الآية ٦١ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٦١ من سورة مريم

جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعْدُهُۥ مَأْتِيًّۭا ٦١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 94 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦١ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦١ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : الجنات التي يدخلها التائبون من ذنوبهم ، هي ) جنات عدن ) أي : إقامة ) التي وعد الرحمن عباده ) بظهر الغيب ، أي : هي من الغيب الذي يؤمنون به وما رأوه; وذلك لشدة إيقانهم وقوة إيمانهم .

وقوله : ( إنه كان وعده مأتيا ) تأكيد لحصول ذلك وثبوته واستقراره; فإن الله لا يخلف الميعاد ولا يبدله ، كقوله : ( كان وعده مفعولا ) [ المزمل : 18 ] أي : كائنا لا محالة .

وقوله هاهنا : ( مأتيا ) أي : العباد صائرون إليه ، وسيأتونه .

ومنهم من قال : ( مأتيا ) بمعنى : آتيا; لأن كل ما أتاك فقد أتيته ، كما تقول العرب : أتت علي خمسون سنة ، وأتيت على خمسين سنة ، كلاهما بمعنى واحد

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: فأولئك يدخلون الجنة ( جَنَّاتِ عَدْنٍ ) وقوله: (جنات عدن) نصب ترجمة عن الجنة.

ويعني بقوله ( جَنَّاتِ عَدْنٍ ) بساتين إقامة.

وقد بينت ذلك فيما مضى قبل بشواهده المغنية عن إعادته.

وقوله ( الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ) يقول: هذه الجنات هي الجنات التي وعد الرحمن عباده المؤمنين أن يدخلوها بالغيب، لأنهم لم يروها ولم يعاينوها، فهي غيب لهم.

وقوله ( إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ) يقول تعالى ذكره: إن الله كان وعده، ووعده في هذا الموضع موعوده، وهو الجنة مأتيا يأتيه أولياؤه وأهل طاعته الذين يدخلهموها الله.

وقال بعض نحويي الكوفة: خرج الخبر على أن الوعد هو المأتيّ، ومعناه: أنه هو الذي يأتي، ولم يقل: وكان وعده آتيا، لأن كلّ ما أتاك فأنت تأتيه، وقال: ألا ترى أنك تقول : أتيت على خمسين سنة، وأتت عليّ خمسون سنة، وكلّ ذلك صواب، وقد بيَّنت القول فيه، والهاء في قوله (إنَّهُ) من ذكر الرحمن.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

جنات عدن بدلا من الجنة فانتصبت قال أبو إسحاق الزجاج ويجوز ( جنات عدن ) على الابتداء .

قال أبو حاتم ولولا الخط لكان ( جنة عدن ) لأن قبله يدخلون الجنة .

التي وعد الرحمن عباده بالغيب مأتيا مفعول من الإتيان .

وكل ما وصل إليك فقد وصلت إليه تقول أتت علي ستون سنة وأتيت على ستين سنة .

ووصل إلي من فلان خير ووصلت منه إلى خير وقال القتبي : مأتيا بمعنى آت فهو مفعول بمعنى فاعل .

و مأتيا مهموز لأنه من أتى يأتي .

ومن خفف الهمزة جعلها ألفا .

وقال الطبري : الوعد هاهنا الموعود وهو الجنة ؛ أي يأتيها أولياؤه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر أن الجنة التي وعدهم بدخلولها، ليست كسائر الجنات، وإنما هي جنات عدن، أي: جنات إقامة، لا ظعن فيها، ولا حول ولا زوال، وذلك لسعتها، وكثرة ما فيها من الخيرات والسرور، والبهجة والحبور.

{ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ } أي: التي وعدها الرحمن، أضافها إلى اسمه { الرَّحْمَنُ } لأن فيها من الرحمة والإحسان، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب [بشر].

وسماها تعالى رحمته، فقال: { وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } وأيضا ففي إضافتها إلى رحمته، ما يدل على استمرار سرورها، وأنها باقية ببقاء رحمته، التي هي أثرها وموجبها، والعباد في هذه الآية، المراد: عباد إلهيته، الذين عبدوه، والتزموا شرائعه، فصارت العبودية وصفا لهم كقوله: { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ } ونحوه، بخلاف عباده المماليك فقط، الذين لم يعبدوه، فهؤلاء وإن كانوا عبيدا لربوبيته، لأنه خلقهم ورزقهم، ودبرهم، فليسوا داخلين في عبيد إلهيته العبودية الاختيارية، التي يمدح صاحبها، وإنما عبوديتهم عبودية اضطرار، لا مدح لهم فيها.

وقوله: { بِالْغَيْبِ } يحتمل أن تكون متعلقه ب { وَعَدَ الرَّحْمَنُ } فيكون المعنى على هذا، أن الله وعدهم إياها وعدا غائبا، لم يشاهدوه ولم يروه فآمنوا بها، وصدقوا غيبها، وسعوا لها سعيها، مع أنهم لم يروها، فكيف لو رأوها، لكانوا أشد لها طلبا، وأعظم فيها رغبة، وأكثر لها سعيا، ويكون في هذا، مدح له بإيمانهم بالغيب، الذي هو الإيمان النافع.

ويحتمل أن تكون متعلقة بعباده، أي: الذين عبدوه في حال غيبهم وعدم رؤيتهم إياه، فهذه عبادتهم ولم يروه، فلو رأوه، لكانوا أشد له عبادة، وأعظم إنابة، وأكثر حبا، وأجل شوقا، ويحتمل أيضا، أن المعنى: هذه الجنات التي وعدها الرحمن عباده، من الأمور التي لا تدركها الأوصاف، ولا يعلمها أحد إلا الله، ففيه من التشويق لها، والوصف المجمل، ما يهيج النفوس، ويزعج الساكن إلى طلبها، فيكون هذا مثل قوله: { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } والمعاني كلها صحيحة ثابتة، ولكن الاحتمال الأول أولى، بدليل قوله: { إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا } لابد من وقوعه، فإنه لا يخلف الميعاد، وهو أصدق القائلين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب ) ولم يروها ( إنه كان وعده مأتيا ) يعني : آتيا ، مفعول بمعنى فاعل .

وقيل : لم يقل آتيا لأن كل من أتاك فقد أتيته والعرب لا تفرق بين قول القائل : أتت علي خمسون سنة وبين قوله : أتيت على خمسين سنة ويقول : وصل إلي الخير ووصلت إلى الخير .

وقال ابن جرير : " وعده " أي : موعده وهو الجنة " مأتيا " يأتيه أولياؤه [ أهل الجنة ] وأهل طاعته .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«جنات عدن» إقامة بدل من الجنة «التي وعد الرحمن عباده بالغيب» حال، أي غائبين عنها «إنه كان وعده» أي موعده «مأتيا» بمعنى آتيا وأصله مأتوي أو موعوده هنا الجنة يأتيه أهله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

جنات خلد وإقامة دائمة، وهي التي وعد الرحمن بها عباده بالغيب فآمَنوا بها ولم يروها، إن وعد الله لعباده بهذه الجنة آتٍ لا محالة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله ( جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ بالغيب ) .

بدل من الجنة فى قوله ( فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة ) .أى : هؤلاء التائبون المؤمنون العاملون للصالحات يدخلهم الله - تعالى - جنات عدن ، أى : الجنات الدائمة التى وعدهم الرحمن بدخولها ، وكان هذا الوعد فى الدنيا قبل أن يشاهدوها أو يروها .فقوله : ( بالغيب ) حال من المفعول وهو ( عِبَادَهُ ) أى : وعدهم بها حالة كونهم غائبين عنها ، لا يرونها ، وإنما آمنوا بوجودها بمجرد إخباره - سبحانه - لهم بذلك .وقد أكد - سبحانه - هذا الوعد لهم بوجودها بمجرد إخباره - سبحانه - لهم بذلك .وقد أكد - سبحانه - هذا الوعد لهم فى الدنيا بقوله : ( إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ) أى : إنه - تعالى - كان وما زال ما وعد به عباده وهو الجنة ( مَأْتِيّاً ) أى : يأتيه ويصل إليه من وعده الله - تعالى - به ، لأنه - سبحانه - لا يخلف وعده .فقوله : ( مَأْتِيّاً ) اسم مفعول من أتاه الشىء بمعنى جاءه ، وقيل : هو اسم مفعول بمعنى فاعل ، أى : إن وعده - سبحانه - لعباده كان آتياً لا ريب فيه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر في التائب أنه يدخل الجنة وصف الجنة بأمور: أحدها: قوله؛ ﴿ جنات عَدْنٍ التى وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ بالغيب ﴾ والعدن الإقامة وصفها بالدوام على خلاف حال الجنان في الدنيا التي لا تدوم ولذلك فإن حالها لا يتغير في مناظرها فليست كجنان الدنيا التي حالها يختلف في خضرة الورق وظهور النور والثمر وبين تعالى أنها: وعد الرحمن لعباده وأما قوله: ﴿ بالغيب ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أنه تعالى وعدهم إياها وهي غائبة عنهم غير حاضرة أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها.

والثاني: أن المراد وعد الرحمن للذين يكونون عباداً بالغيب أي الذين يعبدونه في السر بخلاف المنافقين فإنهم يعبدونه في الظاهر ولا يعبدونه في السر وهو قول أبي مسلم.

والوجه الأول: أقوى لأنه تعالى بين أن الوعد منه تعالى وإن كان بأمر غائب فهو كأنه مشاهد حاصل، لذلك قال بعده: ﴿ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴾ أما قوله: ﴿ مَأْتِيّاً ﴾ فقيل إنه مفعول بمعنى فاعل والوجه أن الوعد هو الجنة وهم يأتونها، قال الزجاج: كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه وما أتاك فقد أتيته والمقصود من قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴾ بيان أن الوعد منه تعالى وإن كان بأمر غائب فهو كأنه مشاهد وحاصل والمراد تقرير ذلك في القلوب.

وثانيها: قوله: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سلاما ﴾ واللغو من الكلام ما سبيله أن يلغي ويطرح وهو المنكر من القول ونظيره قوله: ﴿ لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاغية  ﴾ وفيه تنبيه ظاهر على وجوب تجنب اللغو حيث نزه الله تعالى عنه الدار التي لا تكليف فيها وما أحسن قوله: ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً  ﴾ ، ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم سلام عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى الجاهلين  ﴾ أما قوله: ﴿ إِلاَّ سلاما ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: أن فيه إشكالاً وهو أن السلام ليس من جنس اللغو فكيف استثنى السلام من اللغو والجواب عنه من وجوه: أحدها: أن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة وأهل الجنة لا حاجة بهم إلى هذا الدعاء فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام.

وثانيها: أن يحمل ذلك على الاستثناء المنقطع.

وثالثها: أن يكون هذا من جنس قول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب البحث الثاني: أن ذلك السلام يحتمل أن يكون من سلام بعضهم على بعض أو من تسليم الملائكة أو من تسليم الله تعالى على ما قال تعالى: ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ  سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ  ﴾ وقوله: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ  ﴾ .

ورابعها: قوله تعالى: ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ وفيه سؤالان: السؤال الأول: أن المقصود من هذه الآيات وصف الجنة بأحوال مستعظمة ووصول الرزق إليهم بكرة وعشياً ليس من الأمور المستعظمة.

والجواب من وجهين: الأول: قال الحسن أراد الله تعالى أن يرغب كل قوم بما أحبوه في الدنيا ولذلك ذكر أساور من الذهب والفضة ولبس الحرير التي كانت عادة العجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة وكانت من عادة أشراف العرب في اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء فوعدهم بذلك.

الثاني: أن المراد دوام الرزق كما تقول أنا عند فلان صباحاً ومساء وبكرة وعشياً تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين.

السؤال الثاني: قال تعالى: ﴿ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً  ﴾ وقال عليه السلام: «لا صباح عند ربك ولا مساء» والبكرة والعشي لا يوجدان إلا عند وجود الصباح والمساء.

والجواب المراد أنهم يأكلون عند مقدار الغداة والعشي إلا أنه ليس في الجنة غدوة وعشي إذ لا ليل فيها ويحتمل ما قيل إنه تعالى جعل لقدر اليوم علامة يعرفون بها مقادير الغداة والعشي ويحتمل أن يكون المراد لهم رزقهم متى شاءوا كما جرت العادة في الغداة والعشي.

وخامسها: قوله: ﴿ تِلْكَ الجنة التى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً ﴾ وفيه أبحاث: الأول: قوله: ﴿ تِلْكَ الجنة ﴾ هذه الإشارة إنما صحت لأن الجنة غائبة.

وثانيها: ذكروا في نورث وجوهاً الأول: نورث استعارة أي نبقي عليه الجنة كما نبقي على الوارث مال المورث.

الثاني: أن المراد أنا ننقل تلك المنازل ممن لو أطاع لكانت له إلى عبادنا الذين اتقوا ربهم فجعل هذا النقل إرثاً قاله الحسن.

الثالث: أن الأتقياء يلقون ربهم يوم القيامة وقد انقضت أعمالهم وثمراتها باقية وهي الجنة فإذا أدخلهم الجنة فقد أورثهم من تقواهم كما يرث الوارث المال من المتوفى.

ورابعها: معنى من كان تقياً من تمسك باتقاء معاصيه وجعله عادته واتقى ترك الواجبات، قال القاضي: فيه دلالة على أن الجنة يختص بدخولها من كان متقياً والفاسق المرتكب للكبائر لا يوصف بذلك.

والجواب: الآية تدل على أن المتقي يدخلها وليس فيها دلالة على أن غير المتقي لا يدخلها وأيضاً فصاحب الكبيرة متق عن الكفر ومن صدق عليه أنه متق عن الكفر فقد صدق عليه أنه متق لأن المتقي جزء من مفهوم قولنا المتقي عن الكفر وإذا كان صاحب الكبيرة يصدق عليه أنه متق وجب أن يدخل تحته فالآية بأن تدل على أن صاحب الكبيرة يدخل الجنة أولى من أن تدل على أنه لا يدخلها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما كانت الجنة مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، كقولك: أبصرت دارك القاعة والعلالي.

و ﴿ عدن ﴾ معرفة علم، بمعنى العدن وهو الإقامة، كما جعلوا فينة، وسحر، وأمس- فيمن لم يصرفه- أعلاماً لمعاني: الفينة والسحر، والأمس، فجرى مجرى العدن لذلك.

أو هو علم لأرض الجنة؛ لكونها مكان إقامة، ولولا ذلك لما ساغ الإبدال؛ لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة، ولما ساغ وصفها بالتي.

وقرئ ﴿ جنات عدن ﴾ ﴿ وجنةُ عدن ﴾ بالرفع على الابتداء.

أي: وعدها وهي غائبة عنهم غير حاضرة.

أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها.

أو بتصديق الغيب والإيمان به.

قيل في ﴿ مَأْتِيّاً ﴾ مفعول بمعنى فاعل.

والوجه أنّ الوعد هو الجنة وهم يأتونها.

أو هو من قولك: أتى إليه إحساناً، أي: كان وعده مفعولاً منجزاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ في الكَفَرَةِ.

﴿ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أدْخَلَ.

﴿ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ ولا يُنْقَصُونَ شَيْئًا مِن جَزاءِ أعْمالِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ ﴿ شَيْئًا ﴾ عَلى المَصْدَرِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كُفْرَهُمُ السّابِقَ لا يَضُرُّهم ولا يُنْقِصُ أُجُورَهم.

﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجَنَّةِ بَدَلَ البَعْضِ لِاشْتِمالِها عَلَيْها، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وعَدْنٍ لِأنَّهُ المُضافُ إلَيْهِ في العِلْمِ أوْ عَلَمٌ لِلْعَدْنِ بِمَعْنى الإقامَةِ كَبُرَّةٍ ولِذَلِكَ صَحَّ وصْفُ ما أُضِيفَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ ﴾ أيْ وعَدَها إيّاهم وهي غائِبَةٌ عَنْهم، أوْ وهم غائِبُونَ عَنْها، أوْ وعَدَهم بِإيمانِهِمْ بِالغَيْبِ.

﴿ إنَّهُ ﴾ إنَّ اللَّهَ.

﴿ كانَ وعْدُهُ ﴾ الَّذِي هو الجَنَّةُ.

﴿ مَأْتِيًّا ﴾ يَأْتِيها أهْلُها المَوْعُودُ لَهم لا مَحالَةَ، وقِيلَ هو مِن أتى إلَيْهِ إحْسانًا أيْ مَفْعُولًا مُنْجَزًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{جنات} بدل من الجنة لأن الجنة تشتمل على جنات عدن لأنها جنس أو نصب عل المدح {عدن} معرفة لأنه علم لمعنى العدن وهو الإقامة أو علم لأرض الجنة لكونها

مريم (٦٥ - ٦١)

مكان إقامة {التى وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ} أي عباده التائبين المؤمنين الذين يعلمون الصالحات كما سبق ذكرهم ولأنه أضافهم إليه وهو للاختصاص وهؤلاء أهل الاختصاص {بالغيب} أي وعدها وهي غائبة عنهم غير حاضرة أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها {إِنَّهُ} ضمير الشأن أو ضمير الرحمن {كَانَ وَعْدُهُ} أي موعوده وهو الجنة {مَأْتِيّاً} أي هم يأتونها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجَنَّةِ بَدَلُ البَعْضِ لِاشْتِمالِها عَلَيْها اشْتِمالَ الكُلِّ عَلى الجُزْءِ بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ عَلَمٌ لِإحْدى الجَنّاتِ الثَّمانِ كَعَلَمِيَّةِ بَناتِ أوْبَرَ.

وقِيلَ: إنَّ العَلَمَ هو جَنَّةُ عَدْنٍ إلّا أنَّهُ أُقِيمَ الجُزْءُ الثّانِي بَعْدَ حَذْفِ الأوَّلِ مَقامَ المَجْمُوعِ كَما في شَهْرِ رَمَضانَ ورَمَضانَ فَكانَ الأصْلُ جَنّاتِ جَنَّةِ عَدْنٍ.

والَّذِي حَسَّنَ هَذِهِ الإقامَةَ أنَّ المُعْتَبَرَ عَلَمِيَّتُهُ في المَنقُولِ الإضافِيِّ هو الجُزْءُ الثّانِي حَتّى كَأنَّهُ نُقِلَ وحْدَهُ كَما قُرِّرَ في مَوْضِعِهِ مِن كُتُبِ النَّحْوِ المُفَصَّلَةِ.

وفي الكَشْفِ إذا كانَتِ التَّسْمِيَةُ بِالمُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ جَعَلُوا المُضافَ إلَيْهِ في نَحْوِهِ مُقَدَّرَ العَلَمَيَّةِ لِأنَّ المَعْهُودَ في كَلامِهِمْ في هَذا البابِ الإضافَةُ إلى الأعْلامِ والكُنى فَإذا أضافُوا إلى غَيْرِها أجْرَوْهُ مَجْراها كَأبِي تُرابٍ، ألا تَرى أنَّهم لا يُجَوِّزُونَ إدْخالَ اللّامِ في ابْنِ دايَةَ وأبِي تُرابٍ ويُوجِبُونَهُ في نَحْوِ امْرِئِ القَيْسِ وماءِ السَّماءِ، كُلُّ ذَلِكَ نَظَرًا إلى أنَّهُ لا يُغَيَّرُ مِن حالِهِ كالعَلَمِ إلى آخِرِ ما فِيهِ.

ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا مَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ في بَناتِ أوْبَرَ وأبِي قَتَرَةَ وابْنِ دايَةَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَجَنّاتُ عَدْنٍ عَلى القَوْلَيْنِ مَعْرِفَةٌ أمّا عَلى الأوَّلِ فَلِلْعَلَمِيَّةِ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِلْإضافَةِ المَذْكُورَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَدْنٌ في الأصْلِ عَلَمًا ولا مَعْرِفَةً بَلْ هو مَصْدَرُ عَدَنَ بِالمَكانِ يَعْدِنُ ويَعْدُنَ أقامَ بِهِ.

واعْتِبارُ كَوْنِ عَدْنٍ قَبْلَ التَّرْكِيبِ عَلَمًا لِإحْدى الجَنّاتِ يَسْتَدْعِي أنْ تَكُونَ الإضافَةُ في ( جَنَّةِ عَدْنٍ ) مِن إضافَةِ الأعَمِّ مُطْلَقًا إلى الأخَصِّ بِناءً عَلى أنَّ المُتَبادَرَ مِنَ الجَنَّةِ المَكانُ المَعْرُوفُ لا الأشْجارُ ونَحْوُها وهي لا تَحْسُنُ مُطْلَقًا بَلْ مِنها حَسَنٌ كَشَجَرِ الأراكِ ومَدِينَةِ بَغْدادَ ومِنها قَبِيحٌ كَإنْسانِ زَيْدٍ ولا فارِقَ بَيْنَهُما إلّا الذَّوْقُ وهو غَيْرُ مَضْبُوطٍ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( عَدْنٌ ) عَلَمًا لِلْعَدْنِ بِمَعْنى الإقامَةِ كَسِحْرٍ عَلَمٌ لِلسِّحْرِ وأمْسُ لِلْأمْسِ وتَعْرِيفُ ( جَنّاتٍ ) عَلَيْهِ ظاهِرٌ أيْضًا، وإنَّما قالُوا تَصْحِيحًا لِلْبَدَلِيَّةِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْتَبَرِ التَّعْرِيفُ لَزِمَ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ وهو عَلى رَأْيِ القائِلِ لا يَجُوزُ إلّا إذا كانَتِ النَّكِرَةُ مَوْصُوفَةً ولِلْوَصْفِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ ﴾ وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ اعْتِبارَ ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ نَكِرَةً عَلى مَعْنى جَنّاتِ إقامَةٍ واسْتِقْرارٍ وقالَ: إنَّ دَعْوى أنَّ عَدْنًا عَلَمٌ لِمَعْنى العَدْنِ يَحْتاجُ إلى تَوْقِيفٍ وسَماعٍ مِنَ العَرَبِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُ اقْتِضاءَ البِناءِ.

وكَذا دَعْوى العَلَمِيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ فِيهِ.

وعَدَمُ جَوازِ إبْدالِ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا مَوْصُوفَةً شَيْءٌ قالَهُ البَغْدادِيُّونَ وهم مَحْجُوجُونَ بِالسَّماعِ.

ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ جَوازُ الإبْدالِ وإنْ لَمْ تَكُنِ النَّكِرَةُ مَوْصُوفَةً وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ ذَلِكَ إذا كانَ في إبْدالِ النَّكِرَةِ فائِدَةٌ لا تُسْتَفادُ مِنَ المُبْدَلِ مِنهُ مَعَ أنَّهُ لا تَتَعَيَّنُ البَدَلِيَّةُ لِجَوازِ النَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وكَذا لا يَتَعَيَّنُ كَوْنُ المَوْصُولِ صِفَةً لِجَوازِ الإبْدالِ ا هـ بِأدْنى زِيادَةٍ.

وتُعُقِّبَ إبْدالُ المَوْصُولِ بِأنَّهُ في حُكْمِ المُشْتَقِّ.

وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّ إبْدالَ المُشْتَقِّ ضَعِيفٌ.

ولَعَلَّ أبا حَيّانَ لا يُسَلِّمُ ذَلِكَ ثُمَّ إنَّهُ جَوَّزَ كَوْنَ ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ بَدَلَ كُلٍّ.

وكَذا جَوَّزَ كَوْنَهُ عَطْفَ بَيانٍ.

وجُمْلَةُ ( لا يُظْلَمُونَ ) عَلى وجْهَيِ البَدَلِيَّةِ.

والعَطْفُ اعْتِراضٌ أوْ حالٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ والأعْمَشُ وأحْمَدُ بْنُ مُوسى عَنْ أبِي عَمْرٍو (جَنّاتُ عَدْنٍ) بِالرَّفْعِ، وخَرَّجَهُ أبُو حَيّانَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ تِلْكَ جَنّاتٌ، وغَيْرُهُ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ المَوْصُولُ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وعَلِيُّ بْنُ صالِحٍ ( جَنَّةَ عَدْنٍ ) بِالنَّصْبِ والإفْرادِ، ورُوِيَتْ عَنِ الأعْمَشِ وهي كَذَلِكَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ.

وقَرَأ اليَمانِيُّ والحَسَنُ في رِوايَةٍ وإسْحاقُ الأزْرَقُ عَنْ حَمْزَةِ ( جَنَّةُ عَدْنٍ ) بِالرَّفْعِ والإفْرادِ والعائِدُ إلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ أيْ وعَدَها الرَّحْمَنُ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ وعْدَها وإنْجازَهُ لِكَمالِ سِعَةِ رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والباءُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: (بِالغَيْبِ) لِلْمُلابَسَةِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِنَ العائِدِ أوْ مِن (عِبادَهُ) أيْ: وعَدَها إيّاهم مُلْتَبِسَةً أوْ مُلْتَبِسِينَ بِالغَيْبِ أيْ غائِبَةً عَنْهم غَيْرَ حاضِرَةٍ أوْ غائِبِينَ عَنْها لا يَرَوْنَها أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِوَعْدٍ أيْ وعَدَها إيّاهم بِسَبَبِ تَصْدِيقِ الغَيْبِ والإيمانِ بِهِ، وقِيلَ: هي صِلَةُ ( عِبادَهُ ) عَلى مَعْنى الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ سُبْحانَهُ بِالغَيْبِ أيْ في السِّرِّ وهو كَما تَرى (إنَّهُ) أيِ: الرَّحْمَنَ، وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلشّانِّ ﴿ كانَ وعْدُهُ ﴾ أيْ: مَوْعُودُهُ سُبْحانَهُ وهو الجَنّاتُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أوْ مَوْعُودُهُ كائِنًا ما كانَ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا كَما قِيلَ، وجُوِّزَ إبْقاءُ الوَعْدِ عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ وإطْلاقُهُ عَلى ما ذُكِرَ لِلْمُبالَغَةِ.

والتَّعْبِيرُ بِكانَ لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ أيْ كانَ ذَلِكَ (مَأْتِيًّا) أيْ يَأْتِيهِ مِن وعْدٍ لَهُ لا مَحالَةَ، وقِيلَ: (مَأْتِيًّا) مَفْعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ أيْ آتِيًا، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ مِن أتى إلَيْهِ إحْسانًا أيْ فَعَلَ بِهِ ما يُعَدُّ إحْسانًا وجَمِيلًا والوَعْدُ عَلى ظاهِرِهِ.

ومَعْنى كَوْنِهِ مَفْعُولًا كَوْنُهُ مُنْجَزًا لِأنَّ فِعْلَ الوَعْدِ بَعْدَ صُدُورِهِ وإيجادِهِ إنَّما هو تَنْجِيزُهُ أيْ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ عِبادَهُ مُنْجَزًا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ، يعني: بقي بعد الأنبياء الذين ذكرناهم من أول السورة إلى هنا بقيات سوء، وهم اليهود والنصارى.

يقال: في الرداءة خَلْفٌ بإسكان اللام، وفي الصلاح خَلَفَ بفتح اللام.

ثم وصفهم فقال: أَضاعُوا الصَّلاةَ، يعني: عن وقتها، ويقال: تركوها، ويقال: تركوا الصلاة فلم يؤدُّوها وجحدوا بها فكفروا، وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ يعني: شرب الخمر، ويقال: استحلوا الزنى، ويقال: استحلوا نكاح الأخت من الأب.

فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا، يعني: شراً، ويقال: وادي في جهنم يسمى غَيّاً، ويقال: مجازاة الغيّ كما قال الله عزّ وجلّ يَلْقَ أَثاماً [الفرقان: 68] أي مجازاة الآثام.

ثم استثنى فقال تعالى: إِلَّا مَنْ تابَ، يعني: رجع عن الكفر وَآمَنَ، يعني: صدق بتوحيد الله عز وجل، وَعَمِلَ صالِحاً بعد التوبة.

فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً، يعني: لا ينقصون شيئاً من ثواب أعمالهم.

ثم قال عز وجل: جَنَّاتِ عَدْنٍ صار خفضاً، لأن معناه يدخلون في جَنَّاتِ عَدْنٍ.

الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ، يعني: ما غاب عن العباد والله عز وجل لا يغيب عنه شيء.

إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا، يعني: جائياً كائناً.

وقال القتبي: مَأْتِيًّا يعني: المفعول بمعنى الفاعل، يعني: جائياً.

وقال الزجاج: مَأْتِيًّا مفعول من الإتيان، لأن كل من وصل إليك فقد وصلت إليه، وكل من أتاك فقد أتيته.

ثم قال عز وجل: لاَّ يَسْمَعُونَ فِيها، يعني: في الجنة لَغْواً، يعني: حَلفاً وباطلاً.

إِلَّا سَلاماً، يعني: ويسمعون السلام، يسلم بعضهم على بعض.

وقال الزجاج: اللغو ما يلغى من الكلام ويؤثم فيه، والسلام اسم جامع للخير، لأنه يتضمن السلامة، يعني: لا يسمعون إلا سلامهم.

ثمّ قال: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا، يعني: طعامهم على مقدار البكرة والعشي، وليس هناك بُكرة ولا عشيّ.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء أعجبهم ذلك، فأخبرهم الله تعالى أن لهم في الجنة هذه الحالة.

وقال القتبي: الناس يختلفون في طاعمهم، فمنهم من يأكل الوجبة، أي مرة واحدة في كل يوم، ومنهم من يأكل متى وجد بغير وقت ولا عدد، ومنهم من يأكل الغداء والعشاء، فأعدل هذه الأحوال كلها وأنفعها الغداء والعشاء.

والعرب تقول: من ترك العشاء يهرمه، ويذهب بلحم الكارة، يعني: باطن الفخذ، فجعل طعام أهل الجنة على قدر ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

واحتجَّ الطَّبِرِيُّ «١» ، ومَكّي لهذا القول بأَن عُمَر رضي الله عنه قرأ سُورةٍ مريم، فسجد ثُمَّ قال: هذا السُّجُودُ، فأَيْنَ البُكَى «٢» ؟

يَعْنِي: البُكَاء.

قال ع «٣» : ويحتمل أَن يريد عُمر رضي الله عنه فأَين البَاكُون؟

وهذا الذي ذكروه عن عُمَر، ذكره أَبُو حَاتِمٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم.

فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣)

وقوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ...

الآية، الخَلْفُ، -[بسكون] «٤» اللام- مُسْتعمل إذا كان الآتي مَذْمُوماً هذا مشهورُ كَلامِ العَرَبِ، والمرادُ بالخلْف: مَنْ كفر وعَصَى بعدُ مِنْ بني إسرائيل، ثم يتناول معنى الآية مَنْ سِوَاهُم إلَى يوم القيامة، وإضاعة الصّلاة بترْكِهَا وبجحْدِها، وبإضاعة أَوْقَاتِهَا.

وروى أَبُو دَاوُدَ الطيالسي في «مسنده» بسنده عن عُبَادَةَ بنِ الصّامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إذا أَحْسَنَ الرَّجُلُ الصَّلاَةَ، فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا، وَسُجُودَهَا، قَالَتِ الصَّلاَةُ:

حَفِظَكَ اللهُ كَمَا حَفِظْتَنِي، وَتُرْفَعُ، وإذَا أَسَاءَ الصَّلاَةَ فَلَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهَا، وَلاَ سُجُودَهَا، قَالَتِ الصَّلاَةُ: ضَيَّعَكَ اللهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي، وَتُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلقُ، فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُهُ» .

انتهى «٥» من «التذكرة» ، والشَّهَوَاتُ: عُمُومُ، والغَيُّ: الخسران قاله ابن زيد «٦» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ ذَكَرَهم مِنَ الأنْبِياءِ في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴾ يَعْنِي: إدْرِيسَ، ﴿ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ﴾ يَعْنِي: إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ مِن ولَدِ سامِ بْنِ نُوحٍ، ﴿ وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ﴾ يُرِيدُ: إسْماعِيلَ، وإسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، ﴿ وَإسْرائِيلَ ﴾ يَعْنِي: ومِن ذُرِّيَّةِ إسْرائِيلَ، وهم مُوسى، وهارُونُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وعِيسى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِمَّنْ هَدَيْنا ﴾ ؛ أيْ: هَؤُلاءِ كانُوا مِمَّنْ أرْشَدْنا، ﴿ واجْتَبَيْنا ﴾ ؛ أيْ: واصْطَفَيْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَرُّوا سُجَّدًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ سُجَّدًا ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، المَعْنى: خَرُّوا مُقَدِّرِينَ السُّجُودَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في حالِ خُرُورِهِ لا يَكُونُ ساجِدًا، فَـ " سُجَّدًا " مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وهو جَمْعُ ساجِدٍ، ﴿ وَبُكِيًّا ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو جَمْعُ باكٍ، فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا إذا سَمِعُوا آياتِ اللَّهِ سَجَدُوا وبَكَوْا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الأعْرافِ: ١٦٩ ) .

وفي المُرادِ بِهَذا الخَلْفِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، يَأْتُونَ عِنْدَ ذَهابِ صالِحِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، يَتَبارَوْنَ بِالزِّنا، يَنْزُو بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ في الأزِقَّةِ زُناةً، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أضاعُوا الصَّلاةَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ: ( الصَّلَواتِ ) عَلى الجَمْعِ.

وَفِي المُرادِ بِإضاعَتِهِمْ إيّاها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أخَّرُوها عَنْ وقْتِها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والقاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ.

والثّانِي: تَرَكُوها، قالَهُ القُرَظِيُّ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وذَلِكَ مِثْلَ اسْتِماعِ الغِناءِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، والزِّنا، واللَّهْوِ، وما شاكَلَ ذَلِكَ مِمّا يَقْطَعُ عَنْ أداءِ فَرائِضِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ لَيْسَ مَعْنى هَذا اللِّقاءِ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ، وإنَّما المُرادُ بِهِ الِاجْتِماعُ والمُلابَسَةُ مَعَ الرُّؤْيَةِ.

وَفِي المُرادِ بِهَذا الغَيِّ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  ، وبِهِ قالَ كَعْبٌ.

والثّانِي: أنَّهُ نَهْرٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الخُسْرانُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ العَذابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: أنَّهُ الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ السّائِبِ.

والسّادِسُ: أنَّ المَعْنى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ مُجازاةَ الغَيِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿ يَلْقَ أثامًا  ﴾ ؛ أيْ: مُجازاةَ الآثامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن تابَ وآمَنَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تابَ مِنَ الشِّرْكِ، وآمَنَ بِمُحَمَّدٍ  ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: تابَ مِنَ التَّقْصِيرِ في الصَّلاةِ، وآمَنَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( جَنّاتُ ) بِرَفْعِ التّاءِ.

وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( جَنَّةُ عَدْنٍ ) عَلى التَّوْحِيدِ مَعَ رَفْعِ التّاءِ.

وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ: ( جَنَّةَ عَدْنِ ) عَلى التَّوْحِيدِ مَعَ نَصْبِ التّاءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ ﴾ ؛ أيْ: وعَدَهم بِها ولَمْ يَرَوْها، فَهي غائِبَةٌ عَنْهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: آتِيًا، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو ( مَفْعُولٌ ) في مَعْنى ( فاعِلٍ )، وهو قَلِيلٌ أنْ يَأْتِيَ الفاعِلُ عَلى لَفْظِ المَفْعُولِ بِهِ.

وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: آتِيًا؛ لِأنَّ كُلَّ ما أتاكَ فَأنْتَ تَأْتِيهِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: أتَيْتُ عَلى خَمْسِينَ سَنَةً، وأتَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ [ سَنَةً ] .

والثّانِي: مَبْلُوغًا إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿ وَعْدُهُ ﴾ هاهُنا: مَوْعُودُهُ، وهو الجَنَّةُ، و ﴿ مَأْتِيًّا ﴾ : يَأْتِيهِ أوْلِياؤُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّخالُفُ عِنْدَ شُرْبِ الخَمْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: ما يُلْغى مِنَ الكَلامِ ويُؤَثَّمُ فِيهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اللَّغْوُ في العَرَبِيَّةِ: الفاسِدُ المَطَّرَحُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا سَلامًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّلامُ لَيْسَ مِنَ اللَّغْوِ، والعَرَبُ تَسْتَثْنِي الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ ولَيْسَ مِنهُ، وذَلِكَ أنَّها تُضْمِرُ فِيهِ، فالمَعْنى: إلّا أنَّهم يَسْمَعُونَ فِيها سَلامًا.

وقالابْنُ الأنْبارِيِّ: اسْتَثْنى السَّلامَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، وفي ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ؛ لِأنَّهم إذا لَمْ يَسْمَعُوا مِنَ اللَّغْوِ إلّا السَّلامَ، فَلَيْسَ يَسْمَعُونَ لَغْوًا البَتَّةَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ العالَمِينَ  ﴾ ، إذا لَمْ يَخْرُجُ مِن عَداوَتِهِمْ لِي غَيْرُ رَبِّ العالَمِينَ، فَكُلُّهم عَدُوٌّ.

وَفِي مَعْنى هَذا السَّلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا ما يُسَلِّمُهم، ولا يَسْمَعُونَ ما يُؤَثِّمُهم، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ بُكْرَةٌ ولا عَشِيَّةٌ، ولَكِنَّهم يُؤْتَوْنَ بِرِزْقِهِمْ - عَلى مِقْدارِ ما كانُوا يَعْرِفُونَ - في الغَداةِ والعَشِيِّ.

قالَ الحَسَنُ: كانَتِ العَرَبُ لا تَعْرِفُ شَيْئًا مِنَ العَيْشِ أفْضَلَ مِنَ الغَداءِ والعَشاءِ، فَذَكَرَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ.

وقالَ قَتادَةُ: كانَتِ العَرَبُ إذا أصابَ أحَدُهُمُ الغَداءَ والعَشاءَ أُعْجِبَ بِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ لَهم في الجَنَّةِ رِزْقُهم بُكْرَةً وعَشِيًّا عَلى قَدْرِ ذَلِكَ الوَقْتِ، ولَيْسَ ثَمَّ لَيْلٌ ولا نَهارٌ، وإنَّما هو ضَوْءٌ ونُورٌ.

ورَوى الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قالَ: سَألْتُ زُهَيْرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ ، فَقالَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ لَيْلٌ ولا نَهارٌ، هم في نُورٍ أبَدًا، ولَهم مِقْدارُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، يَعْرِفُونَ مِقْدارَ اللَّيْلِ بِإرْخاءِ الحُجُبِ وإغْلاقِ الأبْوابِ، ويَعْرِفُونَ مِقْدارَ النَّهارِ بِرَفْعِ الحُجُبِ وفَتْحِ الأبْوابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ الجَنَّةُ ﴾ الإشارَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُورِثُ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى ﴿ نُورِثُ ﴾ : نُعْطِي المَساكِنَ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ النّارِ - لَوْ آمَنُوا - لِلْمُؤْمِنِينَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى " نُورِثُ ": نُعْطِي، فَيَكُونُ كالمِيراثِ لَهم مِن جِهَةِ أنَّها تَمْلِيكٌ مُسْتَأْنَفٌ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( الأعْرافِ: ٤٣ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ وابْنُ يَعْمُرَ: ( وما يَتَنَزَّلُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ.

وَفِي سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: " يا جِبْرِيلُ ما يَمْنَعُكَ أنْ تَزُورَنا أكْثَرَ مِمّا تَزُورُنا "، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ المَلَكَ أبْطَأ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ثُمَّ أتاهُ، فَقالَ: لَعَلِّي أبْطَأْتُ.

قالَ: " قَدْ فَعَلْتَ " .

قالَ: وما لِي لا أفْعَلُ وأنْتُمْ لا تَتَسَوَّكُونَ، ولا تَقُصُّونَ أظْفارَكم، ولا تُنَقُّونَ بِراجِمَكم، فَنَزَلَتِ الآيَةُ»، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: البَراجِمُ عِنْدَ العَرَبِ: الفُصُوصُ الَّتِي في فُصُولِ ظُهُورِ الأصابِعِ، تَبْدُو إذا جُمِعَتْ، وتَغْمُضُ إذا بُسِطَتْ.

والرَّواجِبُ: ما بَيْنَ البَراجِمِ، بَيْنَ كُلِّ بُرْجُمَتَيْنِ راجِبَةٌ.

والثّالِثُ: «أنَّ جِبْرِيلَ احْتُبِسَ عَنِ النَّبِيِّ  حِينَ سَألَهُ [ قَوْمُهُ ] عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وذِي القَرْنَيْنِ، والرُّوحِ، فَلَمْ يَدْرِ ما يُجِيبُهم، ورَجا أنْ يَأْتِيَهُ جِبْرِيلُ بِجَوابٍ، فَأبْطَأ عَلَيْهِ، فَشَقَّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فَلَمّا نَزَلَ جِبْرِيلُ، قالَ لَهُ: " أبْطَأْتَ عَلَيَّ حَتّى ساءَ ظَنِّي واشْتَقْتُ إلَيْكَ "، فَقالَ جِبْرِيلُ: إنِّي كُنْتُ أُشَوِّقُ، ولَكِنِّي عَبْدٌ مَأْمُورٌ، إذا بُعِثْتُ نَزَلْتُ، وإذا حُبِسْتُ احْتَبَسْتُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

وَفِي سَبَبِ احْتِباسِ جِبْرِيلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِامْتِناعِ أصْحابِهِ مِن كَمالِ النَّظافَةِ، كَما ذَكَرْنا في حَدِيثِ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: لِأنَّهم سَألُوهُ عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، فَقالَ: " غَدًا أُخْبِرُكم "، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، وقَدْ سَبَقَ هَذا في سُورَةِ ( الكَهْفِ: ٢٤ ) .

وَفِي مِقْدارِ احْتِباسِهِ عَنْهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( الكَهْفِ ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أرْبَعُونَ يَوْمًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: اثْنَتا عَشْرَةَ لَيْلَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: ثَلاثَةُ أيّامٍ، حَكاهُ مُقاتِلٌ.

والخامِسُ: خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وقِيلَ: إنَّ سُورَةَ ( الضُّحى ) نَزَلَتْ في هَذا السَّبَبِ.

والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ ﴾ قَوْلُ جِبْرِيلَ.

وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّهُ قَوْلُ أهْلِ الجَنَّةِ إذا دَخَلُوها، فالمَعْنى: ما نَنْزِلُ هَذِهِ الجِنانَ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ.

وقِيلَ: ما نَنْزِلُ مَوْضِعًا مِنَ الجَنَّةِ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما بَيْنَ أيْدِينا: الآخِرَةُ، وما خَلْفَنا: الدُّنْيا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: ما بَيْنَ أيْدِينا: ما مَضى مِنَ الدُّنْيا، وما خَلْفَنا: مِنَ الآخِرَةِ، فَهو عَكْسُ الأوَّلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ الأخْفَشُ: ما بَيْنَ أيْدِينا: قَبْلَ أنْ نُخْلَقَ، وما خَلْفَنا: بَعْدَ الفَناءِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ.

والثّالِثُ: حِينَ كَوَّنَنا، قالَهُ الأخْفَشُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما وحَّدَ ذَلِكَ، والإشارَةُ إلى شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: ﴿ ما بَيْنَ أيْدِينا ﴾ ، والثّانِي: " ما خَلْفَنا "؛ لِأنَّ العَرَبَ تُوقِعُ ذَلِكَ عَلى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ النَّسِيُّ بِمَعْنى النّاسِي.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما كانَ تارِكًا لَكَ مُنْذُ أبْطَأ الوَحْيُ عَنْكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: ما نَسِيَكَ عِنْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ عَنْكَ.

والثّانِي: أنَّهُ عالِمٌ بِما كانَ ويَكُونُ، لا يَنْسى شَيْئًا، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْبُدْهُ ﴾ ؛ أيْ: وحِّدْهُ؛ لِأنَّ عِبادَتَهُ بِالشِّرْكِ لَيْسَتْ عِبادَةً، ﴿ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ ﴾ ؛ أيِ: اصْبِرْ عَلى تَوْحِيدِهِ، وقِيلَ: عَلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ رَوى هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كانَ يُدْغِمُ ( هَلْ تَعْلَمُ )، ووَجْهُهُ أنَّ سِيبَوَيْهِ يُجِيزُ إدْغامَ اللّامِ في التّاءِ، والثّاءِ، والدّالِ، والزّايِ، والسِّينِ، والصّادِ، والطّاءِ؛ لِأنَّ آخِرَ مَخْرَجٍ مِنَ اللّامِ قَرِيبٌ مِن مَخارِجِهِنَّ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إذا كانَ بَعْدَ ( هَلْ ) تاءٌ فَفِيهِ لُغَتانِ، بَعْضُهم يُبَيِّنُ لامَ ( هَلْ ) وبَعْضُهم يُدْغِمُها.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَثَلًا وشَبَهًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: هَلْ تَعْلَمُ أحَدًا يُسَمّى ( اللَّهَ ) غَيْرَهُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: هَلْ تَعْلَمُ أحَدًا يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ لَهُ: خالِقٌ وقادِرٌ، إلّا هو، قالَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَلاةَ واتَّبَعُوا الشَهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ ﴿ إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا ﴾ ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلا سَلامًا ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ ﴿ تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مِن كانَ تَقِيًّا ﴾ "الخَلَفُ" - بِفَتْحِ اللامِ -: القَرْنُ يَأْتِي بَعْدَ آخَرَ يَمْضِي، والِابْنُ بَعْدَ الأبِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في سائِرِ الأُمُورِ، "والخَلْفُ" - بِسُكُونِ اللامِ - إذا كانَ الآتِي مَذْمُومًا، هَذا مَشْهُورُ كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ ذُكِرَ عن بَعْضِهِمْ أنَّ الخَلَفَ والخَلْفَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وحُجَّةُ ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: لَنا القَدَمُ الأُولى إلَيْكَ وخَلْفُنا لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللهِ تابِعُ وَقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ أضاعُوا الصَلاةَ ﴾ بِالإفْرادِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "أضاعُوا الصَلَواتِ" بِالجَمْعِ، وهو كَذَلِكَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والمُرادُ بِـ "الخَلْفِ" مَن كَفَرَ أو عَصى بَعْدُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ النَصارى، خَلَفُوا بَعْدَ اليَهُودِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ: هم قَوْمٌ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  في آخِرِ الزَمَنِ.

أيْ: يَكُونُ في هَذِهِ الأُمَّةِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ، لا أنَّهُمُ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «يَكُونُ الخَلْفُ بَعْدَ سِتِّينَ سَنَةً».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عُرْفٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "إضاعَةِ الصَلاةِ" مِنهُمْ، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ وغَيْرُهُ: كانَ إضاعَةَ كُفْرٍ وجَحْدٍ بِها، وقالَ القاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: كانَتْ إضاعَةَ أوقاتِها، وعَدَمَ المُحافَظَةِ عَلى أوانِها، وذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.

و"الشَهَواتُ" عُمُومٌ، وكُلُّ ما ذُكِرَ مِن ذَلِكَ فَمِثالٌ.

وَ "الغَيُّ": الخُسْرانُ والحُصُولُ في الوَرَطاتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدُ الناسُ أمْرَهُ ∗∗∗ ومَن يَغْوِ لا يَعْدَمُ عَلى الغَيِّ لائِمًا وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ زَيْدٍ هَذِهِ رَحِمَهُ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ.

وقَدْ يَكُونُ الغَيُّ أيْضًا الضَلالَ، فَيَكُونُ هَذا هُنا حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: "يَلْقَوْنَ جَزاءَ الغَيِّ"، وبِهَذا فَسَّرَ الزَجّاجُ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: الغَيُّ وادٍ في جَهَنَّمَ، وبِهِ وقَعَ التَوَعُّدُ في هَذِهِ الآيَةِ.

وقِيلَ: «الغَيُّ والآثامُ نَهْرانِ في جَهَنَّمَ»، رَواهُ أبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  .

قَوْلُهُ: ﴿ إلا مَن تابَ ﴾ اسْتِثْناءٌ يُحْتَمَلُ الِاتِّصالُ والِانْفِصالُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَآمَنَ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الإضافَةَ أوَّلًا هي إضاعَةُ كُفْرٍ، هَذا مَعَ اتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ، وعَلَيْهِ فَسَّرَ الطَبَرِيُّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُدْخَلُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ كُلَّ ما في القُرْآنِ "يَدْخُلُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "جَنّاتِ عَدْنٍ" بِنَصْبِ الجَنّاتِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ﴾ ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرُ، وأبُو حَيْوَةَ بِرَفْعِها عَلى تَقْدِيرِ: ذَلِكَ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "جَنَّةَ" عَلى الإفْرادِ والنَصْبِ، وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وقَرَأها الأعْمَشُ.

و"العَدْنُ": الإقامَةُ المُسْتَمِرَّةُ، قَوْلُهُ: ﴿ بِالغَيْبِ ﴾ أيْ: أخْبَرَهم مِن ذَلِكَ بِما غابَ عنهُمْ، وفي هَذا مَدْحٌ لَهم عَلى سُرْعَةِ إيمانِهِمْ وقَرارِهِمْ إذْ لَمْ يُعايِنُوا، و"المَأْتِيُّ" مَفْعُولٌ عَلى بابِهِ، والآتِي هو الإنْجازُ والفِعْلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الوَعْدُ، وكانَ إتْيانُهُ إنَّما يُقْصَدُ بِهِ الوَعْدُ الَّذِي تَقَدَّمَهُ، وقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو مَفْعُولٌ في اللَفْظِ بِمَعْنى: آتٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدٌ، والنَظَرُ الأوَّلُ أصْوَبُ.

و"اللَغْوُ"، السَقْطُ مِنَ القَوْلِ، وهو أنْواعٌ مُخْتَلِفَةٌ كُلُّها لَيْسَتْ في الجَنَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا سَلامًا ﴾ ، اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، المَعْنى: لَكِنْ يَسْمَعُونَ سَلامًا، هو تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ لَهم في كُلِّ الأوقاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿ بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ ، يُرِيدُ في التَقْدِيرِ، أيْ: يَأْتِيهِمْ طَعامُهم مَرَّتَيْنِ في مِقْدارِ اليَوْمِ واللَيْلَةِ مِنَ الزَمانِ، ويُرْوى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ تَنْسَدُّ لَهُمُ الأبْوابُ بِقَدْرِ اللَيْلِ في الدُنْيا، فَهم يَعْرِفُونَ البُكْرَةَ عِنْدَ انْفِتاحِها والعَشِيَّ عِنْدَ انْسِدادِها، وقالَمُجاهِدٌ رَحِمَهُ اللهُ: لَيْسَ بُكْرَةً ولا عَشِيًّا، ولَكِنْ يُؤْتَوْنَ بِهِ عَلى ما كانُوا يَشْتَهُونَ في الدُنْيا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ ذَكَرَ نَحْوَهُ قَتادَةُ، أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةً بِما تَعْرِفُهُ العَرَبُ وتَسْتَغْرِبُهُ في رَفاهَةِ العَيْشِ، وجَعَلَ ذَلِكَ عِبارَةً عن أنَّ رِزْقَهم يَأْتِي عَلى أكْمَلِ وُجُوهِهِ.

وقالَ الحَسَنُ: خُوطِبُوا عَلى ما كانَتِ العَرَبُ تَعْلَمُ مِن أفْضَلِ العَيْشِ، وذَلِكَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ العَرَبِ إنَّما كانَ يَجِدُ الطَعامَ المَرَّةَ في اليَوْمِ، وهي غايَتُهُ، وكانَ عَيْشُ أكْثَرِهِمْ مِن شَجَرِ البَرِّيَّةِ، ومِنَ الحَيَوانِ، ونَحْوِهِ، ألا تَرى قَوْلَ الشاعِرِ: أو وجْبَةٌ مِن جَناةِ أشْكَلَةٍ ∗∗∗ إنْ لَمْ يُرِغْها بِالقَوْسِ لَمْ تُنَلِ الوَجْبَةُ: الأكْلَةُ في اليَوْمِ.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُورِثُ" بِسُكُونِ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ: "نُوَرِّثُ" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ الراءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

فرع على الثناء عليهم اعتبارٌ وتنديد بطائفة من ذرياتهم لم يقتدوا بصالح أسلافهم وهم المعني بالخَلْف.

والخلْف بسكون اللام عقب السُوء، وبفتح اللام عقب الخير.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب ﴾ في سورة الأعراف (169).

وهو هنا يشمل جميع الأمم التي ضلّت لأنها راجعة في النّسب إلى إدريس جدّ نوح إذ هم من ذرية نوح ومن يرجع أيضاً إلى إبراهيم، فمنهم من يدلي إليه من نسل إسماعيل وهم العرب.

ومنهم من يدلي إليْه من نسل يعقوب وهم بنو إسرائيل.

ولفظ من بعدهم} يشمل طبقات وقروناً كثيرة، ليس قيداً لأنّ الخلف لا يكون إلاّ من بعد أصله وإنّما ذُكر لاستحضار ذهاب الصالحين.

والإضاعة: مجاز في التفريط بتشبيهه بإهمال العَرْض النفيس، فرطوا في عبادة الله واتبعوا شهواتهم فلم يخالفوا ما تميل إليه أنفسهم ممّا هو فساد.

وتقدم قوله تعالى: ﴿ إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً ﴾ في سورة الكهف (30).

والصلاة: عبادة الله وحده.

وهذان وصفان جامعان لأصناف الكفر والفسوق، فالشرك إضاعة للصلاة لأنّه انصراف عن الخضوع لله تعالى، فالمشركون أضاعوا الصلاة تماماً، قال تعالى: ﴿ قالوا لم نك من المصلّين ﴾ [المدثر: 43].

والشرك: اتباع للشّهوات، لأنّ المشركين اتّبعوا عبادة الأصنام لمجرد الشهوة من غير دليل، وهؤلاء هم المقصود هنا، وغير المشركين كاليهود والنصارى فَرطوا في صلوات واتبعوا شهوات ابتدعوها، ويشمل ذلك كله اسم الغيّ.

والغيّ: الضلال، ويطلق على الشرّ، كما أطلق ضده وهو الرشَد على الخير في قوله تعالى: ﴿ أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً ﴾ [الجنّ: 10] وقوله ﴿ قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً ﴾ [الجنّ: 21].

فيجوز أن يكون المعنى فسوف يلقون جزاء غيّهم، كقوله تعالى: ﴿ ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ﴾ [الفرقان: 68] أي جزاء الآثام.

وتقدم الغيّ في قوله تعالى: ﴿ وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً ﴾ كلاهما في سورة الأعراف (202و 146).

وقرينة ذلك مقابلته في ضدهم بقوله فأُولَئِكَ يدْخُلونَ الجنّة } .

وحرف (سوف) دال على أن لقاءهم الغيّ متكرر في أزمنة المستقبل مبالغة في وعيدهم وتحذيراً لهم من الإصرار على ذلك.

وقوله ﴿ فأُولَئِكَ يدْخُلونَ الجنّة ﴾ جيء في جانبهم باسم الإشارة إشادة بهم وتنبيهاً لهم للترغيب في توبتهم من الكفر.

وجيء بالمُضارع الدّال على الحال للإشارة إلى أنهم لا يُمْطَلُون في الجزاء.

والجنّة: عَلَم لدار الثواب والنّعيم.

وفيها جنّات كثيرة كما ورد في الحديث: «أَو جَنَّةٌ واحدة هي إنّها لجنان كثيرة» والظلم: هنا بمعنى النقص والإجحاف والمطل.

كقوله {كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً في سورة الكهف (33).

وشي: اسم بمعنى ذات أو موجود وليس المراد مصدر الظلم.

وذكر شيئاً في سياق النفي يفيد نفي كل فرد من أفراد النقص والإجحاف والإبطاء، فيعلم انتفاء النقص القوي بالفحوى دفعاً لما عسى أن يخالج نفوسهم من الانكسار بعد الإيمان يظن أنّ سبق الكفر يَحط من حسن مصيرهم.

وجَنَّات} بدل من {الجنّة.

جيء بصيغة جمع جنات مع أن المبدل منه مفرد لأنه يشتمل على جنات كثيرة كما علمت، وهو بدل مطابق وليس بدل اشتمال.

وعَدْن: الخلد والإقامة، أي جنات خلد ووصفها ب التي وعد الرحمان عباده} لزيادة تشريفها وتحسينها.

وفي ذلك إدماج لتبشير المؤمنين السابقين في أثناء وعد المدعوين إلى الإيمان.

والغيب: مصدر غاب، فكل ما غاب عن المشاهدة فهو غيب.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ في أول البقرة (3).

والباء في بالغيب للظرفية، أي وعدها إياهم في الأزمنة الغائبة عنهم.

أي في الأزل إذ خلقها لهم.

قال تعالى: ﴿ أعدت للمتقين ﴾ [آل عمران: 133].

وفيه تنبيه على أنها وإن كانت محجوبة عنهم في الدنيا فإنها مهيئة لهم.

وجملة ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ تعليل لجملة ﴿ التي وعد الرحمن عباده بالغيب ﴾ أي يدخلون الجنة وعداً من الله واقعاً.

وهذا تحقيق للبشارة.

والوعد: هنا مصدر مستعمل في معنى المفعول.

وهو من باب كَسا، فالله وعد المؤمنين الصالحين جنات عدن.

فالجنات لهم موعودة من ربهم.

والمأتِي: الذي يأتيه غيره.

وقد استعير الإتيان لحصول المطلوب المترقب، تشبيهاً لمن يحصل الشيء بعد أن سعى لتحصيله بمن مشى إلى مكان حتى أتاه.

وتشبيهاً للشيء المحصل بالمكان المقصود.

ففي قوله {مأتِيّا تمثيلية اقتصر من أجزائها على إحدى الهيئتين، وهي تستلزم الهيئة الأخرى لأنّ المأتي لا بد له من آت.

وجملة لا يسْمعُونَ فيها لغْواً } حال من ﴿ عبَادَه ﴾ .

واللغو: فضول الكلام وما لا طائل تحته.

وإنفاؤه كناية عن انتفاء أقل المكدرات في الجنة، كما قال تعالى: ﴿ لا تسمع فيها لاغية ﴾ [الغاشية: 11]، وكناية عن جعل مجازاة المؤمنين في الجنة بضد ما كانوا يلاقونه في الدنيا من أذى المشركين ولغوهم.

وقوله ﴿ إلاَّ سلاما ﴾ استثناء منقطع وهو مجاز من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه كقول النّابغة: ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب أي لكن تسمعون سلاماً.

قال تعالى: ﴿ تحيتهم فيها سلام ﴾ [إبراهيم: 23] وقال ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً إلا قيلاً سلاماً سلاماً ﴾ [الواقعة: 25، 26].

والرزق: الطعام.

وجيء بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات ذلك ودوامه، فيفيد التكرر المستمر وهو أخص من التكرر المفاد بالفعل المضارع وأكثر.

وتقديم الظرف للاهتمام بشأنهم، وإضافة رزق إلى ضميرهم لزيادة الاختصاص.

والبُكرة: النصف الأول من النهار، والعَشي: النصف الأخير، والجمع بينهما كناية عن استغراق الزمن، أي لهم رزقهم غير محصور ولا مقدّر بل كلما شاءوا فلذلك لم يذكر اللّيل.

وجملة ﴿ تلك الجنّة ﴾ مستأنفة ابتدائية.

واسم الإشارة لزيادة التمييز تنويهاً بشأنها وأجريت عليها الصفة بالموصول وصلته تنويهاً بالمتقين وأنهم أهل الجنة كما قال تعالى: ﴿ أعدت للمتقين ﴾ [آل عمران: 133].

و ﴿ نورث ﴾ نجعل وارثاً، أي نعطي الإرث.

وحقيقة الإرث: انتقال مال القريب إلى قريبه بعد موته لأنّه أولى الناس بماله فهو انتقال مقيّد بحالة.

واستعير هنا للعطيّة المدّخرة لمعطاها، تشبيهاً بمال المَوروث الذي يصير إلى وارثه آخر الأمر.

وقرأ الجمور {نورث بسكون الواو بعد الضمة وتخفيف الراء، وقرأه رويس عن يعقوب: نوَرّث بفتح الواو تشديد الراء من وَرّثه المضاعف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الكَلامُ الفاسِدُ.

الثّانِي: الخُلْفُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ إلا سَلامًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلّا السَّلامَةَ.

الثّانِي: تَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ وَلَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ العَرَبَ إذا أصابَتِ الغَداءَ والعَشاءَ نَعِمَتْ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ أنَّ لَهم في الجَنَّةِ غَداءً وعَشاءً، وإنْ لَمْ يَكُنْ في الجَنَّةِ لَيْلٌ ولا نَهارٌ.

الثّانِي: مَعْناهُ مِقْدارُ البُكْرَةِ ومِقْدارُ العَشِيِّ مِن أيّامِ الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وَقِيلَ إنَّهم يَعْرِفُونَ مِقْدارَ اللَّيْلِ بِإرْخاءِ الحُجُبِ وغَلْقِ الأبْوابِ، ومِقْدارَ النَّهارِ بِرَفْعِ الحُجُبِ وفَتْحِ الأبْوابِ.

وَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ البُكْرَةُ قَبْلَ تَشاغُلِهِمْ بِلَذّاتِهِمْ، والعَشِيُّ بَعْدَ فَراغِهِمْ مِن لَذّاتِهِمْ؛ لِأنَّهُ يَتَخَلَّلُها فَتَراتُ انْتِقالٍ مِن حالٍ إلى حالٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ قال: هم اليهود والنصارى.

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ قال: من هذه الأمة يتراكبون في الطرق، كما تراكب الأنعام لا يستحيون من الناس، ولا يخافون من الله في السماء.

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد في قوله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ﴾ قال: عند قيام الساعة- ذهاب صالح أمة محمد- ينزو بعضهم إلى بعض في الآزقة زناة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ أضاعوا الصلاة ﴾ يقول: تركوا الصلاة.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود في قوله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ﴾ قال: ليس إضاعتها تركها قد يضيع الإنسان الشيء ولا يتركه، ولكن إضاعتها إذا لم يصلها لوقتها.

وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم في قوله: ﴿ أضاعوا الصلاة ﴾ قال: صلوها لغير وقتها.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن القاسم بن مخيمرة في قوله: ﴿ أضاعوا الصلاة ﴾ قال: أخروا الصلاة عن ميقاتها ولو تركوها كفروا.

وأخرج ابن أبي حاتم والخطيب في المتفق والمفترق، عن عمر بن عبد العزيز في قوله: ﴿ أضاعوا الصلاة ﴾ قال: لم يكن إضاعتهم تركها ولكن أضاعوا المواقيت.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن كعب قال: والله إني لأجد صفة المنافقين في التوراة: شرابين للقهوات: تباعين للشهوات، لعانين للكعبات، رقادين عن العتمات، مفرطين في الغدوات، تراكين للصلوات تراكين للجمعات، ثم تلا هذه الآية ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن الأشعث قال: أوحى الله إلى داود عليه السلام أن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عني محجوبة.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: اغتسلت أنا وآخر، فرآنا عمر بن الخطاب، وأحدنا ينظر إلى صاحبه، فقال: إني لأخشى أن تكونا من الخلف الذين قال الله فيهم: ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً ﴾ .

وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي سعيد الخدري: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلا هذه الآية ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ فقال: يكون خلف من عبد ستين سنة ﴿ أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ﴾ ثم يكون خَلَفٌ: يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن ومنافق وفاجر» .

وأخرج أحمد والحاكم وصححه، عن عقبة بن عامر سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «سيهلك من أمتي أهل الكتاب وأهل اللين قلت يا رسول الله، ما أهل اللين؟

قال: قوم يتبعون الشهوات ويضيعون الصلوات» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه، عن عائشة أنها كانت ترسل بالصدقة لأهل الصدقة وتقول: لا تعطوا منها بربرياً، ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هم الخلف الذين قال الله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يكون في أمتي من يقتل على الغضب، ويرتشي في الحكم، ويضيع الصلوات، ويتبع الشهوات، ولا تردّ له راية قيل: يا رسول الله، أمؤمنون هم؟

قال: بالإيمان يقرؤون» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال: خسراً.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث من طرق، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال: الغي نهر أو واد في جهنم من قيح بعيد القعر خبيث الطعم يقذف فيه الذين يتبعون الشهوات.

وأخرج ابن المنذر والبيهقي في البعث، عن البراء بن عازب في الآية قال: الغي، واد في جهنم بعيد القعر منتن الريح.

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفاً ثم تنتهي إلى غي وأثام، قلت: وما غي وأثام؟

قال: نهران في أسفل جهنم يسيل فيها صديد أهل النار، وهما اللذان ذكر الله في كتابه ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ ﴿ ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ﴾ [ الفرقان: 68] » .

وأخرج ابن مردويه من طريق نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الغي واد في جهنم» .

وأخرج البخاري في تاريخه، عن عائشة في قوله: ﴿ غياً ﴾ قالت: نهر في جهنم.

وأخرج ابن المنذر، عن شقي بن ماتع قال: إن في جهنم وادياً يسمى ﴿ غياً ﴾ يسيل دماً وقيحاً، فهو لمن خلق له.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ يلقون غياً ﴾ قال: سوءاً ﴿ إلا من تاب ﴾ قال: من ذنبه ﴿ وآمن ﴾ قال: بربه ﴿ وعمل صالحاً ﴾ قال: بينه وبين الله.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ﴾ قال باطلاً.

وأخرج عبد بن حميد وهناد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ﴾ قال: لا يستبون.

وفي قوله: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ قال: ليس فيها بكرة ولا عشي يؤتون به على النحو الذي يحبون من البكرة والعشي.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ قال: يؤتون به في الآخرة على مقدار ما كانوا يؤتون به في الدنيا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الوليد بن مسلم قال: سألت زهير بن محمد، عن قوله: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ قال: ليس في الجنة ليل ولا شمس ولا قمر، هم في نور أبداً، ولهم مقدار الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب، وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من طريق أبان عن الحسن، وأبي قلابة قالا: قال رجل يا رسول الله، هل في الجنة من ليل؟

قال: وما هيجك على هذا؟!

قال: سمعت الله يذكر في الكتاب ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ فقلت الليل من البكرة، والعشي، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «ليس هناك ليل، وإنما هو ضوء نور، يرد الغدو على الرواح، والرواح على الغدوّ، وتأتيهم طرف الهدايا من الله، لمواقيت الصلوات التي كانوا يصلون فيها في الدنيا، وتسلم عليهم الملائكة» .

وأخرج ابن المنذر، عن يحيى بن أبي كثير قال: كانت العرب في زمانها إنما لها أكلة واحدة، فمن أصاب أكلتين، سمي فلاناً الناعم.

فأنزل الله تعالى يرغب عباده فيما عنده ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال: كانوا يعدون النعيم، أن يتغدى الرجل، ثم يتعشى.

قال الله لأهل الجنة: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من غداة من غدوات الجنة، كل الجنة غدوات، إلا أن يزف إلى وليّ الله تعالى فيها زوجة من الحور العين أدناهن التي خلقت من زعفران» .

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ تلك الجنة التي نورث ﴾ بالنون مخففة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شوذب في قوله: ﴿ تلك الجنة التي نورث من عبادنا ﴾ قال: ليس من أحد إلا وله في الجنة منزل وأزواج، فإذا كان يوم القيامة، ورث الله المؤمن كذا وكذا منزلاً من منازل الكفار.

فذلك قوله: ﴿ من عبادنا ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن داود بن أبي هند في قوله: ﴿ من كان تقياً ﴾ قال: موحداً.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ إلى آخر الآية» .

زاد ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم، فكان ذلك الجواب لمحمد.

وأخرج ابن مردويه، عن أنس قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي البقاع أحب إلى الله وأيها أبغض إلى الله؟

قال: ما أدري حتى أسأل جبريل، وكان قد أبطأ عليه فقال: لقد أبطأت عليّ حتى ظننت أن بربي عليّ موجدة!...

فقال: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: «أبطأ جبريل على النبي- صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً ثم أنزل، فقال له النبي- صلى الله عليهه وسلم- ما نزلت حتى اشتقت إليك فقال له جبريل:أنا كنت إليك أشوق ولكني مأمور فأوحى الله إلى جبريل أن قل له: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ » .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي قال: احتبس جبريل عن النبي- صلى الله عليه وسلم- بمكة حتى حزن واشتد عليه، فشكا إلى خديجة، فقالت خديجة: لعل ربك قد ودعك أو قلاك، فنزل جبريل بهذه الآية: ﴿ ما ودعك ربك وما قلى ﴾ [ الضحى: 2] قال: يا جبريل، احتبست عني حتى ساء ظني، فقال جبريل: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ .

وأخرج ابن جرير، عن مجاهد قال: لبث جبريل عن النبي- صلى الله عليه وسلم اثني عشرة ليلة، فلما جاءه قال: لقد رثت حتى ظن المشركون كل ظن فنزلت الآية.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: «أبطأت الرسل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم أتاه جبريل فقال: ما حبسك عني قال: كيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تنقون براجمكم، ولا تأخذون شواربكم ولا تستاكون وقرأ ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: احتبس جبريل، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، وحزن فأتاه جبريل وقال: يا محمد: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا ﴾ يعني من الدنيا ﴿ وما خلفنا ﴾ يعني من الآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة ﴿ له ما بين أيدينا ﴾ قال: الدنيا ﴿ وما خلفنا ﴾ قال: الآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ له ما بين أيدينا ﴾ قال: من أمر الآخرة ﴿ وما خلفنا ﴾ من أمر الدنيا ﴿ وما بين ذلك ﴾ ما بين الدنيا والآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما بين ذلك ﴾ قال: ما بين النفختين.

وأخرج هناد وابن المنذر، عن أبي العالية ﴿ وما بين ذلك ﴾ قال: ما بين النفختين.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ قال: ﴿ ما كان ربك ﴾ لينساك يا محمد.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبزار والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه والحاكم وصححه، عن أبي الدرداء رفع الحديث قال: ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً.

ثم تلا ﴿ وما كان ربك نسيا ﴾ .

وأخرج ابن مردويه من حديث جابر مثله.

وأخرج الحاكم عن سلمان «سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ هل تعلم له سميا ﴾ قال: هل تعلم للرب مثلاً أو شبها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ هل تعلم له سميا ﴾ قال: ليس أحد يسمى الرحمن غيره.

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ هل تعلم له سميا ﴾ يا محمد هل تعلم لإلهك من ولد؟.

وأخرج الطستي، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ قال: هل تعلم له ولداً؟

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت الشاعر وهو يقول: أما السمي فأنت منه مكثر ** والمال مال يغتدي ويروح <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ جَنَّاتِ عَدْن ﴾ بدل من قوله: ﴿ يَدخُلُونَ اَلجَنَّةَ ﴾ (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ﴾ قال ابن عباس: (يريد أنهم غابوا عما فيها مما لا عين رأت) (٣) ﴿ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ﴾ قال الكسائي: (لابد من أن يؤتى عليه ومن أن يبلغ ويصار إليه.

ولو كان آتيا لكان صوابا كما قال: ﴿ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ  ﴾ ولكن مأتيا لرؤس الآيات) (٤) (٥) (٦) (٧) (١) "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 320، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 115، "الدر المصون" 7/ 610.

(٢) في سورة التوبة الآية رقم: (72) عند قوله سبحانه: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ .

(٣) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 101، "الكشف والبيان" 3/ 9 أ، "المحرر الوجيز" 9/ 496، "زاد المسير" 5/ 246، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 143، "جامع البيان" 5/ 804.

(٤) "تهذيب اللغة" (أتى) 1/ 118، "لسان العرب" (أتى) 1/ 22.

(٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 170.

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 336.

(٧) "جامع البيان" 16/ 101.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بالغيب ﴾ أي أخبرهم من ذلك بما غاب عنهم ﴿ مَأْتِيّاً ﴾ وزنه مفعول، فقيل: إنه بمعنى فاعل، لأن الوعد هو الذي يأتي وقيل إنه على بابه لأن الوعد هو الجنة، وهم يأتونها ﴿ لَغْواً ﴾ يعني ساقط الكلام ﴿ إِلاَّ سلاما ﴾ استثناء منقطع ﴿ بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ قيل: المعنى أن زمانهم يقدر بالأيام والليالي، إذ ليس في الجنة نهار ولا ليل، وقيل: المعنى أن الرزق يأتيهم في كل حين يحتاجون إليه، وعبر عن ذلك بالبُكرة والعشي على عادة الناس في أكلهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ مخلصاً ﴾ بفتح اللام: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل.

الباقون بكسرها.

﴿ إبراهام ﴾ وما بعده: هشام والأخفش عن ابن ذكوان ﴿ إذا ابتلي ﴾ بالياء التحتانية وكذلك في سورة الحج: قتيبة ﴿ نورث ﴾ بالتشديد: رويس.

الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ لا تعبد الشيطان ﴾ ط ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ ولياً ﴾ ه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ط ج وقد يوصل ويوقف على ﴿ آلهتي ﴾ .

﴿ ملياً ﴾ ه ﴿ سلام عليك ﴾ ج للابتداء بسين الاستقبال مع أن القائل واحد ﴿ لك ربي ﴾ ط ﴿ حفياً ﴾ ه ﴿ وأدعو ربي ﴾ ز لانقطاع النظم والوصل أولى لأن عسى لطمع الإجابة بالدعاء ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ لا لأن ما بعده جواب لما ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ز للأبتداء بأن مع أن المراد بالذكر إخلاص موسى ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نجياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ إسماعيل ﴾ ز لما مر ﴿ نبياً ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ والزكاة ﴾ ط ﴿ مرضيا ﴾ ه ﴿ إدريس ﴾ ز ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ مع نوح ﴾ ز على تقدير ومن ذريته إبراهيم وما بعده قوم إذا تتلى عليهم، وكذا وجه من وقف على ﴿ ذرية آدم ﴾ أو على ﴿ إسرائيل ﴾ والأصح أن الكل عطف على ذرية آدم والوقف على قوله: ﴿ واجتبينا ﴾ لئلا يحتاج إلى الحذف وليرجع ثناء السجود والبكاء إلى الكل ﴿ وبكيا ﴾ ه ﴿ عياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ جنات ﴾ بدل من ﴿ الجنة ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ط ﴿ مأتيا ﴾ ه ﴿ سلاماً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ بأمر ربك ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ ذلك ﴾ ج لأن قوله: ﴿ وما كان ﴾ معطوف على ﴿ نتنزل ﴾ مع وقوع العارض ﴿ نسياً ﴾ ج ه، لأن ما بعده بدل أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ لعبادته ﴾ ط ﴿ سمياً ﴾ ه.

التفسير: إن الذين أثبتوا معبوداً سوى الله منهم من أثبت معبوداً حياً عاقلاً كالنصارى، ومنهم من عبد معبوداً جماداً كعبدة الأوثان، وكلا الفريقين ضال إلا أن الفريق الثاني أضل.

وحين بين ضلال الفريق الأول شرع في بيان ضلال الفريق الثاني تدرجاً من الأسهل إلى الأصعب.

وإنما بدأ بقصة إبراهيم  لأنه كان أبا العرب وكانوا مقرين بعلوّ شأنه وكمال دينه فكأنه قال لهم: إن كنتم مقلدين فقلدوه في ترك عبدة الأوثان وعبادتها، وإن كنتم مستدلين فانظروا في الدلائل التي ذكرها على أبيه.

والمراد بذكر الرسول إياه في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس كقوله: ﴿ واتل عليهم نبأ إبراهيم  ﴾ وإلا فهو  هو الذي يذكره في تنزيله.

وقوله: ﴿ إذ قال ﴾ بدل من ﴿ إبراهيم ﴾ وما بينهما اعتراض، ولمكان هذا الاعتراض صار الوقف على ﴿ إبراهيم ﴾ مطلقاً.

وجوز في الكشاف أن يتعلق "إذ" بـ ﴿ كان ﴾ أو بـ ﴿ صديقاً نبياً ﴾ أي كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات.

والصديق من أبنية المبالغة فهي إما مبالغة صادق لأن ملاك أمر النبوة الصدق، وإما مبالغة مصدق وذلك لكثرة تصديقه الحق وهذا أيضاً بالحقيقة يعود إلى الأول، لأن مصدق الحق لا يعتبر تصديقه.

إلا إذا كان صادقاً جداً في أقواله مصدقاً لجميع من تقدم من الأنبياء والكتب، وكان نبياً في نفسه رفيع القدر عند الله وعند الناس بحيث جعل واسطة بينه وبين عباده.

وقيل: إن "كان" بمعنى "صار" والأصح أنه بمعنى الثبوت والاستمرار أي إنه لم يزل موصوفاً بالصدق والنبوة في الأوقات الممكن له ذلك فيها.

والتاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وقد مر في أول سورة يوسف.

أورد على أبيه الدلائل والنصائح وصدر كلاً منها بالنداء المتضمن للرفق واللين استمالة لقلب أبيه وامتثالاً لأمر ربه على ما رواه أبو هريرة أن رسول الله  قال: "أوحى الله إلى إبراهيم إنك خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي وأسكنه حظيرة القدس وأدنيه من جواري" .

فقوله: {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر" منسيّ المفعول لا منويه فإن الغرض نفي الفعلين على الإطلاق دون التقييد.

و"ما" موصولة أو موصوفة أي الذي لا يسمع أو معبوداً لا يسمع و ﴿ شيئاً ﴾ مفعول به من قوله: "أغن عني وجهك" أي ادفعه.

ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي شيئاً من الإغناء، وعلى هذا يجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين أي لا يسمع شيئاً من السماع إلى آخره.

وحاصل الدليل أن العبادة غاية الخضوع فلا يستحقها إلا أشرف الموجودات لا أخسها وهو الجماد غاية عذرهم عن تلك هي أنها تماثيل أشياء يتصوّر نفها أو ضرها كالكواكب وغيرها فيقال لهم: أليس الكواكب وسائر الممكنات تنتهي في الاحتياج إلى واجب الوجود؟

فإذا جعل شيء من هذه الأشياء معبوداً فقد شورك الممكن والواجب في نهاية التعظيم وهذا مما ينبو عنه الطبع السليم، ورفع الوسائط من البين أدخل في الإخلاص وأقرب إلى الخلاص.

وقوله: ﴿ يا أبت أني قد جاءني ﴾ تنبيه ونصيحة وفيه أن هذا العلم تجدد له حصوله فيكون أقرب إلى التصديق.

وفي قوله: ﴿ من العلم ما لم يأتك ﴾ فائدة هي أنه لم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال: إن معي طائفة من العلم ليست معك فلا تستنكف، وهب أنا في مفازة وعندي معرفة بالدلالة دونك ﴿ فاتبعني أهدك صراطاً سوياً ﴾ مستوياً مؤدّياً إلى المقصود وهو صلاح المعاش والمعاد.

استدل أرباب التعليم بالآية بأنه لا بد من الاتباع.

وأجيب بأنه لا يلزم من اتباع النبي اتباع غيره.

والإنصاف أن هذه الطريق أسهل.

ثم أكد المعنى المذكور بنصيحة أخرى زاجرة عما هو عليه فقال: ﴿ يا أبت لا تعبد الشيطان ﴾ أي لا تطعه فإن عبادة الأصنام هي طاعة الشيطان.

ثم أسقط حصة نفسه إذ لم يقل إن الشيطان عدوّ لبني آدم بل قدّم حق ربه فقال: ﴿ إن الشيطان كان للرحمن عصياً ﴾ حين ترك أمره بالسجود عناداً واستكباراً لا نسياناً وخطأ، نبهه بهذه النصيحة على وجود الرحمن ثم على وجود الشيطان، وأن الرحمن مصدر كل خير، والشيطان مظهر كل شر بدلالة الموضوع اللغوي، وهذا القدر كافٍ من التنبيه لمن تأمل وأنصف.

ثم بين الباعث على هذه النصحية فقال: ﴿ يا أبت إني أخاف ﴾ وفيه مع التخويف من سواء العاقبة أنواع من الأدب إذ ذكر الخوف والمس ونكر العذاب.

قال الفراء: معنى أخاف أعلم.

والأكثرون على أنه محمول على ظاهره لأن إبراهيم  لم يكن جازماً بموت أبيه على الكفر وإلا لم يشتغل بنصحه.

والخوف على الغير ظن وصول الضرر إلى ذلك الغير مع تألم قلبه من ذلك كما يقال: أنا خائف على ولدي.

وذكروا في الولي وجوهاً منها: أنه إذا استوجب عذاب الله كان مع اشيطان في النار والمعية سبب الولاية أو مسببها غالباً، وإطلاق أحدهما على الآخر مجاز.

وليس هناك ولاية حقيقة لقوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ  ﴾ ﴿ إني كفرت بما أشركتمون من قبل  ﴾ ومنها أن حمل العذاب على الخذلان ومنها أن الولي بمعنى التالي والتابع قال جار الله: جعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أتباعه وأوليائه أكبر من نفس العذاب، لأن ولاية الشيطان في مقابلة رضا الرحمن وقال عز من قائل: ﴿ ورضوان من الله أكبر  ﴾ وإذا كان رضوان الله أكبر من نعيم الجنة فولاية الشيطان أعظم من عذاب النار.

ثم إن الشيخ قبل ملاطفات إبراهيم بالفظاظة والغلظة قائلاً ﴿ أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ﴾ فقدم الخبر على المبتدأ إشعاراً بأنه عنده أعنى.

وفي هذا الاستفهام ضرب من التعجب والإنكار لرغبته عن آلهته.

وفي قوله: ﴿ يا إبراهيم ﴾ دون أن يقول: "يا بني" في مقابلة ﴿ يا أبت ﴾ تهاون به كيف لا وقد صرح بالإهانة قائلاً ﴿ لئن لم تنته لأرجمنك ﴾ باللسان أي لأشتمنك أو باليد أي لأقتلنك وأصله الرمي بالرجم.

ثم ههنا إضمار أي فاحذرني ﴿ واهجرني ملياً ﴾ أي زماناً طويلاً من الملاوة، أو أراد ملياً بالذهاب والهجران.

مطيقاً له قوياً عليه قبل أن أثخنك بالضرب.

فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على التمرد والجهالة ﴿ قال سلام عليك ﴾ يعني سلام توديع ومتاركة كقوله: ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  ﴾ وفيه أن متاركة المنصوح إذا ظهر منه آثار اللجاج من سنن المرسلين، ويحتمل أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له ورفقاً به بدليل قوله: ﴿ سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيّاً ﴾ بليغاً في البر والإلطاف وقد مر ي آخر "الأعراف".

احتج بالآية بعض من طعن في عصمة الأنبياء قال: إنه استغفر لأبيه الكافر وهو منهي عنه لقوله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  ﴾ الآية.

ولقوله في الممتحنة ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم  ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك  ﴾ فلو لم يكن هذا معصية لم يمنع من التأسي به.

والجواب لعل إبراهيم  في شرعه لم يجد ما يدل على القطع بتعذيب الكافر أو لعل بهذا الفعل منه من باب ترك الأولى، أو لعل الاستغفار بمعنى الاستبطاء كقوله: ﴿ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله  ﴾ والمعنى سأسأل ربي أن يخزيك بكفرك ما دمت حياً.

والجواب في الحقيقة ما مر في آخر سورة التوبة في قوله عز من قائل ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه  ﴾ والمنع من التأسي لا يدل على المعصية، فلعل الاستغفار مع ذلك الشرط كان من خصائصه كما أن كثيراً من الأمور كانت مباحة للرسول الله  هي محرمة علينا.

ثم صرح بما تضمنه السلام من التوديع والهجران فقال: ﴿ وأعتزلكم ﴾ أي أهاجر إلى الشام ﴿ و ﴾ أعتزل ﴿ ما تدعون ﴾ أي ما تعبدون ﴿ من دون الله ﴾ وقد يعبر بالدعاء عن العبادة لأنه منها ومن وسائطها، يدل على هذا التفسير قوله: ﴿ فلما أعتزلهم وما يعبدون ﴾ أما قوله: ﴿ وأدعو ربي ﴾ فيحتمل معنيين: العبادة والدعاء كما يجيء في سورة الشعراء.

وفي قوله: ﴿ عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً ﴾ تعريض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم وعبادتها مع التواضع وهضم النفس المستفاد من لفظ ﴿ عسى ﴾ .

قال العلماء: ما خسر على الله أحد فإن إبراهيم لما ترك أباه الكافر وقومه فراراً بدينه عوّضه الله أولاداً مؤمنين أنبياء وذلك قوله: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاً جعلنا نبياً ووهبنا لهم ﴾ شيئاً ﴿ من رحمتنا ﴾ عن الحسن: هي النبوة.

وعن الكلبي: المال والولد.

والأظهر أنها عامة في ذلك كل خير ديني ودنيوي ولسان الصدق والثناء الحسن، عبر باللسان عما يوجد به كما عبر باليد عما يطلق بها وهو العطية وقد مر تحقيق الإضافة في أول يونس في قوله: ﴿ قدم صدق  ﴾ تبرأ إبراهيم من أبيه ابتغاء مرضاة الله فسماه الله أبا بالمؤمنين ﴿ ملة أبيكم إبراهيم  ﴾ ، وتل ولده للجبين ففداه الله بذبح عظيم، وأسلم نفسه لرب العالمين فجعل النار عليه برداً وسلاماً، وأشفق على هذه الأمة فقال وابعث فيهم رسولاً، فأشركه الله في الصلاة على النبي  في الصلوات الخمس، ووفى في حق سارة كما قال  : ﴿ وإبراهيم الذي وفى  ﴾ فجعل موطىء قدمه مباركاً ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى  ﴾ وعادى كل الخلق في الله حين قال ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين  ﴾ فلا جرم اتخذه الله خليلاً.

ثم قفى قصة إبراهيم بقصة موسى  لأنه تلوه في الشرف.

والمخلص بكسر اللام الذي أخلص العبادة عن الشرك والرياء وأخلص وجهه لله، وبالفتح الذي أخلصه الله و ﴿ كان رسولاً نبياً ﴾ الرسول الذي معه كتاب من الأنبياء والنبي الذي ينبىء عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب، وكان المناسب ذكر الأعم قبل الأخص إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت عكس ذلك كقوله في طه ﴿ برب هرون وموسى  ﴾ ﴿ الأيمن ﴾ من اليمين أي من ناحية اليمنى من موسى أو هو من اليمن صفة للطور أو للجانب ﴿ وقربناه ﴾ حال كونه ﴿ نجياً ﴾ أي مناجياً شبه تكليمه إياه من غير واسطة ملك بتقريب بعض الملوك واحداً من ندمائه للمناجاة والمسارة.

وعن أبي العالية أن التقريب حسي، قربه حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة والأول أظهر، ومنه قولهم للعبادة "تقرب" وللملائكة "أنهم مقربون".

﴿ ووهبنا له من رحمتنا ﴾ أي من أجلها أي بعض رحمتنا فيكون ﴿ أخاه ﴾ بدلاً و ﴿ هرون ﴾ عطف بيان كقولك "رأيت رجلاً أخاك زيداً".

و ﴿ نبياً ﴾ حال من هارون.

قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى فتنصرف الهبة إلى معاضدته وموازرته.

وذلك بدعاء موسى في قوله: ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي  ﴾ وخص إسماعيل بن إبراهيم بصدق الوعد وإن كان الأنبياء كلهم صادقين فيما بينهم وبين الله أو الناس، لأنه المشهور المتواصف من خصاله من ذلك: أنه وعد نفسه الصبر على الذبح فوفى به.

وعن ابن عباس أنه وعد صاحباً له أن ينتظره فانتظره سنة.

عن رسول الله  أنه واعد رجلاً ونسي ذلك الرجل فانتظره من الضحى إلى قريب من غروب الشمس.

وسئل الشعبي عن الرجل يعد ميعاده إلى أي وقت ينتظره؟

فقال: إذا واعدته في وقت الصلاة فانتظره إلى وقت صلاة أخرى.

وكان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لغيرهم ولأن الابتداء بالإحسان الديني والدنيوي بمن هو أقرب أولى ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً  ﴾ "بدأ من تعول" ويحسن أن يقال: أهله أمته كلهم أقارب أو أباعد من حيث إنه يلزمه في جميعهم ما يلزم المرء في أهله خاصة من قضاء حقوق النصيحة والشفقة ورعاية مصالحهم الدينية والدنيوية.

وعلى القولين يندرج في الصلاة الصلوات المفروضة والمندوبة كصلاة التهجد وغيرها، وأما الزكاة فالأقرب أنها الصدقة المفروضة.

وعن ابن عباس أنها طاعة الله والإخلاص لأن فاعلها يزكو بها عند الله.

وأما إدريس فالأصح أنه اسم عجمي بدليل منع الصرف كما مر مراراً في آدم ويعقوب وغيرهما.

وقيل: "افعيل" من الدرس لكثرة دراسته كتاب الله، ولعل معناه بالأعجمية قريب من الدراسة فظنه القائل مشتقاً منها.

وفي رفعته أقوال منها: أن المكان العليّ شرف النبوة والزلفى عند الله، وقد أنزل عليه ثلاثون صحيفة، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود، واسمه أخنوخ من أجداد نوح لأنه نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وأهل التنجيم بعضهم يسمونه هرمس ولهم نوادر في استخراج طوالع المواليد ينسبونه إليه.

وقيل: إن الله  رفعه إلى السماء وإلى الجنة وهو حي لم يمت.

وقال آخرون: رفع إلى السماء وقبض روحه.

عن ابن عباس أنه سأل كعباً عن قوله: ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ قال: جاء خليل من الملائكة فسأله أن يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه، فحمله ذلك الملك بين جناحيه فصعد به، فلما كان في السماء الرابعة إذ بملك الموت يقول: بعثت لأقبض روح إدريس في السماء الرابعة وأنا أقول: كيف ذلك وهو في الأرض؟

فالتفت إدريس فرأى ملك الموت فقبض روحه هناك.

وعن ابن عباس أنه رفع إلى السماء السادسة.

وعن الحسن: المراد أنه رفع إلى الجنة ولا شيء أعلى منها.

﴿ أولئك ﴾ المذكورون من لدن زكريا إلى إدريس هم ﴿ الذين أنعم الله عليهم من النبيين ﴾ "من" للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم ﴿ من ذرية آدم ﴾ هي للتبعيض وكذا في قوله: ﴿ وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل ﴾ والمراد بمن هو من ذرية آدم إدريس لقربه منه، وبذرية من حمل مع نوح إبراهيم  لأنه من ولد سام بن نوح، وبذرية إبراهيم وإسماعيل، وبذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم لأن مريم من ذريته.

﴿ وممن هدينا ﴾ يحتمل العطف على من الأولى والثانية وفي هذا الترتيب تنبيه على أن هؤلاء الأنبياء اجتمع لهم مع كمال الأحساب شرف الأنساب، وأن جميع ذلك بواسطة هداية الله وبمزية اجتنائه واصطفائه.

ثم إن جعلت ﴿ الذين ﴾ خبراً ﴿ لأولئك ﴾ كان ﴿ إذا يتلى ﴾ كلاماً مستأنفاً، وإن جعلته صفة له كان خبراً وقد عرفت في الوقوف سار الوجوه من قرأ ﴿ يتلى ﴾ بالتذكير لأن تأنيث الآيات غير حقيقي والفاصل حاصل.

والبكي جمع باكٍ "فعول" كسجود في "ساجد" أبدلت الواو ياء وأدغمت وكسر ما قبلها للمناسبة.

ومن زعم أنه مصدر فقدسها لأنها قرينة سجداً.

عن رسول الله  : " اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" أراد بالآيات التي فيها ذكر العذاب وقال غيره: إطلاق الآيات والحديث المذكور يدل على العموم لأن كل آية إذا فكر فيها المفكر صح أن يسجد عندها ويبكي.

قلت: لعل المراد بآيات الله ما خصهم الله  به من الكتب المنزلة، لأن القرآن حينئذ لم يكن منزلاً واختلفوا في السجود.

فقيل: هو الخشوع والخضوع.

وقيل: الصلاة.

وقيل: سجدة التلاوة على حسب ما تعبدنا به.

ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا يتعبدون بالسجود.

قال الزجاج: الإنسان في حال خروره لا يكون ساجداً فالمراد خروا متهيئين للسجود.

عن رسول الله  : "اقرؤا القرآن بحزن فإنه نزل بحزن" وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة "سبحان" فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه.

وقالت العلماء: يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللَّهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك.

وإن قرأ سجدة "سبحان" قال: اللَّهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك.

وإن قرأ ما في هذه السورة قال: اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك.

ولما مدح هؤلاء الأنبياء ترغيباً لغيرهم من سيرتهم وصف أضدادهم لتنفير الناس عن طريقتهم قائلاً ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ وهو عقب السوء كما مر في آخر "الأعراف" فإضاعة الصلاة في مقابلة الخرور سجداً، واتباع الشهوات بإزاء البكاء.

عن بان عباس: هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت من الأب.

وعن إبراهيم النخعي ومجاهد: أضاعوها بالتأخير.

وعن علي  في قوله: ﴿ واتبعوا الشهوات ﴾ من بني الشديد وركب المنظور ولبس المشهور.

وعن قتادة: هو في هذه الأمة ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال جار الله: كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد.

وقال الزجاج: هو على حذف المضاف أي جزاء غي كقوله: ﴿ ويلق أثاماً  ﴾ أي مجازاة أثام.

وقيل: غياً من طريق الجنة.

وقيل: هو وادٍ في جهنم تستعيذ منه أوديتها احتج بعضهم بقوله: ﴿ إلا من تاب وآمن ﴾ على أن تارك الصلاة كافر وإلا لم يحتج إلى تجديد الإيمان.

والجواب أنه إذا كان المذكورون هم الكفرة أو اليهود - كما رويناه عن ابن عباس - سقط الاستدلال.

واحتجت الأشاعرة في أن العمل ليس من الإيمان لأن العطف دليل التغاير.

وأجاب الكعبي بأنه عطف الإيمان على التوبة مع أنها من الإيمان، ومنع من أن التوبة من الإيمان ولكنها شرطه لأنها العزم على الترك والإيمان إقرار باللسان، وإنما حذف الموصوف ههنا وقال في الفرقان ﴿ وعمل عملاً صالحاً  ﴾ لأنه أوجز في ذكر المعاصي فأوجز في التوبة وأطال هناك فأطال هناك.

وهذا الاستثناء بحسب الغالب فقد يتوب عن كفره ويؤمن ولم يدخل بعد وقت الصلاة، أو كانت المرأة حائضاً ثم مات فهو من أهل النجاة مع أنه لم يعمل صالحاً.

ومعنى ﴿ لا يظلمون شيئاً ﴾ لا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم بل يضاعف لهم تفضلاً تنبيهاً على أن تقدم الكفر لا يضرهم بعد أن يتوبوا، ويحتمل أن ينتصب ﴿ شيئاً ﴾ على المصدر أي شيئاً من الظلم.

ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ قد مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ ومساكن طيبة في جنات عدن  ﴾ وصفها الله  بالإقامة والدوام خلاف ما عليه جنان الدنيا.

ولما كانت الجنة مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، ويحتمل انتصابها عل الاختصاص وكذا انتصاب "التي".

قال جار الله: عدن علم بمعنى العدن وهو الإقامة وهو علم لأرض الجنة لكونها مكان إقامة ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة.

ولما ساغ وصفها بـ "التي" ومعنى ﴿ بالغيب ﴾ مع الغيبة أي وعدوها وهي غائبة عنهم غير حاضرة، أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها، أو الباء للسببية أي وعدها عباده بسبب تصديق الغيب والإيمان به خلاف حال المنافقين.

وقوله: ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ بالأول أنسب وهو مفعول بمعنى "فاعل"، أو على أصله لأن ما أتاك فقد أتيته.

وجوز في الكشاف أن يكون من قولك: "أتى إليك إحساناً" أي كان وعده مفعولاً منجزاً.

قوله: ﴿ إلا سلاماً ﴾ استثناء متصل على التأويل لأن اللغو فضول الكلام وما لا طائل تحته كما تقدم في يمين اللغو في "البقرة" وفي "المائدة" أي إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغواً فلا يسمعون لغواً إلا ذلك كقولهم "عتابك السيف".

أو استثناء منقطع أي لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة، ويجوز أن يكون متصلاً بتأويل آخر وهو أن معنى السلام الدعاء بالسلامة وأهل دار السلام عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام.

وفي الآية تنبيه ظاهر على وجوب اتقاء اللغو حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها.

ثم إنه  من عادته ترغيب كل قوم بما أحبوه في الدنيا فلذلك ذكر أساور من الذهب والفضة لبس الحرير التي كانت للعجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة، وكانت من عادة أشراف اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء لأنها العادة الوسطى المحمودة لمتنعمين منهم فوعدهم بذلك قائلاً: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعيشاً ﴾ هذا قول الحسن.

ولا يكون ثم ليل ولا نهار ولكن على التقدير أي يأكلون على مقدار الغداة على العشي.

وقيل: أراد دوام الرزق كما تقول: أنا عند فلان صباحاً ومساء تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين.

وقوله: ﴿ تلك الجنة التي نورت ﴾ كقوله في "الأعراف" ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها  ﴾ وهي استعارة أي تبقى عليهم الجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث منه.

قال القاضي: في الآية دلالة على أن الجنة يختص بدخولها من كان متقياً غير مرتكب للكبائر.

وأجيب بمنع الاختصاص وبأنه يصدق على صاحب الكبيرة.

أنه اتقى الكفر.

سئل ههنا أن قوله  : ﴿ تلك الجنة التي نورث ﴾ كلام الله وقوله بعده: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب ليس من كلام الله فما وجه العطف بينهما: وأجيب بأنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح، فظاهر قوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب جماعة لواحد وإنه لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول كما روي أن قريشاً بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد  وهل يجدونه في كتابهم.

فسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه، وقالت اليهود: نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمان اليمامة عن خصال ثلاث فلم يعرف فاسألوه عنهن، فإن أخبركم بخصلتين منها فاتبعوه، فاسألوه عن فئة أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فلم يدر كيف يجيب، فوعدهم الجواب ولم يقل: إن شاء الله.

فاحتبس الوحي عليه أربعين يوماً - وقيل خمسة عشر يوماً - فشق عليه ذلك مشقة شديدة.

وقال المشركون: ودعه ربه وقلاه.

فنزل جبرائيل  فقال له النبي  : "أبطأت عني حتى ساء ظني واشتقت إليك." قال: كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذ حبست احتبست.

فأنزل الله الآية وأنزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً  ﴾ وسورة الضحى.

ومعنى التنزل على ما يليق بهذا الموضع هو النزول على مهل أي نزلنا في الأحايين وقتاً غب وقت ليس إلا بأمر الله عزوجل.

ثم أكد جبرائيل ما ذكره بقوله: ﴿ له ما بين أيدينا وما خلفنا ﴾ من الجهات والأماكن أو من الأزمنة الماضية والمستقبلة وما بينهما من المكان والزمان الذي نحن فيه فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة، أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ومشيئته.

وقيل: له ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة ﴿ وما بين ذلك ﴾ وهو ما بين النفختين أربعون سنة.

وقيل: ما مضى.

من أعمارنا وما غبر منها والحال التي نحن فيها أو ما قبل وجودنا وبعد فنائنا.

وقيل: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا.

والسماء التي وراءنا، وما بين السماء والأرض وعلى الأقوال فالمراد أنه الميحط بكل شيء لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة فكيف يقدم على فعل إلا بأمره!

وقال أبو مسلم: في وجه النظم إن قوله: ﴿ وما نتنزل ﴾ من قول أهل الجنة لمن بحضرتهم أي ما ننزل الجنة إلا بأمر ربك.

أما قوله: ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ فعلى القول الأول معناه أنه ما كان امتناع النزول إلا لعدم الإذن ولم يكن لترك الله إياكم لقوله: ﴿ ما ودّعك ربك وما قلى  ﴾ وعلى قول غير أبي مسلم هو تأكيد لإحاطته  بجميع الأشياء، وأنه لا يجوز عليه أن يسهو عن شيء ما ألبته.

وعلى قول أبي مسلم المراد أنه ليس ناسياً لأعمال العاملين فيثيب كلاً منهم بحسب عمله فيكون من تتمة حكاية قول أهل الجنة، أو ابتداء كلام من الله  خطاباً لرسوله ويتصل به قوله: ﴿ رب السموات والأرض ﴾ أي بل هو ربهما ﴿ وما بينهما فاعبده ﴾ الفاء للسببية لأن كونه رب العالمين سبب موجب لأن يعبد ﴿ واصطبر لعبادته ﴾ لم يقل "على عبادته" لأنه جعل العبادة بمنزلة القرن في قولك للمحارب "اصطبر لقرنك" أي أوجد الاصطبار لأجل مقاومته.

ثم أكد وجوب عبادته بقوله: ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ أي ليس له مثل ونظير حتى لا تخلص العبادة له، وإن عديم النظير لا بد أن يصبر على مواجب إرادته وتكاليفه خصوصاً إذا كانت فائدتها راجعة إلى المكلف.

وقيل: أراد أنه لا شريك له في اسمه وبيانه في وجهين: أحدهما أنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله عى الوثن إلا أنهم لم يطلقوا لفظ الله على من سواه.

وعن ابن عباس: أراد لا يسمى بالرحمن غيره.

قلت: وهذا صحيح ولعله هو السر في أنه لم يكرر لفظ "الرحمن" في سورة تكريره في هذه السورة.

وثانيهما هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل أن التسمية على الباطل كلا تسمية.

التأويل: ﴿ واذكر في الكتاب ﴾ الأزلي ﴿ إبراهيم ﴾ القلب ﴿ إنه كان صديقاً ﴾ للتصديق ثلاث مراتب: صادق صدق في أقواله، وصادق صدق في أخلاقه وأحواله، وصديق صدق في قيامه مع الله في الله بالله وهو الفانى عن نفسه الباقي بربه ﴿ إذ قال لأبيه ﴾ الروح الذي يعبد صنم الدنيا بتبعية النفس ﴿ فقد جاءني من العلم ﴾ اللدني ﴿ ما لم يأتك ﴾ لما ذكرنا أن القلب محل للفيض الإلهي أقبل من الروح كالمرآة فإنها تقبل النور لصفائها وينعكس النور عنها لكثافتها وصقالتها ﴿ وهبنا له إسحاق ﴾ السر ﴿ ويعقوب ﴾ الخفي ﴿ وناديناه من جانب الطور الأيمن ﴾ أسمعنا موسى القلب من جانب طور الروح لا من جانب وادي النفس الذي هو على أيسر ﴿ وكان يأمر أهله ﴾ أي الجسم والنفس والقلب والروح بالصلاة له توجه كل منهم توجهاً يليق بحاله، وبالزكاة أي تزكية كل واحد منهم من الأخلاق الذميمة ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ في مقعد صدق عند مليك مقتدر ﴿ خروا ﴾ بقلوبهم على عتبة العبودية ﴿ سجداً ﴾ بالتسليم للأحكام الأزلية ﴿ وبكياً ﴾ بكاء السمع يذوبان الوجود على نار الشوق والمحبة ﴿ عباده بالغيب ﴾ أي بغيبتهم عن الوجود قبل التكوين كقوله: ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة  ﴾ ﴿ ولهم رزقهم ﴾ رؤية الله على ما جاء في الحديث: "وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوّاً وعشياً" ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ المقدور في علم الله، وتنادى أهل العزة من سرادقات العزة أن يا أهل الطبيعة أفيقوا من المتمنيات فإنا ما ننزل من عالم الغيب.

إلا بأمر ربك ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ ليحتاج إلى تذكير متمن، بل هو رب سموات الأرواح وأرض الأجساد وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار له ﴿ فاعبده ﴾ بأركان الشريعة بجسدك وبآداب الطريقة بنفسك وبالإعراض عن الدنيا والإقبال على المولى بقلبك وبالفناء في الله والبقاء به بروحك وبسرك.

﴿ هل تعلم له ﴾ نظيراً في المحبوبية لك.

والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قال: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ ﴾ ، أي: خلف من بعد أولئك الذين وصفهم - عز وجل - بالصلاة لله، والخشوع لله فيها، والبكاء، ﴿ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ ﴾ ، أي: جعلوها لغير الله، وهي الأصنام التي كانوا يعبدونها، فإذا جعلوها وصرفوها إلى غير الذي يصلي [إليه] أولئك فقد أضاعوها؛ لأنهم كانوا يصلون للأصنام الصلاة التي كان يصلي أولئك لله.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ ﴾ ؛ لأن الصلاة هي آخر ما يترك ويضيع؛ لأنه روي في الخبر أنه قال: "سَيُنقَضُ عُرَى الإِسْلامِ عُرْوةً فَعُرْوَة، أوَّلُها الأمانة، وآخِرُها الصَّلاَة" وقال بعض أهل التأويل: ﴿ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ ﴾ ، إضاعتها: تأخيرها عن مواقيتها، لا أن تركوها أصلاً، فهذا في أهل الإسلام إن ثبت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ ﴾ ، أي: آثروا الشهوات على العبادات، وجعلوا الشهوات هي المعتمدة دون العبادات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً ﴾ : قال بعضهم: الغي: وادٍ في جهنم، لكن هذا لا يجوز أن يقال إلا بالخبر عن رسول الله أنه قال: واد في جهنم.

وقال بعضهم: الغي: العذاب.

وقال بعضهم: للغي: الشر.

وجائز أن يكون سمي جزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا بالغواية باسم أعمالهم: غياً، ويجوز تسمية الجزاء باسم سببه، كقوله: ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا  ﴾ ونحوه.

ثم استثنى فقال: ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ ﴾ عن الشرك، ﴿ وَآمَنَ ﴾ بالله ﴿ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ ، يشبه أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ ، أي: لا ينقصون من حسناتهم التي عملوها في حال إيمانهم لمكان ما عملوا من الأعمال في حال كفرهم، بل يبدل سيئاتهم حسنات على ما أخبر  : ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ  ﴾ ، وقال في آية [أخرى]: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ أخبر أنهم إذا آمنوا وانتهوا عن الشرك لا يؤاخذهم بما كان منهم في حال كفرهم، والله أعلم.

ثم بيّن أية جنة، فقال: ﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ ، ثم يحتمل إيمانهم بالغيب، أي: بالله آمنوا به بالخبر وإن لم يروه، ويحتمل الغيب: الجنة، أي: صدقوا بها وإن لم يروها والنار والبعث بالغيب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴾ أي: كان موعوده آتياً، ولكن ذكر ﴿ مَأْتِيّاً ﴾ ؛ لأن كل من أتاك فقد أتيته، فسمّي لذلك ﴿ مَأْتِيّاً ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً  إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً  ﴾ أي: لا يسمعون باطلاً، ولا ما يكره بعضهم من بعض، ولا ما يأثم بعضهم بعضاً إلا سلاماً، والسلام كأنه اسم كل خير وبركة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ .

قال الحسن: إن أطيب العيش وأحبّه إلى العرب الغداء والعشاء، فأخبرهم الله - عز وجل - أن لهم في الجنة الغداء والعشاء، وأطيب العيش إلى العجم لباس الحرير واللؤلؤ، فأعلمهم أن لهم في الجنة ذلك بقوله: ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ  ﴾ .

ويقول أهل التأويل: ليس في الجنة بكرة ولا عشي، ولا ليل ولا نهار، ولكن يؤتون على ما يحبون من البكرة والعشي.

عن ابن عباس قال: على مقادير الليل والنهار.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ ليس على تخصيص وقت دون وقت، ولكن الأوقات كلها في كل وقت يحبون ويشتهون، كقوله: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ  ﴾ ، ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ  ﴾ .

ويخرج ذكر البكرة والعشي: أن زمان الجنة يكون مشبهاً البكرة من وقت طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ومثل الوقت الذي يكون بعد غروب الشمس إلى أن يظلم؛ لأنه أخبر أن ظله ممدود بقوله: ﴿ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ  ﴾ .

ثم أخبر أن تلك الجنة التي ذكر أن فيها كذا هي ﴿ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً ﴾ يحتمل أن يكون وعد الجنة للبشر كلهم بشرائط شرط عليهم، إن وفوا بها فلهم الجنة جميعاً، وإن لم يفوا بها فلا، فمن وفى بشرائطه التي شرط يجعل الذي كان وعد للذي لم يف - إذا وفى - للذي وفي بذلك، فهو الميراث الذي ذكر، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ...

﴾ الآية [المؤمنون: 10-11]، والوارث هو الباقي من المورث والخلف عن الميت.

وقوله: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ : قال بعضهم: الخلف - بالجزم - يستعمل في موضع الذم، والخلف بالتحريك والنصب في موضع الحمد.

وقال بعضهم: هما سواء، ويستعملان جميعاً في موضع واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾ .

هذا الكلام منه لا يكون إلا عن سؤال كان منه، كأنه قد كان استبطأ نزول جبريل عليه، فعند ذلك قال له: إنا لا نتنزل إلا بأمر ربك.

ثم فيه أنه لم يقل ذلك له إلا بأمر الله؛ لأن الله أخبر أنهم: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ  ﴾ : فلا يحتمل أن يقول له ذلك من تلقاء نفسه؛ فيجعل ذلك آية في كتاب الله تتلى.

قوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ ﴾ .

كأن هذا الكلام موصول بقوله: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾ ؛ لأنهما جميعاً كانا يعلمان أن له ما بين أيديهم وما خلفهم وما بين ذلك؛ فدل ذلك أنه موصول بالأوّل، وجهة الصلة بالأوّل هو أن يقال: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾ ، لا نتقدم إلا بأمره، ولا نتأخر ولا نعمل شيئاً إلاّ بأمره، وهو كقوله: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ .

وأمّا غيره من أهل التأويل اختلفوا فيه: [قال بعضهم]: قوله: ﴿ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا ﴾ : هو الآخرة، ﴿ وَمَا خَلْفَنَا ﴾ : ما مضى من الدنيا، ﴿ وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ ﴾ : الحال التي نحن فيها.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا ﴾ : الدنيا، ﴿ وَمَا خَلْفَنَا ﴾ : الآخرة، ﴿ وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ ﴾ : ما بين النفختين، وأمثال هذا، لكن الذي ذكرنا بدءاً أولى وأشبه؛ إذ هو على الصلة بالأوّل؛ إذ لا يتقدم ولا يتأخر ولا يعمل شيئاً إلا بأمره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ .

هذا يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: ما قال بعض أهل التأويل: إن جبريل قد كان احتبس عنه زماناً، فقال أهل مكة: قد ودعه ربّه وقلاه؛ فنزل: ﴿ وَٱلضُّحَىٰ  وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ  مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ  ﴾ على ما قال المشركون، فيخرج على هذا قوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ على الترك، أي: ما كان ربك تركك لما قال أولئك من التوديع والقلى.

ويحتمل: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ كملوك الأرض يطلب خدمهم وخولهم وقت سهوهم وحالة غفلتهم، فيقضون حوائجهم وحوائج من يطلب منهم القيام بها، أي: ما كان ربك بالذي يسهو ويغفل كملوك الأرض.

والثالث: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ بتأخير نزوله عن وقت النزول، بل أنزل عليك في الوقت الذي هو وقت النزول.

فهذان الوجهان يخرجان على السهو والغفلة، والأول على الترك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾ .

أي: اصبر نفسك عليها وعلى طاعته.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: ما تعلم له شريكاً تشتغل بعبادته عن عبادة الله، إنما هو إله واحد، لا راحة لك عن عبادته ولا ما يشغلك عنه.

وقال بعض أهل التأويل: هل تعلم أحداً اسمه: (الله) سواه؟!

وقال بعضهم: هل تعلم له مثلاً وشبيهاً؟!

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

جنات إقامة واستقرار التي وعد الرحمن عباده الصالحين بالغيب أن يدخلهم فيها، وهم لم يروها فآمنوا بها، فوعْد الله بالجنة -وإن كان غيبًا- آت لا محالة.

<div class="verse-tafsir" id="91.bZomj"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد