الآية ١٨١ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٨١ من سورة البقرة

فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعْدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثْمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ١٨١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 90 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨١ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨١ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه ) يقول تعالى : فمن بدل الوصية وحرفها ، فغير حكمها وزاد فيها أو نقص ويدخل في ذلك الكتمان لها بطريق الأولى ( فإنما إثمه على الذين يبدلونه ) قال ابن عباس وغير واحد : وقد وقع أجر الميت على الله ، وتعلق الإثم بالذين بدلوا ذلك ) إن الله سميع عليم ) أي : قد اطلع على ما أوصى به الميت ، وهو عليم بذلك ، وبما بدله الموصى إليهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: فمن غيَّر ما أوصَى به الموصِي -من وصيته بالمعروف لوالديه أو أقربيه الذين لا يرثونه- بعد ما سمع الوصية، فإنما إثم التبديل على من بَدَّل وصيته.

* * * فإن قال لنا قائل: وعلامَ عادت " الهاء " التي في قوله: " فمن بدّله "؟

قيل: على محذوف من الكلام يدل عليه الظاهر.

وذلك هو أمر الميت، وإيصاؤه إلى من أوصَى إليه، بما أوصَى به، لمن أوْصَى له.

ومعنى الكلام: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ، فأوصوا لهم، فمن بدل ما أوصيتم به لهم بعد ما سَمعكم توصون لَهم, فإنما إثم ما فعل من ذلك عليه دونكم.

وإنما قلنا إن " الهاء " في قوله: " فمن بدله " عائدة على محذوف من الكلام يدل عليه الظاهرُ، لأن قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ من قول الله, وأنّ تبديل المبدِّل إنما يكون لوصية الموصِي.

فأما أمرُ الله بالوصية فلا يقدر هو ولا غيره أن يبدِّله، فيجوز أن تكون " الهاء " في قوله: " فمن بدله " عائده على " الوصية ".

وأما " الهاء " في قوله: " بعد ما سمعه "، فعائدة على " الهاء " الأولى في قوله: " فمن بَدَّله ".

وأما " الهاء " التي في قوله: " فإنما إثمه "، فإنها مكنيُّ" التبديل "، كأنه قال: فإنما إثم ما بدَّل من ذلك على الذين يبدلونه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 2681- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فمن بدَّله بَعد ما سمعه " قال، الوصية.

2682- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

2683- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس في قوله: " فمن بدَّله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدِّلونه "، وقد وقعَ أجر الموصي على الله وبَرئ من إثمه, وإن كان أوصى في ضِرَارٍ لم تجز وصيته, كما قال الله: غَيْرَ مُضَارٍّ [سورة النساء: 12] 2684- حدثنا الحسين بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " فمن بدَّله بعد ما سمعه "، قال: من بدّل الوصية بعد ما سمعها، فإثم ما بدَّل عليه.

2685- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا: عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " فمن بدَّله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه "، فمن بدَّل الوصية التي أوصى بها، وكانت بمعروف, فإنما إثمها على من بدَّلها.

إنه قد ظلم.

2686- حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد, عن قتادة: أن عطاء بن أبي رباح قال في قوله: " فمن بدَّله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدّلونه "، قال: يُمضَى كما قال.

2687- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن يزيد بن إبراهيم, عن الحسن: " فمن بدّله بعد ما سمعه "، قال: من بدل وصية بعد ما سمعها.

2688- حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا يزيد بن إبراهيم, عن الحسن في هذه الآية: " فمن بدّله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدِّلونه "، قال: هذا في الوصية، من بدَّلها من بعد ما سمعها, فإنما إثمه على من بَدَّله.

2689- حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي, عن قتادة, عن عطاء وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار أنهم قالوا: تُمضى الوصية لمن أوصَى له به = إلى هاهنا انتهى حديث ابن المثنى, وزاد ابن بشار في حديثه = قال قتادة: وقال عبد الله بن معمر: أعجبُ إليّ لو أوْصى لذوي قرابته, وما يعجبني أن أنـزعه ممن أوصَى له به.

قال قتادة: وأعجبه إليّ لمن أوصى له به, قال الله عز وجل: " فمن بدَّله بعدَ ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدّلونه ".

* * * القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: " إن الله سميع " = لوصيتكم التي أمرتكم أن تُوصوا بها لآبائكم وأمهاتكم وأقربائكم حين توصون بها, أتعدلون فيها على ما أذِنت لكم من فعل ذلك بالمعروف, أم تَحيفون فتميلون عن الحق وتجورون عن القصد؟

=" عليمٌ" بما تخفيه صدوركم من الميل إلى الحق، والعدل, أم الجور والحيْف.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليمفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : فمن بدله شرط ، وجوابه فإنما إثمه على الذين يبدلونه و " ما " كافة ل " إن " عن العمل .

وإثمه رفع بالابتداء ، على الذين يبدلونه موضع الخبر ، والضمير في بدله يرجع إلى الإيصاء ، لأن الوصية في معنى الإيصاء ، وكذلك الضمير في سمعه ، وهو كقوله : فمن جاءه موعظة من ربه أي وعظ ، وقوله : إذا حضر القسمة أي المال ، بدليل قوله " منه " ، ومثله قول الشاعر :ما هذه الصوتأي الصيحة ، وقال امرؤ القيس :برهرهة رؤدة رخصة كخرعوبة البانة المنفطروالمنفطر المنتفخ بالورق ، وهو أنعم ما يكون ، ذهب إلى القضيب وترك لفظ الخرعوبة .

وسمعه يحتمل أن يكون سمعه من الوصي نفسه ، ويحتمل أن يكون سمعه ممن يثبت به ذلك عنده ، وذلك عدلان ، والضمير في إثمه عائد على التبديل ، أي إثم التبديل عائد على [ ص: 251 ] المبدل لا على الميت ، فإن الموصي خرج بالوصية عن اللوم وتوجهت على الوارث أو الولي .

وقيل : إن هذا الموصي إذا غير الوصية أو لم يجزها على ما رسم له في الشرع فعليه الإثم .الثانية : في هذه الآية دليل على أن الدين إذا أوصى به الميت خرج به عن ذمته وحصل الولي مطلوبا به ، له الأجر في قضائه ، وعليه الوزر في تأخيره ، وقال القاضي أبو بكر بن العربي : وهذا إنما يصح إذا كان الميت لم يفرط في أدائه ، وأما إذا قدر عليه وتركه ثم وصى به فإنه لا يزيله عن ذمته تفريط الولي فيه .الثالثة : ولا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز ، مثل أن يوصي بخمر أو خنزير أو شيء من المعاصي أنه يجوز تبديله ولا يجوز إمضاؤه ، كما لا يجوز إمضاء ما زاد على الثلث ، قاله أبو عمر .الرابعة : قوله تعالى : إن الله سميع عليم صفتان لله تعالى لا يخفى معهما شيء من جنف الموصين وتبديل المعتدين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما كان الموصي قد يمتنع من الوصية, لما يتوهمه أن من بعده, قد يبدل ما وصى به قال تعالى: { فَمَنْ بَدَّلَهُ } أي: الإيصاء للمذكورين أو غيرهم { بَعْدَمَا سَمِعَهُ } أي: بعدما عقله, وعرف طرقه وتنفيذه، { فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ } وإلا فالموصي وقع أجره على الله, وإنما الإثم على المبدل المغير.

{ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ } يسمع سائر الأصوات, ومنه سماعه لمقالة الموصي ووصيته، فينبغي له أن يُراقب من يسمعه ويراه, وأن لا يجور في وصيته، { عَلِيمٌ } بنيته, وعليم بعمل الموصى إليه، فإذا اجتهد الموصي, وعلم الله من نيته ذلك, أثابه ولو أخطأ، وفيه التحذير للموصى إليه من التبديل، فإن الله عليم به, مطلع على ما فعله, فليحذر من الله، هذا حكم الوصية العادلة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى ( فمن بدله ) أي غير الوصية في الأوصياء أو الأولياء أو الشهود ( بعدما سمعه ) أي بعدما سمع قول الموصي ولذلك ذكر الكناية مع كون الوصية مؤنثة وقيل الكناية راجعة إلى الإيصاء كقوله تعالى : "فمن جاءه موعظة من ربه " ( 275 - البقرة ) رد الكناية إلى الوعظ ( فإنما إثمه على الذين يبدلونه ) والميت بريء منه ( إن الله سميع ) لما أوصى به الموصي ( عليم ) بتبديل المبدل أو سميع لوصيته عليم بنيته

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فمن بدَّله» أي الإيصاء من شاهد ووصي «بعد ما سمعه» علمه «فإنما إثمه» أي الإيصاء المبدل «على الذين يبدلونه» فيه إقامة الظاهر مقام المضمر «إن الله سميع» لقول الموصي «عليم» بفعل الوصي فمجاز عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فمَن غَيَّر وصية الميت بعدما سمعها منه قبل موته، فإنما الذنب على مَن غيَّر وبدَّل.

إن الله سميع لوصيتكم وأقوالكم، عليم بما تخفيه صدوركم من الميل إلى الحق والعدل أو الجور والحيف، وسيجازيكم على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم توعد - سبحانه - من يبدل الوصية بطريقة لم يأذن بها الله فقال - تعالى - : ( فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الذين يُبَدِّلُونَهُ ) .بدله : غير .

وتغيير الوصية يتأتى بالزيادة في الموصى به أو النقص منه أو كتمانه ، أو غير ذلك من وجوه التغيير للموصى به بعد وفاة الموصى .سمعه : أي علمه وتحققه ، وكنى بالسماع عن العلم لأنه طريق حصوله .

والضمائر البارزة في " بدله وسمعه وإثمه ويبدلونه " عائدة على القول أو على الكلام الذي يقوله الموصى والذي دل عليه لفظ الوصية أو على الإِيصاء المفهوم من الوصية ، وهو الإِيصاء أو القول الواقع على الوجه الذي شرعه الله .والمعنى : فمن غير الإِيصاء الذي أوصى به المتوفي عن وجهه ، بعدما علمه وتحققه منه ، فإنما إثم ذلك التغيير في الإيصاء يقع على عاتق هذا المبدل ، لأنه بهذا التبديل قد خان الأمانة ، وخالف شريعة الله ، ولن يلحق الموصى شيئاً من الإِثم لأنه قد أدى ما عليه بفعله للوصية كما يريدها الله - تعالى .وقد ختمت الآية بقوله - تعالى - : ( إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) للإِشعار بالوعيد الشديد الذي توعد الله به كل من غير وبدل هذا الحق عن وجهه ، لأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شيء من حيل الناس الباطلة ، فهو - سبحانه سميع لوصية الموصى ، عليه بما يقع فيها من تبديل وتحريف .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر أمر الوصية ووجوبها، وعظم أمرها، أتبعه بما يجري مجرى الوعيد في تغييرها.

أما قوله تعالى: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: هذا المبدل من هو؟

فيه قولان أحدهما: وهو المشهور أنه هو الوصي أو الشاهد أو سائر الناس، أما الوصي فبأن يغير الوصي الوصية إما في الكتابة وإما في قسمة الحقوق وأما الشاهد فبأن يغير شهادة أو يكتمها، وأما غير الوصي والشاهد فبأن يمنعوا من وصل ذلك المال إلى مستحقه، فهؤلاء كلهم داخلوا تحت قوله تعالى: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ ﴾ .

والقول الثاني: أن المنهى عن التغيير هو الموصي نهى عن تغيير الوصية عن المواضع التي بين الله تعالى بالوصية إليها وذلك لأنا بينا أنهم كانوا في الجاهلية يوصون للأجانب ويتركون الأقارب في الجوع والضر، فالله تعالى أمرهم بالوصية للأقربين، ثم زجر بقوله: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ ﴾ من أعرض عن هذا التكليف.

المسألة الثانية: الكناية في قوله: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ ﴾ عائد إلى الوصية، مع أن الكناية المذكورة مذكرة والوصية مؤنثة، وذكروا فيه وجوها أحدها: أن الوصية بمعنى الإيصاء ودالة عليه، كقوله تعالى: ﴿ فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ  ﴾ أي وعظ، والتقدير: فمن بدل ما قاله الميت، أو ما أوصى به أو سمعه عنه.

وثانيها: قيل الهاء راجعة إلى الحكم والفرض والتقدير فمن بدل الأمر المقدم ذكره.

وثالثها: أن الضمير عائد إلى ما أوصى به الميت فلذلك ذكره، وإن كانت الوصية مؤنثة.

ورابعها: أن الكناية تعود إلى معنى الوصية وهو قول أو فعل.

وخامسها: أن تأنيث الوصية ليس بالحقيقي فيجوز أن يكنى عنها بكناية المذكر.

أما قوله: ﴿ بَعْدَمَا سَمِعَهُ ﴾ فهو يدل على أن الإثم إنما يثبت أو يعظم بشرط أن يكون المبدل قد علم ذلك، لأنه لا معنى للسماع لو لم يقع العلم به، فصار إثبات سماعه كإثبات علمه.

أما قوله: ﴿ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الذين يُبَدّلُونَهُ ﴾ فاعلم أن كلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ للحصر والضمير في قوله: ﴿ إِثْمُهُ ﴾ عائد إلى التبديل، والمعنى: أن إثم ذلك التبديل لا يعود إلا إلى المبدل، وقد تقدم بيان أن المبدل من هو.

واعلم أن العلماء استدلوا بهذه الآية على أحكام أحدها: أن الطفل لا يعذب على كفر أبيه.

وثانيها: أن الإنسان إذا أمر الوارث بقضاء دينه، ثم إن الوارث قصر فيه بأن لا يقضي دينه فإن الإنسان الميت لا يعذب بسبب تقصير ذلك الوارث خلافاً لبعض الجهال.

وثالثها: أن الميت لا يعذب ببكاء غيره عليه، وذلك لأن هذه الآية دالة على أن إثم التبديل لا يعود إلا إلى المبدل، فإن الله تعالى لا يؤاخذ أحداً بذنب غيره وتتأكد دلالة هذه الآية بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى  ﴾ ﴿ مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا  ﴾ ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت  ﴾ .

المسألة الثالثة: إذا أوصى للأجانب، وفي الأقارب من تشتد حاجته هل يجوز للوصي تغيير الوصية أما من يقول بوجوب الوصية لمن لا يرث من الوالدين والأقربين اختلفوا فيه، فمنهم من قال: كانت الوصية للأقارب واجبة عليه، فإذا لم يفعل وصرف الوصية إلى الأجانب كان ذلك الأجنبي أحق به، ومنهم من قال: ينقض ذلك ويرد إلى الأقربين وقد ذكرنا تفصيل قول هؤلاء، أما من لا يوجب الوصية للقريب الذي لا يرث، فإما أن يكون ذلك بالثلث أو بأكثر من الثلث، فإن كان بالثلث فهو جائز ولا يجوز تغييره، ثم اختلفوا في المستحب، فكان الحسن يقول: المستحب هو النقصان من الثلث، لأنه عليه الصلاة والسلام قال: الثلث والثلث كثير فندب إلى النقصان، ومنهم من قال: بل الثلث مستحب، لأنه حقه والثواب فيه أكثر، ومنهم من يعتبر حال الميت وحال الورثة وقدر التركة، وهذا هو الأولى، فأما إن كانت الوصية بأكثر من الثلث فقد اختلفوا فيه، فمنهم من قال: لا يجوز ذلك إلا بأمر الورثة، والتماس الرضا منهم، وقال آخرون: لا تأثير لقول الورثة إلا بعد الموت، ثم إذا أوصى بأكثر من الثلث اختلفوا فمنهم من قال: يجوز إن أجازه الوارث ويكون عطية من الميت، ومنهم من يقول: بل يكون كابتداء عطية من الوارث.

أما قوله: ﴿ إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ فمعناه أنه تعالى سميع للوصية على حدها، ويعلمها على صفتها، فلا يخفى عليه خافية من التغيير الواقع فيها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت ﴾ إذا دنا منه وظهرت أماراته ﴿ خَيْر ﴾ مالاً كثيراً.

عن عائشة رضي الله عنها: أنّ رجلاً أراد الوصية وله عيال وأربعمائة دينار، فقالت: ما أرى فيه فضلاً.

وأراد آخر أن يوصي فسألته: كم مالك؟

فقال: ثلاثة آلاف.

قالت: كم عيالك؟

قال: أربعة.

قالت: إنما قال الله ﴿ إِن تَرَكَ خَيْرًا ﴾ وإنّ هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك، وعن عليّ رضي الله عنه: أنّ مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة فمنعه.

وقال: قال الله تعالى: ﴿ إِن تَرَكَ خَيْرًا ﴾ والخير هو المال، وليس لك مال.

والوصية فاعل كتب، وذكر فعلها للفاصل، ولأنها بمعنى أن يوصى، ولذلك ذكر الراجع في قوله: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا مَا سَمِعَهُ ﴾ والوصية للوارث كانت في بدء الإسلام فنسخت بآية المواريث، وبقوله عليه السلام: «إنّ الله أعطى كلّ ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث» وبتلقي الأمّة إياه بالقبول حتى لحق بالمتواتر وإن كان من الآحاد، لأنهم لا يتلقون بالقبول إلا الثبت الذي صحت روايته.

وقيل: لم تنسخ، والوارث يجمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين.

وقيل: ما هي بمخالفة لآية المواريث.

ومعناها: كتب عليكم ما أوصى به الله من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم ﴾ [النساء: 11] أو كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به الله لهم عليهم، وأن لا ينقص من أنصبائهم ﴿ بالمعروف ﴾ بالعدل، وهو أن لا يوصي للغني ويدع الفقير ولا يتجاوز الثلث ﴿ حَقّاً ﴾ مصدر مؤكد، أي حق ذلك حقاً ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ ﴾ فمن غير الإيصاء عن وجهه إن كان موافقاً للشرع من الأوصياء والشهود ﴿ بَعْدِ مَا سَمِعَهُ ﴾ وتحققه ﴿ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الذين يُبَدّلُونَهُ ﴾ فما إثم الإيصاء المغير أو التبديل إلا على مبدّليه دون غيرهم من الموصي والموصى له، لأنهما بريان من الحيف ﴿ إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ وعيد المبدّل ﴿ فَمَنْ خَافَ ﴾ فمن توقع وعلم، وهذا في كلامهم شائع يقولون: أخاف أن ترسل السماء، يريدون التوقع والظنّ الغالب الجاري مجرى العلم ﴿ جَنَفًا ﴾ ميلاً عن الحق بالخطأ في الوصية ﴿ أَوْ إِثْماً ﴾ أو تعمداً للحيف ﴿ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ ﴾ بين الموصى لهم وهم الوالدان والأقربون بإجرائهم على طريق الشرع ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ حينئذ، لأنّ تبديله تبديل باطل إلى حق ذكر من يبدّل بالباطل ثم من يبدّل بالحق ليعلم أنّ كل تبديل لا يؤثم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَمَن بَدَّلَهُ ﴾ غَيْرَهُ مِنَ الأوْصِياءِ والشُّهُودِ.

﴿ بَعْدَما سَمِعَهُ ﴾ أيْ وصَلَ إلَيْهِ وتَحَقَّقَ عِنْدِهِ، ﴿ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ﴾ فَما إثْمُ الإيصاءِ المُغَيَّرِ أوِ التَّبْدِيلِ إلّا عَلى مُبْدِلِيهِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ خافُوا وخالَفُوا الشَّرْعَ.

﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ وعِيدٌ لِلْمُبَدِّلِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

﴿ فَمَن خافَ مِن مُوصٍ ﴾ أيْ تَوَقَّعَ وعَلِمَ، مِن قَوْلِهِمْ أخافُ أنْ تُرْسَلَ السَّماءُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ « مُوصٍّ» مُشَدَّدًا.

﴿ جَنَفًا ﴾ مَيْلًا بِالخَطَأِ في الوَصِيَّةِ.

﴿ أوْ إثْمًا ﴾ تَعَمُّدًا لِلْحَيْفِ.

﴿ فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ ﴾ بَيْنَ المُوصى لَهم بِإجْرائِهِمْ عَلى نَهْجِ الشَّرْعِ.

﴿ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ في هَذا التَّبْدِيلِ، لِأنَّهُ تَبْدِيلٌ باطِلٌ إلى حَقٍّ بِخِلافِ الأوَّلِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ وعْدٌ لِلْمُصْلِحِ، وذَكَرَ المَغْفِرَةَ لِمُطابَقَةِ ذِكْرِ الإثْمِ وكَوْنِ الفِعْلِ مِن جِنْسِ ما يُؤْثِمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَمَن بَدَّلَهُ} فمن غير الإيصاء عن وجهه إن كان موافقاً للشرع من الأوصياء والشهود {بعد ما سمعه} أى الإيصاء

البقرة (١٨١ _ ١٨٤)

{فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الذين يُبَدّلُونَهُ} فما إثم التبديل إلا على مبدليه دون غيرهم من الموصي والموصى له لأنهما بريئان من الحيف {إن الله سميع} لقول الموصى {عليم} يجور المبدل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَمَن بَدَّلَهُ ﴾ أيْ: غَيَّرَ الإيصاءَ مِن شاهِدٍ ووَصِيٍّ، وتَغْيِيرُ كُلٍّ مِنهُما إمّا بِإنْكارِ الوَصِيَّةِ مِن أصْلِها أوْ بِالنَّقْصِ فِيها، أوْ بِتَبَدُّلِ صِفَتِها أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وجَعَلَ الشّافِعِيَّةُ مِنَ التَّبْدِيلِ عُمُومَ وصِيَّتِهِ مَن أوْصى إلَيْهِ بِشَيْءٍ خاصٍّ، فالمُوصِي بِشَيْءٍ خاصٍّ لا يَكُونُ وصِيًّا في غَيْرِهِ عِنْدَهُمْ، ويَكُونُ عِنْدَنا، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ التَّبْدِيلِ في شَيْءٍ، ﴿ بَعْدَما سَمِعَهُ ﴾ أيْ: عَلِمَهُ وتَحَقَّقَ لَدَيْهِ، وكَنّى بِالسَّماعِ عَنِ العِلْمِ؛ لِأنَّهُ طَرِيقُ حُصُولِهِ، ﴿ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ﴾ أيْ: فَما إثْمُ الإيصاءِ المُبْدَلِ أوِ التَّبْدِيلِ، والأوَّلُ رِعايَةً لِجانِبِ اللَّفْظِ، والثّانِي رِعايَةً لِجانِبِ المَعْنى، إلّا عَلى مُبَدِّلِيهِ لا عَلى المُوصِي؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ خالَفُوا الشَّرْعَ وخانُوا، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى عِلِّيَةِ التَّبْدِيلِ لِلْإثْمِ، وإيثارُ صِيغَةِ الجَمْعِ مُراعاةً لِمَعْنى ( مَن )، وفِيهِ إشْعارٌ بِشُمُولِ الإثْمِ لِجَمِيعِ الأفْرادِ.

﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 181﴾ فَيَسْمَعُ أقْوالَ المُبَدِّلِينَ والمُوصِينَ، ويَعْلَمُ بِنِيّاتِهِمْ، فَيُجازِيهِمْ عَلى وُفْقِها، وفي هَذا وعِيدٌ لِلْمُبَدِّلِينَ ووَعْدٌ لِلْمُوصِينَ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الفَرْضَ يَسْقُطُ عَنِ المُوصِي بِنَفْسِ الوَصِيَّةِ، ولا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ إنْ لَمْ يَعْمَلْ بِها، وعَلى أنَّ مَن كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَأوْصى بِقَضائِهِ يَسْلَمُ مِن تَبِعَتِهِ في الآخِرَةِ، وإنْ تَرَكَ الوَصِيُّ والوارِثُ قَضاءَهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ألْكِيا، والَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ أنَّ المَدْيُونَ لا تَبِعَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ مُطْلَقًا ولا يُحْبَسُ في قَبْرِهِ، كَما يَقُولُهُ النّاسُ، أمّا إذا لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا وماتَ مُعْسِرًا فَظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ بَقِيَ حَيًّا لا شَيْءَ عَلَيْهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ إعْسارِهِ، سِوى نَظِرَةٍ إلى مَيْسَرَةٍ، فَمُؤاخَذَتُهُ وحَبْسُهُ في قَبْرِهِ بَعْدَ ذَهابِهِ إلى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ، مِمّا لا يَكادُ يُعْقَلُ، وأمّا إذا تَرَكَ شَيْئًا وعَلِمَ الوارِثُ بِالدَّيْنِ أوْ بِرِهْنٍ عَلَيْهِ بِهِ كانَ هو المُطالَبُ بِأدائِهِ والمُلْزَمُ بِوَفائِهِ، فَإذا لَمْ يُؤَدِّ ولَمْ يَفِ أُوخِذَ هو لا مَن ماتَ وتَرَكَ ما يُوَفّى مِنهُ دَيْنُهُ كُلًّا أوْ بَعْضًا، فَإنَّ مُؤاخَذَةَ مَن يَقُولُ يا رَبِّ تَرَكْتُ ما يَفِي ولَمْ يَفِ عَنِّي مَن أوْجَبْتَ عَلَيْهِ الوَفاءَ بَعْدِي، ولَوْ أمْهَلَتَنِي لَوَفَّيْتُ مِمّا يُنافِي الحِكْمَةَ ولا تَقْتَضِيهِ الرَّحْمَةُ، نَعَمِ المُؤاخَذَةُ مَعْقُولَةٌ فِيمَنِ اسْتَدانَ لِحَرامٍ، وصَرَفَ المالَ في غَيْرِ رِضا المَلِكِ العَلّامِ، وما ورَدَ في الأحادِيثِ مَحْمُولٌ عَلى هَذا أوْ نَحْوِهِ، وأخْذُ ذَلِكَ مُطْلَقًا مِمّا لا يَقْبَلُهُ العَقْلُ السَّلِيمُ والذِّهْنُ المُسْتَقِيمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

كُتِبَ عَلَيْكُمْ، أي فرض عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً، أي مالاً.

الخير في القرآن على وجوه، أحدها: المال كقوله تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْراً وقوله: مآ أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ [البقرة: 215] ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ [البقرة: 272] أي المال.

والثاني: الإيمان كقوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً [الأنفال: 23] أي إيماناً، وكقوله تعالى: وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً [هود: 31] .

والثالث الخير: الفضل كقوله تعالى: وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون: 109 و 118] .

والرابع: العافية كقوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ [الأنعام: 17] وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ [يونس: 107] .

والخامس: الأجر كقوله: لَكُمْ فِيها خَيْرٌ [الحج: 36] أي أجر.

وقال بعضهم: الوصية واجبة على كل مسلم، لأن الله تعالى قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ، أي فرض عليكم الوصية.

وروي عن ابن عمر، عن رسول الله  أنه قال: «مَا حَقُّ امرئ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَةً وَعِنْدَهُ مَالٌ يُوَصِي بِهِ، إلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَه» وقال بعضهم: هي مباحة وليست بواجبة.

وقد روي عن الشعبي أنه قال: الوصية ليست بواجبة فمن شاء أوصى ومن شاء لم يوص.

وقال إبراهيم النخعي: مات رسول الله  ولم يوص، وقد أوصى أبو بكر-  - فإن أوصى فحسن، وإن لم يوص فليس عليه شيء.

وقال بعضهم: إن كان عليه حج أو كفارة أي شيء من الكفارات فالوصية واجبة، وإن لم يكن عليه شيء من الواجبات فهو بالخيار إن شاء أوصى وإن شاء لم يوص.

وبهذا القول نأخذ.

ثم بيّن مواضع الوصية فقال تعالى: الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ.

قال مجاهد: كان الميراث للولد والوصية للوالدين والأقربين، فصارت الوصية للوالدين منسوخة.

وروى جويبر، عن الضحاك أنه قال: نسخت الوصية للوالدين والأقربين ممن يرث، وثبتت الوصية لمن لا يرث من القرابة.

ويقال: في الآية تقديم وتأخير، معناه كتب عليكم الوصية للوالدين والأقربين إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت وكانوا يوصون للأجنبيين ولم يوصوا للقرابة شيئاً، فأمرهم الله تعالى بالوصية للوالدين والأقربين.

ثم نسخت الوصية للوالدين بآية الميراث في قوله: بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ، أي واجباً عليهم.

وقوله تعالى: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ، أي غيّره بعد ما سمع الوصية فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ، أي وزره على الذين يبدلونه ويغيرونه لا على الموصي، لأن الموصي قد فعل ما عليه.

إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بالوصية عَلِيمٌ بثوابها وبجزاء من غيّر الوصية.

فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً، أي علم من الموصي الجنف وهو الميل عن الحق فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، إذا غيّر وصيَّته فردها إلى الحق، لأن تبديله كان للإصلاح ولم يكن للجور.

وقال الكلبي: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً، أي علم من الميت الخطأ في الوصية، أَوْ إِثْماً، يعني تعمداً للجور في وصيته فزاد على الثلث فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ، أي رد ما زاد على الثلث فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

هكذا قال مقاتل: وروي عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الإضرار في الوصية من الكبائر.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: «فَمَنْ خَافَ مِنْ موَصّ» بنصب الواو وتشديد الصاد، وقرأ الباقون: بسكون الواو وتخفيف الصاد فمن قرأ بالنصب والتشديد، فهو من وصّى يوصي ومن قرأ بالتخفيف، فهو من أوصى يوصي.

وهما لغتان ومعناهما واحد ف إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، معناه غفور لمن جنف رحيم لمن أصلح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الآية، هو أنْ يأخذ الرجُلُ ديةَ وليِّه، ثم يقتل القاتل بعد سقوط الدم.

واختلف في العذابِ الأليم الَّذي يلحقه، فقال فريقٌ من العلماء، منهم مالك: هو كَمَنْ قتل ابتداءً، إِن شاء الوليُّ قتله، وإِن شاء، عفا عنه، وعذابه في الآخرة، وقال قتادة وغيره: يقتل البتَّةَ، ولا عَفْوَ فيه «١» ، ورُوِيَ في ذلك حديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم.

وقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ: المعنى: أن القصاص إِذا أقيم، وتحقَّق الحكْمُ به، ازدجر مَنْ يريد قتْلَ أحدٍ مخافَةَ أن يقتصَّ منه، فَحَيِيَا بذلك معاً، وأيضاً: فكانت العربُ إِذا قتل الرجلُ الآخَر، حمي قبيلاَهُما «٢» ، وتقاتلوا، وكان ذلك داعياً إلى موت العددِ الكثيرِ، فلمَّا شرَعَ اللَّه سبحانه القِصَاص، قنع الكلُّ به، ووقَف عنده، وتركوا الاقتِتال، فلهم في ذلك حياةٌ، وخُصَّ أولو الألباب بالذِّكْر، تنبيهاً عليهم لأنهم العارفون القابلُون للأوامر والنواهِي، وغيرهم تبع لهم.

وتَتَّقُونَ معناه: القتل، فتسلمون من القصاص، ثم يكون ذلك داعية لأنواع ٤٤ أالتقوى في غير ذلك، فإن اللَّه سبحانه/ يثيبُ على الطاعة بالطاعة.

وقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ...

الآية: كُتِبَ: معناه:

فُرِضَ وأُثْبِتَ، وفي قوله تعالى: إِذا حَضَرَ مجازٌ لأن المعنى: إِذا تخوَّف وحضرتْ علاماتُهُ.

والخير في هذه الآية: المالُ، واختُلِفَ في هذه الآية، هل هي مُحْكَمَةٌ، أو منسوخةٌ، فقال ابنُ عبَّاس، وقتادةُ، والحَسَن: الآيةُ عامَّة، وتقرَّر الحكم بها برهةً، ونسخ منها كلّ من يرث بآية الفرائض «٣» ، وقال بعضُ العلماء: إِن الناسخ لهذه الآية هي السّنّة المتواترة، وهو

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَن بَدَّلَ أمْرَ الوَصِيَّةِ بَعْدَ سَماعِهِ إيّاها، فَإنَّما إثْمُهُ عَلى مُبْدِلِهِ، لا عَلى المُوصِي، ولا عَلى المُوصى لَهُ ﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لِما قَدْ قالَهُ المُوصِي ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِما يَفْعَلُهُ المُوصى إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أو إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهم فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ أيّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أو عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ الضَمِيرُ في "بَدَّلَهُ" عائِدٌ عَلى الإيصاءِ وأمْرِ المَيِّتِ، وكَذَلِكَ في "سَمِعَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الَّذِي في "سَمِعَهُ" عَلى أمْرِ اللهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أسْبَقُ لِلنّاظِرِ، لَكِنَّ في ضِمْنِهِ أنْ يَكُونَ المُبَدِّلُ عالِمًا بِالنَهْيِ عامِدًا لِخِلافِهِ.

والضَمِيرُ في "إثْمُهُ" عائِدٌ عَلى التَبْدِيلِ، و ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ صِفَتانِ لا يَخْفى مَعَهُما شَيْءٌ مِن جَنَفِ المُوصِينَ وتَبْدِيلِ المُتَعَدِّينَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، عن عاصِمٍ: "مِن مُوصٍ" بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الصادِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ الواوِ.

والجَنَفُ: المَيْلُ، وقالَ الأعْشى: تَجانَفُ عن حَجْرِ اليَمامَةِ ناقَتِي وما قَصَدْتُ مِن أهْلِها لِسِوائِكا وقالَ عامِرُ الرامِي الحَضْرَمِيُّ المُحارِبِيُّ: هَمَّ المَوْلى وقَدْ جَنِفُوا عَلَيْنا ∗∗∗ وإنّا مِن عَدَواتِهِمْ لَزُورُ ومَعْنى الآيَةِ عَلى ما قالَ مُجاهِدٌ: مَن خَشِيَ أنْ يَحِيفَ المُوصِي ويَقْطَعَ مِيراثَ طائِفَةٍ، ويَتَعَمَّدَ الإذايَةَ أو يَأْتِيَها دُونَ تَعَمُّدٍ، وذَلِكَ هو الجَنَفُ دُونَ إثْمٍ، وإذا تَعَمَّدَ فَهو الجَنَفُ في إثْمٍ، فالمَعْنى: مَن وعْظَهُ في ذَلِكَ ورَدَّهُ عنهُ، فَأصْلَحَ بِذَلِكَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ ورَثَتِهِ، وما بَيْنَ الوَرَثَةِ في ذاتِهِمْ ﴿ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ .

﴿ إنَّ اللهَ غَفُورٌ ﴾ عَنِ المُوصِي إذا عَمِلَتْ فِيهِ المَوْعِظَةُ، ورَجَعَ عَمّا أرادَ مِنَ الإذايَةِ ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بِهِ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَتادَةُ والرَبِيعُ: مَعْنى الآيَةِ: مَن خافَ، أيْ عَلِمَ ورَأى وأتى عِلْمُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ المُوصِي أنَّ المُوصِي حافَ وجَنَفَ وتَعَمَّدَ إذايَةَ بَعْضِ ورَثَتِهِ، فَأصْلَحَ ما وقَعَ بَيْنَ الوَرَثَةِ مِنَ الِاضْطِرابِ والشِقاقِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، أيْ لا يَلْحَقُهُ إثْمُ المُبَدِّلِ المَذْكُورِ قَبْلُ وإنْ كانَ في فِعْلِهِ تَبْدِيلٌ ما ولا بُدَّ، ولَكِنَّهُ تَبْدِيلٌ لِمَصْلَحَةٍ، والتَبْدِيلُ الَّذِي فِيهِ الإثْمُ إنَّما هو تَبْدِيلُ الهَوى، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: "فَلا إثْمَ" عَلَيْهِ بِحَذْفِ الألِفِ.

و" كُتِبَ " مَعْناهُ فُرِضَ.

و"الصِيامُ" في اللُغَةِ: الإمْساكُ وتَرْكُ التَنَقُّلِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجِ، وخَيْلٌ تَعْلُكُ اللُجُما أيْ: خَيْلٌ ثابِتَةٌ مُمْسِكَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا  ﴾ أيْ: إمْساكًا عَنِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: كَأنَّ الثُرَيّا عَلِّقَتْ في مَصامِها ∗∗∗.................

أيْ في مَوْضِعِ ثُبُوتِها وامْتِساكِها، ومِنهُ قَوْلُهُ: فَدَعْ ذا وسَلِّ الهَمَّ عنكَ بِجَسْرَةٍ ∗∗∗ ذُمُولٌ إذا صامَ النَهارُ وهَجَّرا أيْ: وقَفَتِ الشَمْسُ عَنِ الِانْتِقالِ وثَبَتَتْ.

والصِيامُ في الشَرْعِ: إمْساكٌ عَنِ الطَعامِ والشَرابِ مُقْتَرِنَةً بِهِ قَرائِنُ، مِن مُراعاةِ أوقاتٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَهو مِن مُجْمَلِ القُرْآنِ في قَوْلِ الحُذّاقِ، والكافِ مِن قَوْلِهِ: "كَما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَعْتِ تَقْدِيرُهُ: كَتَبا كَما، أو صَوْمًا كَما، أو عَلى الحالِ، كَأنَّ الكَلامَ: كَتَبَ عَلَيْكُمُ الصِيامَ مُشَبَّهًا ما كَتَبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم.

وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى النَعْتِ لِلصِّيامِ، إذْ لَيْسَ تَعْرِيفُهُ بِمَحْضٍ لِمَكانِ الإجْمالِ الَّذِي فِيهِ مِمّا فَسَّرَتْهُ الشَرِيعَةُ، فَلِذَلِكَ جازَ نَعْتُهُ بِـ "كَما"، إذْ لا تُنْعَتُ بِها إلّا النَكِراتُ، فَهو بِمَنزِلَةِ: "كُتِبَ عَلَيْكم صِيامٌ" وقَدْ ضَعُفَ هَذا القَوْلُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَوْضِعِ التَشْبِيهِ، فَقالَ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: المَعْنى: كُتِبَ عَلَيْكم رَمَضانُ كَما كُتِبَ عَلى النَصارى، قالَ: فَإنَّهُ كُتِبَ عَلَيْهِمْ رَمَضانُ فَبَدَّلُوهُ لِأنَّهُمُ احْتاطُوا لَهُ، بِزِيادَةِ يَوْمٍ في أوَّلِهِ، ويَوْمٍ في آخِرِهِ، قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، حَتّى بَلَغُوهُ خَمْسِينَ يَوْمًا، فَصَعُبَ عَلَيْهِمْ في الحَرِّ فَنَقَلُوهُ إلى الفَصْلِ الشِتْوِيِّ.

قالَ النَقّاشُ: "وَفِي ذَلِكَ حَدِيثٌ عن دُغْفُلِ بْنِ حَنْظَلَةَ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، والسُدِّيِّ.

وقِيلَ: بَلْ مَرِضَ مَلِكٌ مِن مُلُوكِهِمْ، فَنَذَرَ إنَّ بَرِئَ أنْ يَزِيدَ فِيهِ عَشَرَةَ أيّامٍ، ثُمَّ آخِرُ سَبْعَةٍ، ثُمَّ آخِرُ ثَلاثَةٍ، ورَأوا أنَّ الزِيادَةَ فِيهِ حَسَنَةٌ بِإزاءِ الخَطَأِ في نَقْلِهِ.

وقالَ السُدِّيُّ، والرَبِيعُ: التَشْبِيهُ هو أنَّ مِنَ الإفْطارِ إلى مِثْلِهِ، لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ ولا يَطَأُ، فَإذا حانَ الإفْطارُ فَلا يَفْعَلُ هَذِهِ الأشْياءَ مَن نامَ، وكَذَلِكَ كانَ في النَصارى أوَّلًا، وكانَ في أوَّلِ الإسْلامِ، ثُمَّ نَسَخَهُ اللهُ بِسَبَبِ عُمَرَ وقَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ بِما يَأْتِي مِنَ الآياتِ في ذَلِكَ وقالَ عَطاءٌ: التَشْبِيهُ؛ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيامُ ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي بَعْضِ الطُرُقِ: ويَوْمَ عاشُوراءَ، كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ ويَوْمَ عاشُوراءَ، ثُمَّ نُسِخَ هَذا في هَذِهِ الأُمَّةِ بِشَهْرِ رَمَضانَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَشْبِيهُ كُتِبَ عَلَيْكم كَصِيامٍ بِالإطْلاقِ، أيْ: قَدْ تَقَدَّمَ في شَرْعِ غَيْرِكُمْ، فِـ " الَّذِينَ " عامٌّ في النَصارى وغَيْرِهِمْ.

و" لَعَلَّكم " تَرَجٍّ في حَقِّهِمْ، و" تَتَّقُونَ " قالَ السُدِّيُّ: مَعْناهُ تَتَّقُونَ الأكْلَ والشُرْبَ والوَطْءَ بَعْدَ النَوْمِ عَلى قَوْلِ مَن تَأوَّلَ ذَلِكَ.

وقِيلَ: تَتَّقُونَ عَلى العُمُومِ لِأنَّ الصِيامَ كَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ جُنَّةٌ ووِجاءٌ وسَبَبُ تَقْوى لِأنَّهُ يُمِيتُ الشَهَواتِ.

و" أيّامًا " مَفْعُولٌ ثانٍ بِـ "كُتِبَ" قالَهُ الفَرّاءُ، وقِيلَ: هي نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، وقِيلَ: نَصْبُها بِـ "الصِيامِ"، وهَذا لا يَحْسُنُ إلّا عَلى أنْ يَعْمَلَ الصِيامُ في الكافِ مِن "كَما" عَلى قَوْلِ مَن قَدَّرَ صَوْمًا كَما، وإذا لَمْ يَعْمَلْ في الكافِ قُبِّحَ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ وبَيْنَ ما عَمِلَ فِيهِ -بِما عَمِلَ فِيهِ غَيْرُهُ، وذَلِكَ إذا كانَ العامِلُ في الكافِ "كُتِبَ".

وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ "أيّامًا" ظَرْفًا يَعْمَلُ فِيهِ "الصِيامُ".

و"مَعْدُوداتٍ" قِيلَ: رَمَضانُ، وقِيلَ: الثَلاثَةُ الأيّامُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أو عَلى سَفَرٍ ﴾ التَقْدِيرُ: فَأفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ، وهَذا يُسَمُّونَهُ فَحْوى الخِطابِ.

واخْتُلِفَ العُلَماءُ في حَدِّ المَرَضِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الفِطْرُ؛ فَقالَ قَوْمٌ: مَتى حَصَلَ الإنْسانُ في حالٍ يَسْتَحِقُّ بِها اسْمَ المَرِيضِ صَحَّ الفِطْرُ قِياسًا عَلى المُسافِرِ أنَّهُ يُفْطِرُ لِعِلَّةِ السَفَرِ، وإنْ لَمْ تَدَعْهُ إلى الفِطْرِ ضَرُورَةً، وقالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.

وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: إذا كانَ بِهِ مَرَضٌ يُؤْذِيهِ ويُؤْلِمُهُ أو يَخافُ تَمادِيهِ، أو يَخافُ مِنَ الصَوْمِ تَزِيدُهُ.

صَحَّ لَهُ الفِطْرُ، وهَذا مَذْهَبُ حُذّاقِ أصْحابِ مالِكٍ وبِهِ يُناظِرُونَ، وأمّا لَفْظُ مالِكٍ فَهُوَ: المَرَضُ الَّذِي يُشَقُّ عَلى المَرْءِ ويَتَبَلَّغُ بِهِ.

وقالَ الحَسَنُ: إذا لَمْ يَقْدِرْ مِنَ المَرَضِ عَلى الصَلاةِ قائِمًا أفْطَرَ وقالَتْ فِرْقَةٌ: لا يُفْطِرُ بِالمَرَضِ إلّا مَن دَعَتْهُ ضَرُورَةُ المَرَضِ نَفْسِهِ إلى الفِطْرِ، ومَتى احْتَمَلَ الضَرُورَةَ مَعَهُ لَمْ يُفْطِرْ، وهَذا قَوْلُ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في الأفْضَلِ مِنَ الفِطْرِ أوِ الصَوْمِ في السَفَرِ، فَقالَ قَوْمٌ، والشافِعِيُّ، ومالكٌ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ الصَوْمُ أفْضَلُ لِمَن قَوِيَ، وجُلُّ مَذْهَبِ مالِكٍ التَخْيِيرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وغَيْرُهُما: الفِطْرُ أفْضَلُ.

وقالَ مُجاهِدٌ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وغَيْرُهُما: أيْسَرُهُما أفْضَلُهُما، وكَرِهَ ابْنُ حَنْبَلٍ وغَيْرُهُ الصَوْمَ في السَفَرِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ: مَن صامَ في السَفَرِ قَضى في الحَضَرِ وهو مَذْهَبُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

ومَذْهَبُ مالِكٍ في اسْتِحْبابِهِ الصَوْمَ لِمَن قَدِرَ عَلَيْهِ، وتَقْصِيرُ الصَلاةِ حَسَنٌ.

لِأنَّ الذِمَّةَ تَبْرَأُ في رُخْصَةِ الصَلاةِ وهي مَشْغُولَةٌ في أمْرِ الصِيامِ، والصَوابُ المُبادَرَةُ بِالأعْمالِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الفِطْرُ في السَفَرِ عَزْمَةٌ، وذَهَبَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ إلى الصَوْمِ وقالَ: إنَّما نَزَلَتِ الرُخْصَةُ ونَحْنُ جِياعٌ، نَرُوحُ إلى جُوعٍ، ونَغْدُو إلى جُوعٍ.

والسَفَرُ سَفَرُ الطاعَةِ، كالحَجِّ والجِهادِ بِإجْماعٍ، ويَتَّصِلُ بِهَذَيْنَ سَفَرُ صِلَةِ الرَحِمِ وطَلَبِ المَعاشِ الضَرُورِيِّ، وأمّا سَفَرُ التِجارَةِ والمُباحاتِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ بِالمَنعِ والجَوازِ، والقَوْلُ بِالجَوازِ أرْجَحُ.

وأمّا سَفَرُ المَعاصِي فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ بِالجَوازِ والمَنعِ، والقَوْلُ بِالمَنعِ أرْجَحُ.

ومَسافَةُ سَفَرِ الفِطْرِ عِنْدَ مالِكٍ حَيْثُ تَقْصُرُ الصَلاةُ.

واخْتُلِفَ في قَدْرِ ذَلِكَ؛ فَقالَ مالِكٌ: يَوْمٌ ولَيْلَةٌ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ مِيلًا، ورُوِيَ عنهُ: يَوْمانِ، ورُوِيَ عنهُ في العُتْبِيَّةِ: خَمْسَةٌ وأرْبَعُونَ مِيلًا، وفي المَبْسُوطِ: أرْبَعُونَ مِيلًا، وفي المَذْهَبِ: سِتَّةٌ وثَلاثُونَ مِيلًا، وفِيهِ: ثَلاثُونَ.

وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ والثَوْرِيُّ: الفِطْرُ في سَفَرِ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وفي غَيْرِ المَذْهَبِ يَقْصُرُ في ثَلاثَةِ أمْيالٍ فَصاعِدًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعِدَّةٌ ﴾ ، مَرْفُوعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ تَقْدِيرُهُ: فالحَكَمُ أو فالواجِبُ عِدَّةٌ، ويَصِحُّ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى ابْتِداءٍ والخَبَرُ بَعْدَهُ، والتَقْدِيرُ: فَعِدَّةُ أمْثَلِ لَهُ، ويَصِحُّ: فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ.

واخْتُلِفَ في وُجُوبِ تَتابُعِها عَلى قَوْلَيْنِ، و" أُخَرَ " لا يَنْصَرِفُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِأنَّهُ مَعْدُولٌ عَنِ الألِفِ واللامِ، لِأنَّ هَذا البِناءَ إنَّما يَأْتِي بِالألِفِ واللامِ كَما تَقُولُ: الفَضْلُ والكِبَرُ اجْتَمَعَ فِيهِ العَدْلُ والصِفَةُ.

وجاءَ في الآيَةِ "أُخَرَ" ولَمْ يَجِئْ أُخْرى لِئَلّا تُشْكَلَ بِأنَّها صِفَةٌ لِلْعِدَّةِ والبابِ أنَّ جَمْعَ ما لا يُعْقَلُ يَجْرِي في مِثْلِ هَذا مَجْرى الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ  ﴾ ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: " يُطِيقُونَهُ " بِكَسْرِ الطاءِ وسُكُونِ الياءِ، والأصْلُ: "يُطَوِّقُونَهُ"، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الطاءِ وقُلِبَتْ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، وقَرَأ حُمَيْدٌ: "يَطُوقُونَهُ"، وذَلِكَ عَلى الأصْلِ، والقِياسُ الإعْلالُ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ "يُطَوَّقُونَهُ" بِمَعْنى يُكَلَّفُونَهُ، وقَرَأتْ عائِشَةُ، وطاوُسُ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ: "يَطَّوَّقُونَهُ" بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الطاءِ مَفْتُوحَةً.

وَقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُطَيَّقُونَهُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الطاءِ وشَدِّ الياءِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "يُطَّيَّقُونَهُ" بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الطاءِ وشَدِّ الياءِ المَفْتُوحَةِ بِمَعْنى يَتَكَلَّفُونَهُ، وحَكاها النَقّاشُ عن عِكْرِمَةَ، وتَشْدِيدُ الياءِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ ضَعِيفٌ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ ذَكْوانَ: "فِدْيَةُ طَعامِ مَساكِينَ" بِإضافَةِ الفِدْيَةِ.

وقَرَأ هاشِمٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: فِدْيَةُ طَعامِ مَساكِينَ" بِتَنْوِينِ الفِدْيَةِ.

وقَرَأ الباقُونَ: "فِدْيَةٌ" بِالتَنْوِينِ "طَعامُ مِسْكِينٍ" بِالإفْرادِ، وهي قِراءَةٌ حَسَنَةٌ لِأنَّها بَيَّنَتِ الحُكْمَ في اليَوْمِ.

وجَمْعُ المَساكِينِ لا يُدْرى كَمْ مِنهم في اليَوْمِ إلّا مِن غَيْرِ الآيَةِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ فْرَدُوا المِسْكِينَ والمَعْنى عَلى الكَثْرَةِ لِأنَّ الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ جَمْعٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يَلْزَمُهُ مِسْكِينٌ، فَكَأنَّ الوَجْهَ أنْ يَجْمَعُوا كَما جَمَعَ المُطِيقُونَ؟

فالجَوابُ أنَّ الإفْرادَ حَسَنٌ، لِأنَّهُ يُفْهَمُ بِالمَعْنى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِسْكِينًا.

ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً  ﴾ فَلَيْسَتِ الثَمانُونَ مُتَفَرِّقَةً في جَمِيعِهِمْ، بَلْ لِكُلِّ واحِدٍ ثَمانُونَ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بِالآيَةِ.

فَقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وعَلْقَمَةُ، والنَخْعِيُّ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وابْنُ عُمَرَ، والشَعْبِيُّ، وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ، وابْنُ شِهابٍ: كانَ فَرْضُ الصِيامِ هَكَذا عَلى الناسِ، مَن أرادَ صامَ، ومَن أرادَ أطْعَمَ مِسْكِينًا وأفْطَرَ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَهْرَ فَلْيَصُمْهُ  ﴾ وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾ : أيْ عَلى الشُيُوخِ والعُجَّزِ الَّذِينَ يُطِيقُونَ لَكِنْ بِتَكَلُّفٍ شَدِيدٍ، فَأباحَ اللهُ لَهُمُ الفِدْيَةَ والفِطَرَ، وهي مَحْكَمَةٌ عِنْدَ قائِلِي هَذا القَوْلُ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ تَجِيءُ قِراءَةُ "يَطُوقُونَهُ" و"يُطَوَّقُونَهُ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الرُخْصَةُ لِلشُّيُوخِ والعُجَّزِ خاصَّةً، إذا أفْطَرُوا وهم يُطِيقُونَ الصَوْمَ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَهْرَ  ﴾ فَزالَتِ الرُخْصَةُ، إلّا لِمَن عَجَزَ مِنهُمْ، وقالَ السُدِّيُّ: ﴿ وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾ أيْ: عَلى الَّذِينَ كانُوا يُطِيقُونَهُ وهم بِحالَةِ الشَبابِ، ثُمَّ اسْتَحالُوا بِالشَيْخِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ الصَوْمَ، وهي عِنْدُهُ مَحْكَمَةٌ، ويَلْزَمُ الشُيُوخَ عِنْدَهُ الفِدْيَةُ إذا أفْطَرُوا، ونَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مالِكٌ: لا أرى الفِدْيَةَ عَلى الشَيْخِ الضَعِيفِ واجِبَةٌ، وتُسْتَحَبُّ لِمَن قَدِرَ عَلَيْها، والآيَةُ عِنْدَهُ إنَّما هي فِيمَن يُدْرِكُهُ رَمَضانُ وعَلَيْهِ صَوْمٌ مِنَ المُتَقَدِّمِ، فَقَدْ كانَ يُطِيقُ في تِلْكَ المُدَّةِ الصَوْمَ فَتَرَكَهُ فَعَلَيْهِ الفِدْيَةُ، وقالَ الشافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ: عَلى الشَيْخِ العاجِزِ الإطْعامُ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن عِكْرِمَةَ أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: "وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فَأفْطَرُوا".

ومَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ أنَّ قَدْرَ الدِيَةِ مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وقالَ قَوْمٌ: قُوتُ يَوْمٍ، وقالَ قَوْمٌ: عَشاءٌ وسَحُورٌ، وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: نِصْفُ صاعٍ مِن قَمْحٍ، أو صاعٍ مِن تَمْرٍ أو زَبِيبٍ.

والضَمِيرُ في "يُطِيقُونَهُ" عائِدٌ عَلى "الصِيامِ"، وقِيلَ: عَلى الطَعامِ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ.

واخْتُلِفَ في الحامِلِ؛ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ: تَفِدِي وتُفْطِرُ ولا قَضاءَ عَلَيْها.

وقالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، والضَحّاكُ، والزُهْرِيُّ، ورَبِيعَةُ، ومالِكٌ: تَقْضِي الحامِلُ إذا أفْطَرَتْ، ولا فِدْيَةَ عَلَيْها.

وقالَ الشافِعِيُّ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، ومُجاهِدٌ: تَقْضِيَ وتَفِدِي إذا أفْطَرَتْ، وكَذَلِكَ قالَ مالِكٌ في المُرْضِعِ: إنَّها إذا أفْطَرَتْ تَقْضِيَ وتَفِدِي، هَذا هو المَشْهُورُ، وقالَ في مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الحَكَمِ: لا إطْعامَ عَلى المُرْضِعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ ﴾ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وطاوُسُ، وعَطاءٌ، والسُدِّيُّ، المُرادُ مَن أطْعَمَ مِسْكِينَيْنِ فَصاعِدًا وقالَ ابْنُ شِهابٍ: مَن زادَ الإطْعامَ عَلى الصَوْمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَن زادَ في الإطْعامِ عَلى المُدِّ.

و"خَيْرٌ" الثانِي صِفَةُ تَفْضِيلٍ، وكَذَلِكَ الثالِثُ، وخَيْرٌ الأوَّلُ قَدْ نَزَلَ مَنزِلَةَ: مالًا أو نَفْعًا، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "والصَوْمُ خَيْرٌ لَكُمْ" بَدَلٌ: ﴿ وَأنْ تَصُومُوا ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يَقْتَضِي الحَضَّ عَلى الصَوْمِ، أيْ فاعْلَمُوا ذَلِكَ وصُومُوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الضمائر البارزة في (بدله وسمعه وإثمه ويبدلونه) عائدة إلى القول أو الكلام الذي يقوله الموصي ودل عليه لفظ ﴿ الوصية ﴾ [البقرة: 180]، وقد أكد ذلك بما دل عليه قوله ﴿ سَمِعَهُ ﴾ إذ إنما تسمع الأقوال وقيل هي عائدة إلى الإيصاء المفهوم من قوله: ﴿ الوصية ﴾ أي كما يعود الضمير على المصدر المأخوذ من الفعل نحو قوله تعالى: ﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ [المائدة: 8]، ولك أن تجعل الضمير عائداً إلى ﴿ المعروف ﴾ [البقرة: 180]، والمعنى فمن بدل الوصية الواقعة بالمعروف، لأن الإثم في تبديل المعروف، بدليل قوله الآتي: ﴿ فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه ﴾ [البقرة: 182].

والمراد من التبديل هنا الإبطال أو النقص؛ وما صْدَقُ (مَنْ بدَّله) هو الذي بيده تنفيذ الوصية من خاصة الورثة كالأبناء ومن الشهود عليها بإشهاد من الموصي أو بحضور موطن الوصية كما في الوصية في السفر المذكورة في سورة المائدة: ﴿ لانشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الأثمين ﴾ [المائدة: 106] فالتبديل مستعمل في معناه المجازي لأن حقيقة التبديل جعل شيء في مكان شيء آخر والنقض يستلزم الإتيان بضد المنقوض وتقييد التبديل بظرف ﴿ بعدما سمعه ﴾ تعليل للوعيد أي لأنه بدل ما سمعه وتحققه وإلاّ فإن التبديل لا يتصور إلاّ في معلوم مسموع؛ إذ لا تتوجه النفوس إلى المجهول.

والقصر في قوله: ﴿ فإنما إثمه ﴾ إضافي، لنفي الإثم عن الموصي وإلاّ فإن إثمه أيضاً يكون على الذي يأخذ ما يجعله له الموصي مع علمه إذا حاباه منفذ الوصية أو الحاكم فإن الحُكم لا يحل حراماً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقتطع له قطعة من نار»، وإنما انتفى الإثم عن الموصي لأنه استبرأ لنفسه حين أوصى بالمعروف فلا وزر عليه في مخالفة الناس بعده لما أوصى به، إذ ﴿ ألا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾ [النجم: 38 39].

والمقصود من هذا القصر إبطال تعلل بعض الناس بترك الوصية بعلة خيفة ألاّ ينفذها الموكول إليهم تنفيذُها، أي فعليكم بالإيصاء ووجوب التنفيذ متعين على ناظر الوصية فإن بدله فعليه إثمه، وقد دل قوله: ﴿ فإنما إثمه على الذين يبدلونه ﴾ أي هذا التبديل يمنعه الشرع ويضرب ولاةُ الأمور على يد من يحاول هذا التبديل؛ لأن الإثم لا يقرر شرعاً.

وقوله: ﴿ إن الله سميع عليم ﴾ وعيد للمبدل، لأن الله لا يخفى عليه شيء وإن تحيل الناس لإبطال الحقوق بوجوه الحيل وجارُوا بأنواع الجور فالله سميع وصية الموصي ويعلم فعل المبدل، وإذا كان سميعاً عليماً وهو قادر فلا حائل بينه وبين مجازاة المبدل.

والتأكيد بإن ناظر إلى حالة المبدل الحكمية في قوله: ﴿ فمن بدله ﴾ لأنه في إقدامه على التبديل يكون كمن ينكر أنَّ الله عالم فلذلك أَكِّد له الحكم تنزيلاً له منزلة المنكر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ أيْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ إذا حَضَرَ ﴾ لَيْسَ يُرِيدُ بِهِ ذِكْرَ الوَصِيَّةِ عِنْدَ حُلُولِ المَوْتِ، لِأنَّهُ في شُغْلٍ عَنْهُ، ولَكِنْ تَكُونُ العَطِيَّةُ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَصِيَّةِ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ ﴾ ، والخَيْرُ: المالُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، قالَ مُجاهِدٌ: الخَيْرُ في القُرْآنِ كُلِّهِ المالُ.

﴿ وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ [العادِياتِ: ٨] أيِ المالِ، ﴿ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي  ﴾ .

﴿ فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا  ﴾ وقالَ شُعَيْبٌ: ﴿ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ  ﴾ يَعْنِي الغِنى والمالَ.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في ثُبُوتِ حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ التّابِعِينَ والفُقَهاءِ إلى أنَّ العَمَلَ بِها كانَ واجِبًا قَبْلَ فَرْضِ المَوارِيثِ لِئَلّا يَضَعَ الرَّجُلُ مالَهُ في البُعَداءِ طَلَبًا لِلسُّمْعَةِ والرِّياءِ، فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ المَوارِيثِ في تَعْيِينِ المُسْتَحِقِّينَ، وتَقْدِيرِ ما يَسْتَحِقُّونَ، نُسِخَ بِها وُجُوبُ الوَصِيَّةِ ومَنَعَتِ السُّنَّةُ مِن جَوازِها لِلْوَرَثَةِ، وقالَ آخَرُونَ: كانَ حُكْمُها ثابِتًا في الوَصِيَّةِ لِلْوالِدَيْنِ، والأقْرَبِينَ حَقٌّ واجِبٌ، فَلَمّا نَزَلَتْ آيُ المَوارِيثِ وفُرِضَ مِيراثُ الأبَوَيْنِ نُسِخَ بِها الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وكُلِّ وارِثٍ، وبَقِيَ فَرْضُ الوَصِيَّةِ لِلْأقْرَبِينَ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ عَلى حالَةٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وطاوُسٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ.

فَإنْ أوْصى بِثُلُثِهِ لِغَيْرِ قَرابَتِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ قائِلُو هَذا القَوْلِ في حُكْمِ وصِيَّتِهِ عَلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ: أحَدُها: أنْ يَرُدَّ ثُلُثَ الثُّلُثِ عَلى قَرابَتِهِ ويَكُونَ ثُلُثا الثُّلُثِ لِمَن أوْصى لَهُ بِهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنْ يَرُدَّ ثُلُثا الثُّلُثِ عَلى قَرابَتِهِ ويَكُونَ ثُلُثا الثُّلُثِ لِمَن أوْصى لَهُ بِهِ، وهَذا قَوْلُ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ يَرُدُّ الثُّلُثَ كُلَّهُ عَلى قَرابَتِهِ، وهَذا قَوْلُ طاوُسٍ.

واخْتُلِفَ في قَدْرِ المالِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُوصِيَ مِنهُ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ ألْفُ دِرْهَمٍ، تَأْوِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ أنَّ الخَيْرَ ألْفُ دِرْهَمٍ وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ.

والثّانِي: مِن ألْفِ دِرْهَمٍ إلى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ وأنَّ الوَصِيَّةَ تَجِبُ في قَلِيلِ المالِ وكَثِيرِهِ، وهَذا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ بِالمَعْرُوفِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالعَدْلِ الوَسَطِ الَّذِي لا بَخْسَ فِيهِ ولا شَطَطَ.

والثّانِي: يَعْنِي بِالمَعْرُوفِ مِن مالِهِ دُونَ المَجْهُولِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ ﴾ يَعْنِي بِالتَّقْوى مِنَ الوَرَثَةِ أنْ لا يُسْرِفَ، والأقْرَبِينَ أنْ لا يَبْخَلَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الأجِلُ فالأجِلُ، يَعْنِي الأحْوَجَ فالأحْوَجَ.

وَغايَةُ ما لا سَرَفَ فِيهِ: الثُّلُثُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ  : « (الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ)» .

ورَوى الحَسَنُ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وصَّيا بِالخُمُسِ وقالا: يُوصِي بِما رَضِيَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ، بِالخُمُسِ، وكانَ يَقُولُ: الخُمُسُ مَعْرُوفٌ، والرُّبُعُ جُهْدٌ، والثُّلُثُ غايَةُ ما تُجِيزُهُ القُضاةُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ ﴾ يَعْنِي فَمَن غَيَّرَ الوَصِيَّةَ بَعْدَما سَمِعَها، وإنَّما جُعِلَ اللَّفْظُ مُذَكَّرًا وإنْ كانَتِ الوَصِيَّةُ مُؤَنَّثَةً لِأنَّهُ أرادَ قَوْلَ المُوصِي، وقَوْلُهُ مُذَكَّرٌ.

﴿ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ﴾ أيْ يَسْمَعُونَهُ ويَعْدِلُونَ بِهِ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ، إمّا مَيْلًا أوْ خِيانَةً، ولِلْمَيِّتِ أجْرُ قَصْدِهِ وثَوابُ وصِيَّتِهِ، وإنْ غُيِّرَتْ بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أيْ سَمِيعٌ لِقَوْلِ المُوصِي، عَلِيمٌ بِفِعْلِ الوَصِيِّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ تَأْوِيلَهُ فَمَن حَضَرَ مَرِيضًا، وهو يُوصِي عِنْدَ إشْرافِهِ عَلى المَوْتِ، فَخافَ أنْ يُخْطِئَ في وصِيَّتِهِ، فَيَفْعَلُ ما لَيْسَ لَهُ أوْ أنْ يَتَعَمَّدَ جَوْرًا فِيها، فَيَأْمُرَ بِما لَيْسَ لَهُ، فَلا حَرَجَ عَلى مَن حَضَرَهُ فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنهُ، أنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ورَثَتِهِ، بِأنْ يَأْمُرَهُ بِالعَدْلِ في وصِيَّتِهِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن أوْصِياءِ المَيِّتِ جَنَفًا في وصِيَّتِهِ، فَأصْلَحَ بَيْنَ ورَثَتِهِ وبَيْنَ المُوصى لَهم فِيما أُوصِيَ بِهِ لَهم حَتّى رَدَّ الوَصِيَّةَ إلى العَدْلِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا في عَطِيَّتِهِ لِوَرَثَتِهِ عِنْدَ حُضُورِ أجَلِهِ، فَأعْطى بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ أنْ يُصْلِحَ بَيْنَ ورَثَتِهِ في ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.

والرّابِعُ: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا، أوْ إثْمًا في وصِيَّتِهِ لِغَيْرِ ورَثَتِهِ، بِما يَرْجِعُ نَفْعُهُ إلى ورَثَتِهِ فَأصْلَحَ بَيْنَ ورَثَتِهِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ طاوُسٍ.

والخامِسُ: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن مُوصٍ لِآبائِهِ وأقْرِبائِهِ جَنَفًا عَلى بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَأصْلَحَ بَيْنَ الآباءِ والأقْرِباءِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَنَفًا أوْ إثْمًا ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجَنَفَ الخَطَأُ، والإثْمَ العَمْدُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّ الجَنَفَ المَيْلُ، والإثْمَ أنْ يَكُونَ قَدْ أثِمَ في أثَرَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ وابْنِ زَيْدٍ.

والجَنَفُ في كَلامِ العَرَبِ هو الجَوْرُ والعُدُولُ عَنِ الحَقِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ هُمُ المَوْلى وهم جَنَفُوا عَلَيْنا وإنّا مِن لِقائِهِمُ لَزُورُ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه ﴾ وقد وقع أجر الموصي على الله وبرئ من إثمه في وصيته، أو حاف فيها فليس على الأولياء حرج أن يردوا خطأه إلى الصواب.

وأخرج ابن جرير عن قتاده في قوله: ﴿ فمن بدله ﴾ قال: من بدل الوصيه بعدما سمعها، فإثم ما بدل عليه.

أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ فمن بدله ﴾ يقول: للأوصياء من بدل وصية الميت ﴿ من بعد ما سمعه ﴾ يعني من بعد ما سمع من الميت فلم يمض وصيته إذا كان عدلاً ﴿ فإنما إثمه ﴾ يعني إثم ذلك ﴿ على الذين يبدلونه ﴾ يعني الوصي وبرئ منه الميت ﴿ إن الله سميع ﴾ يعني للوصية ﴿ عليم ﴾ بها ﴿ فمن خاف ﴾ يقول: فمن علم ﴿ من موص ﴾ يعني من الميت ﴿ جنفاً ﴾ ميلاً ﴿ أو إثماً ﴾ يعني أو خطأ فلم يعدل ﴿ فأصلح بينهم ﴾ رد خطأه إلى الصواب ﴿ إن الله غفور ﴾ للوصي حيث أصلح بين الورثة ﴿ رحيم ﴾ به رخص له في خلاف جور وصية الميت.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ جنفاً ﴾ قال: الجور والميل في الوصية قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول عدي بن زيد وهو يقول: وأمك يا نعمان في اخواتها ** يأتين ما يأنينه جنفا وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ جنفاً أو إثماً ﴾ قال: الجنف الخطأ، والإثم العمد.

وأخرج سفيان بن عيينة وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ جنفاً أو إثماً ﴾ قال: خطأ أو عمداً.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء في قوله: ﴿ جنفاً ﴾ قال: حيفاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ فمن خاف من موص...

﴾ الآية.

قال: هذا حين يحضر الرجل وهو يموت، فإذا أسرف أمره بالعدل وإذا قصر عن حق قالوا له: افعل كذا وكذا، واعط فلاناً كذا وكذا.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ خاف من موص...

﴾ الآية.

قال: من أوصى بحيف أو جار في وصية فيردها ولي الميت أو إمام من أئمة المسلمين إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه كان له ذلك.

وأخرج سفيان بن عيينة وسعيد بن منصور والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: الجنف في الوصية، والإِضرار فيها من الكبائر.

وأخرج أبو داود في مراسيله وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يرد من صدقة الجانف في حياته ما يرد من وصية المجنف عند موته» .

وأخرج عبد الرزاق عن الثوري في قوله: ﴿ فمن بدله بعدما سمعه ﴾ قال: بلغنا أن الرجل إذا أوصى لم تغير وصيته حتى نزلت ﴿ فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم ﴾ فرده إلى الحق.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ بَدَّلَهُ ﴾ الكناية تعود إلى الإيصاء؛ لأن الوصيةَ في معنى الإيصاء، ودالة (١) ﴿ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ  ﴾ أي: وعظ.

وقيل: الهاء (٢) ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ ﴾ : فرض عليكم، فكأنه قال: فمن بدل فرض الله، فيدل ﴿ كُتِبَ ﴾ على الكَتْبِ فيُكْنى عنه.

وقيل: الكناية تعود إلى معنى الوصية، وهو قول أو فعل (٣) ﴿ بَعْدَمَا سَمِعَهُ ﴾ من الميت (٤) وما: صلة زائدة.

والكناية في ﴿ سَمِعَهُ ﴾ ترجع إلى حيث رجعت الكناية (٥) ﴿ بَدَّلَهُ ﴾ .

وقيل: (ما) بمعنى: الذي، والكناية في ﴿ سَمِعَهُ ﴾ راجعة إليه.

والمعنى: فمن بدله بعد الذي سمعه، أي: من تغليظ الإثم في التبديل، والعادة في الوصايا أن يُذْكَر فيها تغليظٌ على من بدَّلَها، وهذا فيه بعد؛ لأن التغليظَ ذُكِر بعد قوله: ﴿ بَعْدَمَا سَمِعَهُ ﴾ وهو قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ﴾ فيبعد أن تجعل ما بمعنى الذي (٦) وقوله: ﴿ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ ﴾ أي: إثم التبديل على الذين يبدلونه (٧) (٨) ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ قد سمع ما قاله الموصي ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بنيته وما أراد، وعليم بما يفعله الوصي (٩) ﴿ بَعْدَمَا سَمِعَهُ ﴾ أي: عن (١٠) (١١) (١) في (ش): (دالة) بلا واو عطف.

(٢) في (م): (إنها).

(٣) ينظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 67، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 251، "تفسير الطبري" 2/ 121، "تفسير الثعلبي" 2/ 207.

(٤) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 207، "البحر المحيط" 2/ 22، "التفسير الكبير" 5/ 64، "التبيان" للعكبري ص 114.

(٥) سقطت من (م).

(٦) ينظر في هذه الأقوال: "تفسير الطبري" 2/ 122، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 300، "التبيان" للعكبري ص 114، "التفسير الكبير" 5/ 64، "البحر المحيط" 2/ 22.

(٧) من قوله: (فيبعد) ساقط من (ش).

(٨) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 122، 123، "الثعلبي" 2/ 208، "البغوي" 1/ 194.

(٩) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 123، "الثعلبي" 2/ 208، "البغوي" 1/ 194.

(١٠) في (م): (من).

(١١) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 64.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الوصية للوالدين والأقربين ﴾ كانت فرضاً قبل الميراث ثم نسختها آية الميراث مع قوله صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث» وبقيت الوصية مندوبة لمن لا يرث من الأقربين، وقيل معناها الوصية بتوريث الوالدين والأقربين على حسب الفرائض، فلا تعارض بينها وبين المواريث، ولا نسخ، والأول أشهر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ خاف ﴾ بالإمالة حيث كان: حمزة.

﴿ موصٍ ﴾ بالتشديد: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وجبلة الباقون: بالتخفيف من الإيصاء.

الوقوف: ﴿ خيراً ﴾ ج لأن قوله ﴿ الوصية ﴾ مفعول ﴿ كتب ﴾ وإنما لم يؤنث الفعل لتقدمه ولاعتراض ظرف وشرط بينهما، أو "الوصية" مبتدأ "وللوالدين" خبره، ومفعول "كتب" محذوف أي كتب عليكم أن توصوا.

ثم بين لمن الوصية والوصل أولى لئلا يحتاج إلى الحذف.

﴿ بالمعروف ﴾ ح لأن التقدير حق ذلك حقاً أو كتب الوصية حقاً.

﴿ المتقين ﴾ ط وإن كان بعدها فاء التعقيب لأنه حكم آخر ﴿ يبدلونه ﴾ ط عليم كذلك ﴿ عليه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ (ه).

التفسير: وهذا حكم آخر.

قوله ﴿ كتب عليكم ﴾ يقتضي الوجوب كما مر.

والمراد من حضور الموت ليس معاينة الموت لأنه في ذلك الوقت يكونه عاجزاً عن الإيصاء والأكثرون قالوا: المراد ظهور أمارة الموت وهو المرض المخوف كما يقال لمن قارب البلد: إنه وصل.

وعن الأصم: المراد فرض عليكم في حال الصحة الوصية بأن تقولوا إذا حضرنا الموت فافعلوا كذا، وزيف بأنه ترك للظاهر.

ولا شك أن الخير قد ورد في القرآن بمعنى المال ﴿ وما تنفقوا من خير  ﴾ ﴿ وإنه لحب الخير لشديد  ﴾ ﴿ من خير فقير  ﴾ لكن الأئمة اختلفوا في المراد بالخير ههنا بعد اتفاقهم على أنه المال.

فعن الزهري: أنه المال مطلقاً قليلاً كان أو كثيراً بدليل قوله ﴿ من خير فقير  ﴾ ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره  ﴾ وأنه  اعتبر أحكام المواريث فيما يبقى من المال قل أم كثر قال  ﴿ وللنساء نصيبٌ مما ترك الولدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً  ﴾ فكذا الوصية، ولأن كل ما ينتفع به فهو خير.

والأكثرون على أن لفظ الخير في الآية مختص بالمال الكثير كما لو قيل "فلان ذو مال" يفهم منه أن ماله قد جاوز حد أهل الحاجة وإن كان اسم المال يقع في الحقيقة على ما يتموله الإنسان من قليلٍ أو كثير.

وكما إذا قيل "فلان في نعمة من الله  " فإنه يراد تكثير النعمة وإن كان أحد لا ينفك عن نعمة الله وهو باب من المجاز مشهور ينفون الاسم عن الشيء لنقصه ومن قوله  "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" ولو كانت الوصية واجبة في كل ما يترك لم يكن لقوله ﴿ إن ترك خيراً ﴾ فائدة لندرة من يموت فاقداً أقل ما يتمول.

ثم القائلون بهذا اختلفوا في أن المسمى بالخير في الآية مقدر بمقدار معين أم لا.

فمنهم من قال: إنه غير مقدّر ويختلف ذلك باختلاف حال الرجل.

فقد يوصف المرء لمقدار من المال بأنه غنيّ ولا يوصف غيره بالغنى لذلك المقدار لأجل كثرة العيال وتوسع النفقة، فيكون التعيين في كل صورة موكولاً إلى الاجتهاد، وهذا لا ينافي أصل الإيجاب.

ومنهم من قال: إنه مقدر.

ثم اختلفوا فعن علي كرم الله وجهه: أنه دخل على مولى في مرض الموت وله سبعمائة درهم فقال: ألا أوصي؟

قال: لا قال الله  ﴿ إن ترك خيراً ﴾ وليس لك كثير مال.

وعن عائشة أن رجلاً قال لها: إني أريد أن أوصي.

قالت: كم مالك؟

قال: ثلاثة آلاف.

قالت: كم عيالك؟

قال أربعة.

قالت: قال الله  ﴿ إن ترك خيراً ﴾ وإن هذا لشيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل.

وعن ابن عباس: أنه إذا ترك سبعمائة درهم فلا يوصي، فإذا بلغ ثمانمائة درهم أوصى.

وعن قتادة: ألف درهم.

وعن النخعي من ألف إلى خمسمائة درهم.

قال أبو البقاء: جواب الشرط عند الأخفش الوصية بحذف الفاء أي فالوصية للوالدين على الابتداء والخبر واحتج بقول الشاعر: من يفعل الحسنات اللَّه يشكرها *** وقال غيره: جواب الشرط في المعنى ما تقدم من كتب الوصية كما تقول "لك كذا إن فعلت" ويجوز أن يكون جواب الشرط معنى الإيصاء لا معنى الكتب بناء على رفع الوصية بكتب وهو الوجه.

وقيل: المرفوع بكتب الجار والمجرور وهو ﴿ عليكم ﴾ وليس بشيء وأما إذا فهو ظرف لمعنى الوصية ولا يحتاج إلى جواب.

والأقربين قيل هم الأولاد عن ابن زيد.

وقيل من عدا الولد عن ابن عباس ومجاهد.

وقيل: جميع القرابات.

وقيل: غير الوارث.

وقوله ﴿ بالمعروف ﴾ أمر بأن يسلك في الوصية الطريقة الجميلة.

فلو حرم الفقير ووصى للغني لم يكن معروفاً، ولو سوّى بين الوالدين مع عظم حقهما وبين بني العم لم يكن معروفاً، ولو أوصى لأولاد الجد البعيد مع حضور الإخوة لم يكن ما يأتيه معروفاً.

﴿ وحقاً ﴾ مصدر مؤكد أي حق ذلك حقاً على المتقين على الذين آثر والتقوى وجعلوها مذهباً لهم وسيرة.

واعلم أن الأئمة القائلين بوجوب هذه الوصية اختلفوا في أنها منسوخة أم لا.

أما أبو مسلم فإنه اختار عدم نسخها وقال: معناها كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين في قوله  : ﴿ يوصيكم الله في أولادكم  ﴾ أو كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى الله به لهم عليهم وأن لا ينقص من أنصبائهم، أو لا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء مع ثبوت الوصية.

فالميراث عطية من الله  والوصية عطية ممن حضره الموت، فالوارث يجمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين، ولو قدرنا حصول المنافاة فهذه الآية توجب الوصية للوالدين والأقربين.

ثم آية الميراث تخرج القريب الوارث ويبقى القريب الذي لا يكون وارثاً داخلاً في الآية.

وذلك أن من الوالدين من لا يرث بسبب اختلاف الدين والرق والقتل، ومن الأقارب من يسقط في حال ويثبت في حال، ومنهم من يسقط في كل حال إذا كانوا ذوي رحم.

فآية الميراث مخصصة لهذه الآية لا ناسخة لها.

وأكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء على أن الآية منسوخة قالوا: نسخت بآية المواريث أو بالإجماع أو بقوله  "أن الله أعطى كل ذي حقٍ حقه ألا لا وصية لوارث" وهذا وإن كان خبر واحد إلا أن الأمة تلقته بالقبول حتى التحق بالمتواتر فيجوز نسخ القرآن به عند الجمهور.

ومن أئمة الأمة من قال: هي منسوخة في حق من يرث، ثابتة فيمن لا يرث وهو مذهب ابن عباس والحسن البصري ومسروق وطاوس والضحاك ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد حتى قال الضحاك: من مات من غير أن يوصي لأقربائه فقد ختم عمله بمعصية.

وقال طاوس: إن أوصى للأجانب وترك الأقارب نزع منهم ورد إلى الأقارب.

قالوا: الآية دلت على وجوب الوصية للقريب ترك العمل به في حق القريب الوارث، إما بآية المواريث أو بقوله "لا وصية لوارث" أو بإجماع الأمة.

فبقيت الآية دالة على وجوب الوصية للقريب الذي لا يكون وارثاً.

وأيضاً قال  "ما من حق امرئٍ مسلم له شيء يوصي فيه" وفي رواية "له شيء يريد أن يوصي به أن يبيت ليلتين" وفي رواية "ثلاث ليال إلا ووصيته مكتوبة عنده" لكن الوصية لغير الأقارب غير واجبة بالإجماع فوجب أن تختص بالأقارب.

وهؤلاء القائلون بأن الآية صارت منسوخة في حق القريب الذي لا يكون وارثاً اختلفوا في موضعين: الأول: نقل عن ابن مسعود أنه جعل هذه الوصية للأفقر فالأفقر من الأقرباء.

وقال الحسن البصري والأغنياء سواء.

الثاني: عن الحسن وجابر بن زيد وعبد الملك بن معلى أنهم قالوا فيمن يوصي لغير قرابته وله قرابة لا ترثه: يجعل ثلثي الثلث لذوي القرابة، وثلث الثلث لمن أوصى له.

وعن طاوس: أن الأقارب إن كانوا محتاجين انتزعت الوصية من الأجانب وردت إلى الأقارب ﴿ فمن بدله ﴾ فمن غير الإيصاء أو ما قاله الميت وأوصى به عن وجهه إن كان موافقاً للشرع ﴿ بعد ما سمعه ﴾ وتحققه فلا معنى للسماع لو لم يقع العلم به والمبدل إما الوصي بأن يغير الوصية في الكتابة، أو في قسمة الحقوق، وإما الشاهد بأن يغير شهادته أو يكتمها غيرهما بأن يمنع من وصول ذلك المال إلى مستحقه، وقيل: المنهي عن التغيير هو الموصي، نهي عن تغيير الوصية عن الموضع الذي بيّن الله  الوصية فيه.

فإنهم كانوا يوصون في الجاهلية للأبعدين طلباً للفخر والشرف، ويتركون الأقارب في الضر والفقر، فأمرهم بالوصية للأقربين وأوعدهم على تركها.

﴿ فإنما إثمه ﴾ ما إثم الإيصاء المغير أو إثم التبديل إلا على الذين يبدلونه، فإن أحداً لا يؤاخذ بذنب غيره.

ومنه يعلم أن الطفل لا يعذب بكفر أبيه، وأن الإنسان إذا أمر الوارث بقضاء دينه فإن الميت لا يعذب بتقصير ذلك الوارث، وأن الميت لا يعذب بنياحة غيره عليه ﴿ إن الله سميعٌ عليم ﴾ يسمع الوصية على حدها ويعلمها على صفتها فلا تخفى عليه خافية من التغيير الواقع فيها، وفي ذلك وعيد للمبدّل وأيّ وعيد.

ثم إنه  لما أطلق الإيعاد على التبديل أتبعه قوله ﴿ فمن خاف ﴾ ليعلم أن التغيير من الباطل إلى الحق على طريق الإصلاح مستحسن شرعاً كما هو حسن عقلاً، وللخوف ههنا تفسيران: أحدهما: الخشية فيسأل أنه إنما يصح في أمر منتظر مظنون والوصية وقعت وعلمت.

وأجيب بأن المراد أن هذا المصلح إذا شاهد الموصي يوصي فظهرت منه أمارات الجنف الذي هو الميل عن طريق الحق مع ضرب من الجهالة، أو مع التأويل أو شاهد فيه إثماً أي تعمداً بأن يزيد غير المستحق، أو ينقص المستحق أو يعدل عن المستحق.

فعند ظهور أمارات ذلك وقبل تحقق الوصية يأخذ في الإصلاح بينهم أي بين أهل الوصية، لأن قوله ﴿ من موصٍ ﴾ يدل على سائر ملابساته.

فكأن الموصي يقول وقد حضر الوصي والشاهد على وجه المشورة: أريد أن أوصي للأباعد دون الأقارب، أو أن أزيد فلاناً مع أنه غير مستحق للزيادة، أو أنقص فلاناً مع أنه مستحق للزيادة، فعند ذلك يصير السامع خائفاً من جنف أو إثم لا قاطعاً به، وأيضاً الجائز أن لا يستمر الموصي على وصيته فإن له الفسخ ما دام في حياته، فمن أين يحصل الثقة بما فعل وقد يعدل عن الحق في آخر الأمر؟

وبتقدير أن تستقر الوصية ومات الوصي على ذلك لم يبعد أن يقع بين الورثة والموصى لهم تنازع فيما نسب إلى الموصي، وقد يعزى حينئذٍ إلى الجنف أو الإثم فيحتاج إلى الإصلاح بينهم بإجرائهم على قانون الشرع.

والتفسير الثاني إن ﴿ خاف ﴾ بمعنى علم.

وقد يستعمل الخوف والخشية مقام العلم، لأن الخوف منشؤه ظن مخصوص، وبين العلم والظن مشابهة من وجوه كثيرة، فصح إطلاق أحدهما على الآخر استعمالاً شائعاً من ذلك قولهم "أخاف أن ترسل السماء" يريدون التوقع.

والظن الغالب الجاري مجرى العلم.

فمعنى الآية أن الميت إذا أخطأ في وصيته أو جار فيها متعمداً فلا حرج على من علم ذلك أن يرده إلى الصلاح بعد موته وهذا قول ابن عباس وقتادة والربيع.

وفي الآية دليل على جواز الإصلاح بين المتنازعين إذا خاف المصلح إفضاء المنازعة إلى محذور شرعاً.

والغرض من قوله ﴿ فلا إثم عليه ﴾ رفع الحرج حتى لا ينافي الوجوب.

وفيه مع ذلك نكتة هي أن الإصلاح بين القوم يحتاج إلى الإكثار من القول وذلك قد يفضي إلى الإسهاب والتكلم ببعض ما لا ينبغي فبين  أنه لا مؤاخذة على المصلح من هذا الجنس إذا كان غرضه الأصلي صحيحاً ولهذا أتبعه قوله ﴿ أن الله غفورٌ رحيم ﴾ وأيضاً كأنه قيل: أنا الذي أغفر الذنوب ثم أرحم المذنب، فلأن أوصل رحمتي إليك أيها المصلح مع تحمل أعباء الإصلاح أولى.

أو المراد أن الموصي الذي أقدم على الجنف أو الإثم متى أصلح خلل وصيته فإن الله يغفر له ويرحمه بفضله.

وبهذا التأويل يجوز أن يرجع الضمير في قوله ﴿ فلا إثم عليه ﴾ إلى الموصي.

واعلم أن أكثر الأئمة وإن ذهبوا إلى أن وجوب الوصية منسوخ بآية المواريث إلا أنهم اتفقوا على أنها الآن جائزة في الثلث لما روي أنه  عاد سعد ابن أبي وقاص فقال للنبي  : إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي أفأوصي بثلثي مالي؟

قال: لا.

قال: فبشطره؟

قال: لا قال: فبالثلث؟

قال: الثلث والثلث كثير.

لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس.

فأفاد الحديث المنع من الزيادة واستحباب النقصان عن الثلث إن كانت الورثة فقراء.

والوصية أوسع مجالاً من الإرث، فإذا أراد الوصية فالأفضل أن يقدم من لا يرث من أقاربه لأن الله أعطى الأقربين الميراث ويقدم منهم المحارم ثم يقدم بالرضاع ثم بالمصاهرة ثم بالولاء ثم بالجوار كما في الصدقات المنجزة.

فإن أوصى للورثة بعضهم جاز لكن بالإجازة من سائر الورثة كما لو زاد على الثلث للأجنبي، فإن الزائد يحتاج إلى إجازة الورثة.

التأويل: كتب على الأغنياء الوصية بالمال وعلى الولياء الوصية بالحال، والأغنياء يوصون في آخر أعمارهم بالثلث والأولياء يخرجون في مبادئ أحوالهم عن الكل.

والمعنى إذا حضر قلب أحدكم مع الله وأمات نفسه عن الصفات الحيوانية، فعليه أن يوصي للوالدين.

وهما الروح العلوي والبدن السفلي، فإن النفس تولدت من ازدواجهما، وللأقربين - وهم القلب - والسر بترك كل مشرب يظهر لهم من المشارب الروحانية والجسمانية بالمعروف من غير إسراف يفضي غلى الإتلاف معرضاً عن الشهوات مجتنباً عن الرسوم والعادات كما قال  : "بعثت لرفع العادات وترك الشهوات بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ومن مكارم الأخلاق أن يجعل المشارب مشرباً واحداً والمذاهب مذهباً واحداً.

وكـل لـه سـؤل ودين ومذهب *** ووصلكم سـؤلي وديني هواكم وأنتم من الدنيا مرادي وهمتي *** مناي مناكم واختياري رضاكم ﴿ حقاً على المتقين ﴾ من الشرك الخفي ولهذا لم يقل على المسلمين أو المؤمنين لأنهم أهل الظواهر والمتقون هم أهل البواطن كما قال  "التقوى ههنا" وأشار إلى صدره.

وأحكام الظواهر يحتمل النسخ وأحكام البواطن وهي الحكم والحقائق لا تحتمل النسخ.

فحكم الوصية في حق المتقين غير منسوخ أبداً ﴿ فمن بدله ﴾ فمن غير من الروح والقلب والسر والوصية الصادرة من نفسه الميتة ﴿ فإنما إثمه ﴾ عليهم.

وسبب هذا التوكيد أن السر والقلب والروح كلهم من العالم الروحاني، وصفاتهم حميدة باقية فترك مشاربها والخروج عنها صعب جداً ﴿ فمن خاف ﴾ تفرس ﴿ من موصٍ جنفاً ﴾ في ترك المشارب بأن يبالغ في المجاهدات لنيل المشاهدات ﴿ أو إثماً ﴾ تجاوزاً عن حد الشرع في رفع الطبع ﴿ فأصلح ﴾ بينهم بين الروح والبدن والقلب والسر ولكن بنظر شيخ كامل ومرب عارف، فلا حرج على المصلح والله الموفق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .

تكلموا فيه بأوجه: قيل: إنه منسوخ بما بين عز وجل في آية أخرى من حق الميراث.

ومنهم من قال: لم ينسخ.

ثم قيل: فيه بوجهين: قيل: إنه قد كان ذلك؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد في الإسلام، يسلم الرجل ولا يسلم أبواه.

فقوله: ﴿ كُتِبَ ﴾ إنما وقع على من كان لا يرث.

ومنهم من يقول: بأنها كانت للوارث ولم ينسخ، وإنما يقع الأمر في غير من يرث ممن ذكر.

لكن في ذلك ذكر (كتب)، وذلك إيجاب.

ولا يحتمل أن يفرض عليهم صلتهم مع التحذير عن اتخاذهم أولياء بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ  ﴾ ، وفي إلزام الفرضية من حيث المعروف إبقاء الموالاة وإلزام المحبة، وقد حذر وجود ذلك؛ فثبت أن الآية فيمن يتوارثون اليوم لكنها نسخت.

والله أعلم.

ومنهم من يقول: لا، ولكنه وقع على من كان يرث وعلى من كان لا يرث بقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ ﴾ ، فهو كان مكتوباً عليهم مفروضاً في حق الوصاية.

ثم من رأى نسخه استدل بقوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ  ﴾ ، ذكر فيه الوصاية على بيان كل ذي حق حقه.

فليس الذي أوصى الله يمنع وصايته التي كتب عليهم.

لكن في الآية دليل لم ينسخ بهذه لوجهين: أحدهما: قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ  ﴾ .

فهو وصيته ذكره كذكر الوصاية في الأول، ففيه جعل حق كالحق المجعول لهم إذا لم يذكر ذلك الوصية مع الميراث ثم نفاه.

والوجه الآخر: أنه قال: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ  ﴾ ، فجعل حكم الإرث على ذكر الوصية، والإرث بعد الوصية؛ فبان أن لها حكم البقاء.

ثم قيل: فيه بوجهين: قال قائلون: قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ  ﴾ ، لم يكن ميراثاً، ولا هو من أهل الميراث.

فحدوث الإرث لا يمنع حق القطع عنه بالمكتوب الأول.

ومنهم من جعل ذلك فيمن كان وارثاً.

فورود البيان من بعد يقطع عنه المكتوب له.

ثم من الناس من ادعى نسخ هذا بقوله: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً  ﴾ ، ولو جعل الوصية له ما جعل الله لهم فيه من النصيب خص به الكثير دون القليل؛ فثبت أن ذلك (الكتاب) رفع عنهم مما جعل لهم الحق في الذي قل أو كثر.

ثم الوجه فيه عندنا: فهو أنه إن لم يكن نسخ بهذه الآيات، على ما قاله بعض الناس، فهو منسوخ بقوله  : "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" .

فبين أنه قد كان أعطى ذا حق حقه على رفع ما كانت لهم من الوصاية فيه.

ثم اختلفوا في الخبر الذي روي: "إن الله تبارك وتعالى قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" قال قائلون: فلا يجوز ورود النسخ على الآية؛ إذ السنة لا ترد على نسخ الكتاب.

وقال آخرون: لا، ولكنه من أخبار الآحاد.

وأخبار الآحاد، على قولكم، لا ترد على نسخ خبر مثله، فكيف على كتاب رب العالمين؟

فأما الأول - في أن السنة لا تعمل في نسخ الكتاب-: فقد سبق القول فيه، أن الذي حملهم على هذا هو جهلهم بموقع النسخ، وإلا لو علموه ما أنكروه.

وهو ما قلنا: إن النسخ بيان منتهى الحكم إلى الوقت المجعول له.

فأما من قال: بأنه من أخبار الآحاد، فإن الأصل في هذا أن يقال: إنه من حيث الرواية من الآحاد، ومن حيث علم العمل به متواتر.

ومن أصلنا: أن المتواتر بالعمل هو أرفع خبر يعمل، إذ المتواتر المتعارف قرناً بقرنٍ مما عمل الناس به لم يعملوا به، إلا لظهوره، وظهوره يغني الناس عن روايته، لما علموا خلوة عن الخفاء.

ولهذا يقول في الخبر جاء عن رسول الله  : "أنه نهى عن كل ذي ناب من السباع" ، فترد به الخبر المروي عن رسول الله  أنه من أخبار الآحاد.

هو من حيث الرواية من الآحاد، ولكنه من حيث تواتر الناس للعمل به صار بحيث يوجب علم العمل.

فما لم يجز أن يجتمع الأمة على شيء علموا كله من كتاب أو سنة غير ما ورد، فيكونوا قد اجتمعوا على تضييع كتاب أو سنة، فكذا هذا، لا يجوز أن يجتمع الناس على ترك الوصية للوارث، وثم كتاب نسخه أو سنة أخرى يلزم العمل به؛ فلهذا قضينا بنسخه.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: يحتمل: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ ﴾ هذه الوصاية المكتوبة للوالدين، إن كان هذا أراد بقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ  ﴾ الآية، فإنما إثمه عليه.

ويحتمل: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ ﴾ الوصية ﴿ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ ﴾ من الموصي ﴿ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ﴾ .

ثم يحتمل بعد هذا وجهين: يحتمل: أنه أراد تبديل الوصي بعد موت الموصي.

ويحتمل: تبديل من حضر الوصي ذلك الوقت من الشهود وغيره.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ أي: سميع لمقالته ووصايته.

و ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بجوره وظلمه.

أو ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بتبديله.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

قيل: فيه بوجهين: يحتمل: ﴿ فَمَنْ خَافَ ﴾ أي: علم من الموصي ظلمًا وجورًا على الورثة بالزيادة على الثلث، ﴿ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ في تبديله ومنعه ورده إلى الثلث وقت وصاية الموصي.

ويحتمل: ﴿ فَمَنْ خَافَ ﴾ ، أي: علم من الموصي خطأ وجورًا بعد وفاته بالوصية، ﴿ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ في تبديله ورده إلى ما يجوز من ذلك ويصح، وهو الواجب على الأوصياء أن يعملوا بما يجوز في الحكم، وإن كان الموصي أوصى بخلاف ما يجيزه الحكم ويوجبه.

قال الشيخ - رحمه الله -: وكان صرف (الخوف) إلى (العلم) أولى؛ إذ هو تبديل الوصية وقد نهى عنه وأذن به للجور، فإذا لم يعلم فهو تبديل بلا عذر، وقد يخفف للخوف حق العلم إذا غلب الوجه فيه، كما أن أذن للإكراه إظهار الكفر، وذلك في حقيقته خوف عما في التحقيق على العلم بغلبته وجه الوفاء في ذلك.

وقوله: ﴿ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ ﴾ ، يعني بين الورثة بعد موت الموصي، ورد ما زاد على الثلث بين الورثة على قدر أنصبائهم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ، لجور الموصي وظلمه إذا بدل الوصي ذلك ورده إلى الحق.

ويحتمل: ﴿ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ، لمن رد على الموصي جنفه وميله في حال وصايته.

والله أعلم.

والأصل في أمر الوصاية للوارث، أن آيات المواريث لم تكن نزلت في أول ما بهم حاجة إلى معرفة ذلك، فيجوز أن يكون في الابتداء كانت الوصايا بالحق الذي اليوم هو ميراث، يبين ذلك ما روي عن رسول الله  في ابنتي سعد، الذي قتل بأحد، وقد كان استولى عمهما على ميراثه، فسألت أمهما عن ذلك، فقال: لم ينزل فيه شيء.

ثم دعاهما، وأعطاهما ما بين الله في كتابه في قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ..

﴾ الآية [النساء: 11].

وكذلك كان للنساء الحول في ترك الأزواج وصية لهن؛ فعلى ذلك كان الأمر بالوصية، فقال الله عز وجل: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ  ﴾ كالمبين بما كان قد أوجب النبيين على الميت، فقال رسول الله  : "إن الله  قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" ، ومما يبين ذلك أنه معلوم أن تكون الوصية للوارث ليست تثبت فيما هي له؛ لأنه اليوم فيكون حصول الوصية بنصيب بعض الورثة على ذلك الوجه لا يجوز وصية الميت لأحد، فكذلك للورثة.

وهذا يبين أنها كانت في وقت لم يبين الميراث، فلا يكون الوصية لمن تثبت له وصية بنصيب غيره في التحقيق، فكان يجوز، ثم بطل ببيان السنة، إذ ليس في متلو القرآن حقيقة ذلك، وإنما يكون بحق الانتزاع منه والنسخ، ومعناه بالانتزاع أبعد عن الاحتمال منه بالسنة.

ولا قوة إلا بالله.

ثم حق التواتر عندنا يقع بظهور العمل بالشيء على غير المنع منهم، والتكثير عليهم في الفعل، وفي هذا وجود ذلك من طريق الفعل.

ثم القول أيضًا من الأئمة بالفتوى بلا تنازع ظهر فيهم ما قد ذكر الله في المواريث: ﴿ فَإِن كَانُوۤاْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ  ﴾ ، وتخصيص الورثة قصد مضارة بغيره، واستعمال الرأي فيما قد تولى قسمه على غير الذي قسم.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فمن غيّر في الوصية بزيادة أو نقص أو منع بعد علمه بالوصية؛ فإنما يكون إثم ذلك التبديل على المغيّرين لا على الموصي، إن الله سميع لأقوال عبيده، عليم بأفعالهم، لا يفوته شيء من أحوالهم.

من فوائد الآيات البِرُّ الَّذي يحبه الله يكون بتحقيق الإيمان والعمل الصالح، وأما التمسك بالمظاهر فقط فلا يكفي عنده تعالى.

من أعظم ما يحفظ الأنفس، ويمنع من التعدي والظلم؛ تطبيق مبدأ القصاص الَّذي شرعه الله في النفس وما دونها.

عِظَمُ شأن الوصية، ولا سيما لمن كان عنده شيء يُوصي به، وإثمُ من غيَّر في وصية الميت وبدَّل ما فيها.

<div class="verse-tafsir" id="91.zQEgW"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

وجه التناسب والاتصال بين هذه الآيات وما قبلها هو أن القصاص في القتل ضرب من ضروب الموت يذكر بما يطلب ممن يحضره الموت وهو الوصية.

والخطاب فيه موجه إلى الناس كلهم بأن يوصوا بشيء من الخير ولا سيما في حال حضور أسباب الموت وظهور أماراته لتكون خاتمة أعمالهم خيرًا، وهو على نسق ما تقدم في الخطاب بالقصاص من اعتبار الأمة متكافلة يخاطب المجموع منها بما يطلب من الأفراد، وقيام الأفراد بحقوق الشريعة لا يتم إلا بالتعاون والتكافل والائتمار والتناهي؛ فلو لم يأتمر البعض وجب على الباقين حمله على الائتمار - ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ  ﴾ أي فرض عليكم يا معشر المؤمنين إذا حضرت الواحد منكم أسباب الموت وعلاماته ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا  ﴾ أي إن كان له مال كثير يتركه لورثته ﴿ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ  ﴾ أي كتب عليكم في هذه الحالة أن توصوا للوالدين والأقربين بشيء من هذا الخير بالوجه المعروف الذي لا يستنكر لقلته بالنسبة إلى ذلك الخير ولا بكثرته الضارة بالورثة بأن لا يزيد الموصي به لهم ولغيرهم من الأجانب عن ثلث المتروك الوارثين.

والوصية الاسم من الإيصاء والتوصية، وتطلق على الموصي به من عين أو عمل، وهي مندوبة في حال الصحة وتتأكد في المرض، وظاهر الآية أنها تجب عند حضور أمارات الموت للوالدين والأقربين، وفيه الخلاف الآتي.

يقال أوصى ووصى فلانًا بكذا من العمل أو المال، ووصى بفلان، وأوصى له بكذا من مال أو منفعة.

وأوصاه فيه - أي في شأنه.

وإيصاء الله بالشيء وفيه أمره وفسروا الخير بالمال وقيده الأكثرون بالكثير أخذًا من التنكير، ولم يقيده (الجلال) بذلك.

ولم يقتصر أحد من المفسرين على ذكر المال فقط إلا مفسرنا وقوله صادق فيما ذكروه وجهًا وذكروا معه قول من قيده بالكثير كالبيضاوي، وجزم المفسر بأن الآية منسوخة بآية المواريث وحديث الترمذي "لا وصية لوارث" ورده بعضهم، فكلام الجلالين في المسألتين غير مسلم.

أما الأولى فقد قالوا إن المال لا يسمى في العرف خيرًا إلا إذا كان كثيرًا كما لا يقال فلان ذو مال إلا إذا كان كثيرًا، وإن تناول اللفظ صاحب المال القليل، وأيدوا هذا بما رواه ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله عنها قال لها رجل أريد أن أوصي، قالت كم مالك؟

قال ثلاثة آلاف.

قالت كم عيالك؟

قال أربعة، قالت قال الله تعالى ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا  ﴾ وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل.

وروى البهيقي وغيره أن عليًا دخل على مولى له في الموت وله سبعمائة درهم أو ستمائة درهم فقال ألا أوصي؟

قال لا، إنما قال الله تعالى ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا  ﴾ وليس لك كثير مال فدع مالك لورثتك - فعبارتهما تدل على أنهم ما كانوا يفهمون من الخير إلا المال الكثير، واختلفوا في تقدير الكثير فروى عبد بن حميد عن ابن عباس أنه قال: من لم يترك ستين دينارًا لم يترك خيرًا.

وأنا أختار عدم التقدير، لاختلافه باختلاف العرف، فهو موكول إلى اعتقاد الشخص وحاله.

ولا يخفى أن العرف يختلف باختلاف الزمان والأشخاص والبيوت، فمن يترك سبعين دينارًا في منزل قفر، وبلد فقر، وهو من الدهماء فقد ترك خيرًا.

ولكن الأمير أو الوزير، إذا تركا مثل ذلك في المصر الكبير، فهما لم يتركا إلا العدم والفقر، وما لا يفي بتجهيزهما إلى القبر.

وأما الثانية فهي خلافية، والجمهور على أن الآية منسوخة بآية المواريث أو بحديث: "لا وصية لوارث" أو بهما جميعًا، على أن الحديث مبين للآية.

قال البيضاوي: "وكان هذا الحكم في بدء الإسلام فنسخ بآية المواريث وبقوله  "إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث".

وفيه نظر لأن آية المواريث لا تعارضه بل تؤكده من حيث إنها تدل على تقديم الوصية مطلقًا، والحديث من الآحاد، وتلقي الأمة له بالقبول لا يلحقه بالمتواتر".

وبأنه لا دليل على أن آية المواريث نزلت بعد آية الوصية هنا، وبأن السياق ينافي النسخ، فإن الله تعالى إذا شرع للناس حكمًا وعلم أنه مؤقت وأنه سينسخه بعد زمن قريب فإنه لا يؤكده ويوثقه بمثل ما أكد به أمر الوصية هنا من كونه حقًا على المتقين، ومن وعيد من بدله، وبإمكان الجمع بين الآيتين إذا قلنا إن الوصية في آية المواريث مخصوصة بغير الوارث، بأن يخص القريب هنا بالممنوع من الإرث ولو بسبب اختلاف الدين، فإذا أسلم الكافر وحضرته الوفاة ووالداه كافران فله أن يوصي لهما بما يؤلف به قلوبهما، وقد أوصى الله تعالى بحسن معاملة الوالدين وإن كانا كافرين ﴿ وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا  ﴾ الآية، وفي آية لقمان بعد الأمر بالشكر لله ولهما ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ  ﴾ الآية.

أفلا يحسن أن يختم هذه المصاحبة بالمعروف بالوصية لهما بشيء من ماله الكثير؟..

وجوز بعض السلف الوصية للوارث نفسه بأن يخص بها من يراه أحوج من الورثة كأن يكون بعضهم غنيًا والبعض الآخر فقيرًا: مثال ذلك أن يُطلِّق أبوه أمه وهو غني وهي لا عائل لها إلا ولدها ويرى أن ما يصيبها من التركة لا يكفيها.

ومثله أن يكون بعض ولده أو إخوته -إن لم يكن له ولد- عاجزًا عن الكسب فنحن نرى أن الحكيم الخبير اللطيف بعباده، الذي وضع الشريعة والأحكام لمصلحة خلقه، لا يحتم أن يساوي الغني الفقير، والقادر على الكسب من يعجز عنه، فإذا كان قد وضع أحكام المواريث العادلة على أساس التساوي بين الطبقات باعتبار أنهم سواسية في الحاجة، كما أنهم سواء في القرابة، فلا غرو أن يجعل أمر الوصية مقدمًا على أمر الإرث، أو يجعل نفاذ هذا مشروطًا بنفاذ ذلك قبله، ويجعل الوالدين والأقربين في آية أخرى أولى بالوصية لهم من غيرهم لعلمه ٠  بما يكون من التفاوت بينهم في الحاجة أحيانًا، فقد قال في آيات الإرث من سورة النساء ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ  ﴾ فأطلق أمر الوصية وقال في آية الوصية هنا ما هو تفصيل لتلك.

فقد علم مما تقدم أن آية المواريث لا تعارض آية الوصية فيقال بأنها ناسخة لها إذا علم أنها بعدها، وأما الحديث فقد أرادوا أن يجعلوا له حكم المتواتر أو يلصقوه به بتلقي الأمة له بالقبول ليصلح ناسخًا، على أنه لم يصل إلى درجة ثقة الشيخين به فلم يروه أحد منهما مسندًا، ورواية أصحاب السنن محصورة في عمرو بن خارجة وأبي أمامة وابن عباس وفي إسناد الثاني إسماعيل بن عياش تكلموا فيه، وإنما حسنه الترمذي لأن إسماعيل يرويه عن الشاميين، وقد قوى بعض الأئمة روايته عنهم خاصة.

وحديث ابن عباس معلول إذ هو من رواية عطاء عنه وقد قيل إنه عطاء الخراساني، وهو لم يسمع من ابن عباس، وقيل عطاء بن أبي رباح، فإن أبا داود أخرجه في مراسيله عنه، وما أخرجه البخاري من طريق عطاء بن أبي رباح موقوف على ابن عباس، وما روي غير ذلك فلا نزاع في ضعفه، فعلم أنه ليس لنا رواية للحديث صححت إلا رواية عمرو بن خارجة، والذي صححها هو الترمذي وهو من المتساهلين في التصحيح، وقد علمت أن البخاري ومسلم لم يرضياها، فهل يقال إن حديثًا كهذا تلقته الأمة بالقبول؟

إن النسخ في الشرائع جائز موافق للحكمة وواقع، فإن شرع موسى نسخ بعض الأحكام التي كان عليها إبراهيم، وشرع عيسى نسخ بعض أحكام التوراة، وشريعة الإسلام نسخت جميع الشرائع السابقة، لأن الأحكام العملية التي تقبل النسخ إنما تشرع لمصلحة البشر، والمصلحة تختلف باختلاف الزمان.

فالحكيم العليم يشرع لكل زمن ما يناسبه، وكما تنسخ شريعة بأخرى يجوز أن تنسخ بعض أحكام شريعة بأحكام أخرى في تلك الشريعة، فالمسلمون كانوا يتوجهون إلى بيت المقدس في صلاتهم فنسخ ذلك بالتوجه إلى الكعبة وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين.

ولكن هناك خلافًا في نسخ أحكام القرآن ولو بالقرآن، فقد قال أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني المفسر الشهير ليس في القرآن آية منسوخة، وهو يخرج كل ما قالوا إنه منسوخ على وجه صحيح بضرب من التخصيص أو التأويل، وظاهر أن مسألة القبلة ليس فيها نسخ القرآن، وإنما هي نسخ لحكم لا ندري هل فعله النبي  باجتهاده أم بأمر من الله تعالى غير القرآن؟

فإن الوحي غير محصور في القرآن.

ولكن الجمهور على أن القرآن ينسخ بالقرآن بناء على أنه لا مانع من نسخ حكم آية مع بقائها في الكتاب يعبد الله تعالى بتلاوتها ويتذكر نعمته بالانتقال من حكم كان موافقًا للمصلحة ولحال المسلمين في أول الإسلام إلى حكم يوافق المصلحة في كل زمان ومكان.

فإنه لا ينسخ حكم إلا بأمثل منه كالتخفيف في تكليف المؤمنين قتال عشر أمثالهم بالاكتفاء بمقاتلة الضعف بأن تقاتل المئة مئتين.

واتفقوا على أنه لا يقال بالنسخ إلا إذا تعذر الجمع بين الآيتين من آيات الأحكام العملية، وعلم تاريخهما، فعند ذلك يقال إن الثانية ناسخة للأولى.

وأما آيات العقائد والفضائل والأخبار فلا نسخ فيها.

ونسخ السنة بالسنة كنسخ الكتاب بالكتاب، بل هو أولى وأظهر وكذلك نسخ السنة بالكتاب كما في مسألة القبلة ولا خلاف فيهما.

ومن قبيل هذا نسخ الحديث المتواتر لحديث الآحاد.

وأما الخلاف القوي فهو في نسخ القرآن بالحديث ولو متواترًا، أو الحديث المتواتر بأخبار الآحاد، والذي عليه المحققون الأولون أن الظني (وهو خبر الآحاد) لا ينسخ القطعي كالقرآن والحديث المتواتر.

والحنفية وكثير من محققي الشافعية صرحوا بجواز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، لأن النبي  معصوم في تبليغ الأحكام، فمتى أيقنا بالرواية عنه واستوفت شروط النسخ تعتبر ناسخة للكتاب كما إذا نسخت آية آية.

وذهب آخرون ومنهم الإمام الشافعي كما في رسالته المشهورة في الأصول بأنه لا يجوز نسخ حكم من كتاب الله بحديث مهما تكن درجته لأن للقرآن مزايا لا يشاركه فيها غيره.

وقد أورد الشافعي كثيرًا من الأحاديث التي زعموا أنها ناسخة لأحكام القرآن وبين أنها غير ناسخة بل بين أنها مفسرة ومبينة..

ولا أعرف لأبي حنيفة قولًا في هذه المسائل، والأصوليون المتقدمون من الحنفية والشافعية لا يقولون بنسخ القرآن بغير المتواتر من الأحاديث وإن اشتهر بنحو رواية الشيخين وأصحاب السنن له، والدليل ظاهر فإن القرآن منقول بالتواتر فهو قطعي وأحاديث الآحاد ظنية يحتمل أن تكون مكذوبة من بعض رجال السند المتظاهرين بالصلاح لخداع الناس.

وقال بعضهم: بنسخ الكتاب بالسنة ولو خبر آحاد لأن دلالة الآية على الحكم ظنية فكأن الحديث لم ينسخ إلا حكمًا ظنيًا، وفاتهم أن دلالة الحديث أيضًا ظنية فكأننا ننسخ حكمًا ظنيًا إسناده إلى الشارع قطعي بحكم ظني إسناده إليه غير قطعي، بل يحتمل أنه لم يقل به أو قاله رأيًا لا تشريعًا.

ولما كان الخلاف هنا ضعيفًا جدًا احتاج القائلون بنسخ حديث "لا وصية لوارث" لآية الوصية إلى زعم تواتره بتلقي الأمة له بالقبول، وقد علمت أن هذا غير صحيح.

وقد صرح بعض الشافعية بأن الخلاف في نسخ الكتاب بالسنة إنما هو في الجواز وأنه غير واقع قطعًا.

وقالوا أيضًا إن السنة لا تنسخ الكتاب إلا ومعها كتاب يؤيدها، والظاهر في مثل هذه الحال أن يقال إن الكتاب نسخ الكتاب لأنه الأصل، وكأنهم أرادو تصحيح قول من قال بالنسخ تعظيمًا له أن يرد قوله، وتعظيم الله تعالى أولى، ثم تعظيم رسوله يتلو تعظيمه ولا يبلغه، وإنما يطاع الرسول ويتبع بإذن الله تعالى.

ومن أغرب مباحث النسخ أن الشافعية -الذين يبالغ إمامهم في الاتباع فيمنع نسخ الكتاب بالسنة، ثم هو يبالغ في تعظيم السنة واتباعها ولا يبالي برأي أحد يخالفها، ثم هو يقول إن القياس لا يصار إليه إلا عند الضرورة كأكل الميتة كما رواه عنه الإمام أحمد- يقول بعضهم إن القياس الجلي ينسخ السنة، مع أن البحث في العلة أمر عقلي يجوز أن يخطئ فيه كل أحد، ويجوز أن يكون ما فهمناه من عموم العلة غير مراد للشارع، فإذا جاء حديث ينافي هذا العموم وصح عندنا فالواجب أن نجعله مخصصًا لعلة عموم الحكم، ولا نقول رجمًا بالغيب إنه منسوخ لمخالفته للعلة التي ظنناها.

فإذا كانت المجازفة في القياس قد وصلت إلى هذا الحد وقد تجرأ الناس على القول بنسخ مئات من الآيات، وإلى إبطال اليقين بالظن، وترجيح الاجتهاد على النص، فعلينا أن لا نحفل بكل ما قيل، وأن نعتصم بكتاب الله قبل كل شيء، ثم بسنة رسوله التي جرى عليها أصحابه والسلف الصالحون، وليس في ذلك شيء يخالف الكتاب العزيز.

وصفوة القول أن الآية غير منسوخة بآية المواريث لأنها لا تعارضها بل تؤيدها، ولا دليل على أنها بعدها، ولا بالحديث لأنه لا يصلح لنسخ الكتاب، فهي محكمة وحكمها باق، ولك أن تجعله خاصًا بمن لا يرث من الوالدين والأقربين كما روي عن بعض الصحابة وأن تجعله على إطلاقه، ولا تكن من المجازفين الذين يخاطرون بدعوى النسخ فتنبذ ما كتبه الله عليه بغير عذر، ولا سيما بعد ما أكده بقوله ﴿ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ  ﴾ أي حق ذلك الذي كتب عليك من الوصية أو حققته حقًا على المتقين لي، المطيعين لكتابي.

والمتبادر أن معنى المكتوب المفروض وبه قال بعضهم هنا، وقال أخرون إنه للندب، ويؤيد الفرضية قوله تعالى في وعيد المبدلين له ﴿ فَمَنْ بَدَّلَهُ  ﴾ أي بدل ما أوصى به الموصي ﴿ بَعْدَمَا سَمِعَهُ  ﴾ من الموصي أو علم به علمًا صحيحًا، من كتابة الوصية، وهو مشروع كما سيأتي، ومن الحكم بها ﴿ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ  ﴾ من ولي ووصي وشاهد وقد برئت منه ذمة الموصي وثبت أجره عند الله تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ  ﴾ لما يقوله المبدلون في ذلك ﴿ عَلِيمٌ  ﴾ بأعمالهم فيه فيجازيهم عليها، وهو يتضمن تأكيد الوعيد، والضمير في المواضع الثلاثة راجع إلى الحق أو الإيصاء أي أثره ومتعلقة.

وقد قال بوجوب الوصية بعض علماء السلف واستدلوا عليه بالآية وبحديث "ما حق أمرئ مسلم بيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي به إلا ووصيته عند رأسه".

وقال الجمهور: مندوبة وتقدم قولهم في الآية.

ثم قال ﴿ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ  ﴾ الجنف بالتحريك الخطأ، والإثم يراد به تعمد الإجحاف والظلم، والموصي فاعل الإيصاء.

وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب ﴿ مُوصّ  ﴾ بالتشديد من التوصية.

والمعنى إن خرج الموصي في وصيته عن المعروف والعدل خطأ أو عمدًا فتنازع الموصى لهم فيه أو تنازعوا مع الورثة فينبغي أن يتوسط بينهم من يعلم بذلك ويصلح بينهم، ولا إثم عليه في هذا الإصلاح إذا وجد فيه شيء من تبديل الجنف والحيف لأنه تبديل باطل إلى حق وإزالة مفسدة بمصلحة، فقلما يكون إصلاح إلا بترك بعض الخصوم شيئًا مما يراه حقًا له للآخر.

والآية استثناء مما قبلها أي أن المبدل للوصية آثم إلا من رأى إجحافًا أو جنفًا في الوصية فبدل فيها لأجل الإصلاح وإزالة التخاصم والتنازع والتعادي بين الموصي لهم، فعبر بخاف بدلًا عن رأى أو علم تبرئة للموصي من القطع بجنفه وإثمه واحتماء من تقييد التصدي للإصلاح بالعلم بذلك يقينًا، يعني أن من يتوقع النزاع للجنف أو الإثم فله أن يتصدى للإصلاح وإن لم يكن موقنًا بذلك، والتعبير عن مثل هذا العلم بالخوف شواهد في كلام العرب.

والمصلح مثاب مأجور، ونفي الإثم عن تبديل الوصية المحرم تبديلها يشعر بذلك إذ لو لم يكن التبديل للإصلاح مطلوبًا لم ينف الإثم عنه.

وختم الكلام بقوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ للإشعار بما في هذه الأحكام من المصلحة والمنفعة وبأن من خالف لأجل المصلحة مع الإخلاص فهو مغفور له.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله