الآية ١٢٥ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٢٥ من سورة البقرة

وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةًۭ لِّلنَّاسِ وَأَمْنًۭا وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـۧمَ مُصَلًّۭى ۖ وَعَهِدْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَـٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ١٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 256 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٥ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال العوفي ، عن ابن عباس : قوله تعالى : ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ) يقول : لا يقضون منه وطرا ، يأتونه ، ثم يرجعون إلى أهليهم ، ثم يعودون إليه .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( مثابة للناس ) يقول : يثوبون .

رواهما ابن جرير .

وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا أبي ، أخبرنا عبد الله بن رجاء ، أخبرنا إسرائيل ، عن مسلم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ) قال : يثوبون إليه ثم يرجعون .

قال : وروي عن أبي العالية ، وسعيد بن جبير في رواية وعطاء ، ومجاهد ، والحسن ، وعطية ، والربيع بن أنس ، والضحاك ، نحو ذلك .

وقال ابن جرير : حدثني عبد الكريم بن أبي عمير ، حدثني الوليد بن مسلم قال : قال أبو عمرو يعني الأوزاعي حدثني عبدة بن أبي لبابة ، في قوله تعالى : ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ) قال : لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرا .

وحدثني يونس ، عن ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ) قال : يثوبون إليه من البلدان كلها ويأتونه .

[ وما أحسن ما قال الشاعر في هذا المعنى ، أورده القرطبي : جعل البيت مثابا لهم ليس منه الدهر يقضون الوطر ] وقال سعيد بن جبير في الرواية الأخرى وعكرمة ، وقتادة ، وعطاء الخراساني ( مثابة للناس ) أي : مجمعا .

( وأمنا ) قال الضحاك عن ابن عباس : أي أمنا للناس .

وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية : ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ) يقول : أمنا من العدو ، وأن يحمل فيه السلاح ، وقد كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم ، وهم آمنون لا يسبون .

وروي عن مجاهد ، وعطاء ، والسدي ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، قالوا : من دخله كان آمنا .

ومضمون ما فسر به هؤلاء الأئمة هذه الآية : أن الله تعالى يذكر شرف البيت وما جعله موصوفا به شرعا وقدرا من كونه مثابة للناس ، أي : جعله محلا تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه ، ولا تقضي منه وطرا ، ولو ترددت إليه كل عام ، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم ، عليه السلام ، في قوله : ( فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ) إلى أن قال : ( ربنا وتقبل دعاء ) [ إبراهيم : 37 - 40 ] ويصفه تعالى بأنه جعله أمنا ، من دخله أمن ، ولو كان قد فعل ما فعل ثم دخله كان آمنا .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فيه فلا يعرض له ، كما وصفها في سورة المائدة بقوله تعالى ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ) [ المائدة : 97 ] أي : يرفع عنهم بسبب تعظيمها السوء ، كما قال ابن عباس : لو لم يحج الناس هذا البيت لأطبق الله السماء على الأرض ، وما هذا الشرف إلا لشرف بانيه أولا وهو خليل الرحمن ، كما قال تعالى : ( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا ) [ الحج : 26 ] وقال تعالى : ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ) [ آل عمران : 96 ، 97 ] .

وفي هذه الآية الكريمة نبه على مقام إبراهيم مع الأمر بالصلاة عنده .

فقال : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) وقد اختلف المفسرون في المراد بالمقام ما هو ؟

فقال ابن أبي حاتم : أخبرنا عمر بن شبة النميري ، حدثنا أبو خلف يعني عبد الله بن عيسى حدثنا داود بن أبي هند ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) قال : مقام إبراهيم : الحرم كله .

وروي عن مجاهد وعطاء مثل ذلك .

وقال [ أيضا ] حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، قال : سألت عطاء عن ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) فقال : سمعت ابن عباس قال : أما مقام إبراهيم الذي ذكر هاهنا ، فمقام إبراهيم هذا الذي في المسجد ، ثم قال : و ( مقام إبراهيم ) يعد كثير ، " مقام إبراهيم " الحج كله .

ثم فسره لي عطاء فقال : التعريف ، وصلاتان بعرفة ، والمشعر ، ومنى ، ورمي الجمار ، والطواف بين الصفا والمروة .

فقلت : أفسره ابن عباس ؟

قال : لا ولكن قال : مقام إبراهيم : الحج كله .

قلت : أسمعت ذلك ؟

لهذا أجمع .

قال : نعم ، سمعته منه .

وقال سفيان الثوري ، عن عبد الله بن مسلم ، عن سعيد بن جبير : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) قال : الحجر مقام إبراهيم نبي الله ، قد جعله الله رحمة ، فكان يقوم عليه ويناوله إسماعيل الحجارة .

ولو غسل رأسه كما يقولون لاختلف رجلاه .

[ وقال السدي : المقام : الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حتى غسلت رأسه .

حكاه القرطبي ، وضعفه ورجحه غيره ، وحكاه الرازي في تفسيره عن الحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس ] .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، عن ابن جريج ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، سمع جابرا يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال : لما طاف النبي صلى الله عليه وسلم قال له عمر : هذا مقام أبينا إبراهيم ؟

قال : نعم ، قال : أفلا نتخذه مصلى ؟

فأنزل الله ، عز وجل : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) .

وقال عثمان بن أبي شيبة : أخبرنا أبو أسامة ، عن زكريا ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة قال : قال عمر : قلت : يا رسول الله ، هذا مقام خليل ربنا ؟

قال : نعم ، قال : أفلا نتخذه مصلى ؟

فنزلت : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) .

وقال ابن مردويه : حدثنا دعلج بن أحمد ، حدثنا غيلان بن عبد الصمد ، حدثنا مسروق بن المرزبان ، حدثنا زكريا بن أبي زائدة ، عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب أنه مر بمقام إبراهيم فقال : يا رسول الله ، أليس نقوم مقام خليل ربنا ؟

قال : " بلى " .

قال : أفلا نتخذه مصلى ؟

فلم يلبث إلا يسيرا حتى نزلت : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) وقال ابن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن محمد القزويني ، حدثنا علي بن الحسين الجنيد ، حدثنا هشام بن خالد ، حدثنا الوليد ، عن مالك بن أنس ، عن جعفر بن محمد عن أبيه ، عن جابر ، قال : لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم ، قال له عمر : يا رسول الله ، هذا مقام إبراهيم الذي قال الله : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) ؟

قال : " نعم " .

قال الوليد : قلت لمالك : هكذا حدثك ( واتخذوا ) قال : نعم .

هكذا وقع في هذه الرواية .

وهو غريب .

وقد روى النسائي من حديث الوليد بن مسلم نحوه .

وقال البخاري : باب قوله : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) مثابة يثوبون يرجعون .

حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، عن حميد ، عن أنس بن مالك .

قال : قال عمر بن الخطاب وافقت ربي في ثلاث ، أو وافقني ربي في ثلاث ، قلت : يا رسول الله ، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ؟

فنزلت : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) وقلت : يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر ، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب ؟

فأنزل الله آية الحجاب .

وقال : وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه ، فدخلت عليهن فقلت : إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيرا منكن ، حتى أتيت إحدى نسائه ، فقالت : يا عمر ، أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت ؟

!

فأنزل الله : ( عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ) الآية [ التحريم : 5 ] .

وقال ابن أبي مريم : أخبرنا يحيى بن أيوب ، حدثني حميد ، قال : سمعت أنسا عن عمر ، رضي الله عنهما .

هكذا ساقه البخاري هاهنا ، وعلق الطريق الثانية عن شيخه سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري .

وقد تفرد بالرواية عنه البخاري من بين أصحاب الكتب الستة .

وروى عنه الباقون بواسطة ، وغرضه من تعليق هذا الطريق ليبين فيه اتصال إسناد الحديث ، وإنما لم يسنده ; لأن يحيى بن أبي أيوب الغافقي فيه شيء ، كما قال الإمام أحمد فيه : هو سيئ الحفظ ، والله أعلم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا هشيم ، حدثنا حميد ، عن أنس ، قال : قال عمر رضي الله عنه وافقت ربي عز وجل في ثلاث ، قلت : يا رسول الله ، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى ؟

فنزلت : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) وقلت : يا رسول الله ، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر ، فلو أمرتهن أن يحتجبن ؟

فنزلت آية الحجاب .

واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة فقلت لهن : ( عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ) [ التحريم : 5 ] فنزلت كذلك .

ثم رواه أحمد ، عن يحيى وابن أبي عدي ، كلاهما عن حميد ، عن أنس ، عن عمر أنه قال : وافقت ربي في ثلاث ، أو وافقني ربي في ثلاث فذكره .

وقد رواه البخاري عن عمرو بن عون والترمذي عن أحمد بن منيع ، والنسائي عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، وابن ماجه عن محمد بن الصباح ، كلهم عن هشيم بن بشير ، به .

ورواه الترمذي أيضا عن عبد بن حميد ، عن حجاج بن منهال ، عن حماد بن سلمة ، والنسائي عن هناد ، عن يحيى بن أبي زائدة ، كلاهما عن حميد ، وهو ابن تيرويه الطويل ، به .

وقال الترمذي : حسن صحيح .

ورواه الإمام علي بن المديني عن يزيد بن زريع ، عن حميد به .

وقال : هذا من صحيح الحديث ، وهو بصري ، ورواه الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه بسند آخر ، ولفظ آخر ، فقال : حدثنا عقبة بن مكرم ، أخبرنا سعيد بن عامر ، عن جويرية بن أسماء ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر ، قال : وافقت ربي في ثلاث : في الحجاب ، وفي أسارى بدر ، وفي مقام إبراهيم .

وقال أبو حاتم الرازي : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، حدثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال : قال عمر بن الخطاب : وافقني ربي في ثلاث أو وافقت ربي ، قلت : يا رسول الله ، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ؟

فنزلت : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) وقلت : يا رسول الله لو حجبت النساء ؟

فنزلت آية الحجاب .

والثالثة : لما مات عبد الله بن أبي جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه .

قلت : يا رسول الله ، تصلي على هذا الكافر المنافق !

فقال : " إيها عنك يا ابن الخطاب " فنزلت : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) [ التوبة : 84 ] .

وهذا إسناد صحيح أيضا ، ولا تعارض بين هذا ولا هذا ، بل الكل صحيح ، ومفهوم العدد إذا عارضه منطوق قدم عليه ، والله أعلم .

وقال ابن جريج أخبرني جعفر بن محمد ، عن أبيه عن جابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثة أشواط ، ومشى أربعا ، حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين ، ثم قرأ : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) وقال ابن جرير : حدثنا يوسف بن سلمان حدثنا حاتم بن إسماعيل ، حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه ، عن جابر قال : استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الركن ، فرمل ثلاثا ، ومشى أربعا ، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم ، فقرأ : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) فجعل المقام بينه وبين البيت ، فصلى ركعتين .

وهذا قطعة من الحديث الطويل الذي رواه مسلم في صحيحه ، من حديث حاتم بن إسماعيل .

وروى البخاري بسنده ، عن عمرو بن دينار ، قال : سمعت ابن عمر يقول : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعا ، وصلى خلف المقام ركعتين .

فهذا كله مما يدل على أن المراد بالمقام إنما هو الحجر الذي كان إبراهيم عليه السلام ، يقوم عليه لبناء الكعبة ، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل ، عليه السلام ، به ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار ، كلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى ، يطوف حول الكعبة ، وهو واقف عليه ، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها هكذا ، حتى تم جدارات الكعبة ، كما سيأتي بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت ، من رواية ابن عباس عند البخاري .

وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه ، ولم يزل هذا معروفا تعرفه العرب في جاهليتها ; ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية : وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافيا غير ناعل وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضا .

وقال عبد الله بن وهب : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب : أن أنس بن مالك حدثهم ، قال : رأيت المقام فيه أثر أصابعه عليه السلام ، وإخمص قدميه ، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم .

وقال ابن جرير : حدثنا بشر بن معاذ ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه .

ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها ، ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فيه فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتى اخلولق وانمحى .

قلت : وقد كان المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما ، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك ، وكان الخليل ، عليه السلام لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك ; ولهذا والله أعلم أمر بالصلاة هناك عند فراغ الطواف ، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه ، وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه [ وهو ] أحد الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين ، الذين أمرنا باتباعهم ، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " .

وهو الذي نزل القرآن بوفاقه في الصلاة عنده ; ولهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة ، رضي الله عنهم أجمعين .

قال عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، حدثني عطاء وغيره من أصحابنا : قالوا : أول من نقله عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

وقال عبد الرزاق أيضا عن معمر عن حميد الأعرج ، عن مجاهد قال : أول من أخر المقام إلى موضعه الآن ، عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي أخبرنا أبو [ الحسين بن ] الفضل القطان ، أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل ، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي ، حدثنا أبو ثابت ، حدثنا الدراوردي ، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها : أن المقام كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان أبي بكر ملتصقا بالبيت ، ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهذا إسناد صحيح مع ما تقدم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر العدني قال : قال سفيان [ يعني ابن عيينة ] وهو إمام المكيين في زمانه : كان المقام في سقع البيت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد قوله : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) قال : ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا ، فرده عمر إليه .

وقال سفيان : لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله .

قال سفيان : لا أدري أكان لاصقا بها أم لا ؟

.

فهذه الآثار متعاضدة على ما ذكرناه ، والله أعلم .

وقد قال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا أبو عمرو ، حدثنا محمد بن عبد الوهاب ، حدثنا آدم ، حدثنا شريك ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد ، قال : قال عمر : يا رسول الله لو صلينا خلف المقام ؟

فأنزل الله : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) فكان المقام عند البيت فحوله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضعه هذا .

قال مجاهد : قد كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن .

هذا مرسل عن مجاهد ، وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق ، عن معمر ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد أن أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهذا أصح من طريق ابن مردويه ، مع اعتضاد هذا بما تقدم ، والله أعلم .

قال الحسن البصري : قوله : ( وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل ) قال : أمرهما الله أن يطهراه من الأذى والنجس ولا يصيبه من ذلك شيء .

وقال ابن جريج : قلت لعطاء : ما عهده ؟

قال : أمره .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( وعهدنا إلى إبراهيم ) أي : أمرناه .

كذا قال .

والظاهر أن هذا الحرف إنما عدي بإلى ، لأنه في معنى تقدمنا وأوحينا .

وقال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قوله : ( أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين ) قال : من الأوثان .

وقال مجاهد وسعيد بن جبير : ( طهرا بيتي للطائفين ) إن ذلك من الأوثان والرفث وقول الزور والرجس .

قال ابن أبي حاتم : وروي عن عبيد بن عمير ، وأبي العالية ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وعطاء وقتادة : ( أن طهرا بيتي ) أي : بلا إله إلا الله ، من الشرك .

وأما قوله تعالى : ( للطائفين ) فالطواف بالبيت معروف .

وعن سعيد بن جبير أنه قال في قوله تعالى : ( للطائفين ) يعني : من أتاه من غربة ، ( والعاكفين ) المقيمين فيه .

وهكذا روي عن قتادة ، والربيع بن أنس : أنهما فسرا العاكفين بأهله المقيمين فيه ، كما قال سعيد بن جبير .

وقال يحيى [ بن ] القطان ، عن عبد الملك هو ابن أبي سليمان عن عطاء في قوله : ( والعاكفين ) قال : من انتابه من الأمصار فأقام عنده وقال لنا ونحن مجاورون : أنتم من العاكفين .

وقال وكيع ، عن أبي بكر الهذلي عن عطاء عن ابن عباس قال : إذا كان جالسا فهو من العاكفين .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد بن سلمة ، حدثنا ثابت قال : قلنا لعبد الله بن عبيد بن عمير : ما أراني إلا مكلم الأمير أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام فإنهم يجنبون ويحدثون .

قال : لا تفعل ، فإن ابن عمر سئل عنهم ، فقال : هم العاكفون .

[ ورواه عبد بن حميد عن سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة ، به ] .

قلت : وقد ثبت في الصحيح أن ابن عمر كان ينام في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عزب .

وأما قوله تعالى : ( والركع السجود ) فقال وكيع ، عن أبي بكر الهذلي ، عن عطاء ، عن ابن عباس ( والركع السجود ) قال : إذا كان مصليا فهو من الركع السجود .

وكذا قال عطاء وقتادة .

وقال ابن جرير رحمه الله : فمعنى الآية : وأمرنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين .

والتطهير الذي أمرهما به في البيت هو تطهيره من الأصنام وعبادة الأوثان فيه ومن الشرك .

ثم أورد سؤالا فقال : فإن قيل : فهل كان قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه ؟

وأجاب بوجهين : أحدهما : أنه أمرهما بتطهيره مما كان يعبد عنده زمان قوم نوح من الأصنام والأوثان ليكون ذلك سنة لمن بعدهما إذ كان الله تعالى قد جعل إبراهيم إماما يقتدى به كما قال عبد الرحمن بن زيد : ( أن طهرا بيتي ) قال : من الأصنام التي يعبدون ، التي كان المشركون يعظمونها .

قلت : وهذا الجواب مفرع على أنه كان يعبد عنده أصنام قبل إبراهيم عليه السلام ، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم محمد صلى الله عليه وسلم .

الجواب الثاني : أنه أمرهما أن يخلصا [ في ] بنائه لله وحده لا شريك له ، فيبنياه مطهرا من الشرك والريب ، كما قال جل ثناؤه : ( أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار ) [ التوبة : 109 ] قال : فكذلك قوله : ( وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي ) أي : ابنيا بيتي على طهر من الشرك بي والريب ، كما قال السدي : ( أن طهرا بيتي ) ابنيا بيتي للطائفين .

وملخص هذا الجواب : أن الله تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له للطائفين به والعاكفين عنده ، والمصلين إليه من الركع السجود ، كما قال تعالى : ( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ) الآيات [ الحج : 26 ] .

[ وقد اختلف الفقهاء : أيما أفضل ، الصلاة عند البيت أو الطواف ؟

فقال مالك : الطواف به لأهل الأمصار أفضل من الصلاة عنده ، وقال الجمهور : الصلاة أفضل مطلقا ، وتوجيه كل منهما يذكر في كتاب الأحكام ] .

والمراد من ذلك الرد على المشركين الذين كانوا يشركون بالله عند بيته ، المؤسس على عبادته وحده لا شريك له ، ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه ، كما قال تعالى : ( إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ) [ الحج : 25 ] .

ثم ذكر أن البيت إنما أسس لمن يعبد الله وحده لا شريك له ، إما بطواف أو صلاة ، فذكر في سورة الحج أجزاءها الثلاثة : قيامها ، وركوعها ، وسجودها ، ولم يذكر العاكفين لأنه تقدم ( سواء العاكف فيه والباد ) وفي هذه الآية الكريمة ذكر الطائفين والعاكفين ، واجتزأ بذكر الركوع والسجود عن القيام ; لأنه قد علم أنه لا يكون ركوع ولا سجود إلا بعد قيام .

وفي ذلك أيضا رد على من لا يحجه من أهل الكتابين : اليهود والنصارى ; لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وعظمته ، ويعلمون أنه بنى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة وغير ذلك وللاعتكاف والصلاة عنده وهم لا يفعلون شيئا من ذلك ، فكيف يكونون مقتدين بالخليل ، وهم لا يفعلون ما شرع الله له ؟

وقد حج البيت موسى بن عمران وغيره من الأنبياء عليهم السلام ، كما أخبر بذلك المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ( إن هو إلا وحي يوحى ) [ النجم : 4 ] .

وتقدير الكلام إذا : ( وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل ) [ أي : تقدمنا لوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل ] ( أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ) أي : طهراه من الشرك والريب وابنياه خالصا لله ، معقلا للطائفين والعاكفين والركع السجود .

وتطهير المساجد مأخوذ من هذه الآية ، ومن قوله تعالى : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ) [ النور : 36 ] ومن السنة من أحاديث كثيرة ، من الأمر بتطهيرها وتطييبها وغير ذلك ، من صيانتها من الأذى والنجاسات وما أشبه ذلك .

ولهذا قال عليه السلام : " إنما بنيت المساجد لما بنيت له " .

وقد جمعت في ذلك جزءا على حدة ولله الحمد والمنة .

وقد اختلف الناس في أول من بنى الكعبة ، فقيل : الملائكة قبل آدم ، وروي هذا عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين ، ذكره القرطبي وحكى لفظه ، وفيه غرابة ، وقيل : آدم عليه السلام ، رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء وسعيد بن المسيب وغيرهم : أن آدم بناه من خمسة أجبل : من حراء وطور سيناء وطور زيتا وجبل لبنان والجودي ، وهذا غريب أيضا .

وروي نحوه عن ابن عباس وكعب الأحبار وقتادة وعن وهب بن منبه : أن أول من بناه شيث ، عليه السلام ، وغالب من يذكر هذا إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب ، وهي مما لا يصدق ولا يكذب ولا يعتمد عليها بمجردها ، وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ قال أبو جعفر: أما قوله: " وإذ جعلنا البيت مثابة "، فإنه عطف ب " إذ " على قوله: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ .

وقوله: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ معطوف على قوله: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ ، واذكروا " إذ ابتلى إبراهيم ربه "," وإذ جعلنا البيت مثابة ".

* * * و " البيت " الذي جعله الله مثابة للناس، هو البيت الحرام.

* * * وأما " المثابة "، فإن أهل العربية مختلفون في معناها, والسبب الذي من أجله أنثت.

فقال بعض نحويي البصرة: ألحقت الهاء في" المثابة "، لما كثر من يثوب إليه, كما يقال: " سيارة " لمن يكثر ذلك،" ونسابة ".

وقال بعض نحويي الكوفة: بل " المثاب " و " المثابة " بمعنى واحد, نظيرة " المقام " و " المقامة " (46) .

و " المقام "، ذكر -على قوله- لأنه يريد به الموضع الذي يقام فيه, وأنثت " المقامة "، لأنه أريد بها البقعة.

وأنكر هؤلاء أن تكون " المثابة " ك " السيارة، والنسابة "., وقالوا: إنما أدخلت الهاء في" السيارة والنسابة " تشبيها لها ب " الداعية ".

* * * و " المثابة "" مفعلة " من " ثاب القوم إلى الموضع "، إذا رجعوا إليه، فهم يثوبون إليه مثابا ومثابة وثوابا.

(47) فمعنى قوله: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ": وإذ جعلنا البيت مرجعا للناس ومعاذا، يأتونه كل عام ويرجعون إليه, فلا يقضون منه وطرا.

ومن " المثاب "، قول ورقة بن نوفل في صفة الحرم: مثــاب لأفنــاء القبــائل كلهــا تخــب إليــه اليعمـلات الطلائـح (48) ومنه قيل: " ثاب إليه عقله ", إذا رجع إليه بعد عزوبه عنه.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 1963- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا [أبو عاصم قال، حدثنا] عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال: لا يقضون منه وطرا.

(49) 1964- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

1965- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال، يثوبون إليه, لا يقضون منه وطرا.

1966- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال، أما المثابة، فهو الذي يثوبون إليه كل سنة، لا يدعه الإنسان إذا أتاه مرة أن يعود إليه.

1967- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي, قال حدثني أبي، عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال، لا يقضون منه وطرا, يأتونه، ثم يرجعون إلى أهليهم، ثم يعودون إليه.

1968- حدثني عبد الكريم بن أبي عمير قال، حدثني الوليد بن مسلم قال، قال أبو عمرو: حدثني عبدة بن أبي لبابة في قوله: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال، لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرا.

1969- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم, قال، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء في قوله: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال، يثوبون إليه من كل مكان, ولا يقضون منه وطرا.

1970- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن عبد الملك, عن عطاء مثله.

1971- حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا سهل بن عامر قال، حدثنا مالك بن مغول, عن عطية في قوله: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال، لا يقضون منه وطرا (50) .

1972- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن: قال، حدثنا سفيان, عن أبي الهذيل قال، سمعت سعيد بن جبير يقول: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال، يحجون ويثوبون.

1973- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق, قال أخبرنا الثوري, عن أبي الهذيل, عن سعيد بن جبير في قوله: " مثابة للناس " قال، يحجون, ثم يحجون, ولا يقضون منه وطرا.

(51) 1974- حدثني المثنى قال، حدثنا ابن بكير قال، حدثنا مسعر, عن غالب, عن سعيد بن جبير: " مثابة للناس " قال، يثوبون إليه.

(52) 1975-- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا " قال، مجمعا.

1976- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " مثابة للناس " قال، يثوبون إليه.

1977- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " مثابة للناس " قال، يثوبون إليه.

1978- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس " قال، يثوبون إليه من البلدان كلها ويأتونه.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَأَمْنًا قال أبو جعفر: و " الأمن " مصدر من قول القائل: " أمن يأمن أمنا ".

* * * وإنما سماه الله " أمنا "، لأنه كان في الجاهلية معاذا لمن استعاذ به, وكان الرجل منهم لو لقي به قاتل أبيه أو أخيه، لم يهجه ولم يعرض له حتى يخرج منه, وكان كما قال الله جل ثناؤه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ .

[سورة العنكبوت: 67] 1979- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وأمنا " قال، من أم إليه فهو آمن، كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا يعرض له.

1980- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أما " أمنا "، فمن دخله كان آمنا.

1981- حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله الله: " وأمنا " قال، تحريمه، لا يخاف فيه من دخله.

1982- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: " وأمنا "، يقول: أمنا من العدو أن يحمل فيه السلاح, وقد كان في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون لا يُسبَوْن.

1983- حدثت عن المنجاب قال، أخبرنا بشر, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس في قوله: " وأمنا " قال، أمنا للناس.

1984- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد في قوله: " وأمنا " قال، تحريمه، لا يخاف فيه من دخله.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك: فقرأه بعضهم: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " بكسر " الخاء "، على وجه الأمر باتخاذه مصلى.

وهي قراءة عامة المصرين الكوفة والبصرة, وقراءة عامة قرأة أهل مكة وبعض قرأة أهل المدينة.

(53) وذهب إليه الذين قرأوه كذلك، من الخبر الذي:- 1985- حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا حميد, عن أنس بن مالك قال، قال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله, لو اتخذت المقام مصلى!

فأنـزل الله: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ".

1986- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي -وحدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية- جميعا, عن حميد, عن أنس, عن عمر, عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله.

1987- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا حميد, عن أنس قال: قال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله, فذكر مثله.

(54) * * * قالوا: فإنما أنـزل الله تعالى ذكره هذه الآية أمرا منه نبيه صلى الله عليه وسلم باتخاذ مقام إبراهيم مصلى.

فغير جائز قراءتها -وهي أمر- على وجه الخبر.

* * * وقد زعم بعض نحويي البصرة أن قوله: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " معطوف على قوله: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ و " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ".

فكان الأمر بهذه الآية، وباتخاذ المصلى من مقام إبراهيم -على قول هذا القائل- لليهود من بني إسرائيل الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم،.....

كما حدثنا [عن] الربيع بن أنس.

(55) بما:- 1988- حدثت [به] عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه قال: من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم قوله: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى "، فأمرهم أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى, فهم يصلون خلف المقام.

(56) * * * فتأويل قائل هذا القول: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قال، إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ، وقال: اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.

* * * قال أبو جعفر: والخبر الذي ذكرناه عن عمر بن الخطاب, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل, يدل على خلاف الذي قاله هؤلاء, وأنه أمر من الله تعالى ذكره بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين به وجميع الخلق المكلفين.

* * * وقرأه بعض قرأة أهل المدينة والشام: (واتخذوا) بفتح " الخاء " على وجه الخبر.

* * * ثم اختلف في الذي عطف عليه بقوله: " واتخذوا " إذ قرئ كذلك، على وجه الخبر, فقال بعض نحويي البصرة: تأويله، إذا قرئ كذلك: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا ، [وإذ] اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.

(57) وقال بعض نحويي الكوفة: بل ذلك معطوف على قوله: جَعَلْنَا ، فكان معنى الكلام على قوله: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس، واتخذوه مصلى (58) .

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول والقراءة في ذلك عندنا: " واتخذوا " بكسر " الخاء ", على تأويل الأمر باتخاذ مقام إبراهيم مصلى، للخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه آنفا, وأن: 1989- عمرو بن علي حدثنا قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا جعفر بن محمد قال، حدثني أبي, عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ".

(59) * * * ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى "، وفي" مقام إبراهيم ".

فقال بعضهم: " مقام إبراهيم "، هو الحج كله.

* ذكر من قال ذلك: 1990- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج, عن عطاء, عن ابن عباس في قوله: " مقام إبراهيم "، قال الحج كله مقام إبراهيم.

1991- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا سفيان بن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " قال، الحج كله.

1992- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع, عن سفيان، عن ابن جريج, عن عطاء, قال: الحج كله " مقام إبراهيم ".

* * * وقال آخرون: " مقام إبراهيم " عرفة والمزدلفة والجمار.

* ذكر من قال ذلك: 1993- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن عطاء بن أبي رياح: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " قال: لأني قد جعلته إماما، فمقامه عرفة والمزدلفة والجمار.

1994- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " قال، مقامه: جمع وعرفة ومنى - لا أعلمه إلا وقد ذكر مكة.

1995- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن عطاء, عن ابن عباس في قوله: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " قال، مقامه، عرفة.

1996- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا داود, عن الشعبي قال: نـزلت عليه وهو واقف بعرفة، مقام إبراهيم: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [سورة المائدة: 3]، الآية.

1997- حدثنا عمرو قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود, عن الشعبي مثله * * * وقال آخرون: " مقام إبراهيم "، الحرم.

* ذكر من قال ذلك: 1998- حدثت عن حماد بن زيد, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " قال، الحرم كله " مقام إبراهيم ".

* * * وقال آخرون: " مقام إبراهيم " الحجر الذي قام عليه إبراهيم حين ارتفع بناؤه, وضعف عن رفع الحجارة.

* ذكر من قال ذلك: 1999- حدثنا سنان القزاز قال، حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي قال، حدثنا إبراهيم بن نافع قال، سمعت كثير بن كثير يحدّث، عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: جعل إبراهيم يبنيه, وإسماعيل يناوله الحجارة, ويقولان: " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ".

فلما ارتفع البنيان، وضعف الشيخ عن رفع الحجارة، قام على حجر, فهو " مقام إبراهيم " (60) * * * وقال آخرون: بل " مقام إبراهيم ", هو مقامه الذي هو في المسجد الحرام.

* ذكر من قال ذلك: 2000- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى "، إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه.

ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها.

(61) ولقد ذكر لنا بعض من رأى أثر عقبه وأصابعه, فما زالت هذه الأمم يمسحونه حتى اخلولق وانمحى.

(62) 2001- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى "، فهم يصلون خلف المقام.

(63) 2002- حدثني موسى (64) قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى "، وهو الصلاة عند مقامه في الحج.

و " المقام " هو الحجر الذي كانت زوجة إسماعيل وضعته تحت قدم إبراهيم حين غسلت رأسه, فوضع إبراهيم رجله عليه وهو راكب, فغسلت شقه، ثم رفعته من تحته وقد غابت رجله في الحجر, فوضعته تحت الشق الآخر، فغسلته, فغابت رجله أيضا فيه, فجعلها الله من شعائره, فقال: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ".

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا، ما قاله القائلون: إن " مقام إبراهيم "، هو المقام المعروف بهذا الاسم, الذي هو في المسجد الحرام، لما روينا آنفا عن عمر بن الخطاب، (65) ولما:- 2003- حدثنا يوسف بن سلمان قال، حدثنا حاتم بن إسماعيل قال، حدثنا جعفر بن محمد, عن أبيه, عن جابر قال: استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الركن, فرمل ثلاثا، ومشى أربعا, ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ".

فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين.

(66) * * * فهذان الخبران ينبئان أن الله تعالى ذكره إنما عنى ب " مقام إبراهيم " الذي أمرنا الله باتخاذه مصلى - هو الذي وصفنا.

ولو لم يكن على صحة ما اخترنا في تأويل ذلك خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, لكان الواجب فيه من القول ما قلنا.

وذلك أن الكلام محمول معناه على ظاهره المعروف، دون باطنه المجهول، (67) حتى يأتي ما يدل على خلاف ذلك، مما يجب التسليم له.

ولا شك أن المعروف في الناس ب " مقام إبراهيم " هو المصلى الذي قال الله تعالى ذكره: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " * * * [قال أبو جعفر: وأما قوله تعالى: " مصلى "]، فإن أهل التأويل مختلفون في معناه.

(68) فقال بعضهم: هو المدعى.

* ذكر من قال ذلك: 2004- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا سفيان بن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " قال، مصلى إبراهيم مُدَّعًى.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: اتخذوا مصلى تصلون عنده.

* ذكر من قال ذلك: 2005- حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال، أمروا أن يصلوا عنده.

2006- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: هو الصلاة عنده.

* * * قال أبو جعفر: فكأن الذين قالوا: تأويل: " المصلى " ههنا، المُدَّعَى, وَجَّهوا " المصَلَّى " إلى أنه " مُفَعَّل "، من قول القائل: " صليت " بمعنى دعوت.

(69) .

وقائلو هذه المقالة، هم الذين قالوا: إن مقام إبراهيم هو الحج كله.

* * * فكان معناه في تأويل هذه الآية: واتخذوا عرفة والمزدلفة والمشعر والجمار، وسائر أماكن الحج التي كان إبراهيم يقوم بها مَدَاعِيَ تدعوني عندها, وتأتمون بإبراهيم خليلي عليه السلام فيها, فإني قد جعلته لمن بعده -من أوليائي وأهل طاعتي- إماما يقتدون به وبآثاره, فاقتدوا به.

* * * وأما تأويل القائلين القول الآخر, فإنه: اتخذوا أيها الناس من مقام إبراهيم مصلى تصلون عنده, عبادةً منكم, وتكرمةً مني لإبراهيم.

* * * وهذا القول هو أولى بالصواب، لما ذكرنا من الخبر عن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وَعهدنا "؛ وأمرنا، كما:- 2007- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما عهده؟

قال: أمره.

2008- حدثني يونس قال، أخبرني ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وعهدنا إلى إبراهيم " قال، أمرناه.

* * * فمعنى الآية: وأمرنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين." والتطهير " الذي أمرهما الله به في البيت, هو تطهيره من الأصنام، وعبادة الأوثان فيه، ومن الشرك بالله.

* * * فإن قال قائل: وما معنى قوله: " وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين "؟

وهل كان أيام إبراهيم -قبل بنائه البيت- بيت يطهر من الشرك وعبادة الأوثان في الحرم, فيجوز أن يكونا أمرا بتطهيره؟

قيل: لذلك وجهان من التأويل, قد قال بكل واحد من الوجهين جماعة من أهل التأويل.

(70) أحدهما: أن يكون معناه: وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن ابنيا بيتي مطهرا من الشرك والرَّيْب (71) كما قال تعالى ذكره: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ , [سورة التوبة: 109]، فكذلك قوله: " وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي"، أي ابنيا بيتي على طهر من الشرك بي والريب، كما:- 2009- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي"، يقول: ابنيا بيتي [للطائفين].

(72) فهذا أحد وجهيه.

والوجه الآخر منهما: أن يكونا أمرا بأن يطهرا مكان البيت قبل بنيانه، والبيت بعد بنيانه، مما كان أهل الشرك بالله يجعلونه فيه -على عهد نوح ومن قبله- من الأوثان, ليكون ذلك سنة لمن بعدهما, إذ كان الله تعالى ذكره قد جعل إبراهيم إماما يقتدي به من بعده، كما:- 2010- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " أن طهرا " قال، من الأصنام التي يعبدون، التي كان المشركون يعظمونها.

(73) 2011- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن عطاء, عن عبيد بن عمير: " أن طهرا بيتي للطائفين " قال، من الأوثان والرَّيْب.

2012- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان, عن ابن جريج, عن عطاء, عن عبيد بن عمير, مثله.

2013- حدثني أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد, قال: من الشرك.

2014- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا أبو إسرائيل, عن أبي حصين, عن مجاهد: " طهرا بيتي للطائفين " قال، من الأوثان.

2015- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " طهرا بيتي للطائفين " قال: من الشرك وعبادة الأوثان.

2016- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة، بمثله - وزاد فيه: وقول الزور.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : لِلطَّائِفِينَ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى " الطائفين " في هذا الموضع.

فقال بعضهم: هم الغرباء الذين يأتون البيت الحرام من غَرْبةٍ.

(74) * ذكر من قال ذلك: 2017- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، حدثنا أبو حصين, عن سعيد بن جبير في قوله: " للطائفين " قال، من أتاه من غربة.

* * * وقال آخرون: بل " الطائفون " هم الذين يطوفون به، غرباء كانوا أو من أهله.

* ذكر من قال ذلك: 2018- حدثنا محمد بن العلاء قال، حدثنا وكيع, عن أبي بكر الهذلي, عن عطاء: " للطائفين " قال، إذا كان طائفا بالبيت فهو من " الطائفين ".

* * * وأولى التأويلين بالآية ما قاله عطاء.

لأن " الطائف " هو الذي يطوف بالشيء دون غيره.

والطارئ من غَرْبةٍ لا يستحق اسم " طائف بالبيت "، إن لم يطف به.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَالْعَاكِفِينَ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " والعاكفين "، والمقيمين به." والعاكف على الشيء "، هو المقيم عليه, كما قال نابغة بني ذبيان: عكوفــا لــدى أبيـاتهم يثمـدونهم رمـى اللـه فـي تلـك الأكف الكوانع (75) وإنما قيل للمعتكف " معتكف "، من أجل مقامه في الموضع الذي حبس فيه نفسه لله تعالى.

* * * ثم اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله: " والعاكفين ".

فقال بعضهم: عنى به الجالس في البيت الحرام بغير طواف ولا صلاة.

* ذكر من قال ذلك: 2019- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع, عن أبي بكر الهذلي, عن عطاء قال: إذا كان طائفا بالبيت فهو من الطائفين, وإذا كان جالسا فهو من العاكفين.

* * * وقال بعضهم: " العاكفون "، هم المعتكفون المجاورون.

* ذكر من قال ذلك: 2020- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك, عن جابر, عن مجاهد وعكرمة: " طهرا بيتي للطائفين والعاكفين " قال، المجاورون.

* * * وقال بعضهم: " العاكفون "، هم أهل البلد الحرام.

* ذكر من قال ذلك: 2021- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، حدثنا أبو حصين, عن سعيد بن جبير في قوله: " والعاكفين " قال: أهل البلد.

2022- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " والعاكفين " قال: العاكفون: أهله.

* * * وقال آخرون: " العاكفون "، هم المصلون.

* ذكر من قال ذلك: 2023- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, قال: قال ابن عباس في قوله: " طهرا بيتي للطائفين والعاكفين " قال، العاكفون، المصلون.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه التأويلات بالصواب ما قاله عطاء, وهو أن " العاكف " في هذا الموضع، المقيم في البيت مجاورا فيه بغير طواف ولا صلاة.

لأن صفة " العكوف " ما وصفنا: من الإقامة بالمكان.

والمقيم بالمكان قد يكون مقيما به وهو جالس ومصل وطائف وقائم, وعلى غير ذلك من الأحوال.

فلما كان تعالى ذكره قد ذكر - في قوله: " أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود " - المصلين والطائفين, علم بذلك أن الحال التي عنى الله تعالى ذكره من " العاكف "، غير حال المصلي والطائف, وأن التي عنى من أحواله، هو العكوف بالبيت، على سبيل الجوار فيه, وإن لم يكن مصليا فيه ولا راكعا ولا ساجدا.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " والركع "، جماعة القوم الراكعين فيه له, واحدهم " راكع ".

وكذلك " السجود " هم جماعة القوم الساجدين فيه له، واحدهم " ساجد " - كما يقال: " رجل قاعد ورجال قعود " و " رجل جالس ورجال جلوس "، فكذلك " رجل ساجد ورجال سجود ".

(76) * * * وقيل: بل عنى " بالركع السجود "، المصلين.

* ذكر من قال ذلك: 2024- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع, عن أبي بكر الهذلي, عن عطاء: " والركع السجود " قال، إذا كان يصلي فهو من " الركع السجود ".

2025- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " والركع السجود "، أهل الصلاة.

* * * وقد بينا فيما مضى بيان معنى " الركوع " و " السجود ", فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا.

(77) ------------ الهوامش : (46) في المطبوعة : "نظيره" والأرجح ما أثبت .

(47) لم تذكر هذه المصادر في كتب اللغة ، "المثاب ، والمثابة" مصدران ميميان قياسيان ، فإغفالهما في كتب اللغة غير غريب ، وأما قوله"وثوابا" ، فهذا إن صح عن الطبري ، فهو جائز في العربية أيضًا ، ولكنهم نصوا على أن مصدر"ثاب" هو"ثوبانا ، وثوبا ، وثؤوبا" فأخشى أن تكون محرفة عن إحداها .

وأما"الثواب" في المعروف من كتب العربية الاسم من"أثابه يثيبه إثابة ، وهو الثواب" ، وهو المجازاة على الصنيع .

(48) من أبيات طويلة لورقة بن نوفل في البداية والنهاية لابن كثير 2 : 297 ، والبيت في تفسير أبي حيان 1 : 380 ، بهذه الرواية ، وقبل البيت في ذكر أبينا إبراهيم عليه السلام : فمتبــع ديــن الـذي أسـس البنـا وكـان لـه فضـل على الناس راجح وأســـس بنيانــا بمكــة ثابتــا تــلألأ فيــه بــالظلام المصـابح مثابـــا لأفنــاء .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

بنصب"مثابا" بيد أن الشافعي روى هذا البيت في الأم 2 : 120 لورقة بن نوفل ، وعجزه .

تخــب إليــه اليعمـلات الـذوامل وكذلك جاء في القرطبي 2 : 100 ، وعدها أبو حيان رواية في البيت ، وبهذه الرواية ذكره صاحب اللسان في (ثوب) منسوبا لأبي طالب ، وفي (ذمل) غير منسوب .

والظاهر أن الشافعي رحمه الله أخطأ في رواية البيت .

وأخطأ صاحب اللسان في نسبته ، اشتبه عليه بشعر أبي طالب في قصيدته المشهورة .

وأفناء القبائل : أخلاطهم ونزاعهم من هاهنا وهاهنا .

وخبت الدابة تخب خببا : وهو ضرب سريع من العدو .

واليعملات جمع يعملة وهي الناقة السريعة المطبوعة على العمل ، اشتق اسمها من العمل ، والعمل الإسراع والعجلة .

والطلائع جمع طليح .

ناقة طليح أسفار : جهدها السير وهزلها ، فهي ضامرة هزلا .

يعني الإبل أنضاها أصحابها في إسراعهم إلى حج البيت .

وأما"الذوامل" في الرواية الأخرى ، فهو جمع ذاملة .

ناقة ذمول وذاملة : وهي التي تسير سيرا لينا سريعا .

(49) الأثر : 1963- ما بين القوسين ساقط من الأصول .

وهذا إسناد دائر ، أقربه إلينا رقم : 1946 ، فأتممته على الصواب .

(50) الخبر : 1971- شيخ الطبري"محمد بن عمارة الأسدي" ، كما مضى في : 645 ، 1511 ، وكما ذكرنا أنه يروى عنه في التاريخ كثيرا .

وفي المطبوعة"محمد بن عمار" .

سهل بن عامر : هو البجلي ، وهو ضعيف جدا ، ترجمه للبخاري في الصغير ، ص : 234 ، وقال : "منكر الحديث ، لا يكتب حديثه" .

وترجمه ابن أبي حاتم 2/1/202 وروى عن أبيه قال : "هو ضعيف الحديث ، روى أحاديث بواطيل!

أدركته بالكوفة ، وكان يفتعل الحديث" .

وترجم في لسان الميزان 3 : 119-120 ، ووقع اسم أبيه في التاريخ الصغير"عمار" ، وهو خطأ ناسخ أو طابع .

(51) الخبران : 1972-1973- أبو الهذيل : هو غالب بن الهذيل الأودي ، يروي عن أنس ، وسعيد بن جبير ، وغيرهما ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين .

مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4/1/99 ، وابن أبي حاتم 3/2/47 .

وسيأتي باسمه في الخبر بعدهما .

(52) الخبر : 1974- غالب : هو أبو الهذيل في الخبرين قبله .

مسعر ، بكسر الميم وسكون السين وفتح العين : هو ابن كدام -بكسر الكاف وتخفيف الدال- وهو أحد الأعلام .

الثقات .

(53) كان في المطبوعة : "قراء" في هذه المواضع ، فرددتها إلى ما جرى عليه الطبري في الأجزاء السالفة .

(54) الأحاديث : 1985-1987 ، هي حديث واحد بأربعة أسانيد صحاح .

وهو مختصر من حديث مطول ، رواه أحمد في المسند : 157 ، 160 ، 250 ، عن هشيم ، وعن ابن أبي عدي ، وعن يحيى - ثلاثتهم ، عن حميد ، عن أنس .

ورواه البخاري أيضًا ، عن مسدد ، عن يحيى .

كما ذكره ابن كثير 1 : 309-310 ، من رواية البخاري وأحمد ، ثم ذكر أنه رواه أيضًا الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وقال الترمذي : "حسن صحيح" .

(55) كان في المطبوعة : "كما حدثنا الربيع بن أنس" ، وهو خطأ ، فزدت"عن" بين القوسين ، فبين أبي جعفر الطبري والربيع بن أنس دهر طويل .

وانظر التعليق التالي .

(56) الأثر : 1988- هو جزء من الأثر السالف رقم : 1922 وهو"عن ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس" ، فزدت ما بين الأقواس ، ليستقيم الكلام .

وسيأتي أيضًا برقم : 2001 ولكني وضعت هذه النقط في الموضع السالف ، لأني أخشى أن يكون في الكلام سقط .

وذلك أنه بدأ فقال : إن الأمر بهذه الآية على قول هذا البصري - لليهود من بني إسرائيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثم عقب عليه بقوله : "فأمرهم أن يتخذوا مقام إبراهيم مصلى ، فهم يصلون خلف المقام" .

ولست أعلم أن اليهود الذي كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كانوا يصلون في البيت الحرام خلف المقام ، فلذلك وضعت هذه النقط ، لأني أرجح أنه قد سقط من كلام الطبري في هذا الموضع ما يستقيم به هذا الكلام .

ولم أجد في الكتب التي تنقل عن تفسير الطبري ما يهدي إلى صواب هذه العبارة .

والذي استظهره أن يكون سقط من هذا الموضع ، توجيه الأمر في هذه الآية إلى إبراهيم وذريته من ولد إسماعيل ، فيكون الضمير في قوله : "فأمرهم أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، فهم يصلون خلف المقام" إلى ذرية إبراهيم من ولد إسماعيل ، وهم العرب من أهل دين إسماعيل ، وبقاياهم من أهل الجاهلية ، الذين جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليقيمهم على الحنيفية ملة إبراهيم ، وهي الإسلام .

(57) الزيادة التي بين القوسين ، لا بد منها ، وإلا لم يكن بين هذا القول والذي يليه فرق .

ويعني البصري في هذا التأويل أن العطف على جملة"وإذ جعلنا" ، فتكون"إذ" مضمرة في قوله تعالى : "واتخذوا" .

(58) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 77 وهو تأويله .

(59) الحديث : 1989- عمرو بن علي : هو الفلاس ، من كبار الحفاظ الثقات ، روى عنه أصحاب الكتب الستة وغيرهم .

وشيخه يحيى بن سعيد : هو القطان الإمام .

والحديث جزء من حديث جابر -الطويل- في الحج كما سنذكر في : 2003 ، إن شاء الله .

(60) الحديث : 1999- هو قطعة من الحديث الآتي : 2056 .

وسنخرجه هناك ، إن شاء الله .

وشيخ الطبري هنا"ابن سنان القزاز" : هو"محمد بن سنان" ، مضت ترجمته في : 157 .

وفي المطبوعة"سنان" بحذف"ابن" ، وهو خطأ .

(61) في المطبوعة : "مما تكلفته" ، والصواب من تفسير ابن كثير 1 : 311 .

(62) في المطبوعة : "أصابعه فيها" ، والصواب من تفسير ابن كثير .

خلق الشيء وأخلق واخلولق : بلى .

(63) الأثر : 2001- هو الأثر السالف : 1988 ، وانظر التعليق عليه .

(64) كان في المطبوعة"حدثني يونس" ، وهو خطأ محض بل هو إسناده الدائر في التفسير - إلى السدي ، وأقربه رقم : 1980 .

(65) انظر ما سلف رقم : 1985- 1987 .

(66) الحديث : 2003- يوسف بن سلمان ، شيخ الطبري : هو أبو عمر الباهلي البصري ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4/2/223-224 .

وفي المطبوعة"سليمان" بدل"سلمان" ، وهو خطأ .

حاتم بن إسماعيل المدني : ثقة مأمون كثير الحديث ، أخرج له الجماعة .

مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2/1/72 ، وابن أبي حاتم 1/2/258-259 ، وابن سعد 5 : 314 .

جعفر بن محمد : هو جعفر الصادق ، بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب .

وهو ثقة صادق مأمون ، من سادات أهل البيت فقها وعلما وفضلا .

وإنما يكذب عليه الشيعة الروافض .

أما رواية الثقات عنه فصحيحة .

وهذا الحديث قطعة من حديث جابر -الطويل- في صفة حجة الوداع .

وقد مضت قطعة منه : 1989 ، من رواية يحيى بن سعيد القطان ، عن جعفر الصادق .

وستأتي قطعة منه ، بهذا الإسناد : 2365 .

والحديث بطوله -رواه الإمام أحمد في المسند : 14492 (ج 3 ص 320-321 حلبي) عن يحيى القطان ، عن جعفر .

ورواه مسلم في صحيحه 1 : 346-347 ، عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه -كلاهما عن حاتم بن إسماعيل ، عن جعفر الصادق ، به .

(67) انظر تفسير"الظاهر والباطن" فيما سلف 2 : 15 ، واطلبه في الفهارس .

(68) الزيادة بين القوسين لا بد منها .

(69) انظر ما سلف 1 : 242-243 .

(70) في المطبوعة : "قد كان لكل واحد من الوجهين" ، وهو كلام هالك .

(71) الريب هنا : الشر والخوف من قولهم : رابني أمره ، أي أدخل علي شرا وخوفا ، وكأن ذلك مردود إلى قوله تعالى : "مثابة للناس وأمنا" .

(72) هذه الزيادة ، من تفسير ابن كثير 1 : 315 .

(73) قال ابن كثير في تفسيره 1 : 314-315 ، بعد أن ساق هذا الوجه ، وهذا الأثر : "قلت : وهذا الجواب مفرع على أنه كان يعبد عنده أصنام قبل إبراهيم عليه السلام ، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم محمد صلى الله عليه وسلم" .

(74) الغربة والغرب (بفتح فسكون) : النوى والبعد .

يعني من أتاه من مكان بعيد .

(75) ديوانه : 63 من أبيات قالها لزرعة بن عامر العامري .

حين بعثت بنو عامر إلى حصن بن حذيفة وابنه عيينة بن حصن : أن اقطعوا حلف ما بينكم وبين بني أسد ، وألحقوهم ببني كنانة ، ونحالفكم ونحن بنو أبيكم .

وكان عيينة هم بذلك ، فقالت بنو ذبيان : أخرجوا من فيكم من الحلفاء ، ونخرج من فينا!

فأبوا ، فقال النابغة : ليهــن بنــي ذبيــان أن بلادهـم خـلت لهـم مـن كـل مـولى وتابع سـوى أسـد, يحمونهـا كـل شـارق بــألفي كــمي, ذي سـلاح, ودارع ثم مدح بني أسد ، وذم بني عبس ، وتنقص بني سهم ومالك من غطفان وعبد بن سعد بن ذبيان ، وهجاهم بهذا البيت الذي استشهد به الطبري ، ورواية الديوان"قعودا" ، و"يثمدونها" ، والضمير للأبيات .

وقوله : "يثمدونهم" أصله من قولهم : "ثمد الماء يثمده ثمدا" ، نبث عنه التراب ليخرج .

وماء مثمود : كثر عليه الناس حتى فني ونفد إلا أقله .

وأخذوا منه : "رجل مثمود" ، إذا ألح الناس عليه في السؤال ، فأعطى حتى نفد ما عنده .

يقول : يظل بنو سعد ومالك لدى أبيات عبد بن سعد يستنزفون أموالهم .

يصفهم بالخسة وسقوط الهمة .

ومن روى : "يثمدونها" وأعاد الضمير إلى"أبياتهم" ، فهو مثله ، في أنهم يلازمون بيوتهم ويسترزقونها ، يهزأ بهم .

والكوانع جمع كانع : وهو الخاضع الذي تدانى وتصاغر وتقارب بعضه من بعض ، كأنه يتقبض من ذلته .

يصفهم بالخسة والطمع والسؤال الذليل .

وقوله : "رمى الله" يعني أصابها بما يستأصلها ، ورواية الديوان : "في تلك الأنوف" ، فمعناه : رمى فيها بالجدع ، وهو دعاء عليهم ، واشمئزاز من حقارتهم .

(76) مما استظهرته من أمر هذا الجمع ، جمع فاعل على فعول : أن كل فعل ثلاثي جاء مصدره على"فعول" بضم الفاء ، فجمع"فاعل" منه على"فعول" ، كهذه الأمثلة التي ذكرت هنا ، وكل ما سواها مما قيدته كتب اللغة ، ومما هو منثور في الشعر .

(77) انظر ما سلف 1 : 574-575 ، ثم 2 : 103-105 ، 519 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجودقوله تعالى : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : جعلنا بمعنى صيرنا لتعديه إلى مفعولين ، وقد تقدم .

البيت يعني الكعبة .

مثابة أي مرجعا ، يقال : ثاب يثوب مثابا ومثابة وثؤوبا وثوبانا .

فالمثابة مصدر وصف به ويراد به الموضع الذي يثاب إليه ، أي يرجع إليه .

قال ورقة بن نوفل في الكعبة :مثابا لأفناء القبائل كلها تخب إليها اليعملات الذواملوقرأ الأعمش : " مثابات " على الجمع .

ويحتمل أن يكون من الثواب ، أي يثابون هناك .

وقال مجاهد : لا يقضي أحد منه وطرا ، قال الشاعر :جعل البيت مثابا لهم ليس منه الدهر يقضون الوطروالأصل مثوبة ، قلبت حركة الواو على الثاء فقلبت الواو ألفا اتباعا لثاب يثوب ، وانتصب على المفعول الثاني ، ودخلت الهاء للمبالغة لكثرة من يثوب أي يرجع ; لأنه قل ما يفارق أحد البيت إلا وهو يرى أنه لم يقض منه وطرا ، فهي كنسابة وعلامة ، قاله الأخفش .

وقال غيره : هي هاء تأنيث المصدر وليست للمبالغة .فإن قيل : ليس كل من جاءه يعود إليه ، قيل : ليس يختص بمن ورد عليه ، وإنما المعنى أنه لا يخلو من الجملة ، ولا يعدم قاصدا من الناس ، والله تعالى أعلم .الثانية : قوله تعالى : وأمنا استدل به أبو حنيفة وجماعة من فقهاء الأمصار على ترك [ ص: 107 ] إقامة الحد في الحرم على المحصن والسارق إذا لجأ إليه ، وعضدوا ذلك بقوله تعالى : ومن دخله كان آمنا كأنه قال : آمنوا من دخل البيت .

والصحيح إقامة الحدود في الحرم ، وأن ذلك من المنسوخ ; لأن الاتفاق حاصل أنه لا يقتل في البيت ، ويقتل خارج البيت .

وإنما الخلاف هل يقتل في الحرم أم لا ؟

والحرم لا يقع عليه اسم البيت حقيقة .

وقد أجمعوا أنه لو قتل في الحرم قتل به ، ولو أتى حدا أقيد منه فيه ، ولو حارب فيه حورب وقتل مكانه .

وقال أبو حنيفة : من لجأ إلى الحرم لا يقتل فيه ولا يتابع ، ولا يزال يضيق عليه حتى يموت أو يخرج .

فنحن نقتله بالسيف ، وهو يقتله بالجوع والصد ، فأي قتل أشد من هذا .

وفي قوله : وأمنا تأكيد للأمر باستقبال الكعبة ، أي ليس في بيت المقدس هذه الفضيلة ، ولا يحج إليه الناس ، ومن استعاذ بالحرم أمن من أن يغار عليه .

وسيأتي بيان هذا في " المائدة " إن شاء الله تعالى .قوله تعالى : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : واتخذوا قرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على جهة الخبر عمن اتخذه من متبعي إبراهيم ، وهو معطوف على جعلنا أي جعلنا البيت مثابة واتخذوه مصلى .

وقيل هو معطوف على تقدير إذ ، كأنه قال : وإذ جعلنا البيت مثابة وإذ اتخذوا ، فعلى الأول الكلام جملة واحدة ، وعلى الثاني جملتان .

وقرأ جمهور القراء واتخذوا بكسر الخاء على جهة الأمر ، قطعوه من الأول وجعلوه معطوفا جملة على جملة .

قال المهدوي : يجوز أن يكون معطوفا على اذكروا نعمتي كأنه قال ذلك لليهود ، أو على معنى إذ جعلنا البيت ; لأن معناه اذكروا إذ جعلنا .

أو على معنى قوله : مثابة لأن معناه ثوبوا .الثانية : روى ابن عمر قال : قال عمر : وافقت ربي في ثلاث : في مقام إبراهيم ، وفي الحجاب ، وفي أسارى بدر .

خرجه مسلم وغيره .

وخرجه البخاري عن أنس قال : قال عمر : وافقت الله في ثلاث ، أو وافقني ربي في ثلاث .

.

.

الحديث ، وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده فقال : حدثنا حماد بن سلمة حدثنا علي بن زيد عن أنس بن مالك قال : قال عمر : وافقت ربي في أربع ، قلت يا رسول الله : لو صليت خلف المقام ؟

فنزلت هذه الآية : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وقلت : يا رسول الله ، لو ضربت على نسائك الحجاب فإنه يدخل عليهن البر والفاجر ؟

فأنزل الله : وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ، [ ص: 108 ] ونزلت هذه الآية : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، فلما نزلت قلت أنا : تبارك الله أحسن الخالقين ، فنزلت : فتبارك الله أحسن الخالقين ، ودخلت على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : لتنتهن أو ليبدلنه الله بأزواج خير منكن ، فنزلت الآية : عسى ربه إن طلقكن .قلت : ليس في هذه الرواية ذكر للأسارى ، فتكون موافقة عمر في خمس .الثالثة : قوله تعالى : من مقام المقام في اللغة : موضع القدمين .

قال النحاس : مقام من قام يقوم ، ويكون مصدرا واسما للموضع .

ومقام من أقام ، فأما قول زهير :وفيهم مقامات حسان وجوههم وأندية ينتابها القول والفعلفمعناه : فيهم أهل مقامات .

واختلف في تعيين المقام على أقوال ، أصحها - أنه الحجر الذي تعرفه الناس اليوم الذي يصلون عنده ركعتي طواف القدوم .

وهذا قول جابر بن عبد الله وابن عباس وقتادة وغيرهم .

وفي صحيح مسلم من حديث جابر الطويل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى البيت استلم الركن فرمل ثلاثا ، ومشى أربعا ، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى فصلى ركعتين قرأ فيهما ب قل هو الله أحد و قل يا أيها الكافرون .

وهذا يدل على أن ركعتي الطواف وغيرهما من الصلوات لأهل مكة أفضل ويدل من وجه على أن الطواف للغرباء أفضل ، على ما يأتي .

وفي البخاري : أنه الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل يناولها إياه في بناء البيت ، وغرقت قدماه فيه .

قال أنس : رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبه وأخمص قدميه ، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم ، حكاه القشيري .

وقال السدي : المقام الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم عليه السلام حين غسلت رأسه .

وعن ابن عباس أيضا ومجاهد وعكرمة وعطاء : الحج كله .

وعن عطاء : عرفة ومزدلفة والجمار ، وقاله الشعبي .

النخعي : الحرم كله مقام إبراهيم ، وقاله مجاهد .قلت : والصحيح في المقام القول الأول ، حسب ما ثبت في الصحيح .

وخرج أبو نعيم من حديث محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال : نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل بين الركن والمقام ، أو الباب والمقام وهو يدعو ويقول : اللهم اغفر لفلان ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما هذا ؟

فقال : رجل استودعني أن أدعو له في هذا المقام ، فقال : ارجع فقد [ ص: 109 ] غفر لصاحبك .

قال أبو نعيم : حدثناه أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم القاضي قال حدثنا محمد بن عاصم بن يحيى الكاتب قال حدثنا عبد الرحمن بن القاسم القطان الكوفي قال حدثنا الحارث بن عمران الجعفري عن محمد بن سوقة فذكره .

قال أبو نعيم : كذا رواه عبد الرحمن عن الحارث عن محمد عن جابر ، وإنما يعرف من حديث الحارث عن محمد عن عكرمة عن ابن عباس .

ومعنى " مصلى " .

مدعى يدعى فيه ، قاله مجاهد .

وقيل : موضع صلاة يصلى عنده ، قاله قتادة .

وقيل : قبلة يقف الإمام عندها ، قاله الحسن .قوله تعالى : وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجودفيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى : وعهدنا قيل : معناه أمرنا .

وقيل : أوحينا .

أن طهرا أن في موضع نصب على تقدير حذف الخافض .

وقال سيبويه : إنها بمعنى أي مفسرة ، فلا موضع لها من الإعراب .

وقال الكوفيون : تكون بمعنى القول .

وطهرا قيل معناه : من الأوثان ، عن مجاهد والزهري .

وقال عبيد بن عمير وسعيد بن جبير : من الآفات والريب .

وقيل : من الكفار .

وقال السدي : ابنياه وأسساه على طهارة ونية طهارة ، فيجيء مثل قوله : أسس على التقوى .

وقال يمان : بخراه وخلقاه .

بيتي أضاف البيت إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم ، وهي إضافة مخلوق إلى خالق ، ومملوك إلى مالك .

وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وأهل المدينة وهشام وحفص : بيتي بفتح الياء ، والآخرون بإسكانها .الثانية : للطائفين ظاهره الذين يطوفون به ، وهو قول عطاء .

وقال سعيد بن جبير : معناه للغرباء الطارئين على مكة ، وفيه بعد .( والعاكفين ) المقيمين من بلدي وغريب ، عن عطاء .

وكذلك قوله : للطائفين .

والعكوف في اللغة : اللزوم والإقبال على الشيء ، كما قال الشاعر [ هو العجاج ] :[ وهن يعكفن به إذا حجا ] عكف النبيط يلعبون الفنزجاوقال مجاهد : العاكفون المجاورون .

ابن عباس : المصلون .

وقيل : الجالسون بغير طواف والمعنى متقارب .

والركع السجود أي المصلون عند الكعبة .

وخص الركوع [ ص: 110 ] والسجود بالذكر لأنهما أقرب أحوال المصلي إلى الله تعالى .

وقد تقدم معنى الركوع والسجود لغة والحمد لله .الثالثة : لما قال الله تعالى أن طهرا بيتي دخل فيه بالمعنى جميع بيوته تعالى ، فيكون حكمها حكمه في التطهير والنظافة .

وإنما خص الكعبة بالذكر لأنه لم يكن هناك غيرها ، أو لكونها أعظم حرمة ، والأول أظهر ، والله أعلم .

وفي التنزيل في بيوت أذن الله أن ترفع وهناك يأتي حكم المساجد إن شاء الله تعالى .

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع صوت رجل في المسجد فقال : ما هذا !

أتدري أين أنت !

؟

وقال حذيفة قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله أوحى إلي يا أخا المنذرين يا أخا المرسلين أنذر قومك ألا يدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب سليمة وألسنة صادقة وأيد نقية وفروج طاهرة وألا يدخلوا بيتا من بيوتي ما دام لأحد عندهم مظلمة فإني ألعنه ما دام قائما بين يدي حتى يرد تلك الظلامة إلى أهلها فأكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويكون من أوليائي وأصفيائي ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين .الرابعة : استدل الشافعي وأبو حنيفة والثوري وجماعة من السلف بهذه الآية على جواز الصلاة الفرض والنفل داخل البيت .

قال الشافعي رحمه الله : إن صلى في جوفها مستقبلا حائطا من حيطانها فصلاته جائزة ، وإن صلى نحو الباب والباب مفتوح فصلاته باطلة ، وكذلك من صلى على ظهرها ; لأنه لم يستقبل منها شيئا .

وقال مالك : لا يصلى فيه الفرض ولا السنن ، ويصلى فيه التطوع ، غير أنه إن صلى فيه الفرض أعاد في الوقت .

وقال أصبغ : يعيد أبدا .قلت : وهو الصحيح ، لما رواه مسلم عن ابن عباس قال : أخبرني أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل فيه حتى خرج منه ، فلما خرج ركع في قبل الكعبة ركعتين وقال : ( هذه القبلة ) وهذا نص .فإن قيل : فقد روى البخاري عن ابن عمر قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي البيت فأغلقوا عليهم الباب .

فلما فتحوا كنت أول من ولج [ ص: 111 ] فلقيت بلالا فسألته : هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

قال ، نعم بين العمودين اليمانيين .

وأخرجه مسلم وفيه قال : جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه ، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة .

قلنا : هذا يحتمل أن يكون صلى بمعنى دعا ، كما قال أسامة ، ويحتمل أن يكون صلى الصلاة العرفية ، وإذا احتمل هذا وهذا سقط الاحتجاج به .فإن قيل : فقد روى ابن المنذر وغيره عن أسامة قال : رأى النبي صلى الله عليه وسلم صورا في الكعبة فكنت آتيه بماء في الدلو يضرب به تلك الصور .

وخرجه أبو داود الطيالسي قال : حدثنا ابن أبي ذئب عن عبد الرحمن بن مهران قال حدثنا عمير مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة ورأى صورا قال : فدعا بدلو من ماء فأتيته به فجعل يمحوها ويقول : قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون .

فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم صلى في حالة مضي أسامة في طلب الماء فشاهد بلال ما لم يشاهده أسامة ، فكان من أثبت أولى ممن نفى ، وقد قال أسامة نفسه : فأخذ الناس بقول بلال وتركوا قولي .

وقد روى مجاهد عن عبد الله بن صفوان قال : قلت لعمر بن الخطاب : كيف صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل الكعبة ؟

قال : صلى ركعتين .قلنا : هذا محمول على النافلة ، ولا نعلم خلافا بين العلماء في صحة النافلة في الكعبة ، وأما الفرض فلا ; لأن الله تعالى عين الجهة بقوله تعالى : فولوا وجوهكم شطره على ما يأتي بيانه ، وقوله صلى الله عليه وسلم لما خرج : ( هذه القبلة ) فعينها كما عينها الله تعالى .

ولو كان الفرض يصح داخلها لما قال : ( هذه القبلة ) .

وبهذا يصح الجمع بين الأحاديث ، وهو أولى من إسقاط بعضها ، فلا تعارض ، والحمد لله .الخامسة : واختلفوا أيضا في الصلاة على ظهرها ، فقال الشافعي ما ذكرناه .

وقال مالك : من صلى على ظهر الكعبة أعاد في الوقت .

وقد روي عن بعض أصحاب مالك : يعيد أبدا .

وقال أبو حنيفة : من صلى على ظهر الكعبة فلا شيء عليه .[ ص: 112 ] السادسة : واختلفوا أيضا أيما أفضل الصلاة عند البيت أو الطواف به ؟

فقال مالك : الطواف لأهل الأمصار أفضل ، والصلاة لأهل مكة أفضل وذكر عن ابن عباس وعطاء ومجاهد .

والجمهور على أن الصلاة أفضل .

وفي الخبر : لولا رجال خشع وشيوخ ركع وأطفال رضع وبهائم رتع لصببنا عليكم العذاب صبا .

وذكر أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب في كتاب ( السابق واللاحق ) عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لولا فيكم رجال خشع وبهائم رتع وصبيان رضع لصب العذاب على المذنبين صبا .

لم يذكر فيه " وشيوخ ركع " .

وفي حديث أبي ذر الصلاة خير موضوع فاستكثر أو استقل .

خرجه الآجري .

والأخبار في فضل الصلاة والسجود كثيرة تشهد لقول الجمهور ، والله تعالى أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر تعالى, نموذجا باقيا دالا على إمامة إبراهيم, وهو هذا البيت الحرام الذي جعل قصده, ركنا من أركان الإسلام, حاطا للذنوب والآثام.

وفيه من آثار الخليل وذريته, ما عرف به إمامته, وتذكرت به حالته فقال: { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ } أي: مرجعا يثوبون إليه, لحصول منافعهم الدينية والدنيوية, يترددون إليه, ولا يقضون منه وطرا، { و } جعله { أَمْنًا } يأمن به كل أحد, حتى الوحش, وحتى الجمادات كالأشجار.

ولهذا كانوا في الجاهلية - على شركهم - يحترمونه أشد الاحترام, ويجد أحدهم قاتل أبيه في الحرم, فلا يهيجه، فلما جاء الإسلام, زاده حرمة وتعظيما, وتشريفا وتكريما.

{ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } يحتمل أن يكون المراد بذلك, المقام المعروف الذي قد جعل الآن, مقابل باب الكعبة، وأن المراد بهذا, ركعتا الطواف, يستحب أن تكونا خلف مقام إبراهيم, وعليه جمهور المفسرين، ويحتمل أن يكون المقام مفردا مضافا, فيعم جميع مقامات إبراهيم في الحج، وهي المشاعر كلها: من الطواف, والسعي, والوقوف بعرفة, ومزدلفة ورمي الجمار والنحر, وغير ذلك من أفعال الحج.

فيكون معنى قوله: { مُصَلًّى } أي: معبدا, أي: اقتدوا به في شعائر الحج، ولعل هذا المعنى أولى, لدخول المعنى الأول فيه, واحتمال اللفظ له.

{ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ } أي: أوحينا إليهما, وأمرناهما بتطهير بيت الله من الشرك, والكفر والمعاصي, ومن الرجس والنجاسات والأقذار, ليكون { لِلطَّائِفِينَ } فيه { وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } أي: المصلين، قدم الطواف, لاختصاصه بالمسجد الحرام، ثم الاعتكاف, لأن من شرطه المسجد مطلقا، ثم الصلاة, مع أنها أفضل, لهذا المعنى.

وأضاف الباري البيت إليه لفوائد، منها: أن ذلك يقتضي شدة اهتمام إبراهيم وإسماعيل بتطهيره, لكونه بيت الله، فيبذلان جهدهما, ويستفرغان وسعهما في ذلك.

ومنها: أن الإضافة تقتضي التشريف والإكرام، ففي ضمنها أمر عباده بتعظيمه وتكريمه.

ومنها: أن هذه الإضافة هي السبب الجاذب للقلوب إليه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قال الله تعالى: {وإذ جعلنا البيت} يعني الكعبة.

{مثابة للناس} مرجعاً لهم، قال مجاهد وسعيد بن جبير: "يأتون إليه من كل جانب ويحجون"، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "معاذاً وملجأ"، وقال قتادة وعكرمة: "مجمعاً".

{وأمنا} أي مأمناً يأمنون فيه من إيذاء المشركين، فإنهم ما كانوا يتعرضون لأهل مكة ويقولون: هم أهل الله ويتعرضون لمن حوله كما قال الله تعال: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} [67-العنكبوت].

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا علي بن عبد الله أنا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاه فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا الإذخر".

قوله تعالى: {واتخذوا} قرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على الخبر، وقرأ الباقون بكسر الخاء على الأمر.

{من مقام إبراهيم مصلى} قال ابن يمان: "المسجد كله مقام إبراهيم"، وقال إبراهيم النخعي "الحرم كله مقام إبراهيم، وقيل: أراد بمقام إبراهيم جميع مشاهد الحج، مثل عرفة ومزدلفة وسائر المشاهد.

والصحيح أن مقام إبراهيم هو الحجر الذي في المسجد يصلي إليه الأئمة، وذلك الحجر الذي قام عليه إبراهيم عليه السلام عند بناء البيت، وقيل: كان أثر أصابع رجليه بيناً فيه فاندرس من كثرة المسح بالأيدي، قال قتادة ومقاتل والسدي: "أمروا بالصلاة عند مقام إبراهيم ولم يؤمروا بمسحه وتقبيله".

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد عن يحيى بن حميد عن أنس قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "وافقت الله في ثلاث - أو وافقني ربي في ثلاث - قلت يا رسول الله لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى؟

فأنزل الله تعالى {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} وقلت يا رسول الله: يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟

فأنزل الله عز وجل آية الحجاب، قال وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه فدخلت عليهن فقلت لهن: إن انتهيتن، أو ليبدلنه الله خيراً منكن، فأنزل الله تعالى: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن} [5-التحريم]".

ورواه محمد بن إسماعيل أيضاً عن عمرو بن عوف أنا هشيم عن حميد عن أنس رضي الله عنه قال: قال عمر رضي الله عنه: "وافقت ربي في ثلاث؛ قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}".

وأما بدء قصة المقام: فقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لما أتى إبراهيم عليه السلام بإسماعيل وهاجر ووضعهما بمكة، وأتت على ذلك مدة، ونزلها الجرهميون وتزوج إسماعيل منهم امرأة وماتت هاجر، واستأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر، فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل فقدم إبراهيم مكة، وقد ماتت هاجر، فذهب إلى بيت إسماعيل فقال لامرأته: أين صاحبك؟

قالت ذهب للصيد وكان إسماعيل عليه السلام يخرج من الحرم فيصيد، فقال لها إبراهيم: هل عندك ضيافة؟

قالت ليس عندي ضيافة، وسألها عن عيشهم؟

فقالت: نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له فليغير عتبة بابه، فذهب إبراهيم فجاء إسماعيل فوجد ريح أبيه فقال: لامرأته: هل جاءك أحد؟

قالت: جاءني شيخ صفته كذا وكذا -كالمستخفة بشأنه- قال: فما قال لك؟

قالت: قال: أقرئي زوجك السلام وقولي له فليغير عتبة بابه، قال ذلك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك، فطلقها وتزوج منهم أخرى، فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل، فجاء إبراهيم عليه السلام حتى انتهى إلى باب إسماعيل فقال لامرأته: أين صاحبك؟

قالت ذهب يتصيد وهو يجيء الآن إن شاء الله فانزل يرحمك الله، قال: هل عندك ضيافة؟

قالت: نعم فجاءت باللبن واللحم، وسألها عن عيشهم؟

فقالت: نحن بخير وسعة، فدعا لهما بالبركة ولو جاءت يومئذ بخبز بر أو شعير وتمر لكانت أكثر أرض الله براً أو شعيراً أو تمراً، فقالت له: انزل حتى أغسل رأسك، فلم ينزل فجاءته بالمقام فوضعته عن شقه الأيمن فوضع قدمه عليه فغسلت شق رأسه الأيمن ثم حولت إلى شقه الأيسر فغسلت شق رأسه الأيسر فبقي أثر قدميه عليه، فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له قد استقامت عتبة بابك، فلما جاء إسماعيل، وجد ريح أبيه فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟

قالت: نعم شيخ أحسن الناس وجهاً وأطيبهم ريحاً، وقال لي كذا وكذا وقلت له كذا وكذا، وغسلت رأسه وهذا موضع قدميه فقال: ذاك إبراهيم النبي أبي، وأنت العتبة أمرني أن أمسكك".

وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً تحت دومة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد ثم قال: يا إسماعيل إن الله تعالى أمرني بأمر تعينني عليه؟

قال: أعينك قال: إن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً، فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام إبراهيم على حجر المقام وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم)".

وفي الخبر: ((الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة ولولا ماسته أيدي المشركين لأضاء ما بين المشرق والمغرب )).

قوله عز وجل: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل} أي أمرناهما وأوحينا إليهما، قيل: سمي إسماعيل لأن إبراهيم كان يدعو الله أن يرزقه ولداً ويقول: إسمع يا إيل وإيل هو الله فلما رزق سماه الله به.

{أن طهرا بيتي} يعنى الكعبة أضافه إليه تخصيصاً وتفضيلاً أي ابنياه على الطهارة والتوحيد، وقال سعيد بن جبير وعطاء: "طهراه من الأوثان والريب وقول الزور"، وقيل: بخراه وخلقاه.

قرأ أهل المدينة وحفص (بيتي) بفتح الياء هاهنا وفي سورة الحج، وزاد حفص في سورة نوح.

{للطائفين} الدائرين حوله.

{والعاكفين} المقيمين المجاورين.

{والركع} جمع راكع.

{السجود} جمع ساجد وهم المصلون، قال الكلبي ومقاتل: "الطائفين هم الغرباء والعاكفين أهل مكة"، قال عطاء ومجاهد وعكرمة: "الطواف للغرباء أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذ جعلنا البيت» الكعبة «مثابة للناس» مرجعا يثبون إليه من كل جانب «وأمنا» مأمنا لهم من الظلم والإغارات الواقعة في غيره، كان الرجل يلقى قاتل أبيه فيه فلا يهيجه «واتخذوا» أيها الناس «من مقام إبراهيم» هو الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت «مصلى» مكان صلاة بأن تصلوا خلفه ركعتي الطواف، وفي قراءة بفتح الخاء خبر «وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل» أمرناهما «أن» أي بأن «طهِّرا بيتي» من الأوثان «للطائفين والعاكفين» المقيمين فيه «والركع السجود» جمع راكع وساجد المصلين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر -أيها النبي- حين جعلنا الكعبة مرجعًا للناس، يأتونه، ثم يرجعون إلى أهليهم، ثم يعودون إليه، ومجمعًا لهم في الحج والعمرة والطواف والصلاة، وأمنًا لهم، لا يُغِير عليهم عدو فيه.

وقلنا: اتخِذوا من مقام إبراهيم مكانًا للصلاة فيه، وهو الحجر الذي وقف عليه إبراهيم عند بنائه الكعبة.

وأوحينا إلى إبراهيم وابنه إسماعيل: أن طهِّرا بيتي من كل رجس ودنس؛ للمتعبدين فيه بالطواف حول الكعبة، أو الاعتكاف في المسجد، والصلاة فيه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله - تعالى - : ( وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنا ) معطوف على قوله - تعالى - ( وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ ) وجعلنا : بمعنى صرنا .

والبيت : المقصود به الكعبة ، إذ غلب استعمال البيت فيها حتى صار اسما لها .ومثابة للناس : مرجعاً للناس يرجعون إليه من كل جانب ، وهو مصدر ميمي من ثاب القوم إلى المكان رجعوا إليه .

فهم يثوبون إليه ثواباً وثوبانا .

أو معاذا لهم يلجأون إليه أو موضع ثواب يثابون بحجة واعتماره .والأمن : السلامة من الخوف ، وأمن المكان : اطئمنان أهله به ، وعدم خوفهم من أن ينالهم فيه مكروه فالبيت مأمن ، أي موضع أمن .

وأخبر - سبحانه - بأنه جعله أمنا ليدل على كثرة ما يقع به من الأمن حتى صار كأنه نفس الأمن .وكذلك صار البيت الحرام محفوظاً بالأمن من كل ناحية ، فقد كان الناس في الجاهلية يقتتلون ويعتدي بعضهم على بعض من حوله ، أما أهله فكانوا في أمان واطمئنان .

قال تعالى ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ ) وقال - تعالى - : ( فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ) وقد أقرت تعاليم الإِسلام هذه لحرمة للبيت الحرام على وجه لا يضيع حقاً ولا يعطل حداً ، وزادت في تكريمه وتشريفه بأن جعلت الحج إليه فريضة على كل قادر عليها .قال الإِمام ابن كثير : " ومضمون ما فسر به العلماء هذه الآية أن الله تعالى يذكر شرف البيت وما جعله موصوفاً به شرعاً وقدراً من كونه مثابة للناس .

أي : جعهل محلا تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه ولا تقضي منه وطراً ولو ترددت إليه في كل عام استجابة من الله - تعالى - لدعاء خليله إبراهيم في قوله تعالى : ( فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ ) ويصفه - تعالى - بأنه جعله أمنا من دخله أمن ولو كان قد فعل ما فعل ثم دخله كان آمنا ، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يعرض له :( واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) الاتخاذ : الجعل ، تقوم اتخذت فلاناً صديقاً أي : جعلته صديقاً .

والمقام في اللغة : موضع القدمين من قام يقوم ، ومقام إبراهيم : هو الحجر الذي كان إبراهيم يقوم عليه عند بناء الكعبة لما ارتفع الجدار ، وهو - على المشهور - تحت المصلى المعروف الآن بهذا الاسم .ومعنى اتخاذ مصلى منه : القصد إلى الصلاة عنده .

فقد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه الإِمام مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت سبعاً وصلى خلف المقام ركعتين " .ومن العلماء من فسر مقام إبراهيم بالمسجد الحرام ، ومنهم من أطلقه على الكعبة لأن إبراهيم كان يقوم عندها لعبادة الله تعالى .قال الإِمام ابن كثير : " وقد كان هذا المقام - أي الحجر الذي يسمى مقام إبراهيم - ملصقاً بجدار الكعبة قديماً ، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر على يمين الداخل من الباب في البقة المستقلة هناك ، وكان الخليل - عليه السلام - لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة .

.

ثم قال : وإنما أخره عن جدار الكعبة إلى موضعه الآن عمر - رضي الله عنه - ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة :ثم قال - تعالى - : ( وَعَهِدْنَآ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ والعاكفين والركع السجود ) .عهدنا : أمرنا وأوحينا ، و ( أَن ) مفسرة المأمور به أو الموصى به المشار إليه بقوله : ( عَهِدْنَآ ) أي : أوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي .وأضاف - سبحانه - البيت إليه والتكريم ومعنى تطهيره : صيانته من كل ما لا يليق ببيوت الله من الأقذار والأرجاس والأوثان وكل ما كان مظنة للشرك ، فالمقصود تطهيره من كل رجس حسى ومعنوى .والطائفين : جمع طائف من طاف يطوف طوفاً وطوافاً إذا دار حول الشيء والمراد بهم : المتقربون إلى الله بالطواف حول الكعبة .والعاكفين : جمع عاكف ، من عكف على الشيء عكوفاً إذا أقام عليه ملازماً له ، والمراد بهم : المقيمون في الحرم بقصد العبادة ، ويدخل في العبادة ، ويدخل في العبادة مدارسة العلوم الدينية وما يساعد على فهمها .والركع السجود : الركع جمع راكع ، والسجود : جمع ساجد .والركوع والسجود من هيئات الصلاة وأركانها ، فمعنى " والركع السجود " الصملون .فالآية الكريمة جمعت أصناف العابدين في البيت الحرام : وهم الطائفون وإن لم يكونوا مقيمين ، كمنن يأتون لحج أو عمرة ثم ينصرفون .والعاكفون الذين يقيمون في الحرم بقصد الإِكثار من العبادة في المسجد الحرام .

والمصلون يتقربون إلى الله بالصلوات سواء أكانت فرائص أم نوافل .ولم يعطف السجود على الركع ، لأن الوصفين متلازمان ولو عطف لتوهم أنهما وصفان مفترقان .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى بين كيفية حال إبراهيم عليه السلام حين كلفه بالإمامة، وهذا شرح التكليف الثاني، وهو التكليف بتطهير البيت، ثم نقول: أما البيت فإنه يريد البيت الحرام، واكتفى بذكر البيت مطلقاً لدخول الألف واللام عليه، إذا كانتا تدخلان لتعريف المعهود أو الجنس، وقد علم المخاطبون أنه لم يرد به الجنس فانصرف إلى المعهود عندهم وهو الكعبة، ثم نقول: ليس المراد نفس الكعبة، لأنه تعالى وصفه بكونه (أمناً) وهذا صفة جميع الحرم لا صفة الكعبة فقط والدليل على أنه يجوز إطلاق البيت والمراد منه كل الحرم قوله تعالى: ﴿ هَدْياً بالغ الكعبة  ﴾ والمراد الحرم كله لا الكعبة نفسها، لأنه لا يذبح في الكعبة، ولا في المسجد الحرام وكذلك قوله: ﴿ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا  ﴾ ، والمراد والله أعلم منعهم من الحج حضور مواضع النسك، وقال في آية أخرى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً  ﴾ وقال الله تعالى في آية أخرى مخبراً عن إبراهيم: ﴿ رَبِّ اجعل هذا البلد امِنًا  ﴾ فدل هذا على أنه وصف البيت بالأمن فاقتضى جميع الحرم، والسبب في أنه تعالى أطلق لفظ البيت وعنى به الحرم كله أن حرمة الحرم لما كانت معلقة بالبيت جاز أن يعبر عنه باسم البيت.

أما قوله تعالى: ﴿ مَثَابَةً لّلنَّاسِ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال أهل اللغة: أصله من ثاب يثوب مثابة وثوباً إذا رجع يقال: ثاب الماء إذا رجع إلى النهر بعد انقطاعه، وثاب إلى فلان عقله أي رجع وتفرق عنه الناس، ثم ثابوا: أي عادوا مجتمعين، والثواب من هذا أخذ، كأن ما أخرجه من مال أو غيره فقد رجع إليه، والمثاب من البئر: مجتمع الماء في أسفلها، قال القفال قيل: إن مثاباً ومثابة لغتان مثل: مقام ومقامة وهو قول الفراء والزجاج، وقيل: الهاء إنما دخلت في مثابة مبالغة كما في قولهم: نسابة وعلامة، وأصل مثابة مثوبة مفعلة.

المسألة الثانية: قال الحسن: معناه أنهم يثوبون إليه في كل عام، وعن ابن عباس ومجاهد: أنه لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه، قال الله تعالى: ﴿ فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ  ﴾ وقيل: مثابة أي يحجون إليه فيثابون عليه، فإن قيل: كون البيت مثابة يحصل بمجرد عودهم إليه، وذلك يحصل بفعلهم لا بفعل الله تعالى، فما معنى قوله: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ ﴾ قلنا: أما على قولنا ففعل العبد مخلوق لله تعالى فهذه الآية حجة على قولنا في هذه المسألة، وأما على قول المعتزلة فمعناه أنه تعالى ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعياً لهم إلى العود إليه مرة بعد أخرى، وإنما فعل الله تعالى ذلك لما فيه من منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الدنيا فلأن أهل المشرق والمغرب يجتمعون هناك، فيحصل هناك من التجارات وضروب المكاسب ما يعظم به النفع، وأيضاً فيحصل بسبب السفر إلى الحج عمارة الطريق والبلاد، ومشاهدة الأحوال المختلفة في الدنيا، وأما منافع الدين فلأن من قصد البيت رغبة منه في النسك والتقرب إلى الله تعالى، وإظهار العبودية له، والمواظبة على العمرة والطواف، وإقامة الصلاة في ذلك المسجد المكرم والاعتكاف فيه، يستوجب بذلك ثواباً عظيماً عند الله تعالى.

المسألة الثانية: تمسك بعض أصحابنا في وجوب العمرة بقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ ﴾ ووجه الاستدلال به أن قوله: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ ﴾ إخبار عن أنه تعالى جعله موصوفاً بصفة كونه مثابة للناس، لكن لا يمكن إجراء الآية على هذا المعنى لأن كونه مثابة للناس صفة تتعلق باختيار الناس، وما يتعلق باختيار الناس لا يمكن تحصيله بالجبر والإلجاء، وإذا ثبت تعذر إجراء الآية على ظاهرها وجب حمل الآية على الوجوب لأنا متى حملناه على الوجوب كان ذلك أفضى إلى صيرورته كذلك مما إذا حملناه على الندب، فثبت أن الله تعالى أوجب علينا العود إليه مرة بعد أخرى، وقد توافقنا على أن هذا الوجوب لا يتحقق فيما سوى الطواف، فوجب تحققه في الطواف، هذا وجه الاستدلال بهذه الآية، وأكثر من تكلم في أحكام القرآن طعن في دلالة هذه الآية على هذا المطلوب، ونحن قد بينا دلالتها عليه من هذا الوجه الذي بيناه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَأَمْناً ﴾ أي موضع أمن، ثم لا شك أن قوله: ﴿ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً ﴾ خبر، فتارة نتركه على ظاهره ونقول أنه خبر، وتارة نصرفه عن ظاهره ونقول أنه أمر.

أما القول الأول: فهو أن يكون المراد أنه تعالى جعل أهل الحرم آمنين من القحط والجدب على ما قال: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءَامِناً  ﴾ وقوله: ﴿ أَوَ لَمْ نُمَكّن لَّهُمْ حَرَماً ءَامِناً يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَيء  ﴾ ولا يمكن أن يكون المراد منه الإخبار عن عدم وقوع القتل في الحرم، لأنا نشاهد أن القتل الحرام قد يقع فيه، وأيضاً فالقتل المباح قد يوجد فيه، قال الله تعالى: ﴿ وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فِيهِ فَإِن قاتلوكم فاقتلوهم  ﴾ فأخبر عن وقوع القتل فيه.

القول الثاني: أن نحمله على الأمر على سبيل التأويل، والمعنى أن الله تعالى أمر الناس بأن يجعلوا ذلك الموضع أمناً من الغارة والقتل، فكان البيت محترماً بحكم الله تعالى، وكانت الجاهلية متمسكين بتحريمه، لا يهيجون على أحد التجأ إليه، وكانوا يسمون قريشاً: أهل الله تعظيماً له، ثم اعتبر فيه أمر الصيد حتى أن الكلب ليهم بالظبي خارج الحرم فيفر الظبي منه فيتبعه الكلب فإذا دخل الظبي الحرم لم يتبعه الكلب، ورويت الأخبار في تحريم مكة قال عليه الصلاة والسلام: إن الله حرم مكة وأنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها كما كانت فذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أن المعنى: أنها لم تحل لأحد بأن ينصب الحرب عليها وأن ذلك أحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما من دخل البيت من الذين تجب عليهم الحدود فقال الشافعي رضي الله عنه: إن الإمام يأمر بالتضييق عليه بما يؤدي إلى خروجه من الحرم، فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل، فإن لم يخرج حتى قتل في الحرم جاز، وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتله فيه، وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجوز، واحتج الشافعي رحمه الله بأنه عليه الصلاة والسلام أمر عندما قتل عاصم بن ثابت بن الأفلح وخبيب بقتل أبي سفيان في داره بمكة غيلة إن قدر عليه، قال الشافعي رحمه الله: وهذا في الوقت الذي كانت مكة فيه محرمة فدل أنها لا تمنع أحداً من شيء وجب عليه وأنها إنما تمنع من أن ينصب الحرب عليها كما ينصب على غيرها، واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية، والجواب عنه أن قوله: ﴿ وَأَمْناً ﴾ ليس فيه بيان أنه جعله أمناً فيماذا فيمكن أن يكون أمناً من القحط، وأن يكون أمناً من نصب الحروب، وأن يكون أمناً من إقامة الحدود، وليس اللفظ من باب العموم حتى يحمل على الكل، بل حمله على الأمن من القحط والآفات أولى لأنا على هذا التفسير لا نحتاج إلى حمل لفظ الخبر على معنى الأمر وفي سائر الوجوه نحتاج إلى ذلك، فكان قول الشافعي رحمه الله أولى.

أما قوله تعالى: ﴿ واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم والكسائي: ﴿ واتخذوا ﴾ بكسر الخاء على صيغة الأمر، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على صيغة الخبر.

أما القراءة الأولى: فقوله: ﴿ واتخذوا ﴾ عطف على ماذا، وفيه أقوال، الأول: أنه عطف على قوله: ﴿ اذكروا نِعْمَتِى التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين  ﴾ ، ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ .

الثاني: إنه عطف على قوله: ﴿ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا  ﴾ والمعنى أنه لما ابتلاه بكلمات وأتمهن، قال له جزاء لما فعله من ذلك: ﴿ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ وقال: ﴿ واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى ﴾ ويجوز أن يكون أمر بهذا ولده، إلا أنه تعالى أضمر قوله وقال، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ  ﴾ .

الثالث: أن هذا أمر من الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وهو كلام اعترض في خلال ذكر قصة إبراهيم عليه السلام، وكأن وجهه: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً واتخذوا ﴾ أنتم من مقام إبراهيم مصلى والتقدير أنا لما شرفناه ووصفناه بكونه مثابة للناس وأمناً فاتخذوه أنتم قبلة لأنفسكم، والواو والفاء قد يذكر كل واحد منهما في هذا الوضع وإن كانت الفاء أوضح، أما من قرأ: ﴿ واتخذوا ﴾ بالفتح فهو إخبار عن ولد إبراهيم أنهم اتخذوا من مقامه مصلى، فيكون هذا عطفاً على: ﴿ جَعَلْنَا البيت ﴾ واتخذوه مصلى، ويجوز أن يكون عطفاً على: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا البيت ﴾ وإذ اتخذوه مصلى.

المسألة الثانية: ذكروا أقوالاً في أن مقام إبراهيم عليه السلام أي شيء هو: القول الأول: إنه موضع الحجر قام عليه إبراهيم عليه السلام، ثم هؤلاء ذكروا وجهين: أحدهما: أنه هو الحجر الذي كانت زوجة إسماعيل وضعته تحت قدم إبراهيم عليه السلام حين غسلت رأسه فوضع إبراهيم عليه السلام رجله عليه وهو راكب فغسلت أحد شقي رأسه ثم رفعته من تحته وقد غاصت رجله في الحجر فوضعته تحت الرجل الأخرى فغاصت رجله أيضاً فيه فجعله الله تعالى من معجزاته وهذا قول الحسن وقتادة والربيع بن أنس.

وثانيها: ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن إبراهيم عليه السلام كان يبني البيت وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان: ﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم  ﴾ فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن وضع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم عليه السلام.

القول الثاني: أن مقام إبراهيم الحرم كله وهو قول مجاهد.

الثالث: أنه عرفة والمزدلفة والجمار وهو قول عطاء.

الرابع: الحج كله مقام إبراهيم وهو قول ابن عباس، واتفق المحققون على أن القول الأولى أولى ويدل عليه وجوه: الأول: ما روى جابر أنه عليه السلام لما فرغ من الطواف أتى المقام وتلا قوله تعالى: ﴿ واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى ﴾ فقراءة هذه اللفظة عند ذلك الموضع تدل على أن المراد من هذه اللفظة هو ذلك الموضع ظاهر.

وثانيها: أن هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع والدليل عليه أن سائلاً لو سأل المكي بمكة عن مقام إبراهيم لم يجبه ولم يفهم منه إلا هذا الموضع.

وثالثها: ما روي أنه عليه السلام مر بالمقام ومعه عمر فقال: يا رسول الله أليس هذا مقام أبينا إبراهيم؟

قال: بلى.

قال: أفلا نتخذه مصلى؟

قال: لم أومر بذلك، فلم تغب الشمس من يومهم حتى نزلت الآية.

ورابعها: أن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجلا إبراهيم عليه السلام، وذلك من أظهر الدلائل على وحدانية الله تعالى ومعجزة إبراهيم عليه السلام فكان اختصاصه بإبراهيم أولى من اختصاص غيره به، فكان إطلاق هذا الاسم عليه أولى.

وخامسها: أنه تعالى قال: ﴿ واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى ﴾ وليس للصلاة تعلق بالحرم ولا بسائر المواضع إلا بهذا الموضع، فوجب أن يكون مقام إبراهيم هو هذا الموضع.

وسادسها: أن مقام إبراهيم هو موضع قيامه، وثبت بالأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل ولم يثبت قيامه على غيره فحمل هذا اللفظ، أعني: مقام إبراهيم عليه السلام على الحجر يكون أولى قال القفال: ومن فسر مقام إبراهيم بالحجر خرج قوله: ﴿ واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى ﴾ على مجاز قول الرجل: اتخذت من فلان صديقاً وقد أعطاني الله من فلان أخاً صالحاً ووهب الله لي منك ولياً مشفقاً وإنما تدخل (من) لبيان المتخذ الموصوف وتميزه في ذلك المعنى من غيره والله أعلم.

المسألة الثالثة: ذكروا في المراد بقوله: ﴿ مُصَلًّى ﴾ وجوهاً: أحدها: المصلى المدعى فجعله من الصلاة التي هي الدعاء، قال الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ  ﴾ وهو قول مجاهد، وإنما ذهب إلى هذا التأويل ليتم له قوله: إن كل الحرم مقام إبراهيم.

وثانيها: قال الحسن: أراد به قبلة.

وثالثها: قال قتادة والسدي: أمروا أن يصلوا عنده.

قال أهل التحقيق: هذا القول أولى لأن لفظ الصلاة إذا أطلق يعقل منه الصلاة المفعولة بركوع وسجود ألا ترى أن مصلى المصر وهو الموضع الذي يصلى فيه صلاة العيد وقال عليه السلام لأسامة بن زيد المصلى أمامك يعني به موضع الصلاة المفعولة، وقد دل عليه أيضاً فعل النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة عنده بعد تلاوة الآية ولأن حملها على الصلاة المعهودة أولى لأنها جامعة لسائر المعاني التي فسروا الآية بها وهاهنا بحث فقهي وهو أن ركعتي الطواف فرض أم سنة ينظر إن كان الطواف فرضاً فللشافعي رضي الله عنه فيه قولان، أحدهما: فرض لقوله تعالى: ﴿ واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى ﴾ والأمر للوجوب.

والثاني: سنة لقوله عليه السلام للأعرابي حين قال: هل علي غيرها، قال: لا إلا أن تطوع وإن كان الطواف نفلاً مثل طواف القدوم فركعتاه سنة والرواية عن أبي حنيفة مختلفة أيضاً في هذه المسألة والله أعلم.

المسألة الرابعة: في فضائل البيت: روى الشيخ أحمد البيهقي كتاب شعب الإيمان عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع على الأرض أولاً؟

قال: المسجد الحرام، قال: قلت ثم أي؟

قال: ثم المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟

قال: أربعون سنة فأينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد أخرجاه في الصحيحين، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: خلق البيت قبل الأرض بألفي عام ثم دحيت الأرض منه وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال عليه السلام: أول بقعة وضعت في الأرض موضع البيت ثم مدت منها الأرض، وأن أول جبل وضعه الله تعالى على وجه الأرض أبو قبيس ثم مدت منه الجبال.

وعن وهب بن منبه قال: إن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض استوحش منها لما رأى من سعتها ولأنه لم ير فيها أحداً غيره، فقال: يا رب أما لأرضك هذه عامر يسبحك فيها ويقدس لك غيري.

فقال الله تعالى: إني سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي وسأجعل فيها بيوتاً ترفع لذكري فيسبحني فيها خلقي وسأبوئك منها بيتاً أختاره لنفسي وأخصه بكرامتي وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمي واسميه بيتي أعظمه بعظمتي وأحوطه بحرمتي وأجعله أحق البيوت كلها وأولاها بذكري وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي فإني اخترت مكانه يوم خلقت السموات والأرض، أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرماً آمناً أحرم بحرمته ما فوقه وما تحته وما حوله فمن حرمه بحرمتي فقد عظم حرمتي ومن أحله فقد أباح حرمتي، ومن آمن أهله استوجب بذلك أماني ومن أخافهم فقد أخافني ومن عظم شأنه فقد عظم في عيني ومن تهاون به فقد صغر في عيني سكانها جيراني وعمارها وفدي وزوارها أضيافي اجعله أول بيت وضع للناس وأعمره بأهل السماء والأرض، يأتونه أفواجاً شعثاً غبراً: ﴿ وَأَذّن فِي الناس بالحج يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجٍّ عَميِقٍ  ﴾ يعجون بالتكبير عجاً إلي ويثجون بالتلبية ثجاً، فمن اعتمره لا يريد غيري فقد زارني وضافني ونزل بي ووفد علي، فحق لي أن أتحفه بكرامتي وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه وزواره وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته تعمره يا آدم ما كنت حياً ثم يعمره من بعدك الأمم والقرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة وقرناً بعد قرن ونبياً بعد نبي حتى ينتهي بعد ذلك إلى نبي من ولدك يقال له محمد عليه السلام وهو خاتم النبيين فأجعله من سكانه وعماره وحماته وولاته فيكون أميني عليه ما دام حياً، فإذا انقلب إلي وجدني قد ادخرت له من أجره ما يتمكن به من القربة إلى الوسيلة عندي واجعل اسم ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده وسناه وتكرمته لنبي من ولدك يكون قبل هذا النبي وهو أبوه، يقال له إبراهيم أرفع له قواعده وأقضي على يديه عمارته وأعلمه مشاعره ومناسكه وأجعله أمة واحدة قانتاً قائماً بأمري داعياً إلى سبيلي أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم أبتليه فيصبر وأعافيه فيشكر، وآمره فيفعل وينذر لي فيفي ويدعوني فأستجيب دعوته في ولده وذريته من بعده وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وولاته وحماته وسقاته وخدامه وخزانه وحجابه حتى يبدلوا أو يغيروا وأجعل إبراهيم إمام ذلك البيت وأهل تلك الشريعة يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الجن والإنس.

وعن عطاء قال: أهبط آدم بالهند فقال: يا رب مالي لا أسمع صوت الملائكة كما كنت أسمعها في الجنة؟

قال: بخطيئتك يا آدم فانطلق إلى مكة فابن بها بيتاً تطوف به كما رأيتهم يطوفون فانطلق إلى مكة فبنى البيت، فكان موضع قدمي آدم قرى وأنهاراً وعمارة وما بين خطاه مفاوز فحج آدم البيت من الهند أربعين سنة، وسأل عمر كعباً فقال: أخبرني عن هذا البيت فقال إن هذا البيت أنزله الله تعالى من السماء ياقوته مجوفة مع آدم عليه السلام، فقال: يا آدم إن هذا بيتي فطف حوله وصل حوله كما رأيت ملائكتي تطوف حول عرشي وتصلي ونزلت معه الملائكة فرفعوا قواعده من حجارة، فوضع البيت على القواعد فلما أغرق الله قوم نوح رفعه الله وبقيت قواعده.

وعن علي رضي الله عنه قال: البيت المعمور بيت في السماء يقال له الضراح، وهو بحيال الكعبة من فوقها حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا يعودون فيه أبداً، وذكر علي رضي الله عنه أنه مر عليه الدهر بعد بناء إبراهيم فانهدم فبنته العمالقة ومر عليه الدهر فانهدم فبنته جرهم ومر عليه الدهر فانهدم فبنته قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ شاب، فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا: يحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من خرج عليهم فقضى بينهم أن يجعلوا الحجر في مرط ثم ترفعه جميع القبائل فرفعوه كلهم فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه، وعن الزهري قال: بلغني أنهم وجدوا في مقام إبراهيم عليه السلام ثلاث صفوح في كل صفح منها كتاب، في الصفح الأول: أنا الله ذو بكة صنعتها يوم صنعت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حفاً وباركت لأهلها في اللحم واللبن.

وفي الصفح الثاني: أنا الله ذو بكة خلقت الرحم وشققت لها اسماً من إسمي من وصلها وصلته ومن قطعها قطعته.

وفي الثالث: أنا الله ذوبكة خلقت الخير والشر، فطوبى لمن كان الخير على يديه وويل لمن كان الشر على يديه.

المسألة الخامسة: في فضائل الحجر والمقام، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال عليه السلام: «الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاءا ما بين المشرق والمغرب وما مسهما ذو عاهة ولا سقيم إلا شفي».

وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال عليه السلام: «إنه كان أشد بياضاً من الثلج فسودته خطايا أهل الشرك».

وعن ابن عباس قال عليه السلام: «ليأتين هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق».

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه انتهى إلى الحجر الأسود فقال: إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.

أخرجاه في الصحيح.

أما قوله تعالى: ﴿ وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل ﴾ فالأولى أن يراد به ألزمناهما ذلك وأمرناهما أمراً وثقنا عليهما فيه وقد تقدم من قبل معنى العهد والميثاق.

أما قوله: ﴿ أَن طَهّرَا بَيْتِىَ ﴾ فيجب أن يراد به التطهير من كل أمر لا يليق بالبيت، فإذا كان موضع البيت وحواليه مصلى وجب تطهيره من الأنجاس والأقذار، وإذا كان موضع العبادة والإخلاص لله تعالى: وجب تطهيره من الشرك وعبادة غير الله.

وكل ذلك داخل تحت الكلام ثم إن المفسرين ذكروا وجوهاً: أحدها: أن معنى: ﴿ طَهّرَا بَيْتِىَ ﴾ ابنياه وطهراه من الشرك وأسساه على التقوى، كقوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على تقوى مِنَ اللَّهِ  ﴾ .

وثانيها: عرفا الناس أن بيتي طهرة لهم متى حجوه وزاروه وأقاموا به، ومجازه: اجعلاه طاهراً عندهم، كما يقال: الشافعي رضي الله عنه يطهر هذا، وأبو حنيفة ينجسه.

وثالثها: ابنياه ولا تدعا أحداً من أهل الريب والشرك يزاحم الطائفين فيه، بل أقراه على طهارته من أهل الكفر والريب، كما يقال: طهر الله الأرض من فلان، وهذه التأويلات مبنية على أنه لم يكن هناك ما يوجب إيقاع تطهيره من الأوثان والشرك، وهو كقوله تعالى: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ  ﴾ فمعلوم أنهن لم يطهرن من نجس بل خلقن طاهرات، وكذا البيت المأمور بتطهيره خلق طاهراً، والله أعلم.

ورابعها: معناه نظفا بيتي من الأوثان والشرك والمعاصي، ليقتدي الناس بكما في ذلك.

وخامسها: قال بعضهم: إن موضع البيت قبل البناء كان يلقى فيه الجيف والأقذار فأمر الله تعالى إبراهيم بإزالة تلك القاذورات وبناء البيت هناك، وهذا ضعيف لأن قبل البناء ما كان البيت موجوداً فتطهير تلك العرصة لا يكون تطهيراً للبيت، ويمكن أن يجاب عنه بأنه سماه بيتاً لأنه علم أن مآله إلى أن يصير بيتاً ولكنه مجاز.

أما قوله تعالى: ﴿ لِلطَّائِفِينَ والعاكفين والركع السجود ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: العكف مصدر عكف يعكف بضم الكاف وكسرها عكفاً إذا لزم الشيء وأقام عليه فهو عاكف، وقيل: إذا أقبل عليه لا يصرف عنه وجهه.

المسألة الثانية: في هذه الأوصاف الثلاثة قولان، الأول: وهو الأقرب أن يحمل ذلك على فرق ثلاثة، لأن من حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه، فيجب أن يكون الطائفون غير العاكفين والعاكفون غير الركع السجود لتصح فائدة العطف، فالمراد بالطائفين: من يقصد البيت حاجاً أو معتمراً فيطوف به، والمراد بالعاكفين: من يقيم هناك ويجاور، والمراد بالركع السجود: من يصلي هناك.

والقول الثاني: وهو قول عطاء: أنه إذا كان طائفاً فهو من الطائفين، وإذا كان جالساً فهو من العاكفين، وإذا كان مصلياً فهو من الرجع السجود.

المسألة الثالثة: هذه الآية، تدل على أمور.

أحدها: أنا إذا فسرنا الطائفين بالغرباء فحينئذ تدل الآية على أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة، لأنه تعالى كما خصهم بالطواف دل على أن لهم به مزيد اختصاص.

وروي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء: أن الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل.

وثانيها: تدل الآية على جواز الاعتكاف في البيت.

وثالثها: تدل على جواز الصلاة في البيت فرضاً كانت أو نفلاً إذ لم تفرق الآية بين شيئين منها، وهو خلاف قول مالك في امتناعه من جواز فعل الصلاة المفروضة في البيت، فإن قيل: لا نسلم دلالة الآية على ذلك، لأنه تعالى لم يقل: والركع السجود في البيت، وكما لا تدل الآية على جواز فعل الطواف في جوف البيت، وإنما دلت على فعله خارج البيت، كذلك دلالته مقصورة على جواز فعل الصلاة إلى البيت متوجهاً إليه، قلنا: ظاهر الآية يتناول الركوع والسجود إلى البيت، سواء كان ذلك في البيت أو خارجاً عنه، وإنما أوجبنا وقوع الطواف خارج البيت لأن الطواف بالبيت هو أن يطوف بالبيت، ولا يسمى طائفاً بالبيت من طاف في جوفه، والله تعالى إنما أمر بالطواف به لا بالطواف فيه، لقوله تعالى: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بالبيت العتيق  ﴾ وأيضاً المراد لو كان التوجه إليه للصلاة، لما كان للأمر بتطهير البيت للركع السجود وجه، إذا كان حاضر والبيت والغائبون عنه سواء في الأمر بالتوجه إليه، واحتج مالك بقوله تعالى: ﴿ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام  ﴾ ومن كان داخل المسجد الحرام لم يكن متوجهاً إلى المسجد بل إلى جزء من أجزائه.

والجواب: أن المتوجه الواحد يستحيل أن يكون متوجهاً إلى كل المسجد، بل لابد وأن يكون متوجهاً إلى جزء من أجزائه ومن كان داخل البيت فهو كذلك فوجب أن يكون داخلاً تحت الآية.

ورابعها: أن قوله: ﴿ لِلطَّائِفِينَ ﴾ يتناول مطلق الطواف سواء كان منصوصاً عليه في كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بالبيت العتيق ﴾ أو ثبت حكمه بالسنة، أو كان من المندوبات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات ﴾ اختبره بأوامر ونواه.

واختبار الله عبده مجاز عن تمكينه عن اختيار أحد الأمرين: ما يريد الله، وما يشتهيه العبد، كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك.

وقرأ أبو حنيفة رضي الله عنه وهي قراءة ابن عباس رضي الله عنه: ﴿ إبراهيمُ ربَّه ﴾ رفع إبراهيم ونصب ربه.

والمعنى: أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه إليهنّ أم لا؟

فإن قلت: الفاعل في القراءة المشهورة يلي الفعل في التقدير، فتعليق الضمير به إضمار قبل الذكر.

قلت: الإضمار قبل الذكر أن يقال: ابتلى ربه إبراهيم.

فأما ابتلى إبراهيم ربه أو ابتلى ربه إبراهيم، فليس واحداً منهما بإضمار قبل الذكر.

أما الأوّل فقد ذكر فيه صاحب الضمير قبل الضمير ذكراً ظاهراً.

وأما الثاني فإبراهيم فيه مقدّم في المعنى، وليس كذلك: ابتلى ربه إبراهيم، فإن الضمير فيه قد تقدم لفظاً ومعنى فلا سبيل إلى صحته.

والمستكن ﴿ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ في إحدى القراءتين لإبراهيم بمعنى: فقام بهنّ حق القيام وأدّاهنّ أحسن التأدية من غير تفريط وتوان.

ونحو: ﴿ وإبراهيم الذى وفى ﴾ وفى الأخرى لله تعالى بمعنى فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئاً.

ويعضده ما روي عن مقاتل أنه فسر الكلمات بما سأل إبراهيم ربه في قوله: ﴿ رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا ﴾ [البقرة: 126] ، ﴿ واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ ، ﴿ وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ ﴾ .

﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ﴾ فإن قلت: ما العامل في إذ؟

قلت: إما مضمر نحو: واذكر إذ ابتلى أو إذ ابتلاه كان كيت وكيت، وإما ﴿ قَالَ إِنّى جاعلك ﴾ .

فإن قلت: فما موقع قال؟

قلت: هو على الأوّل استئناف، كأنه قيل: فماذا قال له ربه حين أتم الكلمات؟

فقيل: قال إني جاعلك للناس إماماً.

وعلى الثاني جملة معطوفة على ما قبلها.

ويجوز أن يكون بياناً لقوله: (ابتلى) وتفسيراً له فيراد بالكلمات ما ذكره من الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده.

والإسلام قبل ذلك في قوله: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ﴾ وقيل في الكلمات: هنّ خمس في الرأس: الفرق، وقص الشارب، والسواك، والمضمضة والاستنشاق.

وخمس في البدن: الختان، والاستحداد، والاستنجاء، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط.

وقيل: ابتلاه من شرائع الإسلام بثلاثين سهماً: عشر في براءة ﴿ التائبون العابدون ﴾ [التوبة: 122] ، وعشر في الأحزاب ﴿ إِنَّ المسلمين والمسلمات ﴾ [الاحزاب: 35] ، وعشر في المؤمنون، و(سأل سائل) إلى قوله: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [المعارج: 34] .

وقيل: هي مناسك الحج، كالطواف والسعي والرمي والإحرام والتعريف وغيرهنّ.

وقيل: ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس والختان وذبح ابنه والنار والهجرة.

والإمام اسم من يؤتم به على زنة الإله، كالإزار لما يؤتزر به، أي يأتمون بك في دينهم ﴿ وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ عطف على الكاف، كأنه قال: وجاعل بعض ذريتي، كما يقال لك: سأكرمك، فتقول: وزيداً ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ وقرئ: ﴿ الظالمون ﴾ ، أي من كان ظالماً من ذرّيتك.

لا يناله استخلافي وعهدي إليه بالإمامة، وإنما ينال من كان عادلاً بريئاً من الظلم وقالوا: في هذا دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة.

وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته.

ولا تجب طاعته؛ ولا يقبل خبره، ولا يقدّم للصلاة.

وكان أبو حنيفة رحمه الله يفتي سراً بوجوب نصرة زيد بن عليّ رضوان الله عليهما، وحمل المال إليه، والخروج معه على اللص المتغلب المتسمي بالإمام والخليفة، كالدوانيقي وأشباهه.

وقالت له امرأة: أشرت على ابني بالخروج مع إبراهيم ومحمد ابني عبد الله بن الحسن حتى قتل.

فقال: ليتني مكان ابنك.

وكان يقول في المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عدّ آجره لما فعلت.

وعن ابن عيينة: لا يكون الظالم إماماً قط.

وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة، والإمام إنما هو لكف الظلمة.

فإذا نصب من كان ظالماً في نفسه فقد جاء المثل السائر: من استرعى الذئب ظلم.

و ﴿ البيت ﴾ اسم غالب للكعبة، كالنجم للثريا ﴿ مَثَابَةً لّلنَّاسِ ﴾ مباءة ومرجعاً للحجاج والعمار، يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه أي يثوب إليه أعيان الذين يزورونه أو أمثالهم ﴿ وَأَمْناً ﴾ موضع أمن، كقوله: ﴿ حَرَماً ءامِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾ [العنكبوت: 67] ولأن الجاني يأوي إليه فلا يتعرض له حتى يخرج.

وقرئ: ﴿ مثابات ﴾ ، لأنه مثابة لكل من الناس لا يختص به واحد منهم ﴿ سَوَاء العاكف فِيهِ والباد ﴾ ﴿ واتخذوا ﴾ على إرادة القول، أي وقلنا: اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه.

وهو على وجه الاختيار والاستحباب دون الوجوب.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه أخذ بيد عمر فقال: هذا مقام إبراهيم، فقال عمر: أفلا نتخذه مصلى يريد أفلا نؤثره لفضله بالصلاة فيه تبركاً به وتيمناً بموطئ قدم إبراهيم فقال: لم أومر بذلك، فلم تغب الشمس حتى نزلت» وعن جابر بن عبد الله: «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم استلم الحجر ورمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة، حتى إذا فرغ، عمد إلى مقام إبراهيم، فصلى خلفه ركعتين، وقرأ: ﴿ واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى ﴾ » .

وقيل: مصلى مدعى.

ومقام إبراهيم: الحجر الذي فيه أثر قدميه، والموضع الذي كان فيه الحجر حين وضع عليه قدميه، وهو الموضع الذي يسمى مقام إبراهيم.

وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل المطلب بن أبي وداعة: هل تدري أين كان موضعه الأوّل؟

قال: نعم، فأراه موضعه اليوم.

وعن عطاء ﴿ مَّقَامِ إبراهيم ﴾ : عرفة والمزدلفة والجمار، لأنه قام في هذه المواضع ودعا فيها.

وعن النخعي: الحرم كله مقام إبراهيم.

وقرئ ﴿ واتخذوا ﴾ بلفظ الماضي عطفا على ﴿ جعلنا ﴾ أي واتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به وإسكان ذرّيته عنده قبلةً يصلون إليها ﴿ عَهِدْنَا ﴾ أمرناهما ﴿ أَن طَهّرَا بَيْتِىَ ﴾ بأن طهرا، أو أي طهرا.

والمعنى طهراه من الأوثان والأنجاس وطواف الجنب والحائض والخبائث كلها، أو أخلصاه لهؤلاء لا يغشه غيرهم ﴿ والعاكفين ﴾ المجاورين الذين عكفوا عنده، أي أقاموا لا يبرحون، أو المعتكفين.

ويجوز أن يريد بالعاكفين الواقفين يعني القائمين في الصلاة، كما قال: ﴿ لِلطَّائِفِينَ والقائمين والركع السجود ﴾ [الحج: 26] ، والمعنى: للطائفين والمصلين، لأن القيام والركوع والسجود هيآت المصلي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ ﴾ أيِ الكَعْبَةَ، غَلَبَ عَلَيْها كالنَّجْمِ عَلى الثُّرَيّا.

﴿ مَثابَةً لِلنّاسِ ﴾ مَرْجِعًا يَثُوبُ إلَيْهِ أعْيانُ الزُّوّارِ أوْ أمْثالُهُمْ، أوْ مَوْضِعَ ثَوابٍ يُثابُونَ بِحَجِّهِ واعْتِمارِهِ.

وقُرِئَ: « مَثاباتٍ» أيْ لِأنَّهُ مَثابَةُ كُلِّ أحَدٍ.

﴿ وَأمْنًا ﴾ ومَوْضِعَ أمْنٍ لا يُتَعَرَّضُ لِأهْلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَرَمًا آمِنًا ﴾ .

﴿ وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ ﴾ ، أوْ يَأْمَنُ حاجُّهُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ مِن حَيْثُ إنَّ الحَجَّ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، أوْ لا يُؤاخَذُ الجانِي المُلْتَجِئُ إلَيْهِ حَتّى يَخْرُجَ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

﴿ واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ عَطْفٌ عَلى المُقَدَّرِ عامِلًا لِإذْ، أوِ اعْتِراضٌ مَعْطُوفٌ عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ تُوبُوا إلَيْهِ واتَّخِذُوا، عَلى أنَّ الخِطابَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، وهو أمْرُ اسْتِحْبابٍ، ومَقامُ إبْراهِيمَ هو الحَجَرُ الَّذِي فِيهِ أثَرُ قَدَمِهِ، أوِ المَوْضِعُ الَّذِي كانَ فِيهِ الحَجَرُ حِينَ قامَ عَلَيْهِ ودَعا النّاسَ إلى الحَجِّ، أوْ رَفَعَ بِناءَ البَيْتِ وهو مَوْضِعُهُ اليَوْمَ.

رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخَذَ بِيَدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقالَ: «هَذا مَقامُ إبْراهِيمَ، فَقالَ عُمَرُ: أفَلا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى، فَقالَ: لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ، فَلَمْ تَغِبِ الشَّمْسُ حَتّى نَزَلَتْ» وَقِيلَ: المُرادُ بِهِ الأمْرُ بِرَكْعَتَيِ الطَّوافِ، لِما «رَوى جابِرٌ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَمّا فَرَغَ مِن طَوافِهِ عَمَدَ إلى مَقامِ إبْراهِيمَ فَصَلّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ وقَرَأ: ﴿ واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى ﴾ » .

وَلِلشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في وُجُوبِهِما قَوْلانِ.

وقِيلَ: مَقامُ إبْراهِيمَ الحَرَمُ كُلُّهُ.

وقِيلَ: مَواقِفُ الحَجِّ واتِّخاذُها مُصَلًّى أنْ يُدْعى فِيها، ويُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ تَعالى.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ « واتَّخَذُوا» بِلَفْظِ الماضِي عَطْفًا عَلى ﴿ جَعَلْنا ﴾ ، أيْ: واتَّخَذُوا النّاسُ مَقامَهُ المَوْسُومَ بِهِ، يَعْنِي الكَعْبَةَ قِبْلَةً يُصَلُّونَ إلَيْها.

﴿ وَعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ ﴾ أمَرْناهُما.

﴿ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ ﴾ بِأنْ طَهِّرا بَيْتِيَ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً لِتَضَمُّنِ العَهْدِ مَعْنى القَوْلِ، يُرِيدُ طَهِّراهُ مِنَ الأوْثانِ والأنْجاسِ وما لا يَلِيقُ بِهِ، أوْ أخْلِصاهُ.

﴿ لِلطّائِفِينَ ﴾ حَوْلَهُ.

﴿ والعاكِفِينَ ﴾ المُقِيمِينَ عِنْدَهُ، أوِ المُعْتَكِفِينَ فِيهِ ﴿ والرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ أيِ المُصَلِّينَ، جَمْعُ راكِعٍ وساجِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)

{وَإِذْ جَعَلْنَا البيت} أي الكعبة وهو اسم غالب لها كالنجم للثريا {مَثَابَةً لّلنَّاسِ} مباءة ومرجعاً للحجاج والعمار يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه {وَأَمْناً} وموضع أمن فإن الجاني يأوي إليه فلا يتعرض له حتى يخرج وهو دليل لنا فى المتجىء إلى الحرم {واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى} وقلنا أتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه وعنه عليه السلام أنه أخذ بيد عمر فقال هذا مقام إبراهيم فقال عمر أفلا نتخذه مصلى فقال عليه السلام لم أومر بذلك فلم تغب الشمس حتى نزلت وقيل مصلى مدعى ومقام إبراهيم الحجر الذي فيه

أثر قدميه وقيل الحرم كله مقام إبراهيم واتخذوا شامي ونافع بلفظ الماضي عطفاً على جعلنا أى واتخد الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به وإسكان ذريته عنده قبلة يصلون إليها {وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل} أمرناهما {أَن طَهّرَا بَيْتِىَ} بفتح الياء مدني وحفص أي بأن طهرا أو أي طهرا والمعنى طهراه من الأوثان والخبائث والأنجاس كلها

البقرة (١٢٥ _ ١٢٨)

{للطائفين} للدائرين حوله {والعاكفين} المجورين الذين عكفوا عنده أي أقاموا لا يبرحون أو المعتكفين وقيل للطائفين للنزّاع إليه من البلاد والعاكفين والمقيمين من أهل مكة {والركع السجود} والمصلين جمعاً راكع وساجد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ وإذِ ابْتَلى ﴾ والبَيْتُ مِنَ الأعْلامِ الغالِبَةِ لِلْكَعْبَةِ، كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا، ﴿ مَثابَةً لِلنّاسِ ﴾ أيْ مَجْمَعًا لَهُمْ، قالَهُ الخَلِيلُ، وقَتادَةُ، أوْ مَعاذًا ومَلْجَأً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أوْ مَرْجِعًا يَثُوبُ إلَيْهِ أعْيانُ الزُّوّارِ، أوْ أمْثالُهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ وجُبَيْرٌ، أوْ مَرْجِعًا يَحِقُّ أنْ يُرْجَعَ ويُلْجَأ إلَيْهِ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، أوْ مَوْضِعُ ثَوابٍ يُثابُونَ بِحَجِّهِ، واعْتِمارِهِ، قالَهُ عَطاءٌ وحَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ، والتّاءُ فِيهِ، وتَرْكُهُ لُغَتانِ كَما في مَقامٍ ومَقامَةٍ، وهي لِتَأْنِيثِ البُقْعَةِ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ، وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ التّاءَ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ كَما في نَسّابَةٍ وعَلّامَةٍ، وأصْلُهُ مَثْوَبَةٌ عَلى وزْنِ مَفْعَلَةٌ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ، واللّامُ في النّاسِ لِلْجِنْسِ، وهو الظّاهِرُ، وجُوِّزَ حَمْلُهُ عَلى العَهْدِ، أوِ الِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ (مَثاباتٍ) عَلى الجَمْعِ، لِأنَّهُ مَثابَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ، لا يَخْتَصُّ بِهِ أحَدٌ مِنهُمْ، ﴿ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ ﴾ فَهو وإنْ كانَ واحِدًا بِالذّاتِ إلّا أنَّهُ مُتَعَدِّدٌ بِاعْتِبارِ الإضافاتِ، وقِيلَ: إنَّ الجَمْعَ بِتَنْزِيلِ تَعَدُّدِ الرُّجُوعِ مَنزِلَةَ تَعَدُّدِ المَحَلِّ، أوْ بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنهُ مَثابَةٌ، واخْتارَ بَعْضُهم ذَلِكَ زَعْمًا مِنهُ أنَّ الأوَّلَ يَقْتَضِي أنْ يَصِحَّ التَّعْبِيرُ عَنْ غُلامِ جَماعَةٍ بِالمَمْلُوكِينَ، ولَمْ يُعْرَفْ، وفِيهِ أنَّهُ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ، إذْ لَهُ إضافَةُ المَمْلُوكِيَّةِ إلى كُلِّهِمْ لا إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، ﴿ وأمْنًا ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ مَثابَةً ﴾ وهو مَصْدَرٌ، وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، والمُرادُ مَوْضِعُ أمْنٍ، إمّا لِسُكّانِهِ مِنَ الخَطْفِ، أوْ لِحِجاجِهِ مِنَ العَذابِ، حَيْثُ إنَّ الحَجَّ يُزِيلُ ويَمْحُو ما قَبْلَهُ، غَيْرَ حُقُوقِ العِبادِ، والحُقُوقِ المالِيَّةِ كالكَفّارَةِ عَلى الصَّحِيحِ، أوْ لِلْجانِي المُلْتَجِئِ إلَيْهِ مِنَ القَتْلِ، وهو مَذْهَبُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، إذْ عِنْدَهُ لا يُسْتَوْفى قِصاصُ النَّفْسِ في الحَرَمِ لَكِنْ يُضَيَّقُ عَلى الجانِي، ولا يُكَلَّمُ، ولا يُطْعَمُ، ولا يُعامَلُ حَتّى يَخْرُجَ فَيُقْتَلَ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَن وجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ والتَجَأ إلَيْهِ، يَأْمُرُ الإمامُ بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِ بِما يُؤَدِّي إلى خُرُوجِهِ، فَإذا خَرَجَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ في الحِلِّ، فَإنْ لَمْ يَخْرُجْ جازَ قَتْلُهُ فِيهِ، وعِنْدَ الإمامِ أحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لا يُسْتَوْفى مِنَ المُلْتَجِئِ قِصاصٌ مُطْلَقًا، ولَوْ قِصاصُ الأطْرافِ، حَتّى يَخْرُجَ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ أمْنًا مَفْعُولًا ثانِيًا لِمَحْذُوفٍ عَلى مَعْنى الأمْرِ، أيْ واجْعَلُوهُ أمْنًا، كَما جَعَلْناهُ مَثابَةً، وهو بَعِيدٌ عَنْ ظاهِرِ النَّظْمِ، ولَمْ يَذْكُرْ لِلنّاسِ هُنا كَما ذُكِرَ مِن قَبْلُ اكْتِفاءً بِهِ، أوْ إشارَةً إلى العُمُومِ، أيْ أنَّهُ أمْنٌ لِكُلِّ شَيْءٍ كائِنًا ما كانَ حَتّى الطَّيْرِ والوَحْشِ إلّا الخَمْسَ الفَواسِقَ، فَإنَّها خُصَّتْ مِن ذَلِكَ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ  ، ويَدْخُلُ فِيهِ أمْنُ النّاسِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ﴿ واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ جَعَلْنا ﴾ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ وقُلْنا، أوْ قائِلِينَ لَهُمُ اتَّخِذُوا، والمَأْمُورُ بِهِ النّاسُ كَما هو الظّاهِرُ، أوْإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأوْلادُهُ كَما قِيلَ، أوْ عَطْفٌ عَلى اذْكُرِ المُقَدَّرِ عامِلًا لِإذْ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: ثُوبُوا إلَيْهِ، واتَّخِذُوا، وهو مُعْتَرِضٌ بِاعْتِبارِ نِيابَتِهِ عَنْ ذَلِكَ بَيْنَ ﴿ جَعَلْنا ﴾ و ﴿ عَهِدْنا ﴾ ولَمْ يُعْتَبَرِ الِاعْتِراضُ مِن دُونِ عَطْفٍ مَعَ أنَّهُ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ لِيَكُونَ الِارْتِباطُ مَعَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ أظْهَرَ، والخِطابُ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَأْسُ المُخاطَبِينَ، (ومِن) إمّا لِلتَّبْعِيضِ، أوْ بِمَعْنى (فِي) أوْ زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، والأظْهَرُ الأوَّلُ، وقالَ القَفّالُ: هي مِثْلُ اتَّخَذْتُ مِن فُلانٍ صَدِيقًا، وأعْطانِي اللَّهُ تَعالى مِن فُلانٍ أخًا صالِحًا، دَخَلَتْ لِبَيانِ المُتَّخَذِ المَوْهُوبِ وتَمْيِيزِهِ، والمَقامُ مَفْعَلٍ مِنَ القِيامِ، يُرادُ بِهِ المَكانُ، أيْ مَكانُ قِيامِهِ، وهو الحَجْرُ الَّذِي ارْتَفَعَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ ضَعُفَ مِن رَفْعِ الحِجارَةِ الَّتِي كانَ ولَدُهُ إسْماعِيلُ يُناوِلُهُ إيّاها في بِناءِ البَيْتِ، وفِيهِ أثَرُ قَدَمَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرٌ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمْ، وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ الحَجَرُ الَّذِي وضَعَتْهُ زَوْجَةُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحْتَ إحْدى رِجْلَيْهِ، وهو راكِبٌ، فَغَسَلَتْ أحَدَ شِقَّيْ رَأْسِهِ، ثُمَّ رَفَعَتْهُ مِن تَحْتِها، وقَدْ غاصَتْ فِيهِ ووَضَعَتْهُ تَحْتَ رِجْلِهِ الأُخْرى، فَغَسَلَتْ شِقَّهُ الآخَرَ وغاصَتْ رِجْلُهُ الأُخْرى فِيهِ أيْضًا، أوِ المَوْضِعُ الَّذِي كانَ فِيهِ الحَجَرُ حِينَ قامَ عَلَيْهِ، ودَعا النّاسَ إلى الحَجِّ، ورَفَعَ بِناءَ البَيْتِ، وهو مَوْضِعُهُ اليَوْمَ، فالمَقامُ في أحَدِ المَعْنَيَيْنِ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ، وفي الآخَرِ مَجازٌ مُتَعارَفٌ، ويَجُوزُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى كُلٍّ مِنهُما، كَذا قالُوا، إلّا أنَّهُ اسْتَشْكَلَ تَعْيِينُ المَوْضِعِ بِما هو المَوْضِعُ اليَوْمَ، لِما في فَتْحِ البارِي مِن أنَّهُ كانَ المَقامُ أيِ الحَجَرُ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَزِيقَ البَيْتِ إلى أنْ أخَّرَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى المَكانِ الَّذِي هو فِيهِ الآنَ، أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هو الَّذِي حَوَّلَهُ، فَإنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى تَغايُرِ المَوْضِعَيْنِ، سَواءٌ كانَ المُحَوِّلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأيْضًا كَيْفَ يُمْكِنُ رَفْعُ البِناءِ حِينَ القِيامِ عَلَيْهِ حالَ كَوْنِهِ في مَوْضِعِهِ اليَوْمَ !

وهو بَعِيدٌ مِنَ الحَجَرِ الأسْوَدِ بِسَبْعَةٍ وعِشْرِينَ ذِراعًا، وأيْضًا المَشْهُورُ أنَّ دَعْوَةَ النّاسِ إلى الحَجِّ كانَتْ فَوْقَ أبِي قُبَيْسٍ، فَإنَّهُ صَعِدَهُ بَعْدَ الفَراغِ مِن عِمارَةِ البَيْتِ، ونادى: أيُّها النّاسُ، حُجُّوا بَيْتَ رَبِّكُمْ، فَإنْ لَمْ يَكُنِ الحَجَرُ مَعَهُ حِينَئِذٍ أشْكَلَ القَوْلُ بِأنَّهُ قامَ عَلَيْهِ ودَعا، وإنْ كانَ مَعَهُ وكانَ الوُقُوفُ عَلَيْهِ فَوْقَ الجَبَلِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ رَوْضَةِ الأحْبابِ، وبِهِ يَحْصُلُ الجَمْعُ أشْكَلَ التَّعْيِينُ بِما هو اليَوْمَ، وغايَةُ التَّوْجِيهِ أنْ يُقالَ: لا شَكَّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُحَوِّلُ الحَجَرَ حِينَ البِناءِ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، ويَقُومُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَوْضِعٌ مُعَيَّنٌ، وكَذا حِينَ الدَّعْوَةِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ البَيْتِ، بَلْ فَوْقَ أبِي قُبَيْسٍ، فَلا بُدَّ مِن صَرْفِ عِباراتِهِمْ عَنْ ظاهِرِها، بِأنْ يُقالَ: المَوْضِعُ الَّذِي كانَ ذَلِكَ الحَجَرُ في أثْناءِ زَمانِ قِيامِهِ عَلَيْهِ، واشْتِغالِهِ بِالدَّعْوَةِ، أوْ رَفْعِ البِناءِ لا حالَةَ القِيامِ عَلَيْهِ، ووَقَعَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ هَذا المَقامَ الَّذِي فِيهِ الحَجَرُ الآنَ كانَ بَيْتَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ يَنْقُلُ هَذا الحَجَرَ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ العَمَلِ إلَيْهِ، وأنَّ الحَجَرَ بَعْدَ إبْراهِيمَ كانَ مَوْضُوعًا في جَوْفِ الكَعْبَةِ، ولَعَلَّ هَذا هو الوَجْهُ في تَخْصِيصِ هَذا المَوْضِعِ بِالتَّحْوِيلِ، وما وقَعَ في الفَتْحِ مِن أنَّهُ كانَ المَقامُ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ لَزِيقَ البَيْتِ، مَعْناهُ بَعْدَ إتْمامِ العِمارَةِ، فَلا يُنافِي أنْ يَكُونَ في أثْنائِها في المَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ اليَوْمَ، كَذا ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، فَلْيُفْهَمْ، وسَبَبُ النُّزُولِ ما أخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخَذَ بِيَدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: (يا عُمَرُ هَذا مَقامُ إبْراهِيمَ، فَقالَ عُمَرُ: أفَلا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟

فَقالَ: لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ، فَلَمْ تَغِبِ الشَّمْسُ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ)،» والأمْرُ فِيها لِلِاسْتِحْبابِ، إذِ المُتَبادِرُ مِنَ المُصَلّى مَوْضِعُ الصَّلاةِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الأمْرُ بِرَكْعَتَيِ الطَّوافِ، لِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا فَرَغَ مِن طَوافِهِ عَمِدَ إلى مَقامِ إبْراهِيمَ فَصَلّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ، وقَرَأ الآيَةَ،» فالأمْرُ لِلْوُجُوبِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، لِأنَّ فِيهِ التَّقْيِيدَ بِصَلاةٍ مَخْصُوصَةٍ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وقِراءَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الآيَةَ حِينَ أداءِ الرَّكْعَتَيْنِ لا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِهِما، وذَهَبَ النَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ إلى أنَّ المُرادَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ الحَرَمُ كُلُّهُ، وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ إلى أنَّهُ مَواقِفُ الحَجِّ كُلُّها، والشَّعْبِيُّ إلى أنَّهُ عَرَفَةُ ومُزْدَلِفَةُ والجِمارُ، ومَعْنى اتِّخاذِها مُصَلًّى أنْ يُدْعى فِيها، ويُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَها، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وهو ما قَدَّمْناهُ أوَّلًا، وهو المُوافِقُ لِظاهِرِ اللَّفْظِ، ولِعُرْفِ النّاسِ اليَوْمَ، وظَواهِرُ الأخْبارِ تُؤَيِّدُهُ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ (واتَّخَذُوا) بِفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، وهو حِينَئِذٍ مَعْطُوفٌ عَلى (جَعْلِنا) أيْ واتَّخَذَ النّاسُ مِن مَكانِ إبْراهِيمَ الَّذِي عُرِفَ بِهِ، وأسْكَنَ ذُرِّيَّتَهُ عِنْدَهُ، وهو الكَعْبَةُ قِبْلَةً يُصَلُّونَ إلَيْها، فالمَقامُ مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ المَحَلِّ، وكَذا المُصَلّى بِمَعْنى القِبْلَةِ مَجازٌ عَنِ المَحَلِّ الَّذِي يُتَوَجَّهُ إلَيْهِ في الصَّلاةِ بِعَلاقَةِ القُرْبِ والمُجاوَرَةِ، ﴿ وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ ﴾ أيْ وصَّيْنا، أوْ أمَرْنا، أوْ أوْحَيْنا، أوْ قُلْنا، والَّذِي عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ أنَّ العَهْدَ إذا تَعَدّى بِإلى يَكُونُ بِمَعْنى التَّوْصِيَةِ، ويُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ الأمْرِ، وإسْماعِيلُ عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ قِيلَ: مَعْناهُ بِالعَرَبِيَّةِ مُطِيعُ اللَّهِ، وحُكِيَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَدْعُو أنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ تَعالى ولَدًا ويَقُولَ: اسْمَعْ إيلُ، أيِ اسْتَجِبْ دُعائِي يا اللَّهُ، فَلَمّا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ سَمّاهُ بِتِلْكَ الجُمْلَةِ، وأُراهُ في غايَةِ البُعْدِ، ولِلْعَرَبِ فِيهِ لُغَتانِ اللّامُ والنُّونُ، ﴿ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ ﴾ أيْ بِأنْ طَهِّرا عَلى أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ، وُصِلَتْ بِفِعْلِ الأمْرِ بَيانًا لِلْمُوصى المَأْمُورِ بِهِ، وسِيبَوَيْهِ، وأبُو عَلِيٍّ جَوَّزا كَوْنَ صِلَةِ الحُرُوفِ المَصْدَرِيَّةِ أمْرًا أوْ نَهْيًا، والجُمْهُورُ مَنَعُوا ذَلِكَ مُسْتَدِلِّينَ بِأنَّهُ إذا سُبِكَ مِنهُ مَصْدَرٌ فاتَ مَعْنى الأمْرِ، وبِأنَّهُ يَجِبُ في المَوْصُولِ الِاسْمِيِّ كَوْنُ صِلَتِهِ خَبَرِيَّةً، والمَوْصُولُ الحَرْفِيُّ مِثْلُهُ، وقَدَّرُوا هُنا قُلْنا، لِيَكُونَ مَدْخُولُ الحَرْفِ المَصْدَرِيِّ خَبَرًا، ويُرَدُّ عَلَيْهِمْ أوَّلًا: أنَّ كَوْنَهُ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ لا يَسْتَدْعِي اتِّحادَ مَعْناهُما ضَرُورَةَ عَدَمِ دِلالَةِ المَصْدَرِ عَلى الزَّمانِ مَعَ دِلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ، وثانِيًا أنَّ وُجُوبَ كَوْنِ الصِّلَةِ خَبَرِيَّةً في المَوْصُولِ الِاسْمِيِّ، إنَّما هو لِلتَّوَصُّلِ إلى وصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ، وهي لا تُوصَفُ بِها، إلّا إذا كانَتْ خَبَرِيَّةً، وأمّا المَوْصُولُ الحَرْفِيُّ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، وثالِثًا أنَّ تَقْدِيرَ قُلْنا يُفْضِي إلى أنْ يَكُونَ المَأْمُورُ بِهِ القَوْلَ ولَيْسَ كَذَلِكَ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ (أنْ) هَذِهِ مُفَسِّرَةً لِتَقَدُّمِ ما يَتَضَمَّنُ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، وهو العَهْدُ، ويَحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى تَقْدِيرِ المَفْعُولِ، إذْ يُشْتَرَطُ مَعَ تَقَدُّمِ ما ذُكِرَ كَوْنُ مَدْخُولِها مُفَسِّرًا لِمَفْعُولٍ مُقَدَّرٍ، أوْ مَلْفُوظٍ، أيْ قُلْنا لَهُما شَيْئًا هو أنْ طَهِّرا، والمُرادُ مِنَ التَّطْهِيرِ التَّنْظِيفُ مِن كُلِّ ما لا يُطِيقُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الأوْثانُ والأنْجاسُ وجَمِيعُ الخَبائِثِ، وما يُمْنَعُ مِنهُ شَرْعًا، كالحائِضِ، وخَصَّ مُجاهِدٌ وابْنُ عَطاءٍ ومُقاتِلٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ التَّطْهِيرَ بِإزالَةِ الأوْثانِ، وذَكَرُوا أنَّ البَيْتَ كانَ عامِرًا عَلى عَهْدِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ كانَ فِيهِ أصْنامٌ عَلى أشْكالِ صالِحِيهِمْ، وأنَّهُ طالَ العَهْدُ فَعُبِدَتْ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِتَطْهِيرِهِ مِنها، وقِيلَ: المُرادُ بَخِّراهُ، ونَظِّفاهُ، وخَلِّقاهُ، وارْفَعا عَنْهُ الفَرْثَ والدَّمَ الَّذِي كانَ يُطْرَحُ فِيهِ، وقِيلَ: أخْلِصاهُ لِمَن ذُكِرَ بِحَيْثُ لا يَغْشاهُ غَيْرُهُمْ، فالتَّطْهِيرُ عِبارَةٌ عَنْ لازِمِهِ، ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المُرادَ بِهِ البِناءُ والتَّأْسِيسُ عَلى الطَّهارَةِ، والتَّوْحِيدِ، وهو بَعِيدٌ، وتَوْجِيهُ الأمْرِ هُنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ لا يُنافِي ما في سُورَةِ الحَجِّ مِن تَخْصِيصِهِ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ ذَلِكَ واقِعٌ قَبْلَ بِناءِ البَيْتِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ ﴾ وكانَ إسْماعِيلُ حِينَئِذٍ بِمَعْزِلٍ مِن مَثابَةِ الخِطابِ، وظاهِرٌ أنَّ هَذا بَعْدَ بُلُوغِهِ مَبْلَغَ الأمْرِ والنَّهْيِ، وتَمامِ البِناءِ بِمُباشَرَتِهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيرادُهُ إثْرَ حِكايَةِ جَعْلِهِ مَثابَةً، وإضافَةُ البَيْتِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِلتَّشْرِيفِ: كَناقَةِ اللَّهِ، لا إنَّهُ مَكانٌ لَهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ﴿ لِلطّائِفِينَ ﴾ أيْ لِأجْلِهِمْ، فاللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ، وإنْ فُسِّرَ التَّطْهِيرُ بِلازِمِهِ كانَتْ صِلَةً لَهُ، والطّائِفُ اسْمُ فاعِلٍ مِن طافَ بِهِ، إذا دارَ حَوْلَهُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ كُلُّ مَن يَطُوفُ مِن حاضَرٍ أوْ بادٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ عَطاءٌ وغَيْرُهُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ الغُرَباءُ الوافِدُونَ مَكَّةَ حُجّاجًا وزُوّارًا، ﴿ والعاكِفِينَ ﴾ وهم أهْلُ البَلَدِ الحَرامِ المُقِيمُونَ عِنْدَ ابْنِ جُبَيْرٍ، وقالَ عَطاءٌ: هُمُ الجالِسُونَ مِن غَيْرِ طَوافٍ مِن بَلَدِيٍّ، وغَرِيبٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُجاوِرُونَ لَهُ مِنَ الغُرَباءِ، وقِيلَ: هُمُ المُعْتَكِفُونَ فِيهِ، ﴿ والرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ وهُمُ المُصَلُّونَ جَمْعُ راكِعٍ وساجِدٍ، وخُصَّ الرُّكُوعُ والسُّجُودُ بِالذِّكْرِ مِن جَمِيعِ أحْوالِ المُصَلِّي لِأنَّهُما أقْرَبُ أحْوالِهِ إلَيْهِ تَعالى، وهُما الرُّكْنانِ الأعْظَمانِ، وكَثِيرًا ما يُكَنّى عَنِ الصَّلاةِ بِهِما، ولِذا تُرِكَ العَطْفُ بَيْنَهُما، ولَمْ يُعَبِّرْ بِالمُصَلِّينَ مَعَ اخْتِصارِهِ إيذانًا بِأنَّ المُعْتَبَرَ صَلاةٌ ذاتُ رُكُوعٍ وسُجُودٍ، لا صَلاةُ اليَهُودِ، وقَدَّمَ الرُّكُوعَ لِتَقَدُّمِهِ في الزَّمانِ، وجُمِعا جَمْعَ تَكْسِيرٍ لِتَغَيُّرِ هَيْئَةِ المُفْرَدِ مَعَ مُقابَلَتِهِما ما قَبْلَهُما مِن جَمْعَيِ السَّلامَةِ، وفي ذَلِكَ تَنْوِيعٌ في الفَصاحَةِ، وخالَفَ بَيْنَ وزْنَيْ تَكْسِيرِهِما لِلتَّنْوِيعِ مَعَ المُخالَفَةِ في الهَيْآتِ، وكانَ آخِرُهُما عَلى فُعُولٍ، لِأجْلِ كَوْنِهِ فاصِلَةً، والفَواصِلُ قَبْلَ وبَعْدَ آخِرِها حَرْفٌ قَبْلَهُ حَرْفٌ مَدٍّ، ولِينٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً، يقول: وضعنا البيت، يعني الكعبة معاداً لهم، يعودون إليه مرة بعد مرة.

وقال قتادة: مجمعاً للناس يثوبون إليه من كل جهة، وفي كل سنة فلا يقضون منها وطراً.

وَأَمْناً، أي جعلناه أمناً لمن التجأ إليه، يعني من وجب عليه القصاص.

ولهذا قالوا: لو أن رجلاً وجب عليه القصاص فدخل الحرم، لا يقتص منه في الحرم.

وهكذا روي عن ابن عمر أنه قال: لو وجدت قاتل عمر في الحرم، ما هيجته، أي ما أزعجته ولكن يمنع منه المنافع، حتى يضطر ويخرج فيقتص منه.

ويقال: آمناً لغير الممتحنين، وهي الصيود إذا دخلت الحرم أمنت.

ويقال: آمناً من الجذام.

ثم قال تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى، قرأ نافع وابن عامر وَاتَّخِذُوا بفتح الخاء على وجه الخبر، معناه: جعلنا البيت مثابة للناس فاتخذوه مصلى.

وقرأ الباقون بكسر الخاء على معنى الأمر.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا الديلمي قال: حدّثنا أبو عبيد الله قال: حدّثنا سفيان، عن زكريا بن زائدة، عمن حدثه، عن عمر بن الخطاب قال: كان رسول الله  يطوف بالبيت يوم الفتح، فلما فرغ من طوافه أتى المقام فقال: «هذا مَقَامُ أَبِينَا إبْرَاهِيمَ» ، فقال عمر: أفلا تتخذه مصلى يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ويقال: المسجد الحرام كله مقام إبراهيم-  - هكذا روي عن مجاهد وعطاء.

وقوله تعالى: وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ، أي أمرنا إبراهيم وإسماعيل: أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ، أي مسجدي من الأوثان، ويقال: من جميع النجاسات، ثم قال: لِلطَّائِفِينَ، أي طهرا المسجد من الأوثان والنجاسات، لأجل الطائفين الذين يطوفون بالبيت وهم الغرباء، وَالْعاكِفِينَ وهم أهل الحرم المقيمون بمكة من أهله وغيرهم وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، أي أهل الصلاة من كل جهة من الآفاق.

قرأ نافع وعاصم في رواية حفص طَهِّرا بَيْتِيَ بنصب الياء وقرأ الباقون بسكون الياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إبراهيم، لما أتمَّ هذه الكلماتِ أو أتمَّها اللَّه عليه، كتب اللَّه له البراءة من النَّار، فذلك قوله تعالى: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم: ٣٧] .

وقول إبراهيم عليه السلام: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي هو على جهةِ الرغباءِ إلى اللَّه، أي: ومن ذريتي، يا ربِّ، فاجعل.

وقوله تعالى: قالَ لاَ يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، أي: قال الله، والعهد فيما قال مجاهد: الإمامة «١» .

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)

وقوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ، أي: الكعبة مَثابَةً «٢» ، يحتملُ مِنْ ثَابَ إِذا رجع، ويحتمل أن تكون من الثواب، أي: يثابون هناك، وَأَمْناً للناسِ والطيرِ والوُحُوشِ إذ جعل اللَّه لها حرمةً في النفوس بحيث يَلْقَى الرجُلُ بها قاتِلَ أبيه، فلا يهيجه، وقَرَأَ جمهور الناس: «واتخذوا» ، بكسر الخاء على جهة الأمر لأمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم، وقرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، «واتخذوا» «٣» بفتح الخاء على جهة الخبر عن مَنِ اتخذه مِنْ متبعي إبراهيم- عليه السلام- ومقام إبراهيم في قول ابن عَبَّاس، وقتادة، وغيرهما، وخرَّجه البُخَارِيُّ هو الحَجَر الذي ارتفع عليه إِبراهيم حينَ ضَعُف عن رفْع الحجارةِ الَّتي كان إِسماعيلُ يناوله إِياها في بنَاء البَيْت، وغَرِقَتْ قدماه فيه، ومُصَلًّى: موضع صلاة.

ص «٤» : مِنْ مَقامِ: مِنْ تبعيضيةٌ على الأظهر، أو بمعنى: «في» أو زائدة

على مذهب الأخفش، والمقامُ: مَفْعَلٌ من القيامِ، والمراد به هنا المكانُ، انتهى، يعني:

المكانَ الذي فيه الحَجَر المسمى بالمقام.

وقوله تعالى: وَعَهِدْنا: العَهْدُ في اللغة: على أقسام، هذا منها، الوصية بمعنى الأمر، وطَهِّرا: قيل: معناه: ابنياه وأسِّساه على طَهَارَةٍ ونيَّةِ طَهَارَةٍ، وقال مجاهدٌ: هو أمر بالتطهير من عبادة الأوثان «١» ، ولِلطَّائِفِينَ ظاهره: أهل الطوافِ، وَقَالَهُ عطاء وغيره «٢» ، وقال ابن جُبَيْر: معناه: للغرباءِ الطارئِينَ على مكَّة «٣» ، وَالْعاكِفِينَ: قال ابن جُبَيْر: هم أهل البلد المقيمُونَ «٤» ، وقال عطاء: هم المجاورُونَ بمكَّة «٥» ، وقال ابنُ عبَّاس:

المصَلُّون «٦» ، وقال غيره المعتكفُونَ، والعكُوف في اللغة: الملازمة.

وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً، أيْ: من الجبابرة والعدُوِّ المستأصل، وروي أن اللَّه تعالى، لما دعاه إِبراهيم، أمر جبريل، فاقتلع فِلَسْطِينَ، وقيل:

بقعة من الأرْدُنِّ «٧» ، فطاف بها حَوْلَ البيتِ سبْعاً، وأنزلها بِوَج «٨» ، فسمِّيت الطَّائِفَ «٩» بسبب الطواف.

وقوله تعالى: قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ...

الآية: قال أبيُّ بن كَعْب، وابن إسحاقَ، وغيرهما: هذا القَوْلُ من اللَّه عزَّ وجلَّ لإِبراهيم «١٠» ، وقال ابنُ عَبَّاس، وغيره:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ ﴾ البَيْتُ هاهُنا: الكَعْبَةُ، والألِفُ واللّامُ تَدْخُلُ لِلْمَعْهُودِ، أوْ لِلْجِنْسِ، فَلَمّا عَلِمَ المُخاطَبُونَ أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الجِنْسَ؛ انْصَرَفَ إلى المَعْهُودِ، قالَ الزَّجّاجُ: والمُثابُ والمَثابَةُ واحِدٌ، كالمُقامِ والمَقامَةِ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَثابَةُ: المَعادُ، مِن قَوْلِكَ: ثُبْتُ إلى كَذا، أيْ: عُدْتُ إلَيْهِ، وثابَ إلَيْهِ جِسْمُهُ بَعْدَ العِلَّةِ: إذا عادَ، فَأرادَ: أنَّ النّاسَ يَعُودُونَ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمْنًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أنَّ مَن أحْدَثَ حَدِيثًا في غَيْرِهِ، ثُمَّ لَجَأ إلَيْهِ؛ فَهو آَمِنٌ، ولَكِنْ يَنْبَغِي لِأهْلِ مَكَّةَ أنْ لا يُبايِعُوهُ، ولا يُطْعِمُوهُ، ولا يَسْقُوهُ، ولا يُؤْوُوهُ، ولا يُكَلَّمْ حَتّى يَخْرُجَ، فَإذا خَرَجَ؛ أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وصَفَ البَيْتَ بِالأمْنِ، والمُرادُ جَمِيعُ الحَرَمِ، كَما قالَ: ﴿ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ ﴾ والمُرادُ: الحَرَمُ كُلُّهُ لِأنَّهُ لا يَذْبَحُ في الكَعْبَةِ، ولا في المَسْجِدِ الحَرامِ، وهَذا عَلى طَرِيقِ الحُكْمِ، لا عَلى وجْهِ الخَبَرِ فَقَطْ.

وَفِي ﴿ مَقامِ إبْراهِيمَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الحَرَمُ كُلُّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عَرَفَةُ والمُزْدَلِفَةُ والجِمارُ، قالَهُ عَطاءٌ.

وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، قالُوا: الحَجُّ كُلُّهُ مَقامُ إبْراهِيمَ.

والثّالِثُ: الحَجَرُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وهو الأصَحُّ.

«قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ!

لَوِ اتَّخَذْنا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلّى، فَنَزَلَتْ.» وَفِي سَبَبِ وُقُوفِ إبْراهِيمَ عَلى الحَجَرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ جاءَ يَطْلُبُ ابْنَهُ إسْماعِيلَ، فَلَمْ يَجِدْهُ، فَقالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ: انْزِلْ، فَأبى، فَقالَتْ: فَدَعْنِي أغْسِلْ رَأْسَكَ، فَأتَتْهُ بِحَجْرٍ فَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَيْهِ، وهو راكِبٌ، فَغَسَلَتْ شِقَّهُ، ثُمَّ رَفَعَتْهُ وقَدْ غابَتْ رِجْلُهُ فِيهِ، فَوَضَعَتْهُ تَحْتَ الشِّقِّ الآَخَرِ وغَسَلَتْهُ، فَغابَتْ رِجْلُهُ فِيهِ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ مِن شِعارِهِ، ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ قامَ عَلى الحَجَرِ لِبِناءِ البَيْتِ، وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

قَرَأ الجُمْهُورُ، مِنهُمُ: ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (واتَّخِذُوا) بِكَسْرِ الخاءِ؛ عَلى الأمْرِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الخاءِ عَلى الخَبَرِ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: «قالَ النَّبِيُّ  : "أيْنَ تَرَوْنَ أنْ نُصَلِّيَ؟" فَقالَ عُمَرُ: إلى المَقامِ، فَنَزَلَتْ ﴿ واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى ﴾ » وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُ فَتْحِ الخاءِ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ، كَأنَّهُ قالَ: وإذِ اتَّخَذُوا.

ويُؤَكِّدُ الفَتْحَ في الخاءِ أنَّ الَّذِي بَعْدَهُ خَبَرٌ، وهو قَوْلُهُ: وعَهِدْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ ﴾ أيْ: أمَرْناهُما وأوْصَيْناهُما.

وإسْماعِيلُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وفِيهِ لُغَتانِ: إسْماعِيلُ، وإسْماعِينُ.

وأنْشَدُوا: قالَ جِوارِي الحَيِّ لَمّا جِينا هَذا ورَبِّ البَيْتِ إسْماعِينا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُرِيدُ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ والشِّرْكِ، وقَوْلِ الزُّورِ.

فَإنْ قِيلَ: لَمْ يَكُنْ هُناكَ بَيْتٌ؛ فَما مَعْنى أمَرَهُما بِتَطْهِيرِهِ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَتْ هُناكَ أصْنامٌ، فَأُمِرا بِإخْراجِهِا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: ابْنِياهُ مُطَهَّرًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والعاكِفُونَ: المُقِيمُونَ، يُقالُ: عَكَفَ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ عُكُوفًا: إذا أقامَ، ومِنهُ: الِاعْتِكافُ.

وقَدْ رَوى ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ  ، أنَّهُ قالَ: « "إنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْزِلُ في كُلِّ لَيْلَةٍ ويَوْمَ عِشْرِينَ ومِائَةَ رَحْمَةٍ يَنْزِلُ عَلى هَذا البَيْتَ: سِتُّونَ لِلطّائِفِينَ، وأرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ، وعِشْرُونَ لِلنّاظِرِينَ" .» <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُكَّعِ السُجُودِ ﴾ ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَمَراتِ مِنَ آمَنَ مِنهم بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النارِ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ "وَإذْ" عَطْفٌ عَلى "إذِ" المُتَقَدِّمَةِ، و"البَيْتَ" الكَعْبَةُ، و"مَثابَةً" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن ثابَ إذا رَجَعَ لِأنَّ الناسَ يَثُوبُونَ إلَيْها أيْ يَنْصَرِفُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ الثَوابِ أيْ يُثابُونَ هُناكَ.

قالَ الأخْفَشُ: دَخَلَتِ الهاءُ فِيها لِلْمُبالَغَةِ لِكَثْرَةِ مَن يَثُوبُ أيْ يَرْجِعُ، لِأنَّهُ قَلَّ ما يُفارِقُ أحَدٌ البَيْتَ إلّا وهو يَرى أنَّهُ لَمْ يَقْضِ مِنهُ وطَرًا، فَهي كَنَسّابَةٌ وعَلّامَةٌ، وقالَ غَيْرُهُ، هي هاءُ تَأْنِيثِ المَصْدَرِ فَهي مَفْعَلَةٌ أصْلُها مَثُوبَةٌ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الثاءِ فانْقَلَبَتِ الواوُ ألْفًا لِانْفِتاحِ ما قَبْلَها، وقِيلَ: هو عَلى تَأْنِيثِ البُقْعَةِ كَما يُقالُ: مَقامٌ ومَقامَةٌ.

وقَرَأ الأعْمَشُ "مَثاباتٌ" عَلى الجَمْعِ، وقالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ في الكَعْبَةِ: مَثابًا لِأفْناءِ القَبائِلِ كُلِّها تَخُبُّ إلَيْها اليَعْمَلاتُ الطَلائِحُ و"أمْنًا" مَعْناهُ: أنَّ الناسَ يَغِيرُونَ ويَقْتُلُونَ حَوْلَ مَكَّةَ وهي آمِنَةٌ مِن ذَلِكَ، يَلْقى الرَجُلُ بِها قاتِلَ أبِيهِ فَلا يُهَيِّجُهُ، لِأنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ لَها في النُفُوسِ حُرْمَةً، وجَعَلَها أمْنًا لِلنّاسِ والطَيْرِ والوُحُوشِ.

وخَصَّصَ الشَرْعُ مِن ذَلِكَ الخَمْسَ الفَواسِقَ عَلى لِسانِ النَبِيِّ  .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "واتَّخِذُوا" بِكَسْرِ الخاءِ عَلى جِهَةِ الأمْرِ، فَقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُ: مَعْنى ذَلِكَ ما رُوِيَ «عن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلاثٍ: في الحِجابِ، وفي ﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ  ﴾ ، وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ ﴿ واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى ﴾ فَهَذا أمْرٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  »، وقالَ المَهْدَوِيُّ: وقِيلَ: ذَلِكَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "اذْكُرُوا" فَهَذا أمْرٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ.

وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ذَلِكَ أمْرٌ لِإبْراهِيمَ ومُتَّبِعِيهِ فَهي مِنَ الكَلِماتِ كَأنَّهُ قالَ: ( إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا واتَّخِذُوا ) وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ ذَلِكَ عَطْفٌ عَلى الأمْرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً ﴾ ، لِأنَّ المَعْنى ثُوبُوا.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "واتَّخَذُوا" بِفَتْحِ الخاءِ عَلى جِهَةِ الخَبَرِ عَمَّنِ اتَّخَذَهُ مِن مُتَّبِعِي إبْراهِيمَ، وذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "وَإذْ جَعَلْنا"، كَأنَّهُ قالَ: وإذِ اتَّخَذُوا، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى "جَعَلْنا" دُونَ تَقْدِيرِ إذْ، فَهي جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، وعَلى تَقْدِيرِ إذْ فَهي جُمْلَتانِ.

واخْتُلِفَ في ﴿ مَقامِ إبْراهِيمَ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما، وخَرَّجَهُ البُخارِيُّ: إنَّهُ الحَجَرُ الَّذِي ارْتَفَعَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ حِينَ ضَعُفَ عن رَفْعِ الحِجارَةِ الَّتِي كانَ إسْماعِيلُ يُناوِلُهُ إيّاها في بِناءِ البَيْتِ وغَرِقَتْ قَدَماهُ فِيهِ.

وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو حَجْرٌ ناوَلَتْهُ إيّاهُ امْرَأتُهُ فاغْتَسَلَ عَلَيْهِ وهو راكِبٌ، جاءَتْهُ بِهِ مَن شَقٍّ ثُمَّ مِن شَقٍّ فَغَرِقَتْ رَجُلاهُ فِيهِ حِينَ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ.

وَقالَ فَرِيقٌ مِنَ العُلَماءِ: المَقامُ: المَسْجِدُ الحَرامُ.

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: المَقامُ: عَرَفَةُ والمُزْدَلِفَةُ والجِمارُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَقامُهُ: مَواقِفُ الحَجِّ كُلُّها.

وقالَ مُجاهِدٌ: مَقامُهُ: الحَرَمُ كُلُّهُ، و"مُصَلًّى" مَوْضِعُ صَلاةٍ، هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: المَقامُ الحَجَرُ، ومَن قالَ بِغَيْرِهِ قالَ: "مُصَلًّى" مُدَّعًى، عَلى أصْلِ الصَلاةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَعَهِدْنا"، العَهْدُ في اللُغَةِ عَلى أقْسامٍ هَذا مِنها الوَصِيَّةُ بِمَعْنى الأمْرِ، و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ بِأنْ وحُذِفَ الخافِضُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّها بِمَعْنى أيْ مُفَسَّرَةً فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ.

و"طَهِّرا" قِيلَ: مَعْناهُ ابْنِياهُ وأسِّساهُ عَلى طَهارَةٍ ونِيَّةِ طَهارَةٍ فَيَجِيءُ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ أُسِّسَ عَلى التَقْوى  ﴾ .

وقالَ مُجاهِدٌ: هو أمْرٌ بِالتَطْهِيرِ مِن عِبادَةِ الأوثانِ، وقِيلَ: مِنَ الفَرْثِ والدَمِ، وهَذا ضَعِيفٌ لا تُعَضِّدُهُ الأخْبارُ، وقِيلَ: مِنَ الشِرْكِ.

وأضافَ اللهُ البَيْتَ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِلْبَيْتِ، وهي إضافَةُ مَخْلُوقٍ إلى خالِقٍ ومَمْلُوكٍ إلى مالِكٍ، و"لِلطّائِفِينَ" ظاهِرُهُ أهْلُ الطَوافِ، وقالَهُ عَطاءٌ وغَيْرُهُ.

وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مَعْناهُ لِلْغُرَباءِ الطارِئِينَ عَلى مَكَّةَ.

و"العاكِفِينَ" قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هم أهْلُ البَلَدِ المُقِيمُونَ، وقالَ عَطاءٌ: هُمُ المُجاوِرُونَ بِمَكَّةَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُصَلُّونَ.

وقالَ غَيْرُهُ: المُعْتَكِفُونَ.

والعُكُوفُ في اللُغَةِ، اللُزُومُ لِلشَّيْءِ والإقامَةُ عَلَيْهِ، كَما قالَ الشاعِرُ: ......................................

∗∗∗ عَكَفَ النَبِيطُ يَلْعَبُونَ الفَنْزَجا فَمَعْناهُ لِمُلازِمِي البَيْتِ إرادَةُ وجْهِ اللهِ العَظِيمِ.

﴿ والرُكَّعِ السُجُودِ ﴾ المُصَلُّونَ، وخُصَّ الرُكُوعُ والسُجُودُ بِالذِكْرِ لِأنَّهُما أقْرَبُ أحْوالِ المُصَلِّي إلى اللهِ تَعالى.

وكُلُّ مُقِيمٍ عِنْدَ بَيْتِ اللهِ إرادَةُ ذاتِ اللهِ، فَلا يَخْلُو مِن إحْدى هَذِهِ الرُتَبِ الثَلاثِ: إمّا أنْ يَكُونَ في صَلاةٍ، أو في طَوافٍ، فَإنْ كانَ في شُغْلٍ مِن دُنْياهُ فَحالُ العُكُوفِ عَلى مُجاوَرَةِ البَيْتِ لا يُفارِقُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ ﴾ الآيَةُ، دَعا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ لِذُرِّيَّتِهِ وغَيْرِهِمْ بِمَكَّةَ بِالأمْنِ ورَغَدِ العَيْشِ، و"اجْعَلْ" لَفْظُهُ الأمْرُ وهو في حَقِّ اللهِ تَعالى رَغْبَةٌ ودُعاءٌ، و"آمِنًا" مَعْناهُ مِنَ الجَبابِرَةِ والمُسَلَّطِينَ والعَدُوِّ المُسْتَأْصِلِ والمُثُلاتِ الَّتِي تَحِلُّ بِالبِلادِ، وكانَتْ مَكَّةُ وما يَلِيها حِينَ ذَلِكَ قَفْرًا لا ماءَ فِيهِ ولا نَباتَ، فَبارَكَ اللهُ فِيما حَوْلَها كالطائِفِ وغَيْرِهِ ونَبَتَتْ فِيها أنْواعُ الثَمَراتِ.

ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى لَمّا دَعاهُ إبْراهِيمُ أمَرَ جِبْرِيلَ -صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ- فاقْتَلَعَ فِلَسْطِينَ وقِيلَ قِطْعَةً مِنَ الأُرْدُنِ، فَطافَ بِها حَوْلَ البَيْتِ سَبْعًا وأنْزَلَها بِوَجٍّ، فَسُمِّيَتِ الطائِفَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الطَوافِ.

واخْتَلَفَ في تَحْرِيمِ مَكَّةَ مَتى كانَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: جَعَلَها اللهُ حَرامًا يَوْمَ خَلَقَ السَمَواتِ والأرْضَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: حَرَّمَها إبْراهِيمُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ قالَهُ النَبِيُّ  في خُطْبَتِهِ ثانِي يَوْمِ الفَتْحِ، والثانِي قالَهُ أيْضًا النَبِيُّ  ، فَفي الصَحِيحِ عنهُ: «اللهُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ، ما بَيْنَ لابَّتَيْها حَرامٌ».

ولا تَعارُضَ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ بِسابِقِ عِلْمِ اللهِ فِيها وقَضائِهِ، وكَوْنُ الحُرْمَةِ مُدَّةَ آدَمَ، وأوقاتُ عِمارَةِ القُطْرِ بِإيمانٍ، والثانِي إخْبارٌ بِتَجْدِيدِ إبْراهِيمَ لِحُرْمَتِها، وإظْهارُهُ ذَلِكَ بَعْدَ الدُثُورِ.

وكُلُّ مُقالٍ مِن هَذَيْنَ الإخْبارَيْنِ حَسَنٌ في مَقامِهِ، عَظَّمَ الحُرْمَةَ ثانِي يَوْمِ الفَتْحِ عَلى المُؤْمِنِينَ، بِإسْنادِ التَحْرِيمِ إلى اللهِ تَعالى، وذَكَرَ إبْراهِيمُ عِنْدَ تَحْرِيمِهِ المَدِينَةَ مِثالًا لِنَفْسِهِ، ولا مَحالَةَ أنَّ تَحْرِيمَ المَدِينَةِ هو أيْضًا مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى، ومِن نافِذِ قَضائِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ.

و"مَن" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "أهْلَهُ"، وخَصَّ إبْراهِيمُ المُؤْمِنِينَ بِدُعائِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ الآيَةُ، قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُما: هَذا القَوْلُ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِإبْراهِيمَ.

وقَرَؤُوا "فَأُمَتِّعُهُ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ التاءِ "ثُمَّ اضْطَرَّهُ" بِقَطْعِ الألِفِ وضَمِّ الراءِ، وكَذَلِكَ قَرَأ السَبْعَةُ حاشا ابْنُ عامِرٍ فَإنَّهُ قَرَأ "فَأُمَتِّعُهُ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ التاءِ "ثُمَّ أضْطَرَّهُ" بِقَطْعِ الألِفِ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ "فَأُمَتِّعُهُ" كَما قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "ثُمَّ اضْطَرَّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى لُغَةِ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: لا إخالُ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "فَنُمَتِّعُهُ" "ثُمَّ نَضْطَرُّهُ" ومِنَ شَرْطٌ، والجَوابُ في "فَأُمَتِّعُهُ".

وَمَوْضِعُ "مَن" رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ.

ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُها نَصْبًا عَلى تَقْدِيرِ: وأرْزَقُ مَن كَفَرَ، فَلا تَكُونُ شَرْطًا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: هَذا القَوْلُ هو مِن إبْراهِيمَ  ، وقَرَؤُوا: "فَأُمَتِّعُهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ المِيمِ، "ثُمَّ اضْطَرَّهُ" بِوَصْلِ الألِفِ وفَتْحِ الراءِ.

وقُرِئَتْ بِالكَسْرِ، ويَجُوزُ فِيها الضَمُّ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "ثُمَّ اطَّرُّهُ" بِإدْغامِ الضادِ في الطاءِ.

وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: "ثُمَّ اضْطَرَّهُ" بِضَمِّ الطاءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ دَعا لِلْمُؤْمِنِينَ وعَلى الكافِرِينَ.

وقَلِيلًا مَعْناهُ مُدَّةُ العُمْرِ، لِأنَّ مَتاعَ الدُنْيا قَلِيلٌ، وهو نَعْتٌ إمّا لِمَصْدَرٍ كَأنَّهُ قالَ: مَتاعًا قَلِيلًا، وإمّا لِزَمانٍ كَأنَّهُ قالَ: وقْتًا قَلِيلًا، أو زَمَنًا قَلِيلًا.

و"المَصِيرُ" مُفْعِلٌ كَمَوْضِعٌ مِن صارَ يَصِيرُ، وبِيسَ أصْلُها بِئْسَ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ في بِيسَما، وأُمَتِّعُهُ مَعْناهُ: أُخَوِّلُهُ الدُنْيا وأُبْقِيهِ فِيها بَقاءً قَلِيلًا، لِأنَّهُ فانٍ مُنْقَضٍ.

وأصْلُ المَتاعِ الزادُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما يَكُونُ آخِرَ أمْرِ الإنْسانِ أو عَطائِهِ أو أفْعالِهِ، قالَ الشاعِرُ: وقَفْتُ عَلى قَبْرٍ غَرِيبٍ بِقَفْرَةٍ ∗∗∗ مَتاعُ قَلِيلٌ مِن حَبِيبٍ مُفارِقٍ وَمِنهُ تَمْتِيعُ الزَوْجاتِ ويَضْطَرُّ اللهُ الكافِرَ إلى النارِ جَزاءً عَلى كُفْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تدرجُ في ذكر منقبة إبراهيم إذ جعل الله بيته بهذه الفضيلة.

و(إذ) أضافها إلى جلالته فقال: (بيتي)، واستهلالٌ لفضيلة القبلة الإسلامية، فالواو عاطفة على ﴿ ابتلى ﴾ [البقرة: 124] وأعيدت (إذ) للتنبيه على استقلال القصة وأنها جديرة بأن تعد بنية أخرى، ولا التفات إلى حصول مضمون هذه بعد حصول الأخرى أو قبله إذ لا غرض في ذلك في مقام ذكر الفضائل، ولأن الواو لا تفيد ترتيباً.

والبيت اسم جنس للمكان المتخذ مسكناً لواحد أو عدد من الناس في غرض من الأغراض، وهو مكان من الأرض يحيط به ما يميزه عن بقية بقعته من الأرض ليكون الساكن مستقلاً به لنفسه ولمن يتبعه فيكون مستقَراً له وكناً يكنه من البرد والحر وساتراً يستتر فيه عن الناس ومحطاً لأثاثه وشؤونه، وقد يكون خاصاً وهو الغالب وقد يكون لجماعة مثل دار الندوة في العرب وخيمة الاجتماع في بني إسرائيل، وقد يكون محيط البيت من حجر وطين كالكعبة ودار الندوة، وقد يكون من أديم مثل القباب، وقد يكون من نسيج صوف أو شعر قال تعالى: ﴿ وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها ﴾ [النحل: 80]، ولا يكون بيتاً إلا إذا كان مستوراً أعلاه عن الحر والقُر وذلك بالسقف لبيوت الحجر وبيوت الأديم والخيام.

والبيت علم بالغلبة على الكعبة كما غلب النجم على الثريا.

وأصل أل التي في الأعلام بالغلبة هي أل العهدية وذلك إذا كثر عهد فرد من أفراد جنس بين طائفة أو قوم صار اسم جنسه مع أل العهدية كالعلم له ثم قد يتعهدون مع ذلك المعنى الأصلي كما في النجم للثريا والكتاب للقرآن والبيت للكعبة، وقد ينسى المعنى الأصلي إما بقلة الحاجة إليه كالصعِق علم على خويلد بن نفيل وإما بانحصار الجنس فيه كالشمس.

والكعبة بيت بناه إبراهيم عليه السلام لعبادة الله وحده دون شريك فيأوي إليه من يدين بالتوحيد ويطوف به من يقصد تعظيم الله تعالى ولذلك أضافه إلى الله تعالى باعتبار هذا المعنى كما قال: ﴿ أن طهرا بيتي للطائفين ﴾ وفي قوله: ﴿ عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة ﴾ [إبراهيم: 37] وقد عرفت الكعبة باسم البيت من عهد الجاهلية قال زهير: فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله *** رجالٌ بنوه من قريش وجُرهم والمثابة مفعلة من ثاب يثوب إذا رجع ويقال مثابة ومثاب مثل مقامة ومقام، والمراد بالمثابة أنه يقصده الناس بالتعظيم ويلوذون به.

والمراد من الناس سكان مكة من ذرية إسماعيل وكل من يجاورهم ويدخل في حلفهم، فتعريف الناس للجنس المعهود، وتعليق للناس بمثابة على التوزيع أي يزوره ناس ويذهبون فيخلفهم ناس.

ولما كان المقصود من هذا ذكر منقبة البيت والمنة على ساكنيه كان الغرض التذكير بنعمة الله أن جعله لا ينصرف عنه قوم إلا ويخلفهم قوم آخرون، فكان الذين يخلفون الزائرين قائمين مقامهم بالنسبة للبيت وسكانه، ويجوز حمل تعريف الناس على العهد أي يثوب إليه الناس الذين ألفوه وهم كُمَّل الزائرين فهم يعودون إليه مراراً، وكذلك كان الشأن عند العرب.

والأمن مصدر أخبر به عن البيت باعتبار أنه سبب أمن فجعل كأنه نفس الأمن مبالغة.

والأمن حفظ الناس من الأضرار فتشريد الدعَّار وحراسة البلاد وتمهيد السبل وإنارة الطرق أمن، والانتصاف من الجناة والضرب على أيدي الظلمة وإرجاع الحقوق إلى أهلها أمن، فالأمن يفسر في كل حال بما يناسبه، ولما كان الغالب على أحوال الجاهلية أخذ القوي مال الضعيف ولم يكن بينهم تحاكم ولا شريعة كان الأمن يومئذ هو الحيلولة بين القوي والضعيف، فجعل الله لهم البيت أمناً للناس يومئذ أي يصد القوي عن أن يتناول فيه الضعيف قال تعالى: ﴿ أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم ﴾ [العنكبوت: 67] فهذه منة على أهل الجاهلية، وأما في الإسلام فقد أغنى الله تعالى بما شرعه من أحكامه وما أقامه من حكامه فكان ذلك أمناً كافياً.

قال السهيلي فقوله تعالى: ﴿ مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً ﴾ [آل عمران: 97] إنما هو إخبار عن تعظيم حرمته في الجاهلية نعمة منه تعالى على أهل مكة فكان في ذلك مصلحة لذرية إسماعيل عليه السلام.

وقد اختلف الفقهاء في الاستدلال بهذه الآية وأضرابها على حكم إقامة الحدود والعقوبات في الحرم وسيأتي تفصيلها عند قوله تعالى: ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ﴾ [البقرة: 191] الآية وليس من غرض هذه الآية.

والمراد من الجعل في الآية إما الجعل التكويني لأن ذلك قدره الله وأوجد أسبابه فاستقر ذلك بين أهل الجاهلية ويسرهم إلى تعظيمه، وإما الجعل أن أمر الله إبراهيم بذلك فأبلغه إبراهيم ابنه إسماعيل وبثه في ذريته فتلقاه أعقابهم تلقي الأمور المسلمة، فدام ذلك الأمن في العصور والأجيال من عهد إبراهيم عليه السلام إلى أن أغنى الله عنه بما شرع من أحكام الأمن في الإسلام في كل مكان وتم مراد الله تعالى، فلا يريبكم ما حدث في المسجد الحرام من الخوف في حصار الحجاج في فتنة ابن الزبير ولا ما حدث فيه من الرعب والقتل والنهب في زمن القرامطة حين غزاه الحسن ابن بهرام الجنابي (نسبة إلى بلدة يقال لها جنابة بتشديد النون) كبير القرامطة إذ قتل بمكة آلافاً من الناس وكان يقول لهم يا كلاب أليس قال لكم محمد المكي ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ [آل عمران: 97] أيّ أمن هنا؟

وهو جاهل غبي لأن الله أراد الأمر بأن يجعل المسجد الحرام مأمناً في مدة الجاهلية إذ لم يكن للناس وازع عن الظلم، أو هو خبر مراد به الأمر مثل ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ [البقرة: 228].

وقوله: ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ قرأه نافع وابن عامر بصيغة الماضي عطفاً على ﴿ جعلنا ﴾ فيكون هذا الاتخاذ من آثار ذلك الجعل فالمعنى ألهمنا الناس أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، أو أمرناهم بذلك على لسان إبراهيم فامتثلوا واتخذوه، فهو للدلالة على حصول الجعل بطريق دلالة الاقتضاء فكأنه قيل جعلنا ذلك فاتخذوا، وقرأه باقي العشرة بكسر الخاء بصيغة الأمر على تقدير القول أي قلنا اتخِذوا بقرينة الخطاب فيكون العامل المعطوف محذوفاً بالقرينة وبقي معموله كقول لبيد: فَعَلاَ فروعُ الأَيهقان وأطفلتْ *** بالجَلْهَتَيْن ظِبَاؤُها ونَعَامُها أراد وباضت نعامها فإنه لا يقال لأفراخ الطير أطفال، فمآل القراءتين إلى مفاد واحد.

ومقام إبراهيم يطلق على الكعبة لأن إبراهيم كان يقوم عندها يعبد الله تعالى ويدعو إلى توحيده، قال زيد بن عمرو بن نفيل: عذت بما عاذ به إبراهِمْ *** مُستقبِلَ الكعبةِ وهو قائمْ وبهذا الإطلاق جاء في قوله تعالى: ﴿ مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً ﴾ [آل عمران: 97] إذ الدخول من علائق البيت، ويطلق مقام إبراهيم على الحَجَر الذي كان يقف عليه إبراهيم عليه السلام حين بنائه الكعبة ليرتفع لوضع الحجارة في أعلى الجدار كما أخرجه البخاري، وقد ثبتت آثار قدميه في الحَجَر.

قال أنس بن مالك رأيتُ في المقام أَثَر أصابعه وأخمص قدميه غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم، وهذا الحجر يعرف إلى اليوم بالمقام، وقد ركع النبيء صلى الله عليه وسلم في موضعه ركعتين بعد طواف القدوم فكان الركوع عنده من سنة الفراغ من الطواف.

والمصلَّى موضع الصلاة وصلاتهم يومئذ الدعاء والخضوع إلى الله تعالى، وكان إبراهيم قد وضع المسجد الحرام حول الكعبة ووضع الحَجَر الذي كان يرتفع عليه للبناء حولها فكان المصلَّى على الحجر المسمى بالمقام فذلك يكون المصلى متخَذاً من مقام إبراهيم على كلا الإطلاقين.

والقراءتان تقتضيان أن اتخاذ مقام إبراهيم مصلَّى كان من عهد إبراهيم عليه السلام ولم يكن الحَجَر الذي اعتلى عليه إبراهيم في البناء مخصوصاً بصلاة عنده ولكنه مشمول للصلاة في المسجد الحرام ولما جاء الإسلام بقي الأمر على ذلك إلى أن كان عام حجة الوداع أو عام الفتح دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجدَ الحرام ومعه عمر بن الخطاب ثم سنت الصلاة عند المقام في طواف القدوم.

روى البخاري عن عمر بن الخطاب أنه قال: «وافقت ربي في ثلاث: قلتُ يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ ، وهذه الرواية تثير معنى آخر للآية وهي أن يكون الخطاب موجهاً للمسلمين فتكون جملة ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ معترضة بين جملة ﴿ جعلنا البيت مثابة للناس ﴾ وجملة ﴿ وعهدنا إلى إبراهيم ﴾ اعتراضاً استطرادياً، وللجمع بين الاحتمالات الثلاثة في الآية يكون تأويل قول عمر «فنزلت» أنه نزل على النبيء صلى الله عليه وسلم شَرْع الصلاة عند حَجَر المقام بعد أن لم يكن مشروعاً لهم ليستقيم الجمع بين معنى القراءتين واتخَذوا بصيغة الماضي وبصيغة الأمر فإن صيغة الماضي لا تحتمل غير حكاية ما كان في زمن إبراهيم وصيغة الأمر تحتمل ذلك وتحتمل أن يراد بها معنى التشريع للمسلمين، إعمالاً للقرآن بكل ما تحتمله ألفاظه حسبما بيناه في المقدمة التاسعة.

وقوله: ﴿ وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل ﴾ ، العهد أصله الوعد المؤكد وقوعُه وقد تقدم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ قال لا ينال عهدي الظالمين ﴾ [البقرة: 124]، فإذا عدي بإلى كان بمعنى الوصية المؤكد على المُوصَى العمل بها فعهد هنا بمعنى أرسل عهداً إليه أي أرسل إليه يأخذ منهم عهداً، فالمعنى وأوصينا إلى إبراهيم وإسماعيل.

وقوله: ﴿ أن طَهرا ﴾ أن تفسيرية لأن الوصية فيها معنى القول دون حروفه فالتفسير للقول الضمني والمفسِّر هو ما بعد (أن) فلا تقدير في الكلام ولولا قصد حكاية القول لما جاء بعد (أن) بلفظ الأمر، ولقال بتطهير بيتي إلخ.

والمراد من تطهير البيت ما يدل عليه لفظ التطهير من محسوس بأن يحفظ من القاذورات والأوساخ ليكون المتعبِّد فيه مقبلاً على العبادة دون تكدير، ومِن تطهير معنوي وهو أن يُبْعَد عنه ما لا يليق بالقصد من بنائه من الأصنام والأفعال المنافية للحق كالعدوان والفسوق، والمنافية للمروءة كالطواف عرياً دون ثياب الرجال والنساء.

وفي هذا تعريض بأن المشركين ليسوا أهلاً لعمارة المسجد الحرام لأنهم لم يطهروه مما يجب تطهيره منه قال تعالى: ﴿ وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ [الأنفال: 34] وقال: ﴿ أيا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس ﴾ [لبتبة: 28].

والطائفون والعاكفون والراكعون والساجدون أصناف المتعبدين في البيت من طواففٍ واعتكاف وصلاة، وهم أصناف المتلبسين بتلك الصفات سواء انفردت بعض الطوائف ببعض هذه الصفات أو اجتمعت الصفات في طائفة أو طوائف، وذلك كله في الكعبة قبل وضع المسجد الحرام، وهؤلاء هم إسماعيل وأبناؤه وأصهاره من جرهم وكلّ من آمن بدين الحنيفية من جيرانهم.

وقد جمع الطائف والعاكف جمع سلامة، وجمع الراكع والساجد جمع تكسير، تفنناً في الكلام وبعداً عن تكرير الصيغة أكثر من مرة بخلاف نحو قوله: ﴿ مسلمات مؤمنات قانتات تائبات ﴾ [التحريم: 5] الآية، وقوله: ﴿ إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ﴾ [الأحزاب: 35] الآية، وقال ابن عرفة «جمع الطائفين والعاكفين جمع سلامة لأنه أقرب إلى لفظ الفعل بمنزلة يطوفون أي يجددون الطواف للإشعار بعلة تطهير البيت وهو قرب هذين من البيت بخلاف الركوع والسجود فإنه لا يلزم أن يكونا في البيت ولا عنده فلذلك لم يجمع جمع سلامة»، وهذا الكلام يؤذن بالفرق بين جمع السلامة وجمع التكسير من حيث الإشعار بالحدوث والتجدد، ويشهد له كلام أبي الفتح ابن جني في «شرح الحماسة» عند قول الأحوص الأنصارى: فإذا تزول تزول عن متخمِّط *** تُخشى بوادرُه على الأقران قال أبو الفتح: «جاز أن يتعلق على ببوادر، وإنكان جمعاً مكسراً والمصدر إذا كسر بَعُد بتكسيره عن شبه الفعل، وإذا جاز تعلق المفعول به بالمصدر مكسراً نحو «مواعيد عرقوب أخاه» كان تعلق حرف الجر به أجوز».

فصريح كلامه أن التكسير يبعد ما هو بمعنى الفعل عن شبه الفعل.

وخولف بين الركوع والسجود زيادة في التفنن وإلا فإن الساجد يجمع على سجّد إلا أن الأكثر فيهما إذا اقترنا أن يخالف بين صيغتيهما قال كثير: لو يسمعون كما سمعت كلامها *** خروا لعزة ركعاً وسجودا وقد علمتم من النحو والصرف أن جمع فاعل على فعول سماعي فمنه شهود وهجوع وهجود وسجود.

ولم يعطف السجود على (الركع) لأن الوصفين متلازمان ولو عطف لتوهم أنهما وصفان مفترقان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أيْ أمَرْنا.

والثّانِي: أيْ أوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ.

﴿ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِنَ الأصْنامِ.

والثّانِي: مِنَ الكُفّارِ.

والثّالِثُ: مِنَ الأنْجاسِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَيْتِيَ ﴾ يُرِيدُ البَيْتَ الحَرامَ.

فَإنْ قِيلَ: فَلَمْ يَكُنْ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ، قَبْلَ بِناءِ البَيْتِ بَيْتٌ يُطَهَّرُ، قِيلَ: عَنْ هَذا جَوابانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أنِ ابْنِيا بَيْتِي مُطَهَّرًا، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: مَعْناهُ أنْ طَهِّرا مَكانَ البَيْتِ.

﴿ لِلطّائِفِينَ ﴾ فِيهِمْ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الغُرَباءُ الَّذِينَ يَأْتُونَ البَيْتَ مِن غُرْبَةٍ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.

﴿ والعاكِفِينَ ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ البَلَدِ الحَرامِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُعْتَكِفُونَ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُصَلُّونَ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ المُجاوِرُونَ لِلْبَيْتِ الحَرامِ بِغَيْرِ طَوافٍ، وغَيْرِ اعْتِكافٍ، ولا صَلاةٍ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.

﴿ والرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ يُرِيدُ أهْلَ الصَّلاةِ، لِأنَّها تَجْمَعُ رُكُوعًا وسُجُودًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ ﴿ وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ ﴾ لِيُجْمَعَ لِأهْلِهِ الأمْنُ والخِصْبُ، فَيَكُونُوا في رَغَدٍ مِنَ العَيْشِ.

﴿ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ مُتَّصِلًا بِسُؤالِهِ، أنْ يَجْعَلَهُ بَلَدًا آمِنًا، وأنْ يَرْزُقَ أهْلَهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أعْلَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ﴾ أنَّ فِيهِمْ ظالِمًا هو بِالعِقابِ أحَقُّ مِنَ الثَّوابِ، فَلَمْ يَسْألْ أهْلَ المَعاصِي سُؤالَ أهْلِ الطّاعاتِ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ سُؤالُهُ كانَ عامًّا مُرْسَلًا، وأنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ الإجابَةَ لِمَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ حالِ الكافِرِينَ، بِأنْ قالَ: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا.

﴿ ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ ﴾ يَعْنِي بِذُنُوبِهِ إنْ ماتَ عَلى كُفْرِهِ.

واخْتَلَفُوا في مَكَّةَ، هَلْ صارَتْ حَرَمًا آمِنًا بِسُؤالِ إبْراهِيمَ أوْ كانَتْ فِيهِ كَذَلِكَ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لَمْ تَزَلْ حَرَمًا مِنَ الجَبابِرَةِ والمُسَلَّطِينَ، ومِنَ الخُسُوفِ والزَّلازِلِ، وإنَّما سَألَ إبْراهِيمُ رَبَّهُ: أنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ، وأنْ يَرْزُقَ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ، لِرِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ المَقْبُرِيِّ، قالَ: سَمِعْتُ أبا شُرَيْحٍ الخُزاعِيَّ يَقُولُ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمّا افْتَتَحَ مَكَّةَ، قَتَلَتْ خُزاعَةُ رَجُلًا مِن هُذَيْلٍ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ  خَطِيبًا فَقالَ: (يَأيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فَهي حَرامٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَسْفِكَ فِيها دَمًا أوْ يُعَضِّدَ بِها شَجَرًا، وأنَّها لا تَحِلُّ لِأحَدٍ بَعْدِي ولَمْ تَحِلَّ لِي إلّا هَذِهِ السّاعَةَ غَضَبًا عَلى أهْلِها، ألا وهي قَدْ رَجَعَتْ عَلى حالِها بِالأمْسِ، ألا لِيُبَلِّغِ الشّاهِدُ الغائِبَ.

فَمَن قالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قَتَلَ بِها فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أحَلَّها لِرَسُولِهِ ولَمْ يُحِلَّها لَكَ» .والثّانِي: أنَّ مَكَّةَ كانَتْ حَلالًا قَبْلَ دَعْوَةِ إبْراهِيمَ، كَسائِرِ البِلادِ، وأنَّها بِدَعْوَتِهِ صارَتْ حَرَمًا آمِنًا، وبِتَحْرِيمِهِ لَها، كَما صارَتِ المَدِينَةُ بِتَحْرِيمِ رَسُولِ اللَّهِ  حَرامًا، بَعْدَ أنْ كانَتْ حَلالًا، لِرِوايَةِ أشْعَبَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: « (إنَّ إبْراهِيمَ كانَ عَبْدَ اللَّهِ وخَلِيلَهُ، وإنِّي عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وإنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لابَتَيْها عَضاها وصَيْدُها، لا يُحْمَلُ فِيها سِلاحٌ لِقِتالٍ، ولا يُقْطَعُ مِنها شَجَرٌ لَعَلَفٍ).» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ ﴾ أوَّلُ مَن دَلَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى مَكانِ البَيْتِ إبْراهِيمُ، وهو أوَّلُ مَن بَناهُ مَعَ إسْماعِيلَ، وأوَّلُ مَن حَجَّهُ، وإنَّما كانُوا قَبْلُ يُصَلُّونَ نَحْوَهُ، ولا يَعْرِفُونَ مَكانَهُ.

والقَواعِدُ مِنَ البَيْتِ واحِدَتُها قاعِدَةٌ، وهي كالأساسِ لِما فَوْقَها.

﴿ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا ﴾ والمَعْنى: يَقُولانِ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، وهي كَذَلِكَ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ( وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ ويَقُولانِ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا ) وتَفْسِيرُ (إسْماعِيلَ): اسْمَعْ يا اللَّهُ، لِأنَّ إيلَ بِالسُّرْيانِيَّةِ هو اللَّهُ، لِأنَّ إبْراهِيمَ لَمّا دَعا رَبَّهُ قالَ: اسْمَعْ يا إيلُ، فَلَمّا أجابَهُ ورَزَقَهُ بِما دَعا مِنَ الوَلَدِ، سَمّى بِما دَعا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ عَلى التَّثْنِيَةِ، وقَرَأ عَوْفٌ الأعْرابِيُّ: مُسْلِمَيْنِ لَكَ عَلى الجَمْعِ.

وَيُقالُ: أنَّهُ لَمْ يَدْعُ نَبِيٌّ إلّا لِنَفْسِهِ ولِأُمَّتِهِ إلّا إبْراهِيمَ فَإنَّهُ دَعا مَعَ دُعائِهِ لِنَفْسِهِ ولِأُمَّتِهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ والمُسْلِمُ هو الَّذِي اسْتَسْلَمَ لِأمْرِ اللَّهِ وخَضَعَ لَهُ، وهو في الدِّينِ القابِلُ لِأوامِرِ اللَّهِ سِرًّا وجَهْرًا.

﴿ وَأرِنا مَناسِكَنا ﴾ أيْ عَرِّفْنا مَناسِكَنا، وفِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَناسِكُ الحَجِّ ومَعالِمِهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّها مَناسِكُ الذَّبائِحِ الَّتِي تُنْسَكُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ.

والمَناسِكُ جَمْعُ مَنسَكٍ، واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِهِ مَنسَكًا عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ مُعْتادٌ ويَتَرَدَّدُ النّاسُ إلَيْهِ في الحَجِّ والعُمْرَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ لِفُلانٍ مَنسَكًا، إذا كانَ لَهُ مَوْضِعٌ مُعْتادٌ لِخَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ مَناسِكُ الحَجِّ لِاعْتِيادِها.

والثّانِي: أنَّ النُّسُكَ عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الزّاهِدُ ناسِكًا لِعِبادَةِ رَبِّهِ، فَسُمِّيَتْ هَذِهِ مَناسِكَ لِأنَّها عِباداتٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ وإذ جعلنا البيت ﴾ قال: الكعبة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ مثابة للناس ﴾ قال: يثوبون إليه ثم يرجعون.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ مثابة للناس ﴾ قال لا يقضون منه وطراً يأتونه، ثم يرجعون إلى أهليهم، ثم يعودون إليه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء في قوله: ﴿ وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ﴾ قال: يأتون إليه من كل مكان.

وأخرج سفيان بن عيينة وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله: ﴿ مثابة للناس ﴾ قال: يأتون إليه لا يقضون منه وطراً أبداً، يحجون ثم يعودون ﴿ وأمنا ﴾ قال: تحريمه لا يخاف من دخله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأمنا ﴾ قال: أمناً للناس.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ وأمناً ﴾ قال: أمناً من العدوان يحمل فيه السلاح، وقد كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون.

أما قوله تعالى: ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ .

أخرج عبد بن حميد عن أبي إسحاق أن أصحاب عبد الله كانوا يقرأون ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ قال: أمرهم أن يتخذوا.

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: سمعت سعيد بن جبير قرأها ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ بخفض الخاء.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والعدني والدارمي والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والطحاوي وابن حبان والدارقطني في الإِفراد والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب: وافقت ربي في ثلاث.

قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟

فنزلت ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهم البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب.

واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة فقلت لهن ﴿ عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن ﴾ [ التحريم: 5] فنزلت كذلك.

وأخرج مسلم وابن أبي داود وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه عن جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعاً، حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ » .

وأخرج ابن ماجة وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر قال: «لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم قال له عمر: يا رسول الله هذا مقام إبراهيم الذي قال الله: ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ ؟

قال: نعم» .

وأخرج الطبراني والخطيب في تاريخه عن ابن عمر «أن عمر قال: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟

فنزلت ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد والترمذي عن أنس «أن عمر قال: يا رسول الله لوصلينا خلف المقام؟

فنزلت ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ » .

وأخرج ابن أبي داود عن مجاهد قال: كان المقام إلى لزق البيت فقال عمر بن الخطاب «يا رسول الله لو نحيته إلى البيت ليصلي إليه الناس، ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ » .

وأخرج ابن أبي داود وابن مردويه عن مجاهد قال: قال عمر «يا رسول الله لو صلينا خلف المقام، فأنزل الله: ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ فكان المقام عند البيت فحوّله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضعه هذا.

قال مجاهد: وقد كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن» .

وأخرج ابن مردويه من طريق عمر بن ميمون عن عمر «أنه مر بمقام إبراهيم فقال: يا رسول الله أليس نقوم مقام إبراهيم خليل ربنا؟

قال: بلى.

قال: أفلا نتخذه مصلى؟

فلم يلبث إلا يسيراً حتى نزلت ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ » .

وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده والدارقطني في الإِفراد عن أبي ميسرة قال: قال عمر يا رسول الله هذا مقام خليل ربنا أفلا نتخذه مصلى؟

فنزلت ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أما مقام إبراهيم الذي ذكر هاهنا فمقام إبراهيم هذا الذي في المسجد، ومقام إبراهيم بعد كثير مقام إبراهيم الحج كله.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: مقام إبراهيم الحرم كله.

وأخرج ابن سعد وابن المنذر عن عائشة قالت: ألقي المقام من السماء.

وأخرج ابن أبي حاتم والأزرقي عن ابن عمر قال: إن المقام ياقوتة من ياقوت الجنة محي نوره، ولولا ذلك لأضاء ما بين السماء والأرض، والركن مثل ذلك.

وأخرج الترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي في الدلائل عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب» .

وأخرج الحاكم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: الحجر مقام إبراهيم لينه الله فجعله رحمة وكان يقوم عليه ويناوله إسماعيل الحجارة.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الركن والمقام من ياقوت الجنة، ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم لأضاءا ما بين المشرق والمغرب، وما مسهما من ذي عاهة ولا سقيم إلا شفي» .

وأخرج البيهقي عن ابن عمر رفعه، ولولا ما مسه من انجاس الجاهلية ما مسه ذو عاهة إلا شفي، وما على وجه الأرض شيء من الجنة غيره.

وأخرج الجندي في فضائل مكة عن سعيد بن المسيب قال: الركن والمقام حجران من حجارة الجنة.

وأخرج الأزرقي في تاريخ مكة والجندي عن مجاهد قال: يأتي الحجر والمقام يوم القيامة كل واحد منهما مثل أحد، لهما عينان وشفتان يناديان بأعلى أصواتهما، يشهدان لمن وافاهما بالوفاء.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن الزبير، أنه رأى قوماً يمسحون المقام فقال: لم تؤمروا بهذا، إنما أمرتم بالصلاة عنده.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والأزرقي عن قتادة ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ قال: إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه، ولقد تكلفت هذه الأمة شيئاً ما تكلفته الأمم قبلها، وقد ذكر لنا بعض من رأى أثر عقبه وأصابعه، فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخلولق وانماح.

وأخرج الأزرقي عن نوفل بن معاوية الديلمي قال: رأيت في المنام في عهد عبد المطلب مثل المهاة قال أبو محمد الخزاعي: المهاة خرزة بيضاء.

وأخرج الأزرقي عن أبي سعيد الخدري قال: سألت عبد الله بن سلام عن الأثر الذي في المقام فقال: كانت الحجارة على ما هي عليه اليوم إلا أن الله أراد أن يجعل المقام آية من آياته، فلما أمر إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج قام على المقام، أو ارتفع المقام حتى صار أطول الجبال وأشرف على ما تحته، فقال: يا أيها الناس اجيبوا ربكم فأجابه الناس فقالوا: لبيك اللهم لبيك، فكان أثره فيه لما أراد الله، فكان ينظر عن يمينه وعن شماله اجيبوا ربكم فلما فرغ أمر بالمقام فوضعه قبله، فكان يصلي إليه مستقبل الباب فهو قبلته إلى ما شاء الله، ثم كان إسماعيل بعد يصلي إليه إلى باب الكعبة، ثم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر أن يصلي إلى بيت المقدس، فصلى إليه قبل أن يهاجر وبعدما هاجر، ثم أحب الله أن يصرفه إلى قبلته التي رضي لنفسه ولأنبيائه فصلى إلى الميزاب وهو بالمدينة، ثم قدم مكة فكان يصلي إلى المقام ما كان بمكة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ قال: مدعى.

وأخرج الأزرقي عن كثير بن أبي كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي عن أبيه عن جده قال: كانت السيول تدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة الكبير قبل أن يردم عمر الردم الأعلى، فكانت السيول ربما رفعت المقام عن موضعه وربما نحته إلى وجه الكعبة حتى جاء سيل أم نهشل في خلافة عمر بن الخطاب، فاحتمل المقام من موضعه هذا فذهب به حتى وجد بأسفل مكة، فأتي به فربط إلى أستار الكعبة، وكتب في ذلك إلى عمر، فأقبل فزعاً في شهر رمضان وقد عفى موضعه وعفاه السيل، فدعا عمر بالناس فقال: أنشد الله عبداً علم في هذا المقام.

فقال المطلب بن أبي وداعة: أنا يا أمير المؤمنين عندي ذلك، قد كنت أخشى عليه هذا فأخذت قدره من موضعه إلى الركن، ومن موضعه إلى باب الحجر، ومن موضعه إلى زمزم بمقاط وهو عندي في البيت.

فقال له عمر: فاجلس عندي وارسل إليه.

فجلس عنده وأرسل فأتي بها، فمدها فوجدها مستوية إلى موضعه هذا، فسأل الناس وشاورهم فقالوا: نعم، هذا موضعه.

فلما استثبت ذلك عمر وحق عنده أمر به، فاعلم ببناء ربضه تحت المقام ثم حوّله، فهو في مكانه هذا إلى اليوم.

وأخرج الأزرقي من طريق سفيان بن عيينة عن حبيب بن الأشرس قال: كان سيل أم نهشل قبل أن يعمل عمر الردم بأعلى مكة، فاحتمل المقام من مكانه فلم يدر أين موضعه، فلما قدم عمر بن الخطاب سأل من يعلم موضعه؟

فقال عبد المطلب بن أبي وداعة: أنا يا أمير المؤمنين قد كنت قدرته وذرعته بمقاط وتخوّفت عليه هذا من الحجر إليه، ومن الركن إليه، ومن وجه الكعبة.

فقال: ائت به.

فجاء به فوضعه في موضعه هذا وعمل عمر الردم، عند ذلك قال سفيان: فذلك الذي حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، أن المقام كان عند سقع البيت، فاما موضعه الذي هو موضعه فموضعه الآن، وأما ما يقول الناس: إنه كان هنالك موضعه فلا.

وأخرج الأزرقي عن ابن أبي مليكة قال: موضع المقام هذا هو الذي به اليوم، هو موضعه في الجاهلية، وفي عهد النبي، وأبي بكر وعمر، إلا أن السيل ذهب به في خلافة عمر، فجعل في وجه الكعبة حتى قدم عمر فرده بمحضر الناس.

وأخرج البيهقي في سننه عن عائشة.

أن المقام كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم زمان أبي بكر ملتصقاً بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب.

وأخرج ابن سعد عن مجاهد.

قال عمر بن الخطاب: من له علم بموضع المقام حيث كان؟

فقال أبو وداعة بن صبيرة السهمي: عندي يا أمير المؤمنين قدرته إلى الباب، وقدرته إلى ركن الحجر، وقدرته إلى الركن الأسود، وقدرته إلى زمزم.

فقال عمر: هاته.

فأخذه عمر فرده إلى موضعه اليوم للمقدار الذي جاء به أبو وداعة.

وأخرج الحميدي وابن النجار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من طاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين، وشرب من ماء زمزم، غفرت له ذنوبه كلها بالغة ما بلغت» .

وأخرج الأزرقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المرء يريد الطواف بالبيت أقبل يخوض الرحمة فإذا دخله غمرته، ثم لا يرفع قدماً ولا يضع قدماً إلا كتب الله له بكل قدم خمسمائة حسنة، وحط عنه خمسمائة سيئة، ورفعت له خمسمائة درجة، فإذا فرغ من طوافه فأتى مقام إبراهيم، فصلى ركعتين، دبر المقام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وكتب له أجر عتق عشر رقاب من ولد إسماعيل، واستقبله ملك على الركن فقال له: استأنف العمل فيما بقي فقد كفيت ما مضى وشفع في سبعين من أهل بيته» .

وأخرج أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة طاف بالبيت وصلى ركعتين خلف المقام، يعني يوم الفتح.

وأخرج البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر فطاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين.

وأخرج الأزرقي عن طلق بن حبيب قال: كنا جلوساً مع عبد الله بن عمرو بن العاص في الحجر، إذ قلص الظل وقامت المجالس، إذا نحن ببريق ايم طلع من هذا الباب- يعني من باب بني شيبة، والأيم الحية الذكر- فاشرأبت له أعين الناس، فطاف بالبيت سبعاً وصلى ركعتين وراء المقام، فقمنا إليه فقلنا: أيها المعتمر قد قضى الله نسكك، وأن بأرضنا عبيداً وسفهاء وإنما نخشى عليك منهم، فكوّم برأسه كومة بطحاء فوضع ذنبه عليها فسما بالسماء حتى ما نراه.

وأخرج الأزرقي عن أبي الطفيل قال: كانت امرأة من الجن في الجاهلية تسكن ذا طوى، وكان لها ابن ولم يكن لها ولد غيره، فكانت تحبه حباً شديداً، وكان شريفاً في قومه فتزوّج وأتى زوجته، فلما كان يوم سابعه قال لأمه: يا أماه إني أحب أن أطوف بالكعبة سبعاً نهاراً.

قالت له أمه: أي بني إني أخاف عليك سفهاء قريش فقال: أرجو السلامة.

فأذنت له فولى في صورة جان، فمضى نحو الطواف، فطاف بالبيت سبعاً وصلى خلف المقام ركعتين ثم أقبل منقلباً، فعرض له شاب من بني سهم فقتله، فثارت بمكة غبرة حتى لم يبصر لها الجبال.

قال أبو الطفيل: بلغنا أنه إنما تثور تلك الغبرة عند موت عظيم من الجن.

قال: فأصبح من بني سهم على فرشهم موتى كثير من قتل الجن، فكان فيهم سبعون شيخاً أصلع سوى الشاب.

وأخرج الأزرقي عن الحسن البصري قال: ما أعلم بلداً يصلي فيه حيث أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم إلا بمكة.

قال الله: ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ قال: ويقال: يستجاب الدعاء بمكة في خمسة عشر.

عند الملتزم، وتحت الميزاب، وعند الركن اليماني، وعلى الصفا، وعلى المروة، وبين الصفا والمروة، وبين الركن والمقام، وفي جوف الكعبة، وبمنى، وبجمع، وبعرفات، وعند الجمرات الثلاث.

وأما قوله تعالى ﴿ وعهدنا إلى إبراهيم ﴾ الآية.

أخرج ابن جرير عن عطاء وعهدنا إلى إبراهيم قال: أمرناه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أن طهرا بيتي ﴾ قال: من الأوثان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد وسعيد بن جبير في قوله: ﴿ أن طهرا بيتي ﴾ قالا: من الأوثان والريب وقول الزور والرجس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ أن طهرا بيتي ﴾ قال: من عبادة الأوثان والشرك وقول الزور.

وفي قوله: ﴿ والركع السجود ﴾ قال: هم أهل الصلاة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إذا كان قائماً فهو من الطائفين، وإذا كان جالساً فهو من العاكفين، وإذا كان مصلياً فهو من الركع السجود.

وأخرج عبد بن حميد عن سويد بن غفلة قال: من قعد في المسجد وهو طاهر فهو عاكف حتى يخرج منه.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ثابت قال: قلت لعبد الله بن عبيد بن عمير: ما أراني إلا مكلم الأمير أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام فإنهم يجنبون ويحدثون.

قال: لا تفعل فإن ابن عمر سئل عنهم فقال: هم العاكفون.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن أبي موسى قال: سئل ابن عباس عن الطواف أفضل أم الصلاة؟

فقال: أما أهل مكة فالصلاة، وأما أهل الأمصار فالطواف.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: الطواف للغرباء أحب إلي من الصلاة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: الصلاة لأهل مكة أفضل والطواف لأهل العراق.

وأخرج ابن أبي شيبة عن حجاج قال: سألت عطاء فقال: أما أنتم فالطواف، وأما أهل مكة فالصلاة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: الطواف أفضل من عمرة بعد الحجر.

وفي لفظ: طوافك بالبيت أحب إلي من الخروج إلى العمرة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا ﴾ هذه الآية تنعطف على ما تقدمها من الآيات التي ذكر فيها (١) (٢) قوله تعالى: ﴿ مَثَابَةً لِلنَّاسِ ﴾ المثاب والمثابة مصدران لقولهم: ثاب يثوب مثابًا ومثابة وثؤوبا وثَوَبانا، ذكر ذلك الفراء في كتاب "المصادر".

فالمثابة هاهنا: مصدر وُصِف به، ويراد به الموضعُ الذي يُثاب إليه (٣) (٤) وأنشد أحمد بن يحيى: سقى الله نجدًا من ربيعٍ وصيّفِ ...

وماذا تُرْجَى (٥) بلى إنَّهُ قد كانَ للعيشِ مرةً ...

وللبيضِ والفتيانِ منزلةً حمدا (٦) أراد: منزلة محمودة.

قال ابن الأنباري: والمصدر للمؤنث قد يكون خبرًا عن المذكر، كقولهم: أكلُ الرمانِ لذةٌ، وذكر أخبار الصالحين عظةٌ، ولقاءُ محمد منفعة.

ويمكن أن تكون المثابة الموضع الذي يثاب إليه، والهاء فيه لا تكون لتأنيث الموصوف به، كما يقال للمجلس: المقامُ والمقامة، يقال: هذا الموضعُ مقامُ فلان ومقامة بمعنى، والهاء تدخل للتخصيص لا للتأنيث، وهاء التخصيص تدخل في مواضع كثيرة كالقطنة والصوفة وأشباه ذلك (٧) وفيهم مقاماتٌ حِسَانٌ وجوهُها ...

وأنديةٌ ينتابُها القولُ والفِعْلُ (٨) وواحد المقامات مقامة، وعلى هذا دلَّ كلام المفسرين.

فقد قال ابن عباس في معنى قوله: ﴿ مَثَابَةً ﴾ : يريد: لا يقضون (٩) (١٠) وروي أيضًا عن ابن عباس أنه قال في تفسير المثابة: معادًا (١١) (١٢) (١٣) مَثَابًا لأَفْنَاءِ القبائلِ كُلِّها ...

تَخُبُّ إليها اليعملاتُ الطَّلائحُ وأنشده الشافعي رحمه الله لأبي طالب، وروى: اليعملات الذوامل (١٤) ومعنى ثاب في اللغة: عاد ورجع إلى وضعه الذي كان أفضى إليه، يقال: ثاب ماء البئر إذا عاد جُمَّتُها (١٥) وقال الأخفشُ: الهاء في المثابة للمبالغة في كثرة من يثوب إليه، كقولهم: رجل علامة ونسابة (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَأَمْنًا ﴾ أراد: مأمنا (١٧) (١٨) (١٩) وإلى هذا ذهب أبو حنيفة: أن الجاني إذا لاذ بالحرم أمن (٢٠) (٢١) (٢٢)  حين روى له أبو شريح هذا الحديث [يعني إن الله حرم مكة] وقول الرسول أحق أن يتبع.]].

وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿ وَأَمْنًا ﴾ الأولى أن يأمن فيه الجاني، فإن أخيف بإقامة الحد عليه جاز، فقد قال كثير من المفسرين: من شاء أمن، ومن شاء لم يؤمن، كما أنه لما جعله مثابة من شاء ثاب ومن شاء لم يثب، وقد كان قبل الإسلام يرى الرجلُ قاتلَ أبيه في الحرم فلا يتعرض له، وهذا شيء كانوا توارثوه من دين إسماعيل، فبقُوا عليه إلى أيام النبي  ، فاليوم من أصاب فيه جريرةً أقيم عليه الحد بالإجماع (٢٣) وقال أبو بكر بن الأنباري: معناه: وَأَمْنًا أن يُبخس القاصد له من الثواب الذي يوعده أمثاله، فهو واثق آمنٌ أنَّ أجرَه لا يضيعُ عند ربه (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ هذا معطوف على ما أضيف إليه إذ، كأنه: وإذ اتخذوا.

قال الزجاج: وهو عطف جملة، على جملة (٢٨) وقال الفراء: أي: جعلناه مثابةً لهم فاتخذوه مُصلَّى.

والفتح في الخاء على معنى الخبر، قراءة أهل المدينة والشام (٢٩) ﴿ جَعَلْنَا ﴾ و ﴿ وَعَهِدْنَا ﴾ .

ومن قرأ ﴿ وَأتَّخِذُوا ﴾ بالكسر على الأمر (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧)  -: وافقني ربي في ثلاث.

قلت: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى.

فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ .

وقلتُ: يا رسولَ الله، إنه يدخُلُ عليك البرُّ والفاجرُ، فلو حجبت أمهات المؤمنين، فأنزل الله عز وجل آية الحجاب، قال: وبلغني شيءٌ كان بين أمهات المؤمنين وبين النبي  فاستقريتُهن أقول: لتكُفُّنَّ عن رسول الله  ، أو ليبدلَنَّه اللهُ أزواجًا خيرًا منكن، فأنزل الله عز وجل: ﴿ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ ﴾ الآية [التحريم: 5] (٣٨) وهكذا قال ابن عباس في هذه، فقال في قوله: ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ : وذلك أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله، لو صليت بنا خلف المقام، فأنزل الله تعالى على ما قال عمر، ففعل رسول الله  (٣٩) وعلى هذه القراءة يكون قوله: ﴿ وَاتَّخِذُوا ﴾ عطفا على المعنى لا على اللفظ؛ لأن قوله: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً ﴾ معناه: ثوبوا إليه واتخذوا.

واختلف في مقام إبراهيم، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: البيت (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) وقال قتادة (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠)  قال: "الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولولا أن طمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب" [[أخرجه الترمذي (878) كتاب الحج، باب: ما جاء في فضل الحجر الأسود، والإمام أحمد في "المسند" 2/ 213 - 214 ابن خزيمة 4/ 219 برقم 2732 في المناسك، باب صفة الركن والمقام، والبيان انهما ياقوتتان من يواقيت الجنة، والحاكم 1/ 456 البيهقي 5/ 75 وعبد الرزاق في "المصنف" 5/ 39، الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1167.

قال الترمذي: هذا يُرْوى عن عبد الله بن عمرو، موقوفًا من قوله، وفيه عن أنس أيضا، وهو حديث غريب وقال ابن خزيمة: لست أعرف (رجاء) [يعني رجاء بن صبيح الحَرَشي] هذا بعدالة ولا جرح، ولست أحتج بخبر مثله، اهـ.

وقد ضعفه الحافظ في "الفتح" 3/ 462 وللحديث شواهد كثيرة حكم بعضها على الحديث بالحسن لغيره، كالدكتور خالد العنزي في تحقيق "تفسير الثعلبي".]].

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن إبراهيم  استأذن سارة أن يزور إسماعيل  ، فأذنت له، واشترطت عليه أن لا ينزل، فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟

قالت: ذهب (٥١) (٥٢) وذلك الحجر هو مقام إبراهيم الذي يعرفه الناس اليوم، وإذا أطلق مقام إبراهيم لم يفهم إلا الذي هو اليوم في المسجد، ويدل على هذا حديث عمر الذي رويناه آنفا (٥٣) وقال أنس بن مالك: رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبه وأخمص قدميه غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم (٥٤) ومعنى قوله تعالى: ﴿ مُصَلًّى ﴾ قال الحسن: قبلة (٥٥) (٥٦) (٥٧) وقوله تعالى: ﴿ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﴾ أي: أمرناهما وأوصينا إليهما (٥٨) ﴿ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾ قال سعيد بن جبير (٥٩) (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ  ﴾ .

وقال ابن عباس ويمان بن رئاب (٦٦) (٦٧) وقوله تعالى: ﴿ لِلطَّائِفِينَ ﴾ قال الفراء (٦٨) (٦٩) وقوله تعالى: ﴿ وَالْعَاكِفِينَ ﴾ العكوف: الإقامة (٧٠) (٧١) قال المفسرون: عنى بالطائفين: النُّزَّاع إليه من الآفاق، وبالعاكفين: أهلَ مكة وبالركع السجود (٧٢) (٧٣) (١) قوله: (التي ذكر فيها) ساقطة من (ش).

(٢) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 532.

(٣) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 76، الطبري 1/ 532، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 205 - 206 انظر البحث في مثابة في: "اللسان" 1/ 518 (ثوب).

(٤) البيت لزهير بن أبي سلمى في "الديوان" ص 40، "والأشباه والنظائر" 2/ 385، و"لسان العرب" 3/ 1664 (مادة: رضى).

وينظر: "المعجم المفصل" 6/ 216.

(٥) ساقطة من (أ)، (م).

(٦) هما بلا نسبة في "المذكر والمؤنث" للأنباري ص 246، "معجم البلدان" 5/ 263 (نجد).

وينظر: "المعجم المفصل" 2/ 204.

(٧) ابن الأنباري.

(٨) البيت لزهير بن أبي سلمى، في "ديوانه" ص113، "لسان العرب" 6/ 3787 مادة (قوم)، "المعجم المفصل" 6/ 245.

(٩) في (ش): (لا تقضون).

(١٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 533 وبنحوه أخرجه ابن أبي حاتم 1/ 255 ثم قال: وروي عن أبي العالية، وسعيد بن جبير في إحدى روايتيه وعطاء ومجاهد والحسن وعطية والربيع بن أنس والسدي والضحاك نحو ذلك.

(١١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1160، البغوي في "تفسيره" 1/ 146، "البحر المحيط" 1/ 380.

ولفظهم: معاذًا وملجًا، بالذال، وليست بالدال.

وقال الطبري 1/ 532: وإذ جعلنا البيت مرجعا للناس ومعاذًا.

وورد بالدال في "الوسيط" 1/ 204.

(١٢) في (ش): (وإعلال الألف اتباع تبع ألف مثابة ألف ثاب).

(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 206.

(١٤) نسبه إلى ورقة الطبري في "تفسيره" 1/ 532، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 380، و"البداية والنهاية" 2/ 297.

ورواية الطبري: مثابٌ، وذكره الشافعي في "الأم" (1/ 153ط.

دار المعرفة) منسوبًا لورقة بن نوفل خلافًا لما ذكره الواحدي، لكنه قال: الذوامل بدل الطلائح وكذلك ذكره القرطبي في "تفسيره" 2/ 100 وعدها أبو حيان رواية في البيت.

وبمثل هذه الرواية ذكرها صاحب "اللسان" 3/ 1516 منسوبًا لأبي طالب، وذكره في (مادة: ذمل) غير منسوب قال== شاكر في تعليقه على الطبري 3/ 26: "والظاهر أن الشافعي رحمه الله أخطأ في رواية البيت، وأخطأ صاحب "اللسان" في نسبته، اشتبه عليه بشعر أبي طالب في قصيدته المشهورة".

وكلام الواحدي صريح في نسبة البيت لأبي طالب، فلعلها في نسخة أو كتاب آخر.

وأفناء القبائل: أخلاطهم، وخَبَّت الدابة تَخُبُّ خَبَبًا: ضرب سريع من العدو، واليعملات: جمع يعملة، وهي الناقة السريعة المطبوعة على العمل، اشتق اسمها من العمل، والعمل من الإسراع والعجلة، والطلائح: جمع طليح، ناقة طليح أسفار: جهدها السير وهزلها، والذوامل جمع ذاملة: وهي التي تسير سيرًا لينًا سريعا.

(١٥) في "تهذيب اللغة" 1/ 463 (مادة: ثاب).

(١٦) "معاني القرآن" 1/ 146.

(١٧) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 534، "تفسير البغوي" 1/ 146.

(١٨) في "تفسير الثعلبي" 1/ 1161: ولكن لا يُؤْوَي.

(١٩) ذكره عنه الثعلبي 1/ 1161 والسمعاني2/ 47، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 141 وينظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 157، القرطبي 2/ 111، الرازي 4/ 52 == وقد روي بعضه عن بعض التابعين كما عند الطبري 1/ 534، ابن أبي حاتم 1/ 225.

(٢٠) ينظر: "شرح السير الكبير" للسرخسي 1/ 366 (ط.

الشركة الشرقية)، "كشف الأسرار" للبزدوي 1/ 296، قال في "المغني" 9/ 90 (ط.

دار احياء التراث العربي): وهذا قول ابن عباس، وعطاء، وعبيد بن عمير، والزهري ومجاهد وإسحاق والشعبي وأبي حنيفة وأصحابه.

وأحمد بن حنبل في القتل وأما في غيره فعنه روايتان.

(٢١) ينظر: "الأم" للشافعي 4/ 290، وبه قال مالك وابن المنذر كما في "المغني" 9/ 90.

(٢٢) ساقطة من (أ)، (م).

(٢٣) ينظر الخلاف الفقهي فيه في: "تفسير الطبري" 4/ 11 - 15، "غرائب النيسابوري" 1/ 394، "الوسيط" 1/ 204.

(٢٤) في (م): أن أجره عند ربه لا يضيع.

(٢٥) ابن الأنباري.

(٢٦) ساقطة من (أ)، (ش).

(٢٧) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 380.

(٢٨) "معاني القرآن" 1/ 207.

(٢٩) "معاني القرآن" 1/ 77.

(٣٠) قرأ بفتح الخاء نافع وابن عمر، وبكسر الخاء على الأمر، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي.

ينظر: "السبعة" ص 169، "الحجة" 2/ 220، "المبسوط" لابن مهران ص 135، "التيسير" للداني ص 65.

(٣١) يعني: الثعلبي في "تفسيره".

(٣٢) هو عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، أبو الحسين بن أبي إسحاق المزكي، من فقهاء نيسابور، قال الخليلي: كان ثقة، وقال الحاكم: كان من الصالحين العباد، التاركين لما لا يغني، قراء القرآن، المكثرين من سماع الحديث توفي سنة 397.

ينظر: "تاريخ بغداد"10/ 302، "السير" 16/ 97.

(٣٣) هو أبو الفضل عبدوس بن الحسين بن منصور النَّصْراباذي، سمع محمد بن عبد الوهاب الفراء وطبقته، روي عنه أبو علي الحافظ، ويقال: إن اسم عبدوس: عبد القدوس، والله أعلم ينظر: "الأنساب" 5/ 492.

(٣٤) هو: محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أبو حاتم الرازي، تقدمت ترجمته.

(٣٥) هو محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك، أبو عبد الله البصري القاضي، ثقةٌ، توفي سنة (214) أو نحوها.

انظر: "تهذيب الكمال" 25/ 539، "تقريب التهذيب" ص 490 (6046)، "تهذيب التهذيب" 3/ 614.

(٣٦) هو: حميد بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري، اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، ثقة مدلس، كثير التدليس عن أنس معظم حديثه عنه بواسطة ثابت وقتاده، وقد وقع تصريحه عن انس بالسماع وبالتحديث في أحاديث كثيرة في البخاري وغيره مات وهو قائم يصلي سنة 142 هـ ينظر: "تهذيب الكمال" 7/ 355، "التهذيب" 1/ 493.

(٣٧) أنس بن مالك بن النضر الأنصاري، الخزرجي، خادم رسول الله  ، خدمه عشر سنين، صحابي مشهور، مات سنة 92 وقيل: 93 وقد جاوز المائة.

ينظر: "الاستيعاب" 1/ 198، "أسد الغابة" 1/ 151.

(٣٨) أخرجه البخاري (4483) كتاب تفسير القرآن، باب: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.

(٣٩) لعله من رواية عطاء، وقد تقدم الحديث عنها في المقدمة، والحديث رواه عدد كبير من الأئمة، وبعضهم أخرجه مختصرًا.

وقد رواه الثعلبي بالإسناد نفسه 1/ 1163 بهذا اللفظ، وإسناده ورجاله ثقات عدا عبدوس فإنه لم يذكر بجرح أو تعديل، والحديث ثابت في البخاري (4484) كتاب التفسير: باب: قوله تعالى: ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ وغيره من طريق آخر عن حميد الطويل عن أنس به.

(٤٠) هذا من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في المقدمة.

(٤١) هو إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود أبو عمران النخعي من أهل الكوفة، كان إماما مجتهدًا، له مذهب، صالح زاهد ثقة، إلا أنه يرسل كثيرًا ويدلس، توفي سنة 97 هـ.

ينظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد 6/ 270، "الأعلام" 1/ 80.

(٤٢) "تفسير الثعلبي" 1/ 1164، البغوي 1/ 146، القرطبي 2/ 102، "البحر المحيط" 1/ 381، والآلوسي 1/ 380.

(٤٣) "تفسير الثعلبي" 1/ 1164.

(٤٤) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1164، والبغوي 1/ 146، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 381.

(٤٥) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 226.

(٤٦) أخرجه الطبري 1/ 537، وذكره الثعلبي 1/ 1164.

(٤٧) "تفسير مقاتل" 1/ 137 - 138، وذكره الثعلبي 3/ 1164.

(٤٨) أخرجه الطبري 1/ 537، وابن أبي حاتم 1/ 227.

(٤٩) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 381.

(٥٠) هكذا في الأصل، والصواب: عبد الله بن عمرو كما في مصادر تخريج الحديث.

(٥١) ساقطة من (أ)، (م).

(٥٢) ذكر القصة مطولة مبسوطة الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1164 وقد ذكر الواحدي منها موضع الشاهد، وقد أخرج القصة الطبري في "تاريخه" 1/ 154 من طرق عن سعيد بن جبير، وذكرها البغوي في "تفسيره" 1/ 147، الثعلبي أيضا من رواية السدي وغيره في كتابه: "عرائس المجالس" ص 71، ورواها الطبري مختصرة من كلام السدي 1/ 537، وأصل القصة رواها البخاري (3364) كتاب الأنبياء، وليس عند البخاري غسل رأس إبراهيم ووضع رجله حينذاك على المقام، ومن طريق البخاري أخرجها ابن الجوزي في "المنتظم" 1/ 268 ثم ذكر قصة غسل زوجة إسماعيل الثانية لرأس إبراهيم، من رواية عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.

وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1166 تحقيق د: العنزي.

(٥٣) قال في "البحر المحيط" 1/ 381 بعد أن ذكر اتفاق المحققين على هذا القول: ورجح بحديث عمر أفلا نتخذه مصلى.

الحديث، وبقراءة رسول الله  لما فرغ من الطواف وأتى المقام ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ فدل على أن المراد منه ذلك الموضع؛ ولأن هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع، ولأن الحجر صارت تحت قدميه في رطوبة الطين حين غاصت فيه رجلاه، وفي ذلك معجزة له، فكان اختصاصه به أقوى من اختصاص غيره، فكان إطلاق هذا الاسم عليه أولى == لأنه موضع القيام، وثبت قيامه على الحجر، ولم يثبت قيامه على غيره.

(٥٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1167 وفي "عرائس المجالس" ص 73، وأخرجه الواحدي بسنده من طريق الزهري، عن ابن أنس في "الوسيط" 1/ 206، وذكره أبن كثير في "تفسيره" 1/ 182 من هذا الطريق، وذكره القرطبي 2/ 102 وابو حيان في "البحر" 1/ 381 وروى الطبري 3/ 35 بسنده عن قتادة قال: إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه، ولقد تكلفت هذه الأمة شيئًا ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا بعض من رأى أثر عقبيه وأصابعه فيه، فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتى اخلولق وانمحى.

(٥٥) في (ش): (وقبله).

(٥٦) أخرجه الطبري 1/ 537، ابن أبي حاتم 1/ 227.

(٥٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 537.

(٥٨) "تفسير الثعلبي" 1/ 1169.

(٥٩) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 227، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1169، البغوي 1/ 148، القرطبي 2/ 103.

(٦٠) هو: أبو عاصم عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، ولد على عهد النبي  ، يعد من كبار التابعين، أجمعوا على توثيقه، كان من العباد، توفي سنة 73 هـ.

ينظر: "تقريب التهذيب" ص 377 (4385)، "السير" 4/ 156.

(٦١) أخرجه الطبري 3/ 40، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 228، والثعلبي 1/ 1169.

(٦٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 40 عن عطاء، عن عبيد، وذكره عنه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 228، الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1169.

(٦٣) "تفسير مقاتل"1/ 138.

وينظر: "الثعلبي" 1/ 1169، "البحر المحيط" 1/ 382.

(٦٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 207.

(٦٥) "معاني القرآن" 1/ 77.

(٦٦) ذكره عنه الثعلبي 1/ 1171 وينظر: البغوي 1/ 1458، "البحر المحيط" 1/ 382.

(٦٧) خَلَّقاه: أي طَيَّباه، والخلُوق والخِلاق: ضرب من الطيب وقيل: الزعفران وغيره، قال بعض الفقهاء: وهو مائع فيه صفرة.

"تهذيب اللغة" 1/ 1094 "المصباح المنير" ص 180.

(٦٨) من قوله: (وقوله تعالى: للطائفين) ساقط من (ش).

(٦٩) هذا في كتاب "المصادر" للفراء وهو مفقود ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2155، "لسان العرب" 5/ 2722.

(٧٠) في (م): (القيام).

(٧١) ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2532.

(٧٢) في (أ)، (م): (بالركع).

(٧٣) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 539 - 541، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 207، "تفسير الثعلبي"، "تفسير البغوي" 1/ 148 - 149 وذكر الثعلبي في "تفسيره" عن عطاء قال: إذا كان طائفا فهو من الطائفين، وإذا كان جالسًا فهو من العاكفين، وإذا كان مصليًا فهو من الركع السجود.

وأخرجه الطبري 1/ 540 - 541 مفرقًا عن ابن عطاء ورجحه، وأخرج ابن حاتم في "تفسيره" 1/ 228 مثله عن عطاء عن ابن عباس.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ الآية: تقدّم الكلام على نظيرتها ﴿ وَإِذِ ابتلى ﴾ أي اختبر، فالعامل في إذ فعل مضمر تقديره أذكر، وقوله: ﴿ بكلمات ﴾ قيل: مناسك الحج، وقيل: خصال الفطرة العشرة، وهي: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وإعفاء اللحية، وقص الأظافر، ونتف الإبطين، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء، وقيل هي ثلاثون خصلة: عشرة ذكرت في براءة من قوله: التائبون العابدون، وعشرة في الأحزاب من قوله: إن المسلمين والمسلمات، وعشرة في المعارج من قوله: إلاّ المصلين ﴿ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ أي عمل بهن ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾ استفهام أو رغبة ﴿ عَهْدِي ﴾ الإمامة ﴿ البيت ﴾ الكعبة ﴿ مَثَابَةً ﴾ اسم مكان من قولك: ثاب إذا رجع، لأنّ الناس يرجعون إليه عاماً بعد عام ﴿ واتخذوا ﴾ بالفتح إخبار عن المتبعين لإبراهيم عليه السلام، وبالكسر إخبار لهذه الأمّة، وافق قول عمر رضي الله عنه: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، وقيل أمر لإبراهيم وشيعته، وقيل لبني إسرائيل فهو على هذا عطف على قوله: اذكروا نعمتي، وهذا بعيد ﴿ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ هو الحجر الذي صعد به حين بناء الكعبة، وقيل المسجد الحرام ﴿ مُصَلًّى ﴾ عبارة عن الأمر والوصية ﴿ طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾ عبارة عن بنيانه بنية خالصة كقولهم: أسس على التقوى، وقيل: المعنى طهراه عن عبادة الصنام ﴿ لِلطَّائِفِينَ ﴾ هم الذين يطوفون بالكعبة، وقيل: الغرباء القادمون على مكة، والأول أظهر ﴿ والعاكفين ﴾ هم المعتكفون في المسجد، وقيل: المصلون، وقيل: المجاورون من الغرباء، وقيل: أهل مكة، والعكوف في اللغة: اللزوم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إبراهام ﴾ بالألف في البقرة والنساء إلا ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم ﴾ وفي الأنعام ﴿ ملة إبراهام ﴾ وفي جميع براءة إلا ﴿ وقوم إبراهيم ﴾ وفي إبراهيم ﴿ وإذ قال إبراهام ﴾ وفي النحل ومريم والعنكبوت ﴿ ولما جاءت رسلنا إبراهام ﴾ خاصة وفي "حم عَسَقَ" وجميع المفصل وإلا قوله في المودة ﴿ إلا قول إبراهيم ﴾ وفي الأعلى ﴿ صحف إبراهيم ﴾ هشام وابن ذكوان وروى ابن مجاهد في هذه السورة فقط.

(واعلم) أن ذكر إبراهيم في القرآن تسعة وستون موضعاً منها ثلاثة وثلاثون "إبراهام" بالألف في قراءة ابن عامر عن ابن ذكوان، وستة وثلاثون "إبراهيم" بالياء، والعلة في ذلك اتباع مصحفهم.

فما كتب بالألف قرئ بالألف، وما كتب بالياء قرئ بالياء، والاختيار عند الأئمة أن يقرأ ههنا بالألف لبيان المذهب والبواقي بالياء، لأنه أحسن في اللفظ وأشهر، ويوافقه سائر الأسماء الأعجمية كإسرائيل وإسرافيل وإسماعيل ﴿ عهدي ﴾ مرسلة الياء: حمزة وحفص ﴿ وإذ جعلنا ﴾ وبابه مدغمة الذال في الجيم: أبو عمرو وهشام ﴿ بيتي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع.

وحفص وهشام ﴿ واتخذوا ﴾ بفتح الخاء: نافع وابن عامر الباقون بالكسر ﴿ فأمتعه ﴾ خفيفاً ابن عامر.

الباقون بالتشديد.

الوقوف: ﴿ فأتمهن ﴾ (ط) ﴿ إماماً ﴾ (ط) ﴿ ذريتي ﴾ (ط) ﴿ الظالمين ﴾ (ه) ﴿ وأمنا ﴾ (ط) لمن قرأ ﴿ واتخذوا ﴾ بالكسر لاعتراض الأمر بين ماضيين ﴿ مصلى ﴾ (ط) كذلك ومن فتح الخاء نسق الأفعال الثلاثة فلا وقف ﴿ السجود ﴾ (ه) ﴿ واليوم الآخر ﴾ (ط) ﴿ عذاب النار ﴾ (ط) لأن "نعم" و "بئس" للمبالغة في المدح والذم فيبتدئ بهما تنبيهاً على المدح والذم ﴿ المصير ﴾ (ه).

التفسير: إنه  لما استقصى في شرح نعمه على بني إسرائيل والمشركين ومقابلتهم النعمة بالكفران والعناد، شرع في نوع آخر من البيان وهو ذكر قصة إبراهيم  لأن كلهم معترفون بفضله وأنهم من أولاده ومن ساكني حرمه وخدام بيته، وفي قصته أمور توجب الاعتراف بدين محمد  والانقياد لشرعه منها: أنه أمر ببعض التكاليف ثم وفى بها فنال منصب الاقتداء به، فيعلم أن الخيرات كلها لا تحصل إلا بترك التمرد والانقياد لحكم الله والتزام تكاليفه، ومنها أنه طلب الإمامة لذريته فقيل له ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ فيعرف أن طالب الحق يجب أن يترك التعصب والمراء ووضع ما رفعه الله لينال رياسة الدارين، ومنها أن القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فأريد إزالة غيظهم بأن هذا البيت قبلة إبراهيم الذي اعترفوا بتعظيمه والاقتداء به، ومنها أنه دعا بإرسال نبي من ذريته وهو محمد  كما يجيء فيجب على من يعترف بإبراهيم أن يعترف بمحمد  .

أما قوله ﴿ وإذ ابتلى ﴾ العامل في "إذ" إما مضمر نحو "واذكر" وتكون بمعنى الوقت فقط، أو وإذ ابتلى كان كيت وكيت، وإما ﴿ قال إني جاعلك للناس إماماً ﴾ وعلى هذين التقديرين تكون ظرفاً لكان أو قال.

وموقع "قال" على الأولين استئناف كأنه قيل: فماذا قال له ربه حين أتم الكلمات؟

فأجيب ﴿ قال إني جاعلك ﴾ وعلى الثاني جملة معطوفة على ما قبلها من الآيات ولا يخفى أن الاستئناف أصوب ليناسب سياق الجملتين الآتيتين لورودهما أيضاً على طريقة السؤال المقدر والجواب، وليكون على منهاج ﴿ وإذا جعلنا ﴾ ﴿ وإذا قال إبراهيم ﴾ ﴿ وإذ يرفع  ﴾ والابتلاء الاختبار والامتحان، عبر تكليفه إياه بالبلوى تشبيهاً لأمره بأمر المخلوقين وبناء على العرف بيننا، فإن كثيراً منا قد يأمر ليعرف ما يكون من المأمور حينئذ وإلا فكيف يجوز حقيقة الابتلاء عليه  مع أنه عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى الأبد وقيل: مجاز عن تمكينه العبد من اختيار أحد الأمرين ما يريد الله وما يشتهيه هو كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك.

واعلم أن هشام بن الحكم ومن تابعه زعم أنه  كان في الأزل عالماً بحقائق الأشياء وماهياتها فقط، وأما حدوث تلك الماهيات ودخولها في الوجود فهو  لا يعلمها إلا عند وقوعها بدليل هذه الآية وأمثالها المذكور فيها الابتلاء.

وكلمة "لعل" والجواب عنها ما مر، وقد يستدل أيضاً على مذهبه بوجوه معقولة منها أنه  لو كان عالماً بالأشياء قبل وقوعها لزم نفي القدرة عن الخالق، لأن ما علم الله وقوعه استحال أن لا يقع، وما علم أنه لا يقع استحال أن يقع ولا قدرة على الواجب وعلى الممتنع بالاتفاق، والجواب أن الوجوب بالغير وكذا الامتناع بالغير لا ينافيان قدرة القادر عليه، وإنما المنافي للقدرة عليه كونه واجباً لذاته أو ممتنعاً لذاته، ومنها أنه لو كان عالماً بجميع الجزئيات لكان له علوم غير متناهية أو كان لعلمه تعلقات غير متناهية، فيلزم حصول موجودات غير متناهية دفعة واحدة وذلك محال، لأن مجموع تلك الأشياء أزيد من ذلك المجموع بعينه عند نقصان عشرة منها، فالناقص متناه وكذا الزائد.

ونوقض بمراتب الأعداد التي لا نهاية لها، وأيضاً المجموعية والزيادة والنقصان كلها من خواص المتناهي، فأما الذي لا نهاية له ففرض هذه الأعراض فيه محال.

ومنها أن هذه المعلومات التي لا نهاية لها هل يعلم الله عددها مفضلة أو لا يعلم؟

فإن علم عددها فهي متناهية، وإن لم يعلم فهو المطلوب.

والجواب الاختيار أنه لا يعلم عددها، ولا يلزم الجهل لأن الجهل هو أن يكون لها عدد معين ثم إن الله لا يعلم عددها، فأما إذا لم يكن لها عدد في نفسها فلا جهل ومنها أن كل معلوم فهو متميز في الذهن عما عداه، وكل متميز عما عداه خارج عنه، وكل ما خرج عنه غيره فهو متناه، وكل معلوم متناه فما هو غير متناه استحال أن يكون معلوماً.

والجواب أنه ليس من شرط المعلوم تميزه من غيره عند العالم، لأن العلم بتميزه عن غيره موقوف على العلم بذلك الغير، ويلزم منه أن لا يعلم الإنسان شيئاً إلا إذا علم أموراً لا نهاية لها.

والحق أن نور الأنوار لا يتناهى ووراء لا يتناهى، ما لا يتناهى، وإحاطة غير المتناهي بغير المتناهي غير بعيد وقد يتعلق علمنا بكثير من الأشياء قبل حصولها، فإذا كان علمنا مع تناهي قوتنا ونوريتنا.

هكذا فما ظنك بالعليم الخبير الذي هو نور النور ومدبر الأمور وكل عسير عليه يسير؟

﴿ إبراهيم ﴾ بالنصب ﴿ ربه ﴾ بالرفع هو المشهور وهذه الصورة مما يجب فيه تأخير الفاعل وإزالته عن مركزه الأصلي، فإنه لو قدم الفاعل وقد اتصل به ضمير المفعول لزم الإضمار قبل الذكر لفظاً، وعن ابن عباس وأبي حنيفة رفع ﴿ إبراهيم ﴾ ونصب ﴿ ربه ﴾ فالمعنى أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيب الله  إليهن أم لا؟

واختلف المفسرون في أن ظاهر لفظ التنزيل هل يدل على تلك الكلمات أم لا؟

فقال بعضهم: اللفظ يدل عليها وهي الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده والدعاء بابتعاث محمد  ، فكل هذه تكاليف شاقة، أما الإمامة فلأن المراد بها النبوة، وأعباؤها أكثر من أن تحصى، ولهذا فإن ثواب النبي أعظم من ثواب غيره، وأما بناء البيت وتطهيره ورفع قواعده، فمن وقف على ما روي في كيفية بنائه عرف شدة البلوى فيه.

ثم إنه يتضمن إقامة المناسك، وقد امتحن الله الخليل بالشيطان في الموقف كرمي الجمار وغيره.

وأما الاشتغال بالدعاء ببعث نبي آخر الزمان فيحتاج فيه إلى الإخلاص وإزالة الحسد عن القلب وذلك في غاية الصعوبة.

واعترض على هذا القول بأن المراد من الكلمات لو كانت هذه لناسب أن يذكر قوله ﴿ فأتمهن ﴾ بعد تعداد الجميع.

وأجيب بأنه أخبر أنه ابتلاه بكلمات على الإجمال ثم أخبر أنه أتمها ثم فصل تلك الأمور، وهذا ترتيب في غاية الحسن، إذ لو ذكر ﴿ فأتمهن ﴾ بعد هذا التفصيل لوقع ضائعاً ولانقطع النظم.

والقائلون بأن ظاهر الآية لا دلالة فيه على الكلمات زعم بعضهم أنها الكلمات التي تكلم بها إبراهيم مع قومه وقت تبليغ الرسالة، وزعم بعضهم أنها أوامر ونواهٍ.

فعن ابن عباس هي عشر خصال كانت فريضة في شرعه وهي عندنا سنة: خمس في الرأس: المضمضة والاستنشاق وفرق الرأس وقص الشارب والسواك، وخمس في الجسد: الختان وحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار والاستنجاء بالماء.

وقيل: ابتلاه الله  من شرائع الإسلام بثلاثين سهماً، عشرة في براءة ﴿ التائبون العابدون  ﴾ الآية وعشرة في الأحزاب ﴿ إن المسلمين والمسلمات  ﴾ وعشرة في "المؤمنين" "وسأل سائل" إلى قوله ﴿ والذين هم على صلاتهم يحافظون  ﴾ وقيل: هن مناسك الحج كالطواف والسعي والرمي والإحرام والوقوف بعرفة.

وقيل: ابتلاه بسبعة أشياء: بالكواكب والقمر والشمس والختان على الكبر والنار وذبح الولد والهجرة، فوفى بالكل ﴿ وإبراهيم الذي وفى  ﴾ وقيل: ما ذكره في قوله ﴿ إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين  ﴾ وقيل: المناظرات التي جرت بينه وبين أبيه ونمروذ وقومه، والصلاة والزكاة والصوم، وقسم الغنائم والضيافة والصبر عليها.

وجملة القول أن الابتلاء بتناول إلزام كل ما في فعله كلفة، واللفظ يتناول مجموع هذه الأشياء وكلاً منها إلا أن الكلام في الرواية، ثم قيل: إن هذا الابتلاء كان قبل النبوة لأنه  نبه على أن قيامه بهن كالسبب لأن جعله إماماً.

وقيل: إنه بعد النبوة لأنه لم يعلم كونه مكلفاً بتلك التكاليف إلا من الوحي.

والحق أن هذا يختلف باختلاف تفسير التكاليف، فمنها ما يعلم بالضرورة كونها قبل النبوة كحديث الكوكب والشمس والقمر، ومنها ما ثبت أنه كان بعد النبوة كذبح الولد والهجرة والنار، وكذا الختان فإنه يروى أنه ختن نفسه وكان سنه مائة وعشرين، ومنها ما هو بصدد الاحتمال فقد يمكن أن يكون إلى معرفته سبيل سوى الوحي كمنام أو إلهام.

والضمير في "أتمهن" على القراءة المشهورة لإبراهيم  بمعنى فقام بهن حق القيام وأداهن أحسن التأدية من غير تفريط وتوانٍ وفي الأخرى لله  أي فأعطاه ما طلبه ولم ينقص منه شيئاً، ويعضده ما روي عن مقاتل أنه فسر الكلمات بما سأل إبراهيم ربه في قوله ﴿ رب اجعل هذا بلداً آمناً ﴾ ﴿ واجعلنا مسلمين لك  ﴾ ﴿ وابعث فيهم رسولاً  ﴾ ﴿ ربنا تقبل منا  ﴾ والإمام اسم لمن يؤتم به "فعال" بمعنى "مفعول" كالإزار لما يؤتزر به أي يأتمون بك في دينهم.

والأكثرون على أن الإمام ههنا النبي لأنه جعله إماماً لكل الناس، فلو لم يكن مستقلاً بشرع كان تابعاً لرسول ويبطل العموم ولأن إطلاق الإمام يدل على أنه إمام في كل شيء، والذي يكون كذلك لا بد أن يكون نبياً، ولأن الله  سماه بهذا الاسم في معرض الامتنان فينبغي أن يحمل على أجلّ مراتب الإمامة كقوله ﴿ وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا  ﴾ لا على من هو دونه ممن يستحق الاقتداء به في الدين كالخليفة والقاضي والفقيه وإمام الصلاة، ولقد أنجز الله  هذا الوعد فعظمه في عيون أهل الأديان كلها، وقد اقتدى به من بعده من الأنبياء في أصول مللهم ﴿ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً  ﴾ وكفى به فضلاً أن جميع أمة محمد  يقولون في صلاتهم "اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم" ثم القائلون بأن الإمام لا يصير إماماً إلا بالنص تمسكوا بهذه الآية وأمثالها من نحو ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة  ﴾ ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة  ﴾ ومنع بأن الإمام يراد به ههنا النبي سلمنا أن المراد به مطلق الإمام لكن الآية تدل على أن النص طريق الإمامة وذلك لا نزاع فيه، إنما النزاع في أنه لا طريق للإمامة سوى النص، ولا دلالة في الآية على ذلك وفي الآية دليل على أنه  كان معصوماً عن جميع الذنوب، لأنه لو صدرت عنه معصية لوجب علينا الاقتداء به وذلك يؤدي إلى كون الفعل الواحد ممنوعاً منه مندوباً إليه وذلك محال.

والذرية نسل الثقلين من ذرأ الله الخلق ذرأ خلقهم إلا أن العرب تركت همزها كما في البرية، ويحتمل أن يكون منسوباً إلى الذر صغار النمل، والضم من تغيير النسب كالدهري في النسبة إلى دهر ﴿ ومن ذريتي ﴾ عطف على الكاف كأنه قال: وجاعل بعض ذريتي كما يقال "سأكرمك فتقول وزيداً" ولا يخفى أن "من" التبعيضية تدل على أنه طلب الإمامة لبعض ذريته لعلمه بأن كلهم قد لا يليق بذلك لأن ناساً غير محصورين لا يخلو من ظالم فيهم غالباً، ولعلمه بأن بعضهم يليق بها كإسماعيل وإسحق.

وقد حقق الله  أمله فجعل في أولاده وأحفاده كإسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون وداود وسليمان وأيوب ويونس وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس ثم محمد  أفضلهم وأشرفهم، ولأنه لم يطلب الإمامة إلا للبعض فكان يكفي في الجواب نعم إلا أنه لم يكن حينئذ نصاً في أن ذلك البعض من المؤمنين أم من الظالمين.

ولو قال "ينال عهدي المؤمنين" كان غاية ذلك خروج الظالمين بالمفهوم لا بالنص، فلمكان التنصيص على إخراج الظالم قال ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ والمراد بالعهد هو الإمامة المطلوبة، سميت عهداً لاشتمالها على كل عهد عهد به الله  إلى بنى آدم إذ لا رياسة أعظم من ذلك كقوله ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل  ﴾ ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم  ﴾ وإذا خرج الظالم تعين الصالح للإمامة بطريق برهاني.

وذلك أن دعاءه مستجاب ألبتة فكل نبي مجاب، ولأنه لو لم يكن الصالح إماماً لم يكن لإخراج الظالم وتخصيصه بالذكر معنى.

ويحتمل أن يقال: إنه أراد الإمامة لأولاده المؤمنين لا محالة لعلمه بأن الكفرة والظلمة لا تصلح لذلك، فأجيب بما أجيب إسعافاً لطلبته بأبلغ معنى وأتمه كما إذا قيل لمن أشرف "أوص لابنك بشيء" فيقول: لا يرث مني أجنبي أي كل ما يبقى مني فهو لابني، فكيف أوصي له بشيء؟

ولا يرد أن يونس نال عهده مع أنه ظالم ﴿ سبحانك إني كنت من الظالمين  ﴾ لأن الظلم فيه محمول على ترك الأولى كما في حق آدم ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ لا على الكفر والفسق.

وقد يستدل الإمامية على إبطال غير إمامة علي كرم الله وجهه قالوا: إنهم كانوا مشركين قبل الإسلام بالاتفاق، وكل مشرك ظالم ﴿ إن الشرك لظلم عظيم  ﴾ وكل ظالم فإنه لا ينال عهد الإمامة قالوا: لا يقال إنهم كانوا ظالمين حال كفرهم، فبعد زوال الكفر لا يبقى هذا الاسم لأنا نقول: الظالم من ثبت له الظلم، وهذا المعنى صادق عليه دائماً ولهذا يسمى النائم مؤمناً لأنه ثبت له الإيمان وإن لم يكن التصديق حاصلاً حال النوم، وأيضاً المتكلم والماشي حقيقة في مفهومهما مع أن أجزاء التكلم والمشي لا توجد دفعة، فدل هذا على أن حصول المشتق منه ليس شرطاً لكون الاسم المشتق حقيقة.

وعورض بأنه لو حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافراً قبل بسنين متطاولة فإنه لا يحنث، وبأن التائب عن المعصية لا يسمى عاصياً فكذا التائب عن الكفر، وإن قيل: لعل هذا المانع شرعي هو تعظيم الصحابة أو لمانع عرفي فهذا القدر يكفينا على أنا بينا أن المراد من الإمامة في الآية النبوة، فمن كفر بالله طرفة عين فإنه لا يصلح للنبوة وكذا الفاسق حال الفسق لا يجوز عقد الإمامة له باتفاق الجمهور من الفقهاء والمتكلمين، فإن كل عاصٍ ظالم.

والعبرة بالعدالة الظاهرة فنحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر خلافاً للشيعة فإنهم يقولون بوجوب العصمة ظاهراً وباطناً، ومما يدل على بطلان إمامة الفاسق أن العهد في كتاب الله  قد يستعمل بمعنى الأمر ﴿ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان  ﴾ أي ألم آمركم؟

لكن المراد في الآية لا يمكن أن يكون ذلك فإن أوامره  لازمة للظالمين كما للمطيعين، فثبت أن المراد كونهم غير مؤتمنين على أوامر الله وغير مقتدى بهم فيها قال  "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" فالفاسق لا ينبغي أن يكون حاكماً ولا تنفذ أحكامه إذا ولي الحكم، ولا تقبل شهادته ولا خبره إذا أخبر عن النبي  ، ولا فتياه إذا أفتى، ولا يقدم للصلاة وإن كان بحيث لو اقتدى به لم تفسد صلاته.

قال أبو بكر الرازي: ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة أنه يجوز كون الفاسق إماماً وخليفة ولا يجوز كون الفاسق قاضياً، وهذا خطأ عظيم.

نعم أنه قال: القاضي إذا كان عدلاً في نفسه وتولى القضاء من إمام جائر فإن أحكامه نافذة والصلاة خلفه جائزة، لأن الذي ولاه بمنزلة سائر أعوانه.

وليس من شرط أعوان القاضي أن يكون عدولاً، ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضا بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى يكونوا أعواناً له على من امتنع من قبول أحكامه كان قضاؤه نافذاً وإن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان؟

قال: وكيف يجوز أن يدعي ذلك على أبي حنيفة وقد أكرهه ابن هبيرة في أيام بني أمية على قضائه وضربه فامتنع من ذلك فحبس فلج ابن هبيرة وجعل يضربه كل يوم أسواطاً، فلما خيف عليه قال له الفقهاء: اقبل له شيئاً من عمله أي شيء كان حتى يزول عنك الضرب، فتولى له عد أحمال التبن التي تدخل عليه فخلاه ثم دعاه المنصور إلى مثل ذلك حتى عد له اللبن الذي كان يضرب لسور المدينة، وذلك أنه كان يقول في المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عد آجره لما فعلت، وقصته في أمر زيد بن علي مشهورة، وحمله المال إليه وفتياه الناس سراً في وجوب نصرته والقتال معه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن.

وفي الآية إنذار بليغ وتخويف شديد عن وخامة عاقبة الظلم وقبح موقعه فإنه يحط أولاً عن رتبة النبوة ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ وثانياً عن درجة الولاية ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين  ﴾ وثالثاً عن مرتبة السلطنة "بيت الظالم خراب ولو بعد حين"، ورابعاً عن نظر الخلائق "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها" وخامساً عن حظ نفسه ﴿ وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون  ﴾ ولله در القائل: لا تظلمـن إذا مـا كنت مقتـدراً *** فـالظلـم آخـره يـأتيـك بـالنـدم نامـت عيونـك والمظلوم منتبه *** يدعو عليـك وعيـن الله لم تنم ولآخر: مـرتـع ظلـم الـورى وخيــم *** يـا صـاحـب اللـب والحجــاره لا تظلـم النـاس واخش ناراً *** وقـودهـــا النـــاس والحجــاره غيره: أيحسـب الظـالـم فـي ظلمـه *** أهملــــه القـــادر أم أمهــــلا مــا أهملـوا بـل لهـم مـوعـد *** لـن يجــدوا مـن دونه مـوئلا غيره: أتلعـب بـالـدعـاء وتـزدريه *** ومـا يدريـك مـا صنـع الدعاء سهام اللـيل لا تخطي ولكن *** لهــــا أمـــد وللأمــد انقضــاء واعلم أن عهد الله الذي أخذ على عباده هو بالحقيقة عهد العبودية ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ والعهد الذي التزمه لعباده هو عهد الربوبية ﴿ ربكم ورب آبائكم الأولين  ﴾ ثم إنه  لا يزال يلاحظك بنظر الربوبية فيربيك ويربيك وبعد نعمة الوجود يعطيك نعم الصحة المكنة والعافية والسلامة والإيمان والأمان والإخوان والأخدان ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  ﴾ وأنك لا تنفك عن تقصير ونسيان وجهل وعدوان وإيذاء لملائكة الله وعبيده وإرضاء لحزب الشيطان وجنوده.

فيا أيها المغرور ما هذا التقصير فإن لله المصير وما للظالمين من نصير.

قوله ﴿ وإذ جعلنا البيت ﴾ تقرير تكليف آخر.

والبيت اسم غالب للكعبة كالنجم للثريا وهذا من الأسماء التي كانت في الأصل للجنس، ثم كثر استعماله في واحد من ذلك الجنس لخصلة مختصة به من بين سائر الأفراد حتى صار علماً له.

ولا بد أن يكون وقت استعماله لذلك الواحد قبل العلمية مع لام العهد ليفيد الاختصاص به ويسمى بالعلم الاتفاقى، وإنما لزمت اللام في مثله لأنه لم يصر علماً إلا مع اللام فصارت كبعض حروفه، إلا أنه  لم يرد بالبيت نفس الكعبة فقط بل جميع الحرم لأن حكم الأمن يشمل الكل.

وصح هذا الإطلاق لأن الحرمة نشأت بسبب الكعبة نفسها ومثله قوله  ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ } [المائدة: 95] والمراد الحرم كله لأنه لا يذبح في الكعبة ولا في المسجد الحرام.

وقوله ﴿ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا  ﴾ والمراد - والله أعلم - منعهم من الحج وحضور مواضع النسك، ويحتمل أن يكون المراد جعلنا البيت سبب الأمن، وعلى هذا يكون البيت نفس الكعبة، وعلى الأول يكون معنى ﴿ أمناً ﴾ موضع أمن كقوله ﴿ حرماً آمناً  ﴾ والمثابة المباءة والمرجع قيل: إن مثاباً ومثابة لغتان مثل مقام ومقامة.

وقيل: التاء للمبالغة كعلامة.

عن الحسن: أي يثوبون إليه في كل عام.

وعن ابن عباس ومجاهد: لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه وذلك لدعاء إبراهيم  ﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم  ﴾ وقيل: مثابة أي يحجون فيثابون عليه.

وكون البيت مثابة إنما يكون بجعل الله  بناء على أن فعل العبد مخلوق لله، أو بأن الله  ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعياً لهم إلى العود إليه مرة بعد أخرى وذلك لمنافع دينية ودنيوية، قال  "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" وقال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" ثم إن قطان الخافقين يجتمعون هناك للتجارات وضروب المكاسب فيعظم فيه النفع لمن أراد ولا شك أن قوله ﴿ وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً  ﴾ خبر فتارة تتركه على ظاهره وتقول إنه خبر بأن يكون ﴿ حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء  ﴾ لا أن يكون إخباراً عن عدم وقوع القتل فيه أصلاً، فإن الموجود بخلافه فقد يقع القتل الحرام وكذا المباح قال  ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم  ﴾ وتارة تصرفه عن ظاهره وتقول.

إنه أمر بأن يجعلوا ذلك الموضع أمناً من الغارة والقتل قال  "إن الله حرم مكة وإنها لم تحل لأحد قبلي وإنما أحلت لي ساعة من نهار" وقد عادت حرمتها كما كانت، فذهب الشافعي إلى أن المعنى أنها لم تحل لأحد أن ينصب الحرب عليها وأن ذلك أحل لرسول الله  ، فأما من دخل البيت من الذين وجبت عليهم الحدود فقال الشافعي: إن الإمام يأمر بالضيق عليه بما يؤدي إلى خروجه، فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل، فإن لم يخرج جاز قتله فيه، وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتاله فيه.

وعند أبي حنيفة لا يستوفى قصاص النفس في الحرم إلا أن ينشئ القتل فيه، ولكن يضيق الأمر عليه ولا يكلم ولا يطعم ولا يعامل حتى يخرج فيقتل وسلم أن يستوفى منه قصاص الطرف.

وعند أحمد: لا يستوفى من الملتجئ واحد من القصاصين، ولو التجأ إلى المسجد الحرام قال الإمام: أو مسجد آخر يخرج منه ويقتل لأنه تأخير يسير، وفيه صيانة المسجد وحفظ حرمته.

وقيل: تبسط الأنطاع ويقتل في المسجد تعجيلاً لتوفية الحق ﴿ واتخذوا ﴾ بفتح الخاء معطوف على ﴿ جعلنا ﴾ أي اتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به وإسكان ذريته عنده قبلة يصلون إليها، وعلى هذا المراد بالمصلى القبلة.

وأما من قرأ بالكسر على الأمر فعلى إرادة القول أي وقلنا اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه استحباباً لا وجوباً.

وفي مقام إبراهيم أقوال.

فعن الحسن وقتادة والربيع بن أنس: أنه لما جاء إبراهيم من الشام إلى مكة قالت له امرأة إسماعيل: انزل حتى تغسل رأسك فلم ينزل، لأن سارة شرطت عليه أن لا ينزل غيرة على هاجر فجاءته بحجر فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر فبقي أثر قدميه عليه.

وعن ابن عباس: أن إبراهيم  كان يبني البيت وإسماعيل يناوله الحجارة، فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على حجر فغاصت فيه قدماه.

وقيل: إنه الحجر الذي قام عليه إبراهيم عند الأذان بالحج.

قال القفال: ويحتمل أن يكون إبراهيم  قام على هذا الحجر في هذه الأمور كلها.

وعن مجاهد: مقام إبراهيم الحرم كله، فعلى هذا يراد بالمصلى المدعى من الصلاة بمعنى الدعاء.

وعن عطاء: مقام إبراهيم عرفة ومزدلفة والجمار لأنه قام في هذه المواضع ودعا بها، والقول بأن مقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدميه أولى، لأن هذا الاسم في العرب مختص بذلك الموضع يعرفه المكي وغيره، ولأن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجله وذلك من أظهر الدلائل على صنع الله  وإعجاز إبراهيم، وكان أشد اختصاصاً به، فإطلاق مقام إبراهيم عليه أولى، ولما روي عن النبي  أنه أخذ بيد عمر فقال:هذا مقام إبراهيم، فقال عمر: أفلا نتخذه مصلى؟

فقال: لم أؤمر بذلك، فلم تغب الشمس حتى نزلت.

وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله  استلم الحجر ورمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ "ومن" هذه تجريدية على نحو "رأيت منك أسداً" و "وهب الله لي منك ولياً مشفقاً" ففيه بيان المتخذ والمرئي والموهوب وتمييزه في ذلك المعنى عن غيره.

ولا ريب أن للصلاة به فضلاً علىغيره من حيث التيمن والتبرك بموطئ قدم إبراهيم  ، وركعتا الطواف خلف المقام ثم في الحجر ثم في المسجد أي مسجد كان حيث شاء متى شاء ليلاً أو نهاراً سنة عند الشافعي في أصح قوليه بعد الفراغ من الطواف لقوله  للأعرابي حين قال هل علي غيرها؟

قال: لا إلا أن تطوع، وفي قوله الآخر فرض لظاهر قوله ﴿ واتخذوا ﴾ والأمر للوجوب، والرواية عن أبي حنيفة أيضاً مختلفة، ﴿ وعهدنا ﴾ المراد بالعهد هنا الأمر أي ألزمناهما ذلك وأمرناهما أمراً ووثقنا عليهما فيه أن طهرا إن كانت "أن" مخففة فالتقدير بأن طهرا وإن كانت مفسرة فمعناه أي طهراً والمراد التطهير من كل أمر لا يليق بالبيت، أما من الأنجاس والأقذار فلأن موضع البيت وحواليه مصلى، وأما من الشرك ومظانه فلأنه مقام العبادة والإخلاص وكل هذه إما أن لا تكون موجودة هناك أصلاً والمراد أقراه على طهارته مثل ﴿ ولهم فيها أزواج مطهرة  ﴾ فمعلوم أنهن لم يطهرن بل خلقن طاهرات، وإما أن تكون موجودة فأمر بإزالتها.

وقيل: عرّفا الناس أن بيتي طهر لهم متى حجوه للطائفين إلى آخره.

العطف يقتضي مغايرة، فالطائف من يقصد البيت حاجاً ومعتمراً فيطوف به، والعاكف من يقيم هناك.

ويجاور أو يعتكف، والركع السجود جمعاً راكع وساجد أي من يصلي هناك، وعن عطاء، إذا كان طائفاً فهو من الطائفين، وإذ كان جالساً فهو من العاكفين، وإذا كان مصلياً فهو من الركع السجود.

ويجوز أن يريد بالعاكفين الواقفين يعني القائمين كما قال ﴿ للطائفين والقائمين والركع السجود  ﴾ والمعنى للطائفين والمصلين لأن القيام والركوع والسجود هيئات للمصلي، ولعل الوجه الأول أولى ليكون الركع والسجود كلاهما فقط بمعنى المصلين ولهذا لم يفصل بينهما بالواو.

ثم إذا فسرنا الطائعين بالغرباء دلت الآية على أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة، لأنه  مدحهم بذلك.

وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء أن الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل.

وفي إطلاق الآية دليل على جواز الصلاة في البيت فرضاً كانت أو نفلاً خلافاً لأحمد ومالك في الفريضة قالا ﴿ فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام  ﴾ ومن كان داخل المسجد لم يكن متوجهاً إلى المسجد بل إلى جزء من أجزائه، وأجيب بأن التوجه إلى جزئه كافٍ لأن المتوجه الواحد لا يكون إلا كذلك وإن كان خارج المسجد، وبأن الفرق بين الفرض والنفل لاغٍ.

قوله  ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ قيل: في الآية تقديم وتأخير لأن قوله ﴿ رب اجعل هذا بلداً آمناً ﴾ لا يمكن لا بعد دخول البلد في الوجود.

فقوله ﴿ وإذ يرفع  ﴾ وإن كان متأخراً في التلاوة فهو متقدم من حيث المعنى قلت: في ترتيب القصة فوائد منها: أنه أجمل القصة في قوله ﴿ وإذ ابتلى ﴾ إلى ﴿ فأتمهن ﴾ ثم فسر، وفي التفسير قدم الأهم فالأهم، ولا ريب أن ذكر جعل إبراهيم إماماً أولى بالتقديم لعموم نفعه للخلائق ولتقدمه في الوجود أيضاً، ثم ذكر جعل البيت مثابة للناس وأمناً لأنه المقصود من عمارة البيت ثم حكاية عمارة البيت.

وقد حصل في ضمن رعاية الأهم فوائد أخر منها: أنه كما كان مبنى القصة على الإجمال والتفسير وقع كل من أجزائها أيضاً كذلك فقوله ﴿ وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً ﴾ مجمل، ثم فسر ذلك بأن جعله ذا أمن كان بسبب دعاء إبراهيم.

وذكر البيت أولاً وقع مجملاً ثم فسر بأنه كيف بني ومنها أنه وقع ختم الكلام بأدعية إبراهيم  ووقع ختم الأدعية بذكر خاتم النبيين، وهذا ترتيب لا يتصور أحسن منه ولعل ما فاتنا من أسرار هذا الترتيب أكثر مما أحصينا.

﴿ هذا بلداً آمناً ﴾ ذا أمن مثل عيشة راضية أو آمناً من فيه كقولك "ليل نائم" وإنما قيل ههنا بلداً آمناً على التنكير وفي سورة إبراهيم ﴿ هذا البلد آمناً ﴾ إما لأن هذا الدعاء صدر منه قبل جعل المكان بلداً فكأنه قال: واجعل هذا الوادي بلداً آمناً، وذاك الدعاء صدر وقد جعل بلداً فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيرته بلداً بلداً ذا أمن، وإما لأن الدعوتين واحدة والمراد اجعل هذا البلد بلداً آمناً فيفيد مبالغة زائدة كقولك "هذا اليوم يوم جار" معناه اجعله من البلدان الكاملة من الأمن بخلاف قوله ﴿ اجعل هذا البلد آمناً  ﴾ ففيه طلب الأمن نفسه قيل: سأل الأمن من القحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي ضرع ولا زرع وقيل: من الخسف والمسخ، وقيل: من القتل كيلا يكون سؤال الرزق بعده تكراراً، وأجيب بأن التوسعة في الرزق مغايرة لطلب إزالة القحط.

ثم إنه تعالى استجاب دعاءه فجعله آمناً من الآفات فلم يصل إليه جبار إلا قصمه الله كما فعل بأصحاب الفيل.

قيل: أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير وخرب الكعبة وقصد أهلها بكل سوء؟

وأجيب بأن مقصوده لم يكن تخريب الكعبة نفسها وإنما كان غرضه شيئاً آخر.

﴿ من الثمرات ﴾ "من" للابتداء لا للتبعيض بدليل قوله ﴿ يجبى إليه ثمرات كل شيء  ﴾ وإنما سأل إبراهيم  الأمن وأن يجبى إليه الثمرات وإن كان يتعلق بالدنيا لأن البلد إذا كان آمناً ذا خصب تفرغ أهله لطاعة الله  ويكون سبباً لاجتماع الناس وإتيانهم إليه من كل أوب زائرين وعاكفين، وطلب الدنيا لأجل الدين من سنن الصالحين "نعم المال الصالح للرجل الصالح" واختلف في أن مكة هل كانت آمنة محرمة قبل دعوة إبراهيم وصار ذلك مؤكداً بدعائه فقيل: نعم لما روي عن النبي  "إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض" ولقوله ﴿ عند بيتك المحرم  ﴾ وقيل: إنما صارت حرماً آمناً بدعوته، وقبلها كانت كسائر البلاد بدليل قوله: "إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة" وقيل بالجمع بينهما، وذلك أنه كان ممنوعاً قبله بمنع الله  من الاصطلام وبما أوقع في النفوس من التعظيم ثم صار آمناً على ألسنة الرسل.

و ﴿ من آمن منهم ﴾ بدل من ﴿ أهله ﴾ يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة كأنه قاس الرزق على الإمامة حيث ميز هناك بين المؤمن والكافر فقيل: ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ فعرف الفرق بينهما فقيل ﴿ ومن كفر ﴾ عطفاً على ﴿ من آمن ﴾ كما مر في ﴿ ومن ذريتي ﴾ أو هو مبتدأ مضمن معنى الشرط جوابه ﴿ فأمتعه ﴾ وذلك أن الاستخلاف استرعاء يختص بمن ينصح للمرعي فيؤدي عن الله أمره ونهيه ولا يأخذه في الدين لومة لائم ولا سطوة جبار وظالم وأبعد الناس عن النصيحة الظالم ولهذا قيل: من استسرعى الذئب فقد ظلم.

وأما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المؤمن والكافر والصالح والفاجر لعموم الرحمة، ولأنه قد يكون استدراجاً للمرزوق وإلزاماً للحجة على أنه متاع قليل وأمد يسير فيما بين الأزل والأبد و ﴿ قليلاً ﴾ أي إمتاعاً أو تمتيعاً قليلاً أو زماناً قليلاً فنعمة المؤمنين في العاجل موصولة بنعيمهم في الآجل، ونعمة الكافرين مقطوعة عنهم بعد الموت، والزائل لا يجدي بطائل ﴿ أفرأيت إن متعناهم سنين.

ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون  ﴾ ومعنى الاضطرار أن يفعل به ما يلجئه إلى النار كقوله ﴿ يوم يدعُّون إلى نار جهنم دعا  ﴾ ﴿ وسيق الذين كفروا إلى جهنم  ﴾ أو أن يصير الفاعل بالتخويف والتهديد إلى أن يفعل ذلك الفعل اختياراً كالاضطرار إلى أكل الميتة مثلاً ﴿ وبئس المصير ﴾ ذلك الذي اضطر إليه أو ذلك الاضطرار، فحذف المخصوص للعلم به.

والمصير إما مصدر بمعنى الصيرورة يقال: صرت إلى فلان مصيراً وإما موضع وكلاهما شاذ والقياس مصار مثل "معاش" وكلاهما مستعمل والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ .

قيل: الابتلاء والامتحان في الشاهد: استفادة علم خَفِيَ عليه من الممتحن والمبتلى به، ليقع عنه علم ما كان ملتبساً عليه.

وفي الغائب لا يحتمل ذلك؛ إِذ الله - عز وجل - عالم في الأَزل بما كان، وبما يكون في أَوقاته أبداً.

ثم يرجع الابتلاء منه إلى وجوه: أَحدها: أَن يخرج مخرج الأَمر بالشيء أَو النهي عنه، لكن الذي ذكر يظهر بالأمر والنهي؛ فسمي ابتلاء من الله  .

والثاني: ليكون ما قد علم الله أَنه يوجد موجوداً، وليكون ما قد علم أنه سيكونُ كائناً.

وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ  ﴾ ، حتى نعلمه موجوداً، كما علم أَنه يوجد؛ كما قال: ﴿ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ  ﴾ ، علم الغيبَ، علم أنه مُوجَدٌ.

وَعلم الشهادةَ، عَلِم به موجوداً، حتى يوجد الذي علم أَنه يجاهد منهم - مجاهداً، و[الذي] يصبر منهم صابراً.

ثم اختلف في الكلمات التي ابتلاه بها: فقال بعضهم: الكلمات: هي التي ذكرت في سورة الأَنعام، وهو قوله: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً  ﴾ ، ورأَى القمر بازغاً، ورأَى الشمس بازغة، هي الحجج التي أَقامها على قومه بقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ .

وقيل: ابتلاه بعشر ففعلهن: خمسةً في الرأْس، وخمسة في الجسد.

لكن في هذا ليس كبيرُ حكمةٍ؛ إِذ يفعل هذا كل واحد، ولكنَّ الحكمة فيه هي: ما قيل: إن ابتلاءه بالنار، حيث أُلْقي فيها، فصبر، حتى قال له جبريل: "أَتستعين بي؟

قال: أَمَّا منْك فلا".

وابتلي بإسكان ذريته الوادي، الذي لا ماءَ فيه، ولا زرع، ولا غرس.

وابتُلي بالهجرة مِن عِندهم، وتركهم هنالك - وهم صغار - ولا ماءَ معهم، ولا زرع، ولا غرس.

وابتلي بالهجرة إلى الشام.

وابتلي بذبح ولده.

ابتلى بأَشياءَ لم يبتل أَحد من الأَنبياء بمثله، فصبر على ذلك.

ففي مثل هذا يكون وجه الحكمة.

وفيه لغة أُخرى: ﴿ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ﴾ بالرفع ﴿ رَبُّهُ ﴾ بنصب الباء.

ومعناه - والله أعلم -: أَنه سأَل ربه بكلمات فأعطاهن.

وهو تأْويل مقاتل.

وهو أَن قال: اجعلني للناس إِماماً.

قال: نعم.

قال: ﴿ وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ﴾ ، قال: نعم قال: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

قال نعم.

قال: و ﴿ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً ﴾ .

قال: نعم.

قال: ﴿ وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .

قال نعم.

مثل هذا: سأَل ربه هذا فأَعطاهن إياه.

وقوله: ﴿ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ﴾ .

يحتمل: جعله رسولاً يقتدى به؛ لأَن أَهل الأديان - مع اختلافهم - يدينون به، ويقرون نبوته.

ويحتمل: إماماً من الإمامة والخلافة.

وقوله: ﴿ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

فإن قيل: كيف كان قوله: ﴿ قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ ﴾ جواباً لقوله: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾ وكانت الرسالة في ذريته؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ  ﴾ ؟

يحتمل قوله: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾ : أَحب أَن تكون الرسالة تدوم في ذريته أَبداً؛ حتى لا تكون بين الرسل فترات؛ فأُخبر أَن في ذريته من هو ظالم، فلا ينال الظالم عهده.

ويحتمل: أَن يكون سؤالهُ جعلَ الرسالة في أَولاد إِسماعيل؛ لأَن العرب من أَولاد إسماعيل -  - فأخبر أَن في أَولاده من هو ظالم؛ فلا يناله.

والعهدُ: ما ذكرنا، هو الرسالة والوحي.

وقال الحسن: لا ينال الظالم في الآخرة العهدَ.

ويحتمل: أَن يكون المراد من ذلك: وذريتي، فأخبر أَن فيهم من لا يصلح لذلك.

ويحتمل: أَن يريد به الإمامَة لاَ النبوة، وقد كانت هي في نسل كل الفرق، والنبوةُ كانت فيهم.

ويحمل: أَن يكون قصدَ خصوصاً من ذريته، ممن علم الله أَن فيهم من لا يصلح لذلك.

ولا يحتمل: أن يريد به الإمامَة لا النبوة وقد ذكر، أَو قال الإنسان: قيل له: إِنه من ذريتك لكن لا ينال من ذكر؛ ولهذا خص بالدعاءِ من آمن منهم دون من كفر.

وقوله: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ ﴾ .

قيل: المثابة.

المجمع.

وقيل: المثابة: المرجع، يثوبون: يرجعون.

وقيل: يحجون.

وقوله: ﴿ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً ﴾ .

هو فعل العباد؛ لأَنهم يأْمنون ويثوبون.

أَخبر أَنه جعل ذلك؛ ففيه دلالة خلق أَفعال العباد.

ثم بين فيه - عز وجل - شدة اشتياق الناس إليها، وتمنيهم الحضور بها، مع احتمال الشدائد والمشقة، وتحمل المؤن، مع بعد المسافة والخطرات؛ فدل أَن الله  - بلطفه وكرمه - حبب ذلك إلى قلوب الخلق، وأَنه جعل من آيات الربوبية والوحدانية، وتدبير سماوى، لا من تدبير البشرية.

وفيه دلالة نبوة محمد  ؛ إِذ أَخبر عما قد كان؛ فثبت أَنه أَخبر عن الله عز وجل.

وقوله: ﴿ وَأَمْناً ﴾ لمن دخله من عذاب الآخرة.

وقيل: ﴿ وَأَمْناً ﴾ لكل مجترم آوى به، وآوى إليه من القتل، وغيره؛ كقوله: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً  ﴾ عن كل ما ارتكب.

وأما عندنا: فإنه إن قتل قتيلاً، ثم التجأَ إِليه، فإِنه لا يقتل ما دام فيه؛ لأَنه لا يقتل للكفر هنالك.

فعلى ذلك القصاص؛ لقوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ  ﴾ ، وما روي عن رسول الله  أَنه قال: "إِنَّ مَكَّةَ حَرامٌ بِتَحْرِيم الله إِيَّاهَا يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْض، لَمْ تَحِلَّ لأَحِدٍ قَبْلي وَلاَ تَحلُّ لأحد بَعْدِي.

وَإِنَّما أُحلَّتْ لِي سَاعَةً مِن نَهَارٍ.

لاَ يُخْتلَى خَلاَهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّر صَيْدهَا" وما روي عن ابن عمر -  - أنه قال: "لو ظفرت بقاتل عمرَ في الحرم ما قتلته" وإِذا قتل في الحرم يقتل به هنالك.

والوجه فيه: أَن إِقامة مثله عليه فيما يرتكبه في الحرم أحق؛ إذ هي كفارة؛ لينزجر عما ارتكب، وأَحق ما يقع فيه الزجر بمثله، ما هو فيه من المكان.

وإذا قتل في غير الحرم، التجأ إلى الحرم - قال أَبو حنيفة - رحمه الله - لا يخرج من الحرم.

وأَبو يوسف - رحمه الله - جعل ذلك للسلطان، ذهب إلى أَنه قال: ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ﴾ ، كما قال: ﴿ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ﴾ ، فأوجب الإخراج، من حيث أخرج، كما أوجب القتل من حيث قتل.

[و] قيل: لم يُخرَج من الحرم إذا لم يخرج منه، كما لم يُقتل في الحرم إذا لم يقتُل فيه.

أَو نقول بالإخراج للقتل، قَصْد ما لم يَسُغْ فعله فيه كان كالصيد يخرج، يلزم فيه ما يجب بالقتل؛ فمثله في موضع الحظر.

وبعد فإِنه لو أخرج لم يأمن بالحرم، بل زيد في عقوبته؛ إِذ الإخراج عقوبة، فقد زيد عليه، مع ما لم يجز في الكفار - الذين نهوا عن قتلهم - إِخراجهم للقتل، كذلك القاتل.

وذهب الآخر: إلى أنه يُخْرج؛ لإقامة الحد عند أبي حنيفة - رحمه الله - وإن لم يرتكب فيه.

وإِخراج المرتكب له، أَقل في الحكم من إِقامته عليه.

غير أنه غلط؛ لأَنَّ إِخراجه للقتل يرفع من الحد؛ لأَنه يصل إلى قتله، ولما في القتل عقوبة واحدة، وفي الإخراج عقوبتان.

ثم لم يلزمه العقوبة الواحدة - وهي القتل - إِذا لم يقتل فيه كان من ألا يلزمه العقوبتان أَحق.

وقوله: ﴿ وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ .

اختلف في ﴿ مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ : منهم من جعل الحرم كله مقامه - يصلى إليه - لمقامه هنالك بأَولاده.

ومنهم من جعل المسجد مقامه؛ لأَنه كان مكان عبادته فهو المصلى.

ومنهم من جعل ما ظهر من مقامه - وهو موضع ركوبه ونزوله - لما روي عن رسول الله  : "أَنه لما قدم مكة قام إلى الركن اليماني، فقال عمر: يار سول الله!

أَلا تتخذ مقامَ إبراهيم مصلى؟!

فأَنزل الله -  -: ﴿ وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ " .

وعندنا: القبلةٌ البيتُ؛ كقوله -  -: ﴿ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ  ﴾ وقوله: ﴿ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰماً لِّلنَّاسِ  ﴾ أي: مقاماً لقيام العبادات.

وقوله: ﴿ وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﴾ .

فيه الأمر ببنائه.

وقوله: ﴿ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾ .

يحتمل التطهير لوجهين: أَحدهما: عن الأَصنام والأَوثان التي كانت هنالك، وعبادةِ غير الله والأَنجاسِ.

ويحتمل: التطهير عن كل أَنواع الأَقذار، وعن كل أَنواع المكاسب، على ما روي في جملة المساجد.

وقوله: ﴿ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَاكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ﴾ .

قيل: الطائف: هو القادم؛ سمي طائفاً لدخوله بطوافه.

وقيل: الاستحبابُ الطوافُ؛ لذلك قال أَصحابنا - رحمهم الله - الطوافُ للقادم أَفضل من الصلاة.

والصلاة للمقيم أَفضل.

والعاكفُ: المقيمُ.

﴿ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ﴾ منهما جميعاً.

وقيل: العاكفون: المجاورون؛ يعني: من أهل مكة والقادمين إليها.

وقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً ﴾ .

قد ذكرنا الوجه في قوله: ﴿ آمِناً ﴾ .

وقوله: ﴿ وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .

لما علم أَن المكان ليس بمكان ثمرٍ ولا عُشب دَعَا، وَسأَل ربه: أن يرزق أَهله عَطفاً على أَهله، وعلى كل من ينتاب إليه من الآفاق.

ثم خص المؤمنين بذلك؛ لوجوه: أَحدها: أَنه لما أَمرهما بتطهير البيت عن الأَصنام والأَوثان ظن أَنه لا يجعل لسوى أَهل الإيمان هنالك مقاماً؛ فخص لهم بالدعاءِ، وسؤال الرزق.

والثاني: أَنه أَراد أَن يجعل آية من آيات الله؛ ليرغِّب الكفار إلى دين الله، فيصيروا أُمة واحدة؛ فكان كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ...

﴾ الآية [الزخرف: 33].

ووجه آخر قيل: لما كان قيل له: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ ﴾ فلعله خشي أَن يخرج ذلك مخرج المعونة لهم على ما فيه العصيان.

وفي ذلك: أن لا بأْس ببيع الطعام من الكفرة.

ولا يصير ذلك كالمعونة على ما هم عليه.

ويحتمل الدعاءُ المبهم للكفرة: القبحَ؛ إذ ذلك اسم من يعبد غير الله.

وقوله: ﴿ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ﴾ .

بالنعم؛ لأن الدنيا دار محنة، لا توجب النظر إلى المستحق للنعم من غير المستحق، ولا إلى الولي من العدو في الدنيا.

وأما الآخرةُ فهي دار جزاء، ليست بدار محنة؛ فيوجب النظر إلى المستحق للنعم من غير المستحق.

ومعنى قوله: ﴿ قَلِيلاً ﴾ لأن الدنيا كلها قليلٌ.

ثم الامتحان على وجهين: امتحانٌ بالنعم، وامتحان بالشدائد.

وقد قرئ: "فأَمْتِعْه" على معنى دعاءِ إِبراهيم -  - "ومن كفر فأمتِعْه" بالجزم.

فإن قيل: لم لا كان تفاضل الامتحان بتفاضل النعم.

وإنما يعقل فضل الامتحان بفضل العقل، ويعلم أَن المؤمن هو المفضَّل بالعقل.

كيف لا وقع فضل ما به يمتحن - وهو النعم - لأَن العقل الذي به يدرك الحق واحد، لا تفاضل فيه لأَحد.

ثم العقل الذي به يمتحن واحد؛ فهما متساويان - فيما به دَرْكُ الحق - إلا أَن أَحدهما يدركه فيتبعه، والآخر يدركه فيعانده.

فهو - من حيث معرفته - ذو عقل، أَعرض عنه؛ فيسمى معانداً، إذ من لا عقل له يُسمى مجنوناً.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ﴾ .

ذكر الاضطرار، وهو كقوله: ﴿ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ  ﴾ وهو السوق، وكقوله: ﴿ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ  ﴾ إِنهم يساقون إليها، ويُدَعُّون، لا أنهم يأْتونها طوعاً واختياراً.

وقوله: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .

أي: بئس ما صاروا إليه.

وقوله: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ﴾ .

أُمِرَا برفع البيت وببنائه؛ فَفَعلا، ثم سأَلا ربهما: أَن يتقبل منهما.

فهكذا الواجب على كل مأْمور بعبادةٍ، أَو قُربة - إذا فرغ منها، وأَداها - أَن يتضرع إلى الله، ويبتهل؛ ليقبل منه، وأَلا يرد عليه؛ ليضيع سعيه.

وقوله: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ لدعائهم.

﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بما نَوَوْا وأَضمروا.

وقوله: ﴿ رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ .

والإسلام قد ذكرنا فيما تقدم أَنه يتوجه إلى وجوه: أَحدها: هو الخضوع له والتذلل.

والثاني: هو الإخلاص.

ثم اخْتَلَفَ أَهل الكلام في الإسلام: فقال بعضهم: إِنه يتجدد في كل وقت؛ لذلك سأَلوا ذلك، وهو كقوله -  - ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ معناه: آمنوا بالله في حادث الوقت؛ لأَنه تارك فعل الكفر في كل وقت؛ فبترك الكفر يتجدد له الإيمان.

وعلى ذلك: يخرج تأْويلنا في الزيادة بقولهم: زادتهم إيماناً يتجدد له، ويزداد في حادث الوقت.

وقال آخرون: كان سؤالهم الإسلام سؤال الثبات عليه والدوام.

وقد ذكرنا أَن العصمة لا ترفع خوف الزوال.

ومثل هذا: الدعاء والسؤال - على قول المعتزلة - يكون عبثاً؛ لأَنه لا يملك إِعطاءَ ما سأَلوا عندهم؛ بل هم الذين يملكون ذلك، فيَخرج السؤال في هذا - عندهم - مخرج اللعب والعبث، فنعوذ بالله من السرف في القول والزيغ عن الهدى.

ثم الإيمان: هو التصديق والتصديق بالقلب يتجدد في كل وقت، فلا وقت يخلو القلب عنه في حال سكونٍ، أَو حال حركةٍ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ﴾ .

يحتمل: أَن الأُمةَ المسلمة هي أُمةُ محمد  ؛ وذلك: أَنَّه لم يكن من أَولاد إِسماعيل رسولٌ سوى محمد  ، فسألا: أَن يجعل من ذريتهما رسولاً، وأُمه مسلمة، خالصة له.

وإنما الرسل كانوا من أَولاد إِسحاق ومن نسله، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ﴾ .

وقيل: في قوله: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ﴾ : يريد الإِراءَة إلى يوم القيامة، يدل على قراءَة عبد الله: "وأَرهم مناسكهم"، وفي قراءَة غيره على ضم الرؤية إلى نفسه.

والمنسكُ: هو القربة.

وأَفعالُ الحج سميت مناسكاً.

ثم لا يحتمل: أَن يسأَلا ذلك، من غير أَمر سبق منه - عز وجل بذلك؛ لأَنه ليس من الحكمة سؤال: إِيجاب فضل عبادة، أَو قربة بغير أَمر؛ فدل أَنه قد سبق منه بذلك أَمر، لكنه لم يبين لهما، فسأَلا: تعليم ماهيتها وكيفيتها، فعلمهما جبريل ذلك.

ففيه: دلالة تأْخير البيان عن وقت قرع السمع الخطاب؛ أَلا ترى أَنه أَمر بالنداء للحج ولم يعلم.

والثاني: أَن آدم والملائكة قد كانوا حجوا هذا البيت قبل إبراهيم -  - فدل أَن الأَمر به قد سبق.

والثالث: قوله - في نفس الحج -: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً  ﴾ .

ثم لا يحتمل: لزوم الكلفة بالخروج قبل وجوب الحج؛ لما لم يأْمر بفعل ما له إيجاب الحقوق والفرائض.

لكنها أوجبت شكراً لما أَنعم عليه؛ فدل أَن الحج كان واجباً قبل الخروج، وقد تأَخر الإمكان؛ فمثله البيان، والله أعلم.

واحتج بقوله: ﴿ أَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ  ﴾ : أَن ظاهره يوجب خضوعاً، لزم به ما أَداه السمع على تأَخر ما بينه، وكذلك الزكاةُ، وكذا ظاهرُ قوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ  ﴾ .

واحتج أَيضاً بقول القائل وسؤاله رسولَ الله  عن أَوقات الصلاة ففعله في يومين، وقد كان يمكنه تعليمه وقت السؤال، لكنه أَخر؛ فدل أَن البيان يجوز تأَخره عن وقت قرع الخطابِ السمعَ.

ثم في تأْخير البيان محنة المخاطب به؛ أَمر في تعلم العلم وطلب مراد ما تضمن الخطاب، والله أعلم.

وذكر في أَمر الحج - عند كل نسك من المناسك - معاني لها، لكنها ذكرت الأَحوالِ كانت في شأْن آدم وأَمر إبراهيم، وأَمر محمد - عليهم الصلاة والسلام - وقد كان الحج قبلهم.

وقد ذكر في أَمر الرَّمَل أَنه كان من رسول الله  ومن معه؛ ليُعلِم به قوتهم؛ حتى قال عمر -  -: "علام أَهز كتفي، وليس أَحد إِزاءَه؟!

لكني أَتبع رسول الله،  " أَو كما قال، رحمه الله .

وقد ذكر ذلك في قصة إبراهيم  : أَنه رمل، ولم يكن في وقته من كان الفعلُ لأَجله، وكذلك غيرُه من الأَنبياء، صلى الله عليهم وسلم.

إلا أَنَّا نقول: جعل الله كذلك؛ لعلمه بالحاجة إلى ذلك في وقت قد جعل ذلك نسكاً، فحفظ ذلك على حق النسك، وإن لم يكن المعنى مقارناً له في كل وقت، على ما قيل: "إِن صلة الرحم تزيد في العمر" - بمعنى جعل الله أَجله ذلك بما علم أَنه يصل الرحم - فيكون صرف العمر إلى تلك المدة لذلك.

وكما يكتب شقيّاً أَو سعيداً في الأَزل للوقت الذي فيه يكون كذلك، ونحو ذلك، والله الموفق.

ثم الأَصل: أَن الله - جل ثناؤه - جعل على عباده في كل الأنواع التي يتقلب فيها البشر للمعاش، أَو لأَنواع اللذات؛ لتكون العبادة منهم في كل نوع مقابل ما يختار صاحب ذلك شكراً لما مكن من مثله، لما يتلذذ به ويتعيش؛ إِذ كل لذة، وكل ما يتعيش به نعمة خصَّ الله بها صاحبها، بلا تقدُّم سببٍ يستوجبها العبد؛ فلزمه - في الحكمة - الشكر لمن أَسدى إليه تلك النعمة.

وعلى ذلك: نجد التقلب - من حال القيام، إلى حال القعود، والاضطجاع - أَمراً عامّاً في البشر، من أَنواع اللذات، فمثله يكون العبادة بذلك النوع عامة، نحو الصلوات.

وعلى ذلك: معنى الرق، والعبودةُ لازم لا يفارق، فمثله الاعتراف به، والاعتقاد دائم لا محالة لا يخلو منه وقت.

وعلى ذلك: أَمر إِعطاءِ النفس شهواتها، من المطاعم ونحو ذلك؛ لا يعم الأَوقات عموم التقلب من حال إلى حال؛ إذ لا يخلو عنها المرءُ وإن كانت مختلفة.

فجعلت عبادة الصيام في خاص الأَوقات.

ثم لم يمتد ما بين الأَوقات امتداداً متراخياً، فعلى ذلك: جعل العفو عن الصيام، لم يجعل كذلك، بل في سنة، مع ما قد يدخل الصيام في كثير من الأُمور.

ثم للناس في الأَموال معاش، وبها تلذذ: لكن منها قوت لا بد منه؛ فالاتفاق بمثله لازمم، لا يحتمل جعل القربة فيه، سوى أَن جعل ذلك لعينه قربة؛ إذ فرض على المرء الاستمتاع به.

ومنها فضْل، به جعلت قرب التصدق؛ لأَنه له بحق التلذذ، لا بحق ما لا بد منه.

وكذلك نوع تقلب الأَحوال في النفس التي هى بحق الضرورة، لم يجعل لمثل ذلك فضل قربة يؤديها سوى ما به حياته.

وذلك يجعل بحكم الفرض عليه ولا ندبه.

وكذلك أَمر الصيام: لم يجعل عما لا بد منه للقوة، ولكن فضل قوة في الاحتمال.

لكن الزكاة هي من حقوق ما يجوز أَن يكون هي لغير من عليه، ففرض عليه البذل إلى غيره.

وحقوق الأَفعال لا تحتمل أَن يصير السبب الذي له به يجب أَن يكون لغيره فيجب عليه؛ فجعل فرض ذلك الفعل في نفسه.

وهي تجب للأَحوال لوجهين: أَحدهما: أَن فيها حقوقاً شائعة، على نحو النفقات، فأخرت هي إلى الحول؛ تخفيفاً، أَو لما هي تجب فيما له حكم الفضل.

والفضل: ما يفضل عن الحاجة.

والحاجات تتجدَّد في أَوقات - لا أَنها تتتابعُ - لا يظهر في مثله الفضل إِلا بمدةٍ بينةٍ أكثرها حول.

ثم فَرْضُ الحجِّ جُعِل في العمر مرة؛ لأَنه في حق الأَسفار المديدة، التي لا يختار مثلها للذات إلا في النوادر، فلم يوجَب مثلُه إلا خاصّاً؛ فأُوجب في جميع العمر مرة.

وقد أَوجب في الأَموال في كل سنة؛ لأَن أَرباب الأَموال قد يتقلبون في البلاد النائية رغبة في فضول اللذات؛ فلذلك يجوز فرض مثل ذلك.

وعلى ذلك أَمر الجهاد - على أن الجهاد كالذي لا بد من الأَقوات - إذ في ترك ذلك خوف غلبة الأَعداءِ، وفيها تلف الأَبدان والأَديان، والأَموال ففرض على قدر ما فرض من الأَقوات؛ لما بينت من الخلل، ثم كانت أَحوال أَهل السفر تكون على غير المعروف من أَحوال المقيمين - في حق الرَّزانة والوقار، وحق الانبساط والنشاط - فعلى ذلك: فرائض الأَمرين - نحو الجهاد - فيه أَنواع: ما عُدَّ في غيره من اللعب، وكذلك أَمر الحج.

وعلى مثل هذا يخرج رمي الجمار والرمَل والسعي ونحو ذلك.

فجعل ذلك في حق الأَسفار سُنَّة، وإن كان مثل ذلك عُدَّ في غير ذلك عبثا؛ إِذ قد بينا مخرج العبادات، على ما عليه أَحوال العباد بأَنفسهم، لولا العبادات، والله أعلم.

ثم جعل ذلك في أَمكنة متباعدة الأَطراف؛ إِذ هو بحق أَمر الأَسفار يجب في المعهود؛ فجعل في النسك، بنفسه بالذي به يقطع الأَسفار، ولا قوة إلا بالله.

ووجه آخر: من المعتبرات: أَن العبادات جعلت أَنواعاً: منها ما يبلغ القيام بحقها العامَ فصاعداً، وهذه لم يجز أَن يجعل وقتها ينقص عن احتمال فعلها.

ولا وقت من طريق الإشارة أجمع لمختلف الأَحوال بعد سقوط اعتبار العمر من السنة.

ثم لأَن فعل الحج قد يمتد ذلك، ويجاوز، لم يجعل ذلك وقتاً له، وإنما جعل العمر، لما كان لا وقت يشار إليه إلا وجميع ما فيه مما يحتمله العام الآخر، وما تقدمه وما تأَخره، ثم في العمر أَحوال، لا تحتمل إِضافتها إلى الأَعوام؛ لأَن ما يضاف إلى عام فذلك لكل عام.

وليس ما يضاف إلى العمر موجوداً بحق الأَعوام.

فجعل ذلك وقته، والله أعلم.

ثم الزكاة هي تجب للأَموال؛ صوناً لها؛ لكسب عدد، وفضل غنى، ولكن على ذلك تكتب لأَحوال الحياة لا لما يخلف؛ فلم يمتد أَمرها إلى العمر؛ على أَنها جعلت حقّاً للفقراء.

ومتى أُريد جعل الوقت له العمر يصير لغيره، ويجب فيه ما يجب في الأَول؛ فتبطل الزكاة ويبقى الفقراء بلا عيش؛ إذ الله - بفضله - قدر أَقوات الخلق، ثم فضل الخلق في الأَملاك، حتى كان بعضهم بحيث لا يملك شيئاً، وبعضهم يجاوز ما ينالُ أَضعافَ عمره.

ثبت أَن ذلك له بما يقتضى به كفاية الفقراء؛ فلا بد أَن يجعل لذلك مدة يتوسع في ذلك الفريقان جميعاً.

ثم كانت الأَقوات - التي هي مجهولة للخلق جميعاً - تتجدد في كل عام على ذلك؛ إذ جعلت أقوات الفقراء في أموال الأَغنياء، جعلت في كل عام.

على أَنه إِذ جعلت أَقوات الخلق في بركات السماء والأَرض، جعلها الله متجددة بتجدد الأَعوام، ولا قوة إلا بالله.

والصلاة والصيام عبادتان تلزم قوى الأَبدان، فعلى ما يختلف قواهما، اختلف في الأَمر بهما والترك، وفي أَنواع الرخص.

لكن الصلاة ليس فيها مكابدة الشهوات، ولا مدافعة اللذات؛ إِذ لا سبيل إلى مثلها متتابعاً لما يصير اللذة أَلما، والشهوة وجعاً؛ فيبطل حق التتابع؛ وقدر المفروض من الصلوات لا يشتغل عما يقوم بها النفس.

والصيام يضاد ذلك، ويضر في البدن.

فجعل عبادة الصلوات في كل يوم، وعبادة الصيام في أَوقات متراخية؛ إذ هي تضاد معنى المجعول له الأغذية بين إِقامة الأَبدان، وفي الصيام خوف فنائها؛ لذلك استعين بطول الاغتذاء على أَوقات الصيام، ولا قوة إلا بالله.

وإن شئت قلت: إن الله أَنعم على البشر بما هو غذاء وقوام، وبما هو لذة وشهوة، ثم أَنعم عليهم بما هو لهم ربه رفعة وجاه عند الخلق - وهي الأَموال - فأَلزمهم في كل نوع من هذه الأَنواع عباداتٍ.

وعلى ذلك: وقع كل نوع منها لفوت النعمة، التي هي المرغوبة المختارة في الطبيعة، وإلى ما يدوم تلك يدعو العقل ببذل ما ينقطع منه، ثم جعلت قوى النفس بشهواتها، ونعم الأَموال بأَنواع الكد والجهد.

فعلى ذلك: خفف حقوق الأَموال؛ فلم يجعل إلا في الفضل الذي لا اختيار لهم ألا يبلغوا بالجهد ذلك، ففي ذلك جعلت الحقوق على ما يحتمل الوسع لهم من الترتيب، مع اليسر الذي أَخبر الله أَنه يريد بهم ذلك، لا العسر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

دل سؤال التوبة أَن الأَنبياء - عليهم السلام - قد يكون منهم الزلات والعثرات، على غير قصد منهم.

ثم فيه الدليل على أَن العبد قد يُسْأَل عن زلة لم يتعمدها ولم يقصدها؛ لأَنهم سأَلوا التوبة مجملاً.

ولو كان سبق منهم شيء علموا به وعرفوه لذكروه؛ فدل سؤالهم التوبة مجملاً على أَن العبد مسئول عن زلات لم يتعمدها.

وقوله: ﴿ رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل ﴿ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ : من المسلمين: لأَنه أَخبر أَن عهده لا يناله الظالم.

ويحتمل ﴿ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ : من جنسهم، من البشر؛ لأَنه أَقرب إلى المعرفة والصدق ممن كان من غير جنسهم، كقوله  : ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً...

﴾ الآية [الأنعام: 9].

ويحتمل ﴿ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ : أي من قومهم، ومن جنسهم، وبلسانهم، لا من غيرهم، ولا بغير لسانهم - والله أعلم - كقوله: ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ ﴾ .

قيل: الآيات هي الحجج.

وقيل: الآيات هي الدين.

ويحتمل: يدعوهم إلى توحيدك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ .

يعني القرآن: ما أَمرهم به، ونهاهم عنه، ونحو ذلك.

وقوله: ﴿ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ .

قيل: الفقه، يقول: يعلمهم الكتاب وما فيه من الفقه.

وقيل: الحكمة ما فيه من الأَحكام من الحلال والحرام.

وقيل: الحكمة: هي السنة ها هنا.

وقيل: الحكمة: هي الإصابة.

وبعض هذا قريب من بعض، وبالله التوفيق.

وقال الحسن: الحكمة: هي القرآن؛ أَعاد القول به.

يعني تكراراً.

وقال ابن عباس -  -: الحكمة: الفقه.

وقوله: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ .

قال ابن عباس -  : يأْخذ زكاة أَموالهم - فذلك يزكيهم - كقوله: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا  ﴾ .

وقيل: يزكيهم إلى ما به زكاة أَنفسهم.

وقيل: يزكيهم بعمل الصالح.

فإن قال لنا قائل ممن ينتحل مذهب الاعتزال: أَليس الله - عز وجل - أَضاف التزكية والهداية إلى رسوله، ولم يكن منه - حقيقة - فعل التزكية والهداية، ولا خلق ذلك منه - كيف لا قلتم أيضاً - فيما أَضاف ذلك إلى نفسه: أَن ليس فيه منه خلق ذلك، ولا حقيقة سوى الدعاء والبيان، على ما لم يكن في إضافة ذلك إلى رسول الله سوى الدعاء والبيان؟!

قيل: كذلك على ما قلتم: أَنه أَضاف ذلك إلى رسوله بقوله: ﴿ وَتُزَكِّيهِمْ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ  ﴾ ، غير أَنه جعل إلى نفسه فضْلَ هدايةٍ، لم يجعل ذلك لرسوله  وأَثبت زيادة تزكيةٍ، لم يثبت ذلك لرسوله  ؛ كقوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ  ﴾ .

فدل إضافة تلك الزيادة إلى نفسه على: أَنَّ له فضلَ فعلٍ، ليس ذلك لرسوله، وهو خلق فعل الاهتداء، وفعل التزكية، وبالله التوفيق.

وبعد: فإن الرسول لا يحتمل أَن يملك قدرة فعل أَحد يُقدره عليه لو أَراده بما أَقدرهم الله على الفعل، حتى قدَروا؛ فجاز أَن يكون له عليه قدرة.

وفي تحقيقها جواز خلق ذلك له، ومثله في رسول الله  لا يحتمل، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ ﴾ .

أي: لا شيء يعجزه، والعزيز بذاته، وكل شيء دونَه غيرُ عزيز، ذليل.

وقيل: العزيز: المنيع.

وقيل: العزيز: المنتقم من أَعدائه.

والحكيم: هو المصيب في فعله.

والحكيمُ في أَمره ونهيه.

والحكيم هو الذي أَحكم كل شيء جعله دليلاً على وحدانيته.

ثم ذكر بعض المفسرين علل المناسك فقال: سميت العرفات عرفات؛ لما قيل له: عرَفتَ,.

ومِنىً؛ لما قيل له: تمنَّهُ.

ورَمى الجمار؛ لما استقبل لإبراهيم الشيطان فرمى.

فهذه العلل لا تطمئن بها القلوب وتنفر عنها الطباع، أَلا ترى أَنه ذكر في قصة آدم فعل ذلك جملةً؛ فزال المعنى الذي ذكر في إِبراهيم  ؟!

ثم قد ذكر في الخبر أَن الملائكة قالت لآدم: حججناها قبلك بأَلفي عام؛ فثبت أَنهم قد فعلوا هذا كله.

ثم يمكن نصب الحكمة فيه من طريق العقل، وهو أَن الحج قصد لزيارة ذلك المكان؛ فأَمر بمختلف الأَفعال الواقع بها الزيارة.

كالصلاة: إنها الخضوع لعينة؛ ولذلك أَمر فيها بإحضار الأَفعال المختلفة من حال الخضوع.

ثم المرءُ قد يخضع مرة بالقيام، ومرة بالركوع، ومرة بالسجود.

أَمر بإحضار مختلف الأَفعال التي فيها الزورة.

غير أَن الصلاة تخالف الحج؛ فلأَن أَفعالها فعل المعاش أَمر فيها بإِحضار حالة تذكره الخضوع، والوقوف لله، مفرقاً بين تلك الحالة وحالة المعاش؛ ولهذا تُقْضَى في كل مكان.

ثم أَفعال الحج في ظاهرها إلى أَفعال المعاش، وما إليه وَقع القصد - لا عينها - غير أن فيه تكلف المعاش؛ ولهذا ما لا يقضى في كل مكان.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكر حين جعل الله البيت الحرام مرجعًا للناس تتعلق به قلوبهم، كلما رحلوا عنه رجعوا إليه، وجعله أمنًا لهم، لا يُعتَدى عليهم فيه.

وقال للناس: اتخذوا من الحَجَر -الَّذي كان يقف عليه إبراهيم وهو يبني الكعبة- مكانًا للصلاة.

وأوصينا إبراهيم وابنه إسماعيل بتطهير البيت الحرام من الأقذار والأوثان وتهيئته لمن أراد التعبد فيه بالطواف والاعتكاف والصلاة وغيرها.

<div class="verse-tafsir" id="91.bRqwG"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قوله تعالى ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا  ﴾ معطوف على ما قبله والمعنى واذكر أيها الرسول -أو أيها الناس- إذ جعلنا البيت الحرام مثابة للناس وأمنا أي ذا أمن، بأن خلقنا بما لنا من القدرة في قلوب الناس من الميل إلى حجه والرحلة إليه المرة بعد المرة من كل فج وصوب ما كان به مثابة لهم، ومن احترامه وتعظيمه وعدم سفك دم فيه ما كان به أمنًا، ولفظ البيت من الأعلام الغالبة على بيت الله تعالى الحرام بمكة كالنجم على الثريا، كان كل عربي يفهم هذا من إطلاق الكلمة.

يذكر الله تعالى العرب بهذه النعمة أو النعم العظيمة وهي جعل البيت الحرام مرجعًا للناس يقصدونه ثم يثوبون إليه، ومأمنًا لهم في تلك البلاد، بلاد المخاوف التي يتخطف الناس فيها من كل جانب، وبدعوة إبراهيم  للبيت وأهله المؤمنين، وفي هذا التذكير ما فيه من الفائدة في تقرير دعوة النبي  وبيان بنائها على أصول ملة إبراهيم الذي تحترمه قريش وغيرها من العرب.

وقد اختار المثابة على نحو المقصد والمزار لأن لفظ المثابة يتضمن هذا وزيادة، فإنه لا يقال ثاب المرء إلى الشيء إلا إذا كان قصده أولًا ثم رجع إليه.

ولما كان البيت معبدًا وشعارًا عامًا كان الناس الذين يدينون بزيارته والقصد إليه للعبادة يشتاقون الرجوع إليه، فمن سهل عليه أن يثوب إليه فعل، ومن لم يتمكن من الرجوع إليه بجثمانه، رجع إليه بقلبه ووجدانه، وكونه مثابة للناس أمر معروف في الجاهلية والإسلام، وهو يصدق برجوع بعض زائريه إليه، وحنين غيرهم وتمنيهم له عند عجزهم عنه.

وكذلك جعله أمنًا معروف عندهم فقد كان الرجل يرى قاتل أبيه في الحرم فلا يزعجه على ما هو معروف عندهم من حب الانتقام والتفاخر بأخذ الثأر.

قد يقال: ما وجه المنة على العرب عامةً بكون البيت أمنًا للناس، والفائدة فيه إنما هي للجناة والضعفاء الذين لا يقدرون على المدافعة عن أنفسهم؟

والجواب عن هذا: أنه ما من قوي غلا ويوشك أن يضطر في يوم من الأيام إلى مفزع يلجأ إليه لدفع عدو أقوى منه أو لهدنة يصطلح في غضونها مع خصم يرى سلمه خيرًا من حربه، وولاءه أولى من عدائه، فبلاد كلها أخطار ومخاوف لا راحة فيها لأحد.

وقد بيّن الله المنة على العرب إذ جعل لهم مكانًا آمنًا بقوله في سورة العنكبوت ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ  ﴾ .

قال تعالى ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى  ﴾ قرأ نافع وابن عامر ﴿ وَاتَّخِذُوا  ﴾ بفتح الخاء على أنه فعل ماضٍ معطوف على جعلنا، والباقون بكسرها على أنه أمر، أي وقلنا اتخذوا أو قائلين اتخذوا من مقام إبراهيم مصلي.

فحذف القول للإيجار، وفائدته أن يستحضر ذهن التالي أو السامع المأمورين حاضرين والأمر يوجه إليهم، فهو تصوير للماضي بصورة الحاضر ليقع في نفوس المخاطبين بالقرآن أن الأمر يتناولهم، وأنه موجه إليهم كما وجه إلى سلفهم في عهد أبيهم إبراهيم، وهم ولده إسماعيل وآل بيته ومن أجاب دعوتهما إلى حج البيت، لا أنه حكاية تاريخية سيقت للفكاهة والتسلية بل شريعة ودين.

وهذا القول أحسن من قول بعضهم: إن ﴿ وَاتَّخِذُوا  ﴾ أمر لأمة محمد  لأن ذلك القول يقتصر على معنى الأمر وما قلنا يتضمن مع ذلك معنى القراءة بصيغة الماضي الدالة على أن إبراهيم ومن آمن معه قد اتخذوا مقامه مصلى، لأنه أبلغ لما فيه من تحريك شعور الخلف بشرف عمل السلف وبعثهم على الإقتداء بهم.

ومقام اسم مكان من القيام، وقد اختلف المفسرون في مقام إبراهيم فقال بعضهم أنه الحِجْر الذي كان يقوم عليه عند بناء الكعبة قاله ابن عباس وجابر وقتادة وغيرهم ورواه البخاري وعليه مفسرنا (الجلال).

وقال آخرون إنه الحرم كله وهو مروي عن النخعي ومجاهد.

وروي عن ابن عباس وعطاء، أنه مواقف الحج كلها، وقال الشعبي إنه عرفة ومزدلفة والجمار.

واختلفوا أيضًا في تفسير المصلى فقال من فسر المقام بالحجر إنه مكان الصلاة أي صلاتنا المخصوصة وعليه (الجلال) واستدلوا له بحديث جابر عند مسلم قال: إن رسول الله  لما فرغ من طوافه عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ الآية: وذهب الآخرون إلى أن المراد بالمصلى موضع الصلاة بمعناها اللغوي العام وهو الدعاء والتوجه إلى الله تعالى وعبادته مطلقًا.

وهذا هو الأرجح لأن الحِجْر لا يسع الصلاة المخصوصة، ولذلك قال جابر إن النبي صلى خلفه فكيف يتخذ منه محلًا للصلاة؟

أما حديث مسلم المتقدم وحديث أبي نعيم: "هذا مقام إبراهيم" فإنه ليس فيهما ما يدل على أن الحِجْر هو المراد بمقام إبراهيم في الآية دون غيره، وإنما صلاته تدل على أن الصلاة هناك مشروعة.

على أن في سند حديث أبي نعيم مقالًا والخطاب في الأصل للمؤمنين في زمن إبراهيم  ولم تكن صلاتنا هذه صلاتهم فحمل المقام على جميع شعائر الحج التي قام فيها إبراهيم والصلاة على معناها اللغوي الذي يشمل صلاة إبراهيم ومن كان معه على عبادته كما يشمل صلاتنا ومناسكنا أظهر.

قال تعالى: ﴿ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ  ﴾ إلخ عهد إليه بالشيء وصاه به والمراد أن الله كلفهما أن يطهر ذلك المكان الذي نسبه إليه وسماه بيته لأنه جعله معبدًا يعبد فيه العبادة الصحيحة.

ولم يذكر ما يجب أن يطهراه منه ليشمل جميع الرجس الحسي والمعنوي كالشرك وأصنامه واللغو والرفث والتنازع.

وتخصيص الله تعالى ذلك البيت بالنسبة إلى ذاته المنزهة عن صفات الأجسام ليس لخصوصية في موقعه ولا في أحجاره وإنما كان بيتًا لله تعالى سماه بيته وأمر بأن يتوجه إليه المصلون وبأن يعبد فيه عبادة خاصة.

والحكمة في ذلك أن البشر يعجزون عن التوجه إلى موجود غيبي مطلق لا يتقيد بمكان ولا ينحصر في جهة وهم في حاجة إلى التوجه إلى خالقهم وشكره والتوسل إليه والثناء عليه واستمداد رحمته ومعونته لما في ذلك من الفائدة لهم لأنه يعلي مداركهم عن التقيد في دائرة الأسباب المعروفة على ضيقها وعن الاستخذاء لما لا يعرفون له سببًا، ويرفع نفوسهم عن الرضي بالحياة الحيوانية.

فله الحمد والمنة أن عين لهم مكانًا نسبه إليه فسماه بيته رمزًا إلى أن ذاته المقدسة تحضره، فإذا كان الحضور الحقيقي محالًا عليها، فإنها تحضره رحمته الإلهية، ولذلك كان التوجه إليه بمنزلة التوجه إلى تلك الذات العلية، لو وجد العبد إلى ذلك سبيلًا.

ولو كلف الله عباده بعبادته مطلقًا -وقد علمهم بنظر العقل وإرشاد الشرع أنه ليس كمثله شيء- لوقعوا في الحيرة والاضطراب لا يدرون كيف يتوجهون إلى ذات غيبية مطلقة.

ولو اختار بعضهم لنفسه عبادة تليق بهذا التنزيه الذي أرشد إليه الكتاب وصدقه العقل لما اهتدى إليه الآخرون وبذلك يفقد المؤمنون الجامعة التي تجمعهم على أفضل الأعمال التي تؤلف بين قلوبهم، لذلك قلنا إن الله رحمهم إذ جعل لنفسه بيتًا يقصدونه ويثوبون إليه عند الإمكان، ويتوجهون إليه في صلاتهم وإن بَعُدَ المكان، ولا يخشى على المؤمن توهم الحلول في ذات الله بنسبة البيت إليه بعدما ...

سبحانه كل إيهام بقوله ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ  ﴾ يؤيد ما رجحناه من جعل المصلى بالمعنى العام، أي المعبد، فإنه بعد أمر الناس باتخاذ مقام إبراهيم مصلى، بيّن لنا أن إبراهيم وإسماعيل طهراه بأمره لأداء أنواع من العبادات فيه كالطواف وفي معناه السعي بين الصفا والمروة والعكوف في المسجد والركوع والسجود وهما من أعمال الصلاة.

والركع السجود جمع الراكع والساجد، والآية تدل على أن إبراهيم كان مأمورًا هو ومن آمن بهذه العبادات، ولكن لا دليل فيها على أنهم كانوا يؤدونها على الوجه المشروع عندنا.

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا  ﴾ هذه الآية معطوفة على ما قبلها مسوقة لبيان منة أو منن أخرى على أهل الحرم وهي ما تضمنه دعاء إبراهيم من جعل البلد آمنًا في نفسه، وغير ما سبقت به المنة من جعل البيت آمنًا.

وقد فسر الجلال ﴿ آَمِنًا  ﴾ بقوله ذا أمن: مع أن المعنى ظاهر وهو أن يكون محفوظًا من الأعداء الذين يقصدونه بالسوء، وهو غير معنى كونه ذا أمن، أي من يكون فيه يكون آمنًا ممن يسطو عليه فيظلمه أو ينتقم منه.

وقد استجاب الله دعاء إبراهيم في ذلك، ومن تعدى على البيت لم يطل زمن تعديه بحيث يقال إنه قد مر زمن طويل لم يكن البيت فيه آمنًا، بل لم ينجح أحد تعدى عليه لذاته، وإنما كان التعدي القصير هو التعدي العارض على بعض من اعتصم فيه.

﴿ وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ  ﴾ فسر ( الجلال) الرزق من الثمرات بنقل جبريل (الطائف) من حوران في بلاد الشام أو من فلسطين إلى مكانه الآن في أرض الحجاز.

مع أن الكلام في البيت وبلده "مكة" لا في "الطائف".

ورزق أهل هذا البلد الأمين من الثمرات ظاهر معروف بالمشاهدة والاختبار المصدقين لما جاء به الكتاب في سورة القصص بقوله ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ فالثمرات تجبى وتجمع من حيث تكون وتساق إلى مكة، ولا فرق في ذلك بين كونها من "الطائف" أو من الشام أو مصر أو الروم مثلًا، وكونها تجمع من أقطار متفرقة أظهر الآية وأدل على التسخير.

وحديث نقل الطائف لا يصح ولكنهم ألصقوه بكتاب الله وجعلوه تفسيرًا له وهو بريء منه وغير محتاج في صدقة إليه.

وقد خص إبراهيم بدعائه المؤمنين كما هو اللائق به، ولكن الله واسع الرحمة وقد جعل رزق الدنيا عامًا للمؤمن والكافر ﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا  ﴾ ولكن تمتيع الكافر محدود بهذا العمر القصير، ومصيره في الآخرة إلى شر مصير، وذلك جواب الله تعالى لإبراهيم قال ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ  ﴾ أي وأرزق من كفر أيضًا فأمتعه بهذا الرزق قليلًا وهو مدة وجوده في الدنيا ثم أسوقه إلى عذاب النار سوقًا اضطراريًا لا يقصده هو ولا يعلم أن كفره ينتهي به إليه، وذلك أن لجميع أعمال البشر الاختيارية غايات وآثارًا اضطرارية تفضي وتنتهي إليها بطبيعتها بحسب نظام الأسباب المسببات، كما يفضي الإسراف في الشهوات أو التعب أو الراحة إلى بعض الأمراض في الدنيا.

فالكفار والفساق مختارون في كفرهم وفسقهم فعاقبهم عليها إنما هو عقاب على أعمال اختيارية، وهو أن كفرهم بآيات الله سيسوقهم إلى عذاب الله بما أقام الله تعالى عليه الإنسان من السنن الحكيمة، وأساسها أن علم الإنسان وأعماله النفسية والبدنية لها الأثر الذي يفضي به إلى سعادته أو شقائه اضطرارًا، ولما كانت هذه السنة بقضاء الله وتقديره صح أن يقال إن الله قد اضطر الكافر إلى العذاب وألجأه إليه إذ جعل الأرواح المدنسة بالعقائد الفاسدة والأخلاق المذمومة محل سخطه وموضع انتقامه في الآخرة كما جعل أصحاب الأجساد القذرة عرضة للأمراض في الدنيا.

ولما كانت هذه العقائد والمعارف والأخلاق والأعمال كسبية وكان الإنسان متمكنًا من اختيار الحق على الباطل والطيب على الخبيث وقد هداه الله إلى ذلك بما أعطاه من العقل، وما نزله من الوحي، صح أن يقال إنه ظلم نفسه وعرضها للعذاب والشقاء بأعماله التي مبدأها كسبي، وأثرها ضروري.

وفي قوله تعالى ﴿ وَمَنْ كَفَرَ  ﴾ إلخ إيجاز بالعطف على محذوف علم منه أنه تعالى استجاب دعاء إبراهيم في المؤمنين فجعل لهم هذا الخير في الدنيا وأعد لهم ما هو أفضل منه في الآخرة.

وهو إيجاز لم يكن يعهد في غير القرآن، جار على الأصل الذي تقدم بيانه في خطاب القرآن للعرب خاصة دون ما كان يخاطب به بني إسرائيل، وإن كان كل ما في القرآن عبرة عامة لجميع المعتبرين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله