الآية ١٧ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٧ من سورة البقرة

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًۭا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَـٰتٍۢ لَّا يُبْصِرُونَ ١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 198 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

[ يقال : مثل ومثل ومثيل - أيضا - والجمع أمثال ، قال الله تعالى : ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) [ العنكبوت : 43 ] .

وتقدير هذا المثل : أن الله سبحانه ، شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى ، وصيرورتهم بعد التبصرة إلى العمى ، بمن استوقد نارا ، فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله ، وتأنس بها فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره ، وصار في ظلام شديد ، لا يبصر ولا يهتدي ، وهو مع ذلك أصم لا يسمع ، أبكم لا ينطق ، أعمى لو كان ضياء لما أبصر ؛ فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك ، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضا عن الهدى ، واستحبابهم الغي على الرشد .

وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا ، كما أخبر عنهم تعالى في غير هذا الموضع ، والله أعلم .

وقد حكى هذا الذي قلناه فخر الدين الرازي في تفسيره عن السدي ثم قال : والتشبيه هاهنا في غاية الصحة ؛ لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولا نورا ثم بنفاقهم ثانيا أبطلوا ذلك النور فوقعوا في حيرة عظيمة فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين .

وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل هاهنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات ، واحتج بقوله تعالى : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ) [ البقرة : 8 ] .

والصواب : أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم ، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك ، ثم سلبوه وطبع على قلوبهم ، ولم يستحضر ابن جرير - رحمه الله - هذه الآية هاهنا وهي قوله تعالى : ( ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ) [ المنافقون : 3 ] ؛ فلهذا وجه [ ابن جرير ] هذا المثل بأنهم استضاءوا بما أظهروه من كلمة الإيمان ، أي في الدنيا ، ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة .

قال : وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد ، كما قال : ( رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت ) [ الأحزاب : 19 ] أي : كدوران عيني الذي يغشى عليه من الموت ، وقال تعالى : ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ) [ لقمان : 28 ] وقال تعالى : ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ) [ الجمعة : 5 ] ، وقال بعضهم : تقدير الكلام : مثل قصتهم كقصة الذي استوقد نارا .

وقال بعضهم : المستوقد واحد لجماعة معه .

وقال آخرون : الذي هاهنا بمعنى الذين كما قال الشاعر : وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد قلت : وقد التفت في أثناء المثل من الواحد إلى الجمع ، في قوله تعالى : ( فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون ) وهذا أفصح في الكلام ، وأبلغ في النظام ، وقوله تعالى : ( ذهب الله بنورهم ) أي : ذهب عنهم ما ينفعهم ، وهو النور ، وأبقى لهم ما يضرهم ، وهو الإحراق والدخان ( وتركهم في ظلمات ) وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق ، ( لا يبصرون ) لا يهتدون إلى سبل خير ولا يعرفونها

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ (17) قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) ، وقد علمتَ أن " الهاء والميم " من قوله " مثلهم " كناية جِمَاعٍ - من الرجال أو الرجال والنساء - و " الذي" دلالة على واحد من الذكور؟

فكيف جعَل الخبر عن واحد مَثلا لجماعة؟

وهلا قيل: مثلهم كمثل الذين استوقدوا نارًا؟

وإن جاز عندك أن تمثلَ الجماعةَ بالواحد، فتجيز لقائل رأى جماعة من الرجال فأعجبتْه صُوَرهم وتمامُ خلقهم وأجسامهم، أن يقول: كأنّ هؤلاء, أو كأنّ أجسامَ هؤلاء, نخلةٌ؟

قيل: أما في الموضع الذي مثَّل ربُّنا جل ثناؤه جماعةً من المنافقين، بالواحد الذي جعله لأفعالهم مثلا فجائز حسنٌ, وفي نظائره (1) كما قال جل ثناؤه في نظير ذلك: تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [سورة الأحزاب: 19]، يعني كَدَوَرَان عيْنِ الذي يُغشى عليه من الموت - وكقوله: مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [سورة لقمان: 28] بمعنى: إلا كبَعْث نفسٍ واحدة.

وأما في تمثيل أجسام الجماعة من الرجال، في الطول وتمام الخلق، بالواحدة من النخيل, فغير جائز، ولا في نظائره، لفرق بينهما.

فأما تمثيلُ الجماعة من المنافقين بالمستوقِدِ الواحد, فإنما جاز، لأن المرادَ من &; 1-319 &; الخبر عن مَثَل المنافقين، الخبرُ عن مَثَل استضاءتهم بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار وهم لغيره مستبطنون - من اعتقاداتهم الرَّديئة, وخلطهم نفاقَهم الباطن بالإقرار بالإيمان الظاهر.

والاستضاءَةُ - وإن اختلفت أشخاص أهلها - معنًى واحد، لا معانٍ مختلفة.

فالمثل لها في معنى المثَل للشخص الواحد، من الأشياء المختلفة الأشخاص.

وتأويل ذلك: مَثلُ استضاءة المنافقين بما أظهروه من الإقرار بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، قولا وهُم به مكذبون اعتقادًا, كمثَل استضاءة المُوقِد نارًا.

ثم أسقط ذكر الاستضاءة، وأضيف المثَلُ إليهم, كما قال نابغةُ بني جَعْدَة: وَكَــيْفَ تُــوَاصِل مـن أَصْبَحَـتْ خِلالَتُــــهُ كَـــأَبِي مَرْحَـــبِ (2) يريد: كخلالة أبي مَرْحب, فأسقط " خلالة ", إذ كان فيما أظهرَ من الكلام، دلالةٌ لسامعيه على ما حذف منه.

فكذلك القول في قوله: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) ، لما كان معلومًا عند سامعيه بما أظهرَ من الكلام، أنّ المثلَ إنما ضُرِب لاستضاءة القوم بالإقرار دون أعيان أجسامهم - حَسُن حذفُ ذكر الاستضاءة، وإضافة المثل إلى أهله.

والمقصود بالمثل ما ذكرنا.

فلما وَصَفنا، جاز وحَسُنَ قوله: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) ، ويشبه مثل الجماعة في اللفظ بالواحد, إذ كان المراد بالمثل الواحد في المعنى.

وأما إذا أريدَ تشبيهُ الجماعة من أعيان بني آدم - أو أعيان ذوي الصور والأجسام، بشيء - فالصَّواب من الكلام تشبيهُ الجماعة بالجماعة، والواحدُ بالواحد, لأن عينَ كل واحد منهم غيرُ أعيان الآخرين.

ولذلك من المعنى، افترق القولُ في تشبيه الأفعال والأسماء.

فجاز تشبيهُ أفعال الجماعة من الناس وغيرهم - إذا كانت بمعنى واحدٍ - بفعل الواحد, &; 1-320 &; ثم حذف أسماء الأفعال وإضافة المثَل والتشبيه إلى الذين لهم الفعل.

فيقال: ما أفعالكم إلا كفِعل الكلب, ثم يحذف فيقال: ما أفعالكم إلا كالكلب أو كالكلاب, - وأنت تعني: إلا كفعل الكلب, وإلا كفعل الكلاب.

ولم يَجُزْ أن تقول: ما هم إلا نخلة, وأنت تريد تشبيه أجسامهم بالنخل في الطُّول والتمام.

وأما قوله: ( اسْتَوْقَدَ نَارًا ) ، فإنه في تأويل: أوقدَ، كما قال الشاعر: وَدَاعٍ دَعَـا: يَـا مَـنْ يُجِيبُ إِلَى النَّدَى فَلَــمْ يَسْــتَجِبْهُ عِنْـدَ ذَاكَ مُجِـيبُ (3) يريد: فلم يُجبه.

فكان معنى الكلام إذًا: مَثلُ استضاءة هؤلاء المنافقين - في إظهارهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بألسنتهم، من قولهم: آمنَّا بالله وباليوم الآخر، وصدَّقنا بمحمد وبما جاء به, وهم للكفر مستبطنون - فيما الله فاعل بهم (4) مثل استضاءة موقِد نارٍ بناره، حتى أضاءت له النارُ ما حوله, يعني: ما حول المستوقِدِ.

وقد زعم بعضُ أهل العربية من أهل البصرة: أن " الذي" في قوله: " كمثل الذي اسْتَوْقَدَ نَارًا " بمعنى الذين، كما قال جل ثناؤه: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [سورة الزمر: 33]، وكما قال الشاعر: فَــإِنَّ الَّـذِي حَـانَتْ بِفَلْـجٍ دِمَـاؤُهُمْ هُـمُ الْقَـوْمُ كُـلُّ الْقَـوْمِ يَـا أُمَّ خَـالِدِ (5) قال أبو جعفر: والقول الأول هو القول، لما وصفنا من العِلة.

وقد أغفل قائل &; 1-321 &; ذلك فرقَ ما بين " الذي" في الآيتين وفي البيت.

لأن " الذي" في قوله: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ ، قد جاءت الدّلالة على أن معناها الجمع, وهو قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ، وكذلك " الذي" في البيت, وهو قوله " دماؤهم ".

وليست هذه الدلالة في قوله: " كمثل الذي اسْتَوْقَدَ نَارًا ".

فذلك فَرْق ما بين " الذي" في قوله: " كمثل الذي اسْتَوْقَدَ نَارًا "، وسائر شواهده التي استشهد بها على أنّ معنى " الذي" في قوله: " كمثل الذي استوْقَدَ نَارًا " بمعنى الجماع.

وغير جائز لأحد نقل الكلمة - التي هي الأغلب في استعمال العرب على معنى - إلى غيره، إلا بحجة يجب التسليم لها.

ثم اختلفت أهل التأويل في تأويل ذلك.

فرُوِي عن ابن عباس فيه أقوال: أحدها- ما: 386- حدثنا به محمد بن حُميد, قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: ضرب الله للمنافقين مَثلا فقال: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ) أي يُبصرون الحق ويقولون به, حتى إذا خَرجوا به من ظلمة الكفر أطفئوه بكُفرهم ونفاقِهم فيه، فتركهم في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدى ولا يستقيمون على حق.

والآخر- ما: 387- حدثنا به المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا أبو صالح, قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) إلى آخر الآية: هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزُّون بالإسلام، فيناكحُهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء, فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العزَّ، كما سلب صاحب النار ضَوءَه.( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ) يقول: في عذاب.

والثالث: ما- 388- حدثني به موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسباط, عن السُّدّيّ، في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ) ، زَعم أنَّ أناسًا دخلوا في الإسلام مَقدَم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة, ثم إنهم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجُل كان في ظلمة فأوقد نارًا فأضاءت له ما حوله من قَذًى أو أذًى فأبصره حتى عرف ما يتَّقي, فبينا هو كذلك، إذ طَفِئَت ناره، فأقبل لا يدري ما يتَّقي من أذًى.

فكذلك المنافق: كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلالَ من الحرام, والخير من الشر، فبينا هو كذلك إذْ كفَر, فصار لا يعرف الحلال من الحرام, ولا الخير من الشرّ.

وأما النُّور، فالإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.

وكانت الظلمة نفاقهم.

والآخر: ما- 389- حدثني به محمد بن سعيد، قال: حدثني أبي سعيد بن محمد (6) قال: حدثني عمي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس: قوله: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) إلى فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ، ضرَبه الله مثلا للمنافق.

وقوله: ( ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ) قال: أما النور، فهو إيمانهم الذي يتكلمون به.

وأما الظلمة، فهي ضلالتهُم وكفرهم يتكلمون به، وهم قوم كانوا على هدًى ثم نُـزع منهم، فعتَوْا بعد ذلك.

وقال آخرون: بما- 390- حدثني به بِشر بن مُعاذ, قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع, عن سعيد, عن قتادة، قوله: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ) ، وإن المنافقَ تكلم &; 1-323 &; بلا إله إلا الله، فأضاءت له في الدنيا، فناكَح بها المسلمين، وَغازَى بها المسلمين (7) ، ووارثَ بما المسلمين، وَحقن بها دَمه وماله.

فلما كان عند الموت، سُلبها المنافق، لأنه لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في علمه.

391- حدثنا الحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزّاق, قال: أخبرنا مَعْمَر, عن قتادة " مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله " هي: لا إله إلا الله، أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا، وأمنوا في الدنيا، ونكحوا النساء، وحقنوا بها دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يُبصرون.

392- حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني أبو تُميلة, عن عبيد بن سليمان (8) ، عن الضحاك بن مزاحم، قوله: " كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله "، قال: أما النّور، فهو إيمانهم الذي يتكلمون به، وأما الظلمات, فهي ضلالتهم وكفرهم.

وقال آخرون بما:- 393- حدثني به محمد بن عمرو الباهلي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى بن ميمون, قال: حدثنا ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، في قول الله: " مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءتْ ما حوله "، قال: أما إضاءة النار، فإقبالهم إلى المؤمنين والهدَى; وذهابُ نورهم، إقبالهم إلى الكافرين والضلالة.

394- حدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا أبو حُذيفة, عن شِبْل, عن ابن أبي نَجيح, عن مجاهد: " مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله "، أما إضاءة النار، فإقبالُهم إلى المؤمنين والهدَى; وذهابُ نورهم، إقبالهم إلى الكافرين والضلالة.

395- حدثني القاسم, قال: حدثني الحسين, قال: حدثني حجاج, عن ابن جُريج, عن مجاهد، مثله.

396- حدثني المثنى, قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج, عن عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس, قال: ضَرب مثلَ أهل النفاق فقال: " مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا "، قال: إنما ضوءُ النار ونورُها ما أوقَدَتها, فإذا خمدت ذهب نورُها.

كذلك المنافق، كلما تكلّم بكلمة الإخلاص أضاءَ له, فإذا شك وقع في الظلمة.

397- حدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: حدثني عبد الرحمن بن زيد، في قوله: " كمثل الذي استوقد نارًا " إلى آخر الآية، قال: هذه صفة المنافقين.

كانوا قد آمنوا حتى أضاءَ الإيمانُ في قلوبهم، كما أضاءَت النارُ لهؤلاء الذين استوقدوا، ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه، كما ذهب بضوء هذه النار، فتركهم في ظلمات لا يبصرون (9) .

وأولى التأويلات بالآية ما قاله قتادة، والضحاك, وما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.

وذلك: أن الله جلّ ثناؤه إنما ضرَب هذا المثل للمنافقين - الذين وَصَف صفتَهم وقص قصصهم، من لدُن ابتدأ بذكرهم بقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ - لا المعلنين بالكفر المجاهرين بالشرْك (10) .

ولو كان المثل لمن آمنَ إيمانًا صحيحًا ثم أعلن بالكفر إعلانا صحيحًا - على ما ظنّ المتأول قولَ الله جل ثناؤه: ( كمثل الذي استوقدَ نارًا فلما أضاءَتْ ما حولَه ذهبَ الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون) : أن ضوءَ النار مثلٌ لإيمانهم الذي كان منهم عندَهُ على صحةٍ, وأن ذهاب نورهم مثلٌ لارتدادهم وإعلانهم الكفر على صحة - لم يكن (11) .

هناك من القوم خداعٌ ولا استهزاءٌ عند أنفسهم ولا نفاقٌ.

وأنَّى يكون خداعٌ ونفاقٌ ممن لم يُبد لك قولا ولا فعلا إلا ما أوجبَ لك العلم بحاله التي هو لك عليها, وبعزيمة نفسه التي هو مقيم عليها؟

إنّ هذا بغير شَكّ من النفاق بَعيدٌ، ومن الخداع بريءٌ.

وإذْ كان القومُ لم تكن لهم إلا حالتان (12) : حالُ إيمان ظاهر، وحال كفر ظاهر, فقد سقط عن القوم اسمُ النفاق.

لأنهم في حال إيمانهم الصحيح كانوا مؤمنين, وفي حال كفرهم الصحيح كانوا كافرين.

ولا حالةَ هناك ثالثةً كانوا بها منافقين.

وفي وَصْف الله جل ثناؤه إياهم بصفة النفاق، ما ينبئ عن أن القول غيرُ القول الذي زعمه من زَعم: أن القوم كانوا مؤمنين، ثم ارتدوا إلى الكفر فأقاموا عليه, إلا أنْ يكون قائلُ ذلك أراد أنهم انتقلوا من إيمانهم الذي كانوا عليه، إلى الكفر الذي هو نفاق.

وذلك قولٌ إن قاله، لم تُدرَك صحته إلا بخبر مستفيض، أو ببعض المعاني الموجبة صحتَه.

فأما في ظاهر الكتاب فلا دلالة على صحته، لاحتماله من التأويل ما هو أولى به منه.

فإذْ كان الأمر على ما وصفنا في ذلك, فأولى تأويلات الآية بالآية: مثل استضاءَة المنافقين - بما أظهروا بألسنتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الإقرار به, وقولهم له وللمؤمنين: آمنَّا بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر, حتى حُكم لهم بذلك في عاجل الدنيا بحكم المسلمين: في حَقن الدماء والأموال، والأمن على الذرية من السِّباء, وفي المناكحة والموارثة - كمثل استضاءة الموقِد النار بالنارَ, حتى إذا ارتفق بضيائها، وأبصرَ ما حوله مُستضيئًا بنوره من الظلمة, خَمدت النارُ وانطفأت, (13) فذهب نورُه, وعاد المستضيء به في ظلمة وَحيْرة.

وذلك أن المنافق لم يزل مستضيئًا بضوء القول الذي دَافع عنه في حَياته القتلَ والسِّباءَ، مع استبطانه ما كان مستوجبًا به القتلَ وسلبَ المال لو أظهره بلسانه - تُخيِّل إليه بذلك نفْسُه أنه بالله ورسوله والمؤمنين مستهزئ مخادعٌ, حتى سوّلت له نفسُه - إذْ وَرَد على ربه في الآخرة - أنه ناج منه بمثل الذي نجا به في الدنيا من الكذب والنفاق.

أوَ ما تسمع الله جل ثناؤه يقول إذْ نعتهم، ثم أخبر خبرَهم عند ورودهم عليه: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ [سورة المجادلة: 18]، ظنًّا من القوم أن نجاتهم من عذاب الله في الآخرة، في مثل الذي كان به نجاؤهم من القتل والسباء وسلب المال في الدنيا (14) : من الكذب والإفك، وأنّ خداعهم نافعُهم هنالك نفعَه إياهم في الدنيا، حتى عايَنوا من أمر الله ما أيقنوا به أنهم كانوا من ظنونهم في غرور وضلال, واستهزاء بأنفسهم وخداع, إذْ أطفأ الله نورَهم يوم القيامة، فاستنظروا المؤمنين ليقتبسوا من نورهم فقيل لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا واصلوْا سَعيرًا.

فذلك حينَ ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون, كما انطفأت نار المستوقِدِ النارَ بعد إضاءتها له, فبقي في ظلمته حيران تائهًا، يقول الله جل ثناؤه: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [سورة الحديد: 13-15].

فإن قال لنا قائل: إنك ذكرتَ أنّ معنى قول الله تعالى ذكره " كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت مَا حَوله ": خَمدتْ وانطفأتْ, وليس ذلك بموجود في القرآن.

فما دلالتك على أنّ ذلك معناه؟

قيل: قد قلنا إنّ من شأن العرب الإيجاز والاختصار، إذا كان فيما نطقت به الدلالة الكافية على ما حذفتْ وتركتْ, كما قال أبو ذؤيب الهذلي: عَصَيْـتُ إليهَـا الْقَلْـبَ, إِنِّـي لأمرِهَا سَـمِيعٌ, فَمَـا أَدْرِي أَرُشْـدٌ طِلابهـا!

(15) يعني بذلك: فما أدري أرشدٌ طِلابُها أم غَيٌّ, فحذف ذكر " أم غيٌّ", إذ كان فيما نطق به الدلالة عليها، وكما قال ذو الرمة في نعت حمير: فَلَمَّـا لَبِسْـنَ اللَّيْـلَ, أو حِـينَ, نصَّبتْ لَـهُ مِـن خَـذَا آذَانِهَـا وَهْـو جَـانح (16) يعني: أو حين أقبل الليل، في نظائر لذلك كثيرة، كرهنا إطالة الكتاب بذكرها.

فكذلك قوله: " كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءتْ ما حوله "، لمَّا كان فيه وفيما بعدَه من قوله: " ذهب الله بنورهم &; 1-329 &; وتركهم في ظلمات لا يبصرون " دلالةٌ على المتروك كافيةٌ من ذكره - اختصرَ الكلامَ طلبَ الإيجاز.

وكذلك حذفُ ما حذفَ واختصارُ ما اختصرَ من الخبر عن مَثل المنافقين بَعدَه, نظير ما اختصرَ من الخبر عن مَثَل المستوقد النارَ.

لأن معنى الكلام: فكذلك المنافقون ذَهبَ الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون - بعد الضياء الذي كانوا فيه في الدنيا بما كانوا يظهرون بألسنتهم من الإقرار بالإسلام وهم لغيره مستبطنون - كما ذهب ضَوء نار هذا المستوقد، بانطفاء ناره وخمودها، فبقي في ظلمة لا يُبصر.

و " الهاء والميم " في قوله " ذهب الله بنورهم "، عائدة على " الهاء والميم " في قوله " مَثَلهم ".

----------------------- الهوامش : (1) "وفي نظائره" ، أي هو في نظائره جائز حسن أيضًا .

ومثلها ما يأتي بعد أسطر في قوله"ولا في نظائره" ، حذف فيهما جميعًا .

(2) الشعر للنابغة الجعدي .

اللسان (رحب) و (خلل) .

والخلة والخلالة : الصداقة المختصة التي ليس في علاقتها خلل .

وأبو مرحب : كنية الظل ، يريد أنها تزول كما يزول الظل ، لا تبقى به مودة .

(3) الشعر لكعب بن سعد الغنوي .

الأصمعيات : 14 ، وأمالي القالي 2 : 151 ، وهي من حسان قصائد الرثاء .

(4) سياق عبارته : "مثل استضاءة هؤلاء .

.

.

فيما الله فاعل بهم ، مثل استضاءة .

.

" .

(5) الشعر للأشهب بن رميلة .

الخزانة 2 : 507 - 508 ، والبيان 4 : 55 ، وسيبويه 1 : 96 ، والمؤتلف والمختلف للآمدي : 33 ، وذكر البغدادي أن أبا تمام أنشد البيت في أبيات لحريث بن محفض ، في كتابه"مختار أشعار القبائل" .

وروايته : "وإن الألى" .

ولا شاهد فيه .

وهم يقولون إن النون حذفت من"الذين" ، فصارت"الذي" لطول الكلام وللتخفيف ، وهي بمعنى الجمع لا المفرد .

وفلج : واد بين البصرة وحمى ضرية ، كانت فيه هذه الوقعة التي ذكرها .

(6) في المطبوعة"محمد بن سعيد" ، "سعيد بن محمد" .

وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة ، ومن مراجع التراجم .

وانظر شرح هذا السند مفصلا : 305 .

(7) في المطبوعة : "وعاد بها المسلمين" ، والصواب من المخطوطة وابن كثير في تفسيره ، والدر المنثور ، كما سيأتي في التخريج .

(8) أبو تميلة ، بضم التاء المثناة وفتح الميم : هو يحيى بن واضح الأنصاري المروزي الحافظ ، من شيوخ أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين وابن سعد وأبو حاتم وغيرهم ، ووهم أبو حاتم ، إذ نسب إلى البخاري أنه ذكره في الضعفاء .

وما كان ذلك ، والبخاري ترجمه في الكبير 4/2/ 309 ، فلم يذكر فيه جرحًا ، ولم يذكره في كتاب الضعفاء الصغير .

وقال الذهبي في الميزان 3 : 305 حين ذكر كلام أبي حاتم : "فلم أر ذلك ، ولا كان ذلك .

فإن البخاري قد احتج به" .

ووقع في مطبوعة الطبري هنا"أبو نميلة" بالنون ، وهو خطأ مطبعي .

و"عبيد بن سليمان" : هو الباهلي الكوفي أبو الحارث ، ذكره ابن حبان في الثقات ، وذكر ابن أبي حاتم 2/2/408 أنه سأل عنه أباه ، فقال : "لا بأس به" .

(9) الأخبار 386 - 397 : هذه الآثار السالفة جميعًا ، وما سيأتي إلى قوله تعالى (فهم لا يرجعون) بالأرقام 398 - 404 ساقها ابن كثير 1 : 97 - 99 ، والدر المنثور 1 : 32 - 33 ، وفتح القدير 1 : 35 .

(10) في المطبوعة : "أي ، لا المعلنين" ، وفي المخطوطة : "المعالنين بالكفر" ، وسياق عبارته"إنما ضرب الله هذا المثل للمنافقين .

.

لا المعلنين بالكفر" .

(11) السياق : "ولو كان المثل لمن آمن إيمانًا صحيحًا .

.

لم يكن هنالك من القوم .

.

" (12) في المطبوعة : "فإن كان القوم .

.

.

" ، وهو خطأ .

(13) في المخطوطة والمطبوعة : "حتى ارتفق بضيائها وأبصر ما حوله .

.

.

حتى خمدت النار" ، وهي عبارة مختلة ، صوابها ما أثبتناه .

(14) في المطبوعة : "كان به نجاتهم من القتل" ، وهما سواء في المعنى .

(15) ديوان الهذليين 1 : 71 ، وسيأتي في تفسير آية آل عمران : 113 (4 : 34 بولاق) ورواية الطبري للبيت في الموضعين لا يستقيم بها معنى ، ورواية ديوانه : عَصَـانِي إِلَيْهَـا الْقَلْـبُ إِنِّـي لأَمْـرِهِ ويروى"دعاني إليها .

.

" ، وهما روايتان صحيحتان .

وتمام معنى البيت في الذي يليه : فَقُلْـتُ لِقَلْبِـي : يَـا لَـكَ الْخَيْرُ!

إِنَّمَا يُــدَلِّيكَ لِلْمَــوْتِ الْجَــدِيدِ حِبَابُهَـا فهو يؤامر قلبه ، ولكنه أطاعه .

(16) ديوانه : 108 وسيأتي في تفسير آية يونس : 77 (11 : 101 بولاق) ، وآية سورة النبأ : 10 (30 : 3 بولاق) .

يصف عانة حمر ، وقفت ترقب مغيب الشمس ، حتى إذا غربت انطلقت مسرعة إلى مورد الماء الذي تنوى إليه .

وقوله : "لبسن الليل" يعني الحمر ، حين غشيهن الليل وهن مترقبات مغيب الشمس .

ونصبت : رفعت وأقامت آذانها .

وخذيت الأذن خذًّا : استرخت من أصلها مقبلة على الخدين ، وذلك يصيب الحمر في الصيف من حر الشمس والظمأ .

ونصبت خذا آذانها ، استعدادًا للعدو إلى الماء .

وجنح الليل فهو جانح : أقبل ، وهو من جنح الطائر : إذا كسر من جناحيه ثم أقبل كالواقع اللاجئ إلى موضع .

وهو وصف جيد لإقبال الظلام من جانب الأفق .

وأراد الطبري أن ذا الرمة أراد أن يقول : أو حين أقبل الليل ، نصبت له من خذا آذانها ، وهو جانح .

ولا ضرورة توجب ما قال به من الحذف في هذا البيت

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرونقوله تعالى : مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ف " مثلهم " رفع بالابتداء والخبر في الكاف ، فهي اسم ، كما هي في قول الأعشى :أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتلوقول امرئ القيس :ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا تصوب فيه العين طورا وترتقيأراد مثل الطعن ، وبمثل ابن الماء .

ويجوز أن يكون الخبر محذوفا ، تقديره : مثلهم مستقر كمثل ، فالكاف على هذا حرف .

والمثل والمثل والمثيل واحد ومعناه الشبيه .

والمتماثلان : المتشابهان ، هكذا قال أهل اللغة .قوله الذي يقع للواحد والجمع .

قال ابن الشجري هبة الله بن علي : ومن العرب من يأتي بالجمع بلفظ الواحد ، كما قال :وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالدوقيل في قول الله تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون : إنه بهذه اللغة ، وكذلك قوله : مثلهم كمثل الذي قيل : المعنى كمثل الذين استوقدوا ، ولذلك قال : ذهب الله بنورهم ، فحمل أول الكلام على الواحد ، وآخره على الجمع .

فأما قوله تعالى : وخضتم كالذي خاضوا فإن الذي هاهنا وصف لمصدر محذوف تقديره وخضتم كالخوض الذي خاضوا .

وقيل : إنما وحد " الذي " و " استوقد " لأن المستوقد كان واحدا من جماعة تولى الإيقاد لهم ، فلما ذهب الضوء رجع عليهم جميعا فقال : بنورهم .

واستوقد بمعنى أوقد ، مثل استجاب بمعنى أجاب ، فالسين والتاء زائدتان ، قاله الأخفش ، ومنه قول الشاعر :وداع دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيبأي يجبه .

واختلف النحاة في جواب " لما " ، وفي عود الضمير من نورهم ، فقيل : جواب لما محذوف وهو طفئت ، والضمير في نورهم على هذا للمنافقين ، والإخبار بهذا عن حال تكون في الآخرة ، كما قال تعالى : فضرب بينهم بسور له باب .

وقيل : جوابه ذهب ، والضمير في نورهم عائد على الذي ، وعلى هذا القول يتم تمثيل المنافق بالمستوقد ; لأن بقاء المستوقد في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق في حيرته وتردده .

والمعنى المراد بالآية ضرب مثل للمنافقين ، وذلك أن ما يظهرونه من الإيمان الذي تثبت لهم به أحكام المسلمين من المنائح والتوارث والغنائم والأمن على أنفسهم وأولادهم وأموالهم بمثابة من أوقد نارا في ليلة مظلمة فاستضاء بها ورأى ما ينبغي أن يتقيه وأمن منه ، فإذا طفئت عنه أو ذهبت وصل إليه الأذى وبقي متحيرا ، فكذلك المنافقون لما آمنوا اغتروا بكلمة الإسلام ، ثم يصيرون بعد الموت إلى العذاب الأليم - كما أخبر التنزيل : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار [ ص: 206 ] ويذهب نورهم ، ولهذا يقولون : انظرونا نقتبس من نوركم .

وقيل : إن إقبال المنافقين إلى المسلمين وكلامهم معهم كالنار ، وانصرافهم عن مودتهم وارتكاسهم عندهم كذهابها .

وقيل غير هذا .قوله : نارا ، النار مؤنثة وهي من النور وهو أيضا الإشراق .

وهي من الواو ; لأنك تقول في التصغير : نويرة ، وفي الجمع نور وأنوار ونيران ، انقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها .

وضاءت وأضاءت لغتان ، يقال : ضاء القمر يضوء ضوءا وأضاء يضيء ، يكون لازما ومتعديا .

وقرأ محمد بن السميقع : " ضاءت " بغير ألف ، والعامة بالألف ، قال الشاعر :أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبهما حوله : ما زائدة مؤكدة .

وقيل : مفعولة ب " أضاءت " .

وحوله ظرف مكان ، والهاء في موضع خفض بإضافته إليها .ذهب وأذهب لغتان من الذهاب ، وهو زوال الشيء .وتركهم أي أبقاهم .

في ظلمات : جمع ظلمة .

وقرأ الأعمش : " ظلمات " بإسكان اللام على الأصل .

ومن قرأها بالضم فللفرق بين الاسم والنعت .

وقرأ الأشهب العقيلي : " ظلمات " بفتح اللام .

قال البصريون : أبدل من الضمة فتحة لأنها أخف .

وقال الكسائي : " ظلمات " جمع الجمع ، جمع ظلم .لا يبصرون : فعل مستقبل في موضع الحال ، كأنه قال : غير مبصرين ، فلا يجوز الوقف على هذا على " ظلمات " .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: مثلهم المطابق لما كانوا عليه كمثل الذي استوقد نارا، أي: كان في ظلمة عظيمة, وحاجة إلى النار شديدة فاستوقدها من غيره, ولم تكن عنده معدة, بل هي خارجة عنه، فلما أضاءت النار ما حوله, ونظر المحل الذي هو فيه, وما فيه من المخاوف وأمنها, وانتفع بتلك النار, وقرت بها عينه, وظن أنه قادر عليها, فبينما هو كذلك, إذ ذهب الله بنوره, فذهب عنه النور, وذهب معه السرور, وبقي في الظلمة العظيمة والنار المحرقة, فذهب ما فيها من الإشراق, وبقي ما فيها من الإحراق، فبقي في ظلمات متعددة: ظلمة الليل, وظلمة السحاب, وظلمة المطر, والظلمة الحاصلة بعد النور, فكيف يكون حال هذا الموصوف؟

فكذلك هؤلاء المنافقون, استوقدوا نار الإيمان من المؤمنين, ولم تكن صفة لهم, فانتفعوا بها وحقنت بذلك دماؤهم, وسلمت أموالهم, وحصل لهم نوع من الأمن في الدنيا، فبينما هم على ذلك إذ هجم عليهم الموت, فسلبهم الانتفاع بذلك النور, وحصل لهم كل هم وغم وعذاب, وحصل لهم ظلمة القبر, وظلمة الكفر, وظلمة النفاق, وظلم المعاصي على اختلاف أنواعها, وبعد ذلك ظلمة النار [وبئس القرار].

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( مثلهم ) شبههم وقيل صفتهم .

والمثل قول سائر في عرف الناس يعرف به معنى الشيء وهو أحد أقسام القرآن السبعة ( كمثل الذي ) يعني الذين بدليل سياق الآية .

ونظيره " والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون " ( 33 - الزمر ) ( استوقد ) أوقد ( نارا فلما أضاءت ) النار ( ما حوله ) أي حول المستوقد .

وأضاء لازم ومتعد يقال أضاء الشيء بنفسه وأضاءه غيره وهو هاهنا متعد ( ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ) قال ابن عباس وقتادة ومقاتل والضحاك والسدي نزلت في المنافقين يقول مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة فاستدفأ ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف فبينا هو كذلك إذا طفيت ناره فبقي في ظلمة طائفا متحيرا فكذلك المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم وأولادهم وناكحوا المؤمنين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم فذلك نورهم فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف .

وقيل ذهاب نورهم في القبر .

وقيل في القيامة حيث يقولون للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم .

وقيل ذهاب نورهم بإظهار عقيدتهم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم فضرب النار مثلا ثم لم يقل أطفأ الله نارهم لكن عبر بإذهاب النور عنه لأن النور نور وحرارة فيذهب نورهم وتبقى الحرارة عليهم .

وقال مجاهد : إضاءة النار إقبالهم إلى المسلمين والهدى وذهاب نورهم إقبالهم إلى المشركين والضلالة وقال عطاء ومحمد بن كعب : نزلت في اليهود .

وانتظارهم خروج النبي صلى الله عليه وسلم واستفتاحهم به على مشركي العرب فلما خرج كفروا به

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«مثلهم» صفتهم في نفاقهم «كمثل الذي استوقد» أوقد «ناراً» في ظلمة «فلما أضاءت» أنارت «ما حوله» فأبصر واستدفأ وأمن مما يخافه «ذهب الله بنورهم» أطفأه وجُمع الضمير مراعاة لمعنى الذي «وتركهم في ظلمات لا يبصرون» ما حولهم متحيرين عن الطريق خائفين فكذلك هؤلاء أمِنوا بإظهار كلمة الإيمان فإذا ماتوا جاءهم الخوف والعذاب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

حال المنافقين الذين آمنوا -ظاهرًا لا باطنًا- برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم كفروا، فصاروا يتخبطون في ظلماتِ ضلالهم وهم لا يشعرون، ولا أمل لهم في الخروج منها، تُشْبه حالَ جماعة في ليلة مظلمة، وأوقد أحدهم نارًا عظيمة للدفء والإضاءة، فلما سطعت النار وأنارت ما حوله، انطفأت وأعتمت، فصار أصحابها في ظلمات لا يرون شيئًا، ولا يهتدون إلى طريق ولا مخرج.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن وصف الله تعالى حال المنافقين في الآيات السابقة ، ساق مثلين لتوضيح سوء تصرفهم ، وشدة حيرتهم واضطرابهم .

فقال تعالى :( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً .

.

.

.

)قوله تعالى : ( مَثَلُهُمْ ) أي : صفتهم ، وأصل المثل بمعنى المثل - بكسر الميم وسكون الثاء - والمثل النظير والشبيه ، ثم أطلق على القول السائر المعروف لمماثلة مضربه - وهو الذي يضرب فيه - لمورده الذي ورد فيه أولا ، ولا يكون إلا فيما فيه غرابة ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كان لها شان عجيب وفيها غرابة ، وعلى هذا المعنى يحمل المثل في هذه الآية ، وإنما تضرب الأمثال لإِيضاح المعنى الخفي وتقريب المعقول من المحسوس ، وعرض الغائب في صورة الشاهد ، فيكون المعنى الذي ضرب له المثل أوقع في القلوب ، وأثبت في النفوس .واستوقد النار : طلب وقودها بسطوع نارها واندلاع لهيبا ، أو أوقدها لأن أوقد واستوقد قد يكونان بمعنى واحد كأجاب واستجاب .والنار : جوهر لطيف حار محرق من نار ينور إذا نفر لحركتها واضطرابها ، وأضاءت ما حوله ، جعلت ما حوله مضئياً ، أو أشرقت فيما حوله .

وحول الشيء : ما يحيط به من جميع نواحيه ، ولذا قيل للعام حول ، للفه ودورانه حتى يعود كما كان .والنور : الضوء الذي يكون للشيء المضيء ، وهو مأخوذ من النار .ومعنى : ( ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ ) سلبه منهم ، وفي إسناد ذهب إلى الله تعالى - إشعار بأن النور الذي سلب عنهم لن يستطيع أحد أن يرده عليهم ، لأن الذي سلبه عنهم إنما هو الله الغالب على أمره .وقال ( بِنُورِهِمْ ) ولم يقل بنارهم ، لأن إيقاد النار يكون للإِضاءة وللإِحراق والمقصود من إيقاد النار الواردة في المثل إنما هو الإِضاءة .وقال ( بِنُورِهِمْ ) ولم يقل بنوره ، مع أن الضمير يعود ( الذي استوقد ) وهو بحسب الظاهر مفرد ، لأن ( الذي ) قد يطلق أحيانا قد يطلق بمعنى الذين ، كما في قوله تعالى : ( وَخُضْتُمْ كالذي خاضوا ) أو لأن ( الذي ) أريد منه جنس المستوقد ، لا مستوقد بعينه ، فصار في معنى جماعة من المستوقدين .

وصح أن يعود عليه ضمير الجمع في قوله ( بِنُورِهِمْ ) لذلك .وأورد الظلمات بصيغة الجمع للمبالغة في شدتها ، فكأنها لشدة كثافتها ظلمات بعضها فوق بعض ، وأكد هذا بقوله ( لاَّ يُبْصِرُونَ ) أي : أن هذه الظلمات بالغة في الشدة حتى أولئك المحاطين بها لا يتأتى لهم أن يبصروا ، كما أن الشان كذلك بالنسبة للذين طمس على أعينهم .وعبر - سبحانه - بقوله : ( وَتَرَكَهُمْ ) ولم يقل : ذهب بنورهم وبقوا في ظلمات ، ليدل بذلك على قطع الصلة بينهم وبين ربهم ، وأنهم متروكون غضباً عليهم ونكاية بهم .هذا ، وللعلماء رأيان في تطبيق هذا المثل على المنافقين ، أما الرأي الأول فيرى أصحابه ، أن هذا المثل قد ضرب في قوم دخلوا في الإِسلام عند وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ثم تحولوا بعد ذلك إلى الكفر والنفاق فيقال في تطبيق هذا المثل عليهم : إن قصة هؤلاء المنافقين الذين اكتسبوا بإيمانهم نوراً ، ثم أبطلوا ذلك بنفاقهم ، ووقعوا في حيرة عظيمة ، كقصة من استوقدوا ناراً؛ فلما أضاءت ما حولهم ، سلب الله منهم الضوء فراحوا في ظلام لا يهتدون إلى الخروج منه سبيلا .وأما الرأي الثاني فيرى أصحابه أن هذا المثل إنما ضرب في قوم لم يسبق لهم إيمان وإنما دخلوا في الإسلام من أول أمرهم نفاقاً ، فيقال في تطبيق هذا المثل عليهم : إن قصة هؤلاء الذين دخلوا في الإِسلام نفاقاً ، فظفروا بحقن دمائهم وبغنائم الجهاد وسائر أحكام المسلمين ، وتمتعوا بذلك في الدنيا قليلا ثم صاروا إلى ظلمات العذاب الدائم في الآخرة - قصة هؤلاء كقصة من استوقدوا نارا لتضيء لهم وينتفعوا بها ، فأضاءت ما حولهم قليلا ، ثم طفئت وصاروا إلى ظلمة شديدة مطبقة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنا قبل الخوض في تفسير ألفاظ هذه الآية نتكلم في شيئين: أحدها: أن المقصود من ضرب الأمثال أنها تؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه، وذلك لأن الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالشاهد، فيتأكد الوقوف على ماهيته، ويصير الحس مطابقاً للعقل وذلك في نهاية الإيضاح، ألا ترى أن الترغيب إذا وقع في الإيمان مجرداً عن ضرب مثل له لم يتأكد وقوعه في القلب كما يتأكد وقوعه إذا مثل بالنور، وإذا زهد في الكفر بمجرد الذكر لم يتأكد قبحه في العقول كما يتأكد إذا مثل بالظلمة، وإذا أخبر بضعف أمر من الأمور وضرب مثله بنسج العنكبوت كان ذلك أبلغ في تقرير صورته من الأخبار بضعفه مجرداً، ولهذا أكثر الله تعالى في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله، قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ  ﴾ ومن سور الإنجيل سورة الأمثال، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: المثل في أصل كلامهم بمعنى المثل وهو النظير، ويقال مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه، ثم قيل للقول الثائر الممثل مضر به بمورده: مثل، وشرطه أن يكون قولاً فيه غرابة من بعض الوجوه.

المسألة الثانية: أنه تعالى لما بين حقيقة صفات المنافقين عقبها بضرب مثلين زيادة في الكشف والبيان: أحدهما: هذا المثل وفيه إشكالات: أحدها: أن يقال: ما وجه التمثيل بمن أعطي نوراً ثم سلب ذلك النور منه مع أن المنافق ليس له نور.

وثانيها: أن يقال: إن من استوقد ناراً فأضاءت قليلاً فقد انتفع بها وبنورها ثم حرم، فأما المنافقون فلا انتفاع لهم ألبتة بالإيمان فما وجه التمثيل؟.

وثالثها: أن مستوقد النار قد اكتسب لنفسه النور، والله تعالى ذهب بنوره وتركه في الظلمات، والمنافق لم يكتسب خيراً وما حصل له من الخيبة والحيرة فقد أتى فيه من قبل نفسه، فما وجه التشبيه؟

والجواب: أن العلماء ذكروا في كيفية التشبيه وجوهًا: أحدها: قال السدي: إن ناساً دخلوا في الإسلام عند وصوله عليه السلام إلى المدينة ثم إنهم نافقوا، والتشبيه هاهنا في نهاية الصحة لأنهم بإيمانهم أولاً اكتسبوا نوراً ثم بنفاقهم ثانياً أبطلوا ذلك النور ووقعوا في حيرة عظيمة فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين لأن المتحير في طريقه لأجل الظلمة لا يخسر إلا القليل من الدنيا، وأما المتحير في الدين فإنه يخسر نفسه في الآخرة أبد الآبدين.

وثانيها: إن لم يصح ما قاله السدي بل كانوا منافقين أبداً من أول أمرهم فهاهنا تأويل آخر ذكره الحسن رحمه الله، وهو أنهم لما أظهروا الإسلام فقد ظفروا بحقن دمائهم وسلامة أموالهم عن الغنيمة وأولادهم عن السبي وظفروا بغنائم الجهاد وسائر أحكام المسلمين، وعد ذلك نوراً من أنوار الإيمان، ولما كان ذلك بالإضافة إلى العذاب الدائم قليلاً قدرت شبههم بمستوقد النار الذي انتفع بضوئها قليلاً ثم سلب ذلك فدامت حيرته وحسرته للظلمة التي جاءته في أعقاب النور، فكان يسير انتفاعهم في الدنيا يشبه النور وعظيم ضررهم في الآخرة يشبه الظلمة.

وثالثها: أن نقول ليس وجه التشبيه أن للمنافق نوراً، بل وجه التشبيه بهذا المستوقد أنه لما زال النور عنه تحير، والتحير فيمن كان في نور ثم زال عنه أشد من تحير سالك الطريق في ظلمة مستمرة، لكنه تعالى ذكر النور في مستوقد النار لكي يصح أن يوصف بهذه الظلمة الشديدة، لا أن وجه التشبيه مجمع النور والظلمة.

ورابعها: أن الذي أظهروه يوهم أنه من باب النور الذي ينتفع به، وذهاب النور هو ما يظهره لأصحابه من الكفر والنفاق، ومن قال بهذا قال إن المثل إنما عطف على قوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ الذين ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ فالنار مثل لقولهم: آمنا وذهابه مثل لقولهم للكفار: إنا معكم فإن قيل وكيف صار ما يظهره المنافق من كلمة الإيمان مثلاً بالنور وهو حين تكلم بها أضمر خلافها؟

قلنا إنه لو ضم إلى القول اعتقاداً له وعملاً به لأتم النور لنفسه، ولكنه لما لم يفعل لم يتم نوره، وإنما سمى مجرد ذلك القول نوراً لأنه قول حق في نفسه.

وخامسها: يجوز أن يكون استيقاد النار عبارة عن إظهار المنافق كلمة الإيمان وإنما سماه نوراً لأنه يتزين به ظاهره فيهم ويصير ممدوحاً بسببه فيما بينهم، ثم إن الله تعالى يذهب ذلك النور بهتك ستر المنافق بتعريف نبيه والمؤمنين حقيقة أمره فيظهر له اسم النفاق بدل ما يظهر منه من اسم الإيمان فبقي في ظلمات لا يبصر، إذ النور الذي كان له قبل قد كشف الله أمره فزال.

وسادسها: أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد، والضلالة التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم بذهاب الله بنورهم وتركه إياهم في الظلمات.

وسابعها: يجوز أن يكون المستوقد هاهنا مستوقد نار لا يرضاها الله تعالى، والغرض تشبيه الفتنة التي حاول المنافقون إثارتها بهذه النار، فإن الفتنة التي كانوا يثيرونها كانت قليلة البقاء، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله  ﴾ .

وثامنها: قال سعيد بن جبير: نزلت في اليهود وانتظارهم لخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم واستفتاحهم به على مشركي العرب، فلما خرج كفروا به فكان انتظارهم لمحمد صلى الله عليه وسلم كإيقاد النار، وكفرهم به بعد ظهوره كزوال ذلك النور.

المسألة الثالثة: فأما تشبيه الإيمان بالنور والكفر بالظلمة فهو في كتاب الله تعالى كثير، والوجه فيه أن النور قد بلغ النهاية في كونه هادياً إلى المحجة وإلى طريق المنفعة وإزالة الحيرة وهذا حال الإيمان في باب الدين، فشبه ما هو النهاية في إزالة الحيرة ووجدان المنفعة في باب الدين بما هو الغاية في باب الدنيا، وكذلك القول في تشبيه الكفر بالظلمة، لأن الضال عن الطريق المحتاج إلى سلوكه لا يرد عليه من أسباب الحرمان والتحير أعظم من الظلمة، ولا شيء كذلك في باب الدين أعظم من الكفر، فشبه تعالى أحدهما بالآخر، فهذا هو الكلام فيما هو المقصود الكلي من هذه الآية، بقيت هاهنا أسئلة وأجوبة تتعلق بالتعلق بالتفاصيل: السؤال الأول: قوله تعالى: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً ﴾ يقتضى تشبيه مثلهم بمثل المستوقد، فما مثل المنافقين ومثل المستوقد حتى شبه أحدهما بالآخر؟

والجواب: استعير المثل للقصة أو للصفة إذا كان لها شأن وفيها غرابة، كأنه قيل قصتهم العجيبة كقصة الذي استوقد ناراً، وكذا قوله: ﴿ مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون  ﴾ أي فيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة ﴿ وَلِلَّهِ المثل الأعلى  ﴾ أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة ﴿ مَثَلُهُمْ فِي التوراة  ﴾ أي وصفهم وشأنهم المتعجب منه ولما في المثل من معنى الغرابة قالوا: فلان مثله في الخير والشر، فاشتقوا منه صفة للعجيب الشأن.

السؤال الثاني: كيف مثلت الجماعة بالواحد؟

والجواب من وجوه: أحدها: أنه يجوز في اللغة وضع الذي موضع الذين كقوله: ﴿ وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ  ﴾ وإنما جاز ذلك لأن الذي لكونه وصلة إلى وصف كل معرفة مجملة وكثرة وقوعه في كلامهم، ولكونه مستطالاً بصلته فهو حقيق بالتخفيف، ولذلك أعلوه بالحذف فحذفوا ياءه ثم كسرته ثم اقتصروا فيه على اللام وحدها في أسماء الفاعلين والمفعولين.

وثانيها: أن يكون المراد جنس المستوقدين أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد ناراً.

وثالثها: وهو الأقوى: أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد وإنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد.

ومثله قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الذين حُمّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحمار  ﴾ وقوله: ﴿ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت  ﴾ .

ورابعها: المعنى ومثل كل واحد منهم كقوله: ﴿ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً  ﴾ أي يخرج كل واحد منكم.

السؤال الثالث: ما الوقود؟

وما النار؟

وما الإضاءة؟

وما النور؟

ما الظلمة؟

الجواب: أما وقود النار فهو سطوعها وارتفاع لهبها، وأما النار فهو جوهر لطيف مضيء، حار محرق، واشتقاقها من نارينور إذا نفر؛ لأن فيها حركة واضطراباً، والنور مشتق منها وهو ضوؤها، والمنار العلامة، والمنارة هي الشيء الذي يؤذن عليه.

ويقال أيضاً للشيء الذي يوضع السراج عليه، ومنه النورة لأنها تطهر البدن والإضاءة فرط الإنارة، ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿ هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً  ﴾ وأضاء يرد لازماً ومتعدياً.

تقول: أضاء القمر الظلمة، وأضاء القمر بمعنى استضاء قال الشاعر: أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم *** دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه وأما ما حول الشيء فهو الذي يتصل به، تقول دار حوله وحواليه، والحول السنة لأنها تحول، وحال عن العهد أي تغير، وحال لونه أي تغير لونه، والحوالة انقلاب الحق من شخص إلى شخص، والمحاولة طلب الفعل بعد أن لم يكن طالباً له، والحول انقلاب العين، والحول الانقلاب، قال الله تعالى: ﴿ لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً  ﴾ والظلمة عدم النور عما من شأنه أن يستنير، والظلمة في أصل اللغة عبارة عن النقصان قال الله تعالى: ﴿ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا  ﴾ أي لم تنقص وفي المثل: من أشبه أباه فما ظلم، أي فما نقص حق الشبه، والظلم الثلج لأنه ينتقص سريعًا والظلم ماء السن وطراوته وبياضه تشبيهاً له بالثلج.

السؤال الرابع: أضاءت متعدية أم لا؟

الجواب: كلاهما جائز، يقال: أضاءت النار بنفسها وأضاءت غيرها وكذلك أظلم الشيء بنفسه وأظلم غيره أي صيره مظلماً، وهاهنا الأقرب أنها متعدية، ويحتمل أن تكون غير متعدية مستندة إلى ما حوله والتأنيث للحمل على المعنى لأن ما حول المستوقد أماكن وأشياء، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة ضاء السؤال الخامس: هلا قيل ذهب الله بضوئهم لقوله: ﴿ فَلَمَّا أَضَاءتْ ﴾ ؟

الجواب: ذكر النور أبلغ لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة، فلو قيل ذهب الله بضوئهم لأوهم ذهاب الكمال وبقاء ما يسمى نوراً والغرض إزالة النور عنهم بالكلية.

ألا ترى كيف ذكر عقيبه: ﴿ وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات لاَّ يُبْصِرُونَ ﴾ والظلمة عبارة عن عدم النور، وكيف جمعها، وكيف نكرها وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة خالصة وهو قوله: ﴿ لاَّ يُبْصِرُونَ ﴾ السؤال السادس: لم قال: ﴿ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ ﴾ ولم يقل أذهب الله نورهم والجواب: الفرق بين أذهب وذهب به أن معنى أذهبه أزاله وجعله ذاهباً، ويقال ذهب به إذا استصحبه، ومعنى به معه، وذهب السلطان بماله أخذه قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ  ﴾ ﴿ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ  ﴾ والمعنى أخذ الله نورهم وأمسكه ﴿ وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ  ﴾ فهو أبلغ من الإذهاب وقرأ اليماني أذهب الله نورهم.

السؤال السابع: ما معنى (وتركهم)؟

والجواب: ترك إذا علق بواحد فهو بمعنى طرح وإذا علق بشيئين كان بمعنى صير، فيجري مجرى أفعال القلوب ومنه قوله: ﴿ وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات ﴾ أصله هم في ظلمات ثم دخل ترك فنصبت الجزئين.

السؤال الثامن: لم حذف أحد المفعولين من لا يبصرون؟

الجواب: أنه من قبيل المتروك الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوي، كأن الفعل غير متعد أصلاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميماً للبيان.

ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد.

وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبيّ، ولأمر مّا أكثر الله في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله، وفشت في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام الأنبياء والحكماء.

قال الله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الامثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العالمون ﴾ [العنكبوت: 43] ومن سور الإنجيل سورة الأمثال.

والمثل في أصل كلامهم: بمعنى المثل، وهو النظير.

يقال: مثل ومثل ومثيل، كشبه وشبه وشبيه.

ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده: مثل.

ولم يضربوا مثلاً، ولا رأوه أهلا للتسيير، ولا جديراً بالتداول والقبول، إلا قولاً فيه غرابة من بعض الوجوه.

ومن ثمّ حوفظ عليه وحمى من التغيير.

فإن قلت: ما معنى مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً، وما مثل المنافقين ومثل الذي استوقد ناراً حتى شبه أحد المثلين بصاحبه؟

قلت: قد استعير المثل استعارة الأسد للمقدام، للحال أو الصفة أو القصة، إذا كان لها شأن وفيها غرابة، كأنه قيل: حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد ناراً.

وكذلك قوله: ﴿ مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون ﴾ [الرعد: 35] أي وفيما قصصنا عليك من العجائب: قصة الجنة العجيبة.

ثم أخذ في بيان عجائبها.

﴿ وَلِلَّهِ المثل الاعلى ﴾ [النحل: 60] : أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة.

﴿ مَثَلُهُمْ فِي التوراة ﴾ [الفتح: 29] أي صفتهم وشأنهم المتعجب منه.

ولما في المثل من معنى الغرابة قالوا: فلان مثلة في الخير والشر، فاشتقوا منه صفة للعجيب الشأن.

فإن قلت: كيف مثلت الجماعة بالواحد؟

قلت: وضع الذي موضع الذين، كقوله: ﴿ وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ ﴾ [التوبة: 69] والذي سوّغ وضع الذي موضع الذين، ولم يجز وضع القائم موضع القائمين ولا نحوه من الصفات أمران: أحدهما: أنّ ﴿ الذي ﴾ لكونه وصلة إلى وصف كل معرفة بجملة، وتكاثر وقوعه في كلامهم، ولكونه مستطالاً بصلته، حقيق بالتخفيف، ولذلك نهكوه بالحذف فحذفوا ياءه ثم كسرته ثم اقتصروا به على اللام وحدها في أسماء الفاعلين والمفعولين.

والثاني: أن جمعه ليس بمنزلة جمع غيره بالواو والنون.

وإنما ذاك علامة لزيادة الدلالة.

ألا ترى أن سائر الموصولات لفظ الجمع، والواحد فيهن واحد.

أو قصد جنس المستوقدين.

أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد ناراً.

على أنّ المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد؛ إنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد.

ونحوه قوله: ﴿ مَثَلُ الذين حُمّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾ [الجمعة: 5] ، وقوله: ﴿ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت ﴾ [محمد: 20] .

ووقود النار: سطوعها وارتفاع لهبها.

ومن أخواته: وقل في الجبل إذا صعد وعلا، والنار: جوهر لطيف مضيء حارّ محرق.

والنور: ضوءها وضوء كل نير، وهو نقيض الظلمة.

واشتقاقها من نار ينور إذا نفر؛ لأنّ فيها حركة واضطراباً، والنور مشتق منها.

والإضاءة: فرط الإنارة.

ومصداق ذلك قوله: ﴿ هُوَ الذى جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً ﴾ [يونس: 5] ، وهي في الآية متعدية.

ويحتمل أن تكون غير متعدية مسندة إلى ما حوله.

والتأنيث للحمل على المعنى؛ لأنّ ما حول المستوقد أماكن وأشياء.

ويعضده قراءة ابن أبي عبلة ﴿ ضاءت ﴾ .

وفيه وجه آخر، وهو أن يستتر في الفعل ضمير النار.

ويجعل إشراق ضوء النار حوله بمنزلة إشراق النار نفسها، على أنّ ما مزيدة أو موصولة في معنى الأمكنة.

و ﴿ حَوْلَهُ ﴾ نصب على الظرف وتأليفه للدوران والإطافة.

وقيل للعام: حول؛ لأنه يدور.

فإن قلت: أين جواب لما؟

قلت: فيه وجهان: أحدهما أن جوابه ﴿ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ ﴾ .

والثاني: أنه محذوف كما حذف في قوله: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ ﴾ [يوسف: 15] .

وإنما جاز حذفه لاستطالة الكلام مع أمن الإلباس للدالّ عليه، وكان الحذف أولى من الإثبات لما فيه من الوجازة، مع الإعراب عن الصفة التي حصل عليها المستوقد بما هو أبلغ من اللفظ في أداء المعنى، كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله خمدت فبقوا خابطين في ظلام، متحيرين متحسرين على فوت الضوء، خائبين بعد الكدح في إحياء النار.

فإن قلت: فإذا قدّر الجواب محذوفاً فبم يتعلق ﴿ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ ﴾ ؟

قلت: يكون كلاماً مستأنفاً.

كأنهم لما شبهت حالهم بحال المستوقد الذي طفئت ناره، اعترض سائل فقال: ما بالهم قد أشبهت حالهم حال هذا المستوقد؟

فقيل له: ذهب الله بنورهم.

أو يكون بدلاً من جملة التمثيل على سبيل البيان.

فإن قلت: قد رجع الضمير في هذا الوجه إلى المنافقين فما مرجعه في الوجه الثاني؟

قلت: مرجعه الذي استوقد؛ لأنه في معنى الجمع.

وأما جمع هذا الضمير وتوحيده في ﴿ حَوْلَهُ ﴾ ، فللحمل على اللفظ تارة، وعلى المعنى أخرى.

فإن قلت: فما معنى إسناد الفعل إلى الله تعالى في قوله: ﴿ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ ﴾ ؟

قلت: إذا طفئت النار بسبب سماوي ريح أو مطر، فقد أطفأها الله تعالى وذهب بنور المستوقد.

ووجه آخر، وهو أن يكون المستوقد في هذا الوجه مستوقد نار لا يرضاها الله.

ثم إما أن تكون ناراً مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام، وتلك النار متقاصرة مدّة اشتعالها قليلة البقاء.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله ﴾ [المائدة: 64] ، وإما ناراً حقيقية أوقدها الغواة ليتوصلوا بالاستضاءة بها إلى بعض المعاصي، ويتهدوا بها في طرق العبث، فأطفأها الله وخيب أمانيهم.

فإن قلت: كيف صح في النار المجازية أن توصف بإضاءة ما حول المستوقد؟

قلت: هو خارج على طريقة المجاز المرشح فأحسن تدبره.

فإن قلت: هلا قيل ذهب الله بضوئهم؟

لقوله: ﴿ فَلَمَّا أَضَاءتْ ﴾ ؟

قلت: ذكر النور أبلغ؛ لأنّ الضوء فيه دلالة على الزيادة.

فلو قيل: ذهب الله بضوئهم، لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نوراً، والغرض إزالة النور عنهم رأساً وطمسه أصلاً.

ألا ترى كيف ذكر عقيبه ﴿ وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات ﴾ والظلمة عبارة عن عدم النور وانطماسه، وكيف جمعها، وكيف نكرها، وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة مبهمة لا يتراءى فيها شبحان وهو قوله: ﴿ لاَّ يُبْصِرُونَ ﴾ .

فإن قلت: فلم وصفت بالإضاءة؟

قلت: هذا على مذهب قولهم: للباطل صولة ثم يضمحل.

ولريح الضلالة عصفة ثم تخفت، ونار العرفج مثل لنزوة كل طماح.

والفرق بين أذهبه وذهب به، أن معنى أذهبه: أزاله وجعله ذاهباً.

ويقال: ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه.

وذهبت السلطان بماله: أخذه (فلما ذهبوا به)، ﴿ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ ﴾ [المؤمنون: 91] .

ومنه: ذهب به الخيلاء.

والمعنى: أخذ الله نورهم وأمسكه، ﴿ وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ ﴾ [فاطر: 2] فهو أبلغ من الإذهاب.

وقرأ اليماني: أذهب الله نورهم.

وترك: بمعنى طرح وخلى، إذا علق بواحد، كقولهم: تركه ترك ظبي ظله.

فإذا علق بشيئين كان مضمناً معنى صير، فيجري مجرى أفعال القلوب كقول عنترة: فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّبَاعِ يَنُشْنَهُ ومنه قوله: ﴿ وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات ﴾ أصله: هم في ظلمات، ثم دخل ترك فنصب الجزأين.

والظلمة عدم النور.

وقيل: عرض ينافي النور.

واشتقاقها من قولهم: ما ظلمك أن تفعل كذا: أي ما منعك وشغلك، لأنها تسدّ البصر وتمنع الرؤية.

وقرأ الحسن ﴿ ظلمات ﴾ بسكون اللام وقرأ اليماني ﴿ في ظُلمة ﴾ على التوحيد.

والمفعول الساقط من ﴿ لاَّ يُبْصِرُونَ ﴾ من قبيل المتروك المطرح الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوى، كأنّ الفعل غير متعدّ أصلاً، نحو ﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ في قوله: ﴿ وَيَذَرُهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ ﴾ [الأعراف: 186] .

فإن قلت: فيم شبهت حالهم بحال المستوقد؟

قلت: في أنهم غب الإضاءة خبطوا في ظلمة وتورّطوا في حيرة.

فإن قلت: وأين الإضاءة في حال المنافق؟

وهل هو أبداً إلا حائر خابط في ظلماء الكفر؟

قلت: المراد ما استضاءوا به قليلاً من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم، ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق التي ترمي بهم إلى ظلمة سخط الله وظلمة العقاب السرمد.

ويجوز أن يشبه بذهاب الله بنور المستوقد اطلاع الله على أسرارهم وما افتضحوا به بين المؤمنين واتسموا به من سمة النفاق.

والأوجه أن يراد الطبع، لقوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ ﴾ .

وفي الآية تفسير آخر: وهو أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى، عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد، والضلالة التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم بذهاب الله بنورهم وتركه إياهم في الظلمات.

وتنكير النار للتعظيم.

كانت حواسهم سليمة ولكن لما سدّوا عن الإصاخة إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم، وأن ينظروا ويتبصروا بعيونهم جعلوا كأنما أيفت مشاعرهم وانتقضت بناها التي بنيت عليها للإحساس والإدراك كقوله: صُم إذا سَمِعُوا خَيْراً ذُكِرْتُ بِه ** وإنْ ذُكِرْتُ بُسوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا أَصَمُّ عَمَّا سَاءَهُ سَمِيعُ أَصَمُّ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا أرِيدُهُ ** واسمع خلق الله حين أريد فأصَممت عمراً وأعميته ** عَنِ الجُودِ والفَخْرِ يَوْمَ الفَخَار فإن قلت: كيف طريقته عند علماء البيان؟

قلت: طريقة قولهم (هم ليوث) للشجعان، وبحور للأسخياء.

إلا أنّ هذا في الصفات، وذاك في الأسماء، وقد جاءت الاستعارة في الأسماء والصفات والأفعال جميعاً.

تقول: رأيت ليوثاً، ولقيت صماً عن الخير، ودجا الإسلام.

وأضاء الحق.

فإن قلت: هل يسمى ما في الآية استعارة؟

قلت: مختلف فيه.

والمحققون على تسميته تشبيهاً بليغاً لا استعارة؛ لأنّ المستعار له مذكور وهم المنافقون.

والاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له، ويجعل الكلام خلواً عنه صالحاً لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه، لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام، كقول زهير: لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِّلاَحِ مُقَذَّفٍ ** لَهُ لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ ومن ثم ترى المفلقين السحرة منهم كأنهم يتناسون التشبيه ويضربون عن توهمه صفحاً.

قال أبو تمام: ويُصْعِدُ حتَّي يَظُنَّ الجَهُولُ ** بأَنَّ لهُ حَاجَةً في السَّمَاءْ وبعضهم: لا تَحْسَبُوا أَنَّ في سِرْبَالِهِ رَجُلاً ** ففِيهِ غَيْثٌ وَلَيْثٌ مُسْبِلٌ مُشْبِل وليس لقائل أن يقول: طوى ذكرهم عن الجملة بحذف المبتدأ فأتسلق بذلك إلى تسميته استعارة لأنه في حكم المنطوق به، نظيره قول من يخاطب الحجاج: أَسَدٌ عَلَيَّ وفي الحُرُوبِ نَعَامَةٌ ** فَتْخاءُ تَنْفُرُ مِنْ صَفِيرِ الصَّافِرِ ومعنى ﴿ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ أنهم لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها، تسجيلاً عليهم بالطبع، أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا جامدين في مكانهم لا يبرحون، ولا يدرون أيتقدّمون أم يتأخرون؟

وكيف يرجعون إلى حيث ابتدءوا منه؟

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا ﴾ لَمّا جاءَ بِحَقِيقَةِ حالِهِمْ عَقَّبَها بِضَرْبِ المَثَلِ زِيادَةً في التَّوْضِيحِ والتَّقْرِيرِ، فَإنَّهُ أوْقَعُ في القَلْبِ وأقْمَعُ لِلْخَصْمِ الألَدِّ، لِأنَّهُ يُرِيكَ المُتَخَيَّلَ مُحَقَّقًا والمَعْقُولَ مَحْسُوسًا، ولِأمْرٍ ما أكْثَرَ اللَّهُ في كُتُبِهِ الأمْثالَ، وفَشَتْ في كَلامِ الأنْبِياءِ والحُكَماءِ.

والمِثْلُ في الأصْلِ بِمَعْنى النَّظِيرِ يُقالُ: مَثَلٌ ومِثْلٌ ومَثِيلٌ كَشَبَهٍ وشِبْهٍ وشَبِيهٍ، ثُمَّ قِيلَ لِلْقَوْلِ السّائِرِ المُمَثَّلِ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ، ولا يُضْرَبُ إلّا ما فِيهِ غَرابَةٌ، ولِذَلِكَ حُوفِظَ عَلَيْهِ مِنَ التَّغْيِيرِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ حالٍ أوْ قِصَّةٍ أوْ صِفَةٍ لَها شَأْنٌ وفِيها غَرابَةٌ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى ﴾ .

والمَعْنى حالُهُمُ العَجِيبَةُ الشَّأْنِ كَحالِ مَنِ اسْتَوْقَدَ نارًا، والَّذِي: بِمَعْنى الَّذِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا ﴾ إنْ جُعِلَ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ في بِنُورِهِمْ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ ولَمْ يَجُزْ وضْعُ القائِمِ مَوْضِعَ القائِمِينَ لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالوَصْفِ، بَلِ الجُمْلَةُ الَّتِي هي صِلَتُهُ وهو وصْلَةٌ إلى وصْفِ المَعْرِفَةِ بِها لِأنَّهُ لَيْسَ بِاسْمٍ تامٍّ بَلْ هو كالجُزْءِ مِنهُ، فَحَقُّهُ أنَّهُ لا يُجْمَعُ كَما لا تُجْمَعُ أخَواتُها، ويَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ ولَيْسَ الَّذِينَ جَمْعَهُ المُصَحَّحَ، بَلْ ذُو زِيادَةٍ زِيدَتْ لِزِيادَةِ المَعْنى ولِذَلِكَ جاءَ بِالياءِ أبَدًا عَلى اللُّغَةِ الفَصِيحَةِ الَّتِي عَلَيْها التَّنْزِيلُ، ولِكَوْنِهِ مُسْتَطالًا بِصِلَتِهِ اسْتَحَقَّ التَّخْفِيفَ، ولِذَلِكَ بُولِغَ فِيهِ فَحُذِفَ ياؤُهُ ثُمَّ كَسَرْتَهُ ثُمَّ اقْتَصَرَ عَلى اللّامِ في أسْماءِ الفاعِلِينَ والمَفْعُولِينَ، أوْ قُصِدَ بِهِ جِنْسُ المُسْتَوْقِدِينَ، أوِ الفَوْجُ الَّذِي اسْتَوْقَدَ.

والِاسْتِيقادُ: طَلَبُ الوَقُودِ والسَّعْيُ في تَحْصِيلِهِ، وهو سُطُوعُ النّارِ وارْتِفاعُ لَهَبِها.

واشْتِقاقُ النّارِ مِن: نارَ يَنُورُ نَوْرًا إذا نَفَرَ لِأنَّ فِيها حَرَكَةً واضْطِرابًا.

﴿ فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ﴾ أيِ: النّارُ، ما حَوْلَ المُسْتَوْقِدِ إنْ جَعَلْتَها مُتَعَدِّيَةً، وإلّا أمْكَنَ أنْ تَكُونَ مُسْنَدَةً إلى ما، والتَّأْنِيثُ لِأنَّ ما حَوْلَهُ أشْياءُ وأماكِنُ أوْ إلى ضَمِيرِ النّارِ، وما: مَوْصُولَةٌ في مَعْنى الأمْكِنَةِ، نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، أوْ مَزِيدَةٌ، وحَوْلَهُ ظَرْفٌ وتَأْلِيفُ الحَوْلِ لِلدَّوَرانِ.

وقِيلَ لِلْعامِ حَوْلٌ لِأنَّهُ يَدُورُ.

﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ جَوابُ لَمّا، والضَّمِيرُ لِلَّذِي، وجَمَعَهُ لِلْحَمْلِ عَلى المَعْنى، وعَلى هَذا إنَّما قالَ: ﴿ بِنُورِهِمْ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بِنارِهِمْ لِأنَّهُ المُرادُ مِن إيقادِها.

أوِ اسْتِئْنافٌ أُجِيبَ بِهِ اعْتِراضُ سائِلٍ يَقُولُ: ما بالُهم شُبِّهَتْ حالُهم بِحالِ مُسْتَوْقِدٍ انْطَفَأتْ نارُهُ؟

أوْ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ التَّمْثِيلِ عَلى سَبِيلِ البَيانِ.

والضَّمِيرُ عَلى الوَجْهَيْنِ لِلْمُنافِقِينَ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ ﴾ لِلْإيجازِ وأمْنِ الِالتِباسِ.

وإسْنادُ الذَّهابِ إلى اللَّهِ تَعالى إمّا لِأنَّ الكُلَّ بِفِعْلِهِ، أوْ لِأنَّ الإطْفاءَ حَصَلَ بِسَبَبٍ خَفِيٍّ، أوْ أمْرٍ سَماوِيٍّ كَرِيحٍ أوْ مَطَرٍ، أوْ لِلْمُبالَغَةِ ولِذَلِكَ عَدّى الفِعْلَ بِالباءِ دُونَ الهَمْزَةِ لِما فِيها مِن مَعْنى الِاسْتِصْحابِ والِاسْتِمْساكِ، يُقالُ: ذَهَبَ السُّلْطانُ بِمالِهِ إذا أخَذَهُ، وما أخَذَهُ اللَّهُ وأمْسَكَهُ فَلا مُرْسِلَ لَهُ، ولِذَلِكَ عَدَلَ عَنِ الضَّوْءِ الَّذِي هو مُقْتَضى اللَّفْظِ إلى النُّورِ، فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ: ذَهَبَ اللَّهُ بِضَوْئِهِمُ احْتَمَلَ ذَهابَهُ بِما في الضَّوْءِ مِنَ الزِّيادَةِ وبَقاءِ ما يُسَمّى نُورًا، والغَرَضُ إزالَةُ النُّورِ عَنْهم رَأْسًا ألا تَرى كَيْفَ قَرَّرَ ذَلِكَ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ وَتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ﴾ فَذَكَرَ الظُّلْمَةَ الَّتِي هي عَدَمُ النُّورِ، وانْطِماسُهُ بِالكُلِّيَّةِ، وجَمَعَها ونَكَّرَها ووَصَفَها بِأنَّها ظُلْمَةٌ خالِصَةٌ لا يَتَراءى فِيها شَبَحانِ.

وتَرَكَ في الأصْلِ بِمَعْنى طَرَحَ وخَلّى، ولَهُ مَفْعُولٌ واحِدٌ فَضَمِنَ مَعْنى صَيَرَ، فَجَرى مَجْرى أفْعالِ القُلُوبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَتَرَكَهم في ظُلُماتٍ ﴾ .

وَقَوْلِ الشّاعِرِ: فَتَرَكْتُهُ جَزْرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ...

يَقْضُمْنَ حُسْنَ بَنانِهِ والمِعْصَمِ والظُّلْمَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: ما ظَلَمَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ ما مَنَعَكَ، لِأنَّها تَسُدُّ البَصَرَ وتَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ.

وَظُلُماتُهُمْ: ظُلْمَةُ الكُفْرِ، وظُلْمَةُ النِّفاقِ، وظُلْمَةُ يَوْمِ القِيامَةِ ﴿ يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ ﴾ .

أوْ ظُلْمَةُ الضَّلالِ، وظُلْمَةُ سُخْطِ اللَّهِ، وظُلْمَةُ العِقابِ السَّرْمَدِيِّ، أوْ ظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ كَأنَّها ظُلْمَةٌ مُتَراكِمَةٌ، ومَفْعُولُ ﴿ لا يُبْصِرُونَ ﴾ مِن قَبِيلِ المَطْرُوحِ المَتْرُوكِ فَكَأنَّ الفِعْلَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ.

والآيَةُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَن آتاهُ ضَرْبًا مِنَ الهُدى فَأضاعَهُ، ولَمْ يُتَوَصَّلْ بِهِ إلى نَعِيمِ الأبَدِ فَبَقِيَ مُتَحَيِّرًا مُتَحَسِّرًا، تَقْرِيرًا وتَوْضِيحًا لِما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ الأُولى، ويَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِهِ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ فَإنَّهم أضاعُوا ما نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَتُهم مِنَ الحَقِّ بِاسْتِبْطانِ الكُفْرِ، وإظْهارِهِ حِينَ خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ، ومَن آثَرَ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى المَجْعُولِ لَهُ بِالفِطْرَةِ، أوِ ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ ما آمَنَ، ومَن صَحَّ لَهُ أحْوالُ الإرادَةِ فادَّعى أحْوالَ المَحَبَّةِ فَأذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ ما أشْرَقَ عَلَيْهِ مِن أنْوارِ الإرادَةِ، أوْ مَثَّلَ لِإيمانِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِحَقْنِ الدِّماءِ، وسَلامَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ، ومُشارَكَةِ المُسْلِمِينَ في المَغانِمِ.

والأحْكامُ بِالنّارِ المُوقَدَةِ لِلِاسْتِضاءَةِ، ولِذَهابِ أثَرِهِ وانْطِماسِ نُورِهِ بِإهْلاكِهِمْ وإفْشاءِ حالِهِمْ بِإطْفاءِ اللَّهِ تَعالى إيّاها وإذْهابِ نُورِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مّثْلُهُمْ كَمِثْلِِ الذي استوقد نَاراً} لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميماً للبيان ولضرب الأمثال في إبراز خفيات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق تأثير ظاهر ولقد كثر ذلك في الكتب السماوية ومن سور الإنجيل سورة الأمثال والمثل في أصل كلامهم هو المثل وهو النظير يقال مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه ثم قيل للقول السائر المثل مضربه بمورده مثل ولم يضربوا مثلاً إلا قولاً فيه غرابة ولذا حوفظ عليه فلا يغير وقد استعير المثل للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة كأنه قيل حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد ناراً وكذلك قوله مَّثَلُ الجنة التى وعد المتقون أي فيما قصصنا

عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة الشأن ثم أخذ في بيان عجائبها ولله المثل الأعلى أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة ووضع الذي موضع الذين كقوله وخضتم كالذى خاضوا فلا يكون تمثيل الجماعة بالواحد أو قصد جنس المستوقدين أو أريد الفوج الذي استوقد ناراً على أن ذوات المنافقين لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد إنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد ومعنى

البقرة (١٧ _ ١٨)

استوقد أوقد ووقود النار سطوعها والنار جوهر لطيف مضى حار محرق واشتقاقها من نار ينور إذا نفر لأن فيها حركة واضطراباً {فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ} الإضاءة فرط الإنارة ومصداقه قوله هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً وهي في الآية متعدية ويحتمل أن تكون غير متعدية مسندة إلى ما حوله والتأنيث للحمل على المعنى لأن ما حول المستوقد أماكن وأشياء وجواب فلما {ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ} وهو ظرف زمان والعامل فيه جوابه مثل إذا وما موصولة وحوله نصب على الظرف أو نكرة موصوفة والتقدير فلما أضاءت شيئاً ثابتاً حوله وجمع الضمير وتوحيد للحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى والنور ضوء النار وضوء كل نير ومعنى أذهبه أزاله وجعله ذاهباً ومعنى ذهب به استصحبه ومضى به والمعنى أخذ الله بنورهم وأمسكه وما يمسك فلا مرسل له فكان أبلغ من الإذهاب ولم يقل ذهب الله بضوئهم لقوله فلما أضاءت لأن ذكر النور أبلغ لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة والمراد إزالة النور عنهم رأساً ولو قيل ذهب الله بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نوراً ألا ترى كيف ذكر عقيبه {وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات} والظلمة عرض ينافي النور وكيف جمعها وكيف نكرها وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة لا تراءى فيها شبحان وهو قوله {لاَّ يُبْصِرُونَ} وترك بمعنى طرح

وخلى إذا علق بواحد فإذا علق بشيئين كان مضمناً معنى صير فيجري مجرى أفعال القلوب ومنه وتركهم في ظلمات أصله هم في ظلمات ثم دخل ترك فنصب الجزأين والمفعول الساقط من لا يبصرون من قبيل المتروك المطروح لا من قبيل المقدر المنوي كأن الفعل غير متعدٍ أصلاً وإنما شبهت حالهم بحال المستوقد لأنهم غب الإضاءة وقعوا في ظلمة وحيرة نعم المنافق خابط فى ظلمات الكفر أبدا ولكن المراد ما استضاءوا به قليلاً من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق المفضية بهم إلى ظلمة العقاب السرمدي وللآية تفسير آخر وهو أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد والضلالة التي اشتروها بذهاب الله بنورهم وتركه إياهم في الظلمات وتنكير النار للتعظيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا ﴾ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِجُمْلَةِ قِصَّةِ المُنافِقِينَ، المَسْرُودَةِ إلى هُنا، فَلِذا لَمْ تُعْطَفْ عَلى ما قَبْلَها، ولَمّا كانَ ذَلِكَ جارِيًا عَلى ما فِيهِ مِنَ اسْتِعاراتٍ وتَجَوُّزاتٍ مَجْرى الصِّفاتِ الكاشِفَةِ عَنْ حَقِيقَةِ المُنافِقِينَ، وبَيانِ أحْوالِهِمْ عَقَّبَهُ بِبَيانِ تَصْوِيرِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ، وإبْرازِها في صُورَةِ المُشاهَدِ، بِضَرْبِ المَثَلِ تَتْمِيمًا لِلْبَيانِ، فَلِضَرْبِ المَثَلِ شَأْنٌ لا يَخْفى، ونُورٌ لا يُطْفى، يَرْفَعُ الأسْتارَ عَنْ وُجُوهِ الحَقائِقِ، ويُمِيطُ اللِّثامَ عَنْ مُحَيّا الدَّقائِقِ ويُبْرِزُ المُتَخَيَّلَ في مَعْرِضِ اليَقِينِ، ويَجْعَلُ الغائِبَ كَأنَّهُ شاهِدٌ، ورُبَّما تَكُونُ المَعانِي الَّتِي يُرادُ تَفْهِيمُها مَعْقُولَةً صِرْفَةً، فالوَهْمُ يُنازِعُ العَقْلَ في إدْراكِها حَتّى يَحْجُبَها عَنِ اللُّحُوقِ بِما في العَقْلِ، فَبِضَرْبِ الأمْثالِ تَبْرُزُ في مَعْرِضِ المَحْسُوسِ، فَيُساعِدُ الوَهْمُ العَقْلَ في إدْراكِها، وهُناكَ تَنْجَلِي غَياهِبُ الأوْهامِ، ويَرْتَفِعُ شَغَبُ الخِصامِ، ﴿ وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وقِيلَ: الأشْبَهُ أنْ تُجْعَلَ مُوَضِّحَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا ﴾ إلَخْ، ولا بُعْدَ فِيهِ، والحَمْلُ عَلى الِاسْتِئْنافِ بَعِيدٌ، لا سِيَّما والأمْثالُ تُضْرَبُ لِلْكَشْفِ، والبَيانِ، والمَثَلُ بِفَتْحَتَيْنِ كالمَثَلِ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، والمَثِيلُ في الأصْلِ النَّظِيرُ، والشَّبِيهُ، والتَّفْرِقَةُ لا أرْتَضِيها، وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ المُثُولِ، وهو الِانْتِصابُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «(مَن أحَبَّ أنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النّاسُ قِيامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ)،» ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الكَلامِ البَلِيغِ الشّائِعِ الحَسَنِ المُشْتَمِلِ إمّا عَلى تَشْبِيهٍ بِلا شَبِيهٍ، أوِ اسْتِعارَةٍ رائِقَةٍ تَمْثِيلِيَّةٍ وغَيْرِها، أوْ حِكْمَةٍ ومَوْعِظَةٍ نافِعَةٍ، أوْ كِنايَةٍ بَدِيعَةٍ، أوْ نَظْمٍ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ المُوجَزِ، ولا يُشْتَرَطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً مُرَكَّبَةً خِلافًا لِمَن وهِمَ، بَلْ لا يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ مَجازًا، وهَذِهِ أمْثالُ العَرَبِ أُفْرِدَتْ بِالتَّآلِيفِ، وكَثُرَتْ فِيها التَّصانِيفُ، وفِيها الكَثِيرُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، ولِكَوْنِهِ فَرِيدًا في بابِهِ، وقَدْ قُصِدَ حِكايَتُهُ لَمْ يُجَوِّزُوا تَغْيِيرَهُ لِفَواتِ المَقْصُودِ، وتَفْسِيرُهُ بِالقَوْلِ السّائِرِ المُمَثِّلِ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ، يَرُدُّ عَلَيْهِ أمْثالُ القُرْآنِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَدَأها، ولَيْسَ لَها مَوْرِدٌ مِن قَبْلُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا اصْطِلاحٌ جَدِيدٌ، أوْ أنَّ الأغْلَبَ في المَثَلِ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ حالٍ أوْ قِصَّةٍ أوْ صِفَةٍ لَها شَأْنٌ، وفِيها غَرابَةٌ، ومِن ذَلِكَ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى، ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴾ وهو المُرادُ هُنا في المَثَلِ دُونَ التَّمْثِيلِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالكافِ، والمَعْنى حالُهُمُ العَجِيبَةُ الشَّأْنِ كَحالِ مَنِ اسْتَوْقَدَ نارًا إلَخْ، فِيما سَيُكْشَفُ عَنْ وجْهِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فالكافُ حَرْفُ تَشْبِيهٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفِ خَبَرٍ عَنِ المُبْتَدَإ، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّها اسْمٌ مِثْلُها في قَوْلِ الأعْشى: أيَنْتَهُونَ ولَنْ يَنْهى ذَوِي شَطَطٍ كالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ والفَتْلُ وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ الحَسَنِ، ولَيْسَ بِالحَسَنِ إلّا في الضَّرُورَةِ، والقَوْلِ بِالزِّيادَةِ كَما في قَوْلِهِ: فَصِيرُوا مِثْلَ ﴿ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ زِيادَةً في الجَهْلِ، والَّذِي وُضِعَ مَوْضِعَ الَّذِينَ إنْ كانَ ضَمِيرَ (بِنُورِهِمْ) راجِعًا إلَيْهِ، وإلّا فَهو باقٍ عَلى ظاهِرِهِ، إذْ لا ضَيْرَ في تَشْبِيهِ حالِ الجَماعَةِ بِحالِ الواحِدِ، وجازَ هُنا وضْعُ المُفْرَدِ مَوْضِعَ الجَمْعِ، وقَدْ مَنَعَهُ الجُمْهُورُ، فَلَمْ يُجَوِّزُوا إقامَةَ القائِمِ مَقامَ القائِمِينَ، لِأنَّ هَذا مُخالِفٌ لِغَيْرِهِ، لِخُصُوصِيَّةٍ اقْتَضَتْهُ، فَإنَّهُ إنَّما وُضِعَ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلى وصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ، فَلَمّا لَمْ يُقْصَدْ لِذاتِهِ تَوَسَّعُوا فِيهِ، ولِأنَّهُ مَعَ صِلَتِهِ كَشَيْءٍ واحِدٍ، وعَلامَةُ الجَمْعِ لا تَقَعُ حَشْوًا فَلِذا لَمْ يُلْحِقُوها بِهِ، ووَضَعُوهُ لِما يَعُمُّ، كَمَنَ وما، والَّذِينَ لَيْسَ جَمْعًا لَهُ، بَلْ هو اسْمٌ وُضِعَ مَزِيدًا فِيهِ لِزِيادَةِ المَعْنى، وقُصِدَ التَّصْرِيحُ بِها، ولِذا لَمْ يُعَرَّفْ بِالحُرُوفِ كَغَيْرِهِ عَلى الأفْصَحِ، ولِأنَّهُ اسْتَطالَ بِالصِّلَةِ، فاسْتَحَقَّ التَّخْفِيفَ حَتّى بُولِغَ فِيهِ إلى أنِ اقْتُصِرَ عَلى اللّامِ في نَحْوِ اسْمِ الفاعِلِ، قالَهُ القاضِي وغَيْرُهُ، ولا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ، لا سِيَّما الوَجْهُ الأخِيرُ، وما رُوِيَ عَنْ بَعْضِ النُّحاةِ مِن جَوازِ حَذْفِ نُونِ الَّذِينَ، لَيْسَ بِالمَرْضِيِّ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، ولَئِنْ تَنَزَّلَ يَلْتَزِمُ عَوْدُ ضَمِيرِ الجَمْعِ إلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا ﴾ عَلى وجْهٍ، وقَوْلِ الشّاعِرِ: يا رَبَّ عِيسى لا تُبارِكْ في أحَدْ فِي قائِمٍ مِنهم ولا فِيمَن قَعَدْ ∗∗∗ إلّا الَّذِي قامُوا بِأطْرافِ المَسَدْ وإفْرادُ الضَّمِيرِ لَمْ نَسْمَعْهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ، ولَعَلَّهُ لِأنَّ المَحْذُوفَ كالمَلْفُوظِ، فالوَجْهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ نَظَرٌ إلى ما في الَّذِي مِن مَعْنى الجِنْسِيَّةِ العامَّةِ، إذْ لا شُبْهَةَ في أنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ مُسْتَوْقَدٌ مَخْصُوصٌ، ولا جَمِيعُ أفْرادِ المُسْتَوْقِدِينَ، والمَوْصُولُ كالمُعَرَّفِ بِاللّامِ يَجْرِي فِيهِ ما يَجْرِي فِيهِ، واسْمُ الجِنْسِ وإنْ كانَ لَفْظُهُ مُفْرَدًا قَدْ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الجَمْعِ، كَـ ﴿ عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ ﴾ وقَوْلِهِمُ: الدِّينارُ الصُّفْرُ، والدِّرْهَمُ البِيضُ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ مُقَدَّرٌ لَهُ مَوْصُوفٌ مُفْرَدُ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ المَعْنى، كالفَوْجِ، والفَرِيقِ، فَيَحْسُنُ النِّظامُ ويُلاحَظُ في ضَمِيرِ (اسْتَوْقَدَ) لَفْظُ المَوْصُوفِ، وفي ضَمِيرِ (بِنُورِهِمْ) مَعْناهُ، واسْتَوْقَدُوا بِمَعْنى أوْقَدُوا، فَقَدْ حَكى أبُو زَيْدٍ: أوْقَدَ واسْتَوْقَدَ بِمَعْنًى، كَأجابَ واسْتَجابَ، وبِهِ قالَ الأخْفَشُ، وجَعْلُ الِاسْتِيقادِ بِمَعْنى طَلَبِ الوَقُودِ، وهو سُطُوعُ النّارِ، كَما فَعَلَ البَيْضاوِيُّ مُحْوِجٌ إلى حَذْفٍ، والمَعْنى حِينَئِذٍ: طَلَبُوا نارًا واسْتَدْعَوْها، فَأوْقَدُوها، فَلَمّا أضاءَتْ لِأنَّ الإضاءَةَ لا تَتَسَبَّبُ عَنِ الطَّلَبِ، وإنَّما تَتَسَبَّبُ عَنِ الإيقادِ، والنّارُ جَوْهَرٌ لَطِيفٌ مُضِيءٌ مُحْرِقٌ، واشْتِقاقُها مِن نارَ يَنُورُ نُورًا، إذا نَفَرَ، لِأنَّ فِيها عَلى ما تُشاهِدُ حَرَكَةً، واضْطِرابًا لِطَلَبِ المَرْكَزِ، وكَوْنُهُ مِن غَلَطِ الحِسِّ، كَأنَّهُ مِن غَلَطِ الحِسِّ، نَعَمْ أوْرَدَ عَلى التَّعْرِيفِ أنَّ الإضاءَةَ لا تُعْتَبَرُ في حَقِيقَتِها، ولَيْسَتْ شامِلَةً لِما ثَبَتَ في الكُتُبِ الحُكْمِيَّةِ أنَّ النّارَ الأصْلِيَّةَ حَيْثُ الأثِيرُ شَفّافَةٌ لا لَوْنَ لَها، وكَذا يُقالُ في الإحْراقِ، والجَوابُ أنَّ تَخْصِيصَ الأسْماءِ لِأعْيانِ الأشْياءِ حَسْبَما تُدْرَكُ، أوْ لِلْمَعانِي الذِّهْنِيَّةِ المَأْخُوذَةِ مِنها، وأمّا اعْتِبارُ لَوازِمِها وذاتِيّاتِها فَوَظِيفَةُ مَن أرادَ الوُقُوفَ عَلى حَقائِقِها، وذَلِكَ خارِجٌ عَنْ وُسْعِ أكْثَرِ النّاسِ، والنّاسُ يُدْرِكُونَ مِنَ النّارِ الَّتِي عِنْدَهُمُ الإضاءَةَ والإحْراقَ، ويَجْعَلُونَهُما أخَصَّ أوْصافِها، والتَّعْرِيفُ لِلْمُتَعارَفِ، وعَدَمُ الإحْراقِ لِمانِعٍ لا يَضُرُّ عَلى أنَّ كَوْنَ النّارِ الَّتِي تَحْتَ الفَلَكِ هادِيَةٌ غَيْرُ مُحْرِقَةٍ وإنْ زَعَمَهُ بَعْضُ النّاسِ أبْطَلَهُ الشَّيْخُ، واحْتِراقُ الشُّهُبِ عَلى مَن يُنْكِرُ الإحْراقَ، وأغْرَبُ مِن هَذا نَفْيُ النّارِ الَّتِي عِنْدَ الأثِيرِ، وقَرِيبٌ مِنهُ القَوْلُ بِأنَّها لَيْسَتْ غَيْرَ الهَواءِ الحارِّ جِدًّا، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ (كَمَثَلِ الَّذِينَ) عَلى الجَمْعِ، وهي قِراءَةٌ مُشْكِلَةٌ جِدًّا، وقُصارى ما رَأيْناهُ في تَوْجِيهِها أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرِ عَلى ما عُهِدَ في لِسانِ العَرَبِ مِنَ التَّوَهُّمِ، كَأنَّهُ نَطَقَ بِمَنِ الَّذِي لَها لَفْظًا، ومَعْنًى، كَما جَزَمَ بِالَّذِي عَلى تَوَهُّمٍ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ في قَوْلِهِ: كَذاكَ الَّذِي يَبْغِي عَلى النّاسِ ظالِمًا ∗∗∗ تُصِبْهُ عَلى رَغْمٍ عَواقِبُ ما صَنَعَ أوْ أنَّهُ اكْتَفى بِالإفْرادِ عَنِ الجَمْعِ، كَما يُكْتَفى بِالمُفْرَدِ الظّاهِرِ عَنْهُ، فَهو كَقَوْلِهِ: وبِالبَدْوِ مِنّا أُسْرَةٌ يَحْفَظُونَها ∗∗∗ سِراعٌ إلى الدّاعِي عِظامٌ كَراكِرُهُ أيْ كَراكِرُهُمْ، أوْ أنَّ الفاعِلَ في اسْتَوْقَدَ عائِدٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ ﴾ عَلى وجْهٍ، والعائِدُ حِينَئِذٍ مَحْذُوفٌ عَلى خِلافِ القِياسِ، أيْ لَهُمْ، أوْ لا عائِدَ في الجُمْلَةِ الأُولى اكْتِفاءً بِالضَّمِيرِ مِنَ الثّانِيَةِ المَعْطُوفَةِ بِالفاءِ، وفي القَلْبِ مِن كُلٍّ شَيْءٌ، ﴿ فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ (لَمّا) حَرْفُ وُجُودٍ لِوُجُودٍ، أوْ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، أوْ ظَرْفٌ بِمَعْنى حِينَ، أوْ إذْ، والإضاءَةُ جَعْلُ الشَّيْءِ مُضِيئًا نَيِّرًا، أوِ الإشْراقُ وفَرْطُ الإنارَةِ، وأضاءَ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا، فَعَلى الأوَّلِ ما مَوْصُولَةٌ، أوْ مَوْصُوفَةٌ، والظَّرْفُ صِلَةٌ أوْ صِفَةٌ، وهي المَفْعُولُ، والفاعِلُ ضَمِيرُ النّارِ، وعَلى الثّانِي فَما كَذَلِكَ، وهي الفاعِلُ، وأُنِّثَ فِعْلُهُ لِتَأْوِيلِهِ بِمُؤَنَّثٍ، كالأمْكِنَةِ والجِهاتِ، أوِ الفاعِلُ ضَمِيرُ النّارِ، وما زائِدَةٌ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ولا يَجِبُ التَّصْرِيحُ بِفي حِينَئِذٍ كَما تُوُهِّمَ، لِأنَّ الحَقَّ أنَّ ما المَوْصُولَةَ أوِ المَوْصُوفَةَ إذا جُعِلَتْ ظَرْفًا، فالمُرادُ بِها الأمْكِنَةُ الَّتِي تُحِيطُ بِالمُسْتَوْقِدِ، وهي الجِهاتُ السِّتُّ، وهي مِمّا يُنْصَبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ قِياسًا مُطَّرِدًا، فَكَذا ما عُبِّرَ بِهِ عَنْها، وأوْلى الوُجُوهِ أنْ تَكُونَ أضاءَتْ مُتَعَدِّيَةً، وما مَوْصُولَةً، إذْ لا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى الحَمْلِ عَلى المَعْنى، ولا ارْتِكابَ ما قَلَّ اسْتِعْمالُهُ، لا سِيَّما زِيادَةُ ما هُنا، حَتّى ذَكَرُوا أنَّها لَمْ تُسْمَعْ هُنا، ولَمْ يُحْفَظْ مِن كَلامِ العَرَبِ: جَلَسْتُما، مَجْلِسًا حَسَنًا، ولا: قُمْتُما يَوْمَ الجُمُعَةِ، ويا لَيْتَ شِعْرِي، مِن أيْنَ أخَذَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَيْفَ تَبِعَهُ البَيْضاوِيُّ ؟!

وإذا جُعِلَ الفاعِلُ ضَمِيرَ النّارِ، والفِعْلُ لازِمٌ يَكُونُ الإسْنادُ إلى السَّبَبِ، لِأنَّ النّارَ لَمْ تُوجَدْ حَوْلَ المُسْتَوْقِدِ، ووُجِدَ ضَؤْوُها، فَجُعِلَ إشْراقُ ضَوْئِها حَوْلَهُ، بِمَنزِلَةِ إشْراقِها نَفْسِها، عَلى ما قِيلَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الظَّرْفَ إذا تَعَلَّقَ بِفِعْلٍ قاصِرٍ لَهُ أثَرٌ مُتَعَدٍّ يُشْتَرَطُ في تَحَقُّقِ النِّسْبَةِ الظَّرْفِيَّةُ لِلْأثَرِ، والمُؤَثِّرِ، فَلا بُدَّ في إشْراقٍ كَذا في كَذا مِن كَوْنِ الإشْراقِ والمُشْرِقِ فِيهِ، وهَذا كَما إذا تَعَلَّقَ الظَّرْفُ بِفِعْلٍ قاصِرٍ، كَقامَ زَيْدٌ في الدّارِ، فَإنَّ زَيْدًا، والقِيامَ فِيها، ذاتًا وتَبَعًا، وإلى ذَلِكَ مالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ومِنَ النّاسِ مَنِ اكْتَفى بِوُجُودِ الأثَرِ فِيهِ، وإنْ لَمْ يُوجَدِ المُؤَثِّرُ فِيهِ بِذاتِهِ كَما في الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ، فَأضاءَتِ الشَّمْسُ في الأرْضِ حَقِيقَةٌ عَلى هَذا، مَجازٌ عَلى الأوَّلِ، وحَوْلَ ظَرْفُ مَكانٍ، مُلازِمٌ لِلظَّرْفِيَّةِ، والإضافَةِ، ويُثَنّى ويُجْمَعُ، فَيُقالُ: حَوْلَيْهِ، وأحْوالَهُ، وحَوالَ مِثْلُهُ، فَيُثَنّى عَلى حَوالَيْ، ولَمْ نَظْفَرْ بِجَمْعِهِ فِيما حَوْلَنا مِنَ الكُتُبِ اللُّغَوِيَّةِ، ولا تَقُلْ: حَوالِيهِ بِكَسْرِ اللّامِ، كَما في الصِّحاحِ، ولَعَلَّ التَّثْنِيَةَ والجَمْعَ مَعَ ما يُفْهَمُ مِن بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ حَوْلَ وكَذا حَوالَ بِمَعْنى الجَوانِبِ وهي مُسْتَغْرِقَةٌ لَيْسا حَقِيقَيْنِ، وقِيلَ: بِاعْتِبارِ تَقْسِيمِ الدّائِرَةِ، كَما أشارَ إلَيْهِ المَوْلى عاصِمٌ أفَنْدِي في تَرْجَمَةِ القامُوسِ بِالرُّومِيَّةِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ، وأصْلُ هَذا التَّرْكِيبِ مَوْضُوعٌ لِلطَّوافِ والإحاطَةِ كالحَوْلِ لِلسَّنَةِ، فَإنَّهُ يَدُورُ مِن فَصْلٍ، أوْ يَوْمٍ إلى مِثْلِهِ، ولَمّا لَزِمَهُ الِانْتِقالُ والتَّغَيُّرُ اسْتُعْمِلَ فِيهِ بِاعْتِبارِهِ كالِاسْتِحالَةِ، والحَوالَةُ وإنْ خَفِيَ في نَحْوِ الحَوْلِ بِمَعْنى القُوَّةِ، وقِيلَ: أصْلُهُ تَغَيُّرُ الشَّيْءِ، وانْفِصالُهُ، (وذَهَبَ) إلَخْ، جَوابٌ (لَمّا)، والسَّبَبِيَّةُ ادِّعائِيَّةٌ، فَإنَّهُ لَمّا تَرَتَّبَ إذْهابُ النُّورِ عَلى الإضاءَةِ بِلا مُهْلَةٍ جُعِلَ كَأنَّهُ سَبَبٌ لَهُ، عَلى أنَّهُ يَكْفِي في الشَّرْطِ مُجَرَّدُ التَّوَقُّفِ نَحْوُ: إنْ كانَ لِي مالٌ حَجَجْتُ، والإذْهابُ مُتَوَقِّفٌ عَلى الإضاءَةِ، والضَّمِيرُ في (بِنُورِهِمْ) لِلَّذِي أوْ لِمَوْصُوفِهِ، وجَمْعِهِ لِما تَقَدَّمَ، واخْتارَ النُّورَ عَلى النّارِ لِأنَّهُ أعْظَمُ مَنافِعِها، والمُناسِبُ لِلْمَقامِ سِباقًا ولِحاقًا، وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابًا عَمّا لَهُمْ، شُبِّهْتْ حالُهم بِذَلِكَ، أوْ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ التَّمْثِيلِ لِلْبَيانِ، والضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ، وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ أيْ خَمَدَتْ نارُهم فَبَقُوا مُتَحَيِّرِينَ، ومِثْلُهُ ﴿ فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ ﴾ ، وحَذْفُهُ لِلْإيجازِ، وأمْنِ الإلْباسِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ عَلى مَن لَهُ أدْنى إنْصافٌ، وإنِ ارْتَضاهُ الجَمُّ الغَفِيرُ، ويَجِلُّ عَنْ مِثْلِ هَذا الإلْغازِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلَيْهِ تَعالى حَقِيقَةٌ، فَهو سُبْحانَهُ الفَعّالُ المُطْلَقُ الَّذِي بِيَدِهِ التَّصَرُّفُ في الأُمُورِ كُلِّها بِواسِطَةٍ، وبِغَيْرِ واسِطَةٍ، ولا يُعْتَرَضُ عَلى الحَكِيمِ بِشَيْءٍ، وحَمْلُ النّارِ عَلى نارٍ لا يَرْضى اللَّهُ تَعالى إيقادَها، إمّا مَجازِيَّةٌ كَنارِ الفِتْنَةِ، والعَداوَةِ لِلْإسْلامِ، أوْ حَقِيقِيَّةٌ أوْقَدَها الغُواةُ لِلْفَسادِ، أوِ الإفْسادِ، فَحِينَئِذٍ يَلِيقُ بِالحَكِيمِ إطْفاؤُها، وإلّا يُرْتَكَبُ المَجازُ، لَمْ يَدْعُ إلَيْهِ إلّا اعْتِزالٌ، وإيقادُ نارِ الغَوايَةِ والإضْلالِ، وعُدِّيَ بِالباءِ دُونَ الهَمْزَةِ لِما في المَثَلِ السّائِرِ: أنَّ ذَهَبَ بِالشَّيْءِ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ اسْتَصْحَبَهُ وأمْسَكَهُ عَنِ الرُّجُوعِ إلى الحالَةِ الأُولى، ولا كَذَلِكَ أذْهَبَهُ، فالباءُ والهَمْزَةُ وإنِ اشْتَرَكا في مَعْنى التَّعْدِيَةِ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَنْظُرَ صاحِبُ المَعانِي إلى مَعْنى الهَمْزَةِ والباءِ الأصْلِيَّيْنِ أعْنِي الإزالَةَ والمُصاحَبَةَ، والإلْصاقَ، فَفي الآيَةِ لُطْفٌ لا يُنْكَرُ، كَيْفَ والفاعِلُ هو اللَّهُ تَعالى القَوِيُّ العَزِيزُ الَّذِي لا رادَّ لِما أخَذَهُ، ولا مُرْسِلَ لِما أمْسَكَهُ، وذَكَرَ أبُو العَبّاسِ: أنَّ ذَهَبْتُ بِزَيْدٍ، يَقْتَضِي ذَهابَ المُتَكَلِّمِ مَعَ زَيْدٍ دُونَ أذْهَبْتُهُ، ولَعَلَّهُ يَقُولُ: إنَّ ما في الآيَةِ مَجازٌ عَنْ شِدَّةِ الأخْذِ، بِحَيْثُ لا يُرَدُّ، أوْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى وصَفَ نَفْسَهُ بِالذَّهابِ عَلى مَعْنًى يَلِيقُ بِهِ، كَما وصَفَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ بِالمَجِيءِ في ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجاءَ رَبُّكَ ﴾ والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ الباءَ بِمَعْنى الهَمْزَةِ، فَكِلاهُما لِمُجَرَّدِ التَّعْدِيَةِ عِنْدَهُ بِلا فَرْقٍ، فَلِذا لا يُجْمَعُ بَيْنَهُما، والنُّورُ مَنشَأُ الضِّياءِ ومَبْدَؤُهُ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ اسْتِعْمالُ العَرَبِ حَيْثُ أضافُوا الضِّياءَ إلَيْهِ كَما قالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: ويَظْهَرُ في البِلادِ ضِياءُ نُورٍ وقالَ العَبّاسُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: وأنْتَ لَمّا ظَهَرْتَ أشْرَقَتِ الأرْضُ ∗∗∗ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ ولِهَذا أطْلَقَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ النُّورَ دُونَ الضِّياءِ، وأشارَ سُبْحانَهُ إلى نَفْيِ الضِّياءِ الَّذِي هو مُقْتَضى الظّاهِرِ، بِنَفْيِ النُّورِ وإذْهابِهِ، لِأنَّهُ أصْلُهُ، وبِنَفْيِ الأصْلِ يَنْتَفِي الفَرْعُ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا هو الَّذِي ارْتَضاهُ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، ومِنهُ يُعْلَمُ وجْهُ وصْفِ الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِالنُّورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ ﴾ والشَّرِيعَةِ المُوسَوِيَّةِ بِالضِّياءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ ﴾ وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَقامِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الجامِعِ الفارِقِ، ومَزِيَّتِهِ عَلى أخِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي لَمْ يَأْتِ إلّا بِالفَرْقِ، ولِفَرْقِ ما بَيْنَ الحَبِيبِ والكَلِيمِ: وكُلُّ آيٍ أتى الرُّسْلُ الكِرامُ بِها ∗∗∗ فَإنَّما اتَّصَلَتْ مِن نُورِهِ بِهِمْ وكَذا وجْهُ وصْفِ الصَّلاةِ النّاهِيَةِ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ بِالنُّورِ والصَّبْرِ بِالضِّياءِ، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّهُ أقْوى مِنَ الضِّياءِ، كَذا قِيلَ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ قَدْ جاءَ وصْفُ ما أُوتِيَهُ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالضِّياءِ كَما جاءَ وصْفُ ما أُوتِيَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالنُّورِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ في الفُتُوحاتِ، فَتَدَبَّرْ، وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ الضِّياءَ أقْوى مِنَ النُّورِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا ﴾ وعَلى هَذا يَكُونُ التَّعْبِيرُ بِـ ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ دُونَ ذَهَبَ اللَّهُ بِضَوْئِهِمْ دَفْعًا لِاحْتِمالِ إذْهابِ ما في الضَّوْءِ مِنَ الزِّيادَةِ، وبَقاءِ ما يُسَمّى نُورًا، مَعَ أنَّ الغَرَضَ إزالَةُ النُّورِ رَأْسًا، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ كُلًّا مِنَ الضَّوْءِ والنُّورِ يُطْلَقُ عَلى ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ الآخَرُ، فَهُما كالمُتَرادِفَيْنِ، والفَرْقُ إنَّما نَشَأ مِنَ الِاسْتِعْمالِ أوِ الِاصْطِلاحِ لا مِن أصْلِ الوَضْعِ، واللُّغَةِ، ومِن هُنا قالَ الحُكَماءُ: إنَّ الضَّوْءَ ما يَكُونُ لِلشَّيْءِ مِن ذاتِهِ، والنُّورَ ما يَكُونُ مِن غَيْرِهِ، واسْتُعْمِلَ الضَّوْءُ لِما فِيهِ حَرارَةٌ حَقِيقَةً كالَّذِي في الشَّمْسِ، أوْ مَجازًا كالَّذِي ذُكِرَ فِيما أُوتِيَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا فِيهِ شِدَّةٌ، ومَزِيدُ كُلْفَةٍ، ومِنهُ: «(الصَّبْرُ ضِياءٌ)،» ومَعْلُومٌ أنَّهُ كاسْمِهِ، والنُّورُ لِما لَيْسَ كَذَلِكَ، كالَّذِي في القَمَرِ، وفِيما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ  مِنَ الشَّرِيعَةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ البَيْضاءِ، ومِنهُ: «(الصَّلاةُ نُورٌ)،» ولا شَكَّ أنَّها قُرَّةُ العَيْنِ، وراحَةُ القَلْبِ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ: «(وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ)،» «و(أرِحْنا يا بِلالُ)،» واسْتُعْمِلَ النُّورُ لِما يَطْرَأُ في الظُّلْمِ كَما ورَدَ: «(كانَ النّاسُ في ظُلْمَةٍ فَرَشَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ)،» وقَوْلُ الشّاعِرِ: بِتْنا وعُمْرُ اللَّيْلِ في غَلْوائِهِ ∗∗∗ ولَهُ بِنُورِ البَدْرِ فَرْعٌ أشْمَطُ والضَّوْءُ لَيْسَ كَذَلِكَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، والَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ أنَّ الضِّياءَ يُطْلَقُ عَلى النُّورِ القَوِيِّ وعَلى شُعاعِ النُّورِ المُنْبَسِطِ، فَهو بِالمَعْنى الأوَّلِ أقْوى، وبِالمَعْنى الثّانِي أدْنى، ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، ولِكُلِّ مَرْتَبَةٍ عِبارَةٌ، ولا حَجْرَ عَلى البَلِيغِ في اخْتِيارِ أحَدِ الأمْرَيْنِ في بَعْضِ المَقاماتِ لِنُكْتَةٍ اعْتَبَرَها ومُناسَبَةٍ لاحَظَها، وآيَةُ الشَّمْسِ لا تَدُلُّ عَلى أنَّ الضِّياءَ أقْوى مِنَ النُّورِ أيْنَما وقَعَ، فاللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ، ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى، وشاعَ إطْلاقُ النُّورِ عَلى الذَّواتِ المُجَرَّدَةِ دُونَ الضَّوْءِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ انْسِياقَ العَرَضِيَّةِ مِنهُ إلى الذِّهْنِ أسْرَعُ مِنِ انْسِياقِها مِنَ النُّورِ إلَيْهِ، فَقَدِ انْتَشَرَ أنَّهُ عَرَضٌ، وكَيْفِيَّةٌ مُغايِرَةٌ لِلَّوْنِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ ظُهُورِ اللَّوْنِ أوْ أنَّهُ أجْسامٌ صِغارٌ تَنْفَصِلُ مِنَ المُضِيءِ فَتَتَّصِلُ بِالمُسْتَضِيءِ مِمّا بَيِّنٌ بُطْلانُهُ في الكُتُبِ الحُكْمِيَّةِ، وإنْ قالَ بِكُلٍّ بَعْضٌ مِنَ الحُكَماءِ، ثُمَّ التَّعْبِيرُ بِالنُّورِ هُنا دُونَ الضَّوْءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِسِرٍّ غَيْرِ ما انْقَدَحَ في أذْهانِ النّاسِ، وهو كَوْنُهُ أنْسَبَ بِحالِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ حُرِمُوا الِانْتِفاعَ، والإضاءَةَ بِما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِمّا سَمّاهُ سُبْحانَهُ نُورًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ ﴾ فَكَأنَّ اللَّهَ عَزَّ شَأْنُهُ أمْسَكَ عَنْهُمُ النُّورَ وحَرَمَهُمُ الِانْتِفاعَ بِهِ، ولَمْ يُسَمِّهِ سُبْحانَهُ ضَوْءًا لِتَتَأتّى هَذِهِ الإشارَةُ، لَوْ قالَ هُنا ذَهَبَ اللَّهُ بِضَوْئِهِمْ بَلْ كَساهُ مِن حُلَلِ أسْمائِهِ، وأفاضَ عَلَيْهِ مِن أنْوارِ آلائِهِ، فَهو المَظْهَرُ الآتَمُّ، والرِّداءُ المُعَلَّمُ، هَذا، وإضافَةُ النُّورِ إلَيْهِمْ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، لِأنَّهُ لِلنّارِ في الحَقِيقَةِ، لَكِنْ لَمّا كانُوا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، صَحَّ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (فَلَمّا ضاءَتْ)، ثُلاثِيًّا، وتَخْرِيجُها يُعْلَمُ مِمّا تَقَدَّمَ، وقَرَأ اليَمانِيُّ (أذْهَبَ اللَّهُ نُورَهُمْ)، وفِيها تَأْيِيدٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ.

﴿ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ وهو أوْفى بِتَأْدِيَةِ المُرادِ، فَيُسْتَفادُ مِنهُ التَّقْرِيرُ لِانْتِفاءِ النُّورِ بِالكُلِّيَّةِ تَبَعًا لِما فِيهِ مِن ذِكْرِ الظُّلْمَةِ، وجَمْعُها وتَنْكِيرُها وإيرادُ ﴿ لا يُبْصِرُونَ ﴾ وجَعْلُ الواوِ لِلْحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، مَعَ ما فِيهِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الظُّلْمَةِ قَبْلَ ذَهابِ النُّورِ، ومَعَهُ، ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ، والتَّرْكُ في المَشْهُورِ طَرْحُ الشَّيْءِ، كَتَرْكِ العَصا مِن يَدِهِ، أوْ تَخْلِيَتِهِ مَحْسُوسًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في يَدِهِ، كَتَرْكِ وطَنِهِ ودِينِهِ، وقالَ الرّاغِبُ: تَرْكُ الشَّيْءِ رَفْضُهُ قَصْدًا واخْتِيارًا أوْ قَهْرًا، واضْطِرارًا، ويُفْهَمُ مِنَ المِصْباحِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في مُفارَقَةِ المَحْسُوساتِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ في المَعانِي، وفي كَوْنِ الفِعْلِ مِنَ النَّواسِخِ النّاصِبَةِ لِلْجُزْأيْنِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى صَيَّرَ، أمْ لا، خِلافٌ، والكُلُّ هُنا مُحْتَمَلٌ، فَعَلى الأوَّلِ (هُمْ) مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، و(فِي ظُلُماتٍ) مَفْعُولُهُ الثّانِي، و(لا يُبْصِرُونَ) صِفَةٌ (لِظُلُماتٍ) بِتَقْدِيرِ فِيها، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ، أوْ مِن (هُمْ)، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (فِي ظُلُماتٍ) حالًا و(لا يُبْصِرُونَ) مَفْعُولًا ثانِيًا، لِأنَّ الأصْلَ في الخَبَرِ أنْ لا يَكُونَ مُؤَكَّدًا، وإنْ جَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ، وعَلى الثّانِي (هُمْ) مَفْعُولُهُ و(فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ)، حالانِ مُتَرادِفانِ مِنَ المَفْعُولِ، أوْ مُتَداخِلانِ، فالأوَّلُ مِنَ المَفْعُولِ، والثّانِي مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ، و(فِي ظُلُماتٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(تَرَكَهُمْ) و(لا يُبْصِرُونَ) حالٌ، والظُّلْمَةُ في المَشْهُورِ عَدَمُ الضَّوْءِ عَمّا مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ مُسْتَضِيئًا، فالتَّقابُلُ بَيْنَها وبَيْنَ الضَّوْءِ تَقابُلُ العَدَمِ والمِلْكَةِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الظُّلْمَةَ كَيْفِيَّةٌ مَحْسُوسَةٌ ولا شَيْءَ مِنَ العَدَمِ كَذَلِكَ، وبِأنَّها مَجْعُولَةٌ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ﴾ والمَجْعُولُ لا يَكُونُ إلّا مَوْجُودًا، وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِمَنعِ الصُّغْرى، فَإنّا إذا غَمَّضْنا العَيْنَ لا نُشاهِدُ شَيْئًا ألْبَتَّةَ، كَذَلِكَ إذا فَتَحْنا العَيْنَ في الظُّلْمَةِ، وعَنِ الثّانِي بِالمَنعِ أيْضًا، فَإنَّ الجاعِلَ كَما يَجْعَلُ المَوْجُودَ يَجْعَلُ العَدَمَ الخاصَّ كالعَمى والمُنافِي لِلْمَجْعُولِيَّةِ هو العَدَمُ الصِّرْفُ، وقِيلَ: كَيْفِيَّةٌ مانِعَةٌ مِنَ الإبْصارِ، فالتَّقابُلُ تَقابُلُ التَّضادِّ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ كانَتْ كَيْفِيَّةً لَما اخْتَلَفَ حالُ مَن في الغارِ المُظْلِمِ ومَن هو في الخارِجِ في الرُّؤْيَةِ، وعَدَمِها، إلّا أنْ يُقالَ المُرادُ أنَّها كَيْفِيَّةٌ مانِعَةٌ مِن إبْصارِ ما فِيها، فَيَنْدَفِعُ الِاعْتِراضُ عَنْهُ، ورُبَّما يُرَجَّحُ عَلَيْهِ، بِأنَّهُ قَدْ يُصَدِّقُ عَلى الظُّلْمَةِ الأصْلِيَّةِ السّابِقَةِ عَلى وُجُودِ العالَمِ دُونَهُ، كَما قِيلَ، وقِيلَ: التَّقابُلُ بَيْنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ تَقابُلُ الإيجابِ والسَّلْبِ، وجَمْعُ الظُّلُماتِ إمّا لِتَعَدُّدِها في الواقِعِ، سَواءٌ رَجَعَ ضَمِيرُ الجَمْعِ إلى المُسْتَوْقِدِينَ، أوِ المُنافِقِينَ، أوْ لِأنَّها في الحَقِيقَةِ، وإنْ كانَتْ ظُلْمَةً واحِدَةً لَكِنَّها لِشِدَّتِها اسْتُعِيرَ لَها صِيغَةُ الجَمْعِ مُبالَغَةً كَما قِيلَ: رَبٌّ واحِدٌ يَعْدِلُ ألْفًا، أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ لِكُلِّ واحِدٍ ظُلْمَةٌ تَخُصُّهُ جُمِعَتْ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، كَذا قالُوا، ومِنَ اللَّطائِفِ أنَّ الظُّلْمَةَ حَيْثُما وقَعَتْ في القُرْآنِ وقَعَتْ مَجْمُوعَةً، والنُّورُ حَيْثُما وقَعَ وقَعَ مُفْرَدًا، ولَعَلَّ السَّبَبَ هو أنَّ الظُّلْمَةَ وإنْ قَلَّتْ تُسْتَكْثَرُ، والنُّورَ وإنْ كَثُرَ يُسْتَقَلُّ ما لَمْ يَضُرَّ، وأيْضًا كَثِيرًا ما يُشارُ بِهِما إلى نَحْوِ الكُفْرِ والإيمانِ، والقَلِيلُ مِنَ الكُفْرِ كَثِيرٌ، والكَثِيرُ مِنَ الإيمانِ قَلِيلٌ، فَلا يَنْبَغِي الرُّكُونُ إلى قَلِيلٍ مِن ذاكَ، ولا الِاكْتِفاءِ بِكَثِيرٍ مِن هَذا، وأيْضًا مَعْدِنُ الظُّلْمَةِ بِهَذا المَعْنى قُلُوبُ الكُفّارِ ”تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبَهم شَتّى“ ومَشْرِقُ النُّورِ بِذَلِكَ المَعْنى قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ، وهي كَقَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ، وأيْضًا النُّورُ المُفاضُ هو الوُجُودُ المُضافُ، وهو واحِدٌ لا تَعَدُّدَ فِيهِ، كَما يُرْشِدُكَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ وفي الظُّلْمَةِ لا يُرى مِثْلُ هَذا، وأيْضًا الظُّلْمَةُ يَدُورُ أصْلُ مَعْناها عَلى المَنعِ، فَلِذا أُخِذَتْ مِن قَوْلِهِمْ: ما ظَلَمَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ ما مَنَعَكَ، وفي مُثَلَّثاتِ ابْنِ السَّيِّدِ: الظَّلْمُ بِفَتْحِ الظّاءِ شَخْصُ كُلِّ شَيْءٍ يَسُدُّ بَصَرَ النّاظِرِ، يُقالُ: لَقِيتُهُ أوَّلَ ذِي ظَلْمٍ، أيْ أوَّلَ شَخْصٍ يَسُدُّ بَصَرِي، وزُرْتُهُ واللَّيْلُ ظَلْمٌ، أيْ مانِعٌ مِنَ الزِّيارَةِ، فَكَأنَّها سُمِّيَتْ ظُلْمَةً لِأنَّها تَسُدُّ في المَشْهُورِ، وتَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ، فَبِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ المَوانِعِ جُمِعَتْ، ولَمْ يُعْتَبَرْ مِثْلُ هَذا في أصْلِ مَعْنى النُّورِ، فَلَمْ يُجْمَعْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وإنَّما نُكِّرَتْ ظُلُماتٌ هُنا، ولَمْ تُضَفْ إلى ضَمِيرِهِمْ كَما أُضِيفَ النُّورُ اخْتِصارًا لِلَّفْظِ، واكْتِفاءً بِما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ، كَيْفَما فَسَّرْتَ الظُّلْمَةَ عَلى بَعْضِ الآراءِ: و(لا يُبْصِرُونَ) مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِطَرْحِ المَفْعُولِ نَسْيًا مَنسِيًّا، ولِعَدَمِ القَصْدِ إلى مَفْعُولٍ دُونَ مَفْعُولٍ، فَيُفِيدُ العُمُومَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (فِي ظُلُماتٍ) بِضَمِّ اللّامِ، والحَسَنُ وأبُو السِّماكِ بِسُكُونِها، وقَوْمٌ بِفَتْحِها، والكُلُّ جَمْعُ ظُلْمَةٍ.

وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّ ظُلُماتٍ بِالفَتْحِ جَمْعُ ظُلَمٍ جَمْعِ ظُلْمَةٍ، فَهي جَمْعُ الجَمْعِ، والعُدُولُ إلى الفَتْحِ تَخْفِيفًا مَعَ سَماعِهِ في أمْثالِهِ أسْهَلُ مِنَ ادِّعاءِ جَمْعِ الجَمْعِ، إذْ لَيْسَ بِقِياسِيٍّ، ولا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ عَلَيْهِ، وقَرَأ اليَمانِيُّ (فِي ظُلْمَةٍ)، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى تَشْبِيهِ إجْراءِ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ عَلى ألْسِنَةِ مَن ذُكِرَ، والتَّحَلِّي بِحِلْيَةِ المُؤْمِنِينَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، مِمّا يَمْنَعُ مِن قَتْلِهِمْ، ويَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالنَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ مِن نَحْوِ الأمْنِ والمَغانِمِ، وعَدَمِ إخْلاصِهِمْ لِما أظْهَرُوهُ بِالنِّفاقِ الضّارِّ في الدِّينِ بِإيقادِ نارٍ مُضِيئَةٍ لِلِانْتِفاعِ بِها أطْفَأها اللَّهُ تَعالى فَهَبَّتْ عَلَيْهِمُ الرِّياحُ، والأمْطارُ وصَيَّرَتْ مُوقِدَها في ظُلْمَةٍ وحَسْرَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم لَمّا وُصِفُوا بِأنَّهُمُ اشْتَرُوا الضَّلالَةَ بِالهُدى عَقَّبَ ذَلِكَ بِهَذا التَّمْثِيلِ لِتَشْبِيهِ هُداهُمُ الَّذِي باعُوهُ بِالنّارِ المُضِيئَةِ ما حَوْلَ المُسْتَوْقِدِ، والضَّلالَةِ الَّتِي اشَتَرَوْها، وطَبَعَ اللَّهُ تَعالى بِها عَلى قُلُوبِهِمْ بِذَهابِ اللَّهِ تَعالى بِنُورِهِمْ، وتَرْكِهِ إيّاهم في الظُّلُماتِ، والتَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّ ذَلِكَ مَثَلٌ لِلْإيمانِ الَّذِي أظْهَرُوهُ لِاجْتِناءِ ثَمَراتِهِ بِنارٍ ساطِعَةِ الأنْوارِ مُوقَدَةٍ لِلِانْتِفاعِ والِاسْتِبْصارِ، ولِذَهابِ أثَرِهِ وانْطِماسِ نُورِهِ بِإهْلاكِهِمْ، وإفْشاءِ حالِهِمْ بِإطْفاءِ اللَّهِ تَعالى إيّاها، وإذْهابِ نُورِها، ويَشْتَمِلُ التَّشْبِيهُ وُجُوهًا أُخَرَ، (ومِنَ البُطُونِ القُرْآنِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَها ساداتُنا الصُّوفِيَّةُ نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِهِمْ) أنَّ الآيَةَ مِثْلُ مَن دَخَلَ طَرِيقَةَ الأوْلِياءِ بِالتَّقْلِيدِ لا بِالتَّحْقِيقِ، فَعَمِلَ عَمَلَ الظّاهِرِ، وما وجَدَ حَلاوَةَ الباطِنِ، فَتَرَكَ الأعْمالَ بَعْدَ فِقْدانِ الأحْوالِ، أوْ مِثْلُ مَنِ اسْتَوْقَدَ نِيرانَ الدَّعْوى ولَيْسَ عِنْدَهُ حَقِيقَةٌ، فَأضاءَتْ ظَواهِرُهُ بِالصِّيتِ، والقَبُولِ، فَأفْشى اللَّهُ تَعالى نِفاقَهُ بَيْنَ الخَلْقِ حَتّى نَبَذُوهُ في الآخِرِ، ولا يَجِدُ مَناصًا مِنَ الفَضِيحَةِ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الوَرّاقُ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمَن لَمْ يُصَحِّحْ أحْوالَ الإرادَةِ، فارْتَقى مِن تِلْكَ الأحْوالِ بِالدَّعاوى إلى أحْوالِ الأكابِرِ، فَكانَ يُضِيءُ عَلَيْهِ أحْوالُ إرادَتِهِ لَوْ صَحَّحَها بِمُلازَمَةِ آدابِها، فَلَمّا مَزَجَها بِالدَّعاوى أذْهَبَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تِلْكَ الأنْوارَ، وبَقِيَ في ظُلُماتِ دَعاوِيهِ لا يُبْصِرُ طَرِيقَ الخُرُوجِ مِنها، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ ونَعُوذُ بِهِ مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً، روى معاوية بن طلح، عن علي بن أبي طلحة، عن عبد الله بن عباس-  ما- قال: نزلت هذه الآية في شأن اليهود الذين هم حوالي المدينة، فقال: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضاءَتْ يعني كمثل من كان في المفازة في الليلة المظلمة وهو يخاف السباع، فأوقد ناراً فأمن بها من السباع، فَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ طفئت ناره وبقي في الظلمة، كذلك اليهود الذين كانوا حوالي المدينة كانوا يقرون بالنبي  قبل أن يخرج، وكانوا إذا حاربوا أعداءهم من المشركين يستنصرون باسمه فيقولون بحق نبيك أن تنصرنا، فلما أخرج النبيّ  وقدم المدينة، حسدوه وكذبوه وكفروا به فطفئت نارهم وبقوا في ظلمات الكفر.

وقال مقاتل: نزلت في المنافقين، يقول: مثل المنافق مع النبيّ  كمثل رجل في مفازة فأوقد ناراً فأمن بها على نفسه واهله وعياله وماله، فكذلك المنافق يتكلم بلا إله إلا الله مرآة الناس، ليأمن بها على نفسه واهله وعياله وماله ويناكح مع المسلمين، وكان له نور بمنزلة المستوقد النار يمشي في ضوءها ما دامت ناره تتقد، فلما أضاءت النار أبصر ما حوله بنورها وذهب نورها فبقي في ظلمة.

قوله تعالى: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ أي يذهب الله بنور الإيمان الذي يتكلم به، وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ الهدى، فكذلك المنافق إذا بلغ آخر عمره بقي في ظلمة كفره.

وهكذا فسّره قتادة والقتبي وغيرهما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

كما يقال: طغى الماء، وطغت النّار ويَعْمَهُونَ: معناه: يتردَّدون حيرةً، والعَمَهُ الحَيْرَةُ من جهة النّظر، والعامة الذي كأنه لا يبصر.

قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً ...

إلى قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ: قال الفَخْر «١» : اعلم أن المقصود من ضرب المِثَالِ أنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفْسِهِ لأن الغرض من المَثَل تشبيه الخَفِيِّ بِالجَلِيِّ، والغائب بالشاهدِ، فيتأكَّد الوقوفُ على ماهيته، ويصير الحس مطابقاً للعقل وذلك هو النهاية في الإِيضاح ألا ترى أنَّ الترغيب والترهيب إِذا وقع مجرَّداً عن ضرب مَثَلٍ، لم يتأكَّد وقوعه في القلب كتأكُّده مع ضرب المثل، ولهذا أكثر اللَّه تعالى في كتابه المبين، وفي سائر كتبه الأمثالَ، قال تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١] انتهى.

والمَثَل والمِثْل والمَثِيلُ واحدٌ، معناه: الشبيه، قاله أهل اللغة.

واسْتَوْقَدَ: قيل: معناه أوقد.

واختلف المتأولون في فعل المنافقين الذي يشبه فعل الذي استوقد ناراً فقالت فرقةٌ:

هي فيمن كان آمن، ثم كفر بالنفاقِ، فإِيمانه بمنزلة النار أضاءت، وكفره بعد بمنزلة انطفائها، وذهابِ النور، وقالت فرقةٌ، منهم قتادة: نطقهم ب «لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» والقُرْآنِ كإِضاءة النار، واعتقادهم الكفر بقلوبهم كانطفائها «٢» ، قال جمهورُ النحاة: جواب «لَمَّا» :

«ذَهَبَ» ويعود الضمير من نورهم على «الذي» ، وعلى هذا القولِ يتمُّ تمثيل المنافق بالمستوقِدِ لأنَّ بقاء المستوقِدِ في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق على الخلاف المتقدِّم.

وقال قومٌ «٣» : جوابُ «لَمَّا» مضمرٌ، وهو «طُفِئَتْ» ، فالضمير في «نُورِهِمْ» على هذا

للمنافقين، والإخبار بهذا هو عن حال لهم تكونُ في الآخرة، وهو قوله تعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ ...

الآيةَ [الحديد: ١٣] وهذا القول غير قويٍّ.

والأصم: الذي لا يسمع، والأبكم: الذي لا ينطق، ولا يفهم، فإِذا فهم، فهو الأخرس، وقيل: الأبكم والأخرس واحدٌ، ووصفهم بهذه الصفات إِذْ أعمالهم من الخطإ وعدم الإِجابة كأعمال من هذه صفته.

و «صُمٌّ» : رفع على خبر الابتداء، إما على تقدير تكرير «أُولَئِكَ» ، أو إِضمارهم.

وقوله تعالى: فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ قيل: معناه: لا يؤمنون بوجْهٍ، وهذا إنما يصح أنْ لو كانت الآية في معيَّنينِ، وقيل: معناه: فهم لا يرجعونَ ما داموا على الحال التي وصفهم بها، وهذا هو الصحيحُ.

أَوْ كَصَيِّبٍ: «أَوْ» : للتخيير، معناه مثِّلوهم بهذا أو بهذا، والصَّيِّبُ المطر من:

١١ ب صَابَ يَصُوبُ، إِذا/ انحط من عُلْو إِلى سفل.

وظُلُماتٌ: بالجمع: إِشارة إِلى ظلمة الليل وظلمة الدجن، ومن حيث تتراكب وتتزيد جُمِعَتْ، وكون الدجن مظلماً هول وغم للنفوس بخلاف السحاب والمطر، إذا انجلى دجنه، فإنه سارٌّ جميل.

واختلف العلماء في «الرَّعْدِ» ، فقال ابن عباس ومجاهد وشَهْرُ بن حَوْشَبٍ «١» وغيرهم: هو مَلَكٌ يزجرُ السحابَ بهذا الصوتِ المسموعِ كلَّما خالفتْ سحابةٌ، صاح بها، فإِذا اشتد غضبه، طارت النار من فيه، فهي الصواعقُ، واسم هذا الملك: الرّعد «٢» .

وقيل: الرَّعْدُ مَلَكٌ، وهذا الصوت تسبيحُهُ.

وقيل: الرعد: اسم الصوْتِ المسموعِ قاله عليُّ بن أبي طالب «١» .

وأكثر العلماء على أن الرعد ملكٌ، وذلك صوته يسبِّح ويزجرُ السحابَ.

واختلفوا في البَرْقِ.

فقال علي بن أبي طالب وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «هُوَ مِخْرَاقُ حَدِيدٍ بِيَدِ المَلَكِ يَسُوقُ بِهِ السَّحَابَ» وهذا أصحُّ ما روي فيه «٢» .

وقال ابن عبَّاس: هو سَوط نور بيد المَلَكِ يزجي به السحَابَ «٣» ، وروي عنه: أنَّ البرق ملك يتراءى «٤» .

واختلف المتأوّلون في المقصد بهذا المثل، وكيف تترتب أحوالُ المنافقينَ المُوَازِنَةُ لما في المَثَل من الظلماتِ والرعْدِ والبرقِ والصواعِقِ.

فقال جمهور المفسِّرين: مَثَّلَ اللَّه تعالى القُرْآنَ بالصَّيِّبِ، فما فيه من الإشكال عليهم والعمى هو الظلماتُ، وما فيه من الوعيدِ والزجْرِ هو الرعْدُ، وما فيه من النُّور والحُجَج الباهرة هو البَرْقُ، وتخوُّفهم ورَوْعُهُمْ وحَذَرُهم هو جَعْلُ أصابعهم في آذانهم، وفَضْحُ نفاقهم، واشتهارُ كفرهم، وتكاليفُ الشرع التي يكرهونها من الجهادِ والزكاةِ ونحوه هي الصواعقُ، وهذا كله صحيحٌ بيِّن.

وقال ابنُ مسعود: إِن المنافقين في مجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلم كانُوا يجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن، فضرب اللَّه المثل لهم «٥» ، وهذا وفاقٌ لقول الجمهور.

ومُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ معناه: بعقابهم، يقال: أحاط السلطان بفلانٍ، إِذا أخذه أخذًا حاصرًا من كل جهة، ومنه قوله تعالى: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [الكهف: ٤٢] .

ويَكادُ فعل ينفي المعنى مع إِيجابه، ويوجبه مع النفي «١» ، فهنا لم يخطف البرق الأبصار، والخَطْفُ: الانتزاعُ بسرعة، ومعنى يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ، تكاد حجج القرآن وبراهينه وآياته الساطعة تبهرهم، ومن جعل البَرْقَ في المثل الزجْرَ والوعيدَ، قال:

يكاد ذلك يصيبهم.

و «كُلَّمَا» : ظرفٌ، والعامل فيه «مَشَوْا» ، و «قَامُوا» معناه: ثَبَتُوا، ومعنى الآية فيما روي عن ابن عَبَّاس وغيره: كلَّما سمع المنافقون القرآن، وظهرت لهم الحججُ، أنسوا ومشوا معه، فإذا نَزَلَ من القرآن ما يعمهون فيه، ويضلون به، أو يكلَّفونه، قاموا، أي:

ثَبَتُوا على نفاقهم.

وروي عن ابن مسعودٍ أنَّ معنى الآية: كلَّما صلُحَتْ أحوالهم في زروعهم ومواشِيهِمْ، وتوالَتْ عليهم النّعم، قالوا: دين محمَّد دِينٌ مبارَكٌ، وإِذا نزلت بهم مصيبةٌ أَو أصابتهم شدَّة، سَخِطُوه وثَبَتُوا في نفاقهم «٢» .

ووحَّد السمع لأنه مصدر يقع للواحد والجمع.

١٢ أوقوله سبحانه: عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لفظه العمومُ، ومعناه عند/ المتكلِّمين: فيما يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه، وقديرٌ بمعنى قَادِرٍ، وفيه مبالغةٌ، وخَصَّ هنا سبحانه صفتَهُ الَّتي هي القدرةُ- بالذِّكُر لأنه قد تقدَّم ذكر فعلٍ مضمَّنه الوعيدُ والإِخافةُ، فكان ذكر القدرة مناسباً لذلك.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا ﴾ .

هَذِهِ الآَيَةُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ.

و"المَثَلُ" بِتَحْرِيكِ الثّاءِ: ما يُضْرَبُ ويُوضَعُ لِبَيانِ النَّظائِرِ في الأحْوالِ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اسْتَوْقَدَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ السِّينَ زائِدَةٌ وأنْشَدُوا: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ أرادَ: فَلَمْ يُجِبْهُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، مِنهُمُ الأخْفَشُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّ السِّينَ داخِلَةٌ لِلطَّلَبِ، أرادَ: كَمَن طَلَبَ مِن غَيْرِهِ نارًا.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ﴾ .

وَفِي "أضاءَتْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الفِعْلِ المُتَعَدِّي، قالَ الشّاعِرُ: أضاءَتْ لَهم أحْسابُهم ووُجُوهُهم دُجى اللَّيْلِ حَتّى نَظَّمَ الجِزْعَ ثاقِبُهُ وَقالَ آَخَرُ: أضاءَتْ لَنا النّارُ وجْهًا أغَرَّ ∗∗∗ مُلْتَبِسًا بِالفُؤادِ التِباسًا والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الفِعْلِ اللّازِمِ.

قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُقالُ: أضاءَتِ النّارُ، وأضاءَها غَيْرُها.

وقالَ الزَّجّاجَ: يُقالُ: ضاءَ القَمَرُ، وأضاءَ.

وَفِي "ما" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ، تَقْدِيرُهُ: أضاءَتْ حَوْلَهُ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى الَّذِي.

وحَوْلَ الشَّيْءِ: ما دارَ مِن جَوانِبِهِ.

والهاءُ: عائِدَةٌ عَلى المُسْتَوْقَدِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وحَّدَ، فَقالَ: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ﴾ ثُمَّ جَمَعَ فَقالَ: ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ ؟

فالجَوابُ: أنَّ ثَعْلَبًا حَكى عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: إنَّما ضُرِبَ المَثَلُ لِلْفِعْلِ، لا لِأعْيانِ الرِّجالِ، وهو مَثَلٌ لِلنِّفاقِ.

وإنَّما قالَ: ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ لِأنَّ المَعْنى ذاهِبٌ إلى المُنافِقِينَ، فَجُمِعَ لِذَلِكَ.

قالَ ثَعْلَبٌ: وقالَ غَيْرُ الفَرّاءُ: مَعْنى الَّذِي: الجَمْعُ، وُحِّدَ أوَّلًا لِلَفْظِهِ، وجُمِعَ بَعْدُ لِمَعْناهُ، كَما قالَ الشّاعِرُ: فَإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أمَّ خالِدٍ فَجَعَلَ "الَّذِي" جَمْعًا.

* فَصْلٌ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الَّذِي ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ هَذا المَثَلَ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ ضَرَبَ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ الَّتِي يَلْفِظُونَ بِها، ونُورُها صِيانَةُ النُّفُوسِ وحَقْنُ الدِّماءِ، فَإذا ماتُوا سَلْبَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ العِزَّ، كَما سَلَبَ صاحِبَ النّارِ ضَوْءَهُ.

وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ ضَرَبَ لِإقْبالِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ وسَماعِهِمْ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، فَذَهابُ نُورِهِمْ: إقْبالُهم عَلى الكافِرِينَ والضَّلالُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

وَفِي المُرادِ بِـ "الظُّلُماتِ" هاهُنا أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: العَذابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ظُلْمَةُ الكُفْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: ظُلْمَةٌ يُلْقِيها اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّها نِفاقُهم قالَهُ السُّدِّيُّ.

* فَصْلٌ وَفِي ضَرْبِ المَثَلِ لَهم بِالنّارِ ثَلاثُ حِكَمٍ.

إحْداها: أنَّ المُسْتَضِيءَ بِالنّارِ مُسْتَضِيءٌ بِنُورٍ مِن جِهَةِ غَيْرِهِ، لا مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، فَإذا ذَهَبَتْ تِلْكَ النّارُ بَقِيَ في ظُلْمَةٍ، فَكَأنَّهم لَمّا أقَرُّوا بِألْسِنَتِهِمْ مِن غَيْرِ اعْتِقادِ قُلُوبِهِمْ، كانَ نُورُ إيمانِهِمْ كالمُسْتَعارِ.

والثّانِيَةُ: أنَّ ضِياءَ النّارِ يَحْتاجُ في دَوامِهِ إلى مادَّةِ الحَطَبِ، فَهو لَهُ كَغِذاءِ الحَيَوانِ، فَكَذَلِكَ نُورُ الإيمانِ يَحْتاجُ إلى مادَّةِ الِاعْتِقادِ لِيَدُومَ.

والثّانِيَةُ أنَّ الظُّلْمَةَ الحادِثَةَ بَعْدَ الضَّوْءِ أشَدُّ عَلى الإنْسانِ مِن ظُلْمَةٍ لَمْ يَجِدْ مَعَها ضِياءٌ، فَشَبَّهَ حالَهم بِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ "المَثَلُ والمَثْلُ والمَثِيلُ" واحِدٌ، مَعْناهُ: الشَبَهُ هَكَذا نَصَّ أهْلُ اللُغَةِ، والمُتَماثِلانِ المُتَشابِهانِ، وقَدْ يَكُونُ مِثْلُ الشَيْءِ جُرْمًا مِثْلَهُ، وقَدْ يَكُونُ ما تَعْقِلُ النَفْسُ وتَتَوَهَّمُهُ مِنَ الشَيْءِ مَثَلًا لَهُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُهم كَمَثَلِ ﴾ ، مَعْناهُ: أنَّ الَّذِي يَتَحَصَّلُ في نَفْسِ الناظِرِ في أمْرِهِمْ كَمَثَلِ الَّذِي يَتَحَصَّلُ في نَفْسِ الناظِرِ في أمْرِ المُسْتَوْقِدِ، وبِهَذا يَزُولُ الإشْكالُ الَّذِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ  ﴾ ، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ ، لِأنَّ ما يَتَحَصَّلُ لِلْعَقْلِ مِن وحْدانِيَّةٍ وأزَلِّيَّةٍ، ونَفْيِ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ لَيْسَ يُماثِلُهُ فِيهِ شَيْءٌ، وذَلِكَ المُتَحَصِّلُ هو المَثَلُ الأعْلى الَّذِي في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى  ﴾ وقَدْ جاءَ في تَفْسِيرِهِ: "أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللهُ"، فَفُسِّرَ بِجِهَةِ الوَحْدانِيَّةِ.

وقَوْلُهُ: "مَثَلُهُمْ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ في الكافِ، وهي عَلى هَذا اسْمٌ، كَما هي في قَوْلِ الأعْشى: أتَنْتَهُونَ ولَنْ يَنْهى ذَوِي شَطَطٍ كالطَعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَيْتُ والفَتْلُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: مَثَلُهم مُسْتَقَرٌّ كَمَثَلِ، فالكافُ عَلى هَذا حَرْفٌ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في بَيْتِ الأعْشى، لِأنَّ المَحْذُوفَ فاعِلٌ تَقْدِيرُهُ شَيْءٌ كالطَعْنِ، والفاعِلُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ ويَجُوزُ حَذْفُ خَبَرِ الِابْتِداءِ إذا كانَ الكَلامُ دالًّا عَلَيْهِ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ حَذْفَ الفاعِلِ وأنْ يَكُونَ الكافُ في بَيْتِ الأعْشى حَرْفًا.

ووَحَّدَ "الَّذِي" لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَشْبِيهَ الجَماعَةِ بِالجَماعَةِ، وإنَّما المَقْصِدُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُنافِقِينَ فِعْلُهُ كَفِعْلِ المُسْتَوْقِدِ، و"الَّذِي" أيْضًا لَيْسَ بِإشارَةٍ إلى واحِدٍ ولا بُدَّ، بَلْ إلى هَذا الفِعْلِ: وقَعَ مِن واحِدٍ، أو مِن جَماعَةٍ، وقالَ النَحْوِيُّونَ: الَّذِي اسْمٌ مُبْهَمٌ يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ.

و"اسْتَوْقَدَ" قِيلَ: مَعْناهُ أوقَدَ، فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ عَجَبَ واسْتَعْجَبَ بِمَعْنًى.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وبِمَنزِلَةِ هَزِئَ واسْتَهْزَأ، وسَخِرَ واسْتَسْخَرَ، وقَّرَ واسْتَقَرَّ، وعَلا قَرْنُهُ واسْتَعْلاهُ، وقَدْ جاءَ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ: أجابَ واسْتَجابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَدى ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ وأخْلَفَ لِأهْلٍ واسْتَخْلَفَ إذا جَلَبَ لَهُمُ الماءَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ومُسْتَخْلَفاتٌ مِن بِلادٍ تَنُوفَةٍ ∗∗∗ لَمُصْفَرَّةُ الأشْداقِ حُمْرُ الحَواصِلِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ......................................

∗∗∗ سَقاها فَرَوّاها مِنَ الماءِ مُخْلِفُ وَمِنهُ أوقَدَ واسْتَوْقَدَ، قالَهُ أبُو زَيْدٍ، وقِيلَ: اسْتَوْقَدَ: يُرادُ بِهِ طَلَبَ مِن غَيْرِهِ أنْ يُوقِدَ لَهُ عَلى المَشْهُورِ مِن بابِ اسْتَفْعَلَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي حاجَتَهُ إلى النارِ، فانْطِفاؤُها مَعَ حاجَتِهِ إلَيْها أنَكى لَهُ، واخْتَلَفَ في "أضاءَتْ" فَقِيلَ: يَتَعَدّى، لِأنَّهُ نُقِلَ بِالهَمْزَةِ مِن ضاءَ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ في النَبِيِّ  : وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأرْ ∗∗∗ ضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ وعَلى هَذا فَ "ما" في قَوْلِهِ "ما حَوْلَهُ" مَفْعُولَةٌ، وقِيلَ: "أضاءَتْ" لا تَتَعَدّى، لِأنَّهُ يُقالُ: ضاءَ وأضاءَ بِمَعْنى، فَ "ما" زائِدَةٌ، وحَوْلَهُ ظَرْفٌ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في فِعْلِ المُنافِقِينَ الَّذِي يُشْبِهُ فِعْلَ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا، فَقالَتْ طائِفَةٌ: هي فِيمَن آمَنَ ثُمَّ كَفَرَ بِالنِفاقِ، فَإيمانُهُ بِمَنزِلَةِ النارِ إذا أضاءَتْ وكُفْرُهُ بَعْدُ بِمَنزِلَةِ انْطِفائِها وذَهابِ النُورِ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: إنَّ ما يُظْهِرُ المُنافِقُ في الدُنْيا مِنَ الإيمانِ فَيَحْقِنُ بِهِ دَمَهُ ويُحْرِزُ مالَهُ، ويُناكِحُ ويُخالِطُ، كالنارِ الَّتِي أضاءَتْ ما حَوْلَهُ، فَإذا ماتَ صارَ إلى العَذابِ الألِيمِ، فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ انْطِفائِها وبَقائِهِ في الظُلُماتِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ إقْبالَ المُنافِقِينَ إلى المُسْلِمِينَ وكَلامَهم مَعَهم كالنارِ، وانْصِرافَهم إلى مَرَدَتِهِمْ، وارْتِكاسَهم عِنْدَهم كَذَهابِها.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ المُنافِقِينَ كانُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ  والمُؤْمِنِينَ في مَنزِلَةٍ بِما أظْهَرُوهُ، فَلَمّا فَضَحَهُمُ اللهُ، وأعْلَمَ بِنِفاقِهِمْ، سَقَطَتِ المَنزِلَةُ، فَكانَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِمَنزِلَةِ النارِ وانْطِفائِها.

وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهم قَتادَةُ: نُطْقُهم بـِ "لا إلَهَ إلّا اللهُ" والقُرْآنِ كَإضاءَةِ النارِ، واعْتِقادُهُمُ الكُفْرَ بِقُلُوبِهِمْ كانْطِفائِها، قالَ جُمْهُورُ النُحاةِ: جَوابٌ "لِما" ذَهَبَ، ويَعُودُ الضَمِيرُ مِن "نُورِهِمْ" في هَذا القَوْلِ عَلى "الَّذِي"، ويَصِحُّ شِبْهُ الآيَةِ بِقَوْلِ الشاعِرِ: وإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفُلْجٍ دِماؤُهم ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدٍ وعَلى هَذا القَوْلِ يَتِمُّ تَمْثِيلُ المُنافِقِ بِالمُسْتَوْقِدِ، لِأنَّ بَقاءَ المُسْتَوْقِدِ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُ، كَبَقاءِ المُنافِقِ، عَلى الِاخْتِلافِ المُتَقَدِّمِ.

وقالَ قَوْمٌ: جَوابٌ "لِما" مُضْمَرٌ، وهو طَفِئَتْ، والضَمِيرُ في "نُورِهِمْ" عَلى هَذا لِلْمُنافِقِ، والإخْبارُ بِهَذا هو عن حالٍ تَكُونُ في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ  ﴾ وهَذا القَوْلُ غَيْرُ قَوِيٍّ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو السَمّالِ: "فِي ظُلْماتٍ" بِسُكُونِ اللامِ، وقَرَأ قَوْمٌ: "ظُلَماتٍ" بِفَتْحِ اللامِ.

قالَ أبُو الفَتْحِ: في ظُلُماتٍ وكِسْراتٍ ثَلاثُ لُغاتٍ: إتْباعُ الضَمِّ الضَمَّ، والكَسْرِ الكَسْرَ، أوِ التَخْفِيفَ بِأنْ يَعْدِلَ إلى الفَتْحِ في الثانِي، أوِ التَخْفِيفَ بِأنْ يَسْكُنَ الثانِي، وكُلُّ ذَلِكَ جائِزٌ حَسَنٌ، فَأمّا فِعْلَةٌ بِالفَتْحِ فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَثْقِيلِ إتْباعًا، فَتَقُولُ تَمْرَةٌ وتَمَراتٌ.

وذَهَبَ قَوْمٌ في "ظُلَماتٍ" بِفَتْحِ اللامِ إلى أنَّهُ جَمْعُ ظُلْمٌ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ.

و"الأصَمُّ": الَّذِي لا يَسْمَعُ، والأبْكَمُ: الَّذِي لا يَنْطِقُ ولا يَفْهَمُ، فَإذا فَهِمَ فَهو الأخْرَسُ، وقِيلَ: الأبْكَمُ والأخْرَسُ واحِدٌ، ووَصَفَهم بِهَذِهِ الصِفاتِ إذْ أعْمالُهم مِنَ الخَطَأِ وقِلَّةِ الإجابَةِ كَأعْمالِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ، و"صُمٌّ" رُفِعَ عَلى خَبَرٍ ابْتِداءً، فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ تَكْرارِ أُولَئِكَ، وإمّا عَلى إضْمارِ هُمْ".

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وحَفْصَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "صُمًّا، بُكْمًا، عُمْيًا" بِالنَصْبِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "مُهْتَدِينَ"، وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى الذَمِّ، وفِيهِ ضَعْفٌ، وأمّا مَن جَعَلَ الضَمِيرَ في "نُورِهِمْ" لِلْمُنافِقِينَ لا لِلْمُسْتَوْقِدِينَ، فَنَصْبُ هَذِهِ الصِفاتِ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "تَرَكَهُمْ".

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ إخْبارٌ مِنهُ تَعالى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِوَجْهٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما كانَ يَصِحُّ هَذا إنْ لَوْ كانَتِ الآيَةُ في مُعَيَّنَيْنِ.

وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناهُ فَهم لا يَرْجِعُونَ ما دامُوا عَلى الحالِ الَّتِي وصَفَهم بِها، وهَذا هو الصَحِيحُ، لِأنَّ الآيَةَ لَمْ تُعَيَّنْ، وكُلُّهم مُعَرَّضٌ لِلرُّجُوعِ، مَدْعُوٌّ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذى استوقد نَاراً ﴾ .

أعقبت تفاصيل صفاتهم بتصوير مجموعها في صورة واحدة، بتشبيه حالهم بهيئة محسوسة، وهذه طريقة تشبيه التمثيل، إلحاقاً لتلك الأحوال المعقولة بالأشياء المحسوسة، لأن النفس إلى المحسوس أميل.

وإتماماً للبيان بجمع المتفرقات في السمع، المطالة في اللفظ، في صورة واحدة لأن للإجمال بعد التفصيل وقعاً من نفوس السامعين.

وتقريراً لجميع ما تقدم في الذهن بصورة تخالف ما صور سالفاً لأن تجدد الصورة عند النفس أحب من تكررها.

قال في «الكشاف»: «ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المِثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق حتى تريك المتخيل في صورة المحقق والمتوهم في معرض المتيقن والغائب كالمشاهد».

واستدلالاً على ما يتضمنه مجموع تلك الصفات من سوء الحالة وخيبة السعي وفساد العاقبة، فمن فوائد التشبيه قصد تفظيع المشبه.

وتقريباً لما في أحوالهم في الدين من التضاد والتخالف بين ظاهر جميل وباطن قبيح بصفة حال عجيبة من أحوال العالم فإن من فائدة التشبيه إظهار إمكان المشبه، وتنظير غرائبه بمثلها في المشبه به.

قال في «الكشاف»: «ولأمر ما أكثر الله تعالى في كتابه المبين أمثاله وفشت في كلام رسول صلى الله عليه وسلم وكلام الأنبياء والحكماء قال تعالى: ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ﴾ [العنكبوت: 43] ا ه.

والتمثيل منزع جليل بديع من منازع البلغاء لا يبلغ إلى محاسنه غير خاصتهم.

وهو هنا من قبيل التشبيه لا من الاستعارة لأن فيه ذكر المشبه والمشبه به وأداة التشبيه وهي لفظ مثل.

فجملة: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ واقعة من الجمل الماضية موقع البيان والتقرير والفذلكة، فكان بينها وبين ما قبلها كمال الاتصال فلذلك فصلت ولم تعطف، والحالة التي وقع تمثيلها سيجئ بيانها في آخر تفسير الآية.

وأصل المثل بفتحتين هو النظير والمشابه، ويقال أيضاً مثل بكسر الميم وسكون الثاء، ويقال: مثيل كما يقال: شَبَه وشبْهٌ وشبيه، وبدَل وبِدْل، وبديل، ولا رابع لهذه الكلمات في مجيء فَعَل وفِعْل وفَعِيل بمعنى واحد.

وقد اختص لفظ المَثَل (بفتحتين) بإطلاقه على الحال الغريبة الشأن لأنها بحيث تمثل للناس وتوضح وتشبه سواء شبهت كما هنا، أم لم تشبه كما في قوله تعالى: ﴿ مثل الجنة ﴾ [الرعد: 35].

وبإطلاقه على قول يصدر في حال غريبة فيحفظ ويشيع بين الناس لبلاغة وإبداع فيه، فلا يزال الناس يذكرون الحال التي قيل فيها ذلك القول تبعاً لذكره وكم من حالة عجيبة حدثت ونسيت لأنها لم يصدر فيها من قول بليغ ما يجعلها مذكورة تبعاً لذكره فيسمى مثلاً وأمثال العرب باب من أبواب بلاغتهم وقد خصت بالتأليف ويعرفونه بأنه قول شبه مضربه بمورده وسأذكره قريباً.

فالظاهر أن إطلاق المثل على القول البديع السائر بين الناس الصادر من قائله في حالة عجيبة هو إطلاق مرتب على إطلاق اسم المثل على الحال العجيبة، وأنهم لا يكادون يضربون مثلاً ولا يرونه أهلاً للتسيير وجديراً بالتداول إلا قولاً فيه بلاغة وخصوصية في فصاحة لفظ وإيجازه ووفرة معنى، فالمثل قول عزيز غريب ليس من متعارف الأقوال العامة بل هو من أقوال فحول البلاغة فلذلك وصف بالغرابة أي العزة مثل قولهم: «الصيف ضيعتتِ اللبن» وقولهم: «لا يطاع لقصير أمر» وستعرف وجه ذلك.

ولما شاع إطلاق لفظ المثل (بالتحريك) على الحالة العجيبة الشأن جعل البلغاء إذا أرادوا تشبيه حالة مركبة بحالة مركبة أعني وصفين منتزعين من متعدد أتوا في جانب المشبه والمشبه به معاً أو في جانب أحدهما بلفظ المثل وأدخلوا الكاف ونحوها من حروف التشبيه على المشبه به منهما ولا يطلقون ذلك على التشبيه البسيط فلا يقولون مثل فلان كمثل الأسد وقلما شبهوا حالاً مركبة بحال مركبة مقتصرين على الكاف كقوله تعالى: ﴿ إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه ﴾ [الرعد: 14] بل يذكرون لفظ المثل في الجانبين غالباً نحو الآية هنا، وربما ذكروا لفظ المثل في أحد الجانبين كقوله: ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء ﴾ [يونس: 24] الآية وذلك ليتبادر للسامع أن المقصود تشبيه حالة بحالة لا ذات بذات ولا حالة بذات فصار لفظ المثل في تشبيه الهيئة منسياً من أصل وضعه ومستعملاً في معنى الحالة فلذلك لا يستغنون عن الإتيان بحرف التشبيه حتى مع وجود لفظ المثل فصارت الكاف في قوله تعالى: ﴿ كمثل ﴾ دالة على التشبيه وليست زائدة كما زعمه الرضى في «شرح الحاجبية»، وتبعه عبد الحكيم عند قوله تعالى: ﴿ أو كصيب ﴾ [البقرة: 19] وقوفاً مع أصل الوضع وإغضاء عن الاستعمال ألا ترى كيف استغنى عن إعادة لفظ المثل عند العطف في قوله تعالى: ﴿ أو كصيب ﴾ ولم يستغن عن الكاف.

ومن أجل إطلاق لفظ المثل اقتبس علماء البيان مصطلحهم في تسمية التشبيه المركب بتشبيه التمثيل وتسمية استعمال المركب الدال على هيئة منتزعة من متعدد في غير ما وضع له مجموعه بعلاقة المشابهة استعارة تمثيلية وقد تقدم الإلمام بشيء منه عند قوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5].

وإنني تتبعت كلامهم فوجدت التشبيه التمثيلي يعتريه ما يعتري التشبيه المفرد فيجئ في أربعة أقسام: الأول: ما صرح فيه بأداة التشبيه أو حذفت منه على طريقة التشبيه البليغ كما في هذه الآية وقوله: ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ [البقرة: 16] إذا قدرنا أولئك كالذين اشتروا كما قدمنا.

الثاني: ما كان على طريقة الاستعارة التمثيلية المصرحة بأن يذكروا اللفظ الدال بالمطابقة على الهيئة المشبه بها ويحذف ما يدل على الهيئة المشبهة نحو المثال المشهور وهو قولهم: إني أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى.

الثالث: تمثيلية مكنية وهي أن تشبه هيئة بهيئة ولا يذكر اللفظ الدال على الهيئة المشبه بها بل يرمز إليه بما هو لازم مشتهر من لوازمه، وقد كنت أعد مثالاً لهذا النوع خصوص الأمثال المعروفة بهذا اللقب نحو الصيف ضيعت اللبن وبيدي لا بيد عمرو ونحوها من الأمثال فإنها ألفاظ قيلت عند أحوال واشتهرت وسارت حتى صار ذكرها ينبئ بتلك الأحوال التي قيلت عندها وإن لم يذكر اللفظ الدال على الحالة، وموجب شهرتها سيأتي.

ثم لم يحضرني مثال للمكنية التمثيلية من غير باب الأمثال حتى كان يوم حضرت فيه جنازة، فلما دفنوا الميت وفرغوا من مواراته التراب ضج أناس بقولهم: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة» فقلت إن الذين سنوا هذه المقالة في مثل هذه الحالة ما أرادوا إلا تنظير هيئة حفرهم للميت بهيئة الذين كانوا يحفرون الخندق مع النبيء صلى الله عليه وسلم إذ كانوا يكررون هذه المقالة كما ورد في كتب السنة قصداً من هذا التنظير أن يكون حفرهم ذلك شبيهاً بحفر الخندق في غزوة الأحزاب بجامع رجاء القبول عند الله تعالى فلم يذكروا ما يدل على الشبه به ولكنهم طووه ورمزوا إليه بما هو من لوازمه التي عرف بها وهو قول النبيء تلك المقالة ثم ظفرت بقول أحمد بن عبد ربه الأندلسي: وقُلْ لمن لامَ في التصابي *** خَلِّ قليلاً عن الطريق فرأيته من باب التمثيلية المكنية فإنه حذف المشبه به وهو حال المتعرض لسائر في طريقه يسده عليه ويمنعه المرور به وأتى بشيء من لوازم هذه الحالة وهو قول السائر للمتعرض: خل عن الطريق.

رابعها: تمثيلية تبعية كقول أبي عطاء السندي: ذكرتككِ والخطيُّ يخطُر بيننا *** وقد نَهِلت منى المُثَقّفَةُ السُّمْر فأثبت النهل للرماح تشبيهاً لها بحالة الناهل فيما تصيبه من دماء الجرحى المرة بعد الأخرى كأنها لا يرويها ما تصيبه أولاً ثم أتى بنَهلتْ على وجه التبعية، ومن هذا القسم عند التفتزاني الاستعارة في (على) من قوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5] وقد تقدم الكلام عليه هناك.

فأما المثل الذي هو قول شبه مضربه بمورده، وهو الذي وعدت بذكره آنفاً فمعنى تشبيه مضربه بمورده أن تحصل حالة لها شبه بالحالة التي صدر فيها ذلك القول فيستحضر المتكلم تلك الحالة التي صدر فيها القول ويشبه بها الحالة التي عرضت وينطق بالقول الذي كان صدر في أثناء الحالة المشبه بها ليذكِّر السامع بتلك الحالة، وبأن حالة اليوم شبيهة بها ويجعل علامة ذِكر ذلك القول الذي قيل في تلك الحالة وإذا حققت التأمل وجدت هذا العمل من قبيل الاستعارة التمثيلية المكنية لأجل كون تلك الألفاظ المسماة بالأمثال قد سارت ونقلت بين البلغاء في تلك الحوادث فكانت من لوازم الحالات المشبه بها لا محالة لمقارنتها لها في أذهان الناس فهي لوازم عرفية لها بين أهل الأدب فصارت من روادف أحوالها وكان ذكر تلك الأمثال رمزاً إلى اعتبار الحالات التي قيلت فيها، ومن أجل ذلك امتنع تغييرها عن ألفاظها الواردة بها لأنها إذا غيرت لم تبق على ألفاظها المحفوظة المعهودة فيزول اقترانها في الأذهان بصور الحوادث التي قيلت فيها فلم يعد ذكرها رمزاً للحال المشبه به التي هي من روادفها لا محالة وفي هذا ما يغني عن تطلب الوجه في احتراس العرب من تغيير الأمثال حتى تسلموا من الحيرة في الحكم بين صاحب «الكشاف» وصاحب «المفتاح» إذ جعل صاحب «الكشاف» سبب منع الأمثال من التغيير ما فيها من الغرابة فقال: «ولم يضربوا مثلاً ولا رأوه أهلاً للتسيير، ولا جديراً بالتداول إلا قولاً فيه غرابة من بعض الوجوه ومن ثم حوفظ عليه وحمي من التغيير» فتردد شراحه في مراده من الغرابة، وقال الطيبي الغرابة غموض الكلام وندرته وذلك إما أن يكون بحسب المعنى وإما أن يكون بحسب اللفظ، أما الأول فكأن يرى عليه أثر التناقض وما هو بتناقض نحو قول الحكم بن عبد يغوث: رب رمية من غير رام، أي رب رمية مصيبة من غير رام أي عارف وقوله تعالى: ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ [البقرة: 179] إذ جعل القتل حياة.

وأما الثاني بأن يكون فيه ألفاظ غريبة لا تستعملها العامة نحو قول الحباب بن المنذر: «أنا جذيلها المحكك وعُذيقها المرجَّب» أو فيه حذف وإضمار نحو رمية من غير رام.

أو فيه مشاكلة نحو: «كما تدين تدان».

أراد كما تفعل تجازى.

وفسر بعضهم الغرابة بالبلاغة والفصاحة حتى صارت عجيبة وعندي أنه ما أراد بالغرابة إلا أن يكون قولاً بديعاً خاصياً إذ الغريب مقابل المألوف والغرابة عدم الإلف يريد عدم الإلف به في رفعة الشأن.

وأما صاحب «المفتاح» فجعل منعها من التغيير لورودها على سبيل الاستعارة فقال: ثم إن التشبيه التمثيلي متى شاع واشتهر استعماله على سبيل الاستعارة صار يطلق عليه المثل لا غير ا ه.

وإلى طريقته مال التفتزاني والسيد.

وقد علمت سرها وشرحها فيما بيناه.

ولورود الأمثال على سبيل الاستعارة لا تغير عن لفظها الذي ورد في الأصل تذكيراً وتأنيثاً وغيرهما.

فمعنى قولهم في تعريف المثل بهذا الإطلاق: «قول شبه مضربه بمورده» أن مضربه هو الحالة المشبهة سميت مضرباً لأنها بمنزلة مكان ضرب ذلك القول أي وضعه أي النطق به يقال ضرب المثل أي شبه ومثل قال تعالى: ﴿ أن يضرب مثلاً ما ﴾ [البقرة: 26] وأما مورده فهو الحالة المشبه بها وهي التي ورد ذلك القول أي صدر عند حدوثها، سميت مورداً لأنها بمنزلة مكان الماء الذي يرده المستقون، ويقال الأمثال السائرة أي الفاشية التي يتناقلها الناس ويتداولونها في مختلف القبائل والبلدان فكأنها تسير من بلد إلى بلد.

و ﴿ الذي استوقد ناراً ﴾ مفرد مراد به مشبه واحد لأن مستوقد النار واحد ولا معنى لاجتماع جماعة على استيقاد نار ولا يريبك كون الحالة المشبه حالة جماعة المنافقين، كأن تشبيه الهيئة بالهيئة إنما يتعلق بتصوير الهيئة المشبهة بها لا بكونها على وزن الهيئة المشبهة فإن المراد تشبيه حال المنافقين في ظهور أثر الإيمان ونوره مع تعقبه بالضلالة ودوامه، بحال من استوقد ناراً.

واستوقد بمعنى أوقد فالسين والتاء فيه للتأكيد كما هما في قولهه تعالى: ﴿ فاستجاب لهم ربهم ﴾ [آل عمران: 195] وقولهم استبان الأمر وهذا كقول بعض بني بولان من طي في «الحماسة»: نَسْتَوْقِد النبل بالحَضيض ونَصْ *** طَادُ نُفوسا بُنَتْ علَى الكرم أراد وقوداً يقع عند الرمي بشدة.

وكذلك في الآية لإيراد تمثيل حال المنافقين في إظهار الإيمان بحال طالب الوقود بل هو حال الموقد وقوله: ﴿ فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ ﴾ .

مفرع على ﴿ استوقد ﴾ .

و ﴿ لما ﴾ حرف يدل على وقوع شيء عند وقوع غيره فوقوع جوابها مقارن لوقوع شرطها وذلك معنى قولهم حرف وجود لوجود أي حرف يدل على وجود الجواب لوجود شرطها أي أن يكون جوابها كالمعلول لوجود شرطها سواء كان من ترتب المعلول على العلة أو كان ترتب المسبب العرفي على السبب أم كان ترتب المقارن على مقارنه المهيأ والمقارن الحاصل على سبيل المصادفة وكلها استعمالات واردة في كلام العرب وفي القرآن.

مثال ترتب المعلول على العلة لما تعفنت أخلاطه حُمَّ، والمسبب على السبب، ﴿ ولما جاءت رسلنا لوطاً شيء بهم وضاق بهم ذرعاً ﴾ [هود: 77]، وقولُ عمرو بن معد يكرب: لما رأيتُ نساءنا *** يفحصن بالمعزاء شدا نازَلْتُ كبشهم ولم *** أر من نزال الكبش بدا ومثال المقارن المهيأ قول امرئ القيس: فلما أَجزْنا ساحة الحي وانتحى *** بنا بطن خَبت ذي حقاف عقنقل هَصَرْتُ بفوْدَيْ رأسها فتمايلت *** عليّ هضيم الكشح ريَّا المخلخَل ومثال المقارن الحاصل اتفاقاً ﴿ ولما جاءت رسلُنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا...

﴾ [العنكبوت: 31] وقوله: ﴿ ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه ﴾ [يوسف: 69] فمن ظن أن لما تؤذن بالسببية اغتراراً بقولهم وجود لوجود حملاً لِلاَّم في عبارتهم على التعليل فقد ارتكب شططاً ولم يجد من كلام الأئمة فرطاً.

و (أضاء) يجئ متعدياً وهو الأصل لأن مجرده ضَاء فتكون حينئذٍ همزته للتعدية كقول أبي الطمحان القيني: أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم *** دُجى الليل حتى ثقب الجزع ثاقبه ويجئ قاصراً بمعنى ضاء فهمزته للصيرورة أي صار ذا ضوء فيساوي ضاء كقول امرئ القيس يصف البرق: يُضِئ سنَاه أو مصابيح راهب *** أمال السليط بالذبال المفتل والآية تحتملهما أي فلما أضاءت النار الجهات التي حوله وهو معنى ارتفاع شعاعها وسطوع لهبها، فيكون ما حوله موصولاً مفعولاً لأضاءت وهو المتبادر، وتحتمل أن تكون من أضاء القاصر أي أضاءت النار أي اشتعلت وكثر ضوءها في نفسها، ويكون ما حوله على هذا ظرفاً للنار أي حصل ضوء النار حولها غير بعيد عنها.

و ﴿ حوله ﴾ ظرف للمكان القريب ولا يلزم أن يراد به الإحاطة فحوله هنا بمعنى لديه ومن توهم أن ﴿ ما حوله ﴾ يقتضي ذلك وقع في مشكلات لم يجد منها مخلصاً إلا بعناء.

وجمع الضمير في قوله: ﴿ بنورهم ﴾ مع كونه بلصق الضمير المفرد في قوله: ﴿ ما حوله ﴾ مراعاة للحال المشبهة وهي حال المنافقين لا للحال المشبه بها؛ وهي حال المستوقد الواحد على وجه بديع في الرجوع إلى الغرض الأصلي وهو انطماس نور الإيمان منهم، فهو عائد إلى المنافقين لا إلى (الذي)، قريباً من رد العجز على الصدر فأشبه تجريد الاستعارة المفردة وهو من التفنين كقول طرفة: وفي الحي أحوى ينفض المرد شادن *** مظاهرُ سِمطَيْ لؤلؤ وزبرجد وهذا رجوع بديع، وقريب منه الرجوع الواقع بطريق الاعتراض في قوله الآتي: ﴿ والله محيط بالكافرين ﴾ [البقرة: 19] وحسنه أن التمثيل جمع بين ذكر المشبه وذكر المشبه به فالمتكلم بالخيار في مراعاة كليهما لأن الوصف لهما فيكون ذلك البعض نوعاً واحداً في المشبه والمشبه به، فما ثبت للمشبه به يلاحظ كالثابت للمشبه.

وهذا يقتضي أن تكون جملة ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ جواب (لمّا) فيكون جمع ضمائر بنورهم وتركهم إخراجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر إذ مقتضى الظاهر أن يقول ذهب الله بنوره وتركه، ولذلك اختير هنا لفظ النور عوضاً عن النار المبتدأ به، للتنبيه على الانتقال من التمثيل إلى الحقيقة ليدل على أن الله أذهب نور الإيمان من قلوب المنافقين، فهذا إيجاز بديع كأنه قيل فلما أضاءت ذهب الله بناره فكذلك ذهب الله بنورهم وهو أسلوب لا عهد للعرب بمثله فهو من أساليب الإعجاز.

وقريب منه قوله تعالى: ﴿ بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قل أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ﴾ [الزخرف: 22 24] فقوله: ﴿ أرسلتم ﴾ حكاية لخطاب أقوام الرسل في جواب سؤال محمد صلى الله عليه وسلم قومه بقوله: ﴿ أوَلو جئتكم.

﴾ وبهذا يكون ما في هذه الآية موافقاً لما في الآية بعدها من قوله تعالى: ﴿ يجعلون أصابعهم في آذانهم ﴾ إذ يتعين رجوعه لبعض المشبه به دون المشبه.

وجوز صاحب «الكشاف» أن يكون قوله: ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ استئنافاً ويكون التمثيل قد انتهى عند قوله تعالى ﴿ فلما أضاءت ما حوله ﴾ ويكون جواب (لما) محذوفاً دلت عليه الجملة المستأنفة وهو قريب مما ذكرته إلا أن الاعتبار مختلف.

ومعنى ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ : أطفأ نارهم فعبر بالنور لأنه المقصود من الاستيقاد، وأسند إذهابه إلى الله تعالى لأنه حصل بلا سبب من ريح أو مطر أو إطفاء مطفئ، والعرب والناس يسندون الأمر الذي لم يتضح سببه لاسم الله تعالى كما تقدم عند قوله: ﴿ ويمدهم في طغيانهم ﴾ [البقرة: 15] و ﴿ ذهب ﴾ المعدى بالباء أبلغ من أذهب المعدى بالهمزة وهاته المبالغة في التعدية بالباء نشأت من أصل الوضع لأن أصل ذهب به أن يدل على أنهما ذهبا متلازمين فهو أشد في تحقيق ذهاب المصاحب كقوله: ﴿ فلما ذهبوا به ﴾ [يوسف: 15] وأذهبه جعله ذاهباً بأمره أو إرساله فلما كان الذي يريد إذهاب شخص إذهاباً لا شك فيه يتولى حراسة ذلك بنفسه حتى يوقن بحصول امتثال أمره صار ذهب به مفيداً معنى أذهبه، ثم تنوسي ذلك بكثرة الاستعمال فقالوا ذهب به ونحوه ولو لم يصاحبه في ذهابه كقوله: ﴿ يأتي بالشمس من المشرق ﴾ [البقرة: 258] وقوله: ﴿ وجاء بكم من البدو ﴾ [يوسف: 100] ثم جعلت الهمزة لمجرد التعدية في الاستعمال فيقولون: ذهب القمار بمال فلان ولا يريدون أنه ذهب معه، ولكنهم تحفظوا ألا يستعملوا ذلك إلا في مقام تأكيد الإذهاب فبقيت المبالغة فيه.

وضمير المفرد في قوله ﴿ وما حوله ﴾ مراعاة للحال المشبهة.

واختيار لفظ النور في قوله: ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ دون الضوء ودون النار لأن لفظ النور أنسب؛ لأن الذي يشبه النار من الحالة المشبهة هو مظاهر الإسلام التي يظهرونها وقد شاع التعبير عن الإسلام بالنور في القرآن فصار اختيار لفظ النور هنا بمنزلة تجريد الاستعارة لأنه أنسب بالحال المشبهة، وعبّر عما يقابله في الحال المشبه بها بلفظ يصلح لهما أو هو بالمشبه أنسب في اصطلاح المتكلم كما قدمنا الإشارة إليه في وجه جمع الضمير في قوله: ﴿ بنورهم.

﴾ ﴿ وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات لاَّ يُبْصِرُونَ ﴾ .

هذه الجملة تتضمن تقريراً لمضمون ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ لأن من ذهب نوره بقي في ظلمة لا يبصر، والقصد منه زيادة إيضاح الحالة التي صاروا إليها فإن للدلالة الصريحة من الارتسام في ذهن السامع ما ليس للدلالة الضمنية فإن قوله ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ يفيد أنهم لما استوقدوا ناراً فانطفأت انعدمت الفائدة وخابت المساعي ولكن قد يذهل السامع عما صاروا إليه عند هاته الحالة فيكون قوله بعد ذلك: ﴿ وتركهم في ظلمات لا يبصرون ﴾ تذكيراً بذلك وتنبيهاً إليه، فإنهم لا يقصدون من البيان إلا شدة تصوير المعاني ولذلك يطنبون ويشبهون ويمثلون ويصفون المعرفة ويأتون بالحال ويعددون الأخبار والصفات فهذا إطناب بديع كما في قول طرفة: ندامَايَ بيضٌ كالنجوم وقَينة *** تَرُوح إلينا بَيْن بُرد ومِجْسَد فإن قوله تروح إلينا الخ لا يفيد أكثر من تصوير حالة القينة وتحسين منادمتها، وتفيد هذه الجملة أيضاً أنهم لم يعودوا إلى الاستنارة من بعد، على ما في قوله ﴿ وتركهم ﴾ من إفادة تحقيرهم، وما في جمع ﴿ ظلمات ﴾ من إفادة شدة الظلمة وهي فائدة زائدة على ما استفيد ضمناً من جملة ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ وما يقتضيه جمع ﴿ ظلمات ﴾ من تقدير تشبيهات ثلاثة لضلالات ثلاث من ضلالاتهم كما سيأتي.

وبهذا الاعتبار الزائد على تقرير مضمون الجملة قبلها عطفت على الجملة ولم تفصل.

وحقيقة الترك مفارقة أحد شيئاً كان مقارناً له في موضع وإبقاؤه في ذلك الموضع.

وكثيراً ما يذكرون الحال التي ترك الفاعل المفعول عليها، وفي هذا الاستعمال يكثر أن يكون مجازاً عن معنى صَيَّر أو جَعَل.

قال النابغة: فلا تتركّني بالوعيد كأنني *** إلى الناس مطليٌّ به القارُ أجرب أي لا تصيرني بهذه المشابهة، وقول عنترة: جادت عليه كل عيننٍ ثرةٍ *** فترَكن كل قرارة كالدرهم يريد صيرن، والأكثر أن يكنى به في هذا الاستعمال عن الزهادة في مفعوله كما في بيت النابغة، أو عن تحقيره كما في هذه الآية.

والفرق بين ما يعتبر فيه معنى صيَّر حتى يكون منصوبه الثاني مفعولاً، وما يعتبر المنصوب الثاني معه حالاً، أنه إن كان القصد إلى الإخبار بالتخلية والتنحي عنه فالمنصوب الثاني حال وإن كان القصد أولاً إلى ذلك المنصوب الثاني وهو محل الفائدة فالمنصوب الثاني مفعول وهو في معنى الخبر فلا يحتمل واحد منهما غير ذلك معنى وإن احتمله لفظاً.

وجمع ﴿ ظلمات ﴾ لقصد بيان شدة الظلمة كقوله تعالى: ﴿ قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ﴾ [الأنعام: 63] وقول النبيء صلى الله عليه وسلم «الظلم ظلمات يوم القيامة» فإن الكثرة لما كانت في العرف سبب القوة أطلقوها على مطلق القوة وإن لم يكن تعدد ولا كثرة مثل لفظ كثير كما يأتي عند قوله تعالى: ﴿ وادعوا ثبوراً كثيراً ﴾ في سورة الفرقان (14)، ومنه ذكر ضمير الجمع للتعظيم، للواحد، وضمير المتكلم ومعه غيره للتعظيم، وصيغة الجمع من ذلك القبيل، قيل لم يرد في القرآن ذكر الظلمة مفرداً، ولعل لفظ ظلمات أشهر إطلاقاً في فصيح الكلام وسيأتي بيان هذا عند قوله تعالى: ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ في سورة الأنعام (1) بخلاف قوله تعالى: ﴿ في ظلمات ثلاث ﴾ [الزمر: 6] فإن التعدد مقصود بقرينة وصفه بثلاث.

ولكن بلاغة القرآن وكلام الرسول عليه السلام لا تسمح باستعمال جمع غير مراد به فائدة زائدة على لفظه المفرد، ويتعين في هذه الآية أن جمع (ظلمات) أشير به إلى أحوال من أحوال المنافقين كل حالة منها تصلح لأن تشبه بالظلمة وتلك هي حالة الكفر، وحالة الكذب، وحالة الاستهزاء بالمؤمنين، وما يتبع تلك الأحوال من آثار النفاق.

وهذا التمثيل تمثيل لحال المنافقين في ترددهم بين مظاهر الإيمان وبواطن الكفر فوجه الشبه هو ظهور أمر نافع ثم انعدامُه قبل الانتفاع به، فإن في إظهارهم الإسلام مع المؤمنين صورة من حسن الإيمان وبشاشته لأن للإسلام نوراً وبركة ثم لا يلبثون أن يرجعوا عند خلوهم بشياطينهم فيزول عنهم ذلك ويرجعوا في ظلمة الكفر أشد مما كانوا عليه لأنهم كانوا في كفر فصاروا في كفر وكَذب وما يتفرع عن النفاق من المذام، فإن الذي يستوقد النار في الظلام يتطلب رؤية الأشياء فإذا انطفأت النار صار أشد حيرة منه في أول الأمر لأن ضوء النار قد عوَّد بصره فيظهر أثر الظلمة في المرة الثانية أقوى ويرسخ الكفر فيهم.

وبهذا تظهر نكتة البيان بجملة: ﴿ لا يبصرون ﴾ لتصوير حال من انطفأَ نورُه بعد أن استضاء به.

ومفعول ﴿ لا يبصرون ﴾ محذوف لقصد عموم نفي المبصرات فتنزل الفعل منزلة اللازم ولا يقدَّر له مفعول كأنه قيل لا إحساس بصر لهم، كقول البحتري: شَجْوُ حساده وغيظُ عداه *** أن يَرى مبصرٌ ويسمَعَ واعٍ وقد أجمل وجه الشبه في تشبيه حال المنافقين اعتماداً على فطنة السامع لأنه يَمْخَضه من مجموع ما تقدم من شرح حالهم ابتداء من قوله: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله ﴾ [البقرة: 8] الخ ومما يتضمنه المثَلان من الإشارة إلى وجوه المشابهة بين أجزاء أحوالهم وأجزاء الحالة المشبه بها، فإن إظهارهم الإيمان بقولهم: ﴿ آمنا بالله ﴾ وقولهم: ﴿ إنما نحن مصلحون ﴾ [البقرة: 11] وقولهم عند لقاء المؤمنين: ﴿ آمنا ﴾ [البقرة: 14] أحوالٌ ومظاهر حسنة تلوح على المنافقين حينما يحضرون مجلس النبيء صلى الله عليه وسلم وحينما يتظاهرون بالإسلام والصلاةِ والصدقةِ مع المسلمين ويصدر منهم طيِّب القول وقويم السلوك وتشرق عليهم الأنوار النبوية فيكاد نور الإيمان يخترق إلى نفوسهم ولكن سرعان ما يعقب تلك الحالة الطيبةَ حالةٌ تضادها عند انفضاضهم عن تلك المجالس الزكية وخلوصهم إلى بطانتهم من كبرائهم أو من أتباعهم فتعاودهم الأحوال الذميمة من مزاولة الكفر وخداع المؤمنين والحقد عليهم والاستهزاء بهم ووصفهم بالسفه، مُثِّلَ ذلك التظاهر وذلك الانقلاب بحال الذي استوقد ناراً ثم ذهب عنه نورها.

ومن بدائع هذا التمثيل أنه مع ما فيه من تركيب الهيأة المشبه بها ومقابلتها للهيأة المركبة من حالهم هو قابل لتحليله بتشبيهاتتٍ مفردة لكل جزء من هيأة أحوالهم بجزء مفرد من الهيأة المشبه بها فشبه استماعهم القرآن باستيقاد النار، ويتضمن تشبيه القرآن في إرشاد الناس إلى الخير والحق بالنار في إضاءة المسالك للسالكين، وشبه رجوعهم إلى كفرهم بذهاب نور النار، وشبه كفرهم بالظلمات، ويشبهون بقوم انقطع إبصارهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا ﴾ المَثَلُ بِالتَّحْرِيكِ والتَّسْكِينِ، والمَثَلُ بِالتَّحْرِيكِ مُسْتَعْمَلٌ في الأمْثالِ المَضْرُوبَةِ، والمِثْلِ بِالتَّسْكِينِ مُسْتَعْمَلٌ في الشَّيْءِ المُماثِلِ لِغَيْرِهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ كَمَثَلِ الَّذِي أوْقَدَ، فَدَخَلَتِ السِّينُ زائِدَةً في الكَلامِ، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ اسْتَوْقَدَ مِن غَيْرِهِ نارًا لِلضِّياءِ، والنّارُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ النُّورِ.

﴿ فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ﴾ يُقالُ: ضاءَتْ في نَفْسِها، وأضاءَتْ ما حَوْلَها قالَ أبُو الطَّمَحانِ: أضاءَتْ لَهم أحْسابُهم ووُجُوهُهم دُجى اللَّيْلِ حَتّى نَظَّمَ الجِزْعَ ثاقِبُهْ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نُورُ المُسْتَوْقِدِ، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ.

والثّانِي: بِنُورِ المُنافِقِينَ، لِأنَّ المَثَلَ مَضْرُوبٌ فِيهِمْ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وَفي ذَهابِ نُورِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الأصَمِّ: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ في الآخِرَةِ، حَتّى صارَ ذَلِكَ سِمَةً لَهم يُعْرَفُونَ بِها.

والثّانِي: أنَّهُ عَنى النُّورَ الَّذِي أظْهَرُوهُ لِلنَّبِيِّ  مِن قُلُوبِهِمْ بِالإسْلامِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ وَتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لَمْ يَأْتِهِمْ بِضِياءٍ يُبْصِرُونَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهم مِنهُ، كَما يُقالُ: تَرَكْتُهُ في الدّارِ، إذا لَمْ تُخْرِجْهُ مِنها، وكَأنَّ ما حَصَلُوا فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ بَعْدَ الضِّياءِ أسْوَأُ حالًا، لِأنَّ مَن طُفِئَتْ عَنْهُ النّارُ حَتّى صارَ في ظُلْمَةٍ، فَهو أقَلُّ بَصَرًا مِمَّنْ لَمْ يَزَلْ في الظُّلْمَةِ، وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُنافِقِينَ.

وَفِيما كانُوا فِيهِ مِنَ الضِّياءِ، وجُعِلُوا فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ضِياءَهم دُخُولُهم في الإسْلامِ بَعْدَ كُفْرِهِمْ، والظُّلْمَةَ خُرُوجُهم مِنهُ بِنِفاقِهِمْ.

والثّانِي: أنَّ الضِّياءَ يَعُودُ لِلْمُنافِقِينَ بِالدُّخُولِ في جُمْلَةِ المُسْلِمِينَ، والظُّلْمَةَ زَوالُهُ عَنْهم في الآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ وهَذا جَمْعُ: أصَمَّ، وأبْكَمَ، وأعْمى، وأصْلُ الصَّمَمِ الِانْسِدادُ، يُقالُ: قَناةٌ صَمّاءُ، إذا لَمْ تَكُنْ مُجَوَّفَةً، وصَمَّمْتَ القارُورَةَ، إذا سَدَدْتَها، فالأصَمُّ: مَنِ انْسَدَّتْ خُرُوقُ مَسامِعِهِ.

أمّا البَكَمُ، فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ آفَةٌ في اللِّسانِ، لا يَتَمَكَّنُ مَعَها مِن أنْ يَعْتَمِدَ عَلى مَواضِعِ الحُرُوفِ.

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُولَدُ أخْرَسَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المَسْلُوبُ الفُؤادِ، الَّذِي لا يَعِي شَيْئًا ولا يَفْهَمُهُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الخَرَسِ وذَهابِ الفُؤادِ.

وَمَعْنى الكَلامِ، أنَّهم صُمٌّ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ، بُكُمٌ عَنِ التَّكَلُّمِ بِهِ، عُمْيٌ عَنِ الإبْصارِ لَهُ، رَوى ذَلِكَ قَتادَةُ، ﴿ فَهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ يَعْنِي إلى الإسْلامِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والصابوني في المائتين عن ابن عباس قي قوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ الآية.

قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين، كانوا يعتزون بالإِسلام، فيناكحهم المسلمون، ويوارثونهم، ويقاسمونهم الفيء.

فلما ماتوا سلبهم الله العز كما سلب صاحب النار ضوءه ﴿ وتركهم في ظلمات ﴾ يقول في عذاب ﴿ صم بكم عمي ﴾ لايسمعون الهدى، ولا يبصرونه، ولا يعقلونه ﴿ أو كصيب ﴾ هو المطر.

ضرب مثله في القرآن ﴿ فيه ظلمات ﴾ يقول: ابتلاء ﴿ ورعد وبرق ﴾ تخويف ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ يقول: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين ﴿ كلما أضاء لهم مشوا فيه ﴾ يقول: كلما أصاب المنافقون من الإِسلام عزاً اطمأنوا، فإن أصاب الإِسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر كقوله: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف..

﴾ [ الحج: 11] الآية.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناسٍ من الصحابة في قوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً...

﴾ الآية.

قال: إن ناساً دخلوا في الإِسلام مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ثم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة، فأوقد ناراً ف ﴿ أضاءت ما حوله ﴾ من قذى أو أذى، فأبصره حتى عرف ما يتقي.

فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فكذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلال من الحرام، والخير من الشر، بينا هو كذلك إد كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر، فهم ﴿ صم بكم ﴾ فهم الخرس ﴿ فهم لا يرجعون ﴾ إلى الإِسلام.

وفي قوله: ﴿ أو كصيب...

﴾ الآية.

قال: كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله.

فيه رعد شديد، وصواعق، وبرق، فجعلا كلما أصابتهما الصواعق يجعلان أصابعهما في آذانهما من الفرق، أن تدخل الصواعق في مسامعهما فتقتلهما، وإذا لمع البرق مشيا في ضوئه، وإذا لم يلمع لم يبصرا.

قاما مكانهما لا يمشيان، فجعلا يقولان.

ليتنا قد أصبحنا، فنأتي محمداً فنضع أيدينا في يده، فأصبحا فأتياه فأسلما، ووضعا أيديهما في يده وحسن إسلامهما.

فضرب الله شأن هذين المنافقين الخارجين، مثلاً للمنافقين الذين بالمدينة، وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقاً من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم شيء، أو يذكروا بشيء، فيقتلوا كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما ﴿ كلما أضاء لهم مشوا فيه ﴾ فإذا كثرت أموالهم وولدهم، وأصابوا غنيمة وفتحاً ﴿ مشوا فيه ﴾ وقالوا: إن دين محمد حينئذ صدق، واستقاموا عليه كما كان ذانك المنافقان يمشيان إذا أضاء بهما البرق ﴿ وإذا أظلم عليهم قاموا ﴾ فكانوا إذا هلكت أموالهم وولدهم، وأصابهم البلاء، قالوا هذا من أجل دين محمد، وارتدوا كفاراً، كما كان ذانك المنافقان حين أظلم البرق عليهما.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي.

مثله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ قال: ضربه الله مثلاً للمنافق.

وقوله: ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ أما (النور) فهو إيمانهم الذي يتكلمون به، وأما (الظلمة) فهي ضلالهم وكفرهم.

وفي قوله: ﴿ أو كصيب ﴾ الآية.

قال (الصيب) المطر.

وهو مثل المنافق في ضوء ما تكلم بما معه من كتاب الله، وعمل مراءاة للناس، فإذا خلا وحده عمل بغيره، فهو في ظلمة ما أقام على ذلك، وأما (الظلمات) فالضلالة، وأما (البرق) فالإِيمان.

وهم أهل الكتاب ﴿ وإذا أظلم عليهم ﴾ فهو رجل يأخذ بطرف الحق لا يستطيع أن يجاوزه.

وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ مثلهم...

﴾ الآية.

قال: ضرب الله مثلاً للمنافقين يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفأوه بكفرهم ونفاقهم، فتركهم في ظلمات الكفر لا يبصرون، هدى ولا يستقيمون على حق ﴿ صم بكم عمي ﴾ عن الخير ﴿ فهم لا يرجعون ﴾ إلى هدى، ولا إلى خير.

وفي قوله: ﴿ أو كصيب..

﴾ الآية.

يقول: هم من ظلمات ما هم فيه من الكفر، والحذر من القتل، على الذي هم عليه من الخلاف والتخويف منكم، على مثل ما وصف من الذي هو في ظلمة الصيب، فجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق ﴿ حذر الموت والله محيط بالكافرين ﴾ منزل ذلك بهم من النقمة ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ أي لشدة ضوء الحق ﴿ كلما أضاء لهم مشوا فيه ﴾ أي يعرفون الحق ويتكلمون به فهم من قولهم به استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر ﴿ قاموا ﴾ أي متحيرين ﴿ ولو شاء الله لذهب بسمعهم ﴾ أي لما سمعوا، تركوا من الحق بعد معرفته.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ قال: أما إضاءة النار فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى، وذهاب نورهم إقبالهم إلى الكافرين والضلالة، وإضاءة البرق وإظلامه على نحو ذلك المثل ﴿ والله محيط بالكافرين ﴾ قال: جامعهم في جهنم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للمنافق.

إن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فناكح بها المسلمين، ووارث بها المسلمين، وغازى بها المسلمين، وحقن بها دمه وماله.

فلما كان عند الموت لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في عمله، فسلبها المنافق عند الموت، فترك في ظلمات وعمى يتسكع فيها.

كما كان أعمى في الدنيا عن حق الله وطاعته صم عن الحق فلا يبصرونه ﴿ فهم لا يرجعون ﴾ عن ضلالتهم، ولا يتوبون ولا يتذكرون ﴿ أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للمنافق لجبنه، لا يسمع صوتاً إلا ظن أنه قد أتي، ولا يسمع صياحاً إلا ظن أنه قد أتي، ولا يسمع صياحاً إلا ظن أنه ميت.

أجبن قوم، وأخذله للحق.

وقال الله في آية أخرى ﴿ يحسبون كل صيحة عليهم ﴾ [ المنافقون: 4] ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ الآية.

قال: ﴿ البرق ﴾ هو الإِسلام و(الظلمة) هو البلاء والفتنة.

فإذا رأى المنافق من الإِسلام طمأنينة، وعافية، ورخاء، وسلوة من عيش ﴿ قالوا: إنا معكم ﴾ ومنكم، وإذا رأى من الإِسلام شدة، وبلاء، فقحقح عند الشدة فلا يصبر لبلائها، ولم يحتسب أجرها، ولم يرج عاقبتها.

إنما هو صاحب دنيا لها يغضب، ولها يرضى، وهو كما هو نعته الله.

واخرج ابن وكيع وعبد بن حميد وأبو يعلى في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو كصيب من السماء ﴾ قال: المطر.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد والربيع وعطاء.

مثله.

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الصيب من ههنا.

وأشار بيده إلى السماء» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يكاد البرق ﴾ قال: يلتمع ﴿ يخطف أبصارهم ﴾ ولما يخطف.

وكل شيء في القرآن (كاد، وأكاد، وكادوا) فإنه لا يكون أبداً.

وأخرج وكيع عن المبارك بن فضالة قال: سمعت الحسين يقرأها ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾ الآية.

قال أبو عبيد عن الفراء: يقال (١) (٢) وقال الليث: المثل: الشيء الذي يضرب (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) والِمثَال: القصاص لتسوية (٨) و (الأمثال) (٩) (١٠) و (الأمثال): متداولة سائرة في البلاد، وفيها حكم عجيبة وفوائد كثيرة، وقد ذكر الله تعالى الأمثال في غير موضع من كتابه، لما (١١) والمقصود بالمثل: البيان عن حال الممثل (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) فمواعيد عرقوب علم (١٦) (١٧) وذُكِر لفظ (المثل) لأن المراد تشبيه الحالة بالحالة، وذكرنا أن لفظ المثل (١٨) ﴿ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾ لم يُعرف ما الغرض من التشبيه، فإذا ذكر لفظ المثل عُلم أن المراد تشبيه الحال بالحال (١٩) و ﴿ اسْتَوْقَدَ ﴾ بمعنى: أوقد (٢٠) (٢١) وقال بعضهم: استوقد، معناه: استدعى بالنار الضياء (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقال أبو عبيد: أَضَاءَت النار، وأَضَاءَها غيرها (٢٨) أَضاءتْ لهم أَحَسابُهُم وَوُجُوههم ...

دُجَى الليْلِ حتَّى نَظَّم الجَزْعَ ثَاقِبُهْ (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ مَا حَوْلَهُ ﴾ .

محل (ما) منصوب بوقوع الإضاءة عليه، و (حوله) نصب على الظرف (٣٣) (٣٤) (٣٥) أهَدَمُوا بَيْتَكَ لا أبَالَكا ...

وأنا أمْشِي (٣٦) (٣٧) و (النور) ضد الظلمة، ويقال: نار الشيء وأنار واستنار بمعنى واحد، وأنار الشيء (٣٨) (٣٩) (٤٠)  - فريضة فأنارها زيد بن ثابت) (٤١) فأما التفسير: فقال ابن عباس وقتادة والضحاك ومقاتل والسدي: يقول: مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد ناراً في ليلة (٤٢) (٤٣) (٤٤) وهذا القول اختيار الزجاج، لأنه قال: هذا المثل ضربه الله للمنافقين في تجملهم بظاهر الإسلام، فمثل ما تجملوا به من الإسلام كمثل النار التي يستضيء (٤٥) (٤٦) وعلى ما قاله أبو إسحاق: التمثيل وقع بين تجملهم (٤٧) (٤٨) وقال غيره: معنى الآية: مثل استضاءتهم (٤٩) (٥٠) وهذا قول الفراء، لأنه قال: شبههم وهم جماعة بالذي استوقد نارًا وهو واحد؛ لأنه تشبيه (٥١) (٥٢) ﴿ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ  ﴾ يعني كدوران عين الذي يغشى عليه، وكقوله: ﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ  ﴾ ، يعني إلا كخلق وكبعث نفس واحدة.

قال: ولو أراد تشبيه الذوات لقال: (كالذين)، كما قال: ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾ \[المنافقون 40\] وقال: ﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ  ﴾ وعلى هذا ﴿ الَّذِي ﴾ في قوله: ﴿ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ﴾ واحد (٥٣) وقوله تعالى بعد هذا: ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ .

قال الزجاج: معناه والله أعلم إطلاع الله المؤمنين على كفرهم، فقد ذهب منهم نور الإسلام بما أظهر الله عز وجل من كفرهم، ويجوز أن يكون ذهب الله بنورهم في الآخرة، لأن الله عز وجل قد جعل للمؤمنين في الآخرة نورا، وسلب الكافرين ذلك النور، وهو قوله: ﴿ انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا ﴾ (٥٤) ومثل هذا قال الفراء، فقال: إنما قال: ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ لأن المعنى ذهب إلى المنافقين (٥٥) فعلى قول هذين (٥٦) (٥٧) وكان يجب في حق النظم أن يكون اللفظ (٥٨) (٥٩) (٦٠) وفيها طريق آخر: وهو أن ﴿ الَّذِي ﴾ في قوله: ﴿ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾ المراد به الجماعة.

وهو مذهب ابن قتيبة (٦١) ﴿ الَّذِي ﴾ قد يأتي مؤديا عن الجمع (٦٢) وإنَّ الذي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُم ...

هُمُ القَوْمُ كُل القَوْمِ يا أُمَّ خَالِد (٦٣) ويقال في الواحد: (اللذ) وفي التثنية: (اللذا) وهو لغة لبعض العرب قد وردت في الأشعار (٦٤) وقال ابن الأنباري: (الذي) في هذه الآية، واحد في معنى الجمع (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) (٦٩) (٧٠) (٧١) (٧٢) (٧٣) وعلى هذا القول، الكناية في قوله: ﴿ بِنُورِهِم ﴾ راجعة إلى المستوقدين (٧٤) (٧٥) وإنما قال: بنورهم والمذكور في أول الآية النار، لأن النار شيئان، النور والحرارة، والنور هاهنا كان أجدى (٧٦) (٧٧) وذكر صاحب النظم في الآية طريقة ثالثة، وهو أنه قال: العلة في توحيد ﴿ الَّذِي ﴾ (٧٨) ﴿ بِنُورِهِم ﴾ أن المستوقد كان واحداً من جماعة تولى الاستيقاد لهم، وكانت الكناية في الاستيقاد عنه خصوصا دون أصحابه لتوليه ذلك دونهم، فلما ذهب الضوء، رجع ذهابه عليهم جميعا، فرجع الخبر إلى جماعتهم لما عموا به.

(١) في (ب): (ويقال).

(٢) "تهذيب اللغة" (مثل) 4/ 3341.

(٣) في (ب): (لا يضرب) و (ج) (ضرب).

(٤) "تهذيب اللغة" (مثل) 4/ 3341.

(٥) أورد الميداني كلام المبرد في "مجمع الأمثال" 1/ 7.

(٦) في "مجمع الأمثال" (يشبه به).

(٧) في (ب): (ذلك).

وفي "مجمع الأمثال": (فلان أمثل من فلان) 1/ 7.

(٨) في (أ) (لتشويه).

وقوله: (المثال القصاص لتسوية الحالتين) ليس في "مجمع الأمثال" 1/ 7.

(٩) في (ب): (الامتثال).

(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١١) في (ب): (التي فيها).

(١٢) في (ب): (الممتثل).

(١٣) هو كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني، شاعر مشهور، وصحابي معروف، قدم على رسول الله صلى الله عيه وسلم وأسلم وأنشده قصيدته المشهورة (بانت سعاد).

انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 890، "الإصابة" 3/ 295.

(١٤) في (ب): (لها) وهي رواية للبيت.

(١٥) بيت من قصيدة كعب (بانت سعاد) المشهورة التي قالها أمام الرسول  فأعطاه بردته، و (عرقوب): اسم رجل مشهور بخلف الوعد فيضرب به المثل، فيقال: (مواعيد عرقوب)، أورد القصيدة ابن هشام في "السيرة" 4/ 152، وأورد بعضها ابن قتيبة في "الشعر والشعراء" ص 80، وورد البيت المستشهد به في "الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة" 1/ 177، "مجمع الأمثال" للميداني 1/ 7.

(١٦) في (ج): (مثالا).

(١٧) انتهى كلام المبرد، وقد ذكره الميداني في مقدمة "مجمع الأمثال" واختصر بعضه، 1/ 7.

(١٨) في (ب): (الملك).

(١٩) انظر: "الطبري" 1/ 140، "معاني القرآن" للفراء 1/ 15، "الكشاف" 1/ 197.

(٢٠) (أوقد) ساقط من (ب).

(٢١) فعلى هذا (السين) و (التاء) زائدتان: انظر "معاني القرآن" للأخفش 1/ 208، "تأويل مشكل القرآن" ص 362، "تفسير الطبري" 1/ 143، "تفسير ابن عطية" 1/ 183، "زاد المسير" 1/ 39، "القرطبي" 1/ 183، "البحر" 1/ 75.

(٢٢) وقيل: المراد طلب من غيره أن يوقد له.

انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 184، "زاد == المسير" 1/ 39.

وقيل: طلب الوقود وسعى في تحصيله، وهو سطوع النار وأرتفاع لهبها.

انظر: "تفسير البيضاوي" 1/ 11، "تفسير أبي السعود" 1/ 50، وانظر.

"البحر" 1/ 78.

(٢٣) وهو اختيار الأخفش وابن جرير وغيرهم كما سبق.

(٢٤) وبعضهم جعلها مشتقة من نار ينور إذا نفر، لأن فيها حركة واضطرابا، والنور مشتق منها.

ذكره الزمخشري في "الكشاف" 1/ 197، انظر: "معجم مقاييس اللغة" (نور) 5/ 368.

(٢٥) انظر "تهذيب اللغة" (نار) 4/ 3479، وفي "القرطبي" جمعها (نور وأنوار ونيران)، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 184.

(٢٦) الفعل الواقع هو المتعدي إلى مفعول به أو أكثر.

والمطاوعة: هي قبول فاعل فعل أثر فاعل فعل آخر يلتقيان في الاشتقاق، مثل: أدبته فتأدب، فالتأدب أثر التأديب.

انظر (معجم المصطلحات النحوية والصرفية) ص 141، 245.

(٢٧) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 35 أ، ب، "الصحاح" (ضوأ) 1/ 60، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 184، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 185، "زاد المسير" 1/ 39، "الكشاف" 1/ 198.

(٢٨) "تهذيب اللغة" (ضاء) 3/ 2077.

(٢٩) في (أ)، (ج) (ناقبه) بالنون وما في (ب) موافق لجميع المصادر.

والبيت نسبه بعضهم لأبي الطمحان القيني، وبعضهم للقيط بن زرارة، يقول: إن أحسابهم == طاهرة زكية، فدجى الليل تنكشف من نور أحسابهم، حتى إن ثاقب الضوء يسهل نظم الجزع لناظمه، ورد البيت في "الكامل" 3/ 129، "الحماسة بشرح المرزوقي" 4/ 1598، "أمالي المرتضى" 1/ 257، "الشعر والشعراء" ص 475، "الصناعتين" ص 360، "خزانة الأدب" 8/ 95، "اللسان" (خضض) 2/ 1186، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 185.

(٣٠) انظر "الصحاح" (ضوأ) 1/ 60، "تهذيب اللغة" (ضاء) 3/ 2077، "اللسان" (ضوأ) 5/ 2618.

(٣١) انظر: "القرطبي" في: "تفسيره" 1/ 185، "زاد المسير" 1/ 39.

(٣٢) أي متعد، وقيل: لازم، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 184، "الكشاف" 1/ 198، "زاد المسير" 1/ 39، "البحر المحيط" 1/ 78، "الدر المصون" 1/ 160.

(٣٣) هذا على أن (أضاء) متعد، فإن كان لازما، فالفاعل ضمير النار، و (ما) زائدة، وأجاز الزمخشري: أن تكون موصولة فاعله، وحوله منصوب على الظرفية.

انظر (إعراب القرآن) للنحاس 1/ 143، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 21، "تفسير ابن عطية" 1/ 184، "الكشاف" 1/ 198، "البحر المحيط" 1/ 178، "الدر المصون" 1/ 160.

(٣٤) الرِجز للزَّفَيَان السعدي، يروى البيت (حَوْلَيَه) و (حَولِيه) و (حَوْلَيْهْ) ورد البيت عند أبي زيد ص331، وفي "التهذيب" (حال) 1/ 710، "الخصائص" 1/ 332، وليس في "كلام العرب" لابن خالويه ص 41، "اللسان" (روى) 2/ 1055.

قال محقق "نوادر أبي زيد": المثبت هنا رواية أبي زيد والبصريين على أنه من الرجز وهي == (حَوْلَيَهْ) وأما رواية الكوفيين للأبيات فعلى أنها من السريع (حَوْلَيْهْ ...)، ص 331.

(٣٥) في (ب): (للحسك) والحِسْل: ولد الضب.

"تهذيب اللغة" (حسل) 4/ 303.

(٣٦) في (ب): (استي).

(٣٧) الرجز من "شواهد سيبويه" 1/ 351، وهو في "الكامل" 2/ 198، "المخصص" 13/ 226، "أمالي الزجاجي" ص130، "همع الهوامع" 1/ 135، "اللسان" (حول) 2/ 1055 الدألي.

مشية فيها تثاقل، وهو من تكاذيب الأعراب يزعمون أنه من قول الضب لولده أيام كانت الأشياء تتكلم.

(٣٨) في (ب): (للشيء).

(٣٩) انظر: "تهذيب اللغة" (نار) 4/ 3482.

(٤٠) (بن الخطاب) سقط من (ب).

(٤١) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" ولفظه: (فرض عمر بن الخطاب للجد ثم أنارها زيد بن ثابت)، أي: نورها وأوضحها "تهذيب اللغة" (نار) 4/ 3479، ونحوه عند ابن الجوزي في "غريب الحديث" 2/ 440، وعند ابن الأثير في "النهاية" 5/ 125.

وأخرج عبد الرزاق في "المصنف" بسنده عن الزهري نحوه ولفظه: (إنما هذِه فرائض عمر، ولكن زيدا أثارها بعده وفشت عنه)، "المصنف" 10/ 266، 267 رقم (19060) و (19061)، ونحوه في "كنز العمال" عن عبد الرزاق 11/ 62.

(٤٢) في (ب): (ليل).

(٤٣) في (ب): (واورثوهم).

(٤٤) ذكره "الطبري" 1/ 143 - 144، من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس، وعن قتادة والضحاك ورجحه.

وذكره ابن أبي حاتم 1/ 50 عن ابن عباس.

وذكره ابن كثير عن قتادة.

انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 58، "الدر المصون" 1/ 32.

(٤٥) في (أ)، (ج): (تستضيء)، وأثبت ما في (ب) لمناسبته للسياق.

(٤٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 58.

(٤٧) في (ب): (تحكمهم).

(٤٨) في (ب): (الذي).

(٤٩) في (ب) (استضابهم).

(٥٠) ذكره "الطبري" 1/ 141.

(٥١) في (ب) (وهو لا تشبيه).

(٥٢) في (ب) (للذات).

(٥٣) انظر كلام الفراء في: "معاني القرآن" 1/ 15، نقله الواحدي بمعناه، وانظر "الطبري" في تفسيره 1/ 141.

(٥٤) كلام الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 59.

(٥٥) قال الفراء بعد هذا: (...

فجمع لذلك، ولو وحد لكان صوابًا ...) "معاني القرآن" 1/ 15.

ومعنى كلام الفراء: أن المعنى انصرف إلى المنافقين، وليس للذي استوقد نارًا، ولو كان المعنى له لقال: بنوره.

وقول الفراء (لو وحد لكان صوابًا) == أسلوب لا يتناسب مع كلام الله، لأن ما قال الله هو الصواب لا غيره.

(٥٦) أي: قول الزجاج والفراء.

(٥٧) وإلى هذا ذهب "الطبري" وغيره.

والمعنى عند "الطبري": فلما أضاءت ما حوله: ذلك أن المنافق لم يزل مستضيئا بضوء القول الذي قاله منافقا في حياته، ثم في يوم القيامة أنطفأ ذلك النور، وقال: الهاء والميم في (بنورهم) عائد على (الهاء والميم) في قوله: (مثلهم).

"الطبري" في "تفسيره" 1/ 145، وبعضهم قال: (الهاء والميم) تعود على (الذي).

انظر "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 183.

(٥٨) (أن يكون اللفظ) ساقط من (ب).

(٥٩) هذا التعبير لا يناسب مقام كتاب الله، وإن كان للعبارة وجه من الاحتمال، لكن الأولى استعمال الألفاظ والأساليب التي تليق بكلام الله الذي هو في قمة الفصاحة والبلاغة، والله سبحانه قال ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ وهذا أبلغ مما ذكر الواحدي في قوله: (أطفأ الله ناره) فالنار إذا انطفأت يمكن إيقادها، ولكن إذا ذهب نورها وسلب فلا فائدة فيها.

وكذا قوله: (وهذا طريق حسن في الآية) وهل هناك أحسن مما تكلم الله به؟!.

(٦٠) للعلماء في جواب (لما) قولان: أحدهما: أنه محذوف تقديره (خمدت وانطفأت) وهذا رأي "الطبري" في "تفسيره" 1/ 145، والزمخشري في "الكشاف" 1/ 198، وقد انتصرا لهذا الوجه ورجحاه.

ورد أبو حيان قول الزمخشري، وقال: لا ينبغي آن يفسر كلام الله بغير ما يحتمله ولا أن يزاد فيه، بل يكون الشرح طبق المشروح == من غير زيادة عليه ولا نقص منه ...)، انظر "البحر المحيط" 1/ 79، وانظر "القرطبي" في "تفسييره" 1/ 129، و"الدر المصون" 1/ 162.

(٦١) هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل: المروزي، النحوي اللغوي، سكن بغداد، له المصنفات المشهورة (223 - 276 هـ) انظر "طبقات النحويين واللغويين" ص183، "إنباه الرواة" 2/ 143، "تاريخ بغداد" 10/ 170، "وفيات الأعيان" 3/ 42.

(٦٢) انظر "تأويل مشكل القرآن" ص 361، وانظر "الكشاف" 1/ 196، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 20.

(٦٣) البيت للأشهب بن رميلة، وهو من "شواهد سيبويه"، استشهد به على حذف النون من (الذين) عند طول الصلة.

"الكتاب" 1/ 187، وكذا في "المقتضب" 4/ 146، وفي "تأويل مشكل القرآن" ص 361، "تفسير الطبري" 1/ 141، "المنصف" 1/ 67، "زاد المسير" 1/ 40، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 129، (الخزانة) 6/ 25، (شرح المفصل) 3/ 154 - 155، (همع الهوامع) 1/ 68،4/ 380، "الدر المصون" 1/ 157، "مغني اللبيب" 1/ 194، "البحر المحيط" 1/ 76، "معجم البلدان" 4/ 272، قال ياقوت: فَلْج: واد بين البصرة وحمى ضرية، وقيل: طريق تأخذ من طريق البصرة إلى اليمامة.

وقعت فيه الوقعة التي يصفها الشاعر، هم القوم كل القوم: أي الكاملون في قوميتهم.

فاعلمي ذلك وابكي عليهم يا أم خالد.

(٦٤) في (الذي) لغات منها: إثبات الياء، وحذفها مع بقاء الكسرة، وحذف الياء مع إسكان الذال، وتشديد الياء مكسورة، ومضمومة.

انظر "البحر المحيط" 1/ 74، == "الدر المصون" 1/ 159، وقال: (قال بعضهم: وقولهم: هذِه لغات ليس جيدًا؛ لأن هذِه لم ترد إلا ضرورة، فلا ينبغي أن تسمى لغات) 1/ 159، وانظر (شرح المفصل) 3/ 154.

(٦٥) ذكر نحوه الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 209، وانظر "زاد المسير" 1/ 39، "الدر المصون" 1/ 156.

(٦٦) في (ج) (في اللفظ واحد له) وفي (أ)، صححت في الهامش بإضافة (لا).

(٦٧) وقد رد على ابن قتيبة "الطبري" حيث قال: (وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة: أن (الذي) في قوله: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾ بمعنى (الذين) كما قال جل ثناؤه: ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ  ﴾ .

وكما قال الشاعر: فإن الذي ...

البيت (ثم قال: (وقد أغفل قائل ذلك فرق ما بين (الذي) في الآيتين والبيت ....

وغير جائز لأحد نقل الكلمة التي هي الأغلب في استعمال العرب على معنى، إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها).

"تفسير الطبري" 1/ 141، وانظر "البحر" 1/ 77، "الدر المصون" 1/ 157.

(٦٨) (مثل) ساقط من (ب).

(٦٩) في (ب) الذي.

(٧٠) انظر "البحر" 1/ 74.

(٧١) فأعاد الضمير في استوقد إلى لفظ الذي انظر "الدر المصون" 1/ 157.

(٧٢) بين أبي قتيبة وابن الأنباري.

(٧٣) ما بين المعقوفين فيه سقط وتقديم وتأخير في (ب).

(٧٤) وقيل يعود على معنى الذي انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 182، "الدر المصون" 1/ 163.

(٧٥) وهذا بخلاف قول الفراء والزجاج فإنه جواب فلما حسب الظاهر فقط لأن المعنى على قوليهما راجع إلى المنافقين لا إلى المستوقدين ولهذا ادعى البعض أن جواب لما محذوف وهو طفئت أو خمدت كما مر قريبا وهو قول "الطبري" والزمخشري انظر "الطبري" في "تفسيره" 1/ 143، "الكشاف" 1/ 198.

(٧٦) في (ج) أحدى.

(٧٧) "تفسير الثعلبي" 1/ 53 ب، وانظر "تفسير البيضاوي" 1/ 11، وأبي السعود في "تفسيره" 1/ 50، والقاسمي في "تفسيره" 2/ 62.

(٧٨) الذي ساقطة من (ب).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ﴾ إن كان المثل هنا بمعنى حالهم وصفتهم فالكاف للتشبيه وإن كان المثل بمعنى التشبيه فالكاف زائدة ﴿ استوقد ﴾ أي أوقد، وقيل: طلب الوقود على الأصل في استفعل ﴿ فَلَمَّآ أَضَاءَتْ ﴾ إن تعدى فما حوله مفعول به، وإن لم يتعدّ فما زائدة أو ظرفية ﴿ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ ﴾ أي أذهبه، وهذه الجملة جواب لما محذوف تقديره: طفيت النار، وذهب الله بنورهم: جملة مستأنفة والضمير عائد على المنافقين، فعلى هذا يكون ﴿ الذي ﴾ على بابه من الإفراد، والأرجح أنه أعيد ضمير الجماعة لأنه لم يقصد بالذي، واحد بعينه إنما المقصود التشبيه بمن استوقد ناراً؛ سواء كان واحداً أو جماعة، ثم أعيد الضمير بالجمع ليطابق المشبه، لأنهم جماعة، فإن قيل: ما وجه تشبيه المنافقين بصاحب النار التي أضاءت ثم أظلمت؟

فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أن منفعتهم في الدنيا بدعوى الإيمان شبيه بالنور، وعذابهم في الآخرة شبيه بالظلمة بعده، والثاني: أن استخفاء كفرهم كالنور، وفضيحتهم كالظلمة، والثالث: أن ذلك فيمن آمن منهم ثم كفر، فإيمانه نور، وكفره بعده ظلمة، ويرجح هذا قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ [المنافقون: 3] فإن قيل: لم قال: ﴿ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ ﴾ ولم يقل: أذهب الله نورهم، مشاكلة لقوله: ﴿ فَلَمَّآ أَضَاءَتْ ﴾ فالجواب: أن إذهاب النور أبلغ لأنه إذهاب للقليل والكثير، بخلاف الضوء فإنه يطلق على الكثير.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: "آذانهم" وبابه بالإمالة: نصير وأبو عمر.

"بالكافرين" وما أشبهها مما كان في محل الخفض بالإمالة: أبو عمر وقتيبة ونصير وأبو عمرو ويعقوب غير روح.

"شاء الله" حيث كان بالإمالة: حمزة وعلي وخلف وابن ذكوان.

الوقوف: "ناراً" (لا) لأن جواب "لما" منتظر لما فيها من معنى الشرط مع دخول فاء التعقيب فيها.

"لا يبصرون" (ه) "لا يرجعون" (ه) للعطف بأو وهو للتخيير، ومعنى التخيير لا يبقى مع الفصل.

ومن جعل "أو" بمعنى الواو جاز وقفه لعطفه الجملتين مع أنها رأس آية.

وقد اعترضت بينهما آية على تقدير ومثلهم كصيب.

"وبرق" (ج) لأن قوله "يجعلون" يحتمل أن يكون خبر المحذوف، أي هم يجعلون، أو حالاً عامله معنى التشبيه في الكاف، وذو الحال محذوف أي كأصحاب صيب.

"الموت" (ط) "بالكافرين" (ه) "أبصارهم" (ط) لأن كلما استئناف.

"فيه" (لا) لأن تمام المقصود بيان الحال المضاد للحال الأول "قاموا" (ط) و "أبصارهم" (ط) "قدير" (ه).

التفسير: لما جاء بحقيقة صفة المنافقين عقبها بضرب المثل تتميماً للبيان.

ولضرب الأمثال شأن ليس بالخفي في رفع الأستار عن الحقائق حتى يبرز المتخيل في معرض اليقين، والغائب كأنه شاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد.

ولأمر ما أكثر الله  في كتبه أمثاله ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس  ﴾ وفشت في كلام رسول الله  "مثل الدنيا مثل ظلك إن طلبته تباعد وإن تركته تتابع" "مثل الجليس الصالح كمثل الداري" وأمثال العرب أكثر من أن تحصى، حتى صنف فيها ككتب مشهورة.

والمثل في أصل كلامهم بمعنى المثيل وهو النظير، ثم قيل للقول السائر المشبه مضربه بمورده مثل.

ولا يخلو من غرابة، ومن ثم حوفظ عليه من التغيير.

وأما ههنا فاستعير المثل للحال أو الصفة أو القصة التي فيها غرابة ولها شأن، شبهت حالهم العجيبة الشأن من حيث إنهم أوتوا ضرباً من الهدى بحسب الفطرة، ولما نطقت به ألسنتهم من كلمة الإسلام فحقنوا دماءهم وأموالهم عاجلاً، ثم لم يتوصلوا بذلك إلى نعيم الأبد باستبطانهم الكفر فيؤول حالهم إلى أنواع الحسرات وأصناف العقوبات بحال الذي استوقد ناراً في توجه الطمع إلى تسني المطلوب بسبب مباشرة أسبابه القريبة مع تعقب الحرمان والخيبة لانقلاب الأسباب.

والمراد بالذي استوقد إما جمع كقوله ﴿ وخضتم كالذي خاضوا  ﴾ وحذف النون لاستطالته بصلته، أو قصد جنس المستوقدين، أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد ناراً، ولولا عود الضمير إلى الذي مجموعاً في قوله "بنورهم وتركهم" لم يحتج إلى التكلفات المذكورة، على أنه يمكن أن يشبه قصة جماعة بقصة شخص واحد نحو، ﴿ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار  ﴾ ووقود النار سطوعها وارتفاع لهبها، وأوقدتها أنا واستوقدتها أيضاً.

والنار جوهر لطيف مضيء حارّ محرق، والنور ضوءها وضوء كل نير واشتقاقها من نار ينور إذا نفر، لأن فيها حركة واضطراباً والإضاءة فرط الإنارة ﴿ جعل الشمس ضياء والقمر نوراً  ﴾ وهي في الآية متعدية، ويحتمل أن تكون غير متعدية، مسندة إلى ما حوله، والتأنيث للحمل على المعنى، لأن ما حول المستوقد أماكن وأشياء، أو يستتر في الفعل اللازم ضمير النار ويجعل إشراق ضوء النار حوله بمنزلة إشراق النار نفسها على أن "ما" مزيدة أو موصولة في معنى الأمكنة، و "حوله" نصب على الظرف، وتأليفه للدوران والإطافة، والعام حول لأنه يدور.

وجواب "لما ذهب الله بنورهم" فالضمير يعود إلى الذي استوقد نظراً إلى المعنى، كما أن الضمير في "حوله" راجع إليه من حيث اللفظ.

وقيل: الأولى أن يقال: جوابه محذوف مثل ﴿ فلما ذهبوا به ﴾ لما فيه من الوجازة مع الإعراب عن الصفة التي حصل عليها المستوقد بما هو أبلغ من الذكر في أداء المعنى، كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله كان ما كان من حصولهم خابطين في ظلام متحيرين خائبين فيها بعد الكدح في إحياء النار.

ثم إن سائلاً كأنه يسأل: ما بالهم قد أشبهت حالهم حال هذا المستوقد؟

فقيل له: ذهب الله بنورهم أي بنور المنافقين، وعلى هذا يحتمل أن يكون الذي مفرداً، ويمكن أن يكون بدلاً من جملة التمثيل على سبيل البيان أي مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً، وكمثل الذي ذهب الله بنورهم.

ومعنى إسناد الفعل إلى الله أنه إذا أطفئت النار بسبب سماوي كريح أو مطر فقد أطفأها الله وذهب بنور المستوقد، أو يكون المستوقد مستوقد نار لا يرضاها الله.

ثم إما أن تكون ناراً مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام، وتلك النار، متقاصرة مدة اشتعالها وإضاءتها، فمنافعها الدنيوية قليلة البقاء، وللباطل صولة، ثم تضمحل، ولريح الضلالة عصفة ثم تخفت.

ونار العرفج مثل لثروة كل طماح ﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله  ﴾ وإما ناراً حقيقية أوقدها الغواة ليتوصلوا بالاستضاءة بها إلى بعض المعاصي ويهتدوا بها في طرق العيش فأطفأها الله وخيب أمانيهم.

وإنما لم يقل ذهب الله بضوئهم على سياق "فلما أضاءت" لأن ذكر النور أبلغ في الغرض وهو إزالة النور عنهم رأساً وطمسه أصلاً، فإن الضوء شدة النور وزيادته، وذهاب الأصل يوجب زوال الزيادة عليه دون العكس.

والفرق بين "أذهبه" و "ذهب به" أن معنى "أذهبه" أزاله وجعله ذاهباً، ويقال: ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه.

وذهب السلطان بماله أخذه وأمسكه.

وما يمسك الله فلا مرسل له، فهو أبلغ من الإذهاب، وترك بمعنى طرح وخلى إذا علق بواحد، وإذا علق بشيئين كان مضمناً معنى صير فيجري مجرى أفعال القلوب كقول عنترة: "فتركته جزر السباع ينشنه" *** ومنه قوله  ﴿ وتركهم في ظلمات ﴾ والظلمة عدم النور عما من شأنه أن يستنير، وقيل: عرض ينافي النور واشتقاقها من قولهم "ما ظلمك أن تفعل كذا" أي ما منعك وشغلك لأنها تسد البصر وتمنع الرؤية.

وفي جمع الظلمة وتنكيرها وإتباعها ما يدل على أنها ظلمة لا يتراءى فيها شبحان، وفي قوله "لا يبصرون" دلالة على أن الظلمة بلغت مبلغاً يبهت معها الواصفون.

وكذا في إسقاط مفعول "لا يبصرون" وجعله من قبيل المتروك المطرح الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوي كأن الفعل غير متعدٍ أصلاً.

ومحل "لا يبصرون" إما جر صفة لظلمات أي لا يبصرون فيها شيئاً، وإما نصب مفعولاً ثانياً، أو حالاً من هم مثل ﴿ ويذرهم في طغيانهم يعمهون  ﴾ أي حال كونهم ليسوا من أهل الأبصار.

عن سعيد بن جبير: نزلت في اليهود وانتظارهم لخروج النبي  واستفتاحهم به على مشركي العرب، فلما خرج كفروا به.

وكان انتظارهم له كإيقاد النار، وكفرهم به بعد ظهوره كزوال ذلك النور ثم إنه كان من المعلوم من حالهم أنهم يسمعون وينطقون ويبصرون، لكنهم شبهوا بمن إيفت مشاعرهم فقيل لهم: صم بكم عمي، حيث سدوا عن الإصاغة إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن تنطق به ألسنتهم، وأن ينظروا ويستبصروا بعيونهم.

وإنما قلنا: إن ما في الآية تشبيه لا استعارة مع أن المشبه مطوي ذكره كما هو حق الاستعارة، لأن ذلك في حكم المنطوق به وإلا بقي الخبر بلا مبتدأ.

ومعنى "لا يرجعون" لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها تسجيلاً عليهم بالطبع، أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين لا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون وإلى حيث ابتدؤا منه كيف يرجعون.

وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي *** متأخر عنه ولا متقدم ومثله حال مريد طريقة الذي له بداية ولازم خلوته وصحبته حتى شرقت له من صفات القلب شوارق الشوق، وبرقت له من أنوار الروح بوارق الذوق، فطرقته الهواجس وأزعجته الوساوس فيرجع القهقري إلى ما كان من حضيض عالم الطبيعة، فغابت شمسه وأظلمت نفسه وفضل عن يومه أمسه.

ثم إن الله  ضرب للمنافقين مثلاً آخر ليكون كشفاً لحالهم بعد كشف، وإيضاحاً غب إيضاح، لأن المقام مقام تفصيل وإشباع.

فيكون تقدير الكلام "مثل المنافقين كمثل المستوقدين أو كمثل ذوي صيب" على معنى أن قصة المنافقين مشبهة بهاتين القصتين فإنهما سواء في صحة التشبيه بهما، فأنت مخير في التشبيه بأيتهما شئت أو بهما جميعاً نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين.

والتمثيلان جميعاً من جملة التمثيلات المركبة دون المفردة، لا يتكلف لواحد واحد شيء يقدر شبهه به، بل تراعى الكيفية المنتزعة من مجموع الكلام وهي أنهم في مقام الطمع في حصول المطالب.

ونجح المآرب لا يحظون إلا بضد المطموع فيه من مجرد مقاساة الأهوال وشدائد الأحوال، ولا يخفى أن التمثيل الثاني أبلغ لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته، ولذلك أخرج تدرجاً من الأهون إلى الأغلظ، وإنما قدرنا المضاف المحذوف حيث قلنا: أو كمثل ذوي صيب مع أنه لا يلزم في التشبيه المركب أن يلي حرف التشبيه مفرد يتأتى التشبيه به.

ألا ترى إلى قوله  ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا كماء  ﴾ كيف ولي الماء الكاف إذ التشبيه مركب، لأن الضمير في "يجعلون" لا بد له من راجع هذا هو التحقيق.

وقد يقال: شبه دين الإسلام بالصيب، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يحوم حوله من شبه الكفار بالظلمات وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق، وما يصيب الكفرة من الإفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق.

وعلى هذا يكون تقدير المضاف ضرورياً ليصبح تشبيه المنافقين بهم، ويكون المعنى "مثلهم كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة، فلقوا منها ما لقوا" ويكون ذكر المشبهات مطوياً على سنن الاستعارة.

والصيب المطر الذي يصوب أي ينزل ويقع.

ويقال للسحاب: صيب أيضاً.

وتنكير صيب للدلالة على أنه نوع من المطر شديد هائل كما نكرت النار في التمثيل الأول.

والسماء هذه المظلة، والفائدة في ذكره، والصيب لا يكون إلا من السماء، أنه جاء بالسماء معرفة فنفى أن يتصوب من سماء أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق، ولكنه غمام مطبق آخذ بآفاق السماء.

وكما جاء بصيب وفيه مبالغات من جهة التركيب من ص وب والبناء على "فيعل" والتنكير أمد ذلك بأن جعله مطبقاً، واعلم أنه إذا وقعت القوى الفلكية على العناصر بإذن الله  فحركتها وخالطتها، حصل من اختلاطها موجودات شتى.

فإذا هيج الفلك بإسخانه الحرارة بخر من الأجسام المائية، أو دخن من الأجسام الأرضية وأثار شيئاً بين البخار والدخان من الأجسام المائية والأرضية.

أما الدخان فإنه قد يتعدى صعوده حيز الهواء إلى أن يوافي تخوم النار فيشتعل، وربما سرى فيه الاشتعال فتراءى كأن كوكباً يقذف به، وربما لم يشتعل بل احترق وثبت فيه الاحتراق فرأيت العلامات الهائلة الحمرة والسواد.

وأما البخار الصاعد فمنه ما يلطف ويرتفع جداً فيتراكم وتكثر مدته في أقصى الهواء عند منقطع الشعاع، فيبرد فيكثف فيقطر فيكون المتكاثف منه سحاباً والقاطر مطراً.

ومنه ما يقصر لثقله عن الارتفاع بل يبرد سريعاً، فينزل كما يوافيه برد الليل قبل أن يتراكم سحاباً وهذا هو الطل، وربما جمد البخار المتراكم في الأعالي أعني السحاب، فنزل وكان ثلجاً، وربما جمد البخار الغير المتراكم في الأعالي أعني مادة الطل، فنزل وكان صقيعاً وهو ما يسقط بالليل من السماء شبيهاً بالثلج، وربما جمد البخار بعدما استحال قطرات ماء فكان برداً.

وإنما يكون جموده في الشتاء وقد فارق السحاب، وفي الربيع وهو داخل السحاب، وذلك إذا سخن خارجه فبطنت البرودة إلى داخله فتكاثف داخله واستحال ماء وأجمده شدة البرودة، وربما تكاثف الهواء نفسه لشدة البرد فاستحال سحاباً فاستحال مطراً.

وأما الجواهر البخارية والدخانية المركبة من مادتي الرطوبة واليبوسة، فمنها ما يتخلص من الأرض فتكون منها الرياح وإذا تصعدت فتميز البخار من الدخان انعقد البخار سحاباً فبرد فتغلغل فيه الدخان طلباً للنفوذ إلى العلو فحصل من تغلغله فيه ضرب من الرعد وهو صوت ريح عاصفة في سحاب كثيف، وربما امتد ذلك التغلغل لكثرة وصول المواد، ويكون أعالي السحاب أكثف لأن البرد هناك أشد، أو يكون هناك ريح مقاومة تعوقها عن النفوذ فيندفع إلى أسفل وقد أشعلته المحاكة والحركة ناراً تبرق فتشق السحاب شعلة كجمر يطفأ فيسمع من ذلك ضرب من الرعد.

وإن كان قوياً شديداً غليظ المادة كان صاعقة، وربما وجد مندفعاً فيه سهل الانشقاق فخرج بلا رعد واشتعال.

فهذا القدر من الحقائق في هذا المقام لا ضير في معرفتها بعد أن يعتقد انتهاء أسبابها إلى مدبر الكل  وتعالى .

ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: ارتفع "ظلمات" بالظرف على الاتفاق من سيبويه والأخفش لاعتماده على موصوف.

والصيب إن كان سحاباً فظلماته سمجته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل، وإن كان مطراً فظلماته تكاثفه وانتساجه بتتابع القطر وظلمة إظلال الغمام مع ظلمة الليل.

ثم إن كان الصيب سحاباً فكونه مكاناً للرعد والبرق ظاهر، وإن كان مطراً فكونهما متلبسين به في الجملة سوغ ذلك، وإنما لم يجمع الرعد والبرق كما قال البحتري: يا عارضاً متلفعاً ببروده *** يختال بين بروقه ورعوده وكما قيل ظلمات لأنهما في الأصل مصدران فروعي حكم الأصل، ويمكن أن يراد بهما الحدث كأنه قيل: وإرعاد وإبراق.

ونكرت هذه الأشياء لأن المراد أنواع منها كأنه قيل في ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف.

وجاز رجوع الضمير في "يجعلون" إلى أصحاب الصيب لأنه في حكم المذكور.

قال حسان: يسقون من ورد البريص عليهم *** بردى يصفق بالرحيق السلسل ذكر يصفق لأن المعنى ماء بردى وهي واد بدمشق.

والبريص نهر من أنهارها.

ويصفق أي يمزج والرحيق الخمر.

ولا محل لقوله "يجعلون" لكونه مستأنفاً كأنه قيل: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟

فقيل: يجعلون أصابعهم.

ثم سئل: فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق؟

فاجيب "يكاد البرق يخطف أبصارهم" وإنما لم يقل أناملهم مع أنها هي التي تجعل في الآذان لأن في ذكر الأصابع من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل، ولأن اسم الكل قد يطلق على البعض نحو ﴿ فاقطعوا أيديهما  ﴾ والمراد إلى الرسغ.

وليس بعض الأصابع - كالمسبحة مثلاً بجعلها في الأذن - أولى من بعض حتى يقال لم ذكر العام والمراد الخاص؟

وقوله "من الصواعق" أي من أجل الصواعق نحو: سقاه من الغيمة.

وقد تحصل مما ذكرنا أن الصاعقة قصفة رعد تنقض معها شقة من نار تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه، وهي نار لطيفة حديدة لا تمر بشيء إلا أتت عليه، إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود.

يحكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو النصف، ثم طفئت.

ويقال: صعقته الصاعقة إذا أهلكته.

فصعق أي مات إما بشدة الصوت أو بالإحراق، وبناؤها إما أن يكون صفة لقصفة الرعد، أو للرعد والتاء للمبالغة كما في الرواية، أو مصدراً كالعافية والكاذبة.

"وحذر الموت" مفعول له كقوله: وأغفر عوراء الكريم ادخاره *** وأعرض عن شتم اللئيم تكرماً والموت فساد بنية الحيوان.

وقيل: عرض معاقب للحياة لا يصح معه إحساس.

وإحاطة الله بالكافرين مجاز أي لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة، والجملة معترضة لا محل لها.

"يكاد" من أفعال المقاربة.

كاد يفعل كذا يكاد كوداً ومكاداً ومكادة وضعت لمقاربة الشيء، فعل أو لم يفعل.

فمجرده ينبئ عن نفي الفعل، ومقرونه بالجحد ينبئ عن وقوع الفعل.

وخبر كاد فعل مضارع بغير "أن" وهو ههنا "يخطف" والبرق اسمه والخطف الأخذ بسرعة، "كلما أضاء لهم" استئناف ثالث كأنه قيل: كيف يصنعون في حالتي خفوق البرق وفتوره؟

وأضاء إما متعد بمعنى كلما نور لهم ممشى ومسلكاً أخذوه والمفعول محذوف، وإما غير متعد بمعنى كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره.

والمشي جنس الحركة المخصوصة وفوقها السعي وفوقه العدو.

"وأظلم" إما لازم وهو الظاهر، وإما متعد منقول من ظلم الليل أي أظلم البرق الطريق عليهم بأن فتر عن لمعانه، ومعنى "قاموا" وقفوا وثبتوا في مكانهم من قام الماء جمد.

وإنما قيل مع الإضاءة "كلما" ومع الإظلام "إذا" لأنهم حراص على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي وتأتيه، وكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها فخطوا خطوات يسيرة، وليس كذلك التوقف والتحبس، ولو شاء الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم، وفي الضوء البرق فأعماهم.

ومفعول "شاء" محذوف، لأن الجواب يدل عليه.

والمعنى ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها، وهذا الحذف في "شاء" و "أراد" كثير لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب كقوله: فلو شئت أن أبكي دماً لبكيته *** عليه ولكن ساحة الصبر أوسع وقال عز من قائل ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه  ﴾ وكلمة "لو" تفيدانتفاء الثاني لانتفاء الأول.

وقد تجيء للمبالغة كقوله "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" والمراد أن عدم العصيان ثابت على كل حال لأنه على تقدير عدم الخوف ثابت، فعلى تقدير الخوف أولى.

والشيء أعم العام كما أن الله أخص الخاص، يجري على الجوهر والعرض والقديم والحادث بل على المعدوم والمحال.

وهذا العام مخصوص بدليل العقل، فمن الأشياء ما لا تعلق به للقادر كالمستحيل والواجب وجوده لذاته، وأما الممكن فإبقاؤه على العدم وكذا إيجاده وإبقاؤه على وجوده، لأن جميع ذلك بقدرة القادر فلا يستغنى آناً من الآنات ولحظة من اللحظات عن تأثير القادر فيه.

وقدرة كل قادر على مقدار قوته واستطاعته، ونقضيها العجز.

فلا قادر بالحق إلا هو  وتعالى .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ ﴾ .

اختلف فيه: قيل: إنها نزلت في المنافقين؛ لأَنها على أَثر ذكر المنافقين، وهو قوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

 ﴾ .

وقيل: إنها نزلت في اليهود؛ لأنه سبق ذكر اليهود، وهو قوله: ﴿ ...ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ...

 ﴾ .

ويحتمل: نزولها في الفريقين جميعاً.

ورُوي عن ابن عباس -  ما - أنه قال: "إن هذا من المكتوم" فلا يحتمل ما قال؛ لأَنه مَثَلٌ ضربه الله، والأَمثال إنما تضرب لتُفْهم وتقرِّب إلى الفهم ما بعُد منه؛ فلو حمل على ما قال لم يفهم مراده وما قرَّب إلى الفهم شيئاً، إلا أن يريد من المكتوم: أنه لم يعلم فيمن نزل، فهو محتمل، والله أعلم.

وقوله عز وجل: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً...

﴾ الآية.

يحتمل: أن يكون الإضافة إلى من ذكر من المنافقين بقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [البقرة: 8]، وقوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا...

﴾ الآية [البقرة: 14، 76].

وذلك يخرج على وجوه: أَحدها: أَنهم قصدوا قصد المخادعة بأَولياءِ الله والاستهزاءِ بهم؛ ففضحهم الله بذلك في الدنيا والآخرة.

فأَما في الدنيا فبما هتك سترهم، وأطْلَعَ على ذلك أَولياءَه؛ فعادت إليهم المخادعة، وعوقبوا بما أطلع على ضميرهم، وبما أَرادوا ذلك الأَمن، فأَعقبهم الله خوفاً دائماً كما وصفهم الله ﴿ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ...

﴾ الآية [النساء: 77].

وقال: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ  ﴾ .

وقال: ﴿ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ  ﴾ ، وقال: ﴿ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ...

﴾ الآية [الأحزاب: 19]، وقال: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية [التوبة: 64].

أو أَن يكونوا طلبوا - بإظهار الموافقة في الدين - الشرف فيهم والعز، وكذلك عند الكفرة مما أظهروا أَنهم يخادعون بذلك المؤمنين، ويستهزئون بهم؛ فعلموا أَنهم كذلك يظهرون للمؤمنين حالهم معهم، فَطُرِدوا من بينهم فقال الله: ﴿ مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ  ﴾ ، وقال: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ...

﴾ الآية [النساء: 143]، فزال عنهم ما التمسوا من الشرف والعز، وأَبدل لهم به الهوان والذل.

فمثلهم في ذلك مثلُ مستوقِد نارٍ ليستضيء بضوئها، وينتفع بِحرِّها، فأَذهب الله ضوءه حتى ذهب ما كان يأْمل من الاستنارة بها والانتفاع، وأعقبه الله  خوف الاحتراق لو دنا منها، وذهب عنه ما طلب بذلكَ - من شرف الوقود في الأَيام الشاتية، أو ما يصلح بها - من الأَغذية بذهاب البصر.

فيكون ذلك معنى قوله: ﴿ وَهُوَ خَادِعُهُمْ  ﴾ ، و ﴿ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ إذ عوقبوا بالخوف بما قصدوا به الأمنَ، والذلِّ بما طلبوا به العزَّ، وكذلك مستوقد النار الذاهب نوره، والله أعلم.

وعلى ذلك قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ...

﴾ أي: اختاروا الضلالة لما رجعوا إلى شياطينهم بالهدى الذي قد أَظهروه عند المؤمنين.

فيكون تحقيق استهزاءِ الله بهم، ومخادعته إياهم فعل أَوليائه بهم بما أخبروا من سرائِرهم، وبما حطوا أَقدارهم، وذلوا في أَعينهم، فأُضيف ذلك إلى الله؛ إذ به فعلوا، كما أُضيفت مخادعتُهم المؤمنين إليه؛ إذ عن دينه خادعوهم.

والله أعلم.

وعلى هذا التأْويل أَمكن أَن يخرج قول من زعم: أَن الآية نزلت في الكافرين، أَنهم كانوا يعرفون رسول الله  لما وجدوا نعته في التوراة والإنجيل، أنه ﴿ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ...

﴾ الآية [الأعراف: 157]، وقوله: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ  ﴾ إلى آخر السورة، وقال عز وجل: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ  ﴾ .

كانوا كمستوقد النار، أي: طالب الوقود ليستضيء به، فلما ظفر به أَذهب الله نوره بعد معرفتهم بمنفعة نور النار، فلم ينتفع به.

فكذلك لما كفروا عند بعث النبي  حسداً من أَنفسهم وبغياً؛ إذ كان من غيرهم؛ أو خشية منهم على ملكهم ومأْكلتهم بعد العلم منهم بعظم المنفعة فيه، ولا قوة إلا بالله.

وأما في الآخرة أنهم قصدوا مخادعة المؤمنين، وموالاتهم في الظاهر، ومشاركتهم إياهم في المنافع نحو المغانم والتوارث والتناكح، وخالفوهم في الباطن.

فكذلك الله أَشركهم في المنافع الظاهرة الحاضرة في الدنيا، وخالفهم بمنافع دينه في الباطن الغائب وهي الآخرة؛ أراهم المشاركة مع المؤمنين في الدنيا، وصرفها عنهم في الآخرة.

فكما أرَوْهم الموافقةَ في الظاهر مع المخالفة في الباطن، فكذلك مستوقد النار أظهر من نفسه الرغبة في ضوئها بالإيقاد، وقد أَذهب الله ضوء بصره؛ فذهب عنه مَنفعته عند ظنه أَنه يصل إليها، كالمنافقين في الآخرة، إذ ظنوا في الدنيا أنهم شركاؤهم في الآخرة لو كانت؛ ولذلك قالوا: ﴿ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ...

﴾ الآية [النساء: 141، الحديد: 14] فذلك وجه الاستهزاءِ بهم، والمخادعة أَنه أَشركهم في أَحكام الدنيا وخالفهم في أَحكام الآخرة.

وعلى ذلك اشتراء الضلالة بالهدى، على معنى اختيارهم ما فيه الهلاك على ما فيه نجاتهم.

وعلى ذلك يخرج تأْويل من صرف إلى أَهل الكتاب؛ لأَنهم آمنوا بمحمد  ؛ إذ آمنوا بكتبهم وقد كان فيها نعته الشريف، فلما وصلوا إلى منافع الإيمان بالبعث إليهم، وشاهدوا كفروا به؛ فعوقبوا بحرمان منافع كتبهم، وإيمانهم عند معاينة الجزاء كما ردّوا إيمانهم به عند المشاهدة، والله أعلم.

وروى عن ابن عباس -  ما - أنه ضم تأْويل هذه الآية والتي تتلوها من قوله: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ  ﴾ وذلك - والله أعلم - أنهم قوم لا يعرفون الله حق المعرفة؛ فيعبدونه بحق الربوبية له قبلهم، ولا يؤمنون بالآخرة؛ فيكون عملهم للعواقب، ولا يعرفون غير الدنيا ومنافعها، فجعلوا دينهم وعبادتهم ثمناً لها.

فإذا رأوا في دين الإسلام الغنائم والسلوة، رأَوا تجارتهم مربحة فطمأَنوا بها، واجتهدوا بالسعي فيها.

وإذا أَصابتهم الشدة والبلايا رأَوا تجارتهم مخسرة فصرفوا إلى غير ذلك الدين؛ فمثلهم مثل المستوقد ناراً؛ إنه يجتهد في الإيقاد ما دام يطمع في نور النار، ومنافع حرها لمصالح الأَطعمة، فإذا ذهب نور بصره أبغض النار بما يخشى من الاحتراق بالدنو منها، وبما يذهب من منافع خفية إن لم يكن كاستوقد، كالمنافق فيما استقبله المكروه في الإسلام تمنى أن لم يكن أَسلم قط.

وذلك قوله: ﴿ وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا  ﴾ .

وقوله: ﴿ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً  ﴾ .

وكذلك البرق الذي يضيء يمشي المرء في ضوئه، وكذلك المنافق، إذا رأَى خيراً فى الإسلام مشى إليه، وإذا أظلم عليه قام متحيراً حزيناً؛ أَلا يكون اختار السلوك، والله الموفق.

وقال أَبو بكر الأصمُّ: مَثَلُ من يظهر الإيمان فيما يتزين بنوره في الناس، مثل مستوقد النار فيما يستضيء حول النار بنورها، ثم يذهب الله نوره في الآخرة كما أَذهب هو في السر، وكذلك أَذهب الله نور المستوقد؛ فيذهب به التزين بالنور حول النار.

قال: وقيل: ذا لعنٌ.

كما يقال: أَذهب الله نوره، أي: الذي كان يظهره؛ فيبقى المنافق في ظلمات الآخرة، والمستوقد في ظلمات العمى والليل.

ثم قال: جعل الدعاء إلى الإسلام كالصيّب، وما فيه من الجهاد كظلمة الليل، وما فيه من الغنيمة كالبرق، وجعل أَصابعهم في الآذان من سماع ما في الإسلام من الشدائد نحو جعل ذلك من الصواعق ﴿ يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ ﴾ .

أي: ما في الإسلام من الغنيمة يدعوهم إليه.

وإذا أَظلم عليهم بالشدائد قاموا وصدوا عن رسول الله  ، ولو شاءَ الله لذهب بما ذكر، أَي: أَصمهم وأَعماهم.

وروى عن الضحاك عن ابن عباس -  ما -: "أَن ضوء البرق والنار ليسا بدائمين"؛ فشبه به إيمان المنافق أَنه عن سريع يزول.

وقال القتبي: كان المنافق في ظلمة الكفر فاهتدى بما أعطى من النور، كمستوقد النار بنوره في ظلمة الليل.

وكذلك السالك في ظلمة الليل، فلما ذهب نوره - أَو سكن لمعان البرق - رجع إلى ما فيه من الظلمة.

والأَصل في هذا الباب: أَن الله  خلق هذه الدار لمحنة أَهلها، وجعل لهم داراً يجزيهم فيها، مما لولا هي لكان يكون خلق هذه الدار بما فيها عبثاً؛ إذ يكون خلق الخلق للفناءِ بلا عواقب لهم، وذلك عبث في العقول؛ لأن كل شارع - فيما لا عاقبة له - عابث، وفيما لا يُريد معنى يكون في العقل هازلٌ؛ ولذلك قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\].

فإذا كان كذلك صارت هذه الدار دليل الأخرى؛ فعلى ذلك ضرب للأخرى مثلاً بالمعروف من هذه؛ إذ بهذه عرفت تلك؛ ولهذا خلق الله الممتَحنين بحيث يألمون ويتلذذون؛ ليعرفوا قدر الآلام التي بها أوعدوا، واللذات التي فيها رغبوا.

فعلى ذلك ضرب الله مثل من عمى عن الآخرة، وصم عن سماع ما يرغب فيها، أو عمى عن أَمر الله ونَهْيه، أو أُلحق بالأَعمى، والأَصم، والميت ونحو ذلك؛ لذهاب منافع البصر والسمع والحياة؛ إذ هي مخلوقة ليعرف بها ما غاب عنها بالتأَمل والتدبر.

فإذا غفل عن ذلك سمى بالذي ذكرنا.

وبينا أَنه لولا الآخرة ودار الجزاءِ، لم يكن لخلق شيء من ذلك حكمة نعقلها نحن.

فعلى ذلك ضرب المثل لذهاب نور القلب - الذي به يبصر العواقب وينتفع بها - بذهاب نور البصر، في زوال منافع الدنيا مما يتصل بنوره، وكذلك أَمر السمع وغيره.

فكان على ذلك أَمكن إخراج المثلين جميعاً على الكفرة والمنافقين.

أَما المنافق فإذا ذهب نور حقيقته عنه - وهو نور البصر - لم ينتفع بنور النار على قيام النار بنورها لكل ذي بصر، وكذلك سائر منافع النار؛ فمثله إذا ذهب عنه نور بصر القلب وحياته لم ينتفع بنور الآخرة وجزائِها.

وكذلك الذي ذهب عنه ضوء البرق يبقى متحيراً؛ إذ به يبصر الطريق كمن يذهب عنه بصر القلب؛ إذ به يبصر عواقب الأَشياءِ.

بل الذي قصد السلوك بالبروق، والاستضاءَة بنور النار، إذا ذهب كان أَعظمَ حسرة وأَشد خوفاً من النارِ، وشدةِ المطرِ، وخبثِ الطريق من الذي لم يعرف - في الابتداءِ - نفع النار أَو البرق، ويكره المطر على شدة رغبته فيه، والنار بما ذهب منه.

وكذلك المنافق في الآخرة إن لم يكن منه ما أظهر إذ به يُرد إلى درك الأَسفل، ولا قوة إلا بالله.

وكذلك الكافر لم يبصر - بما أَعطاه من البصر - عوقب البصر الظاهر، ولا يسمع - بما أَنعم عليه من السمع - عواقب السمع؛ إذ حق ذلك أن يؤدي ذلك ما أَدركه إلى العقل ليعتبر به أَنه لم يخلق شيء من ذلك بالاستحقاق، ولا يحتمل عقله الإحاطة بكنه ما فيه من الحكمة، فيعلم عظم نعمة الله وخروج مثله عن العبث، فيقوم بأداءِ شكره؛ وبذلك يصير به إلى الجزاءِ في العواقب، ولا قوة إلا بالله.

وقوله عز وجل: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ .

يحتمل وجهين: أَحدهما: صم؛ لأَنه ختم على آذانهم، وعلى سمعهم، وعلى قلوبهم؛ فلا يسمعون، ولا يبصرون، ولا يعقلون.

ويحتمل: أَنهم صم بكم عمي؛ لما لم ينتفعوا بأسماعهم، وأَبصارهم، وقلوبهم.

ثم اختلف في جواز إضافة لفظ "الاستهزاءِ" إلى الله  : فأجازه قوم، وإن كان ذلك قبيحاً من الخلق؛ لما قبح منهم بما لا أحد يستهزئ بأَحدٍ - إما لجهله، أَو لقبح في الخلقة، أَو لزيادة في الخلق - إلا المستهزئ نحو هذه قد يحتمل ذلك لولا إنعام الله عليه الذي قد أغفل عنه، أَو لدناءة في الخلق باشتغاله بما ذكر، مع ما لعل الإغفال من هذ أَوحش، وأَقبح من حال المستهزأ به.

ولذلك قال عز وجل: ﴿ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ...

﴾ الآية [الحجرات: 11].

وذلك نحو التكبر: أنه قبيح من الخلق، بما لهم أَشكال في الحدث، وآثار الصنعة، واحتمال كل منهم بما احتمل غيره.

وجائِز إضافته إلى الله  ، لتعاليه عن الأَشباه والأَشكال، وإحالة احتمال ما احتمل غيره، وبه يقول حسين النجار.

وأبى قوم ذلك إلا على أَثر أَحوال تصرف فهم السامع إلى معنى الاستهزاءِ، نحو أن يذكر على أثر فعل له جزاء؛ فيفهم منه جزاءُ الاستهزاءِ كذكر السيئة في الجزاء، والمكر ونحو ذلك.

ثم يخرج ما نحن فيه على أوجه: أَحدها: ما بينا.

والثاني: ما ينسب إليه فعل المأْمور، نحو قول المؤمنين للمنافقين في الآخرة: ﴿ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ  ﴾ وقول أَهل الجنة، ودعائهم أهل النار بالخروج، لو ثبت ما ذكره الكلبي، وقول الملائِكة: ﴿ فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ  ﴾ وغير ذلك.

وقوله: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَٰفِرِينَ  يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ .

ثم ما ذكر من "الظلمات" يخرج على وجوه ثلاثة: أَحدها: ظلمات كفرهم بقلوبهم؛ إذ أظهروا الإيمان أَولاً.

والثاني: المتشابه في القرآن، وهو الذي تعلق به كثير من المشركين حتى نزول قوله: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ...

 ﴾ .

والثالث: ما في الإسلام من الشدائد، والإفزاع من الجهاد، والحدود وغير ذلك.

وأَمكن صرف الأَول، والآخر إلى الفريقين: الكافر، والمنافق، وصرف تأْويل المتشابه إلى الكافر.

على أنا بيَّنا أَن لكلٍّ من ذلك حَظًّا، ويدل آخر الآية - وهو قوله: ﴿ وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ - على أن المثل لهم، إلا أن المنافق شريكهم في الكفر، والله الموفق.

وجائِز أن يكون المثل المضروب بالآية إنما هو للقوم الذين شهدوا رسول الله  ؛ لأنهم كانوا قبل بعثه صنفين: صنفٌ ينتحل الكتاب الذي هو عندهم مما جاءَ به الرسل، [لكن أَئمتهم] قد غيروا ما في كتبهم من دين الله وأَحكامه حتى عطلوا ذلك، وأَبدعوا غير الذي جاءَت به الرسل من الدين والأَحكام.

بَيَّن ذلك قولُه: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ...

﴾ الآية [آل عمران: 105].

وقوله: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ...

 ﴾ .

ومنهم من أبدع الكتاب ونسب إليهم؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ...

﴾ الآية [آل عمران: 78].

تبين ما ظهر من التفرق فيهم، ومن القول في أنبيائهم، وفي الله  ، ومعلوم أن دين الرسل واحد غير مختلف، وبما كان من الفترة اندرست الكتب، وذهبت الرسوم؛ فصاروا في ظلمة الضلالة، وحيرة الزيغ، وتاهوا في سبيل الشيطان، وانقطع من بين أظهرهم الأَئمة الذين يوثق بهم في الدين، بما ليس لأَحد برهان يشهد له بالتمسك بسبيل الأنبياءِ، والاعتصام بكتبهم؛ إِذ كلهم يدعي ذلك - وقد ظهر فيهم القول المختلف والمتناقض الذي لا تحتمله الحكمة، وَلا يصبر عليه العقل.

وصنف: لا ينتحل الكتاب، ولا يؤمن بنبي من الأَنبياءِ، بل يعبدون الأَوثان والنيران والأحجار، وما يهوون مما لا يملك الضرر ولا النفع، ليس لهم شرع، بل هم حيارى، لا يعرفون معبوداً، ولا يبصرون طريقاً، وليس فيهم مَنْ إذا فزعوا إليه دلهم على المحجة، وأطلعهم على الحق، بل هم في الضلال تائهون، وفي الظلمات متحيرون.

فأَحوج الفريقين جميعاً ما حل بهم من الحيرة والتِّيه، إلى من يشفيهم من داءِ الضلالة بنور الهدى، ومن ظلمة الاختلاف بضياءِ الائتِلاف، ويخرجهم من سبيل الشيطان إلى سبيل الله، ويَدُلُّهم على معرفة المعبود الحق لئلا يتخذوا من دونه أَرباباً.

فبعث إليهم - عند شدة حاجتهم - رسولاً، وأكرمهم بما أَراهم من الآيات التي يعلمهم بها أَنه أنعم بها عليهم؛ ليستنقذهم من الضلالة إن هم أَطاعوه، وشكروا نعمة الله.

فكانوا كقوم بُلُوا بظلماتِ الليل والسحاب، فتحيروا فيها بما حالت الظلمة بينهم وبين حاجاتهم، وتعذر عليهم الوجه فى وضع أَقدامهم، فتاهوا فدفعهم التِّيهُ إلى استيقاد النار؛ ليبلغوا حوائجهم، ويأْمنوا العَطَبَ في وضع الأَقدام.

وكقوم بُلُوا في شدة الجوع والعطش لضيق الزمان وجَدْبِهِ، فاستغاثوا بمن يملك كشف ذلك عنهم فأَغاثهم بالمطر.

ثم منهم من عرف نعمة من أَنعم عليهم بالوقود وأَغاثهم بالمطر، فتلقوا نعمته بالشكر فنجوا بذلك فما خشوا من الهلاك، ووصلوا إلى حوائِجهم بالنار والمطر.

وذلك مثل من اتبع محمداً  وعرف نعم الله فشكره.

ومنهم من تلقى نور النار بالكفران والجهل بالمنعم به عليه، ونسي ما كان عليه، وهو قوله: ﴿ فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ  ﴾ آيات فيها ذكر ما بَينت، وقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ...

﴾ الآية [الإسراء: 67]، فأَذهب الله نورَهُ فلا ينتفع بنور النار، ولا وَصل إلى حاجته التي بها يقضى.

وذلك مثل الذين كفروا بمحمد  : أنهم لم ينتفعوا به، ولا قضوا حاجاتهم، بل زادهم ذلك ظلمةً وحيرة، كمستوقد النار إذا ذهب بصرهُ.

وكذلك قوم بُلوا بالسلوك في الطريق عند شدة الظلمة، ولم يتلقوا النعمة بالشكر من الوجه الذي جُعل لهم لوضع أَقدامهم بنور البرق فأَذهب الله نوره، وسَكَنَ لمعانُ البرق؛ فعاد الغياث له هلاكاً، والمطر - الذي وجهه - عليه بلاء.

فمثله من كابر رسول الله  ، واعترض على الاستماع إليه، ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ضرب الله لهؤلاء المنافقين مثلين: مثلًا ناريًّا، ومثلًا مائيًّا، فأما مثلهم الناري: فهم كمثل من أوقد نارًا ليستضيء بها، فلما سطع نورها وظن أنَّه ينتفع بضوئها خمدت، فذهب ما فيها من إشراق، وبقي ما فيها من إحراق، فبقي أصحابها في ظلمات لا يرون شيئًا، ولا يهتدون سبيلًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.9EoWR"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذا مثل من مثلين ضربهما الله في هذه الايات للصنف الثالث من الناس الذين قرع القرآن أبواب قلوبهم.

وكان من عناية الله تعالى في بيان حاله أن قفى على ذلك التفصيل في شأن فرقه وأطوارهم بضرب المثل الذي يقصد به تجلي المعنى في أتم مجاليه، وتأثر النفوس بما أودع فيه، ناهيك بما في التنقل في الأساليب من توجيه الذهن إلى سابق القول، ودعوة الفكر إلى مراجعة ما مضى منه.

ولولا أن بلاء هذا الصنف عظيم، وداءه دفين، وعلاجه متعسر -لأنه متولد من الدواء الذي كان يجب أن تكون فيه الصحة ونعمة العافية- لما كان من البلاغة ولا من الحكمة، أن يعنى بشأنه كل هذه العناية، كما قلنا في تزييف رأيمنذهب إلى أن الكلام في تلك الشرذمة من المنافقين في عصر التنزيل.

ضرب الله تعالى لهذا الصنف في مجموعه مثلين، ينبئان بانقسامه إلى فريقين، خلافًا لما في أكثر التفاسير في أن المثلين لفريق واحد، وأن معناهما وموضوعهما واحد.

الأول- من آتاهم الله دينًا وهداية عمل بها سلفهم فجنوا ثمرها، وصلح حالهم بها، أيام كانوا مستقيمين على الطريقة، آخذين بإرشاد الوحي واقفين عند حدود الشريعة، ولكنهم انحرفوا عن سنن سلفهم في الأخذ بها ظاهرًا وباطنًا، ولم ينظروا في حقائق ما جاءهم، بل ظنوا أن ما كان عند سلفهم من نعمة وسعادة، وإنما كان أمرًا خصوا به أو خيرًا سيق إليهم، لظاهر قول أو عمل امتازوا به عن غيرهم ممن لم يأخذ بدينهم، وإن كان ذلك العمل لم يخالط سرائرهم، ولم تصلح به ضمائرهم، فأخذوا بتقاليد وعادات لم تدع في نفوسهم مجالًا لغيرها، ولذلك لم يتفكروا قط في كونهم أحرى بالتمتع بتلك السعادة والسيادة من سلفهم، لأن حفظ الموجود، أيسر من إيجاد المفقود، بل لم يبيحوا لأنفسهم فهم الكتاب الذي اهتدى من قبلهم بما فيه من شموس العرفان، ونجوم الفرقان، لزعمهم أن فهمه لا يرتقي إليه إلا أفراد من رؤساء الدين، يؤخذ بأقوالهم ما وجدوا، وبكتبهم إذا فقدوا.

فمثل هذا الفريق من الصنف المخذول في فقده لما كان عنده من نور الهداية الدينية، وحرمانه من الاهتداء بها بالمرة، وانطماس الآثار دونها عنده - مثل من استوقد نارًا إلخ.

والوجه في التمثيل أن من يدعي الإيمان بكتاب نزل من عند ربه قد طلب بذلك الإيمان أن توقد له نار يهتدي بها في الشبهات، ويستضيء بها في ظلمات الريب والمشكلات، ويبصر على ضوئها ما قد يهجم عليه من مفترسة الأهواء والشهوات، فلما أضاءت ما حوله بما أودعته من الهدى والرشاد، وكان بالنظر فيها يمشي على هداية وسداد، هجمت عليه من نفسه ظلمة التقليد الخبيث، وعصب عينيه شيطان الغرور، فذهب عنه ذلك النور، وأطبق عليه جو الضلالة، بل طفئ فيه نور الفطرة، وتعطلت قوى الشعور بما بين يديه، فهو بمنزلة الأعمى الأصم الذي لا يبصر ولا يسمع.

وأما الفريق الثاني: فقد ضرب الله له المثل في قوله ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاءِ  ﴾ إلخ، وهو الذي بقي له بصيص من النور، فله نظرات ترمي إلى ما بين يديه من الهداية أحيانًا، ولمعاني التنزيل لمعان يسطع على نفسه الفينة بعد الفينة، ويأتلق في نظره الحين بعد الحين،عندما تحركه الفطرة، أو تدفعه الحوادث للنظر فيما بين يديه، ولكنه من التقاليد والبدع في ظلمات حوالك، ومن الخبط فيها على حال لا تخلو من المهالك، وهو في تخبطه يسمع قوارع الإنذار الإلهي ويبرق في عينيه نور الهداية، فإذا أضاء له ذلك البرق السماوي سار، وإذا انصرف عنه بشبه الضلالات الغرارة قام وتحير لا يدري أين يذهب.

ثم إنه ليعرض عن سماع نذر الكتاب ودعاة الحق كمن يضع أصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع إرشاد المرشد ولا نصح الناصح يخاف من تلك القوارع أن تقتله، ومن عواصف النذر أن تهلكه.

هذا هو شأن فريقي هذا الصنف بما يشير إليه المثلان إجمالًا.

وفي تفسير الآيات تفصيل ما أشرنا إليه.

قال تعالى ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا  ﴾ العرب تستعمل لفظ"الذي"في الجمع كلفظي"ما"و"من"ومنه قوله تعالى ﴿ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا  ﴾ وإن شاع في الذي الإفراد لأن له جمعًا، وقد روعي في قوله ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ  ﴾ معناه، والفصيح فيه مراعاة اللفظ أولًا ومراعاة المعنى آخرًا.

والتفنن في إرجاع الضمائر متفرعة ضرب من استعمال البلغاء، يقرر المعنى في الذهن ويهبه فضل تمكن وتأكيد، بما يحدث فيه من الرؤية والتوجه إلى الإحاطة بمعاني المختلفات.

﴿ فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ  ﴾ يقال ضاءت النار والشمس وأضاءت (لازم) ويقال ضاء المكان وأضاءته النار أي أظهرته بضوئها.

قال العباس  في النبي  .

وأنت لما ظهرت أشرقت الأر ض وضاءت بنورك الأفق استوقدوا بفطرتهم السليمة نار الهداية الإلهية بتصديقهم، فلما أضاءت لهم بروقها، ووضح لهم طريقها، فاجأتهم التقاليد الموروثة، وباغتتهم العادات المألوفة، وشغلهم ما يتوهمونه فيها من المنافع والفوائد، وما يتوقعونه في الإعراض عنها من المصارع والمفاسد، عن الاستعانة بذلك الضوء على ذلك الصراط المستقيم، والتفرقة بين نهاره المشرق وظلمات ليلها البهيم، بل استبدلوا هذا الديجور، بذلك الضياء والنور، وهذا هو معنى ذهاب نورهم.

وإنما قال ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ  ﴾ ولم يقل ذهب نورهم، أو أذهب الله نورهم - للإشعار بأن الله تعالى كان معهم بمعونته وتوفيقه عندما استوقدوا النار فأضاءت، وذلك أنهم كانوا قائمين على سبيل فطرته التي فطر الناس عليها، معتقدين صحة شريعته التي دعا الناس إليها، وبأنه تخلى عنهم عندما نكبوا عن تلك السبيل، وعافوا ذلك المورد السلسبيل.

ولا شك أن المستوقد المسترشد تكون له حالة مع الله تعالى مرضية في التوجه إليه وقصد اتباع هداه، والاستضاءة بنوره الذي وهبه إياه، فإذا أعرض عنه وكله الله إلى نفسه، وذهب بنوره.

وإذا ذهب النور لا يبقى إلا الظلمة، وما كان هؤلاء في ظلمة واحدة، ولكنها ظلمات بعضها فوق بعض، متعددة بأنواع التقاليد التي فتنوا بها، وبتعدد أنواع الهداية التي أعرضوا عنها، ولذلك قال ﴿ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ  ﴾ شيئًا.

حذف مفعول يبصرون إيذانًا بالعموم، أي لا يبصرون مسلكًا من مسالك الهداية ولا يرون طريقًا من طرقها، لأنه صرف عنايته عنهم بتركهم سنته، وإهمالهم هدايته، ووكلهم إلى أنفسهم.

ويا ويل من وكله الله إلى نفسه، وحرمه توفيقه، نسأل الله العافية.

هذا المثل مضروب لفريق لا ترجى هدايته، لأنه سد على نفسه جميع أبواب الهداية، فلا يثق بعقله ولا بحواسه ولا بوجدانه إذا خالفت تقاليده، وعدم الإبصار بذهاب النور غير كافٍ لتمثيل هذا اليأس والحرمان، لجواز أن يلوح بارق، أو يذر شارق، أو يصيح طارق، فتكون الهداية، وتنكشف الغواية، ولذلك عقبه بقوله تعالى ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ أي أنهم فقدوا منفعة السمع الذي يؤدي إلى النفس ما يلقيه المرشدون إليها من الحجج القاطعة، والدلائل الناصعة، فلا يصيخون إلى وعظ واعظ، ولا يصغون لتنبيه منبه: * فما أضيع البرهان عند المقلد * بل لا يسمعون وإن أصاخوا، ولا يفقهون إن سمعوا، فكأنهم صم لم يسمعوا.

وفقدوا منفعة الاسترشاد بالقول وطلب الحكمة من معاهدها، فلا يسألون بيانًا، ولا يطلبون برهانًا، وفقدوا خير منافع الأبصار، وهو نظر الاستفادة والاعتبار، فلا يرون ما يحل بهم من الفتن فينزجروا، ولا يبصرون ما تتقلب به أحوال الأمم فيعتبروا، ﴿ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ  ﴾ عن ضلالتهم، ولا يخرجون من ظلماتهم، لأن من وقع في أرض فلاة في ليلة مظلمة وفقد فيها جميع حواسه لا يمكنه أن يسمع صوتًا يهتدي به، ولا أن يصيح هو لينقذه من يسمعه، ولا أن يرى بارقًا يؤمه ويقصده، فهو لا يرجع من تيهه، بل يظل يعمه في الظلمات، حتى يفترسه سبع ضار، أو يصل إلى شفا جرف هار، فينهار به في شر قرار، ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد