الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٨٦ من سورة مريم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 91 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٦ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله "ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا" أي عطاشا.
وقوله ( وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ) يقول تعالى ذكره: ونسوق الكافرين بالله الذين أجرموا إلى جهنم عطاشا ، والوِرد: مصدر من قول القائل: وردت كذا أرِده وِردا، ولذلك لم يجمع ، وقد وصف به الجمع.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثني عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ) يقول: عطاشا.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن إسماعيل، عن رجل، عن أبي هريرة ( وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ) قال: عطاشا.
حدثني يعقوب والفضل بن صباح، قالا ثنا إسماعيل بن عُلَيَّة ، عن أبي رجاء، قال: سمعت الحسن يقول في قوله ( وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ) قال: عطاشا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن يونس، عن الحسن، مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ( إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ) قال: ظماء إلى النار.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ) سوقوا إليها وهم ظمء عطاش .
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: سمعت سفيان يقول في قوله ( وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ) قال: عطاشا.
ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا السوق الحث على السير .
و وردا عطاشا قاله ابن عباس وأبو هريرة - رضي الله عنهما - والحسن والأخفش والفراء وابن الأعرابي : حفاة مشاة وقيل : أفواجا .
وقال الأزهري أي مشاة عطاشا ، كالإبل ترد الماء ، فيقال : جاء ورد بني فلان القشيري : وقوله : ( وردا ) يدل على العطش لأن الماء إنما يورد في الغالب للعطش وفي ( التفسير ) مشاة عطاشا تتقطع [ ص: 75 ] أعناقهم من العطش وإذا كان سوق المجرمين إلى النار فحشر المتقين إلى الجنة .
وقيل وردا أي الورود كقولك جئتك إكراما لك أي لإكرامك أي نسوقهم لورود النار .قلت : ولا تناقض بين هذه الأقوال ، فيساقون عطاشا حفاة مشاة أفواجا ، قال ابن عرفة : الورد القوم يردون الماء ، فسمي العطاش وردا لطلبهم ورود الماء ؛ كما تقول : قوم صوم أي صيام ، وقوم زور أي زوار ، فهو اسم على لفظ المصدر ، واحدهم وارد .
والورد أيضا الجماعة التي ترد الماء من طير وإبل ، والورد الماء الذي يورد وهذا من باب الإيماء بالشيء إلى الشيء ، الورد الجزء يقال قرأت وردي والورد يوم الحمى إذا أخذت صاحبها لوقت فظاهره لفظ مشترك وقال الشاعر يصف قليبا :يطمو إذا الورد عليه التكاأي الوراد الذين يريدون الماء
وأما المجرمون، فإنهم يساقون إلى جهنم وردا، أي: عطاشا، وهذا أبشع ما يكون من الحالات، سوقهم على وجه الذل والصغار إلى أعظم سجن وأفظع عقوبة، وهو جهنم، في حال ظمئهم ونصبهم يستغيثون فلا يغاثون، ويدعون فلا يستجاب لهم، ويستشفعون فلا يشفع لهم
( ونسوق المجرمين ) الكافرين ( إلى جهنم وردا ) أي : مشاة .
وقيل : عطاشا قد تقطعت أعناقهم من العطش .
" والورد " جماعة يردون الماء ولا يرد أحد الماء إلا بعد عطش .
«ونسوق المجرمين» بكفرهم «إلى جهنم وردا» جمع وارد بمعنى ماش عطشان.
يوم نجمع المتقين إلى ربهم الرحيم بهم وفودًا مكرمين.
ونسوق الكافرين بالله سوقًا شديدًا إلى النار مشاة عِطاشًا.
وقوله - تعالى - : ( وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً ) بيان لسوء عاقبة المجرمين بعد بيان ما أعده الله للمتقين من نعيم .و ( وِرْداً ) أى : عطاشا .
وأصل الورد الإتيان إلى الماء بقصد الارتواء منه بعد العطش الشديد .أى : ونسوق المجرمين الذين ارتكبوا الجرائم فى دنياهم ، نسوقهم سوقا إلى جهنم كما تساق البهائم .
حالة كونهم عطاشا ، يبحثون عن الماء فلا يجدونه .والضمير فى قوله - تعالى - : ( لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة .
.
.
) يرى بعضهم أنه يعود إلى المجرمين فى قوله ( وَنَسُوقُ المجرمين .
.
.
) .أى : نسوق المجرمين إلى جهنم عطاشا ، حالة كونهم لا يملكون الشفاعة لغيرهم ، ولا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم ، لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا وهم المؤمنون الصادقون فإنهم يملكون بتمليك الله - تعالى - لهم إياهان وإذنه لهم فيها ، كما قال - تعالى - :( مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ .
.
) وكما قال - سبحانه - : ( وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السماوات لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله لِمَن يَشَآءُ ويرضى ) وعلى هذا التفسير يكون الاستثناء منقطعاً .
اعلم أنه تعالى لما تكلم في مسألة الحشر والنشر، تكلم الآن في الرد على عباد الأصنام فحكى عنهم أنهم إنما اتخذوا آلهة لأنفسهم ليكونوا لهم عزاً، حيث يكونون لهم عند الله شفعاء وأنصاراً، ينقذونهم من الهلاك.
ثم أجاب الله تعالى بقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ وهو ردع لهم وإنكار لتعززهم بالآلهة، وقرأ ابن نهيك: ﴿ كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بعبادتهم ﴾ أي كلهم سيكفرون بعبادة هذه الأوثان وفي محتسب ابن جني كلا بفتح الكاف والتنوين وزعم أن معناه كل هذا الاعتقاد والرأي كلا، قال صاحب الكشاف: إن صحت هذه الرواية فهي كلا التي هي للردع قلب الواقف عليها ألفها نوناً كما في قواريرا واختلفوا في أن الضمير في قوله: ﴿ سَيَكْفُرُونَ ﴾ يعود إلى المعبود أو إلى العابد فمنهم من قال إنه يعود إلى المعبود، ثم قال بعضهم: أراد بذلك الملائكة لأنهم في الآخرة يكفرون بعبادتهم ويتبرءون منهم ويخاصمونهم وهو المراد من قوله: ﴿ أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴾ وقال آخرون: إن الله تعالى يحيي الأصنام يوم القيامة حتى يوبخوا عبادهم ويتبرؤا منهم فيكون ذلك أعظم لحسرتهم ومن الناس من قال الضمير يرجع إلى العباد أي أن هؤلاء المشركين يوم القيامة ينكرون أنهم عبدوا الأصنام ثم قال تعالى: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ أما قوله: ﴿ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً ﴾ فذكر ذلك في مقابلة قوله: ﴿ لَهُمْ عِزّاً ﴾ والمراد ضد العز وهو الذل والهوان أن يكونون عليهم ضداً لما قصدوه وأرادوه كأنه قيل: ويكونون عليهم ذلالهم لا عزاً أو يكونون عليهم عوناً والضد العون، يقال من أضدادكم أي من أعوانكم وكأن العون يسمى ضداً لأنه يضاد عدوك وينافيه بإعانته لك عليه، فإن قيل: ولم وحد؟
قلنا: وحد توحيد قوله عليه السلام: «وهم يد على من سواهم» لاتفاق كلمتهم فإنهم كشيء واحد لفرط انتظامهم وتوافقهم، ومعنى كون الآلهة عوناً عليهم أنهم وقود النار وحصب جهنم ولأنهم عذبوا بسبب عبادتها واعلم أنه تعالى لما ذكر حال هؤلاء الكفار مع الأصنام في الآخرة ذكر بعده حالهم مع الشياطين في الدنيا فإنهم يسألونهم وينقادون لهم فقال: ﴿ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج الأصحاب بهذه الآية على أن الله تعالى مريد لجميع الكائنات فقالوا قول القائل: أرسلت فلاناً على فلان موضوع في اللغة لإفادة أنه سلطه عليه لإرادة أن يستولي عليه.
قال عليه السلام: «سم الله وأرسل كلبك عليه» إذا ثبت هذا فقوله: ﴿ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين ﴾ يفيد أنه تعالى سلطهم عليهم لإرادة أن يستولوا عليهم وذلك يفيد المقصود ثم يتأكد هذا بقوله: ﴿ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ﴾ فإن معناه إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين لتؤزهم أزاً ويتأكد بقوله: ﴿ واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ ﴾ قال القاضي: حقيقة اللفظ توجب أنه تعالى أرسل الشياطين إلى الكفار كما أرسل الأنبياء بأن حملهم رسالة يؤدونها إليهم فلا يجوز في تلك الرسالة إلا ما أرسل عليه الشياطين من الإغواء فكان يجب في الكفار أن يكونوا بقبولهم من الشياطين مطيعين وذلك كفر من قائله، ولأن من العجب تعلق المجبرة بذلك لأن عندهم أن ضلال الكفار من قبله تعالى بأن خلق فيهم الكفر وقدر الكفر فلا تأثير لما يكون من الشيطان وإذا بطل حمل اللفظ في ظاهره فلابد من التأويل فنحمله على أنه تعالى خلى بين الشياطين وبين الكفار وما منعهم من إغوائهم وهذه التخلية تسمى إرسالاً في سعة اللغة.
كما إذا لم يمنع الرجل كلبه من دخول بيت جيرانه يقال: أرسل كلبه عليه وإن لم يرد أذى الناس، وهذه التخلية وإن كان فيها تشديد للمحنة عليهم فهم متمكنون من أن لا يقبلوا منهم ويكون ثوابهم على ترك القبول أعظم والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ هذا تمام كلامه ونقول لا نسلم أنه لا يمكن حمله على ظاهره فإن قوله: ﴿ أَرْسَلْنَا الشياطين ﴾ لو أرسلهم الله إلى الكفار لكان الكفار مطيعين له بقبول قول الشياطين، قلنا الله تعالى ما أرسل الشياطين إلى الكفار بل أرسلها عليهم والإرسال عليهم هو التسليط لإرادة أن يصير مستولياً عليه، فأين هذا من الإرسال إليهم، قوله: ضلال الكافر من قبل الله تعالى فأي تأثير للشيطان فيه؟
قلنا: لم لا يجوز أن يقال: إن إسماع الشيطان إياه تلك الوسوسة يوجب في قلبه ذلك الضلال بشرط سلامة فهم السامع لأن كلام الشيطان من خلق الله تعالى فيكون ذلك الضلال الحاصل في قلب الكافر منتسباً إلى الشيطان وإلى الله تعالى من هذين الوجهين، قوله لم لا يجوز أن يكون المراد بالإرسال التخلية قلنا: كما خلى بين الشيطان والكفرة فقد خلى بينهم وبين الأنبياء ثم إنه تعالى خص الكافر بأنه أرسل الشيطان عليه فلابد من فائدة زائدة هاهنا ولأن قوله: ﴿ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ﴾ أي تحركهم تحريكاً شديداً كالغرض من ذلك الإرسال فوجب أن يكون الأز مراداً لله تعالى ويحصل المقصود منه فهذا ما في هذا الموضع، والله أعلم.
المسألة الثانية: قال ابن عباس: ﴿ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ﴾ أي تزعجهم في المعاصي إزعاجاً نزلت في المستهزئين بالقرآن وهم خمسة رهط قال صاحب الكشاف: الأز والهز والاستفزاز أخوات في معنى التهييج وشدة الإزعاج أي تغريهم على المعاصي وتحثهم وتهيجهم لها بالوساس والتسويلات، أما قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً ﴾ يقال: عجلت عليه بكذا إذا استعجلته به أي لا تعجل عليهم بأن يهلكوا أو يبيدوا حتى تستريح أنت والمسلمون من شرورهم فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ ﴾ عن ابن عباس أنه كان إذا قرأها بكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد دخول قبرك، آخر العدد فراق أهلك.
وعن ابن السماك رحمه الله أنه كان عند المأمون فقرأها فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد.
وذكروا في قوله: ﴿ نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً ﴾ وجهين آخرين: الأول: نعد أنفاسهم وأعمالهم فنجازيهم على قليلها وكثيرها.
والثاني: نعد الأوقات إلى وقت الأجل المعين لكل أحد الذي لا يتطرق إليه الزيادة والنقصان، ثم بين سبحانه ما سيظهر في ذلك اليوم من الفصل بين المتقين وبين المجرمين في كيفية الحشر فقال: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً ﴾ قال صاحب الكشاف: نصب يوم بمضمر أي يوم نحشر ونسوق نفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف أو اذكر يوم نحشر ويجوز أن ينتصب بلا يملكون عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إن المتقين إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة عليها رحال الذهب» ثم تلا هذه الآية.
وفيها مسائل: المسألة الأولى: قال القاضي هذه الآية أحد ما يدل على أن أهوال يوم القيامة تختص بالمجرمين لأن المتقين من الابتداء يحشرون على هذا النوع من الكرامة فهم آمنون من الخوف فكيف يجوز أن تنالهم الأهوال؟
المسألة الثانية: المشبهة احتجوا بالآية وقالوا قوله: ﴿ إِلَى الرحمن ﴾ يفيد أن انتهاء حركتهم يكون عند الرحمن وأهل التوحيد يقولون المعنى يوم نحشر المتقين إلى محل كرامة الرحمن.
المسألة الثالثة: طعن الملحد فيه فقال قوله: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً ﴾ هذا إنما يستقيم أن لو كان الحاشر غير الرحمن أما إذا كان الحاشر هو الرحمن فهذا الكلام لا ينتظم، أجاب المسلمون بأن التقدير يوم نحشر المتقين إلى كرامة الرحمن أما قوله: ﴿ وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ ورداً ﴾ فقوله: ﴿ نَسُوقُ ﴾ يدل على أنهم يساقون إلى النار بإهانة واستخفاف كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء، والورد اسم للعطاش، لأن من يرد الماء لا يرده إلا للعطش.
وحقيقة الورود السير إلى الماء فسمي به الواردون أما قوله: ﴿ لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة ﴾ أي فليس لهم والظاهر أن المراد شفاعتهم لغيرهم أو شفاعة غيرهم لهم فلذلك اختلفوا، وقال بعضهم: لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم كما يملك المؤمنون وقال بعضهم: بل المراد لا يملك غيرهم أن يشفعوا لهم وهذا الثاني أولى لأن حمل الآية على الأول يجري مجرى إيضاع الواضحات وإذا ثبت ذلك دلت الآية على حصول الشفاعة لأهل الكبائر لأنه قال عقيبه: ﴿ إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً ﴾ والتقدير أن هؤلاء لا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم إلا إذا كانوا قد اتخذوا عند الرحمن عهداً التوحيد والنبوة فوجب أن يكون داخلاً تحته ومما يؤكد قولنا: ما روى ابن مسعود أنه عليه السلام قال لأصحابه ذات يوم: أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهداً؟
قالوا؛ وكيف ذلك؟
قال: يقول كل صباح ومساء اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتبعدني من الخير وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عهداً توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد.
فإذا قال ذلك طبع الله عليه بطابع ووضع تحت العرش فإذا كان يوم القيامة نادى منادٍ أين الذين لهم عند الرحمن عهد فيدخلون الجنة، فظهر بهذا الحديث أن المراد من العهد كلمة الشهادة وظهر وجه دلالة الآية على أن الشفاعة لأهل الكبائر وقال القاضي: الآية دالة على مذهبه وقد ظهر أن الآية قوية في الدلالة على قولنا، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وذكر الكافرون بأنهم يساقون إلى النار بإهانة واستخفاف كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء.
والورود: العطاش لأنّ من يرد الماء لايرده إلا لعطش وحقيقة الورد: المسير إلى الماء، قال: رِدِي رِدِي وِرْدَ قَطَاةٍ صَمَّا ** كُدْرِيَّةٍ أعْجَبَهَا بَرْدُ الْمَا فسمى به الواردون.
وقرأ الحسن ﴿ يحشر المتقون ﴾ ، و ﴿ يساق المجرمون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ ﴾ كَما تُساقُ البَهائِمُ.
﴿ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾ عِطاشًا فَإنَّ مَن يَرِدُ الماءَ لا يَرِدُهُ إلّا لِعَطَشٍ، أوْ كالدَّوابِّ الَّتِي تَرِدُ الماءَ.
﴿ لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ ﴾ الضَّمِيرُ فِيها لِلْعِبادِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِذِكْرِ القِسْمَيْنِ وهو النّاصِبُ لِلْيَوْمِ.
﴿ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴾ إلّا مَن تَحَلّى بِما يَسْتَعِدُّ بِهِ ويَسْتَأْهِلُ أنْ يَشْفَعَ لِلْعُصاةِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ عَلى ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى، أوْ إلّا مَنِ اتَّخَذَ مِنَ اللَّهِ إذْنًا فِيها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ﴾ مِن قَوْلِهِمْ: عَهِدَ الأمِيرُ إلى فُلانٍ بِكَذا إذا أمَرَهُ بِهِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ أوِ النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ إلّا شَفاعَةَ مَنِ اتَّخَذَ، أوْ عَلى الِاسْتِثْناءِ.
وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُجْرِمِينَ والمَعْنى: لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ فِيهِمْ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا يَسْتَعِدُّ بِهِ أنْ يَشْفَعَ لَهُ بِالإسْلامِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَنَسُوقُ المجرمين} الكافرين سوق الأنعام لأنهم كانوا أضل من الأنعام {إلى جَهَنَّمَ وِرْداً} عطاشاً لأن من يرد الماء لا يرده إلا لعطش وحقيقة الورود المسير إلى الماء فيسمى به الواردون فالورد جمع وارد كركب وراكب ونصب يوم بمضمر أي يوم نحشر ونسوق نفعل بالفريقين مالا يوصف أو اذكر يوم نحشر ذكر المتقون بأنهم يجمعون إلى ربهم الذي غمرهم برحمته كما يفد الوفود على الملوك تبجيلاً لهم والكافرون بأنهم مساقون إلى النار كانهم نعم عطش مساق إلى الماء استخفافاً بهم
وقَدْ قابَلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ ﴾ كَما تُساقُ البَهائِمُ ﴿ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾ أيْ عِطاشًا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ والحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ، وأصْلُهُ مَصْدَرُ ورَدَ أيْ سارَ إلى الماءِ، قالَ الرّاجِزُ: رِدِي رِدِي وِرْدَ قَطاةٍ صَمّا كُدْرِيَّةٍ أعْجَبَها بَرْدَ الما وإطْلاقُهُ عَلى العِطاشِ مَجازٌ لِعَلاقَةِ اللُّزُومِ لِأنَّ مَن يَرِدُ الماءَ لا يَرِدُهُ إلّا لِعَطَشٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الوِرْدِ الدَّوابَّ الَّتِي تَرِدُ الماءَ، والكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ أيْ نَسُوقُهم كالدَّوابِّ الَّتِي تَرِدُ الماءَ، وفي الكَشْفِ في لَفْظِ الوِرْدِ تَهَكُّمٌ واسْتِخْفافٌ عَظِيمٌ لا سِيَّما وقَدْ جَعَلَ المَوْرِدَ جَهَنَّمَ أعاذَنا اللَّهُ تَعالى مِنها بِرَحْمَتِهِ، فَلْيَنْظُرْ ما بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ مِنَ الفَرْقِ العَظِيمِ وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ ( يُحْشَرُ المُتَّقُونَ ويُساقُ المُجْرِمُونَ ) بِبِناءِ الفِعْلَيْنِ لِلْمَفْعُولِ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أهْوالَ القِيامَةِ تَخْتَصُّ بِالمُجْرِمِينَ لِأنَّ المُتَّقِينَ مِنَ الِابْتِداءِ يُحْشَرُونَ مُكَرَّمِينَ فَكَيْفَ يَنالُهم بَعْدَ ذَلِكَ شِدَّةٌ، وفي البَحْرِ الظّاهِرِ أنَّ حَشْرَ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا أبْعَدَ انْقِضاءَ الحِسابِ وامْتِيازَ الفَرِيقَيْنِ، وحَكاهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ عَنْ أبِي سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيِّ، وذَكَرَ ذَلِكَ النَّيْسابُورِيُّ احْتِمالًا بَحْثًا في الِاسْتِدْلالِ السّابِقِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ لا يَتَأتّى عَلى ما سَمِعْتَ في الخَبَرِ المَرْوِيِّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّهم يَرْكَبُونَ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ ويَنْتَهُونَ إلى بابِ الجَنَّةِ وهو ظاهِرٌ في أنَّهم لا يُحاسَبُونَ.
وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المُرادَ بِالمُتَّقِينَ المَوْصُوفُونَ بِالتَّقْوى الكامِلَةِ ولا يَبْعُدُ أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِلا حِسابٍ فَقَدْ صَحَّتِ الأخْبارُ بِدُخُولِ طائِفَةٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الجَنَّةَ كَذَلِكَ، فَفي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: خَرَجَ إلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ذاتَ يَوْمٍ فَقالَ: ( عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ والنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلانِ والنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ والنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ، فَرَأيْتُ سَوادًا كَثِيرًا فَرَجَوْتُ أنْ يَكُونَ أُمَّتِي فَقِيلَ: هَذا مُوسى وقَوْمُهُ ثُمَّ قِيلَ: انْظُرْ فَرَأيْتُ سَوادًا كَثِيرًا فَقِيلَ: هَؤُلاءِ أمَتُّكَ ومَعَ هَؤُلاءِ سَبْعُونَ ألْفًا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، فَتَفَرَّقَ النّاسُ ولَمْ يُبَيِّنْ لَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَتَذاكَرَ أصْحابُهُ فَقالُوا: أمّا نَحْنُ فَوُلِدْنا في الشِّرْكِ ولَكِنْ قَدْ آمَنّا بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَؤُلاءِ أبْناؤُنا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : ( هُمُ الَّذِينَ لا يَسْتَرْقُونَ ولا يَكْتَوُونَ ولا يَتَطَيَّرُونَ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ «عَنْ أبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ( سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: وعَدَنِي رَبِّي أنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِي سَبْعِينَ ألْفًا لا حِسابَ عَلَيْهِمْ ولا عَذابَ مَعَ كُلِّ ألْفٍ سَبْعِينَ ألْفًا وثَلاثَ حَثَياتٍ مِن حَثَياتِ رَبِّي» ).
وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبَزّارُ والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: ( «إنَّ رَبِّي أعْطانِي سَبْعِينَ ألْفًا مِن أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هَلّا اسْتَزَدْتَهُ؟
قالَ: قَدِ اسْتَزَدْتُهُ فَأعْطانِي هَكَذا، وفَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ وبَسَطَ باعَيْهِ وجَثى» ).
قالَ هِشامٌ: هَذا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا يُدْرى ما عَدَدُهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ «عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ( احْتَبَسَ عَنّا رَسُولُ اللَّهِ ثَلاثًا لا ) يَخْرُجُ إلّا إلى صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ ثُمَّ يَرْجِعُ، فَلَمّا كانَ اليَوْمُ الرّابِعُ خَرَجَ إلَيْنا فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ احْتَبَسْتَ عَنّا حَتّى ظَنَنّا أنَّهُ حَدَثَ حَدَثٌ قالَ: لَمْ يَحْدُثِ الأخِيرَ إنَّ رَبِّي وعَدَنِي أنْ يُدْخِلَ مِن أُمَّتِي الجَنَّةَ سَبْعِينَ ألْفًا بِلا حِسابٍ، وإنِّي سَألْتُ رَبِّي في هَذِهِ الثَّلاثِ أيّامٍ المَزِيدَ فَوَجَدْتُ رَبِّي ماجِدًا كَرِيمًا فَأعْطانِي مَعَ كُلِّ واحِدٍ سَبْعِينَ ألْفًا» ) الخَبَرَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ وفي بَعْضِها ذُكِرَ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ بِوَصْفِهِ كالحامِدِينَ اللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وكالَّذِينِ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ وكالَّذِينِ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وكالَّذِي يَمُوتُ في طَرِيقِ مَكَّةَ ذاهِبًا أوْ راجِعًا، وكَطالِبِ العِلْمِ والمَرْأةِ المُطِيعَةِ لِزَوْجِها والوَلَدِ البارِّ بِوالِدَيْهِ، وكالرَّحِيمِ الصَّبُورِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الأخْبارِ ظاهِرٌ ويَلْزَمُ عَلى تَخْصِيصِ المُتَّقِينَ بِالمَوْصُوفِينَ بِالتَّقْوى الكامِلَةِ دُخُولُ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ في المُجْرِمِينَ أوْ عَدَمُ احْتِمالِ الآيَةِ عَلى بَيانِ حالِهِمْ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى ما رُوِيَ مِنَ الخَبَرِ عَلى عَدَمِ إحْضارِ المُتَّقِينَ جِثِيًّا حَوْلَ جَهَنَّمَ، فَما يَدُلُّ عَلى العُمُومِ مُخَصَّصٌ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَتَأمَّلْ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.
ونُصِبَ (يَوْمَ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ أيْ يَوْمَ نَحْشُرُ ونَسُوقُ نَفْعَلُ بِالفَرِيقَيْنِ مِنَ الأفْعالِ ما لا يُحِيطُ بِبَيانُهُ نِطاقَ المَقالِ، وقِيلَ: عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمَحْذُوفٍ مُقَدَّمٍ خُوطِبَ بِهِ سَيِّدُ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيِ اذْكُرْ لَهم بِطَرِيقِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ يَوْمَ نَحْشُرُ إلَخْ، وقِيلَ: عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِنَعُدُّ بِاعْتِبارِ مَعْنى المُجازاةِ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ﴾ .
وقِيلَ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا ﴿ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴾ ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ: <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ يعني: ألم تخبر في القرآن أنا سلطنا الشياطين عَلَى الْكافِرِينَ مجازاة لهم، ويقال: خلينا بينهم وبين الكفار فلم نعصمهم تَؤُزُّهُمْ أَزًّا يعني: تزعجهم إزعاجاً وتغريهم إغراءً حتى يركبوا المعاصي، قال الضحاك: تَؤُزُّهُمْ أَزًّا يعني: تأمرهم أمراً، وقال الحسن: تقدمهم إقداماً إلى الشر، وقال الكلبي: نزلت الآية في المستهزئين بالقرآن وهم خمسة رهط فَلا تَعْجَلْ يا محمد عَلَيْهِمْ بالعذاب إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا يعني: أيام الحياة، ثم ينزل بهم العذاب.
ويقال: نعد عليهم النفس بعد النفس، ويقال: الأيام والليالي والشهور.
قوله عز وجل: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ يعني: اذكر يوم نحشر المتقين الذين اتقوا الشرك والفواحش إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً يعني: ركباناً على النوق، والوفد: جمع الوافد، مثل الركب جمع راكب، والوفد الذي يأتي بالخبر والبشارة ويجازي بالإحسان والكرامة.
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قرأ قوله تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ثم قال: «أتدرون على أي شيء يحشرون!
أما والله ما يحشرون على أقدامهم، ولكن يؤتون بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، وأزمتها من الزبرجد، ثم ينطلق بهم حتى يقرعوا باب الجنة» .
وقال الربيع بن أنس: يفدون إلى ربهم فيكرمون ويعظمون ويشفعون ويحيون فيها بسلام.
ويقال: إِلَى الرَّحْمنِ يعني: إلى الرحمة وهي الجنة ويقال: إِلَى الرَّحْمنِ يعني: إلى دار الرحمن.
ثم قال عز وجل: وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً يعني: عطاشاً مشاة، وأصله: الورود على الماء، والوارد على الماء يكون عطشانا.
<div class="verse-tafsir"
ت: هذا الحديثُ خرَّجه مسلمٌ، وأَبُو دَاوُدَ عن مُطَرِّف عن أَبِيه.
وقال العِرَاقِيّ: تَؤُزُّهُمْ أي: تدفعهم: انتهى.
وقوله سبحانه: فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ أَيْ: لاَ تَسْتَبطِىءْ عَذَابهم.
وقوله تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً.
قال ع «١» : وظاهر هذه الوفادة «٢» أَنها بعد انقضاء الحساب، وإنما هي النهوضُ إلَى الجنَّة، وكذلك سوقُ المجرمين إنما هو لدخول النّار.
ووَفْداً قال المفسرون: معناه رُكْباناً، وهي «٣» عادةُ الوفود لأَنهم سَرَاةُ الناسِ، وأَحسنهم شَكْلاً، وإنما شَبَّههم بالوفْدِ هيئة، وكرامة.
وروي عن عَلِيِّ- رضي الله عنه- أَنهم يَجِيئُونَ رُكْباناً على النُّوقِ المحلاَّة بحِلْيةِ الجنَّة: خطمُها من يَاقُوتٍ، وزَبَرْجَدٍ «٤» ، ونحو هذا.
وروى عمرو بْنُ قيس المَلاَّئِي: أنهم يركبون على تماثيل مِنْ أَعمالهم الصَّالِحة، وهي
في غَاية الحُسْن «١» .
وروي: أَنه يركب كُلُّ واحدٍ منهم ما أَحبَّ فمنهم: مَنْ يركبُ الإبلَ، ومنهم: مَنْ يركب الخَيْلَ، ومنهم مَنْ يركب السُّفُنَ، فتجيء عَائِمةٌ بهم، وقد ورد في «الضَّحَايَا» : أَنها مَطَايَاكُمْ إلَى الجَنَّةِ «٢» وأَكْثَر هذه فيها ضَعْفٌ مِنْ جهة الإِسْناد، والسَّوْقُ: يتضمن هوانا، والورد: العطاش قاله «٣» ابن عباس، وأَبُو هريرة، والحَسَنُ «٤» .
٧ أواختلف في الضَّمِير في قوله: [لاَّ] يَمْلِكُونَ «٥» فقالت/ فِرْقةٌ: هو عائد على الْمُجْرِمِينَ أي: لا يملكون أَنْ يَشْفَعَ لهم وعلى هذا فالاِسْتِثْنَاءُ مُنقَطِع، أيْ: لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً يشفعُ له.
والعهدُ عَلَى هذا الأَيْمان، وقال ابنُ عباسٍ: العهدُ: لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ «٦» ، وفي الحدِيث:
يقول اللهُ تعالى يَوْمَ القِيَامة: «مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدِي عَهْدٌ، فَلْيَقُمْ» .
قال ع «٧» : ويحتمل: أَنْ يكون المجرمون يعمُّ الكَفَرَةَ والعُصَاة، أيْ: إلاَّ من اتخذ عند الرحمن عَهْداً من عُصَاةِ المؤْمِنِينَ فإنه يشفع لهم، ويكون الاستثناء متّصلا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ ﴾ قالَ بَعْضُهم: هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴾ ، ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ ﴾ .
وقالَ بَعْضُهم: تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ لَهم يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ بِطاعَتِهِ واجْتِنابِ مَعْصِيَتِهِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( يَوْمَ يَحْشُرُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ، ( ويَسُوقُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ السِّينِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، ومُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ: ( يَوْمَ يُحْشَرُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الشِّينِ، ( المُتَّقُونَ ) رَفْعًا، ( ويُساقُ ) بِألِفٍ وياءٍ مَرْفُوعَةٍ، ( المُجْرِمُونَ ) بِالواوِ عَلى الرَّفْعِ.
والوَفْدُ: جَمْعُ وافِدٍ، مِثْلَ: رَكْبٍ وراكِبٍ، وصَحْبٍ وصاحِبٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ: الوَفْدُ: الرُّكْبانُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الرُّكْبانُ عِنْدَ العَرَبِ: رُكّابُ الإبِلِ.
وَفِي زَمانِ هَذا الحَشْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قُبُورِهِمْ إلى الرَّحْمَنِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
والثّانِي: أنَّهُ بَعْدَ الحِسابِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ، ﴿ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ: عِطاشًا.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الوِرْدُ: مَصْدَرُ الوُرُودِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الوِرْدُ: جَماعَةٌ يَرِدُونَ الماءَ، يَعْنِي: أنَّهم عِطاشٌ؛ لِأنَّهُ لا يَرِدُ الماءَ إلّا العَطْشانُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وِرْدًا ﴾ : وارِدِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ ﴾ ؛ أيْ: لا يَشْفَعُونَ ولا يُشْفَعُ لَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ " مَن " في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ والنُّونِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لا يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى اسْتِثْناءٍ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، فالمَعْنى: لا يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ المُجْرِمُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ إلا ﴾ عَلى مَعْنى ( لَكِنْ )، ﴿ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴾ فَإنَّهُ يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ.
والعَهْدُ هاهُنا: تَوْحِيدُ اللَّهِ والإيمانُ بِهِ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَفْسِيرُ العَهْدِ في اللُّغَةِ: تَقْدِمَةُ أمْرٍ يُعْلَمُ ويُحْفَظُ، مِن قَوْلِكَ: عَهِدَتُ فُلانًا في المَكانِ؛ أيْ: عَرِفْتُهُ وشَهِدَتْهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا ﴾ ﴿ كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا ﴾ ﴿ فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا ﴾ ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَحْمَنِ وفْدًا ﴾ ﴿ وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾ ﴿ لا يَمْلِكُونَ الشَفاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا ﴾ "اتَّخَذَ" افْتَعَلَ مِن "أخْذَ" لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إعْدادًا مِنَ المُتَّخِذِ لِلْمُتَّخَذِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في "أخَذَ"، والضَمِيرُ في "اتَّخَذُوا" لِعَبَدَةِ الأوثانِ، و"الآلِهَةُ": الأصْنامُ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ومَعْنى "عِزًّا" العُمُومُ في النُصْرَةِ والمَنفَعَةِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الخَيْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدٌ، وهَذا المَعْنى لازِمْ لـ "كَلّا"، فَإنْ كانَ القَوْلُ المَرْدُودُ مَنصُوصًا عَلَيْهِ بانَ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَنصُوصًا عَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ مَرْدُودٍ يَتَضَمَّنُهُ القَوْلُ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى ﴾ ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ﴾ يَتَضَمَّنُ مَعَ ما قَبْلُهُ أنَّ الإنْسانَ يَزْعُمْ مِن نَفْسِهِ ويَرى أنَّ لَهُ حَوْلًا ما ولا يَتَفَكَّرُ جِدًّا في أنَّ اللهَ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ وأنْعَمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَلّا" عَلى ما فَسَّرْناهُ، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ: "كَلًّا" بِفَتْحِ الكافِ والتَنْوِينِ، حَكاهُ عنهُ أبُو الفَتْحِ، وهو نَعْتٌ للآلِهَةً.
وحَكى عنهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ "كُلًّا" بِضَمِّ الكافِ والتَنْوِينِ، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "سَيَكْفُرُونَ"، تَقْدِيرُهُ: يَرْفُضُونَ أو يَتْرُكُونَ أو يَجْحَدُونَ أو نَحْوَهُ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ الَّذِي في "سَيَكْفُرُونَ" وفي "بِعِبادَتِهِمْ" - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ لِلْكُفّارِ والثانِي لِلْمَعْبُودِينَ، والمَعْنى أنَّهُ سَيَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الهَوْلِ عَلى الكُفّارِ والشِدَّةِ ما يَدْفَعُهم إلى جَحْدِ الكَفْرِ وعِبادَةِ الأوثانِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿ واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ .
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ لِلْمَعْبُودِينَ والثانِي لِلْكُفّارِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ لِلْأصْنامِ حَياةً تُنْكِرُ بِها ومَعَها عِبادَةَ الكُفّارِ وأنْ يَكُونَ لَها مِن ذَلِكَ ذَنْبٌ، وأمّا المَعْبُودُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ فَهَذا مِنهم بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ضِدًّا" مَعْناهُ: يَجِيئُهم مِنهم خِلافَ ما كانُوا أمْلَوْهُ فَيُؤَوَّلُ ذَلِكَ بِهِمْ إلى ذِلَّةٍ ضِدَّ ما أمْلَوْهُ مِنَ العِزِّ، وهَذِهِ صِفَةٌ عامَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: قُرَناءُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: أعْوانًا، وقالَ لِضِحاكٍ: أعْداءٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بَلاءٌ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا لَفْظُ القُرْآنِ أعَمُّ مِنهُ وأجْمَعُ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، و"الضِدُّ" هُنا مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ كَما يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ.
وَحَكى الطَبَرَيُّ عن أبِي نُهَيْكٍ أنَّهُ قَرَأ: "كُلُّ" بِالرَفْعِ، ورَفَعَها بِالِابْتِداءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَياطِينَ ﴾ الآيَةُ.
الرُؤْيَةُ رُؤْيَةُ قَلْبٍ، و"أرْسَلْنا" مَعْناهُ: سَلَّطْنا، أو لَمْ نَحُلْ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَهو تَسْلِيطٌ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا ﴾ ، وتَعْدِيَتُهُ بِـ "عَلى" دالٌّ عَلى أنَّهُ تَسْلِيطٌ.
و"تَؤُزُّهُمْ" مَعْناهُ: تُقْلِقُهم وتُحَرِّكُهم إلى الكُفْرِ والضَلالِ، قالَ قَتادَةُ: تُزْعِجُهم إزْعاجًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: تُشْلِيهِمْ إشْلاءً، ومِنهُ أُزِيرُ القِدْرِ، وهو غَلَيانُهُ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ: «أتَيْتُ رَسُولَ اللهِ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وهو يَبْكِي، ولِصَدْرِهِ أزِيزٌ كَأزِيزِ المُرْجِلِ».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، أيْ: لا تَسْتَبْطِئُ عَذابَهم وتُحِبُّ تَعْجِيلَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ نَعُدُّ لَهم عَدًّا ﴾ أيْ مُدَّةَ نِعْمَتِهِمْ وقَبِيحَ أعْمالِهِمْ لِنَصِيرَ بِهِمْ إلى العَذابِ إمّا في الدُنْيا، وإلّا فَفي الآخِرَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَعُدُّ أنْفاسَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الألْفاظُ مِنَ الوَعِيدِ بِعَذابِ الآخِرَةِ هو العامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ، أوِ احْذَرْ، ونَحْوَ هَذا.
و"الحَشْرُ": الجَمْعُ، وقَدْ صارَ في عُرْفِ ألْفاظِ الشَرْعِ: البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يَوْمَ يُحْشَرُ المُتَّقُونَ ويُساقُ المُجْرِمُونَ"، ورَوِيَ عنهُ: "وَيَسُوقُ المُجْرِمِينَ"، و"المُتَّقُونَ": المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ قَدْ غَفَرَ لَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذِهِ الوِفادَةِ أنَّها بَعْدَ انْقِضاءِ الحِسابِ، وإنَّما هي النُهُوضُ إلى الجَنَّةِ، وكَذَلِكَ "سَوْقُ المُجْرِمِينَ" إنَّما هو لِدُخُولِ النارِ.
و"وَفْدًا" قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: رُكْبانًا، وهي عادَةُ الوُفُودِ؛ لَأنَّهم سَراةُ الناسِ وأحْسَنُهم شَكْلًا، فَشَبَّهَ أهْلَ الجَنَّةِ بِأُولَئِكَ، لا أنَّهم في مَعْنى الوِفادَةِ إذْ هو مُضَمَّنُ الِانْصِرافَ، وإنَّما المُرادُ تَشْبِيهُهم بِالوَفْدِ هَيْئَةً وكَرامَةً.
ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهم يَجِيئُونَ رُكْبانًا عَلى النُوقِ المُحَلّاةِ بِحِلْيَةِ الجَنَّةِ، خُطُمُها مِن ياقُوتٍ وزَبَرْجَدٍ ونَحْوَ هَذا،وَرُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ المَلائِيِّ أنَّهم يَرْكَبُونَ عَلى تَماثِيلَ مِن أعْمالِهِمُ الصالِحَةِ هي في غايَةِ الحُسْنِ، ورُوِيَ أنَّهم يَرْكَبُ كُلُّ أحَدٍ مِنهم ما أحَبَّ، فَمِنهم مَن يَرْكَبُ الإبِلَ، ومَن يَرْكَبُ الخَيْلَ، ومَن يَرْكَبُ السُفُنَ فَتَجِيءُ عائِمَةً بِهِمْ، وقَدْ ورَدَ في الضَحايا «أنَّها مَطاياكم إلى الجَنَّةِ»، وفي أكْثَرِ هَذا بُعْدٌ لَكِنْ ذَكَرْناهُ بِحَسْبِ الجَمْعِ لِلْأقْوالِ.
و"السَوْقُ" يَتَضَمَّنُ هَوانًا لَأنَّهم يُحَفَّزُونَ مِن ورائِهِمْ.
و"الوِرْدُ": العِطاشُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ يَنْحَفِزُونَ مَن عَطَشِهِمْ لِوُرُودٍ لِماءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ، المَعْنى: نُورِدُهم وِرْدًا، وهَكَذا يَجْعَلُهُ مَن رَأى في القُرْآنِ أرْبَعَةَ أورادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَمْلِكُونَ ﴾ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى "المُجْرِمِينَ"، أيْ: لا يَمْلِكُونَ أنْ يَشْفَعَ لَهم ولا سَبِيلَ لَهم إلَيْها، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَهم مُشْرِكُونَ خاصَّةً، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا ﴾ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنْ مَنِ اتَّخَذَ عَهْدًا يُشْفَعُ لَهُ، و"العَهْدُ" - عَلى هَذا - الإيمانُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَهْدُ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ: مَن كانَ لَهُ عِنْدِي عَهْدٌ فَلْيَقُمْ»، وفي الحَدِيثِ: «خَمْسُ صَلَواتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلى العِبادِ، فَمَن جاءَ بِهِنَّ تامّاتٍ كانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ».
و"العَهْدُ" أيْضًا الإيمانُ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ لا يَنالُ عَهْدِي الظالِمِينَ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "المُجْرِمُونَ" يَعُمُ الكَفَرَةَ والعُصاةَ، ثُمْ أخْبَرَ أنَّهم لا يَمْلِكُونَ الشَفاعَةَ إلّا العُصاةُ المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يُشْفَعُ فِيهِمْ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، وقالَ رَسُولُ اللهِ : «لا أزالُ أشْفَعُ حَتّى أقُولَ: يا رَبِّ شَفَّعَنِي فِيمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَيَقُولُ اللهُ: يا مُحَمَّدُ لَيْسَتْ لَكَ، ولَكِنَّها لِي».
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَمْلِكُونَ ﴾ لِلْمُتَّقِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا ﴾ أيْ: إلّا مَن كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ مُبَرَّزٌ يَحْصُلُ بِهِ في حَيِّزِ مَن يَشْفَعُ، وقَدْ تَظاهَرَتِ الأحادِيثُ بِأنَّ أهْلَ العِلْمِ والفَضْلِ والصَلاحِ يُشَفَّعُونَ فَيَشْفَعُونَ، رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: «فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُدْخِلُ اللهُ بِشَفاعَتِهِ الجَنَّةَ أكْثَرَ مِن بَنِي تَمِيمٍ "»، قالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: وكُنّا نُحَدِّثُ أنَّ الشَهِيدَ يَشْفَعُ في سَبْعِينَ.
وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: مَعْنى الكَلامِ: إلّا لِمَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا، أيْ: لا يَمْلِكُ المُتَّقُونَ الشَفاعَةَ إلّا لِهَذِهِ الصَنِيفَةِ فَيَجِيءُ "مَنِ" في التَأْوِيلِ الواحِدِ لِلشّافِعِينَ، وفي الثانِي لِلْمَشْفُوعِ فِيهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرادَ بِـ "مَن" مُحَمَّدٌ وبِـ "الشَفاعَةِ" الخاصَّةِ لَهُ العامَّةِ لِلنّاسِ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "يَمْلِكُونَ" لِجَمِيعِ أهْلِ المَوْقِفِ، ألّا تَرى أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ يَتَدافَعُونَ الشَفاعَةَ حَتّى تَصِيرَ إلَيْهِ فَيَقُومُ إلَيْها ، فالعَهْدُ - عَلى هَذا - النَصُّ عَلى أمْرِ الشَفاعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
إتمام لإثبات قلة غَناء آلهتهم عنهم تبعاً لقوله: ﴿ ويكونون عليهم ضداً ﴾ [مريم: 82].
فجملة: ﴿ لا يملكون الشّفاعة ﴾ هو مبدأ الكلام، وهو بيان لجملة: ﴿ ويكونون عليهم ضداً ﴾ .
والظرف وما أضيف الظرف إليه إدماجٌ بينت به كرامة المؤمنين وإهانة الكافرين.
وفي ضمنه زيادة بيان لجملة ﴿ ويكونون عليهم ضداً ﴾ بأنهم كانوا سبب سَوقهم إلى جهنم ورداً ومخالفتهم لحال المؤمنين في ذلك المشهد العظيم.
فالظرف متعلّق ب ﴿ يملكون ﴾ وضمير ﴿ لا يملكون ﴾ عائد للآلهة.
والمعنى: لا يقدرون على أن ينفعوا من اتخذوهم آلهة ليكونوا لهم عزّاً.
والحشر: الجمع مطلقاً، يكون في الخير كما هنا، وفي الشرّ كقوله: ﴿ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم ﴾ [الصافات: 22، 23]، ولذلك أتبع فعل ﴿ نحشر ﴾ بقيد ﴿ وَفداً ﴾ ، أي حَشْر الوفود إلى الملوك، فإن الوفود يكونون مُكرمين، وكانت لملوك العرب وكرمائهم وفود في أوقات، ولأعيان العرب وفادات سنويّة على ملوكهم وسادتهم، ولكلّ قبيلة وفادة، وفي المثل: «إن الشّقِيّ وافد البراجم».
وقد اتّبع العرب هذه السنّة فوفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم لأنّه أشرف السادة.
وسنةُ الوفود هي سنة تسع من الهجرة تلت فتحَ مكة بعموم الإسلام بلاد العرب.
وذكر صفة ﴿ الرَّحمان ﴾ هنا واضحة المناسبة للوفد.
والسوق: تسيير الأنعام قُدام رعاتها، يجعلونها أمَامهم لترهب زجرهم وسياطهم فلا تتفلّت عليهم، فالسوق: سير خوفٌ وحذر.
وقوله ﴿ ورداً ﴾ حال قصد منها التشبيه، فلذلك جاءت جامدة لأن معنى التشبيه يجعلها كالمشتق.
والوِرد بكسر الواو: أصله السير إلى الماء، وتسمى الأنعامُ الواردة وِرداً تسمية على حذف المضاف، أي ذات ورد، كما يسمى الماء الذي يرده القوم ورداً.
قال تعالى: ﴿ وبئس الورد المورود ﴾ [هود: 98].
والاستثناء في ﴿ إلاّ من اتخذ عند الرحمان عهداً ﴾ استثناء منقطع، أي لكن يملك الشفاعة يومئذ من اتخذ عند الرحمان عهداً، أي من وعده الله بأن يشفع وهم الأنبياء والملائكة.
ومعنى ﴿ لا يملكون ﴾ لا يستطيعون، فإنّ المِلك يطلق على المقدرة والاستطاعة.
وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً ﴾ في سورة العقود (76).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَفْدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: رُكْبانًا، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّانِي: جَماعَةً، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّالِثُ: زُوّارًا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُشاةً، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّانِي: عِطاشًا.
الثّالِثُ: أفْرادًا.
﴿ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما.
..
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً ﴾ قال: تغويهم إغواء.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ تؤزهم ﴾ قال: تحرض المشركين على محمد وأصحابه.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ تؤزهم أزاً ﴾ تشليهم أشلاء.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ تؤزهم أزاً ﴾ قال: تزعجهم إزعاجاً إلى معاصي الله.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ ألم تر أنَّا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً ﴾ قال: كقوله: ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً ﴾ [ الزخرف: 36] .
وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ تؤزهم أزاً ﴾ قال: توقدهم وقوداً.
قال فيه الشاعر: حكيم أمين لا يبالي بخلبة ** إذا أزه الأقوام لم يترمرم وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنما نعد لهم عداً ﴾ يقول: أنفاسهم التي يتنفسون في الدنيا، فهي معدودة، كسنهم وآجالهم.
وأخرج عبد بن حميد، عن أبي جعفر محمد بن علي في قوله: ﴿ إنما نعد لهم عداً ﴾ قال: كل شيء حتى النفس.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قال: ركباناً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة وابن المنذر، عن أبي هريرة ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قال: على الإبل.
وأخرج عبد بن حميد، عن أبي سعيد رضي الله عنه ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قال: على نجائب رواحلها من زمرد وياقوت، ومن أي لون شاء.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قال: إلى الجنة.
وأخرج عبد بن حميد، عن الربيع ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قال: يفدون إلى ربهم، فيكرمون ويعطون ويحيون ويشفعون.
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق: راغبين، وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا» .
وأخرج ابن مردويه، عن علي، «عن النبي- صلى الله عليه وسلم- في قوله: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قال: أما والله ما يحشرون على أقدامهم، ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يؤتون من الجنة، لم تنظر الخلائق إلى مثلها: رحالها الذهب، وأزمتها الزبرجد، فيقعدون عليها، حتى يقرعوا باب الجنة» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبدالله بن أحمد وفي زوائد المسند وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في البعث، عن علي رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ فقال: أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة، لم تنظر الخلائق إلى مثلها، عليها رحال الذهب، وأزمتها الزبرجد، فيركبون عليها، حتى يطرقوا باب الجنة.
وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق، «عن علي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قلت: يا رسول الله، هل الوفد إلا الركب؟
قال النبي- صلى الله عليه وسلم- والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة وعليها رحال الذهب شرك نعالهم نور يتلألأ، كل خطوة منها مثل مد البصر، وينتهون إلى باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء، على صفائح الذهب وإذا شجرة على باب الجنة ينبع من أصلها عينان، فإذا شربوا من إحدى العينين فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى، فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبداً، فيضربون بالحلقة على الصفيحة، فلو سمعت طنين الحلقة يا علي، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتستخفها العجلة، فتبعث قيمها فيفتح له الباب، فإذا رآه خر له ساجداً، فيقول: ارفع رأسك فإنما أنا قيمك، وكلت بأمرك.
فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة، فتخرج من خيام الدر والياقوت، حتى تعتنقه، ثم تقول: أنت حبي، وأنا حبك وأنا الراضية، فلا أسخط أبداً، وأنا الناعمة فلا أبأس أبداً، وأنا الخالدة فلا أموت أبداً، وأنا المقيمة فلا أظعن أبداً، فيدخل بيتاً من أساسه إلى سقفه مائة ألف ذراع بني على جندل اللؤلؤ والياقوت طرائق حمر، وطرائق خضر، وطرائق صفر، ما منها طريقة تشاكل صاحبتها.
وفي البيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون فراشاً، عليها سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الحلل، يقضي جماعهن في مقدار ليلة من لياليكم هذه، تجري من تحتهم الأنهار؛ أنهار مطردة ﴿ أنهار من ماء غير آسن ﴾ [ محمد: 15] صاف ليس فيه كدور ﴿ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ﴾ [ محمد: 15] ولم يخرج من ضروع الماشية.
﴿ وأنهار من خمر لذة للشاربين ﴾ [ محمد: 15] لما يعصرها الرجال بأقدامها.
﴿ وأنهار من عسل مصفى ﴾ [ محمد: 15] لم يخرج من بطون النحل، فيستحلي الثمار فإن شاء أكل قائماً، وإن شاء أكل قاعداً، وإن شاء أكل متكئاً، فيشتهي الطعام فيأتيه طير بيض أجنحتها فيأكل من جنوبها، أي لون شاء، ثم تطير فتذهب، فيدخل الملك فيقول: ﴿ سلام عليكم ﴾ [ الزمر: 73] ﴿ تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ [ الأعراف: 43] » .
وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق مسلم بن جعفر البجلي قال: سمعت أبا معاذ البصري: أن علياً قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون بنوق لها أجنحة عليها رحال الذهب، شرك نعالهم نور تلألأ، كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة، ينبع من أصلها عينان، فيشربون من احداهما، فيغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى، فلا تشعث أبشارهم، ولا أشعارهم بعدها أبداً، وتجري عليهم نضرة النعيم، فيأتون باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفحة، فيسمع لها طنين فيبلغ كل حوراء: أن زوجها قد أقبل، فتبعث قيمها فيفتح له، فإذا رآه خر له ساجداً فيقول: ارفع رأسك إنما أنا قيمك وكلت بأمرك، فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه ثم تقول: أنت حبي وإنا حبك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة التي لا أظعن، فيدخل بيتاً من أسه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق: أصفر وأحمر وأخضر، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها، في البيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من باطن الحلل، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه، الأنهار من تحتهم تطرد: ﴿ أنهار من ماء غير آسن ﴾ [ محمد: 15] قال: صاف لا كدر فيه، ﴿ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ﴾ [ محمد: 15] قال: لم يخرج من ضروع الماشية، ﴿ وأنهار من خمر لذة للشاربين ﴾ [ محمد: 15] قال: لم تعصرها الرجال بأقدامها، ﴿ وأنهار من عسل مصفى ﴾ [ محمد: 15] قال: لم يخرج من بطون النحل فيستحلي الثمار، فإن شاء أكل قائماً وإن شاء أكل قاعداً، وإن شاء أكل متكئاً.
ثم تلا ﴿ ودانية عليهم ظلالها ﴾ [ الإنسان: 14] الآية.
فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض وربما قال: أخضر، فترفع أجنحتها فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء، ثم يطير فيذهب فيدخل الملك فيقول: ﴿ سلام عليكم ﴾ ﴿ تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ قال: عطاشاً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ قال: ظماء إلى النار.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ قال: متقطعة أعناقهم من العطش.
وأخرج ابن المنذر، عن أبي هريرة: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ قال: عطاشاً.
وأخرج هناد، عن الحسن مثله.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وتبرأ من الحول والقوّة، ولا يرجو إلا الله.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ قال: المؤمنون يومئذ بعضهم لبعض شفعاء.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن مقاتل بن حيان ﴿ إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ قال: العهد الصلاح.
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ قال: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة.
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:من أدخل على مؤمن سروراً فقد سرني، ومن سرني فقد اتخذ عند الرحمن عهداً، ومن اتخذ عند الرحمن عهداً فلا تمسه النار.
إن الله لا يخلف الميعاد» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ قال: إن الله يقول يوم القيامة: «من كان له عندي عهد فليقم، فلا يقوم إلا من قال هذا في الدنيا.
قولوا اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا إنك أن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعله لي عندك عهداً تؤديه إلي يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد» .
وأخرج الطبراني في الأوسط، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جاء بالصلوات الخمس يوم القيامة- قد حافظ على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها لم ينقص منها شيئاً- جاء وله عند الله عهد أن لا يعذبه، ومن جاء قد انتقص منهن شيئاً، فليس له عند الله عهد، إن شاء رحمه وإن شاء عذبه» .
وأخرج الحكيم الترمذي، عن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال في دبر كل صلاة- بعدما سلم- هؤلاء الكلمات: كتبه ملك في رق فختم بخاتم، ثم دفعها إليّ يوم القيامة، فإذا بعث الله العبد من قبره، جاءه الملك ومعه الكتاب ينادي: أين أهل العهود؟
حتى تدفع إليهم، والكلمات أن تقول: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم- إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى نفسي، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل رحمتك لي عهداً عندك تؤديه إلي يوم القيامة: إنك لا تخلف الميعاد» وعن طاوس: أنه أمر بهذه الكلمات فكتبت في كفنه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك: (الكافرين) (١) ﴿ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾ قال جماعة أهل التفسير: (عطاشا) (٢) (٣) (٤) قال ابن السكيت: (الوِرْدُ وُرُوْدُ القوم الماء، والوِرْدُ الماء الذي يُوْرَدُ، والوِرْدُ الإبل الوَارِدَة) (٥) قال رؤبة (٦) لَوْ دَقَّ وِرْدِي حَوْضَه لَمْ يَنْدَهِ قال صاحب النظم: (هذا من باب الإيماء بالشيء إلى الشيء؛ لأن الوِرْد وُرُوْد الماء، ولا يَرِدُ أحدًا الماء إلا بعد العطش ليشرب، فأوماء بهذا إلى أنهم عطاش يساقون إلى النار) (٧) ﴿ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ﴾ .
(١) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 127، "معالم التنزيل" 5/ 255، "زاد المسير" 5/ 264، "لباب التأويل" 4/ 260.
(٢) "جامع البيان" 16/ 127، "النكت والعيون" 3/ 390، "المحرر الوجيز" 9/ 535، "معالم التنزيل" 5/ 255، "ابن كثير" 3/ 153، "الدر المنثور" 4/ 509.
(٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 172، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 346.
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" (ورد) 4/ 3869، "مقاييس اللغة" (ورد) 6/ 105، "الصحاح" (ورد) 2/ 549، "لسان العرب" (ورد) 8/ 4810، "المفردات في غريب القرآن" (ورد) ص 519.
(٥) "تهذيب اللغة" (ورد) 4/ 3869، "لسان العرب" (ورد) 8/ 4810 (٦) البيت لرؤبة.
لم ينده: النده الزجر عن كل شيء والطرد عنه بالصياح تقول: ندهت البعير إذا زجرته عون الحوض وغيره.
انظر: "تهذيب اللغة" (ورد) 4/ 3869، "لسان العرب" (ورد) 8/ 4810.
(٧) ذكرت كتب التفسير نحوه بلا نسبة.
انظر: "الكشاف" 2/ 423، "زاد المسير" 5/ 264، "البحر المحيط" 6/ 217، "روح المعاني" 16/ 136، "لسان العرب" (ورد) 8/ 4810.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَفْداً ﴾ قيل: معناه ركباناً، ومعنى الوفد لغة: القادمون وعادتهم الركوب فلذلك قيل ذلك، وقيل مكرمون، لأن العادة إكرام الوفود ﴿ وِرْداً ﴾ معناه عطاشاً لأن من يرد الماء لا يرده إلا للعطش ﴿ لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة ﴾ الضمير يحتمل أن يكون للكفار، والمعنى لا يملكون أن يشفعوا إلا لمن أتخذ عهداً أو لا يملكون أن يشفع منهم إلا من اتخذ عهداً، أو يكون الضمير للفريقين إذ قد ذكروا قبل ذلك؛ فالاستثناء أيضاً متصل، ومن اتخذ: يحتمل أن يراد به الشافع أو المشفوع له ﴿ عَهْداً ﴾ يريد به الإيمان والأعمال الصالحة، ويحتمل أن يريد به الإذن في الشفاعة.
وهذا أرجح لقوله: لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن، والظاهر أن ذلك إشارة إلى شفاعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في الموقف حين ينفرد بها، ويقول غيره من الأنبياء: نفسي نفسي.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أئذا ﴾ مثل ﴿ أئنكم ﴾ في "الأنعام" ﴿ يذكر ﴾ من الذكر: ابن عامر ونافع وعاصم وسهل وروح والمعدل عن زيد.
والآخرون بتشديد الذال من التذكر مدغماً.
﴿ ثم ننجي ﴾ من الإنجاء: عليّ وروح والمعدل عن زيد.
الآخرون بالتشديد ﴿ خير مقاماً ﴾ بضم الميم: ابن كثير.
الباقون بفتحها.
﴿ رياً ﴾ بالتشديد أبو جعفر ونافع عن ورش وابن ذكوان والأعشى وحمزة في الوقف، وعن حمزة أيضاً بالهمزة في الوقف ليدل على أصل اللغة.
الآخرون بهمز بعدها يا ﴿ وولداً ﴾ وما بعده بضم الواو سكون اللام: حمزة وعليّ.
الآخرون بفتحهما ﴿ يكاد ﴾ على التذكير: نافع وعليّ ﴿ ينفطرن ﴾ من الانفطار: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وخلف وابن عامر والمفضل وأبو بكر وحماد والخزاز عن هبيرة.
الباقون ﴿ يتفطرن ﴾ من التفطر.
الوقوف: ﴿ حياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ جثياً ﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿ عتياً ﴾ ه ج لذلك ﴿ صلياً ﴾ ه ﴿ واردها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ مقضياً ﴾ ه تقريباً للنجاة من الورود مع أن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ جثياً ﴾ ه ﴿ آمنوا ﴾ لا لأن ما بعده مفعول "قال" ﴿ ندياً ﴾ ه ﴿ ورئياً ﴾ ه ﴿ مدّاً ﴾ ه لأن "حتى" لانتهاء مدد الضلالة أو لابتداء الرؤية وجواب "إذا" محذوف وهو "آمنوا" ﴿ الساعة ﴾ ط لابتداء التهديد ﴿ جنداً ﴾ ه ﴿ هدى ﴾ ه ﴿ مرداً ﴾ ه ﴿ وولداً ﴾ ه ط لأبتداء الاستفهام للتقريع ﴿ عهداً ﴾ ط ه للردع ﴿ كلاً ﴾ ط ﴿ مداً ﴾ ه لا للعطف ﴿ فرداً ﴾ ه ﴿ عزاً ﴾ ه ﴿ كلاً ﴾ ط ﴿ ضدّاً ﴾ ه ﴿ أزاً ﴾ ه لا للتعجيل ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ عدّاً ﴾ ه ط ﴿ وفداً ﴾ ه ط ﴿ ورداً ﴾ ه لئلا تشتبه الجملة بالوصف لهم ﴿ عهداً ﴾ ه م حذرا من إيهام العطف ﴿ ولداً ﴾ ه ط ﴿ إدّاً ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ هداً ﴾ ه لا لأن التقدير لأن دعوا ﴿ ولداً ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ ولداً ﴾ ه ط ﴿ عبداً ﴾ ه ط ﴿ فرداً ﴾ ه ﴿ ودّاً ﴾ ه ﴿ من قرن ﴾ ط ﴿ ركزاً ﴾ ه.
التفسير: لما أمر نبيه وأمته بالتبعية أن يعبدوا الله ويصطبروا لعبادته كان لمنكر أن يعترض بأن هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا لأنها مشقة ولا في الآخرة لاستبعاد حشر الأجساد إلى حالها، فلا جرم حكى قول المنكر ليجيب عن ذلك فقال: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ وهو للجنس لأن هذ الاستغراب مركوز في الطباع قبل النظر في الدليل، أو لأن هذا القول إذا صدر عن بعض الأفراد صح إسناده إلى بني نوعه لأنه منهم كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتل واحد منهم.
وقيل: المراد بالإنسان ههنا شخص معين هو أبو جهل أو أبي بن خلف.
وقيل: بعض الجنس هم الكفرة.
وانتصب "إذا" بفعل مضمر يدل عليه ﴿ أخرج ﴾ المذكور لا نفسه لأن ما بدعه لام الابتداء لا يعمل فيما قبله.
لا تقول: اليوم لزيد قائم.
وإنما جاز الجمع بين حرف الاستقبال وبين لام الابتداء المفيدة للحال، لأن اللام ههنا خلصت لأجل التأكيد كما خلصت الهمزة في "يا الله" للتعويض، واضمحل عنها معنى التعريف.
و"ما" في "إذا" ما للتوكيد أيضاً وكأنهم قالوا مستنكرين: أحقاً أنا سنخرج أحياء حين تمكن فينا الفناء بالموت؟
والمراد بالخروج إما الخروج من الأرض أو الخروج من حال الفناء أو الندور من قوله: "خرج فلان عالماً" إذا كان نادراً في العلم فكأنه قال على سبيل الهزء: سأخرج حياً نادراً.
وإنما قدم الظرف وأولى حرف الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة ومنه جاء الإنكار كقولك لمن أساء إلى محسنه "أحين تمت عليك نعمة فلان أسأت إليه"؟!
ولما كان الإنسان لا يصدر عنه هذا الإنكار إلا إذا لم يتذكر أو لم يذكر النشأة الأولى قال منبهاً على ذلك ﴿ أو لا يذكر ﴾ وههنا إضمار تقديره أيقول ذلك ولا يذكر.
وزعم جار الله أن الواو عطفت لا يذكر على يقول في قوله: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف الجر.
قال العقلاء: لو اجتمعت الخلائق على إيراد حجة في البعث أوجز من هذه لم يقدروا عليها، لأن خلق الذات مع الصفات أصعب من تغيير الذات في أطوار الصفات، وهذا معلوم لكل صانع يتكرر عنه عمل، لأن الأول لم يستقر بعد في خزانة خيال.
والثاني قد ارتسم واستقر وثبت له مثال واحتذاء.
وإذا كان حال من يتفاوت في قدرته الصعب والسهل كذلك، فما الظن بمن لا يتوقف مقدوره إلا على مجرد تعلق الإرادة الأزلية به؟
وفي قوله: ﴿ ولم يك شيئاً ﴾ بحث قد مر في أول السورة مثله.
وحين نبه على النكتة الضرورية أكدها بالإقسام قائلاً ﴿ فوربك لنحشرنهم ﴾ الفاء للاستئناف وهو يفيد الإعراض عن قصة والشروع في أخرى عقيبها والواو للقسم وشرف المقسم به دليل كمال العناية بالمقسم عليه، وإضافة القسم إلى المخاطب وهو رسول الله بإجماع المفسرين تفخيم لشأنه ورفع من مقداره، والواو في ﴿ والشياطين ﴾ إما للعطف وإما بمعنى مع بناء على أن كل كافر مقرون مع شيطانه في سلسلة، وإذا حشر جميع الناس حشراً واحداً وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا مع الشياطين بل الكفرة، وإن كان الضمير عائداً إلى منكري البعث فقط فلا إشكال.
وكذا في قوله: ﴿ لنحضرنهم حول جهنم جثياً ﴾ أي جثياً على الركب غير مشاة على أقدامهم لما يدهشهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على الأرجل، أو على العادة المعهودة في مواقف مطالبات الملوك ومقاولاتهم.
﴿ ثم لننزعن ﴾ لنميزن ﴿ من كل شيعة ﴾ طائفة شاعت أي تبعت غاوياً من الغواة، وقد سبق تفسيره في الأنعام.
﴿ أيهم أشد ﴾ قرىء بالنصب وهو ظاهر، وأما المقتصرون على الضم فذهب سيبويه إلى أنها مبنية كيلا يلزم خلاف القياس من وجهين: أحدهما إعراب أيّ مع أن من حق الموصول أن يبنى، والآخر حذف المبتدأ مع الأصل فيه أن يكون مذكوراً والتقدير: أيهم هو أشد.
وذهب الخليل إلى أنها معربة ولكنها لم تنصب على أن تكون مفعول ﴿ لننزعن ﴾ بل رفعت بتقدير الحكاية أي من كل شيعة مقول فيم أيهم أشد، فيكون من كل شيعة مفعول ﴿ لننزعن ﴾ كقولك "أكلت من كل طعام" أي بعضاً من كل.
ويجوز أن يقدّر لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد، قال سيبويه: لو جاز "اضرب أيهم" أفضل على الحكاية لجاز "اضرب الفاسق الخبيث" أي الذي يقال له الفاسق الخبيث وهذا باب قلما يصار إليه في سعة الكلام.
ومذهب يونس في مثله أن الفعل الذي قبل "أيّ" معلق عن العمل، ويجيز التعليق في غير أفعال القلوب.
ثم إن علقت قوله: ﴿ على الرحمن ﴾ بـ ﴿ أشد ﴾ كقولهم: "هو أشد على خصمه" فظاهر، وإن علقته بالمصدر فذلك لا سبيل إليه عند النحويين لأن المصدر لا يعمل فيما قبله.
فالوجه أن يقال: إنه بيان للمحذوف فكأنه سئل إن عتوَّه على من؟
فقيل: على الرحمن.
وكذا الكلام في ﴿ أولى بها صلياً ﴾ تعلق المجرور بأفعل من غير تأويل أو بـ ﴿ صلياً ﴾ على التأويل.
صلى فلان النار يصلى صلياً إذا احترق.
أخبر أوّلاً أنه يميز من كل فرقة ضالة من هو أضل ثم بين بقوله: ﴿ ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً ﴾ أنه يطرحهم أي أهل الضلال البعيد في النار على الترتيب يقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم، ولا ريب أن الضال المضل يكون أولى بالتقدم من الضال، وكذا الكافر المعاند بالنسبة إلى المقلد وإن كانوا جميعاً مشتركين في شدة العتوّ.
ويجوز أن يراد بالذين هم أولى المنتزعين كما هم كأنه قال: ثم لنحن أعلم بتصلية هؤلاء وأنهم أولى بالصلى لكون دركاتهم أسفل.
﴿ وإن منكم ﴾ الخطاب للناس من غير التفات، أو للإنسان المذكور فيكون التفاتاً، وعلى التقديرين فإن أريد الجنس كأنه لم يكن في قوله: ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً ﴾ إشكال.
ولكنه يشكل بأن المؤمنين كيف يردون النار؟
وأجيب بما روي عن جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله عن ذلك فقال: "إذا دخل أهل الجنة قال بعضهم لبعض: أليس وعدنا ربنا أن نرد النار؟
فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة" .
وعنه أيضاً أن رسول الله قال: "الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم حتى إن للناس ضجيجاً من بردها" .
وأما قوله: ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ فالمراد عن عذابها.
وعن ابن عباس: يردونها كأنها إهالة.
ومنهم من لم يفسر الورود ههنا بالدخول لأن ابن عباس قال: قد يرد الشيء الشيء ولم يدخله كقوله : ﴿ لما ورد ماء مدين ﴾ ومعلوم أن موسى لم يدخل الماء ولكنه قرب منه.
ويقال: وردت القافلة البلد إذا قربت منه، فالمراد بالورود جثوهم حولها وعن ابن مسعود والحسن وقتادة: هو الجواز على الصراط لأن الصراط ممدود عليها.
وعن مجاهد: هو مس الحمى جسده في الدنيا قال : "الحمى من فيح جهنم" وفي رواية "الحمى حظ كل مؤمن من النار" .
وإن أريد بالناس أو بالإنسان الكفرة فلا إشكال في ورودهم النار ولكنه لا يطابقه قوله: ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ﴾ ووجه بأنه أراد أن المتقين يساقون إلى الجنة عقيب ورود الكفار لا أنهم يوردونها يتخلصون.
أسئلة: كيف يندفع عنهم ضرر النار عند من فسر الورود بالدخول؟
زعم بعضهم أن البقعة المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها مواضع خالية عن النار أشباه الطرق إلى دركات جهنم، والمؤمنون يردون تلك المواضع.
والأصح أنه يزيل عنها طبيعة الإحراق بالنسبة إلى المؤمنين وهو على كل شيء قدير، ولهذا لا تضر النار الملائكة الموكلين بالعذاب.
ما الفائدة في إيراد المؤمنين النار إذا لم يعذبوا بها؟
فيه وجوه منها: أن يزدادوا سروراً إذا رأوا الخلاص منها.
ومنها افتصاح الكافرين إذا اطلع المؤمنون عليهم.
ومنها أن المؤمنين يوبخون الكفار ويسخرون منهم كما سخروا في الدنيا.
ومنها أن يزيد التذاذهم بالجنة فبضدها تتبيّن الأشياء.
هل ثبت في الأخبار كيفية دخول النار ثم خروج المتقين منها؟
قد ثبت أن الحاسبة تكون في الأرض أو في موضعها لقوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ وجهنم قريبة من الأرض والجنة في السماء.
فالاجتماع يكون في موضع الحساب ثم يدخلون من ذلك الموضع إلى جهنم، ثم يرفع الله أهل الجنة ويبقى أهل النار فيها.
قلت: هذا على رأي الفلاسفة الإسلاميين ظاهر، فالمحاسبة تكون في الأرض ومرور الكل يكون على كرة النار، ثم يرفع أهل الكمال إلى السماء ويبقى الكفرة في النار ويؤيده قوله: ﴿ كان ﴾ أي الورود ﴿ على ربك حتماً ﴾ أي محتوماً مصدر بمعنى المفعول ﴿ مقضياً ﴾ قضى به وعزم أن لا يكون غيره، وذلك أن العبور من جميع الجوانب على كرة النار.
وأجمعت المعتزلة بذلك على أن العقاب واجب على الله عقلاً.
وقال الأشاعرة: شبه بالواجب من قبل استحالة يطرق الخلف إليه.
وقد سبق أن المتقي عند المعتزلة من يجتنب المعاصي كلها، وعند غيرهم هو الذي اجتنب الشرك فقط، وقد يهدم بالآية قاعدة القائل بمنزلة بين المنزلتين.
وأجيب أن تنجية المتقين أعم من أن تكون إلى الجنة أو إلى غيرها، هب أن تنجيتهم إلى الجنة إلا أن الذي طاعته ومعصيته سيان غير داخل في المتقين ولا في الظالمين فيبقى حكمة مسكوتاً عنه.
ومن المعتزلة من تمسك بالوعيد بقوله: ﴿ ونذر الظالمين ﴾ ومنع أن الصيغة للعموم، ولو سلم فمخصص بآيات الوعد لما ردّ على منكري البعث وقرر كيفية الحشر.
قال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا ﴾ الآية، والمراد أنهم عارضوا حجة الله بكلام أعوج فقالوا: لو كنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أطيب من حالنا ولم يكن بالعكس، لأن الحكيم لا يليق به أن يهين أولياءه ويعز أعداءه.
يروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون ثم يدّعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على الله عز وجل منهم قال جار الله: معنى بينات مرتلات الألفاظ ملخصات المعاني مبينات المقاصد، إما محكمات أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو بتبيين الرسول قولاً أو فعلاً، أو ظاهرات الإعجاز تحدى بها فلم يقدر على ما معارضتها، أو حججاً وبراهين، وعلى التقادير تكون حالاً مؤكدة كقوله: ﴿ وهو الحق مصدقاً ﴾ لأن آيات الله لا تكون إلا بهذه الأوصاف.
ومعنى ﴿ للذين آمنوا ﴾ أنهم يخاطبونهم بذلك أو يفوهون به لأجلهم في شأنهم.
والمقام بالضم موضع الإقامة أي المنزل، وبالفتح موضع القيام، والنديّ المجلس ومجتمع القوم حيث ينتدون.
قوله: ﴿ أيّ الفريقين ﴾ يعني المؤمنين بالآيات والجاحدين لها من الكلام المنصف على زعمهم، والمقصود نحن أوفر حظاً على ما يظهر منا في أحوال قيامنا وقعودنا، وحسن الحال في الدنيا ظاهر على الفضل والرفعة وضده أمارة على النقص والضعة، فأجابهم الله بقول: ﴿ وكم أهلكنا ﴾ أي كثيراً من المرات أهلكنا قبلهم أهل عصر و"من" بيان المهلك.
ويجوز أن تكون زائدة للتأكيد و"كم" استفهامية لتقرير التكثير، أو خبرية عند من يجوّز زيادتها في الموجب.
و ﴿ هم أحسن ﴾ في محل النصب صفة لـ "كم" أو الجر صفة ﴿ قرن ﴾ والأثاث متاع البيت وقد مر في النحل في قوله: ﴿ أثاثاً ومتاعاً إلى حين ﴾ قال الجوهري: من همز ﴿ رئياً ﴾ جعله من رأيت وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة، ومن لم يهمزه فإما أن يكون على تخفيف الهمزة أي قلب الهمزة ياء وأدغم، أو يكون من "رويت ألوانهم وجلودهم رياً" أي امتلأت وحسنت.
وقال جار الله: الري هو المنظر والهيئة "فعل" بمعنى "مفعول".
وقرىء بهمز قبله ياء على القلب كقولهم "راء" في "رأي".
وقرىء بالزاي المنقوطة واشتقاقه من الزي بالفتح وهو الجمع لأن الزي محاسن مجموعة.
وفي الآية حذف التقدير أحسن من هؤلاء، والحاصل أنه أهلك من كان أكثر مالاً وجمالاً منهم وذلك دليل على إفساد إحدى مقدمتيهم وهي أن كل من وجد الدنيا كان حبيب الله، أو على فساد المقدمة الأخرى وهي أن كل من كان حبيباً لله فإنه لا يوصل إليه غماً.
ثم بين أن مآل الضال إلى الخزي والنكال وإن طالت مدته وكثرت عدته، وقوله: ﴿ فليمدد له الرحمن ﴾ خبر مخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب الإمهال وأنه مفعول لا محالة لتنقطع معاذيرالضال ويقال له يوم القيامة ﴿ أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ﴾ أو ليزدادوا إثماً كقوله ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ﴾ أو هو في معنى الدعاء بأن يمهله الله عز وجل وينفس في مدة حياته.
والغاية أحد الأمرين المذكورين أي انقطاع العذر أو ازدياد الإثم.
أما قوله: ﴿ حتى إذا رأوا ﴾ إلى آخر.
فقد قال في الكشاف: إنه يحتمل أن يكون متصلاً بقوله: ﴿ أي الفريقين ﴾ إلى آخره، وما بينهما اعتراض قالوا: أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً حتى إذا رأوا ما يوعدون.
والمعنى لا يزالون يتفوّهون بهذا القول مولعين به إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين ﴿ أما العذاب ﴾ في الدنيا وهو غلبة المسلمين بالقتل والأسر وتغير أحوالهم من العز إلى الذل ومن الغنى إلى الفقر، وأما يوم القيامة، ويحتمل أن تتصل بما يليها والمراد أنهم لا ينفكون عن ضلالتهم وسوء مقالتهم إلى أن يعاينوا عذاب الدنيا، أو الساعة ومقدماتها.
وقوله: ﴿ فسيعلمون من هو شر مكاناً وأضعف جنداً ﴾ في مقابلة قولهم: ﴿ خير مقاماً وأحسن ندياً ﴾ لأن مقامهم هو مكانهم والنديّ المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم، والجند الأعوان، ولا ريب أن مكان القتل والأسر شر مكان في الدنيا ومكان عذاب النار شر مكان في الآخرة.
ولا شك أيضاً أنه لو كان لهم في الوقتين ناصر لم يلحقهم من الخزي والنكال ما لحقهم.
وحين بيّن حال أهل الضلال أراد أن يبين حال أهل الكمال فقال: ﴿ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ﴾ وذلك أن بعض الاهتداء يجر إلى البعض الآخر كالإيمان يجر إلى الإخلاص فيه كما أن بعض الغواية يجر إلى بعضها.
ومنها من فسر الزيادة بالعبادات المرتبة على الإيمان.
والواو في ﴿ ويزيد ﴾ للاستئناف.
وقد تكلف جار الله فقال: إنه للعطف على معنى ﴿ فليمدد ﴾ أي يزيد في ضلال الضال بخذلانه ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه.
وقد مر في سورة الكهف أن الباقيات الصالحات فسرها الأكثرون بجميع الأعمال الصالحات المؤدية إلى السعادات الباقيات.
وفسرها بعضهم بما هي أعظم ثواباً منها كالصلوات الخمس وغيرها.
وقوله: ﴿ خير ﴾ يقتضي غيراً يكون مشاركاً له في أصل الخيرية ويكون هذا خيراً منه، فإن قدرنا ذلك شيئاً فيه خيرية كبعض الأعمال الدنيوية المباحة أو كسائر الأعمال الصالحة عند من يفسر الباقيات بمعنى الأخص فظاهر أنها خير ﴿ ثواباً وخير مرداً ﴾ أي مرجعاً وعاقبة أو منفعة من قولهم: "هل لهذا الأمر مرد" إن قدرنا ذلك شيئاً لا ثواب فيه ولا خيرية كما زعم جار الله أن المراد هي خير ثواباً من مفاخرات الكفار، فيكون إطلاق الثواب على عقاب الكفار من قبيل التهكم ومن باب قولهم: "تحية بينهم ضرب وجيع".
ويكون وجه التفضيل في الخير ما قيل في قولهم: "الصيف أحر من الشتاء" أي هو أبلغ في حره من الشتاء في برده، ثم أردف مقالتهم الحمقاء بأخرى مثلها قائلا على سبيل التعجب ﴿ أفرأيت ﴾ كأنه قال: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر واذكر حديثه عقيب حديث أولئك.
وإنما استعملوا "أرأيت" بمعنى "أخبر" لأن رؤية الشيء من أسباب صحة الخبر عنه.
عن الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة، والمشهور أنها في العاص بن وائل.
قال خباب بن الأرث: كان لي عليه دين فاقتضيته، وقيل: صاع له حلياً فاقتضاه الأجر فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً، فأنا أقضيك، ثم فإني أوتي مالاً وولداً حينئذٍ.
من قرأ ﴿ ولداً ﴾ بفتحتين فظاهر، ومن قرأ بالضم فالسكون، فإما جمع ولد كاسد في أسداً، أو بمعنى الولد كالعرب والعرب، فأنكر الله عليه بقوله مستفهماً ﴿ أطلع الغيب ﴾ من قولهم "اطلع الجبل" أي ارتقى إلى أعلاه، ولاختيار هذه الكلمة شأن كأنه قال: أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى عالم الغيب الذي تفرد به علام الغيوب ﴿ أم اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ عن الكلبي: هل عهد الله إليه أن يؤتيه ذلك.
وعن قتادة: هل له عمل صالح قدمه فهو يرجو بذلك ما يقول: وقيل: العهد كلمة الشهادة ﴿ كلا ﴾ ردع وتنبيه على الخطأ فيما تصوره لنفسه وتمناه وفي قوله: ﴿ سنكتب ﴾ بسين التسويف مع أن الحفظة يكتبون ما قاله في الحلل دليل على أن السين جرد ههنا لمعنى الوعيد، أو أراد سيظهر له نبأ الكتابة بالتعذيب والانتصار يؤيده قوله: ﴿ ونمد له ﴾ أي نطوّل له ﴿ من العذاب ﴾ ما يستأهله أمثاله من المستهزئين أو نزيده من العذاب ونضاعف له من المدد.
مده وأمده معنى.
ثم أكد المدد بالمصدر وهو مؤذن بفرط الغضب أعاذنا الله منه، ثم عكس استهزاءه بقوله: ﴿ ونرثه ما يقول ﴾ أي نمنع عنه منتهى ما زعم أنه يناله في الآخرة من المال والولد لأنه تألى على الله في قوله: ﴿ لأوتين ﴾ ومن يتأل على الله يكذبه لأن ذلك غاية الجراءة ونهاية الأشعبية.
والمراد هب أنا أعطيناه ما اشتهاه أما نرثه منه في العاقبة ﴿ ويأتينا ﴾ غداً ﴿ فرداً ﴾ بلا مال ولا ولد.
وكلام صاحب الكشاف في الوجهين ملخبط فليتأمل فيه.
وكذا في قوله: ﴿ فرداً ﴾ على الأول حال مقدرة نحو ﴿ فادخلوها خالدين ﴾ لأنه وغيره سواء في إتيانه فرداً حين يأتي، ثم يتفاوتون بعد ذلك.
وذلك أن الخلود لا يتحقق إلا بعد الدخول، أما انفراده فمحقق في حالة الإتيان وتفاوت الحال بعد ذلك، واشتراك الكل في الإتيان منفرداً لا مدخل له في المقصود فلا أدري ما حمله على هذا التكلف.
قال: ويحتمل أن هذا القول: إنما يقوله ما دام حياً فإذا قبضناه حلنا بينه وبين أن يقوله، ويأتينا منفرداً عنه غير قائل له، أو أراد أن هذا القول لا ننساه ولا نلغيه بل نثبته في صحيفته لنضرب به وجهه في الموقف ونعيره به، ويأتينا على فقره ومسكنته فرداً من المال والولد لم نعطه سؤله ومتمناه، فيجتمع عليه خطبان تبعه قوله وفقد سؤله.
وحين فرغ من الرد على منكري البعث شرع في الرد على عبدة الأصنام فبين أوّلاً عرضهم وذلك أن يتعززوا بآلهتهم وينتفعون بشفاعتهم، ثم أنكر عليهم وردعهم بقوله: ﴿ كلا ﴾ ثم أخبر عن مآل حالهم بقوله ﴿ سيكفرون ﴾ فإن كان الضمير للمعبودين فهم إما الملائكة كقوله: ﴿ قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ﴾ وإما الأصنام فلا يبعد أن ينطق الله الجماد بذلك كقوله: ﴿ وألقوا إليهم القول إنهم لكاذبون ﴾ وإن كان الضمير للعابدين فهو كقوله: ﴿ وألقوا إليهم القول إنهم لكاذبون ﴾ وإن {الأنعام: 23] أما الضمير في يكونون فللمعبودين، وقوله: ﴿ عليهم ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ لهم عزاً ﴾ وضد العز الهوان كأنه قيل: ويكونون عليهم ذلاً لهم عزاً ويحتمل أن يراد بالضد العون لأنه يضاد العدو، ووحد لاتفاق كلمتهم وفرط تضامهم وتوافقهم كقوله : " وهم يد على من سواهم" ومعنا كون الآلهة أضداداً أي أعواناً عليهم أنهم وقود النار وأن المشركين عذبوا بسبب عبادتها، ويحتمل أن يكون الضمير في ﴿ يكونون ﴾ للمشركين أي يكون المشركون كفرة بآلهتهم وأعداء لهم بعد أن كانوا يعبدونها.
وحيث بيّن مذاهب الفرق الضالة أراد أن يبين منشأها فقال: ﴿ ألم تر أنا أرسلنا ﴾ الآية.
والأز الهز والتهييج.
قالت: الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه مريد لجميع الكائنات لأن قول القائل: "أرسلت فلاناً على فلان" يفيد أنه سلطه عليه منه قوله : " سم الله وأرسل كلبك عليه" ويؤيده قوله: ﴿ تؤزهم ﴾ أي تغريهم على المعاصي وتحثهم عليها بالوسواس والتسويلات.
وقالت المعتزلة: أراد بهذا الإرسال التخلية بينهم وبينهم كما إذا لم يمنع الرجل من دخول بيت جيرانه.
وحاصل كلامهم أنه أرسل الأنبياء وأرسل الشياطين، ثم خلى بين المكلفين وبين الأنبياء والشياطين إلا أنه خص أولياءه بمزيد الألطاف حتى قبلوا قول الأنبياء، ومنع أعداءه تلك الألطاف وهو المسمى بالخذلان فقبلوا قول الشياطين.
ولما كان هذا الإرسال سبباً لهلاك الكفارة عداه بـ "على" لا بــ"إلى" قلت: لا يخفى أن استناد الكل إلى الله فنزاع الفريقين لفظيّ أو قريب منه.
﴿ فلا تعجل عليهم ﴾ يقال: عجلت عليه بكذا إذا استعجل منه أي لا تعجل عليهم بأن يهلكوا فتستريح أنت والمسلمون من شرورهم فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة.
قال ابن عباس: نزلت في المستهزئين وهم خمسة رهط.
وعنه أنه كان إذا قرأها بكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، وآخر العدد فراق أهلك، وآخر العدد دخول قبرك.
وعن ابن السماك أنه كان عن المأمون فقرأها فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد.
وقال بعضهم: إن الحبيب من الأحباب مختلس *** لا يمنع الموت بواب ولا جرس وكيف يفرح بالدنيا ولذتها *** فتى يعد عليه اللفظ والنفس ثم لما قرر أمر الحشر وأجاب عن شبه منكريه أراد أن يشرح حال المكلفين وقتئذٍ فقال: ﴿ يوم نحشر ﴾ وانتصابه بمضمر متقدم أو متأخر أي اذكر يوم كذا وكذا ونفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف.
ويجوز أن ينتصب ﴿ بلا يملكون ﴾ خص المتقون بالجمع إلى محل كرامة الرحمن وافدين.
يقال: وفد فلان على الأمير وفادة أي ورد رسولاً فهو وافد والجمع وفد كصاحب وصحب.
عن علي أن النبي قال: "ما يحشرون على أرجلهم ولكنهم على نوق رحالهم ذهب وعلى نجائب سروجها ياقوت" .
وخص المجرمون بالسوق إلى جهنم ورداً أي وهم الذين يردون الماء، وفيه من الإهانة ما فيه كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء.
وقال جار الله: حقيقة الورد المسير إلى الماء فسمي به الواردون.
قال بعض العلماء: في الآية دلالة على أن أهوال يوم القيامة تختص بالمجرمين لأن المتقين من الابتداء يحشرون على هذا النوع من الكرامة فكيف ينالهم بعد ذلك شدة؟
قلت: يحتمل أن يكون الحشر إلى الرحمن غير الحشر إلى الموقف، فيراد بالحشر إلى الرحمن أي إلى دار كرامته وسوقهم إلى الجنة لقوله: ﴿ وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً ﴾ وهذا بعد امتياز الفريقين، فالأمن الكلي فيما بعد هذه الحالة لا ينافي الخوف والدهشة فيما قبلها كما ورد في حديث الشفاعة وغيره.
وقوله: ﴿ إلى الرحمن ﴾ دون أن يقول إلينا من وضع الظاهر موضع المضمر، وفيه من البشارة ما فيه ولا يلزم منه التجسم للتأويل الذي ذكرناه، والضمير في ﴿ لا يملكون ﴾ للمكلفين المذكورين بقسمهم وفاعله ﴿ من اتخذ ﴾ على البدلية لأنه في معنى الجمع.
ويجوز أن تكون الواو علامة للجمع كالتي في "أكلوني البراغيث" فيكون ﴿ من اتخذ ﴾ فاعلاً والاستثناء مفرغاً.
ويجوز أن ينتصب ﴿ من اتخذ ﴾ على الاستثناء أو على تقدير حذف المضاف أي إلا شفاعة.
من اتخذه واختلف المفسرون في الشفاعة فقيل: لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم.
وقيل: لا يملك غيرهم أن يشفعوا لهم.
واتخاذ العهد الاستظهار بالأيمان والعمل، أو بكلمة الشهادة وحدها والأول يناسب أصول المعتزلة، والثاني يناسب أصول الأشاعرة.
وعن ابن مسعود أن النبي قال لأصحابه ذات يوم: "أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهداً قالوا: وكيف ذلك؟
قال: يقول كل صباح ومساء: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد، فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرحمن عهد فيدخلون الجنة" ويجوز أن يكون من عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به أي لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة المأذون له فيها كقوله: ﴿ وكم من ملك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله ﴾ .
وحين رد على عبدة الأوثان عاد إلى الرد على من أثبت له ولداً من اليهود والنصارى والعرب، ومنهم من خص الآية بالرد على العرب القائلين بأن الملائكة بنات الله لأن الرد على النصارى تقدم في أول السورة.
وفي قوله: ﴿ لقد جئتم ﴾ التفات من الغيبة إلى المخاطبة تسجيلاً عليهم بالجراءة والتعرض لسخطه.
والأد الأمر العجيب أو المنكر، والتركيب يدل على الشدة والثقل ومنه أدت الناقة تؤد إذا رجعت الحنين في جوفها.
ويقال: فطره بالتخفيف إذا شقه، ومطاوعه انفطر وبالتشديد للتكثير، ومطاوعه تفطر وهذا البناء للتكثير.
وانتصب ﴿ هذا ﴾ إما على المصدر لأن الخرور في معناه، وإما لأن التقدير يهد هداً، أو على الحال أي مهدودة، أو على العلة أي لأنها تهد.
ومحل ﴿ أن دعوا ﴾ إما مجرور بدلاً من الهاء في ﴿ منه ﴾ وإما منصوب بنزع الخافض أي هدّاً لأن دعوا، علل الخرور بالهد والهد بالدعاء، وإما مرفوع بأنه فاعل هد أي هدها الدعاء، وخير الوجوه أوسطها كما في الوقوف والدعاء.
أما بمعنى التسمية فيكون المفعول الأول متروكاً طلباً للعموم والإحاطة بكل ما دعي ولداً له، وإما بمعنى النسبة أي نسبوا إلى الرحمن ولداً.
﴿ وما ينبغي ﴾ لا يصح ولا يستقيم وهو في الأصل مطاوع بغى إذا طلب، وإنما لا يصير مطلوباً لأنه محال.
أما الولادة المعروفة فلا مقال في استحالتها، وأما التبني فلأن القديم لا جنس له حتى يميل طبعه إليه ميل الوالد إلى الولد لمن أضاف إليه ولداً فقد جعله كبعض خلقه وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن المختص به، فليس أصول النعم وفروعها إلا منه كما قيل: لينكشف عن بصرك غطاؤه فأنت وجميع ما عندك عطاؤه، وهذا من فوائد تكرير هذا الاسم في هذا المقام.
سؤال: كيف تؤثر هذه الكلمة في الجمادات حتى تنفطر وتنشق وتخر؟
أجيب بأنه كأنه يقول: كدت أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند دعائهم الولد لي غضباً مني على من تفوّه بها لولا حلمي، أو هو تصوير لأثر هذه الكلمة في الدنيا، أو المراد أن هذا الاعتقاد يوجب أن تكون هذه الأجرام على ما ترى من النظام كقوله: ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ وقال أبو مسلم: أراد أن هذه الأجرام كانت ممن يعقل كادت تفعل ذلك.
ثم بين أن العابدين والمعبودين في السموات أو في الأرضين كلهم تحت قهره وتسخيره في الدنيا وفي الآخرة وأنه محيط بجهل أحوالهم وتفاصيلها فقال: ﴿ إن كل ﴾ "إن" نافية أي ليس فرد من أفراد الخلائق ﴿ إلا أتى الرحمن ﴾ إلا وهو ملتجىء إلى ربوبيته مقر بعبوديته.
ثم أجمل حال المؤمنين بما لا مزيد عليه في باب الكرامة قائلاً ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً ﴾ أي سيحدث لهم في القلوب مودّة من غير ما سبب من الأسباب المعهودة كقرابة أو اصطناع وذلك كما يقذف في قلوب أعدائهم الرعب.
والسين إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله المودة بين الناس عند إظهار الإسلام، وإما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم.
وعن النبي قال لعلي: "يا عليّ قل اللَّهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة" ، فأنزل الله هذه الآية.
وعن ابن عباس: يعني يحبهم الله ويحببهم إلى خلقه.
وعن رسول الله يقول الله عز وجل: " يا جبرائيل قد أحببت فلاناً فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" وعن قتادة: ما أقبل العبد إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه.
وعن كعب قال: مكتوب في التوراة: لا محبة لأحد في الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله ينزلها على أهل السماء ثم على أهل الأرض، وتصديق ذلك في القرآن ﴿ سيجعل لهم الرحمن ودّاً ﴾ هذا قول جمهور المفسرين.
وعن أبي مسلم أن المراد أنه سهب لهم في الجنة ما يحبون، واستعمال المصدر بمعنى المفعول كثير.
وإنما صار إلى هذا القول لأن المسلم التقي يبغضه الكفار وقد يبغضه المسلمون أكثرهم، وقد يحصل مثل هذه المحبة للكفار والفساق فيكونون مرزوقين بميل الناس إلى اختلاطهم ومحبتهم فكيف يمكن جعله إنعاماً في حق المؤمنين.
وأيضاً إن محبتهم في قلوبهم من فعلهم لا من فعل الله، فحمل الكلام على إعطاء المنافع به أولى.
وأجيب بأن المراد محبة الملائكة والأنبياء والصالحين ومثل هذه لا تحصل للكافر والفاسق، وبأنه محمول على فعل الألطاف وخلق داعية إكرامه في قلوبهم.
ثم عظم شأن ما في هذه السورة من التوحيد والنبوة وبيان الحشر والرد على الفرق الضالة قائلاً: ﴿ فإنما يسرناه ﴾ كأنه قال: بلغ هذا المنزل أو بشر به وأنذر فإنما أنزلناه بلسانك أي بلغتك وسهلناه وفصلناه لتبشر به وتنذر.
واللد جمع الألد الشديد الخصومة بالباطل كقوله في "البقرة" ﴿ وهو ألد الخصام ﴾ يريد أهل مكة.
ثم ختم السورة بما هو غاية في الإنذار ونهاية في التخويف لأنبائه عن انقضاء القرون الخالية بالفناء أو بالإفناء بحيث لم يبق منهم شخص يرى ولا صوت يسمع فيعلم منه أن مآل الباقين أيضاً إلى ذلك فيجتهدوا في تحصيل الزاد للمعاد ولا يصرفوا همتهم إلى ما هو بصدد الزوال والنفاد.
والركز الصوت الخفي وركز الرمح تغيب طرفه في الأرض والركاز المال المدفون.
التأويل: ﴿ ويقول ﴾ النفس الإنسانية لجهلها بالحقائق إذا مات عن الصفات البشرية ﴿ أخرج حياً ﴾ بالصفات الروحانية.
﴿ ولنحشرهم والشياطين ﴾ فلكل شخص قرين من الشياطين ﴿ ثم لنحضرنهم حول جهنم ﴾ القهر والطبيعة ﴿ وإن منكم ﴾ من الأنبياء والأولياء والمؤمنين والكافرين إلا هو وارد هاوية الهوى بقدم الطبيعة ﴿ حتماً مقضياً ﴾ لأن حكمته الأزلية اقتضت خلق هذا النوع المركب من العلوي والسفلي ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ﴾ الهوى يقدم الشريعة على طريق الطريقة للوصول إلى الحقيقة ﴿ آياتنا ﴾ من الحقائق والأسرار ﴿ قال الذين كفروا ﴾ ستروا الحق ﴿ للذين آمنوا ﴾ تحقيقاً وإيقاناً ﴿ وكم أهلكنا ﴾ بحب الدنيا والإغراق في بحر الشهوات والإحراق بنار المناصب للعرضيات ﴿ أما العذاب ﴾ وهو الموت على الإنكار والغفلة ﴿ وإما الساعة ﴾ وهي الإماتة عن الصفات البشرية عند قيام قيامة الشوق والمحبة.
﴿ فسيعلمون ﴾ حزب الله من حزب الشيطان ﴿ ويزيد الله ﴾ بالترقي من الإيمان إلى الإيقان إلى العيان ﴿ أن دعوا للرحمن ولداً ﴾ من فوائد ذكر اسم الرحمن ههنا أن الرحمانية أمهلتهم حتى قالوا ما قالوا وإلا فالألوهية مقتضية لإعدامهم في الحال ﴿ وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ﴾ عن مشيئة وإرادة بخلافهم في الدنيا فإنهم يظنون أن لهم إرادة واختياراً.
﴿ فإنما يسرنا ﴾ فيه أنه لولا تيسير الله درايته على قلب النبي وإلا فكيف يسع ظروف الحروف المحدثة المتناهية حقائق كلامه الأزلية غير المتناهية ﴿ وكم أهلكنا ﴾ في تيه الضلالة ﴿ أو تسمع لهم ركزاً ﴾ بالثناء الحسن عليهم والله أعلم بالصواب.
قوله عز وجل -: ﴿ أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ﴾ .
قال بعضهم: هذ القول قاله العاص بن وائل السهمي لما حاجه أهل الإيمان في أمر الآخرة أنها لهم دون الكفرة، فقال لهم عند ذلك: ﴿ لأُوتَيَنَّ مَالاً ﴾ في الآخرة إن كان ما تقولون أنتم حقّاً، إنما نبعث ونحيا كما أوتيت في هذه الدنيا.
وقال الحسن: قائل هذا القول هو الوليد بن المغيرة وهو ما قال : ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلاَّ ﴾ وكان يطمع أن أزيد له في الدنيا أبداً، فقال: ﴿ كَلاَّ ﴾ ردّاً على ذلك، وقال هاهنا: ﴿ أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ ﴾ أنه يكون له في الآخرة ذلك على التأويل الأوّل، أو في الدنيا في وقت آخر؛ ذلك على تأويل الحسن، ﴿ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً * كَلاَّ ﴾ ردّاً على ما ادعوا ﴿ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ ﴾ أي: سنحفظ.
﴿ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ وَنَمُدُّ لَهُ ﴾ أي: نزيد له من العذاب في كل يوم، كقوله: ﴿ فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً ﴾ وقال بعضهم: ﴿ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً ﴾ ، أي: نعذب بلا انقطاع له، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ﴾ : قال بعضهم: أي: نرثه المال والولد الذي قال: ﴿ لأُوتَيَنَّ ﴾ أي: لله ما يقول بأنه له من المال وغيره لا له.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَنَرِثُهُ ﴾ : أنه يعطى في الجنة ما يعطى المؤمنون فنرثه عنه ونعطيه غيره، وجائز إضافة الوراثة إليه على إرادة أوليائه، أي: يرثه ذلك أولياؤه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَأْتِينَا فَرْداً ﴾ في الآخرة لا شيء معه ولا أهل، كقوله: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ وَيَأْتِينَا فَرْداً ﴾ في الدنيا في وقت لا شيء معه ولا أهل ولا ولد، على تأويل من يقول في قوله: ﴿ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ﴾ : في الدنيا، والله أعلم.
ثم اختلف أهل التأويل في العهد الذي ذكر: أن له عند الله: قال بعضهم: شهادة أن لا إله إلا الله في الدنيا.
وقال بعضهم: قدم عملاً صالحاً.
وقال بعضهم: الصلاة، وهو قول مقاتل.
وعن ابن مسعود - - قال: "اتخذوا عند الرحمن عهداً؛ فإن الله يقول يوم القيامة: من كان له عندي عهد فليقم، فقيل: كيف هو؟
قال: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أنك لا تكلف إلى بعمل يقربني من الشر ويباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعله لي عندك عهداً تؤديه إلى يوم القيامة، إنك لا تخلف المعياد" .
ويرفع ابن مسعود هذا إلى رسول الله .
والأول أشبه إن ثبت الخبر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً * كَلاَّ ﴾ .
فإن كان على حقيقة العز، فهو في القادة منهم والمتبوعين الذين عبدوا تلك الأصنام والأوثان؛ ليتعزّزوا بذلك، ولا يذلّون، وتدوم لهم الرياسة التي كانت لهم في الدنيا، فظنوا أنهم إن آمنوا تذهب تلك الرياسة والمأكلة عنهم.
ويحتمل قوله: ﴿ لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً ﴾ أي: نصراً ومنعة، فإن كان هذا فهو في الرؤساء منهم والأتباع في الدنيا والآخرة: أما ما طمعوا بعبادتهم الأصنام النصر في الآخرة، وهو كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ؛ طمعوا بعبادتهم النصر والشفاعة في الآخرة.
وأمّا في الدنيا ظنوا أنّ آلهتهم التي عبدوها ينصرونهم في الدنيا، حيث قالوا: ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ ﴾ ، فكيفما كان فقد رد الله عليهم ما طمعوا منها - عزّاً كان أو نصراً - بقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ؛ لأنهم أذلّوا أنفسهم لخشب، وحنوا ظهورهم لها، فكفى بذلك ذلاًّ وصغاراً.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ ﴾ : قال الحسن: سيكفر عبّاد الأصنام في الدنيا بمن عبدوه في الآخرة أنهم ما كفروا وما عبدوها، كقوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ ، ينكرون في الآخرة أن يكونوا أشركوا معه غيره أو عبدوا دونه.
وقال غيره من أهل التأويل: سيكفر المعبودون بالعابدين لهم، ويتبرءون منهم، وهو كقوله: ﴿ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً ﴾ : قال بعضهم: ﴿ ضِدّاً ﴾ ، أي: عوناً، وتأويل العون: هو أن يلقي تلك الأصنام معهم في النار، فيحرقون فيها معهم، فيزداد لهم عذاباً؛ فكانت على إحراقهم، وعلى هذا يخرج.
وقول من يقول: الضدّ: البلاء، أي: يكونون بلاء عليهم على ما ذكرنا وهو ما قال: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ...
﴾ الآية [الأنبياء: 98]، فإذا صاروا حصباً كانوا بلاء وعوناً على إحراقهم.
وقال بعضهم: ﴿ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً ﴾ : أي: قرناء في النار بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض، ويخاصم بعضهم بعضاً، ويكذب بعضهم بعضاً؛ فذلك كلّه ضد عليهم، ضدّ ما طمعوا منها؛ لأنهم عبدوها في الدّنيا رجاء أن يكونوا لهم شفعاء في الآخرة ونصراء، فكانوا لهم على ضدّ ذلك أعداء.
وقال ابن عبّاس: يكونون ضدّاً: أي: حسرة، وكلّه واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ﴾ : قال بعضهم: ﴿ أَرْسَلْنَا ﴾ : أي: سلّطنا عليهم، كقوله: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ ﴾ : أي: قيضناهم بهم، كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً ﴾ فهما في الحقيقة واحد؛ لأنه إذا أرسلهم اتصلوا بهم، فإذا اتصلوا بهم قيضوا وقرنوا بعضهم ببعض.
وقال الحسن، وأبو بكر الأصم، وغيرهما: ﴿ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ : أي: خلينا بينهم وبينهم، ولم نمنعهم منهم [على] ما ذكر.
لكن لو كان تأويل الإرسال التخلية وتأويل القيض كذلك، لم يكن لتخصيص الكفار بذلك معنى؛ إذ قد كان ذلك القدر من التخلية بينهم وبين المسلمين.
[و] إن كان تأويل التخلية: أنه لم يمنعهم عنهم، وخلى بينهم - فدلّ تخصيص الكفار بهذا وأمثاله [على أن] ليس هو التخلية لا غير، وأن تخصيص هؤلاء بهذا وأمثاله من قوله: ﴿ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ﴾ ، ونحوه، وإن كان هنالك من الله معنى في الكفار ليس ذلك في المؤمنين، وفي المؤمنين معنى ليس ذلك في الكافرين، وهو - والله أعلم - إذا علم في المؤمنين الرغبة والإجابة، وفقهم على ذلك وهداهم، وإذا علم من الكفار خلاف ذلك وضدّه خذلهم وأضلّهم، فذلك تخصيصه إياهم بما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ﴾ : قال بعضهم: تزعجهم إزعاجاً.
وقال بعضهم: تشيلهم إشلاء وتغريهم إغراء.
وقال الحسن: تحركهم تحريكاً.
وقال بعضهم: تقدمهم إقداماً إلى الشر.
وقال بعضهم: توقعهم إيقاعاً، ونحوه، وكله واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: لا تكافئهم على أذاهم إياك، ولا تعاقبهم، ﴿ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً ﴾ أي: أنفاسهم يتنفسون في الدنيا، فهي معدودة تنقضي آجالهم عن قريب، فلا تكافئهم على ذاك وما يستقبلونك بالمكروه والسوء.
ثم وجه ما ذكر من إرسال الشياطين عليهم والتمكين لهم من الوسوسة في الصّدور، أعني: صدور المؤمنين، والنزغ في روعهم من غير أن يملكوا القهر والقسر على ذلك، وما جعلهم بمحل لا نراهم نحن، وهم يروننا، على ما أخبر ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ﴾ ، فهو - والله أعلم - أن من علم بحضرته وقربه عدوّاً له يراقبه ويطلب الفرصة عليه يكون أحذر وأهيب له ممن لا يعلم ذلك ولا كان بقربه وحضرته عدو، وعلى ذلك ما جعل الله - عز وجل - من الحفظة والكرام الكاتبين - صلوات الله عليهم - على بني آدم، رقباء عليهم في قليل ما يفعلون ويتفوهون و كثيره، وإن كان قادراً على حفظ ذلك عليهم والتذكير لهم واحداً بعد واحد، شيئاً على إثر شيء، وذلك لما ذكرنا أن من علم أنّ عليه رقيباً يراقبه ويكتب عليه كل قليل وكثير كان أحذر وأهيب ممن لم يعلم ذلك على نفسه رقيباً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً ﴾ أي: الذين اتقوا مخالفة أمر الله في كل ما لا يغلب عليهم؛ لأن المؤمن لا يرتكب المعصية إلا لغلبة شهوة، أو لغلبة رجاء إلى مغفرة ربه ونحوه، أو توبة يضمرها بعد ارتكابها، وعلى هذا يكون ارتكاب المؤمن مخالفة ربّه.
وقوله: ﴿ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ أي: إلى ما وعد لهم الرحمن من الثواب.
وقوله: ﴿ وَفْداً ﴾ الوفد في الشاهد: هم أهل الكرامة والمنزلة يبعثون لأمور، فكأنه قال: إن المتقين يحشرون وهم مكرمون معظمون، ولهم منزلة عند الله وقدر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً ﴾ ، الوارد: هو طالب الماء، والورد الجمع، فكأنه قال: ونسوق المجرمين إلى جهنم عطاشاً طلاب الماء، على ما قاله أهل التأويل.
والمجرم، قال أبو بكر الأصم: هو الوثاب في المعصية، وأصل الإجرام: الاكتساب؛ ولهذا قال بعض النّاس في قوله: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ أي: يكسبنكم، وأصله هو كسب الإثم.
وقوله: ﴿ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ فيه أنهم إنما يساقون على كره منهم؛ إذ ذكر في الكافرين السوق وذكر في المؤمنين الجمع والحشر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ ﴾ \[الشفاعة\] إنما تكون فيمن استوجب العذاب والعقوبة، فأما من لا عقوبة عليه مغفور الذنب فإنه لا معنى لها ولا فائدة، فهو يردّ على المعتزلة مذهبهم: أن صاحب الكبيرة لا يغفر له، وصاحب الصغيرة مغفور له، فالشفاعة التي ذكر لا تخلو إمّا أن تكون لأهل الكبائر فيغفر لهم بالشفاعة، فيبطل قولهم، أو لأهل الصغائر وتعذيبهم، فكيفما كان فهو يرد قولهم؛ إذ لا معنى لذكر الشفاعة في المغفورين.
وقالوا: إن الشفاعة في الشاهد أن يذكر نجابة الإنسان عند آخر ليعرف محاسنه ومناقبه ليكون له منزلة وقدر عنده، لكن مثل هذا يجوز ممن يجهل ذلك ولا يعرف بنفسه، فأمّا الله - وتعالى - هو عالم بذاته، يعلم حال كل أحد، فلا يحتمل ذلك.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً ﴾ قال بعضهم: شهادة أن لا إله إلا الله.
وقال بعضهم: العمل الصالح.
وقال بعضهم: الصلاة على ما ذكرنا، وأصل العهد هو أن يشترط شروط الوفاء حتى [يفي] بما شرط عليه وهو الوفاء بما أمر به ونهى عنه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ونسوق الكفار إلى جهنم عطاشًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.AmBQz"