الآية ١٧٢ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٧٢ من سورة البقرة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ١٧٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 78 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧٢ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧٢ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى ، وأن يشكروه على ذلك ، إن كانوا عبيده ، والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة ، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة ، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر ، حدثنا الفضيل بن مرزوق ، عن عدي بن ثابت ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيها الناس ، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ) [ المؤمنون : 51 ] وقال : ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ، يمد يديه إلى السماء : يا رب ، يا رب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك " .

ورواه مسلم في صحيحه ، والترمذي من حديث [ فضيل ] بن مرزوق .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " يا أيها الذين آمنوا "، يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله, وأقروا لله بالعبودية, وأذعنوا له بالطاعة، كما:- 2467- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر, عن الضحاك في قوله: " يا أيها الذين آمنوا "، يقول: صدَّقوا.

* * * " كلوا من طيبات ما رَزَقناكم "، يعني: اطعَموا من حَلال الرزق الذي أحللناهُ لكم, فطاب لكم بتحليلي إياه لكم، مما كنتم تحرِّمونَ أنتم، ولم أكن حرمته عليكم، من المطاعم والمشارب." واشكروا لله "، يقول: وأثنوا على الله بما هو أهله منكم، على النعم التي رزقكم وَطيَّبها لكم." إن كنتم إياه تعبدون "، يقول: إن كنتم منقادين لأمره سامعين مطيعين, فكلوا مما أباح لكم أكله وحلله وطيَّبه لكم, ودعوا في تحريمه خطوات الشيطان.

وقد ذكرنا بعض ما كانوا في جاهليتهم يحرِّمونه من المطاعم, وهو الذي ندبهم إلى أكله ونهاهم عن اعتقاد تحريمه, إذْ كان تحريمهم إياه في الجاهلية طاعةً منهم للشيطان، واتباعًا لأهل الكفر منهم بالله من الآباء والأسلاف.

ثم بيّن لهم تعالى ذكره ما حرَّم عليهم, وفصَّله لهم مُفسَّرًا.

(21) ------------------ الهوامش : (21) في المطبوعة : "وفصل لهم" ، والصواب ما أثبت .

وهذا الذي قاله هنا برهان آخر على أن أبا جعفر قد اضطرب في قصة هذه الآيات ، فهو قد عاد وجعل بعض الآيات السالفة ، في مشركي العرب في جاهليتهم ، كما ترى ، وهو بين أيضًا في تفسيرة الآية التالية .

انظر ص : 314 ، تعليق : 1 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدونهذا تأكيد للأمر الأول ، وخص المؤمنين هنا بالذكر تفضيلا .

والمراد بالأكل الانتفاع من جميع الوجوه .

وقيل : هو الأكل المعتاد .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيها الناس إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وقال : يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك .

واشكروا لله إن كنتم إياه تقدم معنى الشكر فلا معنى للإعادة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا أمر للمؤمنين خاصة, بعد الأمر العام, وذلك أنهم هم المنتفعون على الحقيقة بالأوامر والنواهي, بسبب إيمانهم, فأمرهم بأكل الطيبات من الرزق, والشكر لله على إنعامه, باستعمالها بطاعته, والتقوي بها على ما يوصل إليه، فأمرهم بما أمر به المرسلين في قوله { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا } فالشكر في هذه الآية, هو العمل الصالح، وهنا لم يقل \" حلالا \" لأن المؤمن أباح الله له الطيبات من الرزق خالصة من التبعة، ولأن إيمانه يحجزه عن تناول ما ليس له.

وقوله { إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } أي: فاشكروه، فدل على أن من لم يشكر الله, لم يعبده وحده, كما أن من شكره, فقد عبده, وأتى بما أمر به، ويدل أيضا على أن أكل الطيب, سبب للعمل الصالح وقبوله، والأمر بالشكر, عقيب النعم؛ لأن الشكر يحفظ النعم الموجودة, ويجلب النعم المفقودة كما أن الكفر, ينفر النعم المفقودة ويزيل النعم الموجودة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ) حلالات ( ما رزقناكم ) أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي أخبرنا علي بن الجعد أخبرنا فضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال : " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا " ( 51 - المؤمنون ) وقال ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك " ( واشكروا لله ) على نعمه ( إن كنتم إياه تعبدون ) ثم بين المحرمات فقال

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيِّبات» حلالات «ما رزقناكم واشكروا لله» على ما أحل لكم «إن كنتم إياه تعبدون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها المؤمنون كلوا من الأطعمة المستلَذَّة الحلال التي رزقناكم، ولا تكونوا كالكفار الذين يحرمون الطيبات، ويستحِلُّون الخبائث، واشكروا لله نعمه العظيمة عليكم بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم، إن كنتم حقًا منقادين لأمره، سامعين مطيعين له، تعبدونه وحده لا شريك له.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

الطيبات من الأطعمة : المستلذات ، ويجوز حملها على ما طاب من الرزق بتحليل الله له .وما رزقناكم : ما أوصلناه إليكم من الرزق - وهو ما ينتفع به .أي : يا من آمنتم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كلوا من ألوان الطيبات التي أحللناها لكم ، ولا تتعرضوا لما حرمناه عليكم .وكان الخطاب هنا للمؤمنين خاصة ، لأنهم أحق بالفهم ، وأجدر بالعلم وأححرى بالاهتداء ، وأولى بالتكريم والتشريف .ومفعول ( كُلُواْ ) محذوف ، أي : كلوا رزقكم حال كونه بعض طيبات ما رزقناكم .ثم أمرهم - سبحانه - بشكره على هذه الطيبات التي أباحها لهم فقال : ( واشكروا للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ )وهذه الجملة الكريمة معطوفة على جملة ( كُلُواْ ) .والشكر : هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم لموجدها ، ووضعها في الموضع الذي أمر به .أي : تمتعوا بنعم الله ، واعترفوا له بها على وجه التعظيم ، بأن تمتثلوا ما أمر به ، وتجتنبوا ما نهى عنه ، إن كنتم تخصونه بالعبادة حقاً ، وتفردونه بالطاعة صدقاً .قال الآلوسي : وجملة ( إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) بمنزلة التعليل لطلب الشكر ، كأنه قيل : " واشكروا له لأنكم تخصونه بالعبادة ، وتخصيصكم إياه بالعبادة ، يدل على أنكم تريدون عبادة كاملة تليق بكبريائه ، وهي لا تتم إلا بالشكر ، لأنه من أجل العبادات " .وجواب الشرط محذوف دل عليه المذكور والتقدير : إن كنتم إياه تعبدون فكلوا واشكروا لله .وقال - تعالى - ( وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر " وروى الإِمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ، أو يشرب الشربة فيحمده عليها " .قال صاحب المنار : قال الأستاذ الإِمام : لا يفهم هذه الآية حق فهمهما إلا من كان عارفاً بتاريخ الملل عند ظهور الإِسلام وقبله ، فإن المشركين وأهل الكتاب كانوا فرقاً وأصنافاً ، منهم من حرم على نفسه أشياء معينة بأجناسها أو أصنافهم كالبحيرة والسائبة عند العرب ، وكبعض الحيوانا عند غيرهم وكان المذهب الشائع في النصارى أن أقرب ما يتقرب به إلى الله - تعالى - تعذيب النفس ، وحرمانها من الطيبات المستلذة ، واحتقار الجسد ولوازمه ، واعتقاد أنه لا حياة للروح إلا بذلك .

.

.

ثم قال : وقد تفضل الله على هذه الأمة بأن جعلها أمة وسطاً تعطى الجسد حقه والروح حقها ، فأحل لنا الطيبات لتتسع دائرة نعمه الجسدية علينا ، وأمرنا بالشكر عليها ليكون لنا منها فوائد روحانية عقلية ، فلم نكن جسمانيين محضاً كالأنعام ، ولا روحانيين خلصاً كالملائكة ، وإنما جعلنا أناسي كملة بهذه الشريعة المعتدلة ، فله الحمد والشكر والثناء الحسن .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذه الآية شبيهة بما تقدم من قوله: ﴿ كُلُواْ مِمَّا فِي الأرض حلالا طَيّباً  ﴾ ثم نقول: إن الله سبحانه وتعالى تكلم من أول السورة إلى هاهنا في دلائل التوحيد والنبوة واستقصى في الرد على اليهود والنصارى، ومن هنا شرع في بيان الأحكام، اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الأكل قد يكون واجباً، وذلك عند دفع الضرر عن النفس، وقد يكون مندوباً، وذلك أن الضيف قد يمتنع من الأكل إذا انفرد وينبسط في ذلك إذا سوعد، فهذا الأكل مندوب، وقد يكون مباحاً إذا خلا عن هذه العوارض، والأصل في الشيء أن يكون خالياً عن العوارض، فلا جرم كان مسمى الأكل مباحاً وإذا كان الأمر كذلك كان قوله: ﴿ كُلُواْ ﴾ في هذا الموضع لا يفيد الإيجاب والندب بل الإباحة.

المسألة الثانية: احتج الأصحاب على أن الرزق قد يكون حراماً بقوله تعالى: ﴿ مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم ﴾ فإن الطيب هو الحلال فلو كان كل رزق حلالاً لكان قوله: ﴿ مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم ﴾ معناه من محللات ما أحللنا لكم، فيكون تكراراً وهو خلاف الأصل، أجابوا عنه بأن الطيب في أصل اللغة عبارة عن المستلذ المستطاب، ولعل أقواماً ظنوا أن التوسع في المطاعم والاستكثار من طيباتها ممنوع منه.

فأباح الله تعالى ذلك بقوله: كلوا من لذائذ ما أحللناه لكم فكان تخصيصه بالذكر لهذا المعنى.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ واشكروا للَّهِ ﴾ أمر: وليس بإباحة فإن قيل: الشكر إما أن يكون بالقلب أو باللسان أو بالجوارح، أما بالقلب فهو إما العلم بصدور النعمة عن ذلك المنعم، أو العزم على تعظيمه باللسان وبالجوارح، أما ذلك العلم فهو من لوازم كمال العقل، فإن العاقل لا ينسى ذلك فإذا كان ذلك العلم ضرورياً فكيف يمكن إيجابه، وأما العزم على تعظيمه باللسان والجوارح فذلك العزم القلبي مع الإقرار باللسان والعمل بالجوارح، فإذا بينا أنهما لا يجيبان كان العزم بأن لا يجب أولى، وأما الشكر باللسان فهو إما أن يقر بالاعتراف له بكونه منعما أو بالثناء عليه فهذا غير واجب بالاتفاق بل هو من باب المندوبات، وأما الشكر بالجوارح والأعضاء فهو أن يأتي بأفعال دالة على تعظيمه، وذلك أيضاً غير واجب، وإذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنه لا يمكن القول بوجوب الشكر قلنا الذي تلخص في هذا الباب أنه يجب عليه اعتقاد كونه مستحقاً للتعظيم وإظهار ذلك باللسان أو بسائر الأفعال إن وجدت هناك تهمة.

أما قوله تعالى: ﴿ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية وجوها أحدها: ﴿ واشكروا للَّهِ ﴾ إن كنتم عارفين بالله وبنعمه، فعبر عن معرفة الله تعالى بعبادته، إطلاقاً لإسم الأثر على المؤثر.

وثانيها: معناه: إن كنتم تريدون أن تعبدوا الله فاشكروه، فإن الشكر رأس العبادات.

وثالثها: ﴿ واشكروا للَّهِ ﴾ الذي رزقكم هذه النعم ﴿ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ أي إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه سبحانه المنعم لا غيره، عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري، وأزرق ويشكر غيري».

المسألة الثانية: احتج من قال: إن المعلق بلفظ: أن، لا يكون عدما عند عدم ذلك الشيء بهذه الآية، فإنه تعالى علق الأمر بالشكر بكلمة ﴿ إن ﴾ على فعل العبادة، مع أن من لا يفعل هذه العبادات يجب عليه الشكر أيضاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم ﴾ من مستلذاته، لأنّ كل ما رزقه الله لا يكون إلا حلالاً ﴿ واشكروا للَّهِ ﴾ الذي رزقكموها ﴿ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ إن صحّ أنكم تخصونه بالعبادة.

وتقرّون أنه مولى النعم.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: إني والجنّ والإنس في نبأ عظيم، أخلقُ، ويُعبد غيري وأرزق ويُشكر غيري» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ﴾ لَمّا وسَّعَ الأمْرَ عَلى النّاسِ كافَّةً وأباحَ لَهم ما في الأرْضِ سِوى ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ مِنهم أنْ يَتَحَرَّوْا طَيِّباتِ ما رُزِقُوا ويَقُومُوا بِحُقُوقِها فَقالَ: ﴿ واشْكُرُوا لِلَّهِ ﴾ عَلى ما رَزَقَكم وأحَلَّ لَكم.

﴿ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ إنْ صَحَّ أنَّكم تَخُصُّونَهُ بِالعِبادَةِ، وتُقِرُّونَ أنَّهُ مَوْلى النِّعَمِ، فَإنَّ عِبادَتَهُ تَعالى لا تَتِمُّ إلّا بِالشُّكْرِ.

فالمُعَلَّقُ بِفِعْلِ العِبادَةِ هو الأمْرُ بِالشُّكْرِ لِإتْمامِهِ، وهو عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِهِ.

وَعَنِ النَّبِيِّ  «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: إنِّي والإنْسَ والجِنَّ في نَبَأٍ عَظِيمٍ، أخْلُقُ ويُعْبَدُ غَيْرِي، وأرْزُقُ ويُشْكَرُ غَيْرِي» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم بين أن ما حرمه المشركون حلال بقوله {يا أيها الذين آمنوا كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم} من مستلذاته أو من حلالاته {واشكروا لِلَّهِ} الذي رزقكموها {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} إن صح أنكم تختصونه بالعبادة وتقرون أنه معطى النعم

البقرة (١٧٣ _ ١٧٥)

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ﴾ أيْ: مُسْتَلَذّاتِهِ أوْ مِن حَلالِهِ، والآيَةُ إمّا أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما يَلِيقُ بِشَأْنِهِمْ مِن طَلَبِ الطَّيِّباتِ وعَدَمِ التَّوَسُّعِ في تَناوُلِ ما رُزِقُوا مِنَ الحَلالِ، وذا لَمْ يُسْتَفَدْ مِنَ الأمْرِ السّابِقِ، وإمّا أمْرٌ لَهم عَلى طِبْقِ ما تَقَدَّمَ إلّا أنَّ فائِدَةَ تَخْصِيصِهِمْ بَعْدَ التَّعْمِيمِ تَشْرِيفُهم بِالخِطابِ، وتَمْهِيدٌ لِطَلَبِ الشُّكْرِ، و(كُلُوا) لِعُمُومِ جَمِيعِ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ دَلالَةً وعِبارَةً ﴿ واشْكُرُوا لِلَّهِ ﴾ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم والِالتِفاتُ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ 172﴾ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ لِطَلَبِ الشُّكْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: واشْكُرُوا لَهُ؛ لِأنَّكم تَخُصُّونَهُ بِالعِبادَةِ، وتَخْصِيصُكم إيّاهُ بِالعِبادَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّكم تُرِيدُونَ عِبادَةً كامِلَةً تَلِيقُ بِكِبْرِيائِهِ، وهي لا تَتِمُّ إلّا بِالشُّكْرِ؛ لِأنَّهُ مِن أجَلِّ العِباداتِ - ولِذا جُعِلَ نِصْفَ الإيمانِ - ووَرَدَ مِن حَدِيثِ أبِي الدَّرْداءِ مَرْفُوعًا يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «”إنِّي والإنْسُ والجِنُّ في نَبَأٍ عَظِيمٍ، أخْلُقُ ويُعْبَدُ غَيْرِي، وأرْزُقُ ويُشْكَرُ غَيْرِي“،» والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ إنْ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَهُ، أوْ إنْ أرَدْتُمْ عِبادَتَهُ، مُنْحَطٌّ مِنَ القَوْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ، يعني من الحلال من الحرث والأنعام.

وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ، يعني إن كنتم تريدون بترك أكله رضاء الله تعالى فكلوه، فإن رضي الله تعالى أن تحلوا حلاله وتحرموا حرامه.

ويقال: إن محرم ما أحل الله مثل محل ما حرم الله.

ويقال: في هذه الآية بيان فضل هذه الأمة، لأنه تعالى خاطبهم بما خاطب به أنبياءه- عليهم الصلاة والسلام- لأنه قال لأنبيائه: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [المؤمنون: 51] ، وقال لهذه الأمة كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ وقال في أول الآية: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [البقرة: 168] .

فلما أمر الله تعالى بأكل هذه الأشياء التي كانوا يحرمونها على أنفسهم.

قالوا للنبي  : إن لم يكن هذه الأشياء محرمة فالمحرمات ما هي؟

فبيّن الله تعالى المحرمات، فقال: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ.

والميتة سوى السمك والجراد، والدم يعني الدم المسفوح أي الجاري.

كما قال في آية أخرى: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ [الأنعام: 145] ، يعني حرم عليكم، ولحم الخنزير فذكر اللحم خاصة والمراد به اللحم والشحم وجميع أجزائه.

وهذا شيء قد أجمع المسلمون على تحريمه فقد ذكر الميتة وإنما انصرف إلى بعض منها وأحل البعض منها وهو السمك والجراد وذكر الدم وإنما المراد به بعض الدم، لأنه لم يدخل فيه الكبد والطحال وذكر لحم الخنزير فانصرف النهي إلى اللحم وغيره.

وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، يعني ما ذبح بغير اسم الله تعالى.

والإهلال في اللغة: هو رفع الصوت.

وكان أهل الجاهلية إذا ذبحوا، رفعوا الصوت بذكر آلهتهم فحرم الله تعالى على المؤمنين أكل ما ذبح لغير اسم الله تعالى.

وفي الآية دليل: أنه إذا ترك التسمية عمداً لا يؤكل، لأنه قد ذبح بغير اسم الله تعالى.

ثم إن الله تعالى علم أن بعض الناس يبتلون بأكل الميتة عند الضرورة، فرخص لهم في ذلك بقوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ.

قرأ حمزة وعاصم وأبو عمرو: فَمَنِ اضْطُرَّ بكسر النون وقرأ الباقون بالضم وهما لغتان ومعناهما واحد.

يقول: فمن أجهد إلى شيء مما حرم الله إلى أكل الميتة غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، يعني غير مفارق الجماعة ولا عاد على المسلمين بالسيف فمن خرج لقطع الطريق، أو خرج على إمام المسلمين فلا رخصة له عند بعضهم.

وقال بعضهم: من خرج في معصية فلا رخصة له.

وقال بعضهم: كل من اضطر إلى أكل الميتة رخص له أن يأكل سواء أخرج للمعصية أو غيرها.

وهذا قول أصحابنا.

ومعنى قوله: غَيْرَ باغٍ، أي غير طالب للحرام ولا راض بأكله.

وَلا عادٍ، يعني لا يعود إلى أكله بعد أكل مقدار ما يسد به الرمق.

وروي عن ابن عباس نحو هذا.

قال: حدّثنا محمد بن سعيد الترمذي قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال: حدثنا محمد بن الحجاج الحضرمي قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ قال: من أكل شيئاً من هذه الأشياء وهو مضطر، فلا حرج عليه ومن أكله وهو غير مضطر، فقد بغى واعتدى.

ثم اختلفوا في حد الاضطرار الذي يحل له أكل الميتة.

قال بعضهم: إذا كان بحال يخاف على نفسه التلف وهو قول الشافعي.

وروي عن ابن المبارك أنه قال: إذا كان بحال لو دخل السوق لا ينظر إلى شيء سوى الخبز.

وقال بعضهم: إذا كان بحال يضعفه عن أداء الفرائض.

وقد اختلفوا أيضاً في أكله: قال بعضهم: أكله حرام إلا أنه لا إثم عليه، ألا ترى أنه قال في سياق الآية: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

وقال بعضهم: هو حلال ولا يسعه تركه، لأنه قال في آية أخرى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام: 119] ، فلما استثني منه ثبت أنه حلال.

وروي عن مسروق أنه قال: من اضطر إلى ميتة فلم يأكل حتى مات، دخل النار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا/ كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ ...

الآية: الطَّيِّب:

هنا يجمع الحلال المستلَذَّ، والآية تشير بتبعيض «مِنْ» إلى أن الحرام رزْقٌ، وحضّ سبحانه على الشكر، والمعنى: في كل حالةٍ، وفي «مصابيح البَغَوِيِّ» عن أبي دَاوُدَ والنَّسائِيِّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: «الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ كَالصَّائِمِ الصَّابِرِ» «١» .

انتهى.

قال القُشَيْرِيُّ: قال أهل العلْمِ بالأصول: نِعَمُ اللَّهِ تعالى على ضربَيْن: نعمةُ نَفْعٍ، ونعمةُ دَفْعٍ، فنعمةُ النفْعِ: ما أولاهم، ونعمةُ الدفع: ما زوى عنهم، وليس كلّ إنعامه

سبحانه انتظام أسبابِ الدنيا، والتمكُّنَ منها، بل ألطافُ اللَّه تعالى فيما زوى عنهم من الدُّنْيَا أكثرُ، وإن قرب العبد من الربِّ تعالى على حسب تباعُدِهِ من الدنيا.

انتهى من «التَّحْبير» .

وقال أبو عمر بن عبد البر في كتابهِ المسمى ب «بهجة المجالس» .

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مَا أَنْعَمَ اللَّهُ على عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ، فَعَلِمَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ شُكْرَهَا، وَمَا عَلَمَ اللَّهُ مِنْ عَبْدٍ نَدَامَةً على ذَنْبٍ إِلاَّ غَفَرَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَلْبَسُ الثَّوْبَ، فَيَحْمَدُ اللَّهَ، فَمَا يَبْلُغُ رُكْبَتَيْهِ حتى يُغْفَرَ لَهُ» «١» قال أبو عُمَر: مكتوبٌ في التوراةِ: «اشكر لِمَنْ أَنْعَمَ عَلَيْكَ، وَأَنْعِمْ على مَنْ شَكَرَكَ فَإِنَّهُ لاَ زَوَالَ لِلنِّعَمِ، إِذَا شُكِرَتْ، وَلاَ مُقَامَ لَهَا، إِذَا كُفِرَتْ» .

انتهى.

«وإِنْ» من قوله: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ: شرطٌ، والمراد بهذا الشرط التثبيتُ، وهزُّ النفوس كما تقول: افعل كَذَا، إِنْ كنْتَ رجلاً، و «إِنَّمَا» هاهنا حاصرة، ولفظ الميتة عمومٌ، والمعنى مخصِّص لأنَّ الحوتَ لم يدخُلْ قطُّ في هذا العموم، وفي مسند البزّار عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الخَمْرَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ المَيْتَةَ وَثَمَنَهَا، وحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ، وَثَمَنَهُ» «٢» انتهى من «الكوكب الدُّرِّيِّ» للإمام أبي العباس أحمد بن سعد التّجيبيّ.

وَالدَّمَ يراد به المسفوحُ لأن ما خالط اللحْمَ، فغير محرَّم بإِجماع.

ت: بل فيه خلافٌ شاذٌّ، ذكره ابن الحاجبِ، وغيره، والمشهورُ: أظهر لقول

عائشةَ- رضي اللَّه عنها-: «لَوْ حُرِّمَ غَيْرُ المَسْفُوحِ، لَتَتَبَّعَ النَّاسُ مَا فِي العُرُوقِ، وَلَقَدْ كُنَّا نَطْبُخُ اللَّحْمَ، وَالبُرْمَةُ تَعْلُوهَا الصُّفْرَةُ» .

انتهى.

قال ابن عبَّاس وغيره: المراد ما ذُبِحَ للأنْصَاب والأوثان «١» ، وأُهِلَّ بِهِ: معناه صِيحِ به ومنه: استهلالُ المولودِ، وجرَتْ عادة العرب بالصياحِ باسم المقصودِ بالذبيحةِ، وغلب ذلك في استعمالهم حتى عبر به عن النيَّة التي هي علَّة التحريم.

فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ قال قتادة وغيره: غيْرَ قاصدِ فسادٍ «٢» وتعدٍّ بأن يجدَ عن هذه المحرَّمات مندوحةً، ويأكلها، وأصحاب هذا القول يجيزونَ الأكل منها في كلِّ سفر، مع الضرورة، وقال مجاهد وغيره: المعنى: غير باغٍ على المسلمين، وعَادٍ عليهم، فيدخل في الباغِي والعادِي قُطَّاعُ السبل، والخارجُ على السلطانِ، والمسافر في قَطْع الرحمِ، والغَارَةُ على المسلمين، وما شاكله، ولغير هؤلاء: هي الرخصة «٣» .

قال مالك «١» - رحمه اللَّه-: يأكل المضطَرُّ شِبَعَهُ، وفي «الموطّإ» وهو لكثير من ٤٢ ب العلماءِ أنه يتزوَّد، إِذا خشي الضرورة فيما بين يديه/ من مفازةٍ وقَفْرٍ.

قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٢» ، وقد قال العلماء: إِنَّ من اضطرَّ إلى أكل الميتةِ، والدمِ، ولحمِ الخنزيرِ، فلم يأكلْ، دخل النَّار إِلا أنْ يَغْفِرَ اللَّه له.

انتهى.

والمعنى: أنه لم يأكلْ حتى مات جوعاً، فهو عاصٍ، وكأنه قتل نفسه، وقد قال تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ...

[النساء: ٢٩] الآية إِلى قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً [النساء: ٣٠] قال ابن العربيِّ: وإذا دامتِ المَخْمَصة «٣» ، فلا خلاف في جواز شبع المضطَرِّ، وإن كانت نادرةً، ففي شبعه قوْلانِ: أحدهما لمالك: يأكل حتى يَشْبَعَ، ويتضلَّع، وقال غيره: يأكل بمقدارِ سدّ الرّمق، وبه قال ابن حبيب «٤» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ ﴾ فِي مَعْنى هَذِهِ الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناها: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ البَهائِمِ الَّتِي يَنْعِقُ بِها الرّاعِي، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، وثَعْلَبٍ، قالا جَمِيعًا: أضافَ المَثَلَ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، ثُمَّ شَبَّهَهم بِالرّاعِي، ولَمْ يَقُلْ:كالغَنَمِ، والمَعْنى: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ البَهائِمِ الَّتِي لا تَفْقَهُ ما يَقُولُ الرّاعِي أكْثَرُ مِنَ الصَّوْتِ، فَلَوْ قالَ لَها الرّاعِي: ارْعِي، أوِ اشْرَبِي؛ لَمْ تَدْرِ ما يَقُولُ لَها، فَكَذَلِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِيما يَأْتِيهِمْ مِنَ القُرْآَنِ، وإنْذارُ الرَّسُولِ، فَأُضِيفَ التَّشْبِيهُ إلى الرّاعِي، والمَعْنى في المَرْعِيِّ، وهو ظاهِرٌ في كَلامِ العَرَبِ، يَقُولُونَ: فَلانٌ يَخافُكَ كَخَوْفِ الأسَدِ، والمَعْنى: كَخَوْفِهِ الأسَدَ [لِأنَّ الأسَدَ هو المَعْرُوفُ بِأنَّهُ المُخَوِّفُ ] قالَ الشّاعِرُ: كانَتْ فَرِيضَةً ما تَقُولُ كَما كانَ الزِّناءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ والمَعْنى: كَما كانَ الرَّجْمُ فَرِيضَةَ الزِّنى.

والثّانِي: أنَّ مَعْناها: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، ومَثَلُنا في وعْظِهِمْ، كَمَثَلِ النّاعِقِ والمَنعُوقِ بِهِ، فَحَذَفَ: ومَثَّلْنا، اخْتِصارًا، إذْ كانَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمُ آَلِهَتَهُمُ الَّتِي يَعْبُدُونَ، كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والَّذِي يَنْعِقُ هو الرّاعِي، يُقالُ: نَعَقَ بِالغَنَمِ، يَنْعِقُ نَعَقًا ونَعِيقًا ونُعاقًا ونُعْقانًا.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والفاشِي في كَلامِ العَرَبِ أنَّهُ لا يُقالُ: نَعَقَ، إلّا في الصِّياحِ بِالغَنَمِ وحْدَها، فالغَنَمُ تَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا تَعْقِلُ المَعْنى.

﴿ صُمٌّ بُكْمٌ ﴾ إنَّما وصَفَهم بِالصُّمِّ والبُكْمِ، لِأنَّهم في تَرْكِهِمْ قَبُولُ ما يَسْمَعُونَ يِمَنزِلَةِ مَن لا يَسْمَعُ، وكَذَلِكَ في النُّطْقِ والنَّظَرِ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذا المَعْنى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللهِ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النارَ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ الطَيِّبُ هُنا يَجْمَعُ الحَلالَ المُسْتَلِذَّ، والآيَةُ تُشِيرُ بِتَبْعِيضِ "مِن" إلى أنَّ الحَرامَ رِزْقٌ.

وحَضَّ تَعالى عَلى الشُكْرِ، والمَعْنى في كُلِّ حالَةٍ، و"إنْ" شَرْطٌ، والمُرادُ بِهَذا الشَرْطِ التَثْبِيتُ وهَزُّ النَفْسِ، كَما تَقُولُ: افْعَلْ كَذا إنْ كُنْتَ رَجُلًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ﴾ ، "إنَّما" هُنا حاصِرَةٌ.

و"المَيْتَةَ" نُصِبَ بـِ "حَرُمَ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ "المَيِّتَةَ" بِالتَشْدِيدِ.

وقالَ الطَبَرِيُّ، وجَماعَةٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: التَشْدِيدُ والتَخْفِيفُ مِن "مَيْتٍ" و"مَيِّتٍ" لُغَتانِ.

وقالَ أبُو حاتِمٍ، وغَيْرُهُ: ما قَدْ ماتَ فَيُقالانِ فِيهِ، وما لَمْ يَمُتْ بَعْدُ فَلا يُقالُ فِيهِ "مَيْتٌ" بِالتَخْفِيفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَكَذا هو اسْتِعْمالُ العَرَبِ، ويَشْهَدُ بِذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيِّتٍ إنَّما المَيِّتُ مَيِّتُ الأحْياءِ اسْتَراحَ: مِنَ الراحَةِ، وقِيلَ: مِنَ الرائِحَةِ.

ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ بِتَخْفِيفٍ فِيما لَمْ يَمُتْ، إلّا ما رَوى البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ "وَما هو بِمَيِّتٍ" والمَشْهُورُ عنهُ التَثْقِيلُ، وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: إذا ما ماتَ مَيِّتٌ مِن تَمِيمٍ ∗∗∗ فَسَرَّكَ أنْ يَعِيشَ فَجِيءَ بِزادِ فالأبْلَغُ في الهِجاءِ أنْ يُرِيدَ المَيِّتَ حَقِيقَةً، وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُ أرادَ مَن شارَفَ المَوْتَ، والأوَّلُ أشْهَرُ.

وقَرَأ قَوْمٌ "المَيْتَةُ" بِالرَفْعِ عَلى أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي وإنَّ عامِلَةٌ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ: "حَرَّمَ" عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ورَفْعِ ما ذُكِرَ تَحْرِيمُهُ، فَإنْ كانَتْ ما كافَّةً، فالمَيْتَةُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وإنْ كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي فالمَيْتَةُ خَبَرٌ.

ولَفْظُ "المَيْتَةَ" عُمُومٌ، والمَعْنى مُخَصَّصٌ لِأنَّ الحُوتَ والجَرادَ لَمْ يَدْخُلْ قَطُّ في هَذا العُمُومِ.

و"المَيْتَةَ": ما ماتَ دُونَ ذَكاةٍ مِمّا لَهُ نَفْسٌ سائِلَةٌ، والطافِي مِنَ الحُوتِ، جَوَّزَهُ مالِكٌ وغَيْرُهُ، ومَنَعَهُ العِراقِيُّونَ.

وفي المَيِّتِ دُونَ تَسَبُّبٍ مِنَ الجَرادِ خِلافٌ.

مَنَعَهُ مالِكٌ، وجُمْهُورُ أصْحابِهِ، وجَوَّزَهُ ابْنُ نافِعٍ، وابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ.

وقالَ ابْنُ وهْبٍ: إنْ ضَمَّ في غَرائِرَ فَضَمُّهُ ذَكاتُهُ.

وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا، حَتّى يَصْنَعَ بِهِ شَيْءٌ يَمُوتُ مِنهُ كَقَطْعِ الرُؤُوسِ والأجْنِحَةِ والأرْجُلِ، أوِ الطَرْحِ في الماءِ، وقالَ سَحْنُونُ: لا يُطْرَحُ في ماءٍ بارِدٍ، وقالَ أشْهَبُ: إنْ ماتَ مِن قَطْعِ رَجْلٍ أو جَناحٍ لَمْ يُؤْكَلْ لِأنَّها حالَةٌ قَدْ يَعِيشُ بِها ويَنْسَلُّ.

و"الدَمَ" يُرادُ بِهِ المَسْفُوحُ، لِأنَّ ما خالَطَ اللَحْمَ فَغَيْرُ مُحَرَّمٍ بِإجْماعٍ.

وفي دَمِ الحُوتِ المُزايِلِ لِلْحُوتِ اخْتِلافٌ، رُوِيَ عَنِ القابِسِيِّ أنَّهُ طاهِرٌ، ويَلْزَمُ مِن طَهارَتِهِ أنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ.

وخُصَّ ذِكْرُ اللَحْمِ مِنَ الخِنْزِيرِ لِيَدُلَّ عَلى تَحْرِيمِ عَيْنِهِ؛ ذُكِّيَ أو لَمْ يُذْكَّ، ولِيَعُمَّ الشَحْمَ وما هُنالِكَ مِنَ الغَضارِيفِ وغَيْرِها، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى تَحْرِيمِ شَحْمِهِ.

وَفِي خِنْزِيرِ الماءِ كَراهِيَةُ أبِي مالِكٍ أنْ يُجِيبَ فِيهِ، وقالَ: أنْتُمْ تَقُولُونَ: خِنْزِيرًا.

وذَهَبَ أكْثَرُ اللُغَوِيِّينَ إلى أنَّ لَفْظَةَ الخِنْزِيرِ رُباعِيَّةٌ، وحَكى ابْنُ سِيدَهْ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن خَزْرِ العَيْنِ لِأنَّهُ كَذَلِكَ يَنْظُرُ، فاللَفْظَةُ عَلى هَذا ثُلاثِيَّةٌ.

﴿ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: المُرادُ ما ذُبِحَ لِلْأنْصابِ والأوثانِ، و"أُهِلَّ" مَعْناهُ: صِيحَ، ومِنهُ اسْتِهْلالُ المَوْلُودِ، وجَرَتْ عادَةُ العَرَبِ بِالصِياحِ بِاسْمِ المَقْصُودِ بِالذَبِيحَةِ، وغَلَبَ ذَلِكَ في اسْتِعْمالِهِمْ حَتّى عَبَّرَ بِهِ عَنِ النِيَّةِ الَّتِي هي عِلَّةُ التَحْرِيمِ، ألا تَرى أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ راعى النِيَّةَ في الإبِلِ الَّتِي نَحَرَها غالِبُ أبُو الفَرَزْدَقِ، فَقالَ: إنَّها مِمّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ، فَتَرَكَها الناسُ ورَأيْتُ في أخْبارِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ امْرَأةٍ مُتْرَفَةٍ صَنَعَتْ لِلِعَبِها عُرْسًا، فَذَبَحَتْ جَزُورًا، فَقالَ الحَسَنُ: لا يَحِلُّ أكْلُها، فَإنَّها إنَّما ذُبِحَتْ لِصَنَمٍ.

وفي ذَبِيحَةِ المَجُوسِيِّ اخْتِلافٌ، ومالكٌ لا يُجِيزُها البَتَّةَ.

وذَبِيحَةُ النَصْرانِيِّ واليَهُودِيِّ جائِزَةٌ.

واخْتُلِفَ فِيما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ كالطَرِيفِ والشَحْمِ وغَيْرِهِ بِالإجازَةِ والمَنعِ.

وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ ؛ ما حَرُمَ عَلَيْهِمْ بِالكِتابِ فَلا يَحِلُّ لَنا مِن ذَبْحِهِمْ، وما حَرَّمُوهُ بِاجْتِهادِهِمْ فَذاكَ لَنا حَلالٌ.

وعِنْدَ مالِكٍ كَراهِيَةٌ فِيما سَمّى عَلَيْهِ الكِتابِيُّ المَسِيحَ أو ذَبَحَهُ لِكَنِيسَتِهِ، ولا يُبَلِّغُ بِذَلِكَ التَحْرِيمِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ الآيَةُ، ضَمَّتِ النُونَ لِلِالتِقاءِ إتْباعًا لِلضَّمَّةِ في الطاءِ حَسَبَ قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو السَمالِ: "فَمَنِ اضْطُرَّ" بِكَسْرِ الطاءِ، وأصْلُهُ "اضْطَرَرَ" فَلَمّا أُدْغِمَ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الراءِ إلى الطاءِ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَمَنِ اطُّرَّ" بِإدْغامِ الضادِ في الطاءِ، وكَذَلِكَ حَيْثُ ما وقَعَ في القُرْآنِ.

ومَعْنى "اضْطُرَّ": ضَمَّهُ عُدْمٌ وغَرْثٌ، هَذا هو الصَحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَماءِ والفُقَهاءِ.

وقِيلَ: مَعْناهُ أُكْرِهَ وغَلَبَ عَلى أكْلِ هَذِهِ المُحَرَّماتِ.

و" غَيْرَ باغٍ " في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى فِيما قالَ قَتادَةُ، والرَبِيعُ، وابْنُ زَيْدٍ، وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُمْ: غَيْرُ قاصِدٍ فَسادَ وتَعَدٍّ، بِأنْ يَجِدَ عن هَذِهِ المُحَرَّماتِ مَندُوحَةً ويَأْكُلَها، وهَؤُلاءِ يُجِيزُونَ الأكْلَ مِنها في كُلِّ سِفْرٍ مَعَ الضَرُورَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وغَيْرُهُما: المَعْنى غَيْرُ باغٍ عَلى المُسْلِمِينَ وعادَ عَلَيْهِمْ، فَيَدْخُلُ في الباغِي والمُعادِي قَطّاعُ السُبُلِ، والخارِجُ عَلى السُلْطانِ، والمُسافِرُ في قَطْعِ الرَحِمِ والغارَةِ عَلى المُسْلِمِينَ وما شاكَلَهُ، ولِغَيْرِ هَؤُلاءِ هي الرُخْصَةُ.

وقالَ السُدِّيُّ: " غَيْرَ باغٍ " أيْ غَيْرَ مُتَزَيِّدٍ عَلى حَدِّ إمْساكِ رَمَقِهِ، وإبْقاءِ قُوَّتِهِ، فَيَجِيءُ أكْلُهُ شَهْوَةً، "وَلا عادٍ" أيْ مُتَزَوِّدٍ.

وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: يَأْكُلُ المُضْطَرُّ شِبَعَهُ، وفي المُوَطَّأِ -وَهُوَ لِكَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ- أنَّهُ يَتَزَوَّدُ إذا خَشِيَ الضَرُورَةَ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن مَفازَةٍ وقَفْرٍ.

وعادٍ مَعْناهُ: عائِدٌ، فَهو مِنَ المَقْلُوبِ كَشاكِي السِلاحِ، أصْلُهُ شائِكٌ، وكَهارٍ أصْلُهُ هائِرٌ، وكَلاثٍ أصْلُهُ لائِثٌ.

وَباغٍ أصْلُهُ باغِي، اسْتُثْقِلَتِ الكَسْرَةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، والتَنْوِينُ ساكِنٌ، فَحُذِفَتِ الياءُ، والكَسْرَةُ تَدُلُّ عَلَيْها، ورَفَعَ اللهُ الإثْمَ لَمّا أحَلَّ المَيْتَةَ لِلْمُضْطَرِّ، لِأنَّ التَحْرِيمَ في الحَقِيقَةِ مُتَعَلَّقُهُ التَصَرُّفَ بِالأكْلِ، لا عَيْنَ المُحَرَّمِ، ويُطْلَقُ التَحْرِيمُ عَلى العَيْنِ تَجَوُّزًا.

ومَنَعَ قَوْمٌ التَزَوُّدَ مِنَ المَيْتَةِ وقالُوا: لَمّا اسْتَقَلَّتْ قُوَّةُ الآكِلِ صارَ كَمَن لَمْ تُصِبْهُ ضَرُورَةٌ قَبْلُ.

ومِنَ العُلَماءِ مَن يَرى أنَّ المَيْتَةَ مِنِ ابْنِ آدَمَ والخِنْزِيرِ لا تَكُونُ فِيها رُخْصَةَ اضْطِرارٍ لِأنَّهُما لا تَصِحُّ فِيهِما ذَكاةٌ بِوَجْهٍ، وإنَّما الرُخْصَةُ فِيما تَصِحُّ الذَكاةُ في نَوْعِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ﴾ الآيَةُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ، والسُدِّيُّ: المُرادُ أحْبارُ اليَهُودِ، الَّذِينَ كَتَمُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ  ، و"الكِتابُ": التَوْراةُ والإنْجِيلُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى "الكِتابِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "ما" وهو جُزْءٌ مِنَ الكِتابِ فِيهِ أمْرُ مُحَمَّدٍ  ، وفِيهِ وقْعُ الكَتْمِ لا في جَمِيعِ الكِتابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الكِتْمانِ.

والثَمَنُ القَلِيلُ: الدُنْيا والمَكاسِبُ، ووَصْفُ بِالقِلَّةِ لِانْقِضائِهِ ونَفادِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ؛ وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ في الأحْبارِ، فَإنَّها تَتَناوَلُ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ مَن كَتَمَ الحَقَّ مُخْتارًا لِذَلِكَ لِسَبَبِ دُنْيا يُصِيبُها.

وَذُكِرَتِ البُطُونُ في أكْلِهِمُ المُؤَدِّي إلى النارِ، دَلالَةً عَلى حَقِيقَةِ الأكْلِ، إذْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في مِثْلِ أكَلَ فُلانٌ أرْضِي ونَحْوَهُ، وفي ذِكْرِ البَطْنِ أيْضًا تَنْبِيهٌ عَلى مَذَمَّتِهِمْ، لِأنَّهم باعُوا آخِرَتَهم بِحَظِّهِمْ مِنَ المَطْعَمِ، الَّذِي لا خَطَرَ لَهُ، وعَلى هُجْنَتِهِمْ بِطاعَةِ بُطُونِهِمْ.

وقالَ الرَبِيعُ، وغَيْرُهُ: سُمِّيَ مَأْكُولُهم نارًا لِأنَّهُ يَؤُولُ بِهِمْ إلى النارِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللهَ تَعالى يُعاقِبُهم عَلى كِتْمانِهِمْ بِأكْلِ النارِ في جَهَنَّمَ حَقِيقَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُكَلِّمُهُمُ ﴾ ، قِيلَ: هي عِبارَةٌ عَنِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ، وإزالَةُ الرِضى عنهُمْ، إذْ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ القُرْآنِ ما ظاهِرُهُ أنَّ اللهَ تَعالى يُكَلِّمُ الكافِرِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ  ﴾ ونَحْوَهُ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: فُلانٌ لا يُكَلِّمُهُ السُلْطانُ، ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ، وأنْتَ إنَّما تُعَبِّرُ عَنِ انْحِطاطِ مَنزِلَتِهِ لَدَيْهِ.

وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: المَعْنى: ولا يُكَلِّمُهم بِما يُحِبُّونَ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يُرْسِلُ إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ بِالتَحِيَّةِ.

" ولا يُزَكِّيهِمْ " مَعْناهُ: لا يُطَهِّرُهم مِن مُوجِباتِ العَذابِ، وقِيلَ: المَعْنى لا يُسَمِّيهِمْ أزْكِياءَ، و"ألِيمٌ" اسْمُ فاعِلٍ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اعتراض بخطاب المسلمين بالامتنان عليهم بإباحة ما في الأرض من الطيبات، جَرَّت إليه مناسبة الانتقال، فقد انتُقل من توبيخ أهل الشرك على أن حَرَّموا ما خلقه الله من الطيبات إلى تحذير المسلمين من مثل ذلك مع بيان ما حُرِّم عليهم من المطعومات، وقد أعيد مضمون الجملة المتقدمة جملة ﴿ يأيها الناس كلوا مما في الأرض ﴾ [البقرة: 168] بمضمون جملة ﴿ يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ ليكون خطاب المسلمين مستقلاً بنفسه، ولهذا كان الخطاب هنا بيأيها الذين آمنوا، والكلام على الطيبات تقدم قريباً.

وقوله: ﴿ واشكروا لله ﴾ معطوف على الأمر بأكل الطيبات الدال على الإباحة والامتنان، والأمر في ﴿ اشكروا ﴾ للوجوب لأن شكر المنعم واجب.

وتقدم وجه تعدية فعل الشكر بحرف اللام عند قوله تعالى: ﴿ واشكروا لي ﴾ [البقرة: 152].

والعدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر لأن في الاسم الظاهر إشعاراً بالإلاهية فكأنه يومِئ إلى ألاَّ تشكر الأصنام؛ لأنها لم تَخلُق شيئاً مما على الأرض باعتراف المشركين أنفسهم فلا تستحق شكراً.

وهذا من جعل اللقب ذا مفهوم بالقرينة؛ إذ الضمير لا يصلح لِذلك إلاّ في مواضع.

ولذلك جاء بالشرط فقال: ﴿ إن كنتم إياه تعبدون ﴾ أي اشكروه على ما رزقكم إن كنتم ممن يتصف بأنه لا يعبد إلاّ الله أي إن كنتم هذا الفريق وهذه سجيتكم، ومن شأن كان إذا جاءت وخبرها جملة مضارعية أن تدل على الاتصاف بالعنوان لا على الوقوع بالفعل مثل قوله: ﴿ إن كنتم للرؤيا تعبرون ﴾ [يوسف: 43] أي إن كان هذا العلم من صفاتكم، والمعنى إن كنتم لا تشركون معه في العبادة غيره فاشكروه وحده.

فالمراد بالعبادة هنا الاعتقاد بالإلاهية والخضوع والاعتراف وليس المراد بها الطاعات الشرعية.

وجواب الشرط محذوف أغني عنه ما تقدم من قوله ﴿ واشكروا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ﴾ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِما حَرَّمَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ﴾ لِيَدُلَّ عَلى تَخْصِيصِ التَّحْرِيمِ مِن عُمُومِ الإباحَةِ، فَقالَ: ﴿ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ ﴾ وهو ما فاتَ رُوحُهُ بِغَيْرِ ذَكاةٍ.

( والدَّمَ ) هو الجارِي مِنَ الحَيَوانِ بِذَبْحٍ أوْ جُرْحٍ.

﴿ وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: التَّحْرِيمُ مَقْصُورٌ عَلى لَحْمِهِ دُونَ غَيْرِهِ اقْتِصارًا عَلى النَّصِّ، وهَذا قَوْلُ داوُدَ بْنِ عَلِيٍّ.

والثّانِي: أنَّ التَّحْرِيمَ عامٌّ في جُمْلَةِ الخِنْزِيرِ، والنَّصُّ عَلى اللَّحْمِ تَنْبِيهٌ عَلى جَمِيعِهِ لِأنَّهُ مُعْظَمُهُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

﴿ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ( أُهِلَّ ) أيْ ذُبِحَ وإنَّما سُمِّيَ الذَّبْحُ إهْلالًا لِأنَّهم كانُوا إذا أرادُوا ذَبْحَ ما قَرَّبُوهُ لِآلِهَتِهِمْ ذَكَرُوا عِنْدَهُ اسْمَ آلِهَتِهِمْ وجَهَرُوا بِهِ أصْواتَهُمْ، فَسُمِّيَ كُلُّ ذابِحٍ جَهَرَ بِالتَّسْمِيَةِ أوْ لَمْ يَجْهَرْ مُهِلًّا، كَما سُمِّيَ الإحْرامُ إهْلالًا لِرَفْعِ أصْواتِهِمْ عِنْدَهُ بِالتَّلْبِيَةِ حَتّى صارَ اسْمًا لَهُ وإنْ لَمْ يُرْفَعْ عِنْدَهُ صَوْتٌ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ما ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ مِنَ الأصْنامِ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ.

والثّانِي: ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ والرَّبِيعِ.

﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ اضْطُرَّ افْتُعِلَ مِنَ الضَّرُورَةِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: فَمَن أُكْرِهَ عَلى أكْلِهِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: فَمَنِ احْتاجَ إلى أكْلِهِ لِضَرُورَةٍ دَعَتْهُ مِن خَوْفٍ عَلى نَفْسٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: غَيْرُ باغٍ عَلى الإمامِ ولا عادٍ عَلى الأُمَّةِ بِإفْسادِ شَمْلِهِمْ، فَيَدْخُلُ الباغِي عَلى الإمامِ وأُمَّتِهِ والعادِي: قاطِعُ الطَّرِيقِ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: غَيْرُ باغٍ في أكْلِهِ فَوْقَ حاجَتِهِ ولا عادٍ يَعْنِي مُتَعَدِّيًا بِأكْلِها وهو يَجِدُ غَيْرَها، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والرَّبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: غَيْرُ باغٍ في أكْلِها شَهْوَةً وتَلَذُّذًا ولا عادٍ بِاسْتِيفاءِ الأكْلِ إلى حَدِّ الشِّبَعِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

وَأصْلُ البَغْيِ في اللُّغَةِ: قَصْدُ الفَسادِ يُقالُ: بَغَتِ المَرْأةُ تَبْغِي بِغاءً إذا فَجَرَتْ.

وَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا  ﴾ ورُبَّما اسْتُعْمِلَ البَغْيُ في طَلَبِ غَيْرِ الفَسادِ، والعَرَبُ تَقُولُ: خَرَجَ الرَّجُلُ في بِغاءِ إبِلٍ لَهُ، أيْ في طَلَبِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ لا يَمْنَعَنَّكَ مِن بِغا ءِ الخَيْرِ تَعْقادُ التَّمائِمِ ∗∗∗ إنَّ الأشائِمَ كالأيا ∗∗∗ مِنِ، والأيامِنَ كالأشائِمِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم ﴾ [ المؤمنون: 51] وقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنَّى يستجاب لذلك» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ كلوا من طيبات ﴾ قال: من الحلال.

وأخرج ابن سعد عن عمر بن عبد العزيز.

أنه قال يوماً: إني أكلت حمصاً وعدساً فنفخني.

فقال له بعض القوم: يا أمير المؤمنين إن الله يقول في كتابه ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ فقال عمر، هيهات ذهبت به إلى غير مذهبه، إنما يريد به طيب الكسب ولا يريد به طيب الطعام.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ يقول: صدقوا ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ يعني اطعموا من حلال الرزق الذي أحللناه لكم بتحليلي إياه لكم مما كنتم تحرمونه أنتم، ولم أكن حرمته عليكم من المطاعم والمشارب ﴿ واشكروا لله ﴾ يقول: أثنوا على الله بما هو أهل له على النعم التي رزقكم وطيبها لكم.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي أمية ﴿ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ قال فلم يوجد من الطيبات شيء أحل ولا أطيب من الولد وماله.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة ويشرب الشربة فيحمد الله عليها» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ قال المفسرون: هذا أمرُ إباحةٍ لا ندبٍ، ولا إيجابٍ (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ أراد: إن كانت العبادة لله واجبة عليكم بأنه إلهكم، فالشكر له واجب بأنه محسن إليكم، فمعنى الشرط هاهنا: المظاهرة في الحجاج (٣) (١) ينظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 51، "تفسير القرطبي" 2/ 198.

(٢) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 83، والثعلبي 1/ 1340.

(٣) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 83 <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ واشكروا ﴾ الآية: دليل على وجوب الشكر لقوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ الميتة ﴾ ما مات حتف أنفه، وهو عموم خص منه الحوت والجراد، وأجاز مالك أكل الطافي من الحوت، ومنعه أبو حنيفة، ومنع مالك الجراد حتى تسيب في بيوتها بقطع عضو منها أو وضعها في الماء وغير ذلك، وأجازه عبد الحكم دون ذلك ﴿ والدم ﴾ يريد المسفوح لتقييده بذلك في سورة الأنعام، ولا خلاف في إباحة ما خالط اللحم من الدم ﴿ وَلَحْمَ الخنزير ﴾ هو حرام سواء ذُكِّي أو لم يذكَّ، وكذلك من حلف أن لا يأكل لحماً فأكل شحماً حنث بخلاف العكس ﴿ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ ﴾ أي: صيح لأنهم كانوا يصيحون باسم من ذبح له، ثم استعمل في النية في الذبح ﴿ لِغَيْرِ الله ﴾ الأصنام وشبهها ﴿ اضطر ﴾ بالجوع أو بالإكراه، وهو مشتق من الضرورة ووزنه افتعل، وأبدل من التاء طاء ﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ﴾ قيل: باغ على المسلمين، وعاد عليهم، ولذلك لم يرخص مالك في رواية عنه للعاصي بسفره أن يأكل لحم الميتة، والمشهور عنه الترخيص له، وقيل: غير باغ باستعمالها من غير اضطرار وقيل: باغ أي متزايد على إمساك رمقه.

ولهذا لم يجز الشافعي للمضطر أن يشبع من الميتة.

قال مالك: بل يشبع ويتزوّد ﴿ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ رفع للحرج، ويجب على المضطر أكل الميتة لئلا يقتل نفسه بالجوع وإنما تدل الآية على الإباحة لا على الوجوب، وقد اختلف هل يباح له ميتة بني آدم أم لا؟

فمنعه مالك وأجازه الشافعي لعموم الآية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الميتة ﴾ بتشديد الياء: يزيد.

الباقون: بالسكون؛ ﴿ فمن اضطر ﴾ بكسر النون وضم الطاء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وكسر الطاء: يزيد.

الباقون: بضمهما.

الوقوف: ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغير الله ﴾ ج الشرط مع فاء التعقيب ﴿ عليه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ تزكيهم ﴾ ج والوصل أولى لاتصال بعض جزائهم بالبعض ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بالمغفرة ﴾ ج للابتداء بالتعجب أو الاستفهام والوجه الوصل للمبالغة في الإنكار.

﴿ على النار ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط للابتداء بأن ﴿ بعيد ﴾ ربع الجزء.

التفسير: إنه  تكلم من أول السورة إلى ههنا في دلائل التوحيد والنبوة واستقصى شرح أهل النفاق والشقاق من المشركين وأهل الكتاب، وذيل كلاً من ذلك بما يناسبه، ومن ههنا شرع في بيان الأحكام الشرعية.

الحكم الأول: إباحة الأكل للمؤمنين بعد ما عمم للناس كلهم، وهذا بالنظر إلى الأصل.

وقد يصير واجباً العارض كما لو أشرف على الهلاك بسبب المجاعة، وقد يكون مندوباً كموافقة الضيف واستدل بقوله ﴿ من طيبات ما رزقناكم ﴾ على أن الرزق قد يكون حراماً فإن الطيب هو الحلال.

ولو كان الرزق حلالاً ألبتة لم يبق في ذكر الطيب فائدة إذ يصير المعنى كلوا من حلالات ما أحللنا لكم وأجيب بالمنع من أن معنى الطيب ما ذكر بل المعنى كلوا من متلذذات ما رزقناكم، ولعل أقواماً ظنوا أن التوسع في الأكل الحلال والاستكثار من الملاذ ممنوع منه فرفع الحرج.

﴿ واشكروا لله ﴾ الذي رزقكموها ﴿ إن كنتم إياه تعبدون ﴾ إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه مولى النعم فإن الشكر رأس العبادة، والتركيب يدور على الكشف والإظهار ومنه كشر إذا كشف عن ثغره، فنشر النعم وحصرها باللسان من الشكر.

وباطن الشكر أن يستعين بالنعم على الطاعة دون المعصية وقال بعضهم: أوليتنـي نعمـاً أبـوح بشكـرهـا *** وكفيتنـي كـل الأمـور بـأسرهـا فلأشكـرنك ما حييت فـإن أمـت *** فلتشكـرنك أعظمـي فـي قبرهـا عن النبي  "يقول الله  إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري" ولما أجمل في الآية ما يباح أكله ذيل بحصر ما هو محرّم ليبقى ما عدا ذلك على أصل الإباحة فقيل ﴿ إنما حرم عليكم الميتة والدم ﴾ يتناول ما مات حتف أنفه وما لم تدرك ذكاته على الوجه الشرعي.

وإذا كانت محرمة وجب الحكم بنجاستها إجماعاً، ولأن تحريم ما ليس بمحرم ولا فيه ضر وظاهر يدل على النجاسة.

وليس في الآية إجمال عند الأكثرين، لأن المفهوم من تحريم الميتة ليس تحريم أعيانها وإنما المفهوم في العرف حرمة التصرف في هذه الأجسام كما لو قيل: فلان يملك جارية.

فهم منه عرفاً أنه يملك التصرف فيها.

وعلى هذا فالآية تدل على حرمة جميع التصرفات إلا ما أخرجه الدليل المخصص كالسمك والجراد لقوله  "أحلت لنا ميتتان ودمان.

أما الميتتان فالجراد والنون.

وأما الدمان فالطحال والكبد" .

وقال  في صفة البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" وهذا عام لجميع الحيوانات التي لا تعيش إلا في الماء وإن لم تكن على صورة السمكة المشهورة.

ولا فرق أيضاً بين ما يؤكل نظيره في البر كالبقر والشاة وبين ما لا يؤكل كخنزير الماء وكلبه على أصح القولين للشافعي.

وقد زعم بعض الناس كصاحب الكشاف أن السمك والجراد يخرج بنفسه لأن الميتة لا تتناولهما عرفاً وعادة، ولهذا من حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث، وإن أكل لحماً في الحقيقة لقوله  ﴿ لتأكلوا منه لحماً طرياً  ﴾ وشبهوه بما لو حلف لا يركب دابة فركب كافراً لم يحنث وإن عدّ الكافر من الدواب لقوله  ﴿ إن شر الدواب عند الله الذين كفروا  ﴾ وفيه نظر.

لأن عدم التناول عرفاً إنما هو بعد تخصيص الشارع فلا يمكن أن يجعل دليلاً على عمومه.

وكالجنين الذي يوجد ميتاً عند ذبح الأم عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد وهو المروي عن علي  وابن مسعود وابن عمر لقوله  "ذكاة الجنين ذكاة أمه" وقال أبو حنيفة: لا يؤكل إلا أن يخرج حياً فيذبح وحمل الحديث على الإضمار أي ذكاة الجنين كذكاة أمه وردّ بأن الإضمار خلاف الأصل، وبأنه إذا خرج لا يسمى جنيناً، وبأنه لا يبقى للخبر حينئذ فائدة، لأن ذلك معلوم، ولما روي عن أبي سعيد "أنه  سئل عن الجنين يخرج ميتاً قال: إن شئتم فكلوه فإن ذكاته ذكاة أمه" وكشعر الميتة وصوفها فإنهما عند أبي حنيفة ظاهران لقوله  في معرض الامتنان ﴿ ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين  ﴾ ولقوله  في شاة ميمونة "إنما حرم من الميتة أكلها" ولأنهم كانوا يلبسون جلود الثعالب، ولأن الشعر، وا لصوف لا حياة فيه لأن حكم الحياة الإدراك والشعور.

ومن ههنا ذهب مالك إلى تحريم العظام دون الشعور، وعند الشافعي الشعر والعظم ونحوهما كالقرن والظفر والسن كلها نجسة لقوله  "ما أبين من حي فهو ميت" ولأن الحياة عندنا عبارة عن كونه متعرض للفساد والتعفن، وهذا المعنى يعم الشعر واللحم.

وأما الإهاب فللفقهاء فيه مذاهب سبعة.

فأوسع الناس قولاً الزهري.

جوز استعمال الجلود بأسرها قبل الدباغ، ثم داود قال: تطهر كلها بالدباغ لقوله  "أيما إهاب دبغ فقد طهر" ولأن الدباغ يعيد الجلد إلى ما كان عليه حال الحياة من عدم التعفن والفساد.

ثم مالك يطهر ظاهر كلها دون باطنها.

ثم أبو حنيفة يطهر كلها إلا جلد الخنزير لدسومته والآدمي لكرامته.

ثم الشافعي يطهر الكل إلا جلد الكلب والخنزير.

ثم الأوزاعي وأبو ثور يطهر جلد ما يؤكل لحمه فقط.

ثم أحمد بن حنبل والشيعة لا يطهر شيء منها بالدباغ لإطلاق الآية ولقول عبد الله بن حكيم: أتانا كتاب رسول الله  قبل وفاته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب.

واختلف في أنه هل يجوز الانتفاع بالميتة بإطعام البازي والبهيمة؟

فمنهم من منع منه حتى قال بعضهم: إذا أقدم البازي من عند نفسه على أكل الميتة وجب علينا منعه.

وجوز الشافعي استعمال نجس العين كجلد الكلب والخنزير للضرورة كمفاجأة قتال مع فقدان غيره، وكدفع الحر والبرد المهلكين، ولأجل تجليل الكلب وإن لم يكن ضرورة، وكذا استعمال جلد الميتة قبل الدباغ لتجليل الدابة والكلب، وكذا استعمال النجس العين كودك الميتة والخنزير والزبل للاستصباح وتسميد الأرض لعموم الحاجة القريبة من الضرورة، وقد نقله الأثبات عن أصحاب رسول الله  .

وسئل  عن الفأرة تقع في السمن فقال: " استصبحوا به ولا تأكلوه" .

والدخان وإن كان نجساً لكنه قليل معفو عنه.

وعند أبي حنيفة: إذا مات في الماء القليل ما ليس له نفس سائلة أي دم كالذباب والبعوض والخنفساء والعقرب وبنات وردان لم يفسد الماء قل أو كثر لأن رطوبة هذه الحيوانات تشبه رطوبة النبات فهي حية وميتة على هيئة واحدة.

وعند الشافعي فيه قولان: وعامة الأصحاب عدّوا دود الطعام من جملة ما ليس له نفس سائلة وقالوا: لا ينجس الطعام الذي تولد منه بموته فيه بلا خلاف.

وإن وقع في ماء أو في مائع آخر فقولان.

ثم الذباب والبعوض ونحوهما وإن حكم بطهارة ميتتهما فهي محرمة لأنها مستقذرة مندرجة تحت عموم اسم الميتة.

وفي جواز أكل دود الطعام والفواكه والماء وجهان، والأظهر تحرمها عند الانفراد، ومع هذه الأشياء يمكن أن يسامح به.

وسأل عبد الله بن المبارك أبا حنيفة عن طائر وقع في قدر مطبوخ فمات فقال أبو حنيفة لأصحابه: ما ترون فيها؟

فذكروا له عن ابن عباس أن اللحم يؤكل بعد ما يغسل فيهراق المرق.

فقال أبو حنيفة: بهذا نقول على شريطة إن كان وقع فيها في حال سكونها: فكما في هذه الرواية، وإن وقع فيها في حال غليانها لم يؤكل اللحم ولا المرق.

قال ابن المبارك: ولم ذلك؟

قال: لأنه إذا سقط فيها في حال غليانها فمات فقد داخلت الميتة اللحم، وإذا وقع فيها في حال سكونها فمات فقد وسخت الميتة اللحم.

فاستحسنه ابن المبارك.

وعند أبي حنيفة: ذبح ما لا يؤكل لحمه يستعقب الطهارة.

وعند الشافعي لا يستعقبها كما لا يستعقب حل الأكل، وكما لو ذبح المجوسي مأكول اللحم.

ولبن الشاة الميتة وأنفحتها طاهران عند أبي حنيفة دون الشافعي ومالك، لا لأن الآية لا تتناولهما فإن اللبن لا يوصف بأنه ميتة، بل لتنجسهما بمجاورة الميتة.

وبيض مأكول اللحم إذا مات ووجد ذلك في جوفه فإن كان متصلباً فطاهر بعد أن يغسل وإلاّ فلا.

أما الدم فعند الشافعي جميعه محرم سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح لإطلاق الآية إلا الكبد والطحال للخبر عند من يقول بتناول الآية إياهما، وعند من يقول بذلك لا تخصيص.

وقال أبو حنيفة: دم السمك ليس بمحرم، وأما لحم الخنزير فأجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم، وتخصيص اللحم بالذكر لأن معظم الانتفاع متعلق به.

أما شعر الخنزير فغير داخل في الظاهر وإن أجمعوا على تحريمه وتنجيسه.

واختلفوا في أنه هل يجوز الانتفاع به للخرز؟

فأبو حنيفة ومحمد يجوز، والشافعي لا يجوز.

واحتج أبو حنيفة بأنا نرى المسلمين يقرون الأساكفة على استعماله من غير نكير، ولأن الحاجة ماسة إليه.

وأما ما أهل به لغير الله فمعناه رفع به الصوت للصنم وذلك قول أهل الجاهلية باسم اللات والعزى.

وأهل المعتمر إذا رفع صوته بالتلبية.

قال العلماء: لو أن مسلماً ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتداً، وذبيحته ذبيحة مرتد.

وقدم به في هذه السورة وأخر في المائدة والأنعام والنحل لأن تقدم الباء هو الأصل لأنه يجري في إفادة التعدية مجرى الهمزة والتضعيف، فكان الموضع الأول هو اللائق بهذا الأصل، وفي سائر المواضع قدم ما هو المستنكر وهو الذبح لغير الله، ولهذا لم يذكر في سائر الآية قوله ﴿ فلا إثم عليه ﴾ اكتفاء بما ذكر في الموضع الأول.

ويستثنى مما أهل به لغير الله ذبائح أهل الكتاب إذا سمي عليها باسم المسيح مثلاً لإطلاق قوله  ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم  ﴾ ولأن النصراني إذا سمي الله  فإنما يريد به المسيح وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب.

وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه: إذا ذبحوا على اسم المسيح فقد أهلوا به لغير الله فوجب أن يحرم.

وإذا ذبحوا على اسم الله فظاهر اللفظ يقتضي الحل ولا عبرة بما لو أراد به المسيح.

وعن علي كرم الله وجهه: إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير الله فلا تأكلوا، وإذا لم تسمعوهم فكلوا فإن الله  قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون.

واعلم أن ظاهر الآية يقتضي أن يكون سوى هذه الأشياء محرماً، لكنا نعلم أن في الشرع أشياء أخر سواها من المحرمات، فكلمة إنما متروكة العمل بظاهرها والله أعلم ﴿ فمن اضطر ﴾ افتعل من الضر وهو الضيق أي ألجئ.

استثنى من التحريم حالة الضرورة ولها سببان: أحدهما الجوع الشديد وأن لا يجد مأكولاً حلالاً يسد به الرمق فعند ذلك يكون مضطراً إلى أكل المحرم.

الثاني: إذا أكرهه على تناوله مكره فيحل له تناول ما أكره عليه.

والاضطرار ليس من أفعال المكلف حتى يقال إنه لا إثم عليه فيه، فلا بد من إضمار وهو الأكل.

أي فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه، وإنما حذف للعلم به.

"وغير" ههنا بمعنى "لا" النافية كأنه قيل: فمن اضطر باغياً ولا عادياً.

والبغي في اللغة الظلم والخروج عن الإنصاف.

بغي الجرح ورم وترامي إلى فساد.

وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حد الشيء فهو بغي.

والعدوان الظلم الصراح وتجاوز الحد.

وللأئمة في الآية قولان: أحدهما وإليه ذهب أبو حنيفة تخصيص البغي والعدوان بالأكل، وعلى هذا فالمعنى غير باغ بأن يجد حلالاً تكرهه النفس، فعد إلى أكل الحرام للذته ﴿ ولا عاد ﴾ أي متجاوز قدر الرخصة، أو غير باغ أي طالب للذة ولا عاد متجاوز سداً لجوعه، عن الحسن وقتادة والربيع ومجاهد وابن زيد: أو غير باغ على مضطر آخر بالاستئثار عليه، ولا عاد في سد الجوعة.

والثاني وإليه ذهب الشافعي والإمامية: غير باغٍ على إمام المسلمين، ولا عادٍ بالمعصية طريق المحقين.

ويتفرع على الاختلاف أن العاصي بسفره هل يترخص أم لا؟

فعند أبي حنيفة يترخص لأنه مضطر وغير باغٍ ولا عادٍ في الأكل.

وعند الشافعي لا يترخص لأنه موصوف بالعدوان ويؤيده الآية الأخرى ﴿ فمن اضطر في مخمصةٍ غير متجانفٍ لإثم  ﴾ وأيضاً غير باغٍ ولا عادٍ حالان من الاضطرار، فلا بد أن يكون وصف الاضطرار باقياً في الحالين وليس كذلك، لأنه حال الأكل لا يبقى وصف الاضطرار.

وأيضاً الإنسان نفور بطبعه عن تناول الميتة والدم فلا حاجة إلى نهيه عن التعدي في الأكل.

وأيضاً إنه نفي ماهية البغي والعدوان، وإنما تنتفي عند انتفاء جميع أفرادها ويتحقق حينئذٍ نفي العدوان في السفر كما هو مقصودنا.

وأما تخصيص البغي بالأكل كما ذهبتم إليه فترجيح من غير دليل.

حجة أبي حنيفة قوله  في آية أخرى ﴿ وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه  ﴾ وهذا الشخص مضطر فوجب أن يترخص.

وأيضاً قال  ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم  ﴾ ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة  ﴾ والامتناع عن الأكل سعي في قتل النفس، فيحرم كما لو ترك دفع أسباب الهلاك عن نفسه إذا صال عليه جمل أو فيل أو حية.

وأيضاً الضرورة تبيح تناول طعام الغير من دون الرضا بل على سبيل القهر، وهذا التناول محرم لولا الاضطرار فكذا ههنا.

أجاب الشافعي: بأنه يمكنه الوصول إلى استباحة هذه الرخص بالتوبة، فإذا لم يتب فهو الجاني على نفسه.

ثم إن الرخصة إعانة على السفر وإذا كان السفر معصية فالرخصة إعانة على المعصية، والسعي في تحصيل المعصية محظور، فالجمع غير ممكن ثم اتفق الإمامان على أن المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه إلا إذا عجز عن السير ويهلك فيتناول المشبع.

وقال عبد الله بن الحسن العنبري: يأكل منها ما يسد جوعته.

وعن مالك: يأكل منها حتى يشبع ويتزود فإن وجد غنى عنها طرحها.

والأول أقرب، لأن سبب الرخصة إذا كان الإلجاء فمتى ارتفع الإلجاء ارتفعت الرخصة، كما لو وجد الحلال لم يحل له تناول الميتة، وكما أن الجوعة في الابتداء لا تبيح أكل الميتة إذا لم يخف ضرراً بتركه.

وهذه الرخصة لجميع المحرمات عند الأكثرين، وبعضهم خصصها بما سوى لحم الخنزير، والشافعي منع عن شرب الخمر لشدة العطش دون إساغة اللقمة.

وفي التداوي بها وجهان، وبسائر المحرمات يجوز ولا يجب الامتناع إلى أن يشرف على الموت فإن الأكل حينئذٍ لا ينفع، بل لو انتهى إلى تلك الحالة له التناول.

وحدوث مرض مخوف في جنسه كخوف الموت، وهكذا إن كان يخاف منه لطوله وتماديه.

ولا يشترط في جميع ذلك إلا غلبة الظن دون التيقن.

ومعنى قوله ﴿ فلا إثم عليه ﴾ رفع الحرج والضيق كما مر في قوله ﴿ فلا جناح عليه أن يطوّف بهما  ﴾ ورفع الحرج قدر مشترك بين الواجب والمندوب والمباح فلا ينافي وجوب الأكل في حالة الاضطرار.

ومعنى قوله ﴿ أن الله غفور رحيم ﴾ أن المقتضي للحرمة قائم إلا أنه زالت الحرمة لوجود العارض، فلما كان تناوله تناول ما حصل فيه المقتضى للحرمة ذكر بعده المغفرة، ثم ذكر أنه رحيم يعني لأجل الرحمة أبحت لكم ذلك، أو لعل المضطر يزيد على تناول قدر الحاجة فهو  غفور بأن يغفر ذنبه في تناول الزيادة، رحيم حيث أباح تناول قدر الحاجة.

أو أنه لما بين هذه الأحكام فالمكلفون بالنسبة إليها إما أن يعصوا فذكر أنه غفور لهم إذا تابوا، أو يطيعوا فهو رحيم حيث وفقهم للطاعة.

﴿ إن الذين يكتمون ﴾ عن ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم - كعب بن الأشرف وحي بن أخطب ونحوهما - كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم، فلما بعث من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم فعمدوا إلى صفة رسول الله  فغيروها ثم أخرجوها إليهم وقالوا: هذا نعت نبي آخر الزمان لا يشبه نعت هذا النبي الذي بمكة.

فإذا نظرت السفلة إلى النعت المغير وجدوه مخالفاً لصفة النبي  فلا يتبعونه ﴿ ويشترون به ﴾ أي بالكتمان لدلالة الفعل عليه، أو بالمنزل.

وقد سبق معنى الاشتراء والثمن القليل ﴿ في بطونهم ﴾ حال أي ملء بطونهم.

أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه ﴿ إلا النار ﴾ لأنه إذا أكل ما يلتبس بالنار لكونها عقوبة عليه فكأنه أكل النار كقولهم "أكل الدم" أي الدية التي هي بدل منه: قال: أكلـت دمـاً إن لـم أرعـك بضـرة *** بعيـدة مهـوى القـرط طيبـة النشـر وذلك أنهم كانوا يستنكفون عن أخذ الدية وبعيدة مهوى القرط كناية عن طول العنق.

ويمكن أن يقال: إنهم يأكلون في الآخرة النار لأكلهم في الدنيا الحرام ﴿ ولا يكلمهم الله ﴾ بما يحبون لأنهم كتموا كلامه في الدنيا بل بنحو ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] أو لا يكلمهم الله أصلاً لغضبه عليهم كما هو ديدن الملوك من الإعراض عند السخط والإقبال عند الرضا ﴿ ولا يزكيهم ﴾ بالإثناء عليهم أو بقبول أعمالهم ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ بيان لتماديهم في الخسارة فإن أحسن الأشياء في الدنيا الاهتداء والعلم، وأقبحها الضلال والجهل.

وفي الآخرة أنفع الأشياء المغفرة، وأضرها العذاب فهم في خسران الدارين لاستبدالهم في الدنيا أقبح الأمور بأحسنها، وفي الآخرة أضر الأشياء بأنفعها.

﴿ فما أصبرهم على النار ﴾ تعجب من حالهم في تلبسهم بمواجب النار من غير مبالاة منهم، فإن الراضي بموجب الشيء لا بد أن يكون راضياً بمعلوله ولازمه إذا علم ذلك اللزوم كما تقول لمن يتعرض لما يوجب غضب السلطان "ما أصبرك على القيد والسجن" وهذا التعجب منهم في حال التكليف واشترائهم الضلالة بالهدى.

وعن الأصم: أن المراد أنه إذا قيل لهم ﴿ اخسؤا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] فهم يسكتون ويصبرون على النار لليأس من الخلاص.

وضعف بأنه خلاف الظاهر وبأن أهل النار قد يقع منهم الجزع والاستغاثة.

وقيل: إن "ما" في ﴿ ما أصبرهم ﴾ للاستفهام لمعنى التوبيخ معناه أي شيء صبرهم عليها حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل؟

وهذا أصل معنى فعل التعجب والتعجب استعظام الشيء مع خفاء سبب حصول عظم ذلك الشيء هذا هو الأصل، ثم قد يستعمل لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب كما في حق الله  ﴿ ذلك ﴾ الوعيد الشديد أو ذلك الكتمان وسوء معاملتهم إنما هو بسبب ﴿ إن الله نزل الكتاب ﴾ يعني جنس الكتب السماوية أو القرآن ﴿ بالحق ﴾ بالصدق أو ببيان الحق وقد نزل في جملة ما نزل أن هؤلاء الرؤساء من أهل الكتاب لا يؤمنون ولا يكون منهم إلا الإصرار على الكفر فإنه  ختم على قلوبهم ﴿ وإن الذين اختلفوا في الكتاب ﴾ جنسه فقالوا في البعض حق وفي البعض باطل وهم أهل الكتاب ﴿ لفي شقاق ﴾ خلاف ﴿ بعيد ﴾ عن الحق، أو الذين اختلفوا في القرآن فقال بعضهم شعر، وبعضهم سحر، وبعضهم أساطير الأولين، أو الذين اختلفوا في التوراة والإنجيل فقدح كل منهما في الآخر، أو ذكر كل منهما للآيات الدالة على نبوة محمد  تأويلاً آخر فاسداً، أو حرفوا كلاً منهما على وجه آخر لأجل عداوتك هم فيما بينهم في شقاقٍ بعيدٍ ومنازعةٍ شديدةٍ.

فلا ينبغي أن تلتفت إلى اتفاقهم على العداوة، فإنه ليس فيما بينهم مؤالفة وموافقة.

وعن أبي مسلم: اختلفوا في الكتاب أي توارده مثل ﴿ إن في اختلاف الليل والنهار  ﴾ أي تعاقبهما.

واعلم أن الآية وإن نزلت في أهل الكتاب، يشبه أن تكون عامة في كل من كتم شيئاً من باب الدين فيكون حكماً ثانياً للمسلمين، ويصلح أن يتمسك بها القاطعون بوعيد أصحاب الكبائر.

وكان السبب في تعقيب هذا الحكم الحكم الأول أن أهل الكتاب قد حرموا بعض ما أحل الله كلحوم الإبل وألبانها وأحلوا بعض الشحوم، فسيقت الآية تعريضاً بصنعهم وتصريحاً بجزائهم وجزاء أضرابهم والله أعلم.

التأويل: الميتة جيفة الدنيا والدم وهي الشهوات النفسانية "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" وقال أيضاً  "سدوا مجاري الشيطان بالجوع" ولحم الخنزير مادة الشره والحرص، وما أهل به لغير الله كل ما يتقرب به إلى الله رياء وسمعة والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ .

[يتوجه وجهين: أحدهما: الإذن في الأكل ما تستطيبه النفس وتتلذذ به، ليكون أرضى وأشكر لله فيما أنعم عليه، ويكون على إرادة الحلال بقوله: ﴿ طَيِّبَاتِ ﴾ ، فيكون في الآية دليل كون المرزوق حلالاً وحراماً، إذ قيل: "من ذا"، ولم يقل: "كلوا ذا"، ولو كان كل الرزق حلالاً لكان يقول: "كلوا مما رزقناكم".

والله أعلم.

ثم حق المحنة التمكين مما يحرم ويحل، ومما ترغب إليه النفس وتزهد.

فجائز جميع ذلك كله في الملك وفي الرزق ليمكن لكم من الأمرين بالمحنة، إذ ذلك حق المحنة.

والله الموفق.

وقوله: ﴿ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ ] يدل على أن الذي كان لهم الأكل وأمرهم بالتناول منه هو الحلال.

ثم فيه الدليل على أن من الرزق ما هو طيب حلال، وما هو خبيث حرام؛ إذ لو لم يكن منه طيبٌ وخبيثٌ لكان لا يشترط فيه ذكر الطيب، بل يقول: "كلوا مما رزقناكم".

فإن قيل: فما وجه الحكمة في الامتحان بجعل الخبيث رزقاً لهم؟

قيل: هذا أصل المحنة في كل شيء، يجعل لهم الغذاء؛ فلا يأمرهم بالامتناع عنه، ويجعل لهم قضاء الشهوة في المحرم ويأمرهم بالكف.

وهو الظاهر من المحن.

وقوله: ﴿ وَٱشْكُرُواْ للَّهِ ﴾ .

على ما أباح لكم من الطيبات.

وقوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ .

أي: إن كنتم منه ترون ذلك.

ويحتمل: ﴿ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ أي إياه توحدون.

ويحتمل: ﴿ إِن كُنْتُمْ ﴾ مِمَّن تعبدونه - أياه تقصدون - فاجعلوا عبادتكم له خالصة، لا تعبدوا غيره ليكون له.

ولا قوة إلا بالله.

وقيل: "إن" بمعنى: إذ آثرتم عبادته فاشكروا له.

ويحتمل قوله: ﴿ وَٱشْكُرُواْ للَّهِ ﴾ على جميع ما أنعم عليكم من الدين، والنبي، والقرآن وغير ذلك من النعم، أي: كونوا له شاكرين.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ ﴾ .

ذكر "الميتة" فمعناه: حرم عليكم الأكل من الميتة والتناول منها، فإذا كان كذلك فليس فيه حرمة ما لا يؤكل والانتفاع به من نحو الصوف، والشعر، والعظم ونحوه.

ألا ترى أن هذا إذا أريد من الشاة وهي حية وأبين منها لم تصر ميتة لا يجوز الانتفاع به، وغيره من اللحم إذا أبين منها صار ميتة؛ لما روي في الخبر: "ما أبين من الحي فهو ميت" ولأن الصوف واللبن وغيرهما ليسوا بذوي الروح فيموت باستخراج الروح منها؛ كالحيوان على ما ذكرنا من الخبر.

وروي عن عمر، رضي الله  عنه، أنه سئل عن الأنفحة استخرجت من الميتة، فقال: أفيها دم؟

فقيل: لا.

فقال: لا بأس، كلوا؛ فإن اللبن على ذكاة فيه.

أو كلام نحو هذا.

وكذلك روي عن ابن عمر، رضي الله  عنهما، أنه قال: لا بأس.

فإن قيل: ألا فسد بنجاسة الضرع؛ كالوعاء النجس يكون فيه اللبن يفسد بفساده؟

قيل: إن الشيء إذا كان موضعاً للشيء ومعدنه في الأصل فإن فساد ذلك الموضع لا يوجب فساد ما فيه.

ألا ترى أن الدم الذي يجري بين الجلد واللحم إذا ذبح لا يفسد اللحم لما كان ذلك موضعه ومظانه؟!

فعلى ذلك اللبن في الضرع.

وأما الإهاب: فإنه إذا دبغ فقد طهر؛ لما روي عن رسول الله  أنه قال: "أيما إهاب دبغ فقد ظهر" والدم المذكور في هذه الآية هو الدم المسفوح.

دليله قوله  : ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً  ﴾ ، فالمحرم من الدماء المسفوح وهو السائل.

ألا ترى أن الشاة إذا ماتت صارت ميتة بهلاك ذلك المحرم من الدم فيها؟!

وقوله: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

واختلف فيه على أوجه: قيل: قوله: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ﴾ هو تفسير قوله: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ وَلاَ مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ  ﴾ ، فصار قوله: ﴿ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ وَلاَ مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ ﴾ تفسير قوله: ﴿ مُحْصَنَٰتٍ ﴾ ؛ لأنها إن كانت محصنة كانت غير مسافحة ولا متخذة الأخذان.

فعلى ذلك إن كان مضطرّاً كان غير باغ ولا عاد.

والله أعلم.

وقيل: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ أي غير مستحل لتناوله، ﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ بعدو على أكله للجوع.

وقيل: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ غير متجاوز حده، ﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ ولا مقتصر نهايته.

[وقيل: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ فيه ﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ على حد الله إذ حرمه عليه في غير حال الاضطرار، فيصير باغياً في الأكل، عاديا على حد الله.

وقيل: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ﴾ في مجاوزته في أكل الحد المجعول له من إقامة المهجة ودفع الضرورة، فأكل بشهوة أو لحاجة غير حاجة الجوع خاصة.

وقيل: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ على المسلمين، ﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ عليهم].

[لكن تصريح النهي عن الانتفاع بالشيء وحرمة هتكها صاحبها نهي عما هتك لا عما كان مباحا لهم كما روي عن نبي الله  "لا صلاة للمرأة الناشزة ولا للعبد الآبق" وذلك نهي عن الإباق والنشوز لا عن الصلاة، فمثله لو كان نهيا، فكيف ولا نهى؟!

ولكن ذكر إباحة على صفة لم يذكر الحل والتحريم في الابتداء مع تلك الصفة وجملته أن بغيه لا يحرم ما قد أحل بالخبر هو بالاتفاق؛ فكذلك ما أحل بالسبب، دليل ذلك: أمر الكفرة وسائر الفسقة أنه لم يحرم بينهم شيء من ذلك.

والثاني النهي عن قتله].

ثم اختلف في حرمة عين الميتة في حال الاضطرار وحلها: قال بعضهم: عينها حلال ليس بمحرم.

وقال آخرون: عينها محرمة لكن التناول منها مباح.

وهو قول أصحابنا رحمهم الله.

فمن قال بحل عينها للضرورة ذهب إلى أن الحظر والإباحة لا يقع في الأصل لعين الشيء، ولا يتكلم فيها بحل ولا حرمة بحيث العين، بل الحرمة والحل هي الواردة عليها، موجبة حق الحرمة، ثم الحرمة ترتفع بالضرورة.

فيبقى عينه على ما كان في الأصل.

ومن قال بحرمة عينها وبحل التناول منها ذهب إلى أن الحرمة حدثت لما كانت ميتة ومهلاًّ لغير وجه الله.

فحدوث الحل للضرورة يدل على أن العلة كانت هي الضرورة في حق رفع حرمة التناول، ولم ترفع حرمة عينها إلا أنه أبيح التناول منها للضرورة على بقاء الحرمة.

ولكن يجب ألا يتكلم في هذا ومثله بحرمة العين وحلها بعد أن تكون الإباحة للضرورة؛ إذ لله أن يحل عيناً محرمة في حال الاضطرار، وله أن يحرم عينها ويحل التناول منها للاضطرار.

فالتكلم فيه فضل وتكلف.

وبالله التوفيق.

ثم المسألة في الباغي والعادي: يحرم عليه التناول منها في حال الاضطرار أم لا؟

قال بعض أهل العلم: محرم ذلك عليه لأوجه: أحدها: لأنه ظالم.

وفي المنع عن التناول منها زجر عن الظلم، وفي إباحة التناول منها إعانة على الظلم، لذلك حرم عليه.

والثاني: أن القاتل عوقب عندما يأوى إلى الحرم بترك المؤاكلة والمشاربة والمجالسة إلى أن يضطر فيخرج عقوبة له.

فكذلك هذا يحرم عليه التناول منه عقوبة له إلى أن ينزجر.

وقال: إنه قد استحق بالبغي على أهل الإسلام العقوبة العظيمة، ويعاقب بهذا أيضاً.

ثم من قول هذا الرجل في الباغي: أنه إذا أتلف أموال أهل العدل لا يتعرض له بها ولا يغرم.

وكذلك العادل إذا أتلف أموال أهل البغي لا غرامة عليه.

والغرامة نوع من العقوبات، فإذا استويا في سقوط الغرامة - وإن كان أحدهما ظالماً - كيف لا استويا أيضاً في هذا؟

وما الذي يوجب التفرقة بينهما؟

ثم نقول لهذا المخالف لنا: إن الباغي المقيم يمسح يوماً وليلة، وإذا سافر لم يرخص له المسح.

وهو في الحضر رخصة كهي في السفر.

فما باله حرم إحدى الرخصتين على إباحة الأخرى مع وجود الظلم والبغي؟

فقال: لأن الضرورة طريق التناول فيه رخصة، لا ترخص الظالم، إذ هو تخفيف.

والأصل في المسألة أن الباغي على أهل الإسلام لا يأتمر بأحكام أهل الإسلام؛ إذ لو ائتمر أمر بالكف عن بغيه.

وإذا لم يأتمر في ذا، لا شك أنه لا يأتمر في الثاني، ولا يؤمر بما فيه العبث، ولا يزجره التحريم عن التناول، إذ على العلم بحرمة البغي بغى ما اشتهت نفسه، فكيف ينتهي للحرمة فيما اضطرت إليه نفسه؟

ولم يملك الغلبة عليها في شهوتها إيثاراً لها، كذلك إنظاراً لها للكف لا معنى لإحداث الحرمة عليه ببغيه.

وأصله قوله عز وجل: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ  ﴾ ، حرم عليهم إلقاء أنفسهم إلى المهالك، وقتلهم الأنفس.

وفي دفع هذه الرخصة عنه إباحة محرم، وهو أعظم منه عليه.

فلم يفعل؟

وأما [من] قال: بأن من قتل فأوى إلى الحرم، فإن أهله نهوا عن مؤاكلته ومشاربته، ولم ينه في نفسه الأكل والشرب، إذ لا يقدر أحد منعه عن ذلك.

فالقول في مثله تكلف.

فكذا الأول.

والله أعلم.

ثم المسألة في القدر الذي يجوز أن يتناول منها.

فعندنا: أن الإباحة كانت للاضطرار، فهو على القدر الذي له الدفع والإزالة، وذلك بدون ما فيه شدة المجاعة، وذلك الأصل في انتفاء الضرورة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، كلوا من الطيبات التي رزقكم الله وأباحها لكم، واشكروا لله ظاهرًا وباطنًا ما تفضل به عليكم من النعم، ومِن شُكره تعالى أن تعملوا بطاعته، وأن تجتنبوا معصيته، إن كنتم حقًّا تعبدونه وحده، ولا تشركون به شيئًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.B1p7v"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

بين الله تعالى حال الذين يتخذون الأنداد من دونه، وأشار إلى أن سبب ذلك حب الحطام، وارتباط مصالح المرؤوسين بمصالح الرؤساء في الرزق والجاه، وخاطب الناس كلهم بأن يأكلوا مما في الأرض إذ أباح لهم جميع خيراتها وبركاتها بشرط أن تكون حلالًا طيبًا.

وبين سوء حال الكافرين المقلدين الذين يقودهم الرؤساء كما يقوم الراعي الغنم لأنهم لا استقلال لهم في عقل ولا فهم -ثم وجه الخطاب إلى المؤمنين خاصة لأنهم أحق بالفهم، وأجدر بالعلم، وأحرى بالاهتداء، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ  ﴾ الأمر هنا للوجوب لا للإباحة، والطيبات ما طاب كسبه من الحلال، ويستلزم عدم تحريم شيء منها والامتناع عنها تدينًا لتعذيب النفس، وهذا تنبيه بعد ما تقدم إلى عدم الالتفات إلى أولئك الحمقى الذين أبيحت لهم خيرات الأرض، فطفقوا يحلون بعضها ويحرمون بعضًا بوساوس شيطانهم وتقليد رؤسائهم، وأُعطوا ميزانًا يميزون به الخواطر الشيطانية الضارة من غيرها، فما أقاموا به ولا له وزنًا، وبين لهم الحرام من الحلال، ولكنهم نفضوا أيديهم من عز الاستقلال بالاستدلال، وهون عليهم التقليد ذل القيود والأغلال، فهو يقول كلوا من هذه الطيبات ولا تضيقوا على أنفسكم مثلهم ﴿ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ  ﴾ الذى خلقها لكم وسهل عليكم أسبابها، بأن تتبعوا سنته الحكيمة في طلب هذه الطيبات واستخراجها، وفي استعمالها فيما خلقت لأجله، وبالثناء عليه  وعم نواله، واعتقاد أن هذه الطيبات من فضله وإحسانه، ليس لمن اتخذوا أندادًا له تأثير فيها، ولذلك قال ﴿ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ  ﴾ أي إن كنتم تحصونه بالعبادة، وتؤمنون بانفراده بالسلطة والتدبير، فاشكروا له خلق هذه النعم وإباحتها لكم، ولا تجعلوا له أندادًا تطلبون منهم الرزق أو ترجعون إليهم بالتحليل والتحريم، فإن ذلك له وحده، وإلا كنتم مشركين به، كافرين لنعمه، كالذين من قبلكم جهلوا معنى عبادة الله تعالى فاتخذوا بينهم وبينه وسطاء في طلب الرزق، ورؤساء يشرعون لهم من الدين ما لم يشرعه، ويحلون لهم ويحرمون عليهم ما لم يشرعه لهم.

ومن الشكر له تعالى استعمال القوى التي غذيت بتلك الطيبات في نفع أنفسكم وأمتكم وجنسكم.

وليس من الطيبات ما يأخذه شيوخ الطريق من مريديهم بل هو من الخبائث والسحت.

لا يفهم هذه الآية حق فهمها إلا من كان عارفًا بتاريخ الملل عند ظهور الإسلام وقبله، فإن المشركين وأهل الكتاب كانوا فرقًا وأصنافًا، منهم من حرم على نفسه أشياء معينة بأجناسها أو أصنافها كالبَحِيرة والسَّائبة عند العرب، وكبعض الحيوانات عند غيرهم، وكان المذهب الشائع في النصارى أن أقرب ما يتقرب به إلى الله تعالى تعذيب النفس واحتقارها وحرمانها من جميع الطيبات المستلذة، واحتقار الجسد ولوازمه، واعتقاد أن لا حياة للروح إلا بذلك، وأن الله تعالى لا يرضى منا إلا إحياء الروح.

وكان الحرمان من الطيبات على أنواع، منها ما هو خاص بالقديسين، أو بالرهبان والقسيسين، ومنها ما هو عام كأنواع الصوم الكثيرة كصوم العذراء وصوم القديسين، وفي بعضها يحرمون اللحم والسمن دون السمك، وفي بعضها يحرمون السمك واللبن والبيض أيضًا.

وكل هذه الأحكام والشرائع قد وضعها الرؤساء وليس لها أثر ينقل عن التوراة أو عن المسيح  ، وبذلك كانوا أندادًا، ونزل في شأنهم ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ  ﴾ وتقدم بيان ذلك، وقد سرت إليهم هذه الأحكام بالوراثة عن آبائهم الوثنيين الذين كانوا يحرمون كثيرًا من الطيبات ويرون أن التقرب إلى الله محصور في تعذيب النفس وترك حظوظ الجسد، إذ رأوا في دينهم وفي سيرة المسيح وحواريه من طلب المبالغة في الزهد ما يؤيدها.

وقد تفضل الله تعالى على هذه الأمة بجعلها أمة وسطًا تعطي الجسد حقه والروح حقها كما تقدم في تفسير ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا  ﴾ فأحل لنا الطيبات لتتسع دائرة نعمه الجسدية علينا، وأمرنا بالشكر عليها ليكون لنا منها فوائد روحانية عقلية، فلم نكن جسمانيين محضًا كالأنعام ولا روحانيين خلصًا كالملائكة، وإنما جعلنا أناسي كملة، بهذه الشريعة المعتدلة، فله الحمد والشكر والثناء الحسن.

ظهر بهذا التقرير أن الآية متصلة بما قبلها ومتممة له.

وقال بعض المفسرين -وله وجه فيما قال-: إن ما تقدم من أول السورة إلى ما قبل هذه الآية كله في القرآن والرسالة وأحوال المنكرين للداعي، وما جاء فيها من الأحكام فإنما جاء بطريق العرض والاستطراد، وهذه الآية ابتداء قسم جديد من الكلام، وهو سرد الأحكام، فإنه يذكر بعدها أحكام محرمات الطعام وأحكام الصوم والحج والقصاص والوصية والنكاح والطلاق والرجعة والعدة والإيلاء والرضاع وغير ذلك وينتهي هذا القسم بما قبل قوله تعالى ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَٰرِهِمْ  ﴾ الآية.

ولا غرو فإن بين كل قسم وآخر في القرآن من التناسب مثل ما بين كل آية وأخرى في القسم الواحد ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ  ﴾ .

بعد ذكر إباحة الطيبات ذكر المحرمات فقال تبارك اسمه ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ  ﴾ هذا حصر لمحرمات الطعام من الحيوان بصيغة ﴿ إِنَّمَا  ﴾ الدالة على ما سبق الإعلام به وهو آية سورة الأنعام التي ورد فيها حصر التحريم في هذه الأربعة بصيغة الإثبات بعد النفي.

وإنما حرم الميتة لما في الطباع السليمة من استقذارها، ولما يتوقع من ضررها، فإنها إما أن تكون ماتت بمرض سابق أو بعلة عارضة، وكلاهما لا يؤمن ضرره، لأن المرض قد يكون معديًا، والموت الفجائي يقتضي بقاء بعض الأشياء الضارة في الجسم كالكربون الذي يكون سبب الاختناق.

﴿ وَالدَّمَ  ﴾ أي المسفوح كما في آية الأنعام، فإنه قذر لا طيب وضار كالميتة ﴿ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ  ﴾ فإنه قذر، لأن أشهى غذاء الخنزير إليه القاذورات والنجاسات، وهو ضار في جميع الأقاليم ولا سيما الحارة كما ثبت بالتجربة، وأكل لحمه من أسباب الدودة الوحيدة القتالة ويقال إن له تأثيرًا سيئًا في العفة والغيرة ﴿ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ  ﴾ وهو ما يذبح ويقدم للأصنام أو غيرها مما يعبد.

والمنع من هذا ديني محض لحماية التوحيد، لأنه من أعمال الوثنية، فكل من أَهَلَّ لغير الله على ذبيحة، فإنه يتقرب إلى من أهَلَّ باسمه تقرب عبادة، وذلك من الإشراك والاعتماد على غير الله تعالى.

وقد ذكر الفقهاء أن كل ما ذكر عليه اسم غير الله ولو مع اسم الله فهو محرم، ومنه ما يجري في الأرياف كثيرًا من قولهم عند الذبح -لا سيما ذبح المندور- بسم الله، الله أكبر، يا سيد.

يدعون السيد البدوي أن يلتفت إليهم ويتقبل النذر ويقضي حاجة صاحبه.

وكيفما أَوَّلْتَه فهو محرم.

ومثل ذكر السيد ذكر الرسول أو المسيح إذ لا يجوز أن يذكر عند الذبح غير اسم المنعم بالبهيمة المبيح لها، فهي تذبح وتؤكل باسمه لا يشاركه في ذلك سواه، ولا يتقرب بها إلى من عداه، ممن لم يخلق ولم ينعم ولم يبح ذلك لأنه غير واضع للدين ﴿ فَمَنْ اضْطُرَّ  ﴾ إلى الأكل مما ذكر بأن لم يجد ما يسد به رمقه سواه ﴿ غَيْرَ بَاغٍ  ﴾ له أي غير طالب له، راغب فيه لذاته ﴿ وَلا عَادٍ  ﴾ متجاوز قدر الضرورة ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ  ﴾ لأن الإلقاء بنفسه إلى التهلكة بالموت جوعًا أشد ضررًا من أكل الميتة أو الدم أو لحم الخنزير، بل الضرر في ترك الأكل محقق، وهو في فعله مظنون، وربما كانت شدة الحاجة إلى الأكل مع الاكتفاء بسد الرمق مانعة من الضرر.

وأما ما أُهِلّ به لغير الله فمن أكل منه مضطرًا فهو لا يقصد إجازة عمل الوثنية ولا استحسانه ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ إذ حرم على عباده الضار، وجعل الضرورات بقدرها، لينتفي الحرج والعسر عنهم، ووكل تحديدها إلى اجتهادهم، فهو يغفر لهم خطأهم فيه لتعذر ضبطه.

وفسر (الجلال) كلمة ﴿ بَاغٍ  ﴾ بالخارج على المسلمين، و ﴿ عَادٍ  ﴾ بالمعتدي عليهم بقطع الطريق، ويلحق بهم كل عاص بسفره كالآبق والمكاس، وعليه الشافعي.

ولا خلاف بين المسلمين في أن العاصي كغيره يحرم عليه إلقاء نفسه في التهلكة، ويجب عليه توقي الضرر ويجب علينا دفعه عنه إن استطعنا، فكيف لا تتناوله إباحة الرخص؟!

ثم إن المناسب للسياق أن تحدد الضرورة التي تجيز أكل المحرم وتفسير الباغي والعادي بما ذكرنا هو المحدد لها، وهو موافق للغة كقوله تعالى حكاية عن أخوة يوسف ﴿ مَا نَبْغِي  ﴾ وفى الحديث الصحيح :"يا باغي الخير هلم"، وفي التنزيل ﴿ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ  ﴾ أي لا تتجاوزهم إلى غيرهم.

فالكلام في تحديد الضرورة وتمام بيان حكم ما يحل ويحرم من الأكل، لا في السياسة وعقوبة الخارجين على الدولة والمؤذين للأمة، وإنما كان هذا التحديد لازمًا لئلا يتبع الناس أهواءهم في تفسير الاضطرار إذا هو وكل إليهم بلا حد ولا قيد، فيزعم هذا أنه مضطر وليس بمضطر، ويذهب ذلك بشهوته إلى ما وراء حد الضرورة فعلم من قوله ﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ  ﴾ كيف تقدر الضرورة بقدرها، والأحكام عامة يخاطب بها كل مكلف لا يصح استثناء أحد إلا بنص صريح من الشارع.

ويذكر بعض المفسرين في هذا المقام مسائل خلافية في الميتة كحل الانتفاع بجلدها وغير ذلك مما ليس بأكل، وقد قلنا إننا لا نتعرض في بيان القرآن إلى المسائل الخلافية التي لا تدل عليها عبارته إذ يجب أن يبقى دائمًا فوق كل خلاف.

ومن مباحث البلاغة في الآية أن ذكر ﴿ غَفُورٌ  ﴾ له فيها نكتة دقيقة لا تظهر إلا لصاحب الذوق الصحيح في اللغة، فقد يقال إن ذكر وصف الرحيم ينبئ بأن هذا التشريع والتخفيف بالرخصة من آثار الرحمة الإلهية.

وأما الغفور فإنما يناسب أن يذكر في مقام العفو عن الزلات والتوبة عن السيئات.

والجواب عن هذا أن ما ذكر في تحديد الاضطرار دقيق جدًا ومرجعه إلى اجتهاد المضطر ويصعب على من خارت قواه من الجوع أن يعرف القدر الذي يمسك الرمق ويقي من الهلاك بالتدقيق وأن يقف عنده، والصادق الإيمان يخشى أن يقع في وصف الباغي والعادي بغير اختياره، فالله تعالى يبشره بأن الخطأ المتوقع في الاجتهاد في ذلك مغفور له ما لم يتعمد تجاوز الحدود.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله