الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٣٠ من سورة الكهف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 68 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٠ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
لما ذكر تعالى حال الأشقياء ، ثنى بذكر السعداء ، الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين فيما جاءوا به ، وعملوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة ، فلهم ) جنات عدن ) والعدن : الإقامة .
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا (30) يقول تعالى ذكره: إن الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بطاعة الله، وانتهوا إلى أمره ونهيه، إنا لا نضيع ثواب من أحسن عملا فأطاع الله، واتبع أمره ونهيه، بل نجازيه بطاعته وعمله الحسن جنات عدن تجري من تحتها الأنهار.
فإن قال قائل: وأين خَبَر " إن " الأولى؟
قيل: جائز أن يكون خبرها قوله: ( إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا ) فيكون معنى الكلام: إنا لا نضيع أجر من عمل صالحا، فترك الكلام الأوّل، واعتمد على الثاني بنية التكرير، كما قيل : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ بمعنى: عن قتال فيه على التكرير، وكما قال الشاعر: إنَّ الخَلِيفَـــةَ إنَّ اللـــهَ سَــرْبَلَهُ سِـرْبالَ مُلْـك بِـهِ تُرْجَـى الخَـواتِيمُ (8) ويروى: تُرْخَى ، وجائز أن يكون: (إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) جزاء ، فيكون معنى الكلام: إن من عمل صالحا فإنا لا نضيع أجره، فتضمر الفاء في قوله " إنا " ، وجائز أن يكون خبرها: أولئك لهم جنات عدن، فيكون معنى الكلام: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أولئك لهم جنات عدن.
------------------------ الهوامش: (8) في ( اللسان : سربل ) السربال : القميص والدرع .
وفي حديث عثمان : " لا أخلع سربالا سربلنيه الله " كنى به عن الخلافة .
واستشهد به المؤلف على أن التكرار في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ .....
الآية ، له نظير في قول الشاعر : " إن الخليفة إن الله سربله .
.
.
" البيت .
وقد بين وجهي الإعراب في المكرر .
والبيت من شواهد الفراء في ( معاني القرآن : الورقة 185 من مصورة الجامعة ) قال : خبر الذين آمنوا في قوله : إنا لا نضيع وهو مثل قول الشاعر : إن الخليفة .
.
.
البيت ، فإنه في المعنى : إنا لا نضيع أجر من عمل صالحا .
فترك الكلام الأول ، واعتمد على الثاني ، بنية التكرير .
كما قال : " يسئلونك عن الشهر الحرام " ، ثم قال : قتال فيه " يريد : عن قتال فيه ، بالتكرير ويكون أن تجعل " إن الذين آمنوا وعملوا " في مذهب جزاء ، كقولك : إن من عمل صالحا فإنا لا نضيع أجره ، فتضمر الفاء في قوله " فإنا " ، وإلقاؤها جائز ، وهو أحب الوجوه إلي .
لما ذكر ما أعد للكافرين من الهوان ذكر أيضا ما للمؤمنين من الثواب .
وفي الكلام إضمار ; أي لا نضيع أجر من أحسن منهم عملا ، فأما من أحسن عملا من غير المؤمنين فعمله محبط .
وروى البراء بن عازب أن أعرابيا قام إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - واقف بعرفات على ناقته العضباء فقال : إني رجل مسلم فأخبرني عن هذه الآية إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات الآية ; فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما أنت منهم ببعيد ولا هم ببعيد منك هم هؤلاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فأعلم قومك أن هذه الآية نزلت فيهم ذكره الماوردي ، وأسنده النحاس في كتاب معاني القرآن ، قال : حدثنا أبو عبد الله أحمد بن علي بن سهل قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا يحيى بن الضريس عن زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال : قام أعرابي .
.
.
; فذكره .
وأسنده السهيلي في كتاب الأعلام .
وقد روينا جميع ذلك بالإجازة ، والحمد لله .
وعملا نصب على التمييز ، وإن شئت بإيقاع أحسن عليه .
وقيل : إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا كلام معترض ، والخبر قوله أولئك لهم جنات عدن .
ثم ذكر الفريق الثاني فقال: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } أي: جمعوا بين الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وعمل الصالحات من الواجبات والمستحبات { إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا } وإحسان العمل: أن يريد العبد العمل لوجه الله، متبعا في ذلك شرع الله.
فهذا العمل لا يضيعه الله، ولا شيئا منه، بل يحفظه للعاملين، ويوفيهم من الأجر، بحسب عملهم وفضله وإحسانه.
قوله تعالى ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ) فإن قيل : أين جواب قوله : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) ؟
قيل : جوابه قوله : ( أولئك لهم جنات عدن تجري ) وأما قوله : ( إنا لا نضيع ) فكلام معترض .
وقيل : فيه إضمار ، معناه : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنا لا نضيع أجرهم بل نجازيهم ثم ذكر الجزاء فقال .
«إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً» الجملة خبر إن الذين وفيها إقامة الظاهر مقام المضمر والمعنى أجرهم أي نثيبهم بما تضمنه.
إن الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحات لهم أعظم المثوبة، إنا لا نضيع أجورهم، ولا ننقصها على ما أحسنوه من العمل.
اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد المبطلين أردفه بوعد المحقين وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان لأن العطف يوجب المغايرة.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ﴾ ظاهره يقتضي أنه يستوجب المؤمن بحسن عمله على الله أجراً، وعند أصحابنا ذلك الاستيجاب حصل بحكم الوعد وعند المعتزلة لذات الفعل وهو باطل لأن نعم الله كثيرة وهي موجبة للشكر والعبودية فلا يصير الشكر والعبودية موجبين لثواب آخر لأن أداء الواجب لا يوجب شيئاً آخر.
المسألة الثالثة: نظير قوله: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ الخ قول الشاعر: إن الخليفة إن الله سربله *** سربال ملك به ترجى الخواتيم كرر أن تأكيداً للأعمال والجزاء عليها.
المسألة الرابعة: أولئك خبر إن وإنا لا نضيع اعتراض ولك أن تجعل إنا لا نضيع وأولئك خبرين معاً ولك أن تجعل أولئك كلاماً مستأنفاً بياناً للأجر المبهم واعلم أنه تعالى لما أثبت الأجر المبهم أردفه بالتفصيل من وجوه: أولها: صفة مكانهم وهو قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار ﴾ والعدن في اللغة عبارة عن الإقامة فيجوز أن يكون المعنى أولئك لهم جنات إقامة كما يقال هذه دار إقامة، ويجوز أن يكون العدن إسماً لموضع معين من الجنة وهو وسطها وأشرف أماكنها وقد استقصينا فيه فيما تقدم وقوله: ﴿ جنات ﴾ لفظ جمع فيمكن أن يكون المراد ما قاله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ ﴾ ويمكن أن يكون المراد أن نصيب كل واحد من المكلفين جنة على حدة وذكر أن من صفات تلك الجنات أن الأنهار تجري من تحتها وذلك لأن أفضل المساكن في الدنيا البساتين التي يجري فيها الأنهار.
وثانيها: إن لباس أهل الدنيا إما لباس التحلي، وإما لباس التستر، أما لباس التحلي فقال تعالى في صفته: ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ ﴾ والمعنى أنه يحليهم الله تعالى ذلك أو تحليهم الملائكة وقال بعضهم على كل واحد منهم ثلاثة أسورة سوار من ذهب لأجل هذه الآية وسوار من فضة لقوله تعالى: ﴿ وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ ﴾ وسوار من لؤلؤ لقوله تعالى: ﴿ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ ، وأما لباس التستر فقوله: ﴿ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مّن سُنْدُسٍ وَاسْتَبْرَقٍ ﴾ والمراد من سندس الآخرة واستبرق الآخرة والأول هو الديباج الرقيق وهو الخز والثاني هو الديباج الصفيق وقيل أصله فارسي معرب وهو استبره، أي غليظ، فإن قيل: ما السبب في أنه تعالى قال في الحلي: ﴿ يُحَلَّوْنَ ﴾ على فعل ما لم يسم فاعله وقال في السندس والاستبرق ويلبسون فأضاف اللبس إليهم، قلنا: يحتمل أن يكون اللبس إشارة إلى ما استوجبوه بعملهم وأن يكون الحلي إشارة إلى ما تفضل الله عليهم ابتداء من زوائد الكرم.
وثالثها: كيفية جلوسهم فقال في صفتها متكئين فيها على الأرائك.
قالوا: الأرائك جمع أريكة وهي سرير في حجلة، أما للسرير وحده فلا يسمى أريكة.
ولما وصف الله تعالى هذه الأقسام قال: ﴿ نِعْمَ الثواب وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً ﴾ والمراد أن يكون هذا في مقابلة ما تقدم ذكره من قوله: ﴿ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ أولئك ﴾ خبر إن و ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ ﴾ اعتراض، ولك أن تجعل ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ ﴾ و ﴿ أولئك ﴾ خبرين معاً.
أو تجعل ﴿ أولئك ﴾ كلاماً مستأنفاً بياناً للأجر المبهم.
فإن قلت: إذا جعلت ﴿ إِنَّا لاَ نُضِيعُ ﴾ خبراً، فأين الضمير الراجع منه إلى المبتدأ؟
قلت: ﴿ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ﴾ و ﴿ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ ينتظمهما معنى واحد، فقام: ﴿ مَنْ أَحْسَنَ ﴾ مقام الضمير.
أو أردت: من أحسن عملا منهم، فكان كقولك: السمن منوان بدرهم.
من الأولى للابتداء.
والثانية للتبيين وتنكير ﴿ أَسَاوِرَ ﴾ لإبهام أمرها في الحسن.
وجمع بين السندس: وهو مارقّ من الديباج، وبين الإستبرق: وهو الغليظ منه، جمعاً بين النوعين وخص الاتكاء، لأنه هيئة المنعمين والملوك على أسرتهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا ﴾ خَبَرُ إنَّ الأُولى هي الثّانِيَةُ بِما في حَيِّزِها، والرّاجِعُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَن أحْسَنَ عَمَلًا مِنهم أوْ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِعُمُومِ مَن أحْسَنَ عَمَلًا كَما هو مُسْتَغْنًى عَنْهُ في قَوْلِكَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، أوْ واقِعٌ مَوْقِعَهُ الظّاهِرُ فَإنَّ مَن أحْسَنَ عَمَلًا لا يَحْسُنُ إطْلاقُهُ عَلى الحَقِيقَةِ إلّا عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ.
<div class="verse-tafsir"
وبين جزاء من اختار الإيمان فقال {إِنَّ الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أحسن عملا
﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ في مَحَلِّ التَّعْلِيلِ لِلْحَثِّ عَلى الإيمانِ المُنْفَهِمِ مِنَ التَّخْيِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِلَّذِينَ آمَنُوا، ولَعَلَّ تَغْيِيرَ السَّبْكِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ تَنافِي حالَيِ الفَرِيقَيْنِ؛ أيْ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِالحَقِّ الَّذِي يُوحى إلَيْكَ ﴿ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ حَسْبَما بُيِّنَ في تَضاعِيفِهِ.
﴿ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا ﴾ وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ: «لا نُضَيِّعُ» بِالتَّضْعِيفِ، وعَلى القِراءَتَيْنِ الجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ الثّانِيَةِ، وخَبَرُ إنَّ الأُولى الثّانِيَةُ بِما في حَيِّزِها، والرّابِطُ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَن أحْسَنَ عَمَلًا مِنهُمْ، ولا يَرِدُ أنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ مِنهم مَن أحْسَنَ ومِنهم مَن لَمْ يُحْسِنْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ مِن تَبْعِيضِيَّةً، ولَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ لِجَوازِ كَوْنِها بَيانِيَّةً، ولَوْ سُلِّمَ فَلا بَأْسَ بِهِ؛ فَإنَّ الإحْسانَ زِيادَةُ الإخْلاصِ الوارِدِ في حَدِيثِ الإحْسانِ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، لَكِنْ يَبْقى عَلى هَذا حُكْمُ مَن لَمْ يُحْسِنْ بِهَذا المَعْنى مِنهم أوِ الرّابِطُ الِاسْمُ الظّاهِرُ الَّذِي هو المُبْتَدَأُ في المَعْنى عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأخْفَشُ مِن جَعْلِهِ رابِطًا، فَإنَّ مَن أحْسَنَ عَمَلًا في الحَقِيقَةِ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَأْباهُ تَنْكِيرُ ﴿ عَمَلا ﴾ لِأنَّهُ لِلتَّقْلِيلِ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِذَلِكَ إذِ النَّكِرَةُ قَدْ تَعُمُّ في الإثْباتِ ومَقامُ المَدْحِ شاهِدُ صِدْقٍ أوِ الرّابِطُ عُمُومٌ مِن بِناءٍ عَلى أنَّ العُمُومَ قَدْ يَكُونُ رابِطًا كَما فِي: زَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ، عَلى قَوْلٍ وفِيهِ مُناقَشَةٌ ظاهِرَةٌ.
ولَعَلَّ الأوْلى كَوْنُ الخَبَرِ جُمْلَةَ قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ، أي: القرآن.
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ، أي: من شاء فليقل: لا إله إِلا الله، ويقال: معناه من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء الله له الكفر كفر.
ويقال: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ من لفظه لفظ المشيئة، والمراد به الأمر، يعني: آمنوا.
وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ لفظه لفظ المشيئة والمراد به الخبر، ومعناه: ومن كفر.
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نَارًا، يعني: للكافرين أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها، يعني: أن دخانها محيط بالكافرين، قال الكلبي ومقاتل: يخرج عنق من النار، فيحيط بهم كالحظيرة.
ثم قال: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا من العطش، يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ، أي أسودَ غليظاً كرديء الزيت، وهذا قول الكلبي والسدي وابن جبير.
وروى عكرمة، عن ابن عباس مثله، ويقال: هو الصفر المذاب، أو النحاس المذاب إذ بلغ غايته في الحر.
وروى الضحاك، عن ابن مسعود: «أنه أذاب فضة من بيت المال، ثم بعث إلى أهل المسجد وقال: من أحب أن ينظر إلى المهل، فلينظر إلى هذا» وقال مجاهد: المهل القيح والدم الأسود كعكر الزيت.
يَشْوِي الْوُجُوهَ، يعني: إذا هوى به إلى فيه أنضج وجهه.
بِئْسَ الشَّرابُ المهل.
وَساءَتْ مُرْتَفَقاً، يقول: بئس المنزل النار، رفقاؤهم فيها الشياطين والكفار.
وَساءَتْ مُرْتَفَقاً، أي مجلساً.
وأصل الارتفاق: الاتكاء على المرفق.
قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، أي لا نبطل ثواب من أحسن عملاً في الآخرة.
ثم بين ثوابهم فقال: أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ، العدن: الإقامة، ويقال: العدن بطنان الجنة، وهي وسطها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ، السندس: ما لطف من الديباج، والاستبرق: ما ثخن من الديباج وقال القتبي: يقول قوم: هو فارسي معرب، أصله استبرك، وقال الزجاج في قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ: يجوز أن يكون خبره: إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، كأنه يقول: إنا لا نضيع أجرهم، ويحتمل أن يكون الجواب قوله: أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ ويجوز أن يكون جوابه لم يذكر.
وقد بيَّن ثواب من أحسن عملاً في موضع آخر، وهو قوله: مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً وقوله أَساوِرَ جمع أسورة، واحدها سوار والأسورة جمع الجمع.
مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ، أي على السرر في الحجال، ولا يكون أريكة إلا إذا اجتمعا على السرير والحجلة.
نِعْمَ الثَّوابُ الجنة، وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً، أي: منزلاً في الجنة، قُرناؤهم الأنبياء والصالحون.
<div class="verse-tafsir"
حِبَّان في «صحيحهما» وهذا لفظ الترمذيِّ، وقال: حديثٌ حَسَن، وقال الحاكمُ: صحيحٌ على شرط مسلم، «والتِّرَةُ» - بكسر التاء المُثَنَّاة من فوقُ وتخفيفِ الراء- النقْصُ، وقيل:
التبعة، ولفظ ابن حِبَّان: «إِلاَّ كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، وإِنْ دَخَلَوا الجَنَّةَ» انتهى من «السلاح» .
وقوله: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ...
الآية: توعُّد وتهديد، أي: فليختر كلّ امرئ لنفسه ما يجدُه غداً عند اللَّه عزَّ وجلّ، وقال الداوديّ، عن ابن عباس: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ يقول: من شاء اللَّه له الإِيمان، آمن، ومن شاء له الكفر، كفر، هو كقوله:
وَما تَشاؤُنَ/ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [التكوير: ٢٩] «١» وقال غيره: هو كقوله:
اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت: ٤٠] بمعنى الوعيد، والقولان معاً صحيحان.
انتهى وأَعْتَدْنا مأخوذٌ من العَتَاد، وهو الشيءُ المُعَدُّ الحاضر، «والسُّرادق» هو الجدار المحيطُ كالحُجْرة التي تدورُ وتحيطُ بالفسْطَاط، قد تكون من نَوْع الفُسْطَاط أديماً أو ثوباً أو نحوه، وقال الزَّجَّاج «٢» : «السُّرَادِق» : كل ما أحاط بشيء، واختلف في سُرَادِقِ النار، فقال ابن عباس: سرادقها حائطٌ من نارٍ «٣» ، وقالت فرقة: سرادقها دُخَانٌ يحيطُ بالكُفَّار، وهو قوله تعالى: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [المرسلات: ٣٠] وقيل غير هذا، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من طريق أبي سعيد الخدريِّ أنه قَالَ سُرَادِقُ النَّارِ أربَعَةُ جُدُر كِثَفُ عَرْض كُلِّ جَدارٍ مَسِيرَةُ أرْبَعيِنَ سَنَةً «٤» و «المهل» قال أبو سعيد عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: هو درديُّ الزيتِ، إِذا انتهى حَرُّه «٥» ، وقال أبو سعيد وغيره: هو كلُّ ما أذيَب من ذهبٍ أو فضة، وقالت فرقةٌ:
«المُهْل» هو الصديدُ والدمُ إِذا اختلطا، ومنه قول أبي بكر رضي اللَّه عنه في الكَفَن: إِنما هو للمهلة «٦» ، يريدُ لما يسيلُ من المَيِّت في قبره، ويقوى هذا بقوله سبحانه: وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ [إبراهيم: ١٦] والمرتفق: الشيء الذي يطلب رفقه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: خَبَرُ " إنَّ " هاهُنا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ ﴿ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا ﴾ مِنهُمْ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ ( مِنهم )؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أعْلَمَنا أنَّهُ مُحْبِطٌ عَمَلَ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ خَبَرُ " إنَّ ": ﴿ أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ ﴾ ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ إنّا لا نُضِيعُ ﴾ قَدْ فُصِلَ بِهِ بَيْنَ الِاسْمِ وخَبَرِهِ؛ لِأنَّهُ يَحْتَوِي عَلى مَعْنى الكَلامِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ مَن أحْسَنَ عَمَلًا بِمَنزِلَةِ الَّذِينَ آَمَنُوا.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا ﴾ بِمَعْنى: إنّا لا نُضِيعُ أجْرَهم.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى ﴿ لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا ﴾ ؛ أيْ: لا نَتْرُكَ أعْمالَهُ تَذْهَبُ ضَياعًا، بَلْ نُجازِيهِ عَلَيْها بِالثَّوابِ.
فَأمّا الأساوِرُ، فَقالَ الفَرّاءُ: في الواحِدِ مِنها ثَلاثُ لُغاتٍ: إسْوارٍ وسِوارٍ وسُوارٍ، فَمَن قالَ: إسْوارٍ، جَمَعَهُ: أساوِرَ، ومَن قالَ: سِوارٍ أوْ سُوارٍ، جَمَعَهُ: أسْوِرَةً، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدُ أساوِرَةٍ وأساوِرَ: سِوارًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: الأساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ، يُقالُ: سِوارُ اليَدِ، بِالكَسْرِ، وقَدْ حُكِيَ: سُوارٌ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا كانَتِ المُلُوكُ تَلْبَسُ في الدُّنْيا الأساوِرَ في اليَدِ والتِّيجانَ عَلى الرُّؤُوسِ، جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لِأهْلِ الجَنَّةِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُحَلّى كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِثَلاثَةٍ مِنَ الأساوِرِ، واحِدٍ مِن فِضَّةٍ، وواحِدٍ مِن ذَهَبٍ، وواحِدٍ مِن لُؤْلُؤٍ ويَواقِيتٍ.
فَأمّا " السُّنْدُسُ " و " الإسْتَبْرَقُ "، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: السُّنْدُسُ: رَقِيقُ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ثَخِينُهُ.
وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، قالَ: السُّنْدُسُ: رَقِيقُ الدِّيباجِ، لَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ اللُّغَةِ في أنَّهُ مُعَرَّبٌ، قالَ الرّاجِزُ: ولَيْلَةً مِنَ اللَّيالِي حِنْدِسِ لَوْنُ حَواشِيها كَلَوْنِ السُّنْدُسِ والِاسْتَبْرَقُ: غَلِيظُ الدِّيباجِ، فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وأصْلُهُ: إسْتَفْرَهْ.
وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: اسْتَرْوَهْ، ونُقِلَ مِنَ العَجَمِيَّةِ إلى العَرَبِيَّةِ، فَلَوْ حُقِّرَ ( إسْتَبْرَقُ ) أوْ كُسِرَ، لَكانَ في التَّحْقِيرِ ( أُبَيْرِقُ )، وفي التَّكْسِيرِ ( أبارِقُ ) بِحَذْفِ السِّينِ والتّاءِ جَمِيعًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيها ﴾ الِاتِّكاءُ: التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والأرائِكُ: الفَرْشُ في الحِجالِ، ولا تَكُونُ الأرِيكَةُ إلّا بِحَجَلَةٍ وسَرِيرٍ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأرائِكُ: السُّرُرُ في الحِجالِ، واحِدُها: أرِيكَةٌ.
وقالَ ثَعْلَبُ: لا تَكُونُ الأرِيكَةُ إلّا سَرِيرًا في قُبَّةٍ عَلَيْهِ شَوارُهُ ومَتاعُهُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ( الشَّوارُ ) مَفْتُوحُ الشِّينِ، وهو مَتاعُ البَيْتِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الأرائِكُ: الفَرْشُ في الحِجالِ.
قالَ: وقِيلَ: إنَّها الفُرُشُ، وقِيلَ: الأسِرَّةُ، وهي عَلى الحَقِيقَةِ: الفُرُشُ كانَتْ في حِجالٍ لَهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ نِعْمَ الثَوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا ﴾ اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِلْمَعْنى، مُذَكِّرٌ بِأفْضالِ اللهِ تَعالى، مُنَبِّهٌ عَلى حُسْنِ جَزائِهِ، بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ ﴾ ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، جُمْلَةٌ هي خَبَرُ "إنَّ" الأُولى، ونَحْوَ هَذا مِنَ الِاعْتِراضِ قَوْلُ الشاعِرِ: إنَّ الخَلِيفَةَ -إنَّ اللهَ ألْبَسَهُ ∗∗∗ سِرْبالَ مُلْكٍ -بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ قالَ الزَجاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ "إنَّ" في قَوْلِهِ: ﴿ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا ﴾ ؛ لِأنَّ المُحْسِنِينَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، فَكَأنَّ المَعْنى: لا نُضِيعُ أجْرَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ الخَبَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا نُضِيعُ ﴾ عَلى حَذْفِ العائِدِ، تَقْدِيرُهُ: مَن أحْسَنَ عَمَلًا مِنهم.
و"العَدْنُ": الإقامَةُ، ومِنهُ المَعْدِنُ؛ لِأنَّ حَجَرَهُ مُقِيمٌ فِيهِ ثابِتٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن تَحْتِهِمُ ﴾ يُرِيدُ: مِن تَحْتِ غُرَفِهِمْ ومَبانِيهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن أساوِرَ"، ورَوى أبانَ عن عاصِمٍ: "مِن أسْوِرَةٍ" بِغَيْرِ ألْفٍ وبِزِيادَةِ هاءٍ، وواحِدَهُ الأساوِرِ: إسْوارٌ وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ الجَمْعِ؛ لِأنَّ البابَ: أساوِيرُ، وهي ما كانَ في الذِراعِ مِنَ الحُلِيِّ، وقِيلَ: أساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارِ، وإنَّما الإسْوارُ بِالفارِسِيَّةِ القائِدُ ونَحْوَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقالُ في حُلِيِّ الذِراعِ: إسْوارٌ، ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: واللهِ لَوْلا فِتْيَةٌ صِغارُ ∗∗∗ ∗∗∗ كَأنَّما وجُوهُهم أقْمارُ تَضُمُّهم مِنَ العَتِيكِ دارُ ∗∗∗ ∗∗∗ أخافُ أنْ يُصِيبَهم إقْتارُ أو لاطِمٌ لَيْسَ لَهُ إسْوارُ ∗∗∗ ∗∗∗ لِما رَآنِي مَلِكٌ جَبّارُ بِبابِهِ ما وضَحَ النَهارُ أنْشَدَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ حاشِيَةً في كِتابٍ أبِي عُبَيْدَةَ.
و"السُنْدُسُ": رَقِيقُ الدِيباجِ، و"الإسْتَبْرَقُ": ما غَلُظَ مِنهُ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي لَفْظَةٌ أعْجَمِيَّةٌ عُرِّبَتْ، وأصْلُها: اسْتَبَرَهُ، وقالَ بَعْضُهم بَلْ هو الفِعْلُ العَرَبِيُّ سُمِّيَ بِهِ، فَهو إسْتَبْرَقٌ، مِنَ البَرِيقِ، فَغُيِّرَ حِينِ سُمِّيَ بِهِ بِقَطْعِ الألْفِ، ويُقَوِّي هَذا القَوْلَ أنَّ ابْنَ مُحَيْصِنٍ قَرَأ: "مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ"، فَجاءَ مَوْصُولُ الهَمْزَةِ حَيْثُ وقَعَ، ولا يَجُرُّهُ بَلْ بِفَتْحِ القافِ، ذَكَرَهُ الأسْوارِيُّ، وذَكَرَهُ أبُو الفَتْحِ وقالَ: هَذا سَهْوٌ أو كالسَهْوِ.
و"الأرائِكِ": جَمْعُ أرِيكَةٍ، وهو السَرِيرُ في الحِجالِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَحَسُنَتْ" لِلْجَنّاتِ، وحَكى النَقاشُ عن أبِي عُمْرانَ الجَوْنِي أنَّهُ قالَ: الإسْتَبْرَقُ: الحَرِيرُ المَنسُوجُ بِالذَهَبِ، وحَكى مَكِّيُّ والزَهْراوِيُّ وغَيْرُهُما حَدِيثًا مُضَمَّنُهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُمْ، سَألَ أعْرابِيٌّ رَسُولَ اللهِ عَنِ الآيَةِ، فَقالَ النَبِيُّ لِلْأعْرابِيِّ: "أعْلِمْ قَوْمَكَ أنَّها نَزَلَتْ في هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ" وهم حُضُورٌ.
<div class="verse-tafsir"
جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً مراعى فيه حال السامعين من المؤمنين، فإنهم حين يسمعون ما أعد للمشركين تتشوف نفوسهم إلى معرفة ما أعد للذين آمنوا ونبذوا الشرك فأعلِموا أن عملهم مرعي عند ربهم.
وجريا على عادة القرآن في تعقيب الوعيد بالوعد والترهيب بالترغيب.
وافتتاح الجملة بحرف التوكيد إن) لتحقيق مضمونها.
وإعادةُ حرف (إن) في الجملة المخبر بها عن المبتدأ الواقع في الجملة الأولى لمزيد العناية والتحقيق كقوله تعالى في سورة الحج (17) ﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ﴾ وقوله تعالى: ﴿ قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ﴾ [الجمعة: 8] ومثله قول جرير: إن الخليفة إن الله سَرْبله *** سِربال مُلك به تُزجَى الخواتيمُ وموقع (إن) الثانية في هذه الآية أبلغ منه في بيت جرير لأن الجملة التي وقعت فيها في هذه الآية لها استقلال بمضمونها من حيث هي مفيدة حكماً يعم ما وقعت خبراً عنه وغيره من كل من يماثل الخبر عنهم في عملهم، فذلك العموم في ذاته حكم جدير بالتأكيد لتحقيق حصوله لأربابه بخلاف بيت جرير.
وأما آية سورة الحج فقد اقتضى طولُ الفصل حرف التأكيد حرصاً على إفادة التأكيد.
والإضاعة: جعل الشيء ضائعاً.
وحقيقة الضيعة: تلف الشيء من مظنة وجوده.
وتطلق مجازاً على انعدام الانتفاع بشيء موجود فكأنه قد ضاع وتلف، قال تعالى: ﴿ أني لا أضيع عَمَل عامل منكم ﴾ في سورة آل عمران (195)، وقال: ﴿ وما كان الله ليُضِيع إيمانكم ﴾ في البقرة (143).
ويطلق على منع التمكين من شيء والانتفاع به تشبيهاً للممنوع بالضائع في اليأس من التمكن منه كما في هذه الآية، أي أنا لا نَحْرم من أحسن عملاً أجرَ عمله.
ومنه قوله تعالى: ﴿ إنّ الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ [التوبة: 120].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا ﴾ رَوى البَراءُ بْنُ عازِبٍ «أنَّ أعْرابِيًّا قامَ إلى رَسُولِ اللَّهِ في حَجَّةِ الوَداعِ فَقالَ: إنِّي رَجُلٌ مُتَعَلِّمٌ فَأخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ الآيَةِ.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (يا أعْرابِيُّ ما أنْتَ مِنهم بِبَعِيدٍ ولا هم بِبَعِيدٍ مِنكَ، هم هَؤُلاءِ الأرْبَعَةُ الَّذِينَ هم وُقُوفٌ، أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ فَأعْلِمْ قَوْمَكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ)» .
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ ﴾ أمّا السُّنْدُسُ: فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن ألْطَفِ مِنَ الدِّيباجِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، واحِدُهُ سُنْدُسَةٌ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَفي الإسْتَبْرَقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما غَلُظَ مِنَ الدِّيباجِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، أصْلُهُ اسْتَبْرَهْ وهو الشَّدِيدُ، وقَدْ قالَ المُرَقِّشُ: تَراهُنَّ يَلْبَسْنَ المَشاعِرَ مَرَّةً وإسْتَبْرَقَ الدِّيباجِ طَوْرًا لِباسُها الثّانِي: أنَّهُ الحَرِيرُ المَنسُوجُ بِالذَّهَبِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الحِجالُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الثّانِي: أنَّها الفُرُشُ في الحِجالِ.
الثّالِثُ: أنَّها السُّرُرُ في الحِجالِ، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ: ؎ خُدُودًا جَفَتْ في السَّيْرِ حَتّى كَأنَّما ∗∗∗ يُباشِرْنَ بِالمَعْزاءِ مَسَّ الأرائِكِ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المبارك وابن أبي حاتم، عن المقبري قال: بلغني أن عيسى ابن مريم كان يقول: يا ابن آدم، إذا عملت الحسنة فاله عنها، فإنها عند من لا يضيعها.
ثم تلا ﴿ إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً ﴾ وإذا عملت سيئة فاجعلها نصب عينيك.
وأخرج ابن مردويه عن سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن رجلاً من أهل الجنة اطلع فبدت أساوره، لطمس ضوءه ضوء الشمس كما يطمس ضوء النجوم» .
وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في البعث، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن أدنى أهل الجنة حلية عدلت حليته بحلية أهل الدنيا جميعاً، لكان ما يحليه الله به في الآخرة أفضل من حلية أهل الدنيا جميعاً» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن كعب الأحبار قال: «إن لله ملكاً- وفي لفظ-: في الجنة ملك، لو شئت أن أسميه لسميته، يصوغ حلى أهل الجنة من يوم خلق إلى أن تقوم الساعة، ولو أن حلياً منها أخرج لرد شعاع الشمس.
وإن لأهل الجنة أكاليل من در، لو أن إكليلاً منها دلي من السماء الدنيا لذهب بضوء الشمس كما تذهب الشمس بضوء القمر» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن عكرمة قال: إن أهل الجنة يحلون أسورة من ذهب ولؤلؤ وفضة، هي أخف عليهم من كل شيء إنما هي نور.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ أساور من ذهب ﴾ قال: الأساور، المسك.
وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» .
وأخرج النسائي والحاكم عن عقبة بن عامر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمنع أهله الحلية والحرير، ويقول: «إن كنتم تحبون حلية الجنة وحريرها فلا تلبسوهما في الدنيا» .
وأخرج الطيالسي والبخاري في تاريخه والنسائي والبزار وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن ابن عمرو قال: قال رجل: «يا رسول الله، أخبرنا عن ثياب أهل الجنة..
أخلقاً تخلق أم نسجاً تنسج؟
قال: بل يشقق عنها ثمر الجنة» .
وأخرج ابن مردويه من حديث جابر نحوه.
وأخرج البيهقي عن أبي الخير مرثد بن عبدالله قال: في الجنة شجرة تنبت السندس، منه يكون ثياب أهل الجنة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن الضحاك قال: الاستبرق، الديباج الغليظ، وهو بلغة العجم استبره.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عكرمة قال: الاستبرق، الديباج الغليظ.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة قال: الاستبرق الغليظ من الديباج.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن سابط قال: يبعث الله إلى العبد من أهل الجنة بالكسوة فتعجبه، فيقول: لقد رأيت الجنان فما رأيت مثل هذه الكسوة قط!
فيقول الرسول الذي جاء بالكسوة: إن ربك يأمر أن تهيئ لهذا العبد مثل هذه الكسوة ما شاء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال: لو أن ثوباً من ثياب أهل الجنة نشر اليوم في الدنيا، لصعق من ينظر إليه وما حملته أبصارهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سليم بن عامر قال: إن الرجل من أهل الجنة يلبس الحلة من حلل أهل الجنة فيضعها بين أصبعيه، فما يرى منها شيء، وإنه يلبسها فيتعفر حتى تغطي قدميه، يكسى في الساعة الواحدة سبعين ثوباً...
إن أدناها مثل شقيق النعمان، وإنه يلبس سبعين ثوباً يكاد أن يتوارى، وما يستطيع أحد في الدنيا أن يلبس سبعة أثواب ما يسعه عنقه.
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي رافع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كفن ميتاً، كساه الله من سندس واستبرق الجنة» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الهيثم بن مالك الطائي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل ليتكئ المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحوّل عنه ولا يمله، يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ثابت قال: بلغنا أن الرجل يتكئ في الجنة سبعين سنة، عنده من أزواجه وخدمه وما أعطاه الله من الكرامة والنعيم، فإذا حانت منه نظرة، فإذا أزواج له لم يكن يراهن من قبل ذلك فيقلن: قد آن لك أن تجعل لنا منك نصيباً.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الأرائك، السرر في جوف الحجال...
عليها الفرش منضود في السماء فرسخ.
وأخرج البيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا تكون أريكة حتى يكون السرير في الحجلة، فإن كان سرير بغير حجلة لم يكن أريكة؛ وإن كانت حجلة بغير سرير لم تكن أريكة، فإذا اجتمعا كانت أريكة.
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ على الأرائك ﴾ قال: السرر عليها الحجال.
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن مجاهد رضي الله عنه قال: الأرائك من لؤلؤ وياقوت.
وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في الوقف والابتداء، عن الحسن رضي الله عنه قال: لم نكن ندري ما الأرائك حتى لقينا رجلاً من أهل اليمن، فأخبرنا أن الأريكة عندهم الحجلة إذا كان فيها سرير.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي رجاء قال: سئل الحسن رضي الله عنه عن الأرائك فقال: هي الحجال، أهل اليمن يقولون أريكة فلان.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه، أنه سئل عن الأرائك فقال: هي الحجال على السرر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: الأرائك، الحجال فيها السرر.
<div class="verse-tafsir"
ثم ذكر ما وعد المؤمنين فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ الآية.
واختلف النحويون في جواب ﴿ إِنَّ ﴾ الأولى، فذكر أبو إسحاق وأبو علي فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن خبره قوله: ﴿ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴾ على إضمار منهم، فحذف الراجع من الخبر؛ لأنه معلوم أن الله إنما لا يضيع أجر من أحسن عملاً من المؤمنين، فأما من أحسن عملاً من غير المؤمنين فإن الله يحبط عمله.
الوجه الثاني: أن المعنى إنا لا نضيع أجرهم، إلا أنه وقع المظهر موقع المضمر؛ لأن من أحسن عملاً في المعنى الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
الوجه الثالث: أن الخبر قوله: ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ ﴾ ويكون قوله: ﴿ إِنَّا لَا نُضِيعُ ﴾ اعتراضًا بين الاسم والخبر، وجاز ذلك؛ لأن من أحسن عملاً بمنزلة الذين آمنوا (١) ﴿ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ﴾ من عمل صالحًا، فترك الكلام الأول واعتمد على الثاني كقول الشاعر (٢) إنَّ الخليفة إنَّ الله سربله ...
سربال ملك به تزجى الخواتيم الثاني: أن يجعل ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ في مذهب جزاء ويضمر، فيصير كأنك قلت: إن من عمل صالحًا فإنا لا نضيع أجره) (٣) (٤) (١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 283، و"الجحة" للقراء السبعة 3/ 63.
(٢) البيت لجرير، وصدره: يكفي الخليفة أن الله سربله انظر: "ديوان جرير" ص 431، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 140، و"خزانة الأدب" 4/ 344، و"البحر المحيط" 6/ 121، و"الدر المصون" 7/ 481، و"معجم الشواهد النحوية" ص 595، و"المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية" 2/ 883، و"أبيات النحو في تفسير البحر المحيط" ص 313.
(٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 140.
(٤) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 273، و"إملاء ما من به الرحمن" 1/ 398، و"البحر المحيط" 6/ 121، و"الدر المصون" 7/ 481.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقُلِ الحق مِن رَّبِّكُمْ ﴾ أي هذا هو الحق ﴿ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن ﴾ لفظه أمر وتخيير: ومعناه أن الحق قد ظهر فليختر كل إنسان لنفسه: إما الحق الذي ينجيه، أو الباطل الذي يهلكه، ففي ضمن ذلك تهديد ﴿ سُرَادِقُهَا ﴾ السرداق في اللغة: ما أحاط بالشيء كالسور والجدار، وأما سرادق جهنم فقيل: حائط من نار، وقيل: دخان ﴿ كالمهل ﴾ وهو دردي الزيت إذ انتهى حره روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: ما أذيب من الرصاص وشبهه ﴿ مُرْتَفَقاً ﴾ أي شيء يرتفق به، فهو من الرفق، وقيل: يرتفق عليه فهو من الارتفاق بمعنى الاتكاء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وفجرنا ﴾ بالتخفيف: سهل ويعقوب غير رويس ﴿ له ثمر ﴾ وكذا ﴿ بثمره ﴾ بفتح الثاء والميم: يزيد.
وعاصم وسهل ويعقوب وأبو عامر: بضم الثاء وإسكان الميم.
الباقون بضم الثاء والميم جميعاً ﴿ منها ﴾ على الوحدة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون على التثنية ﴿ لكن ﴾ بالتشديد من غير ألف في الحالين: قتيبة وابن عامر وابن فليح ويعقوب بالألف في الوصل.
الباقون بغير الألف واتفقوا على الألف في الوقف ﴿ بربي أحد ﴾ مفتوحة الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ أن ترني ﴾ فتح الياء: السرانديبي عن قنبل ﴿ غوراً ﴾ بضم الغين وكذلك في ﴿ الملك ﴾ البرجمي الباقون بفتحها.
﴿ ولم يكن له ﴾ بياء الغيبة ﴿ الولاية ﴾ بكسر الواو: حمزة وعلي وخلف.
الآخرون بتاء التأنيث وفتح الواو ﴿ لله الحق ﴾ بالرفع: أبو عمرو وعلي.
الآخرون بالجر ﴿ عقباً ﴾ بسكون القاف: عاصم وحمزة وخلف.
الباقون بضمها ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف.
الوقوف: ﴿ من كتاب ربك ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ ملتحداً ﴾ ه ﴿ عنهم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستفهاماً محذوف الألف لدلالة حال العتاب.
﴿ فرطاً ﴾ ه ﴿ فليكفر ﴾ لا لأن الأمر للتهديد بدليل ﴿ إنا أعتدنا ﴾ فلو فصل صار مطلقاً ﴿ ناراً ﴾ ، لأن ما بعده صفة ﴿ سرادقها ﴾ ط ﴿ الوجوه ﴾ ط ﴿ الشراب ﴾ ط ﴿ مرتفقاً ﴾ ه ﴿ عملاً ﴾ ج ه لاحتمال كون ﴿ أولئك ﴾ مع ما بعده خبر ﴿ إن الذين ﴾ وقوله: ﴿ إنا لا نضيف ﴾ جملة معترضة ﴿ الأرائك ﴾ ط ﴿ الثواب ﴾ ط ﴿ مرتفقاً ﴾ ه ﴿ زرعاً ﴾ ه، ط ﴿ شيئاً ﴾ لا للعطف ﴿ نهراً ﴾ ه ط ﴿ ثمر ﴾ ج للعدول مع الفاء ﴿ نفراً ﴾ ، ج ﴿ لنفسه ﴾ ج لاتحاد العامل بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ه ط ﴿ قائمة ﴾ لا لأن ما بعده شك من قول الكافر في البعث ﴿ منقلباً ﴾ ه ﴿ رجلاً ﴾ ، ه ط لتمام الاستفهام ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ لا لاتمام المقول ﴿ إلا بالله ﴾ ج لابتداء الشرط المحذوف جوابه مع اتحاد القائل والمقول له ﴿ وولداً ﴾ ه، ج لاحتمال كون ما بعده جواباً للشرط ﴿ زلقاً ﴾ ه ﴿ طلباً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ منتصرا ﴾ ، ط وقيل: يوقف على ﴿ هنالك ﴾ والأوجه أن يبتدأ بـ ﴿ هنالك ﴾ أي عند ذلك يظهر لكل شاك سلطان الله ونفاد أمره ﴿ الحق ﴾ ط على القراءتين ﴿ عقباً ﴾ ه ﴿ الرياح ﴾ ط ﴿ مقتدراً ﴾ ه ﴿ زينة الحياة الدنيا ﴾ ج مفصلاً بين المعجل الفاني والمؤجل الباقي مع اتفاق الجملتين ﴿ أملاً ﴾ .
التفسير: لما أجب عن سؤالهم بما أجاب أمر نبيه أن يواظب على تلاوة الكتاب الموحى إليه وعلى الصبر مع الفقراء الذين آمنوا بما أنزل عليه، واحتمل أن يكون ﴿ اتل ﴾ أمراً من التلو لا من التلاوة أي اتبع ما أوحي إليك والزم العمل بمقتضاه وقوله: ﴿ من كتاب ربك ﴾ بيان للذي أوحي إليه.
ثم بين سبب اللزوم فقال: ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ أي لا يقدر أحد على تغييرها وإنما يقدر على ذلك هو وحده فليس لك ولا لغيرك إلا المواظبة على العلم والعمل به يؤكده قوله: ﴿ ولن تجد من دونه ملتحداً ﴾ أي ملجأ تعدل إليه إن هممت بذلك فرضاً: وأصل اللحد الميل كما مر في قوله: ﴿ يلحدون في أسمائه ﴾ نهى رسول الله في سورة الأنعام عن طرد فقراء المؤمنين بقوله: ﴿ ولا تطرد الذين ﴾ الآية وأمره في هذه السورة بحبس النفس معهم وبمراقبة أحوالهم بقوله: ﴿ ولا تعد عيناك ﴾ قال جار الله: إنما لم يقل ولا تعدهم عيناك من عداه إذا جاوزه لأنه ضمن عدا معنى نبا وفيه مبالغة من جهة تحصيل المعنيين جميعاً كأنه قيل: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم.
ثم نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء الكفرة الذين التمسوا منه طرد الفقراء حتى يؤمنوا به فقال: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه ﴾ قال أهل السنة: معنى الإغفال إيجاد الغفلة وخلقها فيهم، أو هو من أغفلها إذا تركها بغير سمة أي لم نسمه بالذكر ولم نجعله من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان، ويؤيد هذا المعنى أن الغفلة عن الذكر لو كانت بإيجاد العبد والقصد إلى إيجاد الغفلة عن الشي لا يتصور إلا مع الشعور بذلك الشيء لزم اجتماع الضدين.
وقالت المعتزلة: معنى أغفلناه وجدناه غافلاً بالخذلان والتخلية بينه وبين الأسباب المؤدية إلى الغفلة يؤيده قوله: ﴿ واتبع هواه ﴾ بالواو دون الفاء إذ لو كان اتباع الهوى من نتيجة خلق الغفلة في القلب لقيل" فاتبع" بالفاء.
ويمكن أن يجاب بأنه لا يلزم من كون الشيء في نفس الأمر نتيجة لشيء أن يعتبر كونه نتيجة له والفاء من لوازم الثاني دون الأول، على أن الملازمة بين الغفلة عن ذكر الله وبين متابعة الهوى غير كلية، فقد يكون الإنسان غافلاً عن ذكر الله ومع ذلك لا يتبع هواه بل يبقى متوقفاً متحيراً ﴿ وكان أمره فرطاً ﴾ أي متجاوزاً عن حد الاعتدال من قولهم "فرس فرط" إذا كان متقدماً للخيل، ويلزم منه أن يكون نابذاً للحق وراء ظهره.
وأنت إذا تأملت وجدت حال الأغنياء المتحيرين بخلاف الفقراء المؤمنين، لأن هؤلاء الفقراء يدعون ربهم بالغداة والعشى ابتغاء وجه الله وطلباً لمرضاته فأقبلوا على الحق وشغلوا عن الخلق، والأغنياء قد أعرضوا عن المولى وأقبلوا على الدنيا فوقعوا في ظلمة الهوى وبقوا في تيه الجهل والعمى.
وإنما لم يجز طرد الفقراء لأجل إيمان الأغنياء لأن إيمان من ترك الإيمان احترازاً من مجالسة الفقراء كلا إيمان فوجب أن لا يلتفت إليه.
ثم بين أن الحق ما هو ومن أين هو قائلاً ﴿ وقل الحق من ربكم ﴾ أي الدين الحق حصل ووجد من عند الله، ويحتمل أن يراد بالحق الصبر مع الفقراء.
وقال في الكشاف: الحق خبر مبتدأ محذوف والمعنى جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختيار الإيمان أو الكفر، وفيه دليل على أن الإيمان والكفر والطاعة والمعصية كلها مفوّضة إلى مشيئة العبد واختياره.
وحمله الأشاعرة على أمر التهديد وقالوا: إن الفعل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه، ثم ذلك القصد لا بد أن يقع بالاختيار والقصد فنقل الكلام إليه ولا يتسلسل فلا بد أن ينتهي إلى قصد واختيار يخلقه الله فيه.
فالإنسان مضطر في صورة مختار وفي صورة هذا التخيير دلالة على أنه لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين.
ثم بين وعيد الظالمين الذين وضعوا الكفر موضع الإيمان وتحقير المؤمنين لأجل فقرهم مكان تعظيمهم لأجل إيمانهم فقال: ﴿ إنا أعتدنا ﴾ أي أعددنا وهيأنا ﴿ للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها ﴾ وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط فأثبت للنار شيئاً شبيهاً بذلك يحيط بهم من جميع الجهات، والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرج.
وقيل: هو حائط من نار يطبق بهم.
وقيل: هو دخان محيط بالكفار قبل دخولهم النار وهو المراد بقوله ﴿ انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب ﴾ وقوله: ﴿ يغاثوا بماء ﴾ وارد على سبيل التهكم كقولهم "عتابك السيف".
والمهل كل ما أذيب من المعدنيات كالذهب والفضة والنحاس قاله أبو عبيدة والأخفش.
وقيل في حديث مرفوع إنه درديّ الزيت.
وقيل: الصديد والقيح أو ضرب من القطران.
وهذه الاستغاثة إما لطلب الشراب كقوله: ﴿ تسقى من عين آنية ﴾ وإما لدفع الحر ولأجل التبريد كقوله حكاية عنهم ﴿ أفيضوا علينا من الماء ﴾ ويروى أنهم إذا استغاثوا من حر جهنم صب عليهم القطران الذي يعم كل أبدانهم كالقميص، وقد يفسر بهذا قوله: ﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ عن النبي " "هو - يعني المهل - كعكر الزيت إذا قرب إليه سقطت فروة وجهه" وهذا معنى قوله: ﴿ يشوي الوجوه بئس الشراب ﴾ ذلك لأن المقصود من الشراب إراحة الأحشاء وهذا يحرقها ويشويها ﴿ وساءت ﴾ أي النار ﴿ مرتفقاً ﴾ متكئاً لأهلها ومنه المرفق لأنه يتكأ عليه.
قال جار الله: هذا لمشاكلة قوله في أهل الجنة ﴿ وحسنت مرتفقاً ﴾ وإلا فلا ارتفاق لأهل النار إلا أن يقال: معنى ارتفق أنه نصب مرفقه ودعم به خده كعادة المغتمين.
وقال قائلون: إن الشياطين رفقاء أهل النار من الإنس والمعنى ساءت النار مجتمعاً لأولئك الرفقاء.
ثم شرع في وعد المؤمنين فقال: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية فإن جعلت ﴿ إنا لا نضيّع ﴾ اعتراضاً فظاهر وإن جعلته خبراً و ﴿ أولئك ﴾ خبراً آخر أو كلاماً مستأنفاً للأجر أو بياناً لمبهم فمعنى العموم في ﴿ من أحسن ﴾ يقوم مقام الرابط المحذوف والتقدير ﴿ من أحسن عملاً ﴾ منهم.
وتفسير جنات عدن قد مر في سورتي "التوبة" و "الرعد".
ولأهل الجنة لباسان: لباس التحلي والباس الستر.
ولم يسم فاعل ﴿ يحلون ﴾ للتعظيم وهو الله جل وعلا، أو الملائكة بإذن.
و"من" في ﴿ من أساور ﴾ للابتداء وفي ﴿ من ذهب ﴾ للتبيين.
وتنكير أساور لإبهام أمرها في الحسن، وأساور أهل الجنة بعضها ذهب لهذه الآية، وبعضها فضة لقوله: ﴿ وحلوا أساور من فضة ﴾ وبعضها لؤلؤ لقوله في الحج ﴿ ولؤلؤاً ﴾ وجمع في لباس الستر بين السندس - وهو مارق من الديباج - وبين الاستبرق - وهو الغليظ منه - جمعاً بين النوعين والاستبرق عند بعضهم معرب استبره.
قيل: إنما لم يسم فاعل ﴿ يحلون ﴾ إشارة إلى أن الحلي تفضل الله بها عليهم كرماً وجوداً ونسب اللبس إليهم تنبيهاً على أنهم استوجبوه بعملهم، ثم وصفهم بهيئة المتنعمين والملوك من الاتكاء على أسرتهم.
والأرائك جمع أريكة وهو السرير المزين بالحجلة، أما السرير وحده فلا يسمى أريكة.
ثم إن الكفار كانوا يفتخرون بخدمهم وحشمهم وأموالهم وأصناف تمتعاتهم على الفقراء المؤمنين فضرب الله مثلاً للطائفتين تنبيهاً على أن متاع الدنيا لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الغني فقيراً والفقير غنياً إنما الفخر بالأعمال الصالحات.
والمراد مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين وكانا أخوين من بني إسرائيل أحدهما كافر- اسمه فطروس - والآخر مؤمن - اسمه يهوذا - وقيل: هما المذكوران في سورة "والصافات" في قوله: ﴿ قال قائل منهم إني كان لي قرين ﴾ ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطراهما، فاشترى الكافر أرضاً بألف فقال المؤمن: اللَّهم إن أخي اشترى أرضاً بألف دينار وأنا أشتري منك أرضاً في الجنة بألف فتصدق به.
ثم بنى أخوه داراً بألف فقال: اللَّهم إن أخي بنى داراً بألف وإني أشتري منك داراً في الجنة بألف فتصدق به.
ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال: اللَّهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور.
ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف فقال: اللَّهم إني إشتريت منك الولدان المخلدين بألف فتصدق به.
ثم أصابته حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده وبخسه على التصدق بماله.
وقيل: هما مثل لأخوين من بني مخزوم مؤمن وهو عبد الله بن الأشد زوج أم سلمة قبل رسول الله ، وكافر وهو الأسود بن عبد الأشد.
أما قوله: ﴿ وحففناهما بنخل ﴾ فقال صاحب الكشاف: إنه يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء ومعناه جعلنا النخيل محيطاً بالجنتين وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار ولا سيما المثمرة منها وخاصة النخيل إذا أمكن.
﴿ وجعلنا بينهما زرعاً ﴾ فهما جامعتان للأقوات والفواكه.
وفيه أنهما مع سعة أطرافهما وتباعد أكنافهما لم يتوسطهما بقعة معطلة، وفيه أنهما أتاني كل وقت بمنعفة أخرى متواصلة متشابكة وكل منهما منعوتة بوفاء الثمار لتمام الأكل.
﴿ وآتت ﴾ محمول على لفظ ﴿ كلتا ﴾ لأن لفظه مفرد.
ولو قيل: "آتتا".
على المعنى لجاز.
والظلم أصله النقصان وهو المراد ههنا.
﴿ وفجرنا ﴾ من قرأ بالتخفيف فظاهر لأنه نهر واحد، ومن قرأ بالتشديد فللمبالغة لأن النهر ممتد في وسطهما فهو كالأنهار ﴿ وكان له ثمر ﴾ قال الكسائي: الثمرة اسم الواحد والثمر جمع وجمعه ثمار ثم ثمر ككتاب وكتب بالحركة أو بالسكون.
وذكر أهل اللغة أن الثمر بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة وغيرهما، والثمر بالفتح حمل الشجر.
وقال قطرب: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: الثمر المال والولد أي كان يملك مع الجنتين أشياء من النقود وغيرها وكان متمكناً من عمارة الأرض ومن سائر التمتعات كيف شاء.
والمحاورة مراجعة الكلام من حار إذا رجع.
والنفر الأنصار والحشم الذين يقومون بالذب عنه.
وقيل: الأولاد الذكور لأنهم ينفرون معه دون الإناث.
ثم إن الكافر كأنه أخذ بيد المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويفاخره بما ملك من المال دونه وذلك قوله ﴿ ودخل جنته ﴾ فقال جار الله: معنى أفراد الجنة بعد التثنية أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما.
قلت: لا يبعد أن يكون قد دخل مع أخيه جنةواحدة منهما أو جعل مجموع الجنتين في حكم جنة واحدة منهما يؤيده توحيد الضمير على أكثر القراآت في قوله: ﴿ لأجدن خيراً منها ﴾ وإنما وصفه بقوله: ﴿ وهو ظالم لنفسه ﴾ لأنه لما اغتر بتلك النعم ولم يجعلها وسيلة إلى الإيمان بالله والاعتراف بالبعث وسائر مقدورات الله كان واضعاً للنعم في غير موضعها، على أن نعمة الجنة بخصوصها مما يجب أن يستدل بها على أحوال النشور كقوله عز من قائل: ﴿ وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ﴾ عكس الكافر القضيتين زعم دوام جنته التي هي بصدد الزوال قائلاً ﴿ ما أظن أن تبيد ﴾ أي تهلك ﴿ هذه ﴾ الجنة ﴿ أبداً ﴾ وذلك لطول أمله واستيلاء الحرص عليه واغتراره بالمهلة حتى أنكر المحسوس وادعى غلبة الظن بامتناع النشور مع قيام الدلائل العقلية والحسية على إمكانه ووجود الدلائل الشرعية على وجوبه قائلاً ﴿ وما أظن الساعة قائمة ﴾ ثم أقسم على أنه إن رد إلى ره فرضاً وتقديراً وكما يزعم صاحبه أن له رباً وأنه سيرد إليه وجد خيراً من جنته في الدنيا كأنه قاس الغائب على الشاهد أو ادعى أن النعم الدنيوية لن تكون استدراجية أصلاً وإنما تكون استحقاقاً وكرامة.
﴿ منقلباً ﴾ نصب على التمييز أي مرجع تلك وعاقبتها لكونها باقية بزعمكم خير من هذه لكونها فانية حساً أو في اعتقادكم.
قال بعض العلماء: الرد يتضمن كراهة المردود إليه فلهذا قال: ﴿ ولئن رددت ﴾ أي عن جنتي هذه التي أظن أن لا تبيد أبداً إلى ربي، ولما لم يسبق مثل هذا المعنى في "حم" قال هناك: ﴿ ولئن رجعت إلى ربي ﴾ ، قوله: ﴿ أكفرت ﴾ زعم الجمهور أن أخاه إنما حكم بكفره لأنه أنكر البعث.
وأقول: يحتمل أن يكون كافراً بالله أيضاً بل مشركاً لقوله بعد ذلك: ﴿ يا ليتني لم أشرك بربي أحداً ﴾ ولقول أخيه معرضاً به ﴿ لكنا هو الله ربي ﴾ وليس في قوله: ﴿ ولئن رددت إلى ربي ﴾ دلالة على أنه كان عارفاً بربه لاحتمال أن يكون قد قال ذلك بزعم صاحبه كما أشرنا إليه.
وقوله: ﴿ خلقك من تراب ﴾ أي خلق أصلك وهو إشارة إلى مادته البعيدة.
وقوله: ﴿ من نطفة ﴾ إشارة إلى مادته القريبة.
ومعنى ﴿ سوّاك رجلاً ﴾ عدلك وكلك حال كونك إنساناً ذكراً بالغاً مبلغ الرجال المكلفين ويجوز أن يكون ﴿ رجلاً ﴾ تمييزاً.
ولعل السر في تخصيص الله في هذا المقام بهذا الوصف هو أن يكون دليلاً على وجود الصانع أولاً، لأن الاستدلال على هذا المطلوب بخلق الإنسان أقرب الاستدلالات، وفيه أيضاً إشارة إلى إمكان البعث لأن الذي قدر على الإبداء أقدر على الإعادة، وفيه أنه خلقه فقيراً لا غنياً علم منه أنه خلقه للعبودية والإقرار لا للفخر والإنكار، ثم استدرك لقوله ﴿ أكفرت ﴾ كأنه قال لأخيه: أنت كافر بالله لكني مؤمن موحد.
وأصل ﴿ لكنا ﴾ "لكن أنا" حذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على ما قبلها، ثم استثقل اجتماع النونين فسكنت الأولى وأدغمت في الثانية وضمير الغائب للشأن، والجملة بعده خبر للشأن، والمجموع خبر "أنا" والراجع ياء الضمير وتقدير الكلام: لكن أنا الشأن الله ربي.
قال أهل العربية: إثبات ألف "أنا" في الوصل ضعيف، ولكن قراءة ابن عامر قوية بناء على أن الألف كالعوض عن حذف الهمزة ﴿ ولولا ﴾ للتخفيض وفعله.
قلت: ﴿ وإذ دخلت ﴾ ظرف وقع في البين توسعاً.
وقوله: ﴿ ما شاء الله ﴾ خبر مبتدأ محذوف أو جملة شرطية محذوفة الجزاء تقدير الكلام الأمر ما شاء الله أو أي شيء شاء الله كان.
استدل أهل السنة بالآية في أنه لا يدخل في الوجود شيء إلا بأمر الله ومشيئته.
وأجاب الكعبي بأن المراد ما شاء الله مما تولى فعله لا ما هو من فعل العباد.
والجواب أن هذا التقدير مما يخرج الكلام عن الفائدة فإنه كقول القائل "السماء فوقنا".
وأجاب القفال بأنه أراد ما شاء الله من عمارة هذا البستان ويؤيده قوله ﴿ لا قوة إلا بالله ﴾ أي ما قويت به على عمارته وتدبير أمره فهو بمعونة الله، وزيف بأنه تخصيص للظاهر من غير دليل على أن عمارة ذلك البستان لعلها حصلت بالظلم والعدوان، فالتحقيق أنه لا قوة لأحد على أمر من الأمور إلا بإعانة الله وإقداره.
عن عروه بن الزبير أنه كان يثلم حائطه أيام الرطب فيدخل من يشاء، وكان إذا دخله ردد هذه الآية حتى يخرج.
ثم لما علمه الإيمان وتفويض الأمر إلى مشيئة الله أجابه عن افتخاره بالمال والنفر فقال: ﴿ إن ترن أنا أقل ﴾ فـ"أنا" فصل و ﴿ أقل ﴾ مفعول ثان ﴿ مالاً وولداً ﴾ نصب على التمييز ﴿ فعسى ربي أن يؤتيني ﴾ في الدنيا أو في الآخرة جنة ﴿ خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً ﴾ هو مصدر كالغفران بمعنى الحساب أي مقداراً وقع في حساب الله وهو الحكم بتخريبها.
وعن الزجاج: عذاب حسبان وهو حساب ما كسبت يداك.
وقيل: هو جمع حسبانة وهو السهم القصير يعني الصواعق.
﴿ فتصبح صعيداً زلقاً ﴾ أرضاً بيضاء يزلق عليها زلقاً لملاستها.
وزلقاً وغوراً كلاهما بالمصدر كقولهم "فلان زور وصوم".
ثم أخبر عن تحقيق ما قدر المؤمن فقال: ﴿ وأحيط بثمره ﴾ وهو عبارة عن إهلاكه وإفنائه بالكلية من إحاطة العدوّ بالشخص كقوله: ﴿ إلا أن يحاط بكم ﴾ ، ﴿ فأصبح يقلب كفيه ﴾ أي يندم ﴿ على ما أنفق فيها ﴾ لأن النادم يفعل كذلك غالباً كما قد يعض أنامله.
﴿ وهي خاوية على عروشها ﴾ أي سقطت عروشها على الأرض وسقطت فوقها الكروم وقد مر في البقرة في قصة عزير.
وقوله: ﴿ يا ليتني لم أشرك ﴾ تذكر لموعظة أخيه وفيه دلالة ظاهرة على ما قلنا من أنه كان غير عارف بالله بل كان عابد صنم، ومن ذهب إلى أنه جعل كافراً لإنكاره البعث فسره بأن الكافر لما اغتر بكثرة الأموال والأولاد فكأنه أثبت لله شريكاً في إعطاء العز والغنى، أو أنه لما عجز الله عن البعث فقد جعله مساوياً لخلقه في هذا الباب وهو نوع من الإشراك.
وليس هذا الكلام منه ندماً على الشرك ورغبة في التوحيد المحض ولكنه رغب في الإيمان رغبة في جنته وطمعاً في دوام ذلك عليه، فلهذا لم يصر ندمه مقبولاً ووصفه بعد ذلك بقوله: ﴿ ولم يكن له فئة ﴾ طائفة ﴿ ينصرونه من دون الله ﴾ لأنه وحده قادر على نصرة العباد.
﴿ وما كان منتصراً ﴾ ممتنعاً بقوته عن انتقام الله.
ولما علم من قصة الرجلين أن النصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر علم أن الأمر هكذا يكون في حق كل مؤمن وكافر فقيل ﴿ هنالك ﴾ أي في مثل ذلك الوقت والمقام والولاية الحق لله أو ﴿ الولاية لله الحق ﴾ والولاية بالفتح النصرة والتولي، وبالكسر السلطان والملك، أو المراد في مثل تلك الحالة الشديدة يتوب إلى الله ويلتجىء إليه كل مضطر يعني أن قول الكافر ﴿ يا ليتني ﴾ إنما صدر عنه إلجاءً واضطراراً وجزعاً ومما دهاه من شؤم كفره ولولا ذلك لم يقلها.
وقيل: ﴿ هنالك ﴾ إِشارة إلى الآخرة كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله ﴾ ﴿ عقباً ﴾ بضم القاف وسكونها بمعنى العاقبة لأن من عمل لوجه الله لم يخسر قط.
ثم ضرب مثلاً آخر لجبابرة قريش فقال ﴿ واضرب لهم ﴾ الآية.
وقد مر مثله في أوائل "يونس" ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا كماء ﴾ ومعنى ﴿ فاختلط به ﴾ التف بسببه.
وقيل: معناه روى النبات ورف لاختلاط الماء به وذلك لأن الاختلاط يكون من الجانبين.
والهشيم ما تهشم وتحطم، والذر والتطيير والإذهاب.
تقول: ذرت الريح التراب وغيره تذروه وتذريه ذرواً وذرياً.
﴿ وكان الله على كل شيء مقتدراً ﴾ من تكونيه أوّلاً وتنميته وسطاً وإذهابه آخراً.
ولا ريب أن أحوال الدنيا أيضاً كذلك تظهر أولاً في غاية الحسن والنضارة، ثم تتزايد إلى أن تتكامل، ثم تنتهي إلى الزوال والفناء، ومثل هذا ليس للعاقل أن يبتهج به.
وحين مهد القاعدة الكلية خصصها بصورة جزئية فقال: ﴿ المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات ﴾ هي أعمال الخير التي تبقى ثمرتها ﴿ خير عند ربك ثواباً ﴾ أي تعلق ثواب وخير أملاً لأن الجواد المطلق أفضل مسؤول وأكرم مأمول.
وقيل: هن الصلوات الخمس.
وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
ففي التسبيح تنزيه له عن كل مالاً ينبغي، وفي الحمد إقرار له بكونه مبدأ لإفادة كل ما ينبغي، وفي التهليل اعتراف بأنه لا شيء في الإمكان متصفاً بالوصفين إلا هو، وفي التكبير إذعان لغاية عظمته وأنه أجلّ من أن يعظم.
وقيل: الطيب من القول.
والأصح كل عمل أريد به وجه الله وحده قاله قتادة.
التأويل: ﴿ واتل ﴾ على نفسك ﴿ وما أوحي إليك من كتاب ﴾ كتبه ﴿ ربك ﴾ في الأزل ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ إلى الأبد مع الذين ﴿ يدعون ربهم ﴾ وهم القلب والسر والروح والخفى في غداة الأزل إلى عشي الأبد فإنهم مجبولون على طاعة الله كما أن النفس جبلت على طاعة الهوى وطلب الدنيا.
﴿ ولا تعد ﴾ عينا همتك ﴿ عنهم ﴾ فإنك إن لم تراقب أحوالهم تصرف فيهم النفس الأمارة ﴿ ولا تطع من أغفلنا ﴾ يعني: النفس ناراً هي نار القهر والغضب ﴿ أحاط بهم سرادقها ﴾ يعني سرادق العزة ﴿ بماء كالمهل ﴾ كل ما هو لأهل اللطف أسباب لسهولة العيش وفراغ البال فإنه جعل لأهل القهر سبباً لصعوبة الأمر وشدة التعلق حتى شوت الوجوه أي أحرقت مواد التفاتهم إلى عالم الأرواح، وفسدت استعداداتهم فبقوا في أسفل سافلين الطبيعة ﴿ يحلون فيها من أساور ﴾ والتحلية بالأساور إشارة إلى ظهور آثار الملكات عليهم وقوله: ﴿ من ذهب ﴾ رمز إلى أنها ملكات مستحسنة معتدلة راسخة ﴿ يلبسون ثياباً ﴾ فيه أن أنوار العبادات تلوح عليهم وتشتمل بهم.
وقوله: ﴿ خضراً ﴾ إشارة إلى أنها أنوار غير قاهرة و ﴿ من سندس ﴾ إشارة إلى ما لطف من الرياضات ﴿ واستبرق ﴾ إلى ما شق منها ﴿ متكئين فيها على الأرائك ﴾ لأنهم فرغوا بها وكلفوا وقضوا ما عليهم من المجاهدات وبقي ما لهم من المشاهدات ﴿ مثلاً رجلين ﴾ هما النفس الكافرة والقلب المؤمن.
﴿ جعلنا لأحدهما ﴾ وهو النفس ﴿ جنتين ﴾ هما الهوى والدنيا ﴿ من أعناب ﴾ الشهوات ﴿ وحففناهما بنخل ﴾ حب الرياسة ﴿ وجعلنا بينهما زرعاً ﴾ من التمتعات البهيمية ﴿ وفجرنا خلالهما نهراً ﴾ من القوى البشرية والحواس.
﴿ وكان له ثمر ﴾ من أنواع الشهوات ﴿ وهو يحاوره ﴾ يجاذب النفس والقلب ﴿ أنا أكثر منك مالاً ﴾ أي ميلاً ﴿ وأعز نفراً ﴾ من أوصاف المذمومات ﴿ وهو ظالم لنفسه ﴾ في الاستمتاع بجنة الدنيا على وفق الهوى ﴿ لأجدن خيراً منها ﴾ لأنه غر بالله وكرمه فلا جرم يقال له ما غرك بربك الكريم، هلا قلت ﴿ ما شاء الله ﴾ أي أتصرف في جنة الدنيا كما شاء الله ﴿ على ما أنفق فيها ﴾ من العمر وحسن الاستعداد ﴿ كما أنزلناه ﴾ هو الروح العلوي الذي نزل إلى أرض الجسد ﴿ فاختلط ﴾ الروح بالأخلاق الذميمة ﴿ فأصبح هشيماً ﴾ تلاشت منه نداوة الأخلاق الروحانية ﴿ تذروه ﴾ رياح الأهوية المختلفة فيكون حاله خلاف روح أدركته العناية الأزلية فبعث إليه دهقان من أهل الكمال فرباه بماء العلم والعمل حتى يصير شجرة طيبة.
﴿ والباقيات الصالحات ﴾ أي ما فني منك وبقي بربك والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ﴾ .
يحتمل: ﴿ كِتَابِ رَبِّكَ ﴾ : اللوح المحفوظ، أي: بلغ ما أوحي إليك من اللوح الذي عند الله من متلو [وغير متلو]؛ كقوله: ﴿ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ وهو جميع ما أنزل إليه من المتلو وغير المتلو.
ويحتمل: ﴿ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ﴾ : الكتاب الذي أنزل عليه، وهو القرآن، أي: اتل عليهم ذلك الكتاب، فإن كان هذا ففيه أن القرآن مما يتقرب بتلاوته.
ثم في قوله: ﴿ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ ﴾ فريضة ضيعناها؛ وذلك أنه أمر رسوله بتبليغ رسالته وما أنزل إليه، ثم معلوم أن من كان في أقصى الدنيا وأبعد أطرافها لم يقدر رسوله أن يتولى التبليغ بنفسه وكذلك بعد وفاته لا يجوز أن يتولى بتبليغه، فكان ذلك القيام يلزم المسلمين وأئمتهم بتبليغه فضيعوا ذلك؛ ولهذا ما رخص - والله أعلم - بدخول المسلمين دار الحرب للتجارة، ودخول أولئك دار الإسلام للتجارة أيضاً؛ لينتهي إليهم خبر هذا الدين؛ حيث علم أنه يكون أئمة في آخر الزمان لا يهتمون لدينه ولا يتولون بتبليغ ما أمروا بتبليغه، ويضيعون أمره، فيلزمهم حجة الله، وإلا ما الحاجة في تلك التجارة والأموال التي يتجرون فيها؟!
ولكن ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ : قال بعضهم: لا مبدل لسنته؛ إذ سنته في المكذبين الإهلاك، والمصدقين النجاة، هذا سنته وإن أمكن تعجيلها وتأخيرها، فأما نفس سنته فهي لا تبدل ولا تحول؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ﴾ و ﴿ تَبْدِيلاً ﴾ .
وقال الحسن في قوله: ﴿ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ : ما وعد وأوعد لهم في الدنيا، فذلك في الآخرة لا يبدل ولا يحول؛ إذ وعد للمؤمنين الجنة، وللكافرين العذاب، فذلك لا يبدل.
وقال بعضهم: ﴿ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ وهي القرآن لا يتبدل، ولا يغير، ولا يزداد، ولا ينقص؛ كقوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ لحججه وبراهينه التي جعل لدينه وأقام له ذلك، يلزم الإسلام ودينه، إلا من قصر عليه في العبادة، أو كان المقام عليه الحجة معناداً مكابراً.
وأما من لم يكن هذين المعنيين يسلم لا محالة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً ﴾ .
هذا الخطاب وإن كان في الظاهر لرسول الله، فهو يخرج مخرج التنبيه على ما ذكرنا في غير آي من القرآن.
وقوله: ﴿ مُلْتَحَداً ﴾ قال بعضهم: مدخلا؛ ولذلك سمي اللحد: لحداً؛ لما يدخل فيه.
وقال بعضهم: ملجأ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ ﴾ .
يحتمل: واصبر نفسك بالغداة والعشي مع الذين يدعون ربهم، فيكون في الأمر بالجلوس لهم بالغدوات والعشيات؛ للتذكير وتعليم العلم، على ما تعارف الناس الجلوس للناس لذلك في هذين الوقتين؛ إذ ذانك الوقتان خاليان عن الأشغال التي تشغلهم عن ذلك [ذكر] الغداة والعشي لما لم يجعل عليهم بعد صلاة الغداة صلاة، وكذلك بعد العصر؛ للذكر الذي ذكرنا وتعليم ما يحتاجون في ليلهم ونهارهم.
أو أن يكون ذلك كناية عن صلاة الفجر والعصر؛ لما جاء لهما من فضل وعيد لم يجئ في غيرهما من الصلوات؛ نحو ما ذكر: ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ ، وما روي في العصر من الوعيد: "من فاته العصر فكأنما وتر أهله وماله" ، ونحوه أمر بصبر نفسه على حفظ هذين؛ لما ذكرنا مع من ذكر.
أو أن يكون لا على إرادة غداة أو عشي، ولكن بالكون مع أتباعه في كل وقت والصبر معهم.
وقال أهل التأويل: ذكر هذا؛ لأن رؤساء كفار مكة سألوه أن يطرد أتباعه من عنده ويتخذ لهم مجلساً، فنزل قوله: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ...
﴾ الآية [الأنعام: 52]، وقوله: ﴿ وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ...
﴾ الآية.
وقالوا في قوله: ﴿ وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ في أصحاب الكهف، يقول: وأخبرهم ما سألوك مما أوحينا إليك من أخبار أصحاب الكهف ولا تزيد ولا تنقص عليه.
فإن كان في أمرهم نزل هذا فرسول الله كان لا يخبرهم إلا ما أوحي إليه وأنزل عليه من أمرهم، والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ﴾ .
قيل: لا تتعد عنهم إلى غيرهم.
وقيل: لا تصرف ولا ترفع عينيك عنهم تجاوزهم إلى غيرهم.
﴿ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: إن كان على تأويل أهل التأويل أنهم سألوه أن يتخذ لهم مجلساً دون أولئك، فيكون تأويل قوله: ﴿ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: تريد أولئك الذين يطلبون منك مجلساً على حدة يريدون بذلك زينة الحياة الدنيا لا يريدون بذلك وجه الله.
والثاني: لو فعلت ما سألوك كان فعل ذلك [كفعل] من يريد زينة الحياة الدنيا؛ لأن المجلس الذي يحضره الأشراف والرؤساء إنما يراد به زينة الحياة الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ﴾ .
تأويل الآية على قولنا ظاهر، نحن نقول على ما نطق ظاهر الآية: من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، أي: من خلقنا ظلمة الكفر بكفرهم في قلوبهم، أو خذلناهم بكفرهم الذي فعلوا.
وأما المعتزلة فإنهم قد تحيروا فيه وتاهوا وأكثروا التأويلات فيها، حتى أن منهم من صرف القراءة عن وجهها فقال: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا ﴾ بنصب اللام، و ﴿ قَلْبَهُ ﴾ برفع الباء، معناه: أن من أغفل قلبه عن ذكرنا على قول المعتزلة، على صرف الفعل إلى القلب، وكذلك قالوا في قوله: ﴿ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾ ؛ ليصح على مذهبهم ويستقيم.
ومنهم من قال: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ﴾ ، أي: لا تطع من وجدنا قلبه غافلا، وقال: ذلك مستقيم في اللغة؛ يقال: قاتلناهم فيما أجبَنَّاهم، أي: ما وجدناهم جبناء، ويقال: فسألناهم فما أبخلناهم، أي: ما وجدناهم بخلاء، ونحوه من الكلام، وهو تأويل الجبائي فيما أظن.
وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ ﴾ ، أي: من خلينا بينه وبين ما يفعل وهو كما يقال لمن خلى عبده حتى أفسده كثيراً من الناس يقال: سلطت عبدك على الناس، وهو لم يسلطه عليهم، لكنه يقال له؛ لما قدر على منعه عن ذلك والحيلولة بينه وبين ما فعل أضيف ذلك إليه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ﴾ أي: خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم، وهو تأويل جعفر بن حرب.
وقال بعضهم: أضاف ذلك إلى نفسه للأسباب التي أعطاهم من السعة والغناء والشرف في الدنيا، فتلك الأسباب التي أعطاهم هي التي حملتهم على ذلك؛ فأضيف إليه ذلك لذلك، وهو ما قال: ﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ﴾ وهو تأويل أبي بكر الأصم.
وقال الحسن: ﴿ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ ﴾ أي: خذلناهم وطبعنا على قلوبهم، وهو يقول: إن للكفر حدّاً إذا بلغ ذلك الحد يخذله ويطبع على قلبه؛ فلا يؤمن أبداً.
فيقال: خذله في أول حال الكفر أو بعد ذلك بأوقات وزمان.
فإن قال: في أول حال كفره فهو قولنا.
وإن قال: لا في أول حاله، ولكن بعد زمان، فهو كافر موفق ومؤمن مخذول على قوله، فنعوذ بالله مما قال.
ثم الجواب للأول ما ذكرنا من صرف التنزيل عن وجهه وظاهره، فلو جاز لهم ذلك، [لجاز] لغيرهم صرف جميع الآيات عن ظاهر التنزيل، وذلك بعيد محال.
وأما تأويل الجبائي، أي: ما وجدناهم كذا، فإنما يسوغ له هذا إذا كان جميع حروف (أفعل) يخرج على ما يقوله في اللغة، فأمّا أن يقال في بعض، فإن ذلك غير مستقيم.
وبعد فإنه لو كان كما ذكر لكان يقول: (ولا تطع من أغفلته عن ذكرنا)، أي: وجدته غافلا عن ذكرنا؛ لأنه نهى عن أن يطيع من وجده غافلا، فهو لا يعلم من وجده الله غافلا، إنما يعلم من وجده بنفسه غافلا.
فأما إذا كان ما ذكرنا لم يكن للنهي عما ذكر معنى؛ فدل أن تأويله فاسد وخيال، وأن إضافته إليه لمعنى يكون من الله.
وأما جواب جعفر بن حرب أنه على التخلية والتسليط، فهو إنما يقال: سلطت عبدك على كذا على الذم لا على المدح؛ فلا يجوز أن يقال ذلك في الله على الذم ويضاف إليه أيضاً ذلك.
وكذلك يقال لأبي بكر حيث قال: إنما أضاف ذلك إليه للأسباب التي ذكر أنه أعطاهم، يقال له: ذلك يضاف على الذم: إنك أعطيت كذا حتى فعل كذا، فأما أن يقال على المدح فلا؛ فيبطل قوله وتأويله؛ فدل إضافة ذلك إلى نفسه أنه كان منه في ذلك معنى يستقيم إضافته إليه، وهو ما ذكرنا من خلق الظلمة في قلوبهم بكفرهم الذي اختاروا وخذلانه إياهم لما اختاروا وآثروا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ فُرُطاً ﴾ أي: ضياعاً وهلاكاً.
وقال بعضهم: ﴿ فُرُطاً ﴾ أي: خسرانا وخساراً.
وقال أبو عوسجة: هو من التفريط.
وقال غيره: أفرط في القول كما قال: (إنا رءوس من مضر إن نسلم يسلم الناس بعدنا) على ما ذكر في بعض القصة.
وقال أبو عبيدة: فرطاً، أي: ندماً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ .
كأنه على الإضمار، أي: قل: قد جئتكم بالحق من ربكم.
أو يقول: قل لهم: قد تعلمون أني قد جئتكم من الآيات والحجج على ما أدعوكم إليه ما لا يحتمل بليتي ويخرج عن وسعي وطاقتي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ .
ثم يحتمل هذا وجوهاً: أحدها: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر؛ فإنه إنما يعمل لنفسه ليس يعمل لأحد سواه؛ كقوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ...
﴾ الآية [الإسراء: 7]؛ فعلى ذلك يقول، والله أعلم.
والثاني: يقول: إني بلغت الرسالة إليكم فلا أكرهكم أنا على الإسلام ولا أحد سواي، فمن شاء منكم فليؤمن ومن شاء فليكفر، فإنه إنما يؤمن باختياره ومشيئته، ومن كفر فإنما يكفر باختياره ومشيئته لا يكره على ذلك.
والثالث: أن الإيمان والكفر قد بين الله لهما العواقب ما عاقبة من اختار الإيمان وما عاقبة من اختار الكفر، وهو ما قال: ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا...
﴾ إلى آخر ما ذكر، وقال للمؤمنين: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ...
﴾ الآية.
يقول: قد بين لكل واحد منهما عاقبة، فمن شاء اكتسب لنفسه في العاقبة الجنان وما فيها من النعيم، ومن شاء اكتسب ما ذكر في العاقبة من النار وأنواع العذاب، فذلك كله يخرج على الوعيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ ﴾ وقت دخولهم النار أو هو في الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ﴾ يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على إرادة حقيقة السرادق.
والثاني: على التمثيل، أي: يحيط بهم النار فلا يقدرون على الخروج منها على ما يمنع السرادق من الخروج في الدنيا ودفع الحرّ والبرد، فإن كان على حقيقة السرادق فهو - والله أعلم - على ما جعل الله لهم من أنواع ما كانوا يتفاخرون في الدنيا من اللباس والطعام والشراب وغير ذلك يجعل لهم في الآخرة من ذلك النوع من النار، وهو ما ذكر: ﴿ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ ﴾ ، وما قال: ﴿ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ ﴾ والشراب ما ذكر من الصديد والغسلين، وغير ذلك من النوع الذي كانوا يتفاخرون به في الدنيا ويمنعهم عن الإيمان جعل لهم في الآخرة من ذلك النوع من النار وبه يعاقبهم، فعلى ذلك جائز أن يكونوا يتفاخرون به في الدنيا بالسرادق إذا خرجوا في السفر، فيعاقبهم الله في النار بذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ ﴾ .
يحتمل استغاثتهم هو ما ذكر في الآية ﴿ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ ﴾ فيغاثون ﴿ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ ﴾ ، ويحتمل: أن يطلبوا في النار الماء بعدما طعموا فيها منها فيغاثون بالمهل.
ثم المهل: قال عامتهم: المهل: هو دردي الزيت أو العصير، لكنهم اختلفوا في معنى التشبيه به: قال بعضهم: يشبه به لغلظه؛ لأن الشيء الغليظ يكون ألصق وآخذ من غيره.
وقال بعضهم: شبهه به لسواده.
وقال الحسن وأبو بكر: تشبيهه به؛ لكثرة تلونه من الحمرة والصفرة والسواد ونحوه لشدته، وهو ما ذكر: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ ﴾ شبهه كالمهل لتلونه؛ لشدة ذلك اليوم وهوله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ ﴾ ذلك الشراب، ﴿ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً ﴾ أي: ساءت النار مرتفقا، اختلف فيه: قال بعضهم: المرتفق: المتكأ.
وقال بعضهم: المجتمع، أي: بئس الاجتماع.
وقال بعضهم: مجلساً.
وقال بعضهم: بئس المنزل النار قرناؤهم فيها الكفار والشياطين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ﴾ .
قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير كأنه قال: إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، ثم قال: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
وقال بعضهم: ليس على التقديم والتأخير، ولكن على ما ذكر أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، ثم بين ما لهم فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
قال أبو عوسجة: السرادق: البناء الذي يبنى من الكرابيس يشبه الدار والحجرة، ﴿ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً ﴾ ، أي: متكأ ومنزلا.
وقال القتبي: السرادق: الحجرة التي تكون حول الفسطاط، قال: وهو الدخان يحيط بالكفار يوم القيامة، وهو الظل ذو الثلاث الشعب، و ﴿ كَٱلْمُهْلِ ﴾ دردي الزيت، ويقال: ما أذيب من النحاس والرصاص، و ﴿ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً ﴾ ، أي: مجلسا وأصل الارتفاق: الاتكاء على المرفق.
وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ ﴾ .
يذكر ثواب المؤمنين الذين تركوا شهواتهم في الدنيا لها.
﴿ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ﴾ .
قالوا: الإستبرق: الديباج الغليظ، والسندس: وهو الرقيق والغليظ منه لا يلبس، لكنه كأنه جمع بين ما يلبس وبين ما يبسط، فذكر اللبس لما يلبس، كما يقال: أطعمت فلاناً طعاماً وشراباً والشراب لا يطعم.
وقيل: إن الإستبرق هو الرقيق من الديباج بلغة قوم، فإن كان ما ذكر فكأنه إنما ذكر ذلك لأولئك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ ٱلأَرَآئِكِ ﴾ : السرر في الحجال، والأريكة: السرير في الحجلة.
وقال بعضهم: ﴿ ٱلأَرَآئِكِ ﴾ : السرر عليها حجال.
وقال أبو عوسجة: ﴿ ٱلأَرَآئِكِ ﴾ : الوسادة.
﴿ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً ﴾ قيل: منزلا.
وأصل هذا: أنه وعد لهم في الآخرة ما كانت أنفسهم ترغب فيه في الدنيا ليتركوا ذلك في الدنيا للموعود في الآخرة، وكذلك حذرهم في الآخرة بأشياء تنفر [منها] أنفسهم وطباعهم في الدنيا؛ ليحذروا ما يستوجبون الموعود في الآخرة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
إن الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات قد أحسنوا عملهم فلهم ثواب عظيم، إنا لا نضيع أجر من أحسن عملًا، بل نوفيهم أجورهم كاملة غير منقوصة.
<div class="verse-tafsir" id="91.NdBKq"