الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٩٩ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 196 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٩٩ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم " هاهنا لعطف خبر على خبر وترتيبه عليه ، كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة ، ليذكر الله عند المشعر الحرام ، وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات ، كما كان جمهور الناس يصنعون ، يقفون بها إلا قريشا ، فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم ، فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحل ، ويقولون : نحن أهل الله في بلدته ، وقطان بيته .
وقال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا محمد بن حازم ، حدثنا هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة ، وكانوا يسمون الحمس ، وكان سائر العرب يقفون بعرفات .
فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ، ثم يقف بها ثم يفيض منها ، فذلك قوله : ( من حيث أفاض الناس ) .
وكذا قال ابن عباس ، ومجاهد ، وعطاء ، وقتادة ، والسدي ، وغيرهم .
واختاره ابن جرير ، وحكى عليه الإجماع ، رحمهم الله .
وقال الإمام أحمد ، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، قال : أضللت بعيرا لي بعرفة ، فذهبت أطلبه ، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم واقف ، قلت : إن هذا من الحمس ما شأنه هاهنا ؟
أخرجاه في الصحيحين .
ثم روى البخاري من حديث موسى بن عقبة ، عن كريب ، عن ابن عباس ما يقتضي أن المراد بالإفاضة هاهنا هي الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار .
فالله أعلم .
وحكاه ابن جرير ، عن الضحاك بن مزاحم فقط .
قال : والمراد بالناس : إبراهيم ، عليه السلام .
وفي رواية عنه : الإمام .
قال ابن جرير ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح .
وقوله : ( واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ) كثيرا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات ; ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر ثلاثا .
وفي الصحيحين أنه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير ، ثلاثا وثلاثين ، ثلاثا وثلاثين .
وقد روى ابن جرير هاهنا حديث ابن عباس بن مرداس السلمي في استغفاره ، عليه السلام ، لأمته عشية عرفة ، وقد أوردناه في جزء جمعناه في فضل يوم عرفة .
وأورد ابن مردويه هاهنا الحديث الذي رواه البخاري ، عن شداد بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سيد الاستغفار أن يقول العبد : اللهم أنت ربي ، لا إله إلا أنت ، خلقتني وأنا عبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك علي ، وأبوء بذنبي ، فاغفر لي ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت .
من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة ، ومن قالها في يومه فمات دخل الجنة " .
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو : أن أبا بكر قال : يا رسول الله ، علمني دعاء أدعو به في صلاتي ؟
فقال : " قل : اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني ، إنك أنت الغفور الرحيم " .
والأحاديث في الاستغفار كثيرة .
القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، ومن المعني بالأمر بالإفاضة من حيث أفاض الناس؟
ومن " الناس " الذين أمروا بالإفاضة من موضع إفاضتهم؟
فقال بعضهم: المعني بقوله: " ثم أفيضوا "، قريش ومن ولدته قريش، الذين كانوا يسمون في الجاهلية " الحمس "، أمروا في الإسلام أن يفيضوا من عرفات، وهي التي أفاض منها سائر الناس غير الحمس.
وذلك أن قريشا ومن ولدته قريش، كانوا يقولون: " لا نخرج من الحرم ".
فكانوا لا يشهدون موقف الناس بعرفة معهم، فأمرهم الله بالوقوف معهم.
* ذكر من قال ذلك: 3831 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه.
عن عائشة قالت: كانت &; 4-185 &; قريش ومن كان على دينها -وهم الحمس- يقفون بالمزدلفة يقولون: " نحن قطين الله!"، وكان من سواهم يقفون بعرفة.
فأنـزل الله: " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " (88) 3832 - حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا أبان، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عروة: أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان كتبت إلي في قول النبي صلى الله عليه وسلم لرجل من الأنصار: " إني أحمس " (89) وإني لا أدري أقالها النبي أم لا؟
غير أني سمعتها تحدث عنه.
والحمس: ملة قريش- وهم مشركون- ومن ولدت قريش في خزاعة وبني كنانة.
كانوا لا يدفعون من عرفة، إنما كانوا يدفعون من المزدلفة وهو المشعر الحرام، وكانت بنو عامر حمسا، وذلك أن قريشا ولدتهم، ولهم قيل: " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس "، وأن العرب كلها كانت تفيض من عرفة إلا الحمس، كانوا يدفعون إذا أصبحوا من المزدلفة.
(90) &; 4-186 &; 3833 - حدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: حدثنا أبو توبة، قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن سفيان، عن حسين بن عبيد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كانت العرب تقف بعرفة، وكانت قريش تقف دون ذلك بالمزدلفة، فأنـزل الله: " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس "، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم الموقف إلى موقف العرب بعرفة.
(91) 3834 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عبد الملك، عن عطاء: " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " من حيث تفيض جماعة الناس.
3835 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم، قال: حدثنا عمرو بن قيس، عن عبد الله بن طلحة، عن مجاهد قال: إذا كان يوم عرفة هبط الله إلى &; 4-187 &; السماء الدنيا في الملائكة، فيقول: هلم إلي عبادي، آمنوا بوعدي وصدقوا رسلي !
فيقول: ما جزاؤهم؟
فيقال: أن تغفر لهم.
فذلك قوله: " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ".
3836 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح = وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح = عن مجاهد: " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس "، قال: عرفة.
قال: كانت قريش تقول نحن: " الحمس أهل الحرم، ولا نخلف الحرم، ونفيض عن المزدلفة "، فأمروا أن يبلغوا عرفة.
3837 - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " ، قال قتادة: وكانت قريش وكل حليف لهم وبني أخت لهم، لا يفيضون من عرفات، إنما يفيضون من المغمس، ويقولون: " إنما نحن أهل الله، فلا نخرج من حرمه "، فأمرهم الله أن يفيضوا من حيث أفاض الناس من عرفات، وأخبرهم أن سنة إبراهيم وإسمعيل هكذا: الإفاضة من عرفات.
3838 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " ، قال: كانت العرب تقف بعرفات، فتعظم قريش أن تقف معهم، فتقف قريش بالمزدلفة، فأمرهم الله أن يفيضوا مع الناس من عرفات.
3839 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " ، قال: كانت قريش وكل ابن أخت وحليف لهم، لا يفيضون مع الناس من عرفات، يقفون في الحرم ولا يخرجون منه، يقولون: " إنما نحن أهل حرم الله فلا نخرج من حرمه "؛ &; 4-188 &; فأمرهم الله أن يفيضوا من حيث أفاض الناس; وكانت سنة إبراهيم وإسمعيل الإفاضة من عرفات.
3840 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، قال: كانت قريش - لا أدري قبل الفيل أم بعده - ابتدعت أمر الحمس، رأيا رأوه بينهم، (92) قالوا: نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت، وقاطنو مكة وساكنوها، (93) فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منـزلنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا، فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمكم " (94) وقالوا: قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم، فتركوا الوقوف على عرفة، والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويرون لسائر الناس أن يقفوا عليها، وأن يفيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم، فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة، ولا نعظم غيرها كما نعظمها نحن الحمس - والحمس: أهل الحرم .
ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكني الحل مثل الذي لهم بولادتهم إياهم، فيحل لهم ما يحل لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم.
وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك.
ثم ابتدعوا في ذلك أمورا لم تكن، حتى قالوا: " لا ينبغي للحمس أن يأقطوا الأقط، ولا يسلئوا السمن وهم حرم، (95) ولا يدخلوا بيتا من شعر، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حراما ".
ثم رفعوا في ذلك (96) فقالوا: " لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل &; 4-189 &; في الحرم، (97) إذا جاءوا حجاجا أو عمارا، ولا يطوفون بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس، فإن لم يجدوا منها شيئا طافوا بالبيت عراة ".
فحملوا على ذلك العرب فدانت به، وأخذوا بما شرعوا لهم من ذلك، (98) فكانوا على ذلك حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله- حين أحكم له دينه وشرع له حجه: (99) " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم " - يعني قريشا، و " الناس " العرب- فرفعهم في سنة الحج إلى عرفات، والوقوف عليها، والإفاضة منها.
فوضع الله أمر الحمس- وما كانت قريش ابتدعت منه- عن الناس بالإسلام حين بعث الله رسوله.
(100) 3841 - حدثنا بحر بن نصر، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قال: كانت قريش تقف بقزح، وكان الناس يقفون بعرفة، قال: فأنـزله الله: " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ".
* * * وقال آخرون: المخاطبون بقوله: " ثم أفيضوا "، المسلمون كلهم، والمعني بقوله: " من حيث أفاض الناس "، من جمع، وبـ " الناس "، إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام.
* ذكر من قال ذلك.
3842 - حدثت عن القاسم بن سلام، قال: حدثنا هارون بن معاوية الفزاري، عن أبي بسطام عن الضحاك، قال: هو إبراهيم.
(101) &; 4-190 &; قال أبو جعفر: والذي نراه صوابا من تأويل هذه الآية، أنه عنى بهذه الآية قريش ومن كان متحمسا معها من سائر العرب لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله.
وإذ كان ذلك كذلك فتأويل الآية: فمن فرض فيهن الحج، فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم، وما تفعلوا من خير يعلمه الله.
وهذا، إذ كان ما وصفنا تأويله فهو من المقدم الذي معناه التأخير، والمؤخر الذي معناه التقديم، على نحو ما تقدم بياننا في مثله، (102) ولولا إجماع من وصفت إجماعه على أن ذلك تأويله.
لقلت: أولى التأويلين بتأويل الآية ما قاله الضحاك من أن الله عنى بقوله: " من حيث أفاض الناس "، من حيث أفاض إبراهيم.
لأن الإفاضة من عرفات لا شك أنها قبل الإفاضة من جمع، وقبل وجوب الذكر عند المشعر الحرام.
وإذ كان ذلك لا شك كذلك، وكان الله عز وجل إنما أمر بالإفاضة من الموضع الذي أفاض منه الناس، بعد انقضاء ذكر الإفاضة من عرفات، وبعد أمره بذكره عند المشعر الحرام، ثم قال بعد ذلك: " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس "= كان معلوما بذلك أنه لم يأمر بالإفاضة إلا من الموضع الذي لم يفيضوا منه، دون الموضع الذي قد أفاضوا منه، وكان الموضع الذي قد &; 4-191 &; أفاضوا منه فانقضى وقت الإفاضة منه، لا وجه لأن يقال: " أفض منه ".
فإذ كان لا وجه لذلك، وكان غير جائز أن يأمر الله جل وعز بأمر لا معنى له، كانت بينة صحة ما قاله من التأويل في ذلك، وفساد ما خالفه، لولا الإجماع الذي وصفناه، وتظاهر الأخبار بالذي ذكرنا عمن حكينا قوله من أهل التأويل.
* * * فإن قال لنا قائل: وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه: " والناس " جماعة،" وإبراهيم " صلى الله عليه وسلم واحد، والله تعالى ذكره يقول: " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " ؟
قيل: إن العرب تفعل ذلك كثيرا، فتدل بذكر الجماعة على الواحد.
(103) ومن ذلك قول الله عز وجل: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران: 173] والذي قال ذلك واحد، وهو فيما تظاهرت به الرواية من أهل السير- نعيم بن مسعود الأشجعي، (104) ومنه قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [المؤمنون: 51] قيل: عنى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم= ونظائر ذلك في كلام العرب أكثر من أن تحصى.
(105) * * * &; 4-192 &; القول في تأويل قوله تعالى : وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإذا أفضتم من عرفات منصرفين إلى منى فاذكروا الله عند المشعر الحرام، وادعوه واعبدوه عنده، كما ذكركم بهدايته فوفقكم لما ارتضى لخليله إبراهيم، فهداه له من شريعة دينه، بعد أن كنتم ضلالا عنه.
* * * وفي ثُمَّ في قوله: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ، من التأويل وجهان: أحدهما ما قاله الضحاك من أن معناه: ثم أفيضوا فانصرفوا راجعين إلى منى من حيث أفاض إبراهيم خليلي من المشعر الحرام، وسلوني المغفرة لذنوبكم، فإني لها غفور، وبكم رحيم.
كما:- 3843 - حدثني إسماعيل بن سيف العجلي، قال: حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي، قال: حدثنا ابن كنانة- ويكنى أبا كنانة-، عن أبيه، عن العباس بن مرداس السلمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوت الله يوم عرفة أن يغفر لأمتي ذنوبها، فأجابني أن قد غفرت، إلا ذنوبها بينها وبين خلقي.
فأعدت الدعاء يومئذ، فلم أجب بشيء، فلما كان غداة المزدلفة قلت: يا رب، إنك قادر أن تعوض هذا المظلوم من ظلامته، وتغفر لهذا الظالم!
فأجابني أن قد غفرت.
قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فقلنا: يا رسول الله، رأيناك تضحك في يوم لم تكن تضحك فيه!
قال: " ضحكت من عدو الله إبليس لما سمع بما سمع إذ هو يدعو بالويل والثبور، ويضع التراب على رأسه " (106) &; 4-193 &; 3844 - حدثني مسلم بن حاتم الأنصاري، قال: حدثنا بشار بن بكير الحنفي، قالا حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع، عن ابن عمر، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة، فقال: " أيها الناس إن الله تطول عليكم في مقامكم هذا، فقبل محسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، ووهب &; 4-194 &; مسيئكم لمحسنكم، إلا التبعات فيما بينكم، أفيضوا على اسم الله.
فلما كان غداة جمع قال: " أيها الناس، إن الله قد تطول عليكم في مقامكم هذا، فقبل من محسنكم، ووهب مسيئكم لمحسنكم، والتبعات بينكم عوضها من عنده أفيضوا على اسم الله.
فقال أصحابه: يا رسول الله، أفضت بنا بالأمس كئيبا حزينا، وأفضت بنا اليوم فرحا مسرورا !
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني سألت ربي بالأمس شيئا لم يجد لي به، سألته التبعات فأبى علي، فلما كان اليوم أتاني جبريل قال: إن ربك يقرئك السلام ويقول التبعات ضمنت عوضها من عندي".
(107) * * * فقد بين هذان الخبران أن غفران الله التبعات التي بين خلقه فيما بينهم، إنما هو غداة جمع، وذلك في الوقت الذي قال جل ثناؤه: " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله "، لذنوبكم، فإنه غفور لها حينئذ، تفضلا منه عليكم، رحيم بكم.
* * * &; 4-195 &; والآخر منهما: ثُمَّ أَفِيضُوا من عرفة إلى المشعر الحرام، فإذا أفضتم إليه منها فاذكروا الله عنده كما هداكم.
------------------------ الهوامش : (88) الحديث : 3831 - محمد بن عبد الرحمن الطفاوي بضم الطاء المهملة : ثقة من شيوخ أحمد وابن المديني وغيرهما .
والحديث رواه البخاري 8 : 139 (فتح) عن ابن المديني عن محمد بن خازم عن هشام به ، مطولا قليلا .
وكذلك رواه مسلم 1 : 348 عن يحيى بن يحيى عن أبي معاوية وهو محمد بن خازم به .
القطين اسم جماعة واحدهم قاطن والجمع قطان : وهم سكان الدار المقيمون بها لا يبرحونها وقولهم"نحن قطين الله" فيه محذوف أي : قطين بيت الله وحرمه .
ولو حمل على قولهم : القطين هم الخدم لكان معناه : خدم الله والقائمون بأمر بيته ، بلا حاجة إلى تقدير محذوف .
وهو جيد أيضًا .
(89) انظر الآثار السالفة من رقم : 3077- 3087 ففيها خبر الأنصاري ومقالة رسول الله له .
(90) الحديث : 3832 -أبان : هو ابن يزيد العطار وهو ثقة وثقه ابن معين والنسائي وغيرهما .
وهذا الحديث بهذا السياق -لم أجده في موضع آخر .
ومعناه ثابت في الحديث الذي قبله ، وفي حديث مطول آخر ، رواه البخاري 3 : 411- 413 (فتح) .
من طريق علي بن مسهر .
ومسلم : 348ن من طريق أبي أسامة- كلاهما عن هشام بن عروة عن أبيه .
وانظر أيضًا ما مضى في الطبري : 3077- 3087 .
وقول عروة -هنا-"غير أني سمعتها تحدث عنه" : يريد به خالته"عائشة أم المؤمنين" وأنها تحدث ذلك عن رسول اله صلى الله عليه وسلم .
وهذا واضح من سياق القول ومن سائر الروايات الأخر .
ولعله عبر عنهما بالضمير لسبق ذكرهما في سؤال عبد الملك بن مروان الذي يجيبه بهذا القول .
(91) الحديث : 3833 - أحمد بن محمد الطوسي شيخ الطبري : روى عنه في لتاريخ 1 : 8 ، 17 باسم"أحمد بن محمد بن حبيب" .
ثم في 1 : 67 باسم"أحمد بن محمد الطوسي" كما هنا .
ثم في 1 : 209 باسم"أحمد بن محمد بن حبيب الطوسي" .
فتعين أنه هو وهو مترجم لتهذيب وتاريخ بغداد 5 : 108- 109 ، باسم"أحمد بن محمد بن نيزك بن حبيب أبو جعفر يعرف بالطوسي" .
وهو من شيوخ لترمذي وذكره ابن حبان في الثقات .
و"نيزك" : بكسر النون وفتح الزاي بينهما ياء تحتية ، كما ضبط في التقريب والخلاصة .
أبو توبة : هو الربيع بن نافع الحلبي سكن طرسوس وهو ثقة صدوق حجة كما قال أبو حاتم وهو من شيوخه وشيوخ الإمام أحمد وأبي داود وغيرهم .
أبو إسحاق الفزاري : هو الحافظ الحجة شيخ الإسلام إراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن وهو الثقة المأمون الإمام .
شيخه سفيان : هو الثوري .
حسين بن عبيد اله : هو حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب وهو ضعيف ضعفه ابن معين وابن المديني وأبو حاتم وغيرهم .
ولعله نسب هنا إلى جده بل لعل الأصل"بن عبد الله" فحرفها الناسخون .
وإنما جزمت بأنه هو : لأنه هو الذي يروي عن عكرمة ويروي عنه الثوري كما في ترجمته عند ابن أبي حاتم 1/2/57 .
ثم ما في هذه الطبقة من الرواة من يسمى"حسين بن عبيد الله" .
بل ليس في التهذيب ولا في الكبير ولا عند ابن أبي حاتم من يدعي ذلك .
نعم هناك رواة بهذا الاسم في لسان الميزان وكلهم متأخرون عن هذه الطبقة .
وهذا الحديث لم أجده في غير الطبري ، ولم ينسبه السيوطي 1 : 227 لغيره .
(92) في سيرة ابن هشام : "رأيا رأوه وأداروه" .
(93) في سيرة ابن هشام : "وقطان مكة وساكنها" .
(94) في سيرة ابن هشام : "بحرمتكم" .
(95) في سيرة ابن هشام : "أن يأتقطوا" ائتقط الأقط : اتخذه والأقط : شيء يتخذ من اللبن المخيض ، يطبخ ثم يترك حتى يمصل وهو من ألبان الإبل خاصة .
وسلأ السمن : طبخه وعالجه فأذاب زبده .
والحرم (بضمتين) جمع حرام .
رجل حرام : محرم .
(96) رفعوا في ذلك : زادوا وغالوا .
(97) في سيرة ابن هشام : "من الحل إلى الحرم" .
(98) هذه الجملة غير موجودة بنصها في سيرة ابن هشام .
(99) في المطبوعة : "حجته" وفي سيرة ابن هشام : "وشرع له سنن حجه" .
(100) الأثر : 3840 -في سيرة ابن هشام 1 : 211- 216 وفي السيرة زيادات وقد أثبتنا الاختلاف آنفًا .
(101) الخبر : القاسم بن سلام بتشديد اللام : هو أبو عبيد الإمام الحجة صاحب كتاب الأموال وغيره من المؤلفات .
مروان بن معاوية الفزاري : مضت ترجمته : 1222 ، 3322 .
ووقع في المطبوعة هنا"هارون""مروان" .
وهو خطأ واضح .
و"مروان الفزاري" من شيوخ القاسم بن سلام كما في ترجمته الممتعة في تاريخ بغداد 12 : 403- 406 .
أبو بسطام : هو مقاتل بن حيان النبطي البلخي وهو ثقة بينا ذلك في المسند : 3107 .
الضحاك : هو ابن مزاحم الهلالي الخراساني وهو ثقة ما ذكرنا في المسند : 2262 .
وهذا الخبر أشار إليه ابن كثير 1 : 469 أنه"حكاه ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم فقط" .
وهم السيوطي 1 : 227 ، فذكره من رواية الطبري عن ابن عباس؟
ولعله سبق ذهنه لكثرة رواية الضحاك عن ابن عباس؟؟
(102) انظر فهرس المباحث العربية في الجزءين السالفين .
(103) انظر فهرس المباحث العربية في الجزءين السالفين .
(104) انظر الاستيعاب : 301 وابن سعد 2/1/42 وتاريخ الطبري 3 : 41- 42 ولكن الطبري لم يذهب هذا المذهب في تفسير الآية من سورة آل عمران 4 : 118- 121 (بولاق) .
(105) سيعود الطبري بعد أسطر فيذكر تتمة تفسير هذا الشطر من الآية .
(106) الحديث : 3843 - إسماعيل بن سيف العجلي : لم أستطع التحقق من معرفته .
فلم أجد في كتب التراجم إلا"إسماعيل بن سيف أبو إسحاق"- هكذا في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 1/1/176 وأنه سأل أباه عنه ، فقال : "هو مجهول" .
وله ترجمة في لسان الميزان 1 : 409- 410 بل ثنتان ورجح الحافظ أنهما لشخص واحد .
-فيما يظهر لي- من هذه الطبقة ولكني لا أجزم أنه هو شيخ الطبري هذا .
عبد القاهر بن السري السلمي البصري : قال ابن معين : "صالح" وذكره ابن شاهين في الثقات .
ابن كنانة : هو عبد الله بن كنانة بن عباس بن مرداس ، كما تبين اسمه من التخريج -فيما يأتي- وكما ذكر في التراجم .
وهو مجهول كما في التقريب والخلاصة .
والمراد أنه مجهول الحال .
وفي التهذيب : "قال البخاري" لم يصح حديثه" .
ولم يترجم له ابن أبي حاتم في العبادلة ولا في الأبناء مع أنه ذكره في ترجمة أبيه ، كما سيأتي ولم أجد كنيته" أبا كنانة" إلا في هذا الموضع فستفاد منه .
أبوه"كنانة بن العباس" : ترجمه البخاري في الكبير 4/1/236 قال : "كنانة بن عباس بن مرداس عن أبيه .
روى عنه ابنه" .
وبنحو ذلك ترجمه ابن أبي حاتم 3/2/169 .
ولم يذكرا فيه جرحا ولم يسميا ابنه .
وبنحو هذا ذكره ابن حبان في الثقات ص : / 317 ولم يسم ابنه أيضًا .
ثم ذكره في كتاب المجروحين في الورقة : 192 قال : "كنانة بن العباس بن مرداس السلمي يروي عن أبيه روى عنه ابنه : منكر الحديث جدا فلا أدري : التخليط في حديثه منه ، أو من ابنه؟
أو من أيهما كان فهو ساقط الاحتجاج بما روى لعظم ما أتى من المناكير عن المشاهير"!!
هكذا قال ابن حبان مهولا في غير موضع التهويل!
فما ذكر العلماء الحفاظ لكنانة غير هذا الحديث الواحد .
وما هو بمنكر المعنى وإن كان الإسناد إليه فيه ضعف بجهالة حال عبد الله ابن كنانة .
وكنانة هذا قال فيه ابن مندة : "يقال إن لكنانة صحبة" ولذلك ذكره الحافظ في الإصابة 5 : 318 في القسم الثاني ممن لهم رؤية وأشار إلى خطأ ابن حبان بأنه ذكره في الثقات"ثم غفل فذره في الضعفاء" .
والحديث رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند : 16276 (4 : 14- 15 حلبي) عن إبراهيم بن الحجاج الناجي .
ورواه ابن ماجه : 3013 عن أيوب بن محمد الهاشمي .
ورواه البيهقي 5 : 118 من طريق أبي داود الطيالسي -ثلاثتهم عن عبد القاهر بن السري"حدثنا عبد الله ابن كنانة بن عباس بن مرداس السلمي" - إلخ ، كما في رواية ابن ماجه .
وفي روايتي عبد الله بن أحمد والبيهقي : "حدثني ابن كنانة بن العباس بن مرداس" .
وكذلك روى أبو داود في السنن : 5234- قطعة منه ، عن عيسى بن إبراهيم البركي ، وعن أبي الوليد الطيالسي كلاهما عن عبد القاهر بن السري .
وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 2 : 127- 128 من رواية ابن ماجه ثم من رواية البيهقي .
ثم نقل عن البيهقي أنه قال : "وهذا الحديث له شواهد كثيرة ، وقد ذكرناها في كتاب البعث .
فإن صح بشواهده ففيه الحجة .
وإن لم يصح ، فقد قال الله تعالى : (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) .
وظلم بعضهم بعضا دون الشرك .
انتهى" .
وذكره السيوطي 1 : 230 ونسبه أيضًا للطبراني .
والضياء المقدسي في المختارة .
(107) الحديث : 3844 - مسلم بن حاتم أبو حاتم الأنصاري : ثقة من شيوخ أبي داود والترمذي وثقه الترمذي والطبراني .
بشار بن بكير الحنفي : لم أجد له ترجمة بعد طول البحث والتتبع ، حتى لقد ظننته محرفا لولا أن وجدته مذكورا أيضًا في إسناد هذا الحديث في الحلية لأبي نعيم .
عبد العزيز بن أبي رواد المكي : ثقة معروف بالورع والصلاح والعبادة .
ومن تكلم فيه من أجل رأيه فلا حجة له .
والحديث رواه أبو نعيم في الحلية 8 : 199 بإسنادين : من طريق أبي هشام عبد الرحيم بن هارون الغساني ومن طريق بشار بن بكير الحنفي -كلاهما عن عبد العزيز بن أبي رواد .
ثم قال : "السياق لبشار بن بكير وحديث أبي هاشم فيه اختصار .
.
.
غريب تفرد به عبد العزيز عن نافع ولم يتابع عليه" .
وذكر المنذري في الترغيب والترهيب 2 : 127 نحو معناه من حديث عبادة بن الصامت ثم قال : "رواه الطبراني في الكبير ورواته محتج بهم في الصحيح إلا أن فيهم رجلا لم يسم" .
وكذلك ذكره الهيثمي في الزوائد 3 : 256- 257 .
ثم ذكر كلاهما بعده حديثا بنحوه لأنس بن مالك ونسباه لأبي يعلى .
وقال الهيثمي : "وفيه صالح المري وهو ضعيف" وكذلك ذكرهما السيوطي 1 : 230 دون بيان تعليلهما .
قوله تعالى : ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيمفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس قيل : الخطاب للحمس ، فإنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات ، بل كانوا يقفون بالمزدلفة وهي من الحرم ، وكانوا يقولون : نحن قطين الله ، فينبغي لنا أن نعظم الحرم ، ولا نعظم شيئا من الحل ، وكانوا مع معرفتهم وإقرارهم إن عرفة موقف إبراهيم عليه السلام لا يخرجون من الحرم ، ويقفون بجمع ويفيضون منه ويقف الناس بعرفة ، فقيل لهم : أفيضوا مع الجملة .
وثم ليست في هذه الآية للترتيب وإنما هي لعطف جملة كلام هي منها منقطعة ، وقال الضحاك : المخاطب بالآية جملة الأمة ، والمراد ب الناس إبراهيم عليه السلام ، كما قال : الذين قال لهم الناس وهو يريد واحدا .
ويحتمل على هذا أن يؤمروا بالإفاضة من عرفة ، ويحتمل أن تكون إفاضة أخرى ، وهي التي من المزدلفة ، فتجيء " ثم " على هذا الاحتمال على بابها ، وعلى هذا الاحتمال عول الطبري ، والمعنى : أفيضوا من حيث أفاض إبراهيم من مزدلفة جمع ، أي ثم أفيضوا إلى منى لأن الإفاضة من عرفات قبل الإفاضة من جمع .[ ص: 396 ] قلت : ويكون في هذا حجة لمن أوجب الوقوف بالمزدلفة ، للأمر بالإفاضة منها ، والله أعلم ، والصحيح في تأويل هذه الآية من القولين القول الأول .
روى الترمذي عن عائشة قالت : كانت قريش ومن كان على دينها وهم الحمس يقفون بالمزدلفة يقولون : نحن قطين الله ، وكان من سواهم يقفون بعرفة ، فأنزل الله تعالى : ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس هذا حديث حسن صحيح ، وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت : الحمس هم الذين أنزل الله فيهم : ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس قالت : كان الناس يفيضون من عرفات ، وكان الحمس يفيضون من المزدلفة ، يقولون : لا نفيض إلا من الحرم ، فلما نزلت : أفيضوا من حيث أفاض الناس رجعوا إلى عرفات ، وهذا نص صريح ، ومثله كثير صحيح ، فلا معول على غيره من الأقوال .
والله المستعان ، وقرأ سعيد بن جبير " الناسي " وتأويله آدم عليه السلام ، لقوله تعالى : فنسي ولم نجد له عزما ، ويجوز عند بعضهم تخفيف الياء فيقول الناس ، كالقاض والهاد .
ابن عطية : أما جوازه في العربية فذكره سيبويه ، وأما جوازه مقروءا به فلا أحفظه ، وأمر تعالى بالاستغفار لأنها مواطنه ، ومظان القبول ومساقط الرحمة ، وقالت فرقة : المعنى واستغفروا الله من فعلكم الذي كان مخالفا لسنة إبراهيم في وقوفكم بقزح من المزدلفة دون عرفة .الثانية : روى أبو داود عن علي قال : فلما أصبح - يعني النبي صلى الله عليه وسلم وقف على قزح فقال : هذا قزح وهو الموقف وجمع كلها موقف ونحرت ها هنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم .
فحكم الحجيج إذا دفعوا من عرفة إلى المزدلفة أن يبيتوا بها ثم يغلس بالصبح الإمام بالناس ويقفون بالمشعر الحرام ، وقزح هو الجبل الذي يقف عليه الإمام ، ولا يزالون يذكرون الله ويدعون إلى قرب طلوع الشمس ، ثم يدفعون قبل الطلوع ، على مخالفة العرب ، فإنهم كانوا يدفعون بعد الطلوع ويقولون : أشرق ثبير ، كيما نغير ، أي كيما نقرب من التحلل فنتوصل إلى الإغارة ، وروى البخاري عن عمرو بن ميمون قال : شهدت عمر صلى بجمع الصبح ثم وقف فقال : إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون : أشرق [ ص: 397 ] ثبير ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم خالفهم فدفع قبل أن تطلع الشمس ، وروى ابن عيينة عن ابن جريج عن محمد بن مخرمة عن ابن طاوس عن أبيه أن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس ، وكانوا يدفعون من المزدلفة بعد طلوع الشمس ، فأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا وعجل هذا ، أخر الدفع من عرفة ، وعجل الدفع من المزدلفة مخالفا هدي المشركين .الثالثة : فإذا دفعوا قبل الطلوع فحكمهم أن يدفعوا على هيئة الدفع من عرفة ، وهو أن يسير الإمام بالناس سير العنق ، فإذا وجد أحدهم فرجة زاد في العنق شيئا ، والعنق : مشي للدواب معروف لا يجهل ، والنص : فوق العنق ، كالخبب أو فوق ذلك .
وفي صحيح مسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما وسئل : كيف كان يسير رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أفاض من عرفة ؟
قال : كان يسير العنق ، فإذا وجد فجوة نص .
قال هشام : والنص فوق العنق ، وقد تقدم ، ويستحب له أن يحرك في بطن محسر قدر رمية بحجر ، فإن لم يفعل فلا حرج ، وهو من منى ، وروى الثوري وغيره عن أبي الزبير عن جابر قال : دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه السكينة وقال لهم : أوضعوا في وادي محسر وقال لهم : خذوا عني مناسككم ، فإذا أتوا منى وذلك غدوة يوم النحر ، رموا جمرة العقبة بها ضحى ركبانا إن قدروا ، ولا يستحب الركوب في غيرها من الجمار ، ويرمونها بسبع حصيات ، كل حصاة منها مثل حصى الخذف - على ما يأتي بيانه - فإذا رموها حل لهم كل ما حرم عليهم من اللباس والتفث كله ، إلا النساء والطيب والصيد عند مالك وإسحاق في رواية أبي داود الخفاف عنه .
وقال عمر بن الخطاب وابن عمر : يحل له كل شيء إلا النساء والطيب ، ومن تطيب عند مالك بعد الرمي وقبل الإفاضة لم ير عليه فدية ، لما جاء في ذلك ، ومن صاد عنده بعد أن رمى جمرة العقبة وقبل أن يفيض كان عليه الجزاء .
وقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور : يحل له كل شيء إلا النساء ، وروي عن ابن عباس .الرابعة : ويقطع الحاج التلبية بأول حصاة يرميها من جمرة العقبة ، وعلى هذا أكثر أهل العلم بالمدينة وغيرها ، وهو جائز مباح عند مالك ، والمشهور عنه قطعها عند زوال الشمس من يوم عرفة ، على ما ذكر في موطئه عن علي ، وقال : هو الأمر عندنا .[ ص: 398 ] قلت : والأصل في هذه الجملة من السنة ما رواه مسلم عن الفضل بن عباس ، وكان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا : عليكم بالسكينة وهو كاف ناقته حتى دخل محسرا ( وهو من منى ) قال : عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة ، وقال : لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة .
في رواية : والنبي صلى الله عليه وسلم يشير بيده كما يخذف الإنسان ، وفي البخاري عن عبد الله أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ، ورمى بسبع وقال : هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة صلى الله عليه وسلم وروى الدارقطني عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا رميتم وحلقتم وذبحتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء وحل لكم الثياب والطيب ، وفي البخاري عن عائشة قالت : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين ، حين أحرم ، ولحله حين أحل قبل أن يطوف ، وبسطت يديها ، وهذا هو التحلل الأصغر عند العلماء .
والتحلل الأكبر : طواف الإفاضة ، وهو الذي يحل النساء وجميع محظورات الإحرام وسيأتي ذكره في سورة " الحج " إن شاء الله تعالى .
{ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } أي: ثم أفيضوا من مزدلفة من حيث أفاض الناس, من لدن إبراهيم عليه السلام إلى الآن، والمقصود من هذه الإفاضة كان معروفا عندهم, وهو رمي الجمار, وذبح الهدايا, والطواف, والسعي, والمبيت بـ " منى " ليالي التشريق وتكميل باقي المناسك.
ولما كانت هذه الإفاضة, يقصد بها ما ذكر, والمذكورات آخر المناسك, أمر تعالى عند الفراغ منها باستغفاره والإكثار من ذكره، فالاستغفار للخلل الواقع من العبد, في أداء عبادته وتقصيره فيها، وذكر الله شكر الله على إنعامه عليه بالتوفيق لهذه العبادة العظيمة والمنة الجسيمة.
وهكذا ينبغي للعبد, كلما فرغ من عبادة, أن يستغفر الله عن التقصير, ويشكره على التوفيق, لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة, ومن بها على ربه, وجعلت له محلا ومنزلة رفيعة, فهذا حقيق بالمقت, ورد الفعل، كما أن الأول, حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال أخر.
قوله تعالى : ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) قال أهل التفسير كانت قريش وحلفاؤها ومن دان بدينها وهم الحمس يقفون بالمزدلفة ويقولون نحن أهل الله وقطان حرمه فلا نخلف الحرم ولا نخرج منه ويتعظمون أن يقفوا مع سائر العرب بعرفات وسائر الناس كانوا يقفون بعرفات فإذا أفاض الناس من عرفات أفاض الحمس من المزدلفة فأمرهم الله أن يقفوا بعرفات ويفيضوا منها إلى جمع مع سائر الناس وأخبرهم أنه سنة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وقال بعضهم خاطب به جميع المسلمين وقوله تعالى ( من حيث أفاض الناس ) من جمع أي ثم أفيضوا من جمع إلى منى وقالوا لأن الإفاضة من عرفات قبل الإفاضة من جمع فكيف يسوغ أن يقول فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ثم أفيضوا من عرفات والأول قول أكثر أهل التفسير وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره : فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام وقيل ثم بمعنى الواو أي وأفيضوا كقوله تعالى : " ثم كان من الذين آمنوا " ( 17 - البلد ) وأما الناس فهم العرب كلهم غير الحمس وقال الكلبي : هم أهل اليمن وربيعة وقال الضحاك : الناس هاهنا إبراهيم عليه السلام وحده كقوله تعالى " أم يحسدون الناس " ( 54 - النساء ، وأراد محمدا صلى الله عليه وسلم وحده ، ويقال هذا الذي يقتدى به ويكون لسان قومه وقال الزهري : الناس هاهنا آدم عليه السلام وحده دليله قراءة سعيد بن جبير ثم أفيضوا من حيث أفاض الناسي بالياء ، ويقال هو آدم نسي عهد الله حين أكل من الشجرة أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال : سئل أسامة وأنا جالس كيف كان يسير رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حين دفع قال كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص ، قال هشام : والنص فوق العنق أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا إبراهيم بن سويد حدثني عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب قال أخبرني سعيد بن جبير مولى والبة الكوفي حدثني ابن عباس أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجرا شديدا وضربا للإبل فأشار بسوطه إليهم وقال أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع ، ( واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ) "
«ثم أفيضوا» يا قريش «من حيث أفاض الناس» أي من عرفة بأن تقفوا بها معهم وكانوا يقفون بالمزدلفه ترفعا عن الوقوف معهم وثم للترتيب في الذكر «واستغفروا الله» من ذنوبكم إن الله غفور» للمؤمنين «رحيم» بهم.
وليكن اندفاعكم من "عرفات" التي أفاض منها إبراهيم عليه السلام مخالفين بذلك من لا يقف بها من أهل الجاهلية، واسألوا الله أن يغفر لكم ذنوبكم.
إن الله غفور لعباده المستغفرين التائبين، رحيم بهم.
وبعد أن تحدث - سبحانه - عن الإِفاضة من عرفة إلى المزدلفة وأمر بالإِكثار من ذكره ، عقب ذلك ببيان الطريقة المثلى للإِفاضة فقال : ( ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس واستغفروا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) :أي : أفيضوا من عرفة لا من المزدلفة .وهناك قولان في المخاطب بهذه الآية .أحدهما : أن الخطاب فيها لقريش وحلفائها ، وذلك لأنهم كانوا يترفعون على الناس ، فلا يقفون معهم على عرفات ، وإنما يقفون وحدهم بالمزدلفة ، وكانوا يقولون : نحن قطين الله - أي سكان حرمه فينبغي لنا أن نعظم الحرم - وهو المزدلفة - ولا نعظم شيئاً من الحل - وهو عرفات - .أحدهما : أن الخطاب فيها لقريش وحلفائها ، وذلك لأنهم كانوا يترفعون على الناس ، فلا يقفون معهم على عرفات ، وإنما يقفون وحدهم بالمزدلفة ، وكانوا يقولون : نحن قطين الله - أي سكان حرمه فينبغي لنا أن نعظم الحرم - وهو المزدلفة - ولا نعظم شيئاً من الحل - وهو عرفات - .روى البخاري عن عائشة - رضي الله عنها - قالت ، كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة ، وكانوا يسمون الحمس ، وكان سائر العرب يقفون بعرفات ، فلما جاء الإِسلام أمر الله - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله : ( ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس ) .والمعنى : أفيضوا يا معشر قريش من المكان الذي يفيض منه الناس وهو عرفة ، واتركوا ما تفعلونه من الإِفاضة من المزدلفة ، فالمقصود إبطال ما كانت تفعله قريش .والثاني : أن الخطاب في الآية لجميع الناس ، أمرهم الله - تعالى - فيه أن يفيضوا من حيث أفاض الناس .والمراد بالناس في الآية إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام -فإن سنتهما كانت الإِفاضة من عرفة لا من المزدلفة .قال بعضهم : وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيساً يقتدى به كما في قوله - تعالى - : ( الذين قَالَ لَهُمُ الناس ) يعني " نعيم بن مسعود " .والذي نراه أن القول الثاني أولى بالقبول ، لأن المغزى الذي تهدف إليه الآية في معناها الخاص والعام هو دعوة الناس جميعاً إلى التجمع في مكان واحد ليشعروا بالإِخاء والمساواة عند أدائهم لفريضة الحج بدون تفرقة بين كبير وصغير ، وغني وفقير ، وقرشي وغير قرشي ، ويدخل في النهي دخولا أولياً تلبك الحالة التي كانت عليها قريش .
وقد قال العلماء : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .و " ثم " للتفاوت المعنوي بين الإِفاضتين - إي الإِفاضة من عرفات والإِفاضة من مزدلفة - لبيان البعد بينهما ، إذ أن إحداهما صواب والأخرى خطأ .أي : لا تفيضوا من المزدلفة لأنه خطأ جسيم ، واجعلوا أفاضتكم من عرفات لأن هذا العمل هو الصواب الذي يحبه الله ويرضاه .وقوله : ( واستغفروا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) معطوف على ( أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس ) أي : استغفروا الله من ذنوبكم ومما سلف منكم من أخطاء فإن المؤمن كلما قويت روحه ، وصفت نفسه أحس بأنه مقصر أمام نعم خالقه التي لا تحصى ، ومن أكثر من التوبة والاستغفار غفر الله له ما فرط منه ، لأنه - سبحانه - كثير الغفران ، واسع الرحمة .
فيه قولان الأول: المراد به الإفاضة من عرفات، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فالأكثرون منهم ذهبوا إلى أن هذه الآية أمر لقريش وحلفائها وهم الحمس، وذلك أنهم كانوا لا يتجاوزون المزدلفة ويحتجون بوجوه: أحدها: أن الحرم أشرف من غيره فوجب أن يكون الوقوف به أولى.
وثانيها: أنهم كانوا يترفعون على الناس ويقولون: نحن أهل الله فلا نحل حرم الله.
وثالثها: أنهم كانوا لو سلموا أن الموقف هو عرفات لا الحرم، لكان ذلك يوهم نقصاً في الحرم ثم ذلك النقص كان يعود إليهم، ولهذا كان الحمس لا يقفون إلا في المزدلفة، فأنزل الله تعالى هذه الآية أمراً لهم بأن يقفوا في عرفات، وأن يفيضوا منها كما تفعله سائر الناس، وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام لما جعل أبا بكر أميراً في الحج أمره بإخراج الناس إلى عرفات، فلما ذهب مر على الحمس وتركهم فقالوا له: إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك فلا تذهب، فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر الله إلى عرفات ووقف بها، وأمر سائر الناس بالوقوف بها، وعلى هذا التأويل فقوله: ﴿ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس ﴾ يعني لتكن إفاضتكم من حيث أفاض سائر الناس الذين هم واقفون بعرفات، ومن القائلين بأن المراد بهذه الآية الإفاضة من عرفات من يقول قوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ ﴾ أمر عام لكل الناس، وقوله: ﴿ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس ﴾ المراد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فإن سنتهما كانت الإفاضة من عرفات، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقف في الجاهلية بعرفة كسائر الناس، ويخالف الحمس، وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيساً يقتدي به، وهو كقوله تعالى: ﴿ الذين قَالَ لَهُمُ الناس ﴾ يعني نعيم بن مسعود ﴿ إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ ﴾ يعني أبا سفيان، وإيقاع اسم الجمع على الواحد المعظم مجاز مشهور، ومنه قوله: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةِ القدر ﴾ وفي الآية وجه ثالث ذكره القفال رحمه الله، وهو أن يكون قوله: ﴿ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس ﴾ عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفة وأنه هو الأمر القديم وما سواه فهو مبتدع محدث كما يقال: هذا مما فعله الناس قديماً، فهذا جملة الوجوه في تقرير مذهب من قال: المراد من هذه الإفاضة من عرفات.
القول الثاني: وهو اختيار الضحاك: أن المراد من هذه الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر وقوله: ﴿ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ﴾ المراد بالناس إبراهيم وإسماعيل وأتباعهما، وذلك أنه كانت طريقتهم الإفاضة من المزدلفة قبل طلوع الشمس على ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، والعرب الذين كانوا واقفين بالمزدلفة كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس، فالله تعالى أمرهم بأن تكون إفاضتهم من المزدلفة في الوقت الذي كان يحصل فيه إفاضة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام واعلم أن على كل واحد من القولين إشكالاً: أما الإشكال على القول الأول: فهو أن قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس ﴾ يقتضي ظاهره أن هذه الإفاضة غير ما دل عليه قوله: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات ﴾ لمكان ﴿ ثُمَّ ﴾ فإنها توجب الترتيب، ولو كان المراد من هذه الآية: الإفاضة من عرفات، مع أنه معطوف على قوله: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات ﴾ كان هذا عطفاً للشيء على نفسه وأنه غير جائز ولأنه يصير تقدير الآية: فإذا أفضتم من عرفات، ثم أفيضوا من عرفات وإنه غير جائز.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: هذه الآية متقدمة على ما قبلها، والتقدير: فاتقون يا أولي الألباب، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم، ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم، فإذا أفضتم من عرفات فذكروا الله، وعلى هذا التريتب يصح في هذه الإفاضة أن تكون تلك بعينها.
قلنا: هذا وإن كان محتملاً إلا أن الأصل عدمه، وإذا أمكن حمل الكلام على القول الثاني من غير التزام إلى ما ذكرتم فأي حاجة بنا إلى التزامه.
وأما الإشكال على القول الثاني: فهو أن القول لا يتمشى إلا إذا حملنا لفظ ﴿ من حيث ﴾ في قوله: ﴿ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس ﴾ على الزمان، وذلك غير جائز، فإنه مختص بالمكان لا بالزمان.
أجاب القائلون بالقول الأول: عن ذلك السؤال بأن ﴿ ثُمَّ ﴾ هاهنا على مثال ما في قوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ ﴾ أي كان مع هذا من المؤمنين، ويقول الرجل لغيره: قد أعطيتك اليوم كذا وكذا، ثم أعطيتك أمس كذا فإن فائدة كلمة ﴿ ثُمَّ ﴾ هاهنا تأخر أحد الخبرين عن الآخر، لا تأخر هذا المخبر عنه عن ذلك المخبر عنه.
وأجاب القائلون بالقول الثاني: بأن التوقيت بالزمان والمكان يتشابهان جداً فلا يبعد جعل اللفظ المستعمل في أحدهما مستعملاً في الآخر على سبيل المجاز.
أما قوله: ﴿ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس ﴾ فقد ذكرنا أن المراد من ﴿ الناس ﴾ إما الواقفون بعرفات وإما إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام وأتباعهما، وفيه قول ثالث وهو قول الزهري.
أن المراد بالناس في هذه الآية: آدم عليه السلام، واحتج بقراءة سعيد بن جبير ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس ﴾ وقال: هو آدم نسي ما عهد إليه، ويروى أنه قرأ ﴿ الناس ﴾ بكسر السين اكتفاء بالكسرة عن الياء، والمعنى: أن الإفاضة مع عرفات شرع قديم فلا تتركوه.
أما قوله تعالى: ﴿ واستغفروا الله ﴾ فالمراد منه الاستغفار باللسان مع التوبة بالقلب، وهو أن يندم على كل تقصير منه في طاعة الله ويعزم على أن لا يقصر فيما بعد، ويكون غرضه في ذلك تحصيل مرضات الله تعالى لا لمنافعه العاجلة كما أن ذكر الشهادتين لا ينفع إلا والقلب حاضر مستقر على معناهما، وأما الإستغفار باللسان من غير حصول التوبة بالقلب فهو إلى الضرر أقرب.
فإن قيل: كيف أمر بالإستغفار مطلقاً، وربما كان فيهم من لم يذنب فحينئذ لا يحتاج إلى الاستغفار.
والجواب: أنه إن كان مذنباً فالإستغفار واجب، وإن لم يذنب إلا أنه يجوز من نفسه أنه قد صدر عنه تقصير في أداء الواجبات، والاحتراز عن المحظورات، وجب عليه الإستغفار أيضاً تداركاً لذلك الخلل المجوز، وإن قطع بأنه لم يصدر عنه ألبتة خلل في شيء من الطاعات، فهذا كالممتنع في حق البشر، فمن أين يمكنه هذا القطع في عمل واحد، فكيف في أعمال كل العمر، إلا أن بتقدير إمكانه فالإستغفار أيضاً واجب، وذلك لأن طاعة المخلوق لا تليق بحضرة الخالق، ولهذا قالت الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، فكان الإستغفار لازماً من هذه الجهة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة».
وأما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ قد علمت أن غفوراً يفيد المبالغة، وكذا الرحيم، ثم في الآية مسألتان: المسألة الأولى: هذه الآية تدل على أنه تعالى يقبل التوبة من التائب، لأنه تعالى لما أمر المذنب بالإستغفار، ثم وصف نفسه بأنه كثير الغفران كثير الرحمة، فهذا يدل قطعاً على أنه تعالى يغفر لذلك المستغفر، ويرحم ذلك الذي تمسك بحبل رحمته وكرمه.
المسألة الثانية: اختلف أهل العلم في المغفرة الموعودة في هذه الآية فقال قائلون: إنها عند الدفع من عرفات إلى الجمع، وقال آخرون: إنها عند الدفع من الجمع إلى منى، وهذا الاختلاف مفرع على ما ذكرنا أن قوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ ﴾ على أي الأمرين يحمل؟
قال القفال رحمه الله: ويتأكد القول الثاني بما روى نافع عن ابن عمر، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية يوم عرفة فقال: يا أيها الناس إن الله عز وجل يطلع عليكم في مقامكم هذا، فقبل من محسنكم ووهب مسيئكم لمحسنكم، والتبعات عوضها من عنده أفيضوا على اسم الله فقال أصحابه: يا رسول الله أفضت بنا بالأمس كئيباً حزيناً وأفضت بنا اليوم فرحاً مسروراً، فقال عليه الصلاة والسلام: «إني سألت ربي عز وجل بالأمس شيئاً لم يجد لي به: سألته التبعات فأبى علي به فلما كان اليوم أتاني جبريل عليه السلام فقال: إن ربك يقرئك السلام ويقول لك: التبعات ضمنت عوضها من عندي اللهم اجعلنا من أهله بفضلك يا أكرم الأكرمين».
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ ﴾ عطاء منه وتفضلاً، وهو النفع والربح بالتجارة، وكان ناس من العرب يتأثمون أن يتجروا أيام الحج، وإذا دخل العشر كفوا عن البيع والشراء فلم تقم لهم سوق، ويسمون من يخرج بالتجارة الداجّ.
ويقولون هؤلاء الداج وليسوا بالحاج.
وقيل: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يتجرون فيها في أيام الموسم.
وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثموا، فرفع عنهم الجناح في ذلك وأبيح لهم، وإنما يباح ما لم يشغل عن العبادة، وعن ابن عمر رضي الله عنه: أن رجلاً قال له: إنا قوم نكري في هذا الوجه وإن قوماً يزعمون أن لا حج لنا، فقال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سألت فلم يردّ عليه، حتى نزل ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ﴾ فدعا به فقال: أنتم حجاج.
وعن عمر رضي الله عنه أنه قيل له: هل كنتم تكرهون التجارة في الحج؟
فقال: وهل كانت معايشنا إلا من التجارة في الحج.
وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ فضلاً من ربكم في مواسم الحج ﴾ .
(أَنْ تبتغوا) في أن تبتغوا ﴿ أَفَضْتُمْ ﴾ دفعتم بكثرة، وهو من إفاضة الماء وهو صبه بكثرة، وأصله أفضتم أنفسكم، فترك ذكر المفعول كما ترك في دفعوا من موضع كذا وصبوا.
وفي حديث أبي بكر رضي الله عنه: «صب في دقران وهو يخرش بعيره بمحجنه» ويقال: أفاضوا في الحديث وهضبوا فيه.
و ﴿ عرفات ﴾ علم للموقف سمي بجمع كأذرعات.
فإن قلت: هلا مُنعت الصرف وفيها السببان: التعريف والتأنيث؟
قلت: لا يخلو من التأنيث إما أن يكون بالتاء التي في لفظها، وإما بتاء مقدرة كما في سعاد؛ فالتي في لفظها ليست للتأنيث، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث ولا يصح تقدير التاء فيها، لأنّ هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها كما لا يقدر تاء التأنيث في بنت لأن التاء التي هي بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث فأبت تقديرها.
وقالوا: سميت بذلك لأنها وصفت لإبراهيم عليه السلام فلما أبصرها عرفها.
وقيل: إن جبريل حين كان يدور به في المشاعر أراه إياها فقال: قد عرفت.
وقيل: التقى فيها آدم وحوّاء فتعارفا.
وقيل: لأنّ الناس يتعارفون فيها والله أعلم بحقيقة ذلك، وهي من الأسماء المرتجلة لأنّ العرفة لا تعرف في أسماء الأجناس إلا أن تكون جمع عارف.
وقيل: فيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة لأنّ الإفاضة لا تكون إلا بعده.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج» ﴿ فاذكروا الله ﴾ بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات.
وقيل: بصلاة المغرب والعشاء.
و ﴿ المشعر الحرام ﴾ قزح، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة.
وقيل: المشعر الحرام: ما بين جبل المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام.
والصحيح أنه الجبل، لما روى جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلّى الفجر يعني بالمزدلفة بغلس، ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل، ولم يزل واقفاً حتى أسفر.
وقوله تعالى: ﴿ عِندَ المشعر الحرام ﴾ معناه مما يلي المشعر الحرام قريباً منه، وذلك للفضل، كالقرب من جبل الرحمة، وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر.
أو جعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به عند المشعر.
والمشعر: المعلم، لأنه معلم العبادة.
ووصف بالحرم لحرمته.
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال: لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون.
وقيل: سميت المزدلفة وجمعاً: لأنّ آدم صلوات الله عليه اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها، أي دنا منها.
وعن قتادة: لأنه يجمع فيها بين الصلاتين.
ويجوز أن يقال: وصفت بفعل أهلها، لأنهم يزدلفون إلى الله أي يتقرّبون بالوقوف فيها ﴿ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ ما مصدرية أو كافة.
والمعنى: واذكروهُ ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة أواذكروه كما علمكم كيف تذكرونه، لا تعدلوا عنه ﴿ وَإِن كُنتُمْ مّن قَبْلِهِ ﴾ من قبل الهدى ﴿ لَمِنَ الضالين ﴾ الجاهلين، لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه.
وإِن هي مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ ﴾ ثم لتكن إفاضتكم ﴿ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس ﴾ ولا تكن من المزدلفة.
وذلك لما كان عليه الحمس من الترفع على الناس والتعالي عليهم وتعظمهم عن أن يساووهم في الموقف.
وقولهم: نحن أهل الله وقطان حرمه فلا تخرج منه، فيقفون بجمع وسائر الناس بعرفات؟
فإن قلت: فكيف موقع ثم؟
قلت: نحو موقعها في قولك: أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم، تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، والإحسان إلى غيره وبُعد ما بينهما؛ فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات قال: ثم أفيضوا لتفاوت ما بين الإفاضتين، وأن إحداهما صواب والثانية خطأ.
وقيل: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس وهم الحمس، أي من المزدلفة إلى منى بعد الإفاضة من عرفات.
وقرئ: ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ بكسر السين أي الناسي وهو آدم، من قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى آد م مِن قَبْلُ فَنَسِىَ ﴾ [طه: 115] يعني أن الإفاضة من عرفات شرع قديم فلا تخالفوا عنه ﴿ واستغفروا الله ﴾ من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم ﴾ أي فإذا فرغتم من عباداتكم الحجية ونفرتم ﴿ فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ ﴾ فأكثروا ذكر الله وبالغوا فيه كما تفعلون في ذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم.
وكانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا بين المسجد بمنى وبين الجبل، فيعدّدون فضائل آبائهم ويذكرون محاسن أيامهم.
﴿ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ في موضع جر عطف على ما أضيف إليه الذكر في قوله ﴿ كَذِكْرِكُمْ ﴾ كما تقول كذكر قريش آباءهم، أو قوم أشدّ منهم ذكراً.
أو في موضع نصب عطف على آباءكم، بمعنى أو أشدّ ذكراً من آبائكم، على أن ذكراً من فعل المذكور ﴿ فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ﴾ معناه أكثروا ذكر الله ودعاءه فإنّ الناس من بين مقل لا يطلب بذكر الله إلا أعراض الدنيا، ومكثر يطلب خير الدارين، فكونوا من المكثرين ﴿ آتنا فِي الدنيا ﴾ اجعل إيتاءنا أي إعطاءنا في الدنيا خاصة ﴿ وَمَا لَهُ فِي الاخرة مِنْ خلاق ﴾ أي من طلب خلاقي وهو النصيب.
أو ما لهذا الداعي في الآخرة من نصيب، لأنّ همه مقصور على الدنيا.
والحسنتان ما هو طلبةُ الصالحين في الدنيا من الصحة والكفاف والتوفيق في الخير، وطلبتهم في الآخرة من الثواب.
وعن علي رضي الله عنه: الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء.
وعذاب النار: امرأة السوء.
﴿ أولئك ﴾ الداعون بالحسنتين ﴿ لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ ﴾ أي نصيب من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة، وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة.
أو من أجل ما كسبوا، كقوله: ﴿ مما خطيئاتهم أغرقوا ﴾ [نوح: 25] .
أو لهم نصيب مما دعوا به نعطيهم منه ما يستوجبونه بحسب مصالحهم في الدنيا واستحقاقهم في الآخرة.
وسمى الدعاء كسباً لأنه من الأعمال، والأعمال موصوفة بالكسب: بما كسبت أيديكم.
ويجوز أن يكون (أولئك) للفريقين جميعاً، وأن لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا ﴿ والله سَرِيعُ الحساب ﴾ يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد.
فبادروا إكثار الذكر وطلب الآخرة، أو وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدلّ على كمال قدرته ووجوب الحذر منه.
روي: أنه يحاسب الخلق في قدر حلب شاة.
وروى في مقدار فواق ناقة.
وروي في مقدار لمحة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ ﴾ أيْ مِن عَرَفَةَ لا مِنَ المُزْدَلِفَةِ، والخِطابُ مَعَ قُرَيْشٍ كانُوا يَقِفُونَ بِجَمْعٍ وسائِرُ النّاسِ بِعَرَفَةَ ويَرَوْنَ ذَلِكَ تَرَفُّعًا عَلَيْهِمْ، فَأُمِرُوا بِأنْ يُساوُوهم.
و ﴿ ثُمَّ ﴾ لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ الإفاضَتَيْنِ كَما في قَوْلِكَ: أحْسِنْ إلى النّاسِ ثُمَّ لا تُحْسِنْ إلى غَيْرِ كَرِيمٍ.
وقِيلَ: مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى بَعْدَ الإفاضَةِ مِن عَرَفَةَ إلَيْها والخِطابُ عامٌّ.
وقُرِئَ « النّاسِ» بِالكَسْرِ أيِ النّاسِي يُرِيدُ آدَمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ فَنَسِيَ ﴾ والمَعْنى أنَّ الإفاضَةَ مِن عَرَفَةَ شَرْعٌ قَدِيمٌ فَلا تُغَيِّرُوهُ.
﴿ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ﴾ مِن جاهِلِيَّتِكم في تَغْيِيرِ المَناسِكِ ونَحْوِهِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ يَغْفِرُ ذَنْبَ المُسْتَغْفِرِ ويُنْعِمُ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
{ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس} ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس ولا تكن من المزدلفة قالوا هذا أمر لقريش بالإفاضة من عرفات إلى جمع وكانوا يقفون بجمع وسائر الناس بعرفات ويقولون نحن قطان حرمه فلا نخرج منه وقيل الإفاضة من عرفات مذكورة فهي الإفاضة من جمع إلى منى والمراد بالناس على هذا الحمس ويكون الخطاب للمؤمنين {واستغفروا الله} من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم أو من تقصيركم في أعمال الحج {إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} بكم
﴿ ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ ﴾ أيْ: مِن عَرَفَةَ لا مِنَ المُزْدَلِفَةِ، والخِطابُ عامٌّ، والمَقْصُودُ إبْطالُ ما كانَ عَلَيْهِ الحِمْسُ مِنَ الوُقُوفِ بِجَمْعٍ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ «عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْ: كانَتْ قُرَيْشٌ ومَن دانَ دِينَها يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ، وكانُوا يُسَمُّونَ الحِمْسُ، وكانَتْ سائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أمَرَ اللَّهُ - تَعالى - نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَأْتِيَ عَرَفاتٍ ثُمَّ يَقِفُ بِها ثُمَّ يَفِيضُ مِنها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ أفِيضُوا ﴾ الآيَةَ،» ومَعْناها ﴿ ثُمَّ أفِيضُوا ﴾ أيُّها الحُجّاجُ مِن مَكانٍ أفاضَ جِنْسُ النّاسِ مِنهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا، وهو عَرَفَةُ لا مِن مُزْدَلِفَةَ، وجَعْلُ الضَّمِيرِ عِبارَةً عَنِ الحِمْسِ يَلْزَمُ مِنهُ بَتْرُ النَّظْمِ؛ إذِ الضَّمائِرُ السّابِقَةُ واللّاحِقَةُ كُلُّها عامَّةٌ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا أفَضْتُمْ ﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ التَّعْرِيضَ كانَتْ في قُوَّةٍ، ثُمَّ لا تُفِيضُوا مِنَ المُزْدَلِفَةِ، وأتى بِـ ( ثُمَّ ) إيذانًا بِالتَّفاوُتِ بَيْنَ الإفاضَتَيْنِ في الرُّتْبَةِ، بِأنَّ إحْداهُما صَوابٌ والأُخْرى خَطَأٌ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ أنَّ التَّفاوُتَ إنَّما يُعْتَبَرُ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ لا بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وما دَخَلَهُ حَرْفُ النَّفْيِ مِنَ المَعْطُوفِ؛ لِأنَّ الحَصْرَ مَمْنُوعٌ، وكَذا لا يَضُرُّ انْفِهامُ التَّفاوُتِ مِن كَوْنِ أحَدِهِما مَأْمُورًا بِهِ، والآخَرِ مَنهِيًّا عَنْهُ كَيْفَما كانَ العَطْفُ؛ لِأنَّ المُرادَ أنَّ كَلِمَةَ ( ثُمَّ ) تُؤْذِنُ بِذَلِكَ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَعَلُّقِ الأمْرِ والنَّهْيِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ( فاذكروا ) ويُعْتَبَرُ التَّفاوُتُ بَيْنَ الإفاضَتَيْنِ أيْضًا كَما في السّابِقِ بِلا تَفاوُتٍ، وبَعْضُهم جَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أفِيضُوا إلى مِنًى، ﴿ ثُمَّ أفِيضُوا ﴾ إلَخْ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، كالقَوْلِ بِأنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ ( لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكم، ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ، فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكَرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرام، واستغفروا ) وإذْ أُرِيدَ بِالمُفاضِ مِنهُ المُزْدَلِفَةُ وبِالمُفاضِ إلَيْهِ مِنًى - كَما قالَ الجِبّائِيُّ - بَقِيَتْ كَلِمَةُ ( ثُمَّ ) عَلى ظاهِرِها؛ لِأنَّ الإفاضَةَ إلى مِنًى بَعِيدَةٌ عَنِ الإفاضَةِ مِن ( عَرَفاتٍ )؛ لِأنَّ الحاجَّ إذا أفاضُوا مِنها عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةَ يَجِيئُونَ إلى المُزْدَلِفَةِ لَيْلَةَ النَّحْرِ ويَبِيتُونَ بِها، فَإذا طَلَعَ الفَجْرُ وصَلَّوْا بِغَلَسٍ ذَهَبُوا إلى قُزَحٍ فَيَرْقَوْنَ فَوْقَهُ أوْ يَقِفُونَ بِالقُرْبِ مِنهُ، ثُمَّ يَذْهَبُونَ إلى وادِي مُحَسِّرٍ، ثُمَّ مِنهُ إلى مِنًى، والخِطابُ عَلى هَذا عامٌّ بِلا شُبْهَةَ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ الجِنْسُ كَما هو الظّاهِرُ؛ أيْ: مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ كُلُّهم قَدِيمًا وحَدِيثًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وسُمِّيَ ناسًا؛ لِأنَّهُ كانَ إمامًا لِلنّاسِ، وقِيلَ: المُرادُ هو وبَنُوهُ، وقُرِئَ: ( النّاسِ ) بِالكَسْرِ؛ أيِ: النّاسِي، والمُرادُ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى في حَقِّهِ: ﴿ فَنَسِيَ ﴾ وكَلِمَةُ ثُمَّ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِلْإشارَةِ إلى بَعْدِ ما بَيْنَ الإفاضَةِ مِن عَرَفاتٍ والمُخالَفَةِ عَنْها، بِناءً عَلى أنَّ مَعْنى ﴿ ثُمَّ أفِيضُوا ﴾ عَلَيْها ثُمَّ لا تُخالِفُوا عَنْها لِكَوْنِها شَرْعًا قَدِيمًا، كَذا قِيلَ فَلْيُتَدَبَّرْ.
﴿ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ﴾ مِن جاهِلِيَّتِكم في تَغْيِيرِ المَناسِكِ ونَحْوِهِ ﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ ﴿رَحِيمٌ 199﴾ بِهِمْ مُنْعِمٌ عَلَيْهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، قرأ الشعبي: وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ بالضم على معنى الابتداء، وقرأ العامة وَالْعُمْرَةَ بالنصب على معنى البناء.
قال ابن عباس: تمام العمرة إلى البيت، وتمام الحج إلى آخر الحج.
وقال مقاتل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ من المواقيت، ولا تستحلوا فيهما ما لا ينبغي لكم وذلك أنهم كانوا يشركون في إحرامهم.
ومعنى قول مقاتل: أنهم كانوا يشركون فيقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.
فقال: وأتموهما ولا تخلطوا بهما شيئاً آخر.
ثم خوَّفهم فقال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ، فيما تعديتم.
ثم قال عز وجل: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ، أي حبستم عن البيت بعد ما أحرمتم.
وقال القتبي: الإحصار هو أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مرض أو كسر أو عدو.
وقال الفراء: الإحصار ما ابتلي به الرجل في إحرامه من المرض أو العدو وغيره.
وقال بعضهم: لا يكون الإحصار إلا من العدو.
وقال بعضهم: يكون من العدو وغيره، وبه قال علماؤنا رحمهم الله.
ثم قال: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، أي ابعثوا إلى البيت ما استيسر من الهدي، والله تعالى رخص لمن عجز عن الوصول إلى البيت بالعدو أن يبعث الهدي، فينزع عنه بمكة، ويحل الرجل من إحرامه إذا ذبح هديه، ويرجع إلى أهله، ثم يقضي حجه وعمرته بعد ذلك.
ثم قال تَعَالَيْ: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، يعني المحصر إذا بعث بالهدي، لا يجوز له أن يحل من إحرامه ما لم يذبح هديه.
يقول: لا يحلق رأسه، حتى يكون اليوم الذي واعده فيه، ويعلم أن هديه قد ذبح.
ثم صار هذا أصلاً لجميع الحجاج من كان قارناً أو متمتعاً، لا يجوز له أن يحلق رأسه إلا بعد أن يذبح هديه وإن لم يكن محصراً.
ثم قال تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ، يعني إذا حلق رأسه على وجه الإضمار مثل قوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 184] يعني إذا كان أفطر.
وروي عن كعب بن عجرة أنه قال: فيَّ نزلت هذه الآية.
وذلك أن النبيّ مر بي والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «أيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» فقلت: نعم.
فأمر بي بأن أحلق رأسي فقال: «احْلِقْ رَأْسَكَ، وَأَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِين، لِكُلِّ مسكين نصف صاع من حِنْطَةٍ، أَوْ صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَنْسِكْ نَسِيكَةً» يعني اذبح شاة، فنزلت هذه الآية: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ، أي شاة يذبحها حتى يبلغ الهدي محله.
ويروى عن عبد الرحمن الأعرج أنه قرأها: بتشديد الياء.
وواحدها هدية.
وقرأ الباقون: بالتخفيف يقال للواحدة: هدي وهدية.
ثم قال: فَإِذا أَمِنْتُمْ وهذا على سبيل الاختصار والإضمار.
ومعناه فإذا أمنتم من العدو، فاقضوا ما وجب عليكم من الحج والعمرة.
ويقال: إذا أمنتم من العدو وبرأتم من المرض، فحجوا واعتمروا.
فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، يعني فعليه ما تيسر من الهدي وللمتمتع أن يحج ويعتمر في سفرة واحدة من أشهر الحج.
والمحرمون أربعة: مفرد بالحج ومفرد بالعمرة والمتمتع والقارن، فأما المفرد بالحج أن يحج ويعتمر والمفرد بالعمرة أن يعتمر ولا يحج، وأما المتمتع أن يعتمر في أشهر الحج ويمكث بمكة حتى يحج بعد ما فرغ من عمرته، وأما القارن فهو الذي يحرم بالحج والعمرة جميعاً.
فمن كان مفرداً بالحج أو بالعمرة، فلا يجب عليه الهدي ومن كان متمتعاً أو قارناً، فعليه الهدي.
وقال عبد الله بن عمر أنه قال: الهدي: الجزور.
وقال ابن عباس: أقله شاة وبه قال علماؤنا.
ثم قال فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الهدي فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ.
قال ابن عباس: آخرها يوم عرفة.
وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ.
قال بعضهم: إذا رجعتم إلى أهليكم.
وقال بعضهم: إذا رجعتم من منى.
وقال بعضهم: إذا رجعتم إلى الأمر الأول، يعني إذا فرغتم من أمر الحج وبهذا القول نقول.
ثم قال: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ، في البدل يعني العشرة الكاملة كلها بدل من الهدي، يعني ذلِكَ الفداء لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، أي ذلك الفداء لمن لم يكن منزله في الحرم.
وقال قتادة ومقاتل: ذلك يعني التمتع لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام يعني الحرم.
وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما أمركم به ونهاكم عنه.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ إن خالفتم.
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ، أي وقت الحج أشهر معلومات وهو: شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة.
فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ قال القتبي: الفرض وجوب الشيء، يقال: فرضت عليك كذا، أي أوجبته.
قال الله تعالى: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ، أي ما ألزمتم أنفسكم، وقال: قَدْ عَلِمْنا مَا فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ [الأحزاب: 50] ، وقال تعالى: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ، أي فمن أحرم في هذه الأشهر بالحج، فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «فَلاَ رِفْثٌ وَلاَ فُسُوقٌ» بالرفع مع التنوين، والباقون بالنصب بغير تنوين.
واتفقوا في قوله: وَلا جِدالَ بالنصب غير أبي جعفر المدني فإنه قرأ بالرفع.
وهذا يقال له: لا التبرية فكل موضع يدخل فيه لا التبرية، فصاحبه بالخيار إن شاء نصبه بغير تنوين، وإن شاء ضمه بالتنوين مثل قوله: وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [البقرة: 254] .
وتفسير الرفث هو الجماع كقوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [البقرة: 187] وقال بعضهم: الرفث: التعرض بذكر النساء، والفسوق: هو السباب، والجدال: أن تماري صاحبك حتى تغيظه.
أي من كان محرماً لا يجامع في إحرامه ولا يسب ولا يماري.
ويقال: الفسوق الذبح للأصنام.
كقوله تعالى: أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام: 145] ، والجدال هو أن قريشاً كانت تقف بالمزدلفة وكانوا يجادلون كل فريق يقولون: نحن أصوب سبيلاً.
وروي عن مجاهد أنه قال: قد استقر الحج في ذي الحجة، فلا جدال فيه وذلك أن المشركين كانوا يحجون عامين في ذي القعدة وعامين في ذي الحجة، فلما فتح رسول الله مكة، بعث أبا بكر ليحج بالناس فوافق ذلك آخر عام ذي القعدة فلما حج رسول الله حجة الوداع، وافق ذلك أول عام في ذي الحجة، فقال رسول الله : «ألا إن الزمان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السموات وَالأَرْضَ» .
يعني رجع أمر الحج إلى ذي الحجة كما كان، فنزل: وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ.
ثم قال: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ، يعني من ترك الفسوق والمرأة والجدال.
يَعْلَمْهُ اللَّهُ ، أي يقبله الله فيجازيكم به.
وَتَزَوَّدُوا في سفركم للحج والعمرة ما تكفون به وجوهكم عن المسألة.
فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.
قال مقاتل وذلك أن أناساً من أهل اليمن كانوا يخرجون بغير زاد، ويصيبون من أهل الطريق ظلماً، فنزلت في شأنهم وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.
وقال بعضهم: تزودوا لسفر الدنيا بالطعام، وتزودوا لسفر الآخرة بالتقوى فإن خير الزاد التقوى.
ويقال خير الزاد التقوى، هو التوكل على الله وأن لا يؤذي أحدٌ لأجل الزاد والطعام.
ثم قال: وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ، يعني اطيعوني يا ذوي الألباب أي العقول فيما أمرتكم به.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وذلك أنهم كانوا إذا حجوا، كفوا عن التجارة وطلب المعيشة في الحج، فلم يشتروا ولم يبيعوا حتى تمضي أيام حجهم، فجعل الله تعالى لهم رخصة في ذلك فقال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ، أي لا مأثم عليكم أن تطلبوا رزقاً من ربكم من التجارة في أيام الحج.
وقال مقاتل: سئل رسول الله : عن سوق عكاظ وسوق منى وذي المجاز في الجاهلية كنا نقوم في التجارة قبل الحج وبعد الحج، فهل يصلح لنا البيع والشراء في أيام حجنا؟
فنزلت هذه الآية.
ومعنى آخر: ما روي عن عبد الله بن عمر: أن رجلاً سأله فقال: إني رجل أكري الإبل إلى مكة أفيجزيني عن حجي؟
فقال: أولست تلبي، وتقف بعرفات وترمي الجمار؟
فقال: بلى فقال: سأل رجل رسول الله عن مثل ما سألتني، فلم يجبه حتى نزلت هذه الآية: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ.
وروي عن ابن عباس نحوه.
ثم قال تعالى: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ، يقول إذا رجعتم من عرفات بعد غروب الشمس فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ، يعني بالمزدلفة.
وقال عطاء: إنما سميت عرفات، لأن جبريل كان يعلَّم إبراهيم- - أمور المناسك فكان يقول له: عرفت؟
فيقول: عرفت.
فسميت عرفات.
وقال ابن عباس: إنما سميت منى، لأن جبريل قال لآدم- عليهما السلام-: تمنَّ.
قال: أتمنى الجنة.
فسميت منى.
قال: وإنما سمي الجمع جمعاً، لأنه اجتمع فيه آدم وحواء والجمع أيضاً: هو المزدلفة وهو المشعر الحرام.
ثم قال: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ، يقول: اشكروا الله كما هداكم لدين الإسلام وَإِنْ كُنْتُمْ، أي وقد كنتم مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ عن الهدى، وكانت قريش لا تخرج من الحرم إلى عرفات، وكان الناس يقفن خارج الحرم من كان من أهل اليمن وغيرهم بعرفات، ويفيضون منها فأمر الله تعالى قريشاً أن يقفوا من حيث وقف الناس، ويفيضوا من حيث أفاض الناس فقال تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ تعالى لذنوبكم في الموقف.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ متجاوز عن ذنوبكم.
فأمر النبيّ أن يخرج بالناس جميعاً إلى عرفات فيقف بها.
وروي عن النبيّ أنه قال: «إن الله تَعَالَى يُبَاهِي مَلائِكَتَهُ بِأَهْلِ عَرَفَات وَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلى عبادي جاءوا مِنْ كُلِّ فَجَ عَمِيقٍ شُعْثاً غُبْراً.
اشْهَدُوا، أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» .
ثم قال تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ، أي فرغتم من أمر حجكم فَاذْكُرُوا اللَّهَ باللسان كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ في ذلك الموقف أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً يقول: أو أكثر ذكراً، وذلك أن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم، وقفوا بين المسجد الذي بمنى وبين الجبل، ثم ذكر كل واحد منهم أباه بما كان يعلم منه من الخير ثم يتفرقون، قال الله تعالى: فَاذْكُرُونِي بالخير كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ بالخير، فإن ذلك الخير مني.
وقال عطاء بن أبي رباح: قوله: كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ هو كقول الصبي: أبه أبه، يعني أن الصبي إذا كان أول ما يتكلم فإن أكثر قوله: أب أب.
ويقال فاذكروا الله كذكركم آباءكم لأبيكم آدم، لأنه لا أب له، بل أشد ذكراً، لأني خلقته من غير أب ولا أم وخلقتكم من الآباء والأمهات.
ثم قال تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا، وهم المشركون كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم ارزقنا إبلاً وبقراً وغنماً وعبيداً وإماءً وأموالاً، ولم يكونوا يسألون لأنفسهم التوبة ولا المغفرة، فأنزل الله تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا.
وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ، أي من نصيب.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً قال ابن عباس: يعني الشهادة والمغفرة والغنيمة وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، أي الجنة.
وقال القتبي: الحسنة النعمة كقوله: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ [التوبة: 50] ، أي نعمة.
وقال الحسن البصري: آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، أي العلم والعبادة وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، أي الجنة قال الإمام: حسنة الدنيا، ثوابك، وقوت من الحلال يكفيك، وزوجة صالحة ترضيك، وعلم إلى الحق يهديك، وعمل صالح ينجيك.
وأما حسنة الآخرة فإرضاء الخصومات، وعفو السيئات، وقبول الطاعات والنجاة من الدركات، والفوز بالدرجات وَقِنا عَذابَ النَّارِ، أي ادفع عنا عذاب النار.
أُولئِكَ، يعني المؤمنين الذين يدعون بهذا الدعاء لَهُمْ نَصِيبٌ، أي حظ مِمَّا كَسَبُوا من حجهم.
ويقال: لهم ثواب مما عملوا.
وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً كان على عهد رسول الله قال: اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة، فعجِّله لي في الدنيا فأضني الرجل في مرضه حتى نحل جسمه، فأخبر بذلك رسول الله فأتاه فأخبره بأنه كان يدعو بكذا وكذا، فقال النبيّ : «يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ بِعُقُوبَةِ الله تَعَالَى ولكن قل: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ.
فدعا بها الرجل فبرأ.
ثم قال: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ قال الكلبي: إذا حاسب فحسابه سريع.
ويقال: والله سريع الحفظ.
وقال الضحاك: يعني لا يخالطه العباد فِي الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ولا يشغله ذلك.
ويقال: يحاسب كل إنسان فيظن كل واحد منهم أنه يحاسبه خاصة.
وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
قَالُوا: «مَا رَأَيْنَا كَالأَنْصَارِ» ، وأثنوا علَيْهم خيراً.
وقوله سبحانه: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ...
الآية: قال ابن عُمَرَ وغيره:
نزلَتِ الآية في طائفةٍ من العرب، كانت تجيء إِلى الحج بلا زادٍ، ويبقون عالة على النَّاس، فأمروا بالتزوُّد «١» ، وقال بعض النَّاس: المعنى: تزوَّدوا الرفيقَ الصالحَ، وهذا تخصيصٌ ضعيفٌ، والأولى في معنى الآية: وتزوَّدوا لمعادِكُمْ من الأعمال الصالحة، قُلْتُ: وهذا التأويلُ هو الذي صَدَّر به الفخْرُ «٢» وهو الظاهرُ، وفي قوله: فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى حضّ على التقوى.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)
وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ...
الآية: الجُنَاحُ: أعم من الإثم لأنه فيما
يقتضي العقابَ، وفي ما يقتضي الزجْرَ والعتاب.
٥٠ ب وتَبْتَغُوا: معناه: تَطْلبوا، أي: لا دَرك «١» في أنْ تتجروا وتطلبوا/ الرحب.
وقوله تعالى: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ: أجمع أهْل العْلمِ على تمامِ حجِّ من وقف بعرفاتٍ بعد الزوال، وأفاض نهاراً قبل الليل إِلا مالك بن أنس، فإِنه قال: لا بدَّ أن يأخذ من الليل شيئاً، وأمَّا من وقف بعرفة ليلاً، فلا خلافَ بيْن الأمَّة في تمام حَجِّه.
وأفاض القومُ أو الجيشُ، إِذا اندفعوا جملةً، واختلف في تسميتها عرفةَ، والظاهر أنه اسم مرتجلٌ كسائر أسماء البقاع، وعرفةُ هي نَعْمَانُ الأَرَاكِ «٢» ، والمَشْعَر الحَرَامُ جمعٌ كله، وهو ما بين جبلَيِ المزدَلِفَةِ من حَدِّ مفضى مَأْزِمَي «٣» عرفَةَ إِلى بطن مُحَسِّرٍ «٤» ، قاله ابن عبَّاس وغيره «٥» ، فهي كلُّها مشعر «٦» إِلا بطن مُحَسِّرٍ كما أن عرفة كلُّها موقف إِلا بطن عُرَنَةَ «٧» بفتح الراء وضمها، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلاَّ بَطْنَ عُرَنَةَ، والمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَشْعرٌ، أَلاَ وارتفعوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ» «٨» ، وذكر هذا عبد اللَّه بن
الزُّبَيْرِ «١» في خطبته، وذِكْرُ اللَّه تعالى عند المشعر
الحرام «١» ندْبٌ عند أهل العلْم، قال مالك: ومن مَرَّ به، ولم ينزلْ، فعليه دَمٌ.
وقوله تعالى: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ تعديد للنعمة، وأمر بشكرها.
ص: كَما هَداكُمْ: الكاف للتشبيهِ، وهو في موضع نصْبٍ على النعت لمصدرٍ محذوفٍ، و «مَا» مصدريةٌ، أي: كهدايتِهِ، فتكون «مَا» وما بعدها في موضع جَرٍّ، إِذ يَنْسَبِكُ منْها مع الفعل مصْدَرٌ، ويَحتملُ أن تكون للتعليلِ على مذهب الأخفش، وابن بَرْهَانَ «٢» ، وجوَّز ابن عطيَّة وغيره، أنْ تكون «مَا» كافَّة للكاف عن العَمَل، والأول أولى «٣» لأن فيه إِقرار الكافِ على عملها الجرّ، وقد منع صاحبُ «المستوفى» «٤» أنْ تكون الكافُ مكفوفةً ب «مَا» واحتج من أثبته بقوله: [الوافر]
لَعَمْرُكَ إِنَّنِي وَأَبَا حُمَيْدٍ ...
كَمَا النِّسْوَانُ وَالرَّجُلُ الْحَلِيمُ
أُريدُ هِجَاءَهُ وَأَخَافُ رَبِّي ...
وَأَعْلَمُ أَنَّهُ عبد لئيم
«٥» انتهى.
ثم ذكّرهم سبحانه بحالِ ضلالهم ليظهر قدر إِنعامه عليهم.
وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ، أي: من قبل الهدى.
وقوله سبحانه: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ المخاطب بهذه الآيةِ قريشٌ، ومن وَلَدَتْ، قاله ابن عبَّاس وغيره «١» ، وذلك أنهم كانوا لا يخرجُونَ من الحَرَم، ويَقِفُون بجَمْعٍ، ويفيضون منْه، مع معرفته أنَّ عرفة هي موقفُ إِبراهيم، فقِيلَ لهم: أفيضُوا من حيثُ أفاضَ النَّاس، أي: من عرفة، و «ثُمَّ» ليست في هذه الآية للترتيبِ، إِنما هي لعطف جملة كلامٍ على جملة هي منها منقطعةٌ.
وقال الضَّحَّاك: المخاطب بالآيةِ جملةُ الأمَّة، والمرادُ بالناسِ إبراهيم، ويحتملُ أن تكون إِفاضةً أخرى، وهي التي من المزدلفة «٢» ، وعلى هذا عوَّل الطَبريُّ «٣» ، فتكون «ثُمَّ» على بابها، وقرأ سعيدُ بن جُبَيْر: «النَّاسِي» «٤» ، وتأوَّله آدم- عليه السلام-، وأمر عز وجل بالاستغفار لأنها مواطنه، ومظَانُّ القبولِ، ومساقطُ الرحْمَةِ، وفي الحديث أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم خَطَب عشيَّة عَرَفَةَ، فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَطَاوَلَ عَلَيْكُمْ فِي مَقَامِكُمْ هَذَا، فَقَبِلَ مِنْ مُحْسِنِكُمْ وَوَهَبَ مُسِيئَكُمْ لِمُحْسِنِكُمْ، إِلاَّ التَّبِعَاتِ فِيمَا بَيْنَكُمْ، أَفِيضُوا عَلَى اسم اللَّهِ» ، فَلَمَّا كَانَ غَدَاةَ جَمْعٍ، خَطَبَ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ تَطَاوَلَ عَلَيْكُمْ، فَعَوَّضَ التّبعات من عنده» «٥» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَتَّقُونَ البُيُوعَ والتِّجارَةَ في المَوْسِمِ، ويَقُولُونَ: أيّامُ ذِكْرٍ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
والِابْتِغاءُ: الِالتِماسُ.
والفَضْلُ هاهُنا: التِماسُ الرِّزْقِ بِالتِّجارَةِ والكَسْبِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أفَضْتُمْ، بِمَعْنى: دَفَعْتُمْ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: دَفَعْتُمْ بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: أفاضَ القَوْمُ في الحَدِيثِ: إذا انْدَفَعُوا فِيهِ، وأكْثَرُوا التَّصَرُّفَ.
وَفِي تَسْمِيَةِ عَرَفاتٍ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ جِبْرِيلَ إلى إبْراهِيمَ فَحَجَّ بِهِ، فَلَمّا أتى عَرَفاتَ قالَ: قَدْ عَرَفْتُ، فَسُمِّيَتْ "عَرَفَةَ" قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِماعِ آَدَمَ وحَوّاءَ، وتَعارُفِهِما بِها قالَهُ الضَّحّاكُ.
، قالَهُ الزَّجّاجُ: والمَشْعَرُ، المَعْلَمُ سَمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّ الصَّلاةَ عِنْدَهُ.
والمُقامُ والمَبِيتُ والدُّعاءُ مِن مَعالِمِ الحَجِّ، وهو مُزْدَلِفَةُ، وهي جَمْعٌ يُسَمّى بِالِاسْمَيْنِ.
قالَ ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ: المَشْعَرُ الحَرامُ: المُزْدَلِفَةُ كُلُّها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ ﴾ أيْ: جَزاءُ هِدايَتِهِ لَكم، فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ تَكْرِيرِ الذِّكْرِ؟
قِيلَ: فِيهِ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كَرَّرَهُ لِلْمُبالَغَةِ في الأمْرِ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ وصَلَ بِالذِّكْرِ الثّانِي: ما لَمْ يَصِلْ بِالذِّكْرِ الأوَّلِ، فَحَسُنَ تَكْرِيرُهُ.
فالمَعْنى اذْكُرُوهُ بِتَوْحِيدِهِ كَما ذَكَّرَكم بِهِدايَتِهِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ كَرَّرَهُ لِيَدُلَّ عَلى مُواصَلَتِهِ، والمَعْنى: اذْكُرُوهُ ذِكْرًا بَعْدَ ذِكْرٍ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ النَّحْوِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّ الذِّكْرَ في قَوْلِهِ: ﴿ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ ﴾ هُوَ: صَلاةُ المَغْرِبِ والعَشاءِ اللَّتانِ يُجْمَعُ بَيْنَهُما بِالمُزْدَلِفَةِ.
والذِّكْرُ في قَوْلِهِ: ﴿ كَما هَداكُمْ ﴾ هو الذِّكْرُ المَفْعُولُ عِنْدَ الوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ غَداةَ جَمْعٍ، حَكاهُ القاضِي أبُو يَعْلى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الهُدى، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآَنِ، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ ﴾ قالَتْ عائِشَةُ: كانَتْ قُرَيْشٌ ومَن يَدِينُ بِدِينِها، وهُمُ الحَمْسُ، يَقِفُونَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالمُزْدَلِفَةِ، يَقُولُونَ: نَحْنُ قَطَنُ البَيْتِ، وكانَ بَقِيَّةُ العَرَبِ والنّاسِ يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ: سُمُّوا الحَمْسَ لِأنَّهم تَحَمَّسُوا في دِينِهِمْ، أيْ: تَشَدَّدُوا.
والحَماسَةُ: الشِّدَّةُ في كُلِّ شَيْءٍ.
وَفِي المُرادِ بِالنّاسِ هاهُنا أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم جَمِيعُ العَرَبِ غَيْرُ الحَمْسِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عائِشَةَ، وهو قَوْلُ عُرْوَةَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ هاهُنا: إبْراهِيمُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ الضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ.
والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ آَدَمُ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.
وقَدْ قَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو نَهِيكٍ، ومُورِقٌ العِجْلِيُّ: "النّاسِي" بِإثْباتِ الياءِ.
والرّابِعُ: أنَّهم أهْلُ اليَمَنِ ورَبِيعَةُ، فَإنَّهم كانُوا يُفِيضُونَ مِن عَرَفاتٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِقُرَيْشٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ، وهو يَخْرُجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: النّاسُ آَدَمُ، أوْ إبْراهِيمُ.
والإفاضَةُ هاهُنا عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ: هي الإفاضَةُ مِنَ المُزْدَلِفَةِ إلى مِنى صَبِيحَةَ النَّحْرِ، إلّا أنَّ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها الإفاضَةُ مِن عَرَفاتٍ، فَظاهِرُ الكَلامِ لا يَقْتَضِي ذَلِكَ، كَيْفَ يُقالُ: ﴿ فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ ثُمَّ أفِيضُوا مِن عَرَفاتٍ؟!
غَيْرَ أنِّي أقُولُ: وجْهُ الكَلامِ عَلى ما قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: أنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ، فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ.
و"الغَفُورُ" مِن أسْماءِ اللَّهِ، عَزَّ وجَلَّ، وهو مِن قَوْلِكَ: غَفَرْتُ الشَّيْءَ: إذا غَطَّيْتُهُ، فَكَأنَّ الغَفُورَ هو السّاتِرُ لِعَبْدِهِ بِرَحْمَتِهِ، أوِ السّاتِرُ لِذُنُوبِ عِبادِهِ.
والغَفُورُ: هو الَّذِي يُكْثِرُ المَغْفِرَةَ، لِأنَّ بِناءَ المَفْعُولِ لِلْمُبالَغَةِ مِنَ الكَثْرَةِ، كَقَوْلِكَ: صَبُورٌ، وضَرُوبٌ، وأكُولٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ الناسُ واسْتَغْفِرُوا اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أو أشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مَن خَلاقٍ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النارِ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا واللهُ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ ﴿ واذْكُرُوا اللهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى واتَّقُوا اللهَ واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: المُخاطَبُ بِهَذِهِ الآيَةِ قُرَيْشٌ، ومَن وُلِدَتْ، وهُمُ الحُمْسُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ قِطَّيْنُ اللهِ فَيَنْبَغِي لَنا أنْ نُعَظِّمَ الحَرَمَ، ولا نُعَظِّمَ شَيْئًا مِنَ الحَلِّ، فَسَنُّوا شَقَّ الثِيابِ في الطَوافِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وكانُوا مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ وإقْرارِهِمْ أنَّ عَرَفَةَ هي مَوْقِفُ إبْراهِيمَ، لا يَخْرُجُونَ مِنَ الحَرَمِ، ويَقِفُونَ بِجَمْعٍ، ويُفِيضُونَ مِنهُ، ويَقِفُ الناسُ بِعَرَفَةَ.
فَقِيلَ لَهم أنْ يُفِيضُوا مَعَ الجُمْلَةِ.
"ثُمَّ" لَيْسَتْ في هَذِهِ الآيَةِ لِلتَّرْتِيبِ، إنَّما هي لِعَطْفِ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ هي مِنها مُنْقَطِعَةٌ، وكانَ رَسُولُ اللهِ مِنَ الحَمْسِ، ولَكِنَّهُ كانَ يَقِفُ مُذْ كانَ بِعَرَفَةَ هِدايَةً مِنَ اللهِ.
وقالَ الضَحّاكُ: "المُخاطَبُ بِالآيَةِ جُمْلَةُ الأُمَّةِ، والمُرادُ بِـ الناسِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ كَما قالَ: ﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ الناسُ ﴾ وهو يُرِيدُ واحِدًا"، ويَحْتَمِلُ عَلى هَذا أنْ يُؤْمَرُوا بِالإفاضَةِ مِن عَرَفَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إفاضَةً أُخْرى، وهي الَّتِي مِنَ المُزْدَلِفَةِ فَتَجِيءُ "ثُمَّ" عَلى هَذا الِاحْتِمالِ عَلى بابِها، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ عَوَّلَ الطَبَرِيُّ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٌ: "الناسِي" وتَأْوِيلُهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ تَخْفِيفُ الياءِ فَيَقُولُ: الناسُ كالقاضِّ والهادِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أمّا جَوازُهُ في العَرَبِيَّةِ فَذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، وأمّا جَوازُهُ مَقْرُوءًا بِهِ فَلا أحْفَظُهُ.
وأمَرَ تَعالى بِالِاسْتِغْفارِ لِأنَّها مَواطِنُهُ، ومَظانُّ القَبُولِ، ومَساقِطُ الرَحْمَةِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ : خَطَبَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَقالَ: أيُّها الناسُ: إنَّ اللهَ تَطَوَّلَ عَلَيْكم في مَقامِكم هَذا فَقَبِلَ مِن مُحْسِنِكُمْ، ووَهَبَ مُسِيئِكم لِمُحْسِنِكُمْ، إلّا التَبِعاتُ فِيما بَيْنَكُمْ، أفِيضُوا عَلى اسْمِ اللهِ.
فَلَمّا كانَ غَداةَ جُمَعٍ؛ خَطَبَ فَقالَ: أيُّها الناسُ إنِ اللهَ تَطاوُلَ عَلَيْكم فَعَوَّضَ التَبِعاتِ مِن عِنْدِهِ».
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: واسْتَغْفَرُوا اللهَ مِن فِعْلِكُمُ الَّذِي كانَ مُخالِفًا لِسُنَّةِ إبْراهِيمَ في وُقُوفِكم بِقُزَحٍ مِنَ المُزْدَلِفَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ ﴾ الآيَةُ، قالَ مُجاهِدٌ: المَناسِكُ الذَبائِحُ وهِراقَةُ الدِماءِ.
والمَناسِكُ عِنْدِي: العِباداتُ في مَعالِمِ الحَجِّ ومَواضِعِ النُسُكِ فِيهِ.
والمَعْنى: إذا فَرَغْتُمْ مِن حَجِّكُمُ، الَّذِي هو الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، فاذْكُرُوا اللهَ بِمَحامِدِهِ، وأثْنُوا عَلَيْهِ بِآلائِهِ عِنْدَكُمْ، وخُصَّ هَذا الوَقْتُ بِالقَضاءِ لِما يَقْضِي الناسُ فِيهِ مَناسِكَهم في حِينٍ واحِدٍ، وما قَبْلُ وما بَعْدُ فَهو عَلى الِافْتِراقِ، هَذا في طَوافٍ، وهَذا في رَمْيٍ، وهَذا في حَلاقٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
وكانَتْ عادَةُ العَرَبِ -إذا قَضَتْ حَجَّها- تَقِفُ عِنْدَ الجَمْرَةِ، فَتَتَفاخَرُ بِالآباءِ، وتَذْكُرُ أيّامَ أسْلافِها مِن بَسالَةٍ وكَرَمٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ لِيُلْزِمُوا أنْفُسَهم ذِكْرَ اللهِ تَعالى أكْثَرَ مِنَ التِزامِهِمْ ذِكْرَ آبائِهِمْ بِأيّامِ الجاهِلِيَّةِ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ: مَعْنى الآيَةِ: اذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِ الأطْفالِ آباءَهم وأُمَّهاتِهِمْ، أيْ: فاسْتُغِيثُوا بِهِ، والجَئُوا إلَيْهِ كَما كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ في حالِ صِغَرِكم بِآبائِكم.
وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ: اذْكُرُوا اللهَ وعَظِّمُوهُ وذَبُّوا عن حَرَمِهِ، وادْفَعُوا مَن أرادَ الشِرْكَ والنَقْصَ في دِينِهِ ومَشاعِرِهِ، كَما تَذْكُرُونَ آباءَكم بِالخَيْرِ، إذا غَضَّ أحَدٌ مِنهم وتَحْمُونَ جَوانِبَهُمْ، وتَذُبُّونَ عنهم.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: "كَذِكْرِكم آباؤُكُمْ"، أيِ اهْتَبِلُوا بِذِكْرِهِ كَما يَهْتَبِلُ المَرْءُ بِذِكْرِ ابْنِهِ، فالمَصْدَرُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، و"أشَدَّ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى "ذِكْرِكُمْ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ التَقْدِيرُ: أوِ اذْكُرُوهُ أشَدَّ ذِكْرًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ ﴾ الآيَةُ.
قالَ أبُو وائِلٍ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: كانَتْ عادَتُهم في الجاهِلِيَّةِ أنْ يَدْعُوا في مَصالِحِ الدُنْيا فَقَطْ، إذْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الآخِرَةَ، فَنُهُوا عن ذَلِكَ الدُعاءِ المَخْصُوصِ بِأمْرِ الدُنْيا، وجاءَ النَهْيُ في صِيغَةِ الخَبَرِ عنهم.
والخَلاقُ: النَصِيبُ والحَظُّ، و"مِن" زائِدَةٌ لِأنَّها بَعْدَ النَفْيِ، فَهي مُسْتَغْرِقَةٌ لِجِنْسِ الحُظُوظِ.
وقالَ قَتادَةُ: حَسَنَةُ الدُنْيا: العافِيَةُ في الصِحَّةِ وكَفافُ المالِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: حَسَنَةُ الدُنْيا: العِلْمُ والعِبادَةُ.
وقالَ السُدِّيُّ: حَسَنَةُ الدُنْيا: المالُ، وقِيلَ: حَسَنَةُ الدُنْيا: المَرْأةُ الحَسْناءُ، واللَفْظَةُ تَقْتَضِي هَذا كُلَّهُ، وجَمِيعُ مُحابِّ الدُنْيا.
وَحَسَنَةُ الآخِرَةِ: الجَنَّةُ بِإجْماعٍ.
﴿ وَقِنا عَذابَ النارِ ﴾ دُعاءٌ في ألّا يَكُونَ المَرْءُ مِمَّنْ يَدْخُلُها بِمَعاصِيهِ، وتُخْرِجُهُ الشَفاعَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً مُؤَكِّدًا لِطَلَبِ دُخُولِ الجَنَّةِ، لِتَكُونَ الرَغْبَةُ في مَعْنى النَجاةِ، والفَوْزُ مِنَ الطَرَفَيْنِ، كَما «قالَ أحَدُ الصَحابَةِ لِلنَّبِيِّ : "أنا إنَّما أقُولُ في دُعائِي: اللهُمَّ أدْخِلْنِي الجَنَّةَ، وعافِنِي مِنَ النارِ.
ولا أدْرِي ما دَنْدَنَتُكَ ولا دَنْدَنَةَ مُعاذٍ ؟" فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : "حَوْلَها نُدَنْدِنُ"».
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا ﴾ الآيَةُ.
وعُدَّ عَلى كَسْبِ الأعْمالِ الصالِحَةِ في صِيغَةِ الإخْبارِ المُجَرَّدِ.
والرَبُّ تَعالى سَرِيعُ الحِسابِ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى عَقْدٍ، ولا إلى إعْمالِ فِكْرٍ، وقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كَيْفَ يُحاسِبُ اللهُ الخَلائِقَ في يَوْمٍ؟
فَقالَ: كَما يَرْزُقُهم في يَوْمٍ، وقِيلَ: الحِسابُ هُنا المُجازاةُ، كَأنَّ المُجازِي يُعِدُّ أجْزاءَ العَمَلِ ثُمَّ يُجازِي بِمِثْلِها، وقِيلَ مَعْنى الآيَةِ: سَرِيعٌ مَجِيءُ يَوْمِ الحِسابِ، فالمَقْصِدُ بِالآيَةِ الإنْذارُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأمَرَ اللهُ تَعالى عِبادَهُ بِذِكْرِهِ في الأيّامِ المَعْدُوداتِ، وهي الثَلاثَةُ الَّتِي بَعْدَ يَوْمِ النَحْرِ.
وهي أيّامُ التَشْرِيقِ، ولَيْسَ يَوْمَ النَحْرِ مِنَ المَعْدُوداتِ، ودُلَّ عَلى ذَلِكَ إجْماعُ الناسِ عَلى أنَّهُ لا يَنْفِرُ أحَدٌ يَوْمَ القَرِّ وهو ثانِي يَوْمِ النَحْرِ، فَإنَّ يَوْمَ النَحْرِ مِنَ المَعْلُوماتِ، ولَوْ كانَ يَوْمَ النَحْرِ في المَعْدُوداتِ لَساغَ أنْ يَنْفِرَ مَن شاءَ مُتَعَجِّلًا يَوْمَ القَرِّ لِأنَّهُ قَدْ أخَذَ يَوْمَيْنِ مِنَ المَعْدُوداتِ.
وحَكى مَكِّيٌّ، والمَهْدَوِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: المَعْدُوداتُ هي أيّامُ العَشْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا إمّا أنْ يَكُونَ مِن تَصْحِيفِ النُسْخَةِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ العَشْرَ الَّذِي بَعْدَ يَوْمِ النَحْرِ وفي ذَلِكَ بُعْدٌ.
والأيّامُ المَعْلُوماتُ: هي يَوْمُ النَحْرِ ويَوْمانِ بَعْدَهُ، لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّهُ لا يَنْحَرُ أحَدٌ في اليَوْمِ الثالِثِ.
والذِكْرُ في المَعْلُوماتِ إنَّما هو عَلى ما رَزَقَ اللهُ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْلُوماتُ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ وأيّامُ التَشْرِيقِ، وفي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ.
وجَعَلَ اللهُ الأيّامَ المَعْدُوداتِ أيّامَ ذِكْرِ اللهِ، وقَدْ قالَ النَبِيُّ : «هِيَ أيّامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرٍ لِلَّهِ».
ومِن جُمْلَةِ الذِكْرِ التَكْبِيرُ في إثْرِ الصَلَواتِ.
واخْتَلَفَ في طَرَفَيْ مُدَّةِ التَكْبِيرِ.
فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ: يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ الصُبْحِ مِن يَوْمِ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَشْرِيقِ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَنِيفَةَ: يُكَبِّرُ مِن غَداةِ عَرَفَةَ إلى صَلاةِ العَصْرِ مِن يَوْمِ النَحْرِ.
وقالَ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ: يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ الظُهْرِ يَوْمِ النَحْرِ إلى صَلاةِ الظُهْرِ مِن آخِرِ يَوْمِ التَشْرِيقِ.
وقالَ مالِكٌ: يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ الظُهْرِ يَوْمِ النَحْرِ إلى صَلاةِ الصُبْحِ مِن آخِرِ أيّامِ التَشْرِيقِ، وبِهِ قالَ الشافِعِيُّ.
وقالَ ابْنُ شِهابٍ: يُكَبِّرُ مِنَ الظَهْرِ يَوْمَ النَحْرِ إلى العَصْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَشْرِيقِ.
وَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُكَبِّرُ مِنَ الظُهْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَشْرِيقِ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ الظُهْرِ يَوْمَ النَحْرِ إلى صَلاةِ الظُهْرِ يَوْمَ النَفَرِ الأوَّلِ.
وقالَ أبُو وائِلٍ: يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ الظُهْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى صَلاةِ الظُهْرِ يَوْمَ النَحْرِ.
ومَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ يُكَبِّرُ إثْرَ كُلِّ صَلاةِ ثَلاثِ تَكْبِيراتٍ.
وفي المَذْهَبِ رِوايَةٌ أنَّهُ يُقالُ بَعْدَ التَكْبِيراتِ الثَلاثِ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ، ولِلَّهِ الحَمْدُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ الآيَةُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: المَعْنى: مَن نَفَرَ في اليَوْمِ الثانِي مِنَ الأيّامِ المَعْدُوداتِ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ، ومَن تَأخَّرَ إلى الثالِثِ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ، فَمَعْنى الآيَةِ، كُلُّ ذَلِكَ مُباحٌ، وعَبَّرَ عنهُ بِهَذا التَقْسِيمِ اهْتِمامًا وتَأْكِيدًا إذْ كانَ مِنَ العَرَبِ مَن يَذُمُّ المُتَعَجِّلَ وبِالعَكْسِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ رافِعَةً لِلْجَناحِ في كُلِّ ذَلِكَ.
ومِنَ العُلَماءِ مَن رَأى أنَّ التَعَجُّلَ إنَّما أُبِيحَ لِمَن بَعُدَ قُطْرُهُ لا لِلْمَكِّيِّ والقَرِيبِ، إلّا أنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ، قالَهُ مالِكٌ، وغَيْرُهُ.
ومِنهم مَن رَأى أنَّ الناسَ كُلَّهم مُباحٌ لَهم ذَلِكَ.
قالَهُ عَطاءٌ وغَيْرُهُ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ: مَعْنى الآيَةِ: مَن تَعَجَّلَ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ، ومَن تَأخَّرَ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ: «مِن حَجِّ هَذا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِن خَطاياهُ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ» فَقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا إثْمَ" نَفْيٌ عامٌّ وتَبْرِئَةٌ مُطْلَقَةٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: مَعْنى الآيَةِ: مَن تَعَجَّلَ أو تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إلى العامِ القابِلِ، وأسْنَدَ في هَذا القَوْلِ أثَرٌ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: المَعْنى في الآيَةِ: لا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى بَقِيَّةَ عُمْرِهِ، والحاجُّ مَغْفُورٌ لَهُ البَتَّةَ.
وقالَ أبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: مَعْنى الآيَةِ: لا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى قَتْلَ الصَيْدِ وما يَجِبُ عَلَيْهِ تَجَنُّبُهُ في الحَجِّ.
وَقالَ أيْضًا: لِمَنِ اتَّقى في حَجِّهِ فَأتى بِهِ تامًّا حَتّى كانَ مَبْرُورًا.
واللامُ في قَوْلِهِ: ﴿ لِمَنِ اتَّقى ﴾ ، مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِالغُفْرانِ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ، أو بِارْتِفاعِ الإثْمِ في الحَجِّ عَلى بَعْضِها.
وقِيلَ: بِالذِكْرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "واذْكُرُوا"، أيِ الذِكْرُ لِمَنِ اتَّقى، ويَسْقُطُ رَمْيُ الجَمْرَةِ الثالِثَةِ عَمَّنْ تَعَجَّلَ.
وقالَ ابْنُ أبِي زَمَنَيْنِ: يَرْمِيها في يَوْمِ النَفَرِ الأوَّلِ حِينَ يُرِيدُ التَعَجُّلَ.
قالَ ابْنُ المَوّازِ: يَرْمِي المُتَعَجِّلُ في يَوْمَيْنِ بِإحْدى وعِشْرِينَ حَصاةً، كُلُّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَياتٍ فَيَصِيرُ جَمِيعُ رَمْيِهِ بِتِسْعٍ وأرْبَعِينَ حَصاةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّهُ قَدْ رَمى جَمْرَةَ العَقَبَةِ بِسَبْعِ يَوْمِ النَحْرِ، قالَ ابْنُ المَوّازِ: ويَسْقُطُ رَمْيُ اليَوْمِ الثالِثِ.
وقَرَأ سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: "فَلا اثْمَ عَلَيْهِ" بِوَصْلِ الألِفِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالتَقْوى، وذَكَّرَ بِالحَشْرِ والوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
الذي عليه جمهور المفسرين أن ثم للتراخي الإخباري للترقى في الخبر وأن الإفاضة المأمور بها هنا هي عين الإفاضة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ فإذا أفضتم من عرفات ﴾ [البقرة: 198] وأن العطف بثم للعودة إلى الكلام على تلك الإفاضة.
فالمقصود من الأمر هو متعلق ﴿ أفيضوا ﴾ أي قوله: ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ إشارة إلى عرفات فيكون متضمناً الأمر بالوقوف بعرفة لا بغيرها إبطالاً لعمل قريش الذين كانوا يقفون يوم الحج الأكبر على (قُزَح) المسمى بجمع وبالمشعر الحرام فهو من المزدلفة وكان سائر العرب وغيرهم يقف بعرفات فيكون المراد بالناس في جمهورهم من عدا قريشاً.
عن عائشة أنها قالت: كانت قريش ومن دَان دينها يقفون بيوم عرفة في المزدلفة وكانوا يسمون الحمس وكان سائر العرب يقفون بعرفة فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله تعالى: ﴿ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ﴾ اه فالمخاطب بقوله: ﴿ أفيضوا ﴾ جميع المسلمين والمراد بالناس عموم الناس يعني من عدا قريشاً ومن كان من الحمس الذين كانوا يفيضون من المزدلفة وهم قريش ومن ولدوا وكنانة وأحلافهم.
روى الطبري عن ابن أبي نجيح قال: كانت قريش لا أدري قبل الفيل أم بعده ابتدعت أمر الحمس رأياً قالوا: نحن ولاة البيت وقاطنو مكة فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلنا فلا تعظموا شيئاً من الحللِ كما تعظمون الحرم يعني لأن عرفة من الحل فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرَمكم وقالوا: قد عظموا من الحل مثلَ ما عظموا من الحرم فلذلك تركوا الوقوف بعرفة والإفاضة منها وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك اه، يعني فكانوا لا يفيضون إلاّ إفاضة واحدة بأن ينتظروا الحجيج حتى يردوا من عرفة إلى مزدلفة فيجتمع الناس كلهم في مزدلفة ولعل هذا وجه تسمية مزدلفة بجمع، لأنها يجمع بها الحمس وغيرهم في الإفاضة فتكون الآية قد ردت على قريش الاقتصار على الوقوف بمزدلفة.
وقيل: المراد بقوله: ﴿ ثم أفيضوا ﴾ الإفاضة من مزدلفة إلى منى، فتكون (ثم) للتراخي والترتيب في الزمن أي بعد أن تذكروا الله عند المشعر الحرام وهي من السنة القديمة من عهد إبراهيم عليه السلام فيما يقال، وكان عليها العرب في الجاهلية وكانت الإجازة فيها بيد خُزاعة ثم صارت بعدهم لبني عَدْوان من قيس عَيلان، وكان آخرُ من تولى الإجازة منهم أبا سَيَّارة عُمَيلة بن الأعزل أجاز بالناس أربعين سنة إلى أن فتحت مكة فأبطلت الإجازة وصار الناس يتبعون أمير الحج، وكانوا في الجاهلية يخرجون من مزدلفة يوم عاشر ذي الحجة بعد أن تطلع الشمس على ثَبير وهو أعلى جبللٍ قُرب منى وكان الذي يُجيز بهم يقف قبيل طلوع الشمس مستقبل القبلة ويدعو بدعاء يقول فيه: «اللهم بَغِّض بين رعائنا، وحَبِّب بين نسائنا، واجعل المال في سُمَحائنا، اللهم كن لنا جاراً ممن نخافه، أَوْفُوا بعهدكم، وأكرموا جاركم، واقروا ضيفكم»، فإن قرب طلوع الشمس قال: «أَشْرِقْ ثَبير كيما نُغير» ويركب أبو سيارة حماراً أسود فإذا طلعت الشمس دَفَع بهم وتبعه الناس وقد قال في ذلك راجزهم: خَلُّوا السبيلَ عن أبي سَيَّارهْ *** وعن مَواليه بني فَزارهْ حتَّى يُجيز سالماً حِمارَه *** مستقبل القبلةِ يَدْعو جَارهْ أي يدعو الله تعالى لقوله: «اللهم كن لنا جاراً ممن نخافه.
فقوله: ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ أي من المكان الذي يفيض منه سائر الناس وهو مزدلفة.
وعبر عنه بذلك لأن العرب كلهم يجتمعون في مزدلفة، ولولا ما جاء من الحديث لكان هذا التفسير أظهر لتكون الآية ذكرت الإفاضتين بالصراحة وليناسب قوله بعد: ﴿ فإذا قضيتم مناسككم ﴾ [البقرة: 200].
وقوله: ﴿ من ربكم ﴾ عطف على ﴿ أفيضوا من حيث أفاض الناس ﴾ أمرهم بالاستغفار كما أمرهم بذكر الله عند المشعر الحرام.
وفيه تعريض بقريش فيما كانوا عليه من ترك الوقوف بعرفة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، وكانُوا يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ، لا يَخْرُجُونَ مِنَ الحَرَمِ في حَجِّهِمْ، ويَقِفُونَ بِمُزْدَلِفَةَ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ مِن أهْلِ اللَّهِ، فَلا نَخْرُجُ مِن حَرَمِ اللَّهِ، وكانَ سائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، وهي مَوْقِفُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ ﴾ يَعْنِي جَمِيعَ العَرَبِ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ، وعُرْوَةَ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها أمْرٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، أنْ يُفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ، يَعْنِي بِالنّاسِ إبْراهِيمَ، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الواحِدِ بِاسْمِ النّاسِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ﴾ وكانَ القائِلُ واحِدًا، وهو نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: اسْتَغْفِرُوهُ مِن ذُنُوبِكم.
والثّانِي: اسْتَغْفِرُوهُ مِمّا كانَ مِن مُخالَفَتِكم في الوَقْتِ والإفاضَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل والبيهقي في سننه عن عائشة قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس وكانت سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإِسلام أمر نبيه أن يأتي عرفات ثم يقفون بها ثم يفيض منها، فذلك قوله: ﴿ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ﴾ .
وأخرج البخاري ومسلم عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس والحمس قريش وما ولدت، كانوا يطوفون عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثياباً، فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء، وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة، وكان الناس كلهم يبلغون عرفات قال هشام: فحدثني أبي عن عائشة قال: كانت الحمس الذين أنزل الله فيهم ﴿ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ﴾ قالت: كان الناس يفيضون من عرفات وكان الحمس يفيضون من المزدلفة، يقولون: لا نفيض إلا من الحرم.
فلما نزلت ﴿ أفيضوا من حيث أفاض الناس ﴾ رجعوا إلى عرفات.
وأخرج ابن ماجة والبيهقي عن عائشة قالت: قالت قريش: نحن قواطن البيت لا نجاوز الحرم فقال الله: ﴿ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ﴾ .
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي والطبراني عن جبير بن مطعم قال: أضللت بعيراً لي فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفاً مع الناس بعرفة، فقلت والله إن هذا لمن الحمس فما شأنه ههنا؟
وكانت قريش تعد من الحمس.
وزاد الطبراني وكان الشيطان قد استهواهم فقال لهم: إن عظمتم غير حرمكم استخف الناس حرمكم، وكانوا لا يخرجون من الحرم.
وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن جبير بن مطعم قال: كانت قريش إنما تدفع من المزدلفة ويقولن: نحن الحمس فلا نخرج من الحرم وقد تركوا الموقف على عرفة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له، ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة فيقف معهم، ثم يدفع إذا دفعوا.
وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن جبير بن مطعم قال: «لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه وأنه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس يدفع معهم منها، وما ذاك إلا توفيق من الله» .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كانت العرب تقف بعرفة وكانت قريش دون ذلك بالمزدلفة، فأنزل الله: ﴿ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كانت قريش يقفون بالمزدلفة ويقف الناس بعرفة إلا شيبة بن ربيعة، فأنزل الله: ﴿ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: كانت قريش وكل ابن أخت لهم وحليف لا يفيضون مع الناس من عرفات أنما يفيضون من المغمس، كانوا يقولون: إنما نحن أهل الله فلا نخرج من حرمه، فأمرهم الله أن يفيضوا من حيث أفاض الناس، وكانت سنة إبراهيم وإسمعيل الإِفاضة من عرفات.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ قال: إبراهيم.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ﴾ قال: عرفة، كانت قريش تقول: إنما نحن حمس أهل الحرم لا يخلف الحرم المزدلفة، أمروا أن يبلغوا عرفة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الزهري قال: كان الناس يقفون بعرفة إلا قريشاً وأحلافها وهي الحمس، فقال بعضهم: لا تعظموا إلا الحرم فإنكم إن عظمتم غير الحرم أوشك أن تتهاونوا بحرمكم، فقصروا عن مواقف الحق فوقفوا بجمع، فأمرهم الله أن يفيضوا من حيث أفاض الناس من عرفات.
أما قوله تعالى: ﴿ واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ﴾ .
أخرج ابن جرير عن مجاهد قال: إذا كان يوم عرفة هبط الله إلى السماء الدنيا في الملائكة، فيقول لهم: عبادي آمنوا بوعدي وصدقوا رسلي ما جزاؤهم؟
فيقال: أن يغفر لهم.
فذلك قوله: ﴿ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ﴾ .
وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجة وابن أبي الدنيا في كتاب الأضاحي والحاكم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وأنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراده هؤلاء» .
وأخرج أحمد وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء فيقول لهم: انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثاً غبراً» .
وأخرج البزار وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل أيام الدنيا أيام العشر- يعني عشر ذي الحجة- قيل: وما مثلهن في سبيل الله؟
قال: ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل عفر وجهه بالتراب، وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثاً غبراً ضاحين، جاؤوا من كل فج عميق يرجون رحمتي ويستعيذون من عذابي ولم يروه، فلم ير يوماً أكثر عتيقاً وعتيقة من النار منه» .
وأخرج أحمد والطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاص «أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة فيقول: انظروا عبادي أتوني شعثاً غبراً ضاحين من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما من يوم أكثر عتقاً من النار من يوم عرفة» .
وأخرج مالك والبيهقي والأصبهاني في الترغيب عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما رؤي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أحقر ولا ادحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا مما يرى فيه من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر.
قالوا: يا رسول الله وما الذي رأى يوم بدر؟
قال: رأى جبريل يزع الملائكة» .
وأخرج البيهقي عن الفضل بن عباس «أنه كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة، وكان الفتى يلاحظ النساء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ببصره هكذا وصرفه، وقال يا ابن أخي: هذا يوم من ملك فيه بصره إلا من حق، وسمعه إلا من حق، ولسانه إلا من حق، غفر له» .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل قولي وقول الأنبياء قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير» .
وأخرج البيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير» .
وأخرج الترمذي وابن خزيمة والبيهقي عن علي بن أبي طالب قال: «كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة: اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيراً مما نقول: اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي وإليك مآبي ولك رب تدآبي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر، اللهم إني أسألك من خير ما تجيء به الريح وأعوذ بك من شر ما تجيء به الريح» .
وأخرج البيهقي في الشعب عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يقف عشية عرفة بالموقف فيستقبل القبلة بوجهه، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة، ثم يقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ [ الإِخلاص: 1] مائة مرة، ثم يقول: اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وعلينا معهم مائة مرة إلا قال الله تعالى: يا ملائكتي ما جزاء عبدي هذا سبحني وهللني وكبرني وعظمني وعرفني وأثنى عليَّ وصلى على نبيي، اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت له وشفعته في نفسه، ولو سألني عبدي هذا لشفعته في أهل الموقف كلهم.
قال البيهقي: هذا متن غريب، وليس إسناده من ينسب إلى الوضع» .
وأخرج البيهقي في الشعب عن بكير بن عتيق قال: حججت فتوسمت رجلاً أقتدي به إذا سالم بن عبد الله في الموقف يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله إلهاً واحداً ونحن له مسلمون، لا إله إلا الله ولو كره المشركون، لا إله إلا الله ربنا ورب آبائنا الأوّلين.
فلم يزل يقول هذا حتى غابت الشمس، ثم نظر إلي وقال: حدثني أبي عن جدي عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تبارك وتعالى: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» .
وأخرج ابن أبي شيبة والجندي في فضائل مكة عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي قلبي نوراً، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، وأعوذ بك من وسواس الصدور، وتشتت الأمور، وعذاب القبر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، شر بوائق الدهر» .
وأخرج الجندي عن ابن جريج قال: بلغني أنه كان يؤمر أن يكون أكثر دعاء المسلم في الموقف: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الأضاحي وابن أبي عاصم والطبراني معاً في الدعاء والبيهقي في الدعوات عن عبد الله بن مسعود قال: ما من عبد ولا أمة دعا الله ليلة عرفة بهذه الدعوات- وهي عشر كلمات- ألف مرة إلا ولم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه إلا قطيعة رحم أو اثماً.
سبحان الذي في السماء عرشه، سبحان الذي في الأرض موطنه، سبحان الذي في البحر سبيلة، سبحان الذي في النار سلطانه، سبحان الذي في الجنة رحمته، سبحان الذي في القبور قضاؤه، سبحان الذي في الهواء روحه، سبحان الذي رفع السماء، سبحان الذي وضع الأرض، سبحان الذي لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه.
قيل له: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: نعم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن صدقة بن يسار قال: سألت مجاهداً عن قراءة القرآن أفضل يوم عرفة أم الذكر؟
قال: لا بل قراءة القرآن.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الأضاحي عن علي بن أبي طالب أنه قال وهو بعرفات: لا أدع هذا الموقف ما وجدت إليه سبيلاً، لأنه ليس في الأرض يوم أكثر عتقاً للرقاب فيه من يوم عرفة، فأكثروا في ذلك اليوم من قول: اللهم اعتق رقبتي من النار، وأوسع لي في الرزق، واصرف عني فسقة الجن والإِنس، فإنه عامة ما أدعوك به.
وأخرج الطبراني في الدعاء عن ابن عباس قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة «اللهم أنك ترى مكاني، وتسمع كلامي، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المساكين، وابتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وادعوك دعاء الخائف المضرور من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه، ونحل لك جسده ورغم أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك شقياً، وكن بي رؤوفاً رحيماً يا خير المسؤولين ويا خير المعطين» .
وأخرج الطبراني في الدعاء عن ابن عمر.
أنه كان يرفع صوته عشية عرفة يقول: اللهم اهدنا بالهدي، وزينا بالتقوى، واغفر لنا في الآخرة والأولى، ثم يخفض صوته بقوله: اللهم إني أسألك من فضلك رزقاً طيباً مباركاً، اللهم إني أمرت بالدعاء وقضيت على نفسك بالإِجابة، وإنك لا تخلف وعدك ولا تنكث عهدك، اللهم ما أحببت من خير فحببه إلينا ويسره لنا، وما كرهت من شر فكرهه إلينا وجنبناه، ولا تنزع منا الإِسلام بعد إذ أعطيتناه.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأبو ذر الهروي في المناسك عن أبي مجلز قال: شهدت ابن عمر بالموقف بعرفات، فسمعته يقول: الله أكبر ولله الحمد ثلاث مرات، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مرة واحدة، ثم يقول: اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً ويسكت قدر ما يقرأ فاتحة الكتاب، ثم يعود فيقول مثل ذلك حتى أفاض.
وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي سليمان الداراني عن عبد الله بن أحمد بن عطية قال: سئل علي بن أبي طالب عن الوقوف بالجبل ولِمَ لم يكن في الحرم؟
قال: لأن الكعبة بيت الله والحرم باب الله، فلما قصدوه وافدين وقفهم بالباب يتضرعون.
قيل: يا أمير المؤمنين فالوقوف بالمشعر؟
قال: لأنه لما أذن لهم بالدخول وقفهم بالحجاب الثاني وهو المزدلفة، فلما أن طال تضرعهم أذن لهم بتقريب قربانهم بمنى، فلما أن قضوا تفثهم وقربوا قربانهم فتطهروا بها من الذنوب التي كانت لهم أذن لهم بالوفادة إليه على الطهارة.
قيل: يا أمير المؤمنين فمن أين حرم صيام أيام التشريق؟
قال: لأن القوم زوار الله وهم في ضيافته، ولا يجوز للضيف أن يصوم دون إذن من أضافه.
قيل: يا أمير المؤمنين فتعلق الرجل بأستار الكعبة لأي معنى هو؟
قال: مثل الرجل بينه وبين سيده جناية فتعلق بثوبه وتنصل إليه وتحدى له ليهب له جنايته.
وأخرج ابن زنجويه والأزرقي والجندي ومسدد والبزار في مسنديهما وابن مردويه والأصبهاني في الترغيب عن أنس بن مالك قال: «كنت قاعداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الخيف أتاه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف، فسلما عليه ثم قالا: يا رسول الله جئنا نسألك.
قال: إن شئتما أخبرتكما بما جئتما تسألاني عنه، وإن شئتما سألتماني.
قال: أخبرنا يا رسول الله نزداد إيماناً ويقيناً!
قال للأنصاري: جئت تسأل عن مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام وما لك فيه، وعن طوافك وما لك فيه، وعن ركعتيك بعد الطواف وما لك فيهما، وعن طوافك بين الصفا والمروة وما لك فيه، وعن وقوفك بعرفة وما لك فيه، وعن رميك الجمار وما لك فيه، وعن طوافك بالبيت وما لك فيه، يعني الإِفاضة.
قال: والذي بعثك بالحق ما جئت إلا لأسألك عن ذلك.
وقال: أما مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام فإن ناقتك لا ترفع خفاً ولا تضعه إلا كتب الله لك به حسنة ومحا به عنك خطيئة، وأما طوافك بالبيت فإنك لا ترفع قدماً ولا تضعها إلا كتب الله لك بها حسنة ومحا عنك بها خطيئة ورفع لك بها درجة، وأما ركعتاك بعد طوافك فكعتق رقبة من بني إسماعيل، وأما طوافك بين الصفا والمروة فكعتق سبعين رقبة، وأما وقوفك عشية عرفة فإن الله تعالى يهبط إلى سماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة، ويقول: انظروا إلى عبادي جاؤوني من كل فج عميق شعثاً غبراً يرجون رحمتي ومغفرتي، فلو كانت ذنوبهم مثل الرمل، وعدد القطر، ومثل زبد البحر، ومثل نجوم السماء، لغفرتها لهم ويقول: أفيضوا عبادي مغفوراً لكم ولمن شفعتم فيه، وأما رميك الجمار فإن الله يغفر لك بكل حصاة رميتها كبيرة من الكبائر الموبقات الموجبات، وأما نحرك فمدخور لك عند ربك، وأما طوافك بالبيت- يعني الافاضة- فإنك تطوف ولا ذنب عليك، ويأتيك ملك فيضع يده بين كتفيك ويقول: اعمل لما بقي فقد كفيت ما مضى» .
وأخرج البزار والطبراني وابن حبان عن ابن عمر قال: «كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد منى، فأتاه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف، فسلما ثم قالا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم جئناك نسألك فقال: إن شئتما أخبرتكما بما جئتما تسألاني عنه فعلت، وإن شئتما أن أمسك وتسألاني فعلت.
فقالا: أخبرنا يا رسول الله!
فقال الثقفي للأنصاري: سل.
فقال: اخبرني يا رسول الله.
فقال: جئتني تسألني عن مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام وما لك فيه، وعن ركعتيك بعد الطواف وما لك فيهما، وعن طوافك بين الصفا والمروة وما لك فيه، وعن وقوفك عشية عرفة وما لك فيه، وعن رميك الجمار وما لك فيه، وعن نحرك وما لك فيه مع الإِفاضة.
فقال: والذي بعثك بالحق لعن هذا جئت أسألك.
قال: فإنك إذا خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام لا تضع ناقتك خفاً ولا ترفعه إلا كتب لك به حسنة ومحى عنك خطيئة، وأما ركعتاك بعد الطواف كعتق رقبة من بني إسماعيل، وأما طوافك بالصفا والمروة كعتق سبعين رقبة، وأما وقوفك عشية عرفة فإن الله يهبط إلى سماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة، فيقول: عبادي جاؤوني شعثاً غبراً من كل فج عميق يرجون جنتي، فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل، أو كقطر المطر، أو كزبد البحر لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفوراً لكم ولمن شفعتم له، وأما رميك الجمار فلك بكل حصاة رميتها تكفير كبيرة من الموبقات، وأما نحرك فمدخور لك عند ربك وأما حلاقك رأسك فلك بكل شعرة حلقتها حسنة ويمحى عنك بها خطيئة، وأما طوافك بالبيت بعد ذلك فإنك تطوف ولا ذنب لك، يأتي ملك حتى يضع يديه بين كتفيك فيقول: اعمل فيما يستقبل فقد غفر لك ما مضى» .
وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة فقال: «أيها الناس إن الله تطوّل عليكم في مقامكم هذا، فقبل من محسنكم وأعطى محسنكم ما سأل، ووهب مسيئكم لمحسنكم إلا التبعات فيما بينكم، أفيضوا على اسم الله.
فلما كان غداة جمع قال: أيها الناس إن الله قد تطوّل عليكم في مقامكم هذا فقبل من محسنكم، ووهب مسيئكم لمحسنكم، والتبعات بينكم عوضها من عنده أفيضوا على اسم الله فقال أصحابه: يا رسول الله أفضت بنا الأمس كئيباً حزيناً، وأفضت بنا اليوم فرحاً مسروراً؟
فقال: إني سألت ربي بالأمس شيئاً لم يجد لي به سألته التبعات فأبى علي، فلما كان اليوم أتاني جبريل فقال: إن ربك يقرئك السلام ويقول ضمنت التبعات وعوّضتها من عندي» .
وأخرج الطبراني عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة «أيها الناس إن الله تطول عليكم في هذا اليوم فغفر لكم إلا التبعات فيما بينكم، ووهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل فادفعوا باسم الله، فلما كان بجمع قال: إن الله قد غفر لصالحيكم، وشفع لصالحيكم في طالحيكم، تنزل الرحمة فتعمهم، ثم يفرق المغفرة في الأرض فيقع على كل تائب ممن حفظ لسانه ويده، وإبليس وجنوده بالويل والثبور» .
وأخرج ابن ماجة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن جرير والطبراني والبيهقي في سننه والضياء المقدسي في المختارة عن العباس بن مرداس السلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة فأكثر الدعاء، فأوحى الله إليه: إني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضاً، وأما ذنوبهم فيما بيني وبينهم فقد غفرتها.
فقال: يا رب إنك قادر على أن تثيب هذا المظلوم خيراً من مظلمته وتغفر لهذا الظالم.
فلم يجبه تلك العشية، فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء، فأجابه الله أني قد غفرت لهم.
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أصحابه؟
قال: «تبسمت من عدوّ الله إبليس، إنه لما علم أن الله قد استجاب لي في أمتي أهوى يدعو بالويل والثبور، ويحثو التراب على رأسه» .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الأضاحي وأبو يعلى عن أنس «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله تطوّل على أهل عرفات يباهي بهم الملائكة، فيقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً أقبلوا يضربون إلي من كل فج عميق، فاشهدكم أني قد أجبت دعاءهم، وشفعت رغبتهم، ووهبت مسيئهم لمحسنهم، وأعطيت لمحسنهم جميع ما سألوني غير التبعات التي بينهم، فإذا أفاض القوم إلى جمع ووقفوا وعادوا في الرغبة والطلب إلى الله، فيقول: يا ملائكتي عبادي وقفوا فعادوا في الرغبة والطلب، فأشهدكم أني قد أجبت دعاءهم، وشفعت رغبتهم، ووهبت مسيئهم لمحسنهم، وأعطيت محسنيهم جميع ما سألوني، وكفلت عنهم التبعات التي بينهم» .
وأخرج ابن المبارك عن أنس بن مالك قال: «وقف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات وقد كادت الشمس أن تؤوب فقال: يا بلال أنصت لي الناس.
فقام بلال فقال: انصتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فنصت الناس فقال: يا معاشر الناس أتاني جبريل آنفاً فأقرأني من ربي السلام وقال: إن الله عز وجل غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات.
فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله هذا لنا خاصة؟
قال: هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة.
فقال عمر بن الخطاب: كثر خير الله وطاب» .
وأخرج ابن ماجة عن بلال بن رباح «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له غداة جمع: أنصت الناس.
ثم قال: إن الله تطاول عليكم في جمعكم هذا، فوهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، ادفعوا باسم الله» .
وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة عن محمد بن أبي بكر الثقفي أنه سأل أنس بن مالك وهما عائدان من منى إلى عرفة كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فقال: كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر منا المكبر فلا ينكر عليه.
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن أم الفضل بنت الحرث «أن ناساً اختلفوا عندها يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: هو صائم.
وقال بعضهم: ليس بصائم.
فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه» .
وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن أبي الدنيا في الأضاحي والحاكم وصححه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة.
وأخرج الترمذي وحسنه عن أبي نجيح قال: سئل ابن عمر عن صوم يوم عرفة فقال: حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه، ولا آمر به، ولا أنهى عنه.
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي قتادة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده» .
وأخرج مالك في الموطأ من طريق القاسم بن محمد عن عائشة.
أنها كانت تصوم يوم عرفة قال القاسم: ولقد رأيتها عشية عرفة يدفع الإِمام وتقف حتى يبيض ما بينها وبين الناس من الأرض، ثم تدعو بالشراب فتفطر.
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن عائشة قالت: ما من يوم من السنة أصومه أحب إليّ من يوم عرفة.
وأخرج البيهقي عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «صيام يوم عرفة كصيام ألف يوم» .
وأخرج البيهقي عن مسروق أنه دخل على عائشة يوم عرفة فقال: اسقوني.
فقالت عائشة «وما أنت يا مسروق بصائم.
فقال: لا، إني أتخوّف أن يكون يوم أضحى.
فقالت عائشة: ليس كذلك يوم عرفة، يوم يعرف الإِمام، ويوم النحر يوم ينحر الإِمام، أو ما سمعت يا مسروق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدله بصوم ألف يوم» ؟.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الأضاحي والبيهقي عن أنس بن مالك قال: كان يقال في أيام العشر: بكل يوم ألف يوم، ويوم عرفة عشرة آلاف يوم، يعني في الفضل.
وأخرج البيهقي عن الفضل بن عبّاس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حفظ لسانه وسمعه وبصره يوم عرفة غفر له من عرفة إلى عرفة» .
وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال: «كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فجعل الفتى يلاحظ النساء وينظر إليهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أخي أن هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له» .
وأخرج المروزي في كتاب العيدين عن محمد بن عباد المخزومي قال: لا يستشهد مؤمن حتى يكتب اسمه عشية عرفة فيمن يستشهد.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في الأضاحي والمروزي عن إبراهيم.
أنه سئل عن التعريف بالأمصار فقال: إنما التعريف بعرفات.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي عوانة قال: رأيت الحسن البصري يوم عرفة بعد العصر جلس، فذكر الله ودعا واجتمع إليه الناس.
وأخرج المروزي عن مبارك قال: رأيت الحسن، وبكر بن عبد الله، وثابتاً البناني ومحمد بن واسع، وغيلان بن جرير، يشهدون عرفة بالبصرة.
وأخرج ابن أبي شيبة والمروزي عن موسى بن أبي عائشة قال: رأيت عمرو بن حريث في المسجد يوم عرفة والناس مجتمعون إليه.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والمروزي عن الحسن قال: إن أول من عرف البصرة ابن عباس.
وأخرج المروزي عن الحكم قال: أول من فعل ذلك بالكوفة مصعب بن الزبير.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن أبي الدنيا في الأضاحي والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإِسلام، وهن أيام أكل وشرب» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن جابر بن عبد الله قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة الغداة يوم عرفة وسلم جثا على ركبتيه فقال: الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، إلى آخر أيام التشريق يكبر في العصر» .
وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي من طريق أبي الطفيل عن علي وعمار «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم ويقنت في الفجر، وكان يكبر من يوم عرفة صلاة الغداة، ويقطعها صلاة العصر آخر أيام التشريق» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والمروزي في العيدين والحاكم عن عبيد بن عمير قال: كان عمر يكبر بعد صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة الظهر أو العصر من آخر أيام التشريق.
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم عن شقيق قال: كان يكبر بعد الفجر غداة عرفة، ثم لا يقطع حتى يصلي العصر من آخر أيام التشريق.
وأخرج ابن أبي شيبة والمروزي والحاكم عن ابن عباس: أنه كان يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والحاكم عن عمير بن سعد قال: قدم علينا ابن مسعود، فكان يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس أنه كان يقول: من يصحبني منكم من ذكر أو انثى فلا يصومن يوم عرفة، فإنه يوم أكل وشرب وتكبير.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾ ذكرنا معنى الإفاضة.
و (حيثُ) حقُّها البناء؛ لأنها مُنِعَتْ الإضافةُ مع لزوم معنى الإضافة لها، ولمَّا لزمت معنى الإضافة إلى الجملة، صارت بمنزلة الأسماء الناقصة التي تحتاج إلى صِلَةٍ كالذي ونحوه، والاسم الناقص بمنزلة بعض الكلمة، وبعض الكلمة حرفٌ يستحق البناء، فأما بناؤها على الضم: فلأنها بمنزلة الغاية كقبلُ وبعدُ، من جهة أنها مُنِعت الإضافة، مع لزوم معنى الإضافة، ولو أُعربت لاستحقت النصب والجر فقط؛ لأنها ظرف، والظروف لا تُعْرَبُ إلا بالجر والنصب (١) (٢) قال عامة أهل التأويل: كانت الحُمْسُ [[الحُمس: تقدم بيانه عند قوله: ﴿ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا ﴾ 3/ 627 [البقرة: 189].]] لا يَخْرجون من الحرم إلى عرفات، إنما يقفون بالمزدلفة، ويقولون: نحن أهلُ الله، وقُطَّانُ حَرَمه، فلا نخرج من الحرم، ولسنا كسائر الناس، فأمرهم الله تعالى أن يقفوا بعرفات كما يقف سائرُ الناس، حتى تكون الإفاضة معهم منها، فالناس في هذه الآية: هم العربُ كلُّها غيرُ الحُمس، وإنما أتى الله تعالى بالجمع المبهم لانكشاف معناه عند المخاطبين، هذا قول جمهور المفسرين (٣) وعلى هذا يبقى إشكال في النَّظْم؛ لأن الله تعالى ذَكَر الإفاضة من عرفاتٍ قبل هذا في قوله: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ ﴾ ، وبينَّا أن في ذكر الإفاضة منها بيانَ وجوب الوقوف، فكيف يسوغ أن يقول: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ ثم أفيضوا من عرفات، ووجه هذا: أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، تقديره: فمن فرض فيهن الحج فلا رَفَثَ ولا فسوق ولا جدال في الحج، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله (٤) وقال بعضهم: المراد بالإفاضة في هذه الآية: الدَّفْعُ من مزدلفةَ إلى مِنَى، وأراد بالناس: الحُمْس، فإنهم كانوا يفيضون من المزدلفة إلى منى ولا يفيضون من عرفات.
والله تعالى ذكر أولًا الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة، ثم أمر بالإِفَاضَة من المزدلفة إلى منى (٥) والحكم في الوقوف بعرفة والإفاضتين، هو أن الغرض (٦) فإن أفاض قبل الغروب أراق دمًا، وما بين زوال الشمس من يوم عرفة إلى طلوع الفجر الصادق من يوم النحر وَقْتُ إدراك الحج، فمن أدرك عرفة في هذا الوقت تم حجه.
فإذا أفاضوا من عرفة إلى المزدلفة باتوا بها، ومن ترك المبيت بها فعليه دم (٧) (٨) (٩) ثم وقفوا عند المشعر الحرام وهو آخر حد مزدلفة.
والمزدلفة من الحرم كلها، ثم لا يزالون يدعون ويذكرون الله تعالى حتى يقاربوا (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وذهب الزُّهري (١٥) - واحتج بقراءة سعيد بن جبير: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناسي (١٦) وروي أنه قرأ (الناسِ) فاكتُفي (١٧) (١٨) وقال الضحاك: الناسُ هاهنا: إبراهيم (١٩) ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ اَلنَّاسُ ﴾ يعني: نعيم بن مسعود (٢٠) ﴿ إِنَّ اَلنَّاسَ ﴾ يعني: أبا سفيان، وإنما يقال هذا للذي يُقْتَدى به ويكون لسان قومه (٢١) قال ابن الأنباري: وإيقاع الجمع على الواحد جائز، كما تقول العرب: خرج زيدٌ إلى البصرة في السفن، وإلى الكوفة على البغال.
(١) في (م): بالنصب والجر.
(٢) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 233 حيث بين أنها ظرف للمكان، 3/ 286، 299، "مغني اللبيب" ص 176 - 178 (ط.
دار الفكر) "لسان العرب" 2/ 1064 - 1065 "حيث".
(٣) ذكر الرواية بذلك: الطبري في "تفسيره" 2/ 291 - 293 عن عائشة وابن عباس وعروة وعطاء ومجاهد وقتادة والسدي والربيع وابن أبي نجيح، وحديث عائشة رواه البخاري (4520) كتاب التفسير، باب: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، ومسلم (1219) كتاب الحج، باب: في الوقوف وقوله: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، كما رواه البخاري (1664) كتاب الحج، باب: الوقوف بعرفة، ومسلم (الموضع السابق) (1225) من حديث جبير بن مطعم.
قال الطبري 2/ 293: والذي نراه صوابا من تأويل هذه الآية: أنه عُني بهذه الآية == قريش، ومن كان متحمسا معها من سائر العرب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله.
وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 230، "تفسير الرازي" 5/ 196.
(٤) "تفسير الثعلبي" 2/ 568، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 293، "تفسير البغوي" 1/ 230، وذكر قولا آخر: أن ثم بمعنى الواو، أي: وأفيضوا، كقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .
(٥) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 568، "تفسير البغوي" 1/ 230.
(٦) في (ش): الفرض.
(٧) ينظر: "الأم" 2/ 233، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 313، "المجموع" 8/ 134، "المغني" 5/ 284.
(٨) ينظر المراجع السابقة.
(٩) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 564.
(١٠) في (ش): يفارقوا.
(١١) ينظر: "الأم" 2/ 233، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 313، "المجموع" 8/ 134، "المغني" 5/ 284، "صحيح البخاري" (1684) كتاب الحج، باب: متى يدفع من جمع، "سنن أبي داود" (1938) والترمذي كتاب الحج، باب: الإفاضة من جمع قبل طلوع الشمس 3/ 242 (986)، والنسائي كتاب الحج، باب: الصلاة بجمع 5/ 265.
(١٢) هو ثبير غيناء، ويسمى أيضا: ثبير الأثبرة، أي: كبيرها، وتسميه عامة أهل مكة اليوم: جبل الرخم، وهو المقابل لجبل النور (حراء) من الجنوب والمشرف على منى من الشمال.
"معجم البلدان" 2/ 73، "معالم مكة" للبلادي ص 55.
(١٣) رواه البخاري (1684) كتاب الحج، باب: متى يدفع من جمع، عن عمر بن الخطاب - -.
(١٤) المحَسِّر: واد ليس من منى ولا المزدلفة، بل هو واد برأسه، وهو واد صغير يأتي من الجهة الشرقية لثبير الأعظم من طرف ثقبة، ويذهب إلى وادي عرَنة، فإذا مر بين منى ومزدلفة، كان الحد بينهما، والمعروف منه للعامة ما يمر فيه الحاج بين مزدلفة ومنى، وله علامات هناك منصوبة.
"معجم البلدان" 5/ 62، "معالم مكة" ص 248.
(١٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 570، البغوي في "تفسيره" 1/ 231، "زاد المسير" 1/ 214، "تفسير الرازي" 5/ 197.
(١٦) في (ش): الناس.
(١٧) في (ش) و (أ): اكتفى.
(١٨) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 570، البغوي في "تفسيره" 1/ 231، وابن جني في "المحتسب" 1/ 119، وابن خالويه في "مختصر شواذ القراءات" ص 20، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 2/ 177، وقال: وقرأ سعيد بن جبير: الناسي، وتأوله: آدم ، ويجوز عند بعضهم: تخفيف الياء فيقول الناس كالقاض والهاد، قال ابن عطية: أما جوازه في العربية فذكره سيبويه، وأما جوازه مقروءًا به فلا أحفظه.
وبها قرأ أبو المتوكل، وأبو نهيك، ومورق العجلي: الناسي، بإثبات الياء، ينظر: "زاد المسير" 1/ 214.
(١٩) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 293، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 354، وينظر: "النكت والعيون" 1/ 261، "زاد المسير" 1/ 214، وبين الطبري في "تفسيره" 2/ 293: أنه لولا إجماع الحجة لكان الأولى بتأويل الآية قول الضحاك؛ لأن الإفاضة من عرفات قبل الإفاضة من مزدلفة، وقبل وجوب الذكر عند المشعر الحرام، وقد تقدم الأمر بها، فالأمر هنا إنما هو بالإفاضة من الموضع الذي لم يفيضوا منه دون ما أفاضوا منه.
(٢٠) هو: أبو سلمة، نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي، صحابي مشهور، هاجر إلى الرسول يوم الخندق، وهو الذي خذَّل المشركين واليهود حتى صرفهم الله، سكن المدينة، قُتِلَ في وقعة الجمل في أول خلافة علي، وقيل في خلافة عثمان.
ينظر: "الإصابة" 3/ 568، "أسد الغابة" 5/ 348.
(٢١) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 294، "تفسير الثعلبي" 2/ 569، "تفسير البغوي" 1/ 230 - 231، "التفسير الكبير" 5/ 196.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ أي التجارة في أيام الحج أباحها الله تعالى، وقرأ بان عباس: فضلاً من ربكم في مواسم الحج ﴿ أَفَضْتُم ﴾ اندفعتم جملة واحدة ﴿ مِّنْ عرفات ﴾ اسم علم للموقف، والتنوين فيه في مقابلة النون في جمع المذكر لا تنوين صرف، فإن فيه التعريف والتأنيث ﴿ المشعر الحرام ﴾ أي المزدلفة، والوقوف بها سنة ﴿ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ الكاف للتعليل ﴿ وَإِن كُنْتُمْ ﴾ إن مخففة من الثقيلة، ولذلك جاء اللام في خبرها ﴿ مِّن قَبْلِهِ ﴾ أي من قبل الهُدى ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه أمر للجنس وهم قريش ومن تبعهم كانوا يقفون بالمزدلفة لأنها حرم، فأمرهم الله تعالى ان يقفوا بعرفة مع الناس ويفيضوا منها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يقف مع الناس بعرفة؛ توفيقاً من الله تعالى له، والقول الثاني: أنها خطاب لجميع الناس، ومعناها: أفيضوا من المزدلفة إلى منى، فثم: على هذا القول على بابها من الترتيب، وأما على القول الوّل فليست للترتيب، بل للعطف خاصة، قال الزمخشري: هي كقولك: أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلى غير كريم، فإن معناها التفاوت بين ما قبلها وما بعدها وأن ما بعدها أوكد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فلا رفث ولا فسوق ﴾ بالرفع فيهما: أبو عمرو ويعقوب وابن كثير ويزيد.
وزاد يزيد ﴿ ولا جدال ﴾ بالرفع.
الباقون: بفتح الثلاثة وكذلك يروي القطعي عن أبي زيد من طريق الحسن الهاشمي، ﴿ واتقون ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل.
وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل بالياء.
﴿ ومن تأخر ﴾ روى هبة الله بن جعفر عن الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف بالتليين.
الوقوف: ﴿ معلومات ﴾ ط ﴿ في الحج ﴾ ط ﴿ يعلمه الله ﴾ ط ﴿ التقوى ﴾ ز للعارض بين الجملتين المتفقتين ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ط لأن "إذا" أجيبت بالفاء فكانت شرطاً في ابتداء حكم آخر ﴿ الحرام ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ هداكم ﴾ ج لأن الواو تصلح حالاً واستئنافاً.
﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ واستغفروا الله ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ ذكراً ﴾ ط ﴿ من خلاق ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ مما كسبوا ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه نصف الجزء.
﴿ معدودات ﴾ ط لأن الشرط في بيان حكم آخر ﴿ عليه ﴾ الأولى ط لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ عليه ﴾ الثانية لا لتعليق اللام.
﴿ اتقي ﴾ ط لاختلاف النظم ﴿ تحشرون ﴾ ه.
التفسير: من المعلوم أن الحج ليس نفس الأشهر، فالتقدير أشهر الحج أو وقته أشهر معلومات كقولك "البلد شهران".
أو الحج حج أشهر معلومات أي لا حج إلا فيها خلاف ما كان عليه أهل الجاهلية من النسيء.
وقيل: يمكن أن يقال: جعل الحج نفس الأشهر كما في قولهم "ليل قائم ونهار صائم" واتفق المفسرون على أن شوّالاً وذا القعدة من أشهر الحج.
واختلفوا في ذي الحجة فعن عروة بن الزبير ومالك كله لأن أقل الجمع ثلاثة، وقد يفعل الإنسان بعد النحر ما يتصل بالحج من رمي الجمار ونحوه.
والمرأة إذا حاضت فقد تؤخر الطواف الذي لا بد منه إلى أيام بعد الشهر، من هنا ذهب عروة إلى جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر.
وعن أبي حنيفة: عشر ذي الحجة وهو قول ابن عباس وابن عمرو النخعي والشعبي ومجاهد والحسن قالوا: لفظ الجمع يشترك فيما وراء الواحد بدليل قوله ﴿ فقد صغت قلوبكما ﴾ ونزل بعض الشهر منزلة كله كما يقال "رأيتك سنة كذا" وإنما رآه في ساعة منها.
ورمي الجمار يفعله الإنسان وقد حل بالحلق والطواف والنحر من إحرامه فكأنه ليس من أعمال الحج.
والحائض إذا طاف بعده فهو في حكم القضاء.
وإنما قلنا إن يوم النحر من أشهر الحج لأنه وقت لركن من أركان الحج وهو طواف الزيارة.
ومن المفسرين من زعم أن يوم الحج الأكبر يوم النحر.
وعن الشافعي: التسعة الأولى من ذي الحجة من ليلة النحر، لأن الحج يفوت بطلوع يوم النحر ولا تفوت العبادة مع بقاء وقتها.
قيل: إنه جعل كل الأهلة مواقيت للحج في قوله ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج ﴾ وفي هذه الآية جعل وقت الحج أشهر معلومات.
وأجيب بأن تلك الآية عامة وهذه خاصة والخاص مقدم على العام.
وأقول: الميقات علامة الوقت فلولا الأهلة لم يعلم مدخل كل شهر على التعيين.
فجميع الأهلة في الإعلام سواء بالنسبة إلى وقت مفروض، فلا منافاة بين كون جميع الأهلة علامات الحج من حيث إنها تؤذن بما بقي من السنة إلى أوان الحج، وبين كون الأشهر المعلومات وقتاً للحج، ومعنى قوله ﴿ معلومات ﴾ أن الحج إنما يكون في السنة مرة واحدة في أشهر معينة من شهورها ليس كالعمرة التي يؤتى بها في السنة مراراً، وأحالهم في معرفة تلك الأشهر على ما كانوا علموه قبل نزول هذا الشرع.
وعلى هذا فهذا الشرع لم يأت على خلاف ما عرفوه وإنما جاء موافقاً مقرراً له.
أو المراد أنها معلومات ببيان الرسول، أو المراد أنها مؤقتة بأوقات معينة لا يجوز تقديمها وتأخيرها كما يفعله أصحاب النسيء.
ثم إن الشافعي استدل بالآية على أنه لا يجوز لأحد أن يهل بالحج قبل أشهر الحج، وبه قال أحمد وإسحق.
وأيضاً الإحرام بالعبادة قبل وقت الأداء لا يصح قياساً على الصلاة.
وأيضاً الخطبة في صلاة الجمعة لا تجوز قبل الوقت لأنها أقيمت مقام ركعتين من الظهر حكماً، فلأن لا يصح الإحرام وهو شروع في العبادة أولى.
وأيضاً الإحرام لا يبقى صحيحاً لأداء الحج إذا ذهب وقت الحج قبل الأداء، فلأن لا ينعقد صحيحاً لأداء الحج قبل الوقت أولى لأن البقاء أسهل من الابتداء.
وعن أبي حنيفة ومالك والثوري: جواز الإحرام في جميع السنة لقوله ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج ﴾ والجواب ما مر.
قالوا: الإحرام التزام الحج فجاز تقدمه قبل الوقت كالنذر.
والجواب الفرق بين النذر والإحرام، فإن الوقت معتبر للأداء ولا اتصال للنذر بالأداء بدليل أن الأداء لا يتصور إلا بعقد مبتدأ، وأما الإحرام مع كونه التزاماً فهو أيضاً شروع في الأداء وعقد عليه فلا جرم افتقر إلى الوقت.
قالوا: اشتهر عن أكابر الصحابة أنهم قالوا: من إتمام الحج أن يحرم المرء من دويرة أهله.
وقد تبعد داره بعداً شديداً يحتاج إلى أن يحرم قبل شوال.
والجواب أن النص لا يعارضه الأثر على أنه يمكن تخصيص الأثر في حق من لا يكون داره سحيقاً ﴿ فمن فرض فيهن الحج ﴾ فمن ألزم نفسه في هذه الشهور أن يحج.
وبماذا يحصل هذا الإلزام المسمى بالإحرام لأنه يحرم عليه حينئذ أشياء كانت حلالاً له.
قال الشافعي: إنه ينعقد الإحرام بمجرد النية من غير حاجة إلى التلبية.
نعم إنها سنة عند النية وبه قال أحمد ومالك لقوله ﴿ فمن فرض ﴾ وفرض الحج على النية أدل منه على التلبية أو سوق الهدي.
وفرض الحج موجب لانعقاد الحج بدليل قوله ﴿ فلا رفث ﴾ فوجب أن تكون النية كافية في انعقاد الحج.
وأيضاً قال "لكل امرئ ما نوى" وأيضاً إنه عبادة ليس في آخرها ولا في أثنائها نطق واجب، فكذلك في ابتدائها كالطهارة والصوم.
وعند أبي حنيفة: التلبية شرط انعقاد الإحرام لإطباق الناس على الاعتناء به عند الإحرام إلا أن سوق الهدي وتقليده والتوجه معه يقوم مقام التلبية.
وعن ابن عمر أنه قال: إذا قلد أو أشعر فقد أحرم.
وعن ابن عباس: إذا قلد الهدي وصاحبه يريد العمرة أو الحج فقد أحرم.
وروى أبو منصور الماوردي في تفسيره عن عائشة أنها قالت: لا يحرم إلا من هل أو لبى.
وأيضاً إن الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا يشرع فيها بنفس النية كالصلاة.
وصورة التلبية ما روي عن النبي أنه قال: "لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" ، ولا تكره الزيادة على هذا.
روي عن ابن عمر أنه كان يزيد فيها.
لبيك لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغبى إليك والعمل.
فإن رأى شيئاً يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة.
ثبت ذلك عن رسول الله .
وفي بعض الروايات أنه قال في تلبيته: لبيك حقاً تعبداً ورقاً.
قال الشافعي في أصح قوليه: الأفضل أن ينوي ويلبي حين تنبعث به راحلته إن كان راكباً، وحين يتوجه إلى الطريق إن كان ماشياً لما روي أنه لم يهل حتى انبعثت به دابته، قال إمام الحرمين: ليس المراد من انبعاث الدابة ثورانها، بل المراد استواؤها في صوب مكة.
فإذا استوت به راحلته متوجهاً إلى الطريق نوى: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني ولبى.
وإن كان يريد القران نوى الحج والعمرة، وإن كان يريد العمرة نوى العمرة ولبى.
والقول الثاني وبه قال أحمد ومالك وأبو حنيفة أن الأفضل أن ينوي ويلبي كما تحلل من الصلاة أي من ركعتي الإحرام وهو قاعد.
ثم يأخذ في السير لرواية ابن عباس أن النبي صلى بذي الحليفة ركعتين ثم أحرم، وتكثير التلبية في دوام إلا حرام مستحب قائماً كان أو قاعداً راكباً أو ماشياً حتى في حالة الجنابة والحيض لأنه ذكر لا إعجاز فيه فأشبه التسبيح، "قال لعائشة ا حين حاضت: افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت" .
قوله عز من قائل ﴿ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال ﴾ من قرأ بفتح الثلاثة أو برفعها فلا إشكال، ومن قرأ برفع الأولين وفتح الأخير فقيل: لأن الأولين محمولان على معنى النهي كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق، ثم أخبر بانتفاء الجدال أي لا شك ولا خلاف في الحج.
وذلك أن قريشاً كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام، وسائر العرب يقفون بعرفة، وكانوا يقدمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء، فرد إلى وقت واحد، ورد الوقوف إلى عرفة فأخبر الله أنه قد ارتفع الخلاف في الحج، وربما يستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله "من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كهيئته يوم ولدته أمه" وإنه لم يذكر الجدال.
وقيل: الاهتمام بنفي الجدال أشد من الاهتمام بنفي الرفث والفسوق فلذلك قرئ كذلك.
أما الأوّل فلأن الرفث عبارة عن قضاء الشهوة، والجدال مشتمل على ذلك لأن المجادل يشتهي تمشية قوله، والفسوق عبارة عن مخالفة أمر الله، والمجادل لا ينقاد للحق.
وكثيراً ما يقدم على الإيذاء والإيحاش المؤدي إلى العداوة والبغضاء، فدل على أن الجدال مشتمل على جميع أنواع القبح.
وأما أن القراءة تفيد ذلك فلأن الفتح يقتضي نفي الماهية، وانتفاؤها يوجب انتفاء جميع أفرادها.
وأما الرفع فلا يوجب انتفاء جميع أفراد الماهية بل يجوّز، فيكون الفتح أدل على عموم النفي.
أما تفسير الرفث فعن ابن عباس هو الجماع، وله في العمرة والحج نتائج منها.
فساد النسك يروى ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وغيرهم من الصحابة، واتفق الفقهاء عليه بعدهم، وإنما يفسد الحج بالجماع إذا وقع قبل التحللين لقوّة الإحرام.
ولا فرق بين أن يقع قبل الوقوف بعرفة أو بعده خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يفسد بالجماع بعد الوقوف ولكن يلزمه الفدية.
وأما الجماع بين التحللين فلا أثر له في الفساد على الصحيح.
وعن مالك وأحمد أنه يفسد ما بقي شيء من إحرامه، وتفسد العمرة أيضاً بالجماع قبل حصول التحلل.
ووقت التحلل عنها بعد الفراغ من الحلق بناء على أنه نسك وهو الأصح، فتفسد العمرة بالجماع قبل الحلق، واعلم أن للعمرة تحللاً واحداً وذلك إذا طاف وسعى وحلق، وللحج تحللان وذلك أنه إذا أتى باثنين من الرمي والنحر والحلق والطواف أعني الرمي والحلق، أو الرمي والطواف، أو الحلق والطواف، حصل التحلل الأول وهو إباحة جميع المحظورات من التطيب والقلم ولبس المخيط وقتل الصيد وعقد النكاح إلا الجماع فإنه لا يحل إلى الإتيان بالأمر الثالث، فإذا أتى به حل الجماع أيضاً وهو المراد بالتحلل الثاني قال الأئمة: الحج يطول زمانه وتكثر أعماله بخلاف العمرة فأبيح بعض محظوراته دفعة وبعضها أخرى.
قال "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب واللباس وكل شيء إلا النساء" واللواط وإتيان البهيمة في الإفساد كالوطء في الفرج وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة فيهما ولمالك في إتيان البهيمة، ثم سائر العبادات لا حرمة لها بعد الفساد ويصير الشخص بالفساد خارجاً منها، لكن الحج والعمرة وإن فسدا يجب امضي فيهما وذلك بإتمام ما كان يفعله لولا عروض الفساد روي عن عمر وعلي وابن عباس وغيرهم من أفسد حجه مضى في فاسده وقضى من قابل.
ومن نتائج الفساد الكفارة يستوي فيها الحج والعمرة.
وخصالها خمس على الترتيب بدنة إن وجدها لأن الصحابة نصوا على البدنة وإلا فبقرة وإلا فسبع من الغنم وإلا قومت البدنة دراهم والدراهم طعاماً فإن لم يجد الطعام صام عن كل مد يوماً.
ومن النتائج القضاء باتفاق لما روينا عن كبار الصحابة وقضى من قابل، سواء كان المقضي عنه فرضاً أو تطوعاً فإن القضاء واجب، وأصح الوجهين في القضاء أنه على الفور لا على التراخي، لأنه لزم وتضيق بالشروع ويدل عليه ظاهر قول الصحابة و "قضى من قابل".
وكذا الكلام فيمن ترك الصوم أو الصلاة بعدوان على الأشبه، لأن جواز التأخير نوع ترفيه وتخفيف والمعدي لا يستحق ذلك.
ولو كانت المرأة محرمة نظر إن جامعها وهي نائمة أو مكرهة لم يفسد حجها وإلا فسد، ولكن لا يجب على أصح القولين إلا بدنة واحدة عنهما جميعاً.
وإذا أفسد حجه بالجماع ثم جامع ثانياً فإن لم يفد عن الأول لزم بدنة أخرى.
وإن فدى لم يلزم إلا شاة.
وعن الحسن: الرفث كل ما يتعلق بالجماع، فليس للمحرم التقبيل بالشهوة ولا المباشرة فيما دون الفرج.
فلو باشر شيئاً منها عمداً فالفدية.
روي عن علي وابن عباس أنهما أوجبا بالقبلة شاة وإن كان ناسياً لم يلزمه شيء ولا يفسد شيء من مقدمات الجماع الحد ولا يوجب البدنة بحال سواء أنزل أو لم ينزل، وبه قال أبو حنيفة، وعند مالك يفسد الحج إذا أنزل وهو أظهر الروايتين عن أحمد.
وقيل: الرفث باللسان ذكر المجامعة وما يتعلق بها.
والرفث باليد اللمس والغمز، والرفث بالفرج الجماع.
وقيل: الرفث هو قول الخنا والفحش لقوله "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه فليقل إني صائم" وعن أبي عبيدة: الرفث الإفحاش وعنه الرفث اللغو في الكلام.
وأما الفسوق فهو الخروج عن الطاعة وحدود الشريعة فيشمل كل المعاصي قال ﴿ ففسق عن أمر ربه ﴾ وقيل: هو التنابز بالألقاب والسباب قال ﴿ ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ﴾ وقال "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" وقيل الإيذاء والإيحاش ﴿ ولا يضارّ كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ﴾ وعن ابن زيد: هو الذبح للأصنام ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وأنه لفسق ﴾ وقيل: الرفث هو الجماع ومقدماته مع الحليلة والفسوق ذلك مع الأجنبية.
وأما الجدال فإنه فعال من المجادلة وأصله من الجدل والفتل كأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه.
واختلف المفسرون فيه.
فعن الحسن: هو الجدال الذي يفضي إلى السباب والتكذيب والتجهيل، وإنه واجب الاجتناب في كل حال إلا أنه مع الرفقاء وفي الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة، وقال محمد بن كعب القرظي: إن قريشاً كانوا إذا اجتمعوا بمنى قال بعضهم: حجنا أتم.
وقال آخرون: بل حجنا أتم.
وقال آخرون: بل حجنا أتم.
فنهاهم الله عن ذلك.
وقال مالك في الموطأ: الجدال في الحج أن قريشاً كانوا يقفون عند المشعر الحرام في المزدلفة بفزح وإنه جبل هناك، وكان غيرهم يقفون بعرفات، وكل من الفريقين يقول: نحن أصوب.
وقال القاسم بن محمد: كانوا يجعلون الشهور على العدد فيختلفون في يوم النحر بسبب ذلك.
فبعضهم يقول هذا يوم عيد، ويقول آخرون بل غداً فكأنه قيل لهم: قد بينا لكم أن الأهلة هي مواقيت الحج فاستقيموا على ذلك ولا تجادلوا فيه.
قال القفال: ويدخل في هذا النهي ما جادلوا فيه رسول الله حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فشق ذلك عليهم وقالوا: نروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر منياً.
فقال "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" فتركوا الجدال حينئذ.
وقال عبد الرحمن بن زيد: جدالهم في الحج اختلافهم في أن أيهم المصيب مقام إبراهيم.
وقيل: إنه النسيء نهوا عن ذلك فإن الزمان قد عاد إلى ما كان عليه الحج في وقت إبراهيم ، قال القاضي أبو بكر الباقلاني: لو حمل النفي في الألفاظ الثلاثة على الخبر وجب أن يحمل الرفث على الجماع، والفسوق على الزنا، والجدال على الشك في الحج، ليصح خبر الله بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج المعتبر.
وإن حملنا الكلام على النهي صح أن يراد بالرفث الجماع ومقدماته وقول الفحش، وبالفسوق جميع أنواعه، وبالجدال جميع أصنافه، فعلى هذا يكون في الآية بعث على الأخلاق الحميدة والآداب الحسنة.
وبالحقيقة لا رفث نهي عن طاعة القوّة الشهوية التي توجب الانهماك في الفجور، ولا فسوق إشارة إلى قهر القوّة الغضبية الداعية إلى التمرد والاستعلاء، ولا جدال رمز إلى تسخير القوّة الوهمية التي تحمل الإنسان على الخلاف في ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه، فمنه تنشأ الآراء المتخالفة والأهواء المتصادمة والعقائد الفاسدة والمذاهب الباطلة.
واعلم أن الجدال ليس منهياً عنه بجميع أقسامه وإنما المذموم منه هو الذي منشأه صرف العصبية ومخض المراء لتنفيذ الآراء الزائفة وتحصيل الأعراض الزائلة والأغراض الفارغة، وأما الذب عن الدين القويم والدعاء إلى الصراط المستقيم وإلزام الخصم الألد وإفحام المعاند اللجوج بمقدمات مشهورة وآراء محمودة حتى يستقر الحق في مركزه ويضمحل صولة الباطل ويركد ريحه فمأمور به في قوله عز من قائل ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ وإنه إحدى شعب البيان وقد يكون أنجع من قاطعة البرهان ﴿ وما تفعلوا من خير يعلمه الله ﴾ لم يتعرض لمقابل الخير وإن كان عالماً به أيضاً لنكتة هي أني إذا علمت منك الخير ذكرته وشهرته، وإذا علمت منك ضده أخفيته وسترته لتعلم أنه إذا كانت رحمتي بك هكذا في الدنيا فكيف تكون في العقبى؟
وفيه ترغيب للمطيعين وإيذان بأنهم من المحسنين "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" والعبد الصالح إذا علم اطلاع مولاه على سرائره وخفاياه اجتهد في أداء ما أمره به، واحترز عن ارتكاب ما نهاه عنه، ومن غاية عنايته حثهم على الخير بعدما نهاهم عن الشر ليستعملوا مكان الرفث التفث، وبدل الفسوق رعاية الحقوق، ومقام الجدال والشقاق الوفاق مع الرفاق تتميماً لمكارم الأخلاق وتنبيهاً على شرف النفس وطيب الأعراق بدليل قوله ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴾ أي اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتقاء القبائح فإن ذلك خير الزاد.
وليس السفر من الدنيا أهون من السفر في الدنيا، وهذا لا بد له من زاد فكذا ذلك.
بل يزداد فإن زاد الدنيا يخلصك عن عذاب منقطع موهوم، وزاد الآخرة ينجيك من عذاب أبديّ معلوم.
زاد الدنيا يوصلك إلى متاع الغرور، وزاد الآخرة يبلغك دار السرور.
وزاد الدنيا سبب حصول حظوظ النفس، وزاد الآخرة سبب الوصول إلى عتبة الجلال والقدس.
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى *** ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا ندمت على أن لا تكـون كمثلــه *** وأنك لم ترصد كما كان أرصـدا وقيل: نزلت في ناس من اليمن كانوا يحجون بغير زاد ويقولون: نحن متوكلون.
ثم كانوا يسألون الناس وربما ظلموهم وغصبوهم فأمرهم الله أن يتزوّدوا ما يتبلغون به فإن خير الزاد ما تكفون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم عن الظلم.
وفيه دليل على أن القادر على استصحاب الزاد في السفر، إذا لم يستصحب عصى الله في ذلك، ففيه إبطال حكمة الله ورفع الوسائط والروابط التي عليها تدور المناجح وبها تنتظم المصالح.
روي أن بعض العارفين زهد فبلغ من زهده أن فارق الناس وخرج من الأمصار وقال: لا أسأل أحداً شيئاً حتى يأتيني رزقي.
فأخذ يسيح فأقام في سفح جبل سبعاً لم يأته شيء حتى كاد يتلف.
فقال: يا رب إن أحببتني فأتني برزقي الذي قسمت لي وإلا فاقبضني إليك.
فألهمه الله في قلبه: وعزتي وجلالي لا أرزقك حتى تدخل الأمصار وتقيم بين الناس فدخل المدينة وأقام بين ظهراني الناس فجاء هذا بطعام وهذا بشراب فأكل وشرب فأوجس في نفسه من ذلك، فسمع أردت أن تبطل حكمته بزهدك في الدنيا، أما علمت أنه يرزق العباد بأيدي العباد أحب إليه من أن يرزقهم بيد القدرة.
وقيل: في الآية حذف أي تزودوا لعاجل سفركم وللآجل فإن خير الزاد التقوى واتقون وخافوا عقابي.
وفيه تنبيه على كمال عظمته كقوله "أنا أبو النجم وشعري شعري" ﴿ يا أولي الألباب ﴾ يعني أن قضية العقل تقوى الله ومن لم يتقه فلا لب له في التحقيق.
ولما منع الناس عن الجدال اختلج في قلب المكلف شبهة أن التجارة لكونها مفضية في الأغلب إلى النزاع في قلة القيمة وكثرتها يجب أن تكون منهية.
وأيضاً أنها كانت محرمة في الجاهلية وقت الحج وأنه أمر غير مستحسن ظاهراً لأن المشتغل بخدمة الله يجب أن لا يتلوث بالأطماع الدنيوية.
وأيضاً كان من الممكن أن تقاس التجارة على سائر المباحات من الطيب والمباشرة ولاصطياد في كونها محظورة بالإحرام فلدفع هذه الشبهة نزلت.
﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا ﴾ أي في أن تطلبوا ﴿ فضلاً من ربكم ﴾ عطاء منه وتفضلاً أو زيادة في الرزق بسبب التجارة والربح بها كقوله ﴿ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ﴾ عن أبي مسلم: أنه حمل الآية على ما بعد الحج.
قال: والتقدير واتقون في كل أفعال الحج، ثم بعد ذلك ليس عليكم جناح أن تبتغوا كقوله ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ وزيف بأن حمل الآية على موضع الشبهة أولى من حملها لا على موضع الشبهة، ومحل الاشتباه هو التجارة في زمان الحج، وأما بعد الفراغ فالحل معلوم، وقياس الحج على الصلاة فاسد، فإن الصلاة أعمالها متصلة فلا يحل في أثنائها التشاغل بغيرها، وأعمال الحج متفرقة تحتمل التجارة في خلالها.
وأيضاً الفاء في قوله ﴿ فإذا أفضتم ﴾ ظاهرة في أن هذه الإفاضة حصلت عقيب ابتغاء الفضل وذلك يدل على أن المراد وقوع التجارة في زمان الحج ويؤيده قراءة ابن عباس ﴿ فضلاً من ربكم في مواسم الحج ﴾ وقال ابن عباس في سبب نزول الآية كانوا يتأثمون أن يتجروا أيام الحج وإذا دخل العشر بالغوا في الكف عن البيع والشراء فلم يقم لهم سوق، ويسمون من يخرج للتجارة الداج ويقولون: هؤلاء الداج وليسوا بالحاج ومعنى الداج الأعوان والمكارون من الدجيج وهو الدبيب في السير.
قال ابن السكيت: لا يطلق الدجيج إلا إذا كان جماعة ولا يقال ذلك للواحد.
وقيل: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يتجرون فيها في أيام الموسم، وكانت معايشهم منها.
فلما جاء الإسلام تأثموا فرفع عنهم الحرج.
ومن المعلوم أنه إنما يباح ما لم يشغل عن العبادة.
وعن ابن عمر أن رجلاً قال له: إنا قوم نكرى في هذا الوجه يعني في طريق الحج، وإن قوماً يزعمون أن لا حج لنا.
فقال: سأل رجل رسول الله عما سألت عنه فلم يرد عليه حتى نزل ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ فدعا به فقال: أنتم حجاج.
وعن عمر أنه قيل له: هل كنتم تكرهون التجارة في الحج؟
فقال: وهل كانت معايشنا إلا من التجارة في الحج؟!
وعن جعفر الصادق : أن ابتغاء الفضل ههنا طلب أعمال أخر زائدة على أعمال الحج موجبة لفضل الله ورحمته كإعانة الضعيف وإغاثة الملهوف وإطعام الجائع وإرواء العطشان.
واعلم أن الفضل ورد في القرآن بمعان، منها ما يتعلق بالمصالح الدنيوية من المال والجاه والغذاء واللباس وهو المسمى بالرزق ﴿ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ ومنها ما يتعلق بالمصالح الأخروية وهو الفضل والثواب والجنة والرحمة ﴿ تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ﴾ ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان ﴾ ومنها ما يتعلق بمواهب القربة ﴿ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ﴾ ﴿ وكان فضل الله عليك عظيماً ﴾ ورفع الجناح قد يستعمل في الواجب والمندوب مثل ما يستعمل في المباح كما مر في قوله ﴿ فلا جناح عليه أن يطوّف بهما ﴾ .
﴿ فإذا أفضتم ﴾ أي دفعتم بكثرة ومنه إفاضة الماء وهو صبه بكثرة.
التقدير: أفضتم أنفسكم.
فترك ذكر المفعول كما ترك في قولهم دفعوا من موضع كذا وصبوا.
وعرفات جمع عرفة وكلاهما علم للموقف كأن كل قطعة من تلك الأرض عرفة فسمي مجموع تلك القطعة بعرفات كما قيل في باب الصفة "ثوب أخلاق" و "برمة أعشار" ثم سئل: هلا منعت الصرف وفيها سببان التعريف والتأنيث؟
فقيل: إنه لم يبق علماً بعدما جمع ثم جعل علماً لمجموع القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها في الصرف.
وقيل: إن هذا التنوين تنوين المقابلة في نحو "مسلمات" ومن ذهب إلى أن تنوين المقابلة لا وجود له كجار الله وكثير من المتأخرين.
وأن هذا التنوين تنوين الصرف.
قالوا: إنما لم يسقط لأن التأنيث في نحو "مسلمات وعرفات" ضعيف.
فإن التاء التي هي لمحض التأنيث سقطت، والباقية علامة لجمع المؤنث، وزيف بأن عرفات مؤنث.
وإن قلنا إنه لا علامة تأنيث فيها لا متمحضة للتأنيث ولا مشتركة لأنه لا يعود الضمير إليها إلا مؤنثاً تقول "هذه عرفات مباركاً فيها" ولا يجوز "مباركاً فيه" إلا بتأويل بعيد كما في قوله "ولا أرض أبقل إبقالها" فتأنيثها لا يقصر عن تأنيث مصر الذي هو بتأويل البقعة.
وقال بعض المتأخرين: الأولى أن يقال: إن التنوين للصرف وإنما لم يسقط في نحو "عرفات" لأنه لو سقط لتبعه الكسر في السقوط وتبع النصب وهو خلاف ما عليه الجمع السالم، إذ الكسر فيه متبوع لا تابع فهو فيه كالتنوين في غير المنصرف للضرورة لم يحذفا لمانع.
هذا مع أنه جوز المبرد والزجاج ههنا مع العلمية حذف التنوين وإبقاء الكسر كبيت امرئ القيس في رواية.
تنورتها من أذرعات وأهلها *** بيثرب أدنى دارها نظر عالي وبعضهم يفتح التاء في مثله مع حذف التنوين كسائر ما لا ينصرف.
فعلى هذين الوجهين التنوين للظرف بلا خلاف، والأشهر بقاء التنوين في مثله مع العلمية.
وقيل: التنوين عوض من منع الفتحة.
واعلم أن اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى بيوم التروية، واليوم التاسع منه يسمى بيوم عرفة.
وعرفة وعرفات هي الموضع المخصوص.
فقيل: التروية التفكر.
وسببه أن آدم لما أمر ببناء البيت فبناء تفكر فقال: يا رب إن لكل عامل أجراً فما أجري على هذا العمل؟
قال: إذا طفت به غفرت لك ذنوبك بأول شوط من طوافك.
قال يا رب زدني قال: أغفر لأولادك إذا طافوا به.
قال: زدني، فقال: أغفر لكل من استغفر له الطائفون من موحدي أولادك.
قال: حسبي يا رب حسبي.
وقيل: إن إبراهيم رأى في منامه ليلة التروية كأنه يذبح ابنه فأصبح متفكراً هل هذا من الله أو من الشيطان، فلما رآه ليلة عرفة يؤمر به أصبح فقال: عرفت يا رب أنه من عندك.
وقيل: إن أهل مكة يخرجون يوم التروية إلى منى فيروّون في الأدعية التي يذكرونها في الغد بعرفات.
وقيل: التروية الإرواء فإن أهل مكة كانوا يجمعون الماء للحجيج الذي يقصدونهم من الآفاق فيتسعون في الماء بعدما تعبوا في الطريق من قلة الماء، أو لأنهم يتزوّدون الماء إلى عرفة، أو لأن المذنبين كالعطاش وردوا بحار الرحمة فشربوا منها حتى رووا.
أما يوم عرفة فقيل: إنه من المعرفة لأن آدم وحوّاء عليهما السلام التقيا بعرفة فعرف أحدهما صاحبه، عن ابن عباس أو لأن جبريل علم آدم مناسك الحج فلما وقف بعرفات قال له: أعرفت؟
قال: نعم.
أو لأن إبراهيم عرفها حين رآها بما تقدم من النعت والصفة.
عن علي وابن عباس وعطاء والسدي.
أو لأن جبريل عرف بها إبراهيم المناسك وقد مر في قوله ﴿ وأرنا مناسكنا ﴾ أو لأن إبراهيم وضع ابنه إسماعيل وأمه هاجر بمكة ورجع إلى الشام ولم يتلاقيا سنين ثم التقيا يوماً بعرفات، وقد سبقت القصة في بناء البيت في قوله ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد ﴾ ولما ذكرنا آنفاً من مقام إبراهيم أو لأن الحاج يتعارفون فيه إذا وقفوا، أو لأنه يتعرف فيه إلى الحاج بالمغفرة والرحمة.
وقيل: اشتقاقها من الاعتراف لأن الناس يعترفون هنالك للحق بالربوبية والجلال، ولأنفسهم بالفقر واختلاف الحال.
يقال: إن آدم وحوّاء لما وقفا بعرفات قالا ربنا ظلمنا أنفسنا، فقال الله : الآن عرفتما أنفسكما.
وقيل: من العرف وهو الرائحة الطيبة لأن المذنبين يكتسبون بالمغفرة روائح طيبة عند الله مقام ضدها.
قال "خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك" وقد يسمى يوم عرفة يوم إياس الكفار من الإسلام ويوم إكمال الدين ويوم إتمام النعمة ويوم الرضوان أخذاً من قوله في المائدة ﴿ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ﴾ عن عمر وابن عباس: نزلت هذه الآية عشية يوم عرفة وكان يوم الجمعة والنبي واقف بعرفة في موقف إبراهيم في حجة الوداع وقد اضمحل الكفر وهدم منار الجاهلية.
فقال النبي : "لو يعلم الناس مالهم في هذه الآية لقرت أعينهم" .
قال يهودي لعمر: لو أن هذه الآية أنزلت علينا لتخذنا ذلك اليوم عيداً فقال عمر: أما نحن فجعلناه عيدين.
وكان ذلك يوم عرفة ويوم جمعة يوم صلة الواصلين ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ﴾ يوم قطيعة القاطعين ﴿ أن الله بريء من المشركين ورسوله ﴾ يوم إقالة عثرة النادمين وقبول توبة التائبين ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا ﴾ يوم وفد الوافدين في الخبر "الحاج وفد الله والحاج زوّار الله وحق على المزور الكريم أن يكرم زائره" يوم الحج الأكبر ﴿ وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ﴾ يوم خص صومه بكثرة الثواب قال "صوم يوم التروية كفارة سنة وصوم يوم عرفة كفارة سنتين" وقال "من صام يوم التروية أعطاه الله مثل ثواب أيوب على بلائه، ومن صام يوم عرفة أعطاه الله مثل ثواب عيسى بن مريم" أقسم الله به في قوله عز من قائل ﴿ والشفع والوتر ﴾ عن ابن عباس: الشفع يوم التروية وعرفة، والوتر يوم النحر يوم خص بكثرة الرحمة وسعة المغفرة.
وعن عائشة أن رسول الله قال: "ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو يتجلى ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء اشهدوا ملائكتي أني قد غفرت لهم" ولا ضير أن نشير ههنا إلى أعمال الحج إشارة خفيفة.
اعلم أنه من دخل مكة محرماً في ذي الحجة أو قبله فإن كان مفرداً أو قارناً طاف طواف القدوم وأقام على إحرامه حتى يخرج إلى عرفات، وإن كان متمتعاً طاف وسعى وحلق وتحلل من عمرته وأقام إلى وقت خروجه إلى عرفات، وحينئذ يحرم من جوف مكة بالحج ويخرج، وكذلك من أراد الحج من أهل مكة.
والسنة للإمام أن يخطب بمكة اليوم السابع من ذي الحجة بعدما صلى الظهر خطبة واحدة يأمر الناس فيها بالذهاب غداً بعد أن يصلوا الصبح إلى منى، ويعلمهم تلك الأعمال.
ثم إن القوم يذهبون يوم التروية إلى منى بحيث يوافون الظهر بمنى ويصلون بها مع الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح من يوم عرفة، ثم إذا طلعت الشمس على ثبير توجهوا إلى عرفات، فإذا دنوا منها فالسنة أن لا يدخلوها بل تضرب قبة الإمام بنمرة.
روي أن النبي مكث حتى طلعت الشمس ثم ركب وأمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة فنزل بها.
فإذا زالت الشمس خطب الإمام خطبتين يبين لهم مناسك الحج ويحرضهم على إكثار الدعاء والتهليل بالموقف، وبعد الفراغ من الخطبة الأولى جلس ثم قام وافتتح الخطبة الثانية والمؤذنون يأخذون في الأذان معه.
ويخفف بحيث يكون فراغه منها مع فراغ المؤذنين من الأذان، ثم ينزل فيقيم المؤذنون فيصلي بهم الظهر، ثم يقيمون في الحال فيصلي.
بهم العصر، وهذا الجمع متفق عليه.
ثم بعد الفراغ من الصلاة يتوجهون إلى عرفات فيقفون عند الصخرات لأن النبي وقف هناك، وإذا وقفوا استقبلوا القبلة ويذكرون الله ويدعونه إلى غروب الشمس.
والوقوف ركن لا يدرك الحج إلا به، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج لقوله "الحج عرفة" فمن فاته عرفة فقد فاته الحج.
وقد يستدل بالآية أيضاً على ذلك لأنها دلت على ذكر الله عند المشعر الحرام عقيب الإفاضة من عرفات.
والإفاضة من عرفات لا تتصور إلا بعد الحصول بعرفات.
وجمهور الفقهاء على أن الوقوف بالمشعر الحرام ليس بركن لأنه أمر بالذكر عنده، فالوقوف به تبع لا أصل بخلاف الوقوف بعرفة لأنه جعله أصلاً حيث لم يقل فإذا أفضتم عن الذكر بعرفات.
ووقت الوقوف يدخل بزوال الشمس يوم عرفة ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر وذلك نصف يوم وليلة كاملة، وإذا حضر الحاج هناك في هذا الوقت لحظة واحدة من ليل أو نهار كفى.
وقال أحمد: وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر.
وإذا غربت الشمس دفع الإمام من عرفات وأخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء بالمزدلفة.
قيل: سمي بها لأنهم يقربون فيها من منى والازدلاف القرب.
وقيل: لأن الناس يجتمعون بها، والازدلاف الاجتماع.
وقيل: لأنهم يزدلفون إلى الله أي يتقربون بالوقوف فيها.
ويقال: للمزدلفة جمعم لأنه يجمع فيها بين صلاتي المغرب والعشاء عن قتادة: وقيل: لأن آدم اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها أي دنا منها.
ثم إذا أتى الإمام المزدلفة جمع بين المغرب والعشاء بإقامتين.
ثم يبيتون بها فإن لم يبت بها فعليه دم شاة.
فإذا طلع الفجر صلوا الصبح بغلس.
والتغليس بالفجر ههنا أشد استحباباً منه في غيرها وهو متفق عليه.
فإذا صلوا الصبح أخذوا منها الحصى للرمي، يأخذ كل إنسان سبعين حصاة ثم يذهبون إلى المشعر الحرام، وهو جبل يقول له قزح فيرقى فوقه إن أمكنه أو وقف بالقرب منه إن أمكنه، ويحمد الله ويهلله ويكبره، ولا يزال كذلك حتى يسفر جداً، ثم يدفع قبل طلع الشمس.
ويكفي المرور كما في عرفة ثم يذهبون منه إلى وادي محسر، فإذا بلغوا بطن محسر فمن كان راكباً يحرك دابته، ومن كان ماشيا يسعى سعياً شديداً قدر رمية حجر.
فإذا أتى منى رمى جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات ويقطع التلبية إذا رمى، ثم بعدما رمى جمرة العقبة ذبح الهدي إن كان معه هدي وذلك سنة لو تركه لا شيء عليه لأنه ربما لا يكون معه هدي.
ثم بعدما ذبح الهدي يحلق رأسه أو يقصر، ثم بعد الحلق أتى مكة ويطوف بالبيت طواف الإفاضة وهو الركن ويصلي ركعتي الطواف ويسعى بين الصفا والمروة، ثم بعد ذلك يعود إلى منى في بقية يوم النحر، وعليهم البيتوتة بمنى ليالي التشريق لأجل الرمي.
واعلم أن من مكة إلى منى فرسخين، ومن منى إلى عرفات فرسخين، ومزدلفة متوسطة بين منى وعرفات منها إلى كل واحد منهما فرسخ، ولا يقفون بها في سيرهم من منى إلى عرفات.
والحاصل أن أعمال الحج يوم النحر إلى أن يعود إلى منى أربعة: رمي جمرة العقبة والذبح والحلق والتقصير والطواف طواف الإفاضة ويسمى طواف الزيارة أيضاً لأنهم يأتون من منى زائرين للبيت ويعودون في الحال.
والترتيب في الأعمال الأربعة على النسق المذكور مسنون وليس بواجب.
أما أنه مسنون فلأن النبي فعلها، وأما أنه ليس بواجب فلماروي عن عبد الله بن عمرو قال: " وقف رسول الله بمنى للناس يسألونه فجاء رجل فقال: يا رسول الله إني حلقت قبل أن أرمي.
قال: ارم ولا حرج.
وأتاه آخر فقال: إني ذبحت قبل أن أرمي قال: ارم ولا حرج.
وأتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي فقال: ارم ولا حرج، فما سئل عن شيء قدم أو أخر إلا قال: افعل ولا حرج" .
وعن مالك وأحمد وأبي حنيفة أن الترتيب بينها واجب ولو تركه فعليه دم على تفصيل ليس ههنا موضع بيانه.
ثم إن أهل الجاهلية كانوا قد غيروا مناسك الحج من سنة إبراهيم .
وذلك أن الحمس كانوا لا يقفون بعرفات ويقولون: لا نخرج من الحرم ولا نتركه في وقت الطاعة، وكان غيرهم يقفون بعرفة والذين كانوا يقفون بعرفة يفيضون قبل أن تغرب الشمس، والذين يقفون بمزدلفة إذا طلعت الشمس ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير أي نسرع للنحر.
وقيل: أي ندفع من مزدلفة فندخل في غور الأرض.
وثبير جبل هناك فأمر الله نبينا بمخالفة القوم في الدفعتين فأمره بأن يفيض من عرفات بعد غروب الشمس.
وبأن يفيض من المزدلفة قبل طلوع الشمس، فإن السنة أيضاً من قبيل الوحي.
قال الواحدي: المشعر الحرام هو المزدلفة سماه الله بذلك لأن الصلاة والمقام والمبيت به والدعاء عنده.
وقال في الكشاف: المشعر الحرام قزح وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة، أي: يوقد هناك النار في الجاهلية، قال: وقيل المشعر الحرام ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام.
قال: والصحيح أنه الجبل لما روى جابر أن النبي لما صلى الفجر - يعني بالمزدلفة - بغلس ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل ولم يزل واقفاً حتى أسفر.
وقال: عند المشعر الحرام معناه ما يلي المشعر الحرام قريباً منه وذلك للفضل كالقرب من جبل الرحمة وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، أو جعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به عند المشعر.
والمشعر المعلم لأنه معلم لعبادته ووصف بالحرام لحرمته.
وأما الذكر المأمور به هناك فقيل: هو الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء.
والصلاة تسمى ذكراً قال ﴿ وأقم الصلاة لذكري ﴾ والدليل عليه أن ﴿ فاذكروا ﴾ أمر فهو للوجوب ولا ذكر يجب هناك إلا هذا، والجمهور على أن المراد ذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل.
عن ابن عباس أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال: لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون ﴿ كما هداكم ﴾ "ما" مصدرية أو كافة.
أطلق الأمر بالذكر أوّلاً ثم قيده ثانياً.
والمعنى: اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة كي تكونوا شاكرين والهداية إما كل أنواع الهدايات أو الهداية إلى سنة إبراهيم في مناسك الحج، أو اذكروا كما علمكم كيف تذكرونه لا تعدلوا عنه بحسب الرأي والقياس، فإن أسماء الله توقيفية أو الذكر الأول محمول على الذكر باللسان، والثاني على الذكر بالقلب.
أو المعنى اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته، أو المراد بتثنية الأمر تكريره وتكثيره كقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ وعلى هذا فيكون قوله ﴿ كما هداكم ﴾ متعلقاً بالأمرين جميعاً، أو الذكر الأول مقيد بأنه عند المشعر الحرام والثاني مطلق يدل على وجوب ذكره في كل مكان وعلى كل حال.
فالأول إقامة للوظيفة الشرعية والثاني ارتقاء إلى معارج الحقيقة وهو أن ينقطع القلب عن المشعر الحرام بل عن كل ما سواه من حلال وحرام.
أو المراد بالأول الجمع بين الصلاتين هناك وبالثاني التسبيح والتحميد ﴿ وإن كنتم من قبله ﴾ من قبل الهدى، أو من قبل الرسول، أو من قبل إنزال الكتاب الذي بين فيه معالم دينكم ﴿ لمن الضالين ﴾ الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه.
"وإن" هي المحففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية ﴿ ثم أفيضوا ﴾ في هذه الإفاضة قولان: أحدهما أنه الإفاضة من عرفات وعلى هذا فالأكثرون قالوا: إنه أمر لقريش وحلفائها وهم الحمس لأنهم كانوا لا يتجاوزون المزدلفة ويتعللون بأن الحرم أشرف من غيره، فالوقوف به أولى.
وبأنهم أهل الله وقطان حرمه فلا يليق بحالهم أن يساووا الناس بالوقوف في الموقف ترفعاً وكراً.
روي أن النبي لما جعل أبا بكر أميراً في الحج أمره بإخراج الناس إلى عرفات.
فلما ذهب مر على الحمس وتركهم فقالوا له: إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك؟
فلا تذهب.
فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر الله إلى عرفات ووقف بها وأمر سائر الناس بالوقوف بها.
والحاصل ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس الواقفون بعرفات لا من المزدلفة.
ومعنى "ثم" التفاوت بين الإفاضتين وأن الإفاضة المأمور بها صواب والأخرى خطأ كما تقول "أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم" تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى كريم والإحسان إلى غيره، وبهذا التحقيق لا يلزم عطف الشيء على نفسه.
وصيرورة المعنى: فإذا أفضتم من عرفات فأفيضوا من عرفات، ولا أن يقدر تقديم هذه الآية على ما قبلها في الوضع.
ومن القائلين بأن المراد الإفاضة من عرفات من قال إنه أمر الناس جميعاً.
وقوله ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ المراد به إبراهيم وإسماعيل فإن من سنتهما ذلك.
وروي أن النبي كان يقف في الجاهلية بعرفة كسائر الناس ويخالف الحمس.
وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيساً مقتدى به.
﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ يعني نعيم بن مسعود ﴿ إن الناس ﴾ يعني أبا سفيان.
ووجه ثالث وهو أن يكون قوله ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفات وأن ما عداه مبتدع كما يقال "هذا مما فعله الناس قديماً".
القول الثاني عن الضحاك أن المراد الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر، وقوله ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ يعني إبراهيم وإسماعيل ومتبعيهما فإن طريقتهم الإفاضة من المزدلفة قبل طلوع الشمس على ما جاء به الرسول ، والعرب الذين كانوا واقفين بالمزدلفة كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس فأمرهم الله بأن تكون إفاضتهم من المزدلفة في الوقت الذي كان يحصل فيه إفاضة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
وأورد على هذا القول أن استعمال "حيث" للزمان قليل، ويمكن أن يجاب بأن القرآن أولى ما يحتج به.
وعن الزهري: أن الناس في هذه الآية آدم واحتج بقراءة سعيد بن جبير ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ بكسر السين اكتفاء من الياء بالكسرة من قوله ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ﴾ والمعنى: أن الإفاضة من عرفات شرع قديم فلا تتركوه.
﴿ واستغفروا الله ﴾ من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم، وليكن الاستغفار باللسان مع التوبة بالقلب وهي أن يندم على كل تقصير منه في طاعة الله ويعزم أن لا يقصر فيما بعده ابتغاء لمرضاة الله لا للمنافع العاجلة.
والاستغفار بالحقيقة يجب على كل مكلف وإن لم يعلم من ظاهر حاله خطيئة فإن النقص لازم الإمكان، والقصور من خصائص الإنسان وكيف لا وقد قالت الملائكة وإنهم أرفع حالاً ما عبدناك حق عبادتك.
وصورة الاستغفار على ما روى البخاري في صحيحه عن شداد بن أوس أن النبي قال: "سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك وأبوء بذنبي فاغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" ولو اقتصر على قوله "أستغفر الله" كفى.
ولو زاد فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وأنت التواب الرحيم.
أو قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ذا الجلال والإكرام.
من كل ذنب أذنبته ومعصية ارتكبتها، وأتوب إليه من الذنب الذي أعلم ومن الذي لا أعلم كان حسناً.
﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ بناءان للمبالغة كما مر مراراً.
واختلف أهل العلم في المغفرة الموعودة في هذه الآية.
فمن قائل إنها عند الدفع من عرفات إلى جمع بناء على القول الأول في الإفاضة، ومن قائل إنها عند الدفع من جمع إلى منى بناء على القول الآخر.
قوله عز من قائل ﴿ فإذا قضيتم مناسككم ﴾ أي فرغتم من عباداتكم التي أمرتم بها في الحج، أو من أعمال مناسككم إذ المناسك جمع المنسك.
وأنه يحتمل أن يكون مصدراً وأن يكون اسم مكان.
وعن مجاهد أن قضاء المناسك هو إراقة الدماء.
عن ابن عباس: أن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم بعد أيام التشريق يقفون بين مسجد منى وبين الجبل ويذكر كل واحد منهم فضائل آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم ويتناشدون فيها الأشعار وغرضهم الشهرة والترفع بمآثر سلفهم.
فلما أنعم الله عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لربهم لا لآبائهم.
ثم الفاء في قوله ﴿ فاذكروا الله ﴾ تدل على أن الفراغ من المناسك يوجب هذا الذكر فلهذا قيل: هو الذكر على الذبيحة، وقيل: هو التكبيرات بعد الصلاة في أيام النحر والتشريق وقيل: هو الإقبال على الدعاء والاستغفار بعد الفراغ من الحج كالأدعية المأثورة عقيب الصلوات المكتوبة.
وقيل: معناه فإذا قضيتم مناسككم وأزلتم آثار البشرية وقهرتم القوى الطبيعية وأمطتم الأذى من طريق السلوك، فاشتغلوا بعد ذلك بتنوير القلب بذكر الله فإن التخلية ليست مقصودة بالذات، وإنما الغرض منها التخلية بمواجب السعادات الباقيات، فالأولى نفي والثاني إثبات.
ومعنى ﴿ كذكركم آباءكم ﴾ توفروا على ذكر الله كما كنتم تتوفرون على ذكر الآباء، وأقيموا الثناء على الله مقام تعداد مفاخر الآباء فإنه إن كان كذباً أوجب الدناءة في الدنيا والعقوبة في العقبى، وإن كان صدقاً استتبع العجب والتباهي، وإن كانوا يذكرون الآباء ليتوسلوا بذلك إلى إجابة الدعاء فالإقبال بالكلية على مولي النعماء أولى مع أن حسنات آبائهم محبطة لسبب إشراكهم.
وعن الضحاك والربيع: اذكروا الله كذكركم آباءكم وأمهاتكم وذلك قول الصبي أول ما ينطق "أبه أبه أمه أمه" أي كونوا مواظبين على ذكر الله كما يكون الصبي في صغره مواظباً على ذكر أبيه وأمه، فاكتفي بالآباء عن الأمهات كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ وقال أبو مسلم: جرى ذكر الآباء مثلاً لدوام الذكر.
والمعنى: كما أن الرجل لا ينسى ذكر أبيه فكذلك يجب أن لا يغفل عن ذكر الله.
وقال ابن الأنباري: العرب أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء فقال : عظموا الله كتعظيمكم آباءكم.
وقد نهى رسول الله عن الحلف بالآباء وقال "من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" وقيل: اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية فإن الواحد منكم لو نسب إلى والدين تأذى منه واستنكف.
وقيل: كما أن الطفل يرجع إلى أبيه في طلب المهمات وكفاية الملمات فكونوا أنتم في ذكر الله كذلك.
وعن ابن عباس معنى الآية أن تغضب لله إذا عصي أشد من غضبك لوالدك إذا ذكر بسوء.
وقوله ﴿ أو أشد ذكراً ﴾ إما في موضع جر عطفاً على ما أضيف إليه الذكر في قوله ﴿ كذكركم ﴾ كما تقول "كذكر قريش آباءهم أو قوم أشد منهم ذكراً.
وإما في موضع نصف عطفاً على ﴿ آباءكم ﴾ بمعنى أو أشد ذكراً من آبائكم على أن ﴿ ذكراً ﴾ من فعل المذكور وهو الآباء لا فعل الذاكر وهو الأبناء، فإن الذكر بل كل فعل معتدٍ له اعتبارات اعتبار وقوعه على المفعول، واعتبار صدوره عن الفاعل.
وذلك الفعل بأحد الاعتبارين مغاير له بالاعتبار الآخر.
وإنما لزم اعتبار الفعل ههنا من جهة وقوعه على المفعول لأنّ الآباء المفضل عليهم المذكورون لا الذاكرون.
ويحتمل أن يقال: المعنى فاذكروا الله ذكراً مثل ذكركم آباءكم أو أشد ذكراً.
ولكن برد عليه أن أفعل إنما يضاف إلى ما بعده إذا كان من جنس ما قبله كقولك: "وجهك أحسن وجه" أي أحسن الوجوه.
فإذا نصب ما بعده كان غير الذي قبله كقوله "زيد أفره عبداً".
فالفراهة للعبد لا لزيد.
والمذكور قبل ﴿ أشد ﴾ ههنا هو الذكر والذكر لا يذكر حتى يقال "أشد ذكراً إنما قياسه أن يقال: الذكر أشد ذكر جراً إضافة.
وفيه وجه نصبه على ما قال أبو علي أن يجعل الذكر ذاكراً مجازاً.
ويجوز نسبة الذكر إلى الذكر بأن يسمع إنسان الذكر فيذكر، فكأن الذكر قد ذكر لحدوثه بسببه وعلى جميع الوجوه.
فمعنى "أو" ههنا ليس هو التشكيك وإنما المراد به النقل عن الشيء إلى ما هو أقرب وأولى كقول رجل لغيره "افعل هذا إلى شهر أو أسرع منه".
وإنما أمر الله تعالى أن يكون ذكره أشد لأن مفاخر آبائهم متناهية وصفاته الكمالية غير متناهية، وتلك مشكوكة وهذه متيقنة، وغاية الأول تضييع وحرمان، ولازم الثاني نور وبرهان.
ثم إنه تعالى بعدما أمر بالعبادة تصفية للنفس وتخلية لها عن ظلمات الكبر والضلال وأمر عقيب ذلك بتنوير الباطن بنور الجلال والجمال بكثرة الاشتغال بذكر الكبير المتعال، نبه على حسن طلب مزيد الإنعام والإفضال فذكر أن الناس فريقان: منهم من قصر دعاءه على طلب اللذات العاجلة، ومنهم من أضاف إلى ذلك الطلب نعيم الآخرة وأهمل القسم الثالث وهو أن يكون دعاؤه مقصوراً على طلب الآخرة تنبيهاً على أن ذلك غير مشروع ومن حقه أن لا يوجد، فإن الإنسان خلق ضعيفاً لا طاقة له بآلام الدنيا ولا بعذاب النار.
فالأولى به أن يستعيذ بربه من آفات الدنيا الآخرة.
عن أنس "أن النبي دخل على رجل يعوده وقد أنهكه المرض فقال له: ما كنت تدعو الله به؟
قال: كنت أقول: اللهم إذا كنت تعاقبني به في الآخرة فعجلنيه في الدنيا فقال النبي : سبحان الله إنك لا تطيق ذلك ألا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟
فدعا له رسول الله فشفي" .
والإنصاف أنه لو سلط الألم على عرق واحد في البدن أو على منبت شعرة واحدة عجز الإنسان عن الصبر عليه، وقد يفضي ذلك به إلى الجزع ويعوقه عن اكتساب الكمالات، ويحمله على إهمال وظائف الطاعات، ومن ذا الذي يستغني عن إمداد الله إياه في دنياه وعقباه؟!
ثم المقصرون في الدعاء على طلب الدنيا من هم؟
عن ابن عباس: أنهم المشركون كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم ارزقنا إبلاً وبقراً وغنماً وإماء وعبيداً.
وذلك لأنكارهم البعث والمعاد.
وعن أنس: كانوا يقولون: اسقنا المطر وأعطنا على عدوّنا الظفر، ويحكى عن أبي علي الدقاق أنه قال: أهل النار يستغيثون ثم يقولون: أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله في الدنيا.
طلب المأكول والمشروب وفي النار طلب المأكول والمشروب، فلما غلبتهم شهواتهم افتضحوا في الدنيا والآخرة وقال الآخرون.
يحتمل أن يكونوا مسلمين وعوقبوا لأنهم سألوا الله في أعظم المواقف وأشرف المشاهد أخس البضائع وأدون المطالب المشبه تارة بكنيف وأخرى بأحقر من جناح بعوضة، معرضين عن العيش الباقي والنعيم المقيم.
وقوله ﴿ ربنا آتنا في الدنيا ﴾ متروك المفعول الثاني لأنه كالمعلوم، ويحتمل أن يكون من قولهم "فلان معط" أي موجد الإعطاء، معناه اجعل إعطاءنا في الدنيا خاصة.
واعلم أن مطامح النفس في الدنيا إحدى ثلاث خصال: روحانية هي تكميل القوة النظرية بالعلم وتتميم القوّة العملية بتحصيل الأخلاق الفاضلة، وبدنية هي الصحة والجمال، وخارجية هي الجاه والمال.
وكل من لا يؤمن بالبعث فإنه لا يطلب فضيلة روحانية ولا جسمانية إلا لأجل الدنيا.
فيطلب العلم لأجل الترفع على الأقران ويكتسب الأخلاق لتدبير الأمور المنزلية والمدنية.
فلما قال عز من قائل ﴿ وماله في الآخرة من خلاق ﴾ أي طلب نصيب حذف مفعول ﴿ آتنا ﴾ لأن كل من ليس له في الآخرة طلب، ولا لهمه إلى اقتناء السعادات الباقيات نزاع وطموح، فمطلوبه عبث وسفه ووبال وضلال أي شيء فرضت علماً وعملاً روحانياً أو جسمانياً.
اللهم اجعلنا ممن لا ينظر في أي شيء بنظر إلا إليك، ولا يرغب في كل ما يرغب إلا لأجل ما لديك إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين.
ثم إنه لم يذكر في هذه الآية أن هذا الفريق مجابة دعوتهم أولاً.
فقال طائفة من العلماء: إنهم ليسوا بأهل للإجابة، لأن كون الإنسان مجاب الدعوة صفة مدح ولا يليق إلا بأولياء الله والمرتضين من عباده وقال آخرون قد يكون الإنسان مجاباً لا كرامة واجتباء بل مكراً واستدراجاً ويؤيده قوله ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب ﴾ وعلى هذا يصح أن يقال في الآية إضمار أي يقول: ربنا آتنا في الدنيا فيؤتيه الله في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق.
لأن همته مقصورة على الدنيا.
والحسنتان في دعاء الصالحين.
أما في الدنيا فالصحة والأمن والكفاية والولد الصالح والزوجة الصالحة والنصرة على الأعداء، وقد سمى الله الخصب والسعة في الرزق وما أشبه ذلك حسنة ﴿ إن تصبك حسنة تسؤهم ﴾ ﴿ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ﴾ قيل: إما النصرة وإما الشهادة.
وأما في الآخرة فالفوز بالثواب والخلاص من العقاب، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع.
صرح بذلكفي قوله ﴿ وقنا عذاب النار ﴾ وهذه بالجملة كلمة جامعة لجميع خيرات الدنيا والآخرة.
روى حماد بن سلمة عن ثابت أنهم قالوا لأنس: ادع لنا فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
قالوا: زدنا فأعادها قالوا: زدنا قال: فما تريدون سألت لكم خير الدنيا والآخرة.
وعن علي الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء.
وعذاب النار امرأة السوء.
وقيل: الحسنة في الدنيا العمل النافع وهو الإيمان والطاعة، وفي الآخرة التنعم بذكر الله والإنس به وبرؤيته.
قلت: لا تلذذ في الدنيا والآخرة إلا بهذا.
الجسم مني للجليس مجالس *** وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي وعن قتادة الحسنتان طلب العافية في الدارين.
وعن الحسن: هي في الدنيا فهم كتاب الله، وفي الآخرة الجنة.
ومنشأ البحث مجيء الحسنة منكرة في حيز الإثبات، فكل من المفسرين حمل اللفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة عقلاً أو شرعاً.
ويمكن أن يقال: التنوين للتعظيم أي حسنة وأي حسنة أو يريد حسنة توافق حال الداعي وحكمة المدعو، وفيه من حسن الطلب ورعاية الطلب ورعاية الأدب ما ليس في التصريح به فإنه لا يكون إلا ما يشاء أو يريد حسنة ما وإن كانت قليلة، فإن النظر إلى المنعم لا إلى الإنعام.
قليل منك يكفيني ولكن قليلك لا يقال له قليل.
﴿ أولئك ﴾ الداعون بالحسنتين ﴿ لهم نصيب ﴾ وأي نصيب ﴿ مما كسبوا ﴾ من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة.
فمن للابتداء.
ويحتمل التعليل أي من أجل ما كسبوا كقوله ﴿ مما خطيئاتهم أغرقوا ﴾ والكسب ما يناله المرء بعمله ومنه يقال للأرباح "إنها كسب فلان" أولهم نصيب مما دعوا به يعطيهم بحسب مصالحهم في الدنيا واستحقاقهم في الآخرة وسمي الدعاء كسباً لأنه من الأعمال والأعمال موصوفة بالكسب ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ أولئك ﴾ للفريقين جميعاً وأن لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا.
﴿ والله سريع الحساب ﴾ السرعة نقيض البطء.
والحساب مصدر كالمحاسبة وهو العدّ قال الزجاج: هو مأخوذ من قوله "حسبك كذا" أي كفاك.
وذلك أن فيه كفاية وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان.
ومعنى كون الله محاسباً لخلقه قيل: إنه يعلمهم ما لهم وعليهم بأن يخلق العلم الضروري في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها، أو بمقادير ما لهم من الثواب والعقاب.
ووجه هذا المجاز أن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بماله وعليه، فإطلاق الحساب على هذا الإعلام إطلاق اسم السبب على المسبب.
عن ابن عباس أنه قال: لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله يعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم فيقال لهم: هذه سيئاتكم قد تجاوزت عنها، ثم يعطون حسناتهم ويقال: هذه حسناتكم قد ضعفتها لكم.
وقيل: المحاسبة المجازاة ﴿ وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حساباً شديداً ﴾ ووجه المجاز أن الحساب سبب للأخذ والإعطاء.
وقيل: إنه يكلم العباد في أحوال أعمالهم وكيفية ما لها من الثواب والعقاب.
فمن قال: إن كلامه ليس بحرف ولا صوت قال: إنه يخلق في أذن المكلف سمعاً يسمع به كلامه القديم كما يخلق في عينه رؤية يرى بها ذاته القديمة.
ومن قال: إنه صوت قال: إنه يخلق كلاماً يسمعه كل مكلف.
إما بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كل واحد منهم و في جسم يقرب من أذنه بحيث لا يبلغ قوة ذلك الصوت مبلغاً يمنع الغير من فهم ما كلف به، فهذا هو المراد من كونه محاسباً لخلقه، ومعنى كونه سريع الحساب أو قدرته متعلقة بجميع الممكنات من غير أن يفتقر في أحداث شيء إلى فكر وروية ومدة وعدّة، ولذلك ورد في الخبر أنه يحاسب الخلق في مقدار حلب شاة، وروي في لمحة.
أو أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم لأنه قادر على أن يعطي مطالب جميع الخلائق في لحظة واحدة كما ورد في الدعاء المأثور "يا من لا يشغله سمع عن سمع"، أو أن وقت جزائه وحسابه سريع يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد كقوله ﴿ اقترب للناس حسابهم ﴾ وقوله ﴿ واذكروا الله ﴾ أي بالتكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار يكبر مع كل حصاة.
وفيه دليل على وجوب الرمي لأن الأمر بالتكبير أمر بالذي يتوقف التكبير على حضوره، وإنما اختير هذا النسق لأنهم ما كانوا منكرين للرمي وإنما كانوا يتركون ذكر الله عنده ﴿ في أيام معدودات ﴾ هي أيام التشريق ثلاثة أيام بعد النحر: أولها يوم القر لأن الناس تستقر فيه بمنى.
والثاني يوم النفر الأول لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى.
والثالث يوم النفر الثاني.
عن عبد الرحمن بن معمر الديلي أن رسول الله أمر منادياً ينادي الحج عرفة.
من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج وأيام منى ثلاثة من تعجل في يومين فلا إثم عليه واعلم أن التكبير المشروع في غير الصلاة وخطبة العيدين نوعان: مرسل ومقيد.
فالمرسل هو الذي لا يتقيد ببعض الأحوال بل يؤتى به في المنازل والمساجد والطرق ليلاً ونهاراً كما مر في تفسير قوله تعالى ﴿ ولتكبروا الله على ما هداكم ﴾ وذكرنا صورة التكبير هناك أيضاً.
ولا فرق في التكبير المرسل بين عيد الفطر والأضحى.
وأما التكبير المقيد فأظهر الوجهين أنه لا يستحب في عيد الفطر لم ينقلوا ذلك عن قول رسول الله ولا أصحابه، وإنما يستحب في الأضحى.
وتقييده هو أن يؤتى به في أدبار الصلوات خاصة.
واختلفوا في ابتدائه وانتهائه فقيل: من طهر يوم النحر إلى ما بعد طلوع الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبيرات على هذا في خمس عشرة صلاة وهو قول ابن عباس وابن عمر وبه قال مالك والشافعي في أشهر أقواله، وحجتهم أن الناس فيه تبع للحجاج وهم يبتدؤن التكبير عقيب الظهر يوم النحر إلى مضي خمس عشرة صلاة.
فيكون آخرها صلاة الصبح من آخر أيام منى وذكرهم قبل ذلك التلبية.
والقول الثاني للشافعي أنه يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبير في أعقاب ثماني عشرة صلاة.
والقول الثالث أنه يبتدأ من صلاة الفجر يوم عرفة ويقطع بعد صلاة العصر من يوم النحر، فتكون التكبيرات بعد ثماني صلوات، وهو قول علقمة والأسود والنخعي وأبي حنيفة.
واعترض عليه بأن هذه التكبيرات تنسب إلى أيام التشريق، فوجب أن يؤتى بها فيها.
وإن انضم معها زمن آخر فلا أقل من أن تكون هي أغلب.
والقول الرابع يبتدأ به من صلاة الفجر يوم عرفة ويقطع بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق، فيكبر عقيب ثلاث وعشرين صلاة، وهو قول أكابر الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود م وقول الثوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق والمزني من الفقهاء لما روى جابر أن النبي أصبح يوم عرفة ثم أقبل علينا وقال: " الله أكبر" .
ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق، ولأن هذا هو الأحوط فتكثير التكبير خير من تقليله.
وعلى هذا القول إنما تكون التكبيرات مضافة إلى أيام التشريق لأنها أكثر تلك المدة.
قال الجوهري: تشريق اللحم تقديده، ومنه أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها في الشمس.
وقيل: هو من قولهم "أشرق ثبير كيما نغير".
وقيل: سميت بذلك لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس.
وأما رمي أيام التشريق فإنه يجب أن يرمي كل يوم بين الزوال والغروب بكل جمرة من الجمرات الثلاث بالترتيب مبتدئاً من الجمرة الأولى من جانب المزدلفة ومختتماً برمي جمرة العقبة وهي التي تلي مكة رميات سبعاً في سبع دفعات لأن النبي كذلك رماها.
وقال: خذوا عني مناسككم.
فجملة ما يرمي في الحج سبعون حصاة، يرمي إلى جمرة العقبة يوم النحر سبع حصيات، وإحدى وعشرون في كل يوم من أيام التشريق إلى الجمرات الثلاث إلى كل واحدة سبع تواتر النقل به قولاً وفعلاً، ويكبر مع كل حصاة.
وعلى الحجيج أن يبتوا بمنى الليلتين الأوليين من ليالي التشريق، فإذا رموا اليوم الثاني فمن أراد منهم أن ينفر قبل غروب الشمس فله ذلك ويسقط عنه مبيت الليلة الثالثة والرمي من الغد وذلك قوله ﴿ فمن تعجل ﴾ أي عجل أو استعجل ﴿ في يومين فلا إثم عليه ﴾ ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه أن يبيت الليلة الثالثة ويرمي يومها، وبه قال أحمد ومالك والشافعي.
وعند أبي حنيفة يسوغ النفر ما لم يطلع الفجر، فإذا طلع لزم التأخر إلى تمام الأيام الثلاثة وذلك قوله ﴿ ومن تأخر فلا إثم عليه لمن التقى ﴾ قال في الكشاف: تعجل واستعجل يجيئان متعديين مثل تعجل الذهاب واستعجله، ويجيئان مطاوعين بمعنى عجل وهذا أوفق لقوله ﴿ ومن تأخر ﴾ والرمي في اليوم الثالث يجوز تقديمه على الزوال عند أبي حنيفة.
وعند الشافعي لا يجوز كسائر الأيام.
وقد سئل ههنا أن المتأخر قد استوفى ما عليه من العمل فكيف ورد في حقه ﴿ فلا إثم عليه ﴾ وهذا إنما يقال في حق المقصر الذي يظن أنه قد رهقه آثام فيما أقدم عليه.
فأجيب بأن الرخصة قد تكون عزيمة كالقصر عند أبي حنيفة والشيعة لا يجوز في السفر غيره، فلمكان هذا الاحتمال رفع الحرج في الستعجال والتأخر دلالة على أن الحاج مخير بين الأمرين، أو بأن أهل الجاهلية كانوا فريقين: منهم من يجعل المتعجل آثماً، ومنهم من يجعل المتأخر آثماً مخالفاً لسنة الحج، فبيّن الله أن لا إثم على واحد منهما.
وقيل: إن المعنى في إزالة الإثم عن المتأخر إنما هو لمن زاد على مقام الثلاثة.
فكأنه قيل: إن أيام منى التي ينبغي المقام بها فيها ثلاثة، فمن نقص فلا إثم عليه، ومن زاد على الثلاثة ولم ينفر مع عامة الناس فلا شيء عليه.
وقيل: إن الآية سيقت لبيان أن الحج مكفر للذنوب والآثام لا لبيان أن التعجل وتركه سيان كما أن الإنسان إذا تناول الترياق فالطبيب يقول له: الآن إذا تناولت السم فلا بأس، وإن لم تتناول فلا بأس، يريد أن الترياق دواء كامل في دفع المضار لا أن تناول السم وعدم تناوله يجريان مجرى واحداً.
وقيل: إن جوار البيت مكروه عند كثير من العلماء لأن ذلك قد يفضي إلى نقص حشمة البيت ووقعه في قلبه وعينه فأمكن أن يختلج في قلب أحد أن التعجيل أفضل بناء على هذا المعنى، ولما في التعجل من المسارعة إلى طواف الزيارة، فبيّن أنه لا حرج في واحد منهما.
وقال الواحدي: هذا من باب رعاية المقابلة والمشاكلة مثل ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ بل ههنا أولى لأن المندوب يصدق عليه أنه لا إثم على صاحبه فيه، وجزاء السيئة ليس بسيئة أصلاً.
وأما قوله ﴿ لمن اتقى ﴾ أي ذلك التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقي كيلا يتخالج في قلبه إثم منهما فإن ذا التقوى متحرز من كل ما يريبه.
وقيل: معناه أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقياً قبل حجة كقوله ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ أو لمن كان متقياً عن جميع المحظورات حال اشتغاله بالحج.
وقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ أي فيما يستقبل فيه حث على ملازمة التقوى فيما بقي من عمره وتنبيه على مجانبة الاغترار بالحج السابق كما أن قوله ﴿ واعلموا أنكم إليه تحشرون ﴾ توكيد للأمر بالتقوى وبعث على التشدد فيه لأن الحشر - وهو اسم يقع على ابتداء - خروج الناس من الأجداث إلى انتهاء الموقف يوجب تصوره، لزوم سيرة الاتقاء عن ترك الواجبات وفعل المحظورات.
والمراد من قوله ﴿ إليه ﴾ أنه حيث لا مالك سواه ولا ملجأ إلا إليه، ولا مستعان إلا هو ﴿ يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله ﴾ .
التأويل: ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ هي مدة الحياة الفانية، وقيل إلى أربعين سنة، ولهذا قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد.
نعم لو صدق طلبه قبل الأربعين وما أمكنه الوصول فقريب أن يحصل مقصوده بعد الأربعين، ومن فاته الطلب في عنفوان شبابه إلى أن بلغ الأربعين فحري منه عليه الحيف إذ ضيع اللبن في الصيف، لكنه يصلح للعبادة التي أجرها الجنة.
﴿ فلا رفث ﴾ لا يميل إلى الدنيا وزينتها وليهجرها كالمحرم بعد الاغتسال بماء الإنابة بتزر بإزار التواضع والانكسار، ويتردى برداء التذلل والافتقار.
﴿ ولا فسوق ﴾ ولا خروج من الأوامر والنواهي بل لا يخرج من حكم الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت ﴿ ولا جدال في الحج ﴾ لا نزاع للسالك الصادق في طلب الوصول لا بالفروع ولا بالأصول فلا في مالها مع أحد يخاصم ولا في جاهها لأحد يزاحم، فمن نازعه في شيء من ذلك يسلمها إليه ويسلم عليه ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ وتزودوا لكل سالك زاد.
فزاد أولي القشور كعك وسويق وهم الذين مقصدهم البيت ومقصودهم الجنة، وزاد أولي الألباب التقوى وهم من مقصدهم ومقصودهم رب البيت.
وتقوى أهل القشور مجانبة الزلات ومواظبة الطاعات، وتقوى أولي الألباب مجانبة الصفات بالصفات والذات بالذات.
فلما كان مقصودهم خير المقاصد كان زادهم خير الزاد ﴿ أن تبتغوا فضلاً ﴾ مقام ابتغاء الفضل بمعنى الرحمة بترك الموجود وبذل المجهود وهو في سيره إلى عرفات، ومقام ابتغائه بمعنى مواهب القربة ببذل الوجود عند الوقوف بعرفات، لأن الحج عرفة وعرفة المعرفة ومقام ابتغائه بمعنى الرزق هو قبل سيره إلى عرفات.
وقال جمع من المحققين: إنه بعد استكمال الحج الحقيقي لأنه لقوة عرفانه بالله لا تضره الدنيا بل يكون تصرفه فيها بالله في الله لله ﴿ عند المشعر الحرام ﴾ يعني القلب الذي حرام عليه الاطمئنان بغير ذكر الله ﴿ واذكروه كما هداكم ﴾ أي كما هدى قلوبكم يهدي نفوسكم كيلا تقع في خطر حب الدنيا.
﴿ وإن كنتم من ﴾ قبل الوقوف بعرفات المعرفة ﴿ لمن الضالين ﴾ في طلب الدنيا وحظوظ النفس ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ يعنى محمداً وسائر الأنبياء والأولياء أي لتكن الإفاضة من عرفات المعرفة لأجل أداء الحقوق بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ﴿ واستغفروا الله ﴾ لأجل إزالة غين المخالطة مع الخلق كقوله ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ إلى قوله ﴿ واستغفره ﴾ أي إذا وجدت هذا لا تخلو عن خط ما فاستغفره ﴿ فإذا قضيتم ﴾ مناسك الوصال وبلغتم مبلغ الرجال فلا تأمنوا مكر الله وواظبوا على الذكر ﴿ كذكركم آباءكم ﴾ في صغركم للافتقار وفي كبركم للافتخار ﴿ أو أشد ذكراً ﴾ لأنه يمكن الاستغناء من الأب ولا يمكن الاستغناء من الله ﴿ والله سريع الحساب ﴾ لأن أثر الطاعة وأثر المعصية تظهر في الحال على القلب ﴿ في أيام معدودات ﴾ هي أيام البداية والوسط والنهاية ﴿ فمن تعجل في يومين ﴾ وقف على الوسط ليكون من أهل الجنة ﴿ فلا إثم عليه ومن تأخر ﴾ إلى أن يصل يوم النهاية حتى يكون من أهل الله فذاك لمن اتقى الرجوع والوقوف، والله ولي التوفيق وهو حسبي.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
قيل: التجارة، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يتحرجون من التجارة في عشر من ذي الحجة، فلما أن كان الإسلام امتنع أهل الإسلام عن التجارة، وأحبوا أن يكون خروجهم للحج خاصة، دون أن يختلط غيره من الأعمال، فرخص الله عز وجل للحاج وطلب الفضل.
وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه -: أن رجلاً سأله، فقال: إنا قوم نكرى، ويزعمون أنه ليس لنا حج، [فهل لنا حج]؟
فقال: ألستم تحرمون وتقفون؟
فقال: بلى.
قال: فأنتم حجاج.
وقال: "جاء رجل إلى النبي ؛ فسأله عما سألتني عنه مثله، فلم يجبه حتى أنزل الله هذه الاية: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ ، فقال النبي : أنتم حجاج" [وروي عن ابن عباس مثله].
وأصحابنا، رحمهم الله ، يرون حج الأجير والتاجر تامّاً، وظاهر القرآن يدل على ذلك.
وكان عند القوم أن الاستئجار على الطاعة لا يجوز أمراً ظاهراً حتى سألوا في هذا.
وأصله: أن الحج لا يمنع أفعال غيره، فأشبه الصوم، ويجوز فيه الإجازة، كذا في هذا.
وأما الصلاة فهي مانعة لما سواها من الأفعال؛ فاختلفا.
وقوله: ﴿ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰت ﴾ .
قيل: إن أهل الجاهلية كانوا يفيضون من عرفات قبل غروب الشمس، ومن مزدلفة بعد طلوع الشمس، فأمر أهل الإسلام بالخلاف في الحالين جميعاً: أن يجعلوا الإفاضة من عرفة بعد الغروب، ومن المزدلفة قبل طلوع الشمس.
والله أعلم.
وفي الخبر: "خالفوهم في الرجعتين جميعاً" والإفاضة: هي الإسراع في المشي في اللغة.
وقيل: الإفاضة: الانحدار.
وقوله: ﴿ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ﴾ .
يعني: المزدلفة.
[ويحتمل قوله ﴿ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ﴾ وجهين: يحتمل: صلاة المغرب والعشاء] ويحتمل: الدعاء فيهما جميعاً.
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ﴿ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ﴾ ، الجبل وما حوله، وهو الجبل الذي يوقف عليه يقال له: "قزح"، وسمي "جمعاً"، أيضاً [لأنه يجمع ين المغرب والعشاء في وقت العشاء، وقيل: يمسى جمعاً] لأنه اجتمع فيه أدم وحواء.
وروي عن ابن عباس، رضي الله عنه، أنه قال: سمي العرفات عرفات؛ لأن جبريل، صلوات الله عليه، لما علَّم إبراهيم - - المناسك كان يقول له: عرفت عرفت.
والله أعلم ذلك.
وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: يحتمل: الأمر بالذكر أمر بالشكر له على ما أنعم عليهم من أنواع النعم.
ويحتمل: ﴿ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ ﴾ ، وأرشدكم لأمر المناسك.
ويحتمل: الأمر بالتوحيد؛ كأنه قال: وحدوه كما وفقكم لدينه، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ ، عن الهدي وعن المناسك، وعن معرفة النعم والشكر.
والله أعلم.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: الهدي على وجهين: هدي: عرف ليوحدوه.
وهدي: وفق، لطاعتهم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
قيل: إن أهل الحرم كانوا لا يقفون بعرفات، ويقولون: [إنما] نحن أهل حرم الله، لا نفيض كغيرنا، ممن قصدنا، فأنزل الله فيهم: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ ﴾ ، أمرهم بالوقوف بعرفات، والإفاضة منها من حيث أفاض غيرهم من الناس.
وذكر عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت: كانت قريش، ومن كان على دينها يقفون بالمزدلفة ولا يقفون بعرفة، [وكان من سواهم يقفون بعرفة].
فأنزل الله : ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ ﴾ .
وفيه دليل أن الوقوف بعرفة فرض، وعلى ذلك جاءت الآثار؛ روي عن رسول الله : "الحج عرفة، من أدرك عرفة بليل، وصلى معنا بجمع، فقد تم حجه" ويحتمل في قوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ ﴾ ، معنى آخر: وهو أنهم رأوا غيرهم من أهل الآفاق فإذا قصدوا على الإحرام من وراء الحرم، وهم أمروا بالإحرام [في الحرم]، فلما خصوهم بذلك ظنوا أن قضاء غيره من المناسك في الحرم.
والله أعلم.
قال الشيخ أبو منصور - رحمه الله عليه -: أمر بالإفاضة بحرف "ثم"، بعد ذكر المزدلفة والإفاضة من عرفات بتقديم المزدلفة، فَبَانَ أن حرف "ثم" مما قد يبتدأ به أيضاً.
وقوله: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: إنهم في الجاهلية كانوا إذا قضوا المناسك يجتمعون في مكان ويذكرون آباءهم ومناقبهم ويفتخرون بذلك، فلما أسلموا أمرهم أن يذكروا ربهم في الإسلام كذكرهم آباءهم في الجاهلية أو أشد ذكر، فإنه أولى بذلك من الآباء.
وقيل: أن يكونوا يذكرون آباءهم - ما أنعم عليهم وأحسن إليهم - فقال: اذكروا لي فيما تذكرون آباءكم مكان آبائكم [فإني أنا] الذي أنعمت عليكم [وعلى آبائكم]، فاجعلوا ذلك لي دون آبائكم.
وقوله: ﴿ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ﴾ .
[وقوله: ﴿ وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴾ .
وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ ].
وقوله: ﴿ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ...
﴾ الآية في قوم لا يؤمنون بالبعث والإحياء بعد الموت، [طلبوا] خيرات الدنيا، ولم يطلبوا الخيرات في الآخرة، فأعطوا ما سألوا من حسنات الدنيا، وهو كقوله: ﴿ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ﴾ ، فأعطوا ما سألوا من نصيب؛ ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ ، أي يؤتي حرث الدنيا والآخرة، فمن كان ركونهم إلى الدنيا وميلهم إليها لم يركنوا إلى دعاء غيرها، وأما من آمن بالبعث والإحياء بعد الموت فإننم سألوا خيرات الدنيا والآخرة جميعاً بقوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴾ ، طلبوا حسنات الدنيا؛ لأن الدنيا جعلها محل الزاد للآخرة، لأنه جعلها لهم، إنما خلقهم للآخرة؛ كقوله: ﴿ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ .
ثم اختلف في ﴿ ٱلْحَسَنَةَ ﴾ في الدنيا، و ﴿ ٱلْحَسَنَةَ ﴾ في الآخرة: قيل: حسنة الدنيا: العلم والعبادة، وحسنة الآخرة: الجنة والمغفرة.
وقيل: حسنة الدنيا: النصر والرزق، وحسنة الآخرة: الرحمة والرضوان.
وكله واحد.
وروي عن رسول الله ، أنه قال: "إن لله عباداً يحيون في عافية، ويموتون في عافية، ويدخلون الجنة في عافية.
قيل: يا رسول الله، بم؟
قال: بكثرة قولهم: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴾ " وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ .
قيل: فيه بوجوه: قيل: فيه تقديم وتأخير، كأنه قال: حسابه سريع.
وقيل: ﴿ سَرِيعُ ﴾ ، كما أن الإبطاء في الحساب يكون للتفكر فيه والاستذكار وحفظ عقد الأصابع أو لشغل شغله، فالله - - يتعالى عن ذلك أن يوصف به أو يشغله شيء.
وقيل: ﴿ سَرِيعُ ﴾ ، أي قريب، كأن قد جاء، كقوله: ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ ﴾ ، وكقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي قرب.
وقيل: كناية عن عذاب شديد، أي شديد العقاب والعذاب، [وهو كقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ ] وهو كقوله : "من نوقش الحساب عذب" وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ .
قيل: إنه يحتمل وجهين: قيل: إنه أراد بالأيام المعدودات أيام النحر والذبح، أي: اذكروا الله بالنحر والذبح في أيامكم.
فهو عند أبي حنيفة، رحمه الله ، يوم النحر ويومان بعده.
وقيل: أراد بالأيام المعدودات أيام رمي الجمار، دليله قوله : ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ ، وهب أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد النحر.
وروي عن علي، رضي الله عنه، أنه قال: "الأيام المعدودات: يوم النحر ويومان بعده، اذبح في أيها شئت، وأفضلها أولها".
وكذلك روي عن عمر، رضي الله عنه.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ .
قيل: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ ، أي: بعد يوم النحر [بيومين].
يقول: من نفر من منى قبل غروب الشمس في اليوم الثاني فلا إثم عليه، ومن لم ينفر حتى غربت الشمس وأقام إلى الغد - اليوم الثالث - فيرمي الجمار، ثم ينفر فلا إثم عليه.
وقيل: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ ، من أيام التشريق فلا إثم عليه، ومن تأخر إلى اليوم الثالث من أيام التشريق فلا إثم عليه.
ثم لا يحتمل قوله: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ ، أن يكون جميعاً على الرخصة، التعجيل والتأخير جميعاً، فلا يلحقه الإثم بكليهما؛ لأنه إذا كان التعجل هو الرخصة فالتأخر لا يكون رخصة، وإذا كان التأخر هو الرخصة فالتعجل ليس برخصة، لكن الوجه فيه - والله أعلم - ما روي عن ابن عباس، رضي الله عنه، أنه قال: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ غفر له، ﴿ وَمَن تَأَخَّرَ ﴾ غفر له ما كان له من الإثم والذنب في اليوم الذي أخر.
والله أعلم.
ويحتمل: أنه خيره، أي: فعل ذا أو ذا فلا إثم عليه.
وعن ابن مسعود، رضي الله عنه، أنه قال في قوله : ﴿ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ : رجع مغفوراً له.
وقوله: ﴿ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ ، قتل الصيد في الإحرام، وعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ أي فلا تستحلوا قتل الصيد في الإحرام.
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: من اتقى معاصي الله جملة.
وقيل: ﴿ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ جميع ما يحرم عليه الإحرام من الرفث، والفسوق، والجدال وغيره، وعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ، خوفهم عز وجل ليتقوا الله في كل وقت كل معصية.
خرج الخطاب في الظاهر للمؤمنين، ويحتمل أن يكون للكفار أيضاً، يأمرهم أن يتقوا الشرك وإشراك غيره في أفعالهم، لما أوعدهم بالحشر والجزاء لأعمالهم.
<div class="verse-tafsir"
ثم ادفعوا من عرفات كما كان يصنع الناس المقتدون بإبراهيم ، لا كما كان يصنع من لا يقف بها من أهل الجاهلية، واطلبوا المغفرة من الله على تقصيركم في أداء ما شرع، إن الله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.dXNAD"
قوله ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ متصل بما قبله واقع موقع الاستدراك والاحتراس مما عساه يسبق إلى الفهم من الأمر بالتزود من التقوى وعمل البر والخير وهو خير الزاد، ثم من مخاطبة أولي الألباب بالأمر بالتقوى تعريضًا بأن غير المتقي لا لب له ولا عقل، وهو أن أيام الحج لا يباح فيها غير أعمال البر والخير، فيحرم فيها ما كانت عليه العرب في الجاهلية من التجارة والكسب في الموسم، كما يحرم الرفث والفسوق والجدال الذي هو من لوازم التجارة غالبًا، والترفه بزينة اللباس المخيط والحلق والافضاء إلى النساء، فأزال هذا الوهم من الفهم وعلمنا أن الكسب في أيام الحج مع ملاحظة أنه فضل من الله غير محظور لأنه لا ينافي الإخلاص له في العبادة، إنما الذي ينافي الإخلاص هو أن يكون القصد إلى التجارة، بحيث لو لم ير الكسب لم يسافر لأجل الحج.
وهذا ما عليه الجمهور.
كان بعض المشركين وبعض المسلمين في أول الإسلام يتأثمون في أيام الحج من كل عمل حتى كانوا يقفلون حوانيتهم، فعلمهم الله تعالى أن الكسب طلب فضل من الله لا جناح فيه مع الإخلاص، وإن قوله تعالى ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ يشعر بأن ابتغاء الرزق مع ملاحظة أنه فضل من الله تعالى نوع من أنواع العبادة، ويروى أن سيدنا عمر قال في هذا المقام لسائل: وهل كنا نعيش إلا بالتجارة.
ثم قال تعالى: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾ الإفاضة من المكان الدفع منه، مستعار من إفاضة الماء وأصله أفضتم أنفسكم، ويقال أيضًا أفاض في الكلام إذا انطلق فيه كما يفيض الماء ويتدفق، وعرفات معروفة وهي موقف الحاج في النسك يجتمع فيها كل عام ألوف كثيرة من الناس، وقد جاء هذا الاسم بصيغة الجمع وقيل إنه جمع وضع لمفرد كأذرعات وهو مرتجل، وذكروا وجوهًا للتسمية أحسنها أنه يتعرف فيه الناس إلى ربهم بالعبادة، أو أنه يشعر بتعارف الناس فيه، وعرفة اسم لليوم الذي يقف فيه الحجاج بعرفات وهو تاسع ذي الحجة، وأطلق أيضًا على المكان في كلامهم ولعرفات أربعة حدود حد إلى جادة طريقة المشرق، والثاني إلى حافات الجبل الذي وراء أرضها، والثالث إلى البساتين التي تلي قرنيها على يسار مستقبل الكعبة، والرابع وادي عرنة (بضم ففتح)، وليس عرنة ولا نمرة (بفتح فكسر) من عرفات.
والوقوف بعرفات أعظم أركان الحج وكلها موقف.
والمشعر الحرام جبل المزدلفة يقف عليه الإمام ويسمى قزح (بضم ففتح) وسمى مشعرًا لأنه معلم للعبادة، ووصف بالحرام لحرمته وقيل هو المزدلفة كلها من مأزمي عرفات إلى وادي محسر (بكسر السين المهملة المشددة) وليس هو من مزدلفة ولا من منى بل هو من مسيل ماء بينهما في الأصل، وقد استوت أرضه الآن أو هو من منى.
والمعنى أنه يطلب من الحاج إذا دفع من عرفات إلى المزدلفة أن يذكر الله عند المشعر الحرام فيها بالدعاء والتكبير والتهليل والتلبية، وقيل بصلاة العشائين جمعًا، وليس هو المتبادل بل قالوه لينطبق على قولهم الأمر للوجوب مع قولهم إن الذكر هنا غير واجب.
ولقد أمر بالذكر عند المشعر الحرام للاهتمام به، لأنهم ربما تركوه بعد المبيت، ولم يذكر المبيت لأنه كان معروفًا لا يخشى التهاون فيه.
والقرآن لم يبين كل المناسك، بل المهم وبيَّن النبي الباقي بالعمل.
ثم قال ﴿ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ أي ذكروه ذكرًا حسنًا كما هداكم هداية حسنة إذ أنجاكم من الشرك واتخاذ الوسطاء كما كنتم في الجاهلية تذكرونه مع ملاحظة غيره بينكم وبينه لا يفرغ قلبكم له.
وكانوا يولون في التلبية: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك.
فالكاف للتشبيه لا للتعليل كما قيل ﴿ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ ﴾ أي من قبل الله الذي آمنتم به إيمانًا صحيحًا بهداية الإسلام دون الخيال الذي كنتم تدعونه إلهًا، وتجعلون له وسطاء شركاء يقربون إليه ويشفعون عنده فإن ذلك الخيال لا حقيقة له، وبهذا التقرير يستغنى عن تقدير المضاف ولا بأس بجعل ضمير "قبله" للهدى كما قال (الجلال)وغيره لسبق فعله، ويمكن أن يراد به القرآن كما قال بعضهم اكتفاء بدلالة المقام كقوله تعالى ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ ﴾ .
﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾ جعل المفسر (الجلال) كغيره الخطاب هنا لقريش خاصة ، إذ ورد في حديث عائشة عند الشيخين أن قريشًا ومن دان دينهم وهم الحمس كانوا يقفون في الجاهلية بمزدلفة ترفعًا عن الوقوف مع العرب في عرفات، فأمر الله نبيه أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها أي إبطالًا لما كانت عليه قريش فالمراد بهذه الإفاضة الدفع عن عرفات كالأولى قال: "وثم للترتيب في الذكر".
وهذا القول مردود، لأن الأسلوب ينافيه، ذلك أن الخطاب في الآيات كلها عام.
وهم يذكرون هذا كثيرًا و يكرون له نكتة تزيل التفاوت من النظم.
وقوله ﴿ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ﴾ يراد به الاستغفار مما أحدثوا بعد إبراهيم من تغيير المناسك وإدخال الشرك وأعماله فيها، وإلا فهو استغفار من الضلال الذي ذكرهم به في الآية قبلها، ومن عامة الذنوب في الحج وغيره، وهذا هو الذي يوجه إلى من بعد أولئك الذين أسلموا في الصدر الأول بعد أن كانوا مشركين ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أي واسع المغفرة والرحمة لمن استغفره تائبًا منيبًا..
<div class="verse-tafsir"