الآية ١٩٢ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٩٢ من سورة البقرة

فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٩٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 82 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩٢ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩٢ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم ) أي : فإن تركوا القتال في الحرم ، وأنابوا إلى الإسلام والتوبة ، فإن الله [ غفور رحيم ] يغفر ذنوبهم ، ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله ، فإنه تعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب منه إليه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) قال أبوجعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: فإن انتهى الكافرون الذين يقاتلونكم عن قتالكم وكفرهم بالله، فتركوا ذلك وتابوا،" فإن الله غفور " لذنوب من آمن منهم وتاب من شركه، وأناب إلى الله من معاصيه التي سلفت منه وأيامه التي مَضت =" رحيم " به في آخرته بفضله عليه، وإعطائه ما يعطى أهل طاعته من الثواب بإنابته إلى محبته من معصيته.

كما: 3112 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فإن انتهوا " = فإن تابوا =" فإن الله غفورٌ رَحيم ".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

الخامسة : فإن انتهوا أي عن قتالكم بالإيمان فإن الله يغفر لهم جميع ما تقدم ، ويرحم كلا منهم بالعفو عما اجترم ، نظيره قوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف .

وسيأتي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر تعالى المقصود من القتال في سبيله, وأنه ليس المقصود به, سفك دماء الكفار, وأخذ أموالهم، ولكن المقصود به أن { يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ } تعالى, فيظهر دين الله [تعالى], على سائر الأديان, ويدفع كل ما يعارضه, من الشرك وغيره, وهو المراد بالفتنة، فإذا حصل هذا المقصود, فلا قتل ولا قتال، { فَإِنِ انْتَهَوْا } عن قتالكم عند المسجد الحرام { فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ } أي: فليس عليهم منكم اعتداء, إلا من ظلم منهم, فإنه يستحق المعاقبة, بقدر ظلمه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فإن انتهوا ) عن القتال والكفر ( فإن الله غفور رحيم ) أي غفور لما سلف رحيم بالعباد

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فإن انتهوا» عن الكفر وأسلموا «فإن الله غفور» لهم «رحيم» بهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإن تركوا ما هم فيه من الكفر وقتالكم عند المسجد الحرام، ودخلوا في الإيمان، فإن الله غفور لعباده، رحيم بهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم فتح القرآن للكافرين الذين قاتلوا المسلمين التوبة فقال : ( فَإِنِ انتهوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .الانتهاء : أصله مطاوع نهى .

يقال : نهاه فانتهى ثم توسع فيه فأطلق على الكف عن الشيء ، لأن النهي هو طلب ترك الشيء .أي : فإن انتهوا عن الكفر وعن مقاتلتكم فكفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم فإن الله غفور رحيم .

وكل من تاب من كفر أو معصية فشأن الله معه أن يغفر له ويرحمه .ونظير هذه الآية قوله - تعالى - : ( قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ) وإنما قلنا فإن انتهوا عن الكفر وعن القتال لأن سياق الحديث عن الكافرين المقاتلين للمؤمنين ، فيكون حمل الانتهاء على الأمرين معا أولى من حمله على القتال فحسب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: الثقف وجوده على وجه الأخذ والغلبة ومنه رجل ثقيف سريع الأخذ لأقرانه، قال: فأما تثقفوني فاقتلوني *** فمن أثقف فليس إلى خلود ثم نقول قوله تعالى: ﴿ اقتلوهم ﴾ الخطاب فيه واقع على النبي صلى الله عليه وسلم ومن هاجر معه وإن كان الغرض به لازما لكل مؤمن، والضمير في قوله: ﴿ اقتلوهم ﴾ عائد إلى الذين أمر بقتلهم في الآية الأولى وهم الكفار من أهل مكة، فأمر الله تعالى بقتلهم حيث كانوا في الحل والحرم، وفي الشهر الحرام، وتحقيق القول أنه تعالى أمر بالجهاد في الآية الأولى بشرط إقدام الكفار على المقاتلة، وفي هذه زاد في التكليف فأمر بالجهاد معهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا، واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام.

المسألة الثانية: نقل عن مقاتل أنه قال: إن الآية المتقدمة على هذه الآية، وهي قوله: ﴿ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله الذين يقاتلونكم  ﴾ منسوخة بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام ﴾ ثم تلك الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ  ﴾ وهذا الكلام ضعيف.

أما قوله: إن قوله تعالى: ﴿ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله الذين يقاتلونكم ﴾ منسوخ بهذه الآية، فقد تقدم إبطاله، وأما قوله: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام ﴾ فهذا من باب التخصيص لا من باب النسخ، وأما قوله: ﴿ وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام ﴾ منسوخ بقوله: ﴿ وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ  ﴾ فهو خطأ أيضاً لأنه لا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم، وهذا الحكم ما نسخ بل هو باقٍ فثبت أن قوله ضعيف ولأنه يبعد من الحكيم أن يجمع بين آيات متوالية تكون كل واحدة منها ناسخة للأخرى.

أما قوله تعالى: ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: أن الإخراج يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم كلفوهم الخروج قهراً والثاني: أنهم بالغوا في تخويفهم وتشديد الأمر عليهم، حتى صاروا مضطرين إلى الخروج.

البحث الثاني: أن صيغة ﴿ حَيْثُ ﴾ تحتمل وجهين: أحدهما: أخرجوهم من الموضع الذي أخرجوكم وهو مكة والثاني: أخرجوهم من منازلكم، إذا عرفت هذا فنقول: أن الله تعالى أمر المؤمنين بأن يخرجوا أولئك الكفار من مكة إن أقاموا على شركهم إن تمكنوا منه، لكنه كان في المعلوم أنهم يتمكنون منه فيما بعد، ولهذا السبب أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مشرك من الحرم.

ثم أجلاهم أيضاً من المدينة، وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب».

أما قوله تعالى: ﴿ والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل ﴾ ففيه وجوه: أحدها: وهو منقول عن ابن عباس: أن المراد من الفتنة الكفر بالله تعالى، وإنما سمي الكفر بالفتنة لأنه فساد في الأرض يؤدي إلى الظلم والهرج، وفيه الفتنة، وإنما جعل الكفر أعظم من القتل، لأن الكفر ذنب يستحق صاحبه به العقاب الدائم، والقتل ليس كذلك، والكفر يخرج صاحبه به عن الأمة، والقتل ليس كذلك فكان الكفر أعظم من القتل، وروي في سبب نزول هذه الآية أن بعض الصحابة كان قتل رجلاً من الكفار في الشهر الحرام، فالمؤمنون عابوه على ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فكان المعنى ليس لكم أن تستعظموا الإقدام على القتل في الشهر الحرام، فإن إقدام الكفار على الكفر في الشهر الحرام أعظم من ذلك.

وثانيها: أن الفتنة أصلها عرض الذهب على النار لاستخلاصه من الغش، ثم صار إسماً لكل ما كان سبباً للامتحان تشبيهاً بهذا الأصل، والمعنى: أن إقدام الكفار على الكفر وعلى تخويف المؤمنين، وعلى تشديد الأمر عليهم بحيث صاروا ملجئين إلى ترك الأهل والوطن هرباً من إضلالهم في الدين، وتخليصاً للنفس مما يخافون ويحذرون، فتنة شديدة بل هي أشد من القتل الذي يقتضي التخليص من غموم الدنيا وآفاتها، وقال بعض الحكماء: ما أشد من هذا القتل الذي أوجبه عليكم جزاء غير تلك الفتنة.

الوجه الثالث: أن يكون المراد من الفتة العذاب الدائم الذي يلزمهم بسبب كفرهم، فكأنه قيل: اقتلوهم من حيث ثقفتموهم، واعلم أن وراء ذلك من عذاب الله ما هو أشد منه كقوله: ﴿ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ  ﴾ وإطلاق اسم الفتنة على العذاب جائز، وذلك من باب إطلاق اسم السبب على المسبب، قال تعالى: ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ  ﴾ ثم قال عقيبه: ﴿ ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ  ﴾ أي عذابكم، وقال: ﴿ إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات  ﴾ أي عذبوهم، وقال: ﴿ فَإِذَا أُوذِىَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله  ﴾ أي عذابهم كعذابه.

الوجه الرابع: أن يكون المراد فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام، أشد من قتلكم إياهم في الحرم، لأنهم يسعون في المنع من العبودية والطاعة التي ما خلقت الجن والإنس إلا لها.

الوجه الخامس: أن ارتداد المؤمن أشد عليه من أن يقتل محقاً والمعنى: وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ولو أتى ذلك على أنفسكم فإنكم إن قتلتم وأنتم على الحق كان ذلك أولى بكم وأسهل عليكم من أن ترتدوا عن دينكم أو تتكاسلوا في طاعة ربكم.

أما قوله: ﴿ وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فِيهِ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا بيان لبقاء هذا الشرط في قتالهم في هذه البقعة خاصة، وقد كان من قبل شرطاً في كل القتال وفي الأشهر الحرم.

المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي: ﴿ وَلاَ تقاتلوهم حتى يقاتلوكم فَإِن قاتلوكم ﴾ كله بغير ألف، والباقون جميع ذلك بالألف، وهو في المصحف بغير ألف، وإنما كتبت كذلك للإيجاز، كما كتب: الرحمن بغير ألف، وكذلك: صالح، وما أشبه ذلك من حروف المد واللين، قال القاضي رحمه الله: القراءتان المشهورتان إذا لم يتناف العمل وجب العمل بهما، كما يعمل بالآيتين إذا لم يتناف العمل بهما، وما يقتضيه هاتان القراءتان المشهورتان لا تنافي فيه، فيجب العمل بهما ما لم يقع النسخ فيه، يروى أن الأعمش قال لحمزة: أرأيت قراءتك إذا صار الرجل مقتولاً فبعد ذلك كيف يصير قاتلاً لغيره؟

فقال حمزة: إن العرب إذا قتل رجل منهم قالوا قتلنا، وإذا ضرب رجل منهم قالوا ضربنا.

المسألة الثالثة: الحنفية تمسكوا بهذه الآية في مسألة الملتجيء إلى الحرم، وقالوا: لما لم يجز القتل عند المسجد الحرام بسبب جناية الكفر فلأن لا يجوز القتل في المسجد الحرام بسبب الذنب الذي هو دون الكفر كان أولى، وتمام الكلام فيه في كتب الخلاف.

أما قوله تعالى: ﴿ فَإِنِ انتهوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ فاعلم أنه تعالى أوجب عليهم القتال على ما تقدم ذكره، وكان يجوز أن يقدر أن ذلك القتال لا يزول وإن انتهوا وتابوا كما ثبت في كثير من الحدود أن التوبة لا تزيله، فقال تعالى بعدما أوجب القتل عليهم: ﴿ فَإِنِ انتهوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ بين بهذا أنهم متى انتهوا عن ذلك سقط وجوب القتل عنهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: فإن انتهوا عن القتال وقال الحسن: فإن انتهوا عن الشرك.

حجة القول الأول: أن المقصود من الإذن في القتال منع الكفار عن المقاتلة فكان قوله: ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْاْ ﴾ محمولاً على ترك المقاتلة.

حجة القول الثاني: أن الكافر لا ينال غفران الله ورحمته بترك القتال، بل بترك الكفر.

المسألة الثانية: الانتهاء عن الكفر لا يحصل في الحقيقة إلا بأمرين أحدهما: التوبة والآخر التمسك بالإسلام، وإن كان قد يقال في الظاهر لمن أظهر الشهادتين: إنه انتهى عن الكفر إلا أن ذلك إنما يؤثر في حقن الدم فقط.

أما الذي يؤثر في استحقاق الثواب والغفران والحرمة فليس إلا ما ذكرنا.

المسألة الثالثة: دلت الآية على أن التوبة من كل ذنب مقبولة، وقول من قال: التوبة عن القتل العمد غير مقبولة خطأ، لأن الشرك أشد من القتل، فإذا قبل الله توبة الكافر فقبول توبة القاتل أولى، وأيضاً فالكافر قد يكون بحيث جمع مع كونه كافراً كونه قاتلاً.

فلما دلت الآية على قبول توبة كل كافر دل على أن توبته إذا كان قاتلاً مقبولاً والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

المقاتلة في سبيل الله: هو الجهاد لإعلاء كلمة الله وإعزاز الدين ﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ الذين يناجزونكم القتال دون المحاجزين.

وعلى هذا يكون منسوخاً بقوله: ﴿ وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً ﴾ [التوبة: 36] .

وعن الربيع بن أنس رضي الله عنه: هي أول آية نزلت في القتال بالمدينة فكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقاتل من قاتل ويكف عمن كف.

أو الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ والصبيان والرهبان والنساء.

أو الكفرة كلهم لأنهم جميعاً مضادّون للمسلمين قاصدون لمقاتلتهم، فهم في حكم المقاتلة، قاتلوا أو لم يقاتلوا.

وقيل: لما صدّ المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وعلى آله وسلم عام الحديبية وصالحوه على أن يرجع من قابل فيخلوا له مكة ثلاثة أيام فرجع لعمرة القضاء، خاف المسلمون أن لايفي لهم قريش ويصدّوهم ويقاتلوهم في الحرم وفي الشهر الحرام وكرهوا ذلك نزلت وأطلق لهم قتال الذين يقاتلونهم منهم في الحرم والشهر الحرام، ورفع عنهم الجناح في ذلك ﴿ وَلاَ تَعْتَدُواْ ﴾ بابتداء القتال أو بقتال من نهيتم عن قتاله من النساء والشيوخ والصبيان والذين بينكم وبينهم عهد أو بالمثلة أو بالمفاجأة من غير دعوة ﴿ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ حيث وجدتموهم في حلّ أو حرم.

والثقف وجود على وجه الأخذ والغلبة.

ومنه: رجل ثقف، سريع الأَخذ لأقرانه.

قال: فَإمَّا تَثْقَفُونِي فَاقْتُلُونِي ** فَمَنْ أَثْقَفْ فَلَيْسَ إلَى خُلُود ﴿ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ أي من مكة وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن لم يسلم منهم يوم الفتح.

﴿ والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل ﴾ أي المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان يتعذب به أشدّ عليه من القتل.

وقيل لبعض الحكماء: ما أشد من الموت؟

قال: الذي يتمنى فيه الموت، جعل الإخراج من الوطن من الفتن والمحن التي يتمنى عندها الموت.

ومنه قول القائل: لَقَتْلٌ بِحَدِّ السَّيْفِ أَهْوَنُ مَوْقِعا ** عَلَى النَّفْسِ مِنْ قَتْلٍ بِحَدِّ فِرَاقِ وقيل: (الفتنة) عذاب الآخرة ﴿ وَذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ ﴾ [الذاريات: 13] وقيل: الشرك أعظم من القتل في الحرم، وذلك أنهم كانوا يستعظمون القتل في الحرم ويعيبون به المسلمين، فقيل: والشرك الذي هم عليه أشدّ وأعظم مما يستعظمونه.

ويجوز أن يراد: وفتنتهم إياكم بصدّكم عن المسجد الحرام أشدّ من قتلكم إياهم في الحرم، أو من قتلهم إياكم إن قتلوكم فلا تبالوا بقتالهم.

وقرئ: (ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم، فإن قتلوكم): جعل وقوع القتل في بعضهم كوقوعه فيهم.

يقال: قتلتنا بنو فلان.

وقال: فإن تقتلونا نقتلكم ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْاْ ﴾ عن الشرك والقتال، كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ [الأنفال: 38] ﴿ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ أي شرك ﴿ وَيَكُونَ الدين للَّهِ ﴾ خالصاً ليس للشيطان فيه نصيب ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْاْ ﴾ عن الشرك ﴿ فَلاَ عدوان إِلاَّ عَلَى الظالمين ﴾ فلا تعدوا على المنتهين لأنّ مقاتلة المنتهين عدوان وظلم، فوضع قوله: ﴿ إِلاَّ عَلَى الظالمين ﴾ موضع على المنتهين.

أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المنتهين، سمي جزاء الظالمين ظلماً للمشاكلة، كقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ ﴾ أو أريد أنكم إن تعرضتم لهم بعد الانتهاء كنتم ظالمين فيسلط عليكم من يعدو عليكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَإنِ انْتَهَوْا ﴾ عَنِ القِتالِ والكُفْرِ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ يَغْفِرُ لَهم ما قَدْ سَلَفَ ﴿ وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ شِرْكٌ ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾ خالِصًا لَهُ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ فِيهِ نَصِيبٌ.

﴿ فَإنِ انْتَهَوْا ﴾ عَنِ الشِّرْكِ.

﴿ فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظّالِمِينَ ﴾ أيْ فَلا تَعْتَدُوا عَلى المُنْتَهِينَ إذْ لا يَحْسُنُ أنْ يُظْلَمَ إلّا مِن ظَلَمَ، فَوَضَعَ العِلَّةَ مَوْضِعَ الحُكْمِ.

وسُمِّيَ جَزاءُ الظُّلْمِ بِاسْمِهِ لِلْمُشاكَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ ﴾ .

أوْ أنَّكم إنْ تَعَرَّضْتُمْ لِلْمُنْتَهِينَ صِرْتُمْ ظالِمِينَ ويَنْعَكِسُ الأمْرُ عَلَيْكُمْ، والفاءُ الأُولى لِلتَّعْقِيبِ والثّانِيَةُ لِلْجَزاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَإِنِ انْتَهَوْاْ} عن الشرك والقتال {فَإِنَّ الله غَفُورٌ} لما سلف من طغيانهم {رَّحِيمٌ} بقبول توبتهم وإيمانهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَإنِ انْتَهَوْا ﴾ عَنِ الكُفْرِ بِالتَّوْبَةِ مِنهُ، كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ، أوْ عَنْهُ وعَنِ القِتالِ كَما قِيلَ: لِقَرِينَةِ ذِكْرِ الأمْرَيْنِ.

﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 192﴾ فَيَغْفِرُ لَهم ما قَدْ سَلَفَ، واسْتُدِلَّ بِهِ في البَحْرِ عَلى قَبُولِ تَوْبَةِ قاتِلِ العَمْدِ؛ إذْ كانَ الكُفْرُ أعْظَمَ مَأْثَمًا مِنَ القَتْلِ، وقَدْ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنهُ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا، وذلك أن رسول الله  خرج مع أصحابه إلى مكة للعمرة، فنزل بالحديبية بقرب مكة، والحديبية: اسم بئر فسمي ذلك الموضع باسم تلك البئر، فصده المشركون عن البيت، فأقام بالحديبية شهراً، فصالحه المشركون على أن يرجع من عامه كما جاء، على أن تخلى له مكة في العام المقبل ثلاثة أيام، وصالحوه على أن لا يكون بينهم قتال إلى عشر سنين، فرجع إلى المدينة وخرج في العام الثاني للقضاء، فخاف أصحاب رسول الله  أن يقاتلهم المشركون وكرهوا القتال في الشهر الحرام، فنزلت هذه الآية وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أي في طاعة الله الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، يعني في الحرم أو في الشهر الحرام، وَلا تَعْتَدُوا بأن تنقضوا العهد وتبدؤوهم بالقتال في الشهر الحرام أو في الحرم.

إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، يعني من يبدأ بالظلم.

وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ، أي حيث وجدتموهم في الحل والحرم، والشهر الحرام.

فأمرهم الله تعالى بقتل المشركين الذين ينقضون العهد وقوله: وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ من مكة وَالْفِتْنَةُ، أي الشرك بالله أَشَدُّ، أي أعظم عند الله مِنَ الْقَتْلِ في الشهر الحرام.

وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، أي في الحرم، حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، أي يبدؤوكم بالقتال.

فَإِنْ قاتَلُوكُمْ، أي بدءوكم بالقتال فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ، أي هكذا جزاؤهم القتل في الحرم وغيره.

قرأ حمزة والكسائي: وَلا تُقاتِلُوهُمْ بغير ألف حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ وقرأ الباقون في هذه المواضع الثلاثة: بالألف.

فمن قرأ بالألف فهو من المقاتلة ومن قرأ بغير ألف فمعناه لا تقتلوهم حتى يقتلوا منكم.

فَإِنِ انْتَهَوْا عن قتالكم، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي إذا أسلموا.

وهذا كقوله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: 38] .

وَقاتِلُوهُمْ، يعني أهل مكة حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ، يعني الشرك بالله، وَيَكُونَ الدِّينُ كله لِلَّهِ، يعني الإسلام.

فَإِنِ انْتَهَوْا عن قتالكم وتركوا الشرك فَلا عُدْوانَ، يقول لا سبيل ولا حجة عليهم في القتل، إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ الذين بدءوكم بالقتال.

وقال القتبي: أصل العدوان الظلم، يعني لا جزاء للظلم إلا على الظالمين.

فسار رسول الله  وأصحابه حتى دخلوا مكة، وطافوا بالبيت، ونحروا الهدي، وأقاموا بمكة ثلاثة أيام ثم انصرفوا فنزلت هذه الآية: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ، يعني الشهر الحرام الذي دخلت فيه الحرم بالشهر الحرام الذي صدوكم عنه العام الأول وهو ذو القعدة وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ أي ما اقتصصت لكم في ذي القعدة كما صدوكم.

ويقال: إذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر الحرام وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ، يعني قتالكم يكون لِقتالهم قصاصاً، فكما تركوا الحرمة فأنتم تتركون أيضاً ذلك.

ويقال: إن سبب نزول هذه الآية أن المشركين سألوا المسلمين فقالوا: في أي شهر يحرم عليكم القتال؟

وأرادوا أن يقفوا على ذلك، حتى يقاتلوهم في الشهر الذي حرم القتال على المؤمنين، فنزل قوله: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، أي في وقت قاتلكم المشركون حل لكم قتالهم.

ثم قال تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ، أي قاتلكم في الشهر الحرام فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ، أي قاتلوهم فيه وإنما سمي الثاني اعتداء، لأنه مجازاة الاعتداء فسمي بمثل اسمه.

وهذا كقوله عز وجل: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل: 126] ثم صارت هذه الآية حكماً في جميع الجنايات.

إن من جنى على إنسان أو في ماله، فله أن يجازيه بمثل ذلك بظاهر هذه الآية: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ.

ثم قال وَاتَّقُوا اللَّهَ عن الاعتداء قبل أن يعتدوا عليكم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ، يعني يعين من اتقى الاعتداء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بأمْر يرجُو النَّجاح به، تشبيهاً بالذي يرسل الدَّلْو في البِئْر يرجُو بها الماءَ، قال قومٌ: معنى الآية: تُسَارعون في الأموال إِلى المخاصَمَة، إِذا علمْتم أنَّ الحُجَّة تقوم لكم إِمَّا بأن لا تكون على الجاحِدِ بيِّنة، أو يكون مالَ أمانةٍ كاليتيم ونحوه ممَّا يكون القول فيه قوله، فالباء في «بهاء» باءُ السبب «١» ، وقيل: معنى الآية: تُرْشُوا بهَا على أكْل أكثر منْها، فالباء إِلزاقٌ مجرَّدٌ وهذا القول يترجَّح لأن الحكَّام مَظِنَّةُ الرُّشَا، إِلاَّ من عُصِمَ، وهو الأقل، وأيضاً، فإِن اللفظتين متناسبتَان.

تُدْلُوا: من إِرسال الدلْوِ، والرِّشْوَةُ: من الرِّشَاءِ كأنها يمدُّ بها لتقضي الحاجة.

والفريق: القطعة، والجزء.

وبِالْإِثْمِ أي: بالظلم.

وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي: أنكم مبطلون.

وقوله تعالَى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قال ابنْ عَبَّاس، وغيره: نَزلَتْ على سؤالِ قَوْمٍ من المسلمين النبيّ صلّى الله عليه وسلم عنِ الهِلاَلِ، وما فائدةُ مُحَاقِهِ، وكمالِهِ، ومخالفته لحال الشمس «٢» .

ومَواقِيتُ أي: لمحَلِّ الدُّيون، وانقضاءِ العِدَدِ والأَكْرِيَةِ، وما أشبه، هذا من مصالحِ العبادِ، ومواقيت للحَجِّ أيضاً: يعرف بها وقته وأشهره.

وقوله سبحانه: وَلَيْسَ الْبِرُّ ...

الآية: قال البَرَاء بن عَازِبٍ «٣» ، والزهريّ،

وقتادة: سببها أن الأنصار كانوا إِذا حَجُّوا، أو اعتمروا، يلتزمون تشرُّعاً ألاَّ يحول بينهم وبَيْن السماء حائلٌ، فكانوا يتسنَّمون ظهور بيوتِهِم على الجُدُرَاتِ «١» ، وقيل: كانوا يجعلون في ظهور بيوتهم فُتُوحاً يدخلُون منْها، ولا يدخلون من الأبواب «٢» ، وقيل غير هذا ممَّا يشبهه «٣» .

وقوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...

الآيةُ هي أول آية نزلَتْ في الأمر بالقتالِ.

قال ابن زَيْد، والربيعُ: قوله: وَلا تَعْتَدُوا أي: في قتالِ مَنْ لم يقاتلْكم، وهذه الموادَعَةُ منسوخةٌ بقوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً «٤» [التوبة: ٣٦] ، وقال ابن عبّاس وغيره:

وَلا تَعْتَدُوا في قتْلِ النساءِ، والصبيانِ، والرهبانِ، وشبههم فهي مُحْكَمَةٌ «١» .

وقوله تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ...

الآية: قال ابْنُ إِسحاق وغيره: نزَلَتْ هذه الآيةُ في شأنِ عَمْرو بن الحَضْرَمِيِّ، وواقدٍ، وهي سَرِيَّةُ عبد اللَّه بن جَحْش «٢» ، وثَقِفْتُمُوهُمْ معناه: أحكمتم غلبتهم، يقال: رَجُلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ، إِذا كان محكِماً لما يتناوَلُهُ من الأمور «٣» .

وأَخْرِجُوهُمْ: خطاب لجميع المؤمنين، والضمير لكفار قريش.

والْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ، أي: الفتنةُ التي حملوكم علَيْها، ورامُوكم بِهَا على الرُّجوع إِلى الكفر- أشدُّ من القتْل، ويحتمل أن يكون المعنى: والفتنةُ، أي: الكفر والضَّلال الذي هم فيه أَشَدُّ في الحَرَمِ، وأعظم جُرْماً من القتل الَّذي عيَّروكم به في شأن ابْنِ الحَضْرَمِيِّ.

وقوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ...

الآية.

قال الجمهورُ «٤» : كان هذا ثُمَّ نُسِخَ، وقال مجاهد: الآية محكمةٌ «٥» ، ولا يجوز قتال أحد، يعني: عند المسجد الحرام، إِلا بعد أن يقاتل.

قلت: وظاهر قوله صلّى الله عليه وسلم: «وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، وَلَمْ تُحَلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي» «٦» يقوي قول مجاهد، وهذا هو الراجح عند الإمام

الفَخْر «١» ، وأنَّ الآية محكمةٌ، ولا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم.

انتهى.

٤٨ ب قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٢» وقد روى الأئمّة/ عن ابن عبّاس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال يَوْمَ فَتْح مكَّة: «إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ تعالى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تعالى إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهَا لأَحَدٍ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» «٣» .

فقد ثبت النهْيُ عن القتالِ فيها قُرآناً وسُنَّة، فإِن لجأ إِليها كافرٌ، فلا سبيل إِلَيْه، وأما الزانِي والقاتلُ، فلا بُدَّ من إِقامة الحَدِّ عليه إِلا أنْ يبتدىء الكافر بالقتَال فيها، فيقتل بنصِّ القرآن.

انتهى.

وقرأ حمزة والكسائيّ «٤» : «وَلاَ تَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حتى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فاقتلوهم» ، أي: فإِن قتلوا منْكم، والانتهاء في هذه الآية هو الدخول في الإسلام.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنِ انْتَهَوْا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: فَإنِ انْتَهَوْا عَنْ شِرْكِهِمْ وقِتالِكم.

والثّانِي: عَنْ كُفْرِهِمْ.

والثّالِثُ: عَنْ قِتالِكم دُونَ كُفْرِهِمْ.

فَعَلى القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ تَكُونُ الآَيَةُ مَحْكَمَةٌ، ويَكُونُ مَعْنى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ غَفُورٌ لِشِرْكِهِمْ وجُرْمِهِمْ، وعَلى القَوْلِ الأخِيرِ يَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: غَفُورٌ لَكم حَيْثُ أسْقَطَ عَنْكم تَكْلِيفَ قِتالِهِمْ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: يَأْمُرُكم بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لَهم.

فَعَلى هَذا تَكُونُ الآَيَةُ مَنسُوخَةً بِآَيَةِ السَّيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِن القَتْلِ ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهم كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ فَإنِ انْتَهَوْا فَإنِ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِينُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظالِمِينَ ﴾ ﴿ الشَهْرُ الحَرامُ بِالشَهْرِ الحَرامُ والحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكم واتَّقُوا اللهَ واعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ ﴾ قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في شَأْنِ عَمْرِو بْنِ الحَضْرَمِيِّ وواقِدٍ، وهي سَرِيَّةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ و"ثَقِفْتُمُوهُمْ" مَعْناهُ: أحْكَمْتُمْ غَلَبَهُمْ، ولَقِيتُمُوهم قادِرِينَ عَلَيْهِمْ، يُقالُ: رَجُلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ، إذا كانَ مُحْكَمًا لِما يَتَناوَلُهُ مِنَ الأُمُورِ، و"أخْرِجُوهُمْ"قالَ الطَبَرِيُّ: الخِطابُ لِلْمُهاجِرِينَ، والضَمِيرُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلِ الخِطابُ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، ويُقالُ: "أخْرِجُوكُمْ" إذا أخْرَجُوا بَعْضَهُمُ الأجَلَّ قَدْرًا.

وهُمُ النَبِيُّ  والمُهاجِرِينَ.

﴿ والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ ﴾ أيِ: الفِتْنَةُ الَّتِي حَمَلُوكم عَلَيْها، ورامُوكم بِها عَلى الرُجُوعِ إلى الكُفْرِ، أشَدُّ مِنَ القَتْلِ.

قالَ مُجاهِدٌ: أيْ مِن أنْ يَقْتُلَ المُؤْمِنُ، فالقَتْلُ أخْفُّ عَلَيْهِ مِنَ الفِتْنَةِ.

قالَ غَيْرُهُ: بَلِ المَعْنى: الفِتْنَةُ الَّتِي فَعَلُوا أشَدَّ في هَتْكِ حُرُماتِ الحَقِّ مِنَ القَتْلِ الَّذِي أُبِيحَ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ تُوقِعُوهُ بِهِمْ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: والفِتْنَةُ أيِ الكُفْرُ والضَلالُ، الَّذِي هم فِيهِ أشَدُّ في الحَرَمِ، وأعْظَمُ جُرْمًا مِنَ القَتْلِ الَّذِي عَيَّرُوكم بِهِ في شَأْنِ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ الآيَةُ، قالَ الجُمْهُورُ: كانَ هَذا ثُمَّ نُسِخَ، وأُمِرَ بِالقِتالِ في كُلِّ مَوْضِعٍ.

قالَ الرَبِيعُ: نَسَخَهُ: ﴿ وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ .

وقالَ قَتادَةُ: نَسَخَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ .

وقالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، ولا يَجُوزُ قِتالُ أحَدٍ في المَسْجِدِ الحَرامِ إلّا بَعْدَ أنْ يُقاتِلَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ: ولا تَقْتُلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يَقْتُلُوكم فِيهِ فَإنْ قَتَلُوكم فاقْتُلُوهم بِالقَتْلِ في الأرْبَعَةِ، ولا خِلافَ في الأخِيرَةِ أنَّها "فاقْتُلُوهُمْ"، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ فَإنْ قَتَلُوا مِنكم فاقْتُلُوهم أيُّها الباقُونَ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا  ﴾ أيْ: فَما وهَنَ الباقُونَ.

والِانْتِهاءُ في هَذِهِ الآيَةِ: هو الدُخُولُ في الإسْلامِ، لِأنَّ غُفْرانَ اللهِ ورَحْمَتَهُ إنَّما تَكُونُ مَعَ ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ أمَرَ بِالقِتالِ لِكُلِّ مُشْرِكٍ في كُلِّ مَوْضِعٍ، عَلى قَوْلِ مَن رَآها ناسِخَةً، ومَن رَآها غَيْرَ ناسِخَةٍ قالَ: المَعْنى: قاتِلُوا هَؤُلاءِ الَّذِينَ قالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿ فَإنْ قاتَلُوكُمْ ﴾ ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وهو أمْرٌ بِقِتالٍ مُطْلَقٍ، لا بِشَرْطِ أنْ يَبْدَأ الكُفّارُ، دَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَيَكُونَ الدِينُ لِلَّهِ ﴾ ، والفِتْنَةُ هُنا: الشِرْكُ وما تابَعَهُ مِن أذى المُؤْمِنِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ، والسُدِّيُّ، و"الدِينُ" هُنا الطاعَةُ والشَرْعُ.

وقالَ الأعْشى مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ: هو دانِ الرَبابِ إذْ كَرِهُوا الدِيـ ـنَ دِراكًا بِغَزْوَةٍ وصِيالِ والِانْتِهاءُ في هَذا المَوْضِعِ يَصِحُّ مَعَ عُمُومِ الآيَةِ في الكُفّارِ أنْ يَكُونَ الدُخُولُ في الإسْلامِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ أداءَ الجِزْيَةِ.

وسَمّى ما يُصْنَعُ بِالظالِمِينَ عُدْوانًا مِن حَيْثُ هو جَزاءُ عُدْوانٍ، إذِ الظُلْمُ يَتَضَمَّنُ العُدْوانَ، والعُقُوبَةُ تُسَمّى باسِمِ الذَنْبِ في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ والظالِمُونَ: هم -عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ- مَن بَدَأ بِقِتالٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ مَن بَقِيَ عَلى كُفْرٍ وفِتْنَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الشَهْرُ الحَرامُ بِالشَهْرِ الحَرامُ ﴾ الآيَةُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقْسِمٌ والسُدِّيُّ، والرَبِيعُ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُمْ: نَزَلَتْ في عُمْرَةِ القَضِيَّةِ وَعامِ الحُدَيْبِيَةَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  خَرَجَ مُعْتَمِرًا حَتّى بَلَغَ الحُدَيْبِيَةَ سَنَةَ سِتٍّ، فَصَدَّهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ عَنِ البَيْتِ، فانْصَرَفَ، ووَعَدَهُ اللهُ أنَّهُ سَيُدْخِلُهُ عَلَيْهِمْ فَدَخَلَهُ سَنَةَ سَبْعٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ»، أيِ: الشَهْرُ الحَرامُ الَّذِي غَلَّبَكُمُ اللهُ فِيهِ وأدْخَلَكُمُ الحَرَمَ عَلَيْهِمْ، بِالشَهْرِ الحَرامِ الَّذِي صَدُّوكم فِيهِ.

ومَعْنى ( الحُرُماتُ قِصاصٌ ) عَلى هَذا التَأْوِيلِ أيْ: حُرْمَةُ الشَهْرِ، وحُرْمَةُ البَلَدِ، وحُرْمَةُ المُحْرِمِينَ حِينَ صَدَدْتُمْ بِحُرْمَةِ البَلَدِ والشَهْرِ والقِطّانِ حِينَ دَخَلْتُمْ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: نَزَلَتِ الآيَةُ في «أنَّ الكُفّارَ سَألُوا النَبِيَّ  : هَلْ يُقاتَلُ في الشَهْرِ الحَرامِ؟

فَأخْبَرَهم أنَّهُ لا يُقاتَلُ فِيهِ، فَهَمُّوا بِالهُجُومِ عَلَيْهِ فِيهِ، وقُتِلَ مَن مَعَهُ حِينَ طَمِعُوا أنَّهُ لا يُدافِعُ فِيهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ الشَهْرُ الحَرامُ بِالشَهْرِ الحَرامُ والحُرُماتُ قِصاصٌ ﴾ » أيْ هو عَلَيْكم في الِامْتِناعِ مِنَ القِتالِ أوِ الِاسْتِباحَةِ بِالشَهْرِ الحَرامِ عَلَيْهِمْ في الوَجْهَيْنِ، فَأيَّةً سَلَكُوا فاسْلُكُوا.

و"الحُرُماتُ" عَلى هَذا جَمْعُ حُرْمَةٍ عُمُومًا: النَفْسُ، والمالُ، والعِرْضُ، وغَيْرُ ذَلِكَ.

فَأباحَ اللهُ بِالآيَةِ مُدافَعَتَهم.

والقَوْلُ الأوَّلُ أكْثَرُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: ﴿ والحُرُماتُ قِصاصٌ ﴾ مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، وهو ابْتِداءُ أمْرِ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ أنَّ مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَتَكَ نِلْتَ مِنهُ مِثْلَ ما اعْتَدى عَلَيْكَ بِهِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالقِتالِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: ما تَناوَلَ مِنَ الآيَةِ التَعَدِّي بَيْنَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ والجِناياتِ ونَحْوِها لَمْ يُنْسَخْ، وجائِزٌ لِمَن تَعَدّى عَلَيْهِ في مالٍ أو جُرْحٍ أنْ يَتَعَدّى بِمِثْلِ ما تُعُدِّيَ عَلَيْهِ بِهِ إذا خَفِيَ ذَلِكَ لَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ في ذَلِكَ شَيْءٌ، قالَهُ الشافِعِيُّ، وغَيْرُهُ، وهي رِوايَةٌ في مَذْهَبِ مالِكٍ.

وقالَتْ طائِفَةٌ -مِنهم مالِكٌ -: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وأُمُورُ القَصاصِ وقْفٌ عَلى الحُكّامِ.

والأمْوالُ يَتَناوَلُها قَوْلُ النَبِيِّ  : «أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَن خانَكَ».

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والحُرْماتُ" بِسُكُونِ الراءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ ﴾ الآيَةُ.

اخْتُلِفَ في نَسْخِ هَذِهِ الآيَةِ حَسَبَ ما تَقَدَّمَ، وسُمِّيَ الجَزاءُ عَلى العُدْوانِ عُدْوانًا كَما قالَ: ﴿ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ واتَّقُوا اللهَ ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ في ألّا تَعْتَدُوا، وقِيلَ: في ألّا تَزِيدُوا عَلى المِثْلِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وما هو في مَعْناها بِمَكَّةَ والإسْلامِ لَمْ يُعَزْ، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللهِ  وعَزَّ دِينُهُ أُمِرَ المُسْلِمُونَ بِرَفْعِ أُمُورِهِمْ إلى حُكّامِهِمْ، وأُمِرُوا بِقِتالِ الكُفّارِ، وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ عُمْرَةِ القَضاءِ، وهي مِنَ التَدْرِيجِ في الأمْرِ بِالقِتالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا أمر بقتل من يعثر عليه منهم وإن لم يكن في ساحة القتال، فإنّه بعد أن أمرهم بقتال من يقاتلهم عَمَّمَ المواقع والبقاع زيادة في أحوال القتل وتصريحاً بتعميم الأماكن فإن أهمية هذا الغرض تبعث على عدم الاكتفاء باقتضاء عموم الأشخاص تَعْمِيمَ الأمكنة ليكون المسلمون مأذونين بذلك فكل مكان يحل فيه العدو فهو موضع قتال، فالمعنى واقتلوهم حيث ثقفتموهم إن قاتلوكم.

وعطفت الجملة على التي قبلها وإن كانت هي مكملة لها باعتبار أن ما تضمنته قتل خاص غير قتال الوغَى فحصلت المغايرة المقتضية العطف، ولذلك قال هنا واقتلوهم واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل} ولم يقل: وقاتلوهم مثل الآية قبلها تنبيهاً على قتل المحارب ولو كان وقت العثور عليه غيرَ مباشر للقتال وأنه من خرج محارباً فهو قاتل وإن لم يَقْتُلْ.

و ﴿ ثقفتموهم ﴾ بمعنى لقيتموهم لقاء حرب وفِعله كفرح، وفسره في «الكشاف» بأنه وجود على حالة قهر وغلبة.

وقوله: ﴿ وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ﴾ أي يحل لكم حينئذٍ أن تخرجوهم من مكة التي أخرجوكم منها، وفي هذا تهديد للمشركين ووعد بفتح مكة، فيكون هذا اللقاء لهذه البشرى في نفوس المؤمنين ليسْعوا إليه حتى يدركوه وقد أدركوه بعد سنتين، وفيه وعد من الله تعالى لهم بالنصر كما قال تعالى: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام ﴾ [الفتح: 27] الآية.

وقوله: ﴿ والفتنة أشد من القتل ﴾ تذييل وأل فيه للجنس تدل على الاستغراق في المقام الخَطَابيِّ، وهو حجة للمسلمين ونفي للتبعة عنهم في القتال بمكة إن اضطروا إليه.

والفتنة إلقاء الخوف واختلال نظام العَيْششِ وقد تقدمت عند قوله تعالى: ﴿ حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ﴾ [البقرة: 102]، إشارة إلى ما لقيه المؤمنون في مكة من الأذى بالشتم والضرب والسخرية إلى أن كان آخره الإخراج من الديار والأموال، فالمشركون محقوقون من قبل فإذا خفروا العهد استحقوا المؤاخذة بما مضى فيما كان الصلح مانعاً من مؤاخذتهم عليه؛ وإنما كانت الفتنة أشد من القتل لتكرر إضرارها بخلاف ألم القتل، ويراد منها أيضاً الفتنة المتوقعة بناء على توقع أن يصدوهم عن البيت أو أن يغدروا بهم إذا حلوا بمكة، ولهذا اشترط المسلمون في صلح الحديبية أنهم يدخلون العام القابل بالسيوف في قرابها، والمقصد من هذا إعلان عذر المسلمين في قتالهم المشركين وإلقاء بغض المشركين في قلوبهم حتى يكونوا على أهبة قتالهم والانتقام منهم بصدور حرجة حنقة.

وليس المراد من الفتنة خصوص الإخراج من الديار، لأن التذييل يجب أن يكون أعم من الكلام المذيَّل.

الجملة معطوفة على جملة ﴿ واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾ التي أفادت الأمر بتتبع المقاتلين بالتقتيل حيثما حَلُّوا سواء كانوا مشتبكين بقتال المسلمين أم كانوا في حالة تنقل أو تطلع أو نحو ذلك لأن أحوال المحارب لا تنضبط وليست في الوقت سعة للنظر في نواياه والتوسم في أغراضه، إذ قد يبادره إلى اغتيال عدوه في حال تردده وتفكره، فخص المكان الذي عند المسجد الحرام من عموم الأمكنة التي شملها قوله: ﴿ حيث ثقفتموهم ﴾ أي إن ثقفتموهم عند المسجد الحرام غير مشتبكين في قتال معكم فلا تقتلوهم، والمقصد من هذا حفظ حرمة المسجد الحرام التي جعلها الله له بقوله: ﴿ مقام إبراهيم ومن دخله كان ءامناً ﴾ [آل عمران: 97]، فاقتضت الآية منع المسلمين من قتال المشركين عند المسجد الحرام، وتدل على منعهم من أن يقتلوا أحداً من المشركين دون قتال عند المسجد الحرام بدلالة لحن الخطاب أو فحوى الخطاب.

وجعلت غاية النهي بقوله: ﴿ حتى يقاتلونكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ﴾ أي فإن قاتلوكم عند المسجد فاقتلوهم عند المسجد الحرام، لأنهم خرقوا حرمة المسجد الحرام فلو تركت معاملتهم بالمثل لكان ذلك ذريعة إلى هزيمة المسلمين.

فإن قاتلوا المسلمين عند المسجد الحرام عاد أمر المسلمين بمقاتلتهم إلى ما كان قبل هذا النهي فوجب على المسلمين قتالهم عند المسجد الحرام وقتل من ثقفوا منهم كذلك.

وفي قوله تعالى: ﴿ فاقتلوهم ﴾ تنبيه على الإذن بقتلهم حينئذٍ ولو في غير اشتباك معهم بقتال، لأنهم لا يؤمنون من أن يتخذوا حرمة المسجد الحرام وسيلة لهزم المسلمين.

ولأجل ذلك جاء التعبير بقوله: ﴿ فاقتلوهم ﴾ لأنه يشمل القتل بدون قتال والقتل بقتال.

فقوله تعالى: ﴿ فإن قاتلوكم ﴾ أي عند المسجد الحرام فاقتلوهم هنالك، أي فاقتلوا من ثقفتم منهم حين المحاربة، ولا يصدكم المسجد الحرام عن تقصي آثارهم لئلا يتخذوا المسجد الحرام ملجأ يلجؤون إليه إذا انهزموا.

وقد احتار كثير من المفسرين في انتظام هذه الآيات من قوله: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ﴾ [البقرة: 190] إلى قوله هنا ﴿ كذلك جزاء الكافرين ﴾ حتى لجأ بعضهم إلى دعوى نسخ بعضها ببعض فزعم أن آيات متقارنة بعضها نسخ بعضاً؛ مع أن الأصل أن الآيات المتقارنة في السورة الواحدة نزلت كذلك ومع ما في هاته الآيات من حروف العطف المانعة من دعوى كون بعضها قد نزل مستقلاً عن سابقه وليس هنا ما يلجئ إلى دعوى النسخ، ومن المفسرين من اقتصر على تفسير المفردات اللغوية والتراكيب البلاغية وأعرض عن بيان المعاني الحاصلة من مجموع هاته الآيات.

وقد أذن الله للمسلمين بالقتال والقتل للمقاتل عند المسجد الحرام ولم يعبأ بما جعله لهذا المسجد من الحرمة؛ لأن حرمته حرمة نسبته إلى الله تعالى فلما كان قتال الكفار عنده قتالاً لمنع الناس منه ومناوأة لدينه فقد صاروا غير محترمين له ولذلك أمرنا بقتالهم هنالك تأييداً لحرمة المسجد الحرام.

وقرأ الجمهور: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه) ثلاثتها بألف بعد القاف، وقرأ حمزة والكسائي: (ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم) بدون ألف بعد القاف، فقال الأعمش لحمزة أرأيت قراءتك هذه كيف يكون الرجل قاتلاً بعد أن صار مقتولاً؟

فقال حمزة: إن العرب إذا قتل منهم رجل قالوا قتلنا اه يريد أن الكلام على حذف مضاف من المفعول كقوله: غَضِبت تميم أَنْ تُقتَّل عامر *** يوم النسار فأُعْتِبُوا بالصَّيْلَم والمعنى ولا تقتلوا أحداً منهم حتى يقتلوا بعضكم فإن قتلوا بعضكم فاقتلوا من تقدرون عليه منهم وكذلك إسناد (قتلوا) إلى ضمير جماعة المشركين فهو بمعنى قتل بعضهم بعض المسلمين لأن العرب تسند فعل بعض القبيلة أو الملة أو الفرقة لما يدل على جميعها من ضمير كما هنا أو اسم ظاهر نحو قتلتنا بنو أسد.

وهذه القراءة تقتضي أن المنهي عنه القتل فيشمل القتل باشتباك حرب والقتل بدون ملحمة.

وقد دلت الآية بالنص على إباحة قتل المحارب إذا حارب في الحرم أو استولى عليه لأن الاستيلاء مقاتلة؛ فالإجماع على أنه لو استولى على مكة عدو وقال: لا أقاتلكم وأمنعكم من الحج ولا أبرح من مكة لوجب قتاله وإن لم يبدأ بالقتال؛ نقله القرطبي عن ابن خويز منداد من مالكية العراق.

قال ابن خويز منداد: وأما قوله: ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ﴾ فيجوز أن يكون منسوخاً بقوله: ﴿ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ﴾ [البقرة: 193].

واختلفوا في دلالتها على جواز قتل الكافر المحارب إذا لجأ إلى الحرم بدون أن يكون قتال وكذا الجاني إذا لجأ إلى الحرم فاراً من القصاص والعقوبة فقال مالك: بجواز ذلك واحتج على ذلك بأن قوله تعالى: ﴿ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ﴾ [التوبة: 5] الآية قد نسخ هاته الآية وهو قول قتادة ومقاتل بناء على تأخر نزولها عن وقت العمل بهذه الآية والعام المتأخر عن العمل ينسخ الخاص اتفاقاً.

وبالحديث الذي رواه في «الموطأ» عن أنس بن مالك " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاء أبو برزة فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتلوه " وابن خطل هذا هو عبد العزى بن خطل التيمي كان ممن أسلم ثم كفر بعد إسلامه وجعل دأبه سب رسول الله صلى الله عليه وسلم والإسلام فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح دمه فلما علم ذلك عاذ بأستار الكعبة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله حينئذٍ، فكان قتل ابن خطل قتل حد لا قتل حرب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد وضع المغفر عن رأسه وقد انقضت الساعة التي أحل الله له فيها مكة.

وبالقياس وهو أن حرمة المسجد الحرام متقررة في الشريعة فلما أذن الله بقتل من قاتل في المسجد الحرام علمنا أن العلة هي أن القتال فيه تعريض بحرمته للاستخفاف، فكذلك عياذ الجاني به، وبمثل قوله قال الشافعي، لكن قال الشافعي إذا التجأ المجرم المسلم إلى المسجد الحرام يضيق عليه حتى يخرج فإن لم يخرج جاز قتله، وقال أبو حنيفة: لا يقتل الكافر إذا التجأ إلى الحرم إلاّ إذا قاتل فيه لنص هاته الآية وهي محكمة عنده غير منسوخة وهو قول طاووس ومجاهد.

قال ابن العربي في «الأحكام»: حضرت في بيت المقدس بمدرسة أبي عقبة الحنفي والقاضي الزنجاني يلقي علينا الدرس في يوم الجمعة فبينا نحن كذلك إذ دخل رجل عليه أطمار فسلم سلام العلماء وتصدر في المجلس، فقال القاضي الزنجاني: من السيد؟

فقال: رجل من طلبة العلم بصاغان سلبه الشطار أمس، ومقصدي هذا الحرم المقدس فقال القاضي الزنجاني: سلوه عن العادة في مبادرة العلماء بمبادرة أسئلتهم، ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم هل يقتل أم لا؟

فأجاب بأنه لا يقتل، فسئل عن الدليل فقال: قوله تعالى: ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [التوبة: 5] فقال الصاغاني هذا لا يليق بمنصب القاضي، فإن الآية التي اعترضتَ بها عامة في الأماكن والتي احتججتُ بها خاصة ولا يجوز لأحد أن يقول: إن العام ينسخ الخاص فأُبْهِت القاضي الزنجاني، وهذا من بديع الكلام اه.

وجواب هذا أن العام المتأخر عن العمل بالخاص ناسخ وحديث ابن خطل دل على أن الآية التي في براءة ناسخة لآية البقرة.

وأما قول الحنفية وبعض المالكية: إن قتل ابن خطل كان في اليوم الذي أحل الله له فيه مكة فيدفعه أن تلك الساعة انتهت بالفتح وقد ثبت في ذلك الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزع حينئذٍ المغفر وذلك أمارة انتهاء ساعة الحرب.

وقال ابن العربي في «الأحكام»: الكافر إذا لم يقاتل ولم يجن جناية ولجأ إلى الحرم فإنه لا يقتل، يريد أنه لا يقتل القتل الذي اقتضته آية ﴿ واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾ وهو مما شمله قوله تعالى: ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ﴾ .

وقوله: ﴿ كذلك جزاء الكافرين ﴾ ، الإشارة إلى القتل المأخوذ من قوله: ﴿ فاقتلوهم ﴾ أي كذلك القتل جزاؤهم على حد ما تقدم في قوله: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ [البقرة: البقرة: 143] ونكتة الإشارة تهويله أي لا يقل جزاء المشركين عن القتل ولا مصلحة في الإبقاء عليهم؛ وهذا تهديد لهم، فقوله ﴿ كذلك ﴾ خبر مقدم للاهتمام وليست الإشارة إلى ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ﴾ [البقرة: 190] لأن المقاتلة ليست جزاء؛ إذ لا انتقام فيها بل القتال سجال يوماً بيوم.

وقوله: ﴿ فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم ﴾ أي فإن انتهوا عن قتالكم فلا تقتلوهم؛ لأن الله غفور رحيم، فينبعي أن يكون الغفران سنة المؤمنين، فقوله: ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ جواب الشرط وهو إيجاز بديع؛ إذ كل سامع يعلم أن وصف الله بالمغفرة والرحمة لا يترتب على الانتهاء فيعلم أنه تنبيه لوجوب المغفرة لهم إن انتهوا بموعظة وتأييد للمحذوف، وهذا من إيجاز الحذف.

والانتهاء: أصله مطاوع نهى يقال: نهاه فانتهى ثم توسع فيه فأطلق على الكف عن عمل أو عن عزم؛ لأن النهي هو طلب ترك فعل سواء كان الطلب بعد تلبس المطلوب بالفعل أو قبل تلبسه به قال النابغة: لقد نهيت بني ذبيان عن أُقُرٍ *** وعن تَرَبُّعهم في كل إصفار أي عن الوقوع في ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في قِتالِ المُشْرِكِينَ، أُمِرَ المُسْلِمُونَ فِيها بِقِتالِ مَن قاتَلَهم مِنَ المُشْرِكِينَ، والكَفِّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِسُورَةِ بَراءَةٌ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّها ثابِتَةٌ في الحُكْمِ، أُمِرَ فِيها بِقِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً، والِاعْتِداءِ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ: قَتْلُ النِّساءِ والوِلْدانِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، ومُجاهِدٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَعْتَدُوا ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الِاعْتِداءَ قِتالُ مَن لَمْ يُقاتِلْ.

والثّانِي: أنَّهُ قَتْلُ النِّساءِ والوِلْدانِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ القِتالُ عَلى غَيْرِ الدِّينِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ يَعْنِي حَيْثُ ظَفِرْتُمْ بِهِمْ، ﴿ وَأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ ﴾ يَعْنِي مِن مَكَّةَ.

﴿ والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ ﴾ يَعْنِي بِالفِتْنَةِ الكُفْرَ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وإنَّما سُمِّيَ الكُفْرُ فِتْنَةً، لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ كالفِتْنَةِ.

﴿ وَلا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَهى عَنْ قِتالِ أهْلِ الحَرَمِ إلّا أنْ يَبْدَؤُوا بِالقِتالِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ نَبْدَأ بِقِتالِ أهْلِ الحَرَمِ إلّا أنْ يَبْدَؤُوا بِالقِتالِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ واقتلوهم حيث ثقفتموهم...

﴾ الآية.

قال: عنى الله بهذا المشركين.

وأخرج الطستي عن ابن عباس.

أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ ثقفتموهم ﴾ قال: وجدتموهم.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول حسان: فإما يثقفن بني لؤي ** جذيمة إن قتلهم دواء وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ والفتنة أشد من القتل ﴾ قال: الشرك أشد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ والفتنة أشد من القتل ﴾ قال: الفتنة التي أنتم مقيمون عليها أكبر من القتل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ والفتنة أشد من القتل ﴾ قال: ارتداد المؤمن إلى الوثن أشد عليه من أن يقتل محقاً.

وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم ﴾ كلها بالألف ﴿ فاقتلوهم ﴾ آخرهن بغير ألف.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي الأحوص قال: شمعت أبا إسحاق يقرأهن كلهن بغير ألف.

وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش قال: كان أصحاب عبد الله يقرأونها كلّهن بغير ألف.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ﴾ قال: حتى يبدأوا بالقتال، ثم نسخ بعد ذلك فقال: ﴿ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ﴾ [ البقرة: 193] .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والنحاس معاً في الناسخ عن قتادة قوله: ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ﴾ وقوله: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ﴾ [ البقرة: 217] فكان كذلك حتى نسخ هاتين الآيتين جميعاً في براءة قوله: ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] .

﴿ وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ﴾ [ التوبة: 36] .

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ فإن انتهوا ﴾ قال: فإن تابوا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ كان القتال غير مباح في أوّل الإسلام، ثم أمر بقتال الكفار الذين يقاتلون المسلمين دون من لم يقاتل، وذلك مقتضى هذه الآية، ثم أمر بقتال جميع الكفار في قوله: ﴿ قَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً ﴾ [التوبة: 36] ﴿ واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم ﴾ فهذه الآية منسوخة، وقيل: إنها محكمة وأنّ المعنى: قالوا الرجال الذين هم بحال من يقاتلونكم، دون النساء والصبيان الذي لا يقاتلونكم، والأوّل أرجح وأشهر ﴿ وَلاَ تعتدوا ﴾ أي بقتال من لم يقاتلكم على القول الأول، وبقتال النساء والصبيان على القول الثاني ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ أي من مكة، لأن قريشاً أخرجوا منها المسلمين ﴿ والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل ﴾ أي فتنة المؤمن عن دينه أشدّ عليه من قتله، وقيل: كفر الكفار أشدّ من قتل المؤمنين لهم في الجهاد ﴿ عِنْدَ المسجد الحرام ﴾ منسوخ بقوله: حيث وجدتموهم، وهذا يقوّي نسخ الذين يقاتلونكم ﴿ فَإِنِ انتهوا ﴾ عن الكفر فأسلموا بدليل قوله: ﴿ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وإنما يغفر للكافر إذا أسلم ﴿ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ أي لا يبقى دين كفر ﴿ الشهر الحرام ﴾ الآية: نزلت لما صدّ الكفار النبي صلى الله عليه وسلم عن دخول مكة للعمرة، عام الحديبية في شهر ذي الحجة، فدخلها في العام الذي بعده في شهر ذي القعدة، أي: الشهر الحرام الذي دخلتم فيه مكة بالشهر الحرام الذي صددتم فيه عن دخولها ﴿ والحرمات قِصَاصٌ ﴾ أي حرمة الشهر والبلد حين دخلتموها قصاص بحرمة الشهر، والبلد حين صددتم عنها ﴿ فاعتدوا عَلَيْهِ ﴾ تسمية للعقوبة باسم الذنب، أي: قاتلوا من قاتلكم، ولا تبالوا بحرمة من صدّكم عن دخول مكة ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ﴾ قال أبو أيوب الأنصاري: املعنى لا تشتغلوا بأموالكم عن الدهاد، وقيل: لا تتركوا النفقة في الجهاد خوف العيلة وقيل: لا تقنطوا من التوبة، وقيل: لا تقتحموا المهالك، والباء في بأيديكم زائدة، وقيل: التقدير؛ لا تلقوا أنفسكم بأيديكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم ﴾ حمزة وعلي وخلف.

الباقون: من باب المفاعلة.

وقيل: إنه من جملة ما يكتب في المصحف بغير ألف كالرحمن.

الوقوف: ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ من القتل ﴾ ج للعارض بين الجملتين المتفقتين ﴿ فيه ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿ فاقتلوهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الدين لله ﴾ ط لتبدل الحكم ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ قصاص ﴾ ط لأن الاعتداء خارج عن أصل الموجب وفرعه ﴿ ما اعتدى عليكم ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ التهلكة ﴾ ج لاختلاف المعنى أي لا تقتحموا في الحرب فوق ما يطاق ﴿ وأحسنوا ﴾ ج لاحتمال تقدير الفاء واللام ﴿ المحسنين ﴾ ه.

التفسير: لما أمر في الآية المتقدمة بالتقوى، أمر في هذه الآية بأشق أقسامها على النفس وهو المقاتلة في سبيل الله.

عن أبي موسى أن النبي  سئل عمن يقاتل في سبيل الله فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ولا يقاتل رياء ولا سمعة" ﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ الذين يناجزونكم القتال دون المحاجزين أعني الذين هم بصدد القتال بالفعل دون التاركين.

قيل: وعلى هذا يكون منسوخاً بقوله: ﴿ وقاتلوا المشركين كافة  ﴾ ومنع بأن الأمر بقتال من يقاتل لا يدل على المنع من قتال من لا يقاتل.

وكذا ما روي عن الربيع بن أنس: هي أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فكان رسول الله  يقاتل من قاتل ويكف عمن كف.

أو الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ والصبيان والرهبان والنساء أي المستعدين للقتال سوى من جنح للسلم، أو الكفرة كلهم لأنهم جميعاً مضادون للمسلمين قاصدون لمقاتلتهم مستحلون لها فهم في حكم المقاتلة قاتلوا أو لم يقاتلوا.

وقيل في سبب نزول الآية إنه  خرج مع أصحابه لإرادة الحج، فلما نزل بالحديبية وهو موضع كثير الشجر والماء صدهم المشركون عن دخول البيت فأقام شهراً لا يقدر على ذلك، فصالحوه على أن يرجع ذلك العام ويعود إليهم في العام القابل ويتركوا له مكة ثلاثة أيام حتى يطوف وينحر الهدى ويفعل ما يشاء، فرضي  بذلك وصالحهم عليه وعاد إلى المدينة.

وتجهز في السنة القابلة ثم خاف أصحابه من قريش أن لا يفوا بالوعد ويصدوهم عن المسجد الحرام وأن يقاتلوهم.

وكانوا كارهين لقتالهم في الشهر الحرام وفي الحرم.

فأنزل الله هذه الآيات وبيّن له كيفية المقاتلة إن احتاجوا إليها فقال: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا ﴾ بابتداء القتال.

وإنما كان ذلك في أول الأمر لقلة المسلمين ولكون الصلاح في استعمال الرفق واللين، فلما قوي الإسلام وكثر الجمع وأقام من أقام منهم على الشرك بعد ظهور المعجزات وتكررها عليهم حصل اليأس من إسلامهم، فأمروا بالقتال على الإطلاق.

أو لا تعتدوا بقتال من نهيتم عن قتاله من غير المستعدين كالنساء والشيوخ والصبيان والذين بينكم وبينهم عهد، أو بالمثلة، أو المفاجأة من غير دعوة إلى الإسلام.

وهذه المعاني الثلاثة بإزاء التفاسير الثلاثة في ﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ .

﴿ إن الله لا يحب المعتدين ﴾ المتجاوزين عما شرع الله لهم.

في الصحاح: ثقفته أي صادفته.

وفي الكشاف، الثقف وجود على وجه الأخذ والغلبة، ومنه رجل ثقف أي سريع الأخذ لأقرانه قال: فـإمـا تثقفـونـي فـاقتلـونـي *** فمـن أثقـف فليـس إلـى خلـود أمر في الآية الأولى بالجهاد بشرط إقدام الكفار على القتال، وفي هذه الآية زاد في التكليف فأمر بالجهاد معهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا.

واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام، وسمي حراماً لأنه ممنوع أن يفعل فيه ما منع من فعله وأصل الحرمة المنع ﴿ من حيث أخرجوكم ﴾ أي من الموضع الذي أخرجوكم وهو مكة، وقد فعل رسول الله  بمن لم يسلم منهم يوم الفتح.

أو أخرجوهم من منازلهم كما أخرجوكم من منازلكم، وقد أجلى رسول الله  المشركين من المدينة بل قال: " لا يجمع دينان في جزيرة العرب" والمراد بالإخراج تكليفهم الخروج قهراً أو تخويفهم وتشديد الأمر عليهم حتى اضطروا إلى الخروج ﴿ والفتنة ﴾ عن ابن عباس أنها الكفر بالله لأنه فساد في الأرض يؤدي إلى الظلم والهرج وفيه الفتنة.

وأيضاً الكفر ذنب يستحق العقاب الدائم بالاتفاق والقتل ليس كذلك والكفر يخرج به صاحبه عن الأمة دون القتل.

روي أن صحابياً قتل رجلاً من الكفار في الشهر الحرام فعابه المؤمنون على ذلك فنزلت.

أن لا تستعظموا الإقدام على القتل في الشهر الحرام، فإن إقدام الكفار على الكفر في الشهر الحرام أعظم من ذلك.

وقيل الفتنة أصلها عرض الذهب على النار للخلاص من الغش، ثم صار اسماً لكل محنة.

والمعنى إن إقدام الكفار على تخويف المؤمنين وعلى تشديد الأمر عليهم حتى صاروا ملجئين إلى ترك الأهل والأوطان هرباً من إضلالهم في الدين وإبقاء على مهجهم وحرمهم، أشد من القتل الذي أوجبته عليكم جزاء عن تلك الفتنة لأنه يقتضي التخلص، من غموم الدنيا وآفاتها.

لقتل بحد السيف أهون موقعاً *** على النفس من قتل بحد فراق وقيل: الفتنة العذاب الدائم الذي يلزمهم بسبب كفرهم، فكأنه قيل: اقتلوهم حيث ثقفتموهم، واعلموا أن وراء ذلك من عذاب الله ما هو أشد منه قال عز من قائل: ﴿ يوم هم على النار يفتنون  ﴾ وقيل: فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام لأنه سعي في المنع عن الطاعة التي ما خلق الجن والإنس إلا لها، أشد من قتلكم إياهم في الحرم.

وقيل: ارتداد المؤمن أشد من أن يقتل محقاً.

فالمعنى وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ولو أتى ذلك على أنفسكم فإنكم إن قتلتم وأنتم على الحق كان ذلك أولى بكم من أن ترتدوا على أدباركم أو تتكاسلوا عن طاعة معبودكم.

يروى أن الأعمش قال لحمزة: أرأيت قراءتك إذا صار الرجل مقتولاً فبعد ذلك كيف يصير قاتلاً لغيره؟

فقال حمزة: إن العرب إذا قتل منهم رجل قالوا قتلنا، وإذا ضرب منهم واحد قالوا ضربنا، وذلك أن وقوع القتل في بعضهم كوقوعه فيهم.

﴿ فإن انتهوا ﴾ قيل: أي عن القتال لأن المقصود من الإذن في القتال منع المقاتلة عن ابن عباس.

وقيل: أي عن الشرك بدليل قوله: ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ الدال على أنه يغفر لهم ويرحهم والكافر لا ينال غفران الله ورحمته بترك القتال بل بترك الكفر، عن الحسن.

قلت: إن أريد بالقتال استحلالهم قتل المسلمين تلازم القولان، والانتهاء عن الكفر ظاهره التلفظ بكلمة الإسلام وأنه مؤثر في حقن الدم وعصمة المال، وباطنه هو التشبث بأركان الإسلام جميعاً ويؤثر في استحقاق الرحمة والغفران.

وقد يستدل بقوله: ﴿ والفتنة أشد من القتل ﴾ على أن التوبة عن قتل العمد بل من كل ذنب.

مقبولة لأن الشرك أعظم الذنوب، فإذا قبل الله  توبة الكافر فقبول توبة القاتل أولى.

وأيضاً الكافر القاتل مقبول التوبة بالاتفاق إذا أسلم، فالقاتل غير الكافر أولى.

ويمكن أن يجاب بأن حق الله  مبني على المساهلة فظهر الفرق.

وأيضاً الإيمان يجب ما قبله، فلا يلزم من عدم مؤاخذة الكافر بقتله إذا أسلم أن لا يؤاخذ المسلم بقتله، ولهذا يجب قضاء الصلوات الفائتة على المسلم إذا تاب عن ترك الصلاة، ولا يجب على الكافر إذا أسلم.

قوله  : ﴿ وقاتلوهم ﴾ وقيل: إنه ناسخ لقوله: ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ﴾ وهو وهم لأن البداءة بالمقاتلة عند المسجد الحرام نفت حرمته.

غاية ما في الباب أن هذه الآية عامة وما قبلها مخصصة إياها وهذا جائز، فإن القرآن ليس على ترتيب النزول، ولو كان على الترتيب أيضاً فلا يضرنا لجواز نزول الخاص قبل العام عندنا وذلك أن الخاص قاطع في دلالته تقدم أو تأخر، والعام دلالته على ما يدل عليه الخاص غير مقطوع بها فلا بد من التخصيص جمعاً بينهما ﴿ حتى لا تكون فتنة ﴾ قيل: أي شرك وكفر.

وعلى هذا فالآية محمولة على الأغلب.

فإن قتالهم لا يزيل الكفر رأساً، وإنما الغالب الإزالة لأن من قتل منهم فقد زال كفره ومن لم يقتل كان خائفاً من الثبات على كفره.

والحاصل قاتلوهم حتى تكون كلمة الله هي العليا وهو المراد أيضاً من قوله: ﴿ ويكون الدين لله ﴾ أي ليس للشيطان فيه نصيب لوضوح شأنه وسطوع برهانه كما قال  : ﴿ ليظهره على الدين كله  ﴾ ولا يعبأ بالمخالف لقلة شوكته وسقوطه عن درجة الاعتداد به، أو محمولة على قصد إزالة الكفر فترتب هذا العزم على القتال كلي لا يتخلف عنه.

وقيل: فتنتهم أنهم كانوا يضربون أصحاب النبي  ويؤذونهم حتى ذهب بعضهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة، أي قاتلوهم حتى تظهروا عليهم ولا يفتنوكم عن دينكم.

وعن أبي مسلم: معناه قاتلوهم حتى لا يكون منهم القتال الذي إذا بدأوا به كان فتنة على المؤمنين لما يخافون عنده من أنواع المضار.

ولا يخفى أن قوله: ﴿ ويكون الدين لله ﴾ يرجح القول الأول ليكون المعنى: وقاتلوهم حتى يزول الكفر ويظهر الإسلام ﴿ فإن انتهوا ﴾ عن الأمر الذي وجب قتالهم لأجله وهو إما الكفر أو القتال ﴿ فلا عدوان إلاّ على الظالمين ﴾ أي فلا تعدوا على المنتهين فيكون مجموع قوله ﴿ إلاّ على الظالمين ﴾ قائماً مقام على المنتهين.

لأن مقاتلة المنتهين عدوان وظلم، فنهوا عنه بدليل انحصاره في غير المنتهين.

أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المنتهين.

وعلى الوجهين سمي جزاء الظلم ظلماً للمشاكلة كما يجيء في قوله  : ﴿ فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ أو أريد إنكم إن تعرضتم لهم بعد الانتهاء كنتم ظالمين فيتسلط عليكم من يعدو عليكم.

قاتلهم المشركون عام الحديبية في الشهر الحرام وهو ذو القعدة سنة ست من الهجرة وصدّوهم عن البيت.

فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهتهم القتال وذاك في ذي القعدة سنة سبع ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام ﴾ أي هذا الشهر بذاك الشهر، وهتكه بهتكه.

فلما لم تمنعكم حرمته عن الكفر والأفعال القبيحة فكيف تمنعنا عن القتال معكم دفعاً لشروركم وإصلاحاً لفسادكم؟

والحرمة ما لا يحل انتهاكه، والقصاص المساواة أي وكل حرمة يجري فيها القصاص من هتك حرمة أيّ حرمة كانت، اقتص منه بأن يهتك له حرمة.

والحرمات الشهر الحرام والبيت الحرام والإحرام، فلما أضاعوا هذه الحرمات في سنة ست فقد وفقتكم حتى قضيتموها على رغمهم في سنة سبع، وإن أقدموا على مقاتلتكم فقد أذنت لكم في قتالهم فافعلوا بهم مثل ما فعلوا ولا تبالوا.

ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله ﴾ حين تنتصرون ممن اعتدى عليكم حتى لا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ بالنصر والتأييد والتقوية والتسديد، فإن الاستصحاب بالعلم أو بالمكان إن جاز شامل للمتقين وغيرهم.

قوله عز من قائل ﴿ وأنفقوا ﴾ وجه اتصاله بما قبله أنه  لما أمر بالقتال وأنه يفتقر إلى العدد والعدد قد يكون ذو المال عاجزاً عن القتال، وقد يكون القوي على القتال عديم المال فلهذا أمر الله الأغنياء بالإنفاق في سبيله إعداداً للرجال وتجهيزاً للأبطال ويروى أنه لما نزل ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام ﴾ قال رجل من الحاضرين: والله يا رسول الله ما لنا زاد وليس أحد يطعمنا.

فأمر  أن ينفقوا في سبيل الله وأن يتصدقوا وأن لا يكفوا أيديهم عن الصدقة ولو بشق تمرة ولو بمشقص يحمل في سبيل الله فيهلكوا فنزلت هذه الآية على وفق قول الرسول  .

والإنفاق صرف المال في وجوه المصالح.

فلا يقال للمضيع: إنه منفق وإنما يقال: مبذر.

وسبيل الله دينه فيشمل الإنفاق فيه الإنفاق في الحج والعمرة والجهاد والتجهيز والإنفاق في صلة الرحم وفي الصدقات أو على العيال أو في الزكاة والكفارات أو في عمارة بقاع الخير وغير ذلك.

الأقرب في هذه الآية.

وقد تقدم ذكر القتال.

أن يراد به الإنفاق في الجهاد، ولكنه  عبر عنه بقوله ﴿ في سبيل الله ﴾ ليكون كالتنبيه على السبب في وجوب هذا الإنفاق.

فالمال مال الله فيجب إنفاقه في سبيل الله، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز نفسه ونشط وهان عليه ما دعي إليه.

والباء في ﴿ بأيديكم ﴾ مزيدة مثلها في "أعطى بيده للمنقاد" والمعنى: ولا تقبضوا التهلكة أيديكم أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم.

وقيل: الأيدي الأنفس كقوله: ﴿ فبما كسبت أيديكم  ﴾ ﴿ بما قدمت يداك  ﴾ أي لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة.

وقيل: بل ههنا حذف أي لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة كما يقال "أهلك فلان نفسه بيده" إذا تسبب لهلاكها.

عن أبي عبيدة والزجاج: إن التهلكة والهلاك والهلك واحد.

لم يوجد مصدر على تفعلة بضم العين سوى هذا، إلا ما حكاه سيبويه من قولهم "التضرة" "والتسرة" ونحوها في الأعيان "التنضبة" لشجر و "التتفلة" لولد الثعلب.

ويجوز أن يقال: أصلها التهلكة بالكسر كالتجربة والتبصرة على أنها مصدر من هلك مشدد العين، فأبدلت من الكسرة ضمة كما جاء الجوار في الجوار.

وليس الغرض من هذا التكلف على ما ظن تصحيح لفظ القرآن كيلا تنخرم فصاحته فإنه أجل من أن يحتاج في تصحيحه إلى الاستشهاد بكلام الفصحاء من البشر، وكيف لا وهو حجة على غيره وليس لغيره أن يكون حجة عليه.

وإنما الغرض الضبط والتسهيل ما أمكن فتنبه.

وللمفسرين في هذا الإلقاء خلاف فمنهم من قال إنه راجع إلى الإنفاق.

وروى البخاري في صحيحه عن حذيفة قال: نزلت هذه الآية في النفقة.

وذلك أن لا ينفقوا في مهمات الجهاد أموالهم فيستولي العدو عليهم ويهلكهم، أو ينفقوا كل مالهم فيحتاجوا ويجتاحوا فيكون نهياً عن التقتير والإسراف وعنهما جميعاً ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً  ﴾ أو المعنى: أنفقوا في سبيل الله ولا تقولوا إن أنفقنا نهلك ذلاً وفقراً.

نهوا عن أن يحكموا على أنفسهم بالهلاك للإنفاق، أو أنفقوا ولا تلقوا ذلك الإنفاق في التهلكة والإحباط منا أو أذى أو رياء وسمعة مثل ﴿ ولا تبطلوا أعمالكم  ﴾ ومنهم من قال: إنه راجع إلى غير الإنفاق أي لا تخلوا بالجهاد فتتعرضوا للهلاك الذي هو سخط الله وعذاب النار، أو لا تقحموا في الحرب حيث لا ترجون النفع ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم فإن ذلك لا يحل كما روي عن البراء بن عازب أنه قال في هذه الآية: هو الرجل يستقتل بين الصفين.

وإنما يجب أن يتقحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل.

" روى الشافعي أن رسول الله  ذكر الجنة فقال له رجل من الأنصار: أرأيت يا رسول الله إن قُتلتُ صابراً محتسباً؟

قال: لك الجنة" .

فانغمس في جماعة العدو فقتلوه.

وأن رجلاً من الأنصار ألقى درعاً كان عليه حين ذكر النبي  الجنة.

ثم انغمس في العدو فقتلوه بين يدي الرسول.

وروي أن رجلاً من الأنصار تخلف من أصحاب بئر معونة فرأى الطير عكوفاً على من قتل من أصحابه.

فقال لبعض من معه: سأتقدم إلى العدو فيقتلونني ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابي ففعل ذلك.

فذكروا للنبي  فقال فيه قولاً حسناً.

وروى أسلم أبو عمران قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا لنا صفاً عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة!

فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: أيها الناس، إنكم تؤوّلون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار.

لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سراً دون النبي  : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه.

فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها.

فأنزل الله  على نبيه يرد علينا ما قلنا، فكانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم.

وقيل: إن الآية من تمام ما قبلها أي إن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم فإن الحرمات قصاص، ولا تحملنكم حرمة الشهر على أن تستسلموا لمن قاتلكم فتهلكوا بترككم القتال.

وعن النعمان بن بشير: كان الرجل يذنب فيقول: لا يغفر لي فأنزل الله  هذه الآية.

وذلك أنه يرى أنه لا ينفعه معه عمل فيترك العبودية ويصر على الذنب فنهى عن القنوط من رحمة الله ﴿ وأحسنوا ﴾ في الإنفاق بأن يكون مقروناً بطلاقة الوجه أو على قضية العدالة بين التقتير والإسراف أو في فرائض الله عن الحسن ﴿ إن الله يحب المحسنين ﴾ إذ الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

وهذا مقام القرب، والقرب يقتضي الإرادة الذاتية وهذا رمز والله ولي كل خير.

التأويل: ﴿ وقاتلوا ﴾ من يمنعكم عن السير في سبيل الله أو أراد أن يقطع عليكم طريقة من شياطين الإنس والجن حتى نفوسكم التي هي أعدى عدوكم ﴿ ولا تعتدوا ﴾ لا تتجاوزوا عن حد الشرع فتجاهدوا بالطبع، ولكن كونوا ثابتين على قدم الاستقامة بقدر الاستطاعة من غير إفراط وتفريط، ﴿ واقتلوا ﴾ كفار النفس بسيف الرياضة حيث ظفرتم بهم، ومجاهدتها مخالفة هواها.

﴿ وأخرجوهم ﴾ من صفات النفس ﴿ كما أخرجوكم ﴾ من جمعية القلب وحضوره ﴿ والفتنة ﴾ أي المحنة التي ترد على القلب من طوارق صفات النفس الحاجبة عن الله ﴿ أشد من ﴾ قتل النفس بمخالفة هواها ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ﴾ لا تلتفتوا إلى النفس وصفاتها إذا كنتم آمنين مطمئنين في مقامات القلب والروح حتى يزاحموكم في الحضور وداعية الهوى؛ فإن نازعوكم في الجمعية والحضور ﴿ فاقتلوهم ﴾ بسيف الصدق واقطعوا مادة تلك الدواعي عن نفوسكم بكل ما أمكن لئلا يبقى لكم علاقة تصدكم عن الله ﴿ فإن انتهوا ﴾ بأن قنعت بما لا بد لها فلا تغلوا في مجاهدتها.

﴿ الشهر الحرام ﴾ أي ما يفوتكم من الأوقات والأوراد بتواني النفس ونزاعها وغلبات صفاتها فتداركوه الشهر بالشهر واليوم باليوم ﴿ فمن اعتدى ﴾ فكل صفة غلبت واستولت فعالجوها بضدها البخل بالسخاء، والغضب بالحلم، والحرص بالزهد، والشهوة بالعفة، ﴿ واتقوا الله ﴾ في الإفراط والتفريط ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ بالتفريط في الحقوق والإفراط في الحظوظ أو بموافقة النفوس ومخالفة النصوص، أو بالركوب إلى الفتور بالحسبان والغرور والله المستعان على ما يصفون.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ﴾ .

يحتمل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ ، أي: سألوك عن الأهلة.

ويحتمل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ \[أنهم يسألونك\] من بعد، فإن كان على هذا ففيه دليل رسالته؛ لأنه كان كما أخبر من السؤال له.

ثم معنى السؤال عن الأهلة - والله أعلم - هو أنهم لما رأوا الشمس تطلع دائماً على حالة واحدة، ورأوا القمر مختلف الأحوال من الزيادة والنقصان فحملهم ذلك على السؤال عن حال القمر، فأخبر - عز وجل - أنه جعل الهلال معرفاً للخلق الأوقات والآجال والمدد ومعرفة وقت الحج؛ لأنه لو جعل معرفة ذلك بالأيام لاشتد حساب ذلك عليهم، ولتعذر معرفة السنين والأوقات بالأيام.

فجعل - عز وجل - بلطفه وبرحمته، الأهلة ليعرفوا بذلك الأوقات والآجال، ويعرفوا وقت الحج، ووقت الزكاة؛ طلباً للتخفيف والتيسير عليهم.

ثم قال: ﴿ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ﴾ ، جعل الأهلة كلها وقتاً للحج.

ولهذا قال أصحابنا: إنه يجوز الإحرام في الأوقات كلها، على ما يجوز بقاء الإحرام في الأوقات كلها.

وأما أفعال الحج: فإنها لا تجوز إلا في وقت فعل الحج، وهو قوله: ﴿ ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ  ﴾ ، فإنما هي على أفعال فيه، دليله قوله: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ  ﴾ ، ولا تفرض من الحج في غير الإحرام؛ دل أنه عنى به أفعال الحج، وقد جاء: أنه سمى الإحرام على الانفراد حجّاً، وسمى الطواف بالبيت حجّاً، والوقوف حجّاً، وقال: "الحج عرفة" وسمى الذبح حجّاً، حيث قال: "أفضل الحج العج والثج" .

وإنما سمى كلاًّ منها حجّاً؛ لما جعل لها أوقاتاً معلومة يؤدى فيها.

وأما الإحرام فإنه جعل الأشهر كلها وقتاً له بقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا ﴾ .

لا معنى لعطف هذا على الأول إلا على إضمار السؤال، كأنهم سألوه عن الأهلة وعن إتيان البيوت من ظهورها، فأخبر: أن ليس البر في إتيان البيوت من ظهورها.

﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .

ثم اختلف في القصة هذا الكلام: قال بعضهم: إن بعض العرب إذا أحرم أحدهم لم يدخل بيته من بابه، ولكن يدخل من ظهر البيت؛ مخافة تغطية الرأس إذا دخل من بابه.

وقيل: إن بعض العرب إذا خرج أحدهم لحاجة ولم يقض حاجته، فرجع لم يدخل البيت من بابه، ولكن يدخل من وراء ظهره، يكره دخول بيت غير منجح - يتطيرون به - ويتفاءلون قضاءها ثانياً.

فقال الله عز وجل: ﴿ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ ﴾ فما تصنعون ، ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ ، واتبع أمر الله، وانتهى عما نهى عنه، ويأتي ﴿ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ﴾ .

ويحتمل: أن يكون على التمثيل والرمز، ليس على التحقيق؛ كقوله: ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ  ﴾ ، فهو ليس على حقيقة الطرح وراء الظهر، ولكن كانوا لا يسمعون كلام الله ولا يعبئون به.

وكذلك كلام رسول الله  : لا يسمعونه ولا يكترثون إليه، فأخبر أنه كالمنبوذ والمطروح وراء الظهر لما لم يعملوا به؛ فعلى ذلك الأول، أخبر أنه ﴿ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ ﴾ في ترك اتباع محمد  والائتمار بأمره، أي: ليس فعلى البر مخالفة محمد  [فيما يأمر]، ولكن البر فب الاتباع له والائتمار بأمره.

وقال القرامطة: إن المراد من الأبواب هو علي بن أبي طالب، رضي الله  عنه، والبيوت بيوت رسول الله  .

أمروا بإتيان رسول الله  من عند علي، رضي الله  عنه، على ما جاء أنه قال: "أنا مدينة العلم وعلي بابها".

فمن أراد الدخول في البيت، لا بد من أن يأتي الباب فيدخل من الباب.

لكن الجواب لقولهم على قدر ما تأولوا - أنه ذكر البيوت، وذكر الأبواب أيضاً والبيوت كثيرة، والأبواب كذلك أيضاً، فعليٌّ وغيره من الصحابة من نحو أبي بكر، وعمر، وعثمان، رضوان الله  عليهم أجمعين، فيه شرع سواء؛ ألا ترى أنه قال: "أنا مدينة الحكمة"، والمدينة لا يعرف لها باب واحد، بل يكون لها أبواب؛ فدل أن تأويلهم في علي، رضي الله  عنه، خاصة، لا يصح.

وبالله العصمة.

وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .

أي: اتقوا الله ولا تعصوه، ولا تتركوا أمره، وانتهوا عن مناهيه.

وقوله: ﴿ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ ﴾ .

﴿ سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ : دينه وطاعته، أي: في إظهار دينه.

قيل: هي أول آية نزلت في الأمر بالقتال.

وقيل: أول آية نزلت في الأمر بالقتال قوله: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ  ﴾ .

ويحتمل: أنه أخبر كأنهم نهوا أولاً ثم أذن لهم فقاتلوا فأنكر عليهم، فأنزل الله أنه أذن لهم إخباراً.

فلا يدري أيتهما أول، ولكن فيه الأمر بالقتال، والنهي عن الاعتداء هاهنا: قيل: هو نهي عن قتل الذراري والنساء والشيخ الفاني، على ما جاء أنه بعث سرية أوصى لهم ألا يقتلوا وليداً ولا شيخاً.

وقيل: نهاهم أن يقتلوهم في الشهر الحرام إلا أن يبدأهم المشركون بالقتال.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ .

أي أنه لا يحب الاعتداء، لم يحب من اعتدى.

وقوله: ﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم ﴾ .

قيل: لفظ ﴿ حَيْثُ ﴾ يعبر عن المكان؛ ففيه إذن بقتلهم في جميع الأمكنة، وفي تعميم الأمكنة تعميم الأوقات، فهو على عموم المكان إلا فيما استثنى من المسجد الحرام مطلقاً.

وأما قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ  ﴾ ، فالاستثناء فيه مقيد، فلا يخرج عن ذلك العام.

والله أعلم.

ثم منهم من جعل لهم القتال في الحرم وفي أشهر الحج بظاهر هذه الآية.

ومنهم من قال: لا يقتل فيهما جميعاً.

وقال أصحابنا - رحمهم الله  : يقتل في الشهر الحرام، ولا يقتل في الحرم إلا أن يبدأهم بالقتال، فحينئذ يقتلهم.

وكذلك يقولون فيمن قتل آخر ثم التجأ إلى الحرم: لم يقتل فيه، ولكن لا يؤاكل ولا يشارب ولا يجالس حتى يضطر فيخرج، فيقتل.

وإذا قتل في الحرم يقتل.

فعلى ذلك لا يقاتل في الحرم إلا أن يبدأهم بالقتال، فعند ذلك يحل القتل.

وإنما لم يحل القتال في الحرم إلا أن يبدءوهم به، وإن كان ظاهر قوله: ﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم ﴾ يبيح القتل في الأمكنة كلها، بقوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ﴾ ، استثنى الحرم دون غيره من الأماكن.

وأما قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ  ﴾ ظاهر هذه الآية يحرم القتال في أشهر الحج، لكن فيه دليل حل القتال بقوله: ﴿ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ  ﴾ ، يعني بالفتنة الشرك، جعل القتل فيه كبيراً، ثم أخبر أن الشرك فيه أكبر وأعظم من القتل.

فالأصل عندنا: أن الابتلاء إذا كان من وجهين يختار الأيسر منهما والأخف؛ فلذلك قلنا: إنه يختار القتل في الحرم على بقاء الفتنة - وهو الشرك - إذ هو أكبر وأعظم.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ .

يحتمل: ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ ﴾ من مكة كما ﴿ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ عام الحديبية.

ويحتمل: أن أمرهم بأن يضيقوا عليهم ويضطروهم إلى الخروج كما فعل أهل مكة بهم.

ويحتمل: الإخراج على ما جاء: "ألا لا يحجن مشرك بعد عامي هذا" ويحتمل: أن يمنعوهم عن الدخول فيه؛ كقوله  : ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا  ﴾ ، وكقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ ، المنع عن الشرك إخراجاً.

وقوله: ﴿ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ﴾ .

أي: الشرك أعظم جرماً عند الله من القتل فيه.

وقوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ﴾ .

كما ذكرنا أن هذا وقوله: ﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ ﴾ ، كله يخرج على المجازاة لهم.

وفيه لغة أخرى: "ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه".

فإذا قتلونا لا سبيل لنا أن نقتلهم، فما معنى هذا؟

قيل: يحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ ﴾ ، أي: إذا قتلوا واحداً منكم فحينئذ تقتلونهم، أو لا تقتلونهم حتى يبدءوا هم بالقتل، أو أن يقول: لا تقتلوهم حتى يقتلوا بعضكم، فإذا فعلوا ذلك فحينئذ تقتلونهم.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

أي هكذا جزاء من لم يقبل نعم الله، ولم يستقبلها بالشكر.

ويحتمل: كذلك جزاء من بدأ بالقتال في الحرم أن يقتل.

وقوله: ﴿ فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ ﴾ عن الشرك، وأسلموا يتغمدهم الله برحمته.

ويحتمل: ﴿ فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ ﴾ عن بدء القتال، وأسلموا، فإن الله يرحمهم ويغفر ذنوبهم.

وقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ ﴾ .

أنه أمرنا بالقتال مع الكفرة ليسلموا.

فإن قيل: أيش الحكمة في قتل الكفرة، وهو في الظاهر غير مستحسن في العقل؟

قيل: إنا نقاتلهم ليسلموا، ولا نقتلهم إلا أن يأبوا الإسلام، فإذا أبوا ذلك ثم لم نقتلهم لا يسلمون أبداً؛ لذلك قتلناهم، إذ في القتل ذهاب الفتنة.

ويحتمل: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ ، على وجه الأرض، أي تطهر من الشرك.

وقال قوم: ﴿ وَٱلْفِتْنَةُ ﴾ هاهنا العذاب، أي: قاتلوا حتى لا يقدروا عليه كفار.

وقوله: ﴿ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ ﴾ .

أي: ليكون ﴿ ٱلدِّينُ ﴾ دين الله في الأرض لا الشرك.

و ﴿ ٱلدِّينُ ﴾ : الحكم.

وقوله: ﴿ فَإِنِ ٱنْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

فإن قيل: فإذا صار الدين كله لله، فلا ظالم هنالك، فما معنى هذا الكلام؟

قيل: يحتمل: أن لا عدوان إلا على الظالم الذي أحدث الظلم من بعد.

ويحتمل: أن لا عدوان إلا على من بقي منهم مع الظلم.

فإن قيل: فلم سمي عدواناً، والعدوان هو ما لا يحل؟

قيل: لأنه جزاء العدوان، وإن لم يكن هو في الحقيقة عدواناً، فسمي باسمه كما سمى جزاء السيئة سيئة وإن لم يكن هو سيئة في الحقيقة؛ كقوله: ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا  ﴾ ، وكما سمى جزاء الاعتداء اعتداء وإن لم يكن هو في الحقيقة اعتداء؛ فكذلك الأول.

وقوله: ﴿ ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾ .

قيل: خرج النبي  في الشهر الحرام يريد مكة فصده المشركون عن دخولها، فجاء من عام قابل في الشهر الحرام فدخلها وأقام ثلاثاً، وقضى عمرته التي فاتته في العام الأول، فسميت عمرة القضاء، فذلك تأويل قوله: ﴿ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾ ، هذه الثانية صارت قصاصاً بالأول.

وقيل: إن [في] الجاهلية كانوا يعظمون الشهر الحرام، ولا يقاتلون فيه، فلما أن ظهر الإسلام عظمه أهل الإسلام أيضاً، ولم يقاتلوا فيه، حتى جعل الكفار يغيرون على أهل الإسلام ويستنصرون عليهم، حتى نسخ ذلك وأمروا بالقتال فيه بقوله: ﴿ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ  ﴾ ، كأنه قال: ما هتكتم من حرمة الشهر قصاص لما هتكوا.

وقوله: ﴿ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ .

قد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .

يحتمل: ﴿ وَٱتَّقُواْ ﴾ مخالفة الله.

أو: ﴿ وَٱتَّقُواْ ﴾ عذاب الله.

وقوله: ﴿ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .

يعني: مع المؤمنين جملة.

ويحتمل: ﴿ وَٱتَّقُواْ ﴾ القتال في الحرم قبل أن يبدءوا هم، فـ ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ في النصر والمعونة لهم.

وقوله: ﴿ وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: [أمر بالإنفاق ترتيباً] على الخروج إلى الجهاد، وإلا فكلٌّ منفق على نفسه بما يعلم حاجته إليه، ولا يلقي نفسه في الهلاك من حيث منع الإنفاق.

وقيل: في قوله  : ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ﴾ ، هو أن يذنب ذنباً ثم ييأس عن العفو عنه.

وقيل: ﴿ وَأَنْفِقُواْ ﴾ أي: لا تضنوا بالإنفاق مخافة الفوت في الوقت الثاني؛ فإنه يخلف لكم ما أنفقتم.

وقيل: ﴿ وَأَنْفِقُواْ ﴾ أي: أعينوا أصحابكم، ولا تلقوهم إلى التهلكة بترك المعونة لهم بالإنفاق والتجهيز لهم.

وقيل: ﴿ وَأَنْفِقُواْ ﴾ أي: تصدقوا، فإن فيه حياة أبدانكم وأنفسكم.

وقوله: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ .

قيل: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ إلى أصحابكم بالإعانة والتصدق.

وقيل: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ الظن بالله في الإنفاق.

وقيل: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ الظن بربكم في الخروج إلى الغزو.

ويحتمل: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ أي أسلموا.

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ يعني: المؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإن انتهوا عن قتالكم وكفرهم فانتهوا عنهم، إن الله غفور لمن تاب فلا يؤاخذهم بذنوبهم السابقة، رحيم بهم لا يعاجلهم بالعقوبة.

<div class="verse-tafsir" id="91.8nw3b"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

وردت هذه الآيات في الإذن بالقتال للمحرمين في الأشهر الحرم إذا فوجئوا بالقتال بغيًا وعدوانًا.

فهي متصلة بما قبلها أتم الاتصال لأن الآية السابقة بينت أن الأهلة مواقيت للناس في عباداتهم ومعاملاتهم عامة وفي الحج خاصة، وهو في أشهر هلالية مخصوصة كان القتال فيها محرمًا في الجاهلية.

وأخرج الواحدي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله  صُدَّ عن البيت ثم صالحه المشركون فرضى على أن يرجع عامه القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام يطوف ويفعل ما يشاء، فلما كان العام القابل تجهز هو وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي لهم قريش وأن يصدوهم عن المسجد الحرام بالقوة ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الحرم والشهر الحرام، فأنزل الله تعالى ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ  ﴾ يقول أيها المؤمنون الذين تخافون أن يمنعكم مشركو مكة عن زيارة بيت الله والاعتمار فيه نكثًا منهم للعهد وفتنة لكم في الدين، وتكرهون أن تدافعوا عن أنفسكم بقتالهم في الإحرام والشهر الحرام، إنني أذنت لكم في القتال على أنه دفاع في سبيل الله للتمكن من عبادته في بيته، وتربية لمن يفتنكم عن دينكم وينكث عهدكم، لا لحظوظ النفس وأهوائها، والضراوة بحب التسافك، فقاتلوا في هذه السبيل الشريفة من يقاتلكم ﴿ وَلَا تَعْتَدُوا  ﴾ بالقتال فتبدأوهم -ولا في القتال فتقتلوا من لا يقاتل كالنساء والصبيان والشيوخ والمرضى أو من ألقى إليكم السلم وكف عن حربكم- ولا بغير ذلك من أنواع الاعتداء كالتخريب وقطع الأشجار، وقد قالوا إن الفعل المنفي يفيد العموم.

علل الإذن بأن مدافعة في سبيل الله وسيأتي تفصيله في الآية التالية، وعلل النهي بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ  ﴾ أي أن الاعتداء من السيئات المكروهة عند الله تعالى لذاتها فكيف إذا كان في حال الإحرام، وفي أرض الحرم والشهر الحرام؟

ثم قال: ﴿ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ  ﴾ أي إذا نشب القتال فاقتلوهم أينما أدركتموهم وصادفتموهم، ولا يصدنكم عنهم أنكم في أرض الحرام إلا ما يستثنى في الآية بشرطه ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ  ﴾ أي من المكان الذي أخرجوكم منه وهو مكة فقد كان المشركون أخرجوا النبي وأصحابه المهاجرين منها بما كانوا يفتنونهم في دينهم، ثم صدوهم عن دخولها لأجل العبادة، فرضي النبي والمؤمنون على شرط أن يسمحوا لهم في العام القابل بدخولها لأجل النسك والإقامة فيها ثلاثة أيام كما تقدم، فلم يكن من المشركين إلا أن نقضوا العهد أليس من رحمة الله تعالى بعباده أن يقوي هؤلاء المؤمنين ويأذن لهم بأن يعودوا إلى وطنهم ناسكين مسالمين، وأن يقاوموا من يصدهم عنه من أولئك المشركين الخائنين؟

وهل يصح أن يقال فيهم إنهم أقاموا دينهم بالسيف والقوة دون الإرشاد والدعوة؟

كلا لا يقول هذا إلا غر جاهل، أو عدو متجاهل.

ثم زاد التعليل بيانًا فقال ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ  ﴾ أي أن فتنتهم إياكم في الحرم عن دينكم بالإيذاء والتعذيب، والإخراج من الوطن، والمصادرة في المال، أشد قبحًا من القتل، إذ لا بلاء على الإنسان أشد من إيذائه واضطهاده وتعذيبه على اعتقاده الذي تمكن من عقله ونفسه، ورآه سعادة له في عاقبة أمره.

والفتنة في الأصل مصدر فتن الصائغ الذهب والفضة إذا أذابهما بالنار ليستخرج الزَّغل منهما، ويسمى الحجر الذي يختبرهما به أيضًا فتانة (كجبانة) ثم استعملت الفتنة في كل اختبار شاق، وأشده الفتنة في الدين وعن الدين ومنه قوله تعالى ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ  ﴾ وغير ذلك من الآيات.

وما تقرر في هذه الآيات على هذا الوجه مطابق لقوله تعالى في سورة الحج ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ  الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ  ﴾ الآيات.

وهي أول ما نزل من القرآن في شرع القتال معللًا بسببه مقيدًا بشروطه العادلة.

وفسر بعضهم الفتنة هنا وفي الآية الآتية بالشرك وجرى عليه "الجلال" وهو مردود لأنه يخرج الآيات عن سياقها، وذكره البيضاوي هنا بصيغة التضعيف (قيل).

ومردود قولهم أيضًا إن هذه الآية ناسخة لما قبلها، وذلك أنه كبر على هؤلاء القائلين بالنسخ أن يكون الإذن بالقتال مشروطًا باعتداء المشركين، ولأجل أمن المؤمنين في الدين فأرادوا أن يجعلوه مطلوبًا لذاته.

ونحن نرى أن هذه الآيات نزلت مرة واحدة في نسق واحد وقصة واحدة فلا معنى لكون بعضها ناسخًا للآخر، وأما ما يؤخذ من العمومات فيها بحكم أن القرآن شرع ثابت عام فذلك شيء آخر.

ثم استثنى من الأمر بقتل هؤلاء المحاربين في كل مكان أدركوا فيه المسجد الحرام فقال ﴿ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ  ﴾ أي أن من دخل منهم المسجد الحرام يكون آمنًا إلا أن يقاتل هو فيه وينتهك حرمته فلا أمان له حينئذٍ.

ولما كان القتل في المسجد الحرام أمرًا عظيمًا يتحرج منه أكد الإذن فيه بشرطه ولم يكتف بما فهم من الغاية فقال ﴿ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ  ﴾ ولا تستسلموا لهم، فالبادئ هو الظالم، والمدافع غير آثم ﴿ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ  ﴾ أي إن من سنة اله تعالى أن يجازي الكافرين مثل هذا الجزاء فيعذبهم في مقابلة تعرضهم للعذاب بتعدي حدوده فيكونوا هم الظالمين لأنفسهم.

وقرأ حمزة والكسائي: ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم، فإن قتلوكم فاقتلوهم.

من قتل الثلاثي ويخرج على أن قتل بعض الأمة كقتل جميعها لتكافلها.

والمراد حتى لا يقتلوا أحدًا منكم فإن قتلوا أحدًا فاقتلوهم وهو أسلوب عربي بليغ.

ثم قال: ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا  ﴾ عن القتال فكفوا عنهم، أو عن الكفر فإن الله يقبل منهم ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ يمحو عن العبد ما سلف إذا هو تاب عما اقترف، ويرحمه فيما بقى إذا هو أحسن وأتقى، ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ  ﴾ .

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ  ﴾ عطف على ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ  ﴾ في الآية الأولى فتلك بينت بداية القتال، وهذه بينت غايته وهي ألا يوجد شيء من الفتنة في الدين، أي حتى لا تكون لهم قوة يفتنوكم بها ويؤذونكم لأجل الدين ويمنعونكم من إظهاره أو الدعوة إليه ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ  ﴾ وفي آية سورة الأنفال ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ  ﴾ أي يكون دين كل شخص خالصًا لله لا أثر لخشية غيره فيه، فلا يفتن لصده عنه ولا يؤذي فيه، ولا يحتاج فيه إلى الدهان والمداراة، أو الاستخفاء أو المحاباة، وقد كانت مكة إلى هذا العهد قرار الشرك، والكعبة مستودع الأصنام، فالمشرك فيها حر في ضلالته، والمؤمن مغلوب على هدايته، قال ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا  ﴾ أي في هذه المرة عما كانوا عليه ﴿ فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ  ﴾ أي فلا عدوان عليهم لأن العدوان إنما يكون على الظالمين تأديبًا لهم ليرجعوا عن ظلمهم، ففي الكلام إيجاز بالحذف واستغناء عن المحذوف بالتعليل الدال عليه، ويجوز أن يكون المعنى فإن انتهوا عما كانوا عليه من القتال والفتنة فلا عدوان بعد ذلك إلا على من كان منهم ظالمًا بارتكابه ما يوجب القصاص.

أي فلا يُحَاربَون عامة وإنما يؤخذ المجرم بجريمته، ثم زاد تعليل الإذن بالقتال بيانًا ببنائه على قاعدة عادلة معقوله فقال تعالى: <div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل