الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٣ من سورة مريم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 88 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( إذ نادى ربه نداء خفيا ) : قال بعض المفسرين : إنما أخفى دعاءه ، لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره .
حكاه الماوردي .
وقال آخرون : إنما أخفاه لأنه أحب إلى الله .
كما قال قتادة في هذه الآية ( إذ نادى ربه نداء خفيا ) : إن الله يعلم القلب التقي ، ويسمع الصوت الخفي .
وقال بعض السلف : قام من الليل ، عليه السلام ، وقد نام أصحابه ، فجعل يهتف بربه يقول خفية : يا رب ، يا رب ، يا رب فقال الله : لبيك ، لبيك ، لبيك .
وقوله: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) يقول حين دعا ربه، وسأله بنداء خفي، يعنى: وهو مستسرّ بدعائه ومسألته إياه ما سأل ، كراهة منه للرياء.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) أي سرّا، وإن الله يعلم القلب النقيّ، ويسمع الصوت الخفيّ.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) قال: لا يريد رياء.
قوله تعالى : إذ نادى ربه نداء خفيا مثل قوله : ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين وقد تقدم .
والنداء الدعاء والرغبة ؛ أي ناجى ربه بذلك في محرابه .
دليله قوله : فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب فبين أنه استجاب له في صلاته ، [ ص: 6 ] كما نادى في الصلاة .
واختلف في إخفائه هذا النداء ؛ فقيل : أخفاه من قومه لئلا يلام على مسألة الولد عند كبر السن ؛ ولأنه أمر دنيوي ، فإن أجيب فيه نال بغيته ، وإن لم يجب لم يعرف بذلك أحد .وقيل : مخلصا فيه لم يطلع عليه إلا الله تعالى .
وقيل : لما كانت الأعمال الخفية أفضل وأبعد من الرياء أخفاه .
وقيل : خفيا سرا من قومه في جوف الليل ؛ والكل محتمل والأول أظهر ؛ والله أعلم .وقد تقدم أن المستحب من الدعاء الإخفاء في سورة ( الأعراف ) وهذه الآية نص في ذلك ؛ لأنه سبحانه أثنى بذلك على زكريا .
وروى إسماعيل قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن أسامة بن زيد عن محمد بن عبد الرحمن ، وهو ابن أبي كبشة عن سعد بن أبي وقاص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي وهذا عام .
قال يونس بن عبيد : كان الحسن يرى أن يدعو الإمام في القنوت ويؤمن من خلفه من غير رفع صوت ، وتلا يونس إذ نادى ربه نداء خفيا .
قال ابن العربي : وقد أسر مالك القنوت وجهر به الشافعي ، والجهر به أفضل ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو به جهرا .
فلما رأى من نفسه الضعف، وخاف أن يموت، ولم يكن أحد ينوب منابه في دعوة الخلق إلى ربهم والنصح لهم، شكا إلى ربه ضعفه الظاهر والباطن، وناداه نداء خفيا، ليكون أكمل وأفضل وأتم إخلاصا.
( إذ نادى ) دعا ( ربه ) في محرابه ( نداء خفيا ) دعا سرا من قومه في جوف الليل .
«إذ» متعلق برحمة «نادى ربه نداءً» مشتملاً على دعاء «خفيا» سرا جوف الليل لأنه أسرع للإجابة.
إذ دعا ربه سرًا؛ ليكون أكمل وأتم إخلاصًا لله، وأرجى للإجابة.
قوله : ( إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً ) ظرف لرحمة ربك .
والمراد بالنداء : الدعاء الذى تضرع به زكريا إلى ربه - عز وجل - .أى : هذا الذى قرأناه عليك يا محمد فى أول هذه السورة ، وذكرنا لك ، هو جانب من رحمتنا لعبدنا زكريا .
وقت أن نادانا وتضرع إلينا فى خفاء وستر ، ملتمسا منا الذرية الصالحة .وإنما أخفى زكريا دعاءه ، لأن هذا الإخفاء فيه بعد عن الرياء ، وقرب من الإخلاص ، وقد أمر الله - تعالى - به فى قوله : ( ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين ) ويبدو أن هذا الدعاء قد تضرع به زكريا إلى ربه فى أقوات تردده على مريم ، واطلاعه على ما أعطاها الله - تعالى - من رزق وفير .ويشهد لذلك قوله - تعالى - : ( فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يامريم أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدعآء )
راعى سنة الله في إخفاء دعوته لأن الجهر والإخفاء عند الله سيان فكان الإخفاء أولى لأنه أبعد عن الرياء وأدخل في الإخلاص.
وثانيها: أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في زمان الشيخوخة.
وثالثها: أسره من مواليه الذين خافهم.
ورابعها: خفي صوته لضعفه وهرمه كما جاء في صفة الشيخ صوته خفات وسمعه تارات، فإن قيل من شرط النداء الجهر فكيف الجمع بين كونه نداء وخفياً، والجواب من وجهين: الأول: أنه أتى بأقصى ما قدر عليه من رفع الصوت إلا أن الصوت كان ضعيفاً لنهاية الضعف بسبب الكبر فكان نداء نظراً إلى قصده وخفياً نظراً إلى الواقع.
الثاني: أنه دعا في الصلاة لأن الله تعالى أجابه في الصلاة لقوله تعالى: ﴿ فَنَادَتْهُ الملائكة وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِي المحراب أَنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى ﴾ فكون الإجابة في الصلاة يدل على كون الدعاء في الصلاة فوجب أن يكون النداء فيها خفياً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كهيعص ﴾ قرأ بفتح الهاء وكسر الياء حمزة، وبكسرهما عاصم، وبضمهما الحسن.
وقرأ الحسن ﴿ ذَكَّرَ رَحمَةَ رَبِّكَ ﴾ أي: هذا المتلوّ من القرآن ذَكَّرَ رحمةَ ربكَ وقرئ: ﴿ ذَكَّرْ ﴾ على الأمر.
راعى سنة الله في إخفاء دعوته، لأنّ الجهر والإخفاء عند الله سيان، فكان الإخفاء أولى، لأنه أبعد من الرياء وأدخل في الإخلاص.
وعن الحسن نداء لا رياء فيه، أو أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في إبَّان الكبرة والشيخوخة.
أو أسره من مواليه الذين خافهم.
أو خفت صوته لضعفه وهرمه، كما جاء في صفة الشيخ: صوته خفات، وسمعه تارات.
واختلف في سنّ زكريا عليه السلام، فقيل: ستون، وخمس وستون، وسبعون، وخمس وسبعون، وخمس وثمانون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ﴾ لِأنَّ الإخْفاءَ والجَهْرَ عِنْدَ اللَّهِ سِيّانِ، والإخْفاءُ أشَدُّ إخْباتًا وأكْثَرُ إخْلاصًا أوْ لِئَلّا يُلامُ عَلى طَلَبِ الوَلَدِ في إبّانِ الكِبَرِ، أوْ لِئَلّا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ مَوالِيهِ الَّذِينَ خافَهم، أوْ لِأنَّ ضَعْفَ الهِرَمِ أخْفى صَوْتَهُ.
واخْتُلِفَ في سِنِّهِ حِينَئِذٍ فَقِيلَ سِتُّونَ، وقِيلَ سَبْعُونَ، وقِيلَ خَمْسٌ وسَبْعُونَ، وقِيلَ خَمْسٌ وثَمانُونَ، وقِيلَ تِسْعٌ وتِسْعُونَ.
<div class="verse-tafsir"
{إِذْ} ظرف للرحمة {نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً} دعاه دعاء سرا كما هو المأمور به وهو أبعد عن الرياء وأقرب إلى الصفاء أو أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في أوان الكبر لأنه كان ابن خمس وسبعين أو ثمانين سنة
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ ﴾ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذا المَتْلُوُّ (ذِكْرُ) إلَخْ.
ويُقالُ عَلى الأخِيرِ المُؤَلَّفُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الحُرُوفِ المَبْسُوطَةِ مُرادًا بِهِ السُّورَةُ (ذِكْرُ) إلَخْ.
وقِيلَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ فِيما يُتْلى عَلَيْكَ (ذِكْرُ) إلَخْ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ قِيلَ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذا كهيعص أيْ مُسَمًّى بِهِ.
وإنَّما صَحَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ مَعَ عَدَمِ جَرَيانِ ذِكْرِهِ لِأنَّهُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ عَلى جَناحِ الذِّكْرِ صارَ في حُكْمِ الحاضِرِ المُشاهِدِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِمْ هَذا ما اشْتَرى فُلانٌ.
وفِي (ذِكْرُ) وجْهانِ كَوْنُهُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وكَوْنُهُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ و(ذِكْرُ) إلَخْ خَبَرُهُ أيِ المُسَمّى بِهِ ذِكْرُ إلَخْ فَإنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ لَمّا كانَ مَطْلَعَ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ومُعْظَمُ ما انْطَوَتْ هي عَلَيْهِ جُعِلَتْ كَأنَّها نَفْسُ ذِكْرِهِ أوِ الإسْنادُ بِاعْتِبارِ الِاشْتِمالِ أوْ هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذُو ذِكْرٍ إلَخْ أوْ بِتَأْوِيلِ مَذْكُورٍ فِيهِ رَحْمَةُ رَبِّكَ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ اسْمٌ لِلْقُرْآنِ قِيلَ المُرادُ بِالقُرْآنِ ما يُصَدَّقُ عَلى البَعْضِ ويُرادُ بِهِ السُّورَةُ والإعْرابُ هو الإعْرابُ، وحِينَئِذٍ لا تَقابُلَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ.
وقِيلَ المُرادُ ما هو الظّاهِرُ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (ذِكْرُ) إلَخْ والإسْنادُ بِاعْتِبارِ الِاشْتِمالِ أوِ التَّقْدِيرِ أوِ التَّأْوِيلِ وقَوْلُهُ تَعالى (عَبْدَهُ) مَفْعُولٌ لِرَحْمَةِ رَبِّكَ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِما أُضِيفَ إلَيْهِ وهو مَصْدَرٌ مُضافٌ لِفاعِلِهِ مَوْضُوعٌ هَكَذا بِالتّاءِ لا أنَّها لِلْوَحْدَةِ حَتّى تُمْنَعَ مِنَ العَمَلِ لِأنَّ صِيغَةَ الوَحْدَةِ لَيْسَتِ الصِّيغَةَ الَّتِي اشْتُقَّ مِنها الفِعْلُ ولا الفِعْلُ دالٌّ عَلى الوَحْدَةِ فَلا يَعْمَلُ المَصْدَرُ لِذَلِكَ عَمَلَ الفِعْلِ إلّا شُذُوذًا كَما نَصَّ عَلَيْهِ النُّحاةُ، وقِيلَ مَفْعُولٌ لِلذِّكْرِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى فاعِلِهِ عَلى الِاتِّساعِ، ومَعْنى ذِكْرِ الرَّحْمَةِ بُلُوغُها وإصابَتُها كَما يُقالُ ذَكَرَنِي مَعْرُوفُكَ أيْ بَلَغَنِي، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ (زَكَرِيّا) بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ أعْنِي.
وقَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ (إذْ) نادى (رَبَّهُ) ظَرْفٌ لِرَحْمَةِ رَبِّكَ وقِيلَ لِـ (ذِكْرُ) عَلى أنَّهُ مُضافٌ لِفاعِلِهِ لا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِفَسادِ المَعْنى وقِيلَ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن (زَكَرِيّا) كَما قَوْلُهُ تَعالى ﴿ واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا ﴾ .
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ يَعْمُرَ كَما حَكاهُ أبُو الفَتْحِ (ذَكَرَ) فِعْلًا ماضِيًا مُشَدَّدًا و( رَحْمَةَ ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ كَما في البَحْرِ مَفْعُولٌ ثانٍ لِذَكَرَ والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ و( عَبْدَهُ ) مَفْعُولٌ لِرَحْمَةٍ وفاعِلُ (ذَكَرَ) ضَمِيرُ القُرْآنِ المَعْلُومُ مِنَ السِّياقِ أيْ ذَكَرَ القُرْآنُ النّاسَ أنْ رَحِمَ سُبْحانَهُ عَبْدَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُ (ذَكَرَ) ضَمِيرَ كهيعص بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ القُرْآنُ ويَكُونُ مُبْتَدَأً والجُمْلَةُ خَبَرُهُ، وأنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرُهُ عَزَّ وجَلَّ أيْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى النّاسَ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ رَحْمَتِ رَبِّكَ ﴾ مَفْعُولًا ثانِيًا والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو (عَبْدَهُ) والفاعِلُ ضَمِيرُهُ سُبْحانَهُ أيْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى عَبْدَهُ رَحْمَتَهُ أيْ جَعَلَ العَبْدَ يَذْكُرُ رَحْمَتَهُ، وإعْرابُ (زَكَرِيّا) كَما مَرَّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِرَحْمَةٍ والمُرادُ بِعَبْدِهِ الجِنْسُ كَأنَّهُ قِيلَ ذِكْرُ عِبادِهِ رَحْمَتَهَ زَكَرِيّا وهو كَما تَرى، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَ القُرْآنِ، وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَهُ تَعالى والرَّحْمَةُ مَفْعُولًا أوَّلًا و( عَبْدَهُ ) مَفْعُولًا ثانِيًا ويَرْتَكِبُ المَجازَ أيْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى الرَّحْمَةَ ذاكِرَةً عَبْدَهُ، وقِيلَ ( رَحْمَةَ ) نُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ ذِكْرٌ بِرَحْمَةِ، وذَكَرَ الدّانِيُّ عَنْ أبِي يَعْمُرَ أنَّهُ قَرَأ ( ذِكْرُ ) عَلى الأمْرِ والتَّشْدِيدِ و( رَحْمَةَ ) بِالنَّصْبِ أيْ ذَكَرَ النّاسُ رَحْمَةَ أوْ بِرَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا.
وقَرَأ الكَلْبِيُّ ( ذَكَرَ ) فِعْلًا ماضِيًا خَفِيفًا و( رَحْمَةَ رَبِّكَ ) بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِذَكَرَ و( عَبْدُهُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لَهُ.
وزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ آخِرُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وهو ابْنُ آزَرَ بْنِ مُسْلِمٍ مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ، وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ابْنُ دانَ وكانَ مِن أبْناءِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الوَحْيَ في بَيْتِ المَقْدِسِ، وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ نَجّارًا» .
وجاءَ في اسْمِهِ خَمْسُ لُغاتٍ أوَّلُها المَدُّ وثانِيها القَرُّ وقُرِئَ بِهِما في السَّبْعِ، وثالِثُها زَكَرِيٌّ بِتَشْدِيدِ الياءِ.
ورابِعُها زَكْرِي بِتَخْفِيفِها وخامِسُها زَكَرٌ كَقَلَمٍ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والنِّداءُ في الأصْلِ رَفْعُ الصَّوْتِ وظُهُورُهُ، وقَدْ يُقالُ لِمُجَرَّدِ الصَّوْتِ بَلْ لِكُلِّ ما يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ صَوْتًا عَلى ما حَقَّقَهُ الرّاغِبُ، والمُرادُ هُنا إذْ دَعا رَبَّهُ ﴿ نِداءً ﴾ أيْ: دُعاءً ﴿ خَفِيًّا ﴾ مَسْتُورًا عَنِ النّاسِ لَمْ يَسْمَعْهُ أحَدٌ مِنهم حَيْثُ لَمْ يَكُونُوا حاضِرِيهِ وكانَ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ في جَوْفِ اللَّيْلِ، وإنَّما أخْفى دُعاءَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ أدْخَلُ في الإخْلاصِ وأبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ وأقْرَبُ إلى الخَلاصِ عَنْ لائِمَةِ النّاسِ عَلى طَلَبِ الوَلَدِ لِتَوَقُّفِهِ عَلى مَبادِئَ لا يَلِيقُ بِهِ تَعاطِيها في أوانِ الكِبَرِ والشَّيْخُوخَةِ وعَنْ غائِلَةِ مَوالِيهِ، وعَلى ما ذَكَرْنا لا مُنافاةَ بَيْنَ النِّداءِ وكَوْنِهِ خَفِيًّا بَلْ لا مُنافاةَ بَيْنَهُما أيْضًا إذا فُسِّرَ النِّداءُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ لِأنَّ الخَفاءَ غَيْرُ الخُفُوتِ، ومَن رَفَعَ صَوْتَهُ في مَكانٍ لَيْسَ بِمَرْأًى ولا مَسْمَعٍ مِنَ النّاسِ فَقَدْ أخْفاهُ، وقِيلَ: هو مَجازٌ عَنْ عَدَمِ الرِّياءِ أيِ الإخْلاصِ ولَمْ يُنافِهِ النِّداءُ بِمَعْنى رَفْعِ الصَّوْتِ لِهَذا.
وفِي الكَشْفِ أنَّهُ الأشْبَهُ أنَّهُ كِنايَةٌ مَعَ إرادَةِ الحَقِيقَةِ لِأنَّ الخَفاءَ في نَفْسِهِ مَطْلُوبٌ أيْضًا لَكِنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ الإخْلاصُ، وقِيلَ مَسْتُورًا عَنِ النّاسِ بِالمُخافَتَةِ، ولا مُنافاةَ بِناءً عَلى ارْتِكابِ المَجازِ أوْ بِناءً عَلى أنَّ النِّداءَ لا يَلْزَمُهُ رَفْعُ الصَّوْتِ ولِذا قِيلَ: يا مَن يُنادِي بِالضَّمِيرِ فَيَسْمَعُ وكانَ نِداؤُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَلِكَ لِما مَرَّ آنِفًا أوْ لِضَعْفِ صَوْتِهِ بِسَبَبِ كِبَرِهِ كَما قِيلَ: الشَّيْخُ صَوْتُهُ خِفاتٌ وسَمْعُهُ تاراتٌ، قِيلَ: كانَ سِنُّهُ حِينَئِذٍ سِتِّينَ سَنَةً، وقِيلَ خَمْسًا وسِتِّينَ، وقِيلَ سَبْعِينَ، وقِيلَ خَمْسًا وسَبْعِينَ، وقِيلَ ثَمانِينَ، وقِيلَ خَمْسًا ثَمانِينَ، وقِيلَ اثْنَتَيْنِ وتِسْعِينَ، وقِيلَ تِسْعًا وتِسْعِينَ، وقِيلَ مِائَةً وعِشْرِينَ وهو أوْفَقُ بِالتَّعْلِيلِ المَذْكُورِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ أُشِيرَ إلى كَوْنِ النِّداءِ خَفِيًّا لَيْسَ فِيهِ رَفْعٌ بِحَذْفِ حَرْفِهِ في قَوْلِهِ تَعالى <div class="verse-tafsir"
مكية وهي تسعون وثمان آيات قوله سبحانه وتعالى: كهيعص قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص: بنصب الهاء والياء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر والكسائي: بكسر الهاء والياء، وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء ونصب الياء، وقرأ حمزة وابن عامر بنصب الهاء وكسر الياء، وقرأ نافع بين الكسر والفتح، وهو اختيار أبي عبيدة، ومعنى هذا كله واحد.
قال ابن عباس في تفسير قوله: كهيعص، قال: «الكاف: فالله كاف لخلقه، والهاء: فالله الهادي لخلقه، وأما الياء: فيد الله مبسوطة على خلقه بالرزق لهم والعطف عليهم، وأما العين: فالله تعالى عالم بخلقه وأمورهم، وأما الصاد: فالله تعالى صادق بوعده» (١) أنه قال: «هو اسم الله الأعظم» ، وروي عنه أنه قال: «هو قسم أقسم الله تعالى بكهيعص» ، ويقال: هي حروف تدل على ابتداء السور نحو الر والمر وغيرهما.
ثم قال: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، معناه على طريق ابن عباس: «باسم الله الكافي الهادي العالم الصادق» ، ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا بالرحمة.
ومن قال إنه قسم، فمعناه: ورب كهيعص إنه ذكر عبده زكريا بالرحمة.
ومن قال: هو ابتداء السورة، فمعناه: اقرأ كهيعص.
ثم قال: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، ومعناه: ذكر ربك عبده زكريا بالرحمة، لأن ذكره بالرحمة لا يكون إلا بالله تعالى ففي الآية تقديم وتأخير يقول: ذكر ربك عبده زكريا بالرحمة، وهو زكريا بن ماثان إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا، يقول: دعا ربه نداء خفيا، يقول: أخفاه وأسره من قومه، ويقال: دعا ربه دعاء سراً، لأنه علم أن دعاء السر أنفع وأسرع إجابة، ويقال: دعا ربه نداءً خفياً يعني: خالصاً.
قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي، أي ضعف عظمي، وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً يعني: أخذ في الرأس شيباً وبياضاً.
شَيْباً صار نصباً بالتمييز، والمعنى: اشتعل الرأس من الشيب، يقال للشيب إذا كثر جداً: قد اشتعل رأس فلان بالشيب.
ثم قال: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا، يعني: لم تكن تخيب دعائي عندك إذا دعوتك.
ثمّ قال: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي، يعني: خشيت، ويقال: يعني: الورثة، ويقال: بنو العم، ويقال: العصبة من ورائي، يعني: من بعد موتي، خاف أن يَرِثَهُ غير الولد.
وروي عن قتادة، عن النبيّ أنه قال: «يَرْحَمُ الله تَعَالَى زَكَرِيَّا وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ وَرَثَةٍ» (٢) وروي عن سعيد بن العاص أنه قال: أملى علي عثمان وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ بنصب الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء، ويقال: يعني: ذهبت الموالي.
وقال أبو عبيدة: لولا خلاف الناس لاتبعنا عثمان فيها.
ثم قال: وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً، يعني: عقيماً لم تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يعني: ولداً.
يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ.
وقال عكرمة: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة، وهكذا قال الضحاك.
وقال بعضهم: يَرِثُنِي يعني: علمي وسنتي، لأن الأنبياء عليهم السلام لا يورثون مالاً.
وروي عن رسول الله أنه قال: «إنَّا مَعَاشِرَ الأنْبِيَاءِ لا نُوَرِّثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» .
وروى أبو الدرداء عن رسول الله أنه قال: «إنَّ الأنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دَرَاهِمَ وَلا دَنَانِيرَ، وَإنَّمَا وَرَّثُوا هذا العِلْمَ» ويقال: لأنه رأى من الفتن وغلبة أهل الكفر، فيخاف على إفساد مواليه إن لم يكن أحد يقوم مقامه ويخولهم بالموعظة.
قرأ أبو عمرو والكسائي: يَرِثُنِي وَيَرِثُ بجزم كلا الثاءين على معنى جواب الأمر، أي أنك إذا وهبت لي ولياً يرثني، وقرأ الباقون: يَرِثُنِي وَيَرِثُ بالضم.
وقال أبو عبيدة: وهذا أحب إلي.
قال: معناه هب لي الذي هذه حاله وصفته، لأن الأولياء قد يكون منهم الوراثة وغيرهم، فيقول: هب لي الذي يكون ورائي وارث النبوة.
ثم قال: وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا، يعني: صالحاً زكياً.
(١) عزاه السيوطي: 5/ 477 إلى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي.
(٢) عزاه السيوطي: 5/ 479 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
<div class="verse-tafsir"
يفضل على إبرَاهِيم وموسى عليهما السلام إلا أن يفضل في خاص كالسودد «١» ، والحصر.
والعتي، والعُسِيُّ: المبالغة في الكبر، أو يُبْس العود، أو شيْب الرأس، أو عقيدة ما، وزكرياء: هو من ذرية هارون- عليهما السلام- ومعنى قوله: سَوِيًّا فيما قال الجمهور، صحيحاً من غير عِلَّة، ولا خرس.
وقال ابن عباس: ذلك عائدٌ على الليالي، أراد: كاملات مستويات «٢» .
وقوله: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ قال قتادة «٣» ، وغيره: كان ذلك بإشارة.
وقال مجاهد «٤» : بل بكتابة في التراب.
قال ع «٥» : وكِلاَ الوجهين وَحْي.
وقوله: أَنْ سَبِّحُوا قال قتادة: معناه صلوا السُّبْحة، والسُّبحةْ: الصلاة «٦» ، وقالت فرقة: بل أَمرهم بذكر الله، وقول: سبحان الله.
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦)
وقوله- عز وجل-: [يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ] المعنى: قال اللهُ له: يا يحيى] «٧» خذ الكتابَ، وهو التوراةُ، وقوله: بِقُوَّةٍ أَيْ: العلم به، والحفظ له، والعمل به، والالتزام للوازمه.
وقوله: صَبِيًّا يريد: شاباً لم يبلُغْ حدّ الكهولة، ففي لفظ صبي على هذا، تجوّزٌ، واستصحابُ حال.
وروى مَعْمَرُ أَنَّ الصِّبْيَانَ دعوا يحيى إلى اللَّعب، وهو طِفْل، فقال: إني لم أُخلقْ للعب، فتلك الحِكْمة الَّتي آتاه الله عز وجل وهو صَبِيٌّ «١» ، وقال ابن عباس: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم، فهو ممن أوتي الحِكْمة صَبِيّاً «٢» .
«والحنان» : الرحمةُ، والشفقةُ، والمحبّة قاله جمهورُ المفسرين، وهو تَفْسِير اللغة ومن الشواهد في «الحَنَان» قولُ النابغة:
[الطويل]
أَبَا مُنْذِرٍ، أَفْنَيْتَ فاستبق بَعْضَنَا ...
حَنَانَيْكَ بْعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ «٣»
وقال عطاء بن أبي رباح: حَناناً مِنْ لَدُنَّا بمعنى تعظيماً مِنْ لدنا «٤» .
قال ع «٥» : وهو أَيضاً ما عظم من الأمر لأجل الله عز وجل ومنه قول زيد بن عمرو بن نُفَيْل في خبر بِلاَلٍ: واللهِ، لَئِنْ قَتَلْتُمْ هَذَا العَبْدَ لاَتَّخَذْنَ قَبْرَهُ حَنَاناً «٦» .
قال أَبو عبيدة: وأَكْثَر ما يُسْتَعمل مثنى.
انتهى، والزكاةُ التنميةُ، والتَّطْهير في وُجُوه الخير.
قال مجاهدٌ: كان طعامُ يَحْيَى العُشب، وكان للدمع في خَدّه مجار ثابتة، وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً «٧» ، روي أن يحيى عليه السلام لم يواقع معصية قَطُّ صغيرة ولا كبيرة، والبَر كثير البرّ، والجبار: المُتكبّر، كأَنه يجبر الناس على أخلاقه.
سُورَةُ مَرْيَمَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ مِن غَيْرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ غَيْرَ سَجْدَتِها فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ.
وقالَ هِبَةُ اللَّهِ المُفَسِّرُ: هي مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آَيَتَيْنِ مِنها، قَوْلُهُ: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ والَّتِي تَلِيها [ مَرْيَمَ: ٥٩، ٦٠ ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كهيعص ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( كَهَيَعص ذِكْرُ ) بِفَتْحِ الهاءِ والياءِ، وتَبْيِينِ الدّالِ الَّتِي في هِجاءِ ( صادٍ ) .
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( كَهَيَعص ) بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِ الياءِ، ويُدْغِمُ الدّالَ في الذّالِ.
وكانَ نافِعٌ يَلْفِظُ بِالهاءِ والياءِ بَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ، ولا يُدْغِمُ الدّالَ الَّتِي في هِجاءِ ( صادٍ ) في الذّالِ مِن ( ذِكْرِ ) .
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الهاءِ والياءِ، إلّا أنَّ الكِسائِيُّ لا يُبَيِّنُ الدّالَ، وعاصِمٌ يُبَيِّنُها.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ بِفَتْحِ الهاءِ وكَسْرِ الياءِ ويُدْغِمانِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( كَهُيَعص ) بِرَفْعِ الهاءِ وفَتْحِ الياءِ.
وقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ ( البَقَرَةِ ) ما يَشْتَمِلُ عَلى بَيانِ هَذا الجِنْسِ.
وقَدْ خَصَّ المُفَسِّرُونَ هَذِهِ الحُرُوفَ المَذْكُورَةَ هاهُنا بِأرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في الكافِ مِن أيِّ اسْمٍ هُوَ، عَلى أرْبَعَةِ.
أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مِنِ اسْمِ اللَّهِ الكَبِيرِ.
والثّانِي: مِنَ الكَرِيمِ.
والثّالِثُ: مِنَ الكافِي، رَوى هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مِنَ المَلِكِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
فَأمّا الهاءُ فَكُلُّهم قالُوا: هي مِنِ اسْمِهِ الهادِي، إلّا القُرَظِيَّ فَإنَّهُ قالَ: مِنِ اسْمِهِ اللَّهُ.
وأمّا الياءُ فَفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها مِن حَكِيمٍ.
والثّانِي: مِن رَحِيمٍ.
والثّالِثُ: مِن أمِينٍ، رَوى هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَأمّا العَيْنُ فَفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها مِن عَلِيمٍ.
والثّانِي: مِن عالِمٍ.
والثّالِثُ: مِن عَزِيزٍ، رَواها أيْضًا سَعِيدُ [ بْنُ جُبَيْرٍ ] عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّها مِن عَدْلٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وأمّا الصّادُ فَفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها مِن صادِقٍ.
والثّانِي: مِن صَدُوقٍ، رَواهُما سَعِيدُ [ بْنُ جُبَيْرٍ ] أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: مِنَ الصَّمَدِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنْ ﴿ كهيعص ﴾ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى.
ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: [ يا ] كهيعص اغْفِرْ لِي.
قالَ الزَّجّاجُ: والقَسَمُ بِهَذا والدُّعاءُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْمٌ واحِدٌ؛ لِأنَّ الدّاعِيَ إذا عَلِمَ أنَّ الدُّعاءَ بِهَذِهِ الحُرُوفِ يَدُلُّ عَلى صِفاتِ اللَّهِ فَدَعا بِها، فَكَأنَّهُ قالَ: يا كافِي، يا هادِي، يا عالِمُ، يا صادِقُ، وإذا أقْسَمَ بِها فَكَأنَّهُ قالَ: والكافِي الهادِي العالِمُ الصّادِقُ، وأُسْكِنَتْ هَذِهِ الحُرُوفُ؛ لِأنَّها حُرُوفُ تَهَجٍّ، النِّيَّةُ فِيها الوَقْفُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآَنِ، قالَهُ قَتادَةُ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالُوا: هايا، ولَمْ يَقُولُوا في الكافِ: كا، وفي العَيْنِ: عا، وفي الصّادِ: صا، لِتَتَّفِقَ المَبانِي كَما اتَّفَقَتِ العِلَلُ ؟
فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، فَقالَ: حُرُوفُ المُعْجَمِ التِّسْعَةُ والعِشْرُونَ تَجْرِي مَجْرى الرِّسالَةِ والخُطْبَةِ، فَيَسْتَقْبِحُونَ فِيها اتِّفاقَ الألْفاظِ واسْتِواءَ الأوْزانِ، كَما يَسْتَقْبِحُونَ ذَلِكَ في خُطَبِهِمْ ورَسائِلِهِمْ، فَيُغَيِّرُونَ بَعْضَ الكَلِمِ لِيَخْتَلِفَ الوَزْنُ وتَتَغَيَّرَ المَبانِي، فَيَكُونُ ذَلِكَ أعْذَبَ عَلى الألْسُنِ وأحْلى في الأسْماعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الذِّكْرُ مَرْفُوعٌ بِالمُضْمَرِ، المَعْنى: هَذا الَّذِي نَتْلُو عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، المَعْنى: ذِكْرُ رَبِّكَ عَبْدَهُ بِالرَّحْمَةِ، و ﴿ زَكَرِيّا ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ نادى رَبَّهُ ﴾ النِّداءُ هاهُنا بِمَعْنى الدُّعاءِ.
وَفِي عِلَّةِ إخْفائِهِ لِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لِيَبْعُدَ عَنِ الرِّياءِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: لِئَلّا يَقُولَ النّاسُ: انْظُرُوا إلى هَذا الشَّيْخِ يَسْألُ الوَلَدَ عَلى الكِبَرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: لِئَلّا يُعادِيَهُ بَنُو عَمِّهِ ويَظُنُّوا أنَّهُ كَرِهَ أنْ يَلُوا مَكانَهُ بَعْدَهُ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وهَذِهِ القِصَّةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُسْتَحَبَّ إسْرارُ الدُّعاءِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: " «إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ» " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي ﴾ وقَرَأ مُعاذُ القارِئُ والضَّحّاكُ: ( وهُنَ ) بِضَمِّ الهاءِ؛ أيْ: ضَعُفَ.
قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: وهَنَ العَظْمُ، ووَهِنَ، بِفَتْحِ الهاءِ وكَسْرِها، والمُسْتَقْبَلُ عَلى الحالَيْنِ كِلَيْهِما: يَهِنُ.
وأرادَ أنَّ قُوَّةَ عِظامِهِ قَدْ ذَهَبَتْ لِكِبَرِهِ، وإنَّما خَصَّ العَظْمَ؛ لِأنَّهُ الأصْلُ في التَّرْكِيبِ.
وقالَ قَتادَةُ: شَكا ذَهابَ أضْراسِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ﴾ يَعْنِي: انْتَشَرَ الشَّيْبُ فِيهِ كَما يَنْتَشِرُ شُعاعُ النّارِ في الحَطَبِ، وهَذا مِن أحْسَنِ الِاسْتِعاراتِ.
﴿ وَلَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ ﴾ ؛ أيْ: بِدُعائِي إيّاكَ، ﴿ رَبِّ شَقِيًّا ﴾ ؛ أيْ: لَمْ أكُنْ أتْعَبُ بِالدُّعاءِ ثُمَّ أخِيبُ؛ لِأنَّكَ قَدْ عَوَّدْتَنِي الإجابَةَ، يُقالُ: شَقِيَ فُلانٌ بِكَذا: إذا تَعِبَ بِسَبَبِهِ ولَمْ يَنَلْ مُرادَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ يَلُونَهُ في النَّسَبِ، وهم بَنُو العَمِّ والعُصْبَةِ، ﴿ مِن ورائِي ﴾ ؛ أيْ: مِن بَعْدِ مَوْتِي.
وَفِي ما خافَهم عَلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خافَ أنْ يَرِثُوهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
فَإنِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ مُعْتَرِضٌ فَقالَ: كَيْفَ يَجُوزُ لِنَبِيٍّ أنْ يُنَفِّسَ عَلى قَراباتِهِ بِالحُقُوقِ المَفْرُوضَةِ لَهم بَعْدَ مَوْتِهِ ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَ نَبِيًّا، والنَّبِيُّ لا يُورَثُ، خافَ أنْ يَرِثُوا مالَهُ فَيَأْخُذُوا ما لا يَجُوزُ لَهم.
والثّانِي: أنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ طَبْعُ البَشَرِ، فَأحَبَّ أنْ يَتَوَلّى مالَهُ ولَدُهُ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قُلْتُ: وبَيانُ هَذا أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَتَوَلّى مالَهُ وإنْ َلَمْ يَكُنْ مِيراثًا، فَأحَبَّ أنْ يَتَوَلّاهُ ولَدُهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خافَ تَضْيِيعَهم لِلدِّينِ ونَبْذَهم إيّاهُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وَقَرَأ عُثْمانُ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقاصٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ أبِي شُرَيْحٍ عَنِ الكِسائِيِّ: ( خَفَّتْ) بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الفاءِ عَلى مَعْنى ( قَلَّتْ )؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ إنَّما خافَ عَلى عِلْمِهِ ونُبُوَّتِهِ ألّا يُورَثا فَيَمُوتُ العِلْمُ.
وأسْكَنَ ابْنُ شِهابٍ الزُّهْرِيُّ ياءَ ( المَوالِيَ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن ورائِي ﴾ أسْكَنَ الجُمْهُورُ هَذِهِ الياءَ، وفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ قُنْبُلٍ.
ورَوى عَنْهُ شِبْلٌ: ( ورايَ )، مِثْلُ: ( عَصايَ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ﴾ ؛ أيْ: مِن عِنْدِكَ، ﴿ وَلِيًّا ﴾ ؛ أيْ: ولَدًا صالِحًا يَتَوَلّانِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ( يَرِثُنِي ويَرِثُ ) بِرَفْعِهِما.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: ( يَرِثْنِي ويَرِثْ ) بِالجَزْمِ فِيهِما.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ فَهُوَ عَلى الصِّفَةِ لِلْوَلِيِّ، فالمَعْنى: هَبْ لِي ولِيًّا وارِثًا، ومَن جَزَمَ فَعَلى الشَّرْطِ والجَزاءِ، كَقَوْلِكَ: إنْ وهَبْتَهُ لِي ورِثَنِي.
وَفِي المُرادِ بِهَذا المِيراثِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَرِثُنِي مالِي، ويَرِثُ مِن آَلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو صالِحٍ.
والثّانِي: يَرْثِي العِلْمَ، ويَرِثُ مِن آَلِ يَعْقُوبَ المُلْكَ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى إلى وِراثَةِ العِلْمِ دُونَ المُلْكِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: يَرِثُنِي نُبُوَّتِي وعِلْمِي، ويَرِثُ مِن آَلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ أيْضًا، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: يَرِثُنِي النُّبُوَّةَ، ويَرِثُ مِن آَلِ يَعْقُوبَ الأخْلاقَ، قالَهُ عَطاءٌ.
قالَ مُجاهِدٌ: كانَ زَكَرِيّا مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ، وزَعَمَ الكَلْبِيُّ أنَّ آَلَ يَعْقُوبَ كانُوا أخْوالَهُ، وأنَّهُ لَيْسَ بِيَعْقُوبَ أبِي يُوسُفَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هو يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ، وكانَ يَعْقُوبُ هَذا وعِمْرانَ - أبُو مَرْيَمَ - أخَوَيْنِ.
والصَّحِيحُ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ مِيراثَ المالِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ أنَّهُ قالَ: " «نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ، ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ» " .
والثّانِي: [ أنَّهُ ] لا يَجُوزُ أنْ يَتَأسَّفَ نَبِيُّ اللَّهِ عَلى مَصِيرِ مالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، إذا وصَلَ إلى وارِثِهِ المُسْتَحِقِّ لَهُ شَرْعًا.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذا مالٍ.
وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللهِ أنَّ زَكَرِيّا كانَ نَجّارًا.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: أيْ: مَرْضِيًّا، فَصُرِفَ عَنْ مَفْعُولٍ إلى فَعِيلٍ، كَما قالُوا: مَقْتُولٌ وقَتِيلٌ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ مَرْيَمَ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، إلّا السَجْدَةَ مِنها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَدَنِيَّةٌ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كهيعص ﴾ ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا ﴾ ﴿ إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَأْسُ شَيْبًا ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴾ ﴿ وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا ﴾ ﴿ يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ عَلى قَوْلَيْنِ: فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي سِرُّ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في القُرْآنِ، لا يَنْبَغِي أنْ يَعْرِضَ لَهُ، يُؤْمَنُ بِظاهِرِهِ ويُتْرَكُ باطِنَهُ.
وقالَ الجُمْهُورُ: بَلْ يَنْبَغِي أنْ يُتَكَلَّمَ فِيها وتُطْلَبَ مَعانِيَها؛ فَإنَّ العَرَبَ قَدْ تَأْتِي بِالحَرْفِ الواحِدِ دالًّا عَلى كَلِمَةٍ، ولَيْسَ في كِتابِ اللهِ ما لا يُفْهَمُ، ثُمُ اخْتَلَفَ هَذا الجُمْهُورُ عَلى أقْوالٍ قَدِ اسْتَوْفَيْنا ذِكْرَها في سُورَةِ البَقَرَةِ، ونَذْكُرُ الآنَ ما يَخْتَصُّ بِهَذِهِ السُورَةِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: هَذِهِ حُرُوفٌ دالَّةٌ عَلى أسْماءٍ مِن أسْماءِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، الكافُ مِن "كَبِيرٍ"، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الكافُ مِن "كافٍ"، وقالَ أيْضًا: هي مِن "كَرِيمٍ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَمُقْتَضى أقْوالِهِ أنَّها دالَّةٌ عَلى كُلِّ اسْمٍ فِيهِ كافٌ مِن أسْمائِهِ تَعالى.
قالُوا: والهاءُ مِن "هادٍ"، والياءُ مِن "عَلِيٍّ"، وقِيلَ: مِن "حَكِيمٍ"، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هي مِن "يَأْمَنُ لا يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ".
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: والعَيْنُ مِن "عَزِيزٍ"، وقِيلَ: مِن "عَلِيمٍ"، وقِيلَ: مِن "عَدْلٍ"، والصادُ مِن "صادِقٌ".
وقالَ قَتادَةُ: بَلْ "كَهَيَعَصَ" بِجُمْلَتِهِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، وقالَتْ فَرْقَةٌ: بَلْ هي اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: "يا كَهَيَعَصَ اغْفِرْ لِي".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنْ يُنادِيَ اللهَ تَعالى بِجَمِيعِ الأسْماءِ الَّتِي تَضَمَّنَها "كَهَيَعَصَ"، كَأنَّهُ أرادَ أنْ يَقُولَ: يا كَرِيمُ يا هادِي يا عَلِيُّ يا عَزِيزُ يا صادِقُ اغْفِرْ لِي، فَجَمَعَ هَذا كُلَّهُ بِاخْتِصارٍ في قَوْلِهِ: "يا كَهَيَعَصَ".
وقالَ ابْنُ المُسْتَنِيرِ وغَيْرُهُ: "كَهَيَعَصَ" عِبارَةٌ عن حُرُوفِ المُعْجَمِ، ونَسَبَهُ الزَجّاجُ إلى أكْثَرِ أهْلِ اللُغَةِ، أيْ: هَذِهِ الحُرُوفُ مِنها ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا يَتَرَكَّبُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: ارْتَفَعَ "ذِكْرُ" بِأنَّهُ خَبَرٌ عن "كَهَيَعَصَ"، وهي حُرُوفُ تَهَجٍّ يُوقَفُ عَلَيْها بِالسُكُونِ.
وقَرَأ الجَمِيعُ: "كافْ" بِإثْباتِ الألِفِ والفاءِ، وقَرَأ نافِعٌ "الهاءُ والياءُ" وبَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ، ولا يُدْغِمُ الدالُّ في الذالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ أيْضًا بِفَتْحِ الهاءِ والياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ بِضَمِّ الهاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَدْ رُوِيَ عنهُ ضَمُّ الياءِ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "كافْ" بِضَمِّ الفاءِ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: مَعْنى الضَمِّ في الهاءِ والياءِ إشْباعُ التَفْخِيمِ، ولَيْسَ بِالضَمِّ الخالِصِ الَّذِي يُوجِبُ القَلْبَ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ عاصِمْ بِكَسْرِها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِإظْهارِ النُونِ مِن "عَيِينْ"، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ عن عاصِمْ، وهو القِياسُ؛ إذْ هي حُرُوفٌ مُنْفَصِلَةٌ، وقَرَأ الجَمِيعُ: "عَيِينْ" بِإخْفاءِ النُونِ، جَعَلُوها في حُكْمِ الِاتِّصالِ، وقَرَأ الأكْثَرُ بِإظْهارِ الدالِّ مِن "صادْ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإدْغامِهِ في الذالِ مِن قَوْلِهِ: "ذِكْرُ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ بِإظْهارِ هَذِهِ الحُرُوفِ كُلِّها وتَخْلِيصِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ.
وارْتَفَعَ قَوْلُهُ: "ذِكْرُ" -فِيما قالَتْ فِرْقَةٌ- بِقَوْلِهِ: "كَهَيَعَصَ"، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ ذَلِكَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: ارْتَفَعَ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَإٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا ذِكْرُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: ارْتَفَعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: "فِيما أُوحِيَ إلَيْكَ ذِكْرُ".
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ يَعْمُرَ: "ذَكَّرَ رَحْمَةَ رَبِّكَ"، بِفَتْحِ الذالِ والكافِ "المُشَدَّدَةِ" والراءِ، عَلى مَعْنى: هَذا المَتْلُوُّ ذَكَّرَ رَحْمَةَ رَبِّكَ عَبْدَهُ، ومَن قالَ:"فِي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ" فَقَدْ تَعَسَّفَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زَكَرِيّاءَ" بِالمَدِّ، وقَرَأ الأعْمَشُ، ويَحْيى، وطَلْحَةُ: "زَكَرِيّا" بِالقَصْرِ، وهُما لُغَتانِ، وفِيهِ لُغاتٌ غَيْرُهُما.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نادى" مَعْناهُ: بِالدُعاءِ والرَغْبَةِ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى "إخْفائِهِ" هَذا النِداءَ، فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ذَلِكَ لِأنَّ الأعْمالَ الخَفِيَّةَ أفْضَلُ وأبْعَدُ مِنَ الرِياءِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : «خَيْرُ الذِكْرِ الخَفِيُّ»، وقالَ غَيْرُهُ: يُسْتَحَبُّ الإخْفاءُ بَيْنَ العَبْدِ ومَوْلاهُ في الدُعاءِ الَّذِي هو في مَعْنى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ، لِأنَّهُ يَدُلُّ مِنَ الإنْسانِ عَلى أنَّهُ خَيْرٌ، فَإخْفاؤُهُ أبْعَدُ مِنَ الرِياءِ، وأمّا دُعاءُ زَكَرِيّا وطَلَبُهُ فَكانَ في أمْرِ دُنْيا وهو طَلَبُ الوَلَدِ فَإنَّما إخْفاؤُهُ لِئَلّا يَلُومَهُ الناسُ في ذَلِكَ، ولِيَكُونَ عَلى أوَّلِ أمْرِهِ، إنْ أُجِيبَ نالَ بُغْيَتَهُ، وإنْ لَمْ يُجَبْ لَمْ يَعْرِفْ أحَدٌ بِذَلِكَ.
ويُقالُ: وُصِفَ بِالخَفاءِ لِأنَّهُ كانَ في جَوْفِ اللَيْلِ.
و "وَهَنَ" مَعْناهُ: ضَعُفَ، والوَهْنُ في الشَخْصِ أوِ الأمْرِ: الضَعْفُ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَهِنَ" بِكَسْرِ الهاءِ.
"واشْتَعَلَ" مُسْتَعارَةٌ لِلشَّيْبِ مِنَ اشْتِعالِ النارِ، عَلى التَشْبِيهِ بِهِ، و"شَيْبًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ في قَوْلِ مَن رَأى "اشْتَعَلَ" في مَعْنى شابٍّ، وعَلى التَمْيِيزِ في قَوْلِ مَن لا يَرى ذَلِكَ، بَلْ رَآهُ فِعْلًا آخَرَ، فالأمْرُ عِنْدَهُ كَقَوْلِهِمْ: وامْتَلَأتْ غَيْظًا.
قَوْلُهُ: ﴿ وَلَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴾ شُكْرٌ لِلَّهِ تَعالى عَلى سالِفِ أيادِيهِ عِنْدَهُ، مَعْناهُ: قَدْ أحْسَنْتَ إلَيَّ فِيما سَلَفَ، وسَعِدْتُ بِدُعائِي إيّاكَ، فالإنْعامُ يَقْتَضِي أنْ يَشْفَعَ آخِرُهُ أوَّلَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ ﴾ الآيَةُ، اخْتَلَفَ الناسُ في المَعْنى الَّذِي مِن أجْلِهِ خافَ المَوالِيَ، فَقالَ ابْنُ عامِرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو صالِحٍ: خافَ أنْ يَرِثُوا مالَهُ وأنْ تَرِثَهُ الكَلالَةُ، فَأشْفَقَ مِن ذَلِكَ، ورَوى قَتادَةُ، والحَسَنُ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: «يَرْحَمُ اللهُ أخِي زَكَرِيّا، ما كانَ عَلَيْهِ مِمَّنْ يَرِثُ مالَهُ»، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ مَوالِيهِ مُهْمِلِينَ لِلدِّينِ، فَخافَ بِمَوْتِهِ أنْ يَضِيعَ الدِينُ، فَطَلَبَ ولِيًّا يَقُومُ بِالدِينِ بَعْدَهُ، حَكى هَذا القَوْلَ الزَجّاجُ، وفِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَسْألَ زَكَرِيّا مَن يَرِثُ مالَهُ إذِ الأنْبِياءُ لا تُورَثُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يُؤَيِّدُ قَوْلَ النَبِيِّ : «إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ»، ويُوهِنُهُ ذِكْرُ العاقِرِ، والأكْثَرُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ أرادَ وِراثَةَ المالِ، ويَحْتَمَلُ قَوْلُ النَبِيِّ : «إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» ألّا يُرِيدَ بِهِ العُمُومَ، بَلْ عَلى أنَّهُ غالِبُ أمْرِهِمْ، فَتَأمَّلْهُ.
والأظْهَرُ الألْيَقُ بِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُرِيدَ وِراثَةَ العِلْمِ والدِينِ، فَتَكُونَ الوِراثَةُ مُسْتَعارَةً، ألا تَرى أنَّهُ إنَّما طَلَبَ ولِيًّا، ولَمْ يُخَصِّصْ ولَدًا فَبَلَّغَهُ اللهُ أمَلَهُ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ؟
وقالَ أبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: "يَرِثُنِي" يُرِيدُ المالَ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ ﴾ يُرِيدُ العِلْمَ والنُبُوَّةَ، وقالَ السُدِّيُّ: رَغِبَ زَكَرِيّا في الوَلَدِ.
و "خِفْتُ" مِنَ الخَوْفِ، هي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وعَلَيْها هو هَذا التَفْسِيرُ، وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ العاصِي، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وغَيْرُهُمْ: "خَفَّتِ" بِفَتْحِ الخاءِ وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّها وكَسْرِ التاءِ، وعَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى "المَوالِيَ"، والمَعْنى -عَلى هَذا-: انْقَطَعَ أولِيائِي وماتُوا، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَإنَّما طَلَبَ ولِيًّا يَقُولُ بِالدِينِ.
و"المَوالِيَ": بَنُو العَمِّ والقُرابَةُ الَّذِينَ يَلُونَ بِالنَسَبِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ مِن ورائِي ﴾ أيْ: مِن بَعْدِي في الزَمَنِ، فَهم الوَراءُ عَلى ما بَيَّنّاهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ في هَذِهِ الآيَةِ: أيْ مِن بَيْنِ يَدِي ومِن أمامِي، وهَذا قِلَّةُ تَحْرِيرٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "مِن ورائِيَ" بِالمَدِّ والهَمْزِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ أيْضًا ابْنُ كَثِيرٍ: "مِن ورايَ" بِالياءِ المَفْتُوحَةِ مِثْلُ "عَصايَ"، والباقُونَ هَمَزُوا ومَدُّوا وسَكَّنُوا الياءَ.
و "العاقِرُ" مِنَ النِساءِ الَّتِي لا تَلِدُ مِن غَيْرِ كِبَرٍ، وكَذَلِكَ العاقِرُ مِنَ الرِجالِ، ومِنهُ قَوْلُ عامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ: لَبِئْسَ الفَتى إنْ كَنْتُ أعْوَرَ عاقِرًا جَبانًا فَما عُذْرِي لَدى كُلِّ مَحْضَرِ و "زَكَرِيّا" عَلَيْهِ السَلامُ لِما رَأى مِن حالِهِ إنَّما طَلَبَ ولِيًّا، ولَمْ يُصَرِّحْ "بِالوَلَدِ" لِبُعْدِ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِسَبَبِ المَرْأةِ، ثُمْ وصَفَ الوَلِيَّ بِالصِفَةِ الَّتِي هي قَصْدُهُ، وهو أنْ يَكُونَ وارِثًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ طَلَبَ الوَلَدَ، ثُمْ شَرَطَ أنْ تَكُونَ الإجابَةُ في أنْ يَعِيشَ حَتّى يَرِثَهُ، تَحَفُّظًا مِن أنْ تَقَعَ الإجابَةُ في الوَلَدِ لَكِنْ يَخْتَرِمْ فَلا يَتَحَصَّلُ مِنهُ الغَرَضُ المَقْصُودُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَرِثُنِي ويَرِثُ" بِرَفْعِ الفِعْلَيْنِ عَلى مَعْنى الصِفَةِ لِلْوَلِيِّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "يَرِثْنِي ويَرِثْ" بِجَزْمِ الفِعْلَيْنِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ لَيْسَ هو جَوابَ "هَبْ"، إنَّما تَقْدِيرُهُ: إنْ تَهَبْهُ يَرِثْنِي، والأوَّلُ أصْوَبُ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ طَلَبَ وارِثًا مَوْصُوفًا، ويُضْعِفُ الجَزْمَ أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَوْهُوبٍ يَرِثُ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُما: "يَرِثُنِي وارِثٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا مَعْناهُ التَجْرِيدُ، التَقْدِيرُ: يَرِثُنِي مِنهُ أو بِهِ وارِثٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "يَرِثُنِي ويَرِثُ" عَلى التَصْغِيرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن آلِ يَعْقُوبَ ﴾ يُرِيدُ مِنهُمُ الحِكْمَةَ والعِلْمَ والنُبُوَّةَ، والمِيراثُ في هَذا كُلِّهِ اسْتِعارَةٌ.
و "رَضِيٌّ" مَعْناهُ: مَرْضِيٌّ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.
<div class="verse-tafsir"
افتتاح كلام، فيتعيّن أن ﴿ ذِكْرُ ﴾ خبر مبتدأ محذوف، مثلُه شائع الحذف في أمثال هذا من العناوين.
والتقدير: هذا ذكر رحمة ربّك عبده.
وهو بمعنى: اذكر.
ويجوز أن يكون ﴿ ذِكْرُ ﴾ أصله مفعولاً مطلقاً نائباً عن عامله بمعنى الأمر، أي اذكر ذكراً، ثمّ حول عن النصب إلى الرفع للدلالة على الثبات كما حُول في قوله ﴿ الحمد لله ﴾ وقد تقدم في [سورة الفاتحة: 2].
ويرجحه عطف ﴿ واذكر في الكتاب مريم ﴾ [مريم: 16] ونظائرِه.
وقد جاء نظم هذا الكلام على طريقة بديعة من الإيجاز والعدوللِ عن الأسلوب المتعارف في الإخبار، وأصل الكلام: ذكر عبدنا زكرياء إذ نادى ربّه فقال: رب الخ...
فرحمة ربّك، فكان في تقديم الخبر بأن الله رحمه اهتمام بهذه المنقبة له، والإنباء بأن الله يرحم من التجأ إليه، مع ما في إضافة {ربّ إلى ضمير النبيء وإلى ضمير زكرياء من التنويه بهما.
وافتتحت قصة مريم وعيسى بما يتصل بها من شؤون آل بيت مريم وكافلها لأنّ في تلك الأحوال كلها تذكيراً برحمة الله تعالى وكرامته لأوليائه.
وزكرياء نبي من أنبياء بني إسرائيل، وهو زكرياء الثاني زوج خالة مريم، وليس له كتاب في أسفار التوراة.
وأما الذي له كتاب فهو زكرياء بن برخيا الذي كان موجوداً في القرن السادس قبل المسيح.
وقد مضت ترجمة زكرياء الثاني في سورة آل عمران ومضت قصّة دعائه هنالك.
و إذ نادى ربه } ظرف ل ﴿ رحمتِ ﴾ .
أي رحمة الله إياه في ذلك الوقت، أو بدل من ﴿ ذكر، ﴾ أي اذكر ذلك الوقت.
والنداء: أصله رفع الصوت بطلب الإقبال.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان ﴾ في سورة آل عمران (193) وقوله: ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ﴾ في [سورة الأعراف: 43].
ويطلق النداء كثيراً على الكلام الذي فيه طلب إقبال الذات لعمل أو إقبال الذهن لوعي كلام، فلذلك سميت الحروف التي يفتتح بها طلب الإقبال حروف النداء.
ويطلق على الدعاء بطلب حاجة وإن لم يكن فيه نداء لأن شأن الدعاء في المتعارف أن يكون جهراً.
أي تضرعاً لأنه أوقع في نفس المدعو.
ومعنى الكلام: أن زكرياء قال: يا رب، بصوت خفي.
وإنما كان خفياً لأن زكرياء رأى أنه أدخل في الإخلاص مع رجائه أنّ الله يجيب دعوته لئلا تكون استجابته مما يتحدث به الناس، فلذلك لم يدعه تضرعاً وإن كان التضرع أعون على صدق التوجه غالباً، فلعل يقين زكرياء كاف في تقوية التوجه، فاختار لدعائه السلامة من مخالطة الرياء.
ولا منافاة بين كونه نداء وكونه خفياً، لأنه نداء من يسمع الخفاء.
والمراد بالرحمة: استجابة دعائه، كما سيصرح به بقوله: ﴿ يا زكرياء إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى ﴾ [مريم: 7].
وإنما حكي في الآية وصف دعاء زكرياء كما وقع فليس فيها إشعار بالثناء على إخفاء الدعاء.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ مَرْيَمَ ﴿ كهيعص ﴾ ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا ﴾ ﴿ إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴾ ﴿ وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا ﴾ ﴿ يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كهيعص ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اسْتِفْتاحُ السُّورَةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ السُّورَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: أنَّهُ مِن حُرُوفِ الجُمَّلِ تَفْسِيرُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ لِأنَّ الكافَ عِشْرُونَ والهاءَ خَمْسَةٌ والياءَ عَشَرَةٌ والعَيْنَ سَبْعُونَ والصّادَ تِسْعُونَ.
كَذَلِكَ عَدَدُ حُرُوفِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، حَكاهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ.
السّادِسُ: أنَّها حُرُوفُ أسْماءِ اللَّهِ.
فَأمّا الكافُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيها مِن أيِّ اسْمٍ هي عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِن كَبِيرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها مِن كافٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّها مِن كِرِيمٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَأمّا الهاءُ فَإنَّها مِن هادٍ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ.
وَأمّا الياءُ فَفِيها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِن يَمُنُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِن حَكِيمٍ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّها مِن ياسِينَ حَكاهُ سالِمٌ.
الرّابِعُ: أنَّها مِن يا لِلنِّداءِ وفِيهِ عَلى هَذا وجْهانِ: أحَدُهُما: يا مَن يُجِيبُ مَن دَعاهُ ولا يَخِيبُ مَن رَجاهُ لِما تَعَقَبَهُ مِن دُعاءِ زَكَرِيّا.
الثّانِي: يا مَن يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
وَأمّا العَيْنُ فَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِن عَزِيزٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: أنَّها مِن عالِمٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: مِن عَدْلٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَأمّا الصّادُ فَإنَّها مِن صادِقٍ في قَوْلِ جَمِيعِهِمْ فَهَذا بَيانٌ لِلْقَوْلِ السّادِسِ.
وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: أنَّها حُرُوفٌ مِن كَلامٍ أُغْمِضَتْ مَعانِيهِ ونُبِّهَ عَلى مُرادِهِ فِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: كَفى وهَدى مَن لا يُعْصَ فَتَكُونُ الكافُ مِن كَفى والهاءُ مِن هَدى والباقِي حُرُوفُ يَعْصِي لِأنَّ تَرْكَ المَعاصِي يَبْعَثُ عَلى امْتِثالِ الأوامِرِ واجْتِنابِ النَّواهِي، فَصارَ تَرْكُها كافِيًا مِنَ العِقابِ وهادِيًا إلى الثَّوابِ وهَذا أوْجَزُ وأعْجَزُ مِن كُلِّ كَلامٍ مُوجَزٍ لِأنَّهُ قَدْ جَمَعَ في حُرُوفِ كَلِمَةٍ مَعانِيَ كَلامٍ مَبْسُوطٍ وتَعْلِيلَ أحْكامٍ وشُرُوطٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ حالَ مَن كَفاهُ وهَداهُ فَقالَ: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا ﴾ فَذِكْرُ رَحْمَتِهِ حِينَ أجابَهُ إلى ما سَألَهُ فاحْتَمَلَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَحِمَهُ بِإجابَتِهِ لَهُ.
الثّانِي: أنَّهُ إجابَةٌ لِرَحْمَتِهِ لَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نِداءً خَفِيًّا ﴾ \[فِيهِ قَوْلانِ\] .
أحَدُهُما: قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، سِرًّا لا رِياءَ فِيهِ.
قالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ القَلْبَ النَّقِيَّ ويَسْمَعُ الصَّوْتَ الخَفِيَّ فَأخْفى زَكَرِيّا نِداءَهُ لِئَلّا يُنْسَبَ إلى الرِّياءِ فِيهِ.
الثّانِي: قالَهُ مُقاتِلٌ، إنَّما أخْفى لِئَلّا يَهْزَأ النّاسُ بِهِ، فَيَقُولُونَ انْظُرُوا إلى هَذا الشَّيْخِ يَسْألُ الوَلَدَ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ إخْفاءَ الدُّعاءِ أخْلَصُ لِلدُّعاءِ وأرْجى لِلْإجابَةِ لِلسُّنَّةِ الوارِدَةِ فِيهِ: إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ لَيْسَ بِأصَمَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي ﴾ أيْ ضَعُفَ وفي ذِكْرِهِ وهَنَ العَظْمُ دُونَ اللَّحْمِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا وهَنَ العَظْمُ الَّذِي هو أقْوى كانَ وهْنُ اللَّحْمِ والجِلْدِ أوْلى.
الثّانِي: أنَّهُ اشْتَكى ضَعْفَ البَطْشِ، والبَطْشُ إنَّما يَكُونُ بِالعَظْمِ دُونَ اللَّحْمِ.
﴿ واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ﴾ هَذا مِن أحْسَنِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّهُ قَدْ يُنْشَرُ فِيهِ الشَّيْبُ كَما يُنْشَرُ في الحَطَبِ شُعاعُ النّارِ.
﴿ وَلَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴾ أيْ خائِبًا، أيْ كُنْتَ لا تُخَيِّبُنِي إذا دَعَوْتُكَ ولا تَحْرِمُنِي إذا سَألْتُكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: العُصْبَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ.
الثّانِي: الكَلالَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: الأوْلِياءُ أنْ يَرِثُوا عِلْمِي دُونَ مَن كانَ مَن نَسْلِي قالَ لَبِيدٌ: ومَوْلًى قَدْ دَفَعْتُ الضَّيْمَ عَنْهُ وقَدْ أمْسى بِمَنزِلَةِ المُضِيمِ الرّابِعُ: بَنُو العَمِّ لِأنَّهم كانُوا شِرارَ بَنِي إسْرائِيلَ.
وَسُمُّوا مَوالِي لِأنَّهم يَلُونَهُ في النَّسَبِ لِعَدَمِ الصُّلْبِ.
وَفِيما خافَهم عَلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خافَهم عَلى الفَسادِ في الأرْضِ.
الثّانِي: أنَّهُ خافَهم عَلى نَفْسِهِ في حَياتِهِ وعَلى أشْيائِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ خافَهم عَلى تَبْدِيلِ الدِّينِ وتَغْيِيرِهِ.
رَوى كَثِيرُ بْنُ كَلْثَمَةَ أنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ عَلَيْهِما السَّلامُ يَقْرَأُ: ﴿ وَإنِّي خِفْتُ ﴾ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى قَلَّتْ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مِن ورائِي ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن قُدّامِي وهو قَوْلُ الأخْفَشِ.
الثّانِي: بَعْدَ مَوْتِي، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا ﴾ ﴿ يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَرِثُنِي مالِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الثّانِي: يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ العِلْمَ والنُّبُوَّةَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: يَرِثُنِي النُّبُوَّةَ ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ الأخْلاقَ، قالَهُ عَطاءٌ.
الرّابِعُ: يَرِثُنِي العِلْمَ ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ المُلْكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
فَأجابَهُ اللَّهُ إلى وِراثَةِ العِلْمِ ولَمْ يُجِبْهُ إلى وارِثَةِ المُلْكِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: وكانَ آلُ يَعْقُوبَ أخْوالَهُ وهو يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ، وكانَ فِيهِمُ المُلْكُ، وكانَ زَكَرِيّا مِن ولَدِ هارُونَ بْنِ عِمْرانَ أخِي مُوسى.
قالَ مُقاتِلٌ: ويَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ هو أخُو عِمْرانَ أبِي مَرْيَمَ؛ لِأنَّ يَعْقُوبَ وعِمْرانَ ابْنا ماثانَ، فَرَوى قَتادَةُ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: « (يَرْحَمُ اللَّهُ زَكَرِيّا ما كانَ عَلَيْهِ مِن ورَثَتِهِ)» .
﴿ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَرْضِيًّا في أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ.
الثّانِي: راضِيًا بِقَضائِكَ وقَدَرِكَ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يُرِيدَ نَبِيًّا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: كبير، هاد، أمين، عزيز، صادق.
وفي لفظ: كاف بدل كبير.
وأخرج عبد الرزاق وآدم بن أبي إياس وعثمان بن سعيد الدارمي في التوحيد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس ﴿ كهيعص ﴾ قال: كاف من كريم، وهاء من هاد، وياء من حكيم، وعين من عليم، وصاد من صادق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة ﴿ كهيعص ﴾ هو الهجاء المقطع الكاف من الملك، والهاء من الله، والياء والعين من العزيز، والصاد من المصوّر.
وأخرج ابن مردويه عن الكلبي، أنه سئل عن ﴿ كهيعص ﴾ فحدث عن أبي صالح عن أم هانئ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كاف، هاد، عالم، صادق» .
وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي وابن ماجة وابن جرير، عن فاطمة بنت علي قالت: كان ابن عباس يقول في ﴿ كهيعص ﴾ و ﴿ حم ﴾ و ﴿ يس ﴾ وأشباه هذا، هو اسم الله الأعظم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: يقول: أنا الكبير الهادي عليّ أمين صادق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: الكاف من الملك، والهاء من الله، والعين من العزيز، والصاد من الصمد.
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: الكاف مفتاح اسمه كافي، والهاء مفتاح اسمه هادي، والعين مفتاح اسمه عالم، والصاد مفتاح اسمه صادق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: يا من يجير ولا يجار عليه.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: اسم من أسماء القرآن.
والله أعلم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر، أنه كان يقرأ ﴿ ذكر رحمة ربك عبده زكريا ﴾ بنقل، يقول: لما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء.
فقال: ﴿ ذكر رحمة ربك ﴾ .
وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان زكريا نجاراً» .
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر، عن ابن عباس قال: إن زكريا بن دان أبا يحيى كان من أبناء الأنبياء الذين كانوا يكتبون الوحي ببيت المقدس.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ إذ نادى ربه نداء خفياً ﴾ قال: لا يريد رياء.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إذ نادى ربه نداء خفياً ﴾ أي بقلبه سراً.
قال قتادة: إن الله يحب الصوت الخفي، والقلب النقي.
وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن مسعود قال: كان آخر أنبياء بني إسرائيل زكريا بن إدريس من ذرية يعقوب دعا ربه سراً، قال: ﴿ رب إني وهن العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ خفت الموالي من ورائي ﴾ وهم العصبة ﴿ يرثني ويرث ﴾ نبوة ﴿ آل يعقوب ﴾ ﴿ فنادته الملائكة ﴾ وهو جبريل ﴿ إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى ﴾ فلما سمع النداء، جاءه الشيطان فقال: يا زكريا، إن الصوت الذي سمعت ليس من الله، إنما هو من الشيطان يسخر بك، فشك وقال: ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ يقول: من أين يكون؟
﴿ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ﴾ !
قال الله: ﴿ قد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وهن العظم مني ﴾ يقول: ضعف.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وهن العظم مني ﴾ قال: نحول العظم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ قال: قد كنت تُعَودني الإجابة فيما مضى.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عيينة في قوله: ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ يقول: سعدت بدعائك وإن لم تعطني.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن العاص قال: أملى عليّ عثمان بن عفان من فيه ﴿ وإني خفت الموالي ﴾ بنقلها يعني بنصب الخاء والفاء وكسر التاء يقول قلت: ﴿ الموالي ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإني خفت الموالي من ورائي ﴾ قال: الورثة، وهم عصبة الرجل.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وإني خفت الموالي من ورائي ﴾ قال: العصبة من آل يعقوب، وكان من ورائه غلام، وكان زكريا من ذرية يعقوب، وفي لفظ: أيوب.
وأخرج الفريابي، عن ابن عباس قال: كان زكريا لا يولد له، فسأل ربه؟
فقال: ﴿ رب هب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ قال: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ قال: نبوته وعلمه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله أخي زكريا، ما كان عليه من ورثة، ويرحم الله لوطاً، إن كان ليأوي إلى ركن شديد» .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ فيقول: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن صالح في قوله: ﴿ ويرث من آل يعقوب ﴾ قال: النبوة يكون نبياً كما كان أبوه.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ ويرث من آل يعقوب ﴾ قال: السنة والعلم.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد، عن يحيى بن يعمر أنه قرأها: ﴿ وإني خفت الموالي من ورائي ﴾ مشددة بنصب الخاء، وكسر التاء، وقرأها: ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ يرثني ﴾ مثقل مرفوع.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب قال: قال داود عليه السلام: «يا رب هب لي ابناً» فولد له ابن خرج عليه، فبعث إليه داود جيشاً فقال: «إن أخذتموه سليماً فابعثوا إلي رجلاً أعرف السرور في وجهه، وإن قتلتموه فابعثوا إلي رجلاً أعرف الشرّ في وجهه» فقتلوه فبعثوا إليه رجلاً أسود، فلما رآه علم أنه قتل، فقال: رب سألت أن تهب لي ابناً، فخرج علي؟!
فقال: إنك لم تستثن.
قال محمد بن كعب: لم يقل كما قال زكريا: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: لما دعا زكريا ربه أن يهب له غلاماً هبط جبريل عليه السلام- فبشره بيحيى.
فقال زكريا عندها: ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ وأخبر بكبر سنه، وعلة زوجته، فأخذ جبريل عوداً يابساً، فجعله بين كفي زكريا، فقال: ادرجه بين كفيك، ففعل، فإذا في رأسه عود بين ورقتين يقطر منهما الماء.
فقال جبريل: إن الذي أخرج هذا الورق من هذا العود، قادر أن يخرج من صلبك، ومن امرأتك العاقر غلاماً.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: لم يسم أحد يحيى قبله.
وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: لم يسم أحد يحيى قبله.
وأخرج أحمد في الزهد، عن عكرمة مثله.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: لم تلد العواقر مثله ولداً.
وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: مثلاً.
وأخرج أحمد في الزهد، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: شبيهاً.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء مثله.
وأخرج البخاري في تاريخه، عن يحيى بن خلاد الزرقي، أنه لما ولد أتي به النبي صلى الله عليه وسلم فحنكه وقال: لأسمينه اسماً لم يسم بعد يحيى بن زكريا فسماه يحيى.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن عباس قال: لا أدري كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذا الحرف ﴿ عتياً ﴾ أو عييا.
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والحاكم، عن ميمون بن مهران: أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس؟
فقال: أخبرني عن قول الله: ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ ما العتي؟
قال: البؤس من الكبر قال الشاعر: إنما يعذر الوليد ولا يعذر ** من كان في الزمان عتيا وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ قال: نحول العظم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ يقول: هرماً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ قال: العتي الذي قد عتا من الولد فيما يرى في نفسه لا ولادة فيه.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن الثوري قال: بلغني أن زكريا كان ابن سبعين سنة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن المبارك ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ قال: ستين سنة.
وأخرج الرامهرمزي في الإسناد، عن وهب بن منبه ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ قال: هذه المقالة وهو ابن ستين أو خمس وستين.
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ عتيا برفع العين.
وأخرج عبد بن حميد، عن يحيى بن وثاب أنه قرأها ﴿ عتيا ﴾ وصليا، بكسر العين والصاد.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عقيل أنه قرأ ﴿ وقد بلغت من الكبر عسيا ﴾ بالسين ورفع العين.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم، عن نوف في قوله: ﴿ قال رب اجعل لي آية ﴾ قال: أعطني آية أنك قد استجبت لي.
فقال: ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً ﴾ قال ختم على لسانه وهو صحيح سوي ليس به من مرض، فلم يتكلم ثلاثة أيام.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً ﴾ قال: اعتقل لسانه من غير مرض.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثلاث ليال سويا ﴾ قال: من غير خرس.
وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة والضحاك مثله.
وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد في قوله: ﴿ ثلاث ليال سويا ﴾ قال: صحيحاً لا يمنعك الكلام مرض.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في الآية قال: حبس لسانه فكان لا يستطيع أن يكلم أحداً، وهو في ذلك يسبح ويقرأ التوراة، فإذا أراد كلام الناس لم يستطع أن يكلمهم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ فخرج على قومه من المحراب ﴾ قال: المحراب مصلاه.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأوحى إليهم ﴾ قال: كتب لهم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن الحكم ﴿ فأوحى إليهم ﴾ قال: كتب لهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ﴿ فأوحى إليهم ﴾ قال فأشار زكريا.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا ﴾ قال: أشار إليهم إشارة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سعيد بن جبير ﴿ فأوحى إليهم ﴾ قال: أومأ إليهم.
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا ﴾ قال: صلوا.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله: ﴿ بكرة وعشيا ﴾ قال: أمرهم بالصلاة بكرة وعشيا.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ﴾ قال: البكرة، صلاة الفجر، وعشيا، صلاة العصر.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﴾ بمعنى: الخافي، يقال: خفي الشيء يخفى، خفاء، فهو خاف، وخفي كما يقال: سامع وسميع (١) (٢) (٣) وهذا يدل على أن المستحب في الدعاء الإخفاء.
قال الحسن: (وقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله -عز وجل- يقول (٤) ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ (٥) ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﴾ وقال الكلبي: (أخفاه وأسره عن قومه لئلا يسمعوه) (٦) (٧) (١) انظر: "تهذيب اللغة" (خفى) 1/ 1070، "المعجم الوسيط" (خفى) 1/ 247.
(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "النكت والعيون" 3/ 354، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 113، " الجامع لأحكام القرآن" 11/ 76، "التفسير الكبير" 21/ 180، "روح المعاني" 16/ 59.
(٣) "جامع البيان" 16/ 45، " النكت والعيون" 3/ 354، "المحرر الوجيز" 9/ 426، "زاد المسير" 5/ 206، "الدر المنثور" 4/ 466.
(٤) قوله: (يقول)، ساقط من (ص).
(٥) ذكر نحوه مختصرًا الهواري في "تفسيره" 3/ 6.
(٦) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "بحر العلوم" 2/ 318، "زاد المسير" 5/ 206، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 76، "التفسير الكبير" 11/ 180، "البحر المحيط" 6/ 173 "أنوار التنزيل" 4/ 2.
(٧) "النكت والعيون" 3/ 354، "زاد المسير" 5/ 206.
وقال الشقيطي في "أضواء == البيان" 4/ 204 بعد ذكر هذه الأقوال: كل ذلك ليس بالأظهر، والأظهر أن السر في إخفائه هو ما ذكرنا من كون الإخفاء أفضل من الإعلان في الدعاء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كهيعص ﴾ قد تكلمنا في أول البقرة على حروف الهجاء، وكان علي بن أبي طالب يقول في دعائه: يا كهيعص فيحتمل أن تكون الجملة عنده اسماً من أسماء الله تعالى، أو ينادي بالأسماء التي اقتطعت منها هذه الحروف ﴿ ذِكْرُ ﴾ تقديره هذا ذكر ﴿ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ ﴾ وصفه بالعبودية تشريفاً له، وإعلاماً له بتخصيصه وتقريبه، ونصب عبده على أنه مفعول لرحمة، فإنها مصدر أضيف إلى الفاعل، ونصب المفعول، وقيل: هو مفعول بفعل مضمر، تقديره: رحمة عبده وعلى هذا يوقف على ما قبله وهذا ضعيف، وفيه تكلف الإضمار من غير حاجة إليه، وقطع العامل عن العمل بعد تهيئته له ﴿ إِذْ نادى رَبَّهُ ﴾ يعني دعاه ﴿ نِدَآءً خَفِيّاً ﴾ أخفاه لأنه يسمع الخفي كما يسمع الجهر، ولأن الإخفاء أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء، ولئلا يلومه الناس على طلب الولد ﴿ إِنَّي وَهَنَ ﴾ أي ضعف ﴿ واشتعل ﴾ استعارة للشيب من اشتعال النار ﴿ وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً ﴾ أي قد سعدت بدعائي لك فيما تقدم، فاستجب لي في هذا، فتوسل إلى الله بإحسانه القديم إليه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ كيهعص ﴾ بإمالة الهاء فقط: أبو عمرو ﴿ كهيعص ﴾ بإمالة الياء فقط: حمزة وخلف وقتيبة وابن ذكوان، وقرأ عليّ غير قتيبة ويحيى ويحيى وحماد بإمالتهما.
وقرأ أبو جعفر ونافع والخزاعي عن البزي وابن فليح بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب.
الباقون بتفخيمها ﴿ صاد ذكر ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وخلف وابن عامر وسهل ﴿ من ورائي ﴾ بفتح الياء مهموزاً: ابن كثر غير زمعة والخزاعي عن ا لبزي وقرأ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي ﴿ من وراي ﴾ مثل ﴿ عصاي ﴾ ﴿ يرثني ويرث ﴾ بالجزم فيهما: أبو عمرو وعليّ.
الباقون برفعهما ﴿ يبشرك ﴾ ثلاثياً وكذلك في آخر السورة: حمزة ﴿ عتباً ﴾ و ﴿ جثياً ﴾ و ﴿ صلياً ﴾ و ﴿ بكياً ﴾ بكسر الأوائل: حمزة وعلي وافق حفص إلا في ﴿ بكياً ﴾ الخزاز عن هبيرة ﴿ عتباً ﴾ الأولى بالكسر والثاني بالضم.
﴿ وقد خلقناك ﴾ حمزة وعلي.
الآخرون ﴿ خلقتك ﴾ على التوحيد ﴿ إلى آية ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن شنبوذ عن أهل مكة.
الوقوف: ﴿ كهيعص ﴾ ه كوفى ﴿ زكريا ﴾ ه ح لجواز تعلق "إذ" بـ ﴿ ذكر رحمة ربك ﴾ ولاحتمال انتصابه بأذكر محذوفاً.
﴿ خفياً ﴾ ه ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ ولياء ﴾ لا ﴿ آل يعقوب ﴾ ق والوجوه الوصل لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يحيى ﴾ لا لأن ما بعده صفة غلام والاستئناف ليس بقوي.
﴿ سمياً ﴾ ه ﴿ عتياً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ه بناء على أن التقدير الأمر كذلك ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ بقوة ﴾ ط ﴿ صبياً ﴾ ه لا للعطف أي آتيناه الحكم وحناناً منا عليه ﴿ وزكاة ﴾ ط ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ حياً ﴾ ه.
التفسير: حروف المعجم في الوقف ثنائية وثلاثية، وقد جرت عادة العرب بإمالة الثنائيات وبتفخيم الثلاثيات، وفي الزاي اعتيد الأمران لأنه قد يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق فيصير ثنائياً، ولا ريب أن التفخيم أصل والإمالة فرع عليه.
فمن قرأ بإمالة الهاء والياء معاً فعلى العادة، ومن قرأ بتفخيمهما جميعاً فعلى الأصل ومن قرأ بإمالة إحداهما فلرعاية الجانبين.
وقد روى صاحب الكشاف عن الحسن أنه قرأ بضمهما فقيل: لأنه تصور أن عين الكلمة فيهما واو فنبه بالضم على أصلها.
والبحث عن هذه الفواتح قد سلف في أول البقرة، ومما يختص بهذا الموضع ما روي عن ابن عباس أن قوله ﴿ كهيعص ﴾ ثناء من الله على نفسه، فالكاف كاف لأمور عباده، والهاء هاد والعين عالم أو عزيز، والصاد صادق.
وعنه أيضاً أنه حمل الكاف على الكريم أو الكبير، والياء على الكريم مرة وعلى الحكيم أخرى.
وعن الربيع بن أنس أن الياء من مجير، وهذا التفسير لا يخلو من تحكم إلا أن يسند إلى الوحي أو الإلهام، وارتفع ﴿ ذكر رحمة ﴾ على الخبر أي هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ﴿ ربك ﴾ وانتصب ﴿ عبده ﴾ على أنه مفعول لذكر و ﴿ زكريا ﴾ عطف بيان، وقرىء برفعهما على إضافة المصدر إلى المفعول، وعن الكلبي أنه قرأ ﴿ ذكر ﴾ بلفظ الماضي مشدداً تارة و ﴿ رحمة ﴾ و ﴿ عبده ﴾ منصوبان على المفعولية، والفاعل ضمير المتلو.
ومخففاً أخرى و ﴿ عبده ﴾ مرفوع على الفاعلية.
وقرىء ﴿ ذكر ﴾ على الأمر وهي قراءة ابن معمر.
وقيل: يحتمل على هذا أن تكون الرحمة عبارة عن زكريا لأن كل نبي رحمة لأمته، ويجوز أن يكون رحمة لنبينا صل الله عليه وسلم ولأمته لأن طريقه في الإخلاص والابتهال يصلح لأن يقتدى به وكان ذكره رحمة لنا ولنبينا.
وفي خفاء ندائه.
وجوه منها: أن الإخفاء أبعد عن الرياء وأدخل في الخشية ولهذا فسره الحسن بأنه نداء لا رياء فيه.
ومنها أنه أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في غير وقته.
ومنها أنه أسره من مواليه الذين خافهم.
ومنها أنه خفت صوته لضعفه وهرمه كما جاء في صفة الشيخ "صوته خفات وسمعه تارات" ولعله أتى بأقصى ما يقدر عليه من الصوت ومع ذلك كان خفياً لنهاية كبره.
ثم شرع في حكاية ندائه قائلاً: ﴿ قال رب إني وهن العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ قال علماء المعاني: في الآية لطائف وذلك أصل الكلام: يا ربي قد شخت فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس، ثم ترك الإجمال إلى التفصيل لتوخي زيادة التقرير فصار ضعف بدني وشاب رأسي، ثم في القرينة الأولى عدل من التصريح إلى الكناية التي هي أبلغ منه فصار وهنت عظامي فإن وهن عظام البدن لازم لضعفه، ثم بنيت الكناية على المبتدأ لتقوي الحكم فحصل أنا وهنت عظام بدني، ثم سلك طريق الإجمال والتفصيل لمزيد البيان فصار: إني وهنت العظام من بدني، لأنك إذاقلت إني وهنت العظام أفاد أن عظاماً واهنة عندك، فإذا قلت: "من بدني" فقد فصلت، ثم ترك توسيط البدن لطلب مزيد اختصاص العظام، ثم لطلب شمول العظام فرداً فرداً قصدت مرتبة ثانية وهي ترك جمع العظم إلى الإفراد لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع فحصل ﴿ إني وهن العظم مني ﴾ فحصل أني وهنت العظام مني.
وإذا حصل الوهن في هذا الجنس الذي هو أصلب الأعضاء وبه قوام البدن وقد يكون جنة لسائر الأعضاء الرئيسة كالقحف للدماغ والقص للقلب ففي الأعضاء الأخر أولى.
وأما القرينة الأخرى فتركت الحقيقة فبها الاستعارة التي هي أبلغ فحصل اشتعل شيب رأسي.
وبيان الاستعارة فيه أنه شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته، وشبه انتشاره في الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكتابة بأن حذف المشبه به وأداة التشبيه فصار اشتعل شيب الرأسي، ويمكن تقرير الاستعارة بوجه آخر وهو أن يكون استعمل ﴿ اشتعل ﴾ بدل "انتشر" فتكون الاستعارة تبعية تصريحية وقرينتها ذكر الشيب، ثم تركت هذه المرتبة إلى أبلغ منها وهي "اشتعل رأسي شيباً".
وكونها أبلغ من وجهات منها: إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادته شمول الاشتعال الرأس كما لو قلت: "اشتعل بيتي ناراً" مكان "اشتعل النار في بيتي".
ومنها الإجمال والتفصيل الواقعان في طريق التمييز، ومنها تنكير ﴿ شيباً ﴾ للتعظيم كما هو حق التمييز.
ثم عدل إلى مرتبة أخرى هي "اشتعل الرأس مني شيباً" لتوخي مزيد التقرير بالإبهام ثم البيان على نحو ﴿ وهن العظم مني ﴾ ثم ترك لفظ "مني" ذكره في القرينة الأولى ففي ذلك إحالة تأدية المعنى على العقل دون اللفظ.
وكم بين الحوالتين مع أن بناء الكلام على الاختصار حيث قال "رب" بحذف حرف النداء وياء المتكلم يناسب الاختصار في آخره.
وإنما أطنب في هذا المقام لأن هذه الآية كالعلم فيما بين علماء المعاني.
ثم إنه توسل إلى الله عز وجل بما سلف له معه من الاستجابة قائلاً ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ كما حكى أن محتاجاً قال لكريم: أنا الذي أحسنت إليّ وقت كذا فقال: مرحباً بمن توسل إلينا وقضى حاجته.
تقول العرب: سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها، وشقي بها إذا خاب ولم ينلها.
ومعنى ﴿ بدعائك ﴾ أي بدعائي إياك.
واعلم أن زكريا قدم على السؤال أموراً ثلاثة: الأول كونه ضعيفاً، والثاني أنه لم يرد دعاءه والثالث كون المطلوب بالدعاء سبباً للمنفعة في الدين وذلك قوله ﴿ وإني خفت الموالي ﴾ قال ابن عباس والحسن: أي الورثة.
وعن مجاهد العصبة.
وعن أبي صالح: الكلالة.
وعن الأصم: بني العم وهم الذين يلونه في النسب.
وعن أبي مسلم: المولى يراد به الناصر وابن العم والمالك والصاحب وهو ههنا من تقدم في ميراثة كالولد.
والمختار أن المراد من الموالي الذين يخلفون بعده إما في السياسة أو في المال الذي كان له أو في القيام بأمر الدين، وكان من عاداتهم أن كل من كان إلى صاحب الشرع أقرب كان متعيناً للحبورة.
وقوله: ﴿ من ورائي ﴾ أي بعد موتي لا يتعلق بــ ﴿ خفت ﴾ لأن الخوف بعد الموت محال ولكن بمحذوف أي الموالي الذين يخلفون من بعدي، أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت ولايتهم وسوى خلافتهم بعدي، فإن زكريا انضم له مع النبوّة الملك فخاف بعده على أحدهما أو عليهما.
وسبب الخوف القرائن والأمارات التي ظهرت له من صفائح أحوالهم وأخلاقهم.
وإنما قال: ﴿ خفت ﴾ بلفظ الماضي لأنه قصد به الإخبار عن تقادم الخوف، ثم استغنى بدلالة الحال كمسألة الوارث وإظهار الحاجة عن الإخبار بوجود الخوف في الحال.
وقرىء ﴿ خفت الموالي ﴾ بتشديد الفاء.
وعلى هذا فمعنى ورائي خلفي وبعدي أي قلوا وعجزوا عن أمر الدين والإقامة بوظائفه، والظرف متعلق بالموالي، أو معناه قدامي والظرف متعلق بـ ﴿ خفت ﴾ أي درجوا ولم يبق من يعتضد به.
ثم صرح بالمسألة قائلاً: ﴿ فهب لي ﴾ وأكده بقوله: ﴿ من لدنك ﴾ أي ولياً صادراً من عندك مضافاً إلى اختراعك بلا سبب لأني وامرأتي لا تصلح للولادة.
من قرأ ﴿ يرثني ويرث ﴾ بالجزم فيهما فهو جواب الدعاء، ومن قرأ برفعهما فالأكثرون ومنهم جار الله قالوا: إنه صفة.
وقال صاحب المفتاح: الأولى حمله على الاستئناف كأنه قيل: لم تطلب الولد؟
فقال مجيباً: يرثني أي لأنه يرثني لئلا يلزم منه أنه لم يوهب من وصف لهلاك يحيى قبل زكريا.
واعترض بأن حمله على الاستئناف يوجب الإخبار عما لم يقع، وكذب النبي .
أمنع من كونه غير مستجاب الدعوة.
وأجيب بأن عدم ترتب الغرض من طلب الولد لا يوجب الكذب.
وأقول: الاعتراض باق لأن المعنى يؤل إلى قولنا "هب لي ولياً موصوفاً بالوراثة" أو بأن الغرض منه الوراثة، أوهب لي ولياً أخبر عنه بأنه يرثني.
وعلى التقادير يلزم عدم الاستجابة أو الكذب.
والحق في الجواب هو ما سلف لنا في قصة زكريا من سورة آل عمران، أن النبي لا يطلب في الدعاء إلا الأصلح حتى لو كان الأصلح غير ما طلبه فصرفه الله عنه كان المصروف إليه هو بالحقيقة مطلوبه.
ويمكن أن يقال: لعل الوراثة قد تحققت من يحيى وإن قتل قبل زكريا، وذلك بأن يكون قد تلقى منه كتاب أو شرع هو المقصود من وجود يحيى وبقى ذلك الكتاب أو الشرع معمولاً به بعد زكريا أيضاً إلى حين.
وقد روى صاحب الكشاف ههنا قراآت شاذة لا فائدة كثيرة في تعدادها إلى قوله عن علي وجماعة وأرث من آل يعقوب أي يرثني به وارث ويسمى التجريد في علم البيان.
فقيل: هو أن تجرد الكلام عن ذكر الأول حتى تقول "جاءني فلان فجاءني رجل" لا تريد به إلا الأول، ولذلك تذكر اسمه في الجملة الثانية، وتجرد الكلام عنه.
وأقول: يشبه أن يكون معنى التجريد هو أنك تجرده عن جميع الأوصاف المنافية للرجولية.
وكذا في الآية كأنه جرده عن منافيات الوارثية بأسرها.
واختلف المفسرون في أنه طلب ولداً يرثه أو طلب من يقوم مقامه ولداً كان أو غيره؟
والأول أظهر لقوله في آل عمران ﴿ رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ﴾ ولقوله في سورة الأنبياء ﴿ ربي لا تذرني فرداً ﴾ حجة المخالف أنه لما بشر بالولد استعظم وقال ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ ولو كان دعاؤه لأجل الولد ما استعظم ذلك.
والجواب ما مر في آل عمران.
واختلفوا أيضاً في الوراثة فعن ابن عباس والحسن والضحاك: هي وراثة المال.
وعنهم أيضاً أن المراد يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوّة أو بالعكس.
وفي رواية أبي صالح أن المراد في الموضعين النبوّة.
فلفظ الإرث مستعمل في المال ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ﴾ وفي العلم ﴿ وأورثنا بني إسرائيل الكتاب ﴾ "العلماء ورثة الأنبياء" وحجة الأولين ما روي أنه قال: "رحم الله زكريا وما عليه من يرثه" فإن ظاهره يدل على أنه أراد بالوراثة المال.
وكذا قوله "إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" ، وأيضاً العلم والنبوة كيف يحصل بالميراث ولو كان المراد إرث النبوّة إلى قوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ لأن النبي لا يكون إلا مرضياً.
وأجيب بأنه إذا كان المعلوم من حال الابن أنه يصير نبياً بعده فيقوم بأمر الدين جاز أن يقال ورثه.
والمراد يكون رضياً أن لا يوجد منه معصية ولا همّ بها كما جاء في حق يحيى، وقج مر الحديث هناك.
ولا يلزم من هذا أن يكون يحيى مفضلاً على غيره من الأنبياء كلهم فلعل لبعضهم فضائل أخر تختص به.
احتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال، وأجابت المعتزلة بأنه يفعل به ضروب الألطاف فيختار ما يصير مرضياً عنده، وزيف بأن ارتكاب المجاز على خلاف الأصل، وبأن فعل الألطاف واجب على الله فطلب ذلك بالدعاء والتضرع عبث.
واعلم أن أكثر المفسرين على أن يعقوب المذكور في الآية هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم لأن زوجة زكريا كانت من ولد سليمان بن داود من ولد يهودا بن بعقوب، وأما زكريا فقد كان من ولد هرون أخي موسى وهرون وموسى ولد لاوى بن يعقوب بن إسحق، وكانت النبوّة في سبط وهو إسرائيل .
وزعم بعض المفسرين أن المراد هو يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان وهذا قول الكلبي ومقاتل.
وعن مقاتل: أن بني ماثان كانوا رؤوس بني إسرائيل وملوكها.
قوله: ﴿ يا زكريا ﴾ الكثرون على أنه نداء من الله لقرينة التخاطب من قوله: ﴿ رب إني وهو العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ رب أنى يكون لي غلام ﴾ ومنهم من قال: هو نداء الملك لقوله في آل عمران ﴿ فنادته الملائكة ﴾ وجوز بعضهم الأمرين.
واختلفوا في عدم السمي فقيل: أراد أن لم يسم أحد بيحيى قبله.
وقيل: أراد أنه لا نظير له كقوله ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ وذلك أنه سيداً وحصوراً ولم يعص ولم يهم بمعصية فكأنه جواب لقوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ وأيضاً سمي بيحيى قبل دخوله في الوجود ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر فلا نظير له في هذه الخواص.
قال بعض العلماء: القول الأول أظهر لما في الثاني من العدول عن الظاهر ولا يصار إليه لضرورة كما في قوله: ﴿ فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً ﴾ لأنا نعلم أن مجرد كونه تعالى لا سميّ له لا يقتضي عبادته فنقول: السميّ هناك يراد به المثل والنظير.
ويمكن أن يقال: إن التفرد بالاسم فيه ضرب من التعظيم فلا ضرورة في الآية أيضاً.
قال جار الله: إنما قيل للمثل سميّ لأن كل متشاكلين يسمى كل منهما باسم المثل والشبيه والشكل والنظير، فكل واحد منهما سمي.
قلت: ويقرب هذا من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم.
ولم سمي بيحيى؟
تكلفوا له وجوهاً.
فعن ابن عباس لأنه أحيا عقر أمه.
وعن قتادة لأنه أحيا قلبه بالإيمان والطاعة ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه ﴾ ﴿ إذا دعاكم لما يحييكم ﴾ .
ولهذا كان من أول من آمن بعيسى.
وقيل: لأنه استشهد والشهداء أحياء.
وقيل: لأن الدين أحيى به لأن زكريا سأله لأجل الدين.
قوله: ﴿ وقد بلغت من الكبر ﴾ قال جار الله: أي من أجل الكبر والطعن في السن العالية فــ"من" للتعليل، ويجوز أن تكون للابتداء أي بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى ﴿ عتياً ﴾ وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام.
يقال: عنا العود عتياً إذا غيره طول الزمان إلى حالة اليبس.
سؤال: إنه قال في آل عمران ﴿ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ﴾ فلم عكس الترتيب في هذه السورة؟
وأجيب بأن الواو لا تفيد الترتيب.
قلت: إن ذاك ورد على الأصل وهو تقديم نقص نفسه وههنا راعى الفاصلة.
﴿ قال ﴾ الأمر ﴿ كذلك ﴾ تصديقاً له.
ثم ابتدأ قائلاً ﴿ قال ربك ﴾ فمحل ﴿ كذلك ﴾ رفع، ويحتمل أن يكون نصباً ﴿ قال ﴾ وذلك إشارة إلى مبهم يفسره قوله: ﴿ هو ﴾ أي خلق الغلام ﴿ عليّ هين ﴾ ويحتمل أن يكون إشارة إلى قول زكريا ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ أي كيف تعطيني الغلام أبأن تجعلني وزوجتي شابين أو بأن تتركنا على الشيخوخة؟
فأجيب بقوله: ﴿ كذلك ﴾ أي نهب الولد لك مع بقائك وبقاء زوجتك على حالتكما.
ولفظ الهين مجاز عن كمال القدرة وهو فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب ولم يمتنع عن المراد ﴿ ولم تك شيئاً ﴾ لأن المعدوم ليس بشيء أو شيئاً بعتد به كالنطفة، أو كالجواهر التي لم تتألف بعد، فيه نفس استبعاد زكريا، لأن خلق الذات ثم تغييرها في أطوار الصفات ليس أهون من تبديل الصفات وهو أحداث القوة المولدة في زكريا وصاحبته بعد أن لم تكن ﴿ قال رب اجعل لي آية ﴾ قد مر تفسير الآية في أول عمران.
قوله: ﴿ سوياً ﴾ قيل: إنه صفة لليالي أي تامة كاملة.
والأكثرون على أنه صفة زكريا أي وأنت سليم الحواس مستوى الخلق ما بك خرس ولا عيّ ﴿ فخرج على قومه من المحراب ﴾ قيل: كان له موضع ينفرد فيه للصلاة والعبادة ثم ينتقل إلى قومه.
وقيل: كان موضعاً يصلي فيه هو وغيره إلا أنهم كانوا لا يدخلونه للصلاة إلا بإذنه.
﴿ فأوحى إليهم ﴾ عن مجاهد: أشار بدليل قوله في أول آل عمران ﴿ إلا رمزاً ﴾ وعن ابن عباس: كتب لهم على الأرض.
و ﴿ أن ﴾ هي المفسرة و ﴿ سبحوا ﴾ أي صلوا أو على الظاهر وهو قول سبحان الله.
عن أبي العالية أن البكرة صلاة الفجر والعشيّ صلاة العصر، فلعلهم كانوا يصلون معه هاتين الصلاتين في محرابه، وكان يخرج إليهم ويأذن لهم بلسانه، فلما اعتقل لسانه خرج إليهم كعادته ففهمهم المقصود بالإشارة أو الكتابة.
وههنا إضمار والمراد فبلغ يحيى المبلغ الذي يجوز أن يخاطب فقلنا له: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب ﴾ أي التوراة لأنها المعهود حينئذ، ويحتمل أن يكون كتاباً مختصاً به وإن كنا لا نعرفه الآن كقول عيسى ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب ﴾ والمراد بالأخذ إما الأخذ من حيث الحس، وإما الأخذ من حيث المعنى وهو القيام بمواجبه كما ينبغي وذلك بتحصيل ملكة تقتضي سهولة الإقدام على المأمور به والإحجام عن المنهى عنه.
ثم أكده بقوله: ﴿ بقوة ﴾ أي بجد وعزيمة.
﴿ وآتيناه الحكم ﴾ أي الحكمة.
عن ابن عباس: هو فهم التوراة والفقه في الدين ولذلك لما دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبي قال: ما للعب خلقت.
وعن معمر: العقل.
وقيل: النبوة.
وكل هذه الأوصاف على الأقول من الخوارق كما حق عيسى فلا استبعاد إلا من حيث العادة.
والحنان أصله توقان النفس، ثم استعمل في الرحمة وهو المراد ههنا.
وما قيل إنه يحتمل أن يراد حناناً منا على زكريا أو على أمة يحيى لا يساعده وجود الواو.
وقيل: أراد آتيناه الحكم والحنان على عبادنا كقوله في نبينا ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ وأراد بقوله: ﴿ وزكاة ﴾ أنه مع الإشفاق عليهم كان لا يخل بإقامة ما يجب عليهم لأن الرأفة واللين ربما تورث ترك الواجب ولهذا قال: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ ولا يخفى أنه يساعد هذا القول وجود لفظة ﴿ من لدنا ﴾ وعن عطاء: أن معنى حناناً تعظيماً من لدنا.
وعن ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جريج: أن معنى زكاة عملاً صالحاً زكياً.
وقيل: زكيناه بحسن الثناء عليه كما يزكى الشهود.
وقيل: بركة كقول عيسى ﴿ جعلني مباركاً ﴾ وقيل: صدقة أي ينعطف على الناس ويتصدق عليهم.
ثم أخبر محمد عن جملة أحواله بقوله: ﴿ وكان تقياً ﴾ بحيث لم يعص الله ولا هم بمعصية قط ﴿ وبرّاً بوالديه ﴾ لأن تعظيم الوالدين تلو تعظيم الله ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ وذلك أن الزاهد في الدنيا قلما يخلو عن طلب ترفع والرغبة في احترام، فذكر أنه مع غاية زهده كان موصوفاً بالتواضع للخلق وتحقيق العبودية للحق.
قال سفيان: الجبار الذي يقتل عند الغضب دليله قوله: ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض ﴾ ثم إنه سلم عليه في ثلاثة مواطن هي أوحش المواطن وأحوجها إلى طلب السلامة فيها، ويحتمل أن يكون هذا السلام من الملائكة عليه إلا أنه لما كان بإذن الله كان كلام الله، وقيل: إنما قال: ﴿ حياً ﴾ مع أن المبعوث هو المعاد إلى حال الحياة تنبيهاً على كونه من الشهداء وهم أحياء إلا أنه يشكل بما يجيء في قصة عيسى ﴿ ويوم أبعث حياً ﴾ وذلك أنه ورد في الأخبار أن عيسى سيموت بعد النزول.
والظاهر أنه أراد ويوم يجعل حياً فوضع الأخص موضع الأعم تأكيداً.
قيل: السلام عليه يوم ولد لا بد أن يكون تفضلاً من الله لأنه لم يتقدم منه عمل يجزى عليه، وأما الآخران فيجوز أن يكونا لأجل الثواب.
قلت: أكثر أموره خارق للعادة، فيحتمل أن يوجد منه في بطن أمه عمل يستحق الثواب كما يحكى أن أمه قالت لمريم وهما حاملان: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك.
التأويل: إن زكريا الروح ﴿ نادى ربه نداء خفياً ﴾ من سر السر ﴿ قال رب إني وهن ﴾ مني عظم الروحانية واشتعل شيب صفات البشرية، وإني خفت صفات النفس أن تغلب ﴿ وكانت امرأتي ﴾ يعني الجثة التي هي روح الروح ﴿ عاقراً ﴾ لا تلد إلا بموهبة من الله ﴿ فهب لي من لدنك ﴾ سأل ﴿ ولياً ﴾ فأعطاه الله نبياً وهو في الحقيقة القلب الذي هو معدن العلم اللدني فإنه ولد الروح والنفس أعدى عدوه ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ أي يتصف بصفة الروح وجميع الصفات الروحانية ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ بأن توطنه من تجلي صفات ربوبيتك ما يرضى به نظيره ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ ﴿ اسمه يحيى ﴾ إن الله أحياه بنوره ﴿ ولم نجعل له من قبل سمياً ﴾ لا من الحيوانات ولا من الملائكة لأنه هو الذي يقبل فيض الألوهية بلا واسطة، وهو سر حمل الأمانة كما قال: "ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن" ﴿ وقد بلغت من الكبر ﴾ أي بسبب طول زمان تعلق القلب بالقالب ﴿ عتياً ﴾ يبساً وجفافاً من غلبات صفات النفس ﴿ آيتك أن لا تكلم الناس ﴾ لا تخاطب إلا الله ولا تلتفت إلى ما سواه ﴿ ثلاث ليال ﴾ هي ثلاث مراتب الجماديات والحيوانيات والروحانيات ﴿ سوياً ﴾ متمكناً في هذا الحال من غير تلون ﴿ فخرج ﴾ زكريا الروح من محراب هواه وطبعه على قوم صفات نفسه وقلبه وأنانيته، فأشار إليهم أن كونوا متوجهين إلى الله معرضين عما سواه آناء الليل وأطراف النهار بل بكرة الأزل وعشيّ الأبد ﴿ يا يحيى ﴾ القلب ﴿ خذ ﴾ كتاب الفيض الإلهي المكتوب لك في الأزل ﴿ بقوة ﴾ ربانية لا بقوة جسدانية لأنه خلق ضعيفاً ﴿ وآتيناه الحكم ﴾ في صباه إذ خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره ﴿ زكاة ﴾ وتطهراً من الالتفات إلى غيرنا ﴿ وبراً بوالديه ﴾ الروح والقالب.
أما البروح فلأن القلب محل قبول الفيض الإلهي لأن الفيض نصيب الروح أوّلاً ولكن لا يمسكه لغاية لطافته كما أن الهواء الصافي لا يقبل الضوء وينفذ فيه، وأما القلب ففيه صفاء وكثافة فبالصفاء يقبل الفيض وبالكثافة يمسكه، وهذا أحد أسرار حمل الأمانة.
وأما بر والدة القلب فهو استعمالها على وفق الشريعة والطريقة ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ كالنفس الأمارة بالسوء ﴿ وسلام عليه يوم يولد ﴾ في أصل خلقه ﴿ ويوم يموت ﴾ من استعمال المعاصي بالتوبة ﴿ ويوم يبعث حياً ﴾ بالتربية والترقي إلى مقام السلامة الله حسبي.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ كۤهيعۤصۤ ﴾ .
قيل: اسم من أسماء القرآن.
وقيل: اسم من أسماء الله ، وعلى ذلك روي عن علي - - أنه قال: يا كهيعص، اغفر لي.
قال أبو بكر الأصم: لا يصح هذا من علي؛ لأن هذا لم يذكر في أسمائه المعروفة التي يدعى بها.
وقال بعضهم: حروف من أسماء الله افتتح بها السورة فهو ما ذكرنا، وهو الأوّل، وقال بعضهم: الكاف مفتاح اسمه كافٍ، والهاء مفتاح اسمه هادٍ، والعين مفتاح اسمه عالم، والصاد مفتاح اسمه صادق.
وقال ابن عباس: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من حكيم، والعين من عليم، والصاد من صادق.
وقال الربيع بن أنس: الياء من قوله: ﴿ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾ \[المؤمنون: 88\].
وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله على نفسه؛ فقال: كافٍ هادٍ عالمٍ صادقٍ، يقول: كافٍ لخلقه، هادٍ لعباده، عالم ببريّته وبأمره، صادق في قوله.
وقال بعضهم: لم ينزل الله كتاباً إلا وله فيه سرّ لا يعلمه إلا الله، وسرّ القرآن فواتحه.
وقال بعضهم: تفسيره ما ذكر على أثره، وهو قول الحسن، وأمثال هذا قد أكثروا فيه، وقد ذكرنا الوجه في الحروف المقطعة فيما تقدم في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: على الأمر، أي: اذكر لهم رحمة ربك عبده زكريا بالإجابة له عند سؤاله الولد في الوقت الذي أيس عن الولد في ذلك الوقت؛ فيكون فيه دلالة رسالته، حيث ذكر لهم رحمة ربه على زكريا، وأخبرهم على ما في كتبهم.
والثاني: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ ﴾ : هذا ذكر رحمة ربك لعبده زكريا في دعائه، وعلى هذا التأويل يكون الذكر هو القرآن، وقد سمى الله القرآن: ذكراً في غير آي من القرآن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً ﴾ .
قال بعضهم: نداءً خفيّاً في قلبه على الإخلاص من غير أن ينطق به.
وقال بعضهم: نداءً خفيّاً عن قومه ومن حضره.
ثم يحتمل وجهين: أحدهما: أخفاه وأسرّه منهم إخلاصاً لله وإصفاء له.
والثاني: أخفاه وأسره منهم حياء أن يعيبوه أن سأل ربه الولد في وقت كبره وإياسه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي ﴾ أي: ضعف ورق ﴿ وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً ﴾ : اعتذر إليه، وقدم زكريا ما حل به من الكبر وبلوغه الوقت الذي لا يطمع في ذلك الوقت الولد، أي: بلغت المبلغ الذي ضعف بدني، ورق عظمي، ثم سأل ربه الولد ليس على أنه كان لا يعرف قدرة الله أنه قادر على هبة الولد، وإنشائه في كل وقت في وقت الكبر والضعف، وبالسبب وبغير السبب؛ لكنه لأنه لا يعرف أنه [لا] يسع ويصلح سؤال الولد وهبته في الوقت الذي كان بلغ هو، وهو الوقت الذي لا يطمع فيه الولد في الأغلب، وهو ما ذكر في سورة آل عمران: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ فعند ذلك عرف زكريا أنه يسعه دعاء هبته الولد وسؤاله في وقت الإياس، حيث رأى [عند] مريم فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء غير متغيرة عن حالها، فسأل عند ذلك ربه الولد، وهو قوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً...
﴾ الآية [آل عمران: 38]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً ﴾ .
قال بعضهم: أي: كنت تعودني الإجابة في دعائي إياك فيما مضى.
وقال بعضهم: أي: لم يكن دعائي مما يخيب عندك، وهما واحد، ذكر مننه وفضله [الذي] كان منه إليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى ﴾ .
قال الحسن: خاف مواليه أن يرثوا ماله، فأما علمه ونبوته فمما لا يورث.
قال أبو بكر الأصم: هذا لا يصح، لا يحتمل أن يخاف زكريا وراثة ماله مواليه؛ فيسأل ربه لذلك الولد ليرثه ماله، ولكن خاف أن يُضَيِّعَ مواليه دينه وسننه من بعده؛ فسأل ربه أن يهب له الولد ليقوم مقامه في حفظ دينه وسننه.
وقال: لا يحتمل وراثة المال؛ لما روي في الخبر: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"، فلا يخلو هذا من أحد وجهين: إمّا أن كان هذا في المال له خاصّة دون سائر الأنبياء، وإما إذَنْ لم يكن زكريا نبيّاً فدلّ هذا أنه لا يحتمل وراثة المال فدلّ أنه على العلم: أن يضيع الموالي علمي من ورائي.
ويحتمل قوله: ﴿ وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى ﴾ ، وسؤاله الولد وجهاً آخر، وهو أنه سأل ربه الولد الرضى الطيب؛ ليذكر هو به بعد وفاته بالأعمال والصنيع الذي كان منه في حياته، ويُدْعَى له، لئلا ينقطع ذكره، ودعاء الخلق له، وهذا هو المعروف في الخلق أنهم يذكرون ويدعون لهم بالخيرات التي كانت في حال حياتهم، إذا كان له ولد صالح فعلى ذلك سؤال زكريا الولد، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجل -: ﴿ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً ﴾ أي: لا تلد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي ﴾ أي: يلي أمري.
وقوله: ﴿ وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: ما ذكرنا: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة، وقيل: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً ﴾ وارثاً يرثني مكاني، ونبوتي، ويرث من آل يعقوب الملك؛ لأنهم كانوا ملوكاً، وكانوا أخواله، وهو كان حَبْراً، والله أعلم بذلك.
ولكن قوله: ﴿ يَرِثُنِي ﴾ ما كان له من العلم والحكمة والدّين وغيره، ويرث من آل يعقوب ما كان لهم من العلوم وغيرها، فإن ثبت أن آل يعقوب كانوا أخواله، ففيه دلالة أن ذوي الأرحام يرثون بعضهم من بعض، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
إذ دعا ربه سبحانه دعاء خفيًّا ليكون أقرب إلى الإجابة.
<div class="verse-tafsir" id="91.LywDe"