الآية ٨٠ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٨٠ من سورة مريم

وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًۭا ٨٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 83 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٠ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٠ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ونرثه ما يقول ) أي : من مال وولد ، نسلبه منه ، عكس ما قال : إنه يؤتى في الدار الآخرة مالا وولدا ، زيادة على الذي له في الدنيا; بل في الآخرة يسلب من الذي كان له في الدنيا ، ولهذا قال : ( ويأتينا فردا ) أي : من المال والولد .

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( ونرثه ما يقول ) ، قال : نرثه وقال مجاهد : ( ونرثه ما يقول ) : ماله وولده ، وذلك الذي قال العاص بن وائل .

وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : ( ونرثه ما يقول ) قال : ما عنده ، وهو قوله : ( لأوتين مالا وولدا ) وفي حرف ابن مسعود : " ونرثه ما عنده " .

وقال قتادة : ( ويأتينا فردا ) : لا مال له ، ولا ولد .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( ونرثه ما يقول ) قال : ما جمع من الدنيا ، وما عمل فيها ، قال : ( ويأتينا فردا ) قال : فردا من ذلك ، لا يتبعه قليل ولا كثير .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ) يقول عزّ ذكره : ونسلب هذا القائل: لأوتين في الآخرة مالا وولدا، ماله وولده، ويصير لنا ماله وولده دونه، ويأتينا هو يوم القيامة فردا ، وحده لا مال معه ولا ولد.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى " ح "; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ) ماله وولده، وذلك الذي قال العاص بن وائل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا ) لا مال له ولا ولد.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ( وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ) قال: ما عنده، وهو قوله لأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا وفي حرف ابن مسعود: ونرثه ما عنده.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ) قال: ما جمع من الدنيا وما عمل فيها( وَيَأْتِينَا فَرْدًا ) قال : فردا من ذلك، لا يتبعه قليل ولا كثير.

حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ) : نرثه (4) --------------------- الهوامش : (4) كذا في ابن كثير أيضا .

والذي في الدر عن ابن عباس : ونرثه ما يكون : ماله وولده .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ونرثه ما يقول أي نسلبه ما أعطيناه في الدنيا من مال وولد .

وقال ابن عباس وغيره : أي نرثه المال والولد بعد إهلاكنا إياه .

وقيل : نحرمه ما تمناه في الآخرة من مال وولد ونجعله لغيره من المسلمين .

ويأتينا فردا أي منفردا لا مال له ولا ولد ولا عشيرة تنصره .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ } أي: نرثه ماله وولده، فينتقل من الدنيا فردا، بلا مال ولا أهل ولا أنصار ولا أعوان { وَيَأْتِينَا فَرْدًا } فيرى من وخيم العذاب وأليم العقاب، ما هو جزاء أمثاله من الظالمين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ونرثه ما يقول ) أي : ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه وإبطال ملكه ، وقوله ما يقول لأنه زعم أن له مالا وولدا " في الآخرة " أي لا نعطيه ونعطي غيره فيكون الإرث راجعا إلى ما تحت القول لا إلى نفس القول .

وقيل : معنى قوله : ( ونرثه ما يقول ) أي : نحفظ ما يقول حتى نجازيه به .

( ويأتينا فردا ) يوم القيامة بلا مال ولا ولد .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ونرثه ما يقول» من المال والولد «ويأتينا» يوم القيامة «فردا» لا مال له ولا ولد.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ونرثه مالَه وولده، ويأتينا يوم القيامة فردًا وحده، لا مال معه ولا ولد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ )أى : ما يقول إنه يؤتاه يوم القيامة من المال والولد ، بأن نسلبه منه ، ونجعله يخرج من هذه الدنيا خالى الوفاض منهما ، وليس معه فى قبره سوى كفنه ، ( وَيَأْتِينَا فَرْداً ) أى : ويأتينا يوم القيامة بعد مبعثه منفردا بدون مال أو ولد أو خدم أو غير ذلك مما كان يتفاخر به فى الدنيا هو وأشباهه من المغرورين الجاحدين .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قيل : سنتكب بسين التسويف وهو كما قاله كتبه من غير تأخير قال - تعالى : ( مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) قلت : فيه وجهان : أحدهما : سنظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله على طريقة قول الشاعر :إذا ما انتسبنا لم تلدنى لئيمة ...

ولم تجدى من أن تقرى بها بداأى : تبين وعلم بالانتساب أنى لم تلدنى لئيمة .والثانى : أن المتوعد يقول للجانى : سوف أنتقم منك ، يعنى أنه لا يخل بالانتصار وإن تطاول به الزمان واستأخر ، فجرد ها هنا لمعنى الوعيد .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل أولاً على صحة البعث ثم أورد شبهة المنكرين، وأجاب عنها أورد عنهم الآن ما ذكروه على سبيل الاستهزاء طعناً في القول بالحشر فقال: ﴿ أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بئاياتنا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ﴾ قرأ حمزة والكسائي ولداً وهو جمع ولد كأسد في أسد أو بمعنى الولد كالعرب في العرب، وعن يحيى بن يعمر ولداً بالكسر، وعن الحسن نزلت الآية في الوليد بن المغيرة والمشهورة أنها في العاص بن وائل، قال خباب بن الأرت: كان لي عليه دين فاقتضيته فقال: لا والله حتى تكفر بمحمد قلت: لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم لا حياً ولا ميتاً ولا حين تبعث فقال: فإني إذا مت بعثت؟

قلت: نعم.

قال: إني بعثت وجئتني فسيكون لي ثم مال وولد فأعطيك، وقيل: صاغ خباب له حلياً فاقتضاه فطلب الأجرة فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون، وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً فأنا أقضيك ثم، فإني أوتي مالاً وولداً حينئذ ثم أجاب الله تعالى عن كلامه بقوله: ﴿ أَطَّلَعَ الغيب أَمِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً ﴾ قال صاحب الكشاف: أطلع الغيب من قولهم أطلع الجبل أي ارتقى إلى أعلاه ويقال مر مطلعاً لذلك الأمر أي غالباً له مالكاً له والاختيار في هذه الكلمة أن تقول: أو قد بلغ من عظم شأنه أنه ارتقى إلى علم الغيب الذي توحد به الواحد القهار، والمعنى أن الذي ادعى أن يكون حاصلاً له لا يتوصل إليه إلا بأحد هذين الأمرين، إما علم الغيب وإما عهد من عالم الغيب فبأيهما توصل إليه؟

وقيل: في العهد كلمة الشهادة عن قتادة هل له عمل صالح قدمه فهو يرجو بذلك ما يقول؟

ثم إنه سبحانه بين من حاله ضد ما ادعاه، فقال: ﴿ كَلاَّ ﴾ وهي كلمة ردع وتنبيه على الخطأ أي هو مخطئ فيما يقوله ويتمناه فإن قيل لم قال: ﴿ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ ﴾ بسين التسويف وهو كما قاله كتب من غير تأخير قال تعالى: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ  ﴾ قلنا فيه وجهان: أحدهما: سيظهر له ويعلم أنا كتبنا.

الثاني: أن المتوعد يقول للجاني سوف أنتقم منك وإن كان في الحال في الانتقام ويكون غرضه من هذا الكلام محض التهديد فكذا هاهنا، أما قوله تعالى: ﴿ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً ﴾ أي نطول له من العذاب ما يستأهله ونزيده من العذاب ونضاعف له من المدد ويقال مده وأمده بمعنى ويدل عليه قراءة علي بن أبي طالب عليه السلام ويمد له بالضم، أما قوله ونرثه ما يقول أي يزول عنه ما وعده من مال وولد فلا يعود كما لا يعود الإرث إلى من خلفه وإذا سلب ذلك في الآخرة يبقى فرداً فلذلك قال: ﴿ وَيَأْتِينَا فَرْداً ﴾ فلا يصح أن ينفرد في الآخرة بمال وولد: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما كانت مشاهدة الأشياء ورؤيتها طريقاً إلى الإحاطة بها علماً وصحة الخبر عنها، استعملوا ﴿ أرأيت ﴾ في معنى (أخبر) والفاء جاءت لإفادة معناها الذي هو التعقيب، كأنه قال: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر، واذكر حديثه عقيب حديث أولئك ﴿ أَطَّلَعَ الغيب ﴾ من قولهم: أطلع الجبل: إذا ارتقى إلى أعلاه وطلع الثنية.

قال جرير: لاَقَيْتُ مُطَّلَعَ الْجِبَالِ وُعُورَا ويقولون: مرّ مطلعاً لذلك الأمر، أي عالياً له مالكاً له، ولاختيار هذه الكلمة شأن، يقول: أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى علم الغيب الذي توحد به الواحد القهار.

والمعنى: أن ما ادعى أن يؤتاه وتألى عليه لا يتوصل إليه إلا بأحد هذين الطريقين: إما علم الغيب، وإما عهد من عالم الغيب، فبأيهما توصل إلى ذلك؟

قرأ حمزة والكسائي: ﴿ ولداً ﴾ وهو جمع ولد، كأسد في أسد.

أو بمعنى الولد كالعرب في العرب.

وعن يحيى بن يعمر: ﴿ ولداً ﴾ بالكسر.

وقيل في العهد: كلمة الشهادة.

وعن قتادة: هل له عمل صالح قدّمه فهو يرجو بذلك ما يقول؟

وعن الكلبي: هل عهد الله إليه أنه يؤتيه ذلك؟

عن الحسن رحمه الله: نزلت في الوليد بن المغيرة، والمشهور أنها في العاصي بن وائل.

قال خباب بن الأرت: كان لي عليه دين فاقتضيته، فقال: لا والله حتى تكفر بمحمد.

قلت: لا والله لا أكفر بمحمد حياً ولا ميتاً ولا حين تبعث.

قال: فإني إذا مت بعثت؟

قلت: نعم.

قال: إذا بعثت جئتني وسيكون لي ثمَّ مال وولد فأعطيك وقيل: صاغ له خباب حلياً فاقتضاه الأجر، فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون، وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً، فأنا أقضيك ثَمَّ فإني أوتى مالاً وولداً حينئذ ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع وتنبيه على الخطأ أي: هو مخطيء فيما يصوّره لنفسه ويتمناه فليرتدع عنه.

فإن قلت: كيف قيل: ﴿ سَنَكْتُبُ ﴾ بسين التسويف، وهو كما قاله كتب من غير تأخير، قال الله تعالى: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18] ؟

قلت: فيه وجهان، أحدهما: سنظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله، على طريقة قوله: إذَا مَا انْتَسَبْنَا لَمْ تَلِدْنِي لِئيمَةٌ أي تبين وعلم بالانتساب أني لست بابن لئيمة.

والثاني: أن المتوعد يقول للجاني: سوف أنتقم منك، يعني أنه لا يخل بالانتصار وإن تطاول به الزمان واستأخر، فجرد هاهنا لمعنى الوعيد.

﴿ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً ﴾ أي نطوّل له من العذاب ما يستأهله ونعذبه بالنوع الذي يعذب به الكفار المستهزؤن.

أو نزيده من العذاب ونضاعف له من المدد.

يقال: مده وأمده بمعنى، وتدل عليه قراءة عليّ بن أبي طالب: (ونمد له) بالضم، وأكد ذلك بالمصدر، وذلك من فرط غضب الله، نعوذ به من التعرّض لما نستوجب به غضبه.

﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ﴾ أي نزوي عنه ما زعم أنه يناله في الآخرة ونعطيه من يستحقه.

والمعنى مسمى ما يقول.

ومعنى ﴿ مَا يَقُولُ ﴾ وهو المال والولد.

يقول الرجل: أنا أملك كذا، فتقول له: ولي فوق ما تقول، ويحتمل أنه قد تمنى وطمع أن يؤتيه الله في الدنيا مالاً وولداً، وبلغت به أشعبيته أن تألىَّ على ذلك في قوله: ﴿ لأُوتَيَنَّ ﴾ لأنه جواب قسم مضمر، ومن يتألَّ على الله يكذبه، فيقول الله عز وجل: هب أنا أعطيناه ما اشتهاه، إما نرثه منه في العاقبة ويأتينا فرداً غداً بلا مال ولا ولد، كقوله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى....

﴾ الآية [الأنعام: 94] فما يجدي عليه تمنيه وتأليه.

ويحتمل أن هذا القول إنما يقوله ما دام حياً، فإذا قبضناه حلنا بينه وبين أن يقوله، ويأتينا رافضاً له منفرداً عنه غير قائل له، أو لا ننسى قوله هذا ولا نلغيه، بل نثبته في صحيفته لنضرب به وجهه في الموقف ونعيره به ﴿ وَيَأْتِينَا ﴾ على فقره ومسكنته ﴿ فَرْداً ﴾ من المال والولد، لم نوله سؤله ولم نؤته متمناه، فيجتمع عليه الخطبان: تبعة قوله ووباله، وفقد المطموع فيه.

فرداً على الوجه الأول: حال مقدرة نحو ﴿ فادخلوها خالدين ﴾ [الزمر: 73] لأنه وغيره سواء في إتيانه فرداً حين يأتي، ثم يتفاوتون بعد ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مُخْطِئٌ فِيما تَصَوَّرَهُ لِنَفْسِهِ.

﴿ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ﴾ سَنُظْهِرُ لَهُ أنّا كَتَبْنا قَوْلَهُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: إذا ما انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ أيْ تَبَيَّنَ أنِّي لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ، أوْ سَنَنْتَقِمُ مِنهُ انْتِقامَ مَن كَتَبَ جَرِيمَةَ العَدُوِّ وحَفِظَها عَلَيْهِ فَإنَّ نَفْسَ الكِتابَةِ لا تَتَأخَّرُ عَنِ القَوْلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ .

﴿ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا ﴾ ونُطَوِّلُ لَهُ مِنَ العَذابِ ما يَسْتَأْهِلُهُ، أوْ نُزِيدُ عَذابَهُ ونُضاعِفُهُ لَهُ لِكُفْرِهِ وافْتِرائِهِ واسْتِهْزائِهِ عَلى اللَّهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ، ولِذَلِكَ أكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ دَلالَةً عَلى فَرْطِ غَضَبِهِ عَلَيْهِ.

﴿ وَنَرِثُهُ ﴾ بِمَوْتِهِ.

﴿ ما يَقُولُ ﴾ يَعْنِي المالَ والوَلَدَ.

﴿ وَيَأْتِينا ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ فَرْدًا ﴾ لا يَصْحَبُهُ مالٌ ولا ولَدٌ كانَ لَهُ في الدُّنْيا فَضْلًا أنْ يُؤْتى ثُمَّ زائِدًا وقِيلَ ﴿ فَرْدًا ﴾ رافِضًا لِهَذا القَوْلِ مُنْفَرِدًا عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} أي نزوي عنه ما زعم أنه يناله في الآخرة والمعنى مسمى ما يقول

مريم (٨٧ - ٨٠)

وهو المال والولد {وَيَأْتِينَا فَرْداً} حال أي بلا مال ولا ولد كقوله ولقد جئتمونا فرادى فما يجدي عليه تمنيه وتأليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ونَرِثُهُ ما يَقُولُ ﴾ أيْ نَسْلُبُ ذَلِكَ ونَأْخُذُهُ بِمَوْتِهِ أخْذَ الوارِثِ ما يَرِثُهُ، والمُرادُ بِما يَقُولُ مُسَمّاهُ ومِصْداقُهُ وهو ما أُوتِيَهُ في الدُّنْيا مِنَ المالِ والوَلَدِ يَقُولُ الرَّجُلُ: أنا أمْلِكُ كَذا، فَتَقُولُ: ولِي فَوْقُ ما تَقُولُ، والمَعْنى عَلى المُضِيِّ وكَذا في يَقُولُ السّابِقِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ لَيْسَ لِما قالَ مِصْداقٌ مَوْجُودٌ سِوى ما ذُكِرَ، وما إمّا بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ بَدَلُ اشْتِمالٍ وإمّا مَفْعُولٌ بِهِ أيْ نَرِثُ مِنهُ ما آتَيْناهُ في الدُّنْيا ﴿ ويَأْتِينا ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ فَرْدًا ﴾ لا يَصْحَبُهُ مالٌ ولا ولَدٌ كانَ لَهُ فَضْلًا أيْ يُؤْتى ثَمَّةَ زائِدًا، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ «ونَرِثُهُ ما عِنْدَهُ ويَأْتِينا فَرْدًا لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ» وهو ظاهِرٌ في المَعْنى المَذْكُورِ، وقِيلَ: المَعْنى نَحْرِمُهُ ما زَعَمَ أنَّهُ يَنالُهُ في الآخِرَةِ مِنَ المالِ والوَلَدِ ونُعْطِيهِ لِغَيْرِهِ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ، ورُوِيَ هَذا عَنْ أبِي سَهْلٍ، وتَفْسِيرُ الإرْثِ بِذَلِكَ تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ و ﴿ ما يَقُولُ ﴾ مُرادٌ مِنهُ مُسَمّاهُ أيْضًا والوَلَدُ الَّذِي يُعْطى لِلْغَيْرِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ولَدَ ذَلِكَ الغَيْرِ الَّذِي كانَ لَهُ في الدُّنْيا وإعْطاؤُهُ إيّاهُ بِأنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ حَسْبَما يَشْتَهِيهِ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ لا تَوالُدَ في الجَنَّةِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ فَقالَ جَمْعٌ: مِنهم مُجاهِدٌ وطاوُسٌ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: بِعَدَمِ التَّوالُدِ احْتِجاجًا بِما في حَدِيثِ لَقِيطٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الطَّوِيلِ الَّذِي عَلَيْهِ مِنَ الجَلالَةِ والمَهابَةِ ونُورِ النُّبُوَّةِ ما يُنادِي عَلى صِحَّتِهِ، وقالَ فِيهِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَندَهْ: لا يُنْكِرُهُ إلّا جاحِدٌ أوْ جاهِلٌ، وقَدْ خَرَّجَهُ جَماعَةٌ مِن أئِمَّةِ السُّنَّةِ مِن قَوْلِهِ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أوَلَنا فِيها أزْواجٌ أوْ مِنهُنَّ مُصْلِحاتٌ؟

قالَ  : «المُصْلِحاتُ لِلْمُصْلِحِينَ تُلَذِّذُونَهُنَّ ويُلَذِّذْنَكم مِثْلَ لَذّاتِكم في الدُّنْيا غَيْرَ أنْ لا تَتَوالَدَ»»، وبِما رُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ العُقَيْلِيِّ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: ««إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَكُونُ لَهم ولَدٌ»» وقالَتْ فِرْقَةٌ بِالتَّوالُدِ احْتِجاجًا بِما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  ««المُؤْمِنُ إذا اشْتَهى الوَلَدَ في الجَنَّةِ كانَ حَمْلُهُ ووَضْعُهُ وسِنُّهُ في ساعَةٍ واحِدَةٍ كَما يَشْتَهِي»» .

وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وبِما أخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ أيْضًا «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُولَدُ لِأهْلِ الجَنَّةِ فَإنَّ الوَلَدَ مِن تَمامِ السُّرُورِ؟

فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وما هو إلّا كَقَدْرِ ما يَتَمَنّى أحَدُكم فَيَكُونُ حَمْلُهُ ورِضاعُهُ وشَبابُهُ»» وأجابَتْ عَمّا تَقَدَّمَ بِأنَّ المُرادَ نَفْيُ أنْ يَكُونَ تَوالُدٌ أوْ ولَدٌ عَلى الوَجْهِ المَعْهُودِ في الدُّنْيا.

وتُعُقِّبَ ذَلِكَ بِأنَّ الحَدِيثَ الأخِيرَ ضَعِيفٌ كَما قالَ البَيْهَقِيُّ.

والحَدِيثُ الأوَّلُ قالَ فِيهِ السَّفارِينِيُّ: أجْوَدُ أسانِيدِهِ إسْنادُ التِّرْمِذِيِّ وقَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالغَرابَةِ وأنَّهُ لا يُعْرَفُ إلّا مِن حَدِيثِ أبِي الصِّدِّيقِ التّاجِيِّ، وقَدِ اضْطَرَبَ لَفْظُهُ فَتارَةً يُرْوى عَنْهُ إذا اشْتَهى الوَلَدُ وتارَةً أنَّهُ يَشْتَهِي الوَلَدَ وتارَةً أنَّ الرَّجُلَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لَيُولَدُ لَهُ وإذا قُلْنا بِأنَّ لَهُ عَلى الرِّوايَةِ السّابِقَةِ سَنَدًا حَسَنًا كَما أشارَ إلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ فِيهِ تَعْلِيقًا بِالشَّرْطِ، وجازَ أنْ لا يَقَعَ، وإذا وإنْ كانَتْ ظاهِرَةً في المُحَقَّقِ لَكِنَّها قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِمُجَرَّدِ التَّعْلِيقِ الأعَمِّ.

وأمّا الجَوابُ عَنِ الحَدِيثَيْنِ السّابِقَيْنِ بِما مَرَّ فَأوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ كَما لا يَخْفى، وبِالجُمْلَةِ المُرَجَّحُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ عَدَمُ التَّوالُدِ، ورَجَّحَ ذَلِكَ السَّفارِينِيُّ بِعَشَرَةِ أوْجُهٍ لَكِنْ لِلْبَحْثِ في أكْثَرِها مَجالٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقِيلَ: المُرادُ بِما يَقُولُ نَفْسُ القَوْلِ المَذْكُورِ لا مُسَمّاهُ، والمَعْنى إنَّما يَقُولُ هَذا القَوْلَ ما دامَ حَيًّا فَإذا قَبَضْناهُ حُلْنا بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْ يَقُولَهُ، ويَأْتِينا رافِضًا لَهُ مُفْرَدًا عَنْهُ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى صُدُورِ القَوْلِ المَذْكُورِ عَنْهُ بِطَرِيقِ الِاعْتِقادِ وأنَّهُ مُسْتَمِرٌّ عَلَّ التَّفَوُّهَ بِهِ راجٍ لِوُقُوعِ مَضْمُونِهِ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ مِمَّنْ كَفَرَ بِالبَعْثِ وإنَّما قالَ ما قالَ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ.

وأُجِيبُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ البِناءَ عَلى ذَلِكَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنَّما يَقُولُ ذَلِكَ ويَسْتَهْزِئُ ما دامَ حَيًّا فَإذا قَبَضْناهُ حُلْنا بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاسْتِهْزاءِ بِما يَنْكَشِفُ لَهُ ويَحِلُّ بِهِ أوْ يُقالُ: إنَّ مَبْنى ما ذُكِرَ عَلى المُجاراةِ مَعَ اللَّعِينِ كَما تَقَدَّمَ.

وقِيلَ: المَعْنى نَحْفَظُ قَوْلَهُ لِنَضْرِبَ بِهِ وجْهَهُ في المَوْقِفِ ونُعَيِّرَهُ بِهِ ويَأْتِينا عَلى فَقْرِهِ ومَسْكَنَتِهِ فَرْدًا مِنَ المالِ والوَلَدِ لَمْ نُولِهِ سُؤْلَهُ ولَمْ نُؤْتِهِ مُتَمَنّاهُ فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أمْرانِ: تَبِعَةُ قَوْلِهِ ووَبالُهُ وفَقْدُ المَطْمُوعِ فِيهِ، وإلى تَفْسِيرِ الإرْثِ بِالحِفْظِ ذَهَبَ النَّحّاسُ وجَعَلَ مِن ذَلِكَ ««العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ»» أيْ حَفَظَةُ ما قالُوهُ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ حِفْظَ قَوْلِهِ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ﴾ .

وفِي الكَشّافِ يُحْتَمَلُ أنَّهُ قَدْ تَمَنّى وطَمِعَ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ تَعالى مالًا ووَلَدًا في الدُّنْيا وبَلَغَتْ بِهِ أشْعَبِيَّتُهُ أنْ تَأْلّى عَلى ذَلِكَ فَقالَ سُبْحانَهُ هَبْ أنّا أعْطَيْناهُ ما اشْتَهاهُ أما نَرِثُهُ مِنهُ في العاقِبَةِ ويَأْتِينا غَدًا فَرْدًا بِلا مالٍ ولا ولَدٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى ﴾ فَما يُجْدِي عَلَيْهِ تَمَنِّيهِ وتَألِّيهِ.

انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّهُ احْتِمالٌ بَعِيدٌ جِدًّا في نَفْسِهِ ومِن جِهَةِ سَبَبِ النُّزُولِ، والتَّكَلُّفُ لِتَطْبِيقِهِ عَلَيْهِ لا يُقَرِّبُهُ كَما لا يَخْفى و ﴿ فَرْدًا ﴾ حالٌ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ لَكِنْ قِيلَ: إنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ حَيْثُ أُرِيدُ حِرْمانُهُ عَنِ المالِ والوَلَدِ وإعْطاءُ ذَلِكَ لِمُسْتَحَقِّهِ لِأنَّ الِانْفِرادَ عَلَيْهِ يَقْتَضِي التَّفاوُتَ بَيْنَ الضّالِّ والمُهْتَدِي وهو إنَّما يَكُونُ بَعُدَ بِالمَوْقِفِ بِخِلافِ ما إذا أُرِيدَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا تَضَمَّنَتْهُ الأقْوالُ لِعَدَمِ اقْتِضائِهِ التَّفاوُتَ بَيْنَهُما وكِفايَةِ فَرْدِيَّةِ المَوْقِفِ في الصِّحَّةِ وإنْ كانَتْ مُشْتَرِكَةً.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الحالَ مُقَدَّرَةٌ عَلى سائِرِ الأقْوالِ لِأنَّ المُرادَ دَوامُ الِانْفِرادِ عَنِ المالِ والوَلَدِ أوْ عَنِ القَوْلِ المَذْكُورِ، والدَّوامُ غَيْرُ مُحَقَّقٍ عِنْدَ الإتْيانِ بَلْ مُقَدَّرٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فادْخُلُوها خالِدِينَ ﴾ ولا يَخْفى ما فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا يعني: بمحمد  والقرآن وَقالَ لَأُوتَيَنَّ يعني: لأعطين مَالاً وَوَلَداً في الجنة.

روى أسباط عن السدي: أن خباب بن الأرت كان صائغاً يعمل للعاص بن وائل حلياً، فجاء يسأله أجره، فقال له العاص: أنتم تزعمون أن لنا بعثا وجنة وناراً، فَإِذا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ، فإني سأوتى مَالاً وَوَلداً، وأعطيك منه، فنزل أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً في الجنة.

قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو مَالاً وَوَلَداً بفتح الواو واللام في كل القرآن، غير أن أبا عمرو قرأ في سورة نوح بالضم، وهكذا روي عن مجاهد.

وقرأ حمزة والكسائي بضم الواو وجزم اللام من هاهنا إلى آخر السورة، والتي في الزخرف، والتي في سورة نوح.

وقال أبو عبيد: إنما قرأ هكذا لأنهما جعلا الوُلْد غير الوَلَد، فيقال: الوُلْد جماعة الأهل، والوَلَد واحد، وقال الزجاج: الوُلْد مثل أسد وأسد، وجاز أن يكون الوَلد بمعنى الولد.

قال أبو عبيد: والذي عندنا في ذلك أنهما لغتان، والذي نختاره منهما بفتح الواو واللام.

قال الله عزّ وجلّ رداً على الكافرين: أَطَّلَعَ الْغَيْبَ يقول: أنظر في اللوح المحفوظ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً يعني: أعقد عند الله عقد التوحيد، وهو قول لا إله إلا الله؟

ويقال: أعهد إليه أن سيجعل له في الجنة كَلَّا وهو رد عليه، لا يعطى له ذلك.

واعلم أنه ليس في النصف الأول من القرآن كلا، وأما النصف الثاني: ففيه نيف وثلاثون موضعاً.

ففي بعض المواضع: في معنى الرد للكلام الأول، وفي بعض المواضع: للتنبيه في معنى الافتتاح، وفي بعض المواضع: يحتمل كلا الوجهين.

فأول ذلك أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً كَلَّا تم الكلام عنده أي: كلا لم يطلع الغيب ولم يتخذ عهداً، ثم ابتدأ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ومن ذلك قوله فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ [القصص: 33] قَالَ: كَلاَّ لا يقتلونك.

وأما الذي هو للتنبيه في معنى الافتتاح، قوله عز وجل حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [التكاثر: 2- 3] وقوله عز وجل: سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ يعني: سنحفظ ما يقول من الكذب وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ يعني: نزيد له من العذاب مَدًّا يعني: بعضه على إثر بعضٍ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ يعني: نعطيه غير ما يقول في الجنة، ونعطي ما يدعي لنفسه لغيره ثم قال: وَيَأْتِينا فَرْداً يعني: وحيداً بغير مال ولا ولد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقولُه: أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً معناه بالأَيْمان، والأَعْمال الصالحات «١» .

وكَلَّا زَجْرٌ، وردٌّ، وهذا المعنى لاَزِمٌ ل «كَلاَّ» ، ثم أَخبر سبحانه: أَن قولَ هذا الكافر سَيُكْتب على معنى حفظه عليه، ومعاقبته «٢» به، ومدّ العذاب: هو إطالته وتعظيمه.

وقوله سبحانه: وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ أَيْ: هذه الأَشياء التي سمّى أنه يُؤْتَاها في الآخرة، يرث اللهُ ماله منها [في الدنيا بإهلاكه، وتَرْكِه لها، فالوراثة «٣» مستعارةٌ] «٤» .

وقال النحاسُ «٥» : نَرِثُهُ مَا يَقُولُ معناه: نحفظه عليه لنعاقبه به ومنه قوله صلى الله عليه وسلّم:

«العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ» أي: حفظة ما قالوا.

قال ع «٦» : فكأَنَّ هذا المجرمُ يورث هذه المقالة.

وقوله: وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا معناه: يجدونهم خِلاَف ما كانوا أمّلُوه في مَعْبُودَاتِهم فَيَؤولُ ذلك بهم إلى ذِلَّة، وضِدِّ ما أملوه من العزّ، وغيره، وهذه صفة عامة.

وتَؤُزُّهُمْ معناهُ: تُقْلِقُهم وتحرِّكُهم إلى الكفر والضلالِ.

قال قتادةُ «٧» : تزعِجُهم إزْعاجاً، وقال ابنُ زيد «٨» : تُشْلِيهم إشْلاَءً، ومنه، أَزِيزُ القِدر، وهو غَلَيَانُه وحَرَكَتُه ومنه الحديث: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، وهُو يَبْكِي، ولِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كأَزِيزِ المرجل» «٩» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ مَسْرُوقٍ عَنْ خَبّابِ [ بْنِ الأرَتِّ ]، قالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا؛ [ أيْ: حَدّادًا ]، وكانَ لِي عَلى العاصِ بْنِ وائِلٍ دَيْنٌ، فَأتَيْتُهُ أتَقاضاهُ، فَقالَ: [ لا ] واللَّهِ لا أقَضِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: لا واللَّهِ لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ  حَتّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ.

قالَ: فَإنِّي إذا مُتُّ ثُمَّ بُعِثْتُ جِئْتَنِي ولِي ثَمَّ مالٌ ووَلَدٌ فَأعْطَيْتُكَ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: " فَرَدًا " .

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، والمُفَسِّرُونَ عَلى الأوَّلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأُوتَيَنَّ مالا ووَلَدًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الواوِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ الواوِ.

وقالَ الفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ، كالعَدَمِ والعُدْمِ، ولَيْسَ يُجْمَعُ، وقَيْسٌ تَجْعَلُ الوُلْدَ جَمْعًا، والوَلَدَ بِفَتْحِ الواوِ واحِدًا.

وَأيْنَ زَعْمُ هَذا الكافِرِ أنْ يُؤْتى المالَ والوَلَدَ، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ في الجَنَّةِ عَلى زَعْمِكم.

والثّانِي: في الدُّنْيا.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وتَقْدِيرُ الآيَةِ: أرَأيْتَهُ مُصِيبًا ؟

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أطَّلَعَ الغَيْبَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: أعَلِمَ ما غابَ عَنْهُ حَتّى يَعْلَمَ أفِي الجَنَّةِ هو أمْ لا ؟

وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: أنَظَرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ؟

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أمْ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَأرْحَمُهُ بِها ؟

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أمْ قَدَّمَ عَمَلًا صالِحًا فَهو يَرْجُوهُ ؟

قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أمْ عُهِدَ إلَيْهِ أنَّهُ يُدْخِلْهُ الجَنَّةَ ؟

قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ ؛ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالَ مِن أنَّهُ يُؤْتى المالَ والوَلَدَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى " كَلّا ": أيْ: إنَّهُ لَمْ يَطَّلِعِ الغَيْبَ، ولَمْ يَتَّخِذْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا.

﴿ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ﴾ ؛ أيْ: سَنَأْمُرُ الحَفَظَةَ بِإثْباتِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ لِنُجازِيَهُ بِهِ، ﴿ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا ﴾ ؛ أيْ: نَجْعَلُ بَعْضَ العَذابِ عَلى إثْرِ بَعْضٍ.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ الرِّياحِيُّ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: ( سَيَكْتُبُ )، ( ويَرِثُهُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَرِثُهُ ما يَقُولُ إنَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ، فَنَجْعَلُهُ لِغَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: نَرِثُ ما عِنْدَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، بِإهْلاكِنا إيّاهُ وإبْطالِ مُلْكِهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: سَنَسْلُبُهُ المالَ والوَلَدَ ونَجْعَلُهُ لِغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَأْتِينا فَرْدًا ﴾ ؛ أيْ: بِلا مالٍ ولا ولَدٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ حَتّى إذا رَأوا ما يُوعَدُونَ إمّا العَذابَ وإمّا الساعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا  ﴾ ﴿ وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى والباقِياتُ الصالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا ﴾ ﴿ أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لأُوتَيَنَّ مالا ووَلَدًا ﴾ ﴿ أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا ﴾ ﴿ كَلا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا ﴾ ﴿ وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا ﴾ "حَتّى" في هَذِهِ الآيَةِ حَرْفُ ابْتِداءٍ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةٍ، وفِيها مَعْنى الغايَةِ، و"إذا" شَرْطٌ، وجَوابُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ  ﴾ ، و"الرُؤْيَةُ" رُؤْيَةُ العَيْنِ، و"العَذابَ" و"الساعَةَ" بَدَّلَ مِن "ما" الَّتِي وقَعَتْ عَلَيْها "رَأوا".

و"إمّا" هي المُدْخَلَةُ لِلشَّكِّ في أوَّلِ الكَلامِ، والثانِيَةُ عِطْفٌ عَلَيْها.

و"العَذابَ" يُرِيدُ بِهِ عَذابَ الدُنْيا ونُصْرَةَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، و"الجُنْدُ" النُصْرَةُ والقائِمُونَ بِأمْرِ الحَرْبِ، و"شَرٌّ مَكانًا" بِإزاءِ قَوْلِهِمْ: "خَيْرٌ مَقامًا"، و"أضْعَفُ جُنْدًا" بِإزاءِ قَوْلِهِمْ: "أحْسَنُ نَدِيًّا" ولَمّا ذَكَرَ ضَلالَةَ الكُفْرِ، وارْتِباكَهم في الِامْتِحانِ بِنِعَمِ الدُنْيا وعَماهم عَنِ الطَرِيقِ المُسْتَقِيمِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ نِعْمَتِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، في أنَّهُ يَزِيدُهم هُدًى في الِارْتِباطِ إلى الأعْمالِ الصالِحَةِ، والمَعْرِفَةِ بِالدَلائِلِ الواضِحَةِ، وزِيادَةِ العِلْمِ دَأبًا، قالَ الطَبَرَيْ عن بَعْضِهِمُ: المَعْنى: بِناسِخِ القُرْآنِ ومَنسُوخِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِثالٌ.

و" الباقِياتُ الصالِحاتُ " إشارَةٌ إلى ذَلِكَ الهُدى الَّذِي يَزِيدُهُمُ اللهُ، وهَذِهِ النِعَمُ عَلى هَؤُلاءِ خَيْرٌ عِنْدَ اللهِ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرْجِعًا.

والقَوْلُ في زِيادَةِ الهُدى سَهْلٌ بَيِّنُ الوُجُوهِ.

و" الباقِياتُ الصالِحاتُ " كُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ يَرْفَعُ اللهُ بِهِ دَرَجَةَ عامِلِهِ، وقالَ الحَسَنُ: هي الفَرائِضُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الصَلَواتُ الخَمْسُ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّها الكَلِماتُ المَشْهُوراتُ: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ.

فَقَدْ قالَ  لِأبِي الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خُذْهُنَّ قَبْلَ أنْ يُحالَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُنَّ، فَهُنَّ الباقِياتُ الصالِحاتُ، وهُنَّ مَن كُنُوزِ الجَنَّةِ»، ورُوِيَ عنهُ  أنَّهُ قالَ يَوْمًا: « "خُذُوا جُنَّتَكُمْ"، قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، أمِن عَدُوٍّ حَضَرَ؟

قالَ: "مِنَ النارِ"، قالُوا: ما هي يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ: "سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ، وهُنَّ الباقِياتُ الصالِحاتُ»، وكانَ أبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ إذا ذَكَرَ هَذا الحَدِيثَ يَقُولُ: «لَأُهَلِّلَنَّ ولَأُكَبِرَنَّ اللهَ ولَأُسَبِّحَنَّهُ حَتّى إذا رَآنِي الجاهِلُ ظَنَّنِي مَجْنُونًا».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا ﴾ .

الفاءُ في قَوْلِهِ: " أفَرَأيْتَ " عاطِفَةٌ بَعْدَ ألْفِ الِاسْتِفْهامِ، وهي عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، و ﴿ الَّذِي كَفَرَ ﴾ يَعْنِي بِهِ العاصِيَ بْنَ وائِلٍ السَهْمَيَّ، قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وخَبَرَهُ «أنَّ خَبّابَ بْنَ الأرَتِّ كانَ قَيْنًا في الجاهِلِيَّةِ، فَعَمِلَ لَهُ عَمَلًا، واجْتَمَعَ لَهُ عِنْدَهُ دَيْنٌ، فَجاءَهُ يَتَقاضاهُ، فَقالَ لَهُ العاصِي بْنُ وائِلٍ: لا أقْضِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقالَ خَبّابٌ: لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - حَتّى يُمِيتُكَ اللهُ ثُمْ يَبْعَثُكَ، قالَ العاصِي: أو مَبْعُوثٌ أنا بَعْدَ المَوْتِ؟

قالَ خَبّابٌ: نَعَمْ، قالَ: فَإذا كانَ ذَلِكَ فَسَيَكُونُ لِي مالٌ ووَلَدٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ أقْضِيكَ دَيْنَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ».

وقالَ الحَسَنُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ كانَتْ لِلْوَلِيدِ أيْضًا أقْوالٌ تُشْبِهُ هَذا الغَرَضَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "وَوَلَدًا" عَلى مَعْنى اسْمِ الجِنْسِ، بِفَتْحِ الواوِ واللامِ، وَكَذَلِكَ في سائِرٍ ما في القُرْآنِ، إلّا في سُورَةِ نُوحٍ فَإنَّهُما قَرَأا بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الواوِ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَوُلْدًا" بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وِلْدًا" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، واخْتَلَفَ مَعَ ضَمِّ الواوِ - فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ ولَدٍ كَأسَدٍ وأُسْدٍ واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الشاعِرِ: فَلَقَدْ رَأيْتُ مُعاشِرًا قَدْ ثَمَّرُوا مالًا ووُلْدًا وقالَ بَعْضُهُمْ: هو مُفْرَدٌ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الشاعِرِ: فَلَيْتَ فُلانًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ فُلانًا كانَ وُلْدَ حِمارِ قالَ أبُو عَلِيٍّ رَحِمَهُ اللهُ: وفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ ما كانَ مُفْرَدًا قُصِدَ بِهِ المُفْرَدُ، وما كانَ مِنهُ جَمْعًا قُصِدَ الجَمْعُ، وقالَ الأخْفَشُ: الوَلَدُ: الِابْنُ، والوُلْدُ: الأهْلُ والوالِدُ، وقالَ غَيْرُهُ: والوُلْدُ: بَطْنُ الَّذِي هو مِنهُ، حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أطَّلَعَ الغَيْبَ ﴾ تَوْقِيفٌ، والألِفُ لِلِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتْ في الوَصْلِ لِلِاسْتِغْناءِ عنها، و"اتِّخاذُ العُهَدِ" مَعْناهُ: بِالإيمانِ والأعْمالِ الصالِحَةِ.

و"كَلّا" زَجْرٌ ورَدْعٌ، ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّ قَوْلَ هَذا الكافِرِ سَيَكْتُبُ، عَلى مَعْنى حِفْظِهِ عَلَيْهِ ومُعاقَبَتِهِ بِهِ، وقَرَأ عاصِمْ، والأعْمَشُ: "سَيُكْتَبُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ، وقَرَأ: "سَنَكْتُبُ" بِالنُونِ أبُو عَمْرٍو، والحُسْنُ، وعِيسى.

و"مَدُّ العَذابِ" هو إطالَتُهُ وتَعْظِيمُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَقُولُ ﴾ أيْ: هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي سَمّاها، وقالَ إنَّهُ يُؤْتاها في الآخِرَةِ يَرِثُ اللهُ ما لَهُ مِنها في الدُنْيا بِإهْلاكِهِ وتَرْكِهِ لَها، فالوِراثَةُ مُسْتَعارَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَيْبَتَهُ في الآخِرَةِ كَوِراثَةِ ما أمَّلَ.

وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَنَرِثُهُ ما عِنْدَهُ"، وقالَ النُحاسُ: "وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ" مَعْناهُ: نَحْفَظُهُ عَلَيْهِ لِنُعاقِبَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : «العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ»، أيْ: حَفَظَةُ ما قالُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ هَذا المُجْرِمْ يُورِثُ هَذِهِ المَقالَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَأْتِينا فَرْدًا ﴾ يَتَضَمَّنُ ذِلَّتَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على قوله ﴿ ويقول الإنسان أإذا ما متّ لسوفَ أخرج حياً ﴾ [مريم: 66] وما اتصل به من الاعتراض والتفريعات.

والمناسبة: أن قائل هذا الكلام كان في غرور مثل الغرور الذي كان فيه أصحابه.

وهو غرور إحالة البعث.

والآية تشير إلى قصة خبّاب بن الأرتّ مع العاصي بن وائل السهمي.

ففي «الصحيح»: أن خبّاباً كان يصنع السيوف في مكة، فعمل للعاصي بن وائل سَيفاً وكان ثمنه دَيناً على العاصي، وكان خبّاب قد أسلم، فجاء خبّاب يتقاضى دَينه من العاصي فقال له العاصي بن وائل: لا أقضيكه حتى تكفر بمحمّد، فقال خبّاب (وقد غضب): لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثمّ يبعثك.

قال العاصي: أو مبعوثٌ أنا بعد الموت؟

قال: نعم.

قال (العاصي متهكماً): إذا كان ذلك فسيكون لي مال وولد وعند ذلك أقضيك دَينَك».

فنزلت هذه الآية في ذلك.

فالعاصي بن وائل هو المراد بالذي كفر بآياتنا.

والاستفهام في ﴿ أفرأيت ﴾ مستعمل في التعجيب من كفر هذا الكافر.

والرؤية مستعارة للعلم بقصته العجيبة.

نُزلت القصة منزلة الشيء المشاهد بالبصر لأنه من أقوى طرق العلم.

وعبر عنه بالموصول لما في الصلة من منشأ العجب ولا سيما قوله ﴿ لأُوتين مالاً وولداً ﴾ .

والمقصود من الاستفهام لفت الذهن إلى معرفة هذه القصة أو إلى تذكرها إن كان عالماً بها.

والخطاب لكل من يصلح للخطاب فلم يُرد به معيّن.

ويجوز أن يكون خطاباً للنبيء صلى الله عليه وسلم والآيات: القرآن، أي كفر بما أنزل إليه من الآيات وكذب بها.

ومن جملتها آيات البعث.

والوَلَد: اسم جَمْع لوَلَد المفرد، وكذلك قرأه الجمهور، وقرأ حمزة والكسائي في هذه السورة في الألفاظ الأربعة «ووُلْد» بضمّ الواو وسكون اللام فهو جمع ولد، كأسد وأسد.

وجملة ﴿ أطلّع الغيب ﴾ جواب لكلامه على طريقة الأسلوب الحكيم بحمل كلامه على ظاهر عبارته من الوعد بقضاء الدّين من المال الذي سيجده حين يبعث، فالاستفهام في قوله ﴿ أطلع الغيب ﴾ إنكاري وتعجيبي.

و ﴿ أطّلع ﴾ افتعل من طلع للمبالغة في حصول فعل الطلوع وهو الارتقاء، ولذلك يقال لمكان الطلوع مطْلَع بالتخفيف ومُطّلع بالتشديد.

ومن أجل هذا أطلق الاطلاع على الإشراف على الشيء، لأنّ الذي يروم الإشراف على مكان محجوب عنه يرتقي إليه من عُلّو، فالأصل أن فعل (اطّلع) قاصر غير محتاج إلى التعدية، قال تعالى: ﴿ قال هل أنتم مطلعون فاطلع فرآه في سواء الجحيم ﴾ [الصافات: 54، 55]، فإذا ضُمن ﴿ لو اطَلعتَ عليهم لولّيتَ منهم فراراً ﴾ وتقدّم إجمالاً في سورة الكهف (18).

فانتصب الغيب} في هذه الآية على المفعولية لا على نزع الخافض كما توهمه بعض المفسرين.

قال في «الكشاف»: «ولاختيار هذه الكلمة شأنٌ، يقول: أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى علم الغيب» اه.

فالغيبُ: هو ما غاب عن الأبصار.

والمعنى: أأشرف على عالم الغيب فرأى مالاً وولداً معَدّيْننِ له حين يأتي يوم القيامة أو فرأى ماله وولده صائرين معه في الآخرة لأنه لما قال فسيكون لي مال وولد عنى أن ماله وولده راجعان إليه يومئذ أم عهد الله إليه بأنّه معطيه ذلك فأيقن بحصوله، لأنه لا سبيل إلى معرفة ما أعد له يوم القيامة إلا أحد هذين إما مكاشفة ذلك ومشاهدته، وإما إخبار الله بأنه يعطيه إياه.

ومتعلّق العهد محذوف يدلّ عليه السياق.

تقديره: بأن يعطيه مالاً وولداً.

و ﴿ عند ﴾ ظرف مكان، وهو استعارة بالكناية بتشبيه الوعد بصحيفة مكتوبة بها تعاهُد وتعاقد بينه وبين الله موضوعة عند الله، لأن الناس كانوا إذا أرادوا توثيق ما يتعاهدون عليه كتبوه في صحيفة ووضعوها في مكان حصين مشهور كما كتب المشركون صحيفة القطيعة بينهم وبين بني هاشم ووضعوها في الكعبة.

وقال الحارث بن حلزة: حذر الجور والتطاخي وهل ينقض ما في المهارق الأهواءُ ولعلّ في تعقيبه بقوله ﴿ سنكتب ما يقول ﴾ إشارة إلى هذا المعنى بطريق مراعاة النظير.

واختير هنا من أسمائه ﴿ الرحمن ﴾ ، لأن استحضار مدلوله أجدر في وفائه بما عهد به من النعمة المزعومة لهذا الكافر، ولأن في ذكر هذا الاسم توركاً على المشركين الذين قالوا ﴿ وما الرحمن ﴾ [الفرقان: 60].

و ﴿ كَلاّ ﴾ حرف ردع وزجر عن مضمون كلام سابق من متكلّم واحد، أو من كلام يحكى عن متكلم آخر أو مسموع منه كقوله تعالى: ﴿ قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي ﴾ [الشعراء: 61، 62].

والأكثر أن تكون عقب آخر الكلام المبطَل بها، وقد تُقُدِّمَ على الكلام المبطَل للاهتمام بالإبطال وتعجيله والتشويق إلى سماع الكلام الذي سيرد بعدها كما في قوله تعالى: ﴿ كلا والقمر والليل إذ أدبر والصبح أسفر إنها لإحدى الكبر ﴾ [المدثر: 32 35] على أحد تأويلين، ولِما فيها من معنى الإبطال كانت في معنى النّفي، فهي نقيض إي وأجلْ ونحوهما من أحرف الجواب بتقدير الكلام السابق.

والمعنى: لا يقع ما حكى عنه من زعمه ولا من غرُوره، والغالب أن تكون متبعة بكلام بعدها، فلا يعهد في كلام العرب أن يقول قائل في ردّ كلام: كَلاّ، ويسكت.

ولكونها حرف ردع أفادت معنى تامّاً يحسن السكوت عليه.

فلذلك جاز الوقف عليها عند الجمهور، ومنع المبرد الوقف عليها بناء على أنها لا بد أن تُتبع بكلام.

وقال الفراء: مواقعها أربعة: موقع يحسن الوقف عليها والابتداء بها كما في هذه الآية.

وموقع يحسن الوقف عليها ولا يحسن الابتداء بها كقوله: ﴿ فأخاف أن يقتلون قال كلا فاذهبا ﴾ [الشعراء: 14، 15].

وموقع يحسن فيه الابتداء بها ولا يحسن الوقف عليها كقوله تعالى: ﴿ كلا إنها تذكرة ﴾ [عبس: 11].

وموقع لا يحسن فيه شيء من الأمرين كقوله تعالى: ﴿ ثم كلا سوف تعلمون ﴾ [التكاثر: 4].

وكلام الفراءيبين أنّ الخلاف بين الجمهور وبين المبرد لفظي لأنّ الوقف أعم من السكوت التام.

وحرف التنفيس في قوله ﴿ سنكتب ﴾ لتحقيق أنّ ذلك واقع لا محالة كقوله تعالى: ﴿ قال سوف أستغفر لكم ربي ﴾ [يوسف: 98].

والمد في العذاب: الزيادة منه، كقوله: ﴿ فليمدد له الرحمان مداً ﴾ [مريم: 75].

و ﴿ ما يقول ﴾ في الموضعين إيجاز، لأنه لو حكي كلامه لطال.

وهذا كقوله تعالى: ﴿ قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ﴾ [آل عمران: 183]، أي وبقربان تأكله النار، أي ما قاله من الإلحاد والتهكم بالإسلام، وما قاله من المال والولد، أي سنكتب جزاءَه ونهلكه فنرثه ما سمّاه من المال والولد، أي نرث أعيان ما ذكر أسماءه، إذ لا يعقل أن يورث عنه قولُه وكلامه.

ف ﴿ ما يقول ﴾ بدل اشتمال من ضمير النصب في ﴿ نرثه ﴾ ، إذ التقدير: ونرث ولده وماله.

والإرث: مستعمل مجازاً في السلب والأخذ، أو كناية عن لازمه وهو الهلاك.

والمقصود: تذكيره بالموت، أو تهديده بقرب هلاكه.

ومعنى إرث أولاده أنهم يصيرون مسلمين فيدخلون في حزب الله، فإن العاصي وَلدَ عمَرْاً الصحابي الجليل وهشاماً الصحابي الشهيد يوم أجنادين، فهنا بشارة للنبيء صلى الله عليه وسلم ونكاية وكمد للعاصي بن وائل.

والفرد: الذي ليس معه ما يصير به عدداً، إشارة إلى أنّه يحشر كافراً وحده دون ولده، ولا مال له، و ﴿ فرداً ﴾ حال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: في العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، قالَهُ جابِرٌ وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ مالا ووَلَدًا ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿ وَوَلَدًا ﴾ بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، فاخْتُلِفَ في ضَمِّها وفَتْحِها عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ مَعْناهُما واحِدٌ، يُقالُ ولَدٌ ووُلْدٌ، وعَدَمٌ وعُدْمٌ، وقالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: ولَقَدْ رَأيْتُ مَعاشِرًا قَدْ ثَمَّرُوا مالًا ووُلْدا والثّانِي: أنَّ قَيْسًا تَجْعَلُ الوُلْدَ بِالضَّمِّ جَمِيعًا، والوَلَدُ بِالفَتْحِ واحِدًا.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لأُوتَيَنَّ مالا ووَلَدًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ في الجَنَّةِ اسْتِهْزاءً بِما وعَدَ اللَّهُ عَلى طاعَتِهِ وعِبادَتِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وَفِيهِ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: إنْ أقَمْتَ عَلى دِينِ آبائِي وعِبادَةِ آلِهِتْيٍ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا.

الثّانِي: مَعْناهُ لَوْ كُنْتُ أقَمْتُ عَلى باطِلٍ لَما أُوتِيتُ مالًا ووَلَدًا.

﴿ أطَّلَعَ الغَيْبَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أعَلِمَ الغَيْبَ أنَّهُ سَيُؤْتِيهِ عَلى كُفْرِهِ مالًا ووَلَدًا.

الثّانِي: أعَلِمَ الغَيْبَ لِما آتاهُ اللَّهُ عَلى كُفْرِهِ.

﴿ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي عَمَلًا صالِحًا قَدَّمَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: قَوْلًا عَهِدَ بِهِ اللَّهُ إلَيْهِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ يَسْلُبُهُ ما أعْطاهُ في الدُّنْيا مِن مالٍ ووَلَدٍ.

الثّانِي: يَحْرِمُهُ ما تَمَنّاهُ في الآخِرَةِ مِن مالٍ ووَلَدٍ.

﴿ وَيَأْتِينا فَرْدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِلا مالٍ ولا ولَدٍ.

الثّانِي: بِلا ولِيٍّ ولا ناصِرٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ونرثه ما يقول ﴾ قال: ماله وولده.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونرثه ما يقول ﴾ قال: ماله وولده، وذاك الذي قال العاص بن وائل.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونرثه ما يقول ﴾ قال: ما عنده.

وهو قوله: ﴿ لأوتين مالاً وولداً ﴾ في حرف ابن مسعود ﴿ ونرثه ما عنده ويأتينا فرداً ﴾ لا مال له ولا ولد.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي نهيك أنه قرأ ﴿ كلا سيكفرون بعبادتهم ﴾ برفع الكاف.

قال: يعني الآلهة كلها، إنهم ﴿ سيكفرون بعبادتهم ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويكونون عليهم ضداً ﴾ قال: أعواناً.

وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ويكونون عليهم ضداً ﴾ قال: أوثانهم يوم القيامة في النار، تكون عليهم عوناً، يعني أوثانهم تخاصمهم وتكذبهم يوم القيامة في النار.

وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ويكونون عليهم ضداً ﴾ قال: حسرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة مثله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ويكونون عليهم ضداً ﴾ قال: قرناء في النار يلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويكونون عليهم ضداً ﴾ قال: أعداء.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ويكونون عليهم ضداً ﴾ ما الضد؟

قال: قال فيه حمزة بن عبد المطلب: وان تكونوا لهم ضداً نكن لكم ** ضدا بغلباء مثل الليل مكتوم <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ﴾ فيه قولان أحدهما: (نرثه ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه وإبطال ملكه).

وهذا قول ابن عباس، وقتادة، وابن زيد (١) (٢) ﴿ وَيَأْتِينَا فَرْدًا ﴾ يدل على هذا القول؛ أي: أنه يأتي الآخرة بلا مال ولا ولد.

القول الثاني: ما قاله السدي قال: (نرثه أهله وماله الذي في الجنة) (٣) ﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ﴾ في الجنة من الذهب والفضة والحرير فنجعله لغيره من المسلمين) (٤) وعلى هذا معنى الآية: لا نعطيه ما يقول ونسلبه الذي آتيناه في الدنيا حتى يأتينا خاليًا منه.

وهو قوله: ﴿ وَيَأْتِينَا فَرْدًا ﴾ أي: خاليًا من الأموال والأولاد.

(١) "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 12، "جامع البيان" 16/ 123، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 151، "زاد المسير" 5/ 261، "الدر المنثور" 4/ 506.

(٢) "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 13، "جامع البيان" 16/ 123، "المحرر الوجيز" 9/ 529، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 151.

(٣) ذكره في "زاد المسير" 5/ 261 بدون نسبة، "أضواء البيان" 4/ 385.

(٤) "البحر المحيط" 6/ 214، وذكره بدون نسبة "زاد المسير" 5/ 261.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والباقيات الصالحات ﴾ ذكر في [الكهف: 47] ﴿ وَخَيْرٌ مَّرَدّاً ﴾ أي مرجعاً وعاقبة ﴿ أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ ﴾ هو العاصي بن وائل ﴿ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ﴾ كان قد قال: لئن بعثت كما يزعم محمد ليكونن لي هناك مال وولد ﴿ أَطَّلَعَ الغيب ﴾ الهمزة للإنكار، والرد على العاصي في قوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ردّ له عن كلامه ﴿ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ ﴾ إنما جعله مستقبلاً لأنه إنما يظهر الجزاء والعقاب في المستقبل ﴿ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً ﴾ أي نزيد له فيه ﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ﴾ أي نرث الأشياء التي قال إنه يؤتاها في الآخرة، وهي المال والولد، ووراثتها هي بأن يهلك العاصي ويتركها، وقد أسلم ولداه هشام وعمرو رضي الله عنهما ﴿ وَيَأْتِينَا فَرْداً ﴾ أي بلا مال ولا ولد ولا ولي ولا نصير.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أئذا ﴾ مثل ﴿ أئنكم ﴾ في "الأنعام" ﴿ يذكر ﴾ من الذكر: ابن عامر ونافع وعاصم وسهل وروح والمعدل عن زيد.

والآخرون بتشديد الذال من التذكر مدغماً.

﴿ ثم ننجي ﴾ من الإنجاء: عليّ وروح والمعدل عن زيد.

الآخرون بالتشديد ﴿ خير مقاماً ﴾ بضم الميم: ابن كثير.

الباقون بفتحها.

﴿ رياً ﴾ بالتشديد أبو جعفر ونافع عن ورش وابن ذكوان والأعشى وحمزة في الوقف، وعن حمزة أيضاً بالهمزة في الوقف ليدل على أصل اللغة.

الآخرون بهمز بعدها يا ﴿ وولداً ﴾ وما بعده بضم الواو سكون اللام: حمزة وعليّ.

الآخرون بفتحهما ﴿ يكاد ﴾ على التذكير: نافع وعليّ ﴿ ينفطرن ﴾ من الانفطار: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وخلف وابن عامر والمفضل وأبو بكر وحماد والخزاز عن هبيرة.

الباقون ﴿ يتفطرن ﴾ من التفطر.

الوقوف: ﴿ حياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ جثياً ﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿ عتياً ﴾ ه ج لذلك ﴿ صلياً ﴾ ه ﴿ واردها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ مقضياً ﴾ ه تقريباً للنجاة من الورود مع أن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ جثياً ﴾ ه ﴿ آمنوا ﴾ لا لأن ما بعده مفعول "قال" ﴿ ندياً ﴾ ه ﴿ ورئياً ﴾ ه ﴿ مدّاً ﴾ ه لأن "حتى" لانتهاء مدد الضلالة أو لابتداء الرؤية وجواب "إذا" محذوف وهو "آمنوا" ﴿ الساعة ﴾ ط لابتداء التهديد ﴿ جنداً ﴾ ه ﴿ هدى ﴾ ه ﴿ مرداً ﴾ ه ﴿ وولداً ﴾ ه ط لأبتداء الاستفهام للتقريع ﴿ عهداً ﴾ ط ه للردع ﴿ كلاً ﴾ ط ﴿ مداً ﴾ ه لا للعطف ﴿ فرداً ﴾ ه ﴿ عزاً ﴾ ه ﴿ كلاً ﴾ ط ﴿ ضدّاً ﴾ ه ﴿ أزاً ﴾ ه لا للتعجيل ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ عدّاً ﴾ ه ط ﴿ وفداً ﴾ ه ط ﴿ ورداً ﴾ ه لئلا تشتبه الجملة بالوصف لهم ﴿ عهداً ﴾ ه م حذرا من إيهام العطف ﴿ ولداً ﴾ ه ط ﴿ إدّاً ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ هداً ﴾ ه لا لأن التقدير لأن دعوا ﴿ ولداً ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ ولداً ﴾ ه ط ﴿ عبداً ﴾ ه ط ﴿ فرداً ﴾ ه ﴿ ودّاً ﴾ ه ﴿ من قرن ﴾ ط ﴿ ركزاً ﴾ ه.

التفسير: لما أمر نبيه  وأمته بالتبعية أن يعبدوا الله ويصطبروا لعبادته كان لمنكر أن يعترض بأن هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا لأنها مشقة ولا في الآخرة لاستبعاد حشر الأجساد إلى حالها، فلا جرم حكى قول المنكر ليجيب عن ذلك فقال: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ وهو للجنس لأن هذ الاستغراب مركوز في الطباع قبل النظر في الدليل، أو لأن هذا القول إذا صدر عن بعض الأفراد صح إسناده إلى بني نوعه لأنه منهم كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتل واحد منهم.

وقيل: المراد بالإنسان ههنا شخص معين هو أبو جهل أو أبي بن خلف.

وقيل: بعض الجنس هم الكفرة.

وانتصب "إذا" بفعل مضمر يدل عليه ﴿ أخرج ﴾ المذكور لا نفسه لأن ما بدعه لام الابتداء لا يعمل فيما قبله.

لا تقول: اليوم لزيد قائم.

وإنما جاز الجمع بين حرف الاستقبال وبين لام الابتداء المفيدة للحال، لأن اللام ههنا خلصت لأجل التأكيد كما خلصت الهمزة في "يا الله" للتعويض، واضمحل عنها معنى التعريف.

و"ما" في "إذا" ما للتوكيد أيضاً وكأنهم قالوا مستنكرين: أحقاً أنا سنخرج أحياء حين تمكن فينا الفناء بالموت؟

والمراد بالخروج إما الخروج من الأرض أو الخروج من حال الفناء أو الندور من قوله: "خرج فلان عالماً" إذا كان نادراً في العلم فكأنه قال على سبيل الهزء: سأخرج حياً نادراً.

وإنما قدم الظرف وأولى حرف الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة ومنه جاء الإنكار كقولك لمن أساء إلى محسنه "أحين تمت عليك نعمة فلان أسأت إليه"؟!

ولما كان الإنسان لا يصدر عنه هذا الإنكار إلا إذا لم يتذكر أو لم يذكر النشأة الأولى قال  منبهاً على ذلك ﴿ أو لا يذكر ﴾ وههنا إضمار تقديره أيقول ذلك ولا يذكر.

وزعم جار الله أن الواو عطفت لا يذكر على يقول في قوله: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف الجر.

قال العقلاء: لو اجتمعت الخلائق على إيراد حجة في البعث أوجز من هذه لم يقدروا عليها، لأن خلق الذات مع الصفات أصعب من تغيير الذات في أطوار الصفات، وهذا معلوم لكل صانع يتكرر عنه عمل، لأن الأول لم يستقر بعد في خزانة خيال.

والثاني قد ارتسم واستقر وثبت له مثال واحتذاء.

وإذا كان حال من يتفاوت في قدرته الصعب والسهل كذلك، فما الظن بمن لا يتوقف مقدوره إلا على مجرد تعلق الإرادة الأزلية به؟

وفي قوله: ﴿ ولم يك شيئاً ﴾ بحث قد مر في أول السورة مثله.

وحين نبه على النكتة الضرورية أكدها بالإقسام قائلاً ﴿ فوربك لنحشرنهم ﴾ الفاء للاستئناف وهو يفيد الإعراض عن قصة والشروع في أخرى عقيبها والواو للقسم وشرف المقسم به دليل كمال العناية بالمقسم عليه، وإضافة القسم إلى المخاطب وهو رسول الله  بإجماع المفسرين تفخيم لشأنه ورفع من مقداره، والواو في ﴿ والشياطين ﴾ إما للعطف وإما بمعنى مع بناء على أن كل كافر مقرون مع شيطانه في سلسلة، وإذا حشر جميع الناس حشراً واحداً وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا مع الشياطين بل الكفرة، وإن كان الضمير عائداً إلى منكري البعث فقط فلا إشكال.

وكذا في قوله: ﴿ لنحضرنهم حول جهنم جثياً ﴾ أي جثياً على الركب غير مشاة على أقدامهم لما يدهشهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على الأرجل، أو على العادة المعهودة في مواقف مطالبات الملوك ومقاولاتهم.

﴿ ثم لننزعن ﴾ لنميزن ﴿ من كل شيعة ﴾ طائفة شاعت أي تبعت غاوياً من الغواة، وقد سبق تفسيره في الأنعام.

﴿ أيهم أشد ﴾ قرىء بالنصب وهو ظاهر، وأما المقتصرون على الضم فذهب سيبويه إلى أنها مبنية كيلا يلزم خلاف القياس من وجهين: أحدهما إعراب أيّ مع أن من حق الموصول أن يبنى، والآخر حذف المبتدأ مع الأصل فيه أن يكون مذكوراً والتقدير: أيهم هو أشد.

وذهب الخليل إلى أنها معربة ولكنها لم تنصب على أن تكون مفعول ﴿ لننزعن ﴾ بل رفعت بتقدير الحكاية أي من كل شيعة مقول فيم أيهم أشد، فيكون من كل شيعة مفعول ﴿ لننزعن ﴾ كقولك "أكلت من كل طعام" أي بعضاً من كل.

ويجوز أن يقدّر لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد، قال سيبويه: لو جاز "اضرب أيهم" أفضل على الحكاية لجاز "اضرب الفاسق الخبيث" أي الذي يقال له الفاسق الخبيث وهذا باب قلما يصار إليه في سعة الكلام.

ومذهب يونس في مثله أن الفعل الذي قبل "أيّ" معلق عن العمل، ويجيز التعليق في غير أفعال القلوب.

ثم إن علقت قوله: ﴿ على الرحمن ﴾ بـ ﴿ أشد ﴾ كقولهم: "هو أشد على خصمه" فظاهر، وإن علقته بالمصدر فذلك لا سبيل إليه عند النحويين لأن المصدر لا يعمل فيما قبله.

فالوجه أن يقال: إنه بيان للمحذوف فكأنه سئل إن عتوَّه على من؟

فقيل: على الرحمن.

وكذا الكلام في ﴿ أولى بها صلياً ﴾ تعلق المجرور بأفعل من غير تأويل أو بـ ﴿ صلياً ﴾ على التأويل.

صلى فلان النار يصلى صلياً إذا احترق.

أخبر أوّلاً أنه يميز من كل فرقة ضالة من هو أضل ثم بين بقوله: ﴿ ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً ﴾ أنه يطرحهم أي أهل الضلال البعيد في النار على الترتيب يقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم، ولا ريب أن الضال المضل يكون أولى بالتقدم من الضال، وكذا الكافر المعاند بالنسبة إلى المقلد وإن كانوا جميعاً مشتركين في شدة العتوّ.

ويجوز أن يراد بالذين هم أولى المنتزعين كما هم كأنه قال: ثم لنحن أعلم بتصلية هؤلاء وأنهم أولى بالصلى لكون دركاتهم أسفل.

﴿ وإن منكم ﴾ الخطاب للناس من غير التفات، أو للإنسان المذكور فيكون التفاتاً، وعلى التقديرين فإن أريد الجنس كأنه لم يكن في قوله: ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً ﴾ إشكال.

ولكنه يشكل بأن المؤمنين كيف يردون النار؟

وأجيب بما روي عن جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله  عن ذلك فقال: "إذا دخل أهل الجنة قال بعضهم لبعض: أليس وعدنا ربنا أن نرد النار؟

فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة" .

وعنه أيضاً  أن رسول الله  قال: "الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم حتى إن للناس ضجيجاً من بردها" .

وأما قوله: ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ فالمراد عن عذابها.

وعن ابن عباس: يردونها كأنها إهالة.

ومنهم من لم يفسر الورود ههنا بالدخول لأن ابن عباس قال: قد يرد الشيء الشيء ولم يدخله كقوله  : ﴿ لما ورد ماء مدين  ﴾ ومعلوم أن موسى لم يدخل الماء ولكنه قرب منه.

ويقال: وردت القافلة البلد إذا قربت منه، فالمراد بالورود جثوهم حولها وعن ابن مسعود والحسن وقتادة: هو الجواز على الصراط لأن الصراط ممدود عليها.

وعن مجاهد: هو مس الحمى جسده في الدنيا قال  : "الحمى من فيح جهنم" وفي رواية "الحمى حظ كل مؤمن من النار" .

وإن أريد بالناس أو بالإنسان الكفرة فلا إشكال في ورودهم النار ولكنه لا يطابقه قوله: ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ﴾ ووجه بأنه أراد أن المتقين يساقون إلى الجنة عقيب ورود الكفار لا أنهم يوردونها يتخلصون.

أسئلة: كيف يندفع عنهم ضرر النار عند من فسر الورود بالدخول؟

زعم بعضهم أن البقعة المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها مواضع خالية عن النار أشباه الطرق إلى دركات جهنم، والمؤمنون يردون تلك المواضع.

والأصح أنه  يزيل عنها طبيعة الإحراق بالنسبة إلى المؤمنين وهو على كل شيء قدير، ولهذا لا تضر النار الملائكة الموكلين بالعذاب.

ما الفائدة في إيراد المؤمنين النار إذا لم يعذبوا بها؟

فيه وجوه منها: أن يزدادوا سروراً إذا رأوا الخلاص منها.

ومنها افتصاح الكافرين إذا اطلع المؤمنون عليهم.

ومنها أن المؤمنين يوبخون الكفار ويسخرون منهم كما سخروا في الدنيا.

ومنها أن يزيد التذاذهم بالجنة فبضدها تتبيّن الأشياء.

هل ثبت في الأخبار كيفية دخول النار ثم خروج المتقين منها؟

قد ثبت أن الحاسبة تكون في الأرض أو في موضعها لقوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض  ﴾ وجهنم قريبة من الأرض والجنة في السماء.

فالاجتماع يكون في موضع الحساب ثم يدخلون من ذلك الموضع إلى جهنم، ثم يرفع الله أهل الجنة ويبقى أهل النار فيها.

قلت: هذا على رأي الفلاسفة الإسلاميين ظاهر، فالمحاسبة تكون في الأرض ومرور الكل يكون على كرة النار، ثم يرفع أهل الكمال إلى السماء ويبقى الكفرة في النار ويؤيده قوله: ﴿ كان ﴾ أي الورود ﴿ على ربك حتماً ﴾ أي محتوماً مصدر بمعنى المفعول ﴿ مقضياً ﴾ قضى به وعزم أن لا يكون غيره، وذلك أن العبور من جميع الجوانب على كرة النار.

وأجمعت المعتزلة بذلك على أن العقاب واجب على الله عقلاً.

وقال الأشاعرة: شبه بالواجب من قبل استحالة يطرق الخلف إليه.

وقد سبق أن المتقي عند المعتزلة من يجتنب المعاصي كلها، وعند غيرهم هو الذي اجتنب الشرك فقط، وقد يهدم بالآية قاعدة القائل بمنزلة بين المنزلتين.

وأجيب أن تنجية المتقين أعم من أن تكون إلى الجنة أو إلى غيرها، هب أن تنجيتهم إلى الجنة إلا أن الذي طاعته ومعصيته سيان غير داخل في المتقين ولا في الظالمين فيبقى حكمة مسكوتاً عنه.

ومن المعتزلة من تمسك بالوعيد بقوله: ﴿ ونذر الظالمين ﴾ ومنع أن الصيغة للعموم، ولو سلم فمخصص بآيات الوعد لما ردّ على منكري البعث وقرر كيفية الحشر.

قال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا ﴾ الآية، والمراد أنهم عارضوا حجة الله بكلام أعوج فقالوا: لو كنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أطيب من حالنا ولم يكن بالعكس، لأن الحكيم لا يليق به أن يهين أولياءه ويعز أعداءه.

يروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون ثم يدّعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على الله عز وجل منهم قال جار الله: معنى بينات مرتلات الألفاظ ملخصات المعاني مبينات المقاصد، إما محكمات أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو بتبيين الرسول قولاً أو فعلاً، أو ظاهرات الإعجاز تحدى بها فلم يقدر على ما معارضتها، أو حججاً وبراهين، وعلى التقادير تكون حالاً مؤكدة كقوله: ﴿ وهو الحق مصدقاً  ﴾ لأن آيات الله لا تكون إلا بهذه الأوصاف.

ومعنى ﴿ للذين آمنوا ﴾ أنهم يخاطبونهم بذلك أو يفوهون به لأجلهم في شأنهم.

والمقام بالضم موضع الإقامة أي المنزل، وبالفتح موضع القيام، والنديّ المجلس ومجتمع القوم حيث ينتدون.

قوله: ﴿ أيّ الفريقين ﴾ يعني المؤمنين بالآيات والجاحدين لها من الكلام المنصف على زعمهم، والمقصود نحن أوفر حظاً على ما يظهر منا في أحوال قيامنا وقعودنا، وحسن الحال في الدنيا ظاهر على الفضل والرفعة وضده أمارة على النقص والضعة، فأجابهم الله  بقول: ﴿ وكم أهلكنا ﴾ أي كثيراً من المرات أهلكنا قبلهم أهل عصر و"من" بيان المهلك.

ويجوز أن تكون زائدة للتأكيد و"كم" استفهامية لتقرير التكثير، أو خبرية عند من يجوّز زيادتها في الموجب.

و ﴿ هم أحسن ﴾ في محل النصب صفة لـ "كم" أو الجر صفة ﴿ قرن ﴾ والأثاث متاع البيت وقد مر في النحل في قوله: ﴿ أثاثاً ومتاعاً إلى حين  ﴾ قال الجوهري: من همز ﴿ رئياً ﴾ جعله من رأيت وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة، ومن لم يهمزه فإما أن يكون على تخفيف الهمزة أي قلب الهمزة ياء وأدغم، أو يكون من "رويت ألوانهم وجلودهم رياً" أي امتلأت وحسنت.

وقال جار الله: الري هو المنظر والهيئة "فعل" بمعنى "مفعول".

وقرىء بهمز قبله ياء على القلب كقولهم "راء" في "رأي".

وقرىء بالزاي المنقوطة واشتقاقه من الزي بالفتح وهو الجمع لأن الزي محاسن مجموعة.

وفي الآية حذف التقدير أحسن من هؤلاء، والحاصل أنه  أهلك من كان أكثر مالاً وجمالاً منهم وذلك دليل على إفساد إحدى مقدمتيهم وهي أن كل من وجد الدنيا كان حبيب الله، أو على فساد المقدمة الأخرى وهي أن كل من كان حبيباً لله فإنه لا يوصل إليه غماً.

ثم بين أن مآل الضال إلى الخزي والنكال وإن طالت مدته وكثرت عدته، وقوله: ﴿ فليمدد له الرحمن ﴾ خبر مخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب الإمهال وأنه مفعول لا محالة لتنقطع معاذيرالضال ويقال له يوم القيامة ﴿ أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر  ﴾ أو ليزدادوا إثماً كقوله ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ أو هو في معنى الدعاء بأن يمهله الله عز وجل وينفس في مدة حياته.

والغاية أحد الأمرين المذكورين أي انقطاع العذر أو ازدياد الإثم.

أما قوله: ﴿ حتى إذا رأوا ﴾ إلى آخر.

فقد قال في الكشاف: إنه يحتمل أن يكون متصلاً بقوله: ﴿ أي الفريقين ﴾ إلى آخره، وما بينهما اعتراض قالوا: أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً حتى إذا رأوا ما يوعدون.

والمعنى لا يزالون يتفوّهون بهذا القول مولعين به إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين ﴿ أما العذاب ﴾ في الدنيا وهو غلبة المسلمين بالقتل والأسر وتغير أحوالهم من العز إلى الذل ومن الغنى إلى الفقر، وأما يوم القيامة، ويحتمل أن تتصل بما يليها والمراد أنهم لا ينفكون عن ضلالتهم وسوء مقالتهم إلى أن يعاينوا عذاب الدنيا، أو الساعة ومقدماتها.

وقوله: ﴿ فسيعلمون من هو شر مكاناً وأضعف جنداً ﴾ في مقابلة قولهم: ﴿ خير مقاماً وأحسن ندياً ﴾ لأن مقامهم هو مكانهم والنديّ المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم، والجند الأعوان، ولا ريب أن مكان القتل والأسر شر مكان في الدنيا ومكان عذاب النار شر مكان في الآخرة.

ولا شك أيضاً أنه لو كان لهم في الوقتين ناصر لم يلحقهم من الخزي والنكال ما لحقهم.

وحين بيّن حال أهل الضلال أراد أن يبين حال أهل الكمال فقال: ﴿ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ﴾ وذلك أن بعض الاهتداء يجر إلى البعض الآخر كالإيمان يجر إلى الإخلاص فيه كما أن بعض الغواية يجر إلى بعضها.

ومنها من فسر الزيادة بالعبادات المرتبة على الإيمان.

والواو في ﴿ ويزيد ﴾ للاستئناف.

وقد تكلف جار الله فقال: إنه للعطف على معنى ﴿ فليمدد ﴾ أي يزيد في ضلال الضال بخذلانه ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه.

وقد مر في سورة الكهف أن الباقيات الصالحات فسرها الأكثرون بجميع الأعمال الصالحات المؤدية إلى السعادات الباقيات.

وفسرها بعضهم بما هي أعظم ثواباً منها كالصلوات الخمس وغيرها.

وقوله: ﴿ خير ﴾ يقتضي غيراً يكون مشاركاً له في أصل الخيرية ويكون هذا خيراً منه، فإن قدرنا ذلك شيئاً فيه خيرية كبعض الأعمال الدنيوية المباحة أو كسائر الأعمال الصالحة عند من يفسر الباقيات بمعنى الأخص فظاهر أنها خير ﴿ ثواباً وخير مرداً ﴾ أي مرجعاً وعاقبة أو منفعة من قولهم: "هل لهذا الأمر مرد" إن قدرنا ذلك شيئاً لا ثواب فيه ولا خيرية كما زعم جار الله أن المراد هي خير ثواباً من مفاخرات الكفار، فيكون إطلاق الثواب على عقاب الكفار من قبيل التهكم ومن باب قولهم: "تحية بينهم ضرب وجيع".

ويكون وجه التفضيل في الخير ما قيل في قولهم: "الصيف أحر من الشتاء" أي هو أبلغ في حره من الشتاء في برده، ثم أردف مقالتهم الحمقاء بأخرى مثلها قائلا على سبيل التعجب ﴿ أفرأيت ﴾ كأنه قال: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر واذكر حديثه عقيب حديث أولئك.

وإنما استعملوا "أرأيت" بمعنى "أخبر" لأن رؤية الشيء من أسباب صحة الخبر عنه.

عن الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة، والمشهور أنها في العاص بن وائل.

قال خباب بن الأرث: كان لي عليه دين فاقتضيته، وقيل: صاع له حلياً فاقتضاه الأجر فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً، فأنا أقضيك، ثم فإني أوتي مالاً وولداً حينئذٍ.

من قرأ ﴿ ولداً ﴾ بفتحتين فظاهر، ومن قرأ بالضم فالسكون، فإما جمع ولد كاسد في أسداً، أو بمعنى الولد كالعرب والعرب، فأنكر الله  عليه بقوله مستفهماً ﴿ أطلع الغيب ﴾ من قولهم "اطلع الجبل" أي ارتقى إلى أعلاه، ولاختيار هذه الكلمة شأن كأنه قال: أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى عالم الغيب الذي تفرد به علام الغيوب ﴿ أم اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ عن الكلبي: هل عهد الله إليه أن يؤتيه ذلك.

وعن قتادة: هل له عمل صالح قدمه فهو يرجو بذلك ما يقول: وقيل: العهد كلمة الشهادة ﴿ كلا ﴾ ردع وتنبيه على الخطأ فيما تصوره لنفسه وتمناه وفي قوله: ﴿ سنكتب ﴾ بسين التسويف مع أن الحفظة يكتبون ما قاله في الحلل دليل على أن السين جرد ههنا لمعنى الوعيد، أو أراد سيظهر له نبأ الكتابة بالتعذيب والانتصار يؤيده قوله: ﴿ ونمد له ﴾ أي نطوّل له ﴿ من العذاب ﴾ ما يستأهله أمثاله من المستهزئين أو نزيده من العذاب ونضاعف له من المدد.

مده وأمده معنى.

ثم أكد المدد بالمصدر وهو مؤذن بفرط الغضب أعاذنا الله منه، ثم عكس استهزاءه بقوله: ﴿ ونرثه ما يقول ﴾ أي نمنع عنه منتهى ما زعم أنه يناله في الآخرة من المال والولد لأنه تألى على الله في قوله: ﴿ لأوتين ﴾ ومن يتأل على الله يكذبه لأن ذلك غاية الجراءة ونهاية الأشعبية.

والمراد هب أنا أعطيناه ما اشتهاه أما نرثه منه في العاقبة ﴿ ويأتينا ﴾ غداً ﴿ فرداً ﴾ بلا مال ولا ولد.

وكلام صاحب الكشاف في الوجهين ملخبط فليتأمل فيه.

وكذا في قوله: ﴿ فرداً ﴾ على الأول حال مقدرة نحو ﴿ فادخلوها خالدين  ﴾ لأنه وغيره سواء في إتيانه فرداً حين يأتي، ثم يتفاوتون بعد ذلك.

وذلك أن الخلود لا يتحقق إلا بعد الدخول، أما انفراده فمحقق في حالة الإتيان وتفاوت الحال بعد ذلك، واشتراك الكل في الإتيان منفرداً لا مدخل له في المقصود فلا أدري ما حمله على هذا التكلف.

قال: ويحتمل أن هذا القول: إنما يقوله ما دام حياً فإذا قبضناه حلنا بينه وبين أن يقوله، ويأتينا منفرداً عنه غير قائل له، أو أراد أن هذا القول لا ننساه ولا نلغيه بل نثبته في صحيفته لنضرب به وجهه في الموقف ونعيره به، ويأتينا على فقره ومسكنته فرداً من المال والولد لم نعطه سؤله ومتمناه، فيجتمع عليه خطبان تبعه قوله وفقد سؤله.

وحين فرغ من الرد على منكري البعث شرع في الرد على عبدة الأصنام فبين أوّلاً عرضهم وذلك أن يتعززوا بآلهتهم وينتفعون بشفاعتهم، ثم أنكر عليهم وردعهم بقوله: ﴿ كلا ﴾ ثم أخبر عن مآل حالهم بقوله ﴿ سيكفرون ﴾ فإن كان الضمير للمعبودين فهم إما الملائكة كقوله: ﴿ قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن  ﴾ وإما الأصنام فلا يبعد أن ينطق الله الجماد بذلك كقوله: ﴿ وألقوا إليهم القول إنهم لكاذبون  ﴾ وإن كان الضمير للعابدين فهو كقوله: ﴿ وألقوا إليهم القول إنهم لكاذبون  ﴾ وإن {الأنعام: 23] أما الضمير في يكونون فللمعبودين، وقوله: ﴿ عليهم ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ لهم عزاً ﴾ وضد العز الهوان كأنه قيل: ويكونون عليهم ذلاً لهم عزاً ويحتمل أن يراد بالضد العون لأنه يضاد العدو، ووحد لاتفاق كلمتهم وفرط تضامهم وتوافقهم كقوله  : " وهم يد على من سواهم" ومعنا كون الآلهة أضداداً أي أعواناً عليهم أنهم وقود النار وأن المشركين عذبوا بسبب عبادتها، ويحتمل أن يكون الضمير في ﴿ يكونون ﴾ للمشركين أي يكون المشركون كفرة بآلهتهم وأعداء لهم بعد أن كانوا يعبدونها.

وحيث بيّن مذاهب الفرق الضالة أراد أن يبين منشأها فقال: ﴿ ألم تر أنا أرسلنا ﴾ الآية.

والأز الهز والتهييج.

قالت: الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه  مريد لجميع الكائنات لأن قول القائل: "أرسلت فلاناً على فلان" يفيد أنه سلطه عليه منه قوله  : " سم الله وأرسل كلبك عليه" ويؤيده قوله: ﴿ تؤزهم ﴾ أي تغريهم على المعاصي وتحثهم عليها بالوسواس والتسويلات.

وقالت المعتزلة: أراد بهذا الإرسال التخلية بينهم وبينهم كما إذا لم يمنع الرجل من دخول بيت جيرانه.

وحاصل كلامهم أنه أرسل الأنبياء وأرسل الشياطين، ثم خلى بين المكلفين وبين الأنبياء والشياطين إلا أنه خص أولياءه بمزيد الألطاف حتى قبلوا قول الأنبياء، ومنع أعداءه تلك الألطاف وهو المسمى بالخذلان فقبلوا قول الشياطين.

ولما كان هذا الإرسال سبباً لهلاك الكفارة عداه بـ "على" لا بــ"إلى" قلت: لا يخفى أن استناد الكل إلى الله  فنزاع الفريقين لفظيّ أو قريب منه.

﴿ فلا تعجل عليهم ﴾ يقال: عجلت عليه بكذا إذا استعجل منه أي لا تعجل عليهم بأن يهلكوا فتستريح أنت والمسلمون من شرورهم فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة.

قال ابن عباس: نزلت في المستهزئين وهم خمسة رهط.

وعنه أنه كان إذا قرأها بكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، وآخر العدد فراق أهلك، وآخر العدد دخول قبرك.

وعن ابن السماك أنه كان عن المأمون فقرأها فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد.

وقال بعضهم: إن الحبيب من الأحباب مختلس *** لا يمنع الموت بواب ولا جرس وكيف يفرح بالدنيا ولذتها *** فتى يعد عليه اللفظ والنفس ثم لما قرر أمر الحشر وأجاب عن شبه منكريه أراد أن يشرح حال المكلفين وقتئذٍ فقال: ﴿ يوم نحشر ﴾ وانتصابه بمضمر متقدم أو متأخر أي اذكر يوم كذا وكذا ونفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف.

ويجوز أن ينتصب ﴿ بلا يملكون ﴾ خص المتقون بالجمع إلى محل كرامة الرحمن وافدين.

يقال: وفد فلان على الأمير وفادة أي ورد رسولاً فهو وافد والجمع وفد كصاحب وصحب.

عن علي  أن النبي  قال: "ما يحشرون على أرجلهم ولكنهم على نوق رحالهم ذهب وعلى نجائب سروجها ياقوت" .

وخص المجرمون بالسوق إلى جهنم ورداً أي وهم الذين يردون الماء، وفيه من الإهانة ما فيه كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء.

وقال جار الله: حقيقة الورد المسير إلى الماء فسمي به الواردون.

قال بعض العلماء: في الآية دلالة على أن أهوال يوم القيامة تختص بالمجرمين لأن المتقين من الابتداء يحشرون على هذا النوع من الكرامة فكيف ينالهم بعد ذلك شدة؟

قلت: يحتمل أن يكون الحشر إلى الرحمن غير الحشر إلى الموقف، فيراد بالحشر إلى الرحمن أي إلى دار كرامته وسوقهم إلى الجنة لقوله: ﴿ وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً  ﴾ وهذا بعد امتياز الفريقين، فالأمن الكلي فيما بعد هذه الحالة لا ينافي الخوف والدهشة فيما قبلها كما ورد في حديث الشفاعة وغيره.

وقوله: ﴿ إلى الرحمن ﴾ دون أن يقول إلينا من وضع الظاهر موضع المضمر، وفيه من البشارة ما فيه ولا يلزم منه التجسم للتأويل الذي ذكرناه، والضمير في ﴿ لا يملكون ﴾ للمكلفين المذكورين بقسمهم وفاعله ﴿ من اتخذ ﴾ على البدلية لأنه في معنى الجمع.

ويجوز أن تكون الواو علامة للجمع كالتي في "أكلوني البراغيث" فيكون ﴿ من اتخذ ﴾ فاعلاً والاستثناء مفرغاً.

ويجوز أن ينتصب ﴿ من اتخذ ﴾ على الاستثناء أو على تقدير حذف المضاف أي إلا شفاعة.

من اتخذه واختلف المفسرون في الشفاعة فقيل: لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم.

وقيل: لا يملك غيرهم أن يشفعوا لهم.

واتخاذ العهد الاستظهار بالأيمان والعمل، أو بكلمة الشهادة وحدها والأول يناسب أصول المعتزلة، والثاني يناسب أصول الأشاعرة.

وعن ابن مسعود أن النبي  قال لأصحابه ذات يوم: "أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهداً قالوا: وكيف ذلك؟

قال: يقول كل صباح ومساء: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد، فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرحمن عهد فيدخلون الجنة" ويجوز أن يكون من عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به أي لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة المأذون له فيها كقوله: ﴿ وكم من ملك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله  ﴾ .

وحين رد على عبدة الأوثان عاد إلى الرد على من أثبت له ولداً من اليهود والنصارى والعرب، ومنهم من خص الآية بالرد على العرب القائلين بأن الملائكة بنات الله لأن الرد على النصارى تقدم في أول السورة.

وفي قوله: ﴿ لقد جئتم ﴾ التفات من الغيبة إلى المخاطبة تسجيلاً عليهم بالجراءة والتعرض لسخطه.

والأد الأمر العجيب أو المنكر، والتركيب يدل على الشدة والثقل ومنه أدت الناقة تؤد إذا رجعت الحنين في جوفها.

ويقال: فطره بالتخفيف إذا شقه، ومطاوعه انفطر وبالتشديد للتكثير، ومطاوعه تفطر وهذا البناء للتكثير.

وانتصب ﴿ هذا ﴾ إما على المصدر لأن الخرور في معناه، وإما لأن التقدير يهد هداً، أو على الحال أي مهدودة، أو على العلة أي لأنها تهد.

ومحل ﴿ أن دعوا ﴾ إما مجرور بدلاً من الهاء في ﴿ منه ﴾ وإما منصوب بنزع الخافض أي هدّاً لأن دعوا، علل الخرور بالهد والهد بالدعاء، وإما مرفوع بأنه فاعل هد أي هدها الدعاء، وخير الوجوه أوسطها كما في الوقوف والدعاء.

أما بمعنى التسمية فيكون المفعول الأول متروكاً طلباً للعموم والإحاطة بكل ما دعي ولداً له، وإما بمعنى النسبة أي نسبوا إلى الرحمن ولداً.

﴿ وما ينبغي ﴾ لا يصح ولا يستقيم وهو في الأصل مطاوع بغى إذا طلب، وإنما لا يصير مطلوباً لأنه محال.

أما الولادة المعروفة فلا مقال في استحالتها، وأما التبني فلأن القديم لا جنس له حتى يميل طبعه إليه ميل الوالد إلى الولد لمن أضاف إليه ولداً فقد جعله كبعض خلقه وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن المختص به، فليس أصول النعم وفروعها إلا منه كما قيل: لينكشف عن بصرك غطاؤه فأنت وجميع ما عندك عطاؤه، وهذا من فوائد تكرير هذا الاسم في هذا المقام.

سؤال: كيف تؤثر هذه الكلمة في الجمادات حتى تنفطر وتنشق وتخر؟

أجيب بأنه  كأنه يقول: كدت أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند دعائهم الولد لي غضباً مني على من تفوّه بها لولا حلمي، أو هو تصوير لأثر هذه الكلمة في الدنيا، أو المراد أن هذا الاعتقاد يوجب أن تكون هذه الأجرام على ما ترى من النظام كقوله: ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ وقال أبو مسلم: أراد أن هذه الأجرام كانت ممن يعقل كادت تفعل ذلك.

ثم بين أن العابدين والمعبودين في السموات أو في الأرضين كلهم تحت قهره وتسخيره في الدنيا وفي الآخرة وأنه محيط بجهل أحوالهم وتفاصيلها فقال: ﴿ إن كل ﴾ "إن" نافية أي ليس فرد من أفراد الخلائق ﴿ إلا أتى الرحمن ﴾ إلا وهو ملتجىء إلى ربوبيته مقر بعبوديته.

ثم أجمل حال المؤمنين بما لا مزيد عليه في باب الكرامة قائلاً ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً ﴾ أي سيحدث لهم في القلوب مودّة من غير ما سبب من الأسباب المعهودة كقرابة أو اصطناع وذلك كما يقذف في قلوب أعدائهم الرعب.

والسين إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله المودة بين الناس عند إظهار الإسلام، وإما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم.

وعن النبي  قال لعلي: "يا عليّ قل اللَّهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة" ، فأنزل الله  هذه الآية.

وعن ابن عباس: يعني يحبهم الله ويحببهم إلى خلقه.

وعن رسول الله  يقول الله عز وجل: " يا جبرائيل قد أحببت فلاناً فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" وعن قتادة: ما أقبل العبد إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه.

وعن كعب قال: مكتوب في التوراة: لا محبة لأحد في الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله  ينزلها على أهل السماء ثم على أهل الأرض، وتصديق ذلك في القرآن ﴿ سيجعل لهم الرحمن ودّاً ﴾ هذا قول جمهور المفسرين.

وعن أبي مسلم أن المراد أنه سهب لهم في الجنة ما يحبون، واستعمال المصدر بمعنى المفعول كثير.

وإنما صار إلى هذا القول لأن المسلم التقي يبغضه الكفار وقد يبغضه المسلمون أكثرهم، وقد يحصل مثل هذه المحبة للكفار والفساق فيكونون مرزوقين بميل الناس إلى اختلاطهم ومحبتهم فكيف يمكن جعله إنعاماً في حق المؤمنين.

وأيضاً إن محبتهم في قلوبهم من فعلهم لا من فعل الله، فحمل الكلام على إعطاء المنافع به أولى.

وأجيب بأن المراد محبة الملائكة والأنبياء والصالحين ومثل هذه لا تحصل للكافر والفاسق، وبأنه محمول على فعل الألطاف وخلق داعية إكرامه في قلوبهم.

ثم عظم شأن ما في هذه السورة من التوحيد والنبوة وبيان الحشر والرد على الفرق الضالة قائلاً: ﴿ فإنما يسرناه ﴾ كأنه قال: بلغ هذا المنزل أو بشر به وأنذر فإنما أنزلناه بلسانك أي بلغتك وسهلناه وفصلناه لتبشر به وتنذر.

واللد جمع الألد الشديد الخصومة بالباطل كقوله في "البقرة" ﴿ وهو ألد الخصام  ﴾ يريد أهل مكة.

ثم ختم السورة بما هو غاية في الإنذار ونهاية في التخويف لأنبائه عن انقضاء القرون الخالية بالفناء أو بالإفناء بحيث لم يبق منهم شخص يرى ولا صوت يسمع فيعلم منه أن مآل الباقين أيضاً إلى ذلك فيجتهدوا في تحصيل الزاد للمعاد ولا يصرفوا همتهم إلى ما هو بصدد الزوال والنفاد.

والركز الصوت الخفي وركز الرمح تغيب طرفه في الأرض والركاز المال المدفون.

التأويل: ﴿ ويقول ﴾ النفس الإنسانية لجهلها بالحقائق إذا مات عن الصفات البشرية ﴿ أخرج حياً ﴾ بالصفات الروحانية.

﴿ ولنحشرهم والشياطين ﴾ فلكل شخص قرين من الشياطين ﴿ ثم لنحضرنهم حول جهنم ﴾ القهر والطبيعة ﴿ وإن منكم ﴾ من الأنبياء والأولياء والمؤمنين والكافرين إلا هو وارد هاوية الهوى بقدم الطبيعة ﴿ حتماً مقضياً ﴾ لأن حكمته الأزلية اقتضت خلق هذا النوع المركب من العلوي والسفلي ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ﴾ الهوى يقدم الشريعة على طريق الطريقة للوصول إلى الحقيقة ﴿ آياتنا ﴾ من الحقائق والأسرار ﴿ قال الذين كفروا ﴾ ستروا الحق ﴿ للذين آمنوا ﴾ تحقيقاً وإيقاناً ﴿ وكم أهلكنا ﴾ بحب الدنيا والإغراق في بحر الشهوات والإحراق بنار المناصب للعرضيات ﴿ أما العذاب ﴾ وهو الموت على الإنكار والغفلة ﴿ وإما الساعة ﴾ وهي الإماتة عن الصفات البشرية عند قيام قيامة الشوق والمحبة.

﴿ فسيعلمون ﴾ حزب الله من حزب الشيطان ﴿ ويزيد الله ﴾ بالترقي من الإيمان إلى الإيقان إلى العيان ﴿ أن دعوا للرحمن ولداً ﴾ من فوائد ذكر اسم الرحمن ههنا أن الرحمانية أمهلتهم حتى قالوا ما قالوا وإلا فالألوهية مقتضية لإعدامهم في الحال ﴿ وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ﴾ عن مشيئة وإرادة بخلافهم في الدنيا فإنهم يظنون أن لهم إرادة واختياراً.

﴿ فإنما يسرنا ﴾ فيه أنه لولا تيسير الله درايته على قلب النبي  وإلا فكيف يسع ظروف الحروف المحدثة المتناهية حقائق كلامه الأزلية غير المتناهية ﴿ وكم أهلكنا ﴾ في تيه الضلالة ﴿ أو تسمع لهم ركزاً ﴾ بالثناء الحسن عليهم والله أعلم بالصواب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله عز وجل -: ﴿ أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ﴾ .

قال بعضهم: هذ القول قاله العاص بن وائل السهمي لما حاجه أهل الإيمان في أمر الآخرة أنها لهم دون الكفرة، فقال لهم عند ذلك: ﴿ لأُوتَيَنَّ مَالاً ﴾ في الآخرة إن كان ما تقولون أنتم حقّاً، إنما نبعث ونحيا كما أوتيت في هذه الدنيا.

وقال الحسن: قائل هذا القول هو الوليد بن المغيرة وهو ما قال  : ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً  وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً  وَبَنِينَ شُهُوداً  وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً  ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ  كَلاَّ  ﴾ وكان يطمع أن أزيد له في الدنيا أبداً، فقال: ﴿ كَلاَّ ﴾ ردّاً على ذلك، وقال هاهنا: ﴿ أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ ﴾ أنه يكون له في الآخرة ذلك على التأويل الأوّل، أو في الدنيا في وقت آخر؛ ذلك على تأويل الحسن، ﴿ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً * كَلاَّ ﴾ ردّاً على ما ادعوا ﴿ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ ﴾ أي: سنحفظ.

﴿ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ وَنَمُدُّ لَهُ ﴾ أي: نزيد له من العذاب في كل يوم، كقوله: ﴿ فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً  ﴾ وقال بعضهم: ﴿ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً ﴾ ، أي: نعذب بلا انقطاع له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ﴾ : قال بعضهم: أي: نرثه المال والولد الذي قال: ﴿ لأُوتَيَنَّ ﴾ أي: لله ما يقول بأنه له من المال وغيره لا له.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَنَرِثُهُ ﴾ : أنه يعطى في الجنة ما يعطى المؤمنون فنرثه عنه ونعطيه غيره، وجائز إضافة الوراثة إليه على إرادة أوليائه، أي: يرثه ذلك أولياؤه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَأْتِينَا فَرْداً ﴾ في الآخرة لا شيء معه ولا أهل، كقوله: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَيَأْتِينَا فَرْداً ﴾ في الدنيا في وقت لا شيء معه ولا أهل ولا ولد، على تأويل من يقول في قوله: ﴿ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ﴾ : في الدنيا، والله أعلم.

ثم اختلف أهل التأويل في العهد الذي ذكر: أن له عند الله: قال بعضهم: شهادة أن لا إله إلا الله في الدنيا.

وقال بعضهم: قدم عملاً صالحاً.

وقال بعضهم: الصلاة، وهو قول مقاتل.

وعن ابن مسعود -  - قال: "اتخذوا عند الرحمن عهداً؛ فإن الله يقول يوم القيامة: من كان له عندي عهد فليقم، فقيل: كيف هو؟

قال: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أنك لا تكلف إلى بعمل يقربني من الشر ويباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعله لي عندك عهداً تؤديه إلى يوم القيامة، إنك لا تخلف المعياد" .

ويرفع ابن مسعود هذا إلى رسول الله  .

والأول أشبه إن ثبت الخبر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً * كَلاَّ ﴾ .

فإن كان على حقيقة العز، فهو في القادة منهم والمتبوعين الذين عبدوا تلك الأصنام والأوثان؛ ليتعزّزوا بذلك، ولا يذلّون، وتدوم لهم الرياسة التي كانت لهم في الدنيا، فظنوا أنهم إن آمنوا تذهب تلك الرياسة والمأكلة عنهم.

ويحتمل قوله: ﴿ لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً ﴾ أي: نصراً ومنعة، فإن كان هذا فهو في الرؤساء منهم والأتباع في الدنيا والآخرة: أما ما طمعوا بعبادتهم الأصنام النصر في الآخرة، وهو كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ؛ طمعوا بعبادتهم النصر والشفاعة في الآخرة.

وأمّا في الدنيا ظنوا أنّ آلهتهم التي عبدوها ينصرونهم في الدنيا، حيث قالوا: ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ  ﴾ ، فكيفما كان فقد رد الله عليهم ما طمعوا منها - عزّاً كان أو نصراً - بقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ؛ لأنهم أذلّوا أنفسهم لخشب، وحنوا ظهورهم لها، فكفى بذلك ذلاًّ وصغاراً.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ ﴾ : قال الحسن: سيكفر عبّاد الأصنام في الدنيا بمن عبدوه في الآخرة أنهم ما كفروا وما عبدوها، كقوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، ينكرون في الآخرة أن يكونوا أشركوا معه غيره أو عبدوا دونه.

وقال غيره من أهل التأويل: سيكفر المعبودون بالعابدين لهم، ويتبرءون منهم، وهو كقوله: ﴿ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً ﴾ : قال بعضهم: ﴿ ضِدّاً ﴾ ، أي: عوناً، وتأويل العون: هو أن يلقي تلك الأصنام معهم في النار، فيحرقون فيها معهم، فيزداد لهم عذاباً؛ فكانت على إحراقهم، وعلى هذا يخرج.

وقول من يقول: الضدّ: البلاء، أي: يكونون بلاء عليهم على ما ذكرنا وهو ما قال: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ...

﴾ الآية [الأنبياء: 98]، فإذا صاروا حصباً كانوا بلاء وعوناً على إحراقهم.

وقال بعضهم: ﴿ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً ﴾ : أي: قرناء في النار بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض، ويخاصم بعضهم بعضاً، ويكذب بعضهم بعضاً؛ فذلك كلّه ضد عليهم، ضدّ ما طمعوا منها؛ لأنهم عبدوها في الدّنيا رجاء أن يكونوا لهم شفعاء في الآخرة ونصراء، فكانوا لهم على ضدّ ذلك أعداء.

وقال ابن عبّاس: يكونون ضدّاً: أي: حسرة، وكلّه واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ﴾ : قال بعضهم: ﴿ أَرْسَلْنَا ﴾ : أي: سلّطنا عليهم، كقوله: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ ﴾ : أي: قيضناهم بهم، كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً  ﴾ فهما في الحقيقة واحد؛ لأنه إذا أرسلهم اتصلوا بهم، فإذا اتصلوا بهم قيضوا وقرنوا بعضهم ببعض.

وقال الحسن، وأبو بكر الأصم، وغيرهما: ﴿ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ : أي: خلينا بينهم وبينهم، ولم نمنعهم منهم [على] ما ذكر.

لكن لو كان تأويل الإرسال التخلية وتأويل القيض كذلك، لم يكن لتخصيص الكفار بذلك معنى؛ إذ قد كان ذلك القدر من التخلية بينهم وبين المسلمين.

[و] إن كان تأويل التخلية: أنه لم يمنعهم عنهم، وخلى بينهم - فدلّ تخصيص الكفار بهذا وأمثاله [على أن] ليس هو التخلية لا غير، وأن تخصيص هؤلاء بهذا وأمثاله من قوله: ﴿ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ  ﴾ ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً  ﴾ ، ونحوه، وإن كان هنالك من الله معنى في الكفار ليس ذلك في المؤمنين، وفي المؤمنين معنى ليس ذلك في الكافرين، وهو - والله أعلم - إذا علم في المؤمنين الرغبة والإجابة، وفقهم على ذلك وهداهم، وإذا علم من الكفار خلاف ذلك وضدّه خذلهم وأضلّهم، فذلك تخصيصه إياهم بما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ﴾ : قال بعضهم: تزعجهم إزعاجاً.

وقال بعضهم: تشيلهم إشلاء وتغريهم إغراء.

وقال الحسن: تحركهم تحريكاً.

وقال بعضهم: تقدمهم إقداماً إلى الشر.

وقال بعضهم: توقعهم إيقاعاً، ونحوه، وكله واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: لا تكافئهم على أذاهم إياك، ولا تعاقبهم، ﴿ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً ﴾ أي: أنفاسهم يتنفسون في الدنيا، فهي معدودة تنقضي آجالهم عن قريب، فلا تكافئهم على ذاك وما يستقبلونك بالمكروه والسوء.

ثم وجه ما ذكر من إرسال الشياطين عليهم والتمكين لهم من الوسوسة في الصّدور، أعني: صدور المؤمنين، والنزغ في روعهم من غير أن يملكوا القهر والقسر على ذلك، وما جعلهم بمحل لا نراهم نحن، وهم يروننا، على ما أخبر ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ  ﴾ ، فهو - والله أعلم - أن من علم بحضرته وقربه عدوّاً له يراقبه ويطلب الفرصة عليه يكون أحذر وأهيب له ممن لا يعلم ذلك ولا كان بقربه وحضرته عدو، وعلى ذلك ما جعل الله - عز وجل - من الحفظة والكرام الكاتبين - صلوات الله عليهم - على بني آدم، رقباء عليهم في قليل ما يفعلون ويتفوهون و كثيره، وإن كان قادراً على حفظ ذلك عليهم والتذكير لهم واحداً بعد واحد، شيئاً على إثر شيء، وذلك لما ذكرنا أن من علم أنّ عليه رقيباً يراقبه ويكتب عليه كل قليل وكثير كان أحذر وأهيب ممن لم يعلم ذلك على نفسه رقيباً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً ﴾ أي: الذين اتقوا مخالفة أمر الله في كل ما لا يغلب عليهم؛ لأن المؤمن لا يرتكب المعصية إلا لغلبة شهوة، أو لغلبة رجاء إلى مغفرة ربه ونحوه، أو توبة يضمرها بعد ارتكابها، وعلى هذا يكون ارتكاب المؤمن مخالفة ربّه.

وقوله: ﴿ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ أي: إلى ما وعد لهم الرحمن من الثواب.

وقوله: ﴿ وَفْداً ﴾ الوفد في الشاهد: هم أهل الكرامة والمنزلة يبعثون لأمور، فكأنه قال: إن المتقين يحشرون وهم مكرمون معظمون، ولهم منزلة عند الله وقدر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً ﴾ ، الوارد: هو طالب الماء، والورد الجمع، فكأنه قال: ونسوق المجرمين إلى جهنم عطاشاً طلاب الماء، على ما قاله أهل التأويل.

والمجرم، قال أبو بكر الأصم: هو الوثاب في المعصية، وأصل الإجرام: الاكتساب؛ ولهذا قال بعض النّاس في قوله: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ  ﴾ أي: يكسبنكم، وأصله هو كسب الإثم.

وقوله: ﴿ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ فيه أنهم إنما يساقون على كره منهم؛ إذ ذكر في الكافرين السوق وذكر في المؤمنين الجمع والحشر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ ﴾ \[الشفاعة\] إنما تكون فيمن استوجب العذاب والعقوبة، فأما من لا عقوبة عليه مغفور الذنب فإنه لا معنى لها ولا فائدة، فهو يردّ على المعتزلة مذهبهم: أن صاحب الكبيرة لا يغفر له، وصاحب الصغيرة مغفور له، فالشفاعة التي ذكر لا تخلو إمّا أن تكون لأهل الكبائر فيغفر لهم بالشفاعة، فيبطل قولهم، أو لأهل الصغائر وتعذيبهم، فكيفما كان فهو يرد قولهم؛ إذ لا معنى لذكر الشفاعة في المغفورين.

وقالوا: إن الشفاعة في الشاهد أن يذكر نجابة الإنسان عند آخر ليعرف محاسنه ومناقبه ليكون له منزلة وقدر عنده، لكن مثل هذا يجوز ممن يجهل ذلك ولا يعرف بنفسه، فأمّا الله -  وتعالى - هو عالم بذاته، يعلم حال كل أحد، فلا يحتمل ذلك.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً ﴾ قال بعضهم: شهادة أن لا إله إلا الله.

وقال بعضهم: العمل الصالح.

وقال بعضهم: الصلاة على ما ذكرنا، وأصل العهد هو أن يشترط شروط الوفاء حتى [يفي] بما شرط عليه وهو الوفاء بما أمر به ونهى عنه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ونرث ما تركه من مال وولد بعد إهلاكنا له، ويجيئنا يوم القيامة فردًا قد سلب منه ما كان يتمتّع به من مال ومن جاء.

<div class="verse-tafsir" id="91.WVrgK"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله