهد : هو كالدم والقيح .
وقال عكرمة : هو الشيء الذي انتهى حره : وقال آخرون : هو كل شيء أذيب .
وقال قتادة : أذاب ابن مسعود شيئا من الذهب في أخدود ، فلما انماع وأزبد قال : هذا أشبه شيء بالمهل .
وقال الضحاك : ماء جهنم أسود ، وهي سوداء وأهلها سود .
وهذه الأقوال ليس شيء منها ينفي الآخر ، فإن المهل يجمع هذه الأوصاف الرذيلة كلها ، فهو أسود منتن غليظ حار ؛ ولهذا قال : ( يشوي الوجوه ) أي : من حره ، إذا أراد الكافر أن يشربه وقربه من وجهه ، شواه حتى يسقط جلد وجهه فيه ، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بإسناده المتقدم في سرادق النار عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ماء كالمهل " .
قال كعكر الزيت فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه " وهكذا رواه الترمذي في " صفة النار " من جامعه ، من حديث رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث ، عن دراج ، به ثم قال : لا نعرفه إلا من حديث " رشدين " ، وقد تكلم فيه من قبل حفظه ، هكذا قال ، وقد رواه الإمام أحمد كما تقدم عن حسن الأشيب ، عن ابن لهيعة ، عن دراج ، والله أعلم .
وقال عبد الله بن المبارك ، وبقية بن الوليد ، عن صفوان بن عمرو ، عن عبد الله بن بسر ، عن أبي أمامة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( ويسقى من ماء صديد يتجرعه ) [ إبراهيم : 16 ، 17 ] قال : " يقرب إليه فيتكرهه ، فإذا قرب منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه ، فإذا شربه قطع أمعاءه ، يقول الله تعالى : ( وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب ) .
وقال سعيد بن جبير : إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم ، فأكلوا منها فاختلست جلود وجوههم ، فلو أن مارا مر بهم يعرفهم ، لعرف جلود وجوههم فيها .
ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون .
فيغاثون بماء كالمهل ، وهو الذي قد انتهى حره ، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود .
ولهذا قال تعالى بعد وصفه هذا الشراب بهذه الصفات [ الذميمة ] القبيحة : ( بئس الشراب ) أي : بئس هذا الشراب كما قال في الآية الأخرى : ( وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ) [ محمد : 15 ] وقال تعالى : ( تسقى من عين آنية ) [ الغاشية : 5 ] أي حارة ، كما قال : ( وبين حميم آن ) [ الرحمن : 44 ] ( وساءت مرتفقا ) [ أي : وساءت النار ] منزلا ومقيلا ومجتمعا وموضعا للارتفاق كما قال في الآية الأخرى : ( إنها ساءت مستقرا ومقاما ) [ الفرقان : 66 ]
القول في تأويل قوله تعالى : وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وقل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا، واتبعوا أهواءهم، الحقّ أيها الناس من عند ربكم، وإليه التوفيق والحذلان، وبيده الهدى والضلال يهدي من يشاء منكم للرشاد، فيؤمن، ويضلّ من يشاء عن الهدى فيكفر، ليس إلي من ذلك شيء، ولست بطارد لهواكم من كان للحقّ متبعا، وبالله وبما أنـزل علي مؤمنا، فإن شئتم فآمنوا، وإن شئتم فاكفروا، فإنكم إن كفرتم فقد أعد لكم ربكم على كفركم به نار أحاط بكم سرادقها، وإن آمنتم به وعملتم بطاعته، فإن لكم ما وصف الله لأهل طاعته.
وروي عن ابن عباس في ذلك ما حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) يقول: من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء الله له الكفر كفر، وهو قوله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وليس هذا بإطلاق من الله الكفر لمن شاء، والإيمان لمن أراد، وإنما هو تهديد ووعيد.
وقد بين أن ذلك كذلك قوله: ( إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا ) والآيات بعدها.
كما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن عمر بن حبيب، عن داود، عن مجاهد، في قوله: ( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ).
قال: وعيد من الله، فليس بمعجزي.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) وقوله اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ قال: هذا كله وعيد ليس مصانعة ولا مراشاة ولا تفويضا.
وقوله: ( إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا ) يقول تعالى ذكره: إنا أعددنا، وهو من العُدّة.
للظالمين: الذين كفروا بربهم.
كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ( إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ) قال: للكافرين ، وقوله: ( أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ) يقول: أحاط سرادق النار التي أعدّها الله للكافرين بربهم، وذلك فيما قيل: حائط من نار يطيف بهم كسرادق الفسطاط، وهي الحجرة التي تطيف بالفسطاط، كما قال رؤبة: يـا حَـكَمَ بـنَ المُنْـذِرِ بـنَ الجارُودْ سُــرادِقُ الفَضْــلِ عَلَيْـكَ مَمْـدُودْ (2) وكما قال سلامة بن جندل: هُـوَ المُـولِجُ النُّعْمـانَ بيْتـا سَـماؤُهُ صُـدُورُ الفُيُـولِ بعـدَ بَيْـتٍ مُسَرْدَقَ (3) يعني: بيتا له سرادق.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، في قوله: ( إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ) قال: هي حائط من نار.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان ، عن معمر، عمن أخبره، قال ( أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ) قال: دخان يحيط بالكفار يوم القيامة، وهو الذي قال الله: ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ .
وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك خبر يدلّ على أن معنى قوله ( أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ) أحاط بهم ذلك في الدنيا، وأن ذلك السرادق هو البحر.
ذكر من قال ذلك: حدثني العباس بن محمد والحسين بن نصر، قالا ثنا أبو عاصم، عن عبد الله بن أمية، قال: ثني محمد ابن حيي بن يعلى، عن صفوان بن يعلى، عن يعلى بن أمية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " البَحْرُ هو جَهَنَّمُ" قال: فقيل له: كيف ذلك، فتلا هذه الآية، أو قرأ هذه الآية: ( نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ) ثم قال: والله لا أدْخُلُها أبَدًا أوْ ما دُمْتُ حَيًّا، ولا تُصِيبُني مِنْها قَطْرَة.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا يعمر بن بشر، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا رشدين بن سعد، قال: ثني عمرو بن الحارث، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " سُرَادِقُ النَّارِ أرْبَعَةُ جُدُرٍ، كِثْفُ كُلّ وَاحِد مِثْلُ مَسِيرَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً".
حدثنا بشر، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن لِسُرَادِقِ النَّارِ أرْبَعَةَ جُدُرٍ، كِثْفُ كُلّ وَاحِد مِثْلُ مَسِيرَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً".
حدثنا بشر، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ماءٌ كالمُهْلِ"، قال: " كَعَكَرِ الزَّيْتِ، فإذا قَرَّبَهُ إليه سقط فَرْوَةُ وَجْهِه فِيهِ".
وقوله: ( وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ ) يقول تعالى ذكره: وإن يستغث هؤلاء الظالمون يوم القيامة في النار من شدّة ما بهم من العطش، فيطلبونَ الماء يُغاثوا بماء المُهْل.
واختلف أهل التأويل في المهل، فقال بعضهم: هو كلّ شيء أذيب وانماع.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ، قال: ذُكر لنا أن ابن مسعود أهديت إليه سِقاية من ذهب وفضة، فأمر بأخدود فخدّ في الأرض، ثم قذف فيه من جزل حطب، ثم قذف فيه تلك السقاية، حتى إذا أزبدت وانماعت قال لغلامه: ادع من يحضُرنا من أهل الكوفة، فدعا رهطا، فلما دخلوا عليه قال: أترون هذا؟
قالوا : نعم، قال: ما رأينا في الدنيا شبيها للمهل أدنى من هذا الذهب والفضة، حين أزبد وانماع.
وقال آخرون: هو القيح والدم الأسود.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم، عن أبي بَزَة، عن مجاهد في قوله: ( وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ ) قال: القيح والدم.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ ) قال: القيح والدم الأسود، كعكر الزيت ، قال الحارث في حديثه: يعني درديه.
حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (كالمُهْلِ) قال: يقول: أسود كهيئة الزيت.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ ) ماء جهنم أسود، وهي سوداء، وشجرها أسود، وأهلها سود.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ ) قال: هو ماء غليظ مثل دردي الزيت.
وقال آخرون: هو الشيء الذي قد انتهى حرّه.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر وهارون بن عنترة، عن سعيد بن جبير، قال: المهل: هو الذي قد انتهى حرة.
وهذه الأقوال وإن اختلفت بها ألفاظ قائليها، فمتقاربات المعنى، وذلك أن كل ما أذيب من رصاص أو ذهب أو فضة فقد انتهى حرّه، وأن ما أوقدت عليه من ذلك النار حتى صار كدردي الزيت، فقد انتهى أيضا حرّه.
وقد: حُدثت عن معمر بن المثنى، أنه قال: سمعت المنتجع بن نبهان يقول: والله لفلان أبغض إليّ من الطلياء (4) والمهل، قال: فقلنا له: وما هما؟
فقال: الجرباء، والملة التي تنحدر عن جوانب الخبزة إذا ملت في النار من النار، كأنها سهلة (5) حمراء مدققة، فهي أحمره، فالمهل إذا هو كلّ مائع قد أوقد عليه حتى بلغ غاية حره، أو لم يكن مائعا، فانماع بالوقود عليه، وبلغ أقصى الغاية في شدّة الحرّ.
وقوله: ( يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ ) يقول جلّ ثناؤه: يشوي ذلك الماء الذي يغاثون به وجوههم.
كما حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا حيوة بن شريح، قال: ثنا بقية، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن بُسْر، هكذا قال ابن خلف عن أبي أمامة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، في قوله ( وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ قال: يقرب إليه فيتكرّهه، فإذا قرب منه، شوى وجهه، ووقعت فَرْوة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه ، يقول الله: (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب).
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثني إبراهيم بن إسحاق الطالَقاني ويعمر بن بشر، قالا ثنا ابن المبارك، عن صفوان، عن عبد الله بن بُسْر، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر وهارون بن عنترة، عن سعيد بن جبير، قال هارون: إذا جاع أهل النار ، وقال جعفر: إذا جاء أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فأكلوا منها، فاختلست جلود وجوههم، فلو أن مارا مار بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها، ثم يصبّ عليهم العطش، فيستغيثون، فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حرّه، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حرّه لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود.
وقوله: (بِئْسَ الشَّرَابُ) يقول تعالى ذكره: بئس الشراب، هذا الماء الذي يغاث به هؤلاء الظالمون في جهنم الذي صفته ما وصف في هذه الآية.
وقوله: (وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) يقول تعالى ذكره: وساءت هذه النار التي أعتدناها لهؤلاء الظالمين مرتفقا ، والمرتفق في كلام العرب: المتكأ، يقال منه: ارتفقت إذا اتكأت، كما قال الشاعر: قــالَتْ لَــهُ وارْتَفَقَــتْ ألا فَتـى يَسُــوقُ بـالقَوْمِ غَـزَالاتِ الضُّحَـى (6) أراد: واتكأت على مرفقها ، وقد ارتفق الرجل: إذا بات على مرفقه لا يأتيه نوم، وهو مرتفق، كما قال أبو ذؤيب الهذلي : نـامَ الخَلِيُّ وَبِتُّ اللَّيْـلَ مُرْتَفِقًــا كَأنَّ عَيْني فيها الصَّــابُ مَذْبُــوحُ (7) وأما من الرفق فإنه يقال: قد ارتفقت بك مرتفقا، وكان مجاهد يتأول قوله: ( وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ) يعني المجتمع.
* ذكر الرواية بذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (مُرْتَفَقا) : أي مجتمعا.
حدثني يعقوب، قال: ثنا معتمر، عن ليث، عن مجاهد (وساءت مُرْتَفَقا) قال: مجتمعا.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله ، ولست أعرف الارتفاق بمعنى الاجتماع في كلام العرب، وإنما الارتفاق : افتعال، إما من المرفق، وإما من الرفق.
-------------------------------------------------------------------------------- الهوامش: (2) البيتان من أرجوزة قصيرة سبعة أبيات لرؤبة في ( ديوانه طبع ليبسج سنة 1903 ضمن الزوائد الملحقة بالديوان ، وهما الأول والخامس ، ص 172 ) .
والبيتان من شواهد أبي عبيدة في ( مجاز القرآن 1 : 399) إلا أن رواية البيت الثاني فيه : * أنـت الجـواد بن الجود المحمود * وبعده البيت الثاني .
قال : "أحاط بهم سرادقها " :كسرادق الفسطاط ، وهي الحجرة التي تطيف بالفسطاط ؛ قال رؤبة * يـا حـكم بن المنذر بن الجارود * وفي ( اللسان : سردق ) : السرادق : ما أحاط بالبناء ، والجمع سرادقات .
قال سيبويه : جمعوه بالتاء وإن كان مذكرا ، حين لم يكسر .
وفي التنزيل " أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا " .
في صفة النار أعاذنا الله منها .
قال الزجاج : صار عليهم سرادق من العقاب .
والسرادق ما أحاط بالشيء ، نحو الشقة في المضرب ( الخيمة ) أو الحائط المشتمل على الشيء.
(3) البيت في ديوان سلامة بن جندل السعدي التميمي ( طبعة بيروت سنة 1910 ص 19) من قصيدة عدة أبياتها ثلاثون بيتا .
قال أبو عمرو : كان كسرى حبس النعمان في بيت فيه ثلاثة فيول ، والمسردق : ذو السرادق ، أو الذي عليه سرادق .
وقال أبو عبيدة في ( مجاز القرآن 1 : 399 ) بعد أن أورد البيت : أي له سرادق .
اه.
وفي ( اللسان: سردق ) وقد سردق البيت .
قال سلامة بن جندل : ( وأورد البيت ) .
ثم قال الجوهري : السرادق : واحد السرادقات التي تمد فوق صحن الدار .
وكل بيت من كرسف ( قطن ) فهو سرادق .
قال رؤبة : يـا حـكم بـن المنـذر بـن الجارود أنـت الجـواد ابـن الجـواد المحمود ســرادق المجــد عليــك ممـدود قال : وقيل : الرجز للكذاب الحرمازي .
ونسب الجوهري بيت سلامة بن جندل إلى الأعشى ، وقال في سببه : يذكر ابن وبر وقتله النعمان بن المنذر .
عن (لسان العرب : سردق ) .
(4) يريد بالطلياء الناقة الجرباء المطلية بالقطران أو الخضخاض .
ويريد بالمهل : الملة إذا حميت جدا ورأيتها تموج.
(5) السهلة ، بالكسر ، تراب كالرمل أحمر يجيء به الماء ( اللسان) (6) هذان بيتان من مشطور الرجز ، ذكرهما اللسان في : غزل .
ورواية الأول منهما مختلفة عن رواية المؤلف ، وهي : * دعـت سليمى دعوة هل من فتى * وفي رواية أخرى : * ودعـوة القـوم ألا هـل من فتى * وغزالة الضحى وغزالاته : بعد ما تنبسط الشمس وتضحى .
ولا شاهد في البيت الأول على هاتين الروايتين .
(7) البيت في ديوان أبي ذؤيب الهذلي طبع دار الكتب المصرية ، ( القسم الأول من ديوان الهذليين ص 104 ) وهو مطلع قصيدة له .
وفيه " مشتجرا " في موضع " مرتفقا " ومشتجرا أي يشجر رأسه بيده ، يريد أنه وضع رأسه على يديه ، كما يشجر الثوب بالعود .
وقال الأصمعي : الصاب : شجرة مرة لها لبن يمض العين إذا أصابها .
ومذبوح : مشقوق .
والذبح : الشق .
ومرتفقا : واضعا مرفقه تحت رأسه .
والبيت : من شواهد أبي عبيدة في ( مجاز القرآن 1 : 400 ) وأوله : " إني أرقت فبت .
.
.
" .
وقال : " ساءت مرتفقا " : أي متكئا .
قال أبو ذؤيب .
.
.
البيت .
قوله : وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاقوله تعالى : وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر الحق رفع على خبر الابتداء المضمر ; أي قل هو الحق .
وقيل : هو رفع على الابتداء ، وخبره في قوله من ربكم .
ومعنى الآية : قل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا : أيها الناس من ربكم الحق فإليه التوفيق والخذلان ، وبيده الهدى والضلال ، يهدي من يشاء فيؤمن ، ويضل من يشاء فيكفر ; ليس إلي من ذلك شيء ، فالله يؤتي الحق من يشاء وإن كان ضعيفا ، ويحرمه من يشاء وإن كان قويا غنيا ، ولست بطارد المؤمنين لهواكم ; فإن شئتم فآمنوا ، وإن شئتم [ ص: 352 ] فاكفروا .
وليس هذا بترخيص وتخيير بين الإيمان والكفر ، وإنما هو وعيد وتهديد .
أي إن كفرتم فقد أعد لكم النار ، وإن آمنتم فلكم الجنة .إنا أعتدنا أي أعددنا .للظالمين أي للكافرين الجاحدين .نارا أحاط بهم سرادقها قال الجوهري : السرادق واحد السرادقات التي تمد فوق صحن الدار .
وكل بيت من كرسف فهو سرادق .
قال رؤبة :يا حكم بن المنذر بن الجارود سرادق المجد عليك ممدوديقال : بيت مسردق .
وقال سلامة بن جندل يذكر أبرويز وقتله النعمان بن المنذر تحت أرجل الفيلة :هو المدخل النعمان بيتا سماؤه صدور الفيول بعد بيت مسردقوقال ابن الأعرابي : سرادقها سورها .
وعن ابن عباس : حائط من نار .
الكلبي : وقال ابن الأعرابي : سرادقها سورها .
وعن ابن عباس : حائط من نار .
الكلبي : عنق تخرج من النار فتحيط بالكفار كالحظيرة .
القتبي : السرادق الحجزة التي تكون حول الفسطاط .
وقاله ابن عزيز .
وقيل : هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة ، وهو الذي ذكره الله - تعالى - في سورة ( والمرسلات ) .
حيث يقول : انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب وقوله : وظل من يحموم قاله قتادة .
وقيل : إنه البحر المحيط بالدنيا .
وروى يعلى بن أمية قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البحر هو جهنم - ثم تلا - نارا أحاط بهم سرادقها - ثم قال - والله لا أدخلها أبدا ما دمت حيا ولا يصيبني منها قطرة ذكره الماوردي .
وخرج ابن المبارك من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لسرادق النار أربع جدر كثف كل جدار مسيرة أربعين سنة .
وخرجه أبو عيسى الترمذي ، وقال فيه : حديث حسن صحيح غريب .قلت : وهذا يدل على أن السرادق ما يعلو الكفار من دخان أو نار ، وجدره ما وصف .قوله تعالى : وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه قال ابن عباس : المهل ماء [ ص: 353 ] غليظ مثل دردي الزيت .
مجاهد : القيح والدم .
الضحاك : ماء أسود ، وإن جهنم لسوداء ، وماؤها أسود وشجرها أسود وأهلها سود .
وقال أبو عبيدة : هو كل ما أذيب من جواهر الأرض من حديد ورصاص ونحاس وقزدير ، فتموج بالغليان ، فذلك المهل .
ونحوه عن ابن مسعود قال سعيد بن جبير : هو الذي قد انتهى حره .
وقال : المهل ضرب من القطران ; يقال : مهلت البعير فهو ممهول .
وقيل : هو السم .
والمعنى في هذه الأقوال متقارب .
وفي الترمذي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله كالمهل قال : كعكر الزيت فإذا قربه إلى وجهه سقطت فروة وجهه قال أبو عيسى : هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد ورشدين قد تكلم فيه من قبل حفظه .
وخرج عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله : ويسقى من ماء صديد يتجرعه قال : يقرب إلى فيه فكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه وإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره .
يقول الله - تعالى - وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم يقول وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا قال : حديث غريب .قلت : وهذا يدل على صحة تلك الأقوال ، وأنها مرادة ، والله أعلم .
وكذلك نص عليها أهل اللغة .
في الصحاح " المهل " النحاس المذاب .
ابن الأعرابي : المهل المذاب من الرصاص .
وقال أبو عمرو .
المهل دردي الزيت .
والمهل أيضا القيح والصديد .
وفي حديث أبي بكر : ادفنوني في ثوبي هذين فإنهما للمهل والتراب .بئس الشراب وساءت مرتفقا قال مجاهد : معناه مجتمعا ، كأنه ذهب إلى معنى المرافقة .
ابن عباس : منزلا .
عطاء : مقرا .
وقيل مهادا .
وقال القتبي : مجلسا ، والمعنى متقارب ; وأصله من المتكأ ، يقال منه : ارتفقت أي اتكأت على المرفق .
قال الشاعر :قالت له وارتفقت ألا فتى يسوق بالقوم غزالات الضحىويقال : ارتفق الرجل إذا نام على مرفقه لا يأتيه نوم .
قال أبو ذؤيب الهذلي :نام الخلي وبت الليل مرتفقا كأن عيني فيها الصاب مدبوحالصاب : عصارة شجر مر .
أي: قل للناس يا محمد: هو الحق من ربكم أي: قد تبين الهدى من الضلال، والرشد من الغي، وصفات أهل السعادة، وصفات أهل الشقاوة، وذلك بما بينه الله على لسان رسوله، فإذا بان واتضح، ولم يبق فيه شبهة.
{ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } أي: لم يبق إلا سلوك أحد الطريقين، بحسب توفيق العبد، وعدم توفيقه، وقد أعطاه الله مشيئة بها يقدر على الإيمان والكفر، والخير والشر، فمن آمن فقد وفق للصواب، ومن كفر فقد قامت عليه الحجة، وليس بمكره على الإيمان، كما قال تعالى { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } وليس في قوله: { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } الإذن في كلا الأمرين، وإنما ذلك تهديد ووعيد لمن اختار الكفر بعد البيان التام، كما ليس فيها ترك قتال الكافرين.
ثم ذكر تعالى مآل الفريقين فقال: { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ } بالكفر والفسوق والعصيان { نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } أي: سورها المحيط بها، فليس لهم منفذ ولا طريق ولا مخلص منها، تصلاهم النار الحامية.
{ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا } أي: يطلبوا الشراب، ليطفئ ما نزل بهم من العطش الشديد.
{ يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } أي: كالرصاص المذاب، أو كعكر الزيت، من شدة حرارته.
{ يَشْوِي الْوُجُوهَ } أي: فكيف بالأمعاء والبطون، كما قال تعالى { يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد } { بِئْسَ الشَّرَابُ } الذي يراد ليطفئ العطش، ويدفع بعض العذاب، فيكون زيادة في عذابهم، وشدة عقابهم.
{ وَسَاءَتْ } النار { مُرْتَفَقًا } وهذا ذم لحالة النار، أنها ساءت المحل، الذي يرتفق به، فإنها ليست فيها ارتفاق، وإنما فيها العذاب العظيم الشاق، الذي لا يفتر عنهم ساعة، وهم فيه مبلسون قد أيسوا من كل خير، ونسيهم الرحيم في العذاب، كما نسوه.
( وقل الحق من ربكم ) أي ما ذكر من الإيمان والقرآن معناه : قل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا : أيها الناس [ قد جاءكم من ربكم الحق ] وإليه التوفيق والخذلان وبيده الهدى والضلال ليس إلي من ذلك شيء .
( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) هذا على طريق التهديد والوعيد كقوله : " اعملوا ما شئتم " ( فصلت - 40 ) .
وقيل معنى الآية : وقل الحق من ربكم ولست بطارد المؤمنين لهواكم فإن شئتم فآمنوا وإن شئتم فاكفروا فإن كفرتم فقد أعد لكم ربكم نارا أحاط بكم سرادقها وإن آمنتم فلكم ما وصف الله عز وجل لأهل طاعته .
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في معنى الآية : من شاء الله له الإيمان آمن ومن شاء له الكفر كفر وهو قوله : " وما تشاءون إلا أن يشاء الله " ( الإنسان - 30 ) .
( إنا أعتدنا ) أعددنا وهيأنا من الإعداد وهو العدة ( للظالمين ) للكافرين ( نارا أحاط بهم سرادقها ) " السرادق " : الحجرة التي تطيف بالفساطيط .
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنبأنا محمد بن أحمد بن الحارث أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي أنبأنا عبد الله بن محمود أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال أنبأنا عبد الله بن المبارك عن رشدين بن سعد حدثني عمرو بن الحارث عن دراج بن أبي السمح عن أبي الهيثم بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه قال : " سرادق النار أربعة جدر كثف كل جدار مثل مسيرة أربعين سنة " .
قال ابن عباس : هو حائط من نار .
وقال الكلبي : هو عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار كالحظيرة .
وقيل : هو دخان يحيط بالكفار وهو الذي ذكره الله تعالى : " انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب " ( المرسلات - 30 ) .
( وإن يستغيثوا ) من شدة العطش ( يغاثوا بماء كالمهل ) أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنبأنا محمد بن أحمد بن الحارث أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي أنبأنا عبد الله بن محمود أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال حدثنا عبد الله بن المبارك عن رشدين بن سعد حدثنا عمرو بن الحارث عن دراج بن أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ( بماء كالمهل ) قال كعكر الزيت فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه فيه " .
وقال ابن عباس : هو ماء غليظ مثل دردي الزيت .
وقال مجاهد : هو القيح والدم .
وسئل ابن مسعود عن : " المهل " فدعا بذهب وفضة فأوقد عليهما النار حتى ذابا ثم قال : هذا أشبه شيء بالمهل .
( يشوي الوجوه ) ينضج الوجوه من حره .
( بئس الشراب وساءت ) النار ( مرتفقا ) قال ابن عباس : منزلا وقال مجاهد : مجتمعا وقال عطاء : مقرا .
وقال القتيبي : مجلسا .
وأصل " المرتفق " : المتكأ .
«وقل» له ولأصحابه هذا القرآن «الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» تهديد لهم «إنا أعتدنا للظالمين» أي الكافرين «نارا أحاط بهم سرادقها» ما أحاط بها «وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل» كعكر الزيت «يشوي الوجوه» من حره إذا قرب إليها «بئس الشراب» هو «وساءت» أي النار «مرتفقا» تمييز منقول عن الفاعل أي قبح مرتفقها وهو مقابل لقوله الآتي في الجنة «وحسنت مرتفقا» وإلا فأي ارتفاق في النار.
وقل لهؤلاء الغافلين: ما جئتكم به هو الحق من ربكم، فمن أراد منكم أن يصدق ويعمل به، فليفعل فهو خير له، ومن أراد أن يجحد فليفعل، فما ظَلَم إلا نفسه.
إنا أعتدنا للكافرين نارًا شديدة أحاط بهم سورها، وإن يستغث هؤلاء الكفار في النار بطلب الماء مِن شدة العطش، يُؤتَ لهم بماء كالزيت العَكِر شديد الحرارة يشوي وجوههم.
قَبُح هذا الشراب الذي لا يروي ظمأهم بل يزيده، وقَبُحَتْ النار منزلا لهم ومقامًا.
وفي هذا وعيد وتهديد شديد لمن أعرض عن الحق، فلم يؤمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يعمل بمقتضاها.
ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجهر بكلمة الحق فى وجوه المستكبرين ، فقال .( وَقُلِ الحق مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ .
.
) .أى : وقل : أيها الرسول - لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا ، واتبعوا أهواءهم ، وكان أمرهم فرطا ، قل لهم : هذا الذى جئتكم به من قرآن هو الحق من ربكم وخالقكم .
.
فقوله : ( الحق مِن رَّبِّكُمْ ) خبر لمبتدأ محذوف .أو أن لفظ ( الحق ) مبتدأ ، والجار والمجرور خبره .
أى : الحق الذى جئتكم به فى هذا القرآن العظيم ، كائن مبدؤه من ربكم ، وليس من أحد سواه .وليس المراد من قوله ( فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ) التخيير بين الإيمان والكفر ، بل المراد به التهديد والتخويف ، بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك ( إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً ) .
.
إلخ .أى : قل لهم جئتكم من ربكم بالحق الذى يجب اتباعه ، فمن شاء أن يؤمن به فليفعل فإن عاقبته الخير والثواب ، ومن شاء أن يكفر به فليكفر فإن عاقبته الخسران والعقاب ، كما بين - سبحانه - ذلك فى قوله : ( إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ) .والسرادق : كل ما أحاط بغيره ، كالحائط أو السور الذى يحيط بالبناء ، فيمنع من الوصول إلى ما بداخله .أى : إنا هيأنا وأعددنا للكافرين بهذا الحق نارا مهولة عظيمة ، أحاط بهم سياجها إحاطة تامة؛ بحيث لا يستطيعون الخروج منه ، وإنما هم محصورون بداخله .
كما ينحصر الشئ بداخل ما يحدق به من كل جانب .وقوله : ( وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل يَشْوِي الوجوه بِئْسَ الشراب وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً ) بيان لما ينزل بهم من عذاب عندما يطلبون الغوث مما هم فيه من كروب .والمهل فى اللغة : يطلق على ما أذيب من جواهر الأرض .
كالحديد ، والرصاص ، والنحاس ، ونحو ذلك كما يطلق - أيضا - على الماء الغليظ كدردى الزيت أى : ما تعكر منه .
وقيل .
هو نوع من القطران أو السم .والمرتفق : المتكأ ، من الارتفاق وهو الاتكاء على مرفق اليد .أى : إن هؤلاء الكافرين ، إن يطلبوا الغوث عما هم فيه من كرب وعطش ، يغاثوا بماء كالمهل فى شدة حرارته ونتنه وسواده ، هذا الماء ( يشوى الوجوه ) أى : يحرقها .( بئس الشراب ) ذلك الماء الذى يغاثون به ( وساءت ) النار منزلا ينزلون به ، ومتكأ يتكئون عليه .فالآية الكريمة تصور ما ينزل بهؤلاء الظالمين من عذاب ، تصويرا ترتجف من هوله الأبدان ، ويدخل الرعب والفزع على النفوس .قال بعضهم : " فإن قيل ، أى إغاثة لهم فى ماء كالمهل مع أنه من أشد العذاب ، وكيف قال - سبحانه - ، ( يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل ) ؟فالجواب : إن هذا من أساليب اللغة العربية التى نزل بها القرآن ونظيره من كلام العرب قول عمرو بن معد يكرب .وخيل قد دلفت لها بخيل ...
تحية بينهم ضرب وجيعأى : لا تحية لهم إلا الضرب الوجيع ، وإذا كان هؤلاء الظالمون لا يغاثون إلا بماء كالمهل ، علم من ذلك أنهم لا إغاثة لهم مطلقا " .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: في تقرير النظم وجوه: الأول: أنه تعالى لما أمر رسوله بأن لا يلتفت إلى أولئك الأغنياء الذين قالوا إن طردت الفقراء آمنا بك، قال بعده: ﴿ وَقُلِ الحق مِن رَّبّكُمْ ﴾ أي قل لهؤلاء إن هذا الدين الحق إنما أتى من عند الله فإن قبلتموه عاد النفع إليكم وإن لم تقبلوه عاد الضرر إليكم ولا تعلق لذلك بالفقر والغنى والقبح والحسن والخمول والشهرة.
الوجه الثاني: في تقرير النظم يمكن أن يكون المراد أن الحق ما جاء من عند الله، والحق الذي جاءني من عنده أن أصبر نفسي مع هؤلاء الفقراء ولا أطردهم ولا ألتفت إلى الرؤساء وأهل الدنيا.
والوجه الثالث: في تقرير النظم أن يكون المراد هو أن الحق الذي جاء من عند الله فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وأن الله تعالى لم يأذن في طرد من آمن وعمل صالحاً لأجل أن يدخل في الإيمان جمع من الكفار، فإن قيل: أليس أن العقل يقتضي ترجيح الأهم على المهم فطرد أولئك الفقراء لا يوجب إلا سقوط حرمتهم وهذا ضرر قليل.
أما عدم طردهم فإنه يوجب بقاء الكفار على الكفر، وهذا ضرر عظيم، قلنا: أما عدم طردهم فإنه يوجب بقاء الكفار على الكفر فمسلم إلا أن من ترك الإيمان لأجل الحذر من مجالسة الفقراء فإيمانه ليس بإيمان بل هو نفاق قبيح، فوجب على العاقل أن لا يلتفت إلى إيمان من هذا حاله وصفته.
المسألة الثانية: قالت المعتزلة قوله تعالى: ﴿ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ﴾ صريح في أن الأمر في الإيمان والكفر والطاعة والمعصية مفوض إلى العبد واختياره.
فمن أنكر ذلك فقد خالف صريح القرآن، ولقد سألني بعضهم عن هذه الآية فقلت: هذه الآية من أقوى الدلائل على صحة قولنا وذلك لأن الآية صريحة في أن حصول الإيمان وحصول الكفر موقوف على حصول مشيئة الإيمان وحصول مشيئة الكفر وصريح العقل أيضاً يدل له، فإن العقل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه وبدون الاختيار له.
إذا عرفت هذا فنقول حصول ذلك القصد والاختيار إن كان بقصد آخر يتقدمه واختيار آخر يتقدمه لزمه أن يكون كل قصد واختيار مسبوقاً بقصد آخر إلى غير النهاية وهو محال.
فوجب انتهاء تلك القصود وتلك الاختيارت إلى قصد واختيار يخلقه الله تعالى في العبد على سبيل الضرورة عند حصول ذلك القصد الضروري والاختيار الضروري يوجب الفعل، فالإنسان شاء أو لم يشأ إن لم تحصل في قلبه تلك المشيئة الجازمة الخالية عن المعارض لم يترتب الفعل، وإذا حصلت تلك المشيئة الجازمة شاء أو لم يشأ يجب ترتب الفعل عليه، فلا حصول المشيئة مترتب على حصول الفعل، ولا حصول الفعل مترتب على المشيئة.
فالإنسان مضطر في صورة مختار، ولقد قرر الشيخ أبو حامد الغزالي رحمه الله هذا المعنى في باب التوكل من كتاب إحياء علوم الدين فقال: فإن قلت إني أجد في نفسي وجداناً ضرورياً أني إن شئت الفعل قدرت على الفعل وإن شئت الترك قدرت على الترك فالفعل والترك بي لا بغيري.
وأجاب عنه، وقال: هب أنك تجد من نفسك هذا المعنى ولكن هل تجد من نفسك أنك إن شئت مشيئة الفعل حصلت تلك المشيئة، وإن لم تشأ تلك المشيئة لم تحصل.
بل العقل يشهد بأنه يشاء الفعل لا بسبق مشيئة أخرى على تلك المشيئة، وإذا شاء الفعل وجب حصول الفعل من غير مكنة واختيار في هذا المقام فحصول المشيئة في القلب أمر لازم وترتب الفعل على حصول المشيئة أيضاً أمر لازم وهذا يدل على أن الكل من الله تعالى.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ﴾ فيه فوائد: الفائدة الأولى: الآية تدل على أن صدور الفعل عن الفاعل بدون القصد والداعي محال.
الفائدة الثانية: أن صيغة الأمر لا لمعنى الطلب في كتاب الله كثيرة ثم نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال هذه الصيغة تهديد ووعيد وليست بتخيير.
الفائدة الثالثة: أنها تدل على أنه تعالى لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين، بل نفع الإيمان يعود عليهم، وضرر الكفر يعود عليهم، كما قال تعالى: ﴿ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ ، واعلم أنه تعالى لما وصف الكفر والإيمان والباطل والحق أتبعه بذكر الوعيد على الكفر والأعمال الباطلة، وبذكر الوعد على الإيمان والعمل الصالح.
أما الوعيد فقوله تعالى: ﴿ إِنَّا اعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا ﴾ يقول اعتدنا لمن ظلم نفسه ووضع العبادة في غير موضعها والأنفة في غير محلها فعندما استحسن بهواه وأنف عن قبول الحق لأجل أن الذين قبلوه فقراء ومساكين، فهذا كله ظلم ووضع للشيء في غير موضعه.
فأخبر تعالى أنه أعد لهؤلاء الأقوام ناراً وهي الجحيم، ثم وصف تعالى تلك النار بصفتين: الصفة الأولى: قوله: ﴿ وَأَحَاطَ * بِهِمْ سُرَادِقُهَا ﴾ والسرادق هو الحجزة التي تكون حول الفسطاط فأثبت للنار شيئاً شبيهاً بذلك يحيط بهم من جميع الجهات، والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرجة يتفرجون بالنظر إلى ما وراءها من غير النار بل هي محيطة بهم من كل الجوانب.
وقال بعضهم: المراد من هذا السرادق الدخان الذي وصفه الله في قوله: ﴿ انطلقوا إلى ظِلّ ذِى ثلاث شُعَبٍ ﴾ وقالوا: هذه الإحاطة بهم إنما تكون قبل دخولهم النار فيغشاهم هذا الدخان ويحيط بهم كالسرادق حول الفسطاط.
والصفة الثانية: لهذه النار قوله: ﴿ وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل ﴾ قيل في حديث مرفوع إنه دردي الزيت وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه دخل بيت المال وأخرج نفاثة كانت فيه وأوقد عليها النار حتى تلألأت ثم قال: هذا هو المهل، قال أبو عبيدة والأخفش كل شيء أذبته من ذهب أو نحاس أو فضة فهو المهل، وقيل: إنه الصديد والقيح، وقيل إنه ضرب من القطران.
ثم يحتمل أن تكون هذه الاستغاثة لأنهم إذا طلبوا ماء للشرب فيعطون هذا المهل قال تعالى: ﴿ تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ ﴾ ويحتمل أن يستغيثوا من حر جهنم فيطلبوا ماء يصبونه على أنفسهم للتبريد فيعطون هذا الماء.
قال تعالى حكاية عنهم: ﴿ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الماء ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ وتغشى وُجُوهَهُمْ النار ﴾ فإذا استغاثوا من حر جهنم صب عليهم القطران الذي يعم كل أبدانهم كالقميص وقوله تعالى: ﴿ يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل ﴾ وارد على سبيل الاستهزاء كقوله: تحية بينهم ضرب وجيع *** ثم قال تعالى: ﴿ بِئْسَ الشراب ﴾ أي أن الماء الذي هو كالمهل بئس الشراب لأن المقصود بشرب الشراب تسكين الحرارة وهذا يبلغ في احتراق الأجسام مبلغاً عظيماً ثم قال تعالى: ﴿ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا ﴾ قال قائلون: ساءت النار منزلاً ومجتمعاً للرفقة لأن أهل النار يجتمعون رفقاء كأهل الجنة.
قال تعالى في صفة أهل الجنة: ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ﴾ وأما رفقاء النار فهم الكفار والشياطين والمعنى بئس الرفقاء هؤلاء وبئس موضع الترافق النار كما أنه نعم الرفقاء أهل الجنة ونعم موضع الرفقاء الجنة.
وقال آخرون مرتفقاً أي متكأ، وسمي المرفق مرفقاً لأنه يتكأ عليه، فالإتكاء إنما يكون للاستراحة، والمرتفق موضع الاستراحة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقُلِ الحق مِن رَّبّكُمْ ﴾ الحق خبر مبتدأ محذوف.
والمعنى: جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختياركم لأنفسكم ما شئتم من الأخذ في طريق النجاة أو في طريق الهلاك.
وجيء بلفظ الأمر والتخيير، لأنه لما مكن من اختيار أيهما شاء، فكأنه مخير مأمور بأن يتخير ما شاء من النجدين.
شبه ما يحيط بهم من النار بالسرادق، وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط وبيت مسردق: ذو سرادق وقيل: هو دخان يحيط بالكفار قبل دخولهم النار.
وقيل: حائط من نار يطيف بهم ﴿ يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل ﴾ كقوله: ......
فَأَعْتَبُوا بِالصَّيْلَمِ وفيه تهكم.
والمهل: ما أذيب من جواهر الأرض.
وقيل: درديّ الزيت ﴿ يَشْوِى الوجوه ﴾ إذا قدم ليشرب انشوى الوجه من حرارته.
عن النبي صلى الله عليه وسلم: «هو كعكر الزيت، فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه» ﴿ بِئْسَ الشراب ﴾ ذلك ﴿ وَسَاءتْ ﴾ النار ﴿ مُرْتَفَقًا ﴾ متكأ من المرفق، وهذا لمشاكلة قوله ﴿ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً ﴾ [الكهف: 31] وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتكاء، إلا أن يكون من قوله: إنِّي أرِقْتُ فَبِتُّ اللَّيْلَ مُرْتَفِقا ** كَأَنَّ عَيْنِي فِيهَا الصَّابُ مَذبُوح <div class="verse-tafsir"
﴿ وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ ﴾ الحَقُّ ما يَكُونُ مِن جِهَةِ اللَّهِ لا ما يَقْتَضِيهِ الهَوى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَقُّ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ و ﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ حالًا.
﴿ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ لا أُبالِي بِإيمانِ مَن آمَنَ ولا كُفْرِ مَن كَفَرَ، وهو لا يَقْتَضِي اسْتِقْلالَ العَبْدِ بِفِعْلِهِ فَإنَّهُ وإنْ كانَ بِمَشِيئَتِهِ فَمَشِيئَتُهُ لَيْسَتْ بِمَشِيئَتِهِ.
﴿ إنّا أعْتَدْنا ﴾ هَيَّأْنا.
﴿ لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها ﴾ فُسْطاطُها، شَبَّهَ بِهِ ما يُحِيطُ بِهِمْ مِنَ النّارِ.
وقِيلَ السُّرادِقُ الحُجْرَةُ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الفُسْطاطِ.
وقِيلَ سُرادِقُها دُخانُها وقِيلَ حائِطٌ مِن نارٍ ﴿ وَإنْ يَسْتَغِيثُوا ﴾ مِنَ العَطَشِ.
﴿ يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ ﴾ كالجَسَدِ المُذابِ.
وقِيلَ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ وهو عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: فَأُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ.
﴿ يَشْوِي الوُجُوهَ ﴾ إذا قُدِّمَ لِيُشْرَبَ مِن فَرْطِ حَرارَتِهِ، وهو صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِماءٍ أوْ حالٌ مِنَ المُهْلِ أوِ الضَّمِيرِ في الكافِ.
﴿ بِئْسَ الشَّرابُ ﴾ المُهْلُ.
﴿ وَساءَتْ ﴾ النّارُ.
﴿ مُرْتَفَقًا ﴾ مُتَّكَأً وأصْلُ الِارْتِفاقِ نَصْبُ المِرْفَقِ تَحْتَ الخَدِّ، وهو لِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ ﴿ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ وإلّا فَلا ارْتِفاقَ لِأهْلِ النّارِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَقُلِ الحق مِن رَّبّكُمْ} أي الإسلام أو القرآن والحق خبر مبتدأ محذوف أي هو {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} أي جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختياركم لأنفسكم ما شئتم من الأخذ في طريق النجاة أو في طريق الهلاك وجئ بلفظ الأمر والتخيير لأنه لما مكن من اختيار أيهما شاء فكأنه مخير مأمور بأن يتخير ما شاء من النجدين ثم ذكر جزاء من اختيار الكفر فقال إِنَّا أَعْتَدْنَا هيأنا للظالمين للكافرين فقيد بالسباق كما تركت حقيقة الأمر والتخيير بالسياق وهو قوله إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاطبهم سُرَادِقُهَا شبه ما يحيط بهم من النار بالسرا دق وهي الحجرة التي تكون حول الفسطاط أو هو دخان يحيط بالكفار قبل دخولهم النار أو هو حائط من نار يطيف بهم وَإِن يَسْتَغِيثُواْ من العطش يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل هو دردي الزيت أو ما بِئْسَ الشراب
ذلك وَسَاءتْ النار مُرْتَفَقًا متكأ من الرفق وهذه لمشاكلة قوله وحسنت مرتفقا وإلا فلا ارتفاق لأهل النار
﴿ وقُلِ ﴾ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ أغْفَلْنا قُلُوبَهم عَنِ الذِّكْرِ واتَّبَعُوا هَواهم ﴿ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هَذا الَّذِي أُوحِيَ إلَيَّ الحَقُّ و ﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والأوَّلُ أوْلى، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ فالفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها بِطَرِيقِ التَّهْدِيدِ؛ أيْ: عَقِيبَ تَحْقِيقِ أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيهِ لازِمُ الِاتِّباعِ مَن شاءَ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ ويَتَّبِعَهُ فَلْيَفْعَلْ كَسائِرِ المُؤْمِنِينَ ولا يَتَعَلَّلْ بِما لا يَكادُ يَصْلُحُ لِلتَّعَلُّلِ ومَن شاءَ أنْ يَكْفُرَ بِهِ ويَنْبِذَهُ وراءَ ظَهْرِهِ فَلْيَفْعَلْ، وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ وإظْهارِ الِاسْتِغْناءِ عَنْ مُتابَعَتِهِمُ الَّتِي وعَدُوها في طَرْدِ المُؤْمِنِينَ وعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ وبِإيمانِهِمْ وُجُودًا وعَدَمًا ما لا يَخْفى.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ الحَقُّ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا الأوَّلَ، قالَ في الكَشْفِ: ووَجْهُ إيثارِ الحَذْفِ أنَّ المَعْنى عَلَيْهِ أتَمُّ التِئامًا؛ لِأنَّهُ لَمّا أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالمُداوَمَةِ عَلى تِلاوَةِ هَذا الكِتابِ العَظِيمِ الشَّأْنِ في جُمْلَةِ التّالِينَ لَهُ حَقَّ التِّلاوَةِ المُرِيدِينَ وجْهَهُ تَبارَكَ وتَعالى غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى زَخارِفِ الدُّنْيا فَمَن أُوتِيَ هَذِهِ النِّعْمَةَ العُظْمى فَلَهُ بِشُكْرِها اشْتِغالٌ عَنْ كُلِّ شاغِلٍ ذَيَّلَهُ لِإزاحَةِ الأعْذارِ والعِلَلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وقُلِ ﴾ إلَخْ؛ أيْ: هَذا الَّذِي أُوحِيَ هو الحَقُّ فَمَن شاءَ فَلْيَدْخُلْ في سِلْكِ الفائِزِينَ بِهَذِهِ السَّعادَةِ ومَن شاءَ فَلْيَكُنْ في الهالِكِينَ انْهِماكًا في الضَّلالَةِ، أمّا لَوْ جُعِلَ مُبْتَدَأً فالتَّعْرِيفُ إنْ كانَ لِلْعَهْدِ رَجَعَ إلى الأوَّلِ مَعَ فَواتِ المُبالَغَةِ وإنْ كانَ لِلْجِنْسِ عَلى مَعْنى: جَمِيعُ الحَقِّ مِن رَبِّكم لا مِن غَيْرِهِ ويَشْمَلُ الكِتابَ شُمُولًا أوَّلِيًّا لَمْ يُطَبَّقِ المُفَصَّلُ؛ إذْ لَيْسَ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ كَوْنَهُ مِنهُ تَعالى لا غَيْرُ، بَلْ كَوْنُهُ حَقًّا لازِمَ الِاتِّباعِ لا غَيْرُ.
اه.
وهُوَ كَلامٌ يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ ويُشْعِرُ ظاهِرُهُ بِحَمْلِ الدُّعاءِ عَلى ثانِي الأقْوالِ فِيهِ، وكَوْنُ المُشارِ إلَيْهِ الكِتابَ مُطْلَقًا لا المُتَضَمِّنَ الأمْرَ بِصَبْرِ النَّفْسِ مَعَ المُؤْمِنِينَ وتَرْكِ الطّاعَةِ لِلْغافِلِينَ كَما جَوَّزَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الحَقُّ مُبْتَدَأً قِيلَ: المُرادُ أنَّهُ القُرْآنُ كَما كانَ المُرادُ مِنَ المُشارِ إلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ خَبَرًا وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ، وقالَ الضَّحّاكُ: هو التَّوْحِيدُ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: الإسْلامُ والقُرْآنُ.
وقالَ مَكِّيٌّ: المُرادُ بِهِ التَّوْفِيقُ والخِذْلانُ؛ أيْ: قُلِ: التَّوْفِيقُ والخِذْلانُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ فَيُوَفِّقُهُ فَيُؤْمِنُ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ فَيَخْذُلُهُ فَيَكْفُرُ لَيْسَ إلَيَّ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ﴾ إلَخْ تَهْدِيدًا مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرَ داخِلٍ تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، فالفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِنَ التَّهْدِيدِ عَلى نَفْسِ الأمْرِ؛ أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ وبَعْدَ ذَلِكَ مِن شاءَ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ أوْ أنْ يُصَدِّقَكَ فِيهِ فَلْيَفْعَلْ ومَن شاءَ أنْ يَكْفُرَ بِهِ أوْ أنْ يُكَذِّبَكَ فِيهِ فَلْيَفْعَلْ، وعَلى الوَجْهَيْنِ لَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ الأمْرِ والتَّخْيِيرِ؛ وهو ظاهِرٌ.
وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّ الأمْرَ بِالكُفْرِ غَيْرُ مُرادٍ وهو اسْتِعارَةٌ لِلْخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ بِتَشْبِيهِ حالِ مَن هو كَذَلِكَ بِحالِ المَأْمُورِ بِالمُخالَفَةِ ووَجْهُ الشَّبَهِ عَدَمُ المُبالاةِ والِاعْتِناءِ، وهَذا كَقَوْلِ كُثَيِّرٍ: أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ مُسْتَقِلٌّ في أفْعالِهِ مُوجِدٌ لَها؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ فِيها تَحَقُّقَ الإيمانِ والكُفْرِ عَلى مَحْضِ مَشِيئَتِهِ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الشَّرْطِ أنَّهُ عِلَّةٌ تامَّةٌ لِلْجَزاءِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مُسْتَقِلٌّ في إيجادِهِما ولا فَرْقَ بَيْنَ فِعْلٍ وفِعْلٍ فَهو المُوجِدُ لِكُلِّ أفْعالِهِ.
وأُجِيبَ بِأنّا لَوْ فَرَضْنا أنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ مُؤَثِّرَةٌ ومُوجِدَةٌ لِلْأفْعالِ لا يَتِمُّ المَقْصُودُ لَأنَّ العَقْلَ والنَّقْلَ يَدُلّانِ عَلى تَوَقُّفِها عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهم قالُوا: لَوْ لَمْ تَتَوَقَّفْ عَلى ذَلِكَ لَزِمَ الدَّوْرُ أوِ التَّسَلْسُلُ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: ﴿ وما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ ومَعَ هَذا التَّوَقُّفِ لا يَتِمُّ أمْرُ الِاسْتِقْلالِ ويَثْبُتُ أنَّ العَبْدَ مُضْطَرٌّ في صُورَةِ مُخْتارٍ؛ وهو مَذْهَبُ الأشاعِرَةِ، وفي الإحْياءِ لِحُجَّةِ الإسْلامِ: فَإنْ قُلْتَ: إنِّي أجِدُ في نَفْسِي وِجْدانًا ضَرُورِيًّا أنِّي إنْ شِئْتُ الفِعْلَ قَدَرْتُ عَلَيْهِ وإنْ شِئْتُ التَّرْكَ قَدَرْتُ عَلَيْهِ فالفِعْلُ والتَّرْكُ بِي لا بِغَيْرِي قُلْتُ: هَبْ أنَّكَ تَجِدُ مِن نَفْسِكَ هَذا المَعْنى ولَكِنْ هَلْ تَجِدُ مِن نَفْسِكَ أنَّكَ إنْ شِئْتَ مَشِيئَةَ الفِعْلِ حَصَلَتْ تِلْكَ المَشِيئَةُ أوْ لَمْ تَشَأْ تِلْكَ المَشِيئَةَ لَمْ تَحْصُلْ لِأنَّ العَقْلَ يَشْهَدُ بِأنَّهُ يَشاءُ الفِعْلَ لا لِسَبْقِ مَشِيئَةٍ أُخْرى عَلى تِلْكَ المَشِيئَةِ وإذا شاءَ الفِعْلَ وجَبَ حُصُولُ الفِعْلِ مِن غَيْرِ مُكْنَةٍ واخْتِيارٍ، فَحُصُولُ المَشِيئَةِ في القَلْبِ أمْرٌ لازِمٌ وتَرَتُّبُ الفِعْلِ عَلى حُصُولِ المَشِيئَةِ أيْضًا أمْرٌ لازِمٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى انْتَهى.
وبَعْضُهم يَكْتَفِي في إثْباتِ عَدَمِ الِاسْتِقْلالِ بِثُبُوتِ تَوَقُّفِ مَشِيئَةِ العَبْدِ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وتَمْكِينِهِ سُبْحانَهُ بِالنَّصِّ ولا يَذْكُرُ حَدِيثَ لُزُومِ الدَّوْرِ أوِ التَّسَلْسُلِ لِما فِيهِ مِنَ البَحْثِ، وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ في كُتُبِ الكَلامِ، وسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى طَرَفًا لائِقًا مِنهُ في المَوْضِعِ اللّائِقِ بِهِ، وقالَ السُّدِّيُّ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ ولَعَلَّهُ أرادَ أنْ لا يُرادَ المُتَبادَرُ مِنها لِلْآيَةِ المَذْكُورَةِ وإلّا فَهو قَوْلٌ باطِلٌ، وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ أنَّ فاعِلَ «شاءَ» في الشَّرْطِيَّتَيْنِ ضَمِيرُهُ تَعالى، واحْتَجَّ لَهُ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى لَهُ الإيمانَ آمَنَ ومَن شاءَ لَهُ الكُفْرَ كَفَرَ.
والحَقُّ أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ «مَن» والرِّوايَةُ عَنِ الحَبْرِ أخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، فَإذا صَحَّتْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القَوْلُ لِبَيانِ أنَّ مَن شاءَ الإيمانَ هو مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى لَهُ الإيمانَ، ومَن شاءَ الكُفْرَ هو مَن شاءَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ ذَلِكَ لا لِبَيانِ مَدْلُولِ الآيَةِ وتَحْقِيقِ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ في آخِرِ الخَبَرِ الَّذِي أخْرَجَهُ الجَماعَةُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وقَرَأ أبُو السَّمّالِ قُعْنُبٌ: «وقُلِ الحَقَّ» بِفَتْحِ اللّامِ حَيْثُ وقَعَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ رَدِيءٌ في العَرَبِيَّةِ، وعَنْهُ أيْضًا ضَمُّ اللّامِ حَيْثُ وقَعَ كَأنَّهُ إتْباعٌ لِحَرَكَةِ القافِ، وقَرَأ أيْضًا: «الحَقَّ» بِالنَّصْبِ وخَرَّجَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَلى تَقْدِيرِ: قُلِ القَوْلَ الحَقَّ و ﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ قِيلَ: حالٌ؛ أيْ: كائِنًا مِن رَبِّكُمْ، وقِيلَ: صِفَةٌ؛ أيِ: الكائِنَ مِن رَبِّكم وفِيهِ بَحْثٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى الثَّقَفِيُّ: «فَلِيُؤْمِن» و«لِيَكْفُرْ» بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ فِيهِما ﴿ إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ ﴾ لِلْكافِرِينَ بِالحَقِّ بَعْدَ ما جاءَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالظّالِمِينَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَشِيئَةَ الكُفْرِ واخْتِيارَهُ تَجاوُزٌ عَنِ الحَدِّ ووَضْعٌ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِما ذُكِرَ مِنَ التَّخْيِيرِ التَّهْدِيدِيِّ، وجَعَلَها مَن جَعَلَ ﴿ فَمَن شاءَ ﴾ إلَخْ تَهْدِيدًا مِن قِبَلِهِ تَعالى تَأْكِيدًا لِلتَّهْدِيدِ وتَعْلِيلًا لِما يُفِيدُهُ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ.
وجُوِّزَ كَوْنُها تَعْلِيلًا لِما يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ التَّخْيِيرِ مِن عَدَمِ المُبالاةِ بِكُفْرِهِمْ وقِلَّةِ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِمْ، ( وأعْتَدْنا ) مِنَ العَتادِ وهو في الأصْلِ ادِّخارُ الشَّيْءِ قَبْلَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقِيلَ: أصْلُهُ أعْدَدْنا فَأبْدَلَ مِن إحْدى الدّالَيْنِ تاءً، والمَعْنى واحِدٌ؛ أيْ: هَيَّأْنا لَهم نارًا عَظِيمَةً عَجِيبَةً ﴿ أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها ﴾ أيْ فُسْطاطُها، شُبِّهَ بِهِ ما يُحِيطُ بِهِمْ مِن لَهَبِها المُنْتَشِرِ مِنها في الجِهاتِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لَهُ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، والإضافَةُ قَرِينَةٌ، والإحاطَةُ تَرْشِيحٌ، وقِيلَ: السُّرادِقُ الحُجْزَةُ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الفُسْطاطِ تَمْنَعُ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ، ويُطْلَقُ عَلى الدُّخانِ المُرْتَفِعِ المُحِيطِ بِالشَّيْءِ، وحَمَلَ عَلَيْهِ بَعْضُهم ما في الآيَةِ وهو أيْضًا مَجازٌ كَإطْلاقِهِ عَلى اللَّهَبِ، وكَلامُ القامُوسِ يُوهِمُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، والمَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ تَفْسِيرُهُ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ اللَّهَبِ والدُّخانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ حائِطٌ مِن نارٍ، وحَكى الكَلْبِيُّ أنَّهُ عُنُقٌ يَخْرُجُ مِنَ النّارِ فَيُحِيطُ بِالكُفّارِ، وحَكى القاضِي الماوَرْدِيُّ أنَّهُ البَحْرُ المُحِيطُ بِالدُّنْيا يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ نارًا ويُحِيطُ بِهِمْ، واحْتَجَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ في التّارِيخِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ وآخَرُونَ عَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: ««إنَّ البَحْرَ هو مِن جَهَنَّمَ ثُمَّ تَلا: ﴿ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها ﴾ »».
والسُّرادِقُ قالَ الرّاغِبُ: فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ ولَيْسَ مِن كَلامِهِمُ اسْمٌ مُفْرَدٌ ثالِثُهُ ألِفٌ وبَعْدَهُ حَرْفانِ انْتَهى، وقَدْ أصابَ في دَعْوى التَّعْرِيبِ؛ فَإنَّ عامَّةَ اللُّغَوِيِّينَ عَلى ذَلِكَ، وأمّا قَوْلُهُ: ولَيْسَ مِن كَلامِهِمْ إلَخْ فَيُكَذِّبُهُ وُرُودُ عُلابِطَ وقُرامِصَ وجُنادِفَ وحُلاحِلَ وكُلُّها بِزِنَةِ سُرادِقٍ ومِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ والغَفْلَةُ مَعَ تِلْكَ الكَثْرَةِ مِن هَذا الفاضِلِ بَعِيدَةٌ فَلْيُنْظَرْ ما مُرادُهُ، ثُمَّ إنَّهُ مُعَرَّبُ سَرايِرْدَهْ؛ أيْ: سُتُرُ الدِّيوانِ، وقِيلَ: سَراطاقْ؛ أيْ: طاقُ الدِّيوانِ، وهو أقْرَبُ لَفْظًا إلّا أنَّ الطّاقَ مُعَرَّبٌ أيْضًا وأصْلُهُ تا أوْ تاكْ، وقالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ: مُعَرَّبُ سَرادَرْ وهو الدِّهْلِيزُ ووَقَعَ في بَيْتِ الفَرَزْدَقِ: تَمَنَّيْتَهم حَتّى إذا ما لَقِيتَهم تَرَكْتَ لَهم قَبْلَ الضِّرابِ السُّرادِقا ويُجْمَعُ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ بِالألِفِ والتّاءِ وإنْ كانَ مُذَكَّرًا فَيُقالُ: سُرادِقاتٌ، وفَسَّرَهُ في النِّهايَةِ بِكُلِّ ما أحاطَ بِمَوْضِعٍ مِن حائِطٍ أوْ مَضْرِبٍ أوْ خِباءٍ، وأمْرُ إطْلاقِهِ عَلى اللَّهَبِ أوِ الدُّخانِ أوْ غَيْرِهِما مِمّا ذُكِرَ عَلى هَذا ظاهِرٌ.
﴿ وإنْ يَسْتَغِيثُوا ﴾ مِنَ العَطَشِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ ﴾ وقِيلَ: مِمّا حَلَّ بِهِمْ مِن أنْواعِ العَذابِ، والمُهْلُ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ ماءٌ غَلِيظٌ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ، وفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ؛ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ وآخَرُونَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كالمُهْلِ ﴾ قالَ: كَعَكِرِ الزَّيْتِ، فَإذا قُرِّبَ إلَيْهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وجْهِهِ فِيهِ».
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو ما أُذِيبَ مِن جَواهِرِ الأرْضِ، وقِيلَ: ما أُذِيبَ مِنَ النُّحاسِ، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ فَدَعا بِذَهَبٍ وفِضَّةٍ فَأذابَهُ، فَلَمّا ذابَ قالَ: هَذا أشْبَهُ شَيْءٍ بِالمُهْلِ الَّذِي هو شَرابُ أهْلِ النّارِ، لَوْنُهُ لَوْنُ السَّماءِ غَيْرَ أنَّ شَرابَ أهْلِ النّارِ أشَدُّ حَرًّا مِن هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ القَيْحُ والدَّمُ الأسْوَدُ، وقِيلَ: هو ضَرْبٌ مِنَ القَطِرانِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يُغاثُوا ﴾ إلَخْ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ كَقَوْلِ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ: غَضِبَتْ تَمِيمٌ أنْ تُقَتَّلَ عامِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ النِّسارِ فَأُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ ﴿ يَشْوِي الوُجُوهَ ﴾ يُنْضِجُها إذا قُدِّمَ لِيُشْرَبَ مِن فَرْطِ حَرارَتِهِ حَتّى أنَّهُ يُسْقِطُ جُلُودَها كَما سَمِعْتَ في الحَدِيثِ، فالوُجُوهُ جَمْعُ وجْهٍ وهو العُضْوُ المَعْرُوفُ، والظّاهِرُ أنَّهُ المُرادُ لا غَيْرُ، وقِيلَ: عَبَّرَ بِالوُجُوهِ عَنْ جَمِيعِ أبْدانِهِمْ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِماءٍ والأُولى ﴿ كالمُهْلِ ﴾ أوْ حالٌ مِنهُ كَما في البَحْرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ وُصِفَ أوْ حالٌ مِنَ المُهْلِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ.
وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ جَوازُ كَوْنِها في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الكافِ لِأنَّها اسْمٌ بِمَعْنى مُشابِهٍ فَيَسْتَتِرُ الضَّمِيرُ فِيها كَما يَسْتَتِرُ فِيهِ وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّكَلُّفِ لِأنَّها لَيْسَتْ صِفَةً مُشْتَقَّةً حَتّى يَسْتَتِرَ فِيها ولَمْ يُعْهَدْ مُشْتَقٌّ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ؛ قالَهُ الخَفاجِيُّ.
وذُكِرَ أنَّ أبا عَلِيٍّ الفارِسِيَّ مَنَعَ في شَرْحِ الشَّواهِدِ جَعْلَ ذُؤابَتِي في قَوْلِ الشّاعِرِ: رَأتْنِي كَأُفْحُوصِ القَطاةِ ذُؤابَتِي.
مَرْفُوعًا بِالكافِ لِكَوْنِها بِمَنزِلِ مِثْلَ وقالَ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالسَّهْلِ؛ لِأنَّ الكافَ لَيْسَتْ عَلى ألْفاظِ الصِّفاتِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُ ذَلِكَ البَعْضَ، إلّا أنَّهُ تَسامُحٌ.
﴿ بِئْسَ الشَّرابُ ﴾ ذَلِكَ الماءُ الَّذِي يُغاثُونَ بِهِ ﴿ وساءَتْ ﴾ النّارُ ﴿ مُرْتَفَقًا ﴾ أيْ: مُتَّكَأً كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، وأصْلُ الِارْتِفاقِ كَما قِيلَ الِاتِّكاءُ عَلى مِرْفَقِ اليَدِ.
قالَ في الصِّحاحِ يُقالُ: باتَ فُلانٌ مُرْتَفِقًا؛ أيْ: مُتَّكِئًا عَلى مِرْفَقِ يَدِهِ، وقِيلَ: نَصْبُ المِرْفَقِ تَحْتَ الخَدِّ فَمُرْتَفَقًا اسْمُ مَكانٍ، ونَصْبُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا لِمُشاكَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ وإلّا فَلا ارْتِفاقَ لِأهْلِ النّارِ ولا اتِّكاءَ إلّا أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِ: إنِّي أرِقْتُ فَبِتُّ اللَّيْلَ مُرْتَفِقا ∗∗∗ كَأنَّ عَيْنِيَ فِيها الصّابُ مَذْبُوحُ أيْ: فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ مِنَ المُشاكَلَةِ ويَكُونُ الكَلامُ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ بِأنْ يَكُونَ لِأهْلِ النّارِ ارْتِفاقٌ فِيها أيِ اتِّكاءٌ عَلى مَرافِقِ أيْدِيهِمْ كَما يَفْعَلُهُ المُتَحَزِّنُ المُتَحَسِّرُ، وقَدْ ذَكَرَ في الكَشْفِ أنَّ الِاتِّكاءَ عَلى الحَقِيقَةِ كَما يَكُونُ لِلتَّنَعُّمِ يَكُونُ لِلتَّحَزُّنِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ وإنْ أمْكَنَ عَقْلًا إلّا أنَّ الظّاهِرَ أنَّ العَذابَ أشْغَلَهم عَنْهُ فَلا يَتَأتّى مِنهم حَتّى يَكُونَ الكَلامُ حَقِيقَةً لا مُشاكَلَةً.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَهَكُّمًا أوْ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ اسْتِراحَتِهِمْ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّ المُرْتَفَقَ المَنزِلُ.
وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ ابْنِ عَطاءٍ: المَقَرُّ، وقَوْلُ العُتْبِيِّ: المَجْلِسُ، وقِيلَ مَوْضِعُ التَّرافُقِ؛ أيْ: ساءَتْ مَوْضِعًا لِلتَّرافُقِ والتَّصاحُبِ، وكَأنَّهُ مُرادُ مُجاهِدٍ في تَفْسِيرِهِ بِالمُجْتَمَعِ، فَإنْكارُ الطَّبَرِيِّ أنْ يَكُونَ لَهُ مَعْنى مُكابَرَةٍ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: ساءَتْ مَطْلَبًا لِلرِّفْقِ لِأنَّ مَن طَلَبَ رِفْقًا مِن جَهَنَّمَ عُدِمَهُ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ المُرْتَفَقُ مَصْدَرًا مِيمِيًّا بِمَعْنى الِارْتِفاقِ والِاتِّكاءِ <div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ، أي: القرآن.
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ، أي: من شاء فليقل: لا إله إِلا الله، ويقال: معناه من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء الله له الكفر كفر.
ويقال: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ من لفظه لفظ المشيئة، والمراد به الأمر، يعني: آمنوا.
وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ لفظه لفظ المشيئة والمراد به الخبر، ومعناه: ومن كفر.
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نَارًا، يعني: للكافرين أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها، يعني: أن دخانها محيط بالكافرين، قال الكلبي ومقاتل: يخرج عنق من النار، فيحيط بهم كالحظيرة.
ثم قال: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا من العطش، يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ، أي أسودَ غليظاً كرديء الزيت، وهذا قول الكلبي والسدي وابن جبير.
وروى عكرمة، عن ابن عباس مثله، ويقال: هو الصفر المذاب، أو النحاس المذاب إذ بلغ غايته في الحر.
وروى الضحاك، عن ابن مسعود: «أنه أذاب فضة من بيت المال، ثم بعث إلى أهل المسجد وقال: من أحب أن ينظر إلى المهل، فلينظر إلى هذا» وقال مجاهد: المهل القيح والدم الأسود كعكر الزيت.
يَشْوِي الْوُجُوهَ، يعني: إذا هوى به إلى فيه أنضج وجهه.
بِئْسَ الشَّرابُ المهل.
وَساءَتْ مُرْتَفَقاً، يقول: بئس المنزل النار، رفقاؤهم فيها الشياطين والكفار.
وَساءَتْ مُرْتَفَقاً، أي مجلساً.
وأصل الارتفاق: الاتكاء على المرفق.
قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، أي لا نبطل ثواب من أحسن عملاً في الآخرة.
ثم بين ثوابهم فقال: أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ، العدن: الإقامة، ويقال: العدن بطنان الجنة، وهي وسطها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ، السندس: ما لطف من الديباج، والاستبرق: ما ثخن من الديباج وقال القتبي: يقول قوم: هو فارسي معرب، أصله استبرك، وقال الزجاج في قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ: يجوز أن يكون خبره: إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، كأنه يقول: إنا لا نضيع أجرهم، ويحتمل أن يكون الجواب قوله: أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ ويجوز أن يكون جوابه لم يذكر.
وقد بيَّن ثواب من أحسن عملاً في موضع آخر، وهو قوله: مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً وقوله أَساوِرَ جمع أسورة، واحدها سوار والأسورة جمع الجمع.
مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ، أي على السرر في الحجال، ولا يكون أريكة إلا إذا اجتمعا على السرير والحجلة.
نِعْمَ الثَّوابُ الجنة، وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً، أي: منزلاً في الجنة، قُرناؤهم الأنبياء والصالحون.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ...
الآية: تقدَّم تفسيرها.
وقوله سبحانه: وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ، أي: لا تتجاوزْ عنهم إِلى أبناء الدنيا، وقرأ «١» الجمهور: «مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ» بنصب الباء على معنى جَعَلْنَاهُ غافلاً، «والفُرُط» :
يحتملُ أن يكون بمعنى التفريط، ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف، وقد فسَّره المتأوّلون بالعبارتين.
وقوله سبحانه: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ المعنى: وقل لهم يا محمَّد هذا القرآن هو الحقُّ، ت: وقد ذم اللَّه تعالى الغافلين عَنْ ذكره والمُعْرِضين عن آياته في غيرما آية من كتابه، فيجبُ الحذر مما وقَع فيه أولئك، ولقد أحسن العارفُ في قوله: غفلة ساعة عن ربك مكدرة لمرآة قلبك، فكيف بَغْفلتكَ جميعَ عُمُرك.
وقد روي أبو هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قالَ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِساً لَمْ يَذْكُروا اللَّهَ فِيه ولَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهمْ، إِلاَّ كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةٌ، فإنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وإِنْ شَاءَ غَفَر لَهُمْ» «٢» رواه أبو داود والترمذيّ والنسائي والحاكم وابن
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وقُلِ الَّذِي أتَيْتُكم بِهِ: الحَقُّ مِن رَبِّكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: فَمَن شاءَ اللَّهُ فَلْيُؤْمِن، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ وعِيدٌ وإنْذارٌ ولَيْسَ بِأمْرٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ: لا تَنْفَعُونَ اللَّهَ بِإيمانِكم ولا تَضُرُّونَهُ بِكُفْرِكُمْ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: هَذا إظْهارٌ لِلْغِنى لا إطْلاقَ في الكُفْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أعْتَدْنا ﴾ ؛ أيْ: هَيَّأْنا وأعْدَدْنا، وقَدْ شَرَحْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً ﴾ .
فَأمّا الظّالِمُونَ، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هُمُ الكافِرُونَ.
وأمّا السُّرادِقُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: السُّرادِقُ: كُلُّ ما أحاطَ بِشَيْءٍ، نَحْوُ: الشُّقَّةُ في المِضْرَبِ، أوِ الحائِطِ المُشْتَمِلِ عَلى الشَّيْءِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: السُّرادِقُ: الحُجْرَةُ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الفُسْطاطِ.
وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، قالَ: السُّرادِقُ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وأصْلُهُ بِالفارِسِيَّةِ: سَرادارُ، وهو الدِّهْلِيزُ، قالَ الفَرَزْدَقُ: تَمَنَّيْتُهم حَتّى إذا ما لَقِيتُهم تَرَكْتُ لَهم قَبْلَ الضِّرابِ السُّرادِقا وَفِي المُرادِ بِهَذا السُّرادِقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُرادِقٌ مِن نارٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ أنَّهُ قالَ: " «لِسُرادِقِ النّارِ أرْبَعَةُ جُدُرٍ كُثُفٌ، كُلُّ جِدارٍ مِنها مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً» " .
وفي رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: السُّرادِقُ: لِسانٌ مِنَ النّارِ، يَخْرُجُ مِنَ النّارِ فَيُحِيطُ بِهِمْ حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ دُخانٌ يُحِيطُ بِالكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو الظِّلُّ ذُو ثَلاثِ شُعَبٍ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في ( المُرْسَلاتِ: ٣٠ )، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَسْتَغِيثُوا ﴾ ؛ أيْ: مِمّا هم فِيهِ مِنَ العَذابِ وشِدَّةِ العَطَشِ، ﴿ يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ ﴾ وفِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ ماءٌ غَلِيظٌ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ كُلُّ شَيْءٍ أُذِيبَ حَتّى انْماعَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ أذَبْتَهُ مِن نُحاسٍ أوْ رَصاصٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَهَوْل مُهْلٌ.
والثّالِثُ: قَيْحٌ ودَمٌ أسْوَدٌ كَعَكِرِ الزَّيْتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الفِضَّةُ والرَّصاصُ يُذابانِ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.
والخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي انْتَهى حَرُّهُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والسّادِسُ: [ أنَّهُ ] الصَّدِيدُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قالَ مُغِيثُ بْنُ سُمَيِّ: هَذا الماءُ هو ما يَسِيلُ مِن عَرَقِ أهْلِ المَوْقِفِ في الآَخِرَةِ وبُكائِهِمْ، وما يَجْرِي مِنهم مِن دَمٍ وقَيْحٍ، يَسِيلُ ذَلِكَ إلى وادٍ في جَهَنَّمَ فَتَطْبُخُهُ جَهَنَّمُ، فَيَكُونُ أوَّلَ ما يُغاثُ بِهِ أهْلُ النّارِ.
والسّابِعُ: أنَّهُ الرَّمادُ الَّذِي يُنْفَضُ عَنِ الخُبْزَةِ إذا خَرَجَتْ مِنَ التَّنُّورِ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَشْوِي الوُجُوهَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا قَرَّبَهُ إلَيْهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وجْهِهِ فِيهِ، ثُمَّ ذَمَّهُ فَقالَ: " ﴿ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ ﴾ النّارُ ﴿ مُرْتَفَقًا ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَنزِلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مُجْتَمَعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: مُتَّكَأً، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِأبِي ذُؤَيْبٍ: إنِّي أرِقْتُ فَبِتُّ اللَّيْلَ مُرْتَفِقًا ∗∗∗ كَأنَّ عَيْنِي فِيها الصّابُ مَذْبُوحُ وَذَبْحُهُ: انْفِجارُهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: " مُرْتَفِقًا " مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، ومَعْنى مُرْتَفِقًا: مُتَّكَأً عَلى المِرْفَقِ.
والرّابِعُ: ساءَتْ مَجْلِسًا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والخامِسُ: ساءَتْ مَطْلَبًا لِلرِّفْقِ؛ لِأنَّ مَن طَلَبَ رِفْقًا مِن جِهَتِها عَدِمَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
ومَعانِي هَذِهِ الأقْوالِ تَتَقارَبُ، وأصْلُ المِرْفَقِ في اللُّغَةِ: ما يُرْتَفَقُ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْناكَ عنهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُنْيا ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عن ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا ﴾ ﴿ وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عُظَماءَ الكُفّارِ قِيلَ: مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ عَيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وأصْحابُهُ، والأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، قالُوا لِرَسُولِ اللهِ : لَوْ أبْعَدْتَ هَؤُلاءِ عن نَفْسِكَ لَجالَسْناكَ وصَحِبْناكَ، يُرِيدُونَ: عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، وصُهَيْبَ بْنَ سِنانٍ، وسَلْمانَ الفارِسِيَّ، وعَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وغَيْرَهم مِنَ الفُقَراءِ كَبِلالٍ ونَحْوِهِ، وقالُوا: إنَّ رِيحَ جِبابِهِمْ تُؤْذِينا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ خَرَجَ إلَيْهِمْ، وجَلَسَ بَيْنَهم وقالَ: « "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِن أُمَّتِي مَن أُمِرْتُ أنْ أصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُ"،» وَرُوِيَ أنَّهُ قالَ لَهُمْ: « "مَرْحَبًا بِالَّذِينِ عاتَبَنِي فِيهِمْ رَبِّي"،» ورَوى سَلْمانُ أنَّ المُؤَلَّفَةَ قُلُوبَهُمْ، عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، والأقْرَعَ، وذَوِيهِمْ قالُوا ما ذُكِرَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالآيَةُ -عَلى هَذا- مَدَنِيَّةٌ، ويُشَبَّهُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَكِّيَّةً، وفَعَلَ المُؤَلَّفَةُ فِعْلَ قُرَيْشٍ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِالآيَةِ.
و"اصْبِرْ" مَعْناهُ: احْبِسْ، ومِنهُ المَصْبُورَةُ الَّتِي جاءَ فِيها الحَدِيثُ « "نَهى رَسُولُ اللهِ عن صَبْرِ الحَيَوانِ"،» أيْ: حَبْسِهِ لِلرَّمْيِ ونَحْوِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "بِالغَداةِ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "بِالغَدْوَةِ"، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ، وهي في الخَطِّ عَلى القِراءَتَيْنِ بِالواوِ، فَمَن يَقْرَأْها "بِالغَداةِ" فَيَكْتُبُها كَما تُكْتَبُ "الصَلاةُ والزِكْوَةُ"، وفي قِراءَةِ مَن قَرَأ: "بِالغَدْوَةِ" ضَعْفٌ؛ لِأنَّ "غَدْوَةَ" اسْمٌ مُعَرَّفٌ فَحَقُّهُ ألّا تُدْخِلَ عَلَيْهِ الألِفَ واللامَ، ووَجْهُ القِراءَةِ بِذَلِكَ أنَّهم ألْحَقُوها ضَرْبًا مِنَ التَنْكِيرِ؛ إذْ قالُوا: "جِئْتُ غَدْوَةً"، يُرِيدُونَ: مِنَ الغَدَواتِ، فَحَسُنَ دُخُولُ الألِفِ واللامِ، كَقَوْلِهِمُ: الفَيْنَةُ، وفَيْنَةُ اسْمٌ مُعَرَّفٌ.
والإشارَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ إلى الصَلَواتِ الخَمْسِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ العَصْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَدْخُلُ في الآيَةِ مَن يَدْعُو في غَيْرِ صَلاةٍ، ومَن يَجْتَمِعُ لِمُذاكَرَةِ عِلْمٍ.
وقَدْ رَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "لَذِكْرُ اللهِ بِالغَداةِ والعَشِيِّ أفْضَلُ مِن حَطْمِ السُيُوفِ في سَبِيلِ اللهِ، ومِن إعْطاءِ المالِ سَحًّا".» وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "بِالغُدُوِّ" دُونَ هاءٍ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بِالغَدَواتِ والعَشِيّاتِ" عَلى الجَمْعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عنهُمْ ﴾ ، أيْ: لا تَتَجاوَزْ عنهم إلى أبْناءِ الدُنْيا والمَلابِسِ مِنَ الكُفّارِ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلا تُعَدِّ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ العَيْنِ وشَدِّ الدالِّ المَكْسُورَةِ، أيْ: لا تُجاوِزْها أنْتَ عنهُمْ، ورُوِيَ عنهُ: "وَلا تُعْدِ" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ العَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مَن أغْفَلْنا ﴾ ، قِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ مُعَيَّنًا وهو عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، والأقْرَعُ، قالَهُ خِبابٌ، وقِيلَ: إنَّما أرادَ مِن هَذِهِ صَفَّتْهُ، وإنَّما المُرادُ أوَّلًا كُفّارُ قُرَيْشٍ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أغْفَلْنا قَلْبَهُ" بِنَصْبَ الباءِ، عَلى مَعْنى: جَعَلْناهُ غافِلًا، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ، ومُوسى الأسْوارِيُّ: "أغْفَلَنا قَلْبُهُ"، عَلى مَعْنى: أهْمَلَ ذِكْرَنا وتَرَكَهُ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ المَعْنى: مَن ظَنَّنا غافِلِينَ عنهُ، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: إنَّها قِراءَةُ عَمْرِو بْنِ عَبِيدٍ.
و"الفَرْطُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَفْرِيطِ والتَضْيِيعِ، أيْ أمْرُهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يَلْتَزِمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإفْراطِ والإسْرافِ، أيْ أمْرُهُ وهَواهُ الَّذِي هو بِسَبِيلِهِ، وقَدْ فَسَّرَ المُتَأوِّلُونَ بِالعِبارَتَيْنِ، أعْنِي التَضْيِيعَ والإسْرافَ، وعَبَّرَ عنهُ خِبابٌ بِالهَلاكِ، وداوُدُ بِالنَدامَةِ، وابْنُ زَيْدٍ بِالخِلافِ لِلْحَقِّ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ ﴾ الآيَةَ.
المَعْنى: وقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: هَذا الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ، أيْ: هَذا القُرْآنُ، أو هَذا الإعْراضُ عنكُمْ، وتَرْكُ الطاعَةِ لَكُمْ، وصَبْرُ النَفْسِ مَعَ المُؤْمِنِينَ.
وقَرَأ قُعْنُبٌ وأبُو السَمّالِ: "وَقُلَ" بِفَتْحِ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ رَدِيءٌ في العَرَبِيَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ﴾ الآيَةُ، تَوَعُّدٌ وتَهْدِيدٌ، أيْ: فَلْيَخْتَرْ كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ ما يَجِدُهُ غَدًا عِنْدَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
وتَأوَّلَتْ فِرْقَةٌ: فَمَن شاءَ اللهُ إيمانَهُ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ اللهُ كُفْرَهُ فَلْيَكْفُرْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُتَوَجِّهٌ، أيْ: فَحَقُّهُ الإيمانُ وحَقُّهُ الكُفْرُ، ثُمَّ عَبَّرَ عن ذَلِكَ بِلَفْظِ الأمْرِ إلْزامًا وتَحْرِيضًا مِن حَيْثُ لِلْإنْسانِ - في ذَلِكَ - التَكَسُّبُ الَّذِي بِهِ يَتَعَلَّقُ ثَوابُ الإيمانِ وعِقابُ الكُفْرِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ: "فَلِيُؤْمِن..
ولِيَكْفُرْ" بِكَسْرِ اللامَيْنِ.
و"أعْتَدْنا" مَأْخُوذٌ مِنَ العَتادِ، وهو الشَيْءُ المُعَدُّ الحاضِرُ.
و"السُرادِقُ" هو الجِدارُ المُحِيطُ كالحِجارَةِ الَّتِي تَدُورُ وتُحِيطُ الفُسْطاطَ، وقَدْ تَكُونُ مِن نَوْعِ الفُسْطاطِ أدِيمًا أو ثَوْبًا أو نَحْوَهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: يا حَكَمَ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودِ ∗∗∗ سُرادِقُ المَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودُ وَمِنهُ قَوْلُ سَلامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ: هو المُولِجُ النُعْمانَ بَيْتًا سَماؤُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ صُدُورُ الفُيُولِ بَعْدَ بَيْتٍ مُسَرْدَقٍ وقالَ الزَجاجُ: "السُرادِقُ": كُلُّ ما أحاطَ بِالشَيْءٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي أخَصُّ مِمّا قالَ الزَجاجُ.
واخْتُلِفَ في سُرادِقِ النارِ - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُرادِقُها حائِطٌ مِن نارٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سُرادِقُها دُخّانٌ يُحِيطُ بِالكُفّارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ﴾ .
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإحاطَةُ هي في الدُنْيا، والسُرادِقُ: البَحْرُ، ورُوِيَ هَذا المَعْنى مِن طَرِيقِ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ عَنِ النَبِيِّ ، فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أحاطَ بِهِمْ ﴾ ، أيْ: بِالبَشَرِ، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ الحَدِيثَ عن يَعْلى، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ : « "البَحْرُ هُو جَهَنَّمُ"،» وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: « "واللهِ لا أدْخُلُهُ أبَدًا، أو ما دُمْتُ حَيًّا"،» ورُوِيَ عنهُ أيْضًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ: « "لِسُرادِقِ النارِ أرْبَعَةُ جُدُرٍ كُثُفٍ، عَرْضُ كُلِّ جَدارٍ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً".» وقَوْلُهُ تَعالى: "يُغاثُوا" أيْ يَكُونُ لَهم مَقامُ الغَوْثِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِ الشاعِرِ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ أيِ: القائِمُ مَقامَ التَحِيَّةِ.
و"المُهْلُ"، قالَ أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَبِيِّ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هو دُرْدِيُّ الزَيْتِ إذا انْتَهى حَرُّهُ، وقالَتْ فَرِقَّةٌ: هو كُلُّ مائِعٍ سُخِّنَ حَتّى انْتَهى حَرُّهُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: كُلُّ ما أُذِيبَ مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو رَصاصٍ أو نَحْوَ هَذا مِنَ الفِلِزِّ حَتّى تَمَيَّعَ، ورُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ أُهْدِيَتْ إلَيْهِ سِقايَةٌ مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ فَأمَرَ بِها فَأُذِيبَتْ حَتّى تَمَيَّعَتْ وتَلَوَّنَتْ ألْوانًا، ثُمَّ دَعا مَن بِبابِهِ مِن أهْلِ الكُوفَةِ فَقالَ: ما رَأيْتُ في الدُنْيا شَيْئًا أدْنى شَبَهًا بِالمَهْلِ مِن هَذا، يُرِيدُ: أدْنى شَبَهًا بِشَرابِ أهْلِ النارِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "المُهْلُ": الصَدِيدُ والدَمُ إذا اخْتَلَطا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ في الكَفَنِ: "إنَّما هو لِلْمُهْلَةِ"، يُرِيدُ: لِما يَسِيلُ مِنَ المَيِّتِ في قَبْرِهِ، ويَقْوى هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن ماءٍ صَدِيدٍ ﴾ الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَشْوِي الوُجُوهَ ﴾ رُوِيَ في مَعْناهُ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "تُقَرَّبُ الشَرْبَةُ مِنَ الكافِرِ، فَإذا دَنَتْ مِنهُ تَكَرَّهَها، فَإذا دَنَتْ أكْثَرَ شَوَتْ وجْهَهُ وسَقَطَتْ فِيها فَرْوَةَ وجْهِهِ، وإذا شَرَبَ تَقَطَّعَتْ أمْعاؤُهُ".» و"المُرْتَفَقُ": الشَيْءُ الَّذِي يُرْتَفَقُ بِهِ، أيْ يَطْلُبُ رِفْقَهُ، و"المُرْتَفَقُ" الَّذِي هو المُتَّكَأُ أخَصُّ مِن هَذا الَّذِي في الآيَةِ؛ لِأنَّهُ في شَيْءٍ واحِدٍ مِن مَعْنى الرِفْقِ، عَلى أنَّ الطَبَرِيَّ قَدْ فَسَّرَ الآيَةَ بِهِ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ "المُرْتَفَقُ" بِمَعْنى الشَيْءِ الَّذِي يُطْلَبُ رَفْقِهِ بِاتِّكاءٍ وغَيْرِهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: "المُرْتَفَقُ": المُجْتَمَعُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّهُ ذَهَبَ بِها إلى مَوْضِعِ الرَفاقَةِ، ومِنهُ الرُفْقَةُ، وهَذا كُلُّهُ راجِعٌ إلى الرِفْقِ، وأنْكَرَ الطَبَرِيُّ أنْ يَعْرِفَ لِقَوْلِ مُجاهِدٍ مَعْنًى، والقَوْلُ بَيِّنُ الوَجْهِ، واللهُ المُعِينُ.
<div class="verse-tafsir"
بعد أن أمر الله نبيئه صلى الله عليه وسلم بما فيه نقض ما يفتلونه من مقترحاتهم وتعريضٌ بتأييسهم من ذلك أمره أن يصارحهم بأنه لا يعدل عن الحق الذي جاءه من الله، وأنه مبلغه بدون هوادة، وأنه لا يرغب في إيمانهم ببعضه دون بعض، ولا يتنازل إلى مشاطرتهم في رغباتهم بشطر الحق الذي جاء به، وأن إيمانهم وكفرهم موكول إلى أنفسهم، لا يحسبون أنهم بوعد الإيمان يستنزلون النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض ما أوحى إليه.
و ﴿ الحق ﴾ خبر مبتدأ محذوف معلوم من المقام، أي هذا الحق.
والتعبير ب ﴿ ربكم ﴾ للتذكير بوجوب توحيده.
والأمر في قوله: ﴿ فليؤمن ﴾ وقوله: ﴿ فليكفر ﴾ للتسوية المكنى بها عن الوعد والوعيد.
وقدم الإيمان على الكفر لأن إيمانهم مرغوب فيه.
وفاعل المشيئة في الموضعين ضمير عائد إلى (من) الموصولة في الموضعين.
وفعل «يؤمن، ويكفر» مستعملان للمستقبل، أي من شاء أن يوقع أحد الأمرين ولو بوجه الاستمرار على أحدهما المتلبس به الآن فإن العزم على الاستمرار عليه تجديد لإيقاعه.
وجملة ﴿ إنا أعتدنا للظالمين ناراً ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن ما دل عليه الكلام من إيكال الإيمان والكفر إلى أنفسهم وما يفيده من الوعيد كلاهما يثير في النفوس أن يقول قائل: فماذا يلاقي من شاء فاستمر على الكفر، فيجاب بأن الكفر وخيم العاقبة عليهم.
والمراد بالظالمين: المشركون قال تعالى: ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ [لقمان: 13].
وتنوين ناراً} للتهويل والتعظيم.
والسرادق بضم السين قيل: هو الفسطاط، أي الخيمة.
وقيل: السرادق: الحُجزة بضم الحاء وسكون الزاي، أي الحاجز الذي يكون محيطاً بالخَيمة يمنع الوصول إليها، فقد يكون من جنس الفسطاط أديماً أو ثوباً وقد يكون غير ذلك كالخندق.
وهو كلمة معربة من الفارسية.
أصلها (سراطاق) قالوا: ليس في كلام العرب اسم مفرد ثالثه ألف وبعده حرفان.
والسرادق: هنا تخييل لاستعارة مكنية بتشبيه النار بالدار، وأثبت لها سُرادق مبالغة في إحاطة دار العذاب بهم، وشأن السرادق يكون في بيوت أهل الترف، فإثباته لدار العذاب استعارة تهكمية.
والاستغاثة: طلب الغوث وهو الإنقاذ من شدة وبتخفيف الألم.
وشمل ﴿ يستغيثوا ﴾ الاستغاثة من حر النار يطلبون شيئاً يُبرد عليهم، بأن يصبوا على وجوههم ماء مثلاً، كما في آية الأعراف ﴿ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء ﴾ [الأعراف: 50].
والاستغاثة من شدة العطش الناشئ عن الحر فيسألون الشراب.
وقد أومأ إلى شمول الأمرين ذكر وصفين لهذا الماء بقوله: يشوي الوجوه بئس الشراب } .
والإغاثة: مستعارة للزيادة مما استغيث مِن أجله على سبيل التهكم، وهو من تأكيد الشيء بما يشبه ضده.
والمُهل بضم الميم له معاننٍ كثيرة أشبهها هنا أنه دُردي الزيت فإنه يزيدها التهاباً قال تعالى: ﴿ يوم تكون السماء كالمهل ﴾ [المعارج: 8].
والتشبيه في سواد اللوْن وشدة الحرارة فلا يزيدهم إلا حرارة، ولذلك عقب بقوله: يشوي الوجوه} وهو استئناف ابتدائي.
والوجه أشد الأعضاء تألماً من حر النار قال تعالى: ﴿ تلفح وجوههم النار ﴾ [المؤمنون: 104].
وجملة بئس الشراب } مستأنفة ابتدائية أيضاً لتشنيع ذلك المَاء مشروباً كما شُنع مغتسَلاً.
وفي عكسه الماءُ الممدوح في قوله تعالى: ﴿ هذا مغتسل بارد وشراب ﴾ [ص: 42].
والمخصوص بذم بئس} محذوف دل عليه ما قبله.
والتقدير: بئس الشراب ذلك الماء.
وجملة ﴿ وساءت مرتفقاً ﴾ معطوفة على جملة ﴿ يشوي الوجوه ﴾ ، فهي مستأنفة أيضاً لإنشاء ذم تلك النار بما فيها.
والمرتفق: محل الارتفاق، وهو اسم مكان مشتق من اسم جامد إذ اشتق من المِرْفَققِ وهو مجمع العضد والذراع.
سمي مرفقاً لأن الإنسان يحصل به الرفق إذا أصابه إعياء فيتكئ عليه.
فلما سمي به العضو تنوسي اشتقاقه وصار كالجامد، ثم اشتق منه المُرتفق.
فالمرتفق هو المُتكأ، وتقدم في سورة يوسف.
وشأن المرتفَق أن يكون مكان استراحة، فإطلاق ذلك على النار تهكم، كما أطلق على ما يزاد به عذابهم لفظ الإغاثة، وكما أطلق لى مكانهم السرادق.
وفعل (سَاء) يستعمل استعمالَ (بئس) فيَعمَل عمل (بئس)، فقوله: ﴿ مرتفقاً ﴾ تمييز.
والمخصوص بالذم محذوف كما تقدم في قوله: ﴿ بئس الشراب ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ هَذا وإنْ كانَ خارِجًا مَخْرَجَ التَّخْيِيرِ فَهو عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم لا يَنْفَعُونَ اللَّهَ بِإيمانِهِمْ ولا يَضُرُّونَهُ بِكُفْرِهِمْ.
الثّانِي: فَمَن شاءَ الجَنَّةَ فَلْيُؤْمِن، ومَن شاءَ النّارَ فَلْيَكْفُرْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: فَمَن شاءَ فَلْيُعَرِّضْ نَفْسَهُ لِلْجَنَّةِ بِالإيمانِ، ومَن شاءَ فَلْيُعَرِّضْ نَفْسَهُ لِلنّارِ بِالكُفْرِ.
﴿ إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ سُرادِقَها حائِطٌ مِنَ النّارِ يُطِيفُ بِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: هو دُخانُها ولَهِيبُها قَبْلَ وُصُولِهِمْ إلَيْها، وهو الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ﴿ إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ﴾ ﴿ لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ﴾ .
قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ البَحْرُ المُحِيطُ بِالدُّنْيا.
رَوى يَعْلى بْنُ أُمَيَّةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (البَحْرُ هو جَهَنَّمُ) ثُمَّ تَلا ﴿ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها ﴾ ثُمَّ قالَ (واللَّهِ لا أدْخُلُها أبَدًا ما دُمْتُ حَيًّا ولا يُصِيبُنِي مِنها قَطْرَةٌ)» .
والسُّرادِقُ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وأصْلُهُ سُرادَرْ.
﴿ وَإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ القَيْحُ والدَّمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ شَيْءٍ أُذِيبَ حَتّى انْماعَ; قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الرّابِعُ: هو الَّذِي قَدِ انْتَهى حَرُّهُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قالَ الشّاعِرُ: شابَ بِالماءِ مِنهُ مُهْلًا كَرِيهًا ثُمَّ عَلَّ المُتُونَ بَعْدَ النِّهالِ وَجَعَلَ ذَلِكَ إغاثَةً لِاقْتِرانِهِ بِذِكْرِ الِاسْتِغاثَةِ.
﴿ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ في المُرْتَفَقِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ مُجْتَمَعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، كَأنَّهُ ذَهَبَ إلى مَعْنى المُرافَقَةِ.
الثّانِي: مَنزِلًا قالَهُ الكَلْبِيُّ، مَأْخُوذٌ مِنَ الِارْتِفاقِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ مِنَ الرِّفْقِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ مِنَ المُتَّكَأِ مُضافٌ إلى المِرْفَقِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎ نامَ الخَلِيُّ وبِتُّ اللَّيْلَ مُرْتَفِقًا ∗∗∗ كَأنَّ عَيْنِيَّ فِيها الصّابُ مَذْبُوحُ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ملتحداً ﴾ قال: ملجأ.
وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ ولن تجد من دونه ملتحداً ﴾ ما الملتحد؟
قال: المدخل في الأرض، قال فيه خصيب الضمري: يا لهف نفسي ولهف غير محدثه ** عليّ وما عن قضاء الله ملتحد وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان، عن سلمان قال: جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: عيينة بن بدر، والأقرع بن حابس، فقالوا: يا رسول الله، لو جلست في صدر المجلس وتغيبت عن هؤلاء وأرواح جبابهم- يعنون سلمان، وأبا ذر وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصفوف- جالسناك أو حادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله: ﴿ واتل ما أوحي إليك من كتاب رَبك ﴾ إلى قوله: ﴿ أعتدنا للظالمين ناراً ﴾ يهددهم بالنار.
وأخرج أبو الشيخ عن سلمان قال: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله، فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا والممات» .
وأخرج عبد بن حميد عن سلمان قال: نزلت هذه الآية فيّ وفي رجل دخل على النبي صلى الله عليه وسلم- ومعي شن خوص- فوضع مرفقه في صدري فقال: تَنَحَّ.
حتى ألقاني على البساط، ثم قال: يا محمد، إنا ليمنعنا كثيراً من أمرك هذا وضرباؤه، أن ترى لي قدماً وسواداً، فلو نَحّيْتَهُمْ إذا دخلنا عليك، فإذا خرجنا أذنت لهم إذا شئت.
فلما خرج أنزل الله: ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ﴾ إلى قوله: ﴿ وكان أمره فرطاً ﴾ .
وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه، «عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ فخرج يلتمسهم فوجد قوماً يذكرون الله، فيهم ثائر الرأس وجاف الجلد وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم وقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم» .
وأخرج البزار عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: «جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقرأ سورة الحجر وسورة الكهف، فسكت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عمر بن ذر، عن أبيه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى نفر من أصحابه- منهم عبد الله بن رواحة- يذكرهم بالله، فلما رآه عبدالله سكت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذكّر أصحابك.
فقال: يا رسول الله، أنت أحق.
فقال: أما إنكم الملأ الذين أمرني أن أصبر نفسي معهم، ثم تلا ﴿ واصبر نفسك ﴾ الآية» .
وأخرج الطبراني في الصغير وابن مردويه من طريق عمر بن ذر: حدثني مجاهد عن ابن عباس قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن رواحة وهو يذكر أصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنكم للملأ الذين أمرني الله أن أصبر نفسي معهم.
ثم تلا ﴿ واصبر نفسك ﴾ الآية.
قال: إنه ما جلس عدتكم إلا جلس معه عدتهم جليسهم من الملائكة، إن سبّحوا الله سبحوه، وإن حَمَدوا الله حمدوه، وإن كبّروا الله كبروه...
يصعدون إلى الرب وهو أعلم فيقولون: ربنا، إن عبادك سبحوك فسبحنا، وكبروك فكبرنا، وحمدوك فحمدنا.
فيقول ربنا: يا ملائكتي أشهدكم أني قد غفرت لهم.
فيقولون: فيهم فلان الخطاء.
فيقول: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم» .
وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قاصّ يقص، فأمسك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قصّ، فلأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس، أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب» .
وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وأبو نصر السجزي في الإبانة، «عن أبي سعيد قال: أتى علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ناس من ضعفة المسلمين، ورجل يقرأ علينا القرآن ويدعو لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم، ثم قال: بشر فقراء المسلمين بالنور التام يوم القيامة، يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، مقدار خمسمائة عام.
هؤلاء في الجنة يتنعمون وهؤلاء يحاسبون» .
وأخرج أحمد في الزهد، عن ثابت قال: «كان سلمان في عصابة يذكرون الله، فمر النبي فكفوا فقال: ما كنتم تقولون؟
قلنا: نذكر الله.
قال: فإني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها.
ثم قال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم» .
وأخرج أحمد عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم منادٍ من السماء أن: قوموا مغفوراً لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن نافع قال: أخبرني عبد الله بن عمر في هذه الآية ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ﴾ أنهم الذين يشهدون الصلوات المكتوبة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده في قوله: ﴿ واصبر نفسَكَ ﴾ الآية.
قال: نزلت في صلاة الصبح وصلاة العصر.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبيدالله بن عبدالله بن عدي بن الخيار في هذه الآية قال: هم الذين يقرأون القرآن.
وأخرج ابن مردويه من طريق جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ﴾ قال: نزلت في أمية بن خلف، وذلك أنه دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمر كرهه الله من طرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة، فأنزل الله: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ﴾ يعني، من ختمنا على قلبه، يعني التوحيد ﴿ واتبع هواه ﴾ يعني الشرك ﴿ وكان أمره فرطاً ﴾ يعني فرطا في أمر الله وجهالة بالله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن بريدة قال: دخل عيينة بن حصن على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم حار وعنده سلمان عليه جبة من صوف، فثار منه ريح العرق في الصوف، فقال عيينة: يا محمد، إذا نحن أتيناك فأخرج هذا وضرباءه من عندك؛ لا يؤذونا؛ فإذا خرجنا فأنت وهم أعلم.
فأنزل الله: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال: «حدثنا أن النبي صلى الله عليه وسلم تصدى لأمية بن خلف وهو ساه غافل عما يقال له، فأنزل الله: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قَلبَه ﴾ الآية.
فرجع إلى أصحابه وخلى عن أمية، فوجد سلمان يذكرهم فقال: الحمد لله الذي لم أفارق الدنيا حتى أراني أقواماً من أمتي أمرني أن أصبر نفسي معهم» .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مغيرة، عن إبراهيم في قوله: ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال: هم أهل الذكر.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر من طريق منصور، عن إبراهيم في قوله: ﴿ واصبر نفسَكَ ﴾ الآية.
قال: لا تطردهم عن الذكر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن أبي جعفر في الآية قال: أمر أن يصبر نفسه مع أصحابه يعلمهم القرآن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ مع الذين يدعون ربهم ﴾ قال: يعبدون ربهم.
وقوله: ﴿ ولا تعد عيناك عنهم ﴾ يقول: لا تتعداهم إلى غيرهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هاشم في الآية قال: كانوا يتفاضلون في الحلال والحرام.
وأخرج الحكيم الترمذي، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال: المفاضلة في الحلال والحرام.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن إبراهيم ومجاهد ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال: الصلوات الخمس.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: نزلت ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ﴾ في عيينة بن حصن؛ قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد آذاني ريح سلمان الفارسي، فاجعل لنا مجلساً معك لا يجامعنا فيه، واجعل لهم مجلساً منك لا نجامعهم فيه.
فنزلت.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وكان أمره فرطاً ﴾ قال: ضياعاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وقل الحق من ربكم ﴾ قال: الحق هو القرآن.
وأخرج حنيش في الاستقامة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ﴾ يقول: من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء الله له الكفر كفر، وهو قوله: ﴿ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ﴾ [ التكوير: 29] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ﴾ قال: هذا تهديد ووعيد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن رباح بن زياد قال: سألت عمر بن حبيب عن قوله: ﴿ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ﴾ قال: حدثني داود بن نافع أن مجاهداً كان يقول: فليس بمعجزي وعيد من الله.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ أحاط بهم سرادقها ﴾ قال: حائط من نار.
وأخرج أحمد والترمذي وابن أبي الدنيا في صفة النار، وابن جرير وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السرادق النار أربعة جدر كافة، كل جدار منها أربعون سنة» .
وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه، وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن يعلى بن أمية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن البحر من جهنم ثم تلا ﴿ ناراً أحاط بهم سرادقها ﴾ » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن قتادة أن الأحنف بن قيس كان لا ينام في السرادق ويقول: لم يذكر السرادق إلا لأهل النار.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ بماء كالمهل ﴾ ، قال: كعكر الزيت، فإذا أقرب إليه سقطت فروة وجهه فيه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ كالمهل ﴾ يقول: أسود كعكر الزيت.
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطية قال: سئل ابن عباس عن المهل قال: ماء غليظ كدردي الزيت.
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ كالمهل ﴾ قال: كدردي الزيت.
وأخرج عبد بن حميد عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: المهل، دردي الزيت.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك في قوله: ﴿ كالمهل ﴾ قال: المهل، دردي الزيت.
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، عن ابن مسعود أنه سئل عن المهل فدعا بذهب وفضة، فإذا به قلما ذاب.
قال: هذا أشبه شيء بالمهل الذي هو شراب أهل النار، ولونه لون السماء، غير أن شراب أهل النار أشد حراً من هذا.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ كالمهل ﴾ قال: القيح والدم أسود كعكر الزيت.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ كالمهل ﴾ قال: أسود، وهي سوداء وأهلها سود.
وأخرج ابن المنذر عن خصيف قال: المهل، النحاس إذا أذيب فهو أشد حراً من النار.
وأخرج عبد بن حميد عن الحكم في قوله: ﴿ كالمهل ﴾ قال: مثل الفضة إذا أذيبت.
وأخرج عبد بن حميد، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ كالمهل ﴾ قال: أشد ما يكون حراً.
وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: هل تدرون ما المهل؟
مهل الزيت: يعني آخره.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وساءت مرتفقاً ﴾ قال: مجتمعاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وساءت مرتفقاً ﴾ قال: منزلاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وساءت مرتفقاً ﴾ قال: عليها مرتفقون على الحميم حين يشربون، والإرتفاق هو المتكأ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وقُلِ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (وقيل يا محمد لمن جاءك من أهل الدنيا شريفًا أو وضيعًا) (١) وقوله تعالى: ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ قال الكسائي: (يعني هو الحق من ربكم، وهو الإسلام) (٢) وقال الأخفش: (أي قل: هو الحق) (٣) قال أبو إسحاق: (أي الذي أتيتكم به الحق من ربكم) (٤) ﴿ الْحَقُّ ﴾ هذا القرآن) (٥) وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ قال السدي: (هذا على وجه الوعيد) (٦) (٧) (٨) (٩) وروى الوالبي عن ابن عباس والضحاك في هذه الآية يقول: (من يشاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء الله له الكفر كفر) (١٠) ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ ، فعلى هذا القول قوله: ﴿ فَمَن شَآءَ ﴾ ، أي: من شاء الله، فالمشيئة مسندة إلى الله.
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا ﴾ أي: هيأنا وأعددنا.
ومضى الكلام في معنى الإعتاد (١١) ﴿ لِلظَّالِمِينَ ﴾ الذين عبدوا غير الله تعالى (١٢) ﴿ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ﴾ معنى السرادق في اللغة: كل ما أحاط بشيء واشتمل عليه من ثوب أو حائط.
وأكثر ما يستعمل في الفسطاط.
قال الليث: (السرادق: كالحجرة المحوطة من غزل غليظ منسوج مضرب الأسفار للملوك، والجمع: سرادقات) (١٣) قال رؤبة (١٤) سرادق المجد عليك ممدود قال الأزهري: (ويقال للغبار الساطع، والدخان الشاخص المحيط بالشيء: سرادق) (١٥) قال لبيد يذكر الإبل (١٦) رفعن سرادقًا في يوم ريح ...
يصفق بين ميل واعتدال هذا معنى السرادق في اللغة (١٧) - قال: "سرادق النار أربع جدر، كثف كل جدار منها مسيرة أربعين سنة" (١٨) وقال الكلبي: (هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة) (١٩) ﴿ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ ﴾ الآية؛ وهذا اختيار أبي عبيدة، وابن قتيبة (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا ﴾ قال المفسرون: أي مما هم فيه من العذاب وشدة العطش.
﴿ يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ ﴾ قال أبو عبيد: (المهل: كل فِلِزٍّ (٢١) (٢٢) وروي في حديث أبي بكر - - أنه أوصى في موضعه فقال "ادفنوني في ثوبي هذين، فإنما هما للمهل والتراب" (٢٣) قال أبو عبيدة: (المهل في هذا الحديث: الصديد والقيح) (٢٤) وقال أبو عمرو: (المهل في شيئين: هو في حديث أبي بكر: القيح والصديد، وفي غيره: دردي الزيت) (٢٥) وقال اليث: (المهل: ضرب من القطران، يقال: مَهَلْتُ البعير فهو مَمْهُول) (٢٦) وروى شمر عن ابن شميل: (المهل عندهم الملَّة إذا حميت جدًّا رأيتها تموج) (٢٧) وقالت العامرية: (المهل عندنا السُّمّ) (٢٨) - في قوله: "بماء كالمهل" قال: "كعكر الزيت" (٢٩) وهو قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير قال: (كدردي الزيت) (٣٠) (٣١) (٣٢) وقال عطاء عن ابن عباس: (هو عكر القطران) (٣٣) وروى قتادة والحسن عن ابن مسعود: (أنه سئل عن المهل، فدعا بذهب وفضة فخلطهما، فأذيبا حتى إذا أزبدا وانماعا قال: هذا أشبه شيء في الدنيا بالمهل الذي هو شراب أهل النار) (٣٤) (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ يَشْوِي الْوُجُوهَ ﴾ يقال: شويتُ اللحم أشويه شيًّا، فإذا شويته لنفسك خاصة قلت: أشويت.
قال لبيد (٣٦) فاشتوى ليلة ريحٍ واجتمل وانشوى اللحم انشواء، ويقال: اشتوى أيضًا بهذا المعنى (٣٧) روى الخدري عن النبي - - في هذه الآية قال: "فإذا قربه إليه سقط فروة وجهه فيه" (٣٨) وقال ابن عباس: (يشويه حتى يسقط لحم وجهه) (٣٩) ﴿ بِئْسَ الشَّرَابُ ﴾ هذا الماء الذي وصفنا.
﴿ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ أي: ساءت النار مرتفقا، وهو نصب على التمييز (٤٠) (٤١) قال ابن عباس: (يريد وبئس ما ارتفقوا به) (٤٢) (٤٣) وقال عطاء: (مقرًّا) (٤٤) (٤٥) وقال ابن قتيبة: (مجلسا) (٤٦) (٤٧) وهذا قول ابن السكيت في قوله: ﴿ مُرْتَفَقًا ﴾ قال: (متكأ) (٤٨) (١) ذكرت كتب التفسير نحوه انظر: "جامع البيان" 15/ 237، و"بحر العلوم" 2/ 297، و"المحرر الوجيز" 9/ 294، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 91.
(٢) ذكره الألوسي في "روح المعاني" 15/ 266 ونسبه للكرماني.
(٣) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 618.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 281.
(٥) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 389 ب بلا نسبة، والسمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 297، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 399 وعزاه لابن أبي حاتم.
(٦) ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 325 بدون نسبة.
(٧) لم أقف على القول.
وقال الشنقيطي -رحمه الله- عند هذه الآية 4/ 92: المراد من الآية الكريمة ليس هو التخيير وإنما المراد بها التهديد والتخويف، والتهديد بمثل هذه الصيغة التي ظاهرها التخيير أسلوب من أساليب اللغة العربية، والدليل من القرآن العظيم على أن المراد في الآية التهديد والتخويف أنه أتبع ذلك بقوله: ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ﴾ الآية، وهذا أصرح دليل على أن المراد التهديد والتخويف، إذ لو كان التخيير على بابه لما توعد فاعل أحد الطرفين المخير بينهما بهذا العذاب الأليم، وهذا أوضح كما ترى.
وقال ابن == تيمية في "العقيدة الواسطية" 45: وأهل السنة وسط بين الجبرية والقدرية لأن الجبرية يثبتون قضاء الله في أفعال العبد ويقولون: إنه مجبر لا قدرة له ولا اختيار، والقدرية ينكرون قضاء الله في أفعال العباد ويقولون: إن العبد قادر مختار لا يتعلق فعله بقضاء الله.
وأهل السنة يثبتون قضاء الله في أفعال العبد ويقولون: إن له قدرة واختيارًا أودعهما الله فيه متعلقتين بقضاء الله، فيثبتون للعبد مشيئة واستطاعة وهي القدرة إلا أنهما تابعان لمشيئة الله تعالى.
(٨) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 281.
(٩) "جامع البيان" 15/ 237، و"معالم التنزيل" 5/ 167، و "المحرر الوجيز" 9/ 294.
(١٠) "جامع البيان" 15/ 238، و"معالم التنزيل" 5/ 167، و"الدر المنثور" 4/ 399.
(١١) عند قوله سبحانه في سورة النساء: 18: ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ .
(١٢) ويشهد لهذا قوله تعالى في سورة لقمان (13): ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ .
(١٣) "تهذيب اللغة" (سردق) 2/ 1669.
(١٤) هذا عجز بيت لرؤبة، وصدره: يا حكم بن المنذر بن الجارود انظر: "ديوانه" ص 172، و"الكتاب" 1/ 313، و"المفصل" 2/ 5، و"الدر المصون" 7/ 478، و"لسان العرب" (سردق) 4/ 1988.
(١٥) "تهذيب اللغة" (سردق) 2/ 1669.
(١٦) البيت للبيد بن ربيعة العامري.
السرادق هنا: الغبار الساطع، والدخان الشاخص المحيط بالشيء.
انظر: "ديوانه" ص 108، و"تهذيب اللغة" (سردق) 2/ 1669 - 1670، و"المخصص" 10/ 66، و"لسان العرب" (سردق) 4/ 1989.
(١٧) السرادق هو: كل ما أحاط بشيء نحو الشقة في المضرب، أو الحائط المشتمل على الشيء.
انظر: "تهذيب اللغة" (سردق) 2/ 1669، و"الصحاح" (سردق) 4/ 1496، و"القاموس المحيط" (السرادق) ص 893.
(١٨) أخرجه الترمذي في "جامعه" كتاب: جهنم، باب: ما جاء في صفة شراب أهل النار 4/ 609، والإمام أحمد في "مسنده" 3/ 29، وابن المبارك في "الزهد" 2/ 90، وأبو نعيم في "الحلية" 10/ 290، وابن الأثير في "جامع الأصول" كتاب: القيامة، باب: في ذكر الجنة والنار 10/ 514، والطبري في "جامع البيان" 15/ 239، والبغوي في "معالم التنزيل" 5/ 168، وابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" 3/ 92، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 399.
(١٩) "جامع البيان" 15/ 239، و"تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 338، و"زاد المسير" 5/ 134.
(٢٠) "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 267، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 398.
(٢١) الفِلِزّ بكسر الفاء واللام وتشديد الزاي: نحاس أبيض تجعل منه القدور المفرغة، أو خبت الحديد، أو الحجارة، أو جواهر الأرض كلها، أو ما ينفيه الكير من كل ما يذاب منها.
انظر: "تهذيب اللغة" (فلز) 3/ 2828، و"مقاييس اللغة" (فلز) 4/ 451، و"القاموس المحيط" (الفلز) ص (520)، و"لسان العرب" (فلز) 6/ 3460.
(٢٢) "غريب الحديث" لأبي عبيد 3/ 217، و"تهذيب اللغة" (مهل) 4/ 3464.
(٢٣) "المحرر الوجيز" 9/ 298، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 395، و"تهذيب اللغة" (مهل) 4/ 3464، و"غريب الحديث" لأبي عبيد 3/ 217، و"الفائق في غريب الحديث" للزمخشري 3/ 395.
(٢٤) "تهذيب اللغة" (مهل) 4/ 3464.
(٢٥) "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 395، و"تهذيب اللغة" (مهل) 4/ 3464.
(٢٦) "تهذيب اللغة" (مهل) 4/ 3465.
(٢٧) "تهذيب اللغة" (مهل) 4/ 3465.
(٢٨) "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 394 بلا نسبة، و"أضواء البيان" 4/ 95، و"تهذيب اللغة" مهل 4/ 3465.
(٢٩) أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 1/ 222، والترمذي في "جامعه" كتاب: جهنم، باب: في صفة شراب أهل النار 4/ 608 قال: هذا حديث إنما نعرفة من حديث رشدين بن سعد، وفي رشدين مقال، وقد تكلم فيه من قبل حفظه.
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، باب: صفة النار وأهلها 9/ 279، والطبري في "جامع == البيان" 25/ 132، والبغوي في "معالم التنزيل" 5/ 168، وابن كثير في "تفسيره" 3/ 92، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 400، وابن حجر في "الكافي الشاف" (103) وقال: أخرجه الترمذي من طريق رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد، وتعقب قوله: بأن أحمد وأبا يعلى أخرجاه من طريق ابن لهيعة من دراج، وبأن ابن حبان والحاكم أخرجاه من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث.
(٣٠) "جامع البيان" 15/ 158، و"بحر العلوم" 3/ 297، و"معالم التنزيل" 3/ 160، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 84، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 394.
(٣١) "النكت والعيون" 3/ 303، و"زاد المسير" 5/ 95.
(٣٢) "جامع البيان" 15/ 158، و"معالم التنزيل" 3/ 160، و"النكت والعيون" 3/ 303، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 84.
(٣٣) "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 394، و"البحر المحيط" 6/ 121.
(٣٤) "جامع البيان" 15/ 158، و "الكشف والبيان" 3/ 389، 7ب، و"معالم التنزيل" 3/ 160، و"المحرر الوجيز" 10/ 396، و"زاد المسير" 5/ 95، و"الدر المنثور" 4/ 400.
(٣٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 282.
(٣٦) هذا عجز بيت للبيد، وصدره: أو نهته فأتاه رزقه اجتمل: انتفع بالشحم، والشحم يسمى الجميل.
انظر: "ديوان لبيد" ص 140، و"مقاييس اللغة" (شوى) 3/ 225، و"لسان العرب" (شوا) 4/ 2367.
(٣٧) انظر: "تهذيب اللغة" (شوى) 2/ 1950، و"مقاييس اللغة" (شوى) 3/ 224، و"لسان العرب" (شوا) 4/ 2367، و"مختار الصحاح" (شوى) ص (148).
(٣٨) أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 1/ 222، والترمذي في "جامعه" كتاب: جهنم، باب: ما جاء في صفة شراب أهل النار 4/ 608، وقال: هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد، وفي رشدين مقال، وقد تكلم فيه من قبل حفظه.
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، باب: صفة النار وأهلها 9/ 279، وأخرج نحوه الحاكم في "مستدركه" كتاب: التفسير، سورة الكهف 2/ 368، والطبري في "جامع البيان" 15/ 241، وابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" 3/ 92، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 400.
(٣٩) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
(٤٠) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 282.
(٤١) انظر: "القاموس المحيط" (الرفق) ص 887، و"الصحاح" (رفق) 4/ 1482، و"لسان العرب" (رفق) 3/ 1696.
(٤٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 15/ 241، و"بحر العلوم" 2/ 298، و"زاد المسير" 5/ 136، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 92.
(٤٣) "جامع البيان" 15/ 158، و"معالم التنزيل" 5/ 168، و"المحرر الوجيز" 9/ 299، و"النكت والعيون" 3/ 303.
(٤٤) "معالم التنزيل" 5/ 168، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 395، و"البحر المحيط" 6/ 121، و"روح المعاني" 15/ 269.
(٤٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 282.
(٤٦) "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 267.
(٤٧) هذا صدر بيت لأبي ذؤيب الهذلي، ورد برواية: نام الخلي وبت مشتجرا ...
كأن عيني فيها الصاب مذبوح الخليُّ: الذي ليس به هم.
والصَّابُ.
شجر بتهامة إذا قطع منه عود خرج منه لبن == إذا أصاب العين أحرقها.
انظر: "ديوان الهذليين" 1/ 104، و"شرح أشعار الهذليين" 1/ 120، و"الدر المصون" 7/ 485، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 395، و"لسان العرب" (صوب) 4/ 2520.
(٤٨) "تهذيب اللغة" (رفق) 2/ 1444.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقُلِ الحق مِن رَّبِّكُمْ ﴾ أي هذا هو الحق ﴿ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن ﴾ لفظه أمر وتخيير: ومعناه أن الحق قد ظهر فليختر كل إنسان لنفسه: إما الحق الذي ينجيه، أو الباطل الذي يهلكه، ففي ضمن ذلك تهديد ﴿ سُرَادِقُهَا ﴾ السرداق في اللغة: ما أحاط بالشيء كالسور والجدار، وأما سرادق جهنم فقيل: حائط من نار، وقيل: دخان ﴿ كالمهل ﴾ وهو دردي الزيت إذ انتهى حره روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: ما أذيب من الرصاص وشبهه ﴿ مُرْتَفَقاً ﴾ أي شيء يرتفق به، فهو من الرفق، وقيل: يرتفق عليه فهو من الارتفاق بمعنى الاتكاء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وفجرنا ﴾ بالتخفيف: سهل ويعقوب غير رويس ﴿ له ثمر ﴾ وكذا ﴿ بثمره ﴾ بفتح الثاء والميم: يزيد.
وعاصم وسهل ويعقوب وأبو عامر: بضم الثاء وإسكان الميم.
الباقون بضم الثاء والميم جميعاً ﴿ منها ﴾ على الوحدة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون على التثنية ﴿ لكن ﴾ بالتشديد من غير ألف في الحالين: قتيبة وابن عامر وابن فليح ويعقوب بالألف في الوصل.
الباقون بغير الألف واتفقوا على الألف في الوقف ﴿ بربي أحد ﴾ مفتوحة الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ أن ترني ﴾ فتح الياء: السرانديبي عن قنبل ﴿ غوراً ﴾ بضم الغين وكذلك في ﴿ الملك ﴾ البرجمي الباقون بفتحها.
﴿ ولم يكن له ﴾ بياء الغيبة ﴿ الولاية ﴾ بكسر الواو: حمزة وعلي وخلف.
الآخرون بتاء التأنيث وفتح الواو ﴿ لله الحق ﴾ بالرفع: أبو عمرو وعلي.
الآخرون بالجر ﴿ عقباً ﴾ بسكون القاف: عاصم وحمزة وخلف.
الباقون بضمها ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف.
الوقوف: ﴿ من كتاب ربك ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ ملتحداً ﴾ ه ﴿ عنهم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستفهاماً محذوف الألف لدلالة حال العتاب.
﴿ فرطاً ﴾ ه ﴿ فليكفر ﴾ لا لأن الأمر للتهديد بدليل ﴿ إنا أعتدنا ﴾ فلو فصل صار مطلقاً ﴿ ناراً ﴾ ، لأن ما بعده صفة ﴿ سرادقها ﴾ ط ﴿ الوجوه ﴾ ط ﴿ الشراب ﴾ ط ﴿ مرتفقاً ﴾ ه ﴿ عملاً ﴾ ج ه لاحتمال كون ﴿ أولئك ﴾ مع ما بعده خبر ﴿ إن الذين ﴾ وقوله: ﴿ إنا لا نضيف ﴾ جملة معترضة ﴿ الأرائك ﴾ ط ﴿ الثواب ﴾ ط ﴿ مرتفقاً ﴾ ه ﴿ زرعاً ﴾ ه، ط ﴿ شيئاً ﴾ لا للعطف ﴿ نهراً ﴾ ه ط ﴿ ثمر ﴾ ج للعدول مع الفاء ﴿ نفراً ﴾ ، ج ﴿ لنفسه ﴾ ج لاتحاد العامل بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ه ط ﴿ قائمة ﴾ لا لأن ما بعده شك من قول الكافر في البعث ﴿ منقلباً ﴾ ه ﴿ رجلاً ﴾ ، ه ط لتمام الاستفهام ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ لا لاتمام المقول ﴿ إلا بالله ﴾ ج لابتداء الشرط المحذوف جوابه مع اتحاد القائل والمقول له ﴿ وولداً ﴾ ه، ج لاحتمال كون ما بعده جواباً للشرط ﴿ زلقاً ﴾ ه ﴿ طلباً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ منتصرا ﴾ ، ط وقيل: يوقف على ﴿ هنالك ﴾ والأوجه أن يبتدأ بـ ﴿ هنالك ﴾ أي عند ذلك يظهر لكل شاك سلطان الله ونفاد أمره ﴿ الحق ﴾ ط على القراءتين ﴿ عقباً ﴾ ه ﴿ الرياح ﴾ ط ﴿ مقتدراً ﴾ ه ﴿ زينة الحياة الدنيا ﴾ ج مفصلاً بين المعجل الفاني والمؤجل الباقي مع اتفاق الجملتين ﴿ أملاً ﴾ .
التفسير: لما أجب عن سؤالهم بما أجاب أمر نبيه أن يواظب على تلاوة الكتاب الموحى إليه وعلى الصبر مع الفقراء الذين آمنوا بما أنزل عليه، واحتمل أن يكون ﴿ اتل ﴾ أمراً من التلو لا من التلاوة أي اتبع ما أوحي إليك والزم العمل بمقتضاه وقوله: ﴿ من كتاب ربك ﴾ بيان للذي أوحي إليه.
ثم بين سبب اللزوم فقال: ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ أي لا يقدر أحد على تغييرها وإنما يقدر على ذلك هو وحده فليس لك ولا لغيرك إلا المواظبة على العلم والعمل به يؤكده قوله: ﴿ ولن تجد من دونه ملتحداً ﴾ أي ملجأ تعدل إليه إن هممت بذلك فرضاً: وأصل اللحد الميل كما مر في قوله: ﴿ يلحدون في أسمائه ﴾ نهى رسول الله في سورة الأنعام عن طرد فقراء المؤمنين بقوله: ﴿ ولا تطرد الذين ﴾ الآية وأمره في هذه السورة بحبس النفس معهم وبمراقبة أحوالهم بقوله: ﴿ ولا تعد عيناك ﴾ قال جار الله: إنما لم يقل ولا تعدهم عيناك من عداه إذا جاوزه لأنه ضمن عدا معنى نبا وفيه مبالغة من جهة تحصيل المعنيين جميعاً كأنه قيل: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم.
ثم نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء الكفرة الذين التمسوا منه طرد الفقراء حتى يؤمنوا به فقال: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه ﴾ قال أهل السنة: معنى الإغفال إيجاد الغفلة وخلقها فيهم، أو هو من أغفلها إذا تركها بغير سمة أي لم نسمه بالذكر ولم نجعله من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان، ويؤيد هذا المعنى أن الغفلة عن الذكر لو كانت بإيجاد العبد والقصد إلى إيجاد الغفلة عن الشي لا يتصور إلا مع الشعور بذلك الشيء لزم اجتماع الضدين.
وقالت المعتزلة: معنى أغفلناه وجدناه غافلاً بالخذلان والتخلية بينه وبين الأسباب المؤدية إلى الغفلة يؤيده قوله: ﴿ واتبع هواه ﴾ بالواو دون الفاء إذ لو كان اتباع الهوى من نتيجة خلق الغفلة في القلب لقيل" فاتبع" بالفاء.
ويمكن أن يجاب بأنه لا يلزم من كون الشيء في نفس الأمر نتيجة لشيء أن يعتبر كونه نتيجة له والفاء من لوازم الثاني دون الأول، على أن الملازمة بين الغفلة عن ذكر الله وبين متابعة الهوى غير كلية، فقد يكون الإنسان غافلاً عن ذكر الله ومع ذلك لا يتبع هواه بل يبقى متوقفاً متحيراً ﴿ وكان أمره فرطاً ﴾ أي متجاوزاً عن حد الاعتدال من قولهم "فرس فرط" إذا كان متقدماً للخيل، ويلزم منه أن يكون نابذاً للحق وراء ظهره.
وأنت إذا تأملت وجدت حال الأغنياء المتحيرين بخلاف الفقراء المؤمنين، لأن هؤلاء الفقراء يدعون ربهم بالغداة والعشى ابتغاء وجه الله وطلباً لمرضاته فأقبلوا على الحق وشغلوا عن الخلق، والأغنياء قد أعرضوا عن المولى وأقبلوا على الدنيا فوقعوا في ظلمة الهوى وبقوا في تيه الجهل والعمى.
وإنما لم يجز طرد الفقراء لأجل إيمان الأغنياء لأن إيمان من ترك الإيمان احترازاً من مجالسة الفقراء كلا إيمان فوجب أن لا يلتفت إليه.
ثم بين أن الحق ما هو ومن أين هو قائلاً ﴿ وقل الحق من ربكم ﴾ أي الدين الحق حصل ووجد من عند الله، ويحتمل أن يراد بالحق الصبر مع الفقراء.
وقال في الكشاف: الحق خبر مبتدأ محذوف والمعنى جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختيار الإيمان أو الكفر، وفيه دليل على أن الإيمان والكفر والطاعة والمعصية كلها مفوّضة إلى مشيئة العبد واختياره.
وحمله الأشاعرة على أمر التهديد وقالوا: إن الفعل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه، ثم ذلك القصد لا بد أن يقع بالاختيار والقصد فنقل الكلام إليه ولا يتسلسل فلا بد أن ينتهي إلى قصد واختيار يخلقه الله فيه.
فالإنسان مضطر في صورة مختار وفي صورة هذا التخيير دلالة على أنه لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين.
ثم بين وعيد الظالمين الذين وضعوا الكفر موضع الإيمان وتحقير المؤمنين لأجل فقرهم مكان تعظيمهم لأجل إيمانهم فقال: ﴿ إنا أعتدنا ﴾ أي أعددنا وهيأنا ﴿ للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها ﴾ وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط فأثبت للنار شيئاً شبيهاً بذلك يحيط بهم من جميع الجهات، والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرج.
وقيل: هو حائط من نار يطبق بهم.
وقيل: هو دخان محيط بالكفار قبل دخولهم النار وهو المراد بقوله ﴿ انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب ﴾ وقوله: ﴿ يغاثوا بماء ﴾ وارد على سبيل التهكم كقولهم "عتابك السيف".
والمهل كل ما أذيب من المعدنيات كالذهب والفضة والنحاس قاله أبو عبيدة والأخفش.
وقيل في حديث مرفوع إنه درديّ الزيت.
وقيل: الصديد والقيح أو ضرب من القطران.
وهذه الاستغاثة إما لطلب الشراب كقوله: ﴿ تسقى من عين آنية ﴾ وإما لدفع الحر ولأجل التبريد كقوله حكاية عنهم ﴿ أفيضوا علينا من الماء ﴾ ويروى أنهم إذا استغاثوا من حر جهنم صب عليهم القطران الذي يعم كل أبدانهم كالقميص، وقد يفسر بهذا قوله: ﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ عن النبي " "هو - يعني المهل - كعكر الزيت إذا قرب إليه سقطت فروة وجهه" وهذا معنى قوله: ﴿ يشوي الوجوه بئس الشراب ﴾ ذلك لأن المقصود من الشراب إراحة الأحشاء وهذا يحرقها ويشويها ﴿ وساءت ﴾ أي النار ﴿ مرتفقاً ﴾ متكئاً لأهلها ومنه المرفق لأنه يتكأ عليه.
قال جار الله: هذا لمشاكلة قوله في أهل الجنة ﴿ وحسنت مرتفقاً ﴾ وإلا فلا ارتفاق لأهل النار إلا أن يقال: معنى ارتفق أنه نصب مرفقه ودعم به خده كعادة المغتمين.
وقال قائلون: إن الشياطين رفقاء أهل النار من الإنس والمعنى ساءت النار مجتمعاً لأولئك الرفقاء.
ثم شرع في وعد المؤمنين فقال: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية فإن جعلت ﴿ إنا لا نضيّع ﴾ اعتراضاً فظاهر وإن جعلته خبراً و ﴿ أولئك ﴾ خبراً آخر أو كلاماً مستأنفاً للأجر أو بياناً لمبهم فمعنى العموم في ﴿ من أحسن ﴾ يقوم مقام الرابط المحذوف والتقدير ﴿ من أحسن عملاً ﴾ منهم.
وتفسير جنات عدن قد مر في سورتي "التوبة" و "الرعد".
ولأهل الجنة لباسان: لباس التحلي والباس الستر.
ولم يسم فاعل ﴿ يحلون ﴾ للتعظيم وهو الله جل وعلا، أو الملائكة بإذن.
و"من" في ﴿ من أساور ﴾ للابتداء وفي ﴿ من ذهب ﴾ للتبيين.
وتنكير أساور لإبهام أمرها في الحسن، وأساور أهل الجنة بعضها ذهب لهذه الآية، وبعضها فضة لقوله: ﴿ وحلوا أساور من فضة ﴾ وبعضها لؤلؤ لقوله في الحج ﴿ ولؤلؤاً ﴾ وجمع في لباس الستر بين السندس - وهو مارق من الديباج - وبين الاستبرق - وهو الغليظ منه - جمعاً بين النوعين والاستبرق عند بعضهم معرب استبره.
قيل: إنما لم يسم فاعل ﴿ يحلون ﴾ إشارة إلى أن الحلي تفضل الله بها عليهم كرماً وجوداً ونسب اللبس إليهم تنبيهاً على أنهم استوجبوه بعملهم، ثم وصفهم بهيئة المتنعمين والملوك من الاتكاء على أسرتهم.
والأرائك جمع أريكة وهو السرير المزين بالحجلة، أما السرير وحده فلا يسمى أريكة.
ثم إن الكفار كانوا يفتخرون بخدمهم وحشمهم وأموالهم وأصناف تمتعاتهم على الفقراء المؤمنين فضرب الله مثلاً للطائفتين تنبيهاً على أن متاع الدنيا لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الغني فقيراً والفقير غنياً إنما الفخر بالأعمال الصالحات.
والمراد مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين وكانا أخوين من بني إسرائيل أحدهما كافر- اسمه فطروس - والآخر مؤمن - اسمه يهوذا - وقيل: هما المذكوران في سورة "والصافات" في قوله: ﴿ قال قائل منهم إني كان لي قرين ﴾ ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطراهما، فاشترى الكافر أرضاً بألف فقال المؤمن: اللَّهم إن أخي اشترى أرضاً بألف دينار وأنا أشتري منك أرضاً في الجنة بألف فتصدق به.
ثم بنى أخوه داراً بألف فقال: اللَّهم إن أخي بنى داراً بألف وإني أشتري منك داراً في الجنة بألف فتصدق به.
ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال: اللَّهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور.
ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف فقال: اللَّهم إني إشتريت منك الولدان المخلدين بألف فتصدق به.
ثم أصابته حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده وبخسه على التصدق بماله.
وقيل: هما مثل لأخوين من بني مخزوم مؤمن وهو عبد الله بن الأشد زوج أم سلمة قبل رسول الله ، وكافر وهو الأسود بن عبد الأشد.
أما قوله: ﴿ وحففناهما بنخل ﴾ فقال صاحب الكشاف: إنه يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء ومعناه جعلنا النخيل محيطاً بالجنتين وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار ولا سيما المثمرة منها وخاصة النخيل إذا أمكن.
﴿ وجعلنا بينهما زرعاً ﴾ فهما جامعتان للأقوات والفواكه.
وفيه أنهما مع سعة أطرافهما وتباعد أكنافهما لم يتوسطهما بقعة معطلة، وفيه أنهما أتاني كل وقت بمنعفة أخرى متواصلة متشابكة وكل منهما منعوتة بوفاء الثمار لتمام الأكل.
﴿ وآتت ﴾ محمول على لفظ ﴿ كلتا ﴾ لأن لفظه مفرد.
ولو قيل: "آتتا".
على المعنى لجاز.
والظلم أصله النقصان وهو المراد ههنا.
﴿ وفجرنا ﴾ من قرأ بالتخفيف فظاهر لأنه نهر واحد، ومن قرأ بالتشديد فللمبالغة لأن النهر ممتد في وسطهما فهو كالأنهار ﴿ وكان له ثمر ﴾ قال الكسائي: الثمرة اسم الواحد والثمر جمع وجمعه ثمار ثم ثمر ككتاب وكتب بالحركة أو بالسكون.
وذكر أهل اللغة أن الثمر بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة وغيرهما، والثمر بالفتح حمل الشجر.
وقال قطرب: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: الثمر المال والولد أي كان يملك مع الجنتين أشياء من النقود وغيرها وكان متمكناً من عمارة الأرض ومن سائر التمتعات كيف شاء.
والمحاورة مراجعة الكلام من حار إذا رجع.
والنفر الأنصار والحشم الذين يقومون بالذب عنه.
وقيل: الأولاد الذكور لأنهم ينفرون معه دون الإناث.
ثم إن الكافر كأنه أخذ بيد المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويفاخره بما ملك من المال دونه وذلك قوله ﴿ ودخل جنته ﴾ فقال جار الله: معنى أفراد الجنة بعد التثنية أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما.
قلت: لا يبعد أن يكون قد دخل مع أخيه جنةواحدة منهما أو جعل مجموع الجنتين في حكم جنة واحدة منهما يؤيده توحيد الضمير على أكثر القراآت في قوله: ﴿ لأجدن خيراً منها ﴾ وإنما وصفه بقوله: ﴿ وهو ظالم لنفسه ﴾ لأنه لما اغتر بتلك النعم ولم يجعلها وسيلة إلى الإيمان بالله والاعتراف بالبعث وسائر مقدورات الله كان واضعاً للنعم في غير موضعها، على أن نعمة الجنة بخصوصها مما يجب أن يستدل بها على أحوال النشور كقوله عز من قائل: ﴿ وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ﴾ عكس الكافر القضيتين زعم دوام جنته التي هي بصدد الزوال قائلاً ﴿ ما أظن أن تبيد ﴾ أي تهلك ﴿ هذه ﴾ الجنة ﴿ أبداً ﴾ وذلك لطول أمله واستيلاء الحرص عليه واغتراره بالمهلة حتى أنكر المحسوس وادعى غلبة الظن بامتناع النشور مع قيام الدلائل العقلية والحسية على إمكانه ووجود الدلائل الشرعية على وجوبه قائلاً ﴿ وما أظن الساعة قائمة ﴾ ثم أقسم على أنه إن رد إلى ره فرضاً وتقديراً وكما يزعم صاحبه أن له رباً وأنه سيرد إليه وجد خيراً من جنته في الدنيا كأنه قاس الغائب على الشاهد أو ادعى أن النعم الدنيوية لن تكون استدراجية أصلاً وإنما تكون استحقاقاً وكرامة.
﴿ منقلباً ﴾ نصب على التمييز أي مرجع تلك وعاقبتها لكونها باقية بزعمكم خير من هذه لكونها فانية حساً أو في اعتقادكم.
قال بعض العلماء: الرد يتضمن كراهة المردود إليه فلهذا قال: ﴿ ولئن رددت ﴾ أي عن جنتي هذه التي أظن أن لا تبيد أبداً إلى ربي، ولما لم يسبق مثل هذا المعنى في "حم" قال هناك: ﴿ ولئن رجعت إلى ربي ﴾ ، قوله: ﴿ أكفرت ﴾ زعم الجمهور أن أخاه إنما حكم بكفره لأنه أنكر البعث.
وأقول: يحتمل أن يكون كافراً بالله أيضاً بل مشركاً لقوله بعد ذلك: ﴿ يا ليتني لم أشرك بربي أحداً ﴾ ولقول أخيه معرضاً به ﴿ لكنا هو الله ربي ﴾ وليس في قوله: ﴿ ولئن رددت إلى ربي ﴾ دلالة على أنه كان عارفاً بربه لاحتمال أن يكون قد قال ذلك بزعم صاحبه كما أشرنا إليه.
وقوله: ﴿ خلقك من تراب ﴾ أي خلق أصلك وهو إشارة إلى مادته البعيدة.
وقوله: ﴿ من نطفة ﴾ إشارة إلى مادته القريبة.
ومعنى ﴿ سوّاك رجلاً ﴾ عدلك وكلك حال كونك إنساناً ذكراً بالغاً مبلغ الرجال المكلفين ويجوز أن يكون ﴿ رجلاً ﴾ تمييزاً.
ولعل السر في تخصيص الله في هذا المقام بهذا الوصف هو أن يكون دليلاً على وجود الصانع أولاً، لأن الاستدلال على هذا المطلوب بخلق الإنسان أقرب الاستدلالات، وفيه أيضاً إشارة إلى إمكان البعث لأن الذي قدر على الإبداء أقدر على الإعادة، وفيه أنه خلقه فقيراً لا غنياً علم منه أنه خلقه للعبودية والإقرار لا للفخر والإنكار، ثم استدرك لقوله ﴿ أكفرت ﴾ كأنه قال لأخيه: أنت كافر بالله لكني مؤمن موحد.
وأصل ﴿ لكنا ﴾ "لكن أنا" حذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على ما قبلها، ثم استثقل اجتماع النونين فسكنت الأولى وأدغمت في الثانية وضمير الغائب للشأن، والجملة بعده خبر للشأن، والمجموع خبر "أنا" والراجع ياء الضمير وتقدير الكلام: لكن أنا الشأن الله ربي.
قال أهل العربية: إثبات ألف "أنا" في الوصل ضعيف، ولكن قراءة ابن عامر قوية بناء على أن الألف كالعوض عن حذف الهمزة ﴿ ولولا ﴾ للتخفيض وفعله.
قلت: ﴿ وإذ دخلت ﴾ ظرف وقع في البين توسعاً.
وقوله: ﴿ ما شاء الله ﴾ خبر مبتدأ محذوف أو جملة شرطية محذوفة الجزاء تقدير الكلام الأمر ما شاء الله أو أي شيء شاء الله كان.
استدل أهل السنة بالآية في أنه لا يدخل في الوجود شيء إلا بأمر الله ومشيئته.
وأجاب الكعبي بأن المراد ما شاء الله مما تولى فعله لا ما هو من فعل العباد.
والجواب أن هذا التقدير مما يخرج الكلام عن الفائدة فإنه كقول القائل "السماء فوقنا".
وأجاب القفال بأنه أراد ما شاء الله من عمارة هذا البستان ويؤيده قوله ﴿ لا قوة إلا بالله ﴾ أي ما قويت به على عمارته وتدبير أمره فهو بمعونة الله، وزيف بأنه تخصيص للظاهر من غير دليل على أن عمارة ذلك البستان لعلها حصلت بالظلم والعدوان، فالتحقيق أنه لا قوة لأحد على أمر من الأمور إلا بإعانة الله وإقداره.
عن عروه بن الزبير أنه كان يثلم حائطه أيام الرطب فيدخل من يشاء، وكان إذا دخله ردد هذه الآية حتى يخرج.
ثم لما علمه الإيمان وتفويض الأمر إلى مشيئة الله أجابه عن افتخاره بالمال والنفر فقال: ﴿ إن ترن أنا أقل ﴾ فـ"أنا" فصل و ﴿ أقل ﴾ مفعول ثان ﴿ مالاً وولداً ﴾ نصب على التمييز ﴿ فعسى ربي أن يؤتيني ﴾ في الدنيا أو في الآخرة جنة ﴿ خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً ﴾ هو مصدر كالغفران بمعنى الحساب أي مقداراً وقع في حساب الله وهو الحكم بتخريبها.
وعن الزجاج: عذاب حسبان وهو حساب ما كسبت يداك.
وقيل: هو جمع حسبانة وهو السهم القصير يعني الصواعق.
﴿ فتصبح صعيداً زلقاً ﴾ أرضاً بيضاء يزلق عليها زلقاً لملاستها.
وزلقاً وغوراً كلاهما بالمصدر كقولهم "فلان زور وصوم".
ثم أخبر عن تحقيق ما قدر المؤمن فقال: ﴿ وأحيط بثمره ﴾ وهو عبارة عن إهلاكه وإفنائه بالكلية من إحاطة العدوّ بالشخص كقوله: ﴿ إلا أن يحاط بكم ﴾ ، ﴿ فأصبح يقلب كفيه ﴾ أي يندم ﴿ على ما أنفق فيها ﴾ لأن النادم يفعل كذلك غالباً كما قد يعض أنامله.
﴿ وهي خاوية على عروشها ﴾ أي سقطت عروشها على الأرض وسقطت فوقها الكروم وقد مر في البقرة في قصة عزير.
وقوله: ﴿ يا ليتني لم أشرك ﴾ تذكر لموعظة أخيه وفيه دلالة ظاهرة على ما قلنا من أنه كان غير عارف بالله بل كان عابد صنم، ومن ذهب إلى أنه جعل كافراً لإنكاره البعث فسره بأن الكافر لما اغتر بكثرة الأموال والأولاد فكأنه أثبت لله شريكاً في إعطاء العز والغنى، أو أنه لما عجز الله عن البعث فقد جعله مساوياً لخلقه في هذا الباب وهو نوع من الإشراك.
وليس هذا الكلام منه ندماً على الشرك ورغبة في التوحيد المحض ولكنه رغب في الإيمان رغبة في جنته وطمعاً في دوام ذلك عليه، فلهذا لم يصر ندمه مقبولاً ووصفه بعد ذلك بقوله: ﴿ ولم يكن له فئة ﴾ طائفة ﴿ ينصرونه من دون الله ﴾ لأنه وحده قادر على نصرة العباد.
﴿ وما كان منتصراً ﴾ ممتنعاً بقوته عن انتقام الله.
ولما علم من قصة الرجلين أن النصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر علم أن الأمر هكذا يكون في حق كل مؤمن وكافر فقيل ﴿ هنالك ﴾ أي في مثل ذلك الوقت والمقام والولاية الحق لله أو ﴿ الولاية لله الحق ﴾ والولاية بالفتح النصرة والتولي، وبالكسر السلطان والملك، أو المراد في مثل تلك الحالة الشديدة يتوب إلى الله ويلتجىء إليه كل مضطر يعني أن قول الكافر ﴿ يا ليتني ﴾ إنما صدر عنه إلجاءً واضطراراً وجزعاً ومما دهاه من شؤم كفره ولولا ذلك لم يقلها.
وقيل: ﴿ هنالك ﴾ إِشارة إلى الآخرة كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله ﴾ ﴿ عقباً ﴾ بضم القاف وسكونها بمعنى العاقبة لأن من عمل لوجه الله لم يخسر قط.
ثم ضرب مثلاً آخر لجبابرة قريش فقال ﴿ واضرب لهم ﴾ الآية.
وقد مر مثله في أوائل "يونس" ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا كماء ﴾ ومعنى ﴿ فاختلط به ﴾ التف بسببه.
وقيل: معناه روى النبات ورف لاختلاط الماء به وذلك لأن الاختلاط يكون من الجانبين.
والهشيم ما تهشم وتحطم، والذر والتطيير والإذهاب.
تقول: ذرت الريح التراب وغيره تذروه وتذريه ذرواً وذرياً.
﴿ وكان الله على كل شيء مقتدراً ﴾ من تكونيه أوّلاً وتنميته وسطاً وإذهابه آخراً.
ولا ريب أن أحوال الدنيا أيضاً كذلك تظهر أولاً في غاية الحسن والنضارة، ثم تتزايد إلى أن تتكامل، ثم تنتهي إلى الزوال والفناء، ومثل هذا ليس للعاقل أن يبتهج به.
وحين مهد القاعدة الكلية خصصها بصورة جزئية فقال: ﴿ المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات ﴾ هي أعمال الخير التي تبقى ثمرتها ﴿ خير عند ربك ثواباً ﴾ أي تعلق ثواب وخير أملاً لأن الجواد المطلق أفضل مسؤول وأكرم مأمول.
وقيل: هن الصلوات الخمس.
وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
ففي التسبيح تنزيه له عن كل مالاً ينبغي، وفي الحمد إقرار له بكونه مبدأ لإفادة كل ما ينبغي، وفي التهليل اعتراف بأنه لا شيء في الإمكان متصفاً بالوصفين إلا هو، وفي التكبير إذعان لغاية عظمته وأنه أجلّ من أن يعظم.
وقيل: الطيب من القول.
والأصح كل عمل أريد به وجه الله وحده قاله قتادة.
التأويل: ﴿ واتل ﴾ على نفسك ﴿ وما أوحي إليك من كتاب ﴾ كتبه ﴿ ربك ﴾ في الأزل ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ إلى الأبد مع الذين ﴿ يدعون ربهم ﴾ وهم القلب والسر والروح والخفى في غداة الأزل إلى عشي الأبد فإنهم مجبولون على طاعة الله كما أن النفس جبلت على طاعة الهوى وطلب الدنيا.
﴿ ولا تعد ﴾ عينا همتك ﴿ عنهم ﴾ فإنك إن لم تراقب أحوالهم تصرف فيهم النفس الأمارة ﴿ ولا تطع من أغفلنا ﴾ يعني: النفس ناراً هي نار القهر والغضب ﴿ أحاط بهم سرادقها ﴾ يعني سرادق العزة ﴿ بماء كالمهل ﴾ كل ما هو لأهل اللطف أسباب لسهولة العيش وفراغ البال فإنه جعل لأهل القهر سبباً لصعوبة الأمر وشدة التعلق حتى شوت الوجوه أي أحرقت مواد التفاتهم إلى عالم الأرواح، وفسدت استعداداتهم فبقوا في أسفل سافلين الطبيعة ﴿ يحلون فيها من أساور ﴾ والتحلية بالأساور إشارة إلى ظهور آثار الملكات عليهم وقوله: ﴿ من ذهب ﴾ رمز إلى أنها ملكات مستحسنة معتدلة راسخة ﴿ يلبسون ثياباً ﴾ فيه أن أنوار العبادات تلوح عليهم وتشتمل بهم.
وقوله: ﴿ خضراً ﴾ إشارة إلى أنها أنوار غير قاهرة و ﴿ من سندس ﴾ إشارة إلى ما لطف من الرياضات ﴿ واستبرق ﴾ إلى ما شق منها ﴿ متكئين فيها على الأرائك ﴾ لأنهم فرغوا بها وكلفوا وقضوا ما عليهم من المجاهدات وبقي ما لهم من المشاهدات ﴿ مثلاً رجلين ﴾ هما النفس الكافرة والقلب المؤمن.
﴿ جعلنا لأحدهما ﴾ وهو النفس ﴿ جنتين ﴾ هما الهوى والدنيا ﴿ من أعناب ﴾ الشهوات ﴿ وحففناهما بنخل ﴾ حب الرياسة ﴿ وجعلنا بينهما زرعاً ﴾ من التمتعات البهيمية ﴿ وفجرنا خلالهما نهراً ﴾ من القوى البشرية والحواس.
﴿ وكان له ثمر ﴾ من أنواع الشهوات ﴿ وهو يحاوره ﴾ يجاذب النفس والقلب ﴿ أنا أكثر منك مالاً ﴾ أي ميلاً ﴿ وأعز نفراً ﴾ من أوصاف المذمومات ﴿ وهو ظالم لنفسه ﴾ في الاستمتاع بجنة الدنيا على وفق الهوى ﴿ لأجدن خيراً منها ﴾ لأنه غر بالله وكرمه فلا جرم يقال له ما غرك بربك الكريم، هلا قلت ﴿ ما شاء الله ﴾ أي أتصرف في جنة الدنيا كما شاء الله ﴿ على ما أنفق فيها ﴾ من العمر وحسن الاستعداد ﴿ كما أنزلناه ﴾ هو الروح العلوي الذي نزل إلى أرض الجسد ﴿ فاختلط ﴾ الروح بالأخلاق الذميمة ﴿ فأصبح هشيماً ﴾ تلاشت منه نداوة الأخلاق الروحانية ﴿ تذروه ﴾ رياح الأهوية المختلفة فيكون حاله خلاف روح أدركته العناية الأزلية فبعث إليه دهقان من أهل الكمال فرباه بماء العلم والعمل حتى يصير شجرة طيبة.
﴿ والباقيات الصالحات ﴾ أي ما فني منك وبقي بربك والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ﴾ .
يحتمل: ﴿ كِتَابِ رَبِّكَ ﴾ : اللوح المحفوظ، أي: بلغ ما أوحي إليك من اللوح الذي عند الله من متلو [وغير متلو]؛ كقوله: ﴿ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ وهو جميع ما أنزل إليه من المتلو وغير المتلو.
ويحتمل: ﴿ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ﴾ : الكتاب الذي أنزل عليه، وهو القرآن، أي: اتل عليهم ذلك الكتاب، فإن كان هذا ففيه أن القرآن مما يتقرب بتلاوته.
ثم في قوله: ﴿ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ ﴾ فريضة ضيعناها؛ وذلك أنه أمر رسوله بتبليغ رسالته وما أنزل إليه، ثم معلوم أن من كان في أقصى الدنيا وأبعد أطرافها لم يقدر رسوله أن يتولى التبليغ بنفسه وكذلك بعد وفاته لا يجوز أن يتولى بتبليغه، فكان ذلك القيام يلزم المسلمين وأئمتهم بتبليغه فضيعوا ذلك؛ ولهذا ما رخص - والله أعلم - بدخول المسلمين دار الحرب للتجارة، ودخول أولئك دار الإسلام للتجارة أيضاً؛ لينتهي إليهم خبر هذا الدين؛ حيث علم أنه يكون أئمة في آخر الزمان لا يهتمون لدينه ولا يتولون بتبليغ ما أمروا بتبليغه، ويضيعون أمره، فيلزمهم حجة الله، وإلا ما الحاجة في تلك التجارة والأموال التي يتجرون فيها؟!
ولكن ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ : قال بعضهم: لا مبدل لسنته؛ إذ سنته في المكذبين الإهلاك، والمصدقين النجاة، هذا سنته وإن أمكن تعجيلها وتأخيرها، فأما نفس سنته فهي لا تبدل ولا تحول؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ﴾ و ﴿ تَبْدِيلاً ﴾ .
وقال الحسن في قوله: ﴿ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ : ما وعد وأوعد لهم في الدنيا، فذلك في الآخرة لا يبدل ولا يحول؛ إذ وعد للمؤمنين الجنة، وللكافرين العذاب، فذلك لا يبدل.
وقال بعضهم: ﴿ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ وهي القرآن لا يتبدل، ولا يغير، ولا يزداد، ولا ينقص؛ كقوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ لحججه وبراهينه التي جعل لدينه وأقام له ذلك، يلزم الإسلام ودينه، إلا من قصر عليه في العبادة، أو كان المقام عليه الحجة معناداً مكابراً.
وأما من لم يكن هذين المعنيين يسلم لا محالة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً ﴾ .
هذا الخطاب وإن كان في الظاهر لرسول الله، فهو يخرج مخرج التنبيه على ما ذكرنا في غير آي من القرآن.
وقوله: ﴿ مُلْتَحَداً ﴾ قال بعضهم: مدخلا؛ ولذلك سمي اللحد: لحداً؛ لما يدخل فيه.
وقال بعضهم: ملجأ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ ﴾ .
يحتمل: واصبر نفسك بالغداة والعشي مع الذين يدعون ربهم، فيكون في الأمر بالجلوس لهم بالغدوات والعشيات؛ للتذكير وتعليم العلم، على ما تعارف الناس الجلوس للناس لذلك في هذين الوقتين؛ إذ ذانك الوقتان خاليان عن الأشغال التي تشغلهم عن ذلك [ذكر] الغداة والعشي لما لم يجعل عليهم بعد صلاة الغداة صلاة، وكذلك بعد العصر؛ للذكر الذي ذكرنا وتعليم ما يحتاجون في ليلهم ونهارهم.
أو أن يكون ذلك كناية عن صلاة الفجر والعصر؛ لما جاء لهما من فضل وعيد لم يجئ في غيرهما من الصلوات؛ نحو ما ذكر: ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ ، وما روي في العصر من الوعيد: "من فاته العصر فكأنما وتر أهله وماله" ، ونحوه أمر بصبر نفسه على حفظ هذين؛ لما ذكرنا مع من ذكر.
أو أن يكون لا على إرادة غداة أو عشي، ولكن بالكون مع أتباعه في كل وقت والصبر معهم.
وقال أهل التأويل: ذكر هذا؛ لأن رؤساء كفار مكة سألوه أن يطرد أتباعه من عنده ويتخذ لهم مجلساً، فنزل قوله: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ...
﴾ الآية [الأنعام: 52]، وقوله: ﴿ وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ...
﴾ الآية.
وقالوا في قوله: ﴿ وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ في أصحاب الكهف، يقول: وأخبرهم ما سألوك مما أوحينا إليك من أخبار أصحاب الكهف ولا تزيد ولا تنقص عليه.
فإن كان في أمرهم نزل هذا فرسول الله كان لا يخبرهم إلا ما أوحي إليه وأنزل عليه من أمرهم، والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ﴾ .
قيل: لا تتعد عنهم إلى غيرهم.
وقيل: لا تصرف ولا ترفع عينيك عنهم تجاوزهم إلى غيرهم.
﴿ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: إن كان على تأويل أهل التأويل أنهم سألوه أن يتخذ لهم مجلساً دون أولئك، فيكون تأويل قوله: ﴿ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: تريد أولئك الذين يطلبون منك مجلساً على حدة يريدون بذلك زينة الحياة الدنيا لا يريدون بذلك وجه الله.
والثاني: لو فعلت ما سألوك كان فعل ذلك [كفعل] من يريد زينة الحياة الدنيا؛ لأن المجلس الذي يحضره الأشراف والرؤساء إنما يراد به زينة الحياة الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ﴾ .
تأويل الآية على قولنا ظاهر، نحن نقول على ما نطق ظاهر الآية: من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، أي: من خلقنا ظلمة الكفر بكفرهم في قلوبهم، أو خذلناهم بكفرهم الذي فعلوا.
وأما المعتزلة فإنهم قد تحيروا فيه وتاهوا وأكثروا التأويلات فيها، حتى أن منهم من صرف القراءة عن وجهها فقال: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا ﴾ بنصب اللام، و ﴿ قَلْبَهُ ﴾ برفع الباء، معناه: أن من أغفل قلبه عن ذكرنا على قول المعتزلة، على صرف الفعل إلى القلب، وكذلك قالوا في قوله: ﴿ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾ ؛ ليصح على مذهبهم ويستقيم.
ومنهم من قال: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ﴾ ، أي: لا تطع من وجدنا قلبه غافلا، وقال: ذلك مستقيم في اللغة؛ يقال: قاتلناهم فيما أجبَنَّاهم، أي: ما وجدناهم جبناء، ويقال: فسألناهم فما أبخلناهم، أي: ما وجدناهم بخلاء، ونحوه من الكلام، وهو تأويل الجبائي فيما أظن.
وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ ﴾ ، أي: من خلينا بينه وبين ما يفعل وهو كما يقال لمن خلى عبده حتى أفسده كثيراً من الناس يقال: سلطت عبدك على الناس، وهو لم يسلطه عليهم، لكنه يقال له؛ لما قدر على منعه عن ذلك والحيلولة بينه وبين ما فعل أضيف ذلك إليه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ﴾ أي: خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم، وهو تأويل جعفر بن حرب.
وقال بعضهم: أضاف ذلك إلى نفسه للأسباب التي أعطاهم من السعة والغناء والشرف في الدنيا، فتلك الأسباب التي أعطاهم هي التي حملتهم على ذلك؛ فأضيف إليه ذلك لذلك، وهو ما قال: ﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ﴾ وهو تأويل أبي بكر الأصم.
وقال الحسن: ﴿ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ ﴾ أي: خذلناهم وطبعنا على قلوبهم، وهو يقول: إن للكفر حدّاً إذا بلغ ذلك الحد يخذله ويطبع على قلبه؛ فلا يؤمن أبداً.
فيقال: خذله في أول حال الكفر أو بعد ذلك بأوقات وزمان.
فإن قال: في أول حال كفره فهو قولنا.
وإن قال: لا في أول حاله، ولكن بعد زمان، فهو كافر موفق ومؤمن مخذول على قوله، فنعوذ بالله مما قال.
ثم الجواب للأول ما ذكرنا من صرف التنزيل عن وجهه وظاهره، فلو جاز لهم ذلك، [لجاز] لغيرهم صرف جميع الآيات عن ظاهر التنزيل، وذلك بعيد محال.
وأما تأويل الجبائي، أي: ما وجدناهم كذا، فإنما يسوغ له هذا إذا كان جميع حروف (أفعل) يخرج على ما يقوله في اللغة، فأمّا أن يقال في بعض، فإن ذلك غير مستقيم.
وبعد فإنه لو كان كما ذكر لكان يقول: (ولا تطع من أغفلته عن ذكرنا)، أي: وجدته غافلا عن ذكرنا؛ لأنه نهى عن أن يطيع من وجده غافلا، فهو لا يعلم من وجده الله غافلا، إنما يعلم من وجده بنفسه غافلا.
فأما إذا كان ما ذكرنا لم يكن للنهي عما ذكر معنى؛ فدل أن تأويله فاسد وخيال، وأن إضافته إليه لمعنى يكون من الله.
وأما جواب جعفر بن حرب أنه على التخلية والتسليط، فهو إنما يقال: سلطت عبدك على كذا على الذم لا على المدح؛ فلا يجوز أن يقال ذلك في الله على الذم ويضاف إليه أيضاً ذلك.
وكذلك يقال لأبي بكر حيث قال: إنما أضاف ذلك إليه للأسباب التي ذكر أنه أعطاهم، يقال له: ذلك يضاف على الذم: إنك أعطيت كذا حتى فعل كذا، فأما أن يقال على المدح فلا؛ فيبطل قوله وتأويله؛ فدل إضافة ذلك إلى نفسه أنه كان منه في ذلك معنى يستقيم إضافته إليه، وهو ما ذكرنا من خلق الظلمة في قلوبهم بكفرهم الذي اختاروا وخذلانه إياهم لما اختاروا وآثروا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ فُرُطاً ﴾ أي: ضياعاً وهلاكاً.
وقال بعضهم: ﴿ فُرُطاً ﴾ أي: خسرانا وخساراً.
وقال أبو عوسجة: هو من التفريط.
وقال غيره: أفرط في القول كما قال: (إنا رءوس من مضر إن نسلم يسلم الناس بعدنا) على ما ذكر في بعض القصة.
وقال أبو عبيدة: فرطاً، أي: ندماً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ .
كأنه على الإضمار، أي: قل: قد جئتكم بالحق من ربكم.
أو يقول: قل لهم: قد تعلمون أني قد جئتكم من الآيات والحجج على ما أدعوكم إليه ما لا يحتمل بليتي ويخرج عن وسعي وطاقتي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ .
ثم يحتمل هذا وجوهاً: أحدها: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر؛ فإنه إنما يعمل لنفسه ليس يعمل لأحد سواه؛ كقوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ...
﴾ الآية [الإسراء: 7]؛ فعلى ذلك يقول، والله أعلم.
والثاني: يقول: إني بلغت الرسالة إليكم فلا أكرهكم أنا على الإسلام ولا أحد سواي، فمن شاء منكم فليؤمن ومن شاء فليكفر، فإنه إنما يؤمن باختياره ومشيئته، ومن كفر فإنما يكفر باختياره ومشيئته لا يكره على ذلك.
والثالث: أن الإيمان والكفر قد بين الله لهما العواقب ما عاقبة من اختار الإيمان وما عاقبة من اختار الكفر، وهو ما قال: ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا...
﴾ إلى آخر ما ذكر، وقال للمؤمنين: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ...
﴾ الآية.
يقول: قد بين لكل واحد منهما عاقبة، فمن شاء اكتسب لنفسه في العاقبة الجنان وما فيها من النعيم، ومن شاء اكتسب ما ذكر في العاقبة من النار وأنواع العذاب، فذلك كله يخرج على الوعيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ ﴾ وقت دخولهم النار أو هو في الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ﴾ يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على إرادة حقيقة السرادق.
والثاني: على التمثيل، أي: يحيط بهم النار فلا يقدرون على الخروج منها على ما يمنع السرادق من الخروج في الدنيا ودفع الحرّ والبرد، فإن كان على حقيقة السرادق فهو - والله أعلم - على ما جعل الله لهم من أنواع ما كانوا يتفاخرون في الدنيا من اللباس والطعام والشراب وغير ذلك يجعل لهم في الآخرة من ذلك النوع من النار، وهو ما ذكر: ﴿ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ ﴾ ، وما قال: ﴿ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ ﴾ والشراب ما ذكر من الصديد والغسلين، وغير ذلك من النوع الذي كانوا يتفاخرون به في الدنيا ويمنعهم عن الإيمان جعل لهم في الآخرة من ذلك النوع من النار وبه يعاقبهم، فعلى ذلك جائز أن يكونوا يتفاخرون به في الدنيا بالسرادق إذا خرجوا في السفر، فيعاقبهم الله في النار بذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ ﴾ .
يحتمل استغاثتهم هو ما ذكر في الآية ﴿ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ ﴾ فيغاثون ﴿ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ ﴾ ، ويحتمل: أن يطلبوا في النار الماء بعدما طعموا فيها منها فيغاثون بالمهل.
ثم المهل: قال عامتهم: المهل: هو دردي الزيت أو العصير، لكنهم اختلفوا في معنى التشبيه به: قال بعضهم: يشبه به لغلظه؛ لأن الشيء الغليظ يكون ألصق وآخذ من غيره.
وقال بعضهم: شبهه به لسواده.
وقال الحسن وأبو بكر: تشبيهه به؛ لكثرة تلونه من الحمرة والصفرة والسواد ونحوه لشدته، وهو ما ذكر: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ ﴾ شبهه كالمهل لتلونه؛ لشدة ذلك اليوم وهوله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ ﴾ ذلك الشراب، ﴿ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً ﴾ أي: ساءت النار مرتفقا، اختلف فيه: قال بعضهم: المرتفق: المتكأ.
وقال بعضهم: المجتمع، أي: بئس الاجتماع.
وقال بعضهم: مجلساً.
وقال بعضهم: بئس المنزل النار قرناؤهم فيها الكفار والشياطين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ﴾ .
قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير كأنه قال: إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، ثم قال: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
وقال بعضهم: ليس على التقديم والتأخير، ولكن على ما ذكر أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، ثم بين ما لهم فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
قال أبو عوسجة: السرادق: البناء الذي يبنى من الكرابيس يشبه الدار والحجرة، ﴿ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً ﴾ ، أي: متكأ ومنزلا.
وقال القتبي: السرادق: الحجرة التي تكون حول الفسطاط، قال: وهو الدخان يحيط بالكفار يوم القيامة، وهو الظل ذو الثلاث الشعب، و ﴿ كَٱلْمُهْلِ ﴾ دردي الزيت، ويقال: ما أذيب من النحاس والرصاص، و ﴿ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً ﴾ ، أي: مجلسا وأصل الارتفاق: الاتكاء على المرفق.
وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ ﴾ .
يذكر ثواب المؤمنين الذين تركوا شهواتهم في الدنيا لها.
﴿ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ﴾ .
قالوا: الإستبرق: الديباج الغليظ، والسندس: وهو الرقيق والغليظ منه لا يلبس، لكنه كأنه جمع بين ما يلبس وبين ما يبسط، فذكر اللبس لما يلبس، كما يقال: أطعمت فلاناً طعاماً وشراباً والشراب لا يطعم.
وقيل: إن الإستبرق هو الرقيق من الديباج بلغة قوم، فإن كان ما ذكر فكأنه إنما ذكر ذلك لأولئك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ ٱلأَرَآئِكِ ﴾ : السرر في الحجال، والأريكة: السرير في الحجلة.
وقال بعضهم: ﴿ ٱلأَرَآئِكِ ﴾ : السرر عليها حجال.
وقال أبو عوسجة: ﴿ ٱلأَرَآئِكِ ﴾ : الوسادة.
﴿ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً ﴾ قيل: منزلا.
وأصل هذا: أنه وعد لهم في الآخرة ما كانت أنفسهم ترغب فيه في الدنيا ليتركوا ذلك في الدنيا للموعود في الآخرة، وكذلك حذرهم في الآخرة بأشياء تنفر [منها] أنفسهم وطباعهم في الدنيا؛ ليحذروا ما يستوجبون الموعود في الآخرة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وقيل -أيها الرسول- لهؤلاء اللاهين عن ذكر الله لغفلة قلوبهم: ما جئتكم به هو الحق، وهو من عند الله لا من عندي، ولست مجيب دعوتكم إياي أن أطرد المؤمنين، فمن شاء منكم الإيمان بهذا الحق فليؤمن به، وسيسرّ بجزائه، ومن شاء منكم الكفر به فليكفر، وسيستاء بالعقاب الذي ينتظره، إنا أعددنا للظالمين أنفسهم باختيار الكفر نارًا عظيمة أحاط بهم سورها، فلا يستطيعون فرارًا منها، وإن يطلبوا غوثًا بماء من شدة ما يلاقون من العطش يغاثوا بماء كالزيت العَكِر شديد الحرارة، يشوي وجوههم من شدة حرّه, ساء شرابًا هذا الشراب الذي يُغَاثون به، فهو لا يغني من عطش بل يزيده, ولا يطفئ اللهب الذي يَلْفَح جلودهم، وساءت النار منزلًا ينزلونه, ومقامًا يقيمون فيه.
<div class="verse-tafsir" id="91.ABxZN"